{"ً":{"ٌ":16884,"ٍ":"طرق الكشف عن مقاصد الشارع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/طرق الكشف عن مقاصد الشارع - جغيم - ط  النفائس","files":["146475s.pdf"]},"ّ":"الكتاب: طرق الكشف عن مقاصد الشارع\nالمؤلف: الدكتور نعمان جغيم\nالناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nعدد الصفحات: ٣٤٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2803,"ٕ":11,"ٖ":1770156112,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"شكر وتقدير","level":1,"page":5},{"title":"المقدمة","level":1,"page":6},{"title":"الباب الأول استخلاص المقاصد من منطوق النصوص ومفهومها","level":1,"page":19},{"title":"الفصل الأول تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها، وفائدة العلم بها","level":2,"page":20},{"title":"المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها","level":3,"page":20},{"title":"المطلب الأول: تعريف مقاصد الشريعة","level":4,"page":20},{"title":"المطلب الثاني أقسام المقاصد الشرعية","level":4,"page":23},{"title":"المبحث الثاني فائدة العلم بمقاصد الشارع","level":3,"page":35},{"title":"تمهيد بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة","level":4,"page":35},{"title":"الفصل الثاني استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص","level":2,"page":53},{"title":"تمهيد طرق إفادة الكلام","level":3,"page":53},{"title":"المبحث الأول استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص","level":3,"page":56},{"title":"المبحث الثاني نماذج تطبيقية لإستخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الشرعية","level":3,"page":59},{"title":"النموذج الأول: استخلاص المقاصد من النص والظاهر","level":4,"page":59},{"title":"النموذج الثاني: دلالة الأمر والنهي","level":4,"page":60},{"title":"النموذج الثالث دلالة العام","level":4,"page":67},{"title":"الفصل الثالث وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي","level":2,"page":71},{"title":"تمهيد طبيعة النص الشرعي ومستويات فهمه","level":3,"page":71},{"title":"المبحث الأول العناصر التي تتحكم في فهم الخطاب","level":3,"page":74},{"title":"المطلب الأول لغة الخطاب","level":4,"page":74},{"title":"المطلب الثاني المخاطب (المتكلم)","level":4,"page":80},{"title":"المطلب الثالث المخاطب (السامع)","level":4,"page":86},{"title":"المطلب الرابع سياق الخطاب","level":4,"page":88},{"title":"نماذج تطبيقية","level":4,"page":103},{"title":"المبحث الثاني نماذج تطبيقية على أهمية السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي","level":3,"page":124},{"title":"المطلب الأول أهمية القرائن في تحديد المقصود من الأوامر والنواهي","level":4,"page":124},{"title":"المطلب الثاني أهمية القرائن في تحديد المقصود من صيغ العموم","level":4,"page":129},{"title":"المطلب الثالث تخصيص الخطاب الشرعي بعادات المخاطبين وأعرافهم","level":4,"page":132},{"title":"المطلب الرابع تخصيص العام بقول الصحابي","level":4,"page":136},{"title":"المطلب الخامس أهمية السياق في تحديد المقصود من النص","level":4,"page":138},{"title":"الفصل الرابع استخلاص المقاصد من خلال معرفة علل الأحكام الشرعية","level":2,"page":139},{"title":"تمهيد","level":3,"page":139},{"title":"المبحث الأول تعليل الأحكام الشرعية وعلاقته بالكشف عن مقاصد الشريعة","level":3,"page":140},{"title":"المطلب الأول التعليل بين القائلين به والرافضين له","level":4,"page":141},{"title":"المطلب الثاني تعليل العبادات","level":4,"page":143},{"title":"المبحث الثاني مسالك العلة ووظيفتها في الكشف عن مقاصد الشارع","level":3,"page":149},{"title":"الفصل الخامس سكوت الشارع ودلالته على مقاصده","level":2,"page":169},{"title":"المبحث الأول أنواع سكوت الشارع","level":3,"page":169},{"title":"المبحث الثاني الفرق بين دلالة سكوت الشارع في العبادات وسكوته في المعاملات","level":3,"page":183},{"title":"المبحث الثالث علاقة سكوت الشارع بمرتبة العفو","level":3,"page":186},{"title":"المبحث الرابع هل السكوت عن النقل نقل للسكوت (هل ترك النقل ينزل منزلة نقل الترك)؟","level":3,"page":189},{"title":"الباب الثاني استخلاص المقاصد من طريق الاستقراء","level":1,"page":193},{"title":"الفصل الأول مفهوم الاستقراء وأنواعه","level":2,"page":194},{"title":"تمهيد","level":3,"page":194},{"title":"المبحث الأول مفهوم الاستقراء","level":3,"page":195},{"title":"المبحث الثاني أنواع الاستقراء","level":3,"page":208},{"title":"أولا: الاستقراء التام","level":4,"page":208},{"title":"ثانيا: الاستقراء الناقص","level":4,"page":211},{"title":"الفصل الثاني الاستقراء في القرآن الكريم والعلوم الشرعية","level":2,"page":224},{"title":"المبحث الأول الاستقراء في القرآن الكريم","level":3,"page":224},{"title":"المبحث الثاني الاستقراء في العلوم الشرعية","level":3,"page":227},{"title":"المطلب الأول الاستقراء عند الأصوليين","level":4,"page":227},{"title":"المطلب الثاني تطبيقات الاستقراء عند الفقهاء والأصوليين","level":4,"page":233},{"title":"الفصل الثالث الاستقراء عند الإمام الشاطبي","level":2,"page":236},{"title":"تمهيد","level":3,"page":236},{"title":"المبحث الأول تعريف الاستقراء عند الشاطبي وبيان الأساس الذي يقوم عليه","level":3,"page":238},{"title":"المبحث الثاني الاستقراء عند الإمام الشاطبي بين القطع والظن","level":3,"page":241},{"title":"المبحث الثالث حل الإمام الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص","level":3,"page":247},{"title":"المبحث الرابع مجالات استخدام الشاطبي للإستقراء","level":3,"page":255},{"title":"الفصل الرابع الاستقراء عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور","level":2,"page":265},{"title":"تمهيد","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الأول الاستقراء بين القطع والظن عند ابن عاشور","level":3,"page":266},{"title":"المبحث الثاني مجالات استخدام الاستقراء عند ابن عاشور","level":3,"page":271},{"title":"الفصل الخامس دراسة تقييمية للإستدلال الإستقرائي","level":2,"page":279},{"title":"المبحث الأول الفرق بين الاستقراء العلمى والاستقراء في العلوم الإنسانية","level":3,"page":279},{"title":"المبحث الثاني إمكانية تحقيق الاستقراء وجدواه","level":3,"page":281},{"title":"المبحث الثالث نتيجة الاستقراء بين اليقين والظن","level":3,"page":285},{"title":"المبحث الرابع حل مشكلة الاستقراء الناقص في العلوم الشرعية","level":3,"page":288},{"title":"الفصل السادس دراسة تطبيقية لمسلك الاستقراء","level":2,"page":292},{"title":"تمهيد","level":3,"page":292},{"title":"المبحث الأول استقراء علل الأحكام الضابطة لحكمة واحدة","level":3,"page":293},{"title":"المبحث الثاني استقراء أدلة أحكام اشتركت في علة واحدة","level":3,"page":303},{"title":"المبحث الثالث استقراء مجموعة من النصوص الشرعية المشتركة في معنى واحد","level":3,"page":305},{"title":"الترغيب في التيسير على العموم","level":4,"page":312},{"title":"العفو عن أهل الكتاب","level":4,"page":313},{"title":"الأمر بالتيسير على ذوي الحاجات والأعذار في الصلاة","level":4,"page":313},{"title":"الترغيب في أن يكون الإنسان سمحا في معاملاته","level":4,"page":314},{"title":"كفارة اليمين","level":4,"page":323},{"title":"كفارة قتل الصيد في الحرم","level":4,"page":323},{"title":"كفارة القتل الخطأ","level":4,"page":323},{"title":"كفارة الظهار","level":4,"page":323},{"title":"التيسير في المعاملات","level":4,"page":324},{"title":"١ - شرع الشفعة","level":5,"page":325},{"title":"٢ - الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي لا انفكاك عنها في الغالب","level":5,"page":325},{"title":"٣ - شرع السلم","level":5,"page":325},{"title":"٤ - الترخيص في العرايا","level":5,"page":325},{"title":"٥ - شرع القرض","level":5,"page":325},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":326},{"title":"قائمة المصادر","level":1,"page":330}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,21":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,199":194,"1,200":195,"1,201":196,"1,202":197,"1,203":198,"1,204":199,"1,205":200,"1,206":201,"1,207":202,"1,208":203,"1,209":204,"1,210":205,"1,211":206,"1,212":207,"1,213":208,"1,214":209,"1,215":210,"1,216":211,"1,217":212,"1,218":213,"1,219":214,"1,220":215,"1,221":216,"1,222":217,"1,223":218,"1,224":219,"1,225":220,"1,226":221,"1,227":222,"1,228":223,"1,229":224,"1,230":225,"1,231":226,"1,232":227,"1,233":228,"1,234":229,"1,235":230,"1,236":231,"1,237":232,"1,238":233,"1,239":234,"1,240":235,"1,241":236,"1,242":237,"1,243":238,"1,244":239,"1,245":240,"1,246":241,"1,247":242,"1,248":243,"1,249":244,"1,250":245,"1,251":246,"1,252":247,"1,253":248,"1,254":249,"1,255":250,"1,256":251,"1,257":252,"1,258":253,"1,259":254,"1,260":255,"1,261":256,"1,262":257,"1,263":258,"1,264":259,"1,265":260,"1,266":261,"1,267":262,"1,268":263,"1,269":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338},"ٜ":{"1":[2,345]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345"],"ٞ":{"5":[1],"6":[2],"19":[3],"20":[4,5,6],"23":[7],"35":[8,9],"53":[10,11],"56":[12],"59":[13,14],"60":[15],"67":[16],"71":[17,18],"74":[19,20],"80":[21],"86":[22],"88":[23],"103":[24],"124":[25,26],"129":[27],"132":[28],"136":[29],"138":[30],"139":[31,32],"140":[33],"141":[34],"143":[35],"149":[36],"169":[37,38],"183":[39],"186":[40],"189":[41],"193":[42],"194":[43,44],"195":[45],"208":[46,47],"211":[48],"224":[49,50],"227":[51,52],"233":[53],"236":[54,55],"238":[56],"241":[57],"247":[58],"255":[59],"265":[60,61],"266":[62],"271":[63],"279":[64,65],"281":[66],"285":[67],"288":[68],"292":[69,70],"293":[71],"303":[72],"305":[73],"312":[74],"313":[75,76],"314":[77],"323":[78,79,80,81],"324":[82],"325":[83,84,85,86,87],"326":[88],"330":[89]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"طرق الكشف عن مقاصد الشارع\n\nتأليف\nالدكتور نعمان جغيم\n\nدار النفائس","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nهذا الكتاب\nيعد علم المقاصد الشرعية من أهم العلوم التي يتطرق اليها الباحث، وهذا الكتاب جاء لبيان أهمية البُعْد المقاصدي في الإجتهاد، وضرورة إنضاج المعالم الأساسية لنظرية المقاصد.\nأثمرت جهود الباحث في بيان الكشف عن مقاصد الشارع، فكان هذا الكتاب ثمرة جهد كبير\nوفي الأصل هذ الكتاب أطروحة، قدمت استكمالًا للحصول على درجة الدكتوراه، وقد أجازت اللجنة المشرفة هذه الرسالة.","vol":"1","page":2},{"text":"طُرقُ الكَشفِ عن مقاصد الشارع","vol":"1","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة ©\ncopyrights reserved publisher: Dar Alnafaes-jordan\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\n\nرقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية\n١٧٣٣/ ٥/ ٢٠١٣\n\n٢٧٧.٥٦\nجغيم، نعمان\nطرق الكشف عن مقاصد الشارع/ نعمان جغيم - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٣.\n() ص.\nر. إ: ١٧٧٣/ ٥/ ٢٠١٣\nالواصفات: / الشريعة الإِسلامية// الإجتهاد (فقه إسلامي) // الإِسلام/\n\nتنويه مهم\nيمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الإلكتروني، تحت طائلة المسؤولية القانونية\n\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع - الأردن\nردمك: ٠ - ١٤١ - ٨٠ - ٩٩٥٧ - ٩٧٨  ISBN\n\nالعبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس\nص. ب: ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن\nهاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠\nفاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١\nEmail: alnafaes@hotmail.com\nwww.al-nafaes.com","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>شكر وتقدير</span>\nأتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى: فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الله الجبوري على ما أفادني به من إرشادات وتوجيهات قيِّمة، وعلى ما بذله من جهد ووقت في قراءة مادة هذا الكتاب. والشكر موصول إلى الأستاذ الفاضل محمد الطاهر الميساوي الذي فتح لي باب مكتبته الخاصة واسعًا، فآوتْنِي اللّياليّ الطوال، وأسعفتْني بما لم تسعفني به مكتبة الجامعة .. وإلى الدكتور محمد بن نصر الذي وفَّر لي ملجأ آوي إليه طلبًا للسكينة والهدوء لجمع شتات أفكاري .. وإلى رفيقي الدَّرب: صالح سبوعي وحسن لحساسنة على دفعهما المتواصل، وتشجيعهما الذي لم ينقطع، وبذل ما في وسعهما لتوفير أسباب الراحة لي .. وإلى كلّ من كانت له يد علينا ... فجزى الله تعالى الجميع خير الجزاء في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدمة</span>\nمن المتفق عليه بين العلماء المسلمين أن الأحكام الشرعية إنما شُرعت لتحقيق مقاصد سامية، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، وأنه ينبغي على المجتهد تحرّي هذه المقاصد في ممارسته الإجتهاد، والإفتاء على مقتضى ما يوافقها ويخدمها.\nولم يكن الصحابة - ﵃ - في حاجة إلى تدوين علم أصول الفقه وضبط مباحثه والكتابة في مقاصد الشريعة والبحث فيها، وذلك لأمرين:\nالأول: أنهم عايشوا طور التشريع، وليس من عايش كمن سمع، فمعايشة صدور النص التشريعي يعني معايشة المقام الذي صدر فيه ذلك النص والظروف والملابسات التي أحاطت به، وذلك يكاد يكون كافيًّا في إدراك مقصد الشارع من ذلك النص أو الفعل النبوي، وتظهر أهمية المعايشة في خفاء مقصد الشارع من بعض النصوص وأفعال النبي - ﷺ - على من لم يعايشها منهم، ولكن من كانت حاله كذلك منهم كان يتدارك الأمر بالإستفسار ممن شهد وعايش، ومن أخطأ منهم في فهم مقصد من المقاصد بسبب غياب عنصر المشاهدة، استدرك عليه من شهد ذلك كما هو معلوم فيما استدرك الصحابة بعضهم على بعض.\nالثاني: سلامة اللسان وسعة الإطلاع على مقاصد العرب من كلامها.\nفإن أشكل عليهم أمر بعد هاتين الميزتين لجؤوا إلى النبي - ﷺ - للإستفسار منه.\nوكذلك كان التابعون لِمَا وَرِثُوُه من علم الصحابة، فضلًا عن أنهم كانوا ما زالوا على قدر كبير من سلامة اللسان وصفاء القريحة، فأحاطوا بكليات الدين ومبادئه العامة ومقاصده الكلية، وإن غاب عن بعضهم شيء من نصوص السنّة أو لم يصلهم من طريق تصحّ به الرواية.","vol":"1","page":7},{"text":"ولَمَّا اتسعت رقعة الإِسلام وبدأ يظهر فساد في اللسان وضعف في القريحة، ظهرت الحاجة إلى ضبط قواعد فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها، وهو الذي جُمِع بعد ذلك فيما اصطُلِح عليه بعلم أصول الفقه، وكان متضمنًا لأهم الأسس والقواعد التي تُدْرَكُ بها مقاصد الشارع من خطابه. وقد أعطى ذلك مع ما شهدته تلك الفترة من ازدهار في حركة التدوين دفعًا قويًّا للعلوم الشرعية لتعيش بعد ذلك قرونًا من الإزدهار نَبَغَ فيها عدد كبير من العلماء في شتى العلوم.\nوجاء عصر الجمود الذي اتّسم بفساد في اللسان، وضعف في الهمم، وقلة من تأهّل للاجتهاد، وفشوّ التقليد المشوب بالتعصب المذهبي، وكان من مساوئ ذلك شيوع الحيل الفقهية التي كانت في أصلها مخارج شرعية، وتلك علامة ظاهرة على الإنحراف عن مقاصد الشارع من أحكامه وغياب تصور واضح للكليات الشرعية، وفي ذلك يقول محمد الطاهر بن عاشور: \"كان إهمال المقاصد سببًا في جمودٍ كبيرٍ للفقهاء ومعولًا لنقض أحكام نافعة، وأشأم ما نشأ عنه مسألة الحيل، التي ولع بها الفقهاء بين مكثر ومُقِلّ\". (١) وقد حاولت حركةُ التقعيد الفقهي تدارك هذا النقص بوضع قواعد فقهية عامة تضبط الجزئيات وترجعها إلى أصولها الكلية، ومع نجاحها إلى حدٍّ ما فإنها\nلم تكن كافية للتخلص من ذلك.\nوكما كان الإستحسان مخرجًا مما قد ينتج عن الإلتزام الصوري بالقياس من إخراج لبعض الأحكام عن القواعد الكلية للشريعة ومقاصدها العامة؛ إذْ هو في جوهره عدول عن قياس ظاهر توفرت فيه كلّ شروط القياس لأن نتيجته قد تؤدي إلى مخالفة قواعد الشريعة ومقاصدها العامة، فقد جاء إبراز مقاصد الشريعة وإفرادها بالتأليف للتخفيف من غلواء التقليد والتعصب المذهبي والإهتمام بالجزئيات على حساب الكليات ليتمّ الرجوع بالفقه إلى ما كان عليه في زمان الصحابة والتابعين وكبار الأئمة. وقد كان من رواد هذه الحركة الجويني، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والعز بن عبد السلام، والقرافي لِتُتَوَّجَ تلك الجهود على يد\n_________\n(١) ابن عاشور، محمد الطاهر: أليس الصبح بقريب، (تونس: الشركة التونسية لفنون الرسم، ط ٢، ١٩٨٨ م)، ص ٢٠٠.","vol":"1","page":8},{"text":"الإمام الشاطبي في كتابيه الموافقات والإعتصام اللذين كَانَا ثمرة المعاناة التي عاشها هو ذاته في الصراع مع تيار التعصب المذهبي المذموم والإبتداع، وقد حكى طرفًا من ذلك في كتاب الموافقات ومقدمة الإعتصام.\nإشكالية البحث:\nمع التسليم بأهمية البُعْد المقاصدي في الإجتهاد، وضرورة إنضاج المعالم الأساسية لنظرية المقاصد، يبقى السؤال: كيف نتعرّف على مقاصد الشارع؟ ما المسالك والأدوات المنهجيّة التي ينبغي استخدامها لتحديد مقاصد الشارع التي تشكَّلُ بعد ذلك أسس وضوابط الإجتهاد؟ ثمّ بعد معرفة هذه المسالك، ما السبيل إلى تنزيلها على الواقع لإستخراج المقاصد الشرعية بأنواعها: العامة والخاصة، والكلية والجزئية؟ كيف استخدمها الفقهاء والأصوليون في اجتهاداتهم، كيف يمكن أن نستخدمها اليوم؟ وبناءً على أهمية هذا الموضوع ومحوريّته في نظرية المقاصد فإنه في حاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل؛ ذلك أن نظرية المقاصد لا يكتمل بناؤها، ولا تؤتي ثمرتها تنزيلًا على الواقع إلّا إذا حُدّدت تلك المسالك والوسائل المنهجية التي يستخدمها المجتهد في استخراج مقاصد الشارع التي تكون هاديًا له في اجتهاده.\nأهمية الموضوع:\nلم يكن الإمام الشاطبي مخالفًا لسلفه من العلماء عندما جعل العلم بمقاصد الشريعة والإحاطة بها، ثُمّ القدرة على تنزيلها على الواقع. خلاصة الشروط الواجب توفرها في المجتهد، ذلك أنهم فَصَّلُوا فعدَّدُو الوسائل التي يُعِينُ توفرُها المجتهدَ على تحصيل إمكانية فهم النصوص وإدراك مقاصد الشارع منها والإحاطة بها، وتجاوز الشاطبي التفاصيل، وصوَّب نظره إلى الجوهر، فلخّص شروط المجتهد في الإتصاف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الإستنباط بناءً على فهمه فيها. (١)\n_________\n(١) انظر الشاطبي، أبا إسحاق: الموافقات، تعليق عبد الله دراز، وضع تراجمه محمد عبد الله دراز وخرج آياته وفهرس موضوعاته عبد السلام عبد الشافي محمد، (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ط، د. ت) مج ٢، ج ٤، ص ٧٦.","vol":"1","page":9},{"text":"والحديث عن موضوع المقاصد الشرعية يطرح قضية في غاية الأهمية في فهم نصوص الشريعة، هي أهميّة الإعتماد على الكلّيّات الشرعيّة وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها، والتعامل مع النصوص الشرعية بوصفها وحدة متكاملة يكمل بعضُها بعضًا ويعضِده، وهو نوع من أنواع ردِّ المتشابهات إلى المحكمات، والجزئيات إلى الكليات. فكليات الشريعة -وهي مقاصدها العامة- هي الأصول القطعية الحاكمة لكلّ اجتهاد وتفكير إسلامي.\nولَمّا كان الكلام في مقاصد الشريعة كلامًا فضفاضًا قد يحمله البعض على غير وجهه الصحيح، فيُدْخِل في مقاصد الشريعة ما ليس منها ويخرج منها ما هو من صميمها، جاءت أهمية الكتابة في بيان المسالك والطرق التي يمكن بها التعرّف على تلك المقاصد، وضبطها حتى لا يتحوّل الإحتجاج بمقاصد الشريعة إلى ثغرة يدخل منها خصوم الإِسلام لتدميره باسمه.\nوقد كانت هذه الأهمية التي تكتسبها مقاصد الشريعة هي التي دفعت الباحث إلى اختيار هذا الموضوع، فضلًا عن أنه -حسب اطلاع الباحث- لم يُفْرد إلى الآن ببحث أكاديمي متكامل يتناول جميع جوانبه بالبحث والتحليل، ولم يتعرض له بالبحث المستقلّ سوى الشاطبي في الموافقات، ومحمد الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإِسلامية، إلّا أنه كان تناولًا موجزًا، وهو موضوع يحتاج إلى كثير من البحوث والدراسات حتى يمكن تحديد معالمه وضوابطه والوصول به إلى مرحلة النضج.\nالدراسات السابقة:\nلم يكن الحديث عن المقاصد الشرعية وسبل التعرف عليها غائبًا عن علماء الصدر الأول (١)، ولكن أوّل من أفرد هذه المسالك بمبحث مستقلّ في مؤلفاته هو\n_________\n(١) انظر في ذلك مثلًا ما ذكره أبو حامد الغزالي في باب الإستصلاح من أن الطرق التي تعرف بها مقاصد الشرع هي الكتاب والسنة والإجماع. انظر الغزالي، أبا حامد: المستصفى من علم الأصول، تصحيح نجوى ضو، (بيروت: دار إحياء التراث العربي/ مؤسسة التاريخ العربي، ط ١، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م)، ج ١، ص ٢٢٢، وما ذكره العز ابن عبد السلام من أن مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدها تعرف بالكتاب والسنة والإجماع والقياس والإستدلال الصحيح والعقل. انظر ابن عبد السلام، عز الدين بن عبد العزيز: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (بيروت: مؤسسة الريان، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م)، ج ١، ص ١٠.","vol":"1","page":10},{"text":"الإمام الشاطبي، الذي خصص الجزء الثاني من كتابه الموافقات لموضوع المقاصد الشرعية دراسةً وتحليلًا. وبعد دراسة طويلة ومتشعّبة للمقاصد تنظيرًا وتدليلًا، وصل أخيرًا إلى الحديث عن المسالك التي يمكن من خلالها التعرّف على تلك المقاصد، فقال: \"فإنّ للقائل أنْ يقول: إنّ ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبنيّ على المعرفة بمقصود الشارع؛ فبماذا يُعرف ما هو مقصود له مما ليس بمقصود له؟ \" (١)\nاستهلّ الشاطبي حديثه عن هذا الموضوع بمسألة في غاية الحساسية، وهي علاقة مقاصد الشارع بنصوصه، حيث أشار إلى وجود ثلاثة اتجاهات في ذلك: الإتجاه الظاهري الذي يَقْصِر مسالك الكشف عن مقاصد الشارع على ما صرّحت به ظواهر النصوص دون أن يُعطي كبيرَ اهتمام لعلل الأحكام، والمقامات التي صدرت فيها، والظروف والملابسات التي صاحبتها، وما يمكن أن يكون لذلك من تأثير في فهمها وتنزيلها على ما يَجِدُّ بعد ذلك من وقائع. والإتجاه الباطني الذي يُهْدر ظواهر النصوص، ويسعى إلى التخلص منها بدعوى أنها ليست مقصودة لذاتها، ويجعل عمدته في اكتشاف مقاصد الشارع معاني باطنية يزعمها أصحاب هذا الإتجاه من غير أن تسندها أدلّة يُعتَدُّ بها، وإنما هي مجرد دعاوى ليست لها على أضدادها مزيّة. ويبرز هذا الإتجاه عند الفِرَق الباطنية القديمة ومن يُعدُّ امتدادًا لهم من بعض العلمانيين من المعاصرين الذين لم يجرؤوا على ردَّ النصوص الشرعية صراحة، فراموا التخلص منها بدعوى أنها لم يُقْصد منها ظواهرها، وإنما قُصِد بها تحقيق المصلحة التي تتغير بتغير الأزمان والظروف. والاتجاه الثالث، وهو منهج التوسط، وهو اعتبار ظواهر النصوص ومعانيها في مسلك توافقي لا يسمح بإهدار أحد الجانبين على حساب الآخر ولا بطغيان أحدهما على الآخر؛ فيعطي للنص حقّه وأبعاده التي يكون قد قصدها الشارع، وذلك من خلال عدم إهمال الأدوات المُعِينة على حسن فهم النص وتطبيقه مِنْ عللٍ، وقرائنَ، ومقاماتٍ، وعقلٍ، وجمعِ النصوص الجزئيّة بعضها إلى بعض لتتضح الصورة الكلية.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٧.","vol":"1","page":11},{"text":"ثم انتقل إلى الحديث عن تلك المسالك، فذكر منها أربعة: (١)\nالأول: مجرّد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي؛ فالأمر دالّ بذاته على قصد الشارع إلى إيقاع المأمور به، والنهي كذلك دالّ بذاته على قصد الإنتهاء عن المنهي عنه.\nوتقييد كلًّ من الأمر والنهي بوصف الصراحة يُقصَدُ منه الإحتراز من الأمر أو النهي الضمني، كالنهي عن أضداد المأمور به؛ إذ الأمر بالشيء يتضمن النهي عن كلّ ما يحول دون تحصيل ذلك المأمور به، والأمر الذي يتضمنه النهي عن الشيء؛ فإن النهي عن الشيء قد يتضمن الأمر بإيقاع ضده، ولكن كلاّ منهما غير مقصود بالقصد الأول، وإنما هو تابع لصريح الأمر أو النهي ومُتَضَمَّن فيهما، وقد لا يكون مقصودًا للآمر أو الناهي تحصيلهما، خاصة في حال إمكان انفكاك أحدهما عن الآخر.\nوالأمر أو النهي الصريح مُتَّفَق على كون الأمر أو النهي فيه مقصودًا للآمر أو الناهي، أما ما يمكن أن يتضمنه الأمر أو النهي من معاني ومقاصد فهو غير ظاهر في ذلك، ويحتاج في التعرف على كون ٥ مقصودًا أو غير مقصود إلى قرائن وشروط أخرى، وهو مُدْرَج ضمن ما يحتاج في فهمه إلى معرفة ما يحفّ به من قرائن، وما ورد فيه من سياق للتأكد من كونه مقصودًا للشارع أو غير مقصود.\nأما تقييدهما بالإبتداء فهو احتراز من الأمر أو النهي الذي قُصِدَ به غيره؛ وهو ما كان وسيلة إلى تحقيق مقصد أو خادمًا له. ومثّل له الشاطبي بقول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، \"فإن النهي عن البيع ليس نهيًا مبتدأً، بل هو تأكيد للأمر بالسعي، فهو من النهي المقصود بالقصد الثاني، فالبيع ليس منهيًّا عنه بالقصد الأول، كما نهي عن الربا والزنى مثلًا\". (٢)\nولكن هذا وإن لم يكن مقصودًا بالقصد الأول فهو مع ذلك يبقى مقصدًا من\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٨ - ٣١٣.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٨.","vol":"1","page":12},{"text":"مقاصد الشارع؛ لأن الأول لا يتحقق إلّا بالثاني، فهو طريق للكشف عن مقاصد الشارع، ولا بأس في ذلك من كونه إنما يُعرف به ما قُصِد بالقصد الثاني لا بالقصد الأول.\nوالملاحظ أن هذا المسلك يمثل جزءًا من مسلك أوسع، هو مسلك استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الشرعية التي ثبت عدم صرفها عن ظاهرها، وبناءً على ذلك سيدرجه الباحث ضمن هذا المسلك.\nالثاني: اعتبار علل الأمر والنهي. والعلة إما أن تكون معلومة أو لا تكون كذلك، فإذا كانت معلومة لزم اعتبارها، فحيث وُجِدَت وُجِد مقتضى الأمر أو النهي. أما إذا لم تُعْلَم العلّة فإنه ينبغي التوقف عن القول بأن الشارع قاصد إلى تعديّة ذلك الحكم من المنصوص عليه إلى المسكوت عنه. (١)\nالثالث: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصليّة ومقاصد تبعيّة، ومع كون المقاصد الأصلية هي الأساس، إلّا أنها لا يمكن أن تقوم بمفردها، ولا يمكن أن تتحقق على التَّمام إلّا إذا تحقّقَ ما يخدمها ويكمِّلها، ومن ثَمّ فكلّ ما ثبت كونُه خادمًا ومحققًا للمقاصد الأصلية عُدَّ مقصودًا للشارع، ولزم مراعاته والعمل على تحقيقه، من باب ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب، فهذا مسلك يُستَدلّ به على أن كلّ ما لم يُنصّ عليه مما شأنه كذلك فهو مقصود للشارع أيضًا. (٢)\nالرابع: سكوت الشارع عن شرع التسبُّب أو عن شرعيّة العمل مع قيام المعنى المقتضي له. فهذا الضرب من السكوت يُنزَّلُ منزلة النصّ على أن الشارع يريد الإلتزام بما كان معروفًا في زمن التشريع من غير زيادة عليه ولا نقصان منه. (٣)\nولكن سيتبيّن أن هذا إنما يصدق على العبادات، أو المعاملات التي ظهر فيها معنى التّعبّد دون غيرها من المعاملات التي بُنيت على التعليل ومعقوليّة المعنى.\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٣٠٠ - ٣٠٣.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٣١٠ - ٣١٣.","vol":"1","page":13},{"text":"ومع أن ما كتبه الشاطبي يمثّل أساس موضوع مسالك الكشف عن مقاصد الشارع، إلّا أن دراسته -شأن الدراسات المؤسِّسة في كلّ العلوم- جاءت مجملة غير محيطة إحاطة كاملة بالموضوع فهي -مع إمكان اعتمادها أساسًا لدراسة هذا الموضوع- تبقى في حاجة إلى تفصيل، وتمحيص، وزيادة، وهو ما سعى إليه محمد الطاهر بن عاشور وآخرون بعد ذلك، ويسعى هذا المبحث إلى الإسهام فيه.\nومن أبرز ما يلاحظ على المسالك التي أوردها الشاطبي أنها مسالك جزئية قد لا تصلح لإستخراج المقاصد العامة والكلية، وإنما مجالها استخراج المقاصد الجزئية، اللهُمَّ إلّا المسلك الأول، وهو تبيُّن قصد الشارع من مجرد الأمر والنهي الواردين في ظواهر النصوص الشرعية؛ إذْ يمكن استخدامه في استخراج بعض المقاصد العامة والكلية، خاصة إذا تعلق الأمر بالآيات التي نصّت على مبادئ تشريعية كلّية، وبجوامع الكَلِم من السنّة، أما المسالك الأخرى فإنه لا يمكن استخدامها في استخراج المقاصد العامة والكلية إلّا إذا أضيف إليها عنصر الاستقراء.\nوالغريب أن الإمام الشاطبي مع كونِ عمدته الأساسية في الكشف عن مقاصد الشارع تمثلت في الاستقراء، وقد سارع إلى بيان ذلك منذ خطبة الكتاب، حيث يقول: \" ... لم أزل أقيّد من أوابده، وأضمّ من شوارده، تفاصيل وجملًا، وأسوق من شواهده، في مصادر الحكم وموارده، مبينًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية ... \"، (١) وأعطاه مكانة بارزة لم يعطها له أحد من علماء الشريعة قبله، إلّا أنه عندما جاء إلى بيان المسالك التي تُعرف بها المقاصد أهمل بالكلية هذا المسلك، ولم يورد له ذكرا.\nوإذا نظرنا إلى ما كتبه الشاطبي من الناحية المنهجية، فإنه يمكن القول إنه كان على الشاطبي أن يصدَّر كتاب الموافقات ببيان هذه المسالك، ذلك أن من مقتضيات التأليف والبحث المنهجيين أن يصدَّر المؤلَّف مؤلَّفَه ببيان الوسائل والمناهج التي سيعتمدها في بحثه، فكان الأجدر بالشاطبي -قبل أن يشرع في بيان واستخراج مقاصد الشارع- أن يبيَّن منهجه في ذلك.\n_________\n(١) المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١٦.","vol":"1","page":14},{"text":"أما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فإنه -على خلاف الشاطبي- قد جعل مسالك الكشف عن مقاصد الشارع في بداية كتابه. فبعد إثبات أن للشريعة مقاصد من شرع الأحكام، وبيان حاجة الفقيه إلى معرفة هذه المقاصد انتقل إلى الحديث عن طرق إثبات المقاصد الشرعية، فعدَّد منها ثلاثة طرق، هي: (١)\n١ - استقراء الشريعة في تصرفاتها، وهو على نوعين:\nالأول: استقراء الأحكام المشتركة في علّة واحدة ليحصل من ذلك يقين بأن تلك العلة مقصد مراد للشارع، وفي ذلك يقول: \"أعظمها استقراء الأحكام المعروفةِ عللُها، الآيل إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة. فإن باستقراء العلل حصولَ العلمِ بمقاصد الشريعة بسهولة، لأننا إذا استقرينا عللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متّحدة، أمكن أن نستخلص منها حِكْمة واحدة فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يُسْتَنْتَجُ من استقراء الجزئيات تحصيلُ مفهوم كُلّيٍّ حسب قواعد المنطق\". (٢)\nوالثاني: \"استقراء أدلّة أحكام اشتركت في علّة بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلة مقصد مراد للشارع\". (٣)\n٢ - الإستخلاص المباشر لمقاصد الشارع من ظواهر النصوص القرآنية الواضحة الدلالة إلى درجة يضعف فيها احتمال كون المراد منها غير ظاهرها، وأعلى المقاصد التي تُستنبط من هذا الطريق هي التي تؤخذ من نصوص تجتمع فيها قطعية الثبوت مع قوة الظهور إلى درجة تقترب من اليقين. (٤)\n٣ - الإستخلاص المباشر من السنّة المتواترة، وهو على قسمين:\nالأول: من السنّة التي حصل تواترها المعنوي من مشاهدة عموم الصحابة عملًا\n_________\n(١) ابن عاشور، محمد الطاهر: مقاصد الشريعة الإِسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، (د. م: البصائر للإنتاج العلمي، ط ١، ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م)، ص ١٢٤ - ١٢٩.\n(٢) المصدر السابق، ص ١٢٥.\n(٣) المصدر السابق، ص ١٢٦.\n(٤) انظر المصدر السابق، ص ١٢٧.","vol":"1","page":15},{"text":"من أعمال النبي - ﷺ - فيحصل لهم علمٌ بتشريعٍ في ذلك يستوي فيه جميع المشاهدين، وهو الطريق الذي تثبت منه المعلومات من الدين بالضرورة.\nالثاني: تواتر عملي يحصل لآحاد الصحابة من تكرّر مشاهدة أعمال رسول الله - ﷺ -، بحيث يستخلص من مجموعها مقصدًا شرعيًا. (١)\nويبدو أن ابن عاشور يقصر هذا المسلك على الصحابة فقط لما يحصل لهم من تواتر في تلك السنن وتعذُّر ذلك على من جاء بعدهم إلّا من خلال القيام بعملية استقراء، وهو الذي أشار إليه في المسلك الأول.\nوقد عدّ ابن عاشور \"طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصودًا لها\" طريقًا يُنزّل منزلة طرق الكشف عن المقاصد، إلّا أنه لم يدرجه ضمن تلك الطرق من حيث إنه لم تثبت حجيّة كلّ أقوال السلف، بل منها ما هو حجّة، ومنها ما هو مجرّد رأي من صاحبه في فهم الشريعة، ولكن التأمل في أقوالهم يُبيِّن وجوب اعتبار مقاصد الشريعة على الجملة. (٢)\nوعلى أهمية ما كتبه ابن عاشور - حيث يمكن أن يضاف إلى ما كتبه الشاطبي ليكونا معًا أساس دراسة مسالك الكشف عن المقاصد - إلّا أنه لا يمكن اعتباره دراسة وافية، بل مجرد تمهيد لطريق المبحث في هذا الموضوع. ويبدو أن ابن عاشور اعتنى بتطبيق منهجه هذا عمليًّا في كتاباته أكثر من اهتمامه بالتنظير له.\nوقد أجرى الدكتور عبد المجيد النجار دراسة مقارنة بعنوان: مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي وابن عاشور (٣) استعرض فيها موضوع الكشف عن مقاصد الشريعة: مقدماته، ومسالكه عند كلٍّ من الإمام الشاطبي، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور ثُمّ المقارنة بينهما، حيث أشار إلى أن المسالك التي أوردها الشاطبي\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ١٢٧ - ١٢٩.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ١٣٠ - ١٣٤.\n(٣) وهو في أصله مقال نشر في العدد الأول من مجلة العلوم الإِسلامية التي تصدرها جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإِسلامية بقسنطينة، الجزائر. ثم نشره ضمن كتابه: فصول في الفكر الإِسلامي بالمغرب، (بيروت: دار الغرب الإِسلامي، ط ١، ١٩٩٢ م)، ص ١٣٩ - ١٦١.","vol":"1","page":16},{"text":"تتسم بكونها جزئية في الغالب، \"حيث اتجهت إلى رسم الطريق في المبحث عن المقاصد في نطاق آحاد الأحكام، لا في نطاق المقاصد الكلية العامة، وهو ما يظهر بجلاء في المسالك الثلاثة الأخيرة\". (١) وقد أرجع سبب ذلك إلى طبيعة العمل الذي قام به الشاطبي بكونه \"عملًا مبتكرًا أو يكاد، وهو ما جعله ينحو منحى التجزئة والتفصيل والتدقيق في بسط المقاصد وتحليلها، وبيان حقائقها وأوضاعها، فجاء مؤَلَّفُه متكاثرة مسائله متنوعة متعددة قضاياه\". (٢)\nأما ابن عاشور فإنه قد وجد أساس علم المقاصد مرفوعًا فعمد إلى البناء عليه مع تهذيبه، والسعي إلى الوصول به إلى مرحلة النضج، فكان تركيزه على الطرق التي تعرف بها المقاصد العليا، ولذلك نجده قد جعل الاستقراء أولها وأعظمها.\nوفي نهاية المبحث خلص إلى القول: \"لا شك أن ما قدّمه الإمامان يُعتبر مادة ثريّة في الإستكشاف المقاصدي لا غنى لباحث أصولي عنها، كما أنه يُعتبر قفزة نوعية في جنس البحوث الأصولية، ولحن تطور الأوضاع، واستجداد الملابسات تدعو إلى أن تكرم هذه الثروة بتزكيتها بالبحث للبناء عليها أسًّا متينًا، وفي مستجدات العلوم اليوم: لغوية واجتماعية ونفسية واقتصادية ما يعين على تطوير البحوث في مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة\". (٣)\nمنهجية البحث:\nيشتمل البحث على مقدمة وبابين وخاتمة.\nجاءت المقدمة في بيان أهمية الموضوع، وملخص لأبرز الدراسات السابقة حوله.\nأما الباب الأول فهو في كيفية استخلاص المقاصد من منطوق النصوص ومفهومها ومعقولها، وقد اشتمل على خمسة فصول.\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ١٥٨.\n(٢) المصدر السابق، الصفحة نفسها.\n(٣) المصدر السابق، ص ١٦٠.","vol":"1","page":17},{"text":"الفصل الأول: وهو بمثابة تمهيد للموضوع، حيث يتناول التعريف بمقاصد الشريعة، وبيان أنواعها وتقسيماتها، ثم يعرض بشيء من التفصيل إلى بيان أهمية العلم بمقاصد الشريعة خاصة لمن يتصدى للفتوى والإجتهاد، حيث تكون عونًا وهاديًّا له في حسن فهم النصوص وإدراك ما خفي من المعاني، والترجيح بين ما يبدو فيه تعارض منها، وحسن تنزيلها على الواقع بمراعاة مآلات تلك الأحكام ومدى تحقيقها لما قصده الشارع منها.\nأما الفصل الثاني: فهو في بيان أن أوّل ما تُستخلَص منه مقاصد الشارع هي ظواهر نصوصه، لأنها هي وعاء أمره ونهيه، وهي المتضمن لإرادته.\nفإذا تبيّن أن تلك الظواهر غير مقصودة، أو لم تكن واضحة إلى الدرجة التي تُستخلص منها المقاصد استخلاصًا مباشرًا، انتقل الباحث إلى البحث عن القرائن والظروف والملابسات التي ورد فيها ذلك الخطاب للإستعانة بها على تحديد المقصود منه، وهو موضوع الفصل الثالث.\nفإذا لم يكن منطوق النص وافيًّا بمقصد الشارع انتُقِلَ إلى معقوله، وذلك من خلال البحث عن علل النصوص وحِكَمها، وتكون بعض مسالك العلة طريقَ المجتهد في استخراج مقاصد الشارع من معقولِ نصوصه، وهو موضوع الفصل الرابع.\nأما الفصل الخامس: فقد خصص لدراسة كيفية دلالة سكوت الشارع على مقاصده من خطاباته، وبيان ما يصلح منه ليكون كذلك وما لا يصلح.\nأما الباب الثاني فهو مخصص لمسلك الاستقراء، وقد تَمّ إفراده بباب مستقلّ لأهميته في الكشف عن المقاصد العامة واستخراج الكليات الشرعية، ولأنه لم ينل حظه من الحث في الدراسات الشرعية، ولِمَا يكتنفه من خلاف حول أهميته في هذه الدراسات وحول إمكانية التوصل من طريقه إلى نتائج قطعية أو قريبة من القطع. وقد جاء في ستة فصول.\nالفصل الأول: في تعريف الاستقراء قديمًا وحديثًا، وبيان أقسامه ودلالة كلّ قسم","vol":"1","page":18},{"text":"منه.\nالفصل الثاني: في لمحة عن الاستقراء في العلوم الشرعية، حيث يتبيَّن أن الإستدلال الإستقرائي استدلال أصيل في العلوم الشرعية، وليس وليدَ انتقالِ التراث اليوناني إلى العالم الإِسلامي، فهو حاضر بجلاء في المجال التطبيقي عند علماء المسلمين وإن لم يُعْتَنَ به كثيرًا في المجال النظري.\nولَمّا كان الشاطبيّ أبرز من اعتنى من الأصوليين بمبحث الاستقراء، وأعطاه بعدًا تطبيقيًّا واسعًا في مجال المقاصد الشرعية كان من اللازم إفراده بالدراسة، فخُصَّص لذلك الفصل الثالث من هذا الباب.\nأما الفصل الرابع فقد خُصص لرأي ابن عاشور في الإستدلال الإستقرائي في مجال مقاصد الشريعة، وكيفيّة تطبيقه إياه.\nوبعد هذه الدراسة المستفيضة للإستدلال الإستقرائي جاء الفصل الخامس لتقييمه: ما له وما عليه، وليبيَّن الفروق التي يجب مراعاتها بين الاستقراء في العلوم الطبيعية والاستقراء في العلوم الشرعية خصوصًا والعلوم الإجتماعية عموما.\nأما الفصل السادس فهو دراسة تطبيقية لبيان كيفية استثمار الإستدلال الإستقرائي في المقاصد العامة للشريعة الإِسلامية، واستخلاص الكليات من جزئيات النصوص والأحكام.\nثم تأتي خاتمة البحث لإبراز بعض الخلاصات والتوصيات.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>البَابُ الأَوّل\nاستخلاص المقاصد من منطوق النصوص ومفهومها</span>\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها، وفائدة العلم بها\nالفصل الثاني: استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص\nالفصل الثالث: وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي\nالفصل الرابع: استخلاص المقاصد من خلال معرفة علل الأحكام الشرعية\nالفصل الخامس: سكوت الشارع ودلالته على مقاصده","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول\nتعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها، وفائدة العلم بها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأول: تعريف مقاصد الشريعة وبيان أقسامها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الأول: تعريف مقاصد الشريعة</span>\nالتعريف اللغوي:\nالقصد والمقصد مشتقان من الفعل \"قصد\"، والقصد: استقامة الطريق، والإعتماد، والأَمُّ، والعدل، والتوسط، وإتيان الشيء. يقال: قصده، وله، وإليه، يقصده. (١)\nقال ابن جِنّي: \"أصل (ق ص د) ومواقعها في كلام العرب الإعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء، على اعتدال كان ذلك أو جور، هذا أصله في الحقيقة وإن كان قد يُخَصّ في بعض المواضع بقصد الإستقامة دون الميل\". (٢)\nوالمقصِد اسم المكان. وجمعه مقاصد، أما جمعه على قُصُود فقد ذكر الفيومي أن بعض الفقهاء قد استعمله، وهو على خلاف القياس عند النحاة. (٣) ومنه جاء تعبير الفقهاء والأصوليين بمقاصد الشارع عن المعاني والحِكَم التي قصد الشارع إلى تحقيقها من وراء تشريعاته وأحكامه.\nوقد ذكر الدكتور طه عبد الرحمن أن لفظ \"المقاصد\" مشترك بين معان ثلاثة:\n[١ - يُستعمل لفظ \"قصد\" بمعنى هو ضد الفعل \"لغا - يلغو\". لَمّا كان اللغو هو\n_________\n(١) انظر ابن منظور، أبا الفضل جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب، (بيروت: دار صادر، ط ١، ١٤١٠ هـ / ١٩٩٠ م)، ج ٣، ص ٣٥٣ - ٣٥٤؛ الزاوي، الطاهر أحمد: ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، (بيروت: دار الفكر، ط ٣، د. ت)، ج ٣، ص ٦٢٨.\n(٢) ابن منظور: لسان العرب، ج ٣، ص ٣٥٥.\n(٣) انظر الفيومي، أحمد بن علي: المصباح المنير، (بيروت: مكتبة لبنان، ١٩٨٧ م)، ص ١٩٢.","vol":"1","page":23},{"text":"الخلو عن الفائدة أو صرف الدلالة، فإن المقصد يكون -على العكس من ذلك- هو حصول الفائدة أو عقد الدلالة؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم \"المقصود\"، فيقال: المقصود بالكلام، ويراد به مدلول الكلام، وقد يجمع على مقصودات]. (١) فيكون المقصد هنا بمعنى المقصود، وهو المضمون الدلالي للكلام.\n[٢ - يُستعمل الفعل: \"قصد\" أيضًا بمعنى هو ضد الفعل: \"سها - يسهو. لَمَّا كان السهو هو فقد التوجه أو الوقوع في النسيان، فإن المقصد يكون -على خلاف ذلك- هو حصول التوجه والخروج من النسيان؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم \"القصد\"، وقد يجمع على \"قصود\"؛ فيكون \"المقصد بمعنى القصد هو المضمون الشعوري أو الإرادي]. (٢)\n[٣ - يُستعمل الفعل: \"قصد\" كذلك بمعنى هو ضد الفعل: \"لها - يلهو\" لما كان اللهو هو الخلو عن الغرض الصحيح وفقد الباعث المشروع، فإن المقصد يكون -على العكس من ذلك- هو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم \"الحِكْمة\"؛ فيكون \"المقصد بهذا المعنى هو المضمون القيمي\". (٣)\n\"وعلى الجملة، فإن الفعل: \"قصد\"، قد يكون بمعنى \"حصَّل فائدة\"، أو بمعنى \"حصَّل نيَّة\"، أو بمعنى \"حصَّل غرضًا\"]. (٤)\nالتعريف الإصطلاحي:\nلم يرد تعريف اصطلاحي مضبوط للمقاصد عند المتقدمين من الأصوليين والفقهاء. ومع أن الإمام الشاطبي يُعَدّ أوَّل من أفرد المقاصد الشرعية بالتأليف وتوسع فيها بما لم يفعله أحد قبله، إلّا أنه لم يورد تعريفًا اصطلاحيًا لها، وربما كان ذلك\n_________\n(١) عبد الرحمن، طه: تجديد المنهج في تقويم التراث، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط ١، ١٩٩٤ م)، ص ٩٨.\n(٢) المصدر السابق، الصفحة نفسها.\n(٣) المصدر السابق، الصفحة نفسها.\n(٤) المصدر السابق، الصفحة نفسها.","vol":"1","page":24},{"text":"راجعًا إلى نفور الإمام الشاطبي من التقيد بالحدود في المباحث الأصولية التي تحدث عنها ويؤيد ذلك انتقاده لنظرية الحد عند المناطقة، (١) وكذلك جريًا على منهجه في تأليف كتاب الموافقات، حيث إنه لم يقصد به تأليف كتاب يتناول كلّ موضوعات أصول الفقه، وإنما المقصود منه تحقيق بعض المسائل وبحث ما لم يسبق بحثه، أو ما بُحِث من قِبَل الأصوليين بحثًا خفيفًا لا يفي بحقه، ومن ثَمّ فإنه لا يُعنى بإيراد التعريفات والحدود.\nأما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور -وهو ثاني أبرز من كتب في مقاصد الشريعة بعد الشاطبي- فقد عرفها بقوله: \"مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها\"، (٢) وهو تعريف للمقاصد العامة أما المقاصد الخاصة فتكون بناءً على ذلك هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في باب من أبواب التشريع، أو في جملة أبواب متجانسة ومتقاربة.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٣٨ - ٤١، مج ٢، ج ٤، ص ٢٤٩ - ٢٥١.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٧١.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المطلب الثاني\nأقسام المقاصد الشرعية</span>\nتنقسم المقاصد الشرعية إلى أقسام عديدة، باعتبارات مختلفة:\nأولًا - باعتبار مدى شمولها لمجالات التشريع وأبوابه:\nتنقسم بهذا الإعتبار إلى مقاصد عامة، ومقاصد خاصة، ومقاصد جزئية.\n١ - المقاصد العامة: \"هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع، أو معظمها\"، (١) أو في أنواع كثيرة منها.\nويدخل في المقاصد العامة: أوصاف الشريعة (مثل الفطرة، والسماحة واليسر)، وغايتها العامة (درء المفاسد وجلب المصالح)، والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها (الحِكَم المراعاة في كلّ أبواب الشريعة أو في أكثرها، مثل رفع الحرج، ورفع الضرر، وغيرها). (٢)\nشروط اعتبار المقاصد العامة:\nيرى محمد الطاهر بن عاشور أنه يشترط في المقاصد التي تُعَدّ من المقاصد العامة للشريعة الإِسلامية الشروط الآتية:\nأ - أن تكون ثابتة: والمراد بالثبوت أن يكون تحقيقها للمصلحة (جلب نفع\nعام، أو دفع ضرر عام) مجزومًا بتحققه، أو مظنونًا ظنًّا قريبًا من الجزم. (٣)\nب - أن تكون ظاهرة: والمراد بالظهور أن يكون المقصد واضحًا، بحيث لا يختلف الفقهاء في تحديده والاعتداد به، (٤) إذْ لا يُعْقَل أن يُوصَف مقصد مَا بالعموم\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٧١.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ١٧١.\n(٣) انظر المصدر السابق، ص ١٧٢.\n(٤) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٧٢.","vol":"1","page":26},{"text":"مع خفائه وكونه محلّ خلاف كبير بين الفقهاء.\nج - أن تكون منضبطة: أي أن يكون للمقصد \"حَدٌّ معتبر لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، بحيث يكون القدر الصالح منه لأن يُعتبر مقصدًا شرعيًّا قدرًا غير مشكك\" (١)، أي غير متفاوت الوجود في أفراده.\nوقد أضاف ابن عاشور شرطًا رابعًا، وهو الإطراد، ويعني به أن لا يكون المقصد مختلفًا باختلاف أحوال الأقطار والقبائل، والأعصار. وقد مثَّل له ببعض الأوصاف التي راعاها بعض الفقهاء في شرط الكفاءة في النكاح مثل: الإِسلام، والقدرة على الإنفاق، واعتبرها من الأوصاف المنضبطة، والتماثل في الثراء والنسب، واعتبرها من الأوصاف غير المنضبطة. (٢) والملاحظ أن في هذا خلطًا بين الوسائل والمقاصد، فما مثَّل به ابن عاشور هنا واضح أنه من الوسائل التي جعلت لتحقيق مقاصد النكاح، وليست هي في ذاتها مقاصد مرادة للشارع.\nويبدو للباحث أن المقاصد لا يمكن أن توصف بالإطراد، وإنما الذي يحتاج إلى الإطراد هي الوسائل، الي تتأثر بالظروف وتغير الأزمان في مدى إمكانية تحقيقها للمقاصد، ومن ثَمَّ تغيرت أحكامها واحتاجت إلى شرط الإنضباط. أما المقاصد فيكفي فيها أن تكون ثابتة، أي محققة للمصلحة في مختلف الأحوال والبيئات والأعصار، وأن يكون ذلك الثبوت منضبطًا، أي له حدّ لا يقصر عنه في مختلف الأحوال، وأن يكون واضحًا لا يختلف فيه اختلافًا معتبرًا.\n٢ - المقاصد الخاصة: ويمكن استخلاص تعريف لها من خلال تعريف ابن عاشور للمقاصد العامة فتكون هي: المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في باب من أبواب التشريع، أو في جملة أبواب متجانسة ومتقاربة، مثل مقاصد الشارع في العقوبات، أو في المعاملات المالية، أو في العبادات المالية، أو في إقامة نظام الأسرة، وغيرها.\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ١٧٢.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ١٧٢.","vol":"1","page":27},{"text":"٣ - المقاصد الجزئية: وهي الحِكَم والأسرار التي راعاها الشارع عند كلّ حكم من أحكامه المتعلقة بالجزئيات. (١)\nثانيًا - باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة:\nأي باعتبار أهميتها في قيام حياة الجماعة أو الأفراد واستقامتها، وتنقسم بهذا\nالإعتبار إلى ثلاثة أقسام:\n١ - مقاصد ضرورية: وهي \"التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها\"، (٢) بحيث يختلّ نظام الحياة مع اختلالها، ويترتب على خرقها فساد عظيم في الدنيا والآخرة. والفساد في الدنيا ينتج عن خرق كلّيات حفظ النفوس، والعقول، والأموال، والأنساب، والفساد الأخروي ينتج عن خرق كلّية حفظ الدين؛ إذْ مع ما يترتب من فساد في الدنيا نتيجة خرق كلّية الدين إلّا أن أمور الحياة يمكن أن تستقيم إلى حَدِّ كبير من دون ذلك -كما هو الشأن في بلاد الغرب - أما ما يترتب على ذلك في الآخرة من كون مصير من ضيَّع الدين الجحيم فهو أعظم الخسران، ولا فرق بين أن يكون الخسران في الدنيا أو في الآخرة، إذ هما مرحلتان لحياة واحدة.\nوقد فسَّر ابن عاشور اختلال نظام الحياة بانخرام الضروريات بأن \"تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها\". (٣)\n٢ - مقاصد حاجية: \"وهو ما تحتاج الأمة إليه لإقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن\"، (٤) فالحاجة إليه من حيث التوسعة على الناس ورفع الحرج عنهم. (٥)\n٣ - مقاصد تحسينية: وهي ما يكون بها كمال الأمة في نظامها، فتبلغ بها مرتبة عالية من الرقي والتحضر، وحسن المعاملة والمظهر، فتكون أمة محترمة، التقربُ\n_________\n(١) انظر الفاسي، علال: مقاصد الشريعة الإِسلامية ومكارمها، (الدار البيضاء: مكتبة الوحدة العربية، د. ط، د. ت)، ص ٣.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢١٠.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢١٠.\n(٤) المصدر السابق، ص ٢١٤.\n(٥) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٣٢٦.","vol":"1","page":28},{"text":"إليها والإندماجُ فيها مرغوبٌ فيه. وذلك كمحاسن الأخلاق والعادات، الفردية منها والجماعية. (١)\nتنبيه: يلاحظ الناظر في تقسيم الشاطبي للمقاصد (الكلّيات الثلاث) إلى ضرورية، وحاجية، وتحسينية، أنه عند التمثيل لكلّ مرتبة قد أدخل بعض الواجبات ضمن التحسينيات، في حين أدرج بعض المباحات أو المندوبات ضمن الضروريات، وقد يُشْكِل هذا؛ إذْ كيف تكون الفرائض والواجبات مجرد تحسينيات؟ وللإجابة على هذا الإشكال لابد من النظر إلى أمرين:\nالأول: الأساس أو المعيار الذي اعتمده الشاطبي في هذا التقسيم، هل هو رتبة التكليف أم أمر آخر؟ فالظاهر أن الشاطبي لم يعتمد في تقسيمه هذا مراتبَ الحكم الشرعي من حيث الإقتضاء والتخيير، وإنما اعتمد معيارًا آخر، هو مدى أهمية كلّ مرتبة في إقامة الحياة الإنسانية -الفردية والجماعية- في أعمدتها الأساسية الخمس: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال؛ ولذلك فلا غرابة أن نجد بعض المباحات داخلة في الضروريات لأنها مباحة بالجزء واجبة بالكلّ، ولأن الحياة لا تقوم إلّا بالمحافظة عليها، وأن نجد بعض الواجبات ضمن التحسينيات لأن أساس الحياة يمكن أن يقوم بغيرها.\nوالثاني: هو فلسفة الشاطبي في كيفية ورود الأوامر والنواهي الشرعية وما بينهما من مراتب التكليف؛ إذْ يرى الشاطبي أن المطلوب الشرعي ينقسم إلى قسمين:\nأ - ما كان شاهدُ الطبعِ خادمًا له ومعينًا عليه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب، ومن أمثلة ذلك الأكل، والشرب، والجماع، والبعدُ عن استعمال القاذورات وأكلها، وغير ذلك. وهذا النوع قد يكتفي الشارع في طلبه -عادةً- بمقتضى الجبلّة الطبعية، والعادات الجارية، فلا يؤكد طلبه تأكيده لغيره، اكتفاءً بالوازع الباعث على الموافقة دون المخالفة، فلذلك نجد هذا النوع على الجملة مطلوبًا طلب ندب لا طلب وجوب، بل كثيرًا ما يأتي في معرض الإباحة.\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ٢١٥.","vol":"1","page":29},{"text":"ب - ما لم يكن شاهدُ الطبع خادمًا له ولا معينًا عليه، وإنما هو من باب التكاليف التي قد تجري على خلاف هوى الأنفس، ومثال ذلك العبادات، والجنايات، والرفق بالناس والإحسان إليهم، وهذا النوع قرره الشارع على مقتضا ٥ من التأكيد في المؤكدات، والتخفيف في المخففات، ولذلك حَدَّ الشارع لهذا النوع حدودًا معلومة، ووضع له عقوبات معينة إبلاغًا في الزجر عَمّا تقتضيه الطباع. وما قيل في أنواع المطلوب الشرعي ينطبق تمامًا على المنهيات الشرعية.\nإذًا، فالمعيار المعتمد في ورود الأمر وتأكيده ليس هو مدى أهمية الفعل في إقامة حياة الإنسان والمحافظة عليها، بقدر ما هو مدى وجود حوافز وبواعث طبيعية للإنسان على الفعل أو الترك، فتكون بعض الضروريات مباحة، ولم يوجبها الشارع اكتفاءً بالباعث الجبلي في السعي إلى تحصيلها، وتكون بعض الحاجيات أو التحسينيات واجبةً لضعف البواعث الجبلية التي تبعث الإنسان على تحصيلها أو لانعدامها. وفي ذلك يقول الشاطبي: \"فإنه ربما وقع الأمر والنهي في الأمور الضرورية على الندب أو الإباحة والتنزيه فيما يفهم من مجاريها، فيقع الشك في كونها من الضروريات؛ كما تقدم تمثيله في الأكل والشرب واللباس والوقاع، وكذلك وجوه الاحتراس من المضرات والمهلكات وما أشبه ذلك، فيرى أن ذلك لا يلحق بالضروريات، وهو منها في الإعتبار الإستقرائي شرعًا، وربما وقع الأمر بالعكس من هذا؛ فلأجل ذلك وقع التنبيه عليه ليكون من المجتهد على بال ... \". (١)\nثالثًا - باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعتها أو أفرادها:\nوتنقسم بهذا الإعتبار إلى كلية وجزئية:\n١ - المقاصد الكلية: وهي \"ما كان عائدًا على عموم الأمة عَوْدًا متماثلًا، وما كان عائدًا على جماعة عظيمة من الأمة أو قطر\". (٢)\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١٠٢، وانظر أيضًا مج ١، ج ٢، ص ١٣٨ وما بعدها.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٢٠.","vol":"1","page":30},{"text":"وقد مثَّل ابن عاشور لما يعود على عموم الأمة بحماية البيضة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين -في مجمله- من الزوال، وغيرها مما قصد الشارع حفظه مما يتعلق بعموم الأمة بمختلف أقطارها وأجناسها. ومثَّل لما يعود على الجماعات العظيمة بما يحتاج إليه كلّ بلد من بلاد المسلمين من تشريعات قضائية لحفظ انتظام حياتهم، بتيسير طرق الخير، وسدّ منافذ الشر والظلم، وما تقيمه هذه الأقطار من اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية وسياسية بما يخدم مصالحها. (١)\n٢ - المقاصد الجزئية: وهي المقاصد التي تعود على آحاد الأفراد، أو على المجموعات الصغيرة منهم، وهي التي شرعت أحكام المعاملات لحفظها. (٢)\nرابعًا - من حيث مدى القطع بكون الشارع قاصدًا إليها:\nوتنقسم إلى قطعية، وظنية، ووهمية:\n١ - المقاصد القطعية: وهي التي تثبت بأحد الطرق الآتية: (٣)\nأ - النص الذي لا يحتمل التأويل.\nب - استقراء أدلّة كثيرة من الشريعة.\nج - ما دلّ العقل على أن في تحصيله صلاحًا عظيما، وأن في حصول ضده ضرًّا عظيمًا على الأمة.\nوتكون المقاصد قطعية -في نظر ابن عاشور- إذا توافرت فيها شروط: الثبوت، والظهور، والإنضباط، والإطراد. فإذا توافرت في معنًى من المعاني الحقيقية أو العرفية العامة هذه الشروط حصل اليقين بكونه مقصدًا. (٤)\n٢ - المقاصد الظنية: وهي ما دلّ عليه دليل ظني من الشرع، أو ما اقتضى العقل\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ٢٢٠.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ٢٢٠.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٤) انظر المصدر السابق، ص ١٧٢ - ١٧٣","vol":"1","page":31},{"text":"ظنه مصلحة ومقصدًا للشارع. (١)\n٣ - المقاصد الوهمية: وهي ما يُتَخَيّلُ فيها صلاحٌ وخيرٌ، إما لخفاء ضرها، أو لأنها مشوبة بمصلحة هي في الحقيقة مرجوحة مقابل ما فيها من مفسدة عظيمة. (٢)\nخامسًا - من حيث مدى تحققها في نفسها أو نسبية ثبوتها:\nوتنقسم بهذا الإعتبار إلى أربعة أقسام:\n١ - المقاصد الحقيقية: وهي \"التي لها تحقُّق في نفسها، بحيث تدرك العقول السليمة ملاءمتها للمصلحة (بأن تكون جالبة لنفع عام)، أو منافرتها لها (بأن تكون جالبة ضررًا عامًا)، إدراكًا مستقلًا عن التوقف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعًا، وكون الاعتداء على النفوس ضارا\". (٣) وبتعبير آخر هي المقاصد التي يمكن أن تدرك العقول حسنها أو قبحها ولو من غير استناد إلى شرع أو عرف.\n٢ - المقاصد الإعتبارية: وهي المعاني التي لها حقائق متميزة عن غيرها من الحقائق، ويمكن للعقل تَعَقُّلُهَا لِمَا لها من تعلق بالحقائق، لكنها غير قائمة بذاتها، بل وجودها تابع لوجود حقيقة أخري مثل الزمان والمكان، أو حقيقتين كالإضافات. ومثال ذلك اعتبار الرضاع سببًا لتحريم التزوج بالأخت منه، ومعاملته معاملة النسب في ذلك، وهذا النوع ملحق بالنوع الأول (المقاصد الحقيقية). (٤)\n٣ - المقاصد العرفية العامة: وهي التي أدركت العقول حسنها بالتجربة، أي بعد تجريبها واكتشاف ملاءمتها لصلاح الجمهور، ومثال ذلك إدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وإدراك كون عقوبة الجاني رادعة إياه عن العود إلى مثل جنايته، ورادعة غيره عن الإجرام. (٥)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ٢٢٠.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ٢٢١.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٧١.\n(٤) انظر المصدر السابق، ص ١٧٤.\n(٥) انظر المصدر السابق، ص ١٧٢.","vol":"1","page":32},{"text":"٤ - المقاصد العرفية الخاصة: وهي معاني أدركت العقول ملاءمتها بالتجربة، ولكنها لم تكن عرفًا عاما، بل خاصة. ومع ذلك احتاجت الشريعة إلى اعتبارها في مقاصدها لِمَا تشتمل عليه من تحصيل صلاح أو دفع ضرر عامين. كاعتبار القرشية شرطًا في الخليفة، واعتبار الذكورة شرطا في الولايات القضائية والإمارة.\nوهذا النوع يجب على الفقيه التأمل فيه وسبره، فما حصل له الظن فيه في الجملة أنه مقصود للشارع أثبته مسائلَ فرعية قريبة من الأصول، ولكن لا يتجاوز به مواقع وروده كما هو مذهب بعض العلماء في شرط القرشية، إذ اعتبروه شرطًا مخصوصًا بظروف المجتمع القائم على العصبية القبلية. أما إذا قوي الظن بكونها مقاصد شرعية مطردة، فله حينئذ تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها كما هو الأمر في اعتبار الذكورة شرطًا في الإمارة والولايات القضائية. (١)\nسادسًا - من حيث علاقتها بحظ المكلَّف:\nوتنقسم بهذا الإعتبار إلى قسمين: مقاصد أصلية، ومقاصد تبعية.\n١ - المقاصد الأصلية: وهي التي لا حَظَّ للمكلَّف فيها، وهي مقاصد الشارع في الحفاظ على الضروريات الخمس. والمراد هنا بانعدام حظ المكلَّف فيها كون الشارع عندما وضعها وألزم بها المكلفين لم يُراعِ في الإلزام بها حظوظ المكلفين بالقصد الأول، وإنما راعى فيها إقامة حياتهم واستقامتها بالقيام بالضروريات وحفظها. (٢) فانعدام حظ المكلَّف فيها منظور إليه من وجوه: أحدها: أن الشارع قاصد إلى إقامة تلك المقاصد والحفاظ عليها سواء وافقت الحظوظ العاجلة للمكلَّف أم لم توافقها، وإن تبعها حظ للمكلَّف -وهي عادة كذلك- فَبِالتَّبَعِ لا أصالةً، والثاني: أنها راجعة إلى حفظ الضروريات التي لا تستقيم الحياة بغيرها، فتركُها تجري على حظوظ المكلفين قد يؤدي إلى خرم الضروريات، ومن ثَمَّ إلى فساد الحياة، والثالث: أن المكلَّف مُطالَب بإيقاعها، سواء وافقت ميلًا نفسيًّا منه أم لم توافق، وسواء كان في إيقاعها تحقيق حظ\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٧٣.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٣٤.","vol":"1","page":33},{"text":"عاجل أم لم يكن، فهو مطالب بها في كلّ الأحوال.\nفانعدام الحظ في قيام المكلَّف بتحقيق هذه المقاصد راجع إلى كونه مُطَالَبًا بذلك في كلّ الأحوال، ولا مجال له لأن يتخير بين الفعل وعدمه، أو بين فعل وآخر فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ. وليس معنى ذلك انعدام حظه بالكلية فيها، بل هي في حقيقتها كلها حظوظ ومصالح له عاجلًا أو آجلا، مباشرة أو بطريق غير مباشر وخصائص هذا النوع من المقاصد أنها \"قيام بمصالح عامة مطلقة، لا تختص بحال دون حال، ولا بصورة دون صورة، ولا بوقت دون وقت\". (١)\nوقد قسمها الشاطبي إلى قسمين: ضرورية عينية، وضرورية كفائية.\n- أما الضرورية العينية: فهي الواجبة على كلّ مكلَّف في نفسه، من كونه مأمورًا \"بحفظ دينه اعتقادًا وعملا، وبحفظ نفسه قيامًا بضرورية حياته، وبحفظ عقله حفظًا لمورد الخطاب من رَبَّهِ إليه، وبحفظ نسله التفاتًا إلى بقاء عوضه في عمارة الدار ... وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة\". (٢)\n- وأما الضرورية الكفائية: فهي ما نيط فيها التكليف بعموم المكلفين لتتولى القيام بها والمحافظة عليها مجموعة مصطفاة منهم، وقد اعتبرت من باب الضروري لأنها مكملة للقسم الأول، وهي الضروريات العينية؛ ذلك أن الأحوال الخاصة لا تقوم إلّا باستقامة الأحوال العامة، والأحوال العامة لا تستقيم إلّا بالقيام بتلك الضروريات الكفائية. (٣)\nوالملاحَظُ أن هذا النوع من المقاصد يرجع إلى العبادات وما يُقام به أصل الضروريات، وهي دائرة على حُكْم الوجوب، سواء بالجزء أو بالكلّ.\n٢ - المقاصد التبعية: وهي المقاصد التي رُوعِي فيها حظ المكلّف بالقصد الأول، حيث يحصل له من جهتها مقتضى ما جُبِل عليه من نيل الشهوات، والإستمتاع\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٣٤.\n(٢) المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ١٣٥.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ١٣٥ وما بعدها.","vol":"1","page":34},{"text":"بالمباحات، وسَدِّ الخَلات، وجُعل للإنسان فيها حرية الإختيار بين الفعل وعدمه، وبين أنواع المشروعات ضمن حدود الشريعة وقوانينها. ومع مراعاة حظ المكلَّف بالقصد الأول في هذه المقاصد، فإنها محصلة أو خادمة ومكملة للنوع الأول، وهو المقاصد الأصلية، لكن بالتَّبَعَ لا بالأصل. (١) وغالب هذا النوع من المقاصد يرجع إلى الحاجيات والتحسينيات، وهي دائرة على حُكْم الإباحة بالجزء، أو بالجزء والكلّ معا، أو على حُكْم الإباحة بالجزء مع الكراهة أو المنع بالكلّ. (٢)\nالعلاقة بين المقصد والحِكْمة:\nيرى محمد الطاهر بن عاشور أن الحِكَم المرعية في تشريع الأحكام تمثل جزءًا من المقاصد الشرعية، حيث يقول في تعريفه للمقاصد الشرعية الخاصة بالمعاملات: \"ويدخل في ذلك كلُّ حِكْمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس، مثل قصد التوثق في عقدة الرهن ... \". (٣)\nويمكن القول إن الحِكَم هي المقاصد ذاتها، فهي مرادف للمقاصد، (٤) ويتضح ذلك من خلال ما تقدم في تعريف المقاصد الشرعية، وتعريف الحِكْمة، حيث عُرِّفَت بأنها: \"المعنى المناسب لشرع الحُكم\"، (٥) وأنها \"جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها\". (٦)\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٣٦ وما بعدها.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ١٥٦.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٠١.\n(٤) انظر في ذلك قول الونشريسي في المعيار المعرب: \" ... والحِكْمة في اصطلاح المتشرعين هي المقصود من إثبات الحُكم أو نفيه، وذلك كالمشقة التي شرع القصر والإفطار لأجلها\" أي لأجل رفعها. الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م)، ج ١، ص ٣٤٩.\n(٥) الشربيني، عبد الرحمن: تقرير شيخ الإِسلام الشربيني على حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، (مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧)، ج ٢، ص ٢٣٦.\n(٦) البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، (مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧)، ج ٢، ص ٢٣٦.","vol":"1","page":35},{"text":"العلاقة بين المقصد والعلة:\nأما العلاقة بين المقاصد والعلل، فإنه لَمَّا كانت العلة قد تكون هي نفسها الحِكْمة، وقد تكون مظنة تحقيقها، بأن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا يُظن عنده وجودُ الحِكْمة المقصودة للشارع من شرع الحكم المرتب عليها، (١) فإن العلة إذا\n_________\n(١) لابد من الإشارة هنا بشيء من التفصيل إلى العلاقة بين الحِكْمة والعلة، وهل يجوز التعليل بالحِكْمة أم لا؟\nأما عن العلاقة بين العلة والحِكْمة فقد ذهب بعض الأصوليين وعلى رأسهم الشاطبي إلى أن العلل هي نفسها الحِكَم، حيث عرف العلة بقوله: \"وأما العلة فالمراد بها الحِكَمُ والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي\". (الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١٩٦).\nوأورد ابن قدامة في كتابه روضة الناظر وجنة المناظر أن العلة في اصطلاح الفقهاء تطلق على ثلاثة أشياء منها: الحِكْمة، أي حِكْمة الحُكْم، كقولهم المسافر يترخص لعلة المشقة. انظر ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي: روضة الناظر وعليه نزهة الخاطر العاطر، (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ط، د. ت) ج ١، ص ١٥٩ - ١٦٠.\nوذهب النقشواني إلى أن \"العلة -في الحقيقة- الحِكْمة لكنها إنما تنضبط بمقاديرها وإنما يضبط ذلك الوصف، فكون الوصف علة في الشرع معناه أنه علامة للحكمة ودليل عليها، فالحِكْمة هي العلة الغائية الباعثة للفاعل، والوصف هو المعرف\". نقلًا عن الرازي، فخر الدين: المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق طه جابر فياض العلواني، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤١٢ هـ -/ ١٩٩٢ م)، ج ٥، ص ٢٩٤ \"هامش\".\nوذهب جمهور الأصوليين إلى التفريق بين العلة والحِكْمة، ويكون الفرق كالآتي:\nالحِكْمة هي المقصد من تشريع الحكم من تحقيق المصالح أو تكميلها، أو دفع المفاسد أو تقليلها، وقد تكون ظاهرة أو خفية، كما أنها قد تكون منضبطة وقد تكون غير منضبطة. أما العلة فهي الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم، وهي التي ينبني عليها الحكم وجودا وعدما وتكون عادة مظنة تحقيق حكمة تشريع الحكم. غير أنه قد تتخلف الحِكْمة أحيانًا مع وجود العلة. وذلك مثل الشفعة فقد شرعت لحِكْمة، هي دفع الضرر عن الشفيع، وجُعِلَت علة ذلك هي الإشتراك في الملك، وقد يكون أحيانا الشريك الجديد أحسن دينا وأنفع للشفيع وبذلك تتخلف الحِكمة، لكن لما وُجِدَت العلة ثبتت الشفعة ولم يُنظر إلى الحِكْمة. (انظر الزحيلي، وهبة: أصول الفقه الإِسلامي، (دمشق: دار الفكر، ط ١، ١٩٨٦ م)، ج ١، ص ٦٥١.\nأما عن جواز التعليل بالحِكمة فقد اختلف الأصوليون في ذلك على ثلاثة مذاهب: فذهب بعضهم إلى منع التعليل بالحِكْمة مطلقا، وذهب آخرون إلى الجواز مطلقا، وهو اختيار الرازي وتبعه عليه البيضاوي، وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا بجوار التعليل بالحِكْمة إذا كانت منضبطة غير مضطربة، ومنعوا التعليل بها إذا كانت مضطربة غير منضبطة أو كانت خفية، وهو اختيار الآمدي وصفي الدين الهندي. (انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ٢٨٧ - ٢٩٣)؛ الشوكاني، محمد بن علي: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (د. م: دار الفكر، د. ط، د. ت)، ص ١٩٣؛ السبكي، علي بن عبد الكافي: الإبهاج في شرح المنهاج، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م)، ج ٣، ص ٩٠ - ٩١؛ الآمدي، علي بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م)، ج ٣، ص ٢٩٠.","vol":"1","page":36},{"text":"كانت هي الحِكْمة ذاتها فإنها تكون عند ذلك مرادفة للمقصد، أما إذا لم تكن كذلك بأن كانت وصفًا ظاهرًا منضبطًا مظنة لحكمة فإنها تكون مختلفة عن المقصد.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني\nفائدة العلم بمقاصد الشارع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>تمهيد\nبين أصول الفقه ومقاصد الشريعة</span>\nتعرض الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة الإِسلامية بالنقد اللاذع للذين زعموا أن القواعد الأساسية لعلم أصول الفقه قطعية، ووصف محاولة الشاطبي إثبات ذلك بأنها لم تأت بطائل، (١) ودعا إلى تطوير فكرة التأليف في المقاصد الشرعية لتصل إلى مرتبة فصل هذا العلم عن علم أصول الفقه وتأسيس علم تجمع فيه \"أشرف معادن مدارك الفقه والنظر\" (٢) تَتَّسِم مباحثُه بوصف القطعية ليكون مرجع المختلفين والحَكَم بين المشتجرين في الفروع الفقهية.\nأما عن قطعية مبادئ أصول الفقه فإن ابن عاشور نفسه قد أيَّدَ هذه الدعوة، ولكن من غير أن يبيِّن وجهة نظره في كيفية تحقيقها ويقدِّم البديل لما فشل فيه من سبقه، حيث قال بعد فراغه من انتقاد السابقين: \"فينبغي أن نقول: أصول الفقه يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدوِّنُوا إلّا ما هو قطعيّ إما بالضرورة، أو بالنظر القوي\"، (٣) ثم انتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من غير بيان لكيفية تحقيق هذه الدعوة.\nوالواقع أن تكلُّفَ الإستدلال لكون كلّ قواعد ومباحث علم أصول الفقه قطعية مثل تكلُّف الإستدلال لكون مباحث المقاصد قطعية أَمْرٌ لا يأتي بكبير نتيجة، بل هو تكلُفٌ غير مطلوب أصلًا. فمباحث علم أصول الفقه فيها القطعي وفيها الظني، ووجود الظني فيها لا يضرُّ كونَها منهجًا للإستدلال والإستنباط، فليس\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١١٠.\n(٢) المصدر السابق، ص ١١١.\n(٣) المصدر السابق، ص ١١١.","vol":"1","page":38},{"text":"القطع مطلوبًا في كلّ قضايا الحياة العملية.\nلقد كان ابن عاشور مصيبًا في جزءٍ من انتقاده لعلم أصول الفقه بكون \"معظم مسائله لا ترجع إلى خدمة حِكْمة الشريعة ومقصدها\"، (١) وضآلة حجم المباحث المخصصة للمناسبة والإخالة والمصالح المرسلة -وهي مباحث في المقاصد- مقارنة بغيرها من المباحث، ولكن علاج هذا القصور ليس في وصف علم أصول الفقه بالعقم، ووصف مباحث المقاصد بالقطعية، والدعوة إلى تأسيس علم مستقل بها، ومحاولة جعلها بديلًا له؛ لأن ذلك لن يأتي بكبير فائدة.\nنعم، يمكن إفراد موضوع المقاصد بالتأليف والبحث وجعله فرعًا من فروع العلوم الشرعية، فلا مانع من ذلك أُسْوَة بغيره من فروع العلم؛ إذْ إنّ إفراد موضوع بالبحث والدراسة يسهم في كشف كوامنه وأسراره، ولفت الأنظار إليه، وإيصاله إلى درجة النضج. أما إمكانية صيرورته منهجًا لإستنباط الأحكام يحلُّ محلَّ أصول الفقه أو يكون موازيًا له فأمر فيه نظر. وأفضل عمل هو ما قام به الشاطبي من دمج مباحث المقاصد بمباحث الأصول، وإعطائها مكانة بارزة فيها بحيث تصير روحًا يسري فيه؛ فمباحث المقاصد مكملة لمباحث الأصول لابديلًا له، وليس من اللازم لإبراز أهمية المقاصد التقليلُ من شأن أصول الفقه.\nأما عن جعل قواعد المقاصد مَلْجَأَ المشتجرين، والفيصل بين المختلفين فإنه أمل عريض، لكنه عسير المنال؛ ذلك أن من رام رفع الخلاف في المسائل الفرعية فقد طلب مُحالًا، وإنما الذي يرجى هو تضييقُ دائرة الخلاف بالسعي إلى القضاء على التعصب المذهبي والاعتدادِ بالرأي ولو كان دليله ضعيفًا، والإتجاهُ إلى تحقيق المسائل العلمية وفق منهج يعتمد قوة الدليل وموافقة مقاصد الشارع بصرف النظر عن مدى موافقة النتيجة لهوى النفس واستجابتها للضغط النفسي الذي يفرضه الواقع المنحرف عن مبادئ الشرع ومقاصده، وأن لا يَزُجَّ بنفسه في هذه العملية من لم يكن مؤهلًا لها. وقد أشار ابن عاشور نفسه إلى هذا في صدر مقدمته لكتاب مقاصد\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٠٦ بتصرف يسير.","vol":"1","page":39},{"text":"الشريعة الإِسلامية، حيث جعل من مقاصد كتابه التوسل إلى \"إقلال الإختلاف بين فقهاء الأمصار، ودُرْبَة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض\". (١) ولكنه لم يَسْلَم من الوقوع في المقدمات الخطابية التي عابها على الشاطبي؛ فمع أنه وصف مقاصد الشريعة بأنها تسهم في إقلال الإختلاف لا في رفعه كُلَّيَّة، وهو الصواب، إلّا أنه وصفها بعد ذلك بأنها \"الفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب\"، (٢) وشبَّه ما سيدوِّنه من مقاصد الشريعة بالأدلة الضرورية القطعية التي يحتكم إليها أصحاب العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي.\nأما عن وصف قواعد المقاصد بوصف القطعية فإنه يمكن القول إن المقاصد العامة للشريعة كلها قطعية لا يتنازع فيها أصحاب المذاهب والاتجاهات الفقهية المختلفة، ولكن السؤال هو هل قطعيَّةُ تلك القواعد المقصدية كفيلة برفع الخلاف الفقهي فيما يندرج تحتها من فروع؟ وهل قطعيتها تعني قطعية جزئياتها؟ لا شك أن الجواب سيكون بالنفي.\nفمثلًا كون \"دين الله يسرًا\" وأن من مقاصد الشريعة الإِسلامية التيسير أمر قطعي لا خلاف فيه، ولكن تطبيق هذه القاعدة على الفروع لا يمكن أن يتوفر فيه وصفُ القطعية في كل الحالات، ولا بُدّ أن يقع فيه خلاف بين أهل النظر: ما هو الحرج الذي يقتضي التيسير والذي لا يقتضيه؟ فهناك حَدٌّ يتّفق الكلّ على اقتضائه التيسير، وآخر يتفقون على عدم اقتضائه التيسير، ولكن بينهما درجات ستكون محلّ اختلاف في التقدير، ولا يمكن لأحد أن يقطع فيها بشيء. وكذلك كونُ الشارع قاصدًا إلى إبطال الغرر، ودفع الضرر، وسدِّ ذرائع الفساد، كلها مقاصد قطعية، ولكن على الجملة لا على التفصيل، ويقال فيها ما قيل في كون الشارع قاصدًا إلى التيسير وسيقع فيها الخلاف في التقدير كما يقع في تلك، وتكون الخلاصة أنه كما لم تتمكّن قواعد الأصول من رفع الخلاف فإن قواعد المقاصد لن تكون أحسن حالًا.\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ١٠٥.\n(٢) المصدر السابق، ص ١٠٥ بتصرف يسير، حيث وردت الأصل بعبارة \"وفصل من القول ... \".","vol":"1","page":40},{"text":"إن إدراك المقاصد الشرعية أمر مهم جدًّا في استنباط الأحكام، لكنه يبقى عنصرًا واحدًا من العناصر التي يحتاج إليها الإجتهاد، ولا يمكن أن يصير بمفرده منهجًا لإستنباط الأحكام؛ وذلك أن استنباط حُكْم من الأحكام الشرعية يتمّ عبر خطوات تتمثل في: فهم النص الذي يمكن أن تندرج تحته الواقعة محلّ الإجتهاد، وذلك يقتضي تمكُّنًا من اللغة العربية، ثم معرفة ما إذا كان ذلك النص ناسخًا أو منسوخا، ومعرفة سبب نزول الآية أو ورود الحديث إذا كان كلّ منهما لا يُفْهم إلَّا بمعرفة ذلك، ثم معرفة موقع ذلك النص من النصوص الشرعية الأخرى من حيث العموم والخصوص، والتقييد والإطلاق، ووجود ما يعارضه أو يعضده، ثم تحقيق مناط الحكم وهو معرفة الواقعة محلّ الإجتهاد معرفة دقيقة، ثم تقدير مآل الحكم هل يكون موافقًا لما قصده الشارع منه أم لا؟ وإذا لم يكن في الواقعة نصّ معيَّن بُحِثَ لها عن القاعدة العامة التي تنضوي تحتها وعن أشبه الأحكام بها. وتكون فائدة العلم بالمقاصد في الإجتهاد هي تحديد المعنى المراد من النص المحتمل، وترجيح إلحاق الواقعة بنظير يحقِّقُ مقاصدَ الشارع بَدَلَ إلحاقها بنظير آخر لا يحققها، والنظر في مآلات الأحكام بما لا يخرجها عن مقصود الشارع منها، والترجيح بين المصالح المتعارضة. (١)\nوفيما يأتي بيان أهم وجوه الإستفادة من المقاصد للفقيه الناظر في النصوص\nالشرعية، سواء في إعانته على فهمها، أو في تمكينه من حسن تنزيلها على الواقع.\nأولًا - الإستعانة بالمقاصد في مسائل التعارض والترجيح:\nذلك أن حقّ المجتهد قبل إمضاء أي دليل لاَحَ له في مسألة من مسائل الفقه أن يبحث عن وجود المعارض، ليتأكد أن دليله هذا سَالِم من أن يُبطَل بأي دليل آخر: إمّا نسخًا، أو تخصيصًا، أو تقييدًا، أو رجحانًا عليه. وتكمن فائدة العلم بالمقاصد هنا في مناحي ثلاث: (٢)\n_________\n(١) انظر المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا المبحث.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٠ - ١٢١.","vol":"1","page":41},{"text":"الأولى: أن الباعث على المبحث عن المعارض يقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في ذهن المجتهد -وقت النظر في الدليل الذي بين يديه- من كونه مناسبًا لمقاصد الشارع أو غير مناسب، فإذا تبينت مناسبتُه لمقاصد الشارع ضعف احتمال وجود معارض قوي له، أما إذا خفيت المناسبة، أو بَانَ عدم مناسبته لمقاصد الشارع، فإن احتمال وجود المعارض يقوى، ومن ثَمَّ يكون الداعي إلى المبحث عنه قويا.\nالثانية: مدى اطمئنان الفقيه بعد المبحث عن المعارض: فكّلما كانت مناسبة الدليل لمقاصد الشريعة أقوى كان اطمئنان الفقيه إلى عدم وجود المعارض -بعد استنفاذ الوسع في المبحث وعدم العثور عليه- أقوى، وبالعكس.\nالثالثة: الترجيح بين الأدلّة المتعارضة استنادًا إلى المقاصد، فيرجح الدليل المحقق للمقاصد، أو الأقرب إلى تحقيقها على الدليل الذي لا يلائمها أصلًا، أو يقصر عن تحقيقها.\nأمثلة:\nومن أمثلة المبحث عن المعارض حادثة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر - ﵄ - ثلاثًا، فلما لم يؤذن له رجع، فبعث عمر وراءه، فلما حضر عتب عليه انصرافه فأخبره أبو موسى بما سمعه من رسول الله - ﷺ - في ذلك. ولكن لما كان في هذا نوعُ معارضةٍ للقصد من الإستئذان وهو إعلام صاحب البيت بالقدوم وطلب الإذن في الدخول، وذلك لا يستدعي التحديد بعدد معين، كما أن فيه نوعَ معارضةٍ لأصل الإستئذان في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]، الذي لم يُقيد بعدد محدد، كان شكُّ عمر قويًّا في صحة صدور هذا الحديث عن الرسول - ﷺ -، وفي صلوحية كونه معارضًا لهذا الأصل، ولذلك طالبه بالبيّنة، (١) وشدد عليه في ذلك. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: \"كُنْتُ فيِ مَجْلِسٍ مِن مَجَالِسِ الأَنْصَار إِذْ جَاءَ أبُو مُوسى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَر ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لي، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن ليِ فَرَجَعْتُ، وقَالَ رَسُولُ الله\n_________\n(١) انظر هذا التوجه في: محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢١.","vol":"1","page":42},{"text":"- ﷺ -: \"إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَن لَهُ فَلْيَرْجِعْ\"، فَقَال: والله لتُقِيمَنَّ عليه بَيَّنَة. أَمِنْكُم أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النبي - ﷺ -؟ فَقَالَ أُبيّ بْن كَعْبٍ: والله لَا يَقُومُ مَعَكَ إلّا أَصْغَر القَوْم، فَكُنْتُ أَصْغَر القَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَر أَنّ النّبي - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ\". (١)\nوعلى عكس الحادثة السابقة نجد عمر - ﵁ - لم يتردد في الأخذ بحديث عبد الرحمن ابن عوف - ﵁ - في أخذ الجزية من المجوس، لعدم وجود أصل في ذلك، ولأن شكه في وجود معارض لهذا الحديث كان ضعيفًا، (٢) إذ قد جرى عرف الشارع بأخذ الجزية من أهل الأديان الأخرى إذا رضوا بالدخول تحت حكم الإِسلام، ومثل هذا موافق لمقصد الشارع في عدم إكراه الآخرين على اعتناق الإِسلام، والإكتفاء منهم بالتسليم له، والإنضواء تحت سلطانه، أو على الأقل مسالمته وعدم الوقوف في وجهه. ففي صحيح البخاري أن عمر - ﵁ - لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: \"أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَر (٣) \". (٤) وقد أخذ عمر - ﵁ - بالحديث مباشرة دون تردُّد، ودون مطالبة بالبيِّنة، كما كان الأمر في الحادثة السابقة.\nثانيًا - الإستعانة بالمقاصد في فهم بعض الأحكام الشرعية:\nفإن بعض الأحكام الشرعية قد تبدو غامضة، ويقف الفقيه أمامها حائرًا، عاجزًا عن إدراك كنهها، مع تسليمه بصحتها ووجوب العمل بها.\nومثال ذلك ما جرت به السنّة من عدم استلام الركنين اللذين يليان حجر إسماعيل، والإكتفاء بتقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني. فخصوصية الحجر الأسود واضحة، أما التفريق بين الركن اليماني والركنين الآخرين ففيه غموض. وقد\n_________\n(١) البخاري، محمد بن إسماعيل: الجامع الصحيح، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م)، كتاب الإستئذان، باب (١٣)، الحديث (٦٢٤٥) مج ٤، ج ٧، ص ١٦٩.\n(٢) انظر في توجيه موقف عمر هذا: محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٢.\n(٣) هجر: \"مدينة، وهي قاعدة البحرين ... وقيل ناحية البحرين كلّها هجر\". الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، (بيروت: دار صادر/ دار بيروت للطباعة والنشر، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م)، ج ٥، ص ٣٩٣، وانظر ابن الأثير: الكامل في التاريخ، (بيروت: دار صادر، ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م)، ج ٢، ص ٢٣٠.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب (١)، الحديث (٣١٥٦) و(٣١٥٧)، مج ٢، ج ٤، ص ٣٩٥.","vol":"1","page":43},{"text":"كان ابن عمر - ﵄ - متحيرًا من ذلك إلى أن سمع حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \"أَلَمْ تَرَيْ أنّ قَومَكِ لَمَّا بَنوا الكَعْبَة اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِد إِبْرَاهِيم؟ \" فَقُلْت: يا رَسُول الله أَلاَ تَرُدُّها عَلَى قَوَاعَد إِبْرَاهيمَ؟ قال: \"لَوْلاَ حِدْثَانُ قَومِكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ\"، وفي رواية أخرى أن عائشة - ﵂ - قالت: سَأَلْتُ النبي - ﷺ - عَن الجَدْرِ (١) أَمِن الْبَيْتِ هُو؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". قُلْتُ: فَمَالَهُم لَمْ يُدْخِلُوُه فيِ البَيْتِ؟ قَالَ: \"إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ\". وبناءً على رواية عائشة هذه فهم ابن عمر حكمة ذلك التفريق، وانثلج له صدره، وقال: \"لَئِن كانَت عَائِشَة سَمِعَت هَذَا مِنْ رَسُولِ الله، مَا أُرَى رَسُولَ الله - ﷺ - تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذينِ يَلِيَانِ الحِجْر إلّا أَنّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّم عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيم\". (٢)\nثالثًا - الإستعانة بالمقاصد في فهم النصوص وتوجيهها:\nويكون هذا على الخصوص في النصوص ظنية الدلالة؛ إذْ يستعين المجتهد بالمقاصد في فهم النصوص واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد، وتوجيه معنى النص بما يخدمها، وقد يصل الأمر بالمجتهد إلى تأويل النص، وصرفه عن ظاهره في حال مخالفة ذلك المعنى الظاهر لمقاصد الشريعة وكلّياتها.\nومن أمثلة هذا ما ورد من نهي النبي - ﷺ - عن كراء الأرض، وموقف الصحابة والتابعين والفقهاء من بعدهم من أحاديث النهي هذه، وكيفية توجيههم لها تبعًا لما فهموه من مقاصد النهي. (٣)\nالأحاديث الواردة في النهي:\nمن الأحاديث التي وردت في النهي عن كراء الأرض ما يأتي:\n١ - ما رواه البخاري من حديث جابر - ﵁ - أنه قال: \"كانت لرجال فضول من\n_________\n(١) الجَدْر: الحائط. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٤، ص ١٢١. والمراد هنا الجدار المحيط بحِجْر إسماعيل ﵇.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب (٤٢)، مج ١، الحديث (١٥٨٣) و(١٥٨٤)، ج ٢، ص ٤٩٠.\n(٣) انظر عرض ابن عاشور وتعليقه على هذا المثال في مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٣٠ - ١٣٢.","vol":"1","page":44},{"text":"أرضين، فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضُ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ ليَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ\". (١)\n٢ - ما رواه مالك بن أنس في الموطأ عن رافع بن خديج - ﵁ -: \"أَنّ رَسُول الله - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ\". (٢)\n٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن رافع بن خديج أنه قال: \"دَعَانِي رَسُولُ الله - ﷺ - وقَالَ: \"مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟ \" قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبْعِ وعَلَى الأَوْسُق مِن التَّمْرِ والشَّعِير قَالَ: \"لَا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا\". قال رافع: قلتُ سمعًا وطَاعةً\". (٣)\nالآثار الدالة على الجواز:\nفالأحاديث السابقة ظاهرة في النهي عن كراء الأرض، وفي الأمر بمنحها لمن يزرعها من غير مقابل، أو إمساكها. لكنها عارضت بعض الوقائع التاريخية الدالة على جواز كراء الأرض ومن ذلك:\n١ - ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: \"كُنْتُ أَعْلَمُ في عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنّ الأَرْضَ تُكْرَى. ثُمّ خَشِيَ عَبْدُ الله أَنْ يَكُونَ النّبي - ﷺ - قَدْ أَحْدَثَ فيِ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُن يَعْلَمُه، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ\". (٤)\n٢ - ما رواه البخاري عن نافع: \"أَنّ ابنَ عُمر - ﵄ - كاَنَ يُكْرِي مَزَارِعَه عَلَى عَهْدِ النّبي - ﷺ - وأَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيّة\". ثم حُدِّثَ عن رافع بن خديج: \"أنّ النّبي - ﷺ - نَهى عَنْ كِرَاءِ المزَارِعِ، فَذَهَبَ ابنُ عُمَر إِلى\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب (٣٥)، الحديث (٢٦٣٢)، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠، وكتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، الحديث (٢٣٤٠)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠١ - ١٠٢.\n(٢) مالك بن أنس: الموطأ، (استانبول:  agri Yayinlari،  د. ط، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م)، كتاب البيوع، باب (١٣)، ج ٢، ص ٦٢٥.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، الحديث (٢٣٣٩)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠١.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، الحديث (٢٣٤٥)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠٢.","vol":"1","page":45},{"text":"رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَه فَقَال: نَهَى النّبي - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ المزَارِعِ، فَقَال ابنُ عُمَر: قَدْ عَلِمْتَ أَنّا كُنّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - بِمَا عَلَى الأَرْبِعاءِ (١) وبشَيْءٍ مِن التَّبْنِ\". (٢)\nموقف الفقهاء من دلالة النهي:\nوقد ذهب فقهاء الصحابة والتابعين مذهبين في توجيه أحاديث النهي عن كراء الأرض، بناءً على فهم كلّ فريق لقصد الرسول - ﷺ - من النهي عن كراء المزارع:\nذهب فريق - ومنهم سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، ورواية عن رافع بن خديج، والإمام مالك، وعروة بن الزبير - إلى أن علَّة النهي ما في هذا الكراء من مخاطرة وغرر، ويفسر ذلك ما رواه البخاري عن رافع بن خديج - ﵁ - أنه قال: \"كُنّا أَكْثَرَ أَهْلِ المدِينَة مُزْدَرَعًا، كُنّا نُكْرِي الأَرْضَ بالنَّاحِيّةِ مِنْهَا مُسَمّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ فَمِمَّا يُصابُ ذَلِكَ وتَسْلمُ الأَرْضُ، ومِمّا يُصابُ الأرضُ ويَسْلمُ ذَلِكَ، فنُهِينا، وأَمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَومَئِذٍ\". (٣) ولما كان قصد الشارع إبطال المعاملات التي تتضمن غررًا ومخاطرة، نهى الرسول - ﷺ - عن هذا النوع من المعاملات. ومن ثَمَّ قصر هذا الفريق النهي على كراء الأرض بما تنتجه ناحية مسماة منها، وأجازوا كراءها بالذهب والفضة. فقد روى مالك عن ابن شهاب الزهري أنه قال: \"سألت سعيد بن المسيب عن كراء الأرض بالذهب والورِق؟ فقال: لا بأس به\". (٤)\nوروى مالك عن الزهري أيضًا أنه سأل سالمًا بن عبد الله بن عمر عن كراء المزارع؟ فقال: لَا بَأْسَ بِهَا بالذّهَبِ والوَرِقِ\". قال ابن شهاب: فقلت له: \"أَرَأَيْتَ الحدِيثَ الّذِي يُذْكَرُ عَن رَافعِ بن خُدَيْج؟ فَقَالَ: أَكْثَرَ رَافِعٌ. ولَوْ كاَنَ لِي مَزْرَعَةٌ\n_________\n(١) الأَرْبِعاء: جمع ربيع، وهو النهر الصغير. والمراد هنا أنهم يكرون الأرض ويشترطون على مكتريها ما ينبت على الأنهار والسواقي. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٨، ص ١٠٤.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، الحديث (٢٣٤٣) و(٢٣٤٤)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠٢.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (٧)، الحديث (٢٣٢٧) مج ٢، ج ٣، ص ٩٦.\n(٤) مالك بن أنس: الموطأ، كتاب كراء الأرض، باب (١)، ج ٢، ص ٧١١.","vol":"1","page":46},{"text":"أَكْرَيْتُهَا\". (١)\nوروى البخاري عن رافع بن خديج قال: \"حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض على عهد النبي - ﷺ - بما يَنْبُتُ على الأربعاء أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي - ﷺ - عن ذلك. فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم\". (٢)\nوذهب فريق ثان - ومنهم: ابن عباس، ورواية عن رافع بن خديج، والبخاري - إلى أن النبي - ﷺ - قصد من هذا النهي ترغيب الصحابة في مواساة ومساعدة بعضهم بعضًا، نظرًا للظروف الإقتصادية الصعبة التي كانوا يعيشونها في دار الهجرة، وعلى ذلك لا يكون النهي تحريمًا للمزارعة، بل مجرد تنفير للصحابة من ذلك، وترغيبهم في التبرع بها لمن يقدر على زرعها من إخوانهم. وقد دعموا توجيههم هذا لتلك النصوص بما رواه البخاري عن رافع بن خديج: \"لَقَدْ نَهَانَا رُسُولُ الله - ﷺ - عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا ... \". (٣) وما أورده البخاري أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: \"إِنّ النبي - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، ولَكِنْ قَالَ: \"أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُم أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا\". (٤)\nفهذا الفريق - لَمّا رأى أن مقصد الرسول - ﷺ - لم يكن تحريم المعاملة، وإنما كان يقصد الترغيب في التعاون والتآسي بين الصحابة - أَوَّلَ الحديث ولم يأخذه على ظاهره بما يفيده من تحريم كراء الأرض، وإنما عَدَّ ذلك من باب الترغيب في التآسي، والتنفير من ضد ذلك.\nرابعًا - أهمية المقاصد في توجيه الفتوى:\nالهدف من الفتوى تنزيلُ النصوصِ على الوقائع، وتحقيق مقاصد الشارع في آحاد\n_________\n(١) المصدر السابق، والصفحة نفسها.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٩)، الحديث (٢٣٤٦ و٢٣٤٧)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠٣.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، الحديث (٢٣٣٩)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠١.\n(٤) المصدر السابق، الحديث (٢٣٤٢)، ص ١٠٢.","vol":"1","page":47},{"text":"المستفتين، ولَمَّا كانت مقاصد الشارع واحدةً لجميع المستفتين، وفي مختلف الظروف، وكان مدى تحقيق هذه المقاصد يخضع لحالة المستفتي، وظروف الفتوى، كان من اللازم على المفتي أن يتصرف في فتواه بما يحقق تلك المقاصد الثابتة والمشتركة، ومن ثَمَّ وجب مراعاة المرونة في الفتوى لتتغير بتغير ظروف وملابسات المفتي والواقعة محل الفتوى. فالمقصد ثابت ومشترك بين جميع الناس، والذي يتغير بتغير الشخص أو الظرف هو الفتوى، ويكون تغيرها بما يحقق ذلك المقصد.\nومن أمثلة ذلك قصة ابن عباس مع الرجل الذي استفتاه أَلِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ؟ فقد روي أنه: \"جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أَلِمَن قَتَل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا، إلَّا النار قال: فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كُنْتَ تُفْتينا؟ كنت تفتينا أنَّ لِمَن قَتَلَ تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ؟ قال: إني لأحسبه مغضبًا، يريد أن يقتل مؤمنًا، قال: فبعثوا في أثره، فوجدوه كذلك\". (١)\nفلما كان قصد الشارع من الحضِّ على التوبة والترغيب فيها هو تطهير نفوس الناس، وردهم إلى طريق الحق والصواب، وتنفيرهم من الذنوب والمعاصي، وكان ذلك الرجل يريد التوسل بالتوبة إلى نقيض ما قصد الشارع منها، كان تحقيق المقصد من التوبة في سَدّ بابها في وجهه، فأفتاه ابن عباس بأن لا توبة له، لعلّ ذلك يردعه عمّا يريد الإقدام عليه، ويردُّه إلى طريق الصواب.\nخامسًا - الحاجة إلى معرفة المقاصد في استنباط علل الأحكام الشرعية لِتُتَّخَذّ أساسًا للقياس:\nذلك أن العلل الشرعية تكون عادة ضابطة لحِكَمٍ، التي هي من المقاصد، فيكون معرفة المقاصد عونًا على تحديد العلل وإثباتها. وعلى رأي القائلين بجواز التعليل بالحِكْمة مطلقًا، أو بشرط انضباطها يكون الكشف عن المقاصد (التي منها\n_________\n(١) أخرجه أبو جعفر النحاس عن سعد بن عبيدة: الناسخ والمنسوخ، تحقيق محمد عبد السلام محمد، (الكويت: مكتبة الفلاح، ط ١، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م)، ص ٣٤٩. إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة -في الديات- من قال للقائل توبة ٩/ ٣٦٢.","vol":"1","page":48},{"text":"الحِكَم) كشفًا عن العلل ذاتها لِتُتَّخَذَ بعد ذلك مناطًا للقياس. (١) وأبرز المسالك التي يُحتاج فيها إلى معرفة المقاصد هي: مسلك المناسبة، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق.\nسادسًا - تحكيم المقاصد في الإعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء\nواستدلالاتهم:\nفيؤخذ منها ما كان موافقًا ومناسبًا لمقاصد الشارع، ويترك ما كان خلاف ذلك، إذْ مخالفته لمقاصد الشريعة دليل ضعفه أو خطئه، فيطرح ويبحث عمَّا هو أقوى منه.\nويمكن التمثيل لذلك بما ذهب إليه جابر بن عبد الله - ﵁ - من أن نهي النبي - ﷺ - عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها لم يكن القصد منه تشريع إبطال هذا النوع من البيوع وإنما كان، من باب المشاورة فقط، أي أنه مجرد اقتراح من النبي - ﷺ - لحسم مادة النزاع بين الصحابة لَمَّا كثُر ذلك بينهم. ففي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: \"كاَنَ النَّاسُ في عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - يَبْتَاعُونَ الثَّمَارَ فَإِذَا جَذّ (٢) النّاسُ وحَضَرَ تَقَاضيهم قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثّمرَ الدَّمَان، (٣) أَصَابَهُ مُرَاض، (٤) أَصَابَهُ قُشَام (٥) - عَاهَاتُ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ في ذَلِكَ: فَإِمّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتّى يَبْدُوّ صَلاَحُ الثّمر، كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِم\". (٦)\nفَرَأْيُ زيد بن ثابت أن هذا كان من باب المشورة، وليس من باب التشريع الملزم. ولكن لما كان في هذا خلاف لقصد الشارع من تحريم هذا النوع من البيوع، وهو دفع ما فيه من خطر وغرر وحسم مادة النزاع بين المسلمين، ولما وردت نصوص أخرى تفيد تحريم هذا النوع من البيوع، فإن كثيرًا من الفقهاء لم يأخذوا بتأويل\n_________\n(١) انظر آراء الأصوليين في جواز التعليل بالحِكْمة في: الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٢٤ - ٢٢٧.\n(٢) جَذَّ الشيءَ: قطعه وكسره، وجَذَّ النخيلَ: قطع ثمره وجناه. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٣، ص ٤٧٩.\n(٣) الدَّمَانُ: عفن النخلة وسوادها. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ١٣، ص ١٥٨.\n(٤) المُراض: داء يقع في الثمرة فتَهْلِك. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٧، ص ٢٣١.\n(٥) يقال: أصاب الثمر القُشام، إذا انتقض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ١٢، ص ٤٨٤.\n(٦) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب (٨٥)، الحديث (٢١٩٣) مج ٢، ج ٣، ص ٤٦.","vol":"1","page":49},{"text":"جابر هذا، (١) كما أنه هو نفسه كان ملتزما بالعمل بظاهر الحديث، كما في صحيح البخاري عن أبي الزناد قال: \"وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا، فيتبين الأصفر من الأحمر\". (٢)\nسابعًا - الحاجة إلى العلم بالمقاصد في التعامل مع أخبار الآحاد:\nمن المعلوم أن السنّة النبوية قد وقع فيها شيء من الدخل من قِبَل الوضاعين، ومن ساء حفظهم واختلطت عليهم مروياتهم، ولذلك نجد من السنّة: الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، كما أنه قد وقع فيها نسخ، وقد يُعلم الناسخ والمنسوخ، وقد يخفى أحيانًا على البعض. وبسبب ما سبق ذكره نجد أحيانًا شيئًا من التعارض سواء بين نصوص السنّة نفسها، أو بينها ونصوص القرآن الكريم، أو بينها والمقاصد العامة للشريعة وأصولها وكلّياتها. ومن هنا نهض العلماء المحققون لتمحيص السنّة بتخليصها من الدخيل، وبيان ناسخها ومنسوخها، والترجيح بين المتعارض منها. وقد سلك العلماء في ذلك مسالك متعددة، واتخذوا لذلك وسائل متنوعة، منها الإستعانة بمقاصد الشارع الحكيم في تمحيص أحاديث الآحاد، والترجيح والتوفيق بينها والنصوص الأخرى أو الأصول والمقاصد العامة للشريعة.\nويجب التنبيه بداية إلى أن هذا الموضوع في غاية الحساسية والصعوبة، وهو مزلَّة أقدام، وموطن انحراف أفهام، وقد وقع فيه خلاف كبير وكان وما زال مدخلًا لكثير من ذوي الأفهام القاصرة والنوايا المشكوك فيها لإسقاط بعض النصوص والأحكام الشرعية؛ لذلك وجب معالجته بحذر وليس هذا مجال التفصيل فيه لأنه ليس من صميم المبحث، وإنما القصد هو ذكر خلاصة له، وبيان أهمّ الضوابط التي يجب مراعاتها عند التعامل معه.\nلقد رُدَّت أحاديثُ كثيرة بحجة مخالفتها للأصول العامة للشريعة، أو مخالفتها\n_________\n(١) انظر لمقارنة آراء فقهاء المذاهب بفهم زيد بن ثابت هذا للنهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: الشوكاني، محمد ابن علي: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، ومصطفى محمد الهواري، (القاهرة: مكتبة الكلّيات الأزهرية، د. ط، د. ت)، ج ٦، ص ٢٥٨ - ٢٦١.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب (٨٥)، مج ٢، ج ٣، ص ٤٦ - ٤٧.","vol":"1","page":50},{"text":"لمقاصدها العامة أو بعض مقاصدها الأساسية، وعلة ذلك الرد كونُ تلك الأصول والمقاصد قطعية في الشريعة، أما أحاديث الآحاد فإنها ظنية، فإذا وقع تعارض بينهما رُجِّحَ القطعي على الظني. وقد عالج الإمام الشاطبي هذا في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة الشرعية في كتابه الموافقات معالجة تحسن الإشارة إليها، حيث قسم أحاديث الآحاد في علاقتها بكلّيات الشريعة وقطعياتها إلى ثلاثة أقسام: (١)\nالقسم الأول: أحاديث الآحاد (الظنيات) الراجعة إلى أصل قطعي، أي التي تمثل بيانًا لتلك الأصول كأحاديث الطهارة، والصلاة، والحج، والصوم، والبيوع، والربا، وغيرها. وإعمالها ظاهر لكونها مستندة إلى أصل قطعي، فتصير في حكم القطعي، ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].\nالقسم الثاني: أحاديث الآحاد (الظنيات) المعارضة لأصل قطعي، ولا يشهد لها أصل قطعي، أما شهادة أصل ظني لها فغير معتبرة، لأن الظني ولو كان أصلًا لا يقف في وجه - الأصل القطعي. ويرى الشاطبي أن هذا النوع مردود بلا إشكال. واستدلّ على ذلك بدليلين:\nالأول: أن مخالفتها لأصول الشريعة تجعلها خارجة عنها، وما هو خارج عنها لا يمكن اعتباره منها، وبالتالي فهو مردود غير مقبول، والثاني: أنه ليس له ما يشهد بصحته، وما كان كذلك فهو ساقط الإعتبار.\nولكن الشاطبي أدرك خطورة هذا الإطلاق فعاد ليستدرك عليه بجعل هذا القسم على ضربين: أحدهما أن تكون مخالفته للأصول قطعية، فلا بُدّ من ردِّه، والآخر أن تكون المخالفة ظنية، وتكون هذه الظنية من ناحيتين: إما من ناحية كون الأصل أو المقصد المخالَف غير قطعي عند التحقيق، ومن ثَمَّ يصير التعارض بين ظنيين تُحكَّم فيه قواعد الترجيح، وإما من ناحية كون الدليل الظني (خبر الآحاد) غير مقطوع بمعارضته للأصول أو المقاصد القطعية، فيمكن الجمع بينهما بضرب من أضرب التأويل، بحمل الظني على معنى لا يخالف القطعي. وهذا الضرب\n_________\n(١) انظر في ذلك الشاطبي: الموافقات، ج ٣، ص ١١ - ١٨.","vol":"1","page":51},{"text":"محل اجتهاد للعلماء. (١)\nومن هنا يتبين أنه لا ينبغي المجازفة بردّ أحاديث الآحاد لمجرد ما يبدو من تعارض بينها والمقاصد الشرعية، بل ينبغي أثناء افظر التَّقَيُّدُ بالضوابط الآتية:\n١ - يجب النظر في مدى قطعية المقصد المخالَف، إذْ ليست كلّ المقاصد قطعية، بل منها القطعي ومنها الظني.\n٢ - وإذا ثبتت قطعية المقصد المخالَف لَزِمَ النظرُ في قطعية التعارض بين الخبر والمقصد، إذْ قد يكون التعارض ظاهريا غير مقطوع به، بمعنى أنه يمكن الجمع والتوفيق بينهما بوجه من أوجه الجمع والتوفيق، فَيُحْمَلُ الخبر الظني على معنى لا يعارض المقصد القطعي.\n٣ - إذا كان المقصد قطعيًّا، وكان التعارض قطعيًّا ولم يمكن الجمع والتوفيق بين المقصد والخبر بأي ضرب من أضرب الجمع والتوفيق لزم في هذه الحال ترجيح المقصد أو الأصل العام على الخبر، ولا يُعدُّ ذلك ردًّا للخبر إذا ثبتت صحته، بل يمكن اعتباره من باب الترجيح بين المتعارضين.\nومن أمثلة هذا عدم عمل الإمام مالك بحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المُتَبَايِعَانِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخيَّارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلاّ بَيْعَ الخِيَّارِ\". (٢) قال مالك: \"وليس لهذا عندنا حَدٌّ معروف، ولا أمر معمول به فيه\". (٣)\nوفسر ابن العربي هذا بما في القول بخيار المجلس من غرر وخطر لما في المجلس من جهالة المُدَّة. (٤) فلم يعمل الإمام مالك بالحديث ورأى أن المراد بالتفرق التفرق\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٣\n(٢) أخرجه الإمام مالك في: الموطأ، كتاب البيوع، باب بيع الخيار، ج ٢، ص ٦٧١.\n(٣) المصدر السابق، ج ٢، ص ٦٧١.\n(٤) ابن العربي، أبو بكر: كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، دراسة وتحقيق محمد عبد الله ولد كريم، (بيروت: دار الغرب الإِسلامي، د. ط، د. ت)، ج ٢، ص ٨٤٥. هذا تفسير ابن العربي، وهناك تفسيرات أخرى أشهرها أنه لم يأخذ به لمخالفته عمل أهل المدينة، وردّ البعضُ هذا التوجيه بأنه عُرِفَ من بعض فقهاء المدينة في زمن مالك العمل به. انظر الزرقاني، محمد: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، (د. م: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ج ٣، ص ٣٢١.","vol":"1","page":52},{"text":"في الأقوال، لا التفرق بالأبدان.\nووَجْهُ مخالفة هذا الحديث لمقصد الشارع أن الشارع قصد إلى رفع الغرر والخطر من المعاملات، ولأجل ذلك حرَّم بيوع الغرر ولما كان الخيار هنا غير محدد المدة، دخله الغرر، فَأُبْطِلَ. هذا مذهب الإمام مالك وللفقهاء الآخرين رأي مخالف، فلينظر في مظانه؛ (١) إذ الغرض هنا مجرد التمثيل لحالة تعارض الخبر الظني مع مقاصد الشارع.\nومن ذلك أيضًا عدم أخذ الإمام مالك بن أنس بحديث إكفاء القدور في غزوة خيبر، ففي صحيح البخاري عن ابن أبي أوفى - ﵄ - قال: \"أَصَابَنَا مَجَاعَة لَيَالي خَيْبَر، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَر وَقَعْنَا في الحُمُرِ الأَهْليّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا، فَلَمّا غَلَت القُدُورُ نَادَى مُنَادِي رُسُول الله - ﷺ -: أَكْفِئُوا القُدُورَ فَلَا تَطْعَمُوا مِن لُحُوم الحُمُر شَيْئًا\". (٢)\nوقد ذهب الإمام مالك إلى أنه يجوز الأكل من لحوم الإبل والبقر والغنم قبل قسمتها إذا احتاج إلى ذلك المجاهدون، وفي ذلك يقول: \"لا أرى بأسًا من أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدوّ من طعامهم، ما وجدوا من ذلك كلّه قبل أن يَقَعَ في المقاسم\"، (٣) ويقول: \"وأنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام، يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو، كما يأكلون من الطعام ... فلا أرى بأسًا بما أُكِل من ذلك كلّه، على وجه المعروف، ولا أرى أن يدَّخر أَحَدٌ من ذلك شيئًا يرجع به إلى أهله\". (٤)\nوقد علل مذهبه هذا بقوله: \"ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم، ويقسم بينهم، أضر ذلك بالجيوش\". (٥)\n_________\n(١) انظر وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية الكويتية: الموسوعة الفقهية، (الكويت: ذات السلاسل، ط ٢، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠)، ج ٢٠، ص ١٦٩ - ١٧٢.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب (٢٠)، مج ٢، ج ٤، ص ٣٩٤.\n(٣) الموطأ، كتاب الجهاد، باب (٨)، ج ٢، ص ٤٥١.\n(٤) المصدر السابق، ج ٢، ص ٤٥١ - ٤٥٢.\n(٥) المصدر السابق، ج ٢، ص ٤٥٢.","vol":"1","page":53},{"text":"فعلى رأي من رأى أن النهي عن أكل لحوم الحمر والأمر بإكفاء قدورها إنما كان لأنها لم تُخَمَّسْ بَعْدُ، يكون الإمام مالك لم يأخذ بظاهر الحديث لأن منع الجند من الأكل يؤدي إلى إضعافهم، وذلك يؤدي إلى عجزهم عن تحقيق مقاصد الشرع من الجهاد. أما على قول من قال إن النهي كان تحريمًا لها ألبتة، (١) وليس لكونها لم تُخَمّس فإن هذا المثال لا يتوجه في هذا الباب.\nوقد كره الإمام مالك صيام ستة أيام من شهر شوال، واستند في ذلك إلى أمرين:\nالأول: أنه لم يَرَ أهل العلم في المدينة يصومونها، ولم يصح عنده أن أحدًا من السلف كان يصومها.\nالثاني: مخالفة ذلك لمقصد من مقاصد الشارع، وهو سدّ ذرائع الفساد ومنها ذرائع البدعة، وفي ذلك يقول: \"وإن أهل العلم يكرهون ذلك [أي صيام ست من شوال]، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك\". (٢)\nوبغض النظر عن مدى قوة حجة مالك هذه، ومدى صحة مذهبه، فإن الغرض هنا هو بيان كيفية التعارض بين خبر الآحاد والمقاصد الشرعية، وترجيح المقاصد على مقتضى خبر الآحاد.\nالقسم الثالث: حديث الآحاد (الظني) الذي لا يشهد له أصل قطعي، ولا يُعَارِضُ أصلًا قطعيًّا، فهو محلُّ نظرِ واجتهادِ العلماء، وهو من باب المناسب الغريب. فقد يرفضه البعض بحجة أنه شرع على غير ما عُهِدَ في مثله، ولأن الاستقراء يدلّ على أنه غير موجود، ولأنه من حيث لم يشهد له أصل قطعي يُعتبر معارضًا لأصول الشرع، إذْ عدم الموافقة يُعَدّ مخالفة، وكلّ ما خالف أصلًا قطعيًّا فهو مردود. وقد يقبله البعض من باب أنه وإن لم يكن موافقًا لأصل فلا مخالفة فيه أيضًا، فإن عضَّد الردَّ عدمُ الموافقة، عضَّد القبولَ عدمُ المخالفة، فيتعارضان، ويبقى أصل العمل بالظن في الشرع\n_________\n(١) انظر صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب (٢٠)، مج ٢، ج ٤، ص ٣٩٤.\n(٢) الموطأ، كتاب الصيام، باب (٢٢)، ج ١، ص ٣١١.","vol":"1","page":54},{"text":"قائما، وهذا فرد من أفراده فيلزم العمل به. (١) وهذا الأخير هو الرأي الأسلم والأرجح، والله أعلم.\nثامنًا - استنباط الأحكام للوقائع المستجدة مما لم يدلّ عليه دليل، ولا وُجِد له نظير يقاس عليه:\nومن ذلك الإحتجاج بالمصالح المرسلة. وبيان ذلك أن معرفة مختلف أنواع المصالح التي قصد الشارع إلى تحقيقها يحصل لنا منه يقينٌ بصورٍ كلّية من أنواع تلك المصالح، فنجعلها بعد ذلك أصولًا كلّية نقيس عليها ما يَجِدُّ من حوادث ليس له حكم ولا نظير يقاس عليه في أحكام الشريعة، فنُدخلها تحت تلك الصور الكلّية، ونُثبِت لها مثل أحكامها. وهذا النوع من الإلحاق أَوْلى بالاعتبار من القياس، الذي هو إلحاق جزئي بجزئي آخر بجامع علة، غالبًا ما تكون مظنونة، في حين أن الإلحاق في المصلحة المرسلة يكون بكلّية ثابتة في الشريعة قطعا، أو ظنًّا قريبًا من القطع، بما تظافر من أدلّة كثيرة على اعتبار تلك الكلّيات. (٢)\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١٨.\n(٢) انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢١٦.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثاني\nاستخلاص المقاصد من ظواهر النصوص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>تمهيد\nطرق إفادة الكلام</span>\nينقسم الكلام المفيد من حيث مدى استقلاله بالإفادة إلى ثلاثة أقسام:\n١ - إمّا أن يكون مستقلًا بالإفادة من كلّ وجه، وهو النص، (١) مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. فهذه النصوص تستقل بإفادة تحريم الزنا وقتل النفس وإيذاء الوالدين بالتأفيف.\nوالظاهر (٢) -أيضًا- من أنواع الألفاظ التي تستقل بالدلالة على معناها، ذلك أن اللفظ الظاهر هو الذي لا يتوقف فهم المراد منه على قرينة خارجية، وإنما يتضح مدلوله المراد منه من الصيغة نفسها. (٣)\n_________\n(١) مصطلح النص عند الأصوليين يحمل معنيين: الأول المعنى العام، وهو\"كل ملفوظ مفهوم المعنى من الكتاب والسنة سواء كان ظاهرًا أو مفسرا أو نصا أو حقيقة أو مجازا، خاصا كان أو عاما، اعتبارا منهم للغالب؛ لأن عامة ما ورد من صاحب الشرع نُصوص\". البخاري، علاء الدين عبد العزيز بن أحمد: كشف الأسرار على أصول فخر الإِسلام البزدوي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م)، ج ١، ص ١٧٢.\nوالثاني المعنى الخاص، وهو في اصطلاح الجمهور: \"اللفظ الدالّ في محل النطق ويفيد معنى لا يحتمل غيره\". انظر الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم: نشر البنود على مراقي السعود، (بيروت: دار الكتب العملية، ط ١، ١٤٠٩ هـ)، ج ١، ص ٨٤. أما عند الحنفية فهو عند المتقدمين منهم \"ما ازداد وضوحًا على الظاهر بمعنى من المتكلم لا في نفس الصيغة\". عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ١، ص ١٢٤ - ١٢٥، وفَرَّقَ المتأخرون منهم بينه وبين الظاهر بكون النص ما سيق له الكلام أصالة، والظاهر ما لم يُسَقْ له أصالة. انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ١، ص ١٢٤ - ١٢٦).\n(٢) الظاهر في اصطلاح الجمهور هو: \"ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي، أو العرفي، ويحتمل غيره احتمالًا مرجوحا\". الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٥٨.\n(٣) انظر صالح، محمد أديب: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، (بيروت/ دمشق: المكتب الإِسلامي، ط ٣، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م)، ج ١، ص ١٤٣.","vol":"1","page":57},{"text":"ومع أن كلًّا من النص والظاهر يستقل بإفادة معناه من كلّ وجه، إلّا أن الفرق بينهما أن النص يستقل بالإفادة بإطلاق، أما الظاهر فإنه يستقل بالإفادة بشرط عدم ثبوت ما يصرفه عن ظاهره، فإذا وُجِدَ ما يصرفه عن ظاهره صار مؤَوَّلًا.\n٢ - ما يستقل بالإفادة من وجه دون وجه، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإيتاء حق المنتوج الزراعي يوم حصاده بإخراج زكاته معلوم، ولكن مقدار هذا الحق غير معلوم من هذا النص. وفي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، نجد أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية معلوم من هذا النص، لكنه لا يستقل بالدلالة على مقدار الجزية.\nفهذه الآيات نصوص في بعض المعاني، ومجملة في أخرى تحتاج في بيانها إلى نصوص أخرى.\n٣ - ما لا يستقل بالإفادة إلّا بقرينة، وهو كلّ لفظ مشترك ومبهم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإن الذي بيده عقدة النكاح يُطْلَقُ على ولي المرأة وعلى الزوج، ولا يتحدد المقصود منهما هنا إلّا بالقرائن، وكذلك لفظ القرء مشترك بين الحيض والطهر ولا يمكن تعيين واحد منهما بكونه مقصود الشارع إلّا بالقرائن (١).\nوبناءً على هذا، يمكن القول إن استخلاص المقاصد إما أن يتمّ من ظواهر النصوص الشرعية، وهي التي تستقل بإفادة معناها، وإما أن يكون من خلال\n_________\n(١) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢٢٩. هذا على رأي الجمهور، أما عند الحنفية فقد ذكر الجصاص أن لفظ القرء \"حقيقة في الحيض مجاز في الطهر فالواجب حمله على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز، ولا يجوز أن يراد المعنيان جميعا في حال واحدة\". الجصاص، أحمد بن علي الرازي: أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول، تحقيق د. عجيل جاسم النشمي (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط ١، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م) ج ١، ص ٤٧.","vol":"1","page":58},{"text":"الإستعانة بالقرائن بما تتضمنه من سياق ومقام، وذلك في النصوص الشرعية التي لا تستقل بإفادة معناها تمامًا أو من وجه دون وجه. وعلى ذلك ستتم دراسة الجانب الأول (استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص) في هذا الفصل، والجانب الثاني (وظيفة السياق والمقام في تحديد مقاصد النصوص الشرعية) في الفصل التالي.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول\nاستخلاص المقاصد من ظواهر النصوص</span>\nالأصل فيما يُبِينُ عن مقاصد المتكلّم هو ظاهر خطابه؛ إذ اللغة إنما وضعت للتفاهم بين البشر ولمّا كان الكلام يُقْصَد به تيسير التفاهم بين الناس فإن الأصل فيه أن يُحمل على ما يتبادر إلى الأذهان من معانيه، وهو الظاهر، إلّا إذا دلّت قرائن لغوية أو حالية على أن الظاهر ليس هو المقصود في هذا المقام فنلجأ عند ذلك إلى التأويل. ومن هنا تقررت القاعدة القائلة بأن الأصل في الكلام الحقيقة، لأن الحقيقة ثابتة والمجاز طارئ. وتقرير هذه القاعدة ضروري لضمان انضباط التفاهم بين الناس، إذْ إهمالها يؤدي إلى تعذُّر التفاهم بينهم، وعدم انضباط معاملاتهم، بل وفسادها؛ إذْ يُفتح الباب لكلّ عابث لأنْ يتنكر لكلّ الالتزامات التي تفهم من ظاهر كلامه بحجة أنه لم يقصد ظاهرها، وإنما قصد أمرًا آخر، فلا تنضبط بعد ذلك عقود، ولا تثبت التزامات، وتهدر الحقوق، وتشيع الفوضى، ولا يمكننا إلزام أَحَدٍ بما يصدر منه. كما أن ذلك يكون طريقا لكلّ قاصد إلى هدم الشريعة، بأن ينسب إليها كلّ ما يهواه وبسقط منها كلّ ما يخالف هواه.\nومن هنا جاء اتفاق من يُعتدّ برأيه من الأصوليين على وجوب العمل بما دلّ عليه النص والظاهر (١) حتى يقوم دليل التأويل أو التخصيص أو النسخ، وإن اختلفوا بعد ذلك في هذا الوجوب هل هو على سبيل القطع أم على سبيل الظن فقط، بناءً على اختلافهم في الإحتمال البعيد الناشئ عن غير دليل هل يطعن في قطعية الدليل أم لا؟ (٢)\n_________\n(١) من الظاهر صيغة الأمر المطلق، فتكون ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب والإباحة وغيرهما مما تستعمل فيه، ومنه صيغة النهي المطلق، فهي ظاهرة في التحريم مؤولة في غيره، ومنه صيغ العموم، فهي ظاهرة في استغراق ما تصلح له، مؤولة في حملها على وجه من أوجه الخصوص. انظر الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله: البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط ٣، ١٤١٢ هـ / ١٩٩٢ م)، ج ١، ص ٢٨٠.\n(٢) انظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ٣٣٧ - ٣٣٩؛ ومحمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، ج ١، ص ١٥٣ وما بعدها.","vol":"1","page":60},{"text":"وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: \"فكلّ كلام كان عامًّا ظاهرًا في سنّة رسول الله - ﷺ - فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعلم حديث ثابت عن رسول الله -بأبي هو وأمي- يدلّ على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض\". (١)\nويقول في موضع آخر: \"والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به\". (٢)\nوقال في معرض حديثه عن حديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها في كبد السماء، وأن ذلك يحتمل أن يكون المراد به كلّ الصلوات، ويحتمل أن يراد به النوافل فقط: \"وهكذا غيره من حديث رسول الله - ﷺ - هو على الظاهر من العام حتى تأتي الدلالة عنه كما وصفتُ، أو بإجماع المسلمين أنه على باطنٍ دون ظاهرٍ، وخاص دون عام، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة عليه، ويطيعونه في الأمرين جميعًا\". (٣)\nوبناءً على ذلك فإنه لا داعي إلى صرف اللفظ عن ظاهره إلّا في حالة معارضته لنصوص شرعية أخرى، أو لأصول الشريعة ومبادئها العامة، أو معارضة معناه لصريح العقل.\nفالأصل -إذًا- أن يُنْظَر في ظاهر النصوص فإذا وجدت قرائن تصرف النص عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله صُرِف به، وإن لم يوجد شيء من ذلك فاللفظ باقٍ على ظاهره، ويكون ظاهره هو المعنى المقصود للشارع. ولا يضرّ بعد ذلك القول بأن الظاهر يفيد مجرّد الظن فقط، لأن هذا الظن منشؤه ما يمكن أن يوجد من قرائن صارفة له عن ظاهره، فإذا لم توجد هذه القرائن - وإنْ كُنَّا لم نصل إلى درجة القطع بعدمها - فذلك كافٍ في الأخذ بظاهره، لأن القطع العقلي غير مطلوب في مثل هذه الأمور.\n_________\n(١) الشافعي، محمد بن إدريس: الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، (القاهرة: مكتبة دار التراث، ط ٢، ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م)، ص ٣٤١.\n(٢) البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين: مناقب الشافعي، تحقيق السيد أحمد صقر، (القاهرة: مكتبة دار التراث، د. ط. د. ت)، ج ٢، ص ٣٠.\n(٣) الشافعي: الرسالة، ص ٣٢٢.","vol":"1","page":61},{"text":"المقصود بالأخذ بظواهر النصوص:\nليس المقصود بالقول بالأخذ بظاهر النص الإكتفاء بالمعنى الذي يفهم من ظاهر النص (عبارة النص) (١) مع نفي إمكانية استنباط معاني أخرى تفهم من النص بدلالة الإشارة (٢) أو الإقتضاء (٣) أو الدلالة، (٤) وإنما المقصود عدم إهمال المعنى المأخوذ من ظاهر النص (عبارة النص) بحجة أن المعنى المقصود من النص غير ذلك، إلّا إذا دلَّ دليل على صرف اللفظ عن ذلك الظاهر.\n_________\n(١) المعنى الثابت بعبارة النص هو ما يُعلم أن ظاهر النص متناول له من غير كبير تأمل، سواء سيق له اللفظ أصالة أو تبعا. انظر البخاري: كشف الأسرار، ج ١، ص ١٧١ - ١٧٣.\n(٢) إشارة النص هي \"ما ثبت بنظمه لغةً، لكنه غير مقصودٍ ولا سيق له النص، وليس بظاهر من كلّ وجه\". عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ١، ص ١٧٤ - ١٧٥. فهو لا يستفاد من عبارة النص، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام لإفادته.\n(٣) اقتضاء النص هو\"عبارة عن زيادة على المنصوص عليه يشترط تقديمه ليصير المنظوم مفيدًا أو موجبًا للحكم بدونه لا يمكن إعمال المنظوم\". السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل: أصول السرخي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٢٤٨.\n(٤) دلالة النص وتسمّى فحوى الخطاب ومفهوم الموافقة عند الجمهور، هي دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه لإشتراكهما في علة الحكم التي يمكن فهمها عن طريق اللغة من غير حاجة إلى الإجتهاد الشرعي\". وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإِسلامي، ج ١، ص ٣٥٣.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني\nنماذج تطبيقية لإستخلاص المقاصد من ظواهر النصوص الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>النموذج الأول: استخلاص المقاصد من النص والظاهر:</span>\nتبيّن عند الحديث عن طرق إفادة الكلام أن من الكلام ما يستقل بإفادة المعنى، وهو ما اصطلح عليه الأصوليون بالنص -بالدرجة الأولى- ويُلحَق به الظاهر ولذلك نص الأصوليون على أن النص والظاهر يوجبان العمل بمقتضاهما، ولا يشك فيما يُفهم من ظاهرهما إلّا من أراد أن يدخل الشك على نفسه، أو أراد أن يخرج باللغة من التعامل المعتاد إلى السفسطة.\nفمثلا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يفيدان كون الشارع قاصدًا التيسير ورفع الحرج عن المكلّفين، ولكن المقصود باليسر المطلوب والحرج المرفوع في الشرع والمجالات التي يدخلها التيسير تحتاج في معرفة تفاصيلها وضوابطها إلى استقراء ما ورد في الموضوع من نصوص وأحكام أخرى لتحديد ذلك.\nوقول الرسول - ﷺ -: \"لَا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ\" (١) ظاهر في كون الشارع قاصدًا إلى منع الإضرار بالنفس وبالغير، وإيجاد توازن بين المصالح المتعارضة وما قد ينتج عنها من أضرار بدفع الضرر الأكبر في مقابل تحمّل الضرر الأصغر.\nوقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ظاهر في قصد الشارع إلى إثبات المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة، فلا يتحمل الإنسان وِزْرَ غيره الذي لم يشارك في فعله ولا تسبب فيه.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد: سنن ابن ماجة، حققه ووضع فهارسه محمد مصطفى الأعظمي، (الرياض: شركة الطباعة العربية السعودية، ط ٢، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤)، أبواب الأحكام، باب (١٧)، ج ٢، ص ٤٤.","vol":"1","page":63},{"text":"[البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] نصوص في قصد الشارع إلى تحريم الربا وإلغائه من معاملات الناس.\nوقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] نصان في قصد الشارع إلى معاقبة وإيلام اللصوص بقطع أيديهم، والزناة بجلدهم، وإن بدا في ذلك شدّة وصرامة، ولذلك عَقَّبَ الله تعالى على العقوبة الأولى بقوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وعلى الثانية بقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>النموذج الثاني: دلالة الأمر والنهي:</span>\nتنقسم الأوامر والنواهي -باعتبار الصيغة- إلى قسمين:\n١ - الأوامر والنواهي الصريحة:\nوالأمر الصريح هو ما كان بصيغة فعل الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\nوالنهي الصريح هو ما كان بصيغة لا تفعل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوالأمر الصريح والنهي الصريح كلاهما يفيد بظاهره قصد الشارع إلى امتثال ما ورد فيهما من أوامر ونواهي.","vol":"1","page":64},{"text":"٢ - الأوامر والنواهي الضمنية: وهي على نوعين:\nأ - ما كانت له صيغة: فالأوامر الضمنية هي ما كان بصيغة تتضمن أمرا، ولم تكن بصيغة فعل الأمر، ومن ذلك ما ورد بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أو ما ورد منها مورد الإخبار عن تقرير الحكم مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، أو ما جاء مجيء المدح، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]، أو الذم له أو لفاعله، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، أو ترتيب الثواب والعقاب، مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]، أو الإخبار بمحبة الله تعالى في الأوامر، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، والكراهية أو عدم الحب في النواهي، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nوالنواهي الضمنية هي كلّ ما يجري مجرى النهي ولم يكن بصيغة \"لا تفعل\" مثل الأمر الدال على الكف كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، ومادة النهي كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وكما في الجمل الخبرية المستعملة في النهي كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ","vol":"1","page":65},{"text":"الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\nوهذه الصيغ تأخذ حكم الصريح في كونها ظاهرة في كون الشارع قاصدًا إلى\nإيقاع ما يتعلق منها بالأوامر واجتناب ما يتعلق منها بالنواهي. (١)\nب - لازم الأمر والنهي: وهو ما يتوقف عليه كلّ منهما، أي هل الأمر بالشيء يلزم منه النهي عن ضده، ووجوب ما لا يَتِمُّ الواجب المأمور به إلّا بتحصيله مع كونه في قدرة المكلّف؟ والنهي عن الشيء هل يلزم منه الأمر بضده، والنهي عن الذرائع الموصلة إلى ذلك المنهي عنه؟ وهذا النوع فيه خلاف مشهور بين الأصوليين ليس هذا موضع تفصيله. (٢)\nوقد قيَّد الشاطبي الأوامر والنواهي التي يُعرف منها كون الشارع قاصدًا إلى إيقاع المأمور به واجتناب المنهي عنه بالأوامر والنواهي التصريحية الإبتدائية. وتقييدهما بقيد \"التصريحية\" إخراج للأوامر والنواهي الضمنية فإنها خفية في الدلالة على قصد الشارع؛ إذْ لا تفيده مجردة وإنما بما يحفّ بها من قرائن، أما تقييدها بكونها \"ابتدائية\" فلإخراج الأوامر والنواهي التي لم تُقصد بالقصد الأول، مثل: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ والنهي عن الشيء هل هو أمر بضده أم لا؟ ومسألة وجوب ما لا يتم الواجب إلّا به. (٣)\nووجه إدراج صيغتي الأمر والنهي في باب استخلاص المقاصد من ظواهر النصوص أن كلًّا منهما إذا ورد مطلقًا ولم ترد أي قرائن تصرفه إلى معنى من المعاني التي يمكن أن يُصرف إليها كلّ منهما فإنه يفيد بظاهره قصد الشارع إلى وجوب امتثال ما أمر به ووجوب اجتناب ما نهى عنه، وهذا جريا على رأي الجمهور القائلين\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١١٧.\n(٢) انظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ١٧٩ - ١٨٥.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٨ - ٢٩٩.","vol":"1","page":66},{"text":"بأن الأمر حقيقة في الإيجاب والنهي حقيقة في التحريم ولا يصرفان عنهما إلّا بقرائن صارفة.\nوقد استدلّ الشاطبي على كون الأمر الصريح والنهي الصريح يفيدان بظاهريهما قصدُ الشارع إلى إيقاع المأمور به، واجتناب المنهي عنه، أن الأمر والنهي كلاهما يستلزم أمرين:\nالأول: الطلب، أي طلب فعل المأمور به، أو طلب ترك المنهي عنه.\nالثاني: الإرادة (١)، أي إرادة إيقاع المأمور به، وإرادة عدم إيقاع المنهي عنه، والدليل على ذلك:\n١ - أن جوهر الأمر أو النهي ومقتضى كلّ منهما القصدُ إلى إيقاع المطلوب أو عدم إيقاع المنهي عنه، فالقول بعدم قصد الآمر أو الناهي مقتضى كلّ منهما تجريد لهما عن جوهرهما، وفي ذلك يقول: \"الأمر بالمطلقات يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعها، كما أن النهي يستلزم قصده لترك إيقاعها؛ وذلك أن معنى الأمر والنهي اقتضاء الفعل واقتضاء الترك، ومعنى الإقتضاء الطلب، والطلب يستلزم مطلوبًا والقصدَ لإيقاع ذلك المطلوب، ولا معنى للطلب إلّا هذا\". (٢)\n٢ - كما أن تجريد الأمر أو النهي عن مقتضى كلّ منهما بِتَصَوُّرِ وُرُودِ أمرٍ مع تَصَوُّرِ القصد لعدم إيقاع المأمور به، وأن يَرِدَ نهي مع القصد لإيقاع المنهي عنه يُخْرِجُ الأمر عن كونه أمرًا، والنهي عن كونه نهيًا، ويُذهب لكلّ منهما خاصته التي تميزه عن غيره من صيغ التكليف ومراتبه، وبذلك يصح أن يصير الأمر نهيًا أو إباحة أو كراهة، وبالعكس، وهذا محال، فلزم المحافظة على مقتضى كلّ صيغة من صيغ\n_________\n(١) الإرادة بوصفها صفة لله تعالى على نوعين: الإرادة الْخَلْقِيّة القدرية، وهي التي لا يخلف عنها مراد، فما أراد الله تعالى كونه كان، وما أراد أن لا يكون فلا سبيل إلى كونه، والإرادة الأمرية التشريعية المتعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع المنهي عنه، ومعناها أن الله تعالى يحبّ فعل ما أمر به ويرضاه، ويحب أن يفعله المأمور به ويرضاه منه من حيث هو مأمور به، وكذلك النهي يحب ترك المنهي عنه ويرضاه. انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٩٠ - ٩١. والمقصود هنا في الأوامر والنواهي النوع الثاني من الإرادة.\n(٢) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٩٢؛ وانظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ١٥٠.","vol":"1","page":67},{"text":"التكليف. (١)\n٣ - أن الأمر والنهي من غير قصد إلى إيقاع المأمور به وترك المنهي عنه كلام من لا يدري ما يقول كالساهي والمجنون، وذلك لا يُعدّ أمرًا ولا نهيا. (٢)\nدلالة ظاهر الأمر على الوجوب والنهي على التحريم:\nاختلف الأصوليون في دلالة فعل الأمر إذا تجرد عن القرائن: هل يُستفاد من ظاهره الوجوب، أم الندب، أم الإباحة، أم أنه لا يدلّ على أيّ منها، ومن ثَمّ ينبغي التوقف فيه؟ على مذاهب أبرزها ما يأتي:\n١ - ذهب جمهور الأصوليين إلى أن الأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يصرف عنه إلى غيره إلّا بقرينة، ومن ثَمّ فإن الأمر الذي تعرّى عن القرائن الصارفة يدلّ بظاهره على الوجوب، وصاغوا لذلك قاعدة \"الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف\". (٣) واستدلّوا على مذهبهم هذا بموقف أهل اللغة والسلف من صيغ فعل الأمر المطلق بأخذها على ظاهرها وإجرائها على الوجوب، وباستقراء مجموعة من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية التي يؤخذ منها ذلك. (٤)\n٢ - ذهب البعض إلى أن الأمر حقيقة في الندب، وهو منسوب إلى عامة المعتزلة، وبعض الفقهاء. (٥)\n٣ - ذهب فريق ثالث إلى التوقف في تعيين مدلول الأمر حقيقة، وذلك بناءً على كونه مشتركًا بين أكثر من معنى. ثم اختلفوا بعد ذلك: فمنهم من جعله مشتركًا بين\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٩٣.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٩٣.\n(٣) انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢١٠، الجصاص، أحمد بن علي الرازي: أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط ١، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م)، ج ١، ص ١٠١ وما بعدها، الجويني: البرهان، ج ١، ص ١٥٩، ١٦١.\n(٤) انظر في تفصيل المسألة الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢١٢ - ٢١٦؛ محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، ج ٢، ص ٢٤٦ وما بعدها.\n(٥) انظر محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، ج ٢، ص ٢٤١.","vol":"1","page":68},{"text":"الوجوب والندب، وهو قول الغزالي، ومنهم من جعله مشتركًا بين الوجوب والندب والإباحة، ومنهم من جعله مشتركًا بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد. (١)\nوقد نصر الإمام الشاطبي مذهب القائلين بالتوقف، حيث يرى أن دلالة الأمر والنهي المطلقين يُرجع فيهما إلى الدليل مما يحفّ بالصيغة من قرائن مقالية أو حالية. وما لم يظهر دليله، وهو الأمر المطلق أو النهي المطلق يصعب القول فيه بأنه للوجوب، أو الندب أو غيرهما، وأن أقرب الأقوال إلى الصواب قول الواقفية. واستدلّ على ذلك بأنه \"ليس في كلام العرب ما يرشد إلى اعتبار جهة من تلك الجهات دون صاحبتها\"، (٢) وبقوله: \"فالأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الإقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمرُ وجوبٍ أو ندبٍ، وما هو نهيُ تحريمٍ أو كراهةٍ لا تُعلم من النصوص، وإن عُلِمَ منها بعض فالأكثر منها غير معلوم، وما حصل لنا الفرق بينها إلّا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح، وفي أي مرتبة تقع؟ وبالاستقراء المعنوي، ولم نستند فيه لمجرد الصيغة، وإلَّا لزم في الأمر أن لا يكون في الشريعة إلّا على قسم واحد، لا على أقسام متعددة، والنهي كذلك أيضًا\". (٣)\nفالأمر لكونه محتملًا للوجوب ولغيره ينبغي النظر فيه بداية من خلال ما يحفّ به من قرائن هل هو باق على ظاهره؟ أم أنه مصروف عنه؟ فإذا ثبت بقاؤه على ظاهره عُلِمَ أن قصد الشارع منه هو الإتيان بالمأمور به، وكذلك النهي.\nوما قيل عن مذاهب العلماء في دلالة الأمر المطلق يقال عن دلالة النهي المطلق، فالمواقف نفسها، والأدلّة أيضًا نفسها.\nوقد حدّد الشاطبي الطريق السليم لفهم المقصود - الشرعي من الأوامر والنواهي بالنظر في أمور ثلاثة: أحدها استقراء ما ورد في المسألة موضوع الأمر أو النهي من نصوص في الكتاب والسنّة لِيَتِمّ استخلاص المعنى المشترك بين جميع تلك النصوص.\n_________\n(١) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥ - ٦؛ والآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢١٠.\n(٢) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١٥٧.\n(٣) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١١٥.","vol":"1","page":69},{"text":"والثاني النظر في القرائن الحالية والمقالية المصاحبة للأمر أو النهي. وثالثها محاولة استخلاص علّة ذلك الأمر أو النهي -إن وُجِدَت- ومن خلال هذه الخطوات الثلاث يتمّ تحديد المقصود الشرعي من الأمر أو النهي. (١)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١١٢ - ١١٥.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>النموذج الثالث\nدلالة العام </span>(١)\nهل يمكن أن يُستفاد من ظاهر اللفظ الوارد بصيغة العموم أن الشارع قاصد إلى تعميم الحكم على كلّ فرد يشمله ذلك العام إلّا أن يدلّ دليل على صرفه عن عمومه أم لا؟\nاختلفت كلمة الأصوليين في ذلك على ثلاثة مذاهب رئيسة، هي (٢):\n_________\n(١) اللفظ العام هو: اللفظ الموضوع وضعًا واحدًا للدلالة عل جميع ما يصلح له من الأفراد على سبيل الشمول والإستغراق من غير حصر في كمية معينة أو عدد معين. انظر السرخسي: أصول السرخسي، ج ١، ص ١٢٥. وللعموم صيغ وضعية في اللغة أهمها ما يأتي:\n١ - لفظ \"كلّ\"، ولفظ \"جميع\"، مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]\n٢ - الجمع المعرف باللام الاستغراقية، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]\n٣ - الجمع المعرف بالإضافة، مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].\n٤ - المفرد المعرف بـ - \"ال\" التي تفيد الإستغراق، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\n٥ - أسماء الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n٦ - الأسماء الموصولة، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n٧ - أسماء الإستفهام، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].\n٨ - النكرة في سياق النفي، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].\n٩ - النكرة الموصوفة بوصف عام، مثل قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣].\n(٢) انظر في تفصيلها مثلًا: الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٢٢ - ٢٣؛ الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر: البحر المحيط في أصول الفقه، تحرير عمر سليمان الأشقر، (الكويت: دار الصفوة، ط ١، ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٨ م)، ج ٣، ص ١٧ - ٢٦؛ الجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٢١ وما بعدها؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢٩٤ - ٣٢٣.","vol":"1","page":71},{"text":"١ - مذهب أرباب الخصوص: يرى أصحاب هذا الإتجاه أن ما ذُكِر من صيغ العموم إنما وُضِع للخصوص، وهو أقل الجمع: إما اثنان أو ثلاثة، ولا يقتضي العموم فيما فوق ذلك إلّا بقرينة، وهو منسوب إلى محمد بن شجاع البلخي من الحنفية (١)، ولكن الجصاص أورد اتفاق الحنفية على القول بالعموم في الأوامر والنواهي والأخبار، حيث قال: \"ولم يُحْكَ عن أحدٍ من أصحابنا خلاف ذلك فدلّ أنه قولهم جميعا\"، (٢) والجبائي من المعتزلة. (٣) فحاصل مذهبهم أنه لا يمكن استفادة قصد الشارع من ظاهر العام، وإنما الذي يحدد ذلك هو ما يحفّ به من قرائن.\n٢ - مذهب الواقفية: وهم القائلون بأن ما يطلق عليه صيغ العموم مشترك يصلح للإستغراق وللإقتصار على الأقل ولتناول صنف أو عدد بين الأقل والاستغراق، ومن ثَمّ يجب التوقف فلا يحمل على واحد من ذلك إلّا بما يؤيده من قرائن، أما أقل الجمع فإنه داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو منسوب إلى الباقلاني وأبي الحسن الأشعري، وبعض المتكلّمين. (٤)\nوالقول بالتوقف إن كان القصد منه التوقف مطلقًا فهو مردود لا محالة لأنه يؤدي إلى تعطيل عمومات الشرع، ومن ثَمّ تعطيل جزء كبير من النصوص الشرعية، أما إذا قُصِد منه النظر في وجود صوارف تصرف العام عن عمومه قبل القول بمقتضاه فهو محلّ اتفاق بين أهل العلم؛ ذلك أن اللفظ العام لا يمكن أن نعلم بقاءه على عمومه إلّا بعد علمنا بعدم وجود ما يصرفه عن عمومه، كما أن اللفظ الظاهر لا يمكن أن نعرف بقاءه على ظاهره إلّا إذا علمنا بعدم وجود ما يصرفه عن ظاهره، واللفظ المطلق لا يمكن أن نعلم بقاءه على إطلاقه إلّا إذا علمنا عدم وجود ما يقيده، وكون الأمر للإيجاب لا يمكن التحقق منه إلّا إذا علمنا انتفاء الصوارف\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ١٧.\n(٢) الجصاص: أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول، ج ١، ص ١٠٣، وانظر تفصيل رأي الحنفية في الصفحات ١٠١ - ١٠٣.\n(٣) انظر محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، ج ٢، ص ١٩ - ٢٠.\n(٤) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٢٨.","vol":"1","page":72},{"text":"التي يمكن أن تصرفه عن ذلك، وكذلك كون النهي للتحريم لا يحكم فيه بذلك إلّا مع انتفاء ما يصرفه عن ذلك. ومن أجل ذلك نجد أهل العلم جميعًا يحذرون من التسرع في الفتوى بمجرد الإطلاع على نص واحد، أو بما يتبادر إلى الذهن من ظاهر نص من النصوص قبل معرفة موقع هذا النص من الأدلّة الشرعية الأخرى، وما يحمله - النص ذاته من قرائن، والمقام الذي صدر فيه، بل إن الإمام الشاطبي عدّ ذلك من باب اتباع المتشابهات، حيث يقول: \"من اتّباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، وبالعمومات من غير تأمّل هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس، بأن يكون النص مقيَّدا فيطلق، أو خاصًّا فيعمّ بالرأي من غير دليل سواه. فإن هذا المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيّد، فإذا قُيِّد صار واضحًا، كما أن إطلاق المقيَّد رأي في ذلك المقيَّد معارض للنص من غير دليل\". (١)\n٣ - مذهب أرباب العموم: وهم القائلون بأن صيغ العموم تفيد الشمول والإستغراق لكلّ ما تصلح له بدلالة الوضع، وأنها إنما تستعمل في الخصوص مجازا. فهم يرون إمكانية دلالة ظاهر صيغة العموم على قصد الشارع إلى تعميم الحكم ليشمل كلّ ما يصلح له اللفظ بالوضع، فهذا هو الأصل ولا يصرف عنه إلى خصوص إلّا بقرينة. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، والظاهرية.\nوقد استدلوا على إفادة صيغ العموم الإستغراق بأن ذلك يقتضيه تفريق العرب في الوضع - اللغوي بين المفرد والمثنى والجمع، وأن هذا من ضرورات التخاطب بين الناس؛ إذْ من غير تفريق بين هذه يعسر التفاهم، ثم إن تعامل الناس من قديم جارٍ على هذا، فإذا خاطب إنسانٌ آخرَ بصيغة عموم لم يحسن منه فهمها على الخصوص إلّا إذا دلّت على ذلك قرائن، واللغة إنما وضعت لتيسير التفاهم بين الناس. (٢) ولولا كون\n_________\n(١) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الإعتصام، ضبطه وصححه أحمد عبد الشافي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤١١ هـ / ١٩٩١ م)، ج ١، ص ١٧٨.\n(٢) انظر في تفصل أدلّة أرباب العموم: الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢٩٤ - ٣٠٢؛ السرخسي: أصول السرخسي، ج ١، ص ١٣٥ وما بعدها؛ الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٢٣ - ٢٧، وغيرها من كتب الأصول.","vol":"1","page":73},{"text":"النصوص العامة على عمومها لما وُجِد التخصيص، فإنما وجد هذا لوجود ذاك.\nولا يضر القولَ بأن صيغ العموم تفهم على عمومها ما لم يرد ما يخصصها كونُ دلالة العام على أفراده ظنيّة قبل التخصيص -كما هو رأي الجمهور من الأصوليين- لأن كونها ظنية لا يتعارض مع كون ظاهرها مقصودًا للشارع، فمنشأ الظنية هنا هو احتمال تخصيصها، وهو أمر يبقى مجرد احتمال نظري إلى أن يثبت وجود المخصص فيصرف به العموم عن ظاهره. والأحكام الشرعية والعادية لا تخلو من ظن، وذلك غير مؤثر في وجوب العمل بها.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الثالث\nوظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>تمهيد\nطبيعة النص الشرعي ومستويات فهمه</span>\nالنص (١) الشرعي نص لغوي في أصله، ومن ثَمّ فهو محكوم بقواعد اللغة وقوانينها. ففهمه يعتمد أساسًا على اللغة، واللغة بحكم كونها أداة التخاطب والتفاهم بين الناس تكون محكومة بما تواضع عليه أهل تلك اللغة من معان في استعمال ألفاظها، وبما اعتادوه من أساليب للتعبير عن مقصوداتهم، وبالظروف والملابسات التي تحفّ بالخطاب. ولمّا كان أي نصّ من النصوص مركّبًا من مجموع كلمات صدرت في مقام من المقامات، وقَصَد بها قائلها التعبير عن معنى أو مجموعة من المعاني، فإننا لا يمكن أن نفهم النص فهمًا سليمًا إلّا من خلال التدرّج في ثلاثة مستويات:\nالأول: هو التعامل مع الكلمات على المستوى الإفرادي بمعرفة \"المعنى المعجمي\" (٢) لكل كلمة من كلمات النص، وهو عادة ما يكون معنى متعدِّدا.\nالثاني: التعامل مع الكلمات على المستوى التركيبي، ويكون ذلك على محورين: الأول تحديد \"المعنى الوظيفي\" (٣) للكلمة، ويتمّ ذلك من خلال تحديد قرائن التعليق\n_________\n(١) المقصود بالنص هنا معناه العام.\n(٢) المعنى المعجمي (Lexical Meaning):  هو المعنى الذي تدلّ عليه الكلمة مفردة كما هو في المعجم. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ٣، ١٩٨٥)، ص ٣٩.\n(٣) المعنى الوظيفي (Functional Meaning):  هو المعاني الصوتية والصرفية والنحوية التي تعتبر في حقيقتها وظائف تؤديها مباني الكلمات، ككون الوقف هو المعنى الوظيفي للسكون، والتخلص من التقاء الساكنين هو وظيفة الكسر، والفاعلية هي وظيفة الإسم المرفوع، والمفعولية وظيفة الإسم المنصوب، وغيرها. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٣٩.","vol":"1","page":75},{"text":"(العلاقات السياقية بين كلمات النص)، والثاني تحديد \"المعنى الدلالي\" (١). ومهمة هذا المستوى من التعامل هي حصر معاني الألفاظ في أضيق نطاق ممكن بتقوية معنى أو أكثر من المعاني المعجمية لِلَّفْظِ، واستبعاد معنى للفظ هو وضعه في \"مقال\" صادر في ضوء \"مقام\". فالذي ينفي عن معناها التعدد هو فهمها في ضوء السياق الذي وردت فيه؛ لأن الكلام لا بُدَّ أن يحمل من القرائن المقالية (اللفظية)، والمقامية (الحالية) ما يعيّن معنًى واحدًا لكل كلمة. (٢)\nوكذلك المعنى الوظيفي الذي تعبِّر عنه المباني الصرفية يتّسم -بطبعه- بالتعدد والاحتمال، فالمبنى الصرفي الواحد صالح لأن يُعَبِّر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامةٍ ما في سياقٍ ما. فالمصدر مثلًا يمكن التعبير به عن عدة معاني: فهو ينوب عن الفعل مثل قولنا إكرامًا زيدا، أي أكرم زيدا، ويؤكد الفعل كأكرمته إكراما، ويبيّن سبب الفعل كأكرمته احتراما، وينوب عن اسم المفعول نحو قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]، أي مكذوب، وينوب عن اسم الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]، أي غائرا، ويكون بمعنى الظرف نحو آتيك طلوع الشمس. وما تكون موصولة، ونافيّة، وكافّة، ومصدريّة ظرفيّة، واستفهاميّة، وتعجبيّة، وشرطيّة. (٣) والذي يحدد معنى المبنى الصرفي في النص هو القرائن اللفظية، والمعنوية، والحالية.\nوبعد التعرف على المعنى المعجمي، والمعنى الوظيفي للكلمة يتكون لدينا المعنى اللفظي أو\"معنى المقال\"، ولكن الفهم الكامل للنص لا يمكن أن يتحقق إلّا بعد\n_________\n(١) المعنى الدلالي (Semantic Meaning)،  ويسمى أيضًا المعنى المقامي (Contextual Meaning):  وهو معنى الكلمة في ضوء السياق الواردة فيه. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٣٩.\n(٢) انظر في تقسيم القرائن إلى قرائن مقالية وحالية مثلًا: الجويني: البرهان، ج ١، ص ١٨٥ وما بعدها.\n(٣) انظر في ذلك مثلًا ابن فارس، أبو الحسن أحمد: الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ١٩٧٧ م)، ص ٢٦٩ - ٢٧٢؛ والمالقي، أحمد بن عبد النور: رصف المباني في شرح حروف المعاني، تحقيق د. أحمد محمد الخراط، (دمشق: دار القلم، ط ٢، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م)، ص ٣٧٧ - ٣٨٥)؛ وابن الحاجب، جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر: كتاب الكافية في النحو، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م)، ج ٢، ص ١٩١ - ١٩٧.","vol":"1","page":76},{"text":"التعرُّف على المعنى المقامي الحاصل من خلال ضمّ القرائن الحالية إلى ما في السياق من قرائن مقالية، ليتكوَّن من ذلك كله ما يسمى بالمعنى الدلالي.\nفالمعنى الدلالي -إذًا- هو حصيلة تركيب المعنى الوظيفي مع المعنى المعجمي مع القرائن الحالية التي صاحبت الخطاب. ويمكن صياغته في القانون الآتي:\nالمعنى الدلالي = المعنى المعجمي + المعنى الوظيفي + المقام (القرائن اللفظية والحالية).\nومع كل هذا، يبقى المعنى المستنبط -في أكثر الأحيان- ظنيّا؛ لذلك قيل إن أكثر كلام العرب من قبيل الظاهر، وأن النص -بمعناه الأصولي- قليل فيه، ولذلك نجد أكثر الأدلّة الشرعيّة إِمَّا مِنْ قَبِيل الظاهر أو المجمل لما يتطرق إليها من احتمالات. أمّا المجمل فإنه يحتاج إلى مبيِّن يبيِّنه، وأما الظاهر فإن الأصلَ فيه أن يُحمل على ظاهره، لكنه لمّا كان يقبل التأويل فإنه قد يدخله التأويل، والذي يحدد المعنى المقصود منه هو ما يحفّ به من قرائن مقالية وحالية. (١)\n_________\n(١) يرى الشاطبي أن النص في لسان العرب ينعدم أو يندر، لأن النص إنما يكون نصًّا إذا انتفت عنه احتمالات عشر، هي الإحتمالات الناشئة عن: نقل اللغات وآراء النحو، والاشتراك، والمجاز، والنقل الشرعي أو العادي، والإضمار، والتخصيص، والتقييد، والنسخ، والتقديم والتأخير، والمعارض العقلي، وإفادة القطع مع هذه الإحتمالات متعذر. انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٤، ص ٢٤٠. ومذهب الشاطبي هذا غير مسلَّم، إذ يبدو أن حشر كل هذه الإحتمالات واشتراط انتفائها من أجل تحقق القطع بمعنى اللفظ أو النص أمر مُبَالَغ فيه، فالمطلوب إنما هو القطع العادي، وهو لا يحتاج إلى كل هذا، أما القطع العقلي فامر آخر. وقد ردّ الإمام الجويني في كتابه البرهان قول القائلين بندرة النصوص في القرآن والسنة وعلّق على ذلك بقوله: \"هذا قول من لا يحيط بالغرض من ذلك، والمقصود من النصوص الإستقلال بإفادة المعاني على قطع، مع انحسام جهات التأويلات، وانقطاع مسالك الإحتمالات، وهذا وإن كان بعيدا حصوله بوضع الصيغ ردًّا إلى اللغة، فما أكثر هذا الغرض مع القرائن الحالية والمقالية، وإذا نحن خضنا في باب التأويلات وإبانة بطلان معظم مسالك المؤولين، استبان للطالب الفطن أن جُلّ ما يحسبه الناس ظواهر معرضة للتأويلات فهي نصوص ... \". البرهان، ج ١، ص ٢٧٨.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الأول\nالعناصر التي تتحكم في فهم الخطاب</span>\nمن أجل بيان وظيفة السياق والمقام في تحديد المقصود من النصوص الشرعية لا بُدّ من الحديث عن العناصر التي تتحكم في فهم خطابٍ ما.\nيمكن تحديد العناصر المتحكمة في فهم الخطاب وتحديد المقصود منه في أربعة عناصر، هي: الخطاب، أي نص الخطاب وهو راجع إلى طبيعة اللغة التي تَمَّ بها التخاطب، وحال المخاطِب، وحال المخاطَب، ومقام الخطاب. يقول الإمام الشاطبي: \" ... معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطِب، أو المخاطَب، أو الجميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطَبين، وبحسب غير ذلك ... \". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المطلب الأول\nلغة الخطاب</span>\nالعنصر الأول الذي يتحكّم في فهم المقصود من الخطاب هو نوع اللغة التي تَمّ بها الخطاب، من حيث مدى وضوحها أو غموضها. فكلّما كانت لغة الخطاب أكثر سهولة ووضوحًا كان إدراك المقصود منها أيسر، وبالعكس. ويتحكم في مدى وضوح لغة الخطاب أو غموضها عاملان:\nالأول: نوع الكلمات التي يختارها المخاطِب والأسلوب الذي ينظمها فيه، ومدى قدرته على الإفصاح عن مقصوده بأيسر طريق، وسيتم الحديث عن هذا في العنصر الثاني من العناصر المتحكمة في فهم الخطاب، أي المخاطِب.\nوالثاني: هو طبيعة اللغة نفسها، فليست كلّ أساليب اللغة تدلّ دلالة واحدة لا تحتمل شكًّا في مقصود المتكلم من لفظه، بل الواقع أن دلالة اللفظ الواحد أو العبارة الواحدة تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في تطرّق الإحتمال إلى المراد بها، فمنها ما يحتمل معنى\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٥٨.","vol":"1","page":78},{"text":"واحدًا (وهو المصطلح عليه في أصول الفقه بالنص)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى على التساوي (وهو المصطلح عليه بالمشترك) (١)، ومنها ما يحتمل أكثر من معنى بعضها أرجح من الآخر (وهو المصطلح عليه بالظاهر)، ومنها ما يُشْكِل المراد منه ويحتاج إلى بيان من المتكلم نفسه، (٢) أو من خلال المبحث عن قرائن خارجية (٣) كما هو مُبَيَّنٌ في مراتب دلالة الألفاظ من حيث الوضوح والخفاء في مباحث علم أصول الفقه. (٤)\nفهم اللغة على معهود العرب:\nلَمّا كانت اللغة -سواء بمفرداتها أو بتراكيبها- تمثّل تواضع أصحاب اللغة على\n_________\n(١) المشترك هو\"اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة\". الزركشي: البحر المحيط، ج ٢، ص ١٢٢.\n(٢) مثل اللفظ المجمل، وهو\"لفظ لا يُفهم المراد منه إلّا بالاستفسار من المُجْمِل وبيان من جهته يُعرف به المراد\". السرخسي: أصول السرخسي، ج ١، ص ١٦٨.\n(٣) مثل اللفظ الخفي والمشكل، والخفي هو: ما اشتبه معناه وخفي المراد منه بعارض في الصيغة يمنع نيل المراد بها إلَّا بالطلب. انظر أصول السرخسي، ج ١، ص ١٦٧. والمشكل هو: \"اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد [منه] إلّا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال\". أصول السرخسي، ج ١، ص ١٦٨. والفرق بين الخفي والمشكل أن الخفاء في الأول لا بسبب من ذات اللفظ، وإنما بسبب التطبيق من حيث شمول اللفظ، فالخفي يُعرف المراد منه ابتداء وإنما يجيء الخفاء في احتمال شموله لبعض عناصره مثل لفظ السارق هل يشمل النباش أم لا؟ وأما المشكل فالخفاء فيه يجيء من ذات اللفظ، ولا يُفهم المراد منه إلّا بدليل من الخارج. والفرق بين المشكل والمجمل هو أن المراد من المشكل قائم، وإنما الحاجة في تمييزه مِنْ أشكاله، أمّا المراد في المجمل فغير قائم، ولا يمكن معرفة تفصيله من ذات اللفظ، ولا بمجرد الإجتهاد الفقهي في التفسير، وإنما يكون معرفة المراد منه بالبيان والتفسير، وذلك البيان دليل آخر غير متصل بهذه الصيغة.\n(٤) تنقسم الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى على أساس الوضوح أو عدمه، إلى قسمين: ألفاظ واضحة الدلالة على معناها، وأخرى ليست واضحة الدلالة على معناها. وتتفاوت درجة الوضوح بين أنواع القسم الأول، كما تتباين مراتب الخفاء بين أنواع القسم الثاني. واللفظ الواضح الدلالة على معناه هو ما دلّ على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، وهو -عند الحنفية- على أربعة أنواع: أقواها وضوحًا المحكم، ثم المفسَّر، ثم النص، وآخرها الظاهر. أما عند الجمهور فهو على نوعين: النص، والظاهر. أما اللفظ غير الواضح الدلالة فهو الذي لا تدل صيغته على معناه ويُحتاج لفهم المراد منه إلى أمر خارجي. وهو -عند الحنفية- على أربعة أقسام أيضًا: أوضحها الخفي، ثم المشكل، ثم المجمل، وأكثرها خفاء المتشابه. أما عند الجمهور فينقسم إلى قسمين: المجمل، والمتشابه.","vol":"1","page":79},{"text":"استعمال ألفاظ مخصوصة في معاني مخصوصة والتعبير عنها بتراكيب مخصوصة، وكان ذلك يختلف من لغة إلى أخرى، كان من اللازم فهم كلّ لغة على وفق معهود أصحابها. (١)\nوالقول بلزوم فهم النصوص الشرعية على معهود العرب في لغتها لا يكون فقط في معاني الألفاظ بأن لا تُحْمل على غير ما تعارف عليه العرب من معاني لها، بل في إدراك أساليب العرب في خطابها أيضًا. فمعرفة ما تواضعت عليه العرب من معاني للألفاظ يعين في الوصول إلى المعنى الإفرادي للألفاظ، ومعرفة ما تواضعت عليه العرب من أساليب في الخطاب يعين على تحديد المعنى التركيبي لنصوص القرآن الكريم والسنّة المطهرة. وقد اختلف اللغويون والأصوليون في دلالة الكلام المركّب: هل هي وضعيّة، بمعنى أن كلّ الصيغ التركيبية وضعها أهلُ اللغة ويجب الإلتزام بها، أم أنها عقلية، بمعنى أن تركيب الكلمات لأداء معنًى ما يتم بإدراك العقل وباختيار المتكلّم، لا بالنقل والسماع، والتحقيق هو ما ذهب إليه الزركشي من أن أنواع المركبات وضعية، أما جزئيات تلك الأنواع فهي عقلية يختار منها المتكلّم ما يناسب مقصوده. (٢) والمقصود بأنواع المركبات أساليب التعبير والعلاقات السياقية (قرائن التعليق) مثل وضع باب الفعل لإسناد كلّ فعل إلى من صدر منه، وتقديم الفعل على المفعول به، وأساليب الإستفهام، والحصر، والتعجب، وغيرها.\nولمّا كان القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وكان في غاية البيان واليسر لهم مصداقا لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، كان من اللازم أن يكون مفهومًا للعرب، ولا تفهمه العرب إلّا إذا كان على معهودها في التخاطب، فمن رَامَ فهمه على غير ذلك السَّنَنِ فقد شطّ.\n_________\n(١) يقول الجويني: \" ... فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على مأخذ الحقائق، وإنما تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر، وهذا كإطلاق الشرع تحريم الخمر، وإنما المحرم تناولها، وكإطلاق المسلمين إضافة القتل إلى القاتل، مع القطع بأن إزهاق الأرواح من الأشباح من مقدورات الإله ﷾\". البرهان، ج ١، ص ١٩٧.\n(٢) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٢، ص ٩ - ١١.","vol":"1","page":80},{"text":"ومعرفة معهود العرب في التخاطب مُهِمّ في فهم كثير من النصوص القرآنية، خاصة فيما يتعلق بالعموم والخصوص، والتقديم والتأخير والظهور والخفاء، والإضمار والحذف، والتأكيد والإستثناء، وغير ذلك. فَمِمّا عهدته العرب في خطابها -مثلًا- استعمال اللفظ العام وقصد الخصوص، واستعمال اللفظ العام وقصد الخصوص من وجه والعموم من وجه آخر، وغير ذلك مما أشار إليه الإمام الشافعي في رسالته، حيث يقول:\n\"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها عك ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها. وإن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًّا ظاهرًا يُراد به العام الظاهر ويُستغنى بأول هذا منه عن آخره. وعامًّا ظاهرًا يُراد به العام ويدخله الخاص، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه. وعامًّا ظاهرًا يُراد به الخاص. وظاهرًا يُعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره. فكلّ هذا موجودٌ عِلْمُه في أوّل الكلام أو وسطه أو آخره.\nوتبتدئ الشيء من كلامها يُبِينُ أوّلُ لفظِها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يُبِينُ\nآخرُ لفظِها منه عن أوَّله.\nوتكَلَّمُ بالشيء تُعرِّفُه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تُعرِّفُ الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به، دون أهل جهالتها.\nوتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالإسم الواحد المعاني الكثيرة.\nوكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به -وإن اختلفت أسباب معرفتها- معرفةً واضحةً عندها، ومستنكرًا عند غيرها، ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلّفَّ القولَ في علمها تكلُّفَ ما يجهَلُ بعضه. ومن تكلَّف ما جهل وما لم تُثْبِتْه معرفتُه: كانت موافقتُه للصواب -إنْ وافقه مِن حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ","vol":"1","page":81},{"text":"معذورٍ، إذْ ما نطق فيما لا يحيطُ علمهُ بالفرق بين الخطأ والصواب فيه\". (١)\nومن هنا عُدَّ العلم باللغة العربية وثقافة أهلها شرطًا فيمن يتصدى لتفسير كلام الله تعالى وبيان المقصود منه، يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: \"إن القرآن الكريم كلام عربي فكانت قواعد اللغة العربية طريقًا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم ... ونعني بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربي، وهي: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المُتَّبع من أساليبهم في خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم، ويدخل في ذلك ما يجري مجرى التمثيل والاستئناس للتفسير من أفهام أهل اللسان أنفسهم لمعاني آيات غير واضحة الدلالة عند المولدين\". (٢)\nوالمقصود بكون القرآن الكريم عربيًّا أنه عربيٌّ لفظًا ومعنى، بمعنى أنه لا يمكن أن يؤخذ منه من المعاني إلّا ما يقتضيه كلام العرب؛ إذ المعنى تابع لِلَّفْظِ وهو مدلوله، ولا يوصف كلام بكونه عربيًّا لمجرد موافقة رسمه رسمَ الخط العربي. فالنسبة إنما هي رابط بين شيئين، فإذا انعدم الرابط صارت النسبة افتراء، ومن ثَمّ فإن كلّ معنى يُنسب إلى لفظ أو تركيب وهو لا يحتمله لا يكون أولى من نسبة ضده\n_________\n(١) الشافعي: الرسالة، ص ٥١ - ٥٣. وقد تم اختيار نقل هذا النص الطويل عن الإمام الشافعي لكونه من أهل اللسان العربي وحجة فيه. وقد أعاد الشاطبي صياغة كلام الشافعي هذا في كتابه الموافقات بما يزيده وضوحًا، حيث يقول: \"فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر - وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله؛ وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة؛ وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل هذا معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها. \"فإذا كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب. فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب، كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم؛ لإختلاف الأوضاع والأساليب\". الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٥٠ - ٥١.\n(٢) ابن عاشور، محمد الطاهر: تفسير التحرير والتنوير، (تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ١٨.","vol":"1","page":82},{"text":"إليه. (١)\nفلا يمكن أن يؤخذ من اللفظ معنى إلّا إذا كان ذلك المعنى مستعملًا عند العرب في مثل ذلك اللفظ. وقد مَثّل الشاطبي لذلك بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فتفسير السُّكر بالسُّكر الحقيقي أو سُكْر النوم مقبول، لأن اللفظ مُسْتَعْمَل عند العرب في كليهما: في الأول بالحقيقة، وفي الثاني بالمجاز، أما لو فُسِّر على أنه سُكْر الغفلة والشهوة وحُبّ الدنيا لم يكن هذا التفسير مقبولا، وكذلك لو فُسِّر لفظ الجنابة هنا بالتدنس بالذنوب، ولفظ الإغتسال بالتوبة، فهو غير معتبر؛ \"لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع ولا عهد لها به\" (٢) والقرآن أنزل بلسان\nالعرب.\nوتتضح أهمية معرفة أساليب العرب في الخطاب في الإستعانة بذلك في الترجيح بين الإحتمالات الواردة في معنى نص من النصوص، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. فعطف ﴿وَلَا نِسَاءٌ﴾ على ﴿قَوْمٌ﴾ يحتمل أن يكون عطفَ مباين، أو عطفَ خاص على عامّ. وقد دعّم من رجّح كونه عطفَ مباين -أي كون \"قوم\" هنا خاصة بالرجال- مذهبه بقول زهير بن أبي سلمى:\nوما أدري وسوف إِخَالُ أدري ... أَقَوْمٌ آل حِصْن أم نساء (٣)\nوكذلك في بيان ما قد يشكل من ألفاظ، ومن ذلك أنه لما أشكل على عمر بن الخطاب - ﵁ - معنى \"التخوّف\" في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧]، سأل الحضور من أهل اللسان فأجابه شيخ من هذيل قائلًا: هذه لغتنا،\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٩٥.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، مج ٢، ج ٣، ص ٤٠.\n(٣) ديوان زهير بن أبي سلمى، (بيروت: دار صادر، د. ط، د. ت)، ص ١٢؛ وانظر الزمخشري، محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، د. ط، د. ت)، ج ٣، ص ٥٦٥.","vol":"1","page":83},{"text":"التخوف التنقص (١) فقال عمر: وهل تعرف العرب ذلك في كلامها؟ قال: نعم. قال أبو كبير الهذلي، يصف ناقة تنقّص السيرُ سنامها بعد تَمْكِهِ واكتنازه:\nتَخَوَّفَ الرَّجُل منها تَامِكًا قَرِدًا ... كما تَخَوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٢)\nفقال عمر: \"أيها الناس عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم\". (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المطلب الثاني\nالمخاطِب (المتكلّم)</span>\nيمثل المخاطِب العنصر الثاني من العناصر المتحكمة في فهم الخطاب، فهو الذي يتحكّم إلى حدّ كبير في مدى وضوح خطابه أو غموضه، وذلك من خلال جوانب أربعة:\nأولها: قدرة المخاطِب على التعبير عمّا يريد تبليغه للمخاطَبين، فالمتكلمون يتفاوتون في مدى القدرة على البيان، وتضمين الخطاب ما يحتاجه السامع من علامات مساعدة على تحديد المقصود منه، فعلى قدر تمكّن المخاطِب من ناصية اللغة يكون بيانُه، ومن هنا وُصِفَ بعض المتكلّمين بالفصاحة والبلاغة. وهذا العنصر متوفِّر بكماله في كلًّ من النصوص القرآنية والحديثية. فالقرآن الكريم هو المعيار في اللغة، ويكفيه أنه أعجز العرب عن الإتيان بمثله، والرسول - ﷺ - كان أفصح العرب، وقد أُوتِيَ جوامع الكَلِم.\nوثانيها: نوع الألفاظ التي يختارها المخاطِب، فالألفاظ تتفاوت في مدى وضوحها\n_________\n(١) فيكون معنى الآية: يأخذهم على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى يهلكهم جميعا. انظر القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، (طهران: انتشارات ناصر خسرو، تصويرا عن الطبعة الثالثة لدار الكتب المصرية، د. ط، د. ت)، ج ١٠، ص ١١٠.\n(٢) التامك: السنام المرتفع لامتلائه ماءً، وقَرِد: كثير القراد، والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي، والسَفَن: المِبْرَد.\n(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ١٠، ص ١١١.","vol":"1","page":84},{"text":"بدءًا من أعلى رتبة وهي النص إلى أدناها وهو المتشابه، (١) وبينهما الظاهر والخفي، والمشكل، والمجمل. فكلّما تحرّى المخاطِب الألفاظ التي دلالتها أكثر وضوحًا كان إدراك المقصود من خطابه أيسر، وبالعكس. ولكن -كما سبقت الإشارة- فإنه لمّا كانت معظم نصوص اللغة العربية محتملة، وكان النص (بمعناه الأصولي) فيها عزيزا، فإنه مهما تحرّى المخاطِب الوضوح في الألفاظ فإنه لا يمكن التخلص من عنصر الإحتمال.\nوبالنسبة لهذا العنصر، فمع أن النصوص الشرعية لم تَقْصِد إلى الإغراب في الكلام، إلّا أن طبيعة اللغة ذاتها من جهة، وورود ألفاظ القرآن الكريم على لغةِ أكثرَ من قبيلة من قبائل العرب من جهة ثانية جعل ألفاظه لا تخلو مما قد يُشْكِل معناه على بعض أصحاب اللغة أنفسهم، مثل ما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في لفظ \"الأبّ\" في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٢)، و\"التخوّف\" في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٣).\nوقد تنشأ الغرابة من نقل اللفظ من معناه اللغوي إلى معنى شرعيّ، فيصير اللفظ مُجمَلًا يحتاج إلى بيان من قِبَل الشارع نفسه، كما هو الحال في ألفاظ الصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها.\nوثالثها: إرادة المخاطِب، فمع أن الأصل في المخاطِب أن يسعى قدر الإمكان إلى إفهام المخاطَبين بأن يكون معنى كلامه محدّدًا، إلّا أنه قد يقصد أحيانًا إلى استعمال بعض الألفاظ المبهمة التي يتعذر إدراك حقيقة معناها، أو بعض الألفاظ المحتملة لأكثر من معنى لحكمة يريدها الشارع.\nومثال الأول ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ متشابهة في مجال العقيدة بغرض اختبار إيمان المخاطبين، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ\n_________\n(١) اللفظ المتشابه هو: \"اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه لمن اشتبه عليه\". السرخسي: أصول السرخسي، ج ١، ص ١٦٩.\n(٢) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ١٩، ص ٢٢٣.\n(٣) انظر المصدر السابق، ج ١٠، ص ١١٠.","vol":"1","page":85},{"text":"مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. وينبغي التنبيه هنا إلى أن ما ورد في الشرع من نصوص متشابهات لا يتعلق بفهم المقصود منها تكليفٌ، والتكليف إنما هو بالإيمان بها والتسليم لها على ما هي عليه من تشابه.\nومثال الثاني ما يستعمله الشارع من ألفاظ محتملة لأكثر من معنى سواء في حال كونها مفردة أوفيما وردت فيه من سياق، وذلك -كما قيل- لتكثير المعاني التي يمكن أن تؤخذ من القرآن الكريم. (١)\nورابعها: حال المخاطِب، فحال المخاطِب أثناء الخطاب لها مكانة بارزة في فهم المقصود من خطابه، حيث إن المخاطِب عادة ما يصاحب خطابَه علاماتٌ تظهر عليه، وإشاراتٌ تصدر منه تساعد في فهم الخطاب.\nفاللغة عادة أضيق من الفكر، ومن ثَمَّ يلجأ المتكلّم أحيانًا إلى الإشارات والحركات للتعبير عن بعض المعاني، أو استكمال ما قد يشعر به من قصور في الألفاظ عن التعبير عمّا يقصده، كما أن الرغبة في التأكيد، أو الإختصار، أو التعبير عن الشعور الداخلي، أو إظهار أهمية الشيء وعظمته قد تستدعي من المتكلّم إشفاع خطابه بحركات، وإشارات، وعلامات تظهر على الوجه لتبليغ ما يريد إبلاغه للسامع.\nومعرفة حال المخاطِب عند صدور الخطاب ضرورية لحسن إدراك مقصود المتكلّم من كلامه، وقد وردت إشارات كثيرة إلى ذلك في السنة النبوية، حيث اعتنى الرواة بنقلها إدراكًا منهم لأهميتها في فهم الخطاب. أما بالنسبة للقرآن الكريم فإن هذا العنصر غير متوفِّر لتنزُّه الذات الإلهية عن ذلك، ولعدم صدور الوحي في شكل خطاب مباشر بين الله تعالى وعباده.\nومما روي في السنّة المطهرة من بيان حال النبي - ﷺ - أثناء صدور الخطاب ما يأتي:\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ج ١، ص ٥٥.","vol":"1","page":86},{"text":"١ - رَوَى البُخَاريّ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: \"اعْرِفْ وِكاَءَهَا (١) أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا (٢) ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ\". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ (٣) فَقَالَ: \"وَمَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا\". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ قَالَ: \"لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ\". (٤)\nفالغضب واحمرار الوجه علامة يفهم منها التشديد في النهي عن التقاط ضالة الإبل ما دام عدم التقاطها لا يعرضها لخطر.\n٢ - روى البخاري عن عبد الله، قال: قَسَم النبي - ﷺ - يَوْمًا قِسْمَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ الله. قُلْتُ: أَمَا والله لآتِيَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلأ فَسَارَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: \"رَحْمَةُ الله عَلَى مُوسَى أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ\". (٥)\nفالغضب واحمرار الوجه علامة على عِظَم حرمة التشكيك في عدل النبي - ﷺ - والطعن في حكمه، وتأذيه - ﷺ - من ذلك، لأن النبي - ﷺ - لم يكن يغضب لنفسه، فإذا غضب فإنما ذلك لإنتهاك حرمات الله تعالى.\n٣ - أخرج الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول الله - ﷺ - وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ فَقَالَ: \"أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَ تَتَنَازَعُوا فِيهِ\". (٦)\n_________\n(١) الوكاء: ما يشدّ به رأس القربة. انظر الرازي، محمد بن أبي بكر: مختار الصحاح، (بيروت: مكتبة لبنان، ١٩٨٨ م)، مادة \"وك ي\" ص ٣٣٠.\n(٢) العِفَاص: جلد يلبسه رأس القارورة، وعفاص الراعي وعاؤه الذي تكون فيه النفقة. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٧، ص ٥٥.\n(٣) التسويد في هذا الحديث والأحاديث التالية من عندنا لبيان موضع الإستشهاد.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (٢٨)، مج ١، ج ١، ص ٣٨ - ٣٩ الحديث (٩١).\n(٥) المصدر السابق، كتاب الإستئذان، باب (٤٧)، مج ٤، ج ٧، ص ١٨٤ الحديث (٦٢٩١).\n(٦) الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة: سنن الترمذي، تحقيق وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، (بيروت: دار الفكر، ١٤٠٠ هـ / ١٩٨٠ م)، أبواب القدر، باب (١)، ج ٣، ص ٣٠٠، الحديث (٢١٣٣).","vol":"1","page":87},{"text":"٤ - روى البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ\". (١)\n٥ - روى البخاري أن رَسُول الله - ﷺ - قال: \"أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ \" قُلْنَا: بَلَى يا رَسُولَ الله. قَالَ: \"الإِشْرَاكُ بالله وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ\" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: \"أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ\"، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ\". (٢)\nفتغيير الجلسة تنبيه للسامعين أن ما سيقوله بعد ذلك أمر جلل، وأن خطورته تستدعي الإستواء له جالسا، ويأتي بعد ذلك تكرار ذكر الكبائر علامة أخرى لتأكيد عِظَم حرمتها وتحذير المسلمين من مَغَبَّة الوقوع فيها.\nوكثيرًا ما روي عنه - ﷺ - الإكتفاء بالتعبير بالإشارة عوضًا عن الكلام، ومن ذلك:\n١ - ما أخرجه البخاري عن كَعْب بْن مَالِكٍ أَنَّهُ تَقَاضى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ في عهد رسول الله - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ (٣) حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: \"يا كَعْبُ\". قَالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ الله. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"قُمْ فَاقْضِهِ\". (٤)\n٢ - وما أخرجه البخاري أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلاَ نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ\". (٥)\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (٢٨)، مج ١، ج ١، ص ٣٨، (الحديث ٩٠).\n(٢) المصدر السابق، كتاب الأدب، باب (٦)، مج ٤، ج ٧، ص ٩٣، الحديث (٥٩٧٦).\n(٣) السجف: الستر. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ٩، ص ١٤٤.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب (٨٣)، مج ١، ج ١، ص ١٥١، الحديث (٤٧١).\n(٥) المصدر السابق، كتاب الأذان، باب (١٣٤)، مج ١، ج ١، ص ٢٤٥، الحديث (٨١٢).","vol":"1","page":88},{"text":"٣ - ومنها ما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الجمُعَةِ فَقَالَ: \"فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ الله تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا\". (١)\n٤ - وما أخرجه البخاري عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ - ﵁ - قال: \"خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: \"هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ\"، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا (٢) كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا\". (٣) فلولا ما ذكره الراوي من إشارته - ﷺ - بيده إلى المدينة لتعذّر علينا معرفة على ماذا يعود ضمير الغائب في لفظ \"لابتيها\".\n٥ - ما أخرجه البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الإِيمَانُ هَا هُنَا\"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ \"وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ (٤) عِنْدَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ\". (٥)\nوقد يكتفي النبي - ﷺ - بالإشارة في تفسير لفظ من الألفاظ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الجهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ\" قِيلَ: يا رَسُولَ الله وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ\". (٦)\n_________\n(١) المصدر السابق، كتاب الجمعة، باب (٣٧)، مج ١، ج ١، ص ٢٨٠، الحديث (٩٣٥).\n(٢) لابتا المدينة: حرّتان تكتنفانها، والحَرَّة أرض ذات حجارة سود. انظر الرازي: مختار الصحاح، مادة \"ح ر ر\"، ص ٧٩، ومادة \"ل وب\"، ص ٢٧٧.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب (٧١)، مج ٢، ج ٣، ص ٣٠٣ الحديث (٢٩٨٩).\n(٤) الفدادون: شديدو الصوت الذين تعلو أصواتهم في حُرُوثهم ومواشيهم. انظر الرازي: مختار الصحاح، مادة \"ف د د\"، ص ٢٣١.\n(٥) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب (٧٦)، مج ٣، ج ٥، ص ١٤٤ (الحديث (٤٣٨٧).\n(٦) المصدر السابق، كتاب العلم، باب (٢٥)، مج ١، ج ١، ص ٣٦ الحديث (٨٥).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الثالث\nالمخاطَب (السامع)</span>\nفالسامعون يتفاوتون في مقدار الإستفادة من الخطاب الوارد إليهم بحسب تفاوت قدراتهم العقلية، ومدى استجماع المخاطَب لأدوات فهم النص ولوازم ذلك، وممارسته لأساليب اللغة وكلام ذلك المتكلّم؛ إذْ طول الممارسة لكلام متكلَّمٍ ما تكسب صاحبها دُرْبَة بأساليبه في الخطاب ومقاصده فيه. ويشهد لذلك قوله - ﷺ -: \"نَضّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلّغَهَا، فَرُبّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْر فَقِيه، ورُبّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهَ مِنْهُ\"، (١) وقوله - ﷺ -: \"لِيبلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّه رُبّ مُبَلغَّ يَبلُغُهُ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِع\". (٢) ولذلك امتاز الصحابة عن غيرهم في القدرة على فهم النصوص الشرعية، وإدراك مقاصد الشارع منها، كما نجد الصحابة أنفسهم يتفاوتون في ذلك.\nوالناظر في النصوص الشرعية يجد أنها على مستويين: مستوى يتمكن من فهمه كلُّ مَنْ عرف اللغة العربية؛ ففهمه متيسر لعامة الناس، ومستوى يعسر فهمه على عامة الناس، ويحتاج إلى أهل الاختصاص لإدراك مراميه والإحاطة بمعانيه. ومن هنا اشتُرِط في مَنْ يتصدى للاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية -من هذا النوع الثاني من النصوص- شروطٌ في خلاصتها تمثِّل الأدوات اللازمة لحسن فهم النص واستثمار الأحكام الشرعية منه: مِنْ تمكُّنٍ من ناصيّة اللغة العربية، وتمرُّسٍ على التعامل مع النصوص الشرعية بما يُكسب صاحبه دُرْبَة بأساليب الشارع في الخطاب ومقاصده العامة من التشريع، وعلمٍ بقواعد الأحكام وأصولها، واطلاعٍ على اللازم معرفته من أسباب النزول وأسباب ورود الحديث الشريف. فلا يمكن لمن لم يستجمع شروط النظر الصحيح في النصوص الشرعية أن يدعي قدرته على إدراك مقاصد الشارع من تشريعاته وأحكامه.\n_________\n(١) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، المقدمة، باب (٢١)، ج ١، ص ٤٩، الحديث (٢٣٠).\n(٢) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، المقدمة، باب (٢١)، ج ١، ص ٥٠، الحديث (٢٣٣).","vol":"1","page":90},{"text":"ومع التسليم بأن ما سبق ذكره من فروق في قدرات وإمكانات المتصدين لفهم النص الشرعي -أو غيره من النصوص- تُعدّ من أهم أسباب الإختلاف في فهم النصوص، وأنها أمر طبيعي في الحياة لا يمكن التخلص منه كليّة، إلّا أن القول بأن قراءة النص والمعاني المستخلصة منه تختلف باختلاف الناظر في النص علمًا وثقافة وزمانًا ومكانًا لا يكون صحيحًا على إطلاقه، وذلك من وجهين: الأول أنه ليست كلّ النصوص تختلف فيها الأفهام، فما كان منها واضح المعنى تمام الوضوح فإنه لا يحتمل اختلافا، ومخالفته تُعدّ شذوذًا مردودًا على صاحبه، والثاني أن الإجتهاد في فهم النص يجب أن يكون خاضعًا لقواعد موضوعية لا يصح تجاوزها، وذلك بأن يكون المعنى المستنبط يحتمله الكلام الذي استنبط منه، وأن لا يكون السياق الخاص أو العام للنص (١) مخالفًا لما يدَّعيه المستنبط من معنى؛ إذْ إعطاء النص أيّ معنى من المعاني على خلاف السياق الوارد فيه (سواء أكان السياق بمعناه الخاص أم بمعناه العام) يُعدّ ادعاء لا دليل عليه.\n_________\n(١) سيأتي في العنصر التالي بيان المراد بالسياق الخاص والسياق العام.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الرابع\nسياق الخطاب</span>\nوهو على نوعين:\n١ - السياق اللغوي، أي الجمل المكوِّنة والسابقة واللاحقة لنص الخطاب المرادُ تفسيره واستخلاصُ المقصود منه. فالنص القرآني أو الحديث النبوي لا يمكن -عادةً- أخذه مبتورًا عن النصوص الأخرى، سواء النصوص الواردة في السياق اللغوي بمعناه الخاص، أي الجمل السابقة واللاحقة له، أو بمعناه العام، أي النصوص الأخرى التي لها علاقة ما بهذا النص مع ورودها في مواضع وأزمنة مختلفة عما ورد فيه ذلك النص، حيث يكون استحضار تلك النصوص معينًا على فهم هذا النص، إِمَّا لكونها مُبَيِّنَةً له، أو مكمِّلة لمعناه، أو مخصِّصة لعمومه، أو مقيِّدة لإطلاقه.\n٢ - السياق الإجتماعي، وهو الذي يسمى بالمقام، وتدخل فيه أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث، والظروف النفسية والإجتماعية السائدة وقت ورود النص الشرعي.\nأولًا - القرائن المقالية (السياق اللغوي) وأهميتها في فهم المقصود من الخطاب القرائن المقالية:\nهي القرائن التي يتضمنها الكلام، أي تؤخذ من مبني الخطاب والعلاقات بين ألفاظه، ويمكن أن تكون قرائن داخلية، أي متضمَّنة في نفس الخطاب، أو تكون خارجية، أي واردة في نص آخر مستقل. والقرائن التي يتضمنها مبني النص نفسه على نوعين: معنوية ولفظية.\nأ - القرائن المعنوية: وهي العلاقات السياقية بين كلمات الجملة سواء منها","vol":"1","page":92},{"text":"الجملة الإسمية أو الجملة الفعلية، مثل الإسناد، (١) والتخصيص، (٢) والنسبة، (٣) والتبعية، (٤) والمخالفة. (٥)\nب - القرائن اللفظية: وهي المتعلقة بحالة اللفظ نفسه، مثل: العلامة الإعرابية، (٦) والرتبة، (٧)\n_________\n(١) الإسناد هو القرينة التي تميَّز المسند من المسند إليه، وتمييز المسند من المسند إليه يوصلنا إلى تحديد موقع كل كلمة، ومن ثَمّ المقصود منها. وأبرز أمثلة علاقة الإسناد: علاقة المبتدأ بالخبر، والفعل بفاعله، والفعل بنائب فاعله، وغيرها. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ١٩١ - ١٩٤.\n(٢) التخصيص قرينة سياقية واسعة تشتمل على قيود مضروبة على علاقة الإسناد، حيث يُعبَّر بكل واحدة منها عن جهة خاصة في فهم معنى الحديث الذي يشير إليه الفعل أو الصفة. وأبرز القرائن التي تدخل تحت قرينة التخصيص: التعدية، والغائية، والمعية، والظرفية، والتحديد، والتوكيد، والملابسة، والتفسير، والإخراج. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ١٩٤ - ١٩٥.\n(٣) النسبة: \"قيد عام على علاقة الإسناد، أو ما وقع في نطاقها أيضا، وهذا القيد يجعل علاقة الإسناد نسبية\"، والفرق بين التخصيص والنسبة أن التخصيص تضييق، أما النسبة فهي إلحاق. والنسبة -مثل التخصيص- قرينة عامة تنضوي تحتها مجموعة كبيرة من القرائن المعنوية، منها: ابتداء الغاية، انتهاء الغاية، البعضية، التعليل، المجاوزة، المصاحبة، الإلصاق، التشبيه، الملك، العندية، الزيادة، وغيرها. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢٠١ - ٢٠٣.\n(٤) التبعية: \"قرينة معنوية عامة يندرج تحتها أربع قرائن هي: النعت، والعطف، والتوكيد، والإبدال\". تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢٠١ - ٢٠٣.\n(٥) المخالفة: \"هي مظهر من مظاهر تطبيق القيم الخلافية بجعلها قرائن معنوية على الإعرابات المختلفة\". ومثال ذلك التفريق بين موقع كلمة \"العرب\" في الجملتين الآتيتين: نحن العربُ نكرم الضيف ونغيث الملهوف، نحن العربَ نكرم الضيف ونغيث الملهوف، فكلمة \"العرب\" في الجملة الأولى خبر المبتدأ، وما بعدها جملة استئنافية، أما في الجملة الثانية فهي مختص، وما بعدها خبر. ويرى الدكتور تمام حسان أن نصبها في الكلمة الثانية لا يحتاج إلى تقدير فعل محذوف \"أخص، أو أعني\"، وإنما نصبها في الجملة الثانية يرجع إلى مراعاة القيمة الخلافية التي هي المقابلة بين المخصوص والخبر الواقع بعد مبتدأ مشابه لما قبل الإسم المنصوب هنا. تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢٠٠.\n(٦) العلامة الإعرابية إما أن تكون حركة، وهي: الفتحة، والضمة، والكسرة، والسكون، أو حرفًا، وهي: الواو، والياء، والألف، أو حذفًا، أي حذف حرف العلة. وقد تكون ظاهرة، أو مقدرة. وهذه القرينة تعين على تحديد الموقع الإعرابي للكلمة الذي يساعد على تحديد المعنى المراد منها. انظر عباس حسن: النحو الوافي، ج ١، ص ١٠٢ - ١٠٥.\n(٧) الرتبة: هي موقع الكلمة في الجملة بالنسبة إلى ما يتعلق بها من كلمات من حيث التقديم والتأخير، وهي على نوعين: رتبة محفوظة، أي لا تتغير، مثل تقدم الموصول على الصلة، والموصوف على الصفة، وتأخر التوكيد عن المؤكد، والبدل عن المبدل، وصدارة الأدوات في أساليب الشرط والاستفهام، ونحوها، ورتبة غير محفوظة، وهي التي تتغير بحسب الأحوال، مثل رتبة المبتدأ والخبر، فالأصل في المبتدأ التقدم، لكنه قد يتأخر أحيانًا، وكذلك رتبة الفاعل والمفعول به، ورتبة الفعل والمفعول به ... إلخ. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢٠٧.","vol":"1","page":93},{"text":"والصيغة، (١) والمطابقة، (٢) والربط. (٣) وهذه القرائن كلها بتضامَّها مع القرائن المعنوية تسهم في تحديد معنى المقال للنص.\nووظيفة القرائن المقالية (اللفظية والمعنوية) هي تحديد المعنى النحوي للكلمات، فهي المسؤولة عن وضوح المعنى وأمن اللبس الذي قد ينتج عن تعدّد المعنى الوظيفي للكلمات. وتحديد المعنى النحوي ينتج عنه تحديد \"معنى المقال\"، أي المعنى اللغوي المجرد للنص، ثُمّ يُعرض هذا المعنى اللغوي على المقام الذي ورد فيه الخطاب ليتبيّن بعد ذلك هل هذا المعنى اللغوي (ظاهر النص) هو المقصود، أم أن المقصودَ غيره، حيث تؤدي القرائن الحالية والسياق العام للنص الوظيفة الأساسية في تحديد المقصود منه. فالقرائن المقالية تحدَّد المعنى النحوي (المعنى اللغوي) للكلمات، ولكن هذا المعنى مع تحديده من قِبَل القرائن المقالية قد يبقى فيه احتمالُ أكثرَ من معنى، أو بتعبير آخر يبقى النص صالحًا لأن يُستعمل في أكثر من معنى، فتأتي القرائن الحالية لتعيننا على تحديد المراد منه: هل هو كلّ المعاني التي يصلح لها؟ أم أنه مخصوص بمعنى من المعاني التي يحددها المقام؟ ولذلك يعرِّف ابن قيم الجوزية الفقه بأنه: \"فهم مراد المتكلّم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والعلم\". (٤)\n_________\n(١) مبني الصيغة هو الذي يحدد نوع الكلمة: هل هي فعل، أم اسم، أم حرف؛ إذ لكل نوع صيغته الخاصة، وهو الذي يحدد لنا كون الفعل -مثلًا- لازمًا أو متعديًّا، وهو الذي يحدد لنا المصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والظرف، والفعل الذي يدل على المشاركة، ويميز التوكيد اللفظي من المعنوي ... إلخ. وكل هذا يُعِين -مع القرائن الأخرى- في تحديد الموقع الإعرابي للكلمة، ومن ثَمَّ تحديد معناها في الجملة. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢١٠ - ٢١١.\n(٢) مجال المطابقة هو الصيغ والضمائر، مثل التطابق بين الصفة والموصوف، وبين الاسمين والفعلين المضارعين المتعاطفين، وتكون المطابقة في العلامة الإعرابية، والشخص (التكلم، والخطاب، والغيبة)، والعدد، والنوع (التذكير والتأنيث)، والتعيين (التعريف والتنكير). انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢١١ - ٢١٣.\n(٣) يُعدّ الربط قرينة لفظية على اتصال أحد المترابطين بالآخر، ويكون بين المبتدأ وخبره، وبين الحال وصاحبه، وبين المنعوت ونعته، وبين الشرط وجوابه ... إلخ. ويتم الربط بالضمير العائد، وبالحرف، وبإعادة اللفظ، وباسم الإشارة، وبدخول أحد المترابطين في عموم الآخر ... إلخ. انظر تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٢١٣ - ٢١٦.\n(٤) ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق وضبط محمد محيي الدين عبد الحميد، (بيروت: دار الفكر، ط ٢، ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م)، ج ١، ص ٢١٩.","vol":"1","page":94},{"text":"ومن أمثلة الخطاب الذي تبيِّن القرائن اللفظية المقصودَ منه قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣].\nفصدر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ يُفهم منه أن السؤال عن القرية ذاتها، ولكن قوله بعد ذلك ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ قرينة لفظية دلّت على أن المراد السؤال عن أهل القرية؛ لأن ضمير الجمع في \"يعدون\" يصرف المعنى المراد عن القرية إلى أهلها، ولأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة. (١)\nثانيًا: المقام (السياق الإجتماعي) وأهميته في فهم المقصود من الخطاب:\nسبق تعريف المقام بأنه حصيلة الظروف الإجتماعية والطبيعية والنفسية السائدة وقت صدور الخطاب، والتي يُتوقعّ أن يكون لها تأثير في صيغة الخطاب وتوجيهه وفهمه.\nومقامات الخطاب بما تشتمل عليه من علاقات اجتماعية وعقلية وذوقية وعاطفية وعُرفيّة -سواء بين طرفي الخطاب، أو بينهما واللغة نفسها- يجعلها من العسير على غير أبناء تلك البيئة واللغة الإحاطة بها والتفاعل معها، ولا يمكن الحصول على كلّ ذلك من مجرد قراءة تاريخ هذا المجتمع وأدبه، \"ذلك بأن إطار الثقافة الإجتماعية لكلّ أمّة يفرض من تلك العلاقات والارتباطات بالمواقف وبالموضوعات ما لا يفهمه تمامًا إلّا الناشئون في المجتمع ذاته والثقافة ذاتها، ولو أن المتخصص الأجنبي تمكّن من تحصيل فهم الإرتباطات العقليّة أو حتى الاجتماعيّة بالموضوعات والمواقف فكيف يتسنى له مهما حاول أن يفهم الإرتباطات الذوقيّة والعاطفية في المجتمع\". (٢)\n_________\n(١) انظر الشافعي: الرسالة، ص ٦٢.\n(٢) تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص ٤٢.","vol":"1","page":95},{"text":"ولا غرابة بعد هذا أن نجد عشرات التفسيرات الخاطئة من قِبَل المستشرقين والكتّاب الغربيين للنصوص الشرعية وأحداث التاريخ الإِسلامي، ففضلًا عَمّا يمكن أن يكون فيها من سوء نية وتحامل، فإن عجزهم عن فهم البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم والتي انتشر فيها الإِسلام بعد ذلك، وعجزهم عن فهم الأثر التغييري الهائل الذي يتركه الإِسلام في حياة من اعتنقه بصدق وإخلاص، جعلهم عاجزين عن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية والأحداث التاريخية، مع أن بعضهم بلغ من المعرفة باللغة العربية والتاريخ الإِسلامي ما لا يدركه كثير من المسلمين أنفسهم. فالذي نشأ في بيئة يحكُمُها الصراع السياسي، وعلاقات الناس فيها تقوم على تبادل المصالح، لا يستطيع فهم ترشيح عمر بن الخطاب أبا بكر - ﵄ - للخلافة في سقيفة بني ساعدة، ثم وصية أبي بكر بالخلافة لعمر بعد ذلك إلّا على أنها من باب التحالف السياسي وتبادل المصالح، فهذا رشحه هنا والآخر أوصى له بعد ذلك. ولا يمكن لمثل هذا أن يفهم مرتبة الإيثار التي وصل إليها الصحابة - ﵃ -، ومدى إخلاصهم لدينهم، وإيثارهم للحق ومصلحة الإِسلام والمسلمين على مصالحهم الشخصية، واعترافهم بالفضل لأهله.\nوتأتي فائدة القرائن الحالية والمقالية في إزالة الإحتمالات التي تعرض للسامع في مقصود المخاطِب من خطابه، وكلّما كان استحضار القرائن التي حفّت بالكلام أشمل كان فهم مراد المتكلّم من كلامه أدقّ، وبالعكس، ولذلك نجد أن الكلام المشافه به أوضح دلالة على مراد المتحدث من الكلام الذي بلَّغه عنه مبلِّغ، أو نُقِلَ كتابةً بسبب ما يفتقده من قرائن حالية تعين على دفع الإحتمالات التي تتطرق إلى الكلام ولا يقصدها المتكلم.\nوإهمال القرائن كلّها أو بعضها يؤدي إلى نقص في فهم الخطاب، أو إلى الخطأ الكامل في الفهم، وفي ذلك يقول الشاطبي: \"وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه\". (١)\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٥٨.","vol":"1","page":96},{"text":"هل كلّ كلام يحتاج إلى قرائن حالية؟\nليس من اللازم أن يحتاج كلّ كلام إلى قرائن حالية لفهم معناه، فالكلام المفيد التّام المعنى يمكن أن يُفهم معناه من غير حاجة إلى قرائن حاليّة؛ إذْ ليس كلّ كلام وارد في مقام خاص، بل منه ما يكون على سبيل التوجيه والإرشاد العامين، كما هو الحال فيما نزل من القرآن الكريم من غير سبب خاص، وما ورد في السنّة كذلك. وإنما الذي يكون في حاجة إلى الإطلاع على المقام لتحديد معناه هو ما ورد في مقام خاص. ولا حُجّة فيما اشتهر عن العرب من أن \"لكلّ مقام مقال\" إذ المراد بهذا تخيُّر الكلام المناسب لكلّ مقام، وعدم إلقاء الكلام على عواهنه دون اعتبار للمقام الذي يقال فيه.\nوهنا ينبغي الإشارة إلى أن المقام يتنوع إلى نوعين: مقام خاص، ومقام عام. فالمقام الخاص هو القرائن الحاليّة والظروف التي تحفّ بصدور خطابٍ ما، والتي صاحبته وصبغته بصبغتها. أما المقام العام فهو الحالة العامّة، أو الهدف العام الذي اقتضى مجيء الخطاب ككون القرآن الكريم نزل لهداية الناس وإرشادهم إلى طريق الحق.\nمزيد تفصيل في هذا عند الحديث عن أسباب النزول.\nولمّا كانت الشريعة الإِسلامية عامّة زمانًا ومكانًا وأشخاصًا، فإننا نجد أغلب نصوص الشارع تميل إلى التجرّد عن المقام الخاص والإعتماد على المقام العام، وإن كان ولا بُدّ من مقام خاص فغالبًا ما يكون مما يمكن أن يتكرر في مختلف الظروف والأزمان.\nومما يدلّ على ميل الشارع إلى التجرد من تأثيرات المقام الخاص اتجاهه في كثير من الأحيان إلى تعميم الخطاب، وإغفال الحالة الخاصة التي استدعت تشريع الحكم. فمثلًا تشريع حكم السرقة يروى أن الآيات التي نزلت به نزلت في حادثة معيّنة (١)،\n_________\n(١) الآية هي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وروي أنها نزلت في طعمة بن أبيرق، الذي سرق درعًا من جارٍ له -هو قتادة بن النعمان- في جراب دقيق، ثم خبأها عند رجل يهودي، فنزلت الآية في بيان حكمه. انظر الواحدي، علي بن أحمد: أسباب النزول، تخريج وتدقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، (الدمام: دار الإصلاح، ط ١، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م)، ص ١٩٥.","vol":"1","page":97},{"text":"ولكنّنا نجد الآيات لا تلتفت إلى خصوص الحادثة، وإنما وردت بصيغة عامة ومطلقة تجنُّبًا لتأثيرات المقام التي قد تؤدي إلى حصر النص في شخص معين، أو تقييده بمقام معين. ونفس الأمر بالنسبة لحكم اللعان. (١)\nكذلك نجد الرسول - ﷺ - يتّجه في كثير من الأحيان هذا الإتجاه، فإذا وقعت واقعة وأراد أن يُصدر فيها حكمًا أو خطابًا توجيهيًّا، لم يركّز على خصوص الحالة التي دعت إلى ذلك، إنما يعمّم الحكم، فيخطب في الناس قائلًا: \"ما بال أقوام ... \"، \"أيها الناس ... \"، ومن أمثلة ذلك:\n١ - أخرج أبو داود عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كاَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا\". (٢)\n٢ - أخرج البخاري عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أنها \"أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ الله مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ\". (٣)\n٣ - أخرج البخاري عن قَتَادَة أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ في صَلاَتِهِمْ\"، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: \"ليَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ\". (٤)\n_________\n(١) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [النور: ٦] نزلت في هلال ابن أمية، وقيل عويمر العجلاني. انظر النيسابوري، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، تحقيق وتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: دار الحديث، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م)، كتاب اللعان، ج ٢، ص ١١٢٩ - ١١٣٨ الأحاديث (١٤٩٢ - ١٤٩٦).\n(٢) الألباني، محمد ناصر الدين: صحيح سنن أبي داود، (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، د. ط، د. ت)، كتاب الأدب، باب (٦)، ج ٣، ص ٩٠٩.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب (١٧)، مج ٢، ج ٣، ص ٢٥١، الحديث (٢٧٣٥).\n(٤) المصدر السابق، كتاب الأذان، باب (٩٢)، مج ١، ج ١، ص ٢٢٦ (الحديث (٧٥٠).","vol":"1","page":98},{"text":"٤ - أخرج البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلَانٌ. فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحاجَةِ\". (١)\nوقد ورد خطاب النبي - ﷺ - بلفظ \"أيها الناس\" في أكثر من ٣٩٨ حديثًا في الكتب التسعة فقط. (٢)\nأنواع القرائن الحالية من حيث اقترانها بالنص:\nالقرائن الحالية -بحكم كونها شيئًا زائدًا عن الخطاب- لا تكون متضمَّنة في الخطاب، بل تحتاج إلى نقل مستقل، أي إلى التعبير عنها بجمل مستقلة. وهذا النقل إما أن يكون مقارنا لنفس الخطاب، أو أن يكون غير مقارن.\n١ - القرائن الحالية المقترنة بالخطاب:\nوذلك بأن يذكر الراوي ضمن روايته بعض القرائن الحالية التي صاحبت الخطاب، والتي يراها مهمة في تحديد المقصود منه، ومن أمثلة ذلك:\nأ - ما ورد في تفسير الهرج، فيما رواه البخاري عن أَبي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ\". قِيلَ: يا رَسُولَ الله وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ\". (٣) فعبارة \"فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل\" نقل من الراوي للقرينة الحالية التي صاحبت كلام الرسول - ﷺ -، وأبانت عن مقصوده بالهرج.\nب - ما ورد في حديث النهي عن شهادة الزور فيما رواه البخاري أن رَسُول الله - ﷺ - قال: \"أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ \" قُلْنَا: بَلَى يا رَسُولَ الله. قَالَ: \"الإِشْرَاكُ بالله\n_________\n(١) صحيح البخاري حديث (٩٠).\n(٢) هذا طبقا لعملية استقراء قام بها الباحث على قرص ليزر \"الكتب التسعة\" بالحاسوب.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (٢٥)، مج ١، ج ١، ص ٣٦، الحديث (٨٥).","vol":"1","page":99},{"text":"وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ\". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: \"أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ\" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ\". (١) فحال الرسول - ﷺ - من كونه جلس بعد أن كان متكئًا قرينة حالية نقلها الراوي لما لها من أهمية في فهم عِظَم حرمة شهادة الزور.\n٢ - القرائن الحالية المنفصلة عن الخطاب:\nوهي التي يَرِد ذكرها في نصوص أخرى غير مقترنة بالنص محلّ الدراسة، ويكون هذا عادة في أسباب النزول، وأحيانًا في أسباب ورود الحديث.\nأولًا - أسباب النزول:\nتعريفه: سبب النزول هو: \"ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبيِّنة لحكمه أيام وقوعه. والمعنى أنه حادثة وقعت في زمن النبي - ﷺ -، أو سؤال وُجَّه إليه، فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة، أو بجواب هذا السؤال\". (٢)\nأسباب النزول بين العموم والخصوص:\nينبغي الإشارة بداية إلى أن السبب الحقيقي في نزول القرآن الكريم هو إصلاح أوضاع المجتمع البشري اعتقادًا وسلوكا، وهداية الناس إلى أَقْوَمِ السُّبُل لتحقيق الفوز في الدنيا والآخرة. أما الأسباب الخاصة التي تروى لنزول كثير من الآيات فهي في الغالب مجرّد مناسبات اختارتها الحكمة الإلهية لتكون توقيتًا لنزول تلك الآيات حتى يكون ذلك أبلغ في الإصلاح والإفهام، فهي وسائل تربويّة بمثابة وسائل الإيضاح المُعِينَة على الإفهام، أو هي من باب تَخَوُّلِ المناسبات المُعِينة على التأثير في النفوس، وقد أوضح ذلك شاه ولي الله الدهلوي بقوله: \"وقد ربط عامة المفسرين كلّ آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزولها، وظنوا أنها هي\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) الزرقاني، محمد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، (د. م: دار الفكر، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ١٠٦.","vol":"1","page":100},{"text":"سبب النزول. والحقُّ أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال الفاسدة.\n\"فالسبب الحقيقي -إذًا- في نزول آيات المخاصمة هو وجود العقائد الباطلة في نفوس المخاطَبين. وسبب نزول آيات الأحكم إنما هو شيوع المظالم ووجوب الأعمال الفاسدة فيهم ... أما الأسباب الخاصة والقصص الجزئية التي تَجَشَّم بيانَها المفسرون فليس لها دخل في ذلك إلّا في بعض الآيات التي تشتمل على تعريض بحادث من الحوادث في عهد النبي - ﷺ - أو قبله، بحيث يقع القارئ بعد هذا التعريض في ترقّب وانتظار لما كان وراءه من قصة أو حادث أو سبب، ولا يُزَال تَرَقُّبُه إلّا ببسط القصة وبيان سبب النزول\". (١)\nويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: \" ... ولكني لا أعذر أساطين المفسرين الذين تلقفوا الروايات الضعيفة فأثبتوها في كتبهم ولم ينبهوا على مراتبها قوة وضعفًا، حتى أوهموا كثيرًا من الناس أن القرآن لا تُنَزَّل آياته إلّا لأجل حوادث تدعو إليها، وبئس هذا الوهم فإن القرآن جاء هاديًا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام\". (٢)\nوليس معنى هذا إنكار أهمية أسباب النزول في فهم معاني القرآن الكريم أو التقليل من شأنها في ذلك، فعامّة المفسرين على أن لأسباب النزول أهمية كبيرة في فهم معاني القرآن الكريم -كما سيأتي بيانه- وإنما ينبغي أن يكون المقصود منه عدم قصر معاني الآيات التي وردت في أسباب خاصة على تلك الخصوصيات إلَّا إذا ثبت بالدليل خصوصها بها، والإنكار إنما يكون على من يذهب هذا المذهب. فمع الإهتداء بتلك الأسباب في فهم معاني الآيات فإن ذلك لا يمنع من إعطائها ما تحتمله من معاني غير تلك الخصوصيات.\n_________\n(١) الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم (شاه ولي الله): الفوز الكبير في أصول التفسير، نقله من الأصل الفارسي إلى اللغة العربية سلمان الحسيني الندوي، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية، ط ٢، ١٩٨٧ م)، ص ٢٠ - ٢١.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج ١، ص ٤٦.","vol":"1","page":101},{"text":"وبناءً على السبب العام لنزول القرآن الكريم تقررت قاعدة \"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب\"، (١) إذْ الأحكام الشرعيّة إنما شرعت لضبط حياة الناس وهدايتهم إلى أقوم السبل، أما أسباب النزول فهي مناسبات اختارتها العناية الإلهية لتكون مناسبة لتشريع الحُكم لما سبقت الإشارة إليه من حِكَم، ما لم تقم قرينة تدلّ على قصر الحكم الذي وردت به الآية على سبب النزول، فإذا قامت تلك القرينة كان الحكم مقصورًا على سببه بإجماع العلماء. (٢)\nمفهوم سبب النزول في عرف الصحابة والتابعين:\nالناظر في استعمال الصحابة - ﵃ - لعبارة \"نزلت الآية في كذا\" يجد أنه غير مقصور على أسباب النزول الخاصة، بل يتعداها إلى إطلاقات أخرى يوضحها ما دكره ابن تيمية في فتاويه (٣) وأورده شاه ولي الده الدهلوي في كتابه الفوز الكبير في أصول التفسير، من أن استقراء كلام الصحابة والتابعين في مفهوم سبب النزول عند قولهم: \"نزلت الآية في كذا\" يشير إلى أنهم يطلقون ذلك على عدة معاني أهمها:\n١ - \"المعنى الحقيقي لسبب النزول، وهو بيان الحادث الذي وقع في عهد النبي - ﷺ -، وكان سببًا لنزول تلك الآية.\n٣ - \"بيان ما تنطبق عليه الآية مما حديث في عهد النبي - ﷺ - أو بعده، فهو بيان لصورة من الصور التي تصدق عليها الآية. وفي هذه الحال يكون المقصود بقولهم \"نزلت في كذا\" نزلت في مثل هذا، أو في بيان حكم هذا وأمثاله\". (٤)\n_________\n(١) انظر السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر: الإتقان في علوم القرآن، (بيروت: دار إحياء العلوم، ط ٢، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م)، ج ١، ص ٨٦ وما بعدها.\n(٢) انظر الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن، ج ا، ص ١٢٦.\n(٣) يقول ابن تيمية: \"وقولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا\". ابن تيمية، أحمد بن عبد العليم: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، (د. م: د. ن، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ، د. ت)، ج ١٣، ص ٣٣٩.\n(٤) شاه ولي الله الدهلوي: الفوز الكبير، ص ٦١ بتصرف.","vol":"1","page":102},{"text":"الحالات التي يلزم فيها معرفة أسباب النزول لفهم المقصود من الخطاب:\nيرى الإمام شاه ولي الله الدهلوي أن كثيرًا مما يروى من أسباب النزول لا تدعو الحاجة إليه في تفسير القرآن الكريم، وأن اعتبار الإحاطة به شرطًا من شروط التفسير فيه تفويت لحظ النَّفس من كتاب الله تعالى، وحرمان من إدراك روحه وجوهره، وأن ما فعله البعض من محاولة تقصي سبب نزول لأكثر آيات القرآن الكريم يُعدّ من باب الإفراط. (١)\nوإذا أخذنا أسباب النزول بمفهومها العام عند الصحابة والتابعين - ﵃ - الذي سبق ذكره - فإن النصوص القرآنية التي يتعذّر فهمها بغير الإطلاع على أسباب النزول تنحصر في حالين:\n١ - \"معرفة القصص التي تتضمن الآيات القرآنية التعريض بها؛ فإن فهم إيماء هذه الآيات وإشارتها لا يتيسر إلَّا بمعرفة تلك القصص\"، (٢) فالآية في مثل هذه الحالة تكون مبهمةً يتوقَّف فهم المراد منها على العلم بسبب النزول، ومثال ذلك قوله الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ [المجادلة: ١]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤].\n٣ - سبب النزول الذي يفيد تخصيصًا لعام، أو تقييدًا أطلق، أو بيانًا لمجمل، أو يدفع تشابهًا، وأمثال ذلك مما يُصْرَفُ فيه الكلام عن ظاهره المتبادر منه، إذْ إنّ فهم مقاصد الآيات ومراميها لا يتأتى بدون ذلك. (٣)\nوالخلاصة أن ما كان من الآيات تَامّ المعنى بعموم صيغته مستقلًاّ فَهْمُهُ عَمّا يُورَدُ بشأنها من أسباب النزول، وعن الحادث الذي كان سببًا للنزول فإنه لا يُحتَاج في التعرف على مقصوده إلى استحضار أسباب النزول، وإنما يفتقر إلى استحضار ذلك ما\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ٦٦ - ٦٧.\n(٢) المصدر السابق، ص ٦٢.\n(٣) انظر المصدر السابق، ص ٦٢، ومحمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج ١، ص ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":103},{"text":"وقع فيه تعريض بخصوص الحادث ومتعلقاته، إذْ تكون الحاجة إذ ذاك ماسةً إلى معرفة سبب النزول للتمكن من معرفة سياق الحادث وخلفياته، ومن ثَمَّ حُسْن فهم النص وإدراك مقاصده. وهو ما عبَّر عنه شاه ولي الله الدهلوي بالإطلاع على فوائد بعض القيود وأسباب التشديد والتأكيد في بعض المواضع التي تتوقف معرفة حقيقتها على معرفة أسباب النزول\". (١)\nبين عموم الرسالة وخصوص سبب النزول:\nقد يبدو أن هناك شيئًا مَن التعارض بين عموم أحكام الشريعة الإِسلامية، وكون كثير من الآيات نزلت في مناسبات خاصة مما قد يَفهم منه البعضُ قصر تلك الآيات على ما نزلت بسببه من أحداث ووقائع، بل إن مثل هذا الإلتباس قد وقع لبعض الصحابة - ﵃ - في فهم بعض الآيات كما سيأتي بيانه عند الحديث عن بعض التطبيقات التي تبيِّن مدى أهمية معرفة سبب النزول في فهم النصوص الشرعيّة. وقد تنبه علماء المسلمين إلى هذه القضية منذ القرون الأولى، فبحثوها فيما اشتهر بمسألة \"هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟.\nوبداية يجب التنبيه إلى أن القرآن من حيث سبب النزول على قسمين: قسم نزل ابتداءً من غير سبب خاص، وإنما اكتفاء بالسبب العام، وقسم نزل بسبب خاص. أما الأول فلا خلاف في عمومه لكل الناس، أما الثاني فهو على أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون اللفظ مكافئًا لسبب النزول من حيث العموم والخصوص، بأن يكون كلّ منهما عامًّا أو خاصًّا. ويكون حكمُ اللفظ هنا مساواةُ السبب، فإن كان السبب عامًّا وَاللفظ عامًا كان اللفظ العام متناولًا كلّ أفراد سببه في الحكم، ومثال ذلك آيات سورة الأنفال التي نزلت في غزوة بدر وآيات سورة آل عمران التي نزلت في غزوة أحد. وإذا كان اللفظ خاصًّا وَنازلًا في سبب خاص فإن حكمه مقصور على شَخْصِ سببه الخاص، ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا\n_________\n(١) شاه ولي الله الدهلوي: الفوز الكبير، ص ٦٤، وانظر أيضًا ١٠٧.","vol":"1","page":104},{"text":"الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] فقد قيل إنَّها خاصة في أبي بكر الصِّديق على اعتبار\"ال\" في \"الأتقى\" للعهد، والمعهود هو الصِّديق - ﵁ -. (١)\nالقسم الثاني: أن يكون السبب خاصًّا واللفظ عامًّا، وهذا الذي اختلف فيه العلماء: هل العبرة بخصوص السبب أم بعموم اللفظ؟\nنُسِبَ إلى أبي الحسن الأشعري والمزني وأبي ثور والشافعي وبعض أصحابه القول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، (٢) أي أن الآيات التي نزلت في أسباب خاصة تثبت أحكامها لمن نزلت فيهم حصرًا ولا تعمّ غيرهم. ولكن لمَّا كان هؤلاء يقرُّون بعموم الشريعة لكلّ النّاس، وحاجة الناس إلى نصوص تحكم تصرفاتهم، فقد قالوا إن ثبوت الأحكام التي نزلت بها تلك الآيات لما يشبه الحالات التي نزلت فيها إنما يكون بدليل آخر وهو إما القياس بشروطه، بأن يقاس بقية الناس على سبب النزول، أو قول الرسول - ﷺ - \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\". (٣) وقد استدل هذا الفريق بأدلة لا داعي لإيرادها في هذا المقام، ومن أراد تفصليها فلينظرها في مواطنها. (٤)\nأما جمهور العلماء فقد ذهبوا إلى أنه مادام اللفظ عامًّا فإن الحكم يتناول كلّ أفراد اللفظ، سواء منها أفراد سبب النزول، وغيرها مما يمكن أن ينطبق عليه. (٥)\n_________\n(١) انظر السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج ١، ص ٨٨.\n(٢) انظر الزَّركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٤٠.\n(٣) كثيرًا ما يورد الأصوليون هذا الدليل وينسبونه للرسول - ﷺ -، ولكنه لم يصح وروده حديثًا؛ فقد قال عنه السخاوي: \"ليس له أصل\". انظر السخاوي، محمد بن عبد الرحمن: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق عبد الله محمد الصِّديق، وعبد الوهاب عبد اللطيف، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م)، ص ١٩٢. وقد ورد في السُّنّة ما يفيد معناه، ففي سنن الترمذي عن أميمة بنت رُقيقة قالت: \"بايعت رسول الله - ﷺ - في نسوة، فقال لنا في ما استطعتن وأطقتن، قلت الله ورسوله أرحم بنا منّا بأنفسنا. فقلت يا رسول الله بايعنا، قال سفيان: تعني صافحنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما قولي لمائة امرأة كقولي لإمرأة واحدة\". سنن الترمذي، كتاب السير، باب (٣٦)، ج ٣، ص ٧٧.\n(٤) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢،ص ٣٦ - ٣٨؛ والزرقاني: مناهل العرفان، ج ١، ١٢٥ - ١٢٦، ١٣٠ - ١٣٤؛ والرازي: المحصول، ج ٣، ص ١٢٤ - ١٢٦.\n(٥) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٣٦؛ والجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٥٤ - ٢٥٥.","vol":"1","page":105},{"text":"وأقوى دليل على ما ذهب إليه الجمهور من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هو أن الشريعة قد نزلت عامة زمانًا ومكانًا وأشخاصًا، (١) دلّ على ذلك نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وكونها هي الشريعة الخاتمة يؤكد ذلك. وما دامت الشريعة عامة فلا يعقل حصر نصوصها في أسباب محدودة وأشخاص معدودين، وإنما يكون الأصل عموم أحكامها إلّا ما دلَّ دليل على خصوصيته فإنه يقصر على ما جاء خاصًّا فيه. وإنما أسباب النزول الخاصة -كما سبقت الإشارة- في أغلبها مناسبات اختارتها العناية الإلهية لتكون مناسبة لتنزيل بعض الأحكام ليكون ذلك أبلغ في التأثير والإفهام.\nوقد استدل الجمهور على مذهبهم بأدلة أبرزها احتجاج الصحابة رضوان الله عليهم بعموم تلك الألفاظ مع ورودها على أسباب خاصة من غير لجوء إلى القياس أو إلى أي دليل خارجي لتعدية الحكم من سبب النزول إلى ما يشبهه. (٢)\nوالخلاصة أن الفريقين متفقان على أن ما نزل من الأحكام بصيغة العموم فهو على عمومه ولو كان واردًا في سبب خاص، وإنما الخلاف في طريقة تعديّة الحكم: هل هو بعموم اللفظ مباشرة دون حاجة إلى دليل خارجي، أم بواسطة دليل آخر؟ وفي ذلك يقول ابن تيمية: \"والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب: هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيَّن، وإنما غاية ما يقال: إنَّها تختص بنوع ذلك الشخص، فيعمّ ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ. والآية التي لها سبب معيَّن إن كانت أمرًا أو نهيًا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته\". (٣)\n_________\n(١) وفي ذلك يقول الشاطبي: \"الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة؛ بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف ألبتة\". الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٨٦.\n(٢) انظر الزرقاني: مناهل العرفان، ج ١، ص ١٢٩؛ الجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٥٥.\n(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج ١٣، ص ٣٣٩.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>نماذج تطبيقية</span>\nمن أمثلة النصوص التي تحتاج إلى معرفة أسباب النزول لإدراك المقصود منها ما يأتي:\n١ - فهم النصوص التي وردت في التدرج في التّشريع، مثل الآيات الواردة في تحريم الخمر والربا. إذ الناظر فيها من غير معرفة بأسباب نزولها يجد فيها شيئًا من التضارب؛ فمنها ما ينص على الحرمة قطعًا، ومنها ما يقتصر على مجرد التنفير مما يفهم منه مجرد الكراهة. وإدراك أسباب النزول يبين كيفية ترتيبها، وأن الحكم هو ما ورد في آخرها نزولًا، وإنما وقع فيها ما وقع تيسيرًا على النّاس في التدرج بهم للتخلص من أَسْرِ تلك المحرمات التي تجذّرت فيهم ويصعب التخلي عنها دفعة واحدة.\n٢ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فعبارة \"لا أجد ... إلَّا\" تفيد الحصر، أي حصر المحرمات فيما ذكر، ولكن الناظر في النصوص الشرعيّة الأخرى يرى أن هذه المحرمات تمثل جزءًا فقط من المطعومات المحرمة. ومما يدل دلالة قاطعة على أن الحصر في هذه الآيات غير مقصود ثبوت حرمة الخمر قطعًا بالقرآن والسنة، وهي غير مذكورة في هذه المحصورات.\nوقد اختلف أهل العلم من زمن الصحابة - رضوان الله عليهم - في هذه الآيات: هل يُؤخذ بما يفيده ظاهرها من حصر المحرمات في هذه الأربعة، ومن ثَمَّ عدم الأخذ بما ورد في السنة من تحريم كلّ ذي ناب من السباع، والحُمُر الأهلية وغيرها، أم لا يؤخذ به؟ وإذا أُخِذ بما ورد في السنة من محرمات هل يكون ذلك ناسخًا للآيات باعتباره زيادة فيها مخالفة لما ورد في الآية من حصر أم لا؟ فمنهم من اعتبر الحصر في الآية حقيقيًا فلم يقل بحرمة غيرما ورد فيها مما جاء تحريمه في السنة، ومنهم من أخذ بما ورد في السنة وذهب إلى أن الزيادة عليها لا تُعدُّ فسخًا لها، وفي ذلك نقاش طويل لا حاجة لعرضه هنا. (١) ويرى ابن عاشور أن الحصر هنا حقيقي، ولكنه بحسب\n_________\n(١) انظر في تفصيل هذا مثلًا: القرطبي؛ الجامع لأحكام القرآن، ج ٧، ص ١١٥ - ١٢٤؛ الشنقيطي، محمد الأمين: أضواء الآن في إيضاح القرآن بالقرآن، (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م)، ج ٢، ص ٢٢٠ - ٢٤٧.","vol":"1","page":107},{"text":"ما كان محرمًا يوم نزول هذه الآية، فهي مكيّة، ولم يحرم بمكة غيرها من الحيوان. (١)\nويبدو أن أفضل توجيه للآية هو ما نقله السبكي (٢) عن الشافعي أنه قال ما معناه: \"إنّ الكفار لمَّا حرَّموا ما أحلَّ الله، وأحلُّوا ما حرَّم الله، وكانوا على المضادَّة والمحادّة جاءت الآية مناقضة لغرضهم. فكأنه قال: لا حلال إلَّا ما حرمتموه، ولا حرام إلَّا ما أحللتموه. نازلًا منزلة من يقول لك: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلَّا حلاوة، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة. فكأنه تعالى قال: \"لا حرام إلَّا ما أحللتموه من الميتة، والدم، ولحم الخنزيز وما أُهِلَّ لغير الله به\" ولم يقصد حِلَّ ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم، لا إثبات الحِلّ\". (٣)\nفمع هذا التوجيه لا تكون هناك حاجة إلى القول بالنسخ، ولا إلى الخوض في الزيادة على النص هل هي فسخ أم لا؟ وغير ذلك مما ثار من نقاش حول كيفية التوفيق بين الحصر الوارد في الآية والسنة الواردة بتحريم أشياء زائدة على ذلك.\nوفي ذلك قال إمام الحرمين: \" ... ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كُنَّا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إلى حصر المحرمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات\". (٤)\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج ٨، ص ١٣٨ - ١٤٠.\n(٢) هو عبد الوهاب بن علي بن عد الكافي السبكي، تاج الدين، قاضي القضاة في الشام. ولد عام ٧٢٧ هـ وتوفي بالطاعون عام ٧٧١ هـ انظر الزركلي: الأعلام، ج ٤، ص ٣٣٥.\n(٣) نقلًا عن الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن، ج ١، ص ١١٢. وقد نقل الجويني في البرهان كلامًا قريبًا من هذا. انظر البرهان، ج ١، ص ٢٥٣ - ٢٥٤. ولم يجد الباحث نص هذا الكلام عند الشافعي في كتابيه: الأم، والرسالة، وما وجده هو قوله: \"وسمعت بعض أهل العلم يقولون في قول الله -﷿-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، الآية: يعني مما كنتم تأكلون\". الشافعي، محمد بن إدريس: الأم، خرج أحاديثه وعلق عليه محمود مطرجي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م)، ح ٢، ص ٣٨٩.\nوأورد في موضع آخر أنه قيل إنَّها نزلت فيما حرمه المشركون على أنفسهم من مطعومات كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وغيرها، كأنه يقول لهم لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا من بهيمة الأنعام - مما أحللتم وحرمتم بزعمكم- إلَّا هذه، أمَّا ما عداها مما أحللتم من حرام أو حرمتم من حلال فهو محض افتراء على الله تعالى. انظر الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٤) الجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٥٤.","vol":"1","page":108},{"text":"٣ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨]. فقد يفهم من ظاهر الآية مجرد جواز السعي بين الصفا والمروة لا وجوبه؛ إذْ إنّ عبارة \"لا جناح\" تفيد مجرد رفع الإثم؛ أي الجواز. وقد أشكل على عروة بن الزبير - ﵁ - الجمع بين هذه الآية وكون السعي من أركان الحج، ولم يَزُلْ إشكاله هذا حتى بيَّنت له عائشة - ﵂ - سبب نزول الآية. ففي صحيح البخاري أنه سألها: \"أَرَأَيتِ قَولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَوَالله مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاح أَنْ لَا يَطوفَ بِالصّفَا والمَرْوَة. قَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ يا ابْن أُخْتِي، إِنّ هَذِه لَوْ كانتْ كَمَا أوَّلْتها عَلَيهِ كانَت \"لَا جُنَاح عليه أن لَا يَتَطوّفَ بِهِما\"، ولَكِنّها أُنْزِلت في الأَنْصَار، كانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّون (١) لِمَنَاة الطّاغية التي كاَنُوا يَعْبُدُونَها عِنْدَ المُشَلَّلِ (٢) فَكانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرّجُ أَنْ يَطوفَ بِالصّفَا والمرْوَة. فَلَمّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ الله - ﷺ - عَن ذَلِكَ، قَالُوا: يا رَسُولَ الله إنا كنَّا نَتَحَرّجُ أَنْ نَطُوفَ بين الصَّفَا والمرْوَة، فَأنْزَل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية. قالت عائشة: وقَدْ سَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - (أيْ شَرَعَ) الطّوَافَ بَيْنَهمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ\nالطَّوَافَ بَيْنَهُمَا\". (٣)\nوعن عاصم بن سليمان قال: \"سألت أنس بن مالك - ﵁ - عن الصفا والمروة فقال: كُنَّا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإِسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ [البقرة: ١٥٨] \". (٤)\nفسبب نزول الآية بصيغة نفي الجناح هو ما وَقَرَ في أذهان الأنصار يومئذٍ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية؛ نظرًا إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له \"إِسَاف\"، وكان على المروة صنم يقال له \"نَائِلَة\"، وكان المشركون إذا سَعَوْا بينهما تمسحوا\n_________\n(١) يهلون: يحجون.\n(٢) المُشلَّل اسم مكان بين مكة والمدينة.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب (٧٩)، مج ١ ج ٢، ص ٥٠٨ - ٥٠٩، الحديث (١٦٤٣).\n(٤) المصدر السابق، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، باب (٢١)، مج ٣، ج ٥، ص ١٨٢، الحديث (٤٤٩٦).","vol":"1","page":109},{"text":"بهما. فلما ظهر الإِسلام وكسر الأصنام، تحرّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فترلت الآية تخبرهم بأن السعي بينهما من شعائر الإِسلام ولا يخرجه عن ذلك كونه جزءًا من شعائر الحج في الجاهلية، ومن ثَمَّ فإنّ الإتيان به ليس فيه أي جناح. (١)\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].\nفظاهر الآية لا يفهم منه معنى للربط بين الشرط والجزاء، فكيف يكون خوف عدم الإقساط في اليتامى دافعًا إلى نكاح ما طاب من النساء مثنى وثلاث ورباع؟ ولكن معرفة سبب النزول يبيِّن هذه العلاقة، ويزيل هذا الغموض. فقد روى البخاري عن عائشة - ﵂ -: \"أنّ رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق (٢) وكان يمسكها عليه ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله\".\nوعن عروة بن الزبير -أيضًا- أنه سأل عائشة - ﵂ - عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ فقالت: \"يا ابْنَ أخْتِي هَذِه اليتِيمَةُ تَكونُ في حِجْر وَلِيِّهَا تشْرَكُه في مَاِلهِ، ويُعْجِبُه مَالُهَا وجَمَالُهَا فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزوَّجَها بِغَيْر أَنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا فَيُعْطيهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْرُه، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنّ إلَّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنّ ويَبْلُغُوا لَهُنّ أَعَلى سُنَّتهِنّ في الصّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنّ. قَالَ عُروة: قَالَت عَائِشَة: وإن النّاسَ اسْتَفْتَوا رَسُولَ الله - ﷺ - بَعْدَ هَذِه الآيةِ فَأنْزَل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت عائشة: وقَوْل الله تعالى في آيةٍ أُخْرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبَةَ أَحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِه حِينَ تَكونُ قَلِيلَة المَالِ والجَمَالِ، قَالَت: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَمَّنْ رَغِبُوا فِي مَالِه وجَمَالِه فِي يَتَامىَ النِّسَاءِ إلّا بِالقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهم عَنْهُنّ إذَا كانَّ قَلِيلات المالِ والجَمَالِ\" (٣).\n_________\n(١) الزرقاني: مناهل العرفان، ج ١، ص ١١٠ - ١١١.\n(٢) العذق (بفتح العين) النخلة، وبالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ. انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ١٠، ص ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب (١)، مج ٣، ج ٥، ص ٢١٢، الحديث (٤٥٧٤).","vol":"1","page":110},{"text":"ويكمل هذا ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵂ - في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: \"هُوَ الرّجُلُ تَكونُ عِنْدَه اليَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّها ووَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْه فَي مَالِهِ حَتّى فِي العَذْق فَيَرْغَب أَن يَنْكِحَها ويَكرَهُ أَنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيَشْرَكَهُ في مَالِه بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلَها فَنَزلتْ هَذِه الآية\". (١)\n٥ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ [البقرة: ١٨٩].\nفظاهر الآية لا يفهم منه الربط بين البِرّ وعدم إتيان البيوت من ظهورها، فإذا عُرِف سبب النزول اتضح المعنى، وذلك ما رواه مسلم عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: \"كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلّا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له ذلك، فترلت هذه الآية: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ \". (٢)\n٦ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣].\nفظاهر الآية قد يفهم منه أن من آمن وعمل صالحًا واتقى وكان من المحسنين ليس عليه جناح فيما طعم ولو كان محرمًا، ولكن إذا عُلِم سبب النزول تبيّن خطأ ذلك. فني صحيح البخاري عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا فنادى، فقال أبو طلحة: أخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي أَلاَ إنّ الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة. قال: وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ،\n_________\n(١) المصدر السابق، كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، باب (٢٣)، مج ٣، ج ٥، ص ٢٢٢، الحديث (٤٦٠٠). والنص الكامل للآية هو: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].\n(٢) صحيح مسلم، كتاب التفسير، ج ٤، ص ٢٣١٩، الحديث (٣٠٢٦).","vol":"1","page":111},{"text":"فقال بعض القوم: قُتِلَ قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] \". (١)\nوما روى الترمذي عن البراء بن عازب - ﵁ - قال: \"مات ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم يشربون الخمر، فلما نزلت تحريمها قال ناس من أصحاب النبي - ﷺ -: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال: فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية\". (٢)\nفسبب النزول هنا مخصص لما يفهم من عموم الآية في رفع الجناح عمن اتصف بصفات الإيمان والتقوى والإحسان فيما طَعِم ولو كان محرَّمًا، وقَصْرُ ذلك على من مات قبل استقرار تحريمها.\n٧ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].\nفربط عدم الإكراه بشرط إرادة التحصن قد يفهم منه بالمخالفة جواز إكراههن إذا انعدمت إرادة التحصن. ومثلُ هذه الآية لا يتجلى معناها تمامًا إلّا إذا عُرِف سبب نزولها، وهو ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله - ﵁ - \"أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مُسَيْكَة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي - ﵁ - فأنزل ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ \". (٣)\nوبناءً على ذلك اتفق المفسرون على أن قيد ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا يراد بالشرط فيه \"عدم النهي عن الإكراه على الغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن، بل كان الشرط خرج مخرج الغالب\" وذلك إما \"لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إِذْ كنَّ يحببن التعفف، أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب (١١)، مج ٣، ج ٥، ص ٢٢٩.\n(٢) سنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة المائدة، ج ٤، ص ٣٢١.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب التفسير، تفسير سورة النور، باب (٣)، ج ٤، ص ٢٣٢٠، الحديث (٣٠٢٩) (٢٦).","vol":"1","page":112},{"text":"التحصن\"، وأن \"الداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإِسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن\". (١)\nويرى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور أن الآية جاءت توطئة لتحريم البغاء وإبطاله من باب ما ورد في التمهيد لتحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. (٢)\nوالذي يميل إليه الباحث أن الآية لم تأت لتحريم البغاء نفسه، وإنما هي في تحريم إكراه الإماء عليه، ودليل ذلك ما يأتي:\n١ - أن البغاء نوع من أنواع الزنى، وأنه حُرِّم بما حُرِّم به الزنى من أوائل سورة النور، والآيات المحرمة للزنى سابقة في النزول على هذه الآية.\n٣ - فائدة ذكر التحصن -الذي هو هنا بمعنى التعفف عن الزنى أو البغاء- أن الإكراه لا يتحقق إلّا مع عدم الرغبة والرضا، فلو كانت الأَمَةُ راضية بالبغاء أو راغبة فيه لما اعْتُبِر طلبُ سيدها منها البغاءَ إكراها. ومع أن النهي عن الإكراه يمكن أن يتم من غير ذكر \"إن أردن تحصنا\" فإن ذكر هذه الحال -كما يقول ابن عاشور- لزيادة التبشيع. (٣)\n٣ - وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] دليل على أن الزنى- ومنه البغاء- قد سبق تحريمه، إذ المغفرة بعد الإكراه إنما تكون إذا كان الفعل المكْرَه عليه محرمًا، فلو كانت الآية توطئة لتحريم البغاء لما كان لذكر المغفرة هنا محل.\nوإنما خصت الآية الإماء بالنهي عن إكراههن على البغاء لما قد ينشأ عن الملك من شبهة، إذْ قد يظن المالك أن ملكه للأمة قد يبيح له التصرف فيها باستئجارها للبغاء بغرض التكسب، وأنها إن امتنعت حق له إكراهها على ذلك بما له من سلطة\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج ١٨، ص ٢٢٦.\n(٢) انظر المصدر السابق، التحرير والتنوير، ج ١٨، ص ٢٢٦.\n(٣) المصدر السابق، التحرير والتنوير، ج ١٨، ص ٢٢٧.","vol":"1","page":113},{"text":"عليها وحرية التصرف فيها.\nوبناءً على هذا التوجيه للآية تفسير معرفة سبب النزول غير لازمة لصرفة المقصود من الآية، والله أعلم بمراده.\nثانيًا - أسباب ورود الحديث:\nتُعَدّ معرفة أسباب ورود الحديث عاملًا مهمًا في فهم المعنى المقصود من الحديث. والأحاديث النبوية من حيث أسباب الورود على نوعين: أحاديث قيلت لسبب خاص، وأخرى ليس لها سبب خاص، وإنما جاءت خدمة للسبب العام الذي جاءت الرسالة من أجله، وهو إصلاح حال البشرية وهدايتها إلى أقوم السُّبُل.\nوالأحاديث التي وردت في سبب خاص تحتاج إلى معرفة سبب الورود لفهمها وتحديد المقصود منها من حيث المعنى، ومن حيث الأفراد الذين تنطبق عليهم: هل هي خاصة بمن صدرت فيهم؟ أم تَعُمّهم هُم وغيرهم ممن يصلحون للدخول تحتها، وذلك بحسب ما يحفّ بالحديث من قرائن.\nأما الأحاديث التي جاءت من غير سبب خاص فإنها تكون عامّة لجميع الأمة، ولا تكون في حاجة إلى معرفة سبب الورود لفهم المقصود منها، ولكنها مع ذلك قد تحتاج إلى معرفة نوع آخر من أسباب الورود، وهو المقام الذي صدرت فيه؛ أي بأي وصف صدرت عن النبي - ﷺ -: هل بوصف ٥ مبلِّغًا، أم بوصفه إمامًا مدبِّرًا لشؤون الأمة، أم بوصفه بشرًا عاديًا يجتهد في أمور الدنيا كما يجتهد غيره؟\nوقد يكون الجهل بسبب ورود الحديث مورثًا للغلط في تحديد معناه، لذلك نجد الرواة يهتمون -عادةً- بنقل سبب ورود الحديث، خاصة إذا رأوا فيه أهمية لصرفة المقصود منه. وقد يغيبا أحيانًا سبب ورود الحديث -الذي يكون مخصصًا لعموم الحديث، أو مقيدًا لإطلاقه، أو صارفًا للأمر فيه عن الوجوب إلى الندب أو غير ذلك- عن البعض فيؤدي ذلك إلى التحيّر في فهم الحديث أو إلى سوء فهمه، وربما يطلع بعض العلماء على السبب ويخفى ذلك على البعض الآخر فيؤدي إلى الإختلاف بينهم.","vol":"1","page":114},{"text":"روى البيهقي عن علي بن أحمد البردعي قال: \"دخل إسحاق ابن راهوية وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين مكة، وأرادوا عبد الرزاق فدخلوا مسجد الحرام، فرأوا رجلًا شابًا على كرسي وحوله الناس وهو يقوله: يا أهل الشام، ويا أهل العراق، سلوني عن سنن رسول الله - ﷺ - فقلنا لرجل: من هذا الجالس؟ فقال: المطّلبي الشافعي. قال إسحاق: فقلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله مُرَّ بنا إليه نجعل طريقنا عليه. قال: فلما قمنا عليه قلنا: يا أبا عبد الله سله عن حديث النبي - ﷺ -: \"أمكنوا الطير في أوكارها\". فقال: وما تصنع بهذا؟ هذا مفسَّر: دعوا الطير في ظلمة الليل في أوكارها. فقال إسحاق: والله لأسألنه: يا مطّلبي، ما تفسير قول النبي - ﷺ -: \"أمكنوا الطير في أوكارها\"؟ (١) قال: نعم يا فارسي، هذا أحمد ابن حنبل بلغني أنه يفتي بالعراق في هذا الحديث: دعوا الطير في ظلمة الليل في أوكارها ... \". (٢)\nثم قال الشافعي: \"كان أهل الجاهلية إذا أرادوا سفرًا عمدوا إلى الطير فسرحوها، فإن أخذت يمينًا خرجوا في ذلك الفأل، وإن أخذت يسارًا، أو رجعت إلى خلفها تطيروا ورجعوا، فلما أن بعث الله النبي - ﷺ - قدم مكة فنادى في الناس: \"أمكنوا الطير في أوكارها، وبكروا على اسم الله\". (٣)\nوروي عن وكيع بن الجراح أنه سئل عن هذا الحديث فقال: \"إنما هو عندنا على صيد الليل\"؛ أي على تحريم الصيد بالليل، فذُكِر له قوله الشافعي فاستحسنه، وقال: \"ما ظنناه إلّا على صيد الليل\". (٤)\nومن أمثلة الأحاديث التي تحتاج إلى معرفة سبب الورود لفهم معناها فهمًا صحيحًا، حديث النهي عن سبِّ الدهر. فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أخرج البيهقي عن أم كرز الكعبية أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"أقروا الطير على مكاناتها\" وروي \"على مكناتها\". البيهقي، أحمد بن الحسين: السنن الكبرى، (د. م: دار الفكر، د. ط، د. ت)، كتاب الضحايا، باب أقرو الطير على مكاناتها، ج ٩، ص ٣١١). والمكنات بمعنى الأمكنة، والمكنة من التمكن.\n(٢) البيهقي: مناقب الشافعي، ج ١، ص ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٣) البيهقي: المصدر السابق، ج ١،ص ٣٠٧ - ٣٠٨، وانظر أيضًا البيهقي: السنن الكبرى، ج ٩، ص ٣١١.\n(٤) البيهقي: مناقب الشافعي، ج ١، ص ٣٠٩.","vol":"1","page":115},{"text":"\"لَا تَسُبُّوا الدّهْزَ فَإِنّ الله هُوَ الدَّهْرُ\". (١)\nفذهب البعض -بناءً على ظاهر الحديث- إلى القول بأن \"الدهر\" اسم من أسماء الله تعالى، ولكن الإطلاع على سبب ورود الحديث ينفي ذلك. روى مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"قَالَ الله ﷿ يُؤْذِينِي ابنُ آدمَ. يَقُولُ: يا خَيْبَة الدَّهْرِ، فَلَا يَقُولَنّ أَحَدُكم يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ ليلَهُ ونَهَارَهُ، فَإَذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا\". (٢) وفي بيان ذلك يقول الإمام الشافعي: \"إنما تأويله- والله أعلم- أن العرب كان من شأنها أن تذمّ الدهر وتسبّه عند المصائب انتي تنزل بهم: من موت، أو هدم، أو تلف مال، أو غير ذلك، وتسبّ الليل والنهار -وهما الجديدان والفَتَيَان- ويقولون: أصابتهم قوارع الدهز وأبادهم الدهز وأقى عليهم، فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك؛ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لَا تَسبُّوا الدَّهْرَ\" على أنه الذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنَّما تسبون الله -﷿-، فإن الله تعالى فاعل هذه الأشياء\". (٣)\nومن ذلك الأحاديث التي وردت في بيان أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، فقد سئل النبي - ﷺ - في مناسبات مختلفة عن أفضل العمل، وأحبه إلى الله تعالى، فكان جوابه مختلفًا، فمرة ذكر أن أفضل الأعمال هو الإيمان بالله تعالى وبرسوله - ﷺ -، ومرة جعله الصلاة لوقتها، ومرة الصوم، ومرة أدوم الأعمال، ومرة المداومة على تلاوة القرآن الكريم، ومرة الحب في الله والبغض في الله، ومرة التلبية والنحر في الحج، ولا يمكن تفسير ذلك إلّا بأن هذه الأفضلية ليست على إطلاقها؛ إذْ الأفضل على الإطلاق لا يمكن أن يتعدد، وإنما أفضلية بالنسبة إلى السائل أو إلى الحال التي يخصها السؤال، فيتحصل أن سبب الإختلاف. في تحديد أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى هو اختلاف المقام الذي صدرت فيه، فكان الجواب بحسب حال السائل،\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب (١)، ج ٤، ص ١٧٦٣.\n(٢) المصدر السابق، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب (١)، ج ٤، ص ١٧٦٢.\n(٣) البيهقي: مناقب الشافعي، ج ١، ص ٣٣٦ - ٣٣٧؛ وانظر ابن عاشور، محمد الطاهر: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، (تونس: الشركة التونسية، ١٩٧٩ م)، ص ٣٨.","vol":"1","page":116},{"text":"وبحسب واجب الوقت في حقه.\nفمن الأحاديث التي جعلت أفضل العمل الإيمان بالله تعالى:\nما أخرجه البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول الله - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: \"إِيمَانٌ بالله وَرَسُولِهِ\". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: \"الجهَادُ فِي سَبِيلِ الله\". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"حَجٌّ مَبْرُورٌ\". (١)\nوما أخرجه أحمد أنّ رَجُلًا قَالَ: \"يا رَسُولَ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"إِيمَان بالله وَتَصْدِيقً وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ الله وَحَجٌّ مَبْرُورٌ\". قَالَ الرَّجُلُ: أَكثَرت يا رَسُول الله. فَقَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"فَلِينُ الْكَلَامِ وَبَذْلُ الطَّعَامِ وَسَمَاحٌ وَحُسْنُ خُلُقٍ\". قال الرَّجُلُ: أُرِيدُ كَلِمَةً وَاحِدَةً. قَالَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"اذْهَبْ فَلَا تَتَّهِمِ الله عَلَى نَفْسِكَ\". (٢)\nومن الأحاديث التي جعلت أفضل العمل الصلاة على وقتها، ما رواه البخاري عَنْ عَبْد الله بْن مَسْعُودٍ - ﵁ - قال: \"سَأَلْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - قُلْتُ: يا رَسُولَ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا\". قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \"ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ\". قُلْتُ: ثُمَّ أَيًّ؟ قَالَ: \"الجهَادُ فِي سَبِيلِ الله\" فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي\". (٣)\nومن الأحاديث التي جعلت الصوم أفضل الأعمال، ما أخرجه النسائي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ\". (٤)\nومن الأحاديث التي جعلت المداومة على تلاوة القرآن الكريم أفضل الأعمال،\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (١٨)، مج ١، ج ١، ص ١٤.\n(٢) ابن حنبل، أحمد: مسند الإمام أحمد، شرحه ووضع فهارسه أحمد محمد شاكر، (القاهرة: دار الحديث، ط ١، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م)، مسند الشاميين، حديث رقم (١٧٧٤١)، ج ١٣، ص ٥٠٨.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب (١)، مج ٢، ج ٣، ص ٢٧١.\n(٤) رواه النسائي: سنن النسائي، ترتيب وإعداد عبد الفتاح أبو غدة، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية، ط ٣، ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٨ م)، كتاب الصيام، باب ذكر الإختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم، ج ٤، ص ١٦٥.","vol":"1","page":117},{"text":"ما أخرجه الدارمي عن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ النبي - ﷺ - سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الحالُّ الْمُرْتَحِلُ\". قِيلَ: وَمَا الحالُّ الْمُرْتَحِلُ؟ قَالَ: \"صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَضْرِبُ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِهِ وَمِنْ آخِرِهِ إِلَى أَوَّلِهِ كُلَّمَا حَلَّ ارْتَحَلَ\". (١)\nومن الأحاديث التي جعلت أحب العمل إلى الله تعالى أدومه، ما أخرجه مسلم عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: \"أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ\". (٢)\nومن الأحاديث التي جعلت الحب في الله والبغض في الله أحب الأعمال إلى الله تعالى، ما أخرجه أحمد عَنْ أَبي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى الله -﷿-؟ \" قَالَ قَائِلً: الصَّلَاةُ وَالزَّكاةُ، وَقَالَ قَائِلٌ: الجهَادُ. قَالَ: \"إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله -﷿- الحبُّ فِي الله وَالْبُغْضُ فِي الله\". (٣)\nومن الأحاديث التي جعلت التلبية والنحر في الحج أفضل الأعمال، ما أخرجه ابن ماجه عَنْ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الْعَجُّ (٤) وَالثَّجُّ (٥) \". (٦)\nالمقامات التي تصدر فيها تصرفات الرسول - ﷺ -:\nمن أنواع المقام الذي لا يمكن الإستغناء عنه لفهم المقصود من خطاب الرسول - ﷺ - المقام الذي يصدر فيه خطابه - ﷺ -: هل هو مقام تشريع، أم مقام إمامة، أم مقام قضاء، أم مقام نصح وإرشاد، أم غيرها؟ إذ معرفة ذلك يمكِّننا من التعرف على المقصود من الحديث: هل هو الإلزام إيجابًا أو تحريمًا، أم مجرد الترغيب في الفعل أو\n_________\n(١) الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن: سنن الدارمي، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، (باكستان/ فيصل آباد: حديث أكاديمي للنشر والتوزيع، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م)، كتاب فضائل القرآن، باب (٣٢)، ج ٢، ص ٣٣٧.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب (٣٠)، ج ١، ص ٥٤١، الحديث (٧٨٣) (٢١٨).\n(٣) مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، حديث رقم (٢١٢٠٠)، ج ١٥، ص ٤٨٣.\n(٤) العجّ: رفع الصوت بالتلبية. ابن منظور: لسان العرب، ج ٢، ص ٣١٨.\n(٥) الثجّ: سيلان دم الهدي والأضاحي. ابن منظور: لسان العرب، ج ٢، ص ٢٢١.\n(٦) سنن ابن ماجه، أبواب المناسك، باب (١٦)، ج ٢، ص ١٦٠ - ١٦١، الحديث (٢٩٢٤).","vol":"1","page":118},{"text":"الترك، أم الإباحة؟ وفيما يأتي أهم المقامات التي يصدر فيها تصرَّف الرسول - ﷺ -:\n١ - مقام التشريع: والمقصود بالتشريع هنا معناه الخاص، وهو ما كان الأخذ به لازمًا، سواء من باب الإيجاب أو التحريم، أمّا ما لم يكن الأخذ به لازمًا فلا يدخل في هذا مع أنه قد يدخل في باب التشريع بمعناه العام، إذ المندوب والمباح داخلان في باب التشريع بمعناه العام.\nوالأصل في أقوال الرسول - ﷺ - وأفعاله وتقريراته التشريع إلّا ما دلّ دليل غلى خلافه، وذلك لكونه - ﷺ - رسولًا مبلغًا ومشرعًا، (١) فمهمته الأساسية التي اختير من أجلها رسولًا هي التشريع (سواء كان التشريع تبليغًا عن الله تعالى أو إنشاءً لأحكام جديدة). ويشمل مقام التشريع مقامي: الفتوى، والقضاء، فكلاهما يُعدّ تشريعًا، إلَّا أنّ ما كان صادرًا في مقام القضاء لا يحق لأحد أخذه إلّا بحكم القاضي. (٢)\nوما صدر عن النبي - ﷺ - من أحدًا وتصرفات في هذا المقام يكون الأخذ به لازمًا، واتباعه محتّمًا.\nوقد يختلف العلماء في مقام صدور بعض الأحكام هل صدرت عن النبي - ﷺ - بوصفه مفتيًا أم بوصفه قاضثًا، فيختلفون تبعًا لذلك في كيفيّة العمل بهذا الحكم. ومثال ذلك قول النبي - ﷺ - لهند بنت عتبة لما اشتكت إليه قِلّة النفقة من أَبِي سفيان - ﵁ -، حيث قَالَتْ: \"يا رَسُولَ الله إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. فَقَالَ: \"خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ\". (٣)\nفاختلف الفقهاء في هذا: هل هو تصرف بطريق الفتوى فيجوز بناءً على ذلك لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه من جاحده بغير إذنه ولا حكم من. القاضي؟ أم\n_________\n(١) انظر القرافي: الفروق، ضبطه وصححه خليل المنصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١. ١٤١٨ هـ /١٩٩٨ م)، ج ١، ص ٣٥٧.\n(٢) انظر القرافي: الفروق، ج ١، ص ٣٥٨.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب (٩)، مج ٣، ج ٦، ص ٥٣٤.","vol":"1","page":119},{"text":"أنه تصرف بالقضاء فلا يجوز لأحد أن يأخذ حقه أو جنسه إذا ظفر به عند غريمه إلَّا بحكم من القاضي؟ (١)\nومن قرائن كون تصرَّف النبي - ﷺ - قصد به التشريع: الإهتمام بإبلاغه إلى العامة، والحرص على العمل به، وإيراد الحكم في صورة قضية كليّة. (٢)\n٢ - مقام الإمامة: وهو تصرَّف الرسول - ﷺ - بوصفه إمامًا وقائدًا بما يقتضيه صلاح الدولة من تنظيم وتدبير، سواء في وقت السِّلم أو الحرب، وهو الذي يدخل ضمن مجال السياسة الشرعيّة. ومثال ذلك تصرَّف النبي - ﷺ - في بعث الجيوش، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وتولية الولاة، وغيرها. (٣) ولم يُعدّ هذا من باب التشريع -بمعناه الخاص- لأنه لا يلزم الحاكم الأخذ به، وإنما يتخير منه ما يكون مناسبًا لظروف الدولة، وله أن يعدل عنه إلى غيره إذا كان أكثر تحقيقًا لمصلحة الإِسلام والمسلمين. هذا بالنسبة للإِمام، أما بالنسبة للرعية فإن الفرق بينه وبين التشريع أنه لا يصح لأحد أن يُقْدم على ما قضى به رسول الله - ﷺ - بوصفه إمامًا إلّا بإذن إمام الزمان. (٤)\nوتتضح لنا أهمية التفريق بين مقامي التصرف بالتشريع والتصرف بالإمامة من خلال حادثة الحباب بن المنذر - ﵁ - مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بدر الكبرى حين اختار - ﷺ - موقعًا للمسلمين لخوض المعركة، ورأى الحباب أن ذلك الموقع غير مناسب فسأل الرسول - ﷺ -: هل هذا الفعل من باب التشريع؟ فلا يسع معه إلَّا الإمتثال، أم أنه من باب التصرف بالإمامة؟ فيمكن العدول عنه إلى ما هو أنسب. أخرج الحاكم في المستدرك عن الحباب بن المنذر الأنصاري قال: \"أشرت على رسول الله - ﷺ - يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني؛ خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزاة بدر فعسكر خلف الماء فقلت: يا رسول الله أَبِوَحْيٍ فعلتَ، أو بِرَأْيٍ؟ قال: بِرَأْيٍ يا حُبَابُ. قلت: فَإنّ الرَّأْيَ\n_________\n(١) انظر القرافي: الفروق، ج ١، ص ٣٥٩ - ٣٦٠.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٥٤.\n(٣) انظر القرافي: الفروق، ج ١، ص ٣٥٨.\n(٤) انظر القرافي: الفروق، ج ١، ص ٣٥٨.","vol":"1","page":120},{"text":"أنْ تَجْعلَ الماءَ خَلْفَكَ فإن لجَأْتَ لجأْتَ إليه. فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي\". (١)\nوقد يختلف الفقهاء في تكييف حكم من أحكام النبي - ﷺ - هل هو تصرَّف بالفتوى أم بالإمامة، ومثال ذلك حديث إحياء الموات، فيما أخرجه أبو داود عَنْ سَعِيدِ ابْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهي لَهُ وَلَيْسَ لِعرقٍ ظَالم حَقًّ\". (٢)\nفمن رأى أنه تصرَّف بالفتوى أجاز لكل أحد أن يحيى أرضًا مواتًا من غير حاجة إلى إذن الإمام بناءً على أن تجويز الرسول - ﷺ - لذلك تشريع عام، وهو قول مالك والشافعي، ومن رأى أنه تصرَّف بالإمامة منع ذلك إلَّا بإذن من الإمام، وهو قول أبي حنيفة. (٣)\n٣ - مقام الهدي والإرشاد: وهو الحال الذي يكون فيه قول الرسول - ﷺ - أو فعله غير مقصود به الإلزام، وإنما هو إما من باب الإجتهاد في أمر دنيوي، أو من باب الشفاعة، أو النصيحة.\nومثال الإجتهاد في تدبير الأمور الدنيوية نهيه - ﷺ - للصحابة عن تأبير الخيل. أخرج مسلم عن راع بن خديج قال: \"قدم النبي - ﷺ - المدينة، وهم يأبرون النخل. يقولون يلقحون النخل. فقال: \"ما تصنعون؟ \". قالوإ: كنّا نصنعه. قال: \"لَعَلّكم لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كانَ خَيْرًا\". فتركوه فنفضت (٤) أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له، فقال: \" إِنَّمَا أنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكم بِشَيءٍ مِن دِينكم فَخُذُوا بِه، وإِذَا أَمَرْتُكم بِشَيء مِن رَأْي فَإِنَّمَا أنَا بَشَرٌ\". (٥)\nومثال الشفاعة التي أخذ بها المشفوع لديه قصة كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبي حدرد بمال كان له عليه، وكان عاجزًا عن أداء الدين كاملًا، فتخاصما\n_________\n(١) الحاكم، أبو عبد الله محمد: المستدرك على الصحيحين في الحديث، (بيروت: دار الفكر، ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م)، ج ٣، ص ٤٢٧.\n(٢) الألباني: صحيح سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، ج ٢، ص ٥٩٤.\n(٣) انظر القرافي: الفروق، ج ١، ص ٣٣٥٩؛ وانظر وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية الكويتية: الموسوعة الفقهية، ج ٢، ص ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٤) نفضت: أي أسقطت ثمرها.\n(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب (٣٨)، ج ٤، ص ١٨٣٥ - ١٨٣٦، الحديث (٢٣٦٢).","vol":"1","page":121},{"text":"حتى علت أصواتهما في المسجد وسمعها رسول الله - ﷺ - من حجرته، فأشار على كعب ابن مالك أن يضع نصف الدين، وكان في ذلك شافعًا لعبد الله بن أَبِي حدرد، ولم بين أمره لكعب بوضِع الشطر من باب التشريع الملزم. أخرج البخاري عن عَبْد الله بْن كَعْبِ بْنِ مَالِكٌ أنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٌ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْوَد دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: \"يا\nكَعْبُ\". قَالَ: لَبَّيْكَ يا رسُولَ الله، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"قُمْ فَاقْضِهِ\". (١)\nومثال الشفاعة التي لم يأخذ بها المشفوع لديه قصة فراق بريرة لزوجها مغيث، وذلك عندما أعتقتها عائشة فخُيِّرَت بين البقاء مع زوجها أو مفارقته، فاختارت مفارقته. وقد شقّ ذلك على زوجها مغيث - وكان شديد الحبّ لها - فاستشفع بالرسول - ﷺ - فشفع له عندها، لكنها لم تأخذ بشفاعته. وما يبيِّن الفرق بين تصرَّف النبي - ﷺ - بالتشريع وتصرفه بغير التشريع أنها - ﵂ - استفسرت - قبل رد طلب الرسول - ﷺ - هل طلبه - ﷺ - من باب التشريع الملزم؟ فلا تكون لها الخِيّرة من أمرها، أم أنه غير ذلك؟ فلما أخبرها أنه مجرد شافع أصرَّت على اختيار الفراق. أخرج أبو داود عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُغِيثًا كانَ عَبْدًا فَقَالَ: يا رَسُولَ الله اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"يا بَرِيرَةُ اتَّقي الله فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ\". فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله أَتَأمُرُنِي بِذَلِكَ؟ قَالَ: \"لا، إِنَّمَا أَنَا شَافعٌ\". فَكانَ دُمُوعُهُ قَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - لِلْعَبَّاسِ: \"أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ! \". (٢)\nومن أمثلة الشفاعة التي لم يأخذ بها المشفوع لديه قصة جابر بن عبد الله لما مات أبوه في غزوة أُحُد وترك ديونًا عليه تعسَّر على جابر أداؤها، فاستشفع بالنبي - ﷺ - على غرمائه علَّهم يضعوا عنه شيئًا من ديونهم، لكنهم رفضوا، فتدخلت العناية الإلهية متمثِّلة في بركة النبي - ﷺ - فأدى كلّ الديون دون أن ينقص ذلك من ثمره شيئًا.\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) الألباني: صحيح سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في المملوكة تعتق وهي تحت حرٌّ أو عبد، ج ٢، ص ٤٢١.","vol":"1","page":122},{"text":"أخرج البخاري عن الشَّعْبيِّ قال: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله - ﵄ - أنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ فَلَمَّا حَفَرَ جِزَازُ النَّخْلِ قال أَتَيْتُ رَسُول الله - ﷺ - فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي قَدِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ دَيْنًا كَثِيرًا وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ فَقَال: \"اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ\". فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ. فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ. فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ\". فَمَا زَالَ يَكيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى الله عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤَدِّيَ الله أَمَانَةَ وَالِدِي وَلاَ أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتي بِتَمْرة فَسَلَّمَ الله الْبَيَادِرَ كلَّهَا وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كاَنَ\nعَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرةً وَاحِدَةً\". (١)\nومن تصرفاته - ﷺ - التي فهم منها بعض الصحابة- بناءً على اطلاعهم على سبب الورود - أنها لم تكن من باب التشريع وإنما كانت من باب تدبير الأمور الدنيوية، وخفي سبب الورود على بعض الصحابة فظنُّوه سنّة من السنن فالتزموه، ما أخرجه مسلم عَنْ نَافِعٍ \"أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كاَنَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً وَكاَنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالحَصْبَةِ. قال نَافِع قَدْ حَصَّبَ رَسُول الله - ﷺ - وَالخلَفَاءُ بَعْدَهُ\". (٢)\nولكن اطّلاع عائشة - ﵂ - على سبب تصرَّف النبي - ﷺ - جعلها تدرك أن نزوله - ﷺ - بالأبطح لم يكن سنًّا له، وإنما اختاره لتجميع أصحابه لكونه أنسب مكان للخروج. ولذلك قالت عائشة - ﵂ - فيما رواه البخاري: \"إِنَّمَا كاَنَ مَنْزلٌ يَنْزِلُهُ النَّبي - ﷺ - لِيَكونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِه. تعني بالأبطح\". (٣) وروى البخاري -أيضًا - عن عطاء، عن ابن عباس، قال: \"لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيءٍ إِنَّمَا هُوَ مَنزلٌ نَزَلَهُ رَسُول الله - ﷺ - \". (٤)\nومن القرائن التي تدل على أن الفعل أو القول لم يُقصد به التشريع عدم حرص\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب (١٨)، مج ٣، ج ٥، ص ٣٨.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب (٥٩)، ج ٢، ص ٩٥١، الحديث (١٣١٠).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب (١٤٨)، مج ١، ج ٢، ص ٥٤٢، الحديث (١٧٦٥).\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب (١٤٨)، مج ١، ج ٢، ص ٥٤٣، الحديث (١٧٦٦).","vol":"1","page":123},{"text":"النبي - ﷺأو الصحابة على تنفيذه.\n٤ - مقام التأديب: لَمَّا كان القصد من التأديب -في غالب الأحيان- هو زجر النفوس عن اتباع هواها، وردعها عن شهواتها، وقد تكون تلك الشهوات من القوة بحيث تحتاج النَّفس معها إلى رادع قوي، فإن المؤدِّب قد يبالغ في النهي إلى درجة التهديد والتوبيخ، ليكون ذلك أبلغ في الردع والزجر وعلى عِظَم الذنب المنهي عنه تَعْظُم وسيلةُ الزجر والتأديب.\nوهذا أسلوب يستعمله المربي والمؤدب والواعظ، ولا يقصد به- عادةً - ظاهره بقدر ما يقصد به الزجر والترهيب. ورسول الله - ﷺ - سيد المربين والمؤدبين، ومن ثم فإنه ليس بِدْعًا أن يستعمل هذا الأسلوب التربوي. وليس معنى كونه لا يقصد به ظاهره عادة أنه ليس بحق، فرسول الله - ﷺ - لا يقول إلّا حقًا وصدقًا، وإنما المقصود به أن ظاهره غير مراد بالقصد الأول، وإن قُصِد فبالتَّبَع، أما القصد الأول فهو الزجر والتخويف، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يُعدّ دعوة إلى تطبيق تلك العقوبة، ولا أمرًا بالالتزام بها، وأنها لا تحمل على إطلاقها كما سيأتي في الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الكبائر حال ارتكابها.\nومن أمثلة ذلك حديث فقء عين من اطلع على قوم من ثقب باب أو جدار دون إذنهم، فقد أهدر النبي - ﷺ - عينه لو أن أحدهم خذفها بحصاة أو طعنها بمسلة أو غير ذلك.\nأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: \"لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلعً عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُن عَلَيْكَ جُنَاح\". (١)\nوأخرج البخاري أيضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّي - ﷺ - وَمَعَ النَّبي - ﷺ - مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الإسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ، (٢) وفي رواية أخرى أنه قال: \"لَوْ\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الديات، باب (٢٣)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٦٥، الحديث (٦٩٠٢).\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الإستئذان، باب (١١)، مج ٤، ج ٧، ص ١٦٨، الحديث (٦٢٤١).","vol":"1","page":124},{"text":"أَعْلَمُ أَنْ تَنْتَظِرَنِي لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ\". (١)\nوالظاهر -والله أعلم- أن قصد الرسول - ﷺ - لم يكن تشريع عقوبة النظر من غير إذْنٍ بأن تكون فقء عين الناظر، بدليل أن رسول الله - ﷺ - لم يفقأ عين من اطَّلع عليه، وأن من اطّلع على قوم دون إذنهم بطريق تسَوُّرِ الجدار أو فتح الباب أو غيرهما لا يعاقب بذلك. فالحديث ليس أمرًا بفقء عين المطَّلِع، ولا دعوة إلى ذلك، وإنما خرج مخرج التحذير من هذا الفعل المشين وتهويله، ولكن لو أن أحدًا طبّق ذلك فعلًا فإنه لا يكون ملومًا، ولا يلومنّ المطَّلِع إلّا نفسه.\nونص الحديث نفسه يحمل من القرائن اللفظية ما يدل على ذلك، فقوله: \"ما كان عليك جناج\" تفيد أنك لست مطالبًا بفعل ذلك ولا مُرَغَّبًا فيه، ولكنك إن فعلته دفاعًا عن حرماتك فلا جناح عليك، ومثله قوله: \"فلا يلومن إلّا نفسه\"، وقوله: \"لو أعلم أن تنتظرني\".\nوقد جعل خفاءُ هذا المقام البعضَ يذهب إلى ردّ الأحاديث الواردة في هذا بحجة أنها تخالف الأصول الشرعيّة المرعيّة في القِصاص. (٢)\nومن هذا الباب الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكبي بعض الكبائز\nأخرج البخاري عَنْ أَبِي شُرَيح أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: \"والله لا يُؤْمِنُ والله لا يُؤْمِنُ والله لا يُؤْمِنُ! \" قِيلَ: وَمَنْ يا رَسُولَ الله؟ قَالَ: \"الَّذِي لا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائقَةُ. (٣)\nوأخرج البخاري أيضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي - ﷺ - لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلا يَشْرَبُ الخمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنً وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنً وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ\". (٤)\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الديات، باب (٢٣)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٦، الحديث (٦٩٠١).\n(٢) انظر ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد محيى الدين عيد الحميد، (بيروت: دار الفكر، ط ٢، ١٣٩٧ هـ / ١٩٧٧ م)، ج ٢، ص ٣٣٦.\n(٣) صحيح البخاري، كتاب الأدب، جاب (٢٩)، مج ٤، ج ٧، ص ١٠٣، الحديث (٦٠١٦).\n(٤) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب (٣٠)، مج ٢، ج ٣، ص ١٤٩، الحديث (٢٤٧٥).","vol":"1","page":125},{"text":"وأخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمَ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمَ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمَ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ\". (١)\nوأخرج مسلم عَنْ حَنَشٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ فَطَارَتْ لِي وَلأصْحَابي قِلادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا فَسَأَلْتُ فَضَالةَ بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ ثُمَّ لا تَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلا بِمِثْلٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ كاَنَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَأْخُذَنَّ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ\". (٢)\nوأخرج البخاري عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبي - ﷺ - قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعَ: \"اسْتَنْصِتِ النَّاسَ فَقَالَ: لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بعضٍ\". (٣)\nوأخرج البخاري عَنِ الحْسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يا رَسُولَ الله هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كاَنَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ\". (٤)\nفمذهب أهل السنة أن نفي الإيمان عن مرتكبي الكبائر المذكورة في الأحاديث سالفة الذكر ليست على ظاهرها في نفي مطلقْ الإيمان- بدليل أن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - وقع في بعضها ولم تخرجه عن دائرة الإيمان ولا عن دائرة الصحبة - وإنما خرجت مخرج التهديد والتوعد في مقام التأديب والنهي عن الوقوع في هذه الكبائز وقد حملها أهل السنة على نفي كمال الإيمان.\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب (٨٥)، مج ٤، ج ٧، ص ١٣٥ - ١٣٦، الحديث (٦١٣٦).\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (١٧)، ج ٣، ص ١٢١٤، الحديث (١٥٩١) (٩٢).\n(٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (٤٤)، مج ١، ج ١، ص ٤٧، الحديث (١٢١).\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (٢٣)، مج ١، ج ١، ص ١٦، الحديث (٣١).","vol":"1","page":126},{"text":"ومن هذا الباب أيضًا ما يقتضيه مقام التأديب من ترغيب وترهيب بإطلاق الأمر في الترغيب في بعض خصال الخير، وإطلاق النهي عن الإستمتاع ببعض متع الحياة الدُّنيا إلى درجة قد يبدو فيها شيء من المثالية التي يعسر على عامة الناس الإلتزام بها. والحقيقة أن أصول الشريعة جاءت بالتوسط والإعتدال، وما يبدو أحيانا من مبالغة في الترغيب أو الترهيب فإنَّما يكون باعتبار أحوال الناس المختلفة في ميلهم عن سَنَنِ الإعتدال. فمن غلب عليه الإنحلال في الدين جيء له بالتشديد في الترهيب والزجر، ومن غلب عليه الخوف جيء له بالمبالغة في الترجية والترغيب ليعود الكلّ إلى الإعتدال، وفي ذلك يقوله الإمام الشاطبي: \"فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط. فإن رأيت ميلًا جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر. فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الإنحلال في الدين. وطرف التخفيف- وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الإعتدال واضحًا. وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه\". (١)\nكما أن الأوامر والنواهي المطلقة جاءت كذلك لتناسب القدرات المختلفة للناس، فيحملها كلٌّ على حسب قدراته وطاقته، وقد وضح ذلك الشاطبي بقوله: \" ... فإن النبي - ﵊ - نهى عن أشياءَ وأمر بأشياءَ، وأطلق القول فيها إطلاقًا ليحملها المكلَّف في نفسه وفي غيره على التوسط، لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي، فجاء الأمر بمكارم الأخلاق وسائر الأمور المطلقة، والنهي عن مساوئ الأخلاق وسائر المناهي المطلقة، وقد تقدم أن المكلَّف جُعِلَ لهْ النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومُنَّتُه، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردًا من الإلتفات إلى المعاني\". (٢)\nوقد زلّت بسبب خفاء هذا المقام الدقيق بعض الفرق الخارجة عن منهج أهل السنة والجماعة، مثل الخوارج، فأخذوا هذه النصوص على ظاهرها كفروا مرتكب الكبيرة.\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٢٨.\n(٢) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١١٤.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثاني\nنماذج تطبيقية على أهمية السياق والمقام في تحديد المقصود من الخطاب الشرعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الأول\nأهمية القرائن في تحديد المقصود من الأوامر والنواهي</span>\nلما كانت صيغة الأمر تحتمل معاني كثيرة، منها: الإيجاب (١)، والندب (٢)، والإباحة (٣)، والتعجيز (٤)، والإهانة (٥)، وغيرها، فإن القصد الشرعي منها إنما يتحدّد بحسب القرائن الحالة والمقالية المقترنة بها.\n- فمثلًا قوله - ﷺ - فيما أخرجه البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبي - ﷺ - قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ\" مَرَّتَيْنِ. قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: \"إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ\". (٦)\nفقوله: \"اكلفوا\" أمر يحتمل الوجوب ومن ثَمّ وجوب تجنب كلّ عمل شاقّ على النَّفس، ويحتمل مجرد الترغيب. والقرائن مما التي حددت أن المقصود منه \"الرفق بالمكلّف خوف العنت أو الإنقطاع، لا أنّ المقصود نفس التقليل من العبادة\". (٧)\n_________\n(١) مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور: ٥٦].\n(٢) مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] حيث ذهب الجمهور إلى أن الأمر فيها للندب، وذهب آخرون إلى أنه للإيجاب. انظر في ذلك ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله: أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ج ٣، ص ١٣٧٠.\n(٣) مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١].\n(٤) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣].\n(٥) مثل قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩].\n(٦) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٤٩)، مج ١، ج ٢، ص ٦٠٦.\n(٧) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١١٣.","vol":"1","page":128},{"text":"ودلل ذلك ما أخرجه ابن ماجه عن أَبي هُرَيْرة أن رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ: \"اكلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ\". (١)\nفقوله: \"فإن خير العمل أدومه وإن قلّ\" قرينة تدلّ على أن علّة أمر الناس بأن يكلفوا من العمل ما يطيقون هو مخافة ما يمكن أن يصيبهم من عنت يؤدي بصاحبه إلى الإنقطاع، فمن كانت فيه طاقة على الإكثار من العبادات دون خشية من الإنقطاع جاز له الإكثار من ذلك.\nوكذلك النهي يَرِدُ لأغراض متعددة منها التحريم (٢)، والكراهة، (٣) والإرشاد، (٤) والدعاء، (٥) وغيرها، والذي يحدّد المقصود من النهي بعد ذلك هو ما يحفّ به من قرائن.\n- ومن أمثلة ذلك ما ورد في النهي عن الوصال، حيث روى البخاري عن أَبي\nهُرَيرةَ - ﵁ - قَالَ: نَهى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمَ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يا رَسُولَ الله. قَالَ: \"وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ\". فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلاَلَ فَقَالَ: \"لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدتُكُمْ كالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا\". (٦)\nفالنهي عن الوصال يحتمل أن يكون للتحريم، ومن ثَمّ يكون الشارع قاصدًا إلى التقليل من الصوم، ويحتمل أن يكون مجرّد ترغيبٍ القصدُ منه الرِّفق بالمكلّفين. وقد دلّت القرائن على أن المقصود هو الرفق لا التقليل من الصوم، ومن تلك القرائن وصال النبي - ﷺ -، ووصاله بالصحابة لما امتنعوا عن ترك الوصال؛ ليبيِّن لهم ما يلحق بهم من مشقَّةٍ جرّاء الوصال ويُظهرَ لهم عمليًّا الحكمة من نهيه. فعدم انتهاء الصحابة عن الوصال ما كان ليقع لولا أنهم علموا من خلال القرائن الحالية التي صاحبت نهي\n_________\n(١) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب (٢٨)، ج ٢، ص ٤٣٦، الحديث (٤٢٤٠).\n(٢) مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].\n(٣) مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧].\n(٤) مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\n(٥) مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n(٦) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٤٩)، مج ١، ج ٢، ص ٦٠٦، الحديث (١٩٦٥).","vol":"1","page":129},{"text":"النبي - ﷺ - عن ذلك أن النهي إنما كان ترفُّقًا بهم، ولو كان نهي رسول الله - ﷺ - محمولًا على حقيقته -وهي التحريم- لما واصل بهم بعد أن نهاهم؛ لأن ذلك يُعدّ تناقضًا، وحاشاه أن يقع منه ذلك. ومن ذلك أيضًا ما روي عن السلف الصالح من وصالهم مع -علمهم بالنهي، وما كان منهم ذلك إلّا لأنهم علموا أن المقصد من النهي إنما كان هو الرفق بهم، فمن وجد في نفسه قدرة فواصل فلا شيء عليه. (١) ولذلك ترجم البخاري للأحاديث الواردة في النهي عن الوصال بقوله: \"بَاب الْوِصَالِ وَمَنْ قَالَ لَيْسَ فِي اللَّيْلِ صِيَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وَنَهَى النبي - ﷺ - عَنْهُ رَحْمَةً لَهُمْ وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ وَمَا يُكرُه مِنَ التَّعَمُّقِ\". (٢)\n- ومن أمثلة ذلك النهي الوارد في المزارعة، فقد أخذه البعض -وكل رأسهم رافع بن خديج وسالم بن عبد الله بن عمر- كل ظاهره من كونه للتحريم، وفهم بعض الصحابة -وعلى رأسهم ابن عباس- من القرائن الحالية التي صاحبت النهي أن المقصد من النهي ليس التحريم وإنما هو الترغيب في المواساة بين الصحابة بأن يعود من كان له فضلُ أرضٍ على من لا أرضَ له ليستغلّها ويسدّ بها خلته. (٣)\nفهذا الصحابي الذي وقعت له الحادثة فهم من القرائن الحالية التي صاحبتها أن النهي إنما كان ترغيبًا في عدم كرائها لا نهي تحريم، فالقرائن الحالية هي التي جعلته يرجح معنى من معاني النهي على المعاني الأخرى. وكذلك روي عن ابن عباس أن\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١١٣ - ١١٤.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٤٨)، مج ١، ج ٢، ص ٦٠، تعليقًا قبل الحديث (١٩٦١).\n(٣) وذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن رافع بن خديج أنه قال: \"دعاني رسول الله - ﷺ - وقال: \"ما تصنعون بمحاقلكم؟ \" قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير. قال: \"لا تفعلوا، ازْرَعُوها، أو أَزرِعُوها، أو أمسكوها\". قال رافع: قلت سمعًا وطاعة\". صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠١.الحديث (٢٣٣٩) وانظر ما ورد في المبحث الثاني من الفصل الأول من الباب الأول من هذا المبحث. وهذا توجيه من التوجيهات لأحاديث النَّهي عن المحاقلة (كراء الأرض) تمّ انتقاؤه لمناسبته للموضوع، وهناك توجيهات أخرى منها ما ذهب إليه الإمام مالك من أن النبي - ﷺ - إنما نهى عن المحاقلة، والمحاقلة كراء الأرض بالحنطة، وذهب البعض إلى أن النَّهي إنما هو عن كراء الأرض بما ينتجه جزء منها لمَا في ذلك من غرر، أما كراؤها بالذهب والورِق وما في حكمهما فلا مانع منه لإنعدام عنصر المخاطرة. انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٦٦ - ١٦٧.","vol":"1","page":130},{"text":"النبي - ﷺ - بما لم ينه عن كراء الأرض نهي تحريم وإنما قال: \" أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئًا معلومًا\"، (١) وترجم البخاري للباب بقوله: \"باب ما كان أصحاب النبي - ﷺ - يواسي بعضم بعضًا\". (٢)\n- ومن أمثلة ذلك الأحاديث التي وردت في أنه لا حلف في الإِسلام، ومنها ما رواه مسلم أَنّ رَسُول الله - ﷺ - قال: \"لَا حِلْفَ فِي الإِسْلاَمَ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كانَ فِي الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلَّا شِدَّةً\". (٣)\nفقوله: \"لَا حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ\" يُفهم من ظاهره عموم تحريم كلّ أنواع المحالفة في الإِسلام، ولكن لما سئل أنس بن مالك عن حديث النهي هذا، أنكر هذا الفهم واستدلّ على ذلك بما شهده هو بنفسه في داره من عقد الرسول - ﷺ - حلفًا بين قريش والأنصار وهو حِلْف في الإِسلام، وذلك ما رواه مسلم عن عاصم الأحول قَالَ قيل لأَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: \"لَا حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ\"؟ فَقَالَ أنس: قَدْ حَالَفَ رسول الله - ﷺ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِه\". (٤) فهذه قرينة تدل على أن النهي ليس على عمومه، ولذلك قال النووي: \"أما المؤاخاة في الإِسلام، والمحالفة على طاعة الله، والتناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحق فهذا باقٍ لم يُنسخ، وهذا معنى قوله - ﷺ - في هذه الأحاديث: \"وَأَيُّمَا حِلْف\" كانَ فِي الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلاَمُ إِلَّا شِدَّةً\"، وأما قوله: \"لَا حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ\" فالمراد به حلف التوارث، والحلف على ما منع الشرع منه\". (٥)\n- ومن ذلك حديث النهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه: روى الإمام مالك عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ\". (٦)\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠٢، الحديث (٢٣٤٢).\n(٢) المصدر السابق، كتاب الحرث والمزارعة، باب (١٨)، مج ٢، ج ٣، ص ١٠١.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب (٥٠)، ج ٤، ص ١٩٦٠، الحديث (٢٥٣٠).\n(٤) المصدر السابق، كتاب فضائل الصحابة، باب (٥٠)، ج ٤، ص ١٩٦١، الحديث (٢٥٢٩).\n(٥) النووي، أبو شرف يحيى بن زكريا: صحيح مسلم بشرح النووي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط ٣، ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م)، ج ١٦، ص ٨٢.\n(٦) الموطأ، ح ٢، ص ٦١ - ٦٢.","vol":"1","page":131},{"text":"فظاهر الحديث حرمة خطبة المرء على خطبة أخيه مطلقًا من بداية الخطبة إلى أن يدعها، ولكن ورد في حديث آخر ما يخالف هذا، وهو ما رواه مالك عن فاطمة بنت قيس: \"أن زوجها طلقها، فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تعتدّ في بيت ابن أم مكتوم، وقال: \"إِذَا حَلَلْتِ فَآذنِينِي\". قالت: فلمَّا حللت ذكرت له أن معاوية بن أَبِي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أمَّا أبُو جَهْم فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمّا مُعَاويّة فَصعْلُوك لَا مَالَ لَهُ، انْكحِيِ أُسَامَة بن زَيْد\". قالت: فكرهته، فقال: \"انْكحِيِ أُسَامَة\"، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به\". (١)\nفدلّ إقرار الرسول - ﷺ - وفعله على أن حديث النهي ليس على إطلاقه. أما الإقرار ففي قولها: \"فذكرت له أن معاوية بن أَبِي سفيان وأبا جهم خطباني\"، فلم يعترض - ﷺ - على كون أحدهما خطبها على خطبة الآخر بل أقره، وأما الفعل فخطبته إياها لأسامة ابن زيد على خطبة كلّ من معاوية وأَبِي جهم. فدلّ هذا على أن الخطبة المنهي عنها هي التي تكون بعد ركون المرأة لخطبة الأول. كما دلّ على أن الراوي لم يبيِّن المقام الذي قيل فيه حديث النهي، كأن يكون الرسول - ﷺ - سُئِل عن رجل خطب امرأة فرضيته وإذنت في نكاحه، ثم خطبها غيره على خطبة الأول. (٢) فعدم نقل المقام الذي قيل فيه الحديث من قِبَلِ الراوي أدى إلى غموض في دلالة الحديث فاحتيج في بيانه إلى دلالة حديث آخر.\nومن فوائد معرفة المقصود بالأمر والنهي أن الأمر والنهي اللذان يُرَادُ بهما الرفق والرحمة يكونان في حكم الرخصة، إنْ وَجَدَ المكلّفُ في نفسه ضعفًا أخذ بظاهرهما وترخص، وإن وجد في نفسه قوة أخذ بالعزيمة ولم يلتفت إلى الرخص. (٣)\n_________\n(١) الموطأ، ج ٢، ص ٩٨ - ٩٩.\n(٢) انظر الشافعي: الرسالة، ص ٣٠٨.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١١٧.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الثاني\nأهمية القرائن في تحديد المقصود من صيغ العموم</span>\nتدلّ صيغ العموم على مدلولاتها من طريقين: أحدهما أصل وضعها على الإطلاق؛ أي المدلول الذي وضعت له أصالة في وضع اللسان، فمثلًا لفظ \"الناس\" في أصل وضعه يعمّ كلّ من يتّصف بصفة الإنسية، ولفظ \"الدابة\" يدلّ بأصل وضعه على كل ما يدبّ على الأرض. والثاني باعتبار الإستعمال؛ أي باعتبار ما قَصَدَ إليه المتكلم من معنى، أو بما شاع في عُرف أهل اللغة من استعمال اللفظ فيه، وإن كان مخالفًا لأصل الوضع اللغوي.\nفإذا ورد لفظ عامّ في الخطاب تردّد بين كونه مقصودًا به أصلُ الوضع اللغوي، وكونه يَحْمِل دلالة خاصّة قَصَدها المتكلّم أو جرى بها العرف اللغوي، ويكون الحكم ق توجيه اللفظ إلى المقصود منه لمقتضى الحال؛ أي ما يحفّ بالخطاب من قرائن. وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: \"وبيان ذلك هنا أنّ العرب تطلق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه، مما يدلّ عليه معنى الكلام خاصة، دون ما تدلّ عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي؛ كما أنها أيضًا تطلقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع. وكلّ ذلك مما يدل عليه مقتضى الحال، فإن المتكلّم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل بحسب الوضع نفسه وغيره، وهو لا يريد نفسه ولا يريد أنه داخل في مقتضى العموم، وكذلك قد يقصد بالعموم صنفًا مما يصلح اللفظ له في أصل الوضع، دون غيره من الأصناف، كما أنه قد يقصد ذكر البعض في لفظ العموم ومراده من ذكر البعض الجميع ... فالحاصل أن العموم إنما يُعتبر بالاستعمال، ووجوه الإستعمال كثيرة، ولكن ضابطها مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان\". (١)\nوانطلاقًا من الإعتبار الإستعمالي لصيغ العموم ذهب الشاطبي إلى أن ما اعتبره جمهور الأصوليين من تخصيص العام بالمخصصات المنفصلة مثل العقل والحس\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات،، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠ - ٢٠٢.","vol":"1","page":133},{"text":"وغيرهما لا يُعدّ في الحقيقة تخصيصًا لأن ذلك العام هو من العام الذي أريد به الخصوص؛ أي أن الشارع قاصد به معنى خاصًّا لا معناه في أصل الوضع اللغوي، وذكر أن القاعدة في اللغة أنه إذا تعارض الوضعان الإستعمالي والقياسي كان الرجحان للوضع الإستعمالي. (١)\nوالعرب قد تخاطب بالعام وتريد به الخاص، ومن أمثلة ذلك لفظ \"الناس\" فهو في أصل الوضع اللغوي عامّ يستغرق جميع ما يصلح له، فيكون شاملًا لجميع البشر ولكن العرب تطلق لفظ الناس وتعنى به بعض الناس، والذي يحدد المقصود منه هو السياق والقرائن الأخرى. (٢)\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فكلمة \"الناس\" في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ ليست على عمومها، بل المقصود بها واحد فقط، هو نعيم ابن مسعود، وقيل غير ذلك، وكلمة \"الناس\" في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ليست على عمومها، وإنما المقصود بها أبو سفيان ومن خرج معه من الكفار لقتال المسلمين في غزوة أحد فقط. (٣)\nومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] فقد قيل إن المراد بالنَّاس هنا إبراهيم - ﵇ -. (٤)\nوقد اختلف الأصوليون في العام الذي سيق لغرض هل يعمّ كلّ ما يصلح له؟ أم أنه يخص ما سيق له فقط، ولا يدخل فيه غيره إلّا بدليل آخر؟ ومثال ذلك قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠. وانظر لمزيد التفصيل في رأي الشاطبي لا تخصيص العام ومقارنته بمذهب الجمهور ما كُتِبَ في هذا المبحث عند الحديث عن حل الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص من فصل الاستقراء عند الإمام الشاطبي.\n(٢) انظر الشافعي: الرسالة، ص ٦١.\n(٣) انظر القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ٤، ص ٢٧٩ - ٢٨٠.\n(٤) انظر المصدر السابق، ج ٢، ص ٤٢٧.","vol":"1","page":134},{"text":"\"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاُء وَالْعُيُونُ العُشر، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْف العُشر\" (١) فإنه سيق لبيان المقدار الواجب في إخراج الزكاة لا لبيان الواجب فيه، (٢) فهل يستدل به على ما سيق له فقط فلا يكون حجة في إيجاب الزكاة في كلّ ما سقت السماء؟ أم أنه يكون عامًّا في كلّ ما يصلح له فيستدل به على وجوب الزكاة في الخَضْراوات، كما ذهب إليه الحنفية؟ (٣)\nومن أمثلة ذلك الإستدلال على تحديد وقت صلاة الظهر، فقد استدل الحنفية بقول أهل الكتاب: \"نَحْنُ أكثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءٌ\" في حديث البخاري عَنْ عبد الله ابْنِ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أكثَرُ عَمَلًا وَأَقَل عَطَاءٍ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ\" (٤) على كون وقت الظهر أطول من وقت العصر. واعترض عليهم الجمهور بأن سياق الحديث لم يكن لبيان أوقات الصلوات، وإنما لبيان فضل هذه الأمة على سائر الأمم سيضعف ما تقتضيه إشارة النص من كون وقت الظهر أطول من وقت العصر، خاصة وأنه قد وردت أحاديث أخرى في سياق بيان أوقات الصلوات تدلّ على خلاف ذلك، فيكون الأخذ بها أولى لأنها سيقت لخصوص ذلك، فهي أقوى. (٥)\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (١٤)، ج ٢، ص ٧٥، الحديث (٦٣٩).\n(٢) أما بيان المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الزروع، فما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس فيما دون خمس ذود (إبل) صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\". سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (٧)، ج ٢، ص ٦٩، الحديث (٦٢٦).\n(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ١٩٧، والجويني: البرهان، ج ١، ص ٣٥٤.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب (٩)، مج ٢، ج ٣، ص ٧٠، الحديث (٢٢٦٨).\n(٥) انظر ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (لاهور/ باكستان: فاران اكيدمي، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٦٧.","vol":"1","page":135},{"text":"ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]، فإنه لَمّا سِيقَ للوعيد على ترك الزكاة، لم يصح الإحتجاج به على وجوب الزكاة في قليل الذَّهب والفضة وكثيرهما.\nومن هنا يتبيَّن أن العموم يمكان أن يُخصص بالقرائن والسياق؛ لأنه بالسياق يقع تبيين المجملات، وتعيين المحتملات (١). ومن باب تخصيص العام بالسياق اللغوي تخصيصه بالإستثناء، والشرط، والغاية، والصفة\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثالث\nتخصيص الخطاب الشرعي بعادات المخاطَبين وأعرافهم</span>\nيُعدّ العرف عنصرًا من أبرز عناصر مقام الخطاب لِمَا له من سلطان على اصطلاحات الناس وتصرفاتهم، ونستطيع من خلال التعامل مع مباحثه أن ندرك بوضوح مدى اهتمام علمائنا بمراعاة مقام الخطاب الشرعي في التعرف على مقصود الشارع منه، وستتم دراسة ذلك في مسألتين:\nأولًا: جريان العادة بالعمل على خلاف عموم النص الشرعي:\nويكون ذلك في حالتين:\nالحالة الأولى: أن تكون العادة جارية بفعل معين، ثم يرد نهي شرعي عنه بلفظ متناول له ولغيره، فهل يكون النهي مقصورًا على ذلك الفعل المتعارف عليه؟ أم يعمّه هو وغيره مما يشمله اللفظ؟ ومثال ذلك لو قال الشارع: حرمت عليكم الطَّعام، وكان عادتهم تناولهم جنسًا من الطَّعام فهل يقتصر بالنهي على ذلك الجنس من الطَّعام، أم يعمّ كلّ أجناس الطَّعام المعتاد لديهم وغير المعتاد؟\n_________\n(١) الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٨٠ - ٣٨١.\n(٢) انظر مثلًا في حكم التخصيص بهذه المخصصات الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٦٥ - ٧٠؛ الرازي: المحصول، ج ٣، ص ٢٧ - ٦٩؛ أبو الحسين البصري، محمد بن علي: المعتمد في أصول الفقه، قدم له وضبطه الشيخ خليل الميت، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م)، ج ١، ص ٢٣٩ - ٢٥٢.","vol":"1","page":136},{"text":"ذهب الجمهور إلى أن عادة المخاطبين (العرف العملي) لا تخصص المقصود من الخطاب الشرعي، واستدلوا على ذلك بأن الحجَّةَ في لفظ الشارع وهو عائمٌّ، وأن ألفاظ الشارع غير مبنيّة على عادة الناس في معاملاتهم، والعادة ليست بحجة حتى تكون معارضة للنص الشرعي، بل إن الشرع إنما جاء مغيِّرًا للعادات.\nولكن عادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم فيمكن أن تكون العادة العملية (العرف العملي) مخصصة لخطابهم فيما بينهم. (١)\nالحالة الثانية: أن يكون الشارع قد أوجب شيئًا أو نهي عنه أو أخبر به بلفظ عامّ، ثم رأينا العادة جاريّة بالعمل ببعض ما يشمله ذلك العام دون الباقي، فهل يُعدّ ذلك تخصيصًا للعامّ؟ بحيث يكون المقصود من العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه أو بفعله، أم أن ذلك غير معتبر ويبقى العامّ على عمومه؟\nوفي المسألة تفصيل على النحو الآتي:\n١ - إذا عُلِم أن العادة إنما جرت بهذا بعد زمن النبي - ﷺ - فإنها لا تُعدّ تخصيصًا لعموم ذلك النص؛ لأن الشرع إنما جاء لنقل الناس عن عاداتهم- إلَّا أن يقع على ذلك إجماع فيصير من باب تخصيص النص بالإجماع- (٢) ولأن العادة التي تمثل عنصرًا من الواقع الإجتماعي الذي جاء الشرع لإصلاحه، والتي يكون لها تأثير في موقف الشرع ويمكن أن يُستعان بها في فهم الخطاب باعتبارها جزءًا منه إنما هي التي كانت موجودة زمن التشريع، وما طرأ بعد انقطاع الوحي لا يُعدّ من ذلك. وكذلك إذا كانت العادة جارية في زمن الرسول - ﷺ - وعَلِم بها فأبطلها، أو ثبت قطعًا أنه لم يعلم بها، وكانت مخالفة لعموم النص فإنها لا يُعْتَدُّ بها في التخصيص.\n٣ - إذا عُلِم جريان العادة في زمن النبي - ﷺ - مع علمه بها وعدم نهيه عنها فإنها\n_________\n(١) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢؛ القرافي، أحمد بن أدريس: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول من الأصول، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، ط ٢، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م)، ص ٢١٢ - ٢١٣؛ والزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٢) انظر الزَّركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١، ٣٩٤ - ٣٩٦.","vol":"1","page":137},{"text":"يمكن أن تكون مخصِّصًا (١)، سواء اعتُبِر ذلك من باب التخصيص بعادة المخاطَبين، أو اعتُبِر المخصص هو إقرار النبي - ﷺ -، إذْ إقراره - ﷺ - دليل على أن عادة المخاطَبين لها اعتبار في تفسير نصوص الشارع.\nومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الإمام الشافعي من أن المقصود بالطيبات والخبائث في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] هو ما تعارفت العرب على كونه طيبًا أو خبيثًا، ومن ثَمّ يحرم كلّ ما كانت تعتبره العرب خبيثًا، ويحلّ كلّ ما كانت تعتبره طيبًا إلّا ما استثناه نص من القرآن الكريم أو السنّة النبوية.\nقال الشافعي في تفسير هذه الآية: \"فيقال: يحل لهم الطيبات عندهم، ويحرم عليهم الخبائث عندهم\". (٢)\nوقال في موضع آخر: \"وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها (٣)، وهم العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام. وكانوا يكرهون من خبيث المآكل ما لا يكرهها غيرهم\". (٤)\nوقال: \"فكلّ ما سئلت عنه، مما ليس فيه نص تحريم ولا تحليل من ذوات الأرواح، فانظر هل كانت العرب تأكله؟ فإن كانت تأكله ولم يكن فيه نص تحريم، فَأَحِلَّه، فإنه داخل في جملة الحلال والطيبات عندهم، لأنهم كانوا يحلون ما يستطيبون. وما لم تكن تأكله، تحريمًا له باستقداره فحرِّمه لأنه داخل في معنى الخبائث، خارج من معنى ما أحل لهم مما كانوا يأكلون، وداخل في معنى الخبائث التي\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩١؛ الرازي: المحصول، ج ٣، ص ١٣٢.\n(٢) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٨٤.\n(٣) هكذا وردت عبارة الشافعي.\n(٤) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٨٩.","vol":"1","page":138},{"text":"حرموا على أنفسهم، فأثبت عليهم تحريمها\". (١)\nثانيًا: العرف اللغوي:\nوهو أن يتعارف أهل اللسان على حمل لفظ عام على بعض أنواعه، ثم يرد اللفظ في نص شرعي بصيغة العموم، فهل يُعدّ ذلك العرف تخصيصًا حتى لا مجري الأمر أو النهي إلّا في الدلالة العرفية؟ أم أن العبرة بعموم اللفظ فيعمّ كلّ ما يطلق عليه اللفظ بأصل الوضع اللغوي إلّا أن يرد دليل آخر بتخصيصه؟ وذلك مثل لفظ الدابة يدلّ بأصل الوضع اللغوي على كلّ ما يدبّ على الأرض، ويحمل عادة على ذوات الأربع فقط، أو على نوع بعينه من الدواب. (٢)\nاختلف الأصوليون في ذلك، فذهب أبو بكر الصَّيْرفيُّ إلى أن العبرة \"بعموم اللسان، ولا اعتبار بعموم ذلك الإسم على ما اعتادوه، لأن الخطاب إنما يقع بلسان العرب على حقيقة لغتها ... فالحكم للإسم حتى يأتي دليل على التخصيص\". (٣)\nوذهب الجمهور إلى أنه يخصصه، (٤) لكون دلالة العرف مقدَّمة على دلالة اللغة؛ لأن العوائد اللفظية ناقلة للغة ومعارضة لها، فهي ناسخة للغة، والناسخ مُقدَّم على المنسوخ. (٥) ويرى أبو الحسين البصري أن هذا التخصيص ليس من باب التخصيص بمعناه الشرعي، وإنما هو تخصيص بالنسبة لِلُّغَة. (٦)\nويشترط في العرف اللغوي المخصِّص أنما يكون مستمرًّا وصل حَدَّ النقل بين أهل اللغة. يقول الإمام الشاطبي: \"لا بُدّ في فهم الشريعة من أتباع معهود الأميين -\n_________\n(١) الشافعي: الأم، ج ٢، ص ٣٩٠.\n(٢) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢.\n(٣) الزَّركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٣. وهو مذهب الجويني -كما يفهم من كلامه- حيث يقول: \"فمجرد العرف لا يقضي تخصيصًا؛ فإن القضايا متلقاة من الألفاظ، وتواضُعُ الناس عبارات لا يغيّر وضع اللغات ومقتضى العبارات. فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم. قلنا: فليفهموا من اللفظ مقتضاه، لا ما تواضعوا عليه\". البرهان، ج ١، ص ٢٩٧.\n(٤) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ٥٢؛ والزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٤ - ٣٩٦.\n(٥) انظر القرافي: شرح تنقيح الفصول، ص ٢١٢.\n(٦) انظر أبو الحسين البصري: المعتمد في أصول الفقه، ج ١، ص ٢٧٩.","vol":"1","page":139},{"text":"وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمرّ فلا يصحّ العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثَمّ عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه\". (١)\nوينبغي التنبيه هنا على أن العرف اللغوي الذي يمكن أن يكون مخصِّصًا هو العرف السابق أو المقارن لزمن التشريع، أما العرف الطارئ بعد ذلك فلا تأثير له في تخصيص أو تغيير دلالة نصوص الشارع. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الرابع\nتخصيص العام بقول الصحابي</span>\nاختلف العلماء في جواز تخصيص عموم الحديث بقوله الصحابي -سواء كان هو الراوي أو غيره- بين مجيز ومانع. وليس هذا موضع التفصيل في المسألة، وإنما الذي له صلة بموضوع المبحث هو مستند القائلين بجواز التخصيص، حيث احتجوا بأن عدالة الصحابة متَّفقٌ عليها، ومن مقتضى العدالة أن لا يعمد الصحابي إلى مخالفة ظاهر حديث رواه هو أو غيره إلّا لكونه اطلع على قرائن حاليّة أو مقالية فهم منها تخصيص الحديث أو نسخه، أو كون الأمر فيه لغير الإلزام، وخاصة إذا كان هو الراوي؛ إذ الراوي يشاهد من القرائن ما لا يشاهده غيره.\nومع تسليم المخالفين بإمكان ذلك إلَّا أنهم أثاروا من الإحتمالات ما يوهن ذلك: كأن يكون الأمر اجتهادًا من الصحابي في الفهم بناءً على دليل لو ظهر لغيره لخالفه فيه، وعدم عصمة الصحابي تجعل خطأه في الفهم محتملًا، خاصة إذا لم يكن فقيهًا، ولأنه لو بَدَا له من القرائن ما يفيد ذلك الفهم لبيّنه دفعًا للشبهة. (٣)\nوالأَوْلى التأكد من جملة أمور قبل الحكم، وهي: التحقُّق من عدم نسيانه للخبر\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٦٢؛ وانظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ١٣٤.\n(٢) انظر القرافي: شرح تنقيح الفصول، ص ٢١١.\n(٣) انظر في تفصيل المسألة الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٨ - ٤٠٢؛ والرازي: المحصول، ج ٣، ص ١٢٦ - ١٢٩.","vol":"1","page":140},{"text":"الذي رواه، وعدم مخالفته لخبر آخر لم يروه، أو ظهر أنه لم يحط بمعناه لفوات بعض ملابسات الحادث عنه أو غير ذلك من أسباب عدم الإحاطة بمعناه، (١) فإذا تحققنا من عدم وجود واحد من هذه الإحتمالات لم يبق إلّا أنه خالف الحديث لقرينة اطلع عليها تفيد ذلك، وهنا يجب المصير إلى قوله.\nومثال ما خالف فيه الصحابي رواية غيره حديث أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةُ\". (٢)\nوحديث عليِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"قَدْ عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الخيْلِ وَالرَّقِيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا وَلَيْسَ فِي تسْعِينَ وَمِائَةٍ شيءٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خمسَةُ دَرَاهِمَ\". (٣)\nفقد روي عن ابن عباس تخصيص الخيل بما يُغْزى عليه في سبيل الله، وعن عثمان وعمر تخصيصه بالسائمة. (٤)\nومثال ما خالف فيه الصحابي عموم ما رواه هو بنفسه، حديث ابن عباس لما\nبلغه أن عليًّا - ﵁ - أُتِي بزنادقة فأحرقهم، فقال: \"لو كنت أنا لم أحرقهم تنبيه رسول الله - ﷺ - \"لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله\" ولقتلتهم لقول رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\". (٥) ثم روي عنه أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، وإنما تحبس إلى أن تتوب أو يوافيها الأجل. (٦) فالحديث عامّ في قتل من بدّل دينه -رجلًا كان أم امرأة- ولكنه خصّه بالرجال دون النساء.\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٤٠١؛ والجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٢) سنن النسائي، كتاب الزكاة، باب زكاة الرقيق، ج ٥، ص ٣٦.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (٣)، ج ٢، ص ٦٥ - ٦٦.\n(٤) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ٣٩٨\n(٥) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب (٢)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٧٢.\n(٦) انظر البيهقي: السنن الكبرى، باب قتل من ارتد عن الإِسلام إذا ثبت عليه رجلًا كان أو امرأة، ج ٨، ص ٢٠٣.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الخامس\nأهمية السياق في تحديد المقصود من النص</span>\nقد يكون للكلمة أكثرمن معنى لغوي، ويكون المحدِّد للمعنى المقصود في النص هو السياق. ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. فقد ذهب البعض إلى أن كلمة \"خليلًا\" هنا من الخَلة وهي الفقر بمعنى أن الله تعالى جعل إبراهيم فقيرًا إليه، واستدلوا على ذلك بقول زهير بن أبي سلمى:\nوإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائبٌ مَالي ولا حَرَمُ (١)\nوما ذهبوا إليه صحيح لغة، فخليل مشتقة من الخَلّة، ولكن للخلة معنى ثان وهو الصحبة، ولما كان السيّاق سيّاق امتنان على إبراهيم - ﵇ - وإظهار لفضله، لم يكن افتقار إبراهيم إلى الله تعالى مزية، إذْ كلّ العباد فقراء إليه تعالى، وصار هذا المعنى مُستبعَدًا لعدم اتفاقه مع السياق، وتعيّن أن المعنى المقصود من باب ما يقال عن موسى إنه كليم الله، وعن عيسى إنه روح الله، وليس من باب الإفتقار. (٢)\n_________\n(١) ديوان زهير بن أبي سلمى، ص ٩١. ومعنى لا حرم: أي غير ممنوع مالي عنك.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٩٤.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الرابع\nاستخلاص المقاصد من خلال معرفة علل الأحكام الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>تمهيد</span>\nجعل الإمام الشاطبي الجهة الثانية من الجهات التي تُعرف بها مقاصد الشارع اعتبار علل الأحكام، (١) حيث إنه إذا ثبت أن الشارع قد شرع حكمًا لعلة من العلل وربطه بها وجودًا وعدمًا فإنه يفهم من ذلك أنه قاصد إلى اعتبار ذلك الحكم في كل- واقعة توفرت فيها تلك العلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يمكن أن تُتّخَذَ الطرقُ التي تعرف بها العلة (مسالك العلة) مسالك للتعرف على المقاصد الشرعية. ولكن عند النظر في تلك المسالك يتبيّن أنها لا تصلح جميعها لأن تكون مسالك للكشف عن مقاصد الشريعة، والبعض منها يصلح أن يكون كاشفًا عن المقاصد الشرعية لكن بطريقة في الإستدلال تختلف عن تلك المسلوكة في الكشف عن العلة. ومردّ ذلك إلى ما بين العلل والمقاصد من أوجه التشابه والإختلاف، فحيث تتشابه العلة مع المقصد؛ أي حينما تكون العلة هي نفسها الحِكْمة المقصودة من تشريع الحُكم تستوي المسالك، وحيث تكون العلة مجرّد وصف ظاهر منضبط ضابط لحِكْمة أو مظنّة لها فإن المسالك تختلف، أو على الأقل تختلف طريقة الإستدلال ببعض المسالك. وقبل الحديث عن تلك المسالك ومدى إمكانية الإستدلال بها على المقاصد يستحسن الحديث بإيجاز عن فكرة تعليل الأحكام ذاتها وعلاقتها بالكشف عن المقاصد. وبناء على ذلك سيكون هذا الفصل في مبحثين: الأول منهما في تعليل الأحكام الشرعية وعلاقته بالكشف عن مقاصد الشارع، والثاني في مسالك العلة ووظيفتها في الكشف عن مقاصد الشارع.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٩٩.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المبحث الأول\nتعليل الأحكام الشرعية وعلاقته بالكشف عن مقاصد الشريعة</span>\nتبيّن من خلال تعريف المقاصد أنها الغايات والحِكم التي وُضِعَت الشريعةُ لتحقيقها لمصلحة العباد في الدنيا والآخرة. كما تبيّن عند الحديث عن العلاقة بين المقاصد والعلل، أن المقاصد قد تكون هي العلل ذاتها، وذلك عند كون العلة مرادفة للحِكمة، وقد تكون غيرها عند كون العلة مجرد وصف ظاهر منضبط نُصِبَ مكان الحِكْمة؛ لكونه عادة ضابطًا لها ومظنة تحقُّقِها. وعلى ذلك يمثِّل التعليلُ -سواء بمعناه العام أو الخاص- أساسَ القولِ بالمقاصد، فلا يمكن القول بوجود مقاصد للشارع الحكيم من شرعه للأحكام الشرعية إلّا مع القول بكون أحكامه معللة. ولذلك نجد الإمام الشاطبي افتتح الجزء المخصص للمقاصد من كتابه الموافقات بالحديث عن مسألة تعليل الأحكام، وإن كان ذلك باختصار مقتضب، إلّا أنه في تقرير صارم بالقطع بجريان التعليل في جميع تفاصيل الشريعة، (١) ومقصوده بجريان التعليل في كلّ تفاصيل الشريعة كونُها إنما وُضِعَت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وليس بمعنى التعليل القياسي كما سيأتي بيانه.\nويهدف هذا الإستعراض الموجز لمسألة تعليل الأحكام الشرعية إلى هدفين:\nالأول: بيان أن النزاع فيها مسألة كلامية لا رواج لها في الواقع العملي بين الفقهاء والأصوليين باستثناء الظاهرية، وأن تحرير محلّ النزاع فيها يكشف عن أن الكل متَّفقٌ على وجود التعليل الذي هو بمعنى وجود حِكَم ومقاصد للأحكام الشرعية.\nالثاني: تحرير القول في ما شاع من أن الأصل في العبادات التعبُّد وعدم التعليل، وما ينشأ عن ذلك من إشكال في الجمع بينه وبين القول بأنّ لكل حكم شرعي حِكْمة ومقصد.\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤ - ٥.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الأول\nالتعليل بين القائلين به والرافضين له</span>\nاختلف قول المتكلمين في التعليل على ثلاثة مذاهب: (١) مذهب المعتزلة الذين قالوا بوجوب تعليل أحدًا الله تعالى وأفعاله، والماتريدية الذين قالوا بتعليلها بمصالح العباد، لكن لا على سبيل الوجوب، بل على سبيل التفضل والإحسان، والأشاعرة الذين رفضوا القول بفكرة التعليل كما هو مذهبهم في إنكار التحسين والتقبيح العقليين. ولإعطاء خلاصة عن هذه الموضوع أترك المجال للشيخ محمد الطاهر بن عاشور حيث يقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\n\"وفي هذه الآية فائدتان: الأولى أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس، وفي هذا تعليل للخلق، وبيان لخمرته وفائدته، فتثار عنه مسألة تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض. والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافًا يشبه أن يكون لفظيّا، فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار وعلى وفق علمه، (٢) وأن جميعها مشتمل على حِكَم ومصالح، وأن تلك الحِكَم هي ثمرات لأفعاله تعالى ناشئة عن حصول الفعل فهي لأجل حصولها عند الفعل تثمر غايات، هذا كله لا خلاف فيه. وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضًا وعللًا غائية أم لا؟ فأثبت ذلك جماعة استدلالًا بما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومنع من ذلك أصحاب الأشعري فيما عزاه إليهم الفخر في التفسير مستدلين بأن الذي يفعل لغرض يلزم أن يكون مستفيدًا من غرضه ذلك ضرورةَ أن وجود ذلك الغرض أولى\nبالقياس إليه من عدمه، فيكون مستفيدًا من تلك الأولوية ويلزم من كون ذلك\n_________\n(١) انظر تفصيل ذلك في: الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٧٢ - ١٩٦؛\n(٢) وفي هذا نفي للعلة الغائية عند الفلاسفة التي تقضي بوجوب ترتب المعلول على العلة بغض النظر عن مدى تعلق ذلك بإرادة الخالق ﷾ واختياره. انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٧٩.","vol":"1","page":145},{"text":"الغرض سببًا في فعله أن يكون هو ناقصًا في فاعليته محتاجًا إلى حصول السبب. وقد أُجِيب بأن لزوم الإستفادة والإستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل، وأما إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فلا\". (١)\nهذه خلاصة لآراء المتكلمين في مسألة تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، وتحرير لمحل النزاع. فالكلُّ متَّفقٌ على رفض التعليل بالمعنى الفلسفي الذي يؤول إلى سلب الذّات الإلهية صفة الإرادة، والكل متَّفقٌ على أن أفعال الله تعالى -ومنها أحكامه- مشتملة على حِكَم ومقاصد وهو المعنى بالدرجة الأولى في هذا المبحث، وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضًا وعللًا أم لا. فأثبت المعتزلة وصفها بذلك، وهو فرع قولهم بالتحسين والتقبيح الذاتيين، ورفض الأشاعرة ذلك مطلقًا، وتوسط الماتريدية فقالوا بأنها معللة، لكن تفضلًا من الله تعالى لا على الوجوب كما هو رأي المعتزلة.\nوقد في ابن عاشور على الأشاعرة ما ينتج عن موقفهم من تناقض؛ حيث إنهم يسلمون بأن \"أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحِكمة ويمنعون أن تكون تلك الحِكَم عللًا وأغراضًا مع أن ثمرة فعل الفاعل العالم بكل شيء لا تخلو من أن تكون غرضًا؛ لأنها تكون داعيًّا للفعل ضرورةَ تحقق علم الفاعل وإراداته\". (٢) ووصف دليلهم على منع التعليل بأنه \"يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين: أولاهما قولهم إنه لو كان الفعل لغرض لَلَزِمَ أن يكون الفاعل مستكملًا به، وهذا سفسطة شُبِّه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل والراجع إلى ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه. الثانية قولهم إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سببًا يقتضي عجز الفاعل، وهذا شُبِّه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العلم، وكلاهما يطلق عليه سبب\". (٣)\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير، ج ١، ص ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(٢) المصدر السابق، ج ١، ص ٣٨٠.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور، ج ١، ص ٣٨٠.","vol":"1","page":146},{"text":"كما يتبيَّن مما سبق أن النزاع في مسألة التعليل قضية كلامية في أساسها، جلبها المتكلمون معهم إلى ميدان الأصول. ولذلك نجدها لا تصمد كثيرًا في مجال الفقه وأصوله، حيث نجد الكلَّ يقول بالتعليل -باستثناء الظاهرية- لأنهم جميعًا يقولون بالقياس، والقياس مبناه على التعليل، فالقول بالقياس قولٌ بالتعليل.\nويبدو أن القول بتعليل الأحكام الشرعية شائع ومألوف بين الفقهاء إلى درجة أن ادعى فيه البعض الإجماع، ومن ذلك قوله الآمدي: \"أئمة الفقه مجمعة أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود\". (١) وقول القرطبي: \"لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قُصِد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية\". (٢)\nوبغض النظر عن مدى صحة انعقاد هذا الإجماع، (٣) فإن هذا يدلّ على شيوع التعليل بين الفقهاء والأصوليين وتقرُّرِه، وأن ما شاع حوله من خلاف بين المتكلمين لا يكاد يوجد له أثر بينهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الثاني\nتعليل العبادات</span>\nقد يقول قائل: ما دام هذا هو موقف الفقهاء والأصوليين من تعليل الأحكام، أَلا يكون هذا معارضًا لما تقرر عندهم من أن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل. فكيف يكون الأصل في العبادات عدم التعليل مع القول بأن أحدًا الله تعالى كلها -بما فيها العبادات- إنما شرعت لحِكَم ومقاصد، ظهر منها ما ظهر، وخفي منها ما خفي، ومع ملاحظة ما ورد في القرآن الكريم والسنة\n_________\n(١) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٦.\n(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ٢، ص ٦٣ - ٦٤.\n(٣) أنكر ابن السبكي هذا الإجماع بقوله: \"وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن الأحكام مشروعة لمصالح العباد ... وهذه الدعوى باطلة، لأن المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام، لا بطريق الوجوب ولا الجواز\". (انظر الإبهاج في شرح المنهاج، ج ٣، ص ٦٢. ويقصد بالمتكلمين هنا الأشاعرة. وقد ذهب البعض إلى أن هذا الإجماع خاص بالفقهاء، ولا دخل للمتكلمين فيه، وذلك قول الآمدي: \"أئمة الفقه مجمعة أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود\". الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٦.","vol":"1","page":147},{"text":"النبوية من تصريح بتعليل كثير من العبادات؟ (١)\nوحل هذا الإشكال يكون في النقاط الآتية:\nأولًا: التَّفريق بين مستويات التعليل:\nبداية لابُدّ من التفريق بين ثلاثة أنواع من التعليل:\nالنوع الأول: التعليل الفلسفي الذي اشتهر بين الفلاسفة والمتكلمين بالعلة الغائية، وهو -كما سبقت الإشارة إليه في كلام ابن عاشور- مرفوض في أساسه من قِبَل كل علماء المسلمين. وحتى المعتزلة الذين شَطُّوا في عباراتهم بإيجاب فعل الأصلح على الله تعالى، والقول بوجوب التعليل، لم يقصدوا التعليل الفلسفي الذي يسلب الإرادة عن الذات الإلهية.\nوينبغي التنبيه هنا على أن الذي دفع منكري التعليل -الأشاعرة على الخصوص- إلى موقفهم ذلك هو خوف الوقوع في هذا المحذور؛ لأنهم رأوا أن القول بالتعليل مدخل إلى الوقوع في القول بالعلة الغائية والقولِ بالتحسين والتقبيح الذاتيين.\nالنوع الثاني: التعليل بمعناه العام، وهو أن لكل حُكم من الأحكام الشرعية حِكْمة أو مقصد قصد الشارع إلى تحقيقه للناس من وراء ذلك الحُكم، وهذا النوع من التعليل يُعدّ فرعَ اتصاف الله تعالى بالحِكْمة واللطف والتنزّه عن العبث. وهذا هو النوع الذي يُحْمَل عليه قول القرطبي: إنه لا ينبغي أن يختلف فيه العقلاء، وهو الذي ادُّعيَ فيه الإجماع. ومعنى العلة هنا لا يقتصر على معناها الإصطلاحي عند الأصوليين، بل يُرَاد به المعنى العام الذي يشمل الحِكْمة والثمرة من تشريع الحُكم الشرعي وتطبيقه.\n_________\n(١) انظر ما كتبه أحمد الريسوني حول كون القرآن الكريم والسنة النبوية قد وردا بتعليل كثير من العبادات، وأن الذين قالوا بأن الأصل في العبادات عدم التعليل قد عللوا هم أنفسهم كثيرًا منها، وأن في هذا ما فيه من تشكيك في هذه القاعدة. انظر الريسوني، أحمد: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، (الرياض: الدار العالمية للكتاب الإِسلامي، ط ٢، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م)، ص ٢٠٧ - ٢٥٤.","vol":"1","page":148},{"text":"النوع الثالث: التعليل بمعناه الخاص، وهو التعليل القياسي عند الأصوليين؛ أي وجود علة صالحة لأن تُتخذ أساسًا للقياس، مع إمكان التعرف عليها بمسلك من مسالك العلة المذكورة عندهم. وهذا النوع من التعليل محلّ اتفاق بين القائلين بالقياس، وهو الذي يقع فيه التَّفريق بين العبادات والمعاملات، وسيأتي بيانه فيما بعد.\nثانيًا: خفاء علل كثير من العبادات:\nفالأحكام الشرعية غير العبادات معللة ومعقولة المعنى إلّا ما ندر، أما العبادات، فمع الإقرار بكونها إنما شُرعت لحِكَم ومقاصد أرادها الشارع الحكيم، إلّا أنّ كثيرًا منها مما يخفى على العقول معناه. (١) فربما من هذا الباب نسبت إلى عدم التعليل. ولكن ينبغي التنبيه هنا على أن عدم معرفة الشيء والإطلاع عليه لا يعني عدمه، فعدم إدراكنا لحِكَم وعلل بعض الأحكام لا يعني كونها غير معللة، بل ذلك إما لقصور عقولنا، أو لحِكْمة أرادها الله تعالى من حجب ذلك العلم عنا.\nثالثًا: مقصود الأصوليين والفقهاء من قاعدة التعليل في العبادات والمعاملات:\nلعل التعبير بأن الأصل في العبادات عدم التعليل، والأصل في المعاملات التعليل، تعبير غير دقيق، (٢) وأن الأدق والأضبط هو ما ذهب إليه الشاطبي من أن \"الأصل في العبادات بالنسمبة إلى المكلف التعبد، دون الإلتفات إلى المعاني. والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني\". (٣)\nوقد تضمنت قاعدة الشاطبي هذه ثلاثة عناصر كفيلة بتجلية الغموض الذي يكتنف مسألة التعليل في العبادات ويرفع النزاع حولها.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ١٤٧.\n(٢) هذا إذا أخذنا التعليل بمعناه العام، لأن عددًا كبيرًا من العبادات قد ورد معللًا. انظر في ذلك ما كتبه أحمد الريسوني في كتابه: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ص ٢٠٧ - ٢٣٨.أما إذا أخذنا التعليل هنا بمعناه الخاص؛ أي التعليل القياسي، فإن القاعدة يمكن أن تبقى سليمة كما سيأتي بيانه.\n(٣) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٢٨.","vol":"1","page":149},{"text":"أولها: تقييد هذه القاعدة بكلمة \"الأصل\" أي القاعدة العامة، ومعنى ذلك أنه قدى توجد استثناءات سواء في مجال العبادات، أو في مجال العادات، وأنه لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الإستثناء سببًا لنقض القاعدة العامة.\nوثانيها: نسبة الأمر إلى المكلف لا إلى الشارع؛ أي أن كون بعض العبادات غير ظاهرة العلل إنما هو بالنسبة للمكلَّف، أما الشارع فإنه لم يشرع حُكْمًا إلَّا لحِكْمة ومقصد سام، ظهر منها ما ظهر للمكلفين، وخفي منها ما خفي.\nوثالثها: توجيه القاعدة إلى الإلتفات عند العمل، لا إلى أصل الوضع؛ أي أن الأحكام- عبادات كانت أو معاملات- بالنسبة لله تعالى؛ أي في أصل وضعها، معللة، ولم تُشْرع إلَّا لحِكَم ومقاصد من غير تفريق. أما بالنسبة للمكلفين فهم مطالبون بالتفريق بين العبادات والعادات من حيث ما يُبْنَى عليه العمل. فهم مطالبون في العبادات بالإلتفات إلى جانب التعبد؛ أي تحقيق العبودية لله تعالى بالالتزام بتلك العبادات، بغض النظر عن عللها، عُرفت أم لم تُعرف، عُلِم تحقُّقُها من القيام بتلك العبادات أم لم يُعْلَم. فالعبادات قائمة على أساسين: الأول أنها توقيفية، بمعنى أنه لا يُقْدَمُ عليها إلّا بإذن، فلا يمكن الزيادة عليها بحجة أن ما يزاد يحقق نفس العلة التي شُرِعت من أجلها عبادة من العبادات، كما لا يجوز الإنقاص منها أو تركها بحجة أنها لم تتوفر علتها أو أنها لم تحقق الحكمة منها. فليس لقائل -مثلًا- أن يقول إن فلانًا لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ومن ثَمّ لا\nيجب عليه الإلتزام بها. والثاني أنها قائمة على الابتلاء، والابتلاء يقتضي تنفيذ كلّ ما جاء من الشارع الحكيم دون تردُّد ولا اعتراض.\nهذا في العبادات، أما في العادات فإن الإلتفات يكون إلى المعاني، وذلك بالبحث عن العلل وإجراء الأحكام على وفقها. لأن العادات هي مَبْنَى أمور الحياة الدنيا، وأمور الحياة تقوم على التدبير القائم على فهم وإدراك المقاصد والعلل، ويمكن الزيادة في المعاملات ما أمكن، ما لم تخالف ما جاء به الشرع، لأن الأصل في العادات الإذن حتى يدلّ الدليل على خلافه. (١)\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢١١.","vol":"1","page":150},{"text":"ثم إن التعليل المنفي في العبادات ليس هو مطلق التعليل، أي التعليل بمعناه العام، فهذا متفق عليه بين الفقهاء، وإنما المنفي هو التعليل القياسي. فالقول بعدم تعليل العبادات موجَّه أساسًا إلى إنكار خضوعها للقياس؛ فالذي ينكر -مثلًا- جواز إخراج قيمة الشاة في الزكاة بناءً على كون العبادات غير معللة، ليس معناه أنه ينكر كون الزكاة شرعت لتحقيق حِكَم ومقاصد. فهو لا ينكر مطلق التعليل، وإنما يرى أن المقدار والصنف الذي يخرج على وجه الزكاة عبادة توقيفية لا يجوز تخطيها، وأن الشارع ما خصها بالتشريع إلّا لكونها محققة للحِكْمة التي قصدها من الزكاة.\nوقد أشار الشاطبي إلى هذا عند تفسيره لمعنى التعبد عند الفقهاء حيث قال: \"ومعنى التعبد عندهم أنه ما لا يعقل معناه على الخصوص\" (١)، أي أن التعبد نفي العلل الخاصة التي تصلح أن تكون أساسًا للقياس، لا نفي التعليل بمعناه العام الذي لا يخلو منه حُكْم شرعي. (٢)\nوينبغي الإشارة إلى أنه حتى مع القول بالتعليل في العبادات استنادًا إلى ما نص عليه القرآن الكريم والسنة النبوية من حِكَم ومقاصد لتلك العبادات فإن القول بالتعليل فيها يلاحظ عليه أمران:\nالأول: أنه باستثناء ما نص عليه الشارع من علل وحِكَم لِمَا شرع من عبادات، فإن ما اجتهد فيه الباحثون عن أسرار التشريع يبقى أمرًا مظنونًا ومجرد تخمين، وقد أدت المبالغة في ذلك بالبعض إلى المجيء بالغرائب، ومن هذا المنطلق جاءت كراهية البعض للمبالغة في المبحث عن تلك الأسرار.\nالثاني: أنه مع التسليم بالقول بتعليل كثير من العبادات، فإن هذا التعليل لا يُغْني في عملية الإجتهاد الفقهي في استنباط الأحكام الشرعية؛ فمع التسليم -مثلًا- بتعليل فرض الصلاة عمومًا وأجزائها من ركوع وسجود خصوصًا بما ذكره العلماء\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٤١.\n(٢) وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على كلام الشاطبي المذكور. انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢٤٠، هامش رقم (٣).","vol":"1","page":151},{"text":"من حِكَم وأسرار، فإن ذلك يبقى لمجرد تعرف على ما ينتج عن الصلاة من فوائد، وما تحققه من مقاصد، ولا يمكن اعتبار تلك الحِكَم والأسرار \"العلل القياسية\" التي من أجلها شرعت الصلاة. فمع معرفة تلك الحِكَم والأسرار -التي هي في حقيقتها ثمرات الإلتزام بتلك العبادات- يبقى السؤال: ما علة تخصيص هذا النوع من العبادات بالذات وبهذه الكيفيات المحددة لتحقيق هذه الأسرار والحِكَم؟ ولماذا لم يُشرع غيرها وبكيفيات غير الكيفيات المعروفة؟ وهذه هي العلة القياسية التي إذا استطعنا أن نعرفها، نستطيع بعد ذلك أن نقيس عليها غيرها من العبادات. وعدم معرفة مثل هذه العلة هو المراد بكون مثل هذا الحِكَم تعبديّا توقيفيّا، يوقف فيه عند ما جاء من عند الشارع من غير استبدال، ولا زيادة، ولا نقصان. وكذلك الأمر في الحدود والكفارات، فعلتها العامة (الحِكْمة من شرعها) الزجر، ولكن العلة الخاصة في تقدير حدّ الزنا للبكر -مثلًا- بمائة جلدة، وحدّ القذف بثمانين، والصيام في بعض الكفارات بثلاثة أيام، وفي بعضها بشهرين متتابعين، وغير ذلك من الحدود والكفارات غير معلومة. وعلى ذلك يمكن القول إن هذه العبادات والحدود والكفارات معللة من قِبَل الوجه الأول، لكنها غير معللة من قِبَل الوجه الثاني ومن هنا جاء القول بعدم جريان القياس فيها.\nوالخلاصة أن العبادات محددة النوع والكيفية، وذلك التحديد غير معلل بالنسبة لنا. أما كونها إنما شُرِعت لحِكَم ومقاصد فهو أمر غير مشكوك فيه؛ لأن ذلك فرع كمال الذات الإلهية وتنزهها عن العبث. أما المعاملات فإن الشارع اكتفى فيها بوضع ضوابط ومبادئ تحدد دائرة الحرام التي لا ينبغي دخولها، وما وراء ذلك فهو مباح وبابه مفتوح، وللناس أن يخترعوا من أنواع وكيفيات المعاملات ما يخدم المقاصد والعلل المشروعة.","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثاني\nمسالك العلة ووظيفتها في الكشف عن مقاصد الشارع</span>\nالمراد بمسالك العلة الطرق التي يتعرف المجتهد من خلالها على علل الأحكام الشرعية. وهذه العلل إما أن يكون الشارع قد نص عليها صراحة في نصوصه وأحكامه، وإما أن يكون قد ترك استنباطها للمجتهد من خلال القرائن اللفظية والمعنوية والعقلية، والمناسبة. وما دام موضوع المبحث ليس في مسالك التعليل ذاتها، لا سيما وأنها قد بُحثت كثيرًا (١) فسوف لن يطيل الباحث فيها، وسيكتفي بإعطاء ملخص عمّا قاله الأصوليون في تعريف كلّ منها وبيان أقسامه، ثم يكون التركيز بعد ذلك على بيان ما هو مناسب منها لأن يكون كاشفًا عن مقاصد الشارع، وكيفية الإستدلال به على ذلك.\nأولًا- النص:\nوهو أهمها، حيث إنه ناطق عن إرادة الشارع وقصده، وإذا استطعنا أن نعرف\nمقصد الشارع من خلال منطوق خطابه فتلك الغاية.\nوقد عرّفه الآمدي بقوله: \"هو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل\nبالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال\". (٢)\nوقد قُسِّم النص إلى قسمين (٣):\n١ - ما يدلّ على العلية دلالة قاطعة: وذلك كأن يقال: لعلة كذا، أو لسبب كذا،\n_________\n(١) انظر في تفصيل مسالك العلة: مباحث القياس من كتب الأصول للمتقدمين والمحدثين، ومن أبرز من أفردها بالبحث من المعاصرين الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي: مباحث العلة في القياس عند الأصولين، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط ١، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م)؛ والدكتور محمد مصطفى شلبي في كتابه: تعليل الأحكام، (بيروت: دار النهضة العربية، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م).\n(٢) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٧.\n(٣) انظر الإسنوي، جمال الدين: نهاية السول، مطبوع مع شرح البدخشي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٤ م)، ج ٣، ص ٥٥ - ٥٨؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٨ - ٢٧٩.","vol":"1","page":153},{"text":"أو لأجل كذا، وكي. (١) ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].\n٢ - ما يدل على العلِّيّة دلالة ظاهرة، وقد اختُلِفَ في عددها، فجعلها الإسنوي ثلاثة، (٢) هي: اللام: مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وإِنَّ، ومثال ذلك قوله - ﷺ - في المُحْرِم الذي وقصته ناقته: \" ... وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي\"، (٣) والباء، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤].\nوجعلها الآمدي خمسة، هي: اللام، والكاف، و\"مِنْ\"، و\"إِنّ\"، والباء. (٤) وزاد البعض \"أنْ\"، و\"إِنْ\"، و\"أنَّ\"، والفاء، ولعل، و\"إذْ\"، و\"حتى\". (٥)\nوالأصح أن يقال: إن كل ما رُتِّب على حرف من الحروف التي تفيد التعليل كان ظاهرًا في التعليل من غير داعٍ إلى حصرٍ في حروف معينة.\nوالفرق بين القسمين: الأول والثاني أنّ القاطع هو الذي لا يحتمل غير العلِّية، والظاهر هو الذي يحتمل غيرها احتمالًا مرجوحًا؛ وذلك بسبب استعمال تلك الحروف أحيانًا في معان أخرى غير التعليل. (٦)\nفإذا صرح الشارع بصيغة من الصيغ الموضوعة للتعليل -والتي لا تحتمل غيره- بأن أمرًا ما يُعدّ علّة تشريعِ حكمٍ من الأحكام كان ذلك دليلًا على أن ما في تلك العلة\n_________\n(١) جعل الآمدي الكاف مما يدل على العلية دلالة ظنية. انظر الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٨.\n(٢) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٥٥ وما بعدها.\n(٣) تمام الحديث فيما رواه مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - رَجُلٌ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"اغْسِلُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي\". صحيح مسلم، كتاب الحج، باب (١٤)، ج ٢، ص ٨٦٧، الحديث (١٢٠٦) (١٠٣).\n(٤) انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٨.\n(٥) انظر عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي: مباحث العلة في القياس، ص ٣٥٠ - ٣٦٤.\n(٦) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":154},{"text":"من حِكْمة هو مقصد من مقاصد الشارع، خاصة إذا علمنا أن أغلب ما صرح به الشارع من علل إنما هو من باب الحِكَم التي تُعدّ في ذاتها مقاصد للشارع من تلك الأحكام.\nوصيغ النص القاطع التي ورد التعليل بها في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هي: \"من أجل\"، و\"كي\".\nومثال الأولى: قوله - ﷺ -: \"إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ\"، (١) فهو صريح في أن قصد الشارع من فرض الإستئذان هو منعُ التجسس على الناس، وستر حرماتهم وأسرارهم، فكل ما أدى إلى خرق ذلك فهو ممنوع.\nوقوله - ﷺ -: \"إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ\" وذلك فيما أخرجه مسلم عن عَائِشَةَ - ﵂ - قالت: دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"ادَّخِرُوا ثَلاثًا ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ\"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالُوا: يا رَسُولَ الله إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا\". (٢)\nفبيّن فيه - ﷺ - أن مقصوده من نهي الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي في تلك السنة إنما كان لدفعهم إلى التصدق بما هو زائد عن حاجتهم اليومية لتحقيق التكافل الإجتماعي بين أفراد المجتمع بإطعام الجائعين وسدّ خلّة المحتاجين، وهو صريح في أن مساعدة المحتاجين وتحقيق التكافل الإجتماعي مقصد من مقاصد الشريعة ينبغي السعي إلى تحقيقه، ولو كان ذلك بفرض قيود على حقوق أصحاب الفضل ليعودوا بفضلهم على المحتاجين، وأنه لوليّ الأمر أن يفعل ذلك، ولكن شريطة أن يكون ذلك بالمعروف وبما لا يخرق القواعد والأحكام الشرعية الأخرى التي تحفظ على\n_________\n(١) أخرج البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحَرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِدْرَى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"لَوْ اعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِن أَجْلِ الْبَصَرِ\". صحيح البخاري، كتاب الإستئذان، باب (١١)، مج ٤، ج ٧، ص ١٦٨.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، باب (٥)، ج ٣، ص ١٥٦١.","vol":"1","page":155},{"text":"الناس أموالهم وحقوقهم.\nومثال الثانية: قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. فهو نصٌّ في أن قصد الشارع في الأموال إشاعتها بين الناس وإعادة توزيع الثروة بما يمنع احتكارها في أيدي فئة محدودة من أفراد المجتمع. والآية جاءت في معرض بيان المقصد من خصِّ طبقة الفقراء والمساكين بجزء من مال الفيء. (١) فهو نصّ في قصد الشارع إلى إعادة توزيع الثروة بطريقة عادلة تحفظ حقوق الأغنياء والفقراء جميعا.\nأمّا ما يدلّ دلالة ظاهرة على المقصد الشرعي فكل ما ورد مرتّبًا على حرف من الحروف التي تفيد التعليل، ومن أبرز ما ورد منه في القرآن الكريم:\n١ - ما وردت الإشارة إليه بلام التعليل، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فالآية صريحة في أن المقصد من تكليف الرسل بتبليغ الوحي الإلهي إلى الناس هو جعل ذلك الرسول وسيلة لبيانه، والبيان هنا بمعناه الواسع الذي يكون بالقول والفعل والقدوة، حتى يسهل على الناس فهمُ الوحي الإلهي والتزامه في واقع الحياة.\n٢ - ما صُدِّرَ بحتى التي للتعليل مثل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾ [الأنفال: ٣٩]. فقد دلّت الآية على أن المقصد من قتال الكفار المحاربين هو جعل السيادة في الأرض للدين الحق، وحماية الناس أن يفتنوا في دينهم من قِبَل أهل الكفر والفساد، لا مجرد القتال المهلك للنفوس المتلف للأموال.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]، فدلت الآية على أن المقصد من ابتلاء المؤمنين بالحرب ونقص الأموال والأنفس\n_________\n(١) تمام الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. والفرق بين الفيء والغنيمة أن الغنيمة ما حُصِّل من أموال أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة، وحُكْمُه أنه يُخَمَّس، ثم يوزع ما بعد الخمس على الغانمين غنيِّهم وفقيرهم، والفيء ما حُصِّل من غير قتال، وقد اختلف الفقهاء في تخميسه وفي أصحاب الحق فيه. انظر الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف الكويتية، ج ٣٢، ص ٢٢٧ - ٢٣٣.","vol":"1","page":156},{"text":"والثمرات هو تمحيص إيمانهم ليتميَّز الصادق من الكاذب.\nثانيًا - الإيماء والتنبيه:\nوضابطه \"الإقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا، فيُحْمَل على التعليل دفعًا للإستبعاد\". (١)\nوقد جعله كل من الرازي والبيضاوي خمسة أنواع، (٢) وجعله الآمدي (٣) ستة، وأوصله الشوكاني إلى تسعة، (٤) وهو راجع إلى القسمة العقلية، وأبرزها:\n١ - ترتيب الحكم على العلة بفاء التعقيب والتسبيب. وهو على أربعة أوجه: إما أن يدخل حرف الفاء على الوصف في كلام الشارع، أو أن يدخل على الوصف في كلام الراوي، أو أن يدخل على الحكم في كلام الشارع، أو أن يدخل على الحكم في كلام الراوي.\nومثال الأول: الحديث المتقدم في المحرم: \" ... وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي\". (٥)\nوالثاني: لم يظفروا له بمثال.\nومثال الثالث: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].\nومثال الرابع: قول الراوي: \" ... أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ\". (٦)\n٢ - أن يحكم الشارع على شخص بحكم عقب علمه بصفة صدرت منه؛ فإنه\n_________\n(١) الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٢؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٦٠.\n(٢) انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٤٣؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٦٠\n(٣) انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٩.\n(٤) انظر الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٢ - ٢١٣.\n(٥) سبق تخريجه.\n(٦) أخرج البخاري عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ\". صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب (٦٠)، مج ١، ج ٢، ص ٤٠٤.","vol":"1","page":157},{"text":"يدل على كون ما حديث علة لذلك الحكم.\nومثال ذلك: قوله - ﷺ - لمن جامع في نهار رمضان: \"فَأَعْتِقْ رَقَبَةً\" (١)\n٣ - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا لو لم يُقَدّر التعليل به لما كان لذكره فائدة، وهو أربعة أقسام، انظرها في مواطنها. (٢)\n٤ - أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر وصف لأحدهما فيعلم أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وإلاّ لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة. (٣)\n٥ - النهي عن فعل يكون مانعًا لما تقدم وجُوبُه علينا. كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإنه تعالى لما أوجب السعي إلى الصلاة ونهى عن البيع علمنا أن علة النهي عن البيع هي تفويت الواجب. (٤)\nهذا خلاصة ما فرعه الأصوليون على الإيماء والتنبيه، وهو راجع إلى القسمة العقلية، ولذلك لم يظفروا لبعض فروعه بأمثلة شرعية.\nويبدو أن أنسب تعريف للإيماء والتنبيه هو ما عرفه به صاحب مسلَّم الثبوت بأنه \"ما يدل على عليّة الوصف بقرينة من القرائن\"، إذْ الإيماء نوع من التنبيه والإشارة إلى كون معنى من المعاني أو حِكْمة من الحِكَم هي مقصود الشارع من\n_________\n(١) أخرج البخاري عن أبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقَالَ: هَلَكْتُ. قَالَ: \"وَلِمَ\". قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: \"فَأَعْتِقْ رَقَبَةً\". قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي. قَالَ: \"فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ\". قَالَ: لا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: \"فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا\". قَالَ: لا أَجِدُ. فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ فيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: \"أينَ السَّائِلُ؟ \" قَالَ: هَا أَنَا ذَا. قَالَ: \"تَصَدَّقْ بِهَذَا\". قَالَ: عَلَى أحْوَجَ مِنَّا يا رَسُولَ الله، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ قَالَ: \"فَأَنْتُمْ إِذًا\". صحيح البخاري، كتاب النفقات، باب (١٣)، مج ٣، ج ٦، ص ٥٣٥. الحديث (٥٣٦٨) وانظر في هذا النوع الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٦٥ - ٦٦؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٨٠.\n(٢) انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٤٩ - ١٥٢؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٦٦ - ٦٧؛ الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٢؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٨١.\n(٣) انظر في هذا الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٨٤؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٦٧.\n(٤) انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٥٤ - ١٥٥؛ الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٨٥.","vol":"1","page":158},{"text":"خطابه أو من تشريع حُكم من الأحكام، وأداة التنبيه في ذلك هي قرينة من القرائن، سواء كان ذلك حرف الفاء أو غيره.\nفقول الرسول - ﷺ -: \"لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\" (١) فيه إيماء إلى أن علة النهي عن القضاء في حال الغضب هي تشويش ذهن القاضي بما يؤدي إلى عدم سلامة الحُكْم الذي يصدره في تلك الحال، وهذا يدلّ على أن الشارع قاصد إلى دفع ما ينتج عن تشويش ذهن القاضي من فساد في الأحكام، وذلك بتوفير الظروف الملائمة -سواء كانت ذاتية أو موضوعية- لسلامة أحكام القاضي وعدالتها.\nومن الإيماء والتنبيه على المقصد الشرعي ذِكْر الحكم مقرونًا بسببه مثل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، فإنه يفهم منه أن من مقاصد شرع القتال دفعُ الظلم الواقع على المؤمنين.\nومنه أن يأمر الشارع بالشيء مبيِّنًا مصالحه، أو ينهى عنه مبيِّنًا مفاسده، فيعلم أن جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة من مقاصد الشارع. ومن أمثلة ذلك:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فإرهاب الأعداء وصرفهم حتى عن مجرد التفكير في التعرض للإسلام والمسلمين مقصد شرعي من مقاصد الأمر بإعداد العُدّة والظهور بمظهر القوة؛ فيحقق ذلك للمسلمين غايتين: سيادة الإِسلام وأهله، ودفع الحرب المهلكة للنفوس المخربة للديار.\n٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فتعظيم الرب ﷾ وصون اسمه من التعرض لأي قبيح مقصد شرعي يجب المحافظة عليه ولو أدى ذلك إلى ترك التعرض لأي المشركين ومعتقداتهم. كما أن في هذه الآية تنبيه إلى أن دفع أعظم المفسدتين بالتجاوز عن أيسرهما مقصد من مقاصد الشارع.\n_________\n(١) سنن ابن ماجة، كتاب الأحكام، باب (٤)، ج ٢، ص ٣٩.","vol":"1","page":159},{"text":"ثالثًا - الإجماع:\nوهو\"أن يُذْكَرَ ما يدلّ على إجماع الأمة في عصر من الأعصار على كون الوصف الجامع علة لحكم الأصل: إما قطعا، أو ظنا\". (١) وذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغيرة في المال، فيقاس عليه ثبوت الولاية عليها في النكاح.\nوالإجماع في الحقيقة لا يُعدّ مسلكًا مستقلًاّ للكشف عن العلة، إذْ الإجماع لا يكون من فراغ، بل لا بُدّ له من مُسْتَنَد عرف المجمعون من خلاله العلة المجمع عليها، وهو إما النص، أو الإيماء والتنبيه، أو المناسبة. فالإجماع إنما يأتي مؤكدا لعليّة ذلك الوصف أو لمقصدية حِكْمة من الحِكَم ليرتفع بها من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين، ومن ثَمّ فهو لا يستحقّ أن يُبحث بوصفه مسلكًا مستقلًاّ من مسالك الكشف عن المقاصد.\nرابعًا - الشبه:\nوهو ما ألحق فيه الفرع بالأصل لجامع يشبهه فيه، وقد اختلف الأصوليون في تعريفه وبيان حقيقته على أقوال (٢) أبرزها:\n١ - هو\"تردُّدُ فرع بين أصلين شبهه بأحدهما في الأوصاف أكثر\". (٣)\n٢ - هو\"الوصف الذي لا تظهر فيه المناسبة بعد المبحث التام، ولكن أُلِف من الشرع الإلتفات إليه في بعض الأحكام، فهو دون المناسب، وفوق الطردي، ولأجل شبهه بكل منهما سمي الشبه\". (٤)\n٣ - هو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم بذاته، لكنه يستلزم ما\n_________\n(١) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٧٧؛ وانظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٧١.\n(٢) انظر في ذلك مثلًا الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣٢٥ - ٣٢٧؛ الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٩؛ السعدي: مباحث العلة في القياس، ص ٤٥٥ - ٤٦٢.\n(٣) ابن النجار، محمد بن أحمد الفتوحي: شرح الكوكب المنير، تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد، (الرياض: مكتبة العبيكان، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م)، ج ٤، ص ١٨٧.\n(٤) الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٨٥.","vol":"1","page":160},{"text":"يناسب الحكم. (١)\nومن خلال ما سبق يتبيَّن أن الشبه خاص بالقياس؛ إذْ هو يدور حول إلحاق فرع بأشبه الأصول به، ومن ثَمّ فهو من أنواع القياس وليست له علاقة بالكشف عن مقاصد الشارع.\nخامسًا - الدوران:\nويسمى أيضًا الطرد والعكس، وهو عبارة عن وجود الحُكْم بوجود الوصف،\nوانعدامه بعدمه. (٢)\nويمكن أن يكون الدوران مسلكًا من مسالك التعرف على كون حِكْمة من الحِكَم مقصدًا للشارع في أحكامه، فإذا رأينا تلازمًا بين نوعِ أو جنسِ حِكْمة من الحِكم ونوعِ أو جنسِ حُكْم من الأحكام الشرعية حيث يوجد الثاني بوجود الأول وينعدم بانعدامه حصل لنا ظن راجح بأن الشارع قاصد إلى تحصيل تلك الحِكْمة.\nومثال ذلك دوران الحُكم بالتيسير مع وجود المشقة، حيث يدلُّنا تَتَبُّعُ الأحكام الشرعية على أن الشارع ينحو منحى التيسير حيث توجد المشقة التي لا تُحْتَمل عادة، وهذا ثابت في رخص العبادات كما هو في رخص المعاملات. وسيأتي مزيد تفصيل في هذا عند الحديث عن الاستقراء.\nوينبغي التنبيه على أن هذا المسلك -مثل غيره- لا ينبغي أخذه على إطلاقه، فليس مطلق الملازمة والدوران يفيد المقصدية، وإنما مع مراعاة الضوابط الشرعية الأخرى بتخصيص ما خصه الشارع واستثناء ما استثناه، فالأحكام والنصوص والقواعد الشرعية ينبغي أن يُنْظر إليها بوصفها وحدة متكاملة.\n_________\n(١) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٨٦، الرازي: المحصول، ج ٥، ص ٢٠١.\n(٢) انظر في ذلك الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣٣٠ - ٣٣٣؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٩١ - ٩٤؛ الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢٢١.","vol":"1","page":161},{"text":"سادسًا - السّبر والتقسيم:\nالسبر معناه الاختبار، والتقسيم هو استقراء ما يحتمل أن يكون علَّةً لِشَرْعِ الحُكْم أو مقصدًا له، وهو عملية سابقة للسبر.\nوسمي بذلك لأن المستنبط يقسم بداية الأوصاف التي تحتمل العليّة، ثم يختبر كل واحد منها ليرى هل يصلح للعلية أم لا؟ (١)\nوهو على نوعين:\n١ - التقسيم الحاصر: وهو الذي يكون دائرًا بين النفي والإثبات، مثل قول الشافعي في ولاية الإجبار على النكاح: إما أن لا تكون معللة أصلا، وإما أن تكون معللة. وعلى تقدير تعليلها: إما أن تكون معللة بالبكارة أو الصغر أو بغيرها. والأقسام كلها باطلة سوى الثاني؛ وهو تعليلها بالبكارة. (٢)\n٢ - التقسيم المنتشر: وهو التقسيم الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات. ومثال ذلك قول المعلل: حُرْمَةُ الربا في البُرِّ إما أن تكون معللة بالطعم، أو الكيل، أو القوت، أو المال. والكل باطل إلّا الطعم، فيتعين التعليل به. (٣)\nوالسبر والتقسيم في الحقيقة لا يمكن أن يكون مسلكًا مستقلًاّ من مسالك الكشف عن العلة، وإنما هو وسيلة أو طريقة من الطرق المتبعة للتحقّق من عليّة الوصف بناءً على مسلك من المسالك الحقيقية، وهي: النص، والإيماء والتنبيه، والمناسبة. فهو مركّب من التقسيم وهو تجميع للأوصاف أو الحِكَم التي يحتمل كل منها أن يكون علة لحُكْم أو مقصدًا شرعيًا له، ثُمّ بعد ذلك يكرُّ المجتهد على ما افترضه بالاختبار، فيلغي ما ألغاه الشارع ويستبعد ما عُهِد من الشارع استبعاده ليستقر في الأخير على ما كان مناسبا منها لذلك الحُكْم أو ما عُهِد من الشارع\n_________\n(١) انظر الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ١٩٨؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٩٥ - ٩٦.\n(٢) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٩٦؛ الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٣ - ٢١٤.\n(٣) انظر الرازي: المحصول، ج ٥، ص ٢١٧؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٩٦ - ٩٧.","vol":"1","page":162},{"text":"اعتباره في جنس ذلك الحكم، وعماده في ذلك الاختبار النص والإيماء والتنبيه والإجماع والمناسبة، فهي في الحقيقة الأدوات الكاشفة عن علّيّة الوصف أو مقصديّة الحِكْمَة، وإنما السبر والتقسيم طريقة لإعمال تلك الكواشف.\nسابعًا - المناسبة:\nويُعبَّر عنها بالإخالة، وبالمصلحة، وبرعاية المقاصد. (١)\nوالمناسب في اللغة هو الملائم، يقال: هذا الشيء مناسب لهذا، أي: ملائم له. (٢)\nأما اصطلاحًا فهناك اتجاهان في تعريفه:\nالإتجاه الأول: يعرفه بأنه \"الملائمُ لأفعال العقلاء في العادات\". (٣)\nوالاتجاه الثاني: يعرفه بأنه \"الوصف الذي يحصل عقلًا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا من جلب منفعة أو دفع مضرة\". (٤)\nوقد نسب الرازي التعريف الأول إلى الذين لا يقولون بتعليل أفعال الله تعالى، والثاني إلى القائلين بتعليل أفعال الله تعالى. (٥)\nأما الغزالي فقد عرفه بأنه ما كان \"على منهاج المصالح، بحيث إذا أُضِيف الحُكْم إليه انتظم\"، (٦) أي الموافق للمقاصد العامة للشريعة.\nومادام المناسب هو الوصف الذي يترتب على شرع الحكم عنده مصلحة، وتحقيق المصلحة مقصد من المقاصد الأساسية للشارع فإن المناسب يكون طريقًا إلى التعرف على المقاصد الشرعية.\n_________\n(١) انظر الشوكاني: إرشاد الفحول، ص ٢١٤.\n(٢) انظر ابن منظور: لسان العرب، ج ١، ص ٧٥٦.\n(٣) الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٥٨.\n(٤) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ٧١ - ٧٢؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٢٩٤.\n(٥) الرازي: المحصول، ج ٥، ص ١٥٨ - ١٥٩.\n(٦) الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ١٣٥.","vol":"1","page":163},{"text":"أقسام المناسب:\nقسم الأصوليون المناسب إلى أقسام متعددة وباعتبارات مختلفة، اتفقوا في بعضها واختلفوا في بعض آخر اختلافَ اصطلاحٍ أو اختلافَ تفريعٍ وإجمال. (١) ولعل أجمعها -وهو ما استقر عليه المتأخرون- تقسيمه إلى حمسة أقسام: المناسب المؤثر والمناسب الملائم، والمناسب الغريب، والمناسب الملغي، والمناسب المرسل. ووجه الحصر- أنا المناسب إما أن يثبت اعتبارُه شرعًا، أو يثبت إلغاؤُه، أو لا يعلم هذا ولا ذاك. الأول معتبر بالنص أو الإجماع، وهو المؤثر والثاني بترتيب الحُكْم على وفقه وإن لم ينص عليه صراحة أو لم يثبت بالإجماع، وهو الملائم، فإن شهد لاعتباره أصله المعين فقط دون أن يوجد لجنسه شاهد فهو الغريب، وما ثبت إلغاؤه فهو المناسب الملغي، وما لم يثبت اعتباره ولا إلغاؤه فهو المناسب المرسل.\n١ - المناسب المؤثر: وهو الذي دلّ النص أو الإجماع على مناسبته، وصلاحيته لأن يكون علة تُبنى عليها الأحكام الشرعية. (٢) وما يثبت من المقاصد بهذا الطريق يُعدّ من المقاصد الثابتة بالنص أو الإجماع، وتكون إما مأخوذة من ظواهر النصوص مباشرة أو بالإستعانة بما يحفّ بها من قرائن، وقد سبقت دراسته ضمن ما ثبت بالنص أو بالإيماء والتنبيه. وإدراج هذا النوع من المناسب ضمن مقاصد الشارع متفق عليه بين العلماء. (٣)\nومثال هذا النوع من المناسب النص من الشارع على أن التيسير والتخفيف هو المقصد الشرعي من رخص العبادات والمعاملات، (٤) وأن تطهير النفوس من الشُّحّ وتحقيق التكافل الإجتماعي هو المقصد من تشريع الزكاة، (٥) وأن الإستدامة على طاعة\n_________\n(١) انظر الرازي: المحصول: ج ٥، ص ١٥٩، وما بعدها؛ الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١١ وما بعدها.\n(٢) انظر الغزالي، أبو حامد: شفاء الغليل في بيان الله والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق حمد الكبيسي، (بغداد: مطبعة الإرشاد، ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧١ م)، ص ١٤٤.\n(٣) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٢.\n(٤) ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]\n(٥) ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]،وعَنِ","vol":"1","page":164},{"text":"الله تعالى وتجنيب العلاقات بنِن أفراد المجتمع أسباب البغضاء والعدواة من المقاصد الشرعية لتحريم الخمر. (١)\n٢ - المناسب الملائم: وهو الذي لم يرد فيه نص ولا إجماع بعينه، لكن الشارع رتَّب الحُكْم عليه في محل آخر واعتبر جنسه في عينه وبالعكس، أو جنسه في جنسه بنص أو إجماع. والأخذ به محلّ اتفاق بين العلماء إجمالًا (٢) وإن اختلفوا في بعض الجزئيات هل هي داخلة ضمن الملائم أم ضمن غيره. (٣)\nويمثل لهذا النوع بمسائل سَدّ الذرائع، فهناك بعض الذرائع نصّ الشارع على سدِّها لِمَا تؤدي إليه من مفسدة كالنهي عن سَبِّ آلهة المشركين إذا أدى ذلك إلى سَبِّ الذات الإلهية، (٤) وتحريم الخلوة لأنها ذريعة إلى الفاحشة، (٥) وتحريم البيوع التي هي من ذراءع الربا كبيع العينة، (٦) وصفقتين في صفقة، (٧) والنفع الناتج عن قرض (٨).\n_________\n= ابنِ عَبَّاسِ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا - ﵁ - إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: \"ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنِّي رَسُوُل الله فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِن هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَن الله افتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالهِمْ تُؤخَذُ مِن أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ\".\nصحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (٤٣)، مج ١، ج ٢، ص ٤٤٩، الحديث (١٤٥٨).\n(١) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١].\n(٢) انظر الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ١٣٦.\n(٣) الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣١٢.\n(٤) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].\n(٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلا تُسَافِرَن امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحُرمٌ\". صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب (١٤٠)، مج ٢، ج ٤، ص ٣٤٢، الحديث (٣٠٠٦).\n(٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا تَبَايَعْتُم بالْعِينَةِ وَأَخَدتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلاَّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ\". أبو داود، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود، مطبوع ضمن الكتب الستة، (استانبول:  cagoi yayinlaoi، ١٩٨١  م)، كتاب الإجارة، باب (٥٤)، ج ٣، ص ٧٤٠ - ٧٤١، الحديث (٣٤٦٢).\n(٧) عَن أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ النّبِيُّ - ﷺ -: \"مَن بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أوْ كَسُهُمَا أو الرِّبَا\". سنن أبي داود، كتاب الإجارة، باب (٥٣)، ج ٣، ص ٧٣٨ - ٧٣٩، الحديث (٣٤٦١).\n(٨) عن أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا أَقْرَضَ أحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلا يَرْكَبْهَا وَلا يَقْبَلْهُ إِلاَّ أنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ\". سنن ابن ماجة، أبواب الأحكام، باب (٥٩)، ج ٢، ص ٦١، الحديث (٢٤٣٢).","vol":"1","page":165},{"text":"وهناك ذرائع كثيرة لم يرد في عينها نص ولا إجماع، ولكنها عند النظر فيها يتبيّن ما تؤدي إليه من فساد راجح على ما يرجى منها من مصالح فيُفْتَى بسدِّها وإن لم يرد في عينها نص ولا إجماع، ويكون مستَنَدُ ذلك ملاءمة ذلك المنع لما عُهِد من الشارعَ مِنْ منعٍ في جنس الذرائع المقطوع أو الغالب على الظن أنها تؤدي إلى حرام أو ينتج عنها مفسدة أعظم مما يُتَذَرَّع به من مصلحة. وبستخلص من ذلك كون الشارع قاصدًا إلى سدّ هذا النوع من الذرائع.\n٣ - المناسب الغريب: وقد عرفه الغزالي بأنه \"الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشرع\". (١) وعرفه البيضاوي بأنه \"ما أثر نوعه في نوع الحكم ولم يؤثر جنسه في جنسه\". (٢) فهو المناسب الذي لم يشهد باعتباره سوى أصله المعين، دون أن يوجد شاهد لجنسه، ولذلك سمي غريبًا؛ لأنه شهد لنوعه حكم واحد.\nومثلوا له بتوريث المطلقة ثلاثًا في مرض الموت معاملة للزوج بنقيض قصده، لأنه إنما قصد من تطليقها طلاقًا باتًّا حرمانها من الميراث، ولم يكن الطلاق لسبب مشروع. ووجه غرابته أن مثل هذه المعاملة (المعاملة بنقيض القصد) لم تُعْهَد في تصرفات الشارع إلّا في حالة واحدة هي حرمان القاتل من الميراث معاملة له بنقيض قصده إذْ استعجل الميراث بقتل مورثه. ولم يُعْهَد من الشارع في غير هذا الموضع معاملة المتصرف بنقيض قصده.\nوهذا المثال فيه نظر، فإن معاملة الوارث القاتل بنقيض قصده إنما قَصَد منه الشارع سدّ ذرائع سفك الدماء، فهو في الواقع فرع من فروع باب سدّ الذرائع، وسدّ الشارع لذرائع الفساد ليس غريبًا في نصوصه وأحكامه، بل هو منتشر انتشارًا واسعًا في نصوص القرآن والسنة وأحكامهما وفي اجتهادات الفقهاء بعد ذلك.\nوقد فهم سيدنا عثمان - ﵁ - هذا المقصد فقال بتوريث المطلقة ثلاثًا في مرض الموت (٣)\n_________\n(١) الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ١٣٦.\n(٢) انظر شلبي: تعليل الأحكام، ص ٢٤٩.\n(٣) انظر البيهقي: السنن الكبرى، كتاب الخلع والطلاق، باب \"ما جاء في توريث المبتوثة في مرض الموت\"، ج ٧، ص ٣٦٢ - ٣٦٣.","vol":"1","page":166},{"text":"لَمَّا رأى أن الناس صاروا يتخذون هذا الطلاق ذريعة لحرمان أصحاب الحقوق من حقوقهم.\n٤ - المناسب الملغي: وهو المناسب الذي ظهر إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في جميع صوره. ومثاله تحصيل الربح من طريق الفوائد الربوية، فمن المقاصد الشرعية للمعاملات المالية تحصيل الربح، والتعامل الربوي -ولا شك- محصِّلُ للربح بالنسبة لصاحب رأس المال، وقد يحصِّلُ فائدة لبعض المقترضين، وقد يقول قائل -بناءً على ذلك- إن التعامل الربوي محقِّق لمقصد من مقاصد المعاملات المالية وهو الربح لرب المال، ودفع حاجة المقترض وبناء على ذلك يمكن التعامل به إذا حقق هذا المقصد. ولكن مهما قيل في هذا فإنه غير صالح للإحتجاج به، أوَّلًا: لأن الشارع قد ألغى هذه المناسبة والمصلحة بنصوص صريحة، وثانيًا: لما يترتب على ذلك من مفسدة أكبر وكذلك يقال فيما قد يوجد من مصالح في الخمر والقمار وغيرها من المحرمات.\n٥ - المناسب المرسل: هناك اتجاهان في تريف المناسب المرسل: (١)\nالإتجاه الأول: أن المناسب المرسل هو الذي لم يشهد الشرع لا لبطلانه ولا لاعتباره، بمعنى أنه ليس هناك نص يشهد بالاعتبار لنوع هذه المصلحة ولا لجنسها، كما أنه لا يوجد نص يشهد ببطلانها. (٢)\nوالواقع أنه عند التدقيق يصعب أن نجد مصلحة مناسبة -لم يثبت إلغاؤها- لا يشهد لها شاهد من المقاصد العامة للشريعة. نعم، قد لا نجد ما يشهد لنوعها أو جنسها القريب، أما أن لا نجد ما يشهد لجنسها -ولو العالي- فهو أمر غير وارد وما يعرف بالمصالح المرسلة، وإن لم يشهد لنوعه أو جنسه القريب نص أو إجماع، إلّا أنه عند إرجاعه إلى المقاصد والمبادئ العامة للشريعة نجده لا يخرج عنها، بل يندرج فيها. وعن هذا المعنى للمناسب المرسل يقول الغزالي: \"والصحيح أن الإستدلال المرسل في الشرع لا يُتَصَوَّر حتى نتكلم فيه بنفي أو إثبات؛ إذْ الوقائع لا حصر لها، وكذا\n_________\n(١) انظر حسان، حسين حامد: نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، (القاهرة: مكتبة المتنبي، ١٩٨١ م)، ص ١٥ - ١٩.\n(٢) انظر حسان، حسين حامد: نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، ص ١٧.","vol":"1","page":167},{"text":"المصالح، وما من مسألة تفرض إلّا وفي الشرع دليل عليها، إما بالقبول أو بالرد\". (١) وبعد أن استعرض نماذج مما اعتُبِر من المصلحة المرسلة، خلص إلى القول: \"فقد تبيّن أن كلّ مصلحة مرسلة فلا بُدّ أن تشهد أصول الشريعة لردها أو قبولها\". (٢)\nالإتجاه الثاني: أن المناسب المرسل هو المصلخة التي اعتبر الشارع جنسها، كما فعل الصحابة في إعطاء الشارب حدّ القاذف؛ لأن الشرب مظنة القذف فأقاموا مظنة القذف مقام القذف بناءً على ما عُهِد من الشارع في إقامة مظنة الشيء مكن الشيء نفسه، فهو مناسب شهد الشارع لجنسه. (٣)\nوبناءً على ذلك يحون الإرسال الموصوف به هذا النوع من المناسب ليس معناه الإرسال الحقيقي والخلو التام عن أيّ شاهد بالاعتبار أو الإلغاء، وإنما المقصود عدم وجود أصل تتوفر فيه جميع شروط الأصل المقيس عليه ليقاس عليه، فمن تلك الجهة سُمي مرسلًا؛ أي لعدم وجود أصل يضبطه.\nوعلى هذا يكون المناسب المرسل هو الذي لم يشهد له أصل معين، لكنه يشهد له أصل كلي، وهو تعريف الشاطبي، حيث عرَّفه بقوله: \"أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين\". (٤) وقال عنه في الموافقات: \"كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذا معناه من أدلته، فهو صحيح يُبْنَى عليه، ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعًا به ... ويدخل تحت هذا الضرب الإستدلال المرسل الذي اعتبره مالك والشافي، فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين، فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعيًا قد يساوي الأصل المعين، وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه ... \". (٥)\n_________\n(١) الغزالي، أبو حامد: المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق محمد حسن هيتو، (دمشق: دار الفكر، ط ٢، ١٤٠٠ هـ / ١٩٨٠ م)، ص ٣٥٩.\n(٢) المصدر السابق، ص ٣٦٣.\n(٣) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢٢١.\n(٤) الشاطبي: الإعتصام، ج ٢، ص ٣٥٤.\n(٥) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٧، وانظر أيضا قول الغزالي: \"وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة\". المستصفى، ج ١، ص ٢٢٢.","vol":"1","page":168},{"text":"وبذلك يتبيّن أن مجرّد المناسبة (أي تلتي العقل السليم بالقبول لمصحلة من المصالح) وحدها لا تحني في عدِّ مصلحة من المصالح مقصدًا من مقاصد الشارع المعتبرة، كما أنه لم يكتفِ الأصوليون بالمناسبة وحدها في الحكم على وصف من الأوصاف بكونه العلة، وإنما لا بُدّ أن ينضاف إلى المناسبة شهادةُ الشرع شهادةً خاصة بدلالة النص أو الإجماع على قبولها أو بملاءمتها لأحكام الشارع، أو شهادة عامةً بأن يشهد لجنسها -ولو العالي- شاهد من الشرع. (١)\nوما اشترطه الغزالي ومن تبعه في المصلحة المرسلة حتى تكون معتبرة من كونها ضرورية كليّة قطعيّة، (٢) إنما هو محاولة لضبط باب المصالح حتى لا ينسب كلُّ مدَّعٍ ما شاء مما يظنه مصلحة إلى الشارع الحكيم. (٣) وهي في الحقيقة لا يمكن اعتبارها شروطًا للمصلحة المرسلة، وإنما هي شروط لِتَحَقُّقِ معنى الضرورة التي يبطل بها الحظر طبقًا للقاعدة الفقهية \"الضرورات تبيح المحظورات\"، فالمصلحة التي ينبغي تقييدها بهذه الشروط هي المصلحة التي ورد ما يعارضها في الشرع أو التي لم تَجْرِ لها وفق معهود الشرع في تشريعه، ومع ذلك اضطر الناس إليها أو مسّت حاجتهم إليها فعند ذلك يُشترط فيها لتقديمها على النص ما اشترطه الغزالي من كونها عامة وكليّة وضرورية، وعندئذ لا تصير من باب تقديم المصلحة على النص، وإنما من باب \"الضرورات تبيح المحظورات\".\nويتضح هذا من خلال المثال الذي مثّل به الغزالي لهذا النوع من المرسل، وهو مثال تَتَرُّسِ الكفار بمجموعة من المسلمين، حيث لا يمكن دفع الكفار إلّا بقتل المسلمين المتتَرَّس بهم. (٤) فقتل المسلمين في أصله حرام ودفع الكفار حال الخوف من تسلطهم على المسلمين واجب، ومصلحة دفع الكفار يترتب عليها ارتكاب محرَّم -بل كبيرة من الكبائر- وهو قتل نفوس مؤمنة، فلذلك احتيج في مثل هذه المصلحة\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الإعتصام، ج ٢، ص ٣٥٢؛ الغزالي: المستصفى، ج ٢، ص ١٣٥.\n(٢) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢١٨.\n(٣) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢١٦.\n(٤) انظر المصدر السابق، ج ١، ص ٢١٨، ٢٢٢.","vol":"1","page":169},{"text":"إلى الشروط المذكورة.\nأما إذا كان المرسل بمعنى الذي يشهد لجنسه -ولو العالي- شاهد من مقاصد الشرع ومبادئه العامة وليس فيه ارتكاب محرّم ولا معارضة معتبرة لنص شرعي، فلا معنى عند ذلك لحصره في الضروريات فقط، أو في الضروريات والحاجيات، ما دامت هذه المصلحة من باب المعاملات القائمة على التعليل، ولم يرد ما ينقضها أو يعارضها في الشرع، بل يمكن أن تتعدى إلى التحسينيات أيضا، ولا يشترط فيها أن تكون كليّة ولا عامّة.\nويتضح هذا في مثال اتخاذ الدواوين وجمع القرآن الكريم -وهما مثالان لما عمل به الصحابة من المصالح المرسلة- فمصلحة اتخاذ الدواوين لا يترتب على الأخذ بها أية مخالفة للنصوص الشرعية أو ارتكاب لمحظور بل هي من باب النفع المحض، وكذلك الأمر في الجمع الأول للقرآن الكريم، ومن ثَمّ لا يُشترط في مثل هذه المصلحة أن تكون كلية عامة ضرورية أو حاجية، فللناس أن يتخذوا من وسائل جلب النفع ودفع الضرر ما شاءوا وفي جميع مجالات الحياة بما فيها التحسينيات مادامت لا تؤدي إلى أي محظور فإذا تبين أنها تؤدي إلى محظور أو تخرم مقاصد الشريعة وقواعدها العامة احتيج عند ذلك إلى ضبطها بالضوابط التي ذكرها الغزالي.\nومن هنا يتضح أن ما اصطلح عليه باسم المصلحة المرسلة في معناه العام تنقسم إلى قسمين:\n١ - ما كان مصادمًا لنص أو قاعدة شرعية عامة، أو لم يَجْرِ على وفق مقاصد الشريعة، فهذه تُعدّ في حقيقتها من باب المناسب الملغي وتخضع لشروط الضرورة، وقواعد التعارض والترجيح.\nوليست كلّ مصلحة عارضت نصا فهي ملغاة، وإنما التي يُقْطَع بإلغائها هي التي تعارض نصًّا بمعناه الأصولي، أي الذي لا يحتمل التأويل -سواء كان التأويل بصرفه عن ظاهره، أو بتخصيصه، أو بتقييده- أما إذا كانت المصلحة لها شاهد من الشرع وعارضت ظاهرًا يحتمل التخصيص أو التقييد فإنها تكون محلّ نظر واجتهاد. فإذا","vol":"1","page":170},{"text":"كانت المصلحة المعارضة للظاهر من نوع المناسب المؤثر أو الملائم المعمول بهما اتفاقًا فإنها لا تردّ مباشرة، وإنما تخضع للقواعد الشرعية في الجمع والترجيح كما هو الحال عند تعارض نص ظني مع قياس صحيح. (١) ولذلك نجد أن الغزالي قد قيّد المصلحة الملغاة بأنها \"ما يصادم في محلٍّ نصًّا للشرع فيتضمن اتباعُهُ تَغْيِيرَ الشرع، فهو باطل عندنا\". (٢) فالمصلحة المتفق على إلغائها لا تعارض فقط ظاهر نص من النصوص، بل تعارضه بوجه يؤدي العملُ بها إلى إلغاء النص وتغيير الشرع.\n٢ - ما لم يكن مصادمًا للنصوص والقواعد الشرعية العامّة، ولم يكن في باب التعبدات التي ثبت أن الشارع قاصد إلى الإكتفاء فيها بما شرع من غير زيادة عليه ولا إنقاص منه، فللناس أن يتخذوا منه ما شاءوا من غير قيد.\nوما دام قد ثبت أن المقصد الأعلى للشريعة هو المحافظة على مصالح الخلق بدفع المفاسد وجلب المصالح، فإن المصلحة التي تتلقاها العقول بالقبول ويشهد لنوعها أو جنسها شاهد من الشرع أو على الأقل لا تثبت مخالفتها لنصوص الشريعة وقواعدها العامة ومقاصدها المستخرجة من تلك النصوص تُعدّ مقصدًا شرعيا.\nومع القول بأن المناسبة يمحن أن تدلّ على أن المناسب الذي توفرت فيه الشروط المذكورة مقصدُ من مقاصد الشارع، إلّا أن الشاطبي يرى أن طريق المناسب المرسل لا يصح أن يُستنبط من بابه شيءُ من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل. (٣)\nومعنى ذلك أن المقاصد الأساسية للشرع تثبت بالنص عليها - سواء كان النص صريحًا أو بأن قشهد لجنسها نصوص الشارع وما يستنبط منها من قواعد عامّة- أما ما يمكن إثباته بطريق المناسبة فهو المقاصد التبعيّة التي تكون خادمة للمقاصد الأصلية أو وسيلة إليها، ولا تعارض بين قسميتها وسائل واعتبارها مقاصد، فهي\n_________\n(١) انظر في تفصيل تعارض المصلحة مع النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية: البوطي، محمد سعيد رمضان: ضوابط المصلحة في الشريعة الإِسلامية، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٤، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م)،\nص ١٣١ - ١٣٣، ١٣٩، ٢٠٠ - ٢٠١.\n(٢) الغزالي: شفاء الغليل في مسالك التعليل، ص ٢١٠.\n(٣) الشاطبي: الإعتصام، ج ٢، ص ٣٦٧.","vol":"1","page":171},{"text":"وسيلة بالنسبة إلى ما فوقها من مقاصد، وهي في الوقت ذات ٥ مقاصد في نفسها أو بالنسبة إلى ما هو دونها. وقد ثبت أن ما لا تتحقق المقاصد الأصلية إلّا به وكان مناسبًا لم يثبت إلغاؤه فالشارع قاصد إلى تحصيله، فيصير في ذاته مقصدًا شرعيا. (١)\nورأي الشاطبي هذا هو الذي يشهد له الواقع؛ ذلك أن المقاصد الأساسية للدين تمثل القواعد التي يُبنى عليها الدين والضوابط التي تضبطه وتحدِّد حدوده، ومثل هذا لا يصح أن يثبت بالمناسب المرسل؛ لأن المناسب المرسل لا يثبت في ذاته إلّا بشهادة تلك الأصول، فهو فرع عنها ولا يمكن أن يصير أصلًا لها، وإنما يثبتُ مثلُ هذه المقاصد بالنصوص الشرعية والإجماع.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٣٠٠ - ٣٠١.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفَصْلُ الخَامَسِ\nسكوت الشارع ودلالته على مقاصده</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الأول\nأنواع سكوت الشارع</span>\nتحتاج معرفة دلالة سكوت الشارع الحكيم على مقاصده إلى معرفة القرائن المصاحبة لصدور الأمر المسكوت عنه؛ إذْ إن سكوت الشارع عن الحكم في أمر من الأمور قد يكون مع توفر الدواعي إلى معرفة ذلك الحكم، وقد يكون لعدم توفر الدواعي إلى ذلك، وقد يكون لمانع.\nوالمسكوت عنه قد يكون واقعة -قولًا كانت أو فعلًا- وقعت أمام النبي - ﷺ - فسكت عن الإنكار، أو واقعة وقعت في غيبته ثُمّ نُقلت إليه، أو سؤالًا يحتاج إلى جواب ولم يجب عنه، أو تصرفًا انتشر العمل به في زمن التشريع ولم يصدر فيه حكم، أو أمرًا لم يظهر في زمن التشريع وسكت الشرع عن إعطاء حكم فيه. وبناءً على ما سبق يمكن تقسيم سكوت الشارع إلى ثلاثة أقسام أساسية، هي:\n١ - سكوت الشارع مع توفر الدواعي لإصدار الحكم.\n٢ - سكوت الشارع عند عدم توفر الدواعي لإصدار الحكم.\n٣ - سكوت الشارع لمانع.\nوفيما يأتي تفصيلها، وبيان دلالة سكوت الشارع في كل حال من تلك الأحوال.\nأولًا: السكوت مع توفر الدواعي:\nوهو ما يصطلح عليه بالترك الوجودي، وهو أن يقع الشيء ويوجد المقتضي له، ولا يصدر عن الشارع (سواء عن طريق الوحي أوعن طريق سنّة النبي - ﷺ -) قولُ ولا فعلُ لبيان حكمه. وهو إما سكوتُ عن قول أو فعل وقع في حضور النبي - ﷺ -، أو في","vol":"1","page":173},{"text":"غيبته ونُقِل إليه فسكت عنه، أو سكوتُ عن تعامل شائع بين الناس في بيئته - ﷺ - مع تحقق علمه به، أو ترك الإستفصال في حكايات الأحوال.\nأ - السكوت عن قول أو فعل وقع في حضور النبي - ﷺ -، أو في غيبته ونقل إليه:\nوهو المصطلح عليه عند الأصوليين والمحدثين بالإقرار وهو: \"أن يسكت النبي - ﷺ - عن إنكار قول أو فعل قِيل أو فُعل بين يديه، أو في عصره وعلم به\". (١) ويكون الإقرار بالسكوت عن الإنكار، أو بالكف عن الفعل. (٢)\nهل حجية الإقرار في ذات السكوت؟\nلا تكمن حجّية الإقرار في مجرد السكوت عن الإنحار والكفّ عن التغيير إذْ الإقرار لا يعني دائمًا الرّضا بالأمر المُقَرِّ وإنما ينظر فيه: فإن تضمن هذا الإقرار الرضا والموافقة فهو إقرار يُحتجّ به، وإن لم يتضمن ذلك فهو غير مُعتدّ به. فالضابط -إذًا- ليس هو مجرد السكوت، وإنما ما يحفّ به من قرائن الحال، ولذلك اشترط الأصوليون لحجية الإقرار شروطًا خلاصتها:\n١ - أن يتأكّد علمُ النبي - ﷺ - بالفعل، سواء حصل العلم بسماعه أو مشاهدته مباشرة، أو نُقِل إليه نقلًا. (٣)\nومثال الأول إقرار خالد بن الوليد على أكل الضب، ففي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِالله بْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ (٤) فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ الله - ﷺ - بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ: أَخْبِرُوا رَسُولَ الله - ﷺ - بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ فَقَالُوا: هُوَ ضَبُّ يا رَسُولَ الله، فَرَفَعَ\n_________\n(١) الزركشي: البحر الحيط، ج ٤، ص ٢٠١.\n(٢) الأشقر، محمد سليمان: أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٥، ١٤١ هـ/ ١٩٩٦ م)، ج ٢، ص ٩٠.\n(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٤) محنوذ بمعنى مشوي. انظر الرازي: مختار الصحاح، ص ٩٠.","vol":"1","page":174},{"text":"يَدَهُ. فَقُلْتُ: أَحَرَامُ هُوَ يا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: \"لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ\". قَالَ خَالِدُ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ الله - ﷺ - يَنْظُرُ\". (١)\nومثال الثاني ما نُقِل إليه من خبر اختلاف الصحابة - ﵃في تأخير صلاة العصر يوم بني قريظة فأقرّ الفريقين على اجتهادهم في فهم خطابه - ﷺ -. فقد أخرج البخاري عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ النبي - ﷺ - يَوْمَ الأَحْزَابِ: \"لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ الْعَصْرَ إِلاّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ\". فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ\". (٢)\n٢ - أن يكون الشخص الذي أُقِرّ على الفعل مسلمًا منقادًا للشرع، أما إذا كان كافرًا أو منافقًا معلوم النفاق -كما هو الحال في عبد الله بن أبيّ بن سلول- فإن إقراره على الفعل لا يُعدّ إباحة لذلك الفعل أو رضًا به، وذلك كإقراره - ﷺ - أهل الكتاب -وأهل الذمة عمومًا- على معاملاتهم وشعائرهم وعقائدهم، وسكوته - ﷺ - عن بعض ما فعله عبد الله ابن أبيّ بن سلول. فمثل هذا السكوت لا يُعدّ إقرارًا ولا حُجّة على جواز تلك الأفعال لِمَا صاحَبَه من قرائنَ تدلّ على عدم الرضا به، ولكونه إحالة على ما هو معلوم من تشريعات في تلك الأفعال وأمثالها. (٣)\n٣ - \"أن لا يكون قد عُلِمَ من حاله - ﷺ - إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه حتى يستقر ذلك شرعًا ثابتًا، وحكمًا راسخًا لا يحتمل التغيير ولا النسخ\". (٤)\n٤ - أن لا يؤديّ الإنكارُ إلما إغراء الفاعل بشرّ مما هو عليه، وإلى أن يترتب عليه مفسدة أكبر من المصلحة التي ترجى من الإنكار.\nوهذا الشرط متفق عليه في حال كون المنكِر غير الرسول - ﷺ -، أما بالنسبة لذات\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، باب (٣٣)، مج ٣، ج ٦، ص ٥٨٦.\n(٢) المصدر السابق، كتاب المغازي، باب (٣٢)، مج ٣، ج ٥، ص ٦٠ - ٦٠.\n(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٤.\n(٤) الأشقر: أفعال الرسول - ﷺ -، ج ٢، ص ١٠٩؛ وانظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٤.","vol":"1","page":175},{"text":"الرسول - ﷺ - فقد اختُلِف فيه؛ فنُسِبَ إلى المعتزلة القول به، ونُسِبَ إلى الأشعرية منعه في حقه - ﷺ - بحجة أن إنكاره ضروري لإزالة توهّم الإباحة بوصفه مشرعًا يشرِّعُ بالسكوتِ والتَّرْكِ كما يشرِّع بالقول والفعل. (١)\nوهذا الأخير هو الراجح، ودليلُ رجحانه التفريق بين مقامي الإنكار والتغيير فالإنكار- بِبَيَانِ حُكْمِ الفعل- ضروريّ ليُعرَف حكمُ الشرعِ فيه، ولا يمكن أن يسكت عنه الرسول - ﷺ - بأيّ حال، أما تغيير المنكر بتطبيق الحكم الشرعي فيمكن التخلي عنه إذا كان يؤدي إلى مفسدة أعظم، كما حديث في عدم معاقبة النبي - ﷺ - لرأس النفاق عبد الله ابن أبي بن سلول على نفاقه وعلى كثير من جرائمه، فلم يكن ذلك إقرارًا منه - ﷺ - لأفعاله، بل قد ظهر منه إنكارها، ولم يشكّ أحد في ذلك، ولكنه لم ينفذ العقوبات المستحَقّة عليه دفعًا للمفاسد التي قد تترتب على ذلك.\nوالخلاصة أن الإقرار إنما يُعدّ حجة دالّة على الجواز إذا تضمن الرضا ولم يوجد مانع معتبر يمنع من الإنكار والتغيير فإذا وُجِد مانع صحيح من البيان بالقول أو الفعل، أو تبيّن عدم تضمنه الرضا من الشارع الحكيم لم يُعدّ السكوت حُجَّة، ولا دالًاّ على أن قصد الشارع تشريع الأمر المقرّ عليه.\nب - السكوت عن تعامل شائع بين الناس:\nوهو أن يسكت الشارع- سواء كان الرسول - ﷺ - أو الوحي- عن أمر شائع بين الناس ومعاين من قول أو فعل. ويكون عدم الإنكار عليه وبيان فساده دالًاّ على رضا الشارع عنه. وذلك مثل ما كان شائعًا بين الناس في زمن الرسالة من معاملات، ومآكل ومشارب، وملابس، كانوا يستديمون مباشرتها؛ ذلك أنما الشارع لا يمكن أن يسكت عن منكر محظور ويقرّ الناس عليه، لأن وظيفة الشارع هي البيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ\n_________\n(١) انظر المحلي: شرح متن جمع الجوامع، ج ٢، ص ٩٥ - ٩٦؛ الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٤.","vol":"1","page":176},{"text":"الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧]. (١)\nومن هنا يكون هذا النوع من السكوت دليلًا على الإباحة الأصلية، وربما عُدّ نوعًا من أنواع السنّة التقريرية. (٢)\nوالداعي إلى بيان الحُكْم في مثل هذا النوع من التصرفات هو انتشارها بين الناس ومن ثَمَ حاجتهم إلى معرفة حُكْم الشرع فيها. وإذا كان تأخُّرُ نزولِ حُكْمِ فعلٍ من الأفعال الشائعة بين الناس قد يكون أحيانًا تدرجًا في التشريع -خاصة في العصر الأول للرسالة- كما حديث مع الخمر والربا ونكاح المتعة وغيرها، فإن استمرار سكوت الشارع عن ذلك إلى انقضاء عصر الرسالة يُفسَّر بكون الشارع قاصدًا إلى إقرار ذلك الفعل. وقد عَدّ الأصوليون من أنواع بيان الضرورة البيانُ بدلالة حال الساكت الذي وظيفته البيان. (٣)\nوفي هذا النوع من التصرفات يقول الإمام الشاطي: \" ... أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله - ﷺ - فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه، فلا سبيل إلى مخالفته؛ لأن تركهم لما عمل به هؤلاء (أي الرسول - ﷺ - وصحابته) مضاد له، فمن\nاستلحقه صار مخالفًا للسنّة\". (٤)\nوقد فهم جابر بن عبد الله - ﵁ - من هذا النوع من السكوت دلالته على الإباحة، فاستدل به على جواز العزل، حيث إنهم كانوا يعزلون والوحي ينزل ومع ذلك لم يَرِدْ تحريمه، فدلّ على أن سكوت الشارع عنه دليل على كونه قاصدًا إلى إباحته.\nأخرج مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ\". زَادَ إِسْحاقُ قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كاَنَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ\". (٥)\n_________\n(١) انظر السرخسي: أصول السرخسي، ج ٢، ص ٥٠، عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧.\n(٢) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٣) انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧ وما بعدها؛ والسرخسي: أصول السرخسي، ج ٢، ص ٥٠.\n(٤) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٥٤.\n(٥) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب (٢٢)، ج ٢، ص ١٠٦٥، (١٤٤٠) (١٣٦).","vol":"1","page":177},{"text":"وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ الله - ﷺ - فَلَمْ يَنْهَنَا\". (١)\nوقد يُخْتَلَفُ في اندراج بعض أنواع السكوت تحت هذا الباب، كما هو الحال في زكاة الخضراوات؛ فإن الرسول - ﷺ - بيّن الأصناف التي تجب فيها الزكاة من الزروع والثمار، وسكت عن الخضراوات مع انتشارها ووجود الداعي لبيان حُكْمها. فهل تُعدّ من هذا النوع من المسكوت عنه، فيكون السكوت عنها دليلًا على عدم وجوب الزكاة فيها؟ أم أنها لا تندرج تحت هذا النوع؟ بل هي من باب السكوتِ إحالةً على ما ورد في ما تجب فيه الزكاة من نصوص عامة فيكون السكوت فيها من باب السكوت لعدم توفر الداعي، وتأخذ حكم الزروع والثمار الأخرى وفقًا لعلّة إيجاب الزكاة فيها. وسيأتي مزيد تفصيل في هذه المسألة عند الحديث عن مسألة: هل السكوت عن النقل ينزّل منزلة نقل السكوت؟\nج - ترك الإستفصال في حكايات الأحوال:\nويندرج لم تحت هذا مسألتان:\n١ - إذا حكم الشارع في مسألة -ذات جزئيات تحتمل الوقوع على أكثر من وجه- بحكم مطلق من غير استفصال عن تلك الجزئيات ولا عن الجهة التي وقعت عليها فهل يُعدّ ذلك تعميمًا من الشارع للحكم حتى يشمل كل الجزئيات والوجوه المحتملة؟ أم أنه لا يدلّ بذاته على عموم الحكم؟ فيُقْصَر على الجزئيات التي ورد بشأنها، ولا يتعدّى إلى ما يشمله عموم ذلك الدليل إلّا بدليل آخر.\nذهب بعض الفقهاء وعلى رأسهم الإمام الشافعي إلى القول بأن ترك الإستفصال في حكايات الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. (٢) واعترض الجويني على إطلاق هذه القاعدة بأن ما اعتُبِر تركًا للإستفصال غير مُسَلَّم، إذْ قد يكون النبي - ﷺ - عالمًا\n_________\n(١) المصدر السابق، كتاب النكاح، باب (٢٢)، ج ٢، ص ١٠٦٥ (١٤٤٠) (١٣٨).\n(٢) انظر القرافي، أحمد بن إدريس: الفروق، ضبطه وصححه خليل المنصور، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م)، ج ٢، ص ١٥٣ - ١٥٩؛ والجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٣٧.","vol":"1","page":178},{"text":"بالتفاصيل فلم يحتج للسؤال عنها وأطلق جوابه بناءِ على ما عرف، من غير حاجة إلى ذكر ذلك للسائل، وذلك ما يجري عادة في الفتاوي، حيث يُطلِق المفتي جوابَه إذا علم بانطباقه على الحادثة المستفتى فيها. أما إذا تحققنا من استبهام الحال على الرسول - ﷺ - ومع ذلك نجده أطلق جوابه فإن ذلك يحون دليلًا على جريان الحكم على التفاصيل والأحوال كلها. (١)\nومثال ذلك ما روته أم سلمة - ﵂ - في المستحاضة. فني الموطأ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّ امْرَأَةً كانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ فِي عَهْدِ رَسُول الله - ﷺ - فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامَ الَّتِي كاَنَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصلاة قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّي\". (٢)\nفاستدل الحنفية بهذا الحديث على أن المستحاضة إذا كانت لها عادة معلومة فإنها ترجع إلى تلك العادة مطلقًا سواء كانت مميزة -تميز دم الحيض من غيره- أم لم تكن مميزة. (٣) ووجه عدم تفريقهم بين المميزة وغير المميزة قاعدة ترك الإستفصال المذكورة آنفًا، إذْ إن النبي - ﷺ - أفتاها باعتماد عادتها من غير استفصال عن حالها هل هي مميزة أم غير مميزة، فدلّ ذلك على استواء الحالين في الحكم. فحكمه من غير استفصال عن حال السائلة ينزل منزلة العموم لكلتا الحالين.\nوذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى التفريق بين المميزة وغير المميزة. فَتَعْتَمِدُ المميزة على التفريق بين نوعي الدم، فتمسك عن الصلاة مدة خروج دم الحيض، فإذا انقطع وظهر دم الإستحاضة اغتسلت وباشرت الصلاة وغيرها من العبادات، أما\n_________\n(١) انظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ٢٣٧.\n(٢) الموطأ، كتاب الطهارة، باب (٢٩)، ج ١، ص ٦٢.\n(٣) انظر الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م)، ج ١، ص ٤١ وما بعدها.","vol":"1","page":179},{"text":"العادةُ فَتُعْتَمَدُ عند عدم التمييز (١) واستدلوا على ذلك بنفس القاعدة، حيث ورد في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه - ﷺ - استفصل عن الحال وفرق بينهما، ففي سنن النسائي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كاَنَ ذَلِكَ فَأَمْسِكيِ عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي\". (٢)\nوبناءً على هذا التفريق فإن ما ورد في الحادثة الأخرى من عدم الإستفصال يُحَالُ على هذه الرواية ولا ينزل منزلة العموم.\n٢ - إذا سئل النبي - ﷺ - عن حكم واقعة، أو حدثت أمامه فبيّن بعض أحكامها وسكت عن أخرى، هل يدلّ سكوته عن تلك الأحكام على انتفائها؟\nمثال ذلك حديث البخاري أَنَّ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كاَنَ يَقُولُ: لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ الله - ﷺ - حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَا النبي - ﷺ - بِالْجِعْرَانَةِ (٣) وَعَلَيْهِ ثَوْبُ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيُّ عَلَيْهِ جُبَّةُ مُتَضَمِّحُ بِطِيبٍ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النبي - ﷺ - مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: \"أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ \" فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ. فَقَالَ: \"أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنعُ فَي حَجِّكَ\". (٤)\n_________\n(١) انظر الأنصاري، زكريا: حاشية الجمل على شرح المنهاج، (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٢٤٦ وما بعدها؛ البهوتي، منصور بن يونس إدريس: كشاف القناع عن متن الأقناع، راجعه وعلق عليه الشيخ هلال مصيلحي ومصطفى هلال، (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م)، ج ١، ص ١٩٦ وما بعدها؛ الخرشي، محمد: الخرشي على مختصر سيدي خليل وبهامشه حاشية الشيخ العدوي، (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٢٠٤ وما بعدها.\n(٢) سنن النسائي، كتاب الحيض والإستحاضة، باب \"الفرق بين دم الحيض ودم الإستحاضة\"، ج ١، ص ١٨٥.\n(٣) الجِعْرانة: بكسر الجيم وتسكين العين، ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج ٢، ص ١٤٢.\n(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب (٣٢)، مج ٣، ج ٥، ص ١٢٣.","vol":"1","page":180},{"text":"فأمره بنزع الجبة وغسل الطيب ولم يأمره بالكفارة؛ فهل سكوته عن الكفارة يدلّ على بقاء الحكم على الأصل، وهو أنه لا كفارة على الجاهل؟ أم أنه إنما سكت عن ذلك إحالةً على ما ورد من نصوص أخرى في وجوب الفدية على خرق محظورات الإحرام؟\nذهب المالكية والحنفية (١) إلى وجوب الكفارة بناءً على أن السكوتَ هنا إحالةُ على ما ورد من نصوص في حُكْم خرق محظورات الإحرام. وذهب الشافعية والحنابلة (٢) إلى أن السكوت هنا دليل على عدم وجوب الفدية على الجاهل. واستدلوا على ذلك بأن الأعرابي الذي يجهل حرمة لبس الجبة والتطيب على المحرم حريّ به أن يكون جاهلًا بلزوم الفدية، ولا شك أن الرسول - ﷺ - كان مدركًا لذلك، ومع ذلك سكت عن\nحكم الفدية فدلّ ذلك على عدم وجوبها. (٣)\nالمثال الثاني: قصة الرجل الذي وطئ زوجته في نهار رمضان فأمره النبي - ﷺ - بالتكفير وسكت عن حكم المرأة -حسب الروايات الواردة- فهل يدلّ ذلك على أنه لا كفارة على المرأة؟ أم أن سكوته ذلك إحالة على ما عُلِمَ من استواء الرجل والمرأة في أحكام كفارات الإفطار في رمضان؟\nروى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: جَاءَ رَجُلُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: \"أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ \" قَالَ: لا. قَالَ: \"فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ \" قَالَ: لا. قَالَ: \"أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ \" قَالَ: لا. قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بعَرَقٍ فِيهِ تَمْرُ -وَهُوَ الزَّبِيلُ (٤) - قَالَ: \"أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ\". قَالَ: عَلَى\n_________\n(١) انظر ابن عبد البر، أبو عمر يوسف: كتاب الكافي في فقه أهل الدينة المالكي، تحقيق محمد بن محمد أحيد ولد ماديك، (القاهرة: دار الهدى للطاعة، ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩ م)، ج ١، ص ٣٣٧؛ الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود: الإختيار لتعليل المختار، (القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط ٢، ١٣٧٠ هـ / ١٩٥١ م)، ج ١، ص ١٦٤.\n(٢) انظر النووي، أبو شرف يحيى بن زكريا: روضة الطالبين وعمدة المفتين، (بيروت/ دمشق: المكتب الإِسلامي، ط ٢، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م)، ج ١، ص ١٣٢؛ ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي: المغني، (القاهرة: مكتبة الجمهورية العربية/ مكتبة الكليات الأزهرية، د. ط، د. ت)، ج ٣، ص ٢٥٥.\n(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٨، ابن قدامة: المغني، ج ٣، ص ٥٠١.\n(٤) الزبيل: القُفَّه أو الزنبيل. الرازي: مختار الصحاح، ص ١٣٧.","vol":"1","page":181},{"text":"أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: \"فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ\". (١)\nفذهب الشافعية -في أظهر القولين (٢) - ورواية عن أحمد (٣) إلى اعتبار السكوت دليلًا على عدم وجوب الكفارة على المرأة، وذهب الجمهور (٤) إلى خلاف ذلك بناءً على كون السائل عالمًا بأحكام الدين، واستواء الرجال والنساء في أحكام المفطرات. (٥)\nودلالة السكوت في المثال الأخير أضعف منها في المثال الأول؛ لأن ظاهر الحديث الأول أن الأعرابي كان جاهلًا بحرمة فعله، والحكمُ أيضًا كان مجهولًا له ولغيره من المسلمين، بدليل أن رسول الله - ﷺ - انتظر نزول الحكم لإنشاء حكم للمسألة، فلو كانت عليه كفارة لأخبره بها حتى لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، أما قصة الأعرابي الذي انتهك حرمة شهر رمضان فظاهرها يفيد أن الأعرابي كان عالمًا بحرمة فعله؛ ففي بعض الروايات أنه جاء ينتف شعره، ويقول: هلكت وأهلكت، كما أن حكم فعله؟ ن معلومًا للرسول - ﷺ - وأصحابه، إذْ أفتاه الرسول - ﷺ - مباشرة بما هو ثابت من حكمٍ في المسألة، فربما بيّن له - ﷺ - حكمه هو، وأحاله على ذلك الحكم بالنسبة لزوجته، فما دام الجرم واحدًا فالكفارة واحدة، خاصة وأنه لم يرد أن الرجل سأل عن حكم زوجته، فلا يكون عدم النص على حكم المرأة نصًّا على سقوط الكفارة عنها، إذْ يجوز أن يكون الجواب على قدر السؤال، والسؤال كان عن حكم الرجل وحده.\nويستخلص من هذين المثالين التفريق بين كون المسكوت عنه قد تبيّن حكمه بدليل صحيح ويفترض في المستفتي أن يكون عالمًا به، فلا يدلّ السكوت في هذه الحال على انتفاء الحكم عن المسكوت عنه، وأن يكون المسكوت عنه مما لم يرد فيه\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) انظر النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج ٢، ص ٣٧٤.\n(٣) انظر ابن قدامة: المغني، ج ٣، ص ١٢٣.\n(٤) انظر ابن جزي، محمد بن أحمد: قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، (بيروت: عالم الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت)، ص ١٢٩؛ ابن قدامة: المغني، ج ٣، ص ١٢٣؛ الموصلي: الإختيار لتعليل المختار، ج ١، ص ١٣١.\n(٥) انظر ابن قدامة: المغني، ج ٣، ص ١٢٣.","vol":"1","page":182},{"text":"حكم من قَبْلُ، أو مما يتردد حكمه، أو يلتبس على المستفتي فيمكن أن يكون السكوت عنه دليلًا على انتفائه. (١)\nثانيًا: السكوت مع عدم توفر الدواعي:\nويندرج تحته:\nأ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه - ﷺ - من حوادث، أو عَمّا وُجِدَ في بيئات أخرى غير بيئته ولم يطّلع عليه.\nب - السكوت عَمّا عُلِمَ حكمهُ إحالة على ما هو معلوم من حكمه.\nأ - السكوت عَمّا لم يقع في زمانه - ﷺأو عَمّا وُجِد في بيئة أخرى ولم يطّلع عليه:\nوهو الذي يصطلح عليه بالترك غير المقصود، وهو أن لا يفعل النبي - ﷺ - فعلًا لعدم وجود دواعيه، بأن لا يكون موجودًا أصلًا في زمانه، وإنما حديث بعد زمان الرسالة، أو مما كان موجودًا في بيئات أخرى غير بيئته - ﷺ - وثبت أنه لم يطّلع عليه. ومثل هذا الترك لا يدلّ على حكم أصلًا، إذْ هو عدم دليل لا استدلالُ بالترك والسكوت، فإذا وُجِدَت مظنة العمل به بعد انقضاء زمن التشريع احتاج الأمر إلى حُكْم جديد يلائم تصرفات الشارع في مثله. وهو الذي قال فيه الشاطبي عند حديثه عن أنواع المسكوت عنه: \"أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله - ﷺ -، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم، كجمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك مما لم يَجْرِ له ذكر في زمن رسول الله - ﷺ -، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر الحيط، ج ٤، ص ٢٠٨؛ الأشقر: أفعال الرسول - ﷺ -، ج ٢، ص ٧٤ - ٧٥.","vol":"1","page":183},{"text":"موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال\". (١)\nومثال هذا ما أورده ابن تيمية في الردّ على المستدلين على عدم جواز دخول الحمامات بكون الرسول - ﷺ - وخلفائه من بعده لم يفعلوه، حيث يقول:\n\"ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها، أو عدم استحبابه بكون النبي - ﷺ - لم يدخلها، ولا أبو بكر وعمر فإن هذا إنما يكون حجة لو امتنعوا من دخول الحمّام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخوطا فلم يدخلوها. وقد عُلِم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمّام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الإستحباب بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان.\n\"وهذا كما أن ما خلقه الله في سائر الأرض من القوت واللباس والمراكب والمساكن لم يكن كلّ نوع منه كان موجودًا في الحجاز فلم يأكل النبي - ﷺ - من كلّ نوع من أنواع الطعام: القوت والفاكهة، ولا لبس من كلّ نوع من أنواع اللباس. ثم إن من كان من المسلمين بأرض أخرى: كالشام، ومصر واليمن، وخراسان ... وغير ذلك عندهم أطعمة وثياب مجلوبة عندهم، أو مجلوبة من مكان آخر، فليس لهم أن يظنوا ترك الإنتفاع بذلك الطعام واللباس سنّة؛ لكون النبي - ﷺ - لم يأكل مثله، ولم يلبس مثله؛ إذْ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء. وسائر الأدلة من أقواله: كأمره ونهيه وإذْنه، ومن قول الله تعالى هي أقوى وأكبر ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية\". (٢)\nب - السكوت عَمّا عُلِم حكمه إحالةً على النصوص الشرعية:\nإذا سكت النبي - ﷺ - عن فعل قد عُلِم حكمه بنص من الكتاب أو السنّة، فإن\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٣١٠. وقد نبّه الشاطبي إلى أن مثل هذه التشريعات الزائدة المبنية على المصالح المرسلة لا تدخل في التعبدات ألبتة، وإنما هي في التصرفات العادية، فقال: \" ... وأيضا فالمصالح المرسلة -عند القائل بها- لا تدخل في العبدات ألبتة، وإنما هي راجعة إلى حفظ أصل الملة، وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية. ولذلك تجد مالكًا -وهو المسترسل في القول بالمصالح المرسلة- مشددًا في العبادات أن لا تقع إلّا على ما كانت عليه في الأولين\". الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٥٤.\n(٢) ابن تيمية: مجموع فتاوى ابن تيمية، ج ٢١، ص ٣١٣ - ٣١٤.","vol":"1","page":184},{"text":"مثل هذا السكوت لا يُعدّ إقرارًا للفعل على الإطلاق، وإنما يُفَرَّقُ بين كون الفاعل مسلمًا، أو غير مسلم: منافقًا كان أو كافرًا. فإذا كان الفاعل مسلمًا فإن سكوته - ﷺ - يدلّ على الإباحةِ إن لم يسبق تحريمه، ونسخِ الحظر أو الوجوب السابق إن كان هناك واحد منهما. ودليل هذا أن النبي - ﷺ - مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيَبْعُدُ أن يكون سكوتُه إحالةً على ما هو معلوم من ححم ذلك الفعل من وجوب أو حظر؛ إذْ في ذلك إقرار للمنكر ولا يمكن أن يقع منه - ﷺ - ذلك. ونسب إلى القاضي الباقلاني القول بأن السكوت لا يدلّ على الجواز ولا على النسخ؛ لأن السكوت وعدم الإنكار مُحْتَمِل، (١) فقد يكون سكوته - ﷺ - لعلمه بأن الفاعل حديث عهد بالإسلام لم يبلغه التحريم بعد فلم يكن الفعل عليه إذْ ذاك حرامًا، وقد يكون سكوته لأنه أنكر عليه من قَبْلُ فعاند ولم ينزجر فرأى - ﷺ - أن تكرار الإنكار عليه غير مُجْدٍ.\nوما ذكره هؤلاء من احتمالات غير مؤسس، لأن احتمال عدم علم الفاعل بالتحريم لا يستدعي السكوت عليه، بل تبليغه وتعليمه، (٢) وهي مهمة الرسول - ﷺ -، واحتمال كونه أنكر عليه من قَبْل فلم ينتهِ غير مُسَلَّم أيضًا؛ إذْ عدم الإنتهاء لا يستلزم ترك الإنكار والتذكير كيف والله تعالى يقول له: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].\nأما إذا كان الفاعل منافقًا معلوم النفاق، أو كافرًا فإن سكوته - ﷺ - لا يدلّ على إقرار الفعل وإنما هو إحالة على ما عُلِم من أحكام تلك الأفعال، كما وقع منه - ﷺ - من إقرار أهل الكتاب على ممارسة عقائدهم وشعائرهم الشركيّة، فليس في ذلك إقرار لذات الأفعال وتصحيح لها، وإنما إحالة على ما ظهر واستفاض من أحكام الشريعة في تلك العقائد والشعائر فالسكوت عنها من باب عدم توفر داعي الإنكار (٣)\nومن هذا النوع من السكوت سكوتُ الشارع عما يفهم بمفهوم الموافقة، أو\n_________\n(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٢.\n(٢) انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(٣) انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧","vol":"1","page":185},{"text":"مفهوم المخالفة، فإنهما يُعدّان من أنواع المسكوت عنه، لكن إفادة كلٍّ منهما لمقتضاه لا تكون من جهة السكوت لذاته، وإنما لمدرك آخر هو إما اللغة أو القياس -على خلاف مشهور بين الأصوليين- في مفهوم الموافقة، وحكم عقلي في مفهوم المخالفة، هو ثبوت خلاف حكم الشيء لخلافه، فتخصيص شيء بالحكم يقتضي إثبات خلاف ذلك الحكم لخلاف ذلك الشيء، وإلاّ لم يكن لتخصيصه بالحكم فائدة، ويتم ذلك بشروط اشترطها القائلون بمفهوم المخالفة. (١)\nثالثا: السكوت لمانع:\nويكون ذلك في السكوت انتظارًا للوحي. (٢) فإذا سأل سائل النبي - ﷺ - عن مسألة ليس فيها حكم وسكت انتظارًا للوحي لبيان حُكْمِها فإن ذلك السكوت لا دلالة له على حكم، وإنما يؤخذ الحكم من موقفه بعد نزول الوحي. ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَتْ: يا رَسُولَ الله هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلا تُنْكَحَانِ إِلاّ وَلَهُمَا مَالُ. قَالَ: \"يَقْضِي الله فِي ذَلِكَ\". فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: \"أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ\". (٣)\n_________\n(١) انظر الجويني: البرهان، ج ١، ص ٣٠١ - ٣١١؛ الأمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٧٣ وما بعدها.\n(٢) ذكر الأصولييون حالات أخرى أدخلوها تحت السكوت لمانع. انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٣؛ الأشقر: أفعال الرسول - ﷺ -، ج ٢، ص ١٠٧. ولكنها عند التحقيق يتبين عدم دخولها في ذلك.\n(٣) سنن الترمذي، أبواب الفرائض، باب (٣)، ج ٣، ص ٢٨٠.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثاني\nالفرق بين دلالة سكوت الشارع في العبادات وسكوته في المعاملات</span>\nلمّا كانت العبادات شعائر يُقصَد بها تعظيم الله تعالى والتعبّد له، كان له جلَّ شأنه أن يختار من الشعائر ما يشاء لِيَتَعَبَّدَنَا به، ولم يكن لأحد الحقُّ في أن ينشئ شيئًا من العبادات ليتقرب بها إلى الله تعالى، لأنه لا أحد يعلم الحِكْمة من اختياره جلّ شأنه عبادات بعينها دون غيرها، ومن ثَمّ لا يمكن أن يُعبَد إلّا بما شرع.\nأما المعاملات فهي الوسائل والتدابير التي يتخذها البشر لتسيير شؤونهم الحياتية، وتلبية رغباتهم واحتياجاتهم الفردية والجماعية، ولذلك تكون واسعة ومتشعبة سعة وتشعب حاجات الفرد والمجتمع، وتتجدد بتجدد مطالب الناس الفردية والجماعية، وتتطور بتطورها، وتتسع باتساعها. ولما كان الإنسان -بما وهبه الله تعالى من وسائل الإدراك والتفكير- أهلًا للتصرف فيها إنشاءً وتطويرًا فقد أَوْ كَلَهَا الله تعالى إليه، واكتفت الشرائع في ذلك بتوجيه الإنسان وتقويمه.\nوبناءً على ما سبق كانت القاعدة: أن الشريعة تأتي مُنْشِئَةً في العبادات، في حين تأتي ضابطةً ومقنِّنةً للمعاملات.\nوصفة الإنشاءِ الأمرُ (إيجابًا وندبًا)، أما صفةُ الضبطِ والتقنينِ فهي النهيُ (تحريمًا وكراهةً)، ولذلك نجد الشعائر التعبديّة إما واجبة أو مستحبة، في حين لا نجد في المعاملات واجبات إلّا على الجملة، أي أن تكون المعاملات واجبة بالكلية من حيث يجب القيام بها لإقامة المجتمع وحفظه، ولا تكون واجبة على الأعيان إلّا في حالات الضرورة حيث يؤدي إهمالها إلى إهدار كُلِّيٍّ من الكليات الخمس، وإنما نجد أكثر الأحكام الشرعية الواردة في المعاملات من باب النواهي، سواء كان ذلك على وجه التحريم أو الكراهة. فإذا تأملت -مثلًا- أحكام البيوع لا تجد شيئًا اسمه البيوع الواجبة أو المستحبة، في حين تجد البيوع المحرمة، والمكروهة، والفاسدة، والباطلة؛ ذلك أن المعاملات بما فيها من نفع عاجل للإنسان، وبما فيها من إشباع لشهوات النفس ورغباتها تجعل الإنسان ميَّالًا إلى القيام بها والتوسع فيها بما قد يدفعه إلى","vol":"1","page":187},{"text":"تخطي الحدود المشروعة والوصول إلى الإضرار بنفسه أو بالآخرين، فتأتي الشريعة لتكبح من جماحه، وتخفف من غلواء شهواته، فتضع الضوابط التي ينبغي على الإنسان أن ينضبط بها، والحدود التي لا يحلّ له أن يتخطاها.\nلذلك فإنما سكوت الشارع في مجال المعاملات لا يُعدّ قصدًا إلى منع الزيادة على الواقع أو الإنقاص منه، إذْ إن قصد الشارع في هذا المجال ليس هو الإقتصار على ما كان موجودًا من معاملات، وإنما هو قاصد بالدرجة الأولى إلى ضبط وتقنين معاملات الناس بما يوافق أحكام الشريعة ومقاصدها، في حين يُعدّ سكوت الشارع في العبادات دليلًا على قصده إلى عدم الزيادة على ما شرعه أو النقصان منه، فيكون الأصل في العبادات الإكتفاء بما شرعه الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وهو المعنيّ بقول الرسو - ﷺ - \"وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بدْعَةٌ وَكُلُّ بدْعَةٍ ضَلاَلَةُ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ\". (١)\nهل السكوت وحده دليل التوقيف في العبادات؟\nوبناءً على ما سبق يتبيّن عند التحقيق أن سبب عدم جواز الزيادة على ما شُرِع من العبادات أو الإنقاص منه ليس هو سكوت الشارع لوحده، وإنما هو ما يبنى عليه ذلك السكوت من أن الأصل في العبادات التوقيف وأن الشارع قاصد إلى التفرّد بالتشريع فيها، ومنع أي إنشاء أو ابتداع من قِبل خلقه. فبناءً على هذا الأصل يتقرر كون سكوت الشارع دليلًا على الإكتفاء بما شرعه.\nويرى الشاطبي أن العمل في المسكوت عنه في الأمور العبادية هو الإقتصار على ما ورد في زمن التشريع من غير زيادة حتى وإن كان إطلاق الأدلة لا ينفيها، لأن إطلاق تلك الأدلة يتقيد بالعمل، أي عمل الرسول - ﷺ - وعمل الصحابة والسلف\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الإعتصام، ج ١، ص ٥٢. روى النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ الله وَيُثْنِي عَلَيهِ بمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: \"مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَن يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ. إِنَّ أصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ الله. وَأحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ. وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةْ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ. ثُمَّ يَقُولُ: \"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ\". سنن النساني، كتاب صلاة العيدين، باب الخطبة، ج ٣، ص ١٨٨ - ١٨٩.","vol":"1","page":188},{"text":"الصالح، فاقتصار عملهم على بعض ما تشمله تلك الأدلة يُعَدّ تقييدًا لإطلاقها، ورفع ذلك التقييد يحتاج إلى دليل في إعمال الوجه الجديد. ويكون العمل على الوجه الذي لم يَجْرِ به عمل الرسول - ﷺأو السلف الصالح من قبيل المعارض لما مضى عليه عملهم، وفي ذلك يقول: \"فالحاصل أن الأمر أو الإذْن إذا وقع على أمر له دليل مطلق، فرأيت الأولين قد عنوا به على وجه واستمر عليه عملهم، فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه\" (١)\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٥٥.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثالث\nعلاقة سكوت الشارع بمرتبة العفو</span>\nمرتبة العفو -على رأي القائلين بها- هي مرتبة تقع بين الحلال والحرام، والدليل على وجودها ما ورد في القرآن الكريم من نهي الصحابة - ﵃ - عن سؤال النبي - ﷺ - عما سكت عنه الشرع في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ونهي النبي - ﷺ - أيضًا عن ذلك فيما رواه الدارقطني عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ الله -﷿- فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا\". (١)\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﷺ - قَالَ: كانَ رَسُولث الله - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: \"يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالى فَرَضَ عَلَيْكُم الحَجَّ\"، فَقَامَ رَجُلُ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يا رَسُولَ الله؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَجَعَلَ يُعْرضُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: \"لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُم عَلَى أَنْبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوه\". (٢)\nفظاهر هذه النصوص أن هناك أشياء سكت عنها الشارع من غير نسيان لها، وإنما رحمة بالناس، فهي عفو باقية على الإباحة الأصلية. ويتبيّن من هذا أن سكوت الشارع عن ذكر أحكام بعض الأشياء إنما هو عفو عنها، وليس غفلة عن حكمها.\nوقد قسم الشاطبي مرتبة العفو إلى ثلاثة أقسام:\n١ - العمل بمقتضى أحد الدليلين المتعارضين وإن قوي المعارِض، وذلك في الحالات الآتية: (٣)\n_________\n(١) الدارقظني: سنن الدارقطني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، (القاهرة: دار المحاسن للطباعة، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م)، ج ٤، ص ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨١.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١١٧ - ١١٩، ١٢٠ - ١٢٠.","vol":"1","page":190},{"text":"- عند عدم إمكان الجمع بينهما، فإن إهمال أحد الدليلين -وإن كان الدليل المُهمَل قد يكون في نفسه أرجح من المعمول به- لا بُدّ أن يكون معفوًّا عنه لإستحالة التكليف بالعمل بهما معًا، لأنه يصير من باب التكليف بما لا يطاق.\n- العمل بالعزيمة وإن كان دليل الرخصة متوجِّهًا.\n- العمل بالرخصة وإن ترجح جانب العزيمة.\n- المجتهد المخطئ في اجتهاده، فإنه معفو عمّا يقع فيه من خطأ إذا استجمع شروط الإجتهاد ولم يقصر في شيء من لوازمه.\n٢ - الخروج عن مقتضى الدليل من غير قصد، أو عن قصد لكن بتأويل سائغ. ومثال ذلك عمل الشخص على خلاف دليل لم يبلغه، فإنه معفو عن خطأه ذلك، وكذلك عمل الشخص على وفق دليل بلغه لكنه غير صحيح أو منسوخ، ومن ذلك العمل على خلاف الدليل خطأً، أو نسيانًا، أو إكراهًا، (١) لقوله - ﷺ -: \"إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ\". (٢)\n٣ - العمل بما هو مسكوت عن حكمه.\nولكن قد يُعقرض على إدخال المسكوت عن حكمه ضمن مرتبة العفؤ إذْ الثابت من قواعد الشريعة أن أحكام الأشياء تثبت إما بالنص عليها، وإما بإلحاقها بالمنصوص عليه، فلا نازلة إلّا ولها في الشريعة حكم، ومن ثَمّ فإن ما يسمى \"المسكوت عنه\" داخل ضمن دائرة الإجتهاد التي أساسها إلحاق المجهول حكمه بما هو معلوم الحكم، خاصة المنصوص عليه منها. ويكون مؤدى هذا نفي عَدِّ المسكوت عنه من باب العفو.\nوفي المقابل نجد النصوص التي سبق ذكرها في أدلة اعتبار مرتبة العفو تشير إلى أن المسكوت عنه قد يدخل في باب العفو وقد رجح الشاطبي هذا الأخير، وقسّم\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١١٧ - ١١٩، ١٢١ - ١٢٤.\n(٢) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب الطلاق، باب (١٦)، ج ١، ص ٣٧٧.","vol":"1","page":191},{"text":"المسكوت عنه الذي يُعدّ من باب مرتبة العفو إلى ثلاثة أنواع:\nأ - ترك الإستفصال مع وجود مظنتة، أي إصدار الشارع حكمًا عامًّا دون تفريق بين جزئيات المحكوم عليه مع علمه بها. ومثال ذلك إحلال طعام أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فإن عموم كلمة الطعام تشمل ضمن ما تشمل قرابينهم التي يذبحون لأعيادهم وكنائسهم. فهل ما في تلك الذبائح من زيادة تنافي مبادئ الإِسلام يجعلها مستثناة من الإحلال؟ أم أنّها تحون عفوًا فتدخل ضمن ما أُحِلّ بناءً على أن الشارع تعالى كان عالمًا بها ولم يفصل لها حكمًا خاصًّا بها؟ وقد رُوِي عن مكحول أنه لما سئل عنها قال: \"كُلْهُ، قد علم الله ما يقولون وأحل ذبائحهم\". (١)\nب - ما حرّمه الإِسلام من عادات الجاهلية بالتدرج، فإن ما ارتُكِبَ منه أثناء التدرج في التحريم وقبل صدور الحكم النهائي يُعدّ معفوًّا عنه، وذلك مثل ما شُرِب من الخمر وأُكِل من الربا قبل صدور التحريم المطلق، ويشهد لذلك قوله تعالى في الخمر: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. وقوله في الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٢)\nج - ما عمل به الناس من عبادات ومعاملات موروثة عن ملّة إبراهيم - ﵇ -، أو مما جرت به أعرافهم قبل أن يأتي الشرع بإقرار ما أقر منه ونسخ ما نسخ، وتقويم ما قوَّم، فكل ما عمل به على ذلك فهو عفو (٣)\nوبناءً على ما تقدّم يمكن أن يفهم أن الشاطبي يرى أن المسكوت عنه الذي يدخل ضمن دائرة العفو -بعد استقرار الشريعة وتمامها- ينحصر في نوع واحد، هو ترك الإستفصال مع وجود مظنته.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١٢٤؛ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج ٦، ص ٧٦.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١٢٥.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١٢٥.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الرابع\nهل السكوت عن النقل نقل للسكوت (هل ترك النقل ينزل منزلة نقل الترك)</span>؟\nذهب البعض إلى أن عدم نقل الصحابة - ﵃ - لما لو فعله النبي - ﷺ - لتوفرت هممهم ودواعيهم لنقله يُنَزّل منزلة نقلهم لتركه - ﷺ - لذلك الأمر ومن ثَمّ يُستدل به على عدم مشروعية العمل على خلاف ذلك الترك.\nوقد نصر ابن قيم الجوزية هذا الرأي، وجعل عدم النقل هذا طريقًا من طرق نقل الترك، وسنّة من السنن، حيث يقول: \"والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم-أو أكثرهم أو واحد منهم-على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلِم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنيّة عند دخوله في صلاة الصبح، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات ... فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هَدْيِه وسنّته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِل لاستحبّ لنا مُسْتَحِبُّ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحبّ لنا مستحِبُّ آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ... \". (١)\nويرى ابن العربي أن عدم النقل قد يُنزَّل منزلة عدم الدليل، لا وجود الدليل، وهو ما استدل به على ردّ هذهب المالكية في عدم وجوب الزكاة في الخضروات، كما سيأتي بيانه.\nوالقول بأن كل ما لم ينقل عن النبي - ﷺ - فعله فهو مسكوت عنه وينزّل منزلة النص على أن حكمه الإباحة أمر خطير؛ إذْ قد يؤدي إلى منع إجراء العموم على عمومه ليشمل ما لم يثبت عن النبي - ﷺ - فعله، وكذلك يقتضي منع القياس، ومقتضى هذا أن تحصر أفراد العام فيما نقل عن الرسول - ﷺ - فعله فقط، وهذا فيه ما فيه. (٢)\n_________\n(١) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، ج ٢، ص ٣٧١ - ٣٧٢.\n(٢) انظر الأشقر: أفعال الرسول - ﷺ -، ج ٢، ص ٦٥.","vol":"1","page":193},{"text":"والذي يبدو هنا أن الضابط ليس مجرد ترك النقل، ولا حتى نقل الترك لوحدهما، إذْ أن كليهما لا يدلّ مستقلًا عن القرائن على حكم، وإنما الضابط هو ما يحفّ بذلك الترك من قرائن، وأساس ذلك ثلاثة أمور:\n١ - التفريق بين الشعائر التعبديّة والمعاملات، بكون الأصل في الأولى التوقيف، فلا يدخلها -بناءً على ذلك- الإجتهاد والقياس لعدم معقوليّة المعنى الذي خُصّت من أجله بالتشريع دون غيرها من الشعائر وفي الثانية الإجتهاد فيدخلها القياس.\n٣ - ورود عموم قولي يشمل المتروك وغيره، فإذا لم يرد عموم قولي يشمل المسكوت عنه، وكان المسكوت عنه تعبديًّا عتُبِر السكوتُ بمثابة قصد الشارع إلى عدم الزيادة على المسكوت عنه ولا النقصان منه، أما إذا ورد عموم قولي يشمل المسكوت عنه وغيره، أو كان المسكوت عنه ليس تعبديًا فإن السكوت لا دلالة له على منع الزيادة أو الإنقاص. ويتضح هذا من خلال المثال الآتي في التفريق بين المسكوت عنه في العبادات وفي إخراج الزكاة من الخضروات.\n٣ - النظر في سبب السكوت، هل كان سكوتَ رضا وإقرار، أم أنه كان سكوتًا لعدم توفر دواعي البيان بالقول أو الفعل، أم أنه كان سكوتا لمانع، كما سبق تفصيله.\nسكوت الشارع عن إخراج الزكاة من الخضروات:\nمن المسائل التي اختلف الفقهاء في دلالة سكوت الشارع عنها مسألة إخراج الزكاة من الخضروات. فقد ذهب المالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أنه لا زكاة فيها بحجة أنها كانت شائعة بين الناس في زمن الرسول - ﷺ - ولم يثبت عنه أنه أخذ الزكاة منها ولا أمر عماله بذلك، فدلّ على أنه لا زكاة فيها، وأن عدم نقل ذلك ينزل منزلة نقل ترك\nأخذ الزكاة فيها وأن هذا مخصص لعموم ما ورد في الزكاة من نصوص (١).\nوذهب أبو حنيفة ومن تبعه إلى القول بوجوب الزكاة فيها (٢). واحتجوا بأن عدم\n_________\n(١) انظر ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين، ج ٢، ص ٣٧٢، وابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد: مقدمات ابن رشد، (بيروت: دار صادر، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٢) انظر في تفصل آراء الفقهاء وأدلتهم فيما تجب فيه الزكاة الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف الكويتية، ج ٢٣، ص ٢٧٨ - ٢٨٠.","vol":"1","page":194},{"text":"النقل لا يُعدّ دليلًا على عدم وجوب الزكاة فيها، وإنما هو عدم دليل فيحال على ما في نصوص القرآن والسنة من أدلة أخرى. وقد وردت نصوص عامة في القرآن والسنة تفيد وجوب إخراج الزكاة مما أخرجت الأرض، منها:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].\n٣ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].\n٤ - قوله - ﷺ -: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ\" (١).\nواعتمادًا على ذلك قال ابن العربي: \"فإن قيل: فلم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أخذ الزكاة من خضر المدينة وخيبر؟ قلنا: كذلك قال علماؤنا، وتحقيقه أنه عدم دليل، لا وجود دليل. فإن قيل: لو أخذها لنقل. قلنا: وأيُّ حاجة إلى نقله والقرآن يكفي فيه\" (٢).\nومما يدعم الرأي الثاني -القائل بعدم حصر الزكاة في المنصوص عليه بالسنّة- ما ثبت في السنّة من وجوب الزكاة في أربعة أصناف (٣) فقط: الحنطة، والشعير والتمر والزبيب (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (٥٧)، مج ١، ج ٢، ص ٤٥٨ - ٤٥٩، الحديث (١٤٨٣).\n(٢) ابن العربي: أحكام القرآن، ج ٢، ص ٧٥٢.\n(٣) أكثر الأحاديث الواردة ذكرت أربعة أصناف، وزيد صنف خامس (الذرة) في حديث ابن ماجة عن عمرو بن شعيب الآتي ذكره.\n(٤) احتج القائلون بحصر الزكاة في الأصناف المذكورة بما رواه ابن ماجة عَن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَن أَبيِهِ عَنْ جَدَّهِ قَالَ: \"إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ: فِي الْحَنطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالَذرَةٍ\". سنن ابن ماجة، أبواب الزكاة، باب (١٦)، ج ١، ص ٣٣٤. الحديث (١٨١٥) وحديث الحاكم عن أبي موسى ومعاذ أن رسول الله - ﷺ - بعثهما إلى اليمن فأمرهما أَلّا يأخذا الصدقة إلّا من هذه الأربعة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب\". الحاكم، أبو عبد الله: المستدرك على الصحيحين، (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت)، كتاب الزكاة، ج ١، ص ٤٠١.","vol":"1","page":195},{"text":"وسكتت السنّة عن كلّ ما عدا هذه الأربعة، (١) ومع ذلك اتفق أصحاب المذاهب الأربعة -ومنهم المانعون للزكاة في الخضراوات- على أن ما تجب فيه الزكاة معلّل وليس توقيفيًّا، بمعنى أنه وإن كان أداء الزكاة في نفسه عبادة فإن ما تجب فيه الزكاة من أصناف مُعلّل وخاضع للقياس، ولذلك نجدهم قد عَدَّوْا الحكم إلى أصناف أخرى غير الأربعة الواردة في السنّة، كلّ بحسب ما رآه علّة لإيجاب الزكاة. وكان الأحرى بالقائلين بعدم وجوب الزكاة في الخضروات لعدم النص عليها الإقتصار على الأصناف المذكورة، وجعل ذلك توقيفيًّا غير معلل، فالقول بتعليل هذا الحكم وتعديته إلى غير الأصناف المذكورة يفسح المجال لتعديته إلى كلّ ما هو مسكوت عنه بما في ذلك الخضروات إذا توفرت فيها العلة.\nونظير هذه المسألة مسألة الربا، فما ورد عن الرسول - ﷺ - أنه أجرى فيه الربا محصور في الأصناف الستة الواردة في الأحاديث، ولم يثبت عنه أنه أجرى الربا في غيرها، ومع ذلك لم يَعُدّ جمهور العلماء ذلك حصرًا للربا في تلك الأصناف، وإنما اعتبروه حكمًا معلّلًا يتعدى إلى ما يشترك معها في العلة، كلّ على حسب العلّة التي علّل بها الحكم. (٢)\nويمكن التوفيق بين الحصر الوارد في السنّة وعموم ما ورد في القرآن الكريم من وجوب إخراج الزكاة في كلّ ما أخرجت الأرض، بأن الرسول - ﷺ - لم يفرض في الخضروات الزكاة لعدم شيوعها وقلة شأنها في ذلك الوقت، وكون ما تنتجه لا يضل عادة إلى النصاب، فلذلك لم ينص عليه ضمن الأصناف التي تجب فيها الزكاة، أو يحمل على أنه إحالة لهم على عموم النصوص.\n_________\n(١) لم يصح في زكاة الخضراوات حديث، وما ورد فيها لا يرقى إلى مرتبة الحسن، لكونها إما مراسيل، أو في إسنادها مجاهيل أو ضعفاء ومتروكين. انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٥، ص ١٤٢ - ١٤٤، وقد قال الترمذي: \"وليس يصح في هذا الباب (زكاة الخضراوات) عن النبي - ﷺ - شيء\". سنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب (١٣)، ج ٢، ص ٧٥، إثر الحديث (٦٣٨).\n(٢) انظر ابن العربي: أحكام القرآن، ج ٢، ص ٧٥٢.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>البَابُ الثَّاني\nاستخلاص المقاصد من طريق الاستقراء</span>\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: مفهوم الاستقراء وأنواعه\nالفصل الثاني: الاستقراء في القرآن الكريم والعلوم الشرعية\nالفصل الثالث: الاستقراء عند الإمام الشاطبي\nالفصل الرابع: الاستقراء عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور\nالفصل الخامس: دراسة تقييمية للإستدلال الإستقرائي\nالفصل السادس: دراسة تطبيقية لمسلك الاستقراء","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفَصْلُ الأَوّل\nمفهوم الاستقراء وأنواعه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>تَمْهِيد</span>\nالإستدلال الإستقرائي من مناهج الإستدلال التي ثار حول جدواها في المبحث العلمي نقاش طويل، بين مهوِّن من قيمته، ورافع من شأنه إلى مرتبة إفادة اليقين. والمتتبع للسير التاريخي لهذا الإستدلال يجد أنه شهد تطورات منذ عهد أرسطو إلى عصرنا هذا، سواء في مفهومه أو في ميادين استخدامه.\nويهدف هذا المبحث إلى دراسة القضايا الأساسية الآتية: بيان مفهوم الاستقراء في المنطق القديم والحديث بحكم أن الاستقراء في أساسه مبحث منطقي، وأهم التطورات التي شهدها الإستدلال الإستقرائي، وهل الاستقراء دليل يمكن أن يوصل إلى نتائج يقينية، أم أنه لا يعدو مرتبة التعميمات الظنية؟ ثم تتناول الدراسة الإستدلال الإستقرائي عند علماء المسلمين، مع تخصيص كل من الشاطبي، ومحمد الطاهر بن عاشور بالدراسة، ثم محاولة استجلاء الفروق بين الاستقراء في مجال العلوم الطبيعية التجريبية، والاستقراء في مجال العلوم الإنسانية والإجتماعية.\nوالغرض من بحث هذه القضايا هو: أولا: تحقيق القول في معنى الاستقراء، وأهميته في المبحث العلمي، وثانيا: الإجابة عن كثير من الإشكالات والإعتراضات الواردة على استخدام الاستقراء في العلوم الشرعية بصفة عامة، وفي الكشف عن مقاصد الشارع بصفة خاصة.\nثم تختم الدراسة بنماذج تطبيقية للإستقراء بوصفه مسلكًا من مسالك الكشف عن مقاصد الشارع.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الأول\nمفهوم الاستقراء</span>\nتعريف الاستقراء لغةً:\nالاستقراء لغة مأخوذ من الفعل الثلاثي \"قرأ\"، الذي من معانيه الجمع والضم. جاء في لسان العرب: \"قرأت الشيء قرآنًا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض\". (١)\nوالاستقراء على وزن الإستفعال، مصدر استفعل، وهو أحد أوزان الفعل الماضي الثلاثي المزيد فيه ثلاثة أحرف، ومن معانيه الطلب، نحو استرحمت الله تعالى، أي طلبت إليه الرحمة. (٢)\nوعلى هذا يكون الاستقراء مصدر استقرأ، أي طلبُ الجزئيات وتتبعها، وضمُّ\nبعضها إلى بعض للحصول على نتيجة كلية.\nتعريف الاستقراء اصطلاحًا:\nيلاحظ الناظر في تعريف الاستقراء اصطلاحًا وجود اتجاهين في ذلك: اتجاه المنطق القديم الذي يجعل الإستدلال الإستقرائي موازيًّا أو قسيمًا للإستدلال الإستنباطي بجعل الأول يسير من الجزئيات إلى الكليات، والثاني يسير في الإتجاه المعاكس، أي من الكليات إلى الحزئيات، أما الإتجاه الثاني فيتزعمه بعض رواد المنطق الحديث، وهو اتجاه يسعى إلى توسيع مفهوم الاستقراء ومجال تطبيقه.\nأولًا: الاستقراء في اصطلاح المنطق اليوناني:\nيمثِّل أرسطو المؤسس الفعلي للمنطق اليوناني، ومن ثَمَّ فإن أي تعريف بالاستقراء في المنطق اليوناني ينبغي أن يستند إلى أعماله. والناظر في أعمال أرسطو المنطقية يجد أنه لم يحتفِ بالاستقراء احتفاءه بالبرهان والقياس، ذلك أنه جعل الإستدلال\n_________\n(١) ابن منظور الإفريقي: لسان العرب، (بيروت: دار صادر، د. ت)، ج ١، ص ١٢٨.\n(٢) انظر: د. إميل بديع يعقوب، وميشال عاصي: المعجم المفصل في اللغة والأدب، (بيروت: دار العلم للملايين، ط ١، ١٩٨٧ م)، ج ١، ص ٩٥.","vol":"1","page":200},{"text":"الإستقرائي استدلالًا ساذجًا يستعمل مع العوام، حيث يقول: \"والاستقراء هو أكثر إقناعًا وأَبْيَن وأعرف في الحس، وهو مشترك للجمهور فأما القياس فهو أشد إلزامًا للحجة، وأبلغ عند المناقضين\"، (١) ويقول: \"وقد ينبغي أن فستعمل في الجدل: أما على الجدلين فنستعمل القياس أكثر من استعمالنا إياه مع العوام من الناس، ويجري الأمر في الاستقراء بالعكس: بأن نستعمله في أكثر الأحوال مع العوام\". (٢)\nوقد عرَّف أرسطو بالاستقراء التام في كتاب \"التحليلات الأولى\" بجعله يتألف من علاقة قياسية بين حَدٍّ وآخر عن طريق الحدِّ الأوسط، حيث قال: \"والاستقراء هو أن يبرهن بأحد الطرفين أن الطرف الآخر في الواسطة موجود، ومثال ذلك أن تكون واسطة (أ) و(ج) هي (ب)، وأن تبين بـ (ج) أن (أ) موجودة في (ب) ... ومثال ذلك أن يكون (أ) طويل العمر و(ب) قليل المرارة، و(ج) الجزئيات الطويلة الأعمار كالإنسان، والفرس، والبغل. ف (أ) موجودة في كل (ج -)؛ لأن كل قليل المرارة فهو طويل العمر و(ب) -أي القليل المرارة - موجود في كل (ج) \". (٣) وبيان هذا المثال في الشكل القياس الآتي:\n١ - الإنسان والحصان، والبغل ... إلخ. طويلة العمر\n٢ - الإنسان والحصان والبغل .... إلخ. هي كل الحيوانات قليلة المرارة.\n٣ - كل الحيوانات قليلة المرارة طويلة العمر\nودليل كون المقصود بهذا النوع من الاستقراء هو الاستقراء التام أنه أشار بعد هذا المثال إلى ذلك، حيث قال: \"وينبغي أن نفهم من (ج) جميع جزئيات الشيء العام، لأن الاستقراء لجميع جزئيات الشيء العام يبين النتيجة\". (٤)\n_________\n(١) أرسطو: منطق أرسطو، حققه وقدم له الدكتور عبد الرحمن بدوي، (الكويت: وكالة المطبوعات/ بيروت: دار القلم، ط ١، ١٩٨٠ م)، ج ٢، ص ٥٠٧.\n(٢) نفس المصدر، ج ٣، ص ٧٣٤.\n(٣) نفس المصدر، ج ١، ص ٣٠٧.\n(٤) أرسطو: منطق أرسطو، حققه وقدم له الدكتور عبد الرحمن بدوي.","vol":"1","page":201},{"text":"وفي كتاب الجدل يقدم تعريفًا لما يمن اعتباره الاستقراء الناقص، حيث عرفه بأنه: الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، وذلك في قوله: \"الطريق من الأمور الجزئية إلى الأمر الكلي. مثال ذلكُ أنه إن كان الربان الحاذق هو الأفضل، فالأمر كذلك في الفارس، فيصير بالجملة الحاذق في في كل واحد من الصنائع هو الأفضل\"، (١) وقوله: \" ... أما في حال استعمالك الاستقراء فإنك تتدرج من الأشياء الجزئية إلى القضية الكلية، ومن الأشياء المعروفة إلى التي هي غير معروفة\". (٢) فهذا هو الاستقراء الناقص الذي هو انتقال من الجزئيات المعروفة، أي التي شملها الاستقراء، إلى القضية الكلية التي تشمل الجزئيات المعروفة والتي تشبهها مع عدم شمول الاستقراء لها.\nثانيًا: الاستقراء في اصطلاح علماء المسلمين:\nالناظر في تعريفات المناطقة المسلمين للإستقراء يجد أنه لا يخرج عن الإطار العام الذي وضعه فيه المنطق اليوناني، وهو الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، لنصل إلى الحكم على الكلي بما وُجِد في الجزئيات. وليس هذا بالغريب إذ إن أعمال أكثر الفلاسفة المسلمين في المنطق هي ترجمات لأعمال أرسطو وشروح وتعليقات عليها. وإن كانت تلك الأعمال لم تخل من انتقادات وتعديلات، وبعض الإضافات، إلَّا أنها في إطارها العام تبقى دائرة في فلك المنطق اليوناني بصفة عامة، والأرسطي بصفة خاصة.\nفقد عرفه ابن سينا بأنه: \"الحكم على كل بما وُجِد في جزئياته الكثيرة، مثل حكمنا بأن كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الأسفل استقراءً للناس، والدواب البرّية، والطير. (٣)\nوقريب من هذا التعريف تعريف أبي حامد الغزالي له بأنه: \"أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كل، حتى إذا وجدت حكمًا في تلك الجزئيات، حكم على\n_________\n(١) نفس المصدر، ج ٢، ص ٥٠٧.\n(٢) نفس المصدر، ج ٣، ص ٧٢٨.\n(٣) ابن سينا: الإشارات والتنبيهات مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق الدكتور سليمان دنيا، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٠ م)، ج ١، ص ٤١٨.","vol":"1","page":202},{"text":"ذلك الكلي به\". (١)\nوهذه التعريفات -كما سيتبين فيما بعد- هي تعريفات لنوع واحد فقط من أنواع الاستقراء، وهو الاستقراء الناقص.\nوالملاحظ من خلال التعريفات السابقة سواء عند أرسطو أو عند الفلاسفة المسلمين أنها تمثل اتجاهًا واحدا، وهو الإتجاه الذي يقصر الاستقراء على السير بالإستدلال في جهة واحدة: مما هو أقل كلية إلى ما هو أكثر كلية، فهو ينطلق من دراسة جزئيات أو أفراد تجمعها خصائص مشتركة، وتنضوي تحت كلي واحد، ليصل من خلال ذلك إلى اكتشاف حكم مشترك تتم صياغته في شكل تعميم كلي يشملها ويشمل ما يُشبهها، ويشترك معها في الخوع أو الصنف.\nثالثًا: الاستقراء في اصطلاح المنطق الغربي الحديث:\nيرى أصحاب هذا الإتجاه أن تعريفات المنطق اليوناني للإستقراء ناقصة، ولا تمثل إلَّا مرحلة من مراحل العملية الإستقرائية، والاستقراء في رأيهم عملية أوسع من ذلك. وفيما يأتي تعريفات لبعض أعلام هذا الإتجاه:\n١ - عرفه جون ستوارت ميل (J.S.Mill)  بأنه: \"عملية اكتشاف وبرهنة القضايا العامة\". (٢) وفي معناه\nتريف ويليامز دونالد (Williams Donald)  بأنه: \"ذلك الضرب\nمن ضروب الإستدلال، الذي يكشف لنا عن قانون عام، أو يبرهن عليه\". (٣)\n٣ - أما عند جون ديوي فـ \"الاستقراء اسم يطلق على مجموعة طرائق تقرر بها عن حالة معينة أنها تمثل غيرها، وهي عملية يعبر عنها كونُ تلك الحالة المذكورة\n_________\n(١) الغزالي، أبو حامدة معيار العلم في فن المنطق، شرح أحمد شمس الدين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٠ هـ / ١٩٩٠ م)، ص ١٤٨.\n(٢) جون ستوارت ميل (J.S.Mill):  منهج المنطق\n(of Logic A System)  نقلًا عن د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ١٩٨٨ م)، ص ٣٠٨.\n(٣)  Williams Donald: the Goound of Inducation\nنقلًا عن الدكتور زكي نجيب عمود: المنطق الوضعي، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٤، ١٩٦٦ م)، ج ٢، ص ٢٩٧.","vol":"1","page":203},{"text":"نموذجًا أو عيِّنة\". (١)\nوينتقد جون ديوي المفهوم الشائع للإستقراء من كونه مجرد انتقال من الجزئيات إلى التعميمات الكلية عن طريق الملاحظة ويَسِمُه بالقصور ويراه موروثًا من المنطق القديم لم يَعُد مناسبًا للمناهج العلمية التي يتبناها المنطق الحديث.\nفالمنطق القديم (اليوناني) في تطبيقه للمنهج الإستقرائي يكتفي بأخذ الأشياء وصفاتها \"كما هي قائمة\" (٢) دون أن يُحدث فيها أي تغيير أي أنه يعتمد مجرد الملاحظة أما في المنطق الحديث فإن المستقرئ لا يكتفي بأخذ الأشياء على ما هي عليه، بل كثيرًا ما يتدخل في مرحلة التجربة بإجراء تحويرات تجريبية للأشياء وصفاتها يحوطا بها عن حالتها الطبيعية التي جاءتنا بها. (٣) ويرى جون ديوي أن هذا التدخل عنصر أساس في عملية الاستقراء، وأن أي نظرية تهمل مثل هذه الإجراءات التحويرية نظرية معيبة من أصلها. (٤)\nيتبين من خلال تعريفات أصحاب هذا الإتجاه أن الاستقراء في مجال العلوم التجريبية يتم عبر مرحلتين متعاكستي الإتجاه، المرحلة الأولى: يتم فيها ملاحظة وتجميع الجزئيات على حالتها الطبيعية للخروج بفرضية، أو ما يمكن أن نسميه التعميم الإستقرائي، وهذه المرحلة يتم فيها الإنتقال من الجزئيات إلى الكليات، وهي متفقة مع مفهوم الاستقراء عند أصحاب الإتجاه الأول، أما المرحلة الثانية: فتجري في خط معاكس للأول، حيث تتم عملية إثبات التعميم المتوصل إليه في المرحلة الأولى بإجراء سلسلة من التجارب على جزئيات مُعَدَّة إعدادًا للبحث من خلال إخضاعها لظروف وشروط مختلفة، ويكون ذلك التعميم بمثابة الموجه لِمَا عسانا أن نقوم به في هذه المرحلة من مشاهدات وتجارب. وعلى هذا تصير الفروض التعميمات المتوصل إليها\n_________\n(١) ديوي، جون: المنطق نظرية المبحث، ترجمة وتصدير وتعليق الدكتور زكي نجيب محمود، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٠ م)، ص ٦٧٢.\n(٢) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٦.\n(٣) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٦.\n(٤) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٨.","vol":"1","page":204},{"text":"ليست غاية في ذاتها، بل وسائل إلى تحديد المفردات تحديَدًا تجريبيًّا باعتباره الغاية المتحققة بتلك الوسائل. وهذه المرحلة فيها نوع من السير من الكلي إلى الجزئي.\nويرى جون ديوي أن المرحلة الثانية هي الأهم في الإستدلال الإستقرائي، وهي التي تتمثل في إعادة تكوين المفردات التي كانت أساسًا للتعميم إعادة موجهة بغرض تقرير ما يحدث خلال التفاعل الذي يقع في الحالة المفردة الواحدة من خلال فحصها في ظروف متباينة، وتحت شروط متنوعة للوصول إلى الحالة الواحدة التي تمثل عيِّنة نموذجية لمجموعة من التفاعلات أو الإرتباطات، فكأن الاستقراء في هذه المرحلة يسعى إلى اكتشاف القانون العام من خلال عيِّنة نموذجية ليتم تعميمه بعد ذلك على الحالات المشابهة لها. (١) وهذا يشبه عملية تنقيح المناط في مسالك العلة.\nوينبغي التنبيه هنا على أن الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الثاني لا يمكن تطبيقه بكامل عناصره على القضايا التاريخية والتشريعية، إذ لا يمحن في مثل هذه الحالات التدخل في الجزئيات المندرجة تحت التعميم الإستقرائي لتوفير عينات معدة إعدادًا خاصًّا للبحث بإيجادها في ظروف مختلفة وتحت شروط معينة؛ إذ هي بالنسبة للحوادث التاريخية حوادث مضت وانقضت، ولا يمكن استرجاعها، وبالنسبة للشرائع، أحكامها ونصوصها قد صدرت، ولا يمكن استنزال نصوص جديدة، وإنما هو الإجتهاد فيها لإعطاء أحكام لما يستجدّ من أحداث، وغاية ما يمكن عمله في هذين المجالين هو تطبيق الاستقراء بمفهومه عند أصحاب الإتجاه الأول، أي استقراء الجزئيات الموجودة للخروج بنتيجة كلية.\nوهنا يتبين أن الاستقراء بمفهومه الثاني هو استقراء خاص بالعلوم الطبيعية والتجريبية، ولا يصلح تطبيقه في العلوم الشرعية.\nالعلاقة بين الاستقراء والإستنباط.\nيسلك العقل البشري في التعرف على الحقائق وإثباتها مسلك الإستدلال، ويتم\n_________\n(١) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٦٣ - ٦٧٨.","vol":"1","page":205},{"text":"هذا الإستدلال وفقًا لأحد طريقين رئيسين: أحدهما الإستدلال الإستنباطي، والثاني الإستدلال الإستقرائي. وقبل الحديث عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط يحسن التعريف بالإستنباط، وتحديد مفهومه بداية لتسهل المقارنة بعد ذلك.\nيُعرَّف الإستدلال الإستنباطي بأنه: \"انتقال الذهن من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات إلى قضية أخرى هي النتيجة وفق قواعد المنطق\". (١)\nفالسير الفكري في الإستدلال الإستنباطي يكون من الكلي إلى الجزئي، أو من العام إلى الخاص، ويلاحظ أن النتيجة فيه تكون عادة مستبطَنَة في المقدمات، لذلك فهي دائمًا إمَّا مساوية، أو أصغر من تلك المقدمات. ويمثل الإستدلال القياسي الصورة النموذجية للدليل الإستنباطي. (٢)\nوقد أُثِيرَت عدة اعتراضات على هذا التعريف الشائع للإستنباط، من كون سير الإستدلال فيه يكون دائمًا مِمَّا هو أعم إلى ما هو أقل تعميما. وليس هذا موضع مناقشة هذا التعريف ولا الاعترضات الواردة عليه، وتكفي الإشارة هنا إلى أن هذا التعريف ينطبق عادة على الإستنباط في قضايا العلوم الإجتماعية والإنسانية، لكنه ليس كذلك في موضوع الإستدلال الرياضي، الذي نجد فيه نتيجة الإستنباط قد تكون أضيق مفهومًا من المقدمات، وقد تكون مساوية لها، وقد تكون أوسع منها. (٣)\nأما عن العلاقة بين الاستقراء والإستنباط، فإن بينيما جملة من الفروق، منها أننا في الاستقراء ننتقل عادة من الجزئيات إلى القانون العام الذي يحكمها، في حين\n_________\n(١) مجمع اللغة العربية: المعجم الفلسفي، (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م)، ص ١٢.\n(٢) انظر د. عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، ج ١، ص ١٤٥؛ والموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، بإشراف م. روزنتال، وب. يودين، ترجمة سمير كرم، (بيروت: دار الطليعة، ط ٦، ١٩٨٧ م)، ص ٢٧ - ٢٨.\n(٣) انظر في مدى انطباق التعريف الشائع للإستنباط على الإستدلال الرياضي جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٢ - ٦٥٣.","vol":"1","page":206},{"text":"أننا في الإستنباط نسير سيرًا معاكسًا، أي من القوانين العامة إلى الجزئيات التي تندرج تحتها، وبناءً على هذا يرى البعض تحامل الاستقراء والإستنباط، حيث نقوم عن طريق استقراء المعطيات الجزئية باستنتاج قانون عام، ثم نقوم باختبار هذا القانون العام عن طريق استنباط معطيات منه؛ فإذا تمكَّنَّا من الإستنباط بدون عائق وبدون تناقضات تكون قد تمت البرهنة على صدق ذلك القانون، (١) وعلى ذلك يمكن أن يوصف منطق الاستقراء بأنه منطق الاكتشاف، ومنطق الإستنباط بأنه منطق البرهان.\nومنها أن نتيجة الاستقراء نصل إليها بعد القيام بسلسلة من الملاحظات والتجاوب، وبتعبير جون ديوي يمثل الاستقراء: الإجراءات التي تكون بها تعميمات وجودية، في حين يمثل الإستنباط الإجراءات المختصة بالعلاقات التي تربط القضايا الكلية المجردة في مجرى التفكير النظري. (٢)\nومنها أن نتيجة الإستدلال الإستنباطي يُجزم عادة بصدقها منطقيًّا إذا صحت مقدماتها، ويحون التبرير المنطقي لذلك الجزم تأسيسًا على مبدأ عدم التناقض؛ ذلك أنه لما كانت النتيجة مستبطَنَة في المقدمات، وكانت مساوية لها أو أصغر منها، وجب أن ينتج عن صدقِ المقدمات صدقُ النتيجة ضرووة، لأن افتراض صدق المقدمات دون النتيجة يمثل تناقضًا منطقيّا طبقًا لمبدأ: صدق الكل يقتضي صدق أجزائه، وإلَّا كان ذلك تناقضًا، بخلاف نتيجة الاستقراء الناقص فإنه لا يمكن تبريرها وفق هذا المبدأ. (٣)\nومهما يكن من فروق بين الاستقراء والإستنباط فإن ذلك لا يعني إقامة حد فاصل بينهما، وأن كلًّا منهما يعمل بمعزل عن الآخر بل هما منهجان متعاونان، وفي كثير من الأحيان يحتاج أحدهما للإستكمال بالآخر ويرى جون ديوي أن تكاملها\n_________\n(١) انظر علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص ٣١٠.\n(٢) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٩.\n(٣) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص ٣١٣، ومحمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ط ٥، ١٤٥٦ هـ / ١٩٨٦ م)، ص ٧.","vol":"1","page":207},{"text":"يتم على النحو الآتي:\nيبدأ الباحث بالقيام بعملية الملاحظة وتجميع المعطيات للخروج ببعض الفروض الأولية، وهذه المرحلة استقرائية في طبيعتها، وبعد ذلك يتم تطوير معاني تلك الفروض عن طريق خطوات استنباطية تسير في تفكير نظري مرتب لخصل إلى تعميم استقرائي يمثل فرضية محتملة للصدق، وهذه المرحلة استنباطية في طبيعتها، ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي مرجلة استقرائية، حيث يتم إجراء تجارب عديدة على جزئيات مختلفة في ظروف وشروط مختلفة، منها ما يكون في حالته الطبيعية، ومنها ما يكون قد أدخلت عليه تحويلات تجعله مادة مُعدَّة للبحث. وهدف المرحلة الأخيرة هو اختبار مدى صحة النظرية (التعميم الإستقرائي) التي تم التوصل إليها من خلال المرحلتين الأولى والثانية. (١)\nالعلاقة بين الاستقراء والقياس المنطقي:\nالقياس المنطقي هو: \"قول مؤلف، إذا سلم ما أورد فيه من القضايا، لزم عنه لذاته قول آخر اضطرارا\". (٢)\nويختلف الاستقراء عن القياس من ناحيتين: من حيث التكوين، ومن حيث الغاية.\nأما من ناحية التكوين، فإننا في القياس نستخلص النتائج الجزئية من المقدمات الكلية، أما في الاستقراء فإننا نستخلص النتائج الكلية من الدراسة الإستقرائية للجزئيات.\nوأما من حيث الغاية، فإن القياس -بكونه نوعًا من أنواع الإستدلال الإستنباطي- تكون نتائجه يقينية مطلقة إذا صححت المقدمات، أما الاستقراء\n_________\n(١) انظر جون ديوي: المنطق نظرية المبحث، ص ٦٥٩ - ٦٦٢.\n(٢) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١١١، وانظر: أبو نمر الفارابي: كتاب القياس، ضمن كتاب المنطق عند الفارابي، تحقيق وتقديم وتعليق د. رفيق العجم، (بيروت: دار المشرق، ١٩٨٦ م)، ج ٢، ص ١٩.","vol":"1","page":208},{"text":"الناقص فتكون نتائجه عادة ظنية. (١)\nويرى المنطق الأرسطي أن هناك تعارضًا بين الاستقراء والقياس، حيث يقول أرسطو: \"والاستقراء من جهة يعارض القياس، لأن القياس بالواسطة يبيّن وجود الطرف الأكبر في الأصغر، وأما بالاستقراء فيبيّن بالطرف الأصغر وجود الأكبر في الأوسط\". (٢)\nوفي المثالين الآتيين توضيح للفرف بين طريقتي إنتاج كل من الاستقراء والقياس:\n١ - مثال القياس:\nهذا الحجر مادة ... الحد الأصغر\nوكل مادة تتعرض للجاذبية ... الحد الأوسط\nإذًا فهذا الحجر يتعرض للجاذبية ... الحد الأكبر\nفالنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأصغر (الحجر).\n٣ - مثال الاستقراء:\nهذه الأفراد تتعرض للجاذبية .... الحد الأصغر\nوهذه الأفراد هي كل أجزاء المادة ... الحد الأوسط\nإذًا فكل أجزاء المادة تتعرض للجاذبية .... الحد الأكبر\nوالنتيجة هنا إثبات الحد الأكبر (التعرض للجاذبية) للحد الأوسط (المادة).\nتكامل الاستقراء والقياس:\nمع ما يراه المنطق الأرسطي من تعارض بين الاستقراء والقياس، إلَّا أنه في الواقع تعارض في طريقة الإنتاج فقط، وليس معناه التعارض المطلق بينهما، بل هما\n_________\n(١) انظر: الدكتور محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والمنهج العلمي، (بيروت: دار النهضة العربية:، ١٩٧٠ م)، ص ١١٥.\n(٢) أرسطو: منطق أرسطو، ج ١، ص ٣٠٧ - ٣٠٨.","vol":"1","page":209},{"text":"منهجان -على ما بينهما من فروق- متكملان في الإستدلال، ولا يستغني الواحد منهما عن الآخر في عملية المبحث عن الحقيقة. فالقياس في حاجة إلى استقراء سابق لإثبات مقدماته الكلية، كما أن الاستقراء يحتاج في النهاية إلى عملية قياسية لإثبات النتيجة والتحقق من صدقها، ويتم تكاملهما في جانبين:\nالأول: أن الاستقراء هو الذي يمدُّ القياس بمقدماته الكبرى، ومن هذه الناحية\nيكون الاستقراء سابقًا للقياس.\nوهذه الحقيقة أثارت مشكلة منطقية في نتيجة القياس، إذ المشهور عند المناطقة أن القياس يفيد عادة القطع واليقين إذا سلمت مقدماته، وأن الاستقراء الناقص لا يفيد إلَّا الظن، ولما كانت المقدمات الكبرى للقياس ناتجة في الغالب عن استقراء ناقص -وهي تفيد مجرد الظن- كان القول بإفادة القياس اليقين أمرًا غير مسلَّم، إذ كيف يُنْتج ما بُنِي على ظني يقينًا؟ وربماكان هذا هو الذي دفع ابن سينا إلى إنكار كون المقدمات الأولية للقياس ثابتة بالاستقراء، وإنما هي -في رأيه- ثابتة على أساس وضوحها الذاتي. (١) ولكن هذا المخرج غير مسلَّم، إذ مِنْ أين يأتي هذا الوضوح الذاتي؟ فمصدره في الحقيقة لا يعدو أن يكون إمَّا معارف عقلية قبلية أو بدهيات يسلم بها العقل، وإما أن يكون ناتجًا عن الخبرة التاريخية للإنسان الناتجة عن مشاهدة تكرر هذا الحادث (وهو الاستقراء) حتى صارت هذه القضية من باب المسلمات الواضحة ذاتيًّا، ولا يهم ما آلت إليه هذه القضية، إنما المهم أنها في أصلها نتيجة عملية استقرائية. ثم الواقع يدلنا على أن أصل أكثر مقدمات الأقيسة نتائج استقرائية وإن لم يصرح بذلك، بل هي نتائج استقراءات ناقصة.\nوينبني التنبيه هنا على أنه مع كون أكثر المقدمات الكبرى للقياس المنطقي عمومات استقرائية ظنية، لأنها ناتجة عن استقراءات ناقصة، ومن ثم فإن نتيجة القياس ستكون تابعة لصدق هذه المقدمات، إلَّا أن الأمر مختلف في الأقيسة\n_________\n(١) انظر د. جعفر آل ياسين: المنطق السينوي: عرض ودراسة للنظرية المنطقية عند ابن سينا، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، ط ١، ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣ م)، ص ٧٦.","vol":"1","page":210},{"text":"الشرعية، إذ المقدمات الأولية للأقيسة الشرعية ليست كذلك، فمع كونها في بعض الأحيان عمومات وكليات، لكنها لم تثبت بالاستقراء، وإنما بحكم الشارع، فمثلا القياس الآتي:\nكل مسكر خمر ... مقدمة صغرى\nكل خمر حرام ... مقدمة كبرى\nإذًا فكل مسكر حرام ... النتيجة\nإذ انظرنا في التعميمين: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، نجد أن الشارع هو الذي سمى كل مسكر خمرا، وهو الذي حكم على كل خمر بالحرمة. (١)\nالثاني: وهي الحالة التي يحتاج فيها الاستقراء إلى القياسي، الذي يأتي ليبني على ما وصل إليه الاستقراء، وليكمل مسيرته ليصل بالنتائج إلى مرحلة أكثر تقدُّمًا من حيث قوة الصدق واليقين. (٢) وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن الفرق بين الاستقراء والتجربة.\nالعلاقة بين الاستقراء والتواتر:\nينطلق التواتر -كما هو الشأن في الاستقراء- من مصادرة تمثِّل تصديقًا أوليًّا مفاده امتناع تواطؤ عدد كبير من الناس على الكذب، وهو شبيه بما ينطلق منه الاستقراء من كون الإتفاق لا يكون دائمًا ولا مطردا. وهذا التصديق الذي ينطلق منه الإستدلال بالتواتر -باعتباره صرفة عقلية قبلية- هو في الحقيقة تصديق استقرائي وليس تصديقًا عقليًّا أوليّا. ومن هنا يتبين أن القضية المتواترة في الحقيقة ليست إلَّا قضية استقرائية تقوم على أساس المناهج الإستقرائية في الإستدلال. (٣)\n_________\n(١) أُخِذَ هذان التعميمان من حديث مسلم عن ابن عمر - ﵁ - ما أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\". صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: دار الحديث، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩١ م)، ج ٣، ص، ١٥٨٨.\n(٢) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٢.\n(٣) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٣٨٧ - ٣٨٨.","vol":"1","page":211},{"text":"ومع كون التواتر يفيد القين في المنطق الأرسطي كما هو الشأن عند علماء الإِسلام، إلَّا أننا نجد علماء أصول الفقه لم يكتفوا بمطلق الشواتر الذي هو\"تتابع الخبر عن جماعة مفيدًا للعلم بمخبره\"، (١) بل قيدوه بشروط، هي: (٢)\n١ - أن يكون كل واحد من المخبرين قد أخبر عن علم لا عن ظن.\n٣ - أن يكون علمهم ضروريًّا مستندًا إلى محسوس.\n٣ - أن يستوي طرفاه وواسِطته في هذه الصفات.\n٤ - أن يتوافر في روايته العدد الذي توقن النفس عادة باستحالة تواطئهم على الكذب.\n_________\n(١) الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق د. سيد الجميلي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م)، ج ٢، ص ٢٥.\n(٢) انظر الغزالي: المستصفى من علم الأصول، ترتيب وضبط محمد عبد السلام عبد الشافي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م)، ص ١٠٧","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الثاني\nأنواع الاستقراء</span>\nيُقسم الاستقراء إلى تام وناقص، وأساس هذا التقسيم أن الدليل الإستقرائي يُبنى على تعداد الحالات والأفراد، فإذاكان التعداد مستغرقًا لجميع أفراد أو حالات النوع محل الاستقراء اعتُبِر الاستقراء تامًّا، أما إذا لم يشمل التعداد كل الأفراد والحالات فإنه يُعتبر استقراءً ناقصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>أولًا: الاستقراء التام</span>\nتعريفه: الاستقراء التام هو: \"أن يستدل مجميع الجزئيات ويحكم على الكل\". (١)\nفهو الاستقراء الذي يتم فيه استيعاب جميع جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع الحث، بالنظر والدراسة العلمية، للوصول من خلال ذلك إلى حكم كل يحكم به على جميع تلك الجزئيات.\nنتيجة الاستقراء التام:\nتكون -عادة- نتيجة الاستقراء التام يقينية إذا توافرت شروط ذلك. وهناك عاملان يتحكمان في يقينية نتيجة الاستقراء التام، هما: الأول: مدى قطيعة ثبوت الحكم للجزئيات المستقرأة عند إجراء عملية الاستقراء، أي هل الحكم المنسوب إلى كل جزئية من الجزئيات المستقرأة مقطوع به أم لا؟ والثاني: مدى إمكانية الجزم بعدم وجود جزئي آخر غير الجزئيات المستقرأة. فإذا كان ثبوت ذلك الحكم لتلك الجزئيات قطعيًّا، وجزمنا بعدم وجود جزئي آخر غير تلك التي تَمَّ استقراؤها كانت نتيجة الاستقراء يقينئة، أما إذا كان ثبوث الحكم للجزئيات ظنيًّا، وكان القول بعدم وجود جزئيات أخرى ظنيًّا أيضًا، أو كان أحد العامبين فقط ظنيًّا، فإن نتيجة\n_________\n(١) التهانوي، محمد علي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة الدكتور رفيق العجم، (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ط ١، ١٩٩٦ م)، ج ١، ص ١٧٢.","vol":"1","page":213},{"text":"الاستقراء ستكون ظنية (١)\nإمكانية وجود الاستقراء التام:\nيرى البعض أنه من العسير الوصول إلما استقراء تام لأن استقراء الأفراد مهما كان شاملًا ومستوعبًا فإنه لا يمتد خارج نطاقا الأفراد الموجودة فعلا، أما الأفراد الممكنة الوجود، أي التي لم توجد بعد ويحتمل وجودها في المستقبل، فإنها غير مشمولة يهذا الاستقراء، ووجودها يؤدي إلى خروج الاستقراء عن كونه تامّا (٢). كما أن شمول الاستقراء الكامل محدود زمانًا باللحظات التي تَمَّ فيها الاستقراء، ولا يمتد إلى الأوقات الأخرى التي يمكن أن يتغير فيها الحكم على الأفراد تبعًا لتغيَر حالاتها. وإذا أردنا أن نحكم بثبوت هذا الحكم ونقطع به فإننا نحتاج في ذلك إلى استقراء آخر لكل فرد من الأفراد المستقرأة في جميع أوقات وجوده لنتأكد من عدم تغير حكمه بتغير الزمن، وهو أمر عسير وقد يؤدي إلى توقف عملية الاستقراء.\nنقد الاستقراء التام:\nفضلًا عن التشكيك في إمكانية وقوع الاستقراء التام، فقد انتُقِدَ بكونه استقراءً شكليا، لا يقصد منه سوى زيادة عدد إلى عدد، وتركيب لشيء فوق الشيء، ليسهل اقعبير عنها جميعًا. فنحن لا نضيف بهذا النوع من الاستقراء علمًا جديدًا إلى معلوماتنا، وإنما الأمر لا يعدو تجميع الجزئيات المستقرأة، والتعبير عنها جميعًا بكلمة واحدة. وعلى الرغم من أنه يعطينا صورة استدلالية، إلَّا أنها لا تعطينا القدرة على التنبؤ بما يقع في المستقبل من حوادث وعلاقات، وتلك في الأصل هي الغاية من الاستقراء. (٣)\nفالاستقراء التام لا تفيد نتيجته معرفة جديدة، بل هي مجرد تلخيص لما هو\n_________\n(١) انظر التهانوي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج ١، ص ١٧٢؛ أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٢.\n(٢) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي؛ المنطق وفلسفة العلم، ص ٢٨٧.\n(٣) انظر: د. محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والمنهج العلمي، ص ١٢٠.","vol":"1","page":214},{"text":"موجود في المقدمات، أو هي تقرير لما سبق تتبعه وملاحظته.\nومن هنا ذهب البعض إلى أن الاستقراء التام لا يعتبر في الحقيقة استقراء، بل هو استنباط، لأن النتيجة فيه تجيء مساوية لمقدماتها، ومن ثم ليس فيه انتقال من الخاص إلى العام. (١)\nوالواقع أنه مع كون نتيجة الاستقراء الكامل مساوية لمقدماتها إلَّا أن فيه نوعًا من الإنتقال من الخاص إلى العام، إذ يتم فيه الإنتقال من آحاد الأفراد والحالات المستقرأة إلى حكم يعمُّ كل تلك الأفراد، فنحن نَتَتَبَعّ صفة معيَّنة في مجموعة من الأفراد، ثم نتتبَّع تلك الأفراد في انتمائها لنوع واحد، لنستخلص من ذلك أن تلك الصفة ملازمة لجميع أفراد النوع. (٢) ولئن كانت نتيجة الاستقراء التام أقل عمومًا من نتيجة الاستقراء الناقص، إذ هي الاستقراء التام تشمل الحالات المستقرأة فقط، وفي الاستقراء الناقص تشمل الحالات المستقرأة وما هو موجود أو يمكن أن يوجد من مثيلاتها، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه نوعًا من أنواع الاستقراء.\nويمكن القول بأن الانتقادات المشككة في جدوى الاستقراء التام، إنما تصدق على مجال المبحث في العلوم الطبيعية، وليس معنى ذلك أنه لا يفيد في ميادين العلم الأخرى، خاصة العلوم الشرعية.\nفوائد الاستقراء التام:\nمع ما وجه للإستقراء التام من انتقادات فإنه يحقق فوائد تتمثل في الآتي:\n١ - التثبت من أن ما سبقت ملاحظته في آحاد جزئياتِ كل ما تعمّ كل جزئياته.\n٢ - تحقيق الإقتصاد في التفكير بتجميع الجزئيات وإدراجها تحت قاعدة عامة، ولولا وجود الاستقراء الإحصائي لأصبحنا نعيش في فوضى الجزئيات التي لا ضابط لها ولا رابط.\n_________\n(١) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص ٢٨٧.\n(٢) انظر: د. محمد فتحي الشنيطي: أسس المنطق والنهج العلمي، ص ١٢٠.","vol":"1","page":215},{"text":"٣ - مساعدته في الإستعمالات الرياضية التي تفكك الوقائع وتُحِيلُهَا إلى كميات تخضع للعمليات الرياضية المختلفة، ويمكن قياسها بمختلف المقاييس مما يساعد على تحصيل نتائج أدق وأوثق. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>ثانيًا: الاستقراء الناقص:</span>\nتعريفه: الاستقراء الناقص هو أن يستدل بأكثر الجزئيات فقط، ويحكم من خلالها على الكل. (٢) فهو\"الذي تدرس فيه بعض جزئيات أو أجزاء الشيء الذي هو موضوع المبحث، وتعتبر فيه النماذج المدروسة أساسًا تقاس عليه بقية الأجزاء أو الجزئيات\". (٣)\nمشكلة الاستقراء الناقص:\nلما كان الاستقراء الناقص انتقالًا من جزئيات محدودة إلى نتيجة كلية تشمل تلك المقدمات وزيادة، ثار السؤال الآتي: هل صدق الجزئيات المستقرأة يقتضي ضرورةً صدق النتيجة الكلية؟ ولا شك أن الجواب المنطقي سيكون بالنفي؛ إذ الزيادة على المقدمات التي تشتمل عليها النتيجة قد تكون صادقة، وقد تكون غير ذلك، وليس هناك دليل قطعي على صدقها، ومن ثم يبقى صدق التعميم الإستقرائي ظنيًّا. (٤) ولا يمكن أن يُبَرَّر صدق نتيجة هذا النوع من الاستقراء بمبدأ عدم التناقض، لأنه لا تناقض بين صدق المقدمات المستقرأة وخطأ النتيجة، إذ قد يكون مرجع الخطأ إلى الزيادة التي لم تتضمنها المقدمات.\nومن هنا كانت نتيجة الاستقراء الناقص تفيد الظن فقط، نظرًا للفجوة التي يتركها القفز من مجموعة من الجزئيات إلى تعميم كلي، الأمر الذي جعل البعض يقلل من أهمية هذا النوع من الاستقراء في مجال الكشف عن الحقائق واكتساب المعارف.\n_________\n(١) انظر د. علي عبد المعطي محمد، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص ٢٩١.\n(٢) انظر محمد علي التهانوي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج ١، ص ١٧٢.\n(٣) عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني: ضوابط المعرفة وأصول الإستدلال والمناظرة، (دمشق: دار القلم، ط ٤، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م)، ص ١٩٣ - ١٩٤.\n(٤) انظر في ذلك مثلًا: أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٢.","vol":"1","page":216},{"text":"وهو الأمر الذي اشتهر عند المناطقة وعلماء المناهج باسم \"مشكلة الاستقراء\".\nوبناءً على ما سبق تعرض الإستدلال الإستقرائي إلى عدة طعون يمكن إرجاعها إلى أمرين:\nالأول: اعتماده على مصادرات غير مبرهنة، وإنما مأخوذة باعتبارها معارف عقلية قبلية مسلَّمة، ووجود مثل هذه المعارف القبلية أمر غير مسلَّم لدى بعض المذاهب الفلسفية، مثل المذهب التجريبي.\nالثاني: كون بعض الاستقراءات إحصائية ظاهرية، مبنية على مجرب الطرد دون اعتبار لمبدأ السببية والعلية، وهي استقراءات يسهل خرقها بتخلف كثير من الأفراد عن الدخول تحت نتائجها.\nويمكن تلخيص ما اصطلح على تسميته (مشكلة الاستقراء) فيما يأتي:\nإنه منِ أجل إعطاء مصداقيّة علميّة لنتيجة الاستقراء، حيث يمكين اعتمادها\nقانونًا عامًّا يجب التأكد من توافر ثلاثة مبادئ:\n١ - يحب إثبات مبدأ السببية العامة، أي إثبات أن لكل ظاهرة طبيعية سببًا، إذ من غير ذلك يصبح من المحتمل أن يكون تلازم شيئين من الجزئيات المستقرأة (كتلازم تمدد الحديد ووجود الحرارة مثلًا) غير مرتبط بأي سب، وإنما هو وجود تلقائي، وإذا كان وجوده طرديًّا فليس من الضروري أن يتكرر.\n٢ - ولا يكفي إثبات مبدأ السببية العامة، وإنما ينبغي على الدليل الإستقرائي -بعد إثبات ذلك- أن يثبت أن سببًا بعينه هو الذي كان وراء هذه الظاهرة (مثل كون الحرارة وحدها السبب في تمدد الحديد)، لأن مجرد الإقتران لا يكفي دليلًا على كونه السبب الحقيقي أو الوحيد، بل يحتمل أن يكون وجوده قد صادف تأثير السبب الحقيقي.\n٣ - إثبات مبدأ التناسق والإطراد، الذي يقتضي بأن الكون يسير على نسق واحد لا يتغير، وأن ما حديث في الماضي بعلة من العلل سيتكرر في الحاضر والمستقبل على","vol":"1","page":217},{"text":"نفس النحو مع وجود نفس العلة. (١)\nولما كان الاستقراء الناقص وسيلة من أبرز وسائل المبحث، لا يمكن الاستغناء عنه سواء في المبحث العلمي أو في الحياة العملية اليومية كان محل عناية من قبل المناطقة، والفلاسفة، وعلماء المناهج، محاولين إيجاد حلول منطقية للمشكلات التي تحول دون الوصول بنتيجته إلى العلم اليقيني أو إلى ما يقرب من ذلك.\nوفيما يأتي فرض لخلاصة موقف مختلف المذاهب الفلسفية من هذه المشكلة، والمنهج الذي اتبعه كل مذهب لمحاولة حل هذه المشكلة، وبالتالي الوصول إلى تسويغ منطقي لصدق نتيجة الاستقراء الناقص.\nأولًا: موقف الفكر الأرسطي من مشكلة الاستقراء:\nلقد أدرك الفكر الأرسطي عُسر إيجاد جواب منطقي شاف ومقنع لهذه المشكلة، فاتجه في حلها إلى افتراض قضايا عقلية قبلية غير مبرهنة، وذلك بناءً على إيمانه بوجود معارف عقلية قبلية مستقلة عن الحس والتجربة.\n- أما العنصر الأول من مشكلة الاستقراء فقد حله الفكر الأرسطي بالقول بمبدأ السببية الذي يقتضي أن لكل حادثة سببا، واعتباره مبدأً عقليًا لا يحتاج إلى إثبات أو برهان.\n- أما العنصر الثاني منها فقد استعان في حله بمبدأ عقلي قبلي ينفي أن يكون اقتران الظاهرتين مجرد صدفة، ومفاده أن الإتفاق (الصدفة) لا يكون دائميًّا ولا أكثريّا، بمعنى أنه إذا تحرر اقتران شيئين في جميع الأحيان أو أكثرها، فإن ذلك لا يمكن أن يكون لمجرد الإتفاق (الصدفة)، بل لوجود رابطة سببيّة، فكلما وُجد هذا السبب أنتج مسبَّبَه.\n- أما العنصر الثالث منها فقد حله باعتماد قضية عقليّة مستنبطة بطريقة برهانية من مبدأ السببيّة، مفادها أن الحالات المتشابهة من الطبيعة تؤدي إلى نتائج\n_________\n(١) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٢٥ - ٢٧.","vol":"1","page":218},{"text":"متماثلة. (١)\nالتجربة والاستقراء الناقص في الفكر الأرسطي:\nمع كل ما سبق من محاولات لتخطي مشكلة الاستقراء الناقص، إلَّا أن المنطق الأرسطي بقي على رأيه في أن الاستقراء الشاقص لا يفيد سوى الظن، فهو منهج استدلالي قاصر، ومن ثَمَّ كان الفكر البشري في حاجة إلى منهج يصل بالإستدلال إلى مرتبة تحصيل نتائج يقينية أو قريبة من ذلك. ومن أجل الحصول على ذلك حاول المنطق الأرسطي التقدم بنتيجة الاستقراء مرحلةً أخرى ليصل إلى ما اصطلح على تسميته \"التجربة\".\nوالتجربة في الفكر الأرسطي تتكون من استقراء تلازم شيئين في جميع الحالات أو أغلبها، واستنتاج وجود رابطة سببية بينهما اعتمادًا على المبدأ العقلي القبلي القائل بأن الصدفة لا تكون دائميّة ولا أكثريّة، ثم يجمع بينهما باستدلال قياسي صورته:\nاقتران (أ) بـ (ب) دائما أُو كثير ... صغرى القياس (ثبتت بالاستقراء)\nالإتفاق بين شيئين لا يكون دائميًّا ولا أكثريًّا ... كبرى القياس (ثبتت بمبدأ عقلي قبلي)\nإذًا لابد أن يكون (أ) سببًا لـ (ب) ... نتيجة القياس\nفالتجربة في المنطق الأرسطي تتلخص في القانون الآتي:\nالتجربة = استقراء مبدأ عقلي قبلي قياس منطقي كامل\nومن ثَمَّ يكون الاستقراء الناقص مجردَ تعبير عددي عن العيِّنات التي كانت محل الاستقراء، (٢) في حين تجمع التجربة بين نتيجة الاستقراء ومبادئ عقلية قبليَّة في شكل قياس منطقي كامل يثمر نتيجة كلية. (٣)\nويرى أتباع المنطق الأرسطي أن التجربة بهذا المفهوم تفيد العلم واليقين، على\n_________\n(١) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٢٧ - ٢٨.\n(٢) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٣٢.\n(٣) انظر ابن سينا: البرهان، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (القاهرة: دار النهضة العربية، ط ٢، ١٩٦٦ م)، ص ٤٩.","vol":"1","page":219},{"text":"عكس الاستقراء الناقص الذي لا يفيد إلَّا الظن، وفي ذلك يقول الرازي في تعليقه على شرح الإشارات والتنبيهات: \"عسى سائل أن يقول: ليست التجربة إلَّا مشاهدات متكررة، كما أن الاستقراء أيضًا مشاهدات متكررة، فكيف أفاد التجربة اليقين دون الاستقراء؟ فالجواب: إنه إذا تكررت المشاهدات على وقوع شيء، وعلم بالعقل أنه ليس اتفاقيًّا، إذ الاتفاقات لا تكون دائمة ولا أكثرية، كانت التجربة مفيدة لليقين، وإن لم يعلم ذلك واستدل بمجرد المشاهدات الجزئية بدون ذلك القياس على الحكم الكلي كان استقراءً ولا يفيد اليقين\". (١)\nوالخلاصة أن المنطق الأرسطي لا يعتبر الاستقراء الناقص بمفرده مفيدًا للعلم ولا سبيلًا يمكن التوصل به إلى التعميم، ولكنه يمكن أن يكون كذلك إذا دعم بمبادئ عقلية قبلية، ليشكل المجموع قياسًا منطقيًّا كاملًا يبرهن على وجود علاقة سببية، ليثبت حكمًا كليًّا يقينيًا وصالحًا للتعميم على كل الحالات المماثلة. وهكذا يتبين أن كل استدلال استقرائي مرده إلى قياس يشتمل على مقدمتين: كبراهما عقلية قبلية، وصغراهما تمثل نتيجة استقراء مجموعة من الأفراد أو الحالات. ومعنى هذا أن الوظفية المباشرة للإستقراء الناقص -في رأي المنطق الأرسطي- هي تقديم صغرى القياس.\nثانيًا: موقف المذهب التجريبى من مشكلة الاستقراء:\nالمراد بالمذهب التجريي: المذهب الذي يعتبر التجربة والحس المصدر الأساس للمعرفة، وهو بهذا المعنى يعتبر مقابلًا للمذهب العقلي. (٢)\nوأهم ما يميز المذهب التجريبي عن المذهب العقلي أن الأول لا يؤمن بوجود معارف ومبادئ عقلية قبلية مستقلة عن التجربة والمعرفة الحسية، في حين يؤمن الثاني بإمكانية وجودها.\n_________\n(١) نقلًا عن: محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٣٣ - ٣٤.\n(٢) \"  Empiricism is the theory that experience rather than reason is the source of khowledge، and in\nthis sense it is opposed to rationalism)\n\"  انظر الموسوعة الفلسفية\"\n\"  Paul Edwards (ed):the\nEncycolopedia of Philosophy . N .Y .:Macmillan Publishing Co. Inc. &amp; the Free Press Lodon:\nCollier Macmillan Publishing، ١٩٧٢، vol. ٢،P. ٤٩٩.","vol":"1","page":220},{"text":"ونظرًا لكون المذهب التجريبي مدرسة فكرية واسعة فإن أصحابه لم يكن لهم موقف موحّد من مشكلة الاستقراء. ويمكن تصنيف أتباع المذهب التجريبي من حيث موقفهم من مدى الوثوق بنتيجة الدليل الإستقرائي إلى اتجاهات ثلاثة: اتجاه يؤمن بإمكانية الوصول إلى اليقين عن طريق الدليل الإستقرائي، واتجاه آخر يرى أن الدليل الإستقرائي لا يفيد سوى الظن الراجح، واتجاه ثالث يشك في قيمة القضية الإستقرائية من الناحية الموضوعية. (١)\nالإتجاه الأول ذو النزعة اليقينية:\nيمثل هذا الإتجاه جون ستوارت ميل، وهو اتجاه يشترك مع المذهب العقلي في القول بحاجة الاستقراء إلى مبدأ السببية، ومبدأ التناسق والإطراد القائل بأن الحالات المتماثلة تؤدي إلى نتائج متماثلة. ويقرر أتباع هذا الإتجاه بناء على قضيتي السببية والإطراد في الكون أنه كما حدثت ظاهرة عقيب ظروف معينة فإنها ستحدث باستمرار في كل الظروف المماثلة. ومع هذا التشابه مع المذهب العقلي نجده يختلف عنه في تفسير الأساس الذي يقوم عليه هذان المبدآن (السببية والإطراد). ففي حين يعتبرها المذهب العقلي قضايا عقلية قبلية، يعتبرهما هذا الإتجاه نتيجة استقراءات أوسع وأشمل في الطبيعة، وأننا منذ أن حصلنا على العلم بقضايا السببية نتيجة استقراء لكل ما حولنا من ظواهر الطبيعة، أصبحت بدورها أساسًا لكل تعميم استقرائي لاحق. هذا هو تصور أصحاب هذا الإتجاه لحل العنصرين الأول والثالث من مشكلة الاستقراء.\nأما موقفهم من العنصر الثاني من مشكلة الاستقراء فإن جون ستوارت ميل حاول الإعتماد على التجربة في إثبات علاقة السببية بين ظاهرتين متلازمتين دائمًا أو غالبا، ونفي أي رابطة سببية مع أي عامل آخر باقتراح أربعة طرق يمكن بأي واحدة منها تحقيق ذلك، وهي:\n١ - طريقة الإتفاق: وخلاصتها أنه إذا اتفقت مجموعة من الحالات للظاهرة المراد\n_________\n(١) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٧٠.","vol":"1","page":221},{"text":"بحثها في ظرف واحد فقط، مع تنوعها في كل الظروف الأخرى، فإنه يمكننا أن نستنتج أن هذا الظرف الوحيد الذي تتفق فيه جميع هذه الحالات، هو السبب الوحيد في هذه الظاهرة.\n٣ - طريقة الإختلاف: وهي الطريقة التي يكون فيها المستقرئ أمام مجموعة من الحالات المتشابهة في جميع الظروف باستثناء ظرف واحد، ويلاحظ وجود الظاهرة في الحالات المتشابهة في جميع الظروف وانعدامها في الحالات التي ينعدم فيها ذلك الظرف المستثنى، فيستنتج من ذلك أن ذلك الظرف المستثنى هو سبب الظاهرة، بناءً على اختلاف الظاهرة وجودًا وعدمًا باختلاف ذلك العامل.\n٣ - طريقة التلازم في التغير: وخلاصتها أن الظاهرة التي يلازم تغيرها تغير ظاهرة أخرى بشكل متناسب، تُعَدّ مرتبطة بها بنوع من العلاقة السببية.\n٤ - طريقة البواقي: اومفادها أنه إذا أدت مجموعة من المقدمات إلى مجموعة أخرى من النتائج، وأمكن إرجاع كل النتائج في المجموعة الثانية، باستثناء نتيجة واحدة، إلى جميع المقدمات في المجموعة الأولى باستثناء مقدمة واحدة، فإننا نستنتج من ذلك وجود علاقة سببية بين المقدمة والنتيجة الباقيتين. (١)\nولحن الملاحظة الجلية التي يمكن استخلاصها من النظر في كل هذه الطرق أنها لا تعدو أن تفيد ظنًا غالبًا برابطة السببية بين ذينك الشيئين المتلازمان، والتقليل من احتمالات كون الرابطة السببية مع عامل ثالث، لكنها لا يمكن أن توصل إلى نتيجة يقينية.\nالإتجاه الثاني ذو النزعة الترجيحية:\nيسلم أصحاب هذا الإتجاه بحاجة التعميم الإستقرائي إلى افتراض قضايا ومصادرات، لكنه يختلف عن المذهب العقلي والإتجاه الأول من المذهب التجريبي\n_________\n(١) انظر في تفصيل آراء جون ستوارت ميل هذه: إرفين، وكارل كوهن: مدخل إلى المنطق\nIrving M. Copi، Carl)\n(Cohen:Intyouduction to Logic. N.Y.Macmillan Publishing Company. ١٩٩٠.pp ٣٧٧ - ٤٠١\nود. زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ج ٢، ص ١٩٥ - ١٩٨.","vol":"1","page":222},{"text":"في طريق إثباتها، فهو لا يعترف بكونها قضايا عقلية مسبقة -كما يرى المذهب العقلي- كما أنه لا يري إمكانية إثباتها باستقراءات سابقة، فهي في رأيه غير ممكنة الإثبات، وتبتى مجرد قضايا احتمالية، ومن ثَمّ فما يُبنى عليها من استقراءات لا يمكن أن تثمر يقينا، وإنما تقتصر وظيفة الاستقراء على تقوية الإحتمال وترجيحه، فكلما زاد عدد الأفراد أو الحالات المستقرأة زادت نسبة احتمال الصدق في نتيجة الاستقراء. (١) وليس من اللازم عند أصحاب هذا الإتجاه أن يفيد الاستقراء القطع فـ \"العلوم الطبيعية كلها قائمة على الترجيح لا اليقين\". (٢)\nالإتجاه الثالث ذو النزعة النفسية:\nيعدّ دايفيد هيوم (David Hume)  الرائد الأوهي لهذا الإتجاه الذي يعترف بكون علاقة العلة والمعلول هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الاستدلالات الخاصة بأمور الواقع، وهي علاقة يمكن أن تتعدى الحواس وتنبئنا بموجودات وأشياء لا نراها ولا نشعر بها. ولكنه يري في علاقة السببية بمفهومها العقلي -بوصفها علاقة ضرورة بين السبب والمسبَّب- قضية لا يمكن أن تطالها الخبرة الحسية، وكل ما يمكن أن تدركه الخبرة الحسية هو اقترانهما ببعضهما البعض واطراد ذلك الإقتران والتعاقب، أما علة ذلك الإقتران فإنها خارج إطار الحس والتجربة. ومن ثَمَّ يذهب إلى التسليم بعدم كون الإتفاق دائميًّا أو أغلبيًّا -كما هو الشأن عند أتباع المذهب العقلي- لكنه يرى أن مبرر ذلك ليس منطقيًّا، ولا هو معرفة عقلية قبلية، بل هو مبرر نفسي (سيكولوجي). فهو يرى أن فكرتنا عن العلاقة بين العلة والمعلول تعكس انطباعًا نفسيًّا ذاتيًا هو وليد عادة ذهنية ناتجة عمًا يشاهده الإنسان من تحرار الإقتران بين هذين الموضوعين، وهو بدوره يولِّد انطباعًا بفكرة الضرورة والحتمية، أي ضرورة حدوث المعلول بوجود علته. ومن ثَمَّ فإن هيوم يرى أن فكرتنا عن العلاقة بين العلة والمعلول لا تعكس الواقع الموضوعي، ولا هي آثار للبرهان العقلي، أي أنها لا تقوم على أساس قوانين الواقع الموضوعي. ولكنه مع هذا يعتقد بالقضايا التي نستدل عليها\n_________\n(١) انظر محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٨٣.\n(٢) زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ج ٢، ص ٣٠١.","vol":"1","page":223},{"text":"بالتجربة والاستقراء، لكنه يفسر ذلك تفسيرًا نفسيًا ذاتيًّا. (١)\nومهما يكن طريق إدراك علاقة العلية -سواء طبقًا للواقع الموضوعي، أو لانطباع نفسي ذاتي، أو معرفة عقلية قبلية- فإن الجامع بين الإتجاهات كلِّها هو الإعتراف بوجود هذه العلاقة، والإقرار بمبدأ عدم كون الإتفاق دائميًا أو أغلبيّا.\nوالأخذ بتفسير هيوم يضعنا أمام أحد موقفين: إما أَنَّ حكمنا على العلاقات بين الأشياء هو مجرد انطباعات نفسية لا علاقة لها البتة بقوانين الواقع الموضوعي، وبذلك تستوي الحقائق الواقعية والخيالات، وهذا الإتجاه سيقودنا إلى السفسطة. وإما أن نعترف بوجود علاقة بين قوانين الواقع الموضوعي وانطباعاتنا النفسية عن العلاقات بين الأشياء، وفي هذه الحالة نقول: إنه لا مانع من كون أحكامنا على هذه العلاقات نتيجة انطباعات نفسية، بل سنجد كل الأحكام ناتجة عن هذه الإنطباعات التي قد تعكس حقائق واقعية أو أوهامًا، حسب عملية الإستدلال التي توصلنا بها إلى هذه\nالأحكام، وما يحيط بها من ملابسات وما يتوفر فيها من شروط.\nونحن في سعينا إلى الحكم على نتيجة الاستقراء بالقطع أو الظن، أو بالصدق وعدمه، إنما يمكننا الحصول على ذلك من خلال الإنطباع الذهني المتكون نتيجة لتكرار الملاحظة، كما أننا في ممارسة عملية الاستقراء لا نسعى إلى إثبات مطلق وجود علاقة العلية، إذْ يكفي في حصول ذلك ملاحظةٌ واحدةٌ للعلاقة بين عنصرين، وإنما نسعى إلى إثبات اطراد هذه العلاقة بين أفراد نوع أو أنواع جنس، وهذا الإنطباع لا يتأتى إلَّا من خلال عملية تكرار الملاحظة مع الحصول على نتائج متشابهة.\nوالإنطباع الذي يقول عنه هيوم إنه يثيره في الذهن نفس تحرار الأمثلة التي اققرنت فيها (أ) مع (ب)، وأنه عبارة عن تهيؤ الذهن واستعداده لكي ينتقل من موضوع إلى فكرة ما تصاحبه عادة، هو انطباع لا يمكن أن يحصل من غير تكرار وسواء قلنا إنه ناتج عن مجموع الإنطباعات الناتجة عن مشاهدة كل حالة، أو إنه\n_________\n(١) انظر  Hume، David: A treatise of Human N ature، ed. by Ernest G. Mossner، London: Penguin Group، ١٩٨٤. pp.١٢١ - ١٤٧.","vol":"1","page":224},{"text":"انطباع مستقل نتج عن ملاحظة مجموع تلك الحوادث المتكررة فلا فرق، إذ المهم أنه ناتج عن عملية التكرار التي هي أمر واقعي.\nأما فيما يتعلق بإنكار دافيد هيوم وجود حقيقة واقعية لعلاقة السببية، استنادًا إلى عدم إمكانية إثبات ذلك بالتجربة والخبرة الحسية فإنه يُرَدّ عليه بأن عدم امتداد التجربة والحس لإثبات قضية من القضايا لا يكفي مبرِّرا لنفيها، والاعتقاد بعدمها، إذْ الحكم على القضية بالنفي أو الإثبات سيان كلاهما يحتاج إلى إثبات. وطبقًا للمذهب التجريبي فإن كلًّا من الحكم على قضية بالنفي، أو بالإثبات يحتاج إلى التجربة والخبرة. فإذا كان الحكم على علاقة السببية بالوجود متعذّرًا -طبقًا للمذهب التجريبي- لعدم القدرة على إثبات ذلك تجريبيا، فإن الحكم عليها بالعدم لا بُدّ أن يكون في حاجة هو أيضًا إلى إثباتٍ بالتجربة والخبرة، وهو أمر متعذر لعدم امتداد التجربة إلى ذلك. وهن هنا يلزم أصحاب المذهب التجريبي التوقف عن الحكم على علاقات السببية بالوجود أو الإنتفاء. ونخلص من هذا إلى أنه لا يوجد مبرر عقلي لنفي علاقة السببية.\nثالثًا، تفسير نتيجة الاستقراء وفقًا لمعايير الإختيار:\nيقوم هذا التفسير على أساسٍ مفاده أننا عند التدقيق في الاستقراءات الفاشلة -التي يُسْتَدَل بها عادة على نقض الدليل الإستقرائي والطعن فيه- نجدها ناتجة عن عدم توفر المتطلبات اللَّازمة للدليل الإستقرائي في مرحلته الإستنباطية، إذْ من شروطه توحيد معايير ومقاييس انتقاء الجزئيات المستقرأة، بأن تكون كلها مشتركة خاصية مفهومية تتميز بها عن غيرها من الجزئيات التي لا يشملها الاستقراء، وأن يكون اعتقاد المستقرئ أنه لا توجد أي خاصية مفهومية إضافية تتميز بها الحالات التي شملها الاستقراء عن الحالات الأخرى التي يراد تعميم النتيجة عليها.\nومن هنا يتبين أن عملية الاستقراء تحتاج إلى أمرين:\n١ - تحديد المعايير التي يتم على أساسها اختيار الجزئيات المستقرأة، لأن ذلك في غاية الأهمية لتحديد التعميم الإستقرائي الذي سنصل إليه.","vol":"1","page":225},{"text":"٣ - مراعاة الدقة في إطلاق التعليمات الإستقرائية، وذلك بالأخذ بعين الإعتبار كل الشروط والملابسات الواجب توافرها لتحقيق التعميم الإستقرائي، وذكر كل القيود والمحترزات اللازمة في التعميم، إذْ إن إدخال عنصر من غير صنف العناصر المستقرأة -نظرًا لقوة شبهه بها- سيؤدي إلى خرقا التعميم الإستقرائي فنحكم على نتيجة الاستقراء بالخطأ، وعلى الدليل الإستقرائي بالقصور والحقيقة أن الأمر غير ذلك، إذْ إن ما عُدَّ نقضًا للإستقراء، ما هو إلَّا عنصر خارج عن عناصر الصنف المستقرأ، وإنما أدخل فيها إما لعدم تحديد مقاييس التصنيف، أو لعدم الدقة في تطبيقها. ومن هنا تبرز أهمية تحديد خصائص ومميزات الجزئيات محل الاستقراء بتعريفها تعريفًا جامعًا مانعا، ويصير التعميم الإستقرائي خاضعًا لتعريف العناصر المستقرأة.\nومن الأمثلة على هذه الطريقة ما ذهب إليه فون رايت (G. H. Von Wright)  الذي تناول بالتحليل مثال دايفيد هيوم عن كرة البلياردو، وخلاصته أننا نلاحظ أن اندفاع الكرة الأولى تجاه الكرة الثانية واصطدامها بها يتبعه حركة الكرة الثانية، ونستنتج من ذلك أن حركة الكرة الأولى علة حركة الكرة الثانية، ونعمِّم بالاستقراء هذه الملاحظة لنقول: كلّما تحركت واصطدمت كرة أولى بكرة ثانية فإن ذلك سيتبعه تحرك الكرة الثانية. ولكننا قد نجد في بعض الكرات أن كرةً قد تحركت وصدمت كرة أخرى دون أن يؤدي ذلك إلى تحرك الكرة الثانية، كأن تكون الكرة الثانية مثبتة في طاولة البلياردو أو لوجود عائق قوته مساوية لقوة دفع الكرة الأولى، أو أقوى منها، أو لأن الكرة الثانية معدنية والأولى ورقية فلا تقدر على تحريكها، أو غير ذلك من الأسباب. فهل يكون معنى ذلك أن التعميم الإستقرائي المستنتج كان خاطئًا من أصله؟\nالواقع أن الأمر ليس كذلك، أي أن التعميم ليس خاطئًا من أساسه، ولكنه قاصر وغير دقيق، لإغفاله ذكر بعض القيود والمحترزات، ومن هنا يدعونا \"فون رايت\" إلى تعديل صيغة هذا التعميم أو القانون الإستقرائي بما يأتي: \"حينما تصطدم كرة بثانية، فإن الأخيرة لا تتحرك إلَّا إذا توافرت شروط محددة، وتحققت ظروف معينة\". (١)\n_________\n(١) انظر (the Logical problem of Inducation، p.٤٦،G. H. Von Wright\nنقلًا عن د. علي عبد المعطي، ود. السيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، ص ٣٠٢.","vol":"1","page":226},{"text":"ومن هنا يمكن أن يكون الاستقراء ذاته معينًا على اكتشاف صفات أو شروط جديدة نضيفها إلى الظاهرة محل الاستقراء بغرض إقامة صياغة كاملة للقانون العام الذي نسعى إلى إرسائه، أي أن عملية الاستقراء لها تأثير في مسألة صياغة المفاهيم والتصورات وتكوينها، كما أنها تتأثر بها، فعملية التأثير متبادلة بين الاستقراء وصياغة المفاهيم والتصورات وتكوينها.\nوهذا المسللث في تبرير التعميم الإستقرائي شبيه بما ذهب إليه \"جون ديوي\" من اعتبار الوظيفة الأساسية لعملية الاستقراء هي التوصل إلى اكتشاف العيِّنة التي تكون ممثلة لما يشبهها من الحالات، وتُتَّخَذ معيارًا يعتمد عليه التعميم الإستقرائي. (١)\nومن أمثلة ذلك أيضًا مسألة اليسر في أحكام الشارع، فإذا قلنا -مثلًا- إن استقراء موارد الشريعة دلَّ على أن من مقاصدها التيسير فيعترض معترض بأننا لا نلمح حضور هذا المقصد في الحدود لما تتصف به من شدَّة وصرامة. فإننا للإجابة على هذا الإعتراض نجد أنفسنا ملزمين بداية بتحديد مفهوم التيسير عند الشارع، فإذا حدَّدنا التيسير المقصود في النصوص الشرعية، أمكننا بعد ذلك القول هل إن الشارع راعى جانب التيسير في مجال العقوبات أم لا؛ إذْ قد يدخل البعض في التيسير ما هو في حقيقته ليس منه، ومن هنا وجب بداية تحديد مفهوم التيسير المقصود لدى الشارع.\nوقد اعتمد الشاطي هذا النوع من التسويغ في كتاب المقاصد عند حديثه عن أن القاعدة الكلية لا يقدح فيها شذوذ آحاد الجزئيات، وستأتي مناقشتها عند الحديث عن الاستقراء عند الإمام الشاطبي.\nوقد بحث علماء أصول الفقه هذا بالتفصيل في قادح العلة المسمى \"النقض\" وما يتعلق به من جواز تخصيص العلل الشرعية. وأبرز مثال لذلك ما يسلكه المناظر عادة في دفع النقض، كدفع النقض بإظهار مانع أو فوات شره. بأن يظهر المعلل مانعًا من ثبوت الحكم في صورة النقض، أو تخلف شرط من شروط الحكم في صورة\n_________\n(١) انظر ذلك في هذا المبحث عند الحديث عن الاستقراء في المنطق الغربي الحديث.","vol":"1","page":227},{"text":"النقض. (١)\nومن الطبيعي أن يُثَار هنا اعتراض بأنه من العسير الإحاطة بكل الظروف والشروط المؤثرة في الجزئيات المستقرأة، كما أنه من العسير التحقق من اشتمال التعميم الإستقرائي عليها عند صياغته، ولكن يمكن القول إنه وإن كان هذا عسيرًا في العلوم الطبيعية والتجريبية، فإنه أيسر في القضايا الشرعية.\n_________\n(١) انظر في تفصيل هذه المسائل: نعمان جغيم: طرق إبطال العلة (رسالة ماجستير في أصول الفقه، كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإِسلامية العالمية بإسلام آباد، بكستان، ١٩٩٦، غير مطبوعة)، ص ١٦١ - ١٦٤.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفَصْل الثَّانِي\nالاستقراء في القرآن الكريم والعلوم الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الأول\nالاستقراء في القرآن الكريم</span>\nيجد الباحث في كتاب الله تعالى أن القرآن الكريم قد اتخذ المنهج الإسقرائي وسيلة من وسائل الإستدلال على سنن الله تعالى في الكون والناس، وأنه قد دعا الناس إلي استعماله في حياتهم العامة والخاصة للإعتبار بما سبق، ولإكتشاف ما يتسم به الكون من إِحْكَامٍ في الخلق، ولمعرفة الخالق تعالى، ومعرفة عظمته وقدرته.\nوقد استعمل القرآن الكريم الاستقراء بنوعيه: التام والناقص، ولكن أكثر استعماله للإستقراء الناقص، وأعطاه دلالة قطعية في إثبات بعض سنن الله تعالى في الكون، وفي حياة البشر وإثبات بعض العقائد، وصفات الذات الإلهية.\nفمن الآيات التي اتخذ فيها القرآن الكريم المنهج الإستقرائي للإستدلال ما يأتى:\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].\n﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] وَرَدَ هذا بعد استقراء الآيات السابقة أمهات الرذائل التي ينبغي اجتنابها. (١)\n﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٥]، ورد هذا بعد استقراء الآيات السابقة لأعظم الملذات التي يمكن أن يطمح إليها الإنسان في هذه الدنيا. (٢)\nومن الآيات التي دعا فيها القرآن الكريم الناس إلى استخدام الاستقراء منهجًا\n_________\n(١) انظر الآيات من ٢٦ إلى ٣٧ من سورة الإسراء.\n(٢) انظر الآيتان ٣٣ - ٣٤ من سورة الزخرف.","vol":"1","page":229},{"text":"للإستدلال ما يأتي:\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام: ١١].\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل: ٦٩].\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت: ٢٠].\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾ [الروم: ٤٢].\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ [يوسف: ١٠٩].\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [غافر: ٨٢] (١).\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠].\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ [الزمر: ٢١].\nقانون العلية:\nومن الآيات التي أشارت إلى قانون العِلِّيّة، الذي يمثل الأساس الأول لتسويغ التعميمات الإستقرائية، قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥].\n_________\n(١) وردت بهذا المعنى آيات كثيرة منها: غافر: ٢١، فاطر: ٤٤، الروم: ٩، محمد: ١٠.","vol":"1","page":230},{"text":"قانون الإطراد:\nومن الآيات التي أشارت إلى قانون الإطراد في الكون، الذي يمثل الأساس الثاني لتسويغ التعميمات الإستقرائية ما يأتي:\n﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ [العنكبوت: ١٩].\n﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠]، أي أنك أنت وقومك تخضعون لما خضع له من سبقك من رسل وأقوامهم من سنن، فاعتبروا بذلك.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني\nالاستقراء في العلوم الشرعية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الأول\nالاستقراء عند الأصوليين</span>\nتعريفه:\nلم يختلف تعريف غالب الأصوليين للإستقراء عن تعريف المناطقة، ولا غرابة في ذلك فهو مبحث منطقي أساسًا، استُعِيرَ من فنّ المنطق. وليس معنى ذلك أنه لم يُسْتَعْمَل مِنْ قِبَل علماء المسلمين قَبْل ترجمة الفلسفة اليونانية وبدْء التأليف في المنطق، بل قدّ نبه عليه القرآن الكريم، واستعمله الفقهاء من بعد ذلك، وإن لم يسمُّوه باسم الاستقراء، كثيرًا ما يسميه الفقهاء بـ إلحاق الفرد بالأعم الغالب\". (١)\nمكانته:\nاختلف موقف الأصوليين من عَدِّ الاستقراء مبحثًا من المباحث الأصولة، إذْ نجد بعضهم لم يدرجه ضمن مباحث الأصول، في حين أدرجه بعضهم ضمنها.\nويبدو أن الاستقراء عندهم بدأ مبحثًا منطقيًّا يُدرج ضمن المقدمات المنطقية التي يُقَدَّمُ بها لكتب الأصول، والتي بدأها أبو حامد الغزالي في كتابه المستصفى. فالغرالي لم يدخله ضمن مباحث أصول الفقه، وإنما تناوله في كتبه المنطقية، (٢) كما عرض له في كتابه المستصفى من علم الأصول ضمن المقدمات المنطقية التي وصفها بأنها ليست \"من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به\". (٣)\nوتبعه في ذلك ابن قدامة في روضة الناظر وجنة المناظر فجعله آخر مبحث من\n_________\n(١) انظر الفتوحي: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٩.\n(٢) انظر كابيه: محك النظر، ومعيار العلم في فن المنطق.\n(٣) الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢١.","vol":"1","page":232},{"text":"المقدمة المنطقية التي بدأ بها كتابه، ويظهر أن كلامه في الاستقراء تلخيص لكلام الغزالي. (١)\nثم انتقل بعد ذلك ليصير دليلًا من الأدلة الأصولية الثانوية. ومن الذين تناولوه ضمن مباحث الأصول الإمام الرازي في كتابه المحصول حيث أدرجه ضمن الأدلة المختلف فيها، (٢) وتبعه في ذلك البيضاوي الذي قسَّم الأدلة المختلف فيها إلى مقبولة، وغير مقبولة، وجعل الاستقراء ثالث الأدلة المقبولة. (٣) أما الإمام تاج الدين عبد الوهاب ابن السبي في جمع الجوامع فقد جعله ضمن باب الإستدلال، (٤) وكذلك فعل ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير (٥)\nأقسام الاستقراء:\nلم يختلف تقسيم الأصوليين للإستقراء عن تقسيم المناطقة، فقد قسموه إلى\nاستقراء تام، واستقراء ناقص، ولكن منهم من خالفهم في تعريفه.\n١ - الاستقراء التام: يلاحظ الناظر في تعريفات الأصوليين للإستقراء التام وجود اتجاهين:\nالإتجاه الأول سار أصحابه مع التعريف المنطقي، ومنهم الغزالي، والبيضاوي، وذلك باشتراطهم كون الاستقراء التام مستوعبًا لجميع الجزئيات الداخلة تحت المعنى الكلي. حيث يؤكد الغزالي أنه \"لا يكفي في تمام الاستقراء أن تتصفح ما وجدته شاهدًا على الحكم، إذا أمحن أن ينقل عنه شيء\"، (٦) أي أنه ما دام هناك احتمال أو إمكانية وجود جزئي ينضوي تحت هذا المعنى الكلي، ولوفي المستقبل، فإن الاستقراء لا يُعدُّ تاما.\n_________\n(١) انظر ابن بدران الدمشقي: نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب روضة الناظر وجنة الماظر، ج ١، ص ٨٨ - ٨٩.\n(٢) انظر الرازي: المحصول، ج ٦، ص ١٦١.\n(٣) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ١١٤.\n(٤) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج ٢، ص ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٥) انظر ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٧ - ٤٢١.\n(٦) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥١.","vol":"1","page":233},{"text":"وهذا الاستقراء التام بشرطه المذكور يفيد القطع.\nأما الإتجاه الثاني فلم يلتزم أصحابه بالتعريف المنطقي، ومنهم ابن السبكي في جمع الجوامع، (١) حيث جعل الاستقراء التام هو استقراء كل الجزئيات إلَّا صورة النزاع. وبنفس التعريف عرفه ابن النجار الحنبلي في شرح الكوكب المنير (٢) وما اعتبروه استقراء تامًّا هو في الحقيقة استقراء ناقص لأنه لم يشمل صورة التراع، وهي واحدة من جزئيات ذلك الكلي. فكيف يمكن اعتبار الاستقراء تامًّا مع عدم شموله لها؟ كما أن المثال الذي مثلوا له به ليس فيه استقراء تام، وهو\"نحو كل جسم متحيز فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز، فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كلي، وهو الجسم الذي هو مشترك بين الجزئيات، فكل جزئي من ذلك الكلي يُحكم عليه بما حُكِم به على الكلي. إلّا صورة النزاع، فيُستدل بذلك على صورة النزاع\". (٣) فقوله: \"إنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم\" غير مسلَّم، إذْ لم يتم استقراؤها كلها، بل بعضها فقط.\nوقد جزم ابن النجار بإفادة هذا الاستقراء القطع بقوله: \"وهو مفيد للقطع\". (٤) أما السبكي فقد ذهب أيضًا إلى أنه يفيد القطع، إلَّا أنه أشار إلى أن البعض يرى أنه يفيد الظن فقط لإحتمال مخالفة تلك الصورة التي لم يشملها الاستقراء، وهي محل النزاع. (٥)\nوهذا الاستقراء لا يُعدّ عند أصحاب الإتجاه الأول تامًّا، ونتيجته ليست قطعية، بل هي ظنية فقط.\n٢ - الاستقراء الناقص: أما الاستقراء الناقص فهو استقراء أكثر الجزئيات لإثبات الحكم للكلي المشترك بين جميع تلك الجزئيات، (٦) أي أنه الاستقراء الذي لا\n_________\n(١) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج ٢، ص ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٢) انظر ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٨ - ٤١٩.\n(٣) المصدر السابق، الصفحة نفسها.\n(٤) المصدر السابق، ج ٤، ص ٤١٩.\n(٥) انظر البناني: حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، ج ٢، ص ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٦) انظر في ذلك مثلًا: ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٩؛ الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":234},{"text":"يستوعب كل الجزئيات. ولكن ينبغي التنبيه هنا على أن هذا الإستيعاب إذا تخلفت عنه صورة واحدة، هي محل الإستدلال فإنه يصير استقراء تامًّا عند أصحاب الإتجاه الثاني في تعريف الاستقراء التام، أما عند أصحاب الإتجاه الأول فإنه يبقى استقراءً ناقصًا.\nوقد استشكل ابن قاسم العبادي في حاشيته على المحلِّي تقييد الاستقراء الناقص بكونه تتبع أكثر الجزئيات، بأنه يلزم عنه خروج ما يكون بنصف الجزئيات فأقل، فلا يكون استقراء، بهذا الإعتبار، ويُشْكل بذلك الأمر في كثير من المسائل التي اعتمد الفقهاء فيها على استقراء بعض الجزئيات، وليس أكثرها، ولذلك اقترح ترك التقييد بالأكثر والإكتفاء بالتقييد بالبعض، مع ضبط ذلك البعض بما يحصل معه ظن عموم الحكم. (١)\nنتيجة الاستقراء بين القطع والظن:\nأ - الاستقراء التام:\nاتفق الأصولون على الإحتجاج بالاستقراء التام، وإفادته القطع. (٢) وقد حدد الشربيني شروط إفادته القطع فيما يأتي: (٣)\n١ - أن يكون حصر جزئيات الكلي قطعيًا، بأن يقطع بأنه ليس له جزئيات أخرى غير تلك المحصورة.\n٣ - أن يكون ثبوت ذلك الحكم لآحاد تلك الجزئيات قطعيًا.\nوقد قلّل البعضُ من أهمية هذا النوع من الاستقراء، حيث يرى الغزالي مثلًا أن الجزئية التي يراد الإستدلال عليها بالاستقراء الضام: إما أن يكون المستقرئُ قد\n_________\n(١) انظر العبادي، أحمد بن قاسم: الآيات البينات على شرح جمع الجوامع، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه زكريا عميرات، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م)، ج ٤، ص ٢٤٦.\n(٢) انظر مثلا: الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٥٦؛ ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٩؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ١١٤.\n(٣) الشربيني: تقرير الشربيني على حاشية البناني، ج ٢، ص ٣٤٥.","vol":"1","page":235},{"text":"تصفحها أثناء عملية الاستقراء، فيكون قد عرفها وعرف حكمها قبل الوصول إلى نتيجة الاستقراء، ولم تَعُدْ هناك حاجة للإستدلال عليها بالاستقراء، وإما أن لا يكون قد تصفحها أثناء عملية الاستقراء وعند ذلك لا يُعَدُّ هذا الاستقراء تاما، بل هو استقراء ناقص. (١)\nوأرجعه عبد الرحمن الشربيني في تقريره على حاشية البناني على شرح الجلال المحلِّي إلى ما يُسَمّى بالقياس المقسِّم، وذهب إلى أن الأصوليين والفقهاء لا حاجة بهم إلى هذا النوع من الاستقراء؛ \"لأنه مبنيٌّ على علم ثبوت الحكم في جميع الجزئيات، والأصوليون إنما يحتاجون الدليل لعلم حكم الجزئي، والفرض أنه معلوم\"، (٢) أي لما كان الاستقراء تامًا، فقد تَمَّ التعرف على حكم كلّ الجزئيات قبل الوصول إلى الحكم الكلي. ومن ثَمَّ لم تبقَ حاجة للإستدلال به على الجزئيات. ويرى الإمام الشربيني أن الاستقراء عند الأصوليين دائمًا ناقص عند المناطقة. (٣)\nب - الاستقراء الناقص:\nأما الاستقراء الناقص فإنه يفيد الظن المعمول به عند جمهور الأصوليين. (٤) ويعلل الغزالي مصداقية العمل به بأنه كما ازداد عدد الأصول (أي الجزئيات) الشاهدة لأمر ما زاد الظن فيه، فإذا وجد الأكثر على نمط لم يبقَ الإحتمال على التعادل، بل رَجَحَ بالظنّ أحدُ الاحتمالين، وصار إثبات الواحد وفق الجزئيات الكثيرة أغلب من كونه مستثنى على الندور (٥) وكلما كان عدد الجزئيات المستقرأة أكثر كان الظن الذي يفيده الاستقراء الناقص أقوى، وبالعكس. وما دام هذا النوع من الاستقراء يفيد الظن فإنه حجة؛ لوجوب العمل بالظن في الشرعيات. (٦) إلّا أن الإمام\n_________\n(١) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٣.\n(٢) الشربيني: تقرير الشربيني على حاشية البناني، ج ٢، ص ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٣) المصدر السابق، ج ٢، ص ٣٤٥.\n(٤) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٥٥ - ٥٦؛ الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ١١٤؛ ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٩.\n(٥) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥١، ١٨٧.\n(٦) انظر الإسنوي: نهاية السول، ج ٣، ص ١١٤، الرازي: المحصول، ج ٦، ص ١٦١.","vol":"1","page":236},{"text":"الرازي رجح عدم إفادته الظن، إلّا إذا انضاف إليه دليل منفصل. (١)\nوقد أشار ابن النجار عند حديثه عن الاستقراء الناقص إلى أمر مهم، وهو حالة وجود علة مؤثرة في الحكم، حيث يقول في تريف الاستقراء الناقص: \"بأن يكون الاستقراء (بأكثر الجزئيات)، لإثبات الحكم للكلي المشترك بين جميع الجزئيات، بشرط أن لا تتبيَّن العلة المؤثرة في الحكم ... \"، (٢) أي أنه إذا تبيَّن وجودُ علة مؤثرة، صار الإعتماد على العلة المؤثرة، ولم يبق الاستقراء مفيدًا مجرّد الظن، بل يصير مفيدًا اليقين، وهو الذي يسمى بالاستقراء المعلَّل، حيث يصير كل جزئي توفرت فيه تلك العلة محكومًا له بحكم ذلك الكلي.\nوقد ذهب الغزالي إلى أن الاستقراء الناقص في دلالته على الفقهيات أقوى من التمثيل، الذي هو القياس الفقه. (٣) إلّا أن صاحب الإبهاج في شرح المنهاج اعترض على هذا بقوله: \"هذا مدخول، لأنه يُشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو علة الحكم، وليس الأمر كذلك في الاستقراء، بل هو حكم على الكلي بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته، ولا يمتنع عقلًا أن يكون بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر في الحكم، وإن اندرجَا تحت جنس واحد\". (٤)\n_________\n(١) انظر الرازي: المحصول، ج ٦، ص ١٦١.\n(٢) ابن النجار: شرح الكوكب المنير، ج ٤، ص ٤١٩.\n(٣) انظر الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٠.\n(٤) السبكي، تقي الدين والسبكي، تاج الدين: الإبهاج في شرح المنهاج، مطبوع على هامش نهاية السول، (مصر: مطبعة التوفيق الأدبية، د. ط، د. ت)، ج ٦٣ ص ١١٤، وانظر ما نقله العبادي في الآيات البينات عن الصفي\nالهندي. الآيات البينات، ج ٤، ص ٢٤٧ - ٢٤٨.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الثاني\nتطبيقات الاستقراء عند الفقهاء والأصوليين</span>\nلقد استخدم علماء المسلمين الاستقراء في مجالات كثيرة من دراساتهم، فني علم أصول الفقه نجد الاستقراء حاضرًا في كثير من مباحثه، بل هو المُستَنَد الأساس لعلماء الأصول في بعضها. ومن أمثلة ذلك قيام مدرسة الحنفية في الأصول على الاستقراء. فمنظِّرُوا الأصول من علماء الحنفية قاموا باستقراء فتاوى أئمتهم السابقين، ليستخرجوا من ذلك المعاني والضوابط التي التزموا بها في فتاواهم، ثم اتخذوها بعد ذلك أُسُسًا أصَّلُوا الأصول عليها، ومن هنا وُصِفَت أصول الحنفية بأنها ضررة وليست حاكمة. وفي ذلك يقول شاه ولي الله الدهلوي: \" ... واعلم أنِّي وجدت أكثرهم يزعمون أنَّ بناء الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي على هذه الأصول المذكورة في كتاب البزدوي ونحوه، وإنما الحق أن أكثرها أصول مخرَّجة على قولهم. وعندي أن المسألة القائلة: بأنما الخاص مُبَيَّنٌ ولا يلحقه بيان، وأن الزيادة فسخ، وأن العام قطعي كالخاص، وألَّا ترجيح بكثرة الرواة، وأنه لا يجب العمل بحديثِ غيرِ الفقيه إذا انسدَّ باب الرأي، ولا عبرة بمفهوم الشرط والوصف مثلًا، وأن موجَبَ الأمر هو الوجوبُ ألبتة، وأمثال ذلك أصول مُخَرَّجة على كلام الأئمة، وأنها لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبه، وأنه ليست المحافظة عليها والتكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين كما يفعله البزدوي ... \". (١)\nكما استخدم أصولِيُّو مدرسة المتكلمين الاستقراء في إثبات ظنية دلالة اللفظ العام على أفراده، فقد اسْتَقْرَوا العمومات الواردة في القرآن الكريم فوجدوا أكثرها قد خُصِّص، فقرروا أن دلالة العام على أفراده ظنية، واشتهر عنهم في ذلك قولهم إنه ما من عام إلّا وقد خُصِّص. (٢)\n_________\n(١) الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم (شاه ولي الله): الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف في الأحكام الفقهية، (القاهرة: المطبعة السلفية، ١٣٨٥ هـ)، ص ١٣، ٣٨.\n(٢) انظر أبو زهرة، محمد: أصول الفقه، (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٤١٧ هـ / ١٩٩٧ م)، ص ١٤١.","vol":"1","page":238},{"text":"وفي تناوطم بالدراسة مسالك العلة، نجد الاستقراء حاضرًا، كما هو الحال في مسلك الدوران (الطرد والعكس) الذي هو تلازم الحكم والعلة وجودًا وعدما، (١) وهو أمر يحتاج في إثباته إلى الاستقراء، وهو من الاستقراء الناقص. وكما هو في مسلك السبر والتقسيم، إذ التقسيم هو استقراءُ أوصافِ الأصل وجمعها في جملة معينة. (٢)\nوالقواعد والضوابط الفقهية يقوم الجزء الأكبر منها على الاستقراء، إذْ نوعان: قواعد مقتبسة من النصوص الشرعية، مثل \"لا ضرر ولا ضرار، (٣) و\"الأمور بمقاصدها\"، (٤) وهذا يمثل جزءًا يسيرًا من القواعد الفقهية، أما الجزء الأكبر فإنه مُستمدٌّ بطريق استقراء الفروع الفقهية الواردة في الباب الواحد لإستخراج قاعدة كلية أو أغلبية تنتظم تلك الفروع في عقد واحد، وتضبطها بضابط مشترك. (٥)\nكما كان الاستقراء أحدَ الوسائل التي اعتمدها الفقهاء في أبواب كثيرة من الفقه الإِسلامي، كإحصاء أنواع المياه، وتحديد دماء الحيض والنفاس والإستحاضة، وتحديد أقصى مدة الحمل، والإستدلال على عدم فرضية صلاة الوتر، (٦) وغير ذلك.\nوكان الاستقراء هو الوسيلة الأساسية التي اعتمدها علماء اللغة العربية في استخراج قواعدها وضوابطها، إذ استقصوا في سبيل ذلك معظم التراكيب العربية\n_________\n(١) انظر الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٣، ص ٣٣٠.\n(٢) انظر المصدر السابق، ج ٣، ص ٢٨٩ - ٢٩١.\n(٣) مأخوذة من الحديث \"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ\". سنن ابن ماجة الحديث (٢٣٤٠) و(٢٣٤١).\n(٤) مأخوذة من الحديث: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ\". صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب (١)، مج ١، ج ١، ص ٣، الحديث (١).\n(٥) انظر في ذلك مثلا: ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م)، ص ١٥؛ الكرابيسي، أسعد بن محمد بن الحسن: الفروق، تحقيق محمد طموم، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط ١، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م)، ج ١، ص ٣٣.\n(٦) انظر في الإستدلال بالاستقراء على عدم وجوب صلاة الوتر: أبو حامد الغزالي: المسمَّى، ج ١، ص ٥٥، حيث يقول عن الإستدلال بالاستقراء: \"كقولنا في الوتر: ليس بفرض؛ لأنه يُؤدَّى على الراحلة، والفرض لا يُؤدَّى على الراحلة. فيقال: لِمَ قلتم إن الفرض لا يُؤدَّى على الراحلة؛ فيقال: عرفناه بالاستقراء، إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة، فقلنا: إن كل فرض لا يُؤدَّى على الراحلة\".","vol":"1","page":239},{"text":"وطرق أدائها، ومعظم المفردات العربية ومشتقاتها، ثم استخرجوا من ذلك قواعد النحو والصرف، ونفس الأمر كان مع استخراج قواعد علم العروض. (١)\nولَمّا كان أكثر من اعتنى بالاستقراء نظرًا وتطبيقًا هو الإمام الشاطي، ثُمّ تبعه في ذلك الإمام محمد الطاهر بن عاشور فإن بيان مسلك الاستقراء لا يَتِمّ إلّا بإفراد كل واحد منهما بفصل مستقل لبحث موضوع الاستقراء عند كل واحد منهما بشيء من التفصيل.\n_________\n(١) انظر في هذا المجال: المخزومي، مهدي: الخليل بن أحمد الفراهيدي: أعماله ومنهجه، (بيروت: دار الرائد العربي، ط ٢. ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م)، ص ٧٧ - ٨٢؛ أحمد مختار عمر: المبحث اللغوي عد العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، (القاهرة: عالم الكتب، ط ٦، ١٩٨٨ م)، ص ٧٩ - ٩٢.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفَصْلِ الثَّالِث\nالاستقراء عند الإمام الشاطبي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>تَمْهِيد</span>\nلم يكن الاستقراء غائبًا غيابًا كاملًا عن مباحث الأصول عند الأصوليين المتقدمين على الشاطبي كما سبقت الإشارة، لكنهم لم يُعنوا به العناية الكافية، ولم يوظفوه توظيفًا كاملًا بوصفه منهجًا للإستدلال على القواعد والمسائل الأصولية. وربما كان ذلك ناتجًا عن التأثر بنظرة المنطق الأرسطي للإستقراء خاصة الناقص منه، من أنه -تبعًا للأسس المثطقية التي بُنِيَ عليها وفُسِّرَ بها- لا يفيد كثيرًا بحكم أنه لا يوصل إلى نتائج قطعية. ويبدو هذا جليًّا في موقف أبي حامد الغزالي -الذي يعدّه البعض أول من أدخل المنطق في علم أصول الفقه (١) - حيث قلَّل من أهمية الاستقراء في كونه دليلًا تُستنبط به القواعد الكلية أو الفروع الفقهية من جهتين:\nإحداهما: أنه حتى وإنكان استقراءً تامًّا، فإنه لا يفيد نتيجَتَهُ إلّا بإرجاعه إلى الضرب الأول من النمط الأول من البرهان، وهو صياغته على شكل مقدمتين يُشترط في أولاهما أن تكون مثبتة، ويُشترط في الثانية أن تكون عامة كلية، وتشترك هاتان المقدمتان في علة تكون حكمًا في إحداهما ومحكومة في الأخرى. (٢) ووجه التقليل من أهميته هنا جعلُه لا يفيد نتيجة يقينية إلَّا بإرجاعه إلى البرهان.\nوالثانية: وصفه للإستقراء الناقص بالاختلال، وأنه قليل الفائدة، والحكم عليه\n_________\n(١) القول بأن الغزالي أول من أدخل علم النطلق في علم أصول الفقه مبي على أنه أول من صدَّرَ كتابًا في أصول الفقه -وهو كتابه المستصفى من علم الأصول- بخلاصة لأهم نظريتين في المنطق القديم، وهما: نظرية الحدّ، ونظرية البرهان. ومع أنه صرح أن هذه المقدمات المظقية ليست من مباحث علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، إلّا أنه جعلها أساس كل علم، ومن لا يحيط بها \"فلا ثقة له بعلومه أصلا\". المستصفى، ج ١، ص ٢١، وانظر فيما أورده من مقدمات منطقية ج ١، ص ٢١ - ٥٨ من الكتاب نفسه.\n(٢) مثَّل الغزالي لهذا النظم من البرهان في الفقهيات بقوله: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، إذًا كل نبيذ حرام. انظر في تفصيل هذا النظم من البرهان: الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٤٤ - ٤٦.","vol":"1","page":241},{"text":"بعدم إفادة القين مطلقًا، وفي ذلك يقول -بعد أن مثَّل للاستقرإء لإثبات عدم فرضية صلاة الوتر التي تقدمت الإشارة إليها: \"وهذا [أي الاستقراء الناقص] مختل يصلح للظنيات دون القطعيات\"، (١) ويقول: \" ... فلا يفيد الاستقراء علمًا كليًّا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس آخر، (٢) أي أنه لا يمكن إثبات الكليات القطعية به، ومن ثَمَّ لا يمكن جعل تلك الكليات مقدمات لقياس آخر.\nوسيسعى الباحث في هذا الفصل إلى بيان وجوه العناية والإبداع في موقف الشاطبي من الاستقراء، كيف تمكّن من توظيف هذا المنهج الاستدلالي في مباحث أصول الفقه بطريقة تبدو خالصة من شوائب المنطق اليوناني.\n_________\n(١) المصدر السابق، ج ١، ص ٥٥.\n(٢) الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٢.","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول\nتعريف الاستقراء عند الشاطبي وبيان الأساس الذي يقوم عليه</span>\nأول شيء يُلفت نظر الباحث في موقف الشاطبي من الاستقراء ابتكاره لمصطلح \"الاستقراء المعنوي\"، هذا المصطلح الذي يحمل في طيّاته دلالة تختلف إلى حدّ ما عن مفهوم الاستقراء في المنطق الأرسطي.\nتعريف الاستقراء المعنوي:\nيعرف الشاطبي الاستقراء المعنوي بأنه \"الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضافٌ بعضُها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حَدِّ ما ثبت عند العامة جود حاتم، وشجاعة علي - ﵁ -، وما أشبه ذلك. فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد [يعني القواعد الضرورية، والحاجية، والتحسينية] على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزئيات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة، في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى أَلْفَوْا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة\". (١)\nفالاستقراء المعنوي ليس استقراءً لأوصاف عرضية، ولا هو استقراء لذات الأدلة، جزئيةكانت أم كلية، وإنما هو استقراء لمقتضيات أدلة وردت بأشكال وصيغ مختلفة، لأغراض شتّى، وفي أبواب متفرقة، لكنها تشترك في معنى من العاني، يكمِّل كلٌّ منها الآخر فيه، ويسند كلٌّ منها ما سبقه من أدلة إلى أن يصل الناظر فيها إلى اليقين، والقطع بكون المعنى الذي اشتركت فيه هذه الأدلة مقصدًا من مقاصد الشارع.\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٣٩.","vol":"1","page":243},{"text":"العلاقة بين التواتر والاستقراء المعنوي:\nيرى الشاطبي أن الاستقراء نوع من أنواع التواتز وأن المسوَّغ الذي يجعل الاستقراء يفيد القطع هو المسوِّغ ذاته الذي أوجب القطع في نتيجة التواتر وفي ذلك يقول. \"وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق. ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه\". (١)\nوقد عَدّ الشاطبي الاستقراء المعنوي شبيهًا بالتواتر المعنوي (٢)، لكنه لم يجعله عينه لما بينهما من فروق. والفرق بينهما أن التواتر المعنوي تكون جميع الأدلة فيه على مساق واحد، راجعة إلى باب واحد، فتكون خادمة لمعنى واحد، وإنما الإختلاف في الألفاظ المروي بها ذلك المعنى، أما الاستقراء المعنوي فمع كون أدلته تنتظم معنًى واحدًا الذي هو المقصود بالإستدلال عليه إلّا أنها مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد، وإنما إلى أبواب متعددة. (٣) ووجه الشبه بينهما أن كلًّا منهما يعتمد أساس التواتر وهو تضافر جملة من الأدلة وتكاثرها على معنى واحد إلى أن يبلغ ذلك المعنى مرتبة القطع.\nأساس الاستقراء عند الإمام الشاطبي:\nلقد أدرك الشاطبي أن اعتماده الاستقراء دليلًا أساسيًّا في الإستدلال على الكليات والمقاصد الشرعية أمر غير مسبوق إليه بتلك السِّعة، كما أن إعطاء صفة القطع لنتائج الاستقراء الناقص أمر مخالفً تمامًا لما اشتهر -بين المناطقة وعلماء الشريعة على حدّ سواء- من كونه لا يفيد سوى الظن، ولذلك سعى الشاطبي -من أجل تسويغ عمله هذا- إلى تحقيق أمرين:\nالأول: بيان الأساس الذي يقوم عليه الاستقراء: فقد أرجعه الإمام الشاطبي إلى\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٤.\n(٢) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٥.","vol":"1","page":244},{"text":"التواتر بأن جعله نوعًا من أنواعه. وربما استغرب البعض هذا التصنيف، وأعترض عليه بأن التواتر المعروف نوعان: تواتر لفظي، وآخر معنوي، وليس هناك نوع ثالث. ومن أجل دفع هذا الإعتراض بيَّن الشاطبي أن روح الاستقراء المعنوي هي روح التواتر المعنوي ذاتها. فكلاهما يقوم على تتبّع معنى تضافرت عليه مجموعة من الأدلة، ومن ثَمَّ فلا غرابة في إدراج الاستقراء المعنوي تحت التواتر وتفسيره حسب قوانينه، وإعطاء نتيجته نفس مصداقية نتيجة التواتر.\nالثاني: بيان أن الإستدلال بالاستقراء المعنوي على أصول الشريعة وكلياتها ليس بالأمر الغريب ولا الجديد، فقد استعمله علماء الشريعة في ذلك وإن لم يصرحوا به، ولم يميزوه عن غيره من الأدلة، كما أنهم أعطوا نتائجه وصف القطع. وفي ذلك يقول الشاطبي: \"إلّا أن المتقدمين من الأصوليين ربما تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه، فحصل إغفاله من بعض المتأخرين، فاستشكل الإستدلال بالآيات على حِدَتِها، وبالأحاديث على انفرادها\". (١) وقد أبرز الشاطبي ثلاثة أمثلة لذلك هي: (٢)\n١ - حجية الإجماع: فقد قطع العلماء بحجية الإجماع مع أنه لم يرد في ذلك دليل قطي، بل كل ما ورد في ذلك آحادُ أدلَّةٍ لا ترقى عن مرتبة الظن، سواء في الثبوت، أو في الدلالة. بيانما توصل العلماء إلى ما توصلوا إليه بشأن حجية الإجماع من خلال استقراء المعنى المشترك بين تلك الأدلة جميعًا، وهو عصمة إجماع الأمة عن الخطأ، إلى درجة القطع به، ومن ثَمَّ القول بحجية الإجماع بشروطه. (٣)\n٢ - حجية القياس: فجمهور علماء الأمة على القطع بحجية القياس، ولم يرد في ذلك دليل قاطع، وإنما ثبت ذلك بالاستقراء المعنوي لِمَا ورد في ذلك من نصوص وحوادث.\n٣ - حجية أخبار الآحاد: فجمهور علماء الأمة على القطع بوجوب العمل بها، وإنما ثبت ذلك من خلال الاستقراء المعنوي.\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٥.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٥.\n(٣) انظر سلوك الغزالي هذا المسلك في إثباث حجية الإجماع في المستصفى، ج ١، ص ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني\nالاستقراء عند الإمام الشاطبي بين القطع والظن</span>\nجرى الشاطبي على التقسيم المعروف للإستقراء إلى استقراء تام، واستقراء ناقص. أما الاستقراء التام فالشاطبي -كغيره من العلماء والمناطقة- يرى أنه يفيد القطع، وقد صرح بذلك في مواطن، منها:\n١ - كون حقوق الله تعالى لا ترجع إلى اختيار المكلَّف، ومن ثَمَّ لا يمكن لأحد إسقاطها، حيث يقول: \"أما حقوق الله تعالى فالدلائل على أنها غير ساقطة، ولا ترجم لاختيار المكلَّف كثيرة. وأعلاها الاستقراء التام (*) في موارد الشريعة ومصادرها ... \". (١)\n٣ - إثبات أن مورد التكاليف الشرعية هو العقل، حيث قال: \"والثالث: أن مورد التكليف هو العقل، وذلك ثابت قطعًا بالاستقراء التام، حتى إذا فُقِد (أي العقل) ارتفع التكليف رأسًا\". (٢) وواضح أن الاستقراء التام هنا ممكن، إذْ إن خطابات الشارع التي ربطت التكليف بالعقل معدودة، وكذلك التي أسقطت التكاليف عن فاقديه.\n٣ - إثبات أن الأحكام الكلية، والقواعد الأصولية في الدين، لم يقع فيها نسخ وإن كان ذلك ممكن عقلًا، حيث قال بعد تقرير هذه القاعدة: \"ويدلّ على ذلك الاستقراء التام ... \". (٣) وهو أيضًا استقراءً إتمامه ممكن لكون نصوص القرآن محدودة ومعلومة.\n٤ - ادعاؤه أن انحصار المصالح في ثلاث مراتب (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) أمر ثابتًا بالاستقراء التام، وذلك قوله: \"واستقر بالاستقراء التام أن المصالح على ثلاث مراتب\". (٤)\n_________\n(*) التسويد في النصوص من عندنا لبيان موضع الشاهد.\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٨٥.\n(٢) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩.\n(٣) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٧٩.\n(٤) المصدر السابق، مج ٢، ج ٤، ص ٧٦ - ٧٧. وهذا ادعاء يبدو أنه غير مُسلَّم به، إذ مع التسليم بانحصار المصالح في المراتب الثلاثة التي ذكر، إِلَّا أن القول بأن ذلك ثبت بالاستقراء التام غير ممكن، لعدم القدرة على حصر كل المصالح الشرعية: كلِّيّها وجزئيِّها، وإنما كان الأولى القول بأن ذلك ثابت بالاستقراء الناقص مع مقتضى القسمة العقلية، إذْ حصر مراتب المصالح في ثلاث يقتضى أن لا تخرج عنها بعد ذلك أي مصلحة من المصالح الشرعية.","vol":"1","page":246},{"text":"أما الاستقراء الناقص، فإن الشاطبي يرى أنه قد يفيد الظن، وقد يفيد القطع إذا توفر لذلك جملة شروط سيأتي ذكرها. والدليل على ذلك تصريحه بأن نيتجة الاستقراء قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية، حيث يقول: \" ... أن الاستقراء هذا شأنه؛ فإنه تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من جهتها حكم عام، إما قطعي، وإما ظني\". (١)\nومن المواطن التي يؤخذ منها أن الاستقراء الناقص عنده قد يفيد القطع: حديثه عن المقدمات والأدلة المعتمدة في إثبات قواعد أصول الفقه، وأنها لا تكون إلَّا قطعية، فذكر منها أربعة:\n١ - الأدلة الراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة: الوجوب، والجواز والإستحالة.\n٢ - الأدلة الراجعة إلى أحكام العادة وهي ثلاثة: الوجوب، والجواز والإستحالة.\n٣ - الأدلة السمعية، وهي الأخبار المتواترة: لفظًا -إذا كانت ألفاظها قطعية الدلالة-، ومعنى.\n٤ - الأدلة المستفادة من الاستقراء في موارد الشريعة (٢). كثير من هذه الأدلة مستفاد من استقراءات ناقصة، كما سيتبين عند الحديث عن مجالات استخدام الاستقراء عند الشاطبي.\nومنها استدلاله بالاستقراء الناقص على تعليل الأحكام الشرعية، وأن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، حيث قال -بعد استعراض جملة من الأدلة المستقرأة-: \"وإذا دلّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة\". (٣) وهو استقراء - ولا\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢١. وقد علَّق على ذلك الشيخ عبد الله دراز بأن حكم الاستقراء يكون قطعيًا إذا كان الاستقراء تامًّا، ويكون ظنيًا إذا كان في غالب الجزئيات فقط (أي ناقصا). انظر تعليق الشيخ عبد الله دراز على الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢١، هامش رقم ٤، ٥. ولكن هذا الإطلاق غير مسلَّم؛ إذْ نجد الشاطبي في مواطن أخرى قد أطلق القول بإفادة الاستقراء القطع، ولم يخصص أي نوع من أنواعه مما يشمل الاستقراء الناقص والتام.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات: مج ١، ج ١، ص ٢٣.\n(٣) المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٥.","vol":"1","page":247},{"text":"شك - ناقص.\nوقد حدد الشاطبي ثلاثة شروط للتعميم الإستقرائي الناتج من استقراء ناقص\nحتى يفيد القطعية: (١)\n١ - التكرار: بأن تكون نتيجة الاستقراء قد تكرَّر تقريرها في النصوص الشرعية، كما هو الحال في التيسير ورفع الحرج، ومنع الضرر والضرار.\n٣ - التأكيد: بأن تكون نتيجة الاستقراء قد تَمَّ تأكيد مضمونها في مواضع فية وذلك بعدم استثناء موضع ولا حال مما يشمله.\n٣ - الإنتشار: بأن ينتشر هذا المعنى في أبواب الشريعة، دون اقتصار على باب واحد من أبوابها. أما إذا كانت الجزئيات المستقرأة في قضية واحدة أو باب واحد فإنه لا ينتظم منها استقراء قطعي، بل تكون نتيجه استقرائها ظنية. (٢)\nفإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة ارتقى ظاهر هذا العموم \"باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه\". (٣) ومثل هذا العموم لا يصح تخصيصه بما خالف ٥ من جزئيات، وإنما يمكن ذلك حيث تخصِّصُ القواعدُ بعضها بعضا. (٤) أما \"إن لم يكن العموم مكرَرًا ولا مؤكّدًا، ولا منتشرًا في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر وهو\"معرض لإحتمالات، فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يُعرض على غيره ويُبحث عن وجود معارض له\". (٥)\n٤ - قطعية الثبوت: مع أن الشاطبي لم يصرح باشتراط كون الأدلة المستقرأة أو بعضها قطعية الثبوت، أي من القرآن الكريم أو السنة المتواترة، وهو أيضًا غير مشروط في التواتر المعنوي الذي قاس عليه الشاطبي الاستقراء، إلّا أنه قد يُفهم من بعض كلامه\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١.\n(٣) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٨.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٨.\n(٥) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٨.","vol":"1","page":248},{"text":"إشارة إلى ذلك، ففي رده على بعض الآثار التي قد يُفهم منها أن عِظَم الأجر مرتب على عِظَم المشقة لذاتها، وأنه يجوز للمكلَّف أن يقصد عظيم المشقة طلبًا لعظيم الأجر قال: \"أولًا: هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي، فالظنيات لا تعارض القطعيات\". (١) فرده مبني على عنصرين: أحدهما كون تلك الآثار أخبار آحاد، والثاني كونها غير منتشرة، أي في قضية واحدة هي البعد عن المسجد والمشقة في التردد عليه. فكما أن العنصر الثاني عدَّه الشاطبي شرطًا في إفادة الاستقراء الناقص القطع، قد يُفهم كذلك من العنصر الأول اشتراط الشاطبي أن يكون -على الأقل- بعض الجزئيات المستقرأة قطعي الثبوت، كما فعل ابن عاشور فيما بعد.\nقيمة نتيجة الاستقراء عند الشاطبي:\nيرى الشاطبي أن التعميم الإستقرائي يكون كليًّا، (٢) جاريًّا مجرى العموم في\nالأفراد، (٣) مفيدًا القطع. (٤)\nأما كونه كليًّا فلأن تلقي العلم بالكلي إنما يحصل من استعراض الجزئيات واستقرائها، فالكلي -من حيث هو كلي- غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، إذْ ليس له وجود مستقل في الخارج، إنما هو مُضَمَّن في الجزئيات. (٥)\nوأما كونه جاريًّا مجرى العموم في الأفراد، فلأنه لما كان مستنبطًا من تلك الجزئيات التي هي أدلة الأمر والنهي الواقعين على جميع المكلفين؛ صارت له قوة اقتضاء الوقوع في جميع الأفراد. فهو كلي في تعلقه، فيكون عامًّا في الأمر به والنهي عنه للجميع. (٦)\n_________\n(١) المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ١.\n(٢) يرى أبو حامد الغزالي -وهو الرأي السائد عند المناطقة- أن الاستقراء الناقص لا يفيد علمًا كليًا، وفي ذلك يقول: \"فإذًا لا ينتفع بالاستقراء مهما وقع خلاف في بعض الجزئيات، فلا يفيد الاستقراء علمًا كليًا بثبوت الحكم للمعنى الجامع للجزئيات، حتى يجعل ذلك مقدمة في قياس آخر، لا في إثبات الحكم لبعض الجزئيات\". أبو حامد الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص ١٥٢.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٨.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١٩ - ٢٠.\n(٥) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٥ - ٦.\n(٦) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٨.","vol":"1","page":249},{"text":"وبناءً على ماسبق يرى أن ما ثبت عمومه بالاستقراء يجري مجرى ما ثبت عمومه بصيغ العموم، فيكون دالًّا على كلّ نازلة تقع مما يمكن إدخاله تحت ذلك العموم، ويُحْكّم عليها به من غير حاجة إلى دليل خاص أو قياس، وفي ذلك يقول: \" ... ثم استقرى [أي المجتهد] معنى عامًّا من أدلة خاصة. واطَّرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تَعِنُّ، بل يحكم عليها -وإن كانت خاصة- بالدخول تحت عموم المعنى المستقرَى من غير اعتبار بقياس أو غيره، إذْ صار ما استقرَى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه؟ \". (١)\nمعنى القطع والعموم والكلية والإطلاق في الاستقراء عند الشاطبي:\nمع أن الشاطبي لا يذكر عادةً نوع القطع الذي يفيده الاستقراء، إِلَّا أنه في موضع من المواضع -عند حديثه عن كون الكليات الشرعية قطعية- أشار إلى أن نوع القطع المقصود هنا هو القطع العادي؛ أي أن العادة تحيل وقوع ظن فيه وليس العقل، أي أنه لا يمكن نفي تطرق الظن عقلًا لما ثبت بدليل الاستقراء، وذلك قوله: \"لأن الظن إنما يتعلق بالجزئيات؛. إذْ لو جاز تعلق الظن بكليات الشريعة لجاز تعلقه بأصل الشريعة، لأنه الكلي الأول، وذلك غير جائز عادة\". (٢)\nأما مقصوده بأوصاف العموم والكلية والإطلاق، فقد صرح في المسألة الثانية من الفصل الرابع من كتاب الأدلة الشرعية أن القواعد الشرعية الموصوفة بالعموم والكلية، إنما يُراد بعمومها \"العموم العادي\" لا العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما\"، (٣) ثم ختم المسألة بقوله: \"فليكن على بال من النظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تُنَزَّل على العموم العادي\"، (٤) أي أنها قواعد أغلبية تتصف بوصف العموم القابل للتخصيص والإستثناء، ومع ذلك لا يطعن في عمومها ورود\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٦.\n(٢) المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٠.\n(٣) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩٨.\n(٤) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢.","vol":"1","page":250},{"text":"بعض المخصصات أو الإستثناءات، وتتصف بوصف الإطلاق القابل للتقييد في بعض الجزئيات، وتتصف بوصف الكلية الذي يراد به أنها قواعد إجمالية ضابطة لعدد كبير من الجزئيات لا يكاد يُحْصَر وذلك على منوال الأدلة الكلية في أصول الفقه، وهي الأدلة الإجمالية (القرآن، والسنة، ... إلخ). وفي ذلك يقول: \"لأن الكلية إذا كانت أكثرية في الوضعيات انعقدت كلية، واعتُمِدَت في الحكم بها وعليها، شأن الأمور العادية الجارية في الوجود\". (١) وقد استدلّ الشاطبي على هذا التفسير لوصفي العموم والكلية بدليلين: الأول: أن سُنّة الله تعالى في العوائد قد جرت بكونها أكثرية لا عامة، ولما كانت الشريعة إنما وضعت لضبط تصرفات الخلق مع تلك العوائد، كان من اللازم أن تسير القواعد الشرعية سير تلك العوائد، فتجري على العموم العادي، لا على العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما. (٢)\nالثاني: شهادة الواقع لذلك؛ إذْ إن وضع الشريعة على ذلك ظاهر، ومثال ذلك كان التكاليف الشرعية وُضِعَت على العموم، وجُعِلَ البلوغ علامة التكليف، وهو مَظِنَّة وجود العقل الذي هو مناط التكليف لأن العقل يوجد عنده في الغالب لا على العموم، وكذلك الأمر في السفر الذي جعلت علة الفطر فيه المشقة (٣)، مع أن المشقة قد توجد في غير سفر، وقد تنعدم فيه، ولكن لما كان السفر مظنة وجود المشقة لمصاحبتها إياه في غالب الأحيان جُعِل ذلك قاعدة عامة. وأمثال هذا كثير في القواعد الشرعية، بل هو الغالب فيها. وبذلك يحون الشاطبي من القائلين بأن تخصيص العلل الشرعية، وتخلفها عن بعض الفروع والجزئيات لا يكون نقضًا لها، ولا قادحًا في عمومها.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٧١.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩٧ - ١٩٨.\n(٣) هذا على رأي الشاطبي الذي لا يفرق عادة بين العلة والحكمة، ويرى التعليل بالحكمة، أما على رأي الجمهور من الأصوليين فإن علة الفطر والقصر هي السفر لا المشقة، وأما دفع المشقة فهو الحكمة.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الثالث\nحَلُّ الإمام الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص</span>\nالمراد بمشكلة الاستقراء الناقص -كما سبق الإشارة إليه- هي أننا إذا أعطينا أوصاف الكلية والعموم والقطع لنتيجة الاستقراء الناقص، فإن ذلك يقتضي الجزم بعدم وجود أي مخالف لها أو شاذ عنها، والتحقق من ذلك أمر غير ممكن، كما أن هذا الشذوذ والإستثناء واقع فعلًا في القواعد الشرعية الكلية.\nوقد قرر الشاطبي -نفسه- أن تخلف بعض الجزئيات قد يؤدي إلى الشّكّ في الكليات، ذلك أن الكلي إنما يُؤخذ من الجزئيات، فإذا خالف الكليُّ الجزئيَّ دلَّ على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به، أي أن نتيجة هذا الاستقراء لا تكون قطعية؛ \"لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكلي لم يأخذه المعتبر [المستقرئ] جزءًا منه\". (١) ولحل هذا يقترح الشاطبي منهجًا تكامليًّا في التعامل مع الكليات والجزئيات يقوم على اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها، وبالعكس، وتكون النتيجة اعتبارهما معًا في كل مسألة والسعي إلى الجمع في النظر بينهما. (٢)\nوقبل الحديث عن عناصر الحلّ الذي قدمه الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص، ينبغي بيان موقفه من مبدأ الإطراد بوصفه أَحَدَ أهمِّ الأسس التي يقوم عليها تفسير نيتجة الاستقراء.\nموقف الإمام الشاطبي من قانون الإطراد:\nلقد أثبت الشاطبي قانون الإطراد في الكون وفيما يُبنى عليه من عوائد الناس، وسماه باستقرار عوائد المكلفين وجريان الوجود على ترتيبه. وقد استدلَ الشاطبي على سريان قانون الإطراد على أحوال الكون وعوائد المكلفين بالأدلة الآتية (٣):\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٦.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٥ - ٦، وانظر أيضًا مج ١، ج ٢، ص ٤٧ - ٤٩.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢١٢ - ٢١٥.","vol":"1","page":252},{"text":"١ - استقرار أحكام الشريعة الإِسلامية وتكاليفها، ووضعها \"على وزان واحد، وعلى مقدار واحد، وعلى ترتيب واحد، لا اختلاف فيه بحسب متقدم ولا متأخر\". (١) فكونها بهذه الصورة دليل على استقرار موضوعات التكليف، وهي أفعال المكلفين وعوائدهم، وأفعال المكلفين لا تكون مستقرة مطردة إلّا إذا كان الكون باقيًّا على ترتيبه، أي سائرًا على قانون الإطراد. ويدلّ على صحة هذا البرهان امتناع عكسه، أي أنه لو حديث تغيُّرُ في ترتيب الكون لأدى ذلك إلى حدوث مثله في عوائد الناس المبنية على ذلك، ولأدى ذلك إلى تغيير التشريع واختلافه، وهو باطل، فما أدى إليه فهو كذلك.\n٢ - ما جاء من إخبارالشارع بأن أحوال هذا الوجود دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة، من أمثال قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]، وقوله: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ [الأحزاب: ٦٢]، وقوله: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح: ٢٣]، وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ [فاطر: ٤٣]، وقوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾ [الإسراء: ٧٧].\n٣ - المعجزات: إِذْ لَمَّا كانت المعجزة فعلًا خارقًا للعادة، دلَّ ذلك على اطراد العادات في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي؛ ذلك أن الفعل الخارق للعادة لا يمكن أن يحصل إلّا إذا تقرر اطراد عادات الكون وسننه، إذْ لو لم تكن سنن الكون سائرة على اطراد لكانت المعجزة واحدة من الإختلالات الواقعة لتلك السنن، فلم يبق للمعجزة معنى.\nومع أن الشاطبي يرى أن سير الكون على قانون الإطراد أمر قطي غير ظني، إلَّا أنه احترز مما قد يورد عليه من طعون بالتصريح بأن ذلك إنما يجري في الكليات لا في خصوص الجزئيات، وهو احتراز مما وقع ويمكن أن يقع من معجزات وخوارق. ومع\n_________\n(١) المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢١٣.","vol":"1","page":253},{"text":"إقرار الشاطبي بأن اتحرام قانون الإطراد في الكون جائز عقلًا، إلّا أنه يرى أن ذلك الإمكان قد اندفع بالسمع القطعي الدال على امتناع الوقوع، وهو الأدلة التي سبق ذكرها. (١)\nفإن قيل فكيف يكون قانون الإطراد قطعيًّا في الكليات مع الإعتراف بتخلف بعض آحاد الجزئيات في المعجزات والخوارق؟ أَلاَ يكون تخلُّف تلك الجزئيات قادحًا في قطعية تلك الكليات؟ فالجواب هو عين ما أجاب به الشاطبي في التوفيق بين قطعية الكليات وإمكانية تخلف آحاد الجزئيات عنها.\nوفيما يأتي أهم عناصر الحلّ الذي قدمه الشاطبي لمشكلة الاستقراء الناقص، أو مشكلة التوفيق بين اعتبار الكلياتِ عامَّةً قطعيّةً مع إمكانية تخلّف بعض الجزئيات عنها:\n١ - تداخل القواعد الشرعية وتكاملها: (٢) فهذا التداخل والتكامل بينها يجعلها تتجاذب الجزئيات الواقعة ضمن المنطقة المشتركة بينها، فيُلحَق جزئي من جزئيات إحدى الكليات بكلية أخرى، وبالعكس، وقد يُلحق الجزئي الواحد مرة بكلية، ومرة بكلية أخرى على حسب الأحوال والظروف. فإذا أخذنا مثلًا الكليات الثلاث (الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات) فإننا نجدها متداخلة ومتكاملة يخدم بعضُها بعضا، ويخصص بعضُها بعضا. فقاعدة الحاجيات قد تُعْمَل أحيانًا في الضروريات، كما هو الأمر في الرخص التي تُعدّ هادمة لعزائم الأوامر والنواهي فيما يتعلق بكثير من التكاليف الشرعية كالصوم، والصلاة، والإيمان، وغيرها؛ فمع أنها تتعلق بحفظ الدين وهو رأس الضروريات، إلّا أن إعمال قاعدة الحاجيات اقتضى الترخيص حتى تتم المحافظة في الوقت نفسه على الضروريات والحاجيات معًا. (٣)\nوالخلاصة أن التداخل بين القواعد الشرعية الكلية وتكاملها يجعل بعضها\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢١٣ - ٢١٥، ٢٢٦ - ٢٢٧.\n(٢) انظر مثالًا لذلك عند الشاطبي تداخل وتكامل المقاصد الثلاثة: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات في المسألة الرابعة من النوع الأول من المقاصد. الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ١٣ وما بعدها.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٧ - ٨.","vol":"1","page":254},{"text":"خادما لبعض، ومخصصًا له، ولا يمكن اعتبار ذلك التخصيص الناتج عن التكامل طعنًا في عموم وقطعية تلك الكليات.\n٢ - تخلف شرط أو وجود مانع لا يُعَدُّ خرقًا للكلي: يرى الشاطبي أن القول بأن الكليَّ ينخرم لتخلف جزئي ما صحيح على الجملة، لكن ذلك لا يكون بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي، وإنما بالنسبة إلى الأمور الخارجية، فكون جزئي من الجزئيات مَنَعَه مانع من جريان حقيقة الكلي فيه هو أمر خارجي، وليس راجعًا إلى الطعن في ذات الكلي أو الجزئي، إذْ لولا ذلك المانع الخارجي لأُلْحِقَ الفرعُ بكلِّيِّه ولَمَا خرج عنه. وقد مثَّل الشاطبي لذلك بقوله: \"فالإنسان مثلًا يشتمل على الحيوانية بالذات وهي التحرك بالإرادة، وقد يفقد ذلك لأمر خارج من مرض أو مانع غيره، قال صحيح في نفسه، وكون جزئي من جزئياته منعَهُ مانعٌ من جريان حقيقة الكلي فيه أمر خارج\". (١)\nوهذا شبيه بما دفع به بعض الأصوليين مسألة النقض الوارد على العلل الشرعية، وهو المسمى بدفع النقض بإظهار مانع أو فوات شرط. (٢)\n٣ - عدم معارضة الكلي إلّا بما يماثله: فالكلي لا يُعارَضُ إلّا بكلي مثله، ولما كانت المتخلفات الجزئية من القِلَّة والشذوذ بحيث لا يمكن أن ينتظم منها كلي يعارض ذلك الكلي الثابت، فإنها لا تقدح في كونه كليًّا. (٣) وربما اعتُرِض على هذا بأن تخلّف تلك الجزئيات وإن كان لا يُسْقِطُ الإستدلال بتلك الكليات على جزئياتها الأخرى، إلَّا أن القول ببقائها كليات بإطلاق غير مُسلَّم، بل إنها تنزل من مرتبة الكلي المطلق إلى مرتبة القاعدة الأغلبية أو الأكثرية. وهذا من قبيل اللفظ العام الذي يرى جمهور الأصوليين أن دلالته على ما تبقى من أفراده بعد ورود المخصص تصير ظنية. ولكن الشاطبي لا يوافق على هذا الإعتراض. (٤)\n_________\n(١) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٩.\n(٢) انظر في ذلك مثلًا: السبكي: الإبهاج في شرح المنهاج، ج ٣، ص ٧١؛ والزركشي: البحر المحيط، ج ٥، ص ٢٧٧ - ٢٧٨.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٤١، ومج ٢، ج ٣، ص ١٩٤ - ١٩٥.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٥ - ٢١٦.","vol":"1","page":255},{"text":"٤ - القطعي لا يُعارَض بالظني: لما كان المفترض في القاعدة الكلية القطع فإنها تكون غير محتملة، في حين أن قضايا الأعيان (الجزئيات) المعارضة لها محتملة، أي أنها مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يمكنه أن يكون معارضًا للقطعي، ومن ثَمّ لا تكون الجزئيات المتخلفة عن الكلي طاعنة فيه. (١)\nوهذا إنما يستقيم على تفسير وصف الكلية بكونها القواعد الإجمالية، وتفسير العموم بالعموم العادي لا العموم الكلي التام الذي لا يتخلف عنه جزئي ما، وتفسير القطع بالقطع العادي، وأنه القطع بكون الشارع قاصدًا إلى ذلك المعنى، لا القطع بشمول تلك القاعدة لكل الجزئيات من غير شذوذ ولا استثناء.\n٥ - الغالب الأكثري مُعْتَبر في الشريعة اعتبار العام القطعي (٢). وهذا صحيح، لكن يعترض عليه بأن ذلك ليس من جهة اعتباره قطعيًّا كما هو الحال في العام القطعي، وإنما المراد أن الشريعة توجب العمل به لأنه ظن راجح كما توجب العمل بالقطعيات.\n٦ - التفريق بين الكليات العقلية والكليات الوضعية: فتخلُّف بعض الجزئيات إنما يكون قادحًا في الكليات العقلية، أما الكليات الوضعية -مثل الكليات الشرعية والكليات اللغوية- فلا يكون تخلُّف بعض الجزئيات قادحًا فيها. (٣) ولكن الشاطبي لم يبيِّن وجه الفرق بين الكليات الوضعية والكليات العقلية، حتى يكون تخلُّف بعض الجزئيات قادحًا في الثانية وغير قادح في الأولى.\n٧ - الخطأ في إدراج ما ليس من الكلي تحته: وذلك بأن تكون الجزئيات التي ظهر تخلُّفها عن الكلي غير داخلة أصلًا تحت ذلك الكلي، وإنما أُدْخِلَت فيه لشدة شبهها بجزئياته، أو أنه ظهر لنا دخوطا تحت ذلك الكلي، وهي في الحقيقة داخلة تحت كلي آخر أولى بها فلذلك ألحقها الشارع به. (٤)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩٤.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٤١.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤١.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤١.","vol":"1","page":256},{"text":"٨ - عدم إدراك وجه انضواء الجزئيات تحت كلياتها: وذلك بأن تكون الجزئيات التي ظهر لنا تخلُّفها عن الكلي في حقيقتها داخلة فيه، ولكن لم يظهر لنا وجه دخولها. (١)\nوالملاحظ من هذه الحجج أن الشاطبي يريد أن يدفع الطعن في الكليات بأي طريق كان ذلك، فهو منذ البداية يقرر أن \"هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة بها فلا يرفعها تخلف آحاد الجزئيات\"، (٢) ثم يختم المسألة بالقول: \"فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح\"، (٣) ويقول في موضع آخر: \"إذا ثبت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال\". (٤)\n٩ - تفسير الشاطبي لمعنى التخصيص: ومما عضد به الشاطبي عدم انتقاض كليات الشريعة وقواعدها العامة بما يرد عليها من استثناءات وتخصيصات، وما يشذّ عنها من جزئيات، موقفُه من مسألة تخصيص العام. فقد ذهب إلى إنكار وجود التخصيص بالمعنى الذي قصده جمهور الأصوليين، سواء كان التخصيص بمتَّصل أم بمنفصل، حيث رفض مفهوم التخصيص عند جمهور الأصوليين من كونه: بيانُ خروج الصيغة عن وضعها من العموم (الحقيقة) إلى الخصوص (المجاز). (٥) ويرى\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤١.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٤٠.\n(٣) المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤١.\n(٤) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩٤.\n(٥) انظر في مفهوم التخصيص عند مختلف طوائف الأصوليين: الآمدي: الأحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢٩٩ - ٣٠٠. وخلاصة ما أورده الآمدي في مفهوم التخصيص ما يأتي:\n١ - مفهوم التخصيص عند أرباب العموم -وهم جمهور الأصوليين- هو \"تعريفُ أن المرادَ باللفظ الموضوع للعموم حقيقةَ إنما هو الخصوص\"، أو هو\"صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص\" (ص ٣٠٠).\n٢ - مفهوم الخصوص على مذهب أرباب الإشتراك، هو\"تعريفُ أنّ المرادَ باللفظ الصالح للعموم والخصوص إنما هو الخصوص\"، فالتخصيص ليس إخراجًا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، وليس فيه نقلٌ لِلَّفْظِ من الحقيقة إلى المجاز، بل غايته استعمالُ اللفظ في بعض محامله دون البعض (ص ٢٩٩ - ٣٠٠).\n٣ - مفهوم التخصيص على مذهب أرباب الوقف هو أن \"اللفظ عندهم موقوف لا يُعْلَمُ كونه للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما. فإن تام الدليل على أنه أريد به العموم وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شيء منه، وإن تام الدليل على أنه للخصوص لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلًا على العموم، ولا متناولًا له، فلا يتحقق بالحمل على الخاص إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصالح لها\" (ص ٢٩٩).","vol":"1","page":257},{"text":"الشاطبي أنه ليس فيما يُسمى تخصيصًا -سواء كان بمخصصات متّصلة أم منفصلة- إخراجٌ لأيِّ شيء مما شمله اللفظ العام، كما ليس فيه إخراج له من الحقيقة إلى المجاز وإنما \"هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ أن لا يتوهم السامع منه غير ما قصد\"، (١) فالتخصيص عنده \"بيان المقصود بالصيغ المذكورة، فإنه رَفْعٌ لتوهُّمِ دخولِ المخصوض تحت عموم الصيغة في فهم السامع، وليس بمراد الدخول تحتها، وإلاّ كان التخصيص نسخًا\". (٢) فاللفظ -عند الشاطبي- باقٍ على عمومه، ولكنه عموم مقيَّد بما قصده المتكلمٍ، أي أن العموم هنا مقصور على ما قصد المتكلم أن يَعُمَّه بخطابه، سواء كان عموما قياسيّا، أي من حيث الوضع اللغوي الإنفرادي للفظ، أو عمومًا استعماليّا. (٣)\nويفهم من هذا أن رأي الشاطبي يشبه رأي أرباب الإشتراك في مسألة: هل للعموم في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدلّ عليه أم لا؟ (٤) من حيث إن العام مشترك بين الحقيقة اللغوية، والعرفية (الإستعمالية)، والشرعية، والذي يحدِّد المرادَ من هذه الثلاث بصيغة العموم هو السياق والقرائن، ومنها ما يُسمى عند الأصوليين بالمخصصات.\nوالخلاصة أن الفرق بين تفسير الشاطبي لما يُسمى بالتخصيص وتفسير جمهور الأصوليين له، أن التخصيص في رأي الشاطبي راجع إلى بيان وضع الصيغ العمومية في أصل الإستعمال العربي أو الشرعي، أما عند جمهور الأصوليين فإنه يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص، فهو يرى أن التخصيص بيانٌ لوضع اللفظ، وهم يرون أنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه. (٥)\nوقد كان دافع الشاطبي إلى تبني هذا التقسيم لصيغ العموم وتفسير التخصيص هو المحافظة على قوة الإحتجاج بكليات القرآن الكريم وعموماته بالقطع بدلالتها\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٣.\n(٢) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٤.\n(٣) انظر تفريق الشاطبي بين العموم القياسي والعموم الإستعمالي في: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠٠ وما بعدها.\n(٤) انظر في هذه المسألة: الآمدي: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٢٢١ وما بعدها.\n(٥) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٤.","vol":"1","page":258},{"text":"على ما تشمله، (١) وإذا تحقق هذا لكليات القرآن الكريم وعموماته فسيتحقق للكليات والتعميمات الإستقرائية؛ لأن الاستقراء مما يثبت به العموم عنده.\n١٠ - عدم تخصيص الرخص للعزائم: ومما عضد به ذلك أيضًا ما ذهب إليه من أن العمومات- التي هي عزائم- إِذَا رُفِعَ الإثمُ عن المخالف فيها لعذر من الأعذار لم يعدّ ذلك تخصيصًا طا، بمعنى أن الرُّخص لا تُعَدُّ طعنًا ولا نقضًا لعموم العزائم، فأحكام تلك العزائم متوجهة على عمومها من غير تخصيص، (٢) أي أن تخلف بعض الجزئيات لعذر (وهو شبيه بتخلف بعض الجزئيات عن التعميم الإستقرائي لمانع) لا يُعَدُّ خرقًا لعموم العام، سواء كان العموم ناتجًا عن عموم لفظي أو استقرائي، إذ العموم -عند الشاطبي- يثبت بكلا الطريقين. (٣)\nوالخلاصة أن القانون الذي يحكم علاقة الكليات بالجزئيات عند الشاطبي، هو أن تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إذا كان لعارض أو مانع فإنه لا يكون قادحًا في ذلك الكلي؛ لأنه راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى، أما إذا لم يكن لعارض أو مانع فإنه لا يصح شرعًا، ويكون تخلُّفه قادحًا في ذلك الكلي. (٤)\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٥ - ٢١٦.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢١٨.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢١.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٤٩.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الرابع\nمجالات استخدام الشاطبي للإستقراء</span>\nاستخدم الإمام الشاطبي المنهج الإستقرائي في الإستدلال لإثبات مسائل كثيرة جدا، أغلبها يتعلق بكليات الشريعة وقواعدها العامة. ومن العسير استقصاء كلّ المسائل التي استخدم الشاطبي فيها الاستقراء، خاصة وأنه -كما سبقت الإشارة- قد بنى كتابه الموافقات على منهج الإستدلال الإستقرائي، ولكن لما كانت هذه الدراسة تطبيقية في جانب منها، كان من اللازم استعراض جملة من تلك المجالات، وهي كالآتي:\nأولًا - تعليل الأحكام الشرعية: ومن ذلك المسائل الآتية:\n١ - إثبات كون الأحكام الشرعية معللة، وأن العلة الأساس في ذلك هي المصلحة، أي أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، حيث يقول: \"والمعتمد إنما هو أننا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراءً لا ينازع فيه الرازي، ولا غيره\". (١)\nوواضح من قوله: \"أنا استقرينا من الشريعة\" أن الاستقراء هنا ناقص. والذي ينفي الشاطبي إمكانية النزاع فيه من قِبِل الرازي أو غيره ليس هو كون نتيجة الاستقراء الناقص قطعية بإطلاق، وإنما هو ثبوت كون الأحكام الشرعية معللة من غير شكّ.\nوقد عمل الشاطبي -من أجل تحقيق هذا الاستقراء- على استقراء جانبين:\nالأول: الأدلة التي نصت على تعليل الشريعة جملة، والثاني: تعاليل تفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة. (٢)\n٢ - إثبات قاعدة: أن الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد، دون\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٤.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٤ - ٥.","vol":"1","page":260},{"text":"الإلتفات إلى المعاني، والأصل في العادات الإلتفات إلى المعاني. (١)\nثانيًا - إثبات المقاصد الشرعية الكلية: ومن ذلك المسائل الآتية:\n١ - إثبات كون القصد من وضع الشريعة هو المحافظة على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. ومع أن الشاطبي لم يصرح بلفظ الاستقراء عند حديثه عن طريق ثبوتها، إلّا أن سياق الحديث يوجب ذلك لأمرين: الأول أنه في معرض الحديث عن أن ما ثبت بالاستقراء يفيد القطع، والتدليل على ذلك والتمثيل له، والثاني أن ما عَدَّهُ دليلًا على قطعية ما ذهب إليه من كون الشريعة إنما وُضِعت للمحافظة على الضروريات الخمس هو عين ما عرَّف به الاستقراء المعنوي من قَبْل، حيث يقول: \" ... وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل عُلِمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد ... \". (٢)\n٣ - إثبات قاعدة: أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عِظَم المصلحة أو المفسدة الناشئة عنها، وأعظم المصالح جريان الضروريات الخمس، وأعظم المفاسد ما يَكِرُّ بالإخلال عليها، فقد ثبت بالاستقراء أن كلّ ما وُضِع له حَدٌّ أو وعيد في نفسه فهو راجع إلى ضروري. بخلاف ما كان راجعًا إلى حاجي أو تكميلي، فإنه لم يختص بوعيد في نفسه، ولا بحدٍّ معلوم يخصه. (٣)\n٣ - حصر المصالح الشرعية في ثلاث مراتب: هي الضروريات، والحاجيات،\nوالتحسينيات. (٤) وهي التي سماها في موطن آخر بالكليات الشرعية. (٥)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢٢٨.\n(٢) المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٦.\n(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٢٧.\n(٤) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٤، ص ٧٦ - ٧٧.\n(٥) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠.","vol":"1","page":261},{"text":"ثالثًا - إثبات قطعية أصول الدين وكلياته وما يرجع إليها: ومن ذلك المسائل الآتية:\n١ - إثبات كون أصول الدين كلها قطعية، وأن ما كان منها ظنيا لا يمكن جعله أصلًا في الدين. (١)\n٢ - إثبات رجوع أصول الفقه إلى كليات الشريعة، حيث يقول: \"إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية؛ والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي. بيان الأول [أي كونها راجعة إلى كليات الشريعة] ظاهر بالاستقراء المفيد للقطع\". (٢)\n٣ - إثبات قطعية وجوب القواعد الخمس (الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج) (٣). وينبني التنبيه هنا على أن الأمر الذي سعى الشاطبي إلى إثباته بالاستقراء ليس هو مجرد الوجوب، بل قطعيته إلى أن صارت هذه القواعد الخمس من المعلوم من الدين بالضرورة، وإلاّ فمجرد الوجوب ثابت ببعض الأدلة الجزئية، ولا حاجة فيه إلى الاستقراء.\n٤ - قطعية وجوب الصلاة وحرمة القتل أنموذجًا لتطبيق الاستقراء: من الأمثلة التي أشار فيها الشاطبي بشيء من التفصيل إلى كيفية تطبيق الاستقراء المعنوي، استدلاله على قطعية وجوب الصلاة، وتحريم القتل.\nفني استدلاله على قطعية وجوب الصلاة، أشار إلى أن القطع بالوجوب يتأتى من استقراء الجوانب الآتية (٤):\n١ - الأدلة الموجبة للصلاة بالأمر بأدائها وإقامتها.\n٢ - الأدلة التي جاءت في مدح المقيمين لها.\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢١.\n(٢) المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١٩.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ٢٤ - ٢٥.\n(٤) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٦.","vol":"1","page":262},{"text":"٣ - الأدلة التي جاءت في ذم التا كين لها.\n٤ - الأدلة التي جاءت في وجوب إقامتها على كلّ الأحوال وفي كلّ الظروف.\n٥ - الأدلة التي جاءت في قتال تاركها أو المعاند في تركها.\n٦ - الأدلة التي جاءت في قرنها بالإيمان.\nوغير ذلك مما يوحي بأهميتها وفضلها.\nوفي استدلاله على قطعية حرمة قتل النفس أشار إلى أن القطع بحرمته يتأتى من استقراء الجوانب الآتية (١):\n١ - الأدلة التي جاءت في تحريم قتل النفس.\n٢ - الأدلة التي جاءت في وجوب القصاص من القاتل.\n٣ - الأدلة التي جاءت بالوعيد لمن قتلها.\n٤ - الأدلة التي جاءت في قرن قتلها بالشرك وبيان أن ذلك من الكبائر\n٥ - الأدلة التي جاءت في وجوب إطعام المضطر وسدَّ رمقه.\n٦ - الأدلة التي جاءت في وجوب الزكاة، وهي مساعدةٌ للفقراء والمحتاجين للمحافظة على نفوسهم.\n٧ - الأدلة التي جاءت في وجوب النفقة على من لا يقدر على إصلاح نفسه.\n٨ - الأدلة التي جاءت في الترخيص للمضطر في تناول الحرام لحفظ نفسه.\n٩ - الأدلة التي جاءت في إقامة الحكام والقضاة، وجعل حفظ النفوس واحدة من وظائفهم.\n١٠ - ترتيب الأجناد لمحاربة من رام قتل النفس.\n١١ - وكل ما يمكن أن يكون خادمًا لحفظ النفس وجودًا أو عدما.\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، الصفحة نفسها.","vol":"1","page":263},{"text":"رابعًا - مسائل تتعلق بالأمر والنهى: ومن ذلك المسائل الآتية:\n١ - إثبات قاعدة: أن المطلوب الشرعي الذي يكون فيه الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب وخادمًا له لا يلجأ الشارع عادة إلى تأكيده ووضع حدود له وترتيب عقوبات عليه، بخلاف ما كان على عكس ذلك. فقد قسم الشاطبي المطلوب الشرعي إلى ضربين: الأول ما كان شاهدُ الطبع خادمًا له ومعينًا عليه، بحيث يكون الطبع الإنساني باعثًا على مقتضى الطلب، ومن أمثلة ذلك الأكل، والشرب، والجماع، والبعد عن استعمال القاذورات وأكلها، وغير ذلك. وهذا النوع قد يكتفي الشارع في طلبه عادة بمقتضى الجبلة الطبعية، والعادات الجارية، فلا يؤكد طلبَه تأكيدَه لغيره، اكتفاءً بالوازع الباعث على الموافقة دون المخالفة.\nوالضرب الثاني: هو ما لم يكن شاهدُ الطبع خادمًا له ولا معينًا عليه، وإنما هو من باب التكاليف التي قد تجري على خلاف هوى الأنفس، ومثال ذلك العبادات، والجنايات. وهذا النوع قرره الشارع على مقتضاه من التأكيد في المؤكدات، والتخفيف في المخففات. ولذلك حَدَّ الشارع لهذا النوع حدودًا معلومة، ووضع له عقوبات معينة، إبلاغًا في الزجر عما تقتضيه الطباع. وما قيل في أنواع المطلوب الشرعي ينطبق تمامًا على المنهيات الشرعية. (١)\n٢ - إثبات قاعدة: أن \"الأمر والنهي إذا تَوَارَدَا على متلازمين، فكان أحدهما مأمورًا به والآخر منهيًّا عنه عند فرض الإنفراد، وكان أحدهما في حُكم التَّبَعِ للآخر وجودًا أو عدمًا فإن المعتبر من الإقتضائين ما انصرف إلى جهة المتبوع، وأما ما انصرف إلى جهة التابع فملغي وساقط الإعتبار شرعًا\". (٢)\nخامسًا - مسائل تتعلق بالعموم، ومن ذلك المسائل الآتية،\n١ - إثبات العموم، حيث يرى الشاطبي أن العموم يثبت من طريقين:\nالأول: جهة صيغ العموم المعروفة في كلام أهل الأصول.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٩٩ - ١٠٢.\n(٢) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٢٣.","vol":"1","page":264},{"text":"الثاني: \"استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كل عام فيجري في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ\"، (١) لأن الاستقراء إنما هو تصفح جزئيات معنى من المعاني ليُثْبَت من جهتها حكم عام. وهذا هو الذي سماه بالعموم المعنوي. (٢)\n٢ - إجراء العام على عمومه: حيث استدلّ بالاستقراء على أن العمومات التي اتحد معناها، وانتشرت في أبواب الشريعة، أو تكررت في مواطن كثيرة من غير تخصيص يجب إجراؤها على عمومها من غير حاجة إلى التوقف للبحث عن المعارض أو المخصص. (٣)\nسادسًا - النسخ والتشابه في القرآن الكريم: ومن ذلك المسائل الآتية:\n١ - محل النسخ: حيث أثبت بالاستقراء التام أن النسخ لم يقع في كليات الدين وقواعده الأصولية. (٤) وهو استقراء ممكن، لأن كليات الدين وقواعده الأصولية في القرآن الكريم يمكن حصرها والتأكّد من عدم نسخها.\n٢ - نسبة المنسوخ إلى المُحْكَم: فاستقراء الناسخ والمنسوخ يدلُّ على أن نسبة الجزئيات التي وقع فيها النسخ بالنسبة إلى ما بقي محكمًا قليلة. (٥)\n٣ - محل المتشابه: حيث أثبت بالاستقراء أن التشابه لا يقع في القواعد الكلية، وإنما في الفروع الجزئية. (٦)\n٤ - قلة المتشابه في القرآن الكريم: فقد اعتمد الاستقراءَ دليلًا لإثبات قلة المتشابه في القرآن الكريم، وأنه لم يقع إلّا فيما لا يتعلق به تكليف غير مجرد الإيمان به وأنه من عند الله تعالى، وأنه لحكمة أرادها. (٧)\n_________\n(١) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢١.\n(٢) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ١٩٤.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٢٧.\n(٤) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٧٨ - ٧٩، ٨٨.\n(٥) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٧٩.\n(٦) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٧١ - ٧٢.\n(٧) انظر المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٦٤ - ٦٥، ٧٠.","vol":"1","page":265},{"text":"سابعًا - إثبات حجية الأدلة الشرعية: ومن ذلك:\n١ - إثبات حجية المصلحة المرسلة: فمما اعتبره الشاطبي ثابتًا بالاستقراء المعنوي المصلحة المرسلة، إذْ المصلحة أصل شرعي وإن لم يشهد له نص معين بالاعتبار إلَّا أنه لما كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ومأخوذًا معناه من أدلته كان أصلًا صحيحًا يُبنى عليه ويرجع إليه. (١)\n٢ - كما نَبَّهَ على أن حجية كلٍّ من خبر الآحاد، والإجماع، والقياس ثابتة بالاستقراء المعنوي، وإن لم يصرح بذلك الجمهور الذين أثبتوا حجيتها. (٢)\nثامنًا - وجه اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة لمحالِّها:\nحيث استدل بالاستقراء على أن اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة لمحالهِّا على وجهين: أحدهما الإقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على الْمَحَل مجردًا من التوابع والإضافات كالحكم بإباحة الصيد، والبيع، والإجارة، وغير ذلك، والثاني الإقتضاء التَّبَعِي: وهو الواقع على الْمَحَلّ مع اعتبار التوابع والإضافات، كالأحكام العارضة للنكاح فإنه يحكم عليه بالإباحة لمن لا إِرْبَ له في النساء، وبالوجوب على من خشي العنت، وغيرها من الأحكام الخمسة، فهذه الأحكام ليست بالإقتضاء الأصلي وإنما باعتبار الظروف والعوارض التي يَتَّصِف بها المحكوم عليه. والأصل في الإستدلال أن يأخذ المستدلُ الدليلَ على الحُكْم مفردًا مجردًا عن اعتبار الواقع حتى يصحَّ استدلاله، إلّا إذا اقترن المناط بأمر محتاج إلى اعتباره في الإستدلال، فعند ذلك لا بُدَّ من اعتباره. وبعد أن استعرض جملة من الأمثلة للتدليل على ما ذهب إليه قال: \"والأمثلة في هذا المعنى لا تحصى، واستقراؤها من الشريعة يفيد العلم بصحة هذا التفصيل\". (٣)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ٢، ص ٢٧.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٥.\n(٣) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":266},{"text":"تاسعًا - إثبات قانون الإطراد في الكون:\nوذلك من خلال الإستدلال بالاستقراء على إثبات العوائد العامة التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، كلأكل والشرب، والفرح والحزن، والنوم واليقظة، والميل إلى الملائم والنفور عن المنافر، وتناول الطيبات والمستلذات، واجتناب المؤلمات والخبائث، أو بتعبير آخر السنن الثابتة التي وضعها الله تعالى في الأنفس والكون. وهذه العادات يكون ما جرى منها في الزمان الحاضر محكومًا به على الزمان الماضي والمستقبل مطلقًا، كانت العادة وجودية أو شرعية. وقد اعتبر الشاطبي قانون الإطراد في هذا النوع من العادات أو السنن عادةً كليّةً أبديّة، وحكمًا باقيًّا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو أمر معلوم غير مظنون. (١)\nعاشرًا - جريان الأدلة الشرعية على مقتضيات العقول السليمة:\nفقد استدلّ بالاستقراء على أن الأدلة الشرعية جارية على مقتضيات العقول السليمة \"بحيث تصدقها العقول الراجحة، وتنقاد لها طائعةً أو كارهة، ولا كلام في عناد معاند، ولا في تجاهل متعام، وهو المعنيُّ بكونها جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة عليها، ولا محسنة فيها ولا مقبحة\". (٢)\nتعقيب:\nتظهر أهمية ما قدمه الشاطبي في إعادته تكييف الاستقراء ببنائه على أسس جديدة، وإبراز معايير أخرى لتفسيره وتسويغ نتيجته، وذلك من خلال ابتكار ما اصطلح على تسميته بـ\"الاستقراء المعنوي\"، ثم إلحاقه بمبحث التواتر وتفسير نتيجته طبقًا لقوانين التواتر المعنوي، مما أعطاه مصداقية كبيرة ليصير أقوى دليل-على الأقل عنده- في إثبات الأصول والقواعد الكلية، ثم عمل بعد ذلك على توظيفه في الإستدلال للقواعد الكلية والمقاصد الشرعية.\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ٢، ص ٢٢٧.\n(٢) المصدر السابق، مج ٢، ج ٣، ص ٢٠.","vol":"1","page":267},{"text":"ويمكن إبراز عناية الشاطبي بالاستقراء منهجًا للإستدلال فيما يأتي:\n١ - توسيعه لمجال استخدام المنهج الإستقرائي للإستدلال على القواعد العامة، والكليات والمقاصد الشرعية، واقتناص القطعيات من الظنيات، حيث جعله المنهج الأساس الذي بنى عليه كتابه الموافقات، وقد صرح بذلك في خطبة الكتاب، حيث قال: \"ولما بدا من مكنون السرِّ ما بدا، ووفَّق الله الكريم لما شاء منه وهدى، لم أزل أقيّد من أوابده، وأضمّ من شوارده تفاصيلًا وجملًا، وأسوق من شواهده، في مصادر الحكم وموارده، مبيِّنًا لا مجملًا، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبيِّنًا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الإستطاعة والْمُنَّةُ، في بيان مقاصد الكتاب والسنة\". (١) وأشار في نهاية الكتاب إلى أن هذا المنهج الإستقرائي - الذي اعتمده في الإستدلال على الكليات واقتناص القطعيات من الظنيات- يمثل خاصة كتابه، وميزته التي تميزه عن غيره، حيث قال: \" ... ومَرَّ أيضًا بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات، وهي خاصة هذا الكتاب لمن تأمله والحمد لله\". (٢)\nوالناظر في كتابه يجده فعلًا قد التزم بذلك، فأوَّلُ دليل استدل به على أول مقدمة استهل بها كتابه هو الاستقراء، (٣) ولا نكاد نجد قاعدة من القواعد العامة، أو كلية من الكليات التي بحثها في كتابه هذا إلّا وقد استدل لها -من جملة أدلتها- بالاستقراء، سواء اكتفى في ذلك بالقول بأن تلك القاعدة أو الكلية محلّ الإستدلال قد ثبتت باستقراء موارد الشريعة ومصادرها من غير إيرادٍ للجزئيات المستقرأة، أو بإيراد طرف من تلك الآحاد المستقرأة. وإذا أخذنا بعين الإعتبار كون كتابه الموافقات يبحث في الكليات والقواعد العامة، فليس من المبالغة القول -كما صرح هو نفسه- بأن الاستقراء يمثِّل العمدة وسيِّد الأدلة في هذا الكتاب، وقد تبيّن ذلك\n_________\n(١) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١٦.\n(٢) المصدر السابق، مج ٢، ج ٤، ص ٢٤٢.\n(٣) انظر المصدر السابق، مج ١، ج ١، ص ١٩.","vol":"1","page":268},{"text":"عند الحديث عن مجالات الاستقراء عند الشاطبي. (١)\n٣ - تحرير الاستقراء من قيود المنطق الأرسطي، وإعطائه مصداقية وقوة أكبر في الإستدلال به، وذلك من خلال أمرين: أحدهما: رفض ما انتشر بين المناطقة من كون الاستقراء الناقص لا يفيد القطع مطلقًا، وذهابه إلى أن الاستقراء يفيد أساسًا الظن، لكنه مع ذلك يفيد القطع أيضًا إذا توافرت شروطه، بل إنه بلغ به غاية القوة في الإستدلال عندما أضفى على كثير من نتائحه أوصاف الكلية والعموم والقطع.\nوالثاني: إخراجه من الإطار الذي وضعه فيه المنطق الأرسطي، وإلحاقه بالتواتر حيث جعله نوعًا من أنواع التواتر وجعله شبيها بالتواتر المعنوي، (٢) وسماه \"الاستقراء المعنوي\". وقد حقق عمل الشاطبي هذا للإستقراء فائدتين:\nالأولى: إعطاؤه ما للتواتر من قوة في الإستدلال، من حيث كونه موصلًا إلى العلم، ومن ثَمَّ التخلص مما يسمى عند المناطقة بـ\"مشكلة الاستقراء الناقص\".\nالثانية: تسويغ العمل به في الشرعيات من خلال تحريره من رواسب المنطق اليوناني، وبالتالي التخلص مما يمكن أن يُثار من حساسية في استعماله، بحكم عدِّه من قِبَل كثير من العلماء المسلمين موروثًا يونانيًّا دخيلًا على العلوم الشرعية ينبغي اجتنابه لِمَا يمكن أن يتركه من آثار سلبية في هذه العلوم.\n_________\n(١) ويمكن القول إن من ثمرات عمل الشاطبي هذا استفادةُ كثير من العلماء الذين جاءوا بعده من منهجه هذا، وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وظهور ما اصطُلِحَ على تسميته بالتفسير الموضوعي، والدراسة الموضوعية للحديث، حيث يقوم كلٌّ منهما على فكرة الاستقراء المعنوي بتجميع كل النصوص الواردة في موضوع واحد، ودراستها دراسة موضوعية من أجل فهمٍ أحسنَ وأشمل لذلك الموضوع، والخروج بقواعد عامة وكليات تحكم فروعه وجزئياته.\n(٢) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ٢٤.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفَصْلُ الرَّابعِ\nالاستقراء عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>تَمْهِيدٌ</span>\nلقد جعل ابن عاشور الاستقراء أوَّل مسلك من مسالك الكشف عن مقاصد الشارع، ووصفه بأنه أعظمها. (١) كما جعله دليلًا من الأدلة التي يُستدل بها على الأحكام، حيث قال: \"وإنما اعتُبِر دليلًا لأن الكلية لم تكن ثابتة ولا دليل عليها إلّا تتبع الجزئيات، ولأنها بعد ثبوتها يُستدل بها على أحكام جزئيات مجهولة، مثل أن تقول: الوتر سنَّة لا فرض، لأن النبي - ﷺ - صَلاَّهُ على الراحلة، والفرض لا يُؤَدَّى على الراحلة أخذًا من استقراء أسفار النبي - ﷺ - والسلف - ﵃ -\". (٢) ومع ذلك لم يقدم له تعريفًا لا في كتاب مقاصد الشريعة الإِسلامية، ولا في أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، وربما اكتفى بتعريفه له في حاشية التوضيح، حيث عرفه بأنه \"هو تتبع الجزئيات لإثبات حكم كلي\". (٣)\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٥.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات التنقيح، (تونس: مطبعة النهضة، ١٣٤١ هـ)، ج ٢، ص ٢٢٤، نقلًا عن إسماعل الحسني: نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، (٥ يرندن: المعهد العالمي للفكر الإِسلامي، ط ١، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م)، ص ٣٥٦.\n(٣) المصدر السابق، الصفحة نفسها.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الأول\nالاستقراء بين القطع والظن عند ابن عاشور</span>\nلا يفصح ابن عاشور -عادةً- في استعماله الاستقراء عن نوع الاستقراء الذي استعمله: هل هو استقراء تام أم ناقص، ولكن جريًا على ما اشتهر من كون الاستقراء التام يفيد اليقين، وإنما النزاع في نتيجة الاستقراء الناقص، فالمفترض عند ابن عاشور أن يقول بيقينية نتيجة الاستقراء التام، خاصة وأنه ذهب إلى أن الاستقراء الناقص يفيد القطع واليقين في كثير من الأحوال. وبعد تتبع موقف ابن عاشور من نتيجة الاستقراء الناقص في كتابيه: مقاصد الشريعة الإِسلامية، وأصول افظام الاجتماي في الإِسلام، تبيَّن من خلال أقواله أن نتيجة الاستقراء الناقص تترقى من مرتبة الظن إلى الظن القريب من اليقين، وقد تصل أحيانًا إلى اليقين. وفي ذلك يقول: \" ... وعلى هذا فالحاصل للباحث عن المقاصد الشرعية قد يكون علمًا قطعيّا، أو قريبًا من القطعي، وقد يكون ظنّا\". (١)\nومن المواطن التي صرح فيها بإفادة الاستقراء الناقص القطع ما يأتي:\n١ - قوله: \"واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإِسلامية منوطة بحِكَم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد\". (٢)\n٣ - وعند حديثه عن المصالح القطيعة، عَدّ من المصالح القطعية \"ما تضافرت الأدلة الكثيرة عليه مما مستنده استقراء الشريعة ... \". (٣)\n٣ - وعند حديثه عن إثبات تعليل أحكام الشريعة، وقبولها القياس، قال: \"فإن استقراء الشريعة في تصرفاتها قد أكسب فقهاء الأمة يقينًا بأنها ما سوَّت في جنسِ حكمٍ من الأحكام جزئياتٍ متكاثرة إلّا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعين\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٥٦.\n(٢) المصدر السابق، ص ١١٨.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٢١.","vol":"1","page":272},{"text":"عندهم أن يكون هو موجِبُ إعطائِها حكمًا متماثلا\". (١) ومن المعلوم أن الاستقراء الذي يورده الفقهاء والأصوليون لإثبات التعليل يكون ناقصًا عادة.\n٤ - وعند حديثه عن مقاصد التصرفات المالية، وأن للمال مكانة سامية في الشريعة الإِسلامية قال: \"وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قوام أعمالها وقضاء نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظًا لا يُستهان به\". (٢)\n٥ - وعند حديثه عن أن من مقاصد الشارع بَثّ الحرية، والإقلال من العبودية، استقرأ مجموعةً كبيرةً من أدلة الشارع المثبتة لذللث، ثم قال: \"فمن استقراء هاته التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بَثّ الحرية بالمعنى الأول [أي ضد العبودية] \". (٣)\n٦ - وعند حديثه عن مقصد السماحة واليُسْر قال: \"واستقراء الشريعة يدلّ على هذا الأصل في تشريع الإِسلام، فليس الإستدلال عليه بمجرد هذه الآية أو هذا الخبر حتى يقول معترض إن الأصول القطعية لا تثبت بالظواهر لأن أدلة هذا الأصل كثيرة منتشرة، وكثرة الظواهر تفيد القطع، ولهذا قال إمام الفقه والحديث مالك بن أنس في مواضع من الموطأ \"ودين الله يسر\" وحسبك بهذه الكلمة من ذلك الإمام فإنه ما قالها حتى استخلصها من استقراء الشريعة\". (٤)\n٧ - وعند حديثه عن المغيبات -التي جاءت بها نصوص الشرع من غير أن تكون لعقولنا قدرة على إدراك حقيقتها، ومع ذلك فاللازم تصديقها واليقين بما فيها- يُلْحِقُ بذلك بعض المسائل التعبدية التي شرعها الشارع ولم تَهْتَدِ عقولنا إلى الحكمة من تشريعها، فيقول: \"ونلحق بهذا القسم أشياء اشتملت عليها الشريعة من غير عالَم الغيب لم نَهْتَدِ إلى حقيقتها، فنحن نتلقاها كما جاءت موقنين باشتمالها\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ٢٤٨.\n(٢) المصدر السابق، ص ٣٢٨.\n(٣) المصدر السابق، ص ٢٨٤.\n(٤) محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص ٢٦ - ٢٧.","vol":"1","page":273},{"text":"على مصالح لم تتضح لنا، جاعلين يقيننا بذلك مُستنتَجًا من استقراء جمهرة الأحكام في سائر الأحوال، إذْ نجد تلك الأحكام حقائق بيِّنة ومصالح واضحة، ولا يُعَدُّ يقيننا ذلك وهمًا، بل تفويضا\". (١)\nوقد حدد ابن عاشور جملة من المعايير أو الشروط التي تحدِّد مرتبة العلم التي يفيدها الاستقراء بين القطع والظن، ويمكن تلخيصها في الآتي:\n١ - \"مقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها\". (٢) فعلى قدر كثرة الأدلة التي يشملها الاستقراء تكون قوة الإفادة في النتجة المستخلصة منه، فكلما زاد عدد الأدلة والشواهد المستقرأة زادت قوة العلم الذي يفيده الاستقراء.\n٢ - خفاء دلالة الأدلة المستقرأة ووضوحها. فمن المعلوم أن الأدلة تتفاوت مراتبها من حيث الوضوح والخفاء، فكلما كانت دلالة الأدلة المستقرأة أكثر وضوحًا وصراحةً زادت قوة نتيجة الاستقراء إلى أن تصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وبالعكس، كما قلَّ وضوح دلالة الأدلة وزاد خفاؤُها قَوِيّ جانبُ الظن في نتيجة الاستقراء. وقد مثل ابن عاشور لذلك بكون النصوص الواردة في تحريم الخمر واضحة الدلالة على أن مقصد الشريعة حفظ العقول عن الفساد العارض، ولذلك لم يكد يختلف المجتهدون في تحريم ما يصل بالشارب إلى حدِّ الإسكر وأما دلالة تحريم الخمر على أن مقصد الشريعة سدُّ ذريعة إفساد العقل حتى نأخذ من ذلك المقصد تحريمَ القليل من الخمر أو النبيذ الذي يسكر كثيره فتلك دلالة خفية، ولذلك اختلف الفقهاء في هذا المقصد، واختلفوا تبعًا لذلك في مساواة تحريم الأنبذة لتحريم الخمر. فمن غلب على ظنه كون هذا الأخير مقصدًا شرعيًا سَوَّى بينهما في التحريم وإقامة الحد، ومن لم يغلب على ظنه ذلك فَرَّق بينهما في مرتبة التحريم وفي العقوبة. (٣)\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ٤٦.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٥٦.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٦١.","vol":"1","page":274},{"text":"٣ - احتمال قيام المعارِضَات لشواهد الاستقراء. فقيام المعارِضَات لشواهد الاستقراء قادح في نتيجته؛ فإن احتمال وجود هذه المعارِضات سيدخلُ -ولا شكّ- عنصرَ الظن على نتجيته، وذلك بحسب قوة هذه الإحتمالات، فكلما قويّ احتمال قيام المعارض قويّ عنصرُ الظن لدى المجتهد في نتيجة استقرائه. (١)\n٤ - ما تتصف به النصوص من عموم أو جزئية، فإذا كانت النصوص المستقرأة عمومات وكليات، كانت صالحة لأن يثمر استقراؤها نتيجة قطعية، أما إذا كانت جزئية فإن نتيجة استقرائها لا تعدو عادة أن تكون ظنية. (٢)\n٥ - قطعية وظنية الثبوت، إذْ يشترط ابن عاشور في النصوص التي يمكن أن يؤدي استقراؤها إلى نتيجة قطعية أن تكون قطعية الثبوت، أي يقينية النسبة إلى الشارع الحكيم، أوعلى الأقل يكون بعضها كذلك. (٣)\nوبناءً على ما سبق يكون الاستقراء الذي يُثْمِر مقاصدَ قطعية هو الذي يشمل أدلة متكررة من القرآن تكرُّرًا ينفي احتمال أن يُقْصَدَ منها المجاز والمبالغة، (٤) وتكون هذه الأدلة عمومات أو نصوصًا في معانيها، وتكون كلها قطعية المتن (أي وردت متواترة، وهي إما من القرآن أو السنة المتواترة) أو على الأقل أكثرها تتصف بهذه الصفات، ولا بأس أن تدعم بعد ذلك بأدلة من السنة ظنية الورود. فمثل هذا الاستقراء الذي تتوافر فيه هذه الشروط ولو كان ناقصًا يثمر مقاصد قطعية.\nومثال الاستقراء الذي يثمر مقصدًا شرعيًّا قطعيًّا، استقراء جملة الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي نَصَّت على اليُسْر ورفع الحرج أو أومأت إليه، وهي كثيرة جدّا، \"فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول إن من مقاصد الشريعة التيسير، لأن الأدلة المستقرأة في ذلك كله عمومات متكررة، وكلها قطعية النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن، وهو قطعي المتن\". (٥)\n_________\n(١) انظر المصدر السابق، ص ١٦١.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ١٦٠ - ١٦١، ١٨٩.\n(٣) انظر المصدر السابق، ص ١٦٠.\n(٤) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٥٩.\n(٥) المصدر السابق، ص ١٦٠.","vol":"1","page":275},{"text":"أما إذا كان الاستقراء مبنيًّا على أدلة كثيرة، لكنها إما كلها جزئي، أو أغلبها كذلك، وما كان منها متصفًا بصفة العموم والكلية لم يكن قطعي النقل، أي حديث آحاد، فإن هذا النوع من الاستقراء يُثْمِر نتيجة ظنية لكنها قريبة من القطعي.\nوقد مثَّل ابن عاشور لهذا النوع من الاستقراء بما أورده الشاطبي من أن من مقاصد الشارع منع الضرر ودفعه، استنادًا إلى استقراء ما ورد في القرآن الكريم من آيات تنهى عن الضرر مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وغيرها، وما ورد في السنّة من أحاديث أبرزها قوله - ﷺ -: \"لَا ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ\" (١) ومنها النصوص الواردة في السنّة عن التعدي على النفوس، والأموال، والأعراض، وعن الغصب، والظلم، وكل ما هو في معنى إضرار وضرار فهذه الأدلة، وإن كانت كثيرة إلَّا أنها أدلة جزئية، والدليل العام منها، وهو قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" هو خبر آحاد، وليس بقطعي النقل عن الشارع. (٢)\nولكن الملاحظ أن الشاطبي -وفي هذا المثال بالذات- يفهم من كلامه أنَّ مثل هذا النوع من الاستقراء يفيد القطع، إذْ يرى أن \"الضرر مبثوث منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات وقواعد كليات ... فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك\". (٣)\n_________\n(١) سبق تخريجه.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٦٠ - ١٦١.\n(٣) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ١٢.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الثاني\nمجالات استخدام الاستقراء عند ابن عاشور</span>\nلقد سعى الإمام محمد الطاهر بن عاشور إلى الإلتزام بالمنهج الإستقرائي في محاولاته التي قام بها للتعرف على مقاصد الشارع الحكيم في كتابيه: مقاصد الشريعة الإِسلامية، وأصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، (١) سواء في ذلك المقاصد الكلية والعامة، أو المقاصد الخاصة. ولكنه لا يصرح عادة بنوع الاستقراء الذي اعتمده في كل مسألة: هل يلتزم الاستقراء التام، أم أنه يكتفي بالاستقراء الناقص؟ والراجح أنه يكتفي في كثير من تلك المسائل باستقراء أغلب تصرفات الشريعة ونصوصها وأحكامها، أي الإكتفاء بالاستقراء الناقص، بناء على أن استقراء كثير من الأدلة -بالشروط التي سبق ذكرها- يمكن أن يفيد اليقين عنده. وقد استقرى الباحث أهم المواطن التي صرح فيها ابن عاشور بتطبيق المنهج الإستقرائي في الكشف عن مقاصد\nالشارع، وفيما يأتي جملة منها:\n١ - عدمُ انْبِنَاءِ المقاصد الشرعية على الأوهام والتخيلات: فمن خلال استقراء موارد الشريعة وتصرفاتها تبيّن عدم التفات الشريعة إلى الأوهام والتخيلات، وأمرُهَا بنبذها والبعد عنها، ومن ثَمَّ عدم انْبِنَاءِ المقاصد عليها، وفي ذلك يقول: \"ثم إننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلَّا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية\". (٢)\n٢ - إثبات مقصد السماحة: وقد بدأ ابن عاشور بتحديد مفهوم السماحة، لأن تحديد المفهوم يمثل أساس الاستقراء، خاصة من حيث تحديد نوع الأدلة والجزئيات التي سيشملها الاستقراء، فعرَّف السماحة بأنها: \"سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهي راجعة إلى معنى الإعتدال والعدل والتوسط\" (٣).\n_________\n(١) ينبغي التنبيه إلى أن ابن عاشور قد استخدم المنهج الإستقرائي في الإستدلال في مؤلفاته الأخرى، ومن ذلك ما جاء في تفسيره التحرير والتنوير، في حصر مراتب المتشابهات في القرآن الكريم، ج ٣، ص ١٥٨ - ١٦٠، وحصر مواقع التزيين المذموم، ج ٢، ص ٢٩٥.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الاسلامية، ص ١٧٤.\n(٣) المصدر السابق، ص ١٨٤.","vol":"1","page":277},{"text":"وانطلاقًا من هذا المفهوم يتبيّن أن كلّ النصوص والأحكام الواردة في السماحة، واليسر، والاعتدال، والتوسط، ورفع الحرج، وأضدادها تدخل ضمن الجزئيات المستقرأة. ثم استعرض في ذلك أهم الآيات والأحاديث الواردة في كل وصف من هذه الأوصاف، (١) ليخلص إلى القول: \"واستقراء الشريعة دلّ على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين\". (٢)\n٣ - تحديد المقصد العام من الشريعة: وهو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان، وهو المقصد الذي يُعبَّر عنه عادة بحلب المصالح ودرء المفاسد.\nوقد قسم ابن عاشور الأدلة المستقرأة في ذلك إلى أنواع:\nأ - أدلة كلية صريحة في أن مقصد الشريعة الإصلاح وإزالة الفساد، من أمثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث حديث أبي عمرة الثقفي أنه قال: \"قُلْتُ يا رَسُولَ الله قُلْ ليِ فِي الإِسْلاَمَ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: \"قُلْ آمَنْتُ بالله ثُمَّ اسْتَقِمْ\"، (٣)\nب - أدلة كلية، لكنها تدلّ على هذا المقصد إيماءً لا صراحة. ومن ذلك الأدلة التي \"جاءت دالّة على أن صلاح الحال في هذا العالم مِنَّة كبرى يمنُّ الله بها على الصالحين من عباده جزاءً لهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]،\n_________\n(١) من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله ﷺ: \"أَحَبُ الدِّينِ إِلَى الله الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ\". أخرجه البخاري في صحيحه معلقا في كتاب الإيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨ قبل الحديث (٣٩)، وقوله - ﷺ -: \"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ\". صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨، الحديث (٣٩). انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٨٤ - ١٨٧. وسيأتي استعراض النصوص الواردة في هذه الأبواب في فصل الدراسة التطبيقية للإستقراء.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٨٦.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (١٣)، ج ١، ص ٦٥.","vol":"1","page":278},{"text":"وقال مخاطبًا المسلمين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]، وقال في معرض الوعد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] \". (١)\nج - أدلة جزئية يمثلها ما شرع الله تعالى من أحكام رادعة للناس عن الإفساد، وموجبة أو مرغبة في الصلاح وفعل الخير، مثل شرع القصاص على إتلاف الأرواح وقطع الأطراف، وشرع تعويض قيمة المتلفات، وإباحة تناول الطيبات والزينة. (٢)\nثم ينتهي ابن عاشور بعد ذلك إلى أن استقراء هذه الأدلة ونحوها أوجب لنا اليقين بهذا المقصد، فيقول: \"ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلبة لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذا قاعدة كلية في الشريعة\". (٣)\n٤ - تحديد أنواع الحيل ومدى تفويتها للمقاصد الشرعية: حيث اعتمد ابن عاشور الاستقراء طريقًا لتحديد أنواع ذلك التحيل، وأسفر استقراؤه عن تقسيمها إلى خمسة أقسام، وفي ذلك يقول: \"وعند صدف التأمل في التحيل على التخلص من الأحكامٍ الشرعية من حيث إنه يُفِيتُ المقصد الشرعي كله أو بعضه أو لا يفيته، نجده متفاوتًا في ذلك تفاوتًا أدَّى بنا الاستقراء إلى تنويعه خمسة أنواع ... \". (٤)\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٨٩ -، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص ١٠ - ١١.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٨٩ - ١٩٠.\n(٣) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٩٠.\n(٤) أنواع التحيل هذه هي:\n١ - تحيّل يفيت المقصد الشرعي كله، ولا يعوضه بمقصد شرعي آخر، ومثال ذلك من وهب ماله قبل مُضيّ الحول بيوم لئلاّ يعطي زكاته، واسترجعه من الموهوب له من غد، وهذا لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه ووجوب المعاملة بنقيض مقصد صاحبه.\n٢ - تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقلُ إلى أمرِ مشروع آخر، مثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنفصه الزكاة، فإنه إذا فعل ذلك فقد استعمل المال في مأذون فيه، وهذا النوع على الجملة جائز.\n٣ - تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلكُ به أمرًا مشروعًا هو أخفُّ عليه من المنتَقَلِ منه، مثل لبس الخف لإسقاط غسل الرجلين في الوضوء، وهذا مقام الترخص إذا لحقته مشقة من الحكم المتنَقَّل منه.\n٤ - تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيّل فيها تحقيقٌ لِمُمَاثلِ مقصد الشارع من تلك الأعمال، مثل التحيّل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير. وللعلماء في هذا النوع مجال من الإجتهاد.\n٥ - تحيّل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى، مثل من تزوج امرأة مبتوتة قاصدًا أن يحللها لمن بَتَّها، وفيه خلاف بين الفقهاء. مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٥٣ بتصرف.","vol":"1","page":279},{"text":"٥ - إثبات مقصد سدّ الذرائع: حيث ذهب ابن عاشور إلى أن الاستقراء هو عمدة القائلين بسدّ الذرائع -وهو منهم- في إثبات هذا المقصد، فيقول: \"فمقصد سدّ الذرائع مقصد تشريعي عظيم استُفِيدَ من استقراء تصرفات الشريعة في تفاريع أحكامها، وفي سياسة تصرفاتها مع الأمم، وفي تنفيذ مقاصدها ... \". (١)\n٦ - كون التشريع منوطًا بَالضبط والتحديد: حيث قام ابن عاشور -عند حديثه عن كون التشريع الإِسلامي منوطًا بالضبط والتحديد- باستقراء الوسائل التي اتخذها الشارع طرقًا للإنضباط والتحديد، فقال: \"وقد استقريت من طرق الإنضباط والتحديد في الشريعة ست وسائل\". (٢)\n٧ - قصد الشارع إلى بَثِّ الحرية: والمقصود هنا النوع الأول من الحرية، الذي هو ضد العبودية. (٣) وهذا القصد قد أثبته الفقهاء قديمًا بطريق استقراء تصرفات الشريعة، التي دلت على أن من أهم مقاصدها إبطال العبودية وتعميم الحرية، حتى اشتهرت بينهم قاعدة \"الشارع مُتَشَوِّف للحرية\"، (٤) التي كثيرًا ما استخدموها في مسائل الترجيح. وقد استعرض ابن عاشور النصوص الواردة في الترغيب في تحرير\n_________\n(١) المصدر السابق، ص ٢٦٢.\n(٢) هذه الوسائل هي:\n١ - الإنضباط بتمييز الماهيات والمعاني تمييزًا لا يقبل الإشتباه، مئل طُرُقِ القرابة المبيَّنَة في أسباب الميراث، وفي تحريم من حرم نكاحه، فبتعين المصير إليها دون ما لا ينضبط من مراتب المحبة والصداقة والنفع والتَّبَنِّي. ٢ - مجرد تحقّق مسمى الإسم، كنوط الحدِّ في الخمر بشرب جرعة من الخمر ولو لم تسكر.\n٣ - التقدير، كنُصُب الزكوات في الحبوب والنقدين، ونصاب القطع في السرقة، وغيرها.\n٤ - التوقيت، مثل مرور الحول في زكاة الأموال، وغيرها.\n٥ - الصفات المعيِّنة للماهيات المعقود عليها، كتعيين العمل في الإجارة، وكالمهر والولي في ماهية النكاح لِيُمَيَّزَ عن السفاح.\n٦ - الإحاطة والتحديد، كما في إحياء الموات، وحدود الحِرْز في تحقُّق معنى السرقة تفرقةً بينها وبين الخلسة.\nمقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٦٦ - ٢٦٨ بتصرف.\n(٣) المعنى الثاني للحرية هو\"تمكّن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض\". مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٤) انظر المصدر السابق، ص ٢٨١، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"1","page":280},{"text":"العبيد، والسبل التي سلكها الإِسلام للتقليل من الرِّق والسعي إلى تخليص البشرية منه بالتدرج، إلى أن قال: \"فمن استقراء هاته التصرفات ونحوها حصل لنا العلم بأن الشريعة قاصدةُ بَثّ الحرية بالمعنى الأول [أي ضد العبودية] \". (١)\n٨ - إثبات تعليل الأحكام الشرعية -خاصة أحكام المعاملات-: إذْ يرى ابن عاشور أن مقصد الشريعة الأعظم نوطُ أحكامها المختلفة بمعان وأوصاف مختلفة تقتضي تلك الأحكام، لا بأسماء وأشكال، (٢) حيث يتبع تغيرُ الأحكام تغيرَ الأوصاف، وقد استدل على ذلك بـ\"استقراء أقوال الشارع - ﷺ - وتصرفاته، ومن الإعتبار بعموم الشريعة الإِسلامية ودوامها\"؛ (٣) ذلك أن من مقتضيات عموم الشريعة لكل الناس، ودوامها لكل الأزمان أن تكون منوطة بمعان وأوصاف تحقق مقاصدها، فتدور أحكامُها معها وجودًا وعدما، لتتحقق خاصية المرونة في الشريعة بما يسع تحقيق مقاصد الشارع لمختلف الأقوام على اختلاف عاداتهم وأعرافهم، وعلى اختلاف الحِقَب الزمنية وما يصاحب ذلك من تطور في الحياة البشرية.\n٩ - إثبات واجب الإجتهاد: لَمّا كان من مقاصد الشارع تجنُّب التفريع في زمن التشريع، مع وضع الشريعة لتكون عامة ودائمة، كان من اللازم أن يقصد الشارع لتحقيق ذلك إلى إيجاد الوسيلة التي تجمع بين تحقيق هذين المقصدين المتناقضين في ظاهرهما، وتلك الوسيلة هي الإجتهاد، فكانت \"الأمة الإِسلامية بحاجة إلى علماءَ أهلِ نظرٍ سديد في فقه الشريعة، وتمكن من معرفة مقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرة طما إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها، واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب من أديمها. وقد هدانا الله إلى هذا بما أمر به من الإعتبار في أدلة الشريعة وبذل الجهد في استجلاء مراده. حصل لنا ذلك من استقراء آيات كثيرة من الكتاب وأخبار صحيحة من السنّة\". (٤)\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٨٤.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٢٤٥.\n(٣) المصدر السابق، ص ٢٨٩.\n(٤) المصدر السابق، ص ٢٩٤.","vol":"1","page":281},{"text":"١٠ - مقاصد الشارع من أحكام النكاح: وفي سعيه إلى استخلاص مقاصد الشارع من أحكام النكاح سلك ابن عاشور مسلك الاستقراء في تحديد الأصول التي يمكان الاستناد إليها في استخراج تلك المقاصد، فقال: \"وقد استقريت ما يستخلص منه مقصد الشريعة في أحكام النكاح الأساسية والتفريعية فوجدته يرجع إلى أصلين: الأصل الأول: اتضاح مخالفة صورة عقد النكاح لبقية صور ما يتفق في اقتران الرجل بالمرأة، الأصل الثاني: أن لا يكون مدخولًا فيه على التوقيت والتأجيل\". (١)\n١١ - نوع النَّسَب الذي قصدت الشريعة إلى إيجاده: وفي تحديد نوع النَّسَب الذي اعتبرته الشريعة وقصدت إلى إيجاده والمحافظة عليه من خلال تشريعاتها في ذلك، سلك مسلك الاستقراء فقال: \"واستقراء مقصد الشريعة في النَّسَب أفادنا أنها تقصد إلى نَسَبٍ لا شكّ فيه ولا محيد به عن طريقة النكاح بصفاته التي قررناها\". (٢)\n١٢ - قصد الشارع إلى العناية بالمال وحفظه: حيث استعرض ابن عاشور من أجل إثبات هذا المقصد بعض الآيات الواردة في الزكاة التي جُعِلت شعارَ الإِسلام وثالثَ أركان الدين، (٣) كما استعرض ما ورد من آيات أخرى وأحاديث سواء في معرض الامتنان على العباد بنعمة المال، أو في بيان أجر النفقة والكسب الحلال، أو في بيان قيمة المال وأهميته في حياة الأفراد والجماعات. (٤)\n١٣ - مقاصد الشارع في الأموال: حيث جعلها خمسة، مما: الرواج (٥)،\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣١٧.\n(٢) المصدر السابق، ص ٣٢١.\n(٣) من ذلك قوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة:٥٥]، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].\n(٤) من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، وقوله - ﷺ -: \"مَا مِنْ يَوْمِ يُصْحُ الْعِبَادُ فِيهِ إلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقَولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الآخَرُ اللَّهُم أَعْطِ مُمْسِكَا تَلَفًا\". صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (٢٩)، مج ١، ج ٢، ص ٤٤٣. انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٢٨، وانظر أيضًا: محمد الطاهر بن عاشور: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، ص ١٩٧ وما بعدها.\n(٥) وهو \"دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق\". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٣٨.","vol":"1","page":282},{"text":"والوضوح، (١) والحفظ، (٢) والثبات، (٣) والعدل فيها، (٤) وذلك اعتمادًا على الاستقراء. (٥)\n١٤ - مقاصد الشارع من تشريع المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان: حيث عمل على استقراء السُّنَن الواردة في ذلك، وما ورد في شأنها عن علماء السلف، خاصة علماء المدينة، حيث يقول: \"ولقد استقريت ينابيع السنّة في هذه المعاملات البدنية على قِلَّة الآثار الواردة في ذلك، وتتبعت مرامي علماء سلف الأمة وخاصة علماء المدينة في شأنها، فاستخلصت من ذلك أن مقاصد الشريعة فيها ثمانية\". (٦)\n١٥ - مقاصد الشارع من عقود التبرعات (٧): وفي ذلك يقول: \"وقد نجد في\n_________\n(١) وهو\"إبعادها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، ولذلك شرع الإشهاد والرهن في التداين\". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٤٦.\n(٢) وذلك مأخود من قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله - ﷺ -: \"لا يحل مال امرى مسلم إلّا عن طيب نفس\". البيهقي: السنن الكبرى، ج ٦، ص ١٠٠. انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٤٦.\n(٣) معناه \"تقرُّرها لأصحابها بوجه لا خطر فيه ولا منازعة\". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٤٧.\n(٤) وذلك \"بأن يكون حصولها بوجه غير ظالم، وذلك إما أن تحصل بعمل مكتسبها، وإما بعوض مع مالكها أو تبرع، وإما بإرث\". محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٤٩.\n(٥) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٣٨ - ٣٤٩.\n(٦) وهي:\n١ - التكثير منها،.\n٢ - الترخيص في اشتمالها على الغرر المتعَارَف في أمثالها.\n٣ - التحرز عما يُثقِل على العامل في هذه العقود.\n٤ - أن هذه العقود لم يُعْتَبر لزومُ انعقادها بمجرد القول، بل جُعِلت على الخيار إلى أن يقع الشروع في العمل (عند المالكية).\n٥ - إجازة تنفيل العَمَلَة في هذه العقود بمنافعَ زائدةٍ على ما يقتضيه العمل بشرط دون تنفيل رب المال.\n٦ - التعجيل بإعطاء عوض عمل العامل بدون تأخير، ولا نظرة، ولا تأجيل.\n٧ - إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل، فلا يُلْزَم لإتمامه بنفسه.\n٨ - الالإبتعاد عن كل شرط أو عقد يشبه استعباد العامل، بأن يبقى يعمل طول عمره أو مدة طويلة جدًّا، بحيث لا يجد لنفسه مخرجا. محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٥٣ - ٣٥٦ بتصرف.\n(٧) عقود التبرعات هي: \"بذل المكلَّف مالًا أو منفعة لغيره في الحال أو المآل بلا عوض بقصد البِرّ والمعروف غالبا\" وذلك مثل الوصية والهبة وغيرها. وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بالكويت: الموسوعة الفقهية، ج ١٠، ص ٦٥.","vol":"1","page":283},{"text":"استقراء الأدلة الشرعية منبعًا ليس بقليل، يرشدنا إلى مقاصد الشريعة من عقود التبرعات\"، (١) وهي:\nأ - \"التكثير منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة\".\nب - \"أن تكون التبرعات صادرة عن طيب نفس لا يُخَالِجُه تردُّد\".\nجـ - \"التوسع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرعين\".\nد - \"أن لا يُجْعَل التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير، من حق وارث أو دائن\". (٢)\n١٦ - مقاصد الشارع من نصب الحكاّم: حيث إن استقراء الشريعة في تصرفاتها يبيّن أن من مقاصدها نصب حكام يسوسون مصالح الأمة، ويقيمون العدل فيها، وينفذون أحكام الشريعة بينها. (٣)\n_________\n(١) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ٣٥٧.\n(٢) المصدر السابق، ص ٣٥٨ - ٣٦١ بتصرف.\n(٣) انظر المصدر السابق، ص ٣٦٣.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفَصْل الخَامِسْ\nدراسة تقييمية للإستدلال الإستقرائي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول\nالفرق بين الاستقراء العلمى والاستقراء في العلوم الإنسانية</span>\nمن خلال ما تقدم من الحديث عن الاستقراء عند المناطقة والفلاسفة، وعند علماء المسلمين خاصة الإمام الشاطبي، يتضح أن هناك فرقًا واضحًا بين الاستقراء المنطقي -سواء في المنطق الصوري القديم، أو في شكله العلمي في المنطق الحديث- والاستقراء في العلوم الإنسانية. فالاستقراء في المنطق الصوري القديم لم يتعدَّ صورته البسيطة، حيث يبدو موجهًا بالدرجة الأولى إلى استقراء الأوصاف العرضية، وتعداد الجزئيات، وقلَّما تجده مَعْنِيًّا باستقراء المعاني والقيم. ويبدو هذا جليًّا من خلال تمثيلهم للإستقراء بنوعيه، كمثال أرسطوفي العلاقة بين طول العمر وقلَّة المرارة في الحيوانات والإنسان، ومثال التمساح المشهور عند المناطقة المسلمين في قضية استقراء تحريك الفكّ الأسفل عندا المضغ.\nأما الاستقراء العلمي، فمع أنه انتقل بالاستقراء من صورته البسيطة إلى الغوص في مسائل التعليل، والإطراد، والتناسق في قوانين الكون، وعدم الإكتفاء بملاحظة الأوصاف الرضية بل الإنتقال إلى مرحلة وضع الفرضيات، ثم السعي إلى التحقق منها بالتجارب، إلّا أنه يختلف عن الاستقراء في مجال العلوم الإنسانية من حيث الغرض، ومجال عمل كلّ منهما.\nفالاستقراء العلمي يبحث في قوانين علمية صارمة ومنضبطة وضع الله تعالى الكون عليها، ولا تتدخل فيها إرادة الإنسان ورغباته وظروفه. وغرضه الكشف عن تلك القوانين، وكيفية عملها. وفي حين يتعامل الاستقراء العلمي مع الوقائع الحسية بالدرجة الأولى، نجد الاستقراء في العلوم الإنسانية يتعامل - فضلًا عن ذلك- بشكل أساسي مع نصوص شرعيّة موجهة إلى الإنسان، أو مع أحداث تاريخية كان الإنسان","vol":"1","page":285},{"text":"سببًا في صنعها. ومن الطبيعي أن تكون تلك النصوص متفاعلة مع الطبيعة البشرية وحاجاتها، ومتأثرة بها، وهي أمور ليس لها من الثبات والإطراد ما للقوانين التي تحكم الطبيعة، لذلك نجدها لا تخلو من الإستثناءات؛ لتتكيف بحسب ما يناسب الطبيعة الإنسانية ويلي حاجاتها. ومن أجل ذلك يكون من الخطأ إخضاع المنهج الإستقرائي في العلوم الإنسانية للقوانين التي تحكم الاستقراء في العلوم التجريبية، أو الاستقراء في المنطق الصوري. ومن هنا تبرز أهمية عمل الشاطبي في ابتكار ما اصطلح عليه بـ\"الاستقراء المعنوي\" وإلحاقه بالتواتر وما قدّمه من حلّ لمشكلة الاستقراء الناقص بتطبيق منهج توفيقي تكاملي في الجمع بين الكليّات وآحاد الجزئيات، حيث تُحفظ للكليات رتبة العموم والسيطرة، وتُحفظ في الوقت ذاته للجزئيات المستثناة من الكليات خصوصيتها.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الثاني\nإمكانية تحقيق الاستقراء وجدواه</span>\nإمكانية تحقيق الاستقراء التام:\n١ - من أهم الانتقادات التي وُجِّهت للإستقراء التام عدم إمكانية تحقيقه لعدم القدرة على الإحاطة بكلّ الجزئيات وفي كلّ الأوقات. والواقع أن التشكيك في إمكانية وقوعه أمر مُبالَغ فيه، إذْ هو أمر ممكن وواقع، لكن ينبغي الإعتراف بأنه مع إمكانية تحقيقه، إلّا أن ذلك الإمكان يبقى محدودًا، وفي إطار ضيق. ومع ذلك فإن قِلَّة وقوعه لا تعني الإستغناء عنه كلية، أو التشكيك فيه.\nوفضلًا عما سبق فإننا في مجال العلوم الشرعية نجد الوضع مختلفًا إلى حدٍّ ما عنه في العلوم الطبيعية، وذلك حسب التفصيل الآتي:\n- إذا كان الاستقراء لنصوص القرآن الكريم فإن إمكانية الإحاطة بكل الجزئيات متحقق، لأن نصوص القرآن الكريم محدودة ومعلومة، ومن ثَمَّ يمكن تحقيق الاستقراء التام فيها.\n- أما في نصوص السنّة النبوية المطهرة فإنه لا يمكن الجزم بهذا، لما في الإحاطة بجميع الأحاديث من صعوبة، خاصةً مع وجود أحاديث مُخْتَلَفٌ في صحتها ونسبتِها إلى الرسول، ومع عدم إمكانية الجزم بكون ما روي من أحاديث هو كلّ ما صدر عن الرسول - ﷺ -، وربما كان هذا مدخلًا إلى الظن في دعوى الإحاطة بجميع الأحاديث الواردة في المسألة موضوع الاستقراء.\n- أما استقراء العلل الشرعية فالإشكال فيه وارد بقوة، ولا يمكن الزعم بالإحاطة بكل العلل، كما أنه لا يمكن ادعاء عدم الخطأ في تحديد العلة، خاصة في العلل المستنبطة، فهي في ذاتها مظنونة، ولا يمكن الجزم بكونها هي علل الأحكام محلّ الاستقراء. أما إذا كانت جميع علل المسألة محلّ الاستقراء منصوصة، فإنه في هذه الحالة يمكن تحقيق الاستقراء التام.","vol":"1","page":287},{"text":"٢ - ومن الإعتراضات التي يمكن أن توجه إلى الاستقراء التام في العلوم الشرعية، أنه مع إمكانية تحقيقه في افصوص والوقائع التي وردت إلينا من طريق الروايات الصحيحة، إلّا أن الوقائع المستجدة تبقى غير مشمولة بالاستقراء لأن الاستقراء إنما تَمَّ لجزئيات نَصَّ عليها الشارع، أو وُجدت في زمن التشريع فقط.\nويُردّ على هذا بأن الكليات والعمومات التي تخلص إلى أن الشارع الحكيم قد قررها مقاصدَ له عن طريق الاستقراء قد ثبتت؛ لأن مرادنا من الاستقراء هو الكشف عن اعتبار الشارع لتلك المقاصد، وليس مدى تحقيق المجتهد لذلك فيما يَجِدُّ من حوادث. وما يدلّ على اعتبار الشارع قد تَمَّ وانتهى بانتهاء عصر التشريع، أما مدى مراعاة المقاصد فيما يَجِدُّ من وقائَع وأحداث فهو من عمل المجتهد لا مِنْ عمل الشارع، فإذا وُجِد فيها ما ينقض القواعد العامة بمخالفت ٥ مقاصدَ الشارع، فإن ذلك لا يُعدُّ نقضًا للإستقراء والقاعدة العامة، وإنما يُعدُّ خطأً من المجتهد.\n٣ - أما فيما يتعلق بالطعن في الاستقراء التام بكونه غير مُجْدٍ، فقد تَمَّ بيان فوائد الاستقراء التام عند الحديث عنه سابقًا، وفضلًا عن ذلك فإنه يمكن القول بأن ما يوصف به الاستقراء التام من عدم الجدوى، وأنه لا يعدو أن يكون نوعًا من الإستنباط، إنما ينطبق على الاستقراء في مجال العلوم الطبيعية التجريبية، أما في العلوم الشرعية فإنَّا لا نهدف أصلًا إلى اكتشاف قوانين أو الوصول إلى اختراعات، وإنما نسعى إلى التأكد من أن حِكْمَةً من الحِكَم أو مقصدًا من المقاصد هو فعلًا مقصد للشارع، ثُمَّ التأكّد بعد ذلك من مدى مراعاة الشارع لذلك المقصد في مختلف أحكامه وتشريعاته، وهذه فائدة عظيمة في مجال العلوم الشرعية. ثم إن ما يذهب إليه البعض من إلحاق الاستقراء التام بالإستنباط بدل الاستقراء لا يُنْقِصُ من قيمة الإستدلال به، فضلًا عن أنها قضية اصطلاحية، ولا مشاحة في الإصطلاح.\nدلالة القضايا الجزئية المكونة للإستقراء على التعميم الإستقرائي:\nمن الإعتراضات التي يمكن إيرادها على الاستقراء أنه إذا كانت نتيجة الاستقراء متضمَّنَة بكاملها في كل جزئية من الجزئيات المستقرأة، فإنه لا تبقى هناك","vol":"1","page":288},{"text":"فائدة لإستقراء كل الجزئيات؛ لأن ذلك الاستقراء لن يضيف علمًا إلى علم المستقرئ أكثر مما حصله من الجزئية الأولى. أما إذا كانت كلّ جزئية من الجزئيات المستقرأة تمثل جزءًا من نتيجة الاستقراء (التعميم الإستقرائي)، فإن تخلف أي جزئية -بعدم إدراجها ضمن الاستقراء- يؤدي إلى نقصٍ في نتيجة الاستقراء، ومن ثَمَّ عدم فائدتها لنقصانها.\nوبيان ذلك أن القضايا الجزئية المحسوسة المكونة للإستقراء لا تمثِّل كلُّ واحدةٍ منها إثباتًا لجزء من مدلول التعميم الإستقرائي، بحيث يُعدّ التعميم الإستقرائي قضية كليّة مكوَّنَة من جزئيات هي آحاد الجزئيات المستقرأة، وإنما يمكن أن نعدَّ كلّ قضية من القضايا الجزئية المكونة للإستقراء دليلًا على كامل مدلول القضية الإستقرائية، لكنه دليل ظني احتمالي. وعلى أساس هذا التصور نلاحظ وجود أدلة على كامل مدلول التعميم الإستقرائي بعدد القضايا الجزئية التي يشتمل عليها الاستقراء.\nكما أن تلك الجزئيات -حتى وإن كانت لا تضيف علمًا جديدًا لما استُفِيدَ من الجزئية الأولى- فإن فائدتها هي تنمية الإحتمال ومحاولة الوصول به إلى مرتبة اليقين؛ إذ القضية التي يراد إثباتها في عملية الاستقراء هي اطرادُ الحكم المستَنْتَجُ من الاستقراء وعمومُه في كل جزئيات الصنف المستقرأ؛ فالمراد إثباته هو قطعية الأدلة الدالة على مضمون التعميم الإستقرائي (الحكم الذي توصل إليه الاستقراء). واليقين الذي يُرَادُ الوصول إليه هو التيقن من عموم الحكم، ووسيلة ذلك هي تجميع أكبر عدد ممكن من الأدلة على اطراد هذا الحكم وجريانه في كل أفراد الصنف.\nوالسبب في المبحث عن اليقين عن طريق تجميع أكبر عدد ممكن من الأدلة على اطراد الحكم وعمومه هو كون جزئية واحدة من الجزئيات (أو مجموعة صغيرة) لا تفيد القطع واليقين بثبوت الحكم لأفراد الصنف. فإذا استطعنا الحصول على اليقين من جزئية واحدة (من نص شرعي واحد في الشرعيات مثلًا) بأن كان النص الشرعي قطعي الدلالة والثبوت مع كونه عامًّا أريد به العموم قطعًا، لم تَعُدْ هناك فائدة لإستقراء مزيد من النصوص والأحكام لأننا قد تحصلنا على اليقين منذ البداية،","vol":"1","page":289},{"text":"وزيادة الأدلة على ذلك لا دخل له في إثبات صدق الحكم، وإنما يمكن أن يكون من باب التوكيد والإطمئنان، من باب قول سيدنا إبراهيم - ﵇ - ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nفإذا أخذنا مثلًا قضية قصد الشارع إلي التيسير، فإنها ثابتة بنص شرعي يفيد العموم ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، إذْ صرّح الشارع بأنه قاصد إلى اليسر، وقد ورد \"اليسر\" معرَّفًا بـ\"ال\" التعريف وهي صيغة من صيغ العموم.\nومع أن هذه الآية قطعية الدلالة على القصد إلى التيسير وقطعية الثبوت، إلّا أن الظن يدخلها من جهة العموم، فهي من صيغ العموم التي تحتمل التخصيص، وليست من العام الذي أريد به العموم قطعًا. وربما لهذا السبب جعلها ابن عاشور من باب الظاهر ولا تفيد القطع بعمومها. (١) ومن هنا تأتي أهمية الاستقراء في كونه قرينة خارجية ينفي عنها احتمال التأويل، ويُثْبِتُ عمومها وجريانها في جميع الأحكام الشرعية.\nتبرير نتيجة الإستدلال الإستقرائي:\nإن الموقف أمام الإستدلال الإستقرائي هو أنه إمّا أن نُخْضِعَه إخضاعًا كاملًا للتجربة الحسية، وهذا أمر مستحيل، ويؤدي بنا إلى ترك الاستقراء وعدم الوثوق به كلية، وفي ذلك ما فيه من لتعطيل للحياة العلمية والعملية، وإما أن نقبل بتأسيس الاستقراء على مبادئ عقلية قبلية نأخذها بوصفها مسلمات، وهذه المبادئ هي:\n١ - قانون العلية العام: الذي يقرر أن الظواهر تترابط ترابط العلة والمعلول، وأن الحالات المتشابهة أو المتماثلة تكون عللها متماثلة كذلك.\n٢ - قانون التناسق والإطراد: الذي يقضي بأن الطبيعة تسير على نسق واحد لا يتغير، فما حديث في الماضي بعلة من العلل سيتكرر في الحاضر والمستقبل على نفس النحو مع وجود نفس العلة.\n_________\n(١) انظر ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٥٩.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثالث\nنتيجة الاستقراء بين اليقين والظن</span>\nقبل الحديث عن الحالات التي يفيد فيها الاستقراء اليقين، والتي يفيد فيها مجرد الظن، يحسن بداية التعرف على مراتب اليقين وأنواعه، وهل اليقين ضروري في كل مسائل العلوم الشرعية أو الدنيوية حتى يصلح العمل بها؟ ثم الحديث بعد ذلك عن نوع اليقين المقصود تحصيله من الاستقراء.\nمراتب اليقين:\nينقسم العلم الذي يوصف عادة بكونه يقينيًّا إلى ثلاثة أنواع:\n١ - اليقين المنطقي: وهو العلم بقضية معينة، والعلم بأنه من المستحيل أن لا تكون القضية بالشكل الذي عُلِم. فاليقين المنطقي مركب من علمين، وما لم ينضم العلم الثاني إلى الأول لا يُعدّ يقينًا. واليقين المنطقي على نوعين:\nالأول: أن يكون منصبًّا على العلاقة بين قضيتين بوصفها علاقةُ ضرورةٍ؛ من المستحيل أن لا تكون قائمةً بينهما استنادًا إلى التلازم المنطقي بينهما بكون إحداهما متضمِّنة للأخرى.\nمثال ذلك قولنا: \"زيد إنسان\"، و\"زيد إنسان عالم\"، فإنا نعلم أنه إذا كانت القضية الثانية صادقة، فإن القضية الأولى ستكون يقينًا صادقة، بمعنى أنه إذا ثبت كون زيد \"إنسانًا عالمًا\" فثبوت كونه \"إنسانًا\" أمر يقيني منطقًا؛ لأنه يستبطن العلم بأنه من المستحيل أَلَّا يكون الأمر كذلك.\nوالثاني: أن يكون منصبًّا على قضية واحدة حين يكون ثبوت محمولها لموضوعها ضروريّا، فعلمنا مثلًا بأن الخط المستقيم أقرب مسافة واصلة بين نقطتين يُعدّ -من وجهة نظر المنطق الأرسطي للبرهان- يقينًا لأننا نعلم أنه من المستحيل أن لا يكون الخط المستقيم أقرب مسافة بين نقطتين. (١)\n_________\n(١) انظر الغزالي: كتاب محك النظر، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، (بيروت: دار الفكر اللبناني، ط ١، ١٩٩٤)، ص ٩٩ - ١٠٠، وانظر أيضا محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٣٢٢ - ٣٢٣.","vol":"1","page":291},{"text":"٣ - اليقين الذاتي: وهو الذي وصفه الغزالي بكونه \"اعتقادًا جزمًا\"، ويعني جزم الإنسان بقضية من القضايا بشكل لا يراوده شكّ أو احتمال لخلاف ذلك، ولكن دون أن يرى استحالة وقوع خلاف ما يعتقده ويجزم به، مع عدم الإهتمام بمدى وجود مبررات موضوعية لهذا اليقين. (١)\n٣ - اليقين الموضوعي: وهو\"التصديق بأعلى درجة ممكنة، على أن تكون هذه الدرجة متطابقة مع الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية، أي أن تصل الدرجة التي تفرضها المبررات الموضوعية إلى الجزم\". (٢)\nويقسم اليقين (القطع) أيضًا إلى نوعين: الأول: القطع الذي يستحيل عقلًا نقضه ووجود مخالف له، والثاني: القطع الذي يراد - به نفي الإحتمال الناشئ عن دليل، لا نفي الإحتمال الجائز عقلًا. والنوع الأول عزيز الوجود في واقع الناس، أما النوع الثاني فتحصيله ممكن وهو المراد بالقطع عادة في الشرعيات، بل وفي العلوم كلها. ومن ذلك قول الحنفية بأن دلالة اللفظ العام على أفراده قطعية، وقول جمهور الأصوليين عن النص بأنه اللفظ الدال في محل النطق ويفيد معنى لا يحتمل غيره. (٣) إذْ أشار بعضهم إلى أن الإحتمال الذي لا يقبله النص هو الإحتمال الناشئ عن دليل، أما الإحتمال الناشئ عن غير دليل فإنه لا يمنع أن يكون اللفظ نصًّا في معناه. (٤)\nنوع اليقين المقصود في الاستقراء:\nليس المقصود باليقين المراد تحصيله في الاستقراء اليقين المنطقي، كما أنه ليس المقصود اليقين الذاتي الذي يُعدّ وجودُه في القضايا الإستقرائية عند كثير من الناس مما لا شك فيه. وإنما المقصود باليقين الذي يسعى الإستدلال الإستقرائي إلى تحصيله هو اليقين الموضوعي، أو ما سماه الشاطبي بالقطع العادي، أي اليقين الذي يراد به نفي الإحتمال الناشئ عن دليل، لا نفي كل احتمال جائز عقلًا. أي هل هناك مبررات\n_________\n(١) انظر الغزالي: كتاب محك النظر، ص ١٠٠.\n(٢) محمد باقر الصدر: الأسس المنطقية للإستقراء، ص ٣٢٥.\n(٣) انظر الشنقيطي: نشر البنود على مراقي السعود، ج ١، ص ٨٤.\n(٤) محمد أديب صالح: تفسير النصوص في الفقه الإِسلامي، ج ١، ص ٢٠٦.","vol":"1","page":292},{"text":"موضوعية لإيصال التصديق الإستقرائي إلى درجة الجزم واليقين أم لا؟ فإذا وجدت مبررات موضوعية تثبت أن ما توصل إليه الاستقراء من نتيجة يُقْطَع به عادة، أي حسب ما جرت به العادة وسنن الكون، حكمنا لذلك بإفادة اليقين، بغض النظر عن الإحتمالات المخالفة الناشئة عن غير دليل. ومهما يكن فإن التصديق الموضوعي يبقى بحاجة دائمة إلى افتراض مصادرة فحواها أن هناك درجات من التصديق الموضوعي بديهية ومعطاة بصورة أولية. وهذه هي الأسس التي اعتُمِد عليها في القول بإفادة التواتر القطع.\nهل يشترط في نتيجة الاستقراء أن تكون يقينية حتى يعمل بها؟\nقد يكون صدق نتيجة الاستقراء تامًّا، أي يقينيًّا، وقد يكون في غاية الرجحان دون الوصول إلى مرتبة اليقين، وفي كلتا الحالتين يجب العمل به؛ لأن العمل بالقضايا الراجحة أمر لا مَفَرّ منه، وإلَّا تعطلت الحياة البشرية، ليس فقط في جانبها التشريعي، بل في جميع مناحيها. ومَنْ مِن الناس في هذا الكون يستطيع الزعم بأنه لا يعمل إلّا بما توفر له فيه عنصر اليقين المنطقي؟ فمن خصائص العلم البشري أنه في كثير من نواحيه نسيي، إلَّا ما جاء به وحي ثبت صدقه، أو ما قطع العقل به. نعم يشترط اليقين في جانب العقائد لخطورتها في حياة البشرية، أما الأحكام العملية فيكفي فيها الظن الراجح.\nالمراد باليقين في المقاصد:\nعندما نتوصل من خلال استقراء تصرفات الشريعة ونصوصها إلى نتيجة مفادها القطع مثلًا بكون التيسير مقصدًا من مقاصد الشارع، فإن ذلك يعني القطع بوجود هذا المقصد، وأن الشارع قَاصِدٌ إليه في تصرفاته كلِّها، لا أننا نقطع بوجود هذا المقصد في كلّ معاملة وفي كلّ تصرف شرعي مهما كان نوعه؛ لأن ذلك يحتاج إلى بحث آخر وإلى التحقيق في إمكانية دخول هذا التصرف أو المعاملة ضمن ما قصد الشارع إلى التيسير فيه أو عدم إمكانية ذلك. وهذا هو المقصود بقولنا إننا نوقن بأن الشارع قصد إلى رفع الحرج أو التيسير أو غيرها من المقاصد العامة.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع\nحل مشكلة الاستقراء الناقص في العلوم الشرعية</span>\nبعد استعراض مواقف كل من الفلاسفة والمناطقة، والشاطبي، ومحمد الطاهر ابن عاشور من الاستقراء، وكيفية حلّ مشكلة الاستقراء الناقص، وتسويغ نتيجته، يمكن تلخيص تصور مقترح لحل تلك المشكلة في النقاط الآتية:\n١ - يبدو -كما سبقت الإشارة- أن سبب الحيرة في الموقف من نتيجة الاستقراء في الشرعيات ناتج عن الخلط في تكييف هذا النوع من الاستقراء وتصنيفه. وبيان ذلك أن الخطأ والخلط يقع عندما يُلْحَق الاستقراء في الشرعيات (الاستقراء المعنوي) بالاستقراء المنطقي والعلمي ويقاس عليهما، ويحتكم في تقييمه إلى القوانين التي تحكمهما. والأَوْلى أن يُلْحَق هذا النوع من الاستقراء بباب المرويات، فيحكم بقوانين الرواية، وذلك للأسباب الآتية:\nأ - أن مادة هذا الاستقراء عبارة عن نصوص شرعية تحكمها قوانين الرواية.\nب - أننا في موضوع المقاصد نهدف إلى الكشفِ عن شيءٍ قصدَ إليه الشارع، وبثَّه في نصوصه، وذللث أمر قد تَمَّ في زمن مضى، ونحن نسعى إلى الكشف عنه.\nج - أن النصوص الشرعية التي تمثل مجال الاستقراء نصوصٌ تاريخية محدودة، بمعنى أنها قد وُضِعَت وانقطع المزيد عليها.\nولا يعني ما ذُكِر أننا سنهمل كلّ قوانين المبحث العلمي، ونُخْضِع الاستقراء المعنوي لقواعد المنهج التاريخي البحت، وإنما المراد أن تفسير نتيجة الاستقراء -بعد أن تتم عملية الاستقراء وفقًا للقواعد المنطقية والعلمية التي تحكمه- يكون طبقًا للقواعد التي تحكم مبادئ: الآحاد، والشهرة، والتواتر وما يتعلق بها من ظنية وقطعية. وربما كان هذا هو الأمر الذي جعل الشاطبي يقيس الاستقراء المعنوي على التواتر المعنوي، ويُخْضِعُه لقوانينه بدلًا من إخضاعه لقوانين الاستقراء المنطقي.\n٢ - ينبغي التفريق بين نوعين من الاستقراء: الاستقراء الْمُنْصَبُّ على الأوصاف","vol":"1","page":294},{"text":"العرضية، أو استقراء وجود حُكْم من الأحكام في عدد من الجزئيات المتماثلة، والاستقراء الذي يهدف إلى إثبات وجود معنى من المعاني أو قيمة من القيم. فالاستقراء الأول-وهو الاستقراء المنطقي أو العلمي- يُعْنَى بمستويين من المبحث:\nالنوع الأول: وجود الوصف أو الحكم موضوع الاستقراء، واتصافه بالعموم والكلية، وهو الذي يسمى نتيجة الاستقراء أو التعميم الإستقرائي، والثاني هو حصر الجزئيات والأفراد الداخلة تحت هذا الاستقراء، ثم التحقق من عدم شذوذ أيٍّ منها عن هذا الحكم العام. فحصر الجزئيات وإثبات انضوائها كلها تحت التعميم الإستقرائي يمثِّل الجانب الأساس في هذا التوع من الاستقراء.\nأما النوع الثاني من الاستقراء الذي يمكن تسميته -جريًا على اصطلاح الشاطبي- بالاستقراء المعنوي فهو كذلك يُعنى بنفس المستويين، لكن مع اختلاف في الأولوية. فيكون الجانب الأساس فيه هو إثبات وجود معنى من المعاني واتصافه بالعموم، وليس من اللازم أن يكون ذلك العموم تامًّا بحيث يَسْلَم من الشذوذ والإستثناء مهما كان نوعه. أما المستوى الثاني من المبحث في هذا النوع من الاستقراء، وهو تتبع الجزئيات فالهدف منه هو الإستعانة بها في إثبات وجود المعنى موضوع الاستقراء وانتشاره فيها بما يعطيه صفة العموم، وليس من اللازم استقصاء جميع الجزئيات الموجودة والمتوقع وجودها، وإنما يكفي أن نُثبت أن معنى من المعاني أو قيمة من القيم مقصودٌ للشارع، من خلال طلب الشارع تحصيله أو اجتنابه وإزالته، ومن خلال بَثِّ ذلك في عدد كبير من أحكامه وتصرفاته، فيكون المستوي الثاني خادمًا ومكملًا للمستوى الأول. وهذا الذي ينبغي أن يُفْهَم من الاستقراء المعنوي، وهو الفارق بين الاستقراء المعنوي المستعمل في العلوم الشرعية والاستقراء المنطقي والعلمي.\nومما يدعم هذا ما أشار إليه الشاطبي عند حديثه عن مجيء نص على جزئي مخالف للقاعدة الكلية المستفادة بالاستقراء والموقف من ذلك، وقد مَثَّل لذلك بما دلّ عليه الاستقراء من أن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات، فبيّن أن الذي ثبت","vol":"1","page":295},{"text":"بالاستقراء هو العلم بأن حفظ الضروريات معتبر، لكن لم يحصل العلم بحل الجهات المعَيَّنَة للحفظ، وليس ذلك المقصود من الاستقراء لعسره وتعذر الإحاطة به. وفي ذلك يقول: \" ... فإنه إنما عُلِم أن الحفظ على الضروريات معتبر؛ فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة، فإن للحفظ وجوهًا قد يدركها العقل وقد لا يدركها، وإذا أدركها فقد يدركها بالنسبة إلى حال دون حال، أو زمان دون زمان، أو عادة دون عادة\". (١)\n٣ - هناك جانب آخر يجب النظر إليه عند الحديث عن استقراء الأحكام الشرعية لإثبات مقاصد الشارع، وهو أنه ينبني التفريق بين كون الشارع قاصدًا إلى تحقيق مقصد ما، ومدى تحقق ذلك المقصد في الواقع العملي. فالأول هو المعنيُّ بالبحث، لأنه هو المتعلق بإرادة الشارع وقصده، أما الثاني فإنه لا يتعلق بقصد الشارع وإرادته فقط، بل له تعلق قوي بقصد المكلَّف وحاله وظروفه، فها هنا لا بُدّ لتحقيق المقصد من تكامل عمل الشارع وعمل المكلَّف. فإذا انخرم العنصر الثاني فقد يؤدي ذلك إلى عدم ظهور المقصد أو تخلفه في بعض الحالات، وليس معنى ذلك انعدام قصد الشارع وانخرامه، وإنما ذلك لعدم توفر شروط تحققه.\nفمثلًا قصدُ الشارع من العقوبات الازدجار وهو قصد عام في جميع العقوبات، لكن هذا المقصد لا يمكن أن يتحقق واقعيًّا في نفوس الناس إلَّا إذا توافرت له أسبابه وشروطه. فإذا أدّت حال المعاقَب وظروفه إلى عدم ازدجاره، فليس معنى ذلك القدح في كون الشارع قاصدًا إلى ذلك، لأن الشارع إنما قصد إلى ترتيب الازدجار على العقاب، ولم يقصد إلى العمل على تحقيق ذلك عمليًّا في نفوس آحاد المعاقَبِين دون استثناء، وإنما ترك ذلك ليجري على حسب قوانين الأسباب والسنن.\n٤ - لَمّا كان الاستقراء المعنوي في مجال إثبات المقاصد -بالمفهوم الذي تَمَّ توضيحه- لا يُعنى كثيرًا بمحاولة استقصاء جميع الجزئيات (وهو ما يسمى بالاستقراء التام)؛ لأن المقصود بالدرجة الأولى هو إثبات المقصد، وهو معنى من المعاني التي بثَّها الشارع في أحكامه، أي إثبات كون الشارع قاصدًا إلى اعتباره في أحكامه، وليس\n_________\n(١) الشاطبي: الموافقات، مج ٢، ج ٣، ص ٧.","vol":"1","page":296},{"text":"المقصود استقراء وجود ذلك المقصد في كل التصرفات والأحكام، كان اشتراط كون الاستقراء تامًّا في الكشف عن مقاصد الشارع ليس فقط عسير التحقيق، وإنما لا تدعو إليه ضرورة ولا حاجة.\n٥ - ينبغي أن يؤخذ بعين الإعتبار كون الأحكام الشرعية كثيرة تتجاذبها مقاصد كثيرة، فليس للشارع مقصد واحد في أحكامه وتصرفاته حتى نحتاج إلى استقراء تام لإثبات وجوده في كل الجزئيات والفروع، بل هناك عشرات المقاصد، منها الكلي والجزئي، ومنها العام والخاص، وهي مقاصد تتداخل أحيانًا وتتمايز أحيانًا أخرى، فلذلك نجد الأصل فيها التكامل والتعاضد، لكنها قد تتعارض أحيانًا، فنجد الفرع يتجاذبه أكثر من مقصد. وتبقى مهمة المفتي أو المجتهد هي الترجيح، فيلحق ذلك الفرع بالمقصد الأقرب إله والأنسب له. ولا يعني ذلك الطعن في كليّةِ أو عمومِ المقصد الذي لم يُنْسَب إليه؛ إذْ وصفُ العموم والكلية هنا نسبيان لا مطلقان، أي أن المراد بالعمومِ العمومُ العادي، والكلية بمعنى الإجمال المشتمل على عدد كبير-أو غير محصور -من الفروع والجزئيات والضابط له- ولماكان تحقيق المقاصد في الواقع أمرًا متأثرًا بالظروف المحيطة قد يتغير بتغيرها، كان الفرع الواحد قد يلحق تارة بمقصد ما، ويلحق تارة أخرى بمقصد آخر.","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الفَصْلُ السَّادِسُ\nدراسة تطبيقية لمسلك الاستقراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>تَمْهِيدٌ</span>\nهذا الفصل مخصص للدراسة التطبيقية لكيفية استخدام مسلك الاستقراء في\nالكشف عن مقاصد الشريعة، وستشتمل هذه الدراسة على ثلاثة محاور:\nالأول: استقراء مجموعة من علل الأحكام الضابطة لحِكْمة واحدة ليحصل العلم بعد ذلك بأن هذه الحِكْمة مقصد شرعي سعى الشارع إلى تحقيقه من تلك الأحكام، وسيكون مثال ذلك رفع الشارع الغرر وإبطاله في المعاملات. (١)\nالثاني: استقراء مجموعة أدلة أحكام مشتركة في علة واحدة بحيث يحصل العلم بأن تلك العلة مقصودة للشارع، وسيكون مثال ذلك قصد الشارع إلى رواج الطعام ومنع احتكاره. (٢)\nالثالث: استقراء مجموعة من النصوص الشرعية مشتركة في معنى واحد، لنخلص منها إلى الجزم بأن ذلك المعنى مقصد شرعي، وسيكون مثال ذلك التيسير ورفع الحرج.\n_________\n(١) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٥ - ١٢٦.\n(٢) انظر المصدر السابق، ص ١٢٦ - ١٢٧.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الأول\nاستقراء علل الأحكام الضابطة لحكمة واحدة</span>\nمن المعلوم أن العلة قد تكون هي الحِكْمة ذاتها، وذلك في حال كون الحِكْمة وصفًا ظاهرًا منضبطا، وقد تكون مظنتها، وذلك في حال كون الحِكْمة غير ظاهرة، أو غير منضبطة، فيقام مقامها وصف ظاهر منضبط يكون مظنة وجودها ويعتبر هو العلة. ومن المقرر عند الأصوليين أن العللَ ضابطةٌ لحِكَم قصدها الشارع، وقد تكون تلك الحِكَم ظاهرة متحققة، أو خفية مظنونة التحقق. وعلى ذلك قد تتعدد علل مجموعة من الأحكام، لكن الحِكْمة منها جميعًا واحدة. ويكون الاستقراء هنا لمجموعة من علل الأحكام المختلفة، لكن المستقرئ يلاحظ وجود حِكْمة مشتركة تدور حولها جميع تلك العلل، فيخلص من ذلك إلى أن هذه الحِكْمة مقصودة للشارع.\nوسيكون المثال التطبيقي لهذا النوع من الاستقراء هو تحديد موقف الشارع من الغرر في المعاملات، حيث سيتم استقراء جملة المعاملات التي نهى عنها الشارع لعلل مختلفة، ولكن عند التأمل نجد أن كل تلك العلل تجمعها حكمة واحدة، هي رفع الغرر وإبطاله في التعامل بين الناس. وسيتم الاستقراء على المستويات الآتية:\n١ - تحديد موقف الشارع من الغرر في صيغة العقد.\n٢ - تحديد موقف الشارع من الغرر في محل العقد.\n٣ - تحديد موقف الشارع من الغرر من خلال النصوص الواردة في إبطال الغرر عمومًا.\nوقبل الشروع في عملية الاستقراء ينبغي بداية تحديد مفهوم الغرر الذي ستشمله عملية الاستقراء.\nتعريف الغرر:\nالغرر لغة: الخطر أو الوقوع في الهلاك، والتغرير: حمل النفس على الغرر، يقال:","vol":"1","page":300},{"text":"غرَّر بنفسه وماله تغريرًا وتَغِرَّة: عرضهما للهلكة من غير أن يعرف، والإسم الغرر (١)\nأما اصطلاحًا: فهو\"بيع ما لا يعلم حصوله، أو لا يقدر على تسليمه، أو لا يعرف حقيقة مقداره\". (٢)\nوالغرر مراتب: فمنه الغرر اليسير الذي يُتَسامح في مثله عادة، وهو الغرر الذي لا تكاد تخلو منه معاملة عادة، وهناك الغرر الفاحش الذي يضر بمصلحة أحد المتعاقدين أوكلميهما، وهو الذي لا يُتَسامح في مثله عادة، وهناك مراتب بين هذين الطرفين قد يختلف العلماء في إلحاق كل منها بالطرف الأول (المعفو عنه)، أو بالطرف الثاني (الذي جاء الشارع بإبطاله). والغرر المعنيّ بالاستقراء هنا هو الغرر الفاحش، وما أُلحِق به.\nأولًا - الغرر في صيغة العقد،\nالمراد بالغرر في صيغة العقد أن ينعقد العقد على صفة تجعل فيه غررًا، أي أن الغرر يتصل بنفس العقد لا بمحله. ويتضمن الغرر في صيغة العقد خمسة أنواع: بيعتان في بيعة، بيع العربان، بيع الحصاة، بيع الملامسة، بيع المنابذة.\n١ - بيعتان في بيعة:\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نَهى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ\" (٣)\nوقد اتفق الفقهاء جميعًا على القول بموجَب أحاديث النهي عن بيعتين في بيعة، فمنعوا أن يبيع الشخص بيعتين في بيعة لما في ذلك من غرر ولكنهم اختلفوا في تفسير الصور التي يطلق عليها هذا الإسم والتي لا يطلق عليها. (٤)\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب، ج ٥، ص ١١ وما بعدها.\n(٢) ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ١٥، ١٩٨٧ م)، ج ٥، ص ٨١٨.\n(٣) رواه الترمذي: سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب (١٨): ج ٣، ص ٥٣٣.\n(٤) انظر تفصيل المسألة في ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١١٥. فالبعض يرى أن معناها أن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدًا، وبخمسة عشر إلى سنة، فيقول المشتري: قبلت من غير أن يعين بأي ثمن اشترى. وقال البعض معناها أن يبيع الرجل سلعة لآخر على أن يبيعه الآخر سلعة أخرى، كأن يقول له: بعتك هذه الدار بألف على أن تبيعني سيارتك هذه بخمسمائة. وقال البعض الآخر معناها أن يتناول عقد البيع بيعتين على إلَّا تتم منهما إلَّا واحدة مع لزوم العقد.","vol":"1","page":301},{"text":"٢ - بيع العربان:\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - \"نهى عَنْ بَيْعِ العرْبَانِ\". (١)\n٣ - بيع الحصاة:\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (٢)\n٤ - بيع الملامسة:\n(١) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: \"نَهَى عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ\". (٣)\n_________\n(١) البيهقي: السنن الكبري، ٥ ج، ص ٣٤٢. والحديث ضعيف لأنه لا يسلم طريق من الطرق التي روي بها؛ فرواية الإمام مالك في سندها انقطاع، وروايتي ابن ماجة والدارقطني في سنديهما ضعفاء، ولذلك لم ياخذ به بعض الفقهاء، ومنهم الإمام أحمد. أما الجمهور الذين أخذوا به فعلى أساس أنه ورد من طرق عديدة، وأن تلك الطرق وإن كان كل منها فيه ضعف، إلَّا أنها يقوي بعضُها بعضا. انظر الشوكاني،: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٣٦ - ٢٣٧.\nوبيع العربان أو العربون هو أن يشتري الرجل السلعة ويدفع إلى البائع مبلغا من المال، على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبا من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع. انظر ابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٥٦؛ والرملي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (بيروت: المكتبة الإسلامية، د. ط، د. ت)، ج ٣، ص ٤٥٩.\nوقد اختلف الفقهاء في حكمه: فمنعه المالكية والحنفية والشافعية وهو قول جمهور الفقهاء. انظر ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١٢٢، والرملي: نهاية المحتاج، ج ٣، ص ٤٥٩؛ وأبو الوليد الباجي: المنتقى شرح الموطأ، (مصر: مطبعة السعادة، ط ١، ١٣٣١ هـ)، ج ٤، ص ١٤٢. وأجازه الإمام أحمد. وروي عن جماعة من التابعين أنهم أجازوه منهم: مجاهد، وابن سيرين، ونافع بن الحارث، وزيد بن أسلم. انظر ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١٢٢؛ وابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٥٧.\n(٢) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٢)، ج ٣، ص ١١٥٣. ولبيع الحصاة معنيان: الأول: أن يقول البائع للمشتري إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وجب البيع فيما بيني وبينك. والثاني: أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي. انظر ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١١١. وقد اتفق الفقهاء على العمل بموجَب الحديث المتقدم فمنعوا بيع الحصاة لما فيه من غرر فاحش. انظر ابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٢٩.\n(٣) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (١)، ج ٣، ص ١١٥١. ولبيع الملامسة ثلاثة معان:\n١ - أن يشتري المشتري الثوب باللمس فقط ولا ينظر إليه.\n٢ - أن يلمس الثوب بيده ولا ينشره ولا يقلبه، فإذا مسه فقد وجب البيع.\n٣ - أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها. وهذا البيع مجمَع على تحريمه وفساده لما فيه من غرر فاحش. انظر ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١١١، والضرير، الصديق محمد الأمين: الغرر وأثره في العقود في الفقه الإِسلامي، (الخرطوم: الدار السودانية للكتب، ١٩٩٠ م)، ص ١٢٩ - ١٣٥.","vol":"1","page":302},{"text":"٥ - بيع المنابذة:\nعن أبي سعيد الخدري قال: \" ... نَهَى (رسول الله - ﷺ -) عَنْ المُلاَمَسَةِ والمُنَابَذَةِ فَي البَيْعِ ... والمنابذة (١) أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر إليه بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض\". (٢)\nقال الشوكاني: \"والعلة في النهي عن الملامسة والمنابذة الغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس\". (٣)\nثانيا - الغرر في محل العقد:\nمحل العقد أو المعقود عليه هو ما يثبت فيه أثر العقد وحكمه، والمعقود عليه يُطْلَق على ما يشمل البدلين في عقود المعاوضات. وأهم صور الجهالة في محل العقد هي: الجهل بذات المحل، والجهل بجنس المحل، والجهل بمقدار المحل، والجهل بالأجل، وعدم القدرة على تسليم المحل.\n١ - الجهل بجنس المحل:\nجهالة جنس المحل هي أفحش أنواع الجهالات، لأنها تتضمن جهالة الذات والنوع والصفة؛ ولذا اتفق الفقهاء على أن العلم بجنس المبيع شرط لصحة البيع، فلا يصح بيع مجهول الجنس لما في ذلك من الغرر الكثير (٤)\n_________\n(١) ذكر الفقهاء لبيع المنابذه ثلاثة معان:\n١ - طرح الرجل ثوبه بالبغ إلى الرجل فبل أن يقلبه أو بنظر فيه.\n٢ - أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه.\n٣ - أن يقول: إذا نبذت إليك الشيء فقد وجب البيع بيني وبينك. انظر ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١١١؛ ود. صديق محمد الأمين: الغرر وأثره في العقود، ص: ١٢٩ - ١٣٥. وقد اتفق الفقهاء على منعه لما فيه من غرر فاحش ولورود النهي عنه في الحديث الصحيح. انظر ابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٠٧.\n(٢) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (١)، ج ٣، ص ١١٥٢.\n(٣) الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٣٤.\n(٤) انظر الشيرازي، إبراهيم بن علي: المهذب، (بيروت: دار الفكر، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٢٧٠.","vol":"1","page":303},{"text":"٢ - الجهل بذات المحل:\nمن أنواع الغرر الممنوع في البيع ما يرجع إلى الجهل بذات المبيع؛ وذلك أن المبيع إذا؛ ن مجهول الذات، وإن معلوم الجنس، حصل النزاع في تعيينه. وهذا إنما يتأتى في الأشياء المتفاوتة إذا بِيعَ واحدٌ منها من غير تعيين لذاته كبيع شاة من قطيع. (١)\nوهذا النوع من البيع فاسد عند فقهاء المذاهب الأربعة لا يترتب عليه أثره بسبب الغرر الفاحش فيه. (٢)\n٣ - الجهل بمقدار المحل:\nالقاعدة العامة أن المحل المشار إليه، مبيعًا كان أو ثمنًا، لا يحتاج إلى معرفة قدره، فلو قال: بعتك هذه الثياب بهذه الدراهم التي في يدك، وهي مرئية له، فقبل جاز ولزم البيع مع كون الشياب والدراهم مجهولة القدر؛ لأن الإشارة كافية في وجود العلم المنافي للجهالة المفضية إلى المنازعة، أما المحل غير المشار إليه فالعلم بمقداره شرط لصحة البيع، فلا يصح بيع مجهول القدر ولا البيع بثمن مجهول القدر باتفاق المذاهب الأربعة (٣)\n٤ - الجهل بالأجل:\nلا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العلم بالأجل في البيع المؤجل ثمنه، وفي أن الجهل بالأجل من الغرر الفاحش الممنوع في البيع، وإن اختلفوا في بعض جزئيات الجهالة. (٤)\n_________\n(١) ابن رشد: بداية المجتهد، ج ٢، ص ١١١.\n(٢) انظر الكاساني: بدائع الصنائع، ج ٥، ص ١٥٦؛ والشيرازي: المهذب، ج ١، ص ٢٧٠؛ وابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ١٣١.\n(٣) انظر القرافي؛ الفروق، ج ٣، ص ٢٦٥؛ والشيرازي: المهذب، ج ١، ص ٢٧١ - ٢٧٢؛ والكاساني: بدائع الصنائع، ج ٥، ص ١٥٨، ١٧٨.\n(٤) انظر الشيرازي: المهذب، ج ١، ص ٢٧٣؛ والقرافي: الفروق، ج ٣، ص ٢٦٥ - ٢٦٦؛ وابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٩٠، وابن حزم: المحلى، (بيروت: دار الآفاق الجديد، د. ط، د. ت)، ج ٨، ص ٤٤٤.","vol":"1","page":304},{"text":"٥ - عدم القدرة على تسليم المحل:\nاتفق جمهورالفقهاء على أن القدرة على قسليم المحل شرط في البيع، فلا يصح بيع ما لا يقدر على قسليمه كالبعير الشارد الذي لا يعلم مكانه (١)، وخالف الظاهرية الجمهور فلم يشترطوا القدرة على التسليم لصحة البيع. (٢)\nبعد بيان أهم صور الجهالة في محل العقد التي تكون عرضة للغرر الفاحش، يأتي استعراض أهمّ المعاملات التي أبطلها الشارع بسبب علّة أو أكثر من العلل الداخلة تحت مُسمَّى الغرر في محل العقد.\n١ - النهي عن المزابنة (٣) في قول رسول الله - ﷺ - لمن مسألة عن بيع التمر بالرطب: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذاَ جَفَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إِذَنْ\". (٤) والعلة مما الجهل بمقدار أَحَد العوضين، وهو الرطب منهما المبيع باليابس. (٥)\n٣ - النهي عن بيع الثنيا: فني حديث جابر أن رسول الله - ﷺ - نهى عَن المُحَاقَلَةِ، (٦) والمُزَابَنَةِ، (٧) والمُخَابَرَةِ، (٨) وعَنِ الثّنْيَا إِلّا أَنْ تعلَمَ\". (٩) والثنيا المراد بها الإستثناء في البيع، وذلك أن يبيع الرجل شيئًا ويستثني بعضَه، ويكون ذلك البعض\n_________\n(١) انظر الباجي: المنتقى، ج ٥، ص ٤١؛ والشيرازي: المهذب، ج ١، ٢٧٠؛ وابن قدامة: المغني، ج ٤، ص ٢٢٢.\n(٢) انظر ابن حزم: المحلى، ج ٨، ص ٣٨٨.\n(٣) اختلف الفقهاء في تفسير المزابنة وخلاصة ذلك أنها: بيع معلوم القدر بمجهول القدر من جنسه، أو بيع مجهول القدر بمجهول القدر من جنسه، كبيع الرطب على النخل بتمر مجذوذ عُلِم مقدار أحدهما أم لم يُعلم. انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٦٣، ٢٨٩.\n(٤) رواه مالك بن أنس: الموطأ، كتاب البيوع، باب: \"ما يكره من بيع الثمر\"، ج ٢، ص ٤٢٩.\n(٥) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٥.\n(٦) المحاقلة لغة: بيع الزرع في سنبله بالبُر. الرازي: مختار الصحاح، ص ٦٢. واصطلاحًا هي: بيع الحب في سنبله بجنسه خرصًا. وقيل المحاقلة كراء الأرض. انظر الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف الكويتية، ج ٩، ص ١٣٨.\n(٧) المزابنة في اللغة مأخوذة من \"الزبن\" وهو الدفع. انظر الرازي: مختار الصحاح، ص ١١٣. وفي الإصطلاح هي: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر الجذوذ. انظر الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقات الكويتية، ج ٩، ص ١٣٩.\n(٨) المخابرة هي المزارعة ببعض الخراج من الأرض. انظر الرازي: مختار الصحاح، ص ٧١.\n(٩) رواه النسائي: سنن النسائي، كتاب البيوع، باب (٧٤)، ج ٧، ص ٢٩٦.","vol":"1","page":305},{"text":"مجهول القدر (١)، فيصير المبيع غير معلوم، وتكون علة النهي هنا هي الجهل بمقدار محل البيع.\n٣ - عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد قال: \"نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ شِرَاءَ مَا فِي بُطُونِ الأَنْعَامَ حَتّى تَضَعَ ... وعَنْ شِراء العَبْدِ وهُو آبِق، وعَنْ شِرَاء المَغَانِمِ حَتّى تُقسّم، وعَنْ شِرَى الصَّدَقَاتِ حَتّى تُقْبَضَ، وعَنْ ضرْبَةِ الغَائِصِ (٢) \" (٣) والعلّة في كل هذا عدم القدرة على التسليم.\n٤ - النهي عن بيع حبل الحبلة: فعن ابن عمر قال: \"نهي رسول الله - ﷺ - عن بيع حبل الحبلة\". (٤) والنهي عن بيع حبل الحبلة لا تخرج علّته -على كل التفسيرات التي ذكرها العلماء له- (٥) عن جهالة الأجل، أو لكونه معدومًا ومجهولًا وغير مقدور على تسليمه. (٦)\n٥ - النهي عن أن يبيع الإنسان ما ليس عنده: فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَا يَحِلّ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، ولَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمن\". (٧) والمراد بما ليس عندك ما ليس في مِلْكِكَ وقدرتك. (٨) وعلة إبطاله عدم القدرة على التسليم.\n٦ - النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها: وقد وردت فيه أحاديث كثيرة، منها ما رواه أنس بن مالك: \"أَنّ النَّبِيّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَة حَتّى تُزهِيَ، قَالُوا: مَا تُزهِي؟\n_________\n(١) انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٣٤.\n(٢) الغائص والغوَّاص من يغوص في البحر لإستخراج اللؤلؤ. الرازي: نحتار الصحاح، ص ٢٠٢. وضربة الغائص هي أن يقول البائع: أغوص غوصة فما أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا. انظر الموسوعة الفقهية لوزارة الأوقاف الكويتية، ج ٩، ص ١٦٠.\n(٣) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب التجارات، باب (٢٤)، ج ٢، ص ١، الحديث (٢١٩٦).\n(٤) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٣)، ج ٣، ص ١١٥٣، الحديث (١٥١٤).\n(٥) انظر اختلاف العلماء في تفسير المراد بحبل الحبلة في: الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٦) انظر المصدر السابق، ج ٦، ص ٢٣١.\n(٧) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب التجارات، باب (٢٠)، ج ٢، ص ١٣، الحديث (٢١٨٨).\n(٨) انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٣٩.","vol":"1","page":306},{"text":"قَال: تَحْمَرّ فَقَالَ: إِذاَ مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ فَبِمَ تَسْتَحِلّ مَالَ أَخِيكَ\". (١) وعلة النهي هنا هي احتمال فساد الثمار قبل النضج، وفي ذلك ما فيه من الغرر، إذْ يرجع البائع بالثمن كاملًا، ويذهب المشتري بلا شيء.\n٧ - النهي عن بيع عسب الفحل: فعن جابر - ﵁ - قال: \"نَهَي رَسُول الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الجَمَلِ\" (٢)\nقال الشوكاني في بيان علّة هذا النهي: \"وأحاديث الباب تدل على أن بيع ماء الفحل وإجارته حرام لأنه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه، وإليه ذهب الجمهور\". (٣)\n٨ - تقييد السَّلَم بما يرفع عنه الغرر: عقد السلم من العقود التي تعارف عليها العرب قبل مجيء الإِسلام. وقد أقره الإِسلام، لكنه أدخل عليه بعض التعديلات دفعًا لما فيه من غرر وذلك بتحديد مواصفات المُسْلَم فيه، وتحديد مقداره، وأجلِ السَّلّم. فعن ابن عباس أنه قال: \"قدم النبي - ﷺ - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: \"مَنْ أَسْلَفَ فَي تَمرِ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ معلُومٍ، وَوَزْن مَعلُومٍ، إِلى أَجَلٍ مَعلُومٍ\" (٤)\n٩ - وجوب بيان العيوب التي بالمبيع: وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها ما رواه عقبة بن عامر قال: سمعت النبي - ﷺ - يقوله: \"المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا وَفَيهِ عَيْبٌ إِلّا بيَّنَهُ لَهُ\". (٥)\n١٠ - إبطال التصرية: وقد وردت في ذلك أحاديث منها: ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرّاةً (٦) فَهُوَ بِخَيْر النَّظَرَيْنِ: إِنْ شَاءَ أَمسَكَهَا، وَإِنْ\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (٣)، ج ٣، ص ١١٩٠، الحديث (١٥٥٤) (١٥).\n(٢) رواه النسائي: سنن النسائي، كتاب البيوع، باب (٩٤)، ج ٧، ص ٣١٠.\n(٣) الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٢٩.\n(٤) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (٢٥)، ج ٣، ص ١٢٢٦ - ١٢٢٧، الحديث (١٦٠٤).\n(٥) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب التجارات، باب (٤٥)، ج ٢، ص ٢٤، الحديث (٢٢٤٦).\n(٦) يقال: \"صرَّى\" الشاة \"تصرية\" إذا لم يحلبها أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها. الرازي: مختار الصحاح، ص ١٥٢.","vol":"1","page":307},{"text":"شَاءَ رَدّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ\" (١) وعلة التحريم هنا ما في التصرية من تغرير بالمشتري بإظهار كون الشاة (أو الناقة أو البقرة) حَلُوبًا، وهي في واقع الأمر ليس كذلك.\n١١ - جواز الرّدّ بالعيب: ومن الأدلة على ذلك ما روي عن سمرة بن جندب: \"أن رجلًا اشترى عبدًا فاستغلّه، ثم وجد به عيبًا فردّه، فقال: يا رسول الله إنه قد استغلّ غلامي، فقال رسول الله - ﷺ - \"الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ\". (٢) وعلّة جواز الردّ هنا ما كان من البائع من تغرير بالمشتري بعدم بيان العيب الذي في المبيع.\n١٣ - إباحة القيام بالغبن: ويجمع ما سبق في إبطال الغرر في المعاملات حديث ابن عمر قال: \"ذَكَرَ رجلٌ لرسول الله - ﷺ - أنه يُخدع في البيوع، فقال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خَلاَبَةَ\". (٣) وقد اختلف العلماء في جواز شرط الرّدّ بالغبن، بناءً\nعلى اختلافهم في هذه الحادثة هل هي خاصة بهذا الصحابي، أم عامة؟ (٤)\nثالثًا - النصوص الواردة في الغرر في القرآن الكريم والسنة النبوية:\nلم تَرِدْ في القرآن الكريم نصوص خاصة في حُكْم الغرر أو في حُكْم جزئية من جزئياته، بل وردت نصوص عامة تدخل تحتها جميع الأحكام الجزئية التي ذكرها الفقهاء في الغرر المنهي عنه، وهي الآيات التي تنهي عن أكل أموال الناس بالباطل، ومنها:\n- قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].\n- وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].\nوالغرر بكل جزئياته وتفاصيله -من غير شكّ- داخل تحت أَكْل أموال الناس\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٧)، ج ٣، ص ١١٥٨، الحديث (١٥٢٤) (٢٦).\n(٢) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب التجارات، باب (٤٣)، ج ٢، ص ٢٣، (٢٢٤٣).\n(٣) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (١٢)، ج ٣، ص ١١٦، الحديث (١٥٣٣). والرجل قيل هو حبان بن منقذ، وقيل بل هو منقذ والد حبان، ومعنى لا خلابة، أي لا خديعة. انظر الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٧١.\n(٤) انظر تفصيل ذلك في الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٧١ - ٢٧٢.","vol":"1","page":308},{"text":"بالباطل فيكون منهيًّا عنه.\nأها في السنّة المطهرة فقد وردت أحاديث كثيرة تنهي عن الغرر بوصف عام وما اشتمل عليه من معاملات، منها:\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الحصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (١)\n٢ - عن ابن عباس - ﵁ - قال: \"نَهَى رُسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (٢)\n٣ - عن ابن عمر﵄ -: \"نَهَى رُسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (٣)\n٤ - عن سعيد بن المسيب: \"أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ\" (٤)\nنتيجة الاستقراء:\nمن خلال بها تَمَّ استقراؤه من المعاملات التي أبطلها الشارع لِعِلَلٍ مختلفة تشترك كلمها في عنصر واحد، هو منع الغرر، وكذلك النصوص التي وردت في النهي عن الغرر يمكن الخلوص إلى أن الغرر واحد من أهم مفسدات العقود، ذلك أن العقود شُرِعت لتحقيق مصالح الناس وتلبية حاجاتهم، فإذا أقدم شخص على عَقْدٍ فإنما ذلك لحاجة إلى المعقود عليه، وحاجات الناس تختلف من شخص لآخر، فإذا قصد شخص عقدًا فإنما يقصد من المعقود عليه بها تتوافر فيه المواصفات والشروط التي تُلبِّي رغبته وتسدّ حاجته، وذلك يقتضي أن يكون المعقود عليه واضحًا تمام الوضوح للعاقد، ومأمون الحصول له، وأن تكون صيغة العقد سليمة وواضحة تفي بالغرض وتمنع التنازع. فإذا دخل الغرر صيغة العقد أو محلّه لم يَعُد العاقد على بيِّنةٍ من أمره فيما هو مقبل عليه مما قد يؤدي إلى إلى الإضرار به وغبنه، أو إلى حدوث نزاع بين العاقدين. وبناءً على ذلك يمكن الجزم بأن من مقاصد الشارع رفع الغرر وإبطاله، في معاملة اشتملت على غرر فاحش، أي غير معفوٍّ عنه، فهي معاملة\nباطلة في حُكْم الشرع.\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٢)، ج ٣، ص ١١٥٣، الحديث (١٥١٣).\n(٢) رواه ابن ماجه: سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب (٢٣)، ج ٢، ص ١٤ - ١٥، الحديث (٢١٩٥).\n(٣) رواه البيهقي: السنن الكبرى، ج ٥، ص ٣٣٨.\n(٤) رواه البيهقي: السنن الكبرى، ج ٥، ص ٣٣٨.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثاني\nاستقراء أدلة أحكام اشتركت في علة واحدة</span>\nسيكون الهدف من هذا الاستقراء استقراء أدلّة مشتركة في علّة واحدة، بحيث يحصل لنا العلم بأن تلك العلة مقصد من مقاصد الشارع. وسيكون مثال ذلك تحديد موقف الشارع من رواج الطعام في الأسواق، ويتم ذلك من خلال استقراء أدلة أحكام المعاملات الآتية:\nالنهي عن الإحتكار:\nوقد وردت في ذلك أحاديث منها ما رُوِي أن النبي - ﷺ - قال: \"لَا يَحْتَكِرُ إِلّا خَاطِئٌ\" (١) وعلة النهي عن ذلك ما يوُدي إليه من إقلال الطعام في الأسواق (٢) فترتفع أسعاره.\nالنهي عن تلقى الرُّكْبَان:\nومن ذلك حديث ابن عمر - ﵄ -: \"أَنّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى أَنْ تُتلقَّي السِّلَعُ حَتّى تَبْلغُ الأَسْوَاقَ\". (٣) ومن علل النهي عن تلقي الركبان والجلب تيسير رواج الطعام في الأسواق بأسعار معقولة. (٤)\nالنهي عن أن يبيع حاضر لباد:\nعن جابر أن النبي - ﷺ - قال: \"لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. (٥) دَعُوا النَّاسُ يَرْزُق الله بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ\" (٦). ومن علل ذلك تيسير رواج الطعام بين الناس، ومنع تدخل السماسرة لإغلاء أسعار السلع. (٧)\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (٢٦)، ج ٣، ص ١٢٢٨.\n(٢) انظر محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٦.\n(٣) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٥)، ج ٣، ص ١١٥٦.\n(٤) انظر ما قيل في علة النهي عن هذا النوع من البيع في: الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(٥) الحاضر: ساكن الحضر، والبادي ساكن البادية.\n(٦) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٦)، ج ٣، ص ١١٥٧.\n(٧) انظر أقوال العلماء في هذا النوع من البيع في: الشوكاني: نيل الأوطار، ج ٦، ص ٢٤٩ - ٢٥٠.","vol":"1","page":310},{"text":"النهي عن بيع الطعام قبل قبضه:\nوقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها حديث ابن عباس أن سول الله - ﷺ - قال: \"مَن ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْعْهُ حَتّى يَسْتَوْفِيَهُ\". (١) ومن علل هذا النهي طلب رواج الطعام في الأسواق. (٢)\nنتيجة الاستقراء:\nمن خلال استقراء موقف الشارع من هذه المعاملات يتبين لنا أن الشارع قاصدٌ إلى تسهيل عملية رواج الطعام في الأسواق، والسعي إلى منع الإحتكار في أقوات الناس، ومنع كل معاملة يمكن أن تحون نتيجتها مشابهة لما ينتج عن الإحتكار من إغلاء الأسعار وما ينتج عن ذلك من إضرار بالناس.\nوعلّة حرص الشارع على رواج الطعام، أن الرواج يؤدي إلى وفرة الطعام في الأسواق، والوفرة تؤدي إلى رخاء الأسعار بما يُيَسِّر حياة الناس، خاصة الطبقة الفقيرة والمتوسطة. وفي المقابل، التضييق من دائرة رواج الطعام يؤدي إلى قلة العرض، الذي يؤدي بدوره إلى كثرة الطلب، فغلاء الأسعار وفي ذلك ما فيه من الإضرار بالناس والتعسير عليهم.\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (٨)، ج ٣، ص ١١٥٩.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإِسلامية، ص ١٢٦.","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الثالث\nاستقراء مجموعة من النصوص الشرعية المشتركة في معنى واحد</span>\nوسيكون مثال هذا النوع من الاستقراء استقراء مقصد التيسير ورفع الحرج في الشريعة الإِسلامية. وقبل الشروع كما استقراء النصوص والأحكام التي جاءت مقررة لذلك، ينبغي تحديد مفهوم التيسير في الشريعة الإِسلامية، حتى تسهل عملية الاستقراء من جهة، وبُسد باب الطعون والإعتراضات التي قد تثار حول ثبوت هذا المقصد وتقريره في أحكام الشريعة الإِسلامية من جهة ثانية.\nمفهوم التيسير في الشريعة الإِسلامية:\n١ - ليس معنى كون التيسير من مقاصد الشارع أن تجري الأمور كلها على التيسير، وأن يُعَامل كلّ الناس في كلِّ الظروف والأحوال باليُسر وإنما المقصود تطبيق التيسير حيث تتوفر شروطه، فالتيسير مقصد شريها عام، لكنه كغيره من المبادئ لا بُدّ له من توفر شروط قطبيقه. فإذا لم يُطبق عند عدم توفر شروطه، فليس معنى ذلك تخلف مبدأ التيسير وانخرام عمومه، ولكن معنى ذلك أن ظروف الشخص أو الفعل تقتضي الحزم أو التشديد بدل التيسير.\n٢ - أبرز ما يمكن أن يُعْتَرَض به على اتصاف الشريعة الإِسلامية باليسر بعض الحدود في نظام العقوبات الإِسلامي؛ لما فيها من صرامة في الضرب على أيدي المجرمين. ويُقال في الردّ على ذلك: إن مراعاة اليسير إنما تكون في الظروف الإعتيادية، أو الظروف القاهرة للإنسان، أما في الحالات التي يكون فيها التيسير مؤديًّا إلى تضييع حقوق الغير وإفساد حياة الناس، فإن الأمر يصير خارج نطاق التيسير؛ إذْ في التيسير على الظالم أو الجاني تعسير على المظلومين أو المجني عليهم. وليس اعتبار التيسير في حق الجاني بأولى من اعتباره في جانب المجني عليهم. فليس في الضرب على يَدِ الجاني والتشديد عليه خرق لمبدأ التيسير إنما هو عين حفظ هذا المبدأ، لكن لا بالنسبة للجاني، إنما للمجني عليهم. والتيسير على كل المجتمع أولى وأجدر بالاعتبار من التيسير على زمرة من المجرمين.","vol":"1","page":312},{"text":"والشريعة في الحقيقة غير قاصدة إلى التعسير على الجاني ولا الإضرار به، وإنما هو الذي قصد إلى التعسير على نفسه، ورغب في ذلك بما جناه على نفسه من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].\nبل إن المتأمل في نظام العقوبات -سواء في الشريعة الإِسلامية أو في غيرها من الشرائع- يجد أنه إنما قُصِد به التيسير على الناس في حياتهم، بمنع ما يكدِّر صفوها، والضرب على يَدِ كلّ من يقصد إلى ذلك. فنظام العقوبات -إذًا- قصده الأسمى هو التيسير، والعبرة في الأمور بمقاصدها العليا، دون مراعاةٍ لما يعترض المسالك إليها من مشقة أو عسر ما دام مُحْتَمَلًا ودون المقصد الأعلى، فالضرر الأخف يحتمل في سبيل النفع الأعظم.\n٣ - يجب التفريق بين كون الشارع قاصدًا إلى التيسير وأنّ ذلك قد تَمَّ فيما نص عليه من أحدم، ومدى مراعاة المجتهد بعد ذلك لهذا المبدأ العام فيما يستنبطه من أحكام، فهو -أي المجتهد- يتلمَّس اكتشاف الظروف المناسبة والشروط اللازمة لتطبيق هذا المبدأ، فإذا أخطأ في التطبيق فإن ذلك لا يمكن أن يُعدّ طعنًا في المبدأ الثابت.\nمجالات الاستقراء:\nيجد المتتبع لجوانب التيسير في القرآن الكريم والسنّة النبوية أنها من السّعة والشمول بحيث تغطّي جانبي العادات والعبادات، وأحكام الحياة الدنيا والآخرة، كما أنها تشمل أحدم الشارع وتصرفات المكلفين. وبناءً على ذلك سيتضمن الاستقراء المجالات الآتية:\n١ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة باليسر.\n٢ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة بالحنيفية والسماحة.\n٣ - اتصاف الرسول - ﷺ - بالتيسير.\n٤ - التيسير على هذه الأمة برفع الأغلال التي وُضِعَت على الأمم السابقة.","vol":"1","page":313},{"text":"٥ - عدم التكليف بما لا يُطاق.\n٦ - وجود مرتبة العفو في التشريع.\n٧ - الترغيب في معاملة الناس بيسر.\n٨ - تيسير سبيل المؤمنين.\n٩ - النهي عن التشدد والتنطع.\n١٠ - وجود الرخص الشرعية سواء في العبادات أو في العادات.\n١١ - التدرّج في التشريع.\n١٣ - شرع الكفارات.\n١٣ - شرع التوبة.\n١٤ - تيسير الحساب على المؤمنين.\n١ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة باليسر:\nفقد وردت نصوص بصيغ العموم تخبر أن هذه الشريعة يسر وأنها إنما قُصِد بإنزالها التيسير على الناس، ومنها:\n- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].\n- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَال: \"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلبَهُ فَسَدَّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ (١) \" (٢)\n- عن أبي عُرْوَةَ قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَخَرَجَ رَجِلًا يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ فَصَلَّى فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ يَا رَسُولَ الله أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا\n_________\n(١) الدلجة: الإسم من فعل \"أدلج\"، أي سار من أول الليل. انظر الرازي: مخنار الصحاح، ص ٨٧.\n(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الأيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨، الحديث (٣٩).","vol":"1","page":314},{"text":"فَقَال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ دِينَ الله -﷿- فَي يُسْرٍ ثَلاَثًا\". (١)\n- عن مِحجَن بْن الأَدْرَعَ قال: بَعَثَني نَبِيُّ الله - ﷺ - فِي حَاجَةٍ ثُمَّ عَرض لِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ قَال: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى صَعِدنَا أُحُدًا فَأَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَال: \"وَيْلُ أُمِّهَا قَريَةً يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا قَالَ: يَزِيدُ كَأَيْنَعِ مَا تَكُونُ قَالَ: قُلْتُ: يا نَبِيَّ الله مَنْ يَأْكُلُ ثَمَرَتَها قَالَ: عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعُ. قَالَ: وَلاَ يَدخُلُها الدَّجَّال كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَها تَلَقَّاهُ بِكُلِّ نَقْبٍ مِنْها مَلَكٌّ مُصْلِتًا قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ: إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي قَالَ: أَتَقُولُهُ صَادِقًا قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبيَّ الله هذَا فُلاَن وَهذَا مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ قَالَ: أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلاَةً قَالَ: لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا إِنَّكم أُمَّة أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ\". (٢)\n- عَنْ عَائِشَة - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الله -﷿- يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمر كُلِّهِ\". (٣)\n٢ - النصوص التي جاءت في وصف الشريعة بالسماحة\nوكون الشريعة سمحة يعني أنها يسيرة ميسرة، ومما ورد في هذا:\n- أخرج البخاري معلقا قَوْل النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى الله الحنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ\" (٤)\n- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -: أَيُّ الأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: \"الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ\". (٥)\n- عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَاهُ قَالَ: فَمَرَّ رَجُلٌ بِغَارٍ فِيهِ شيءٌ مِنْ مَاءٍ قَالَ: فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُقِيمَ فِي ذَلِكَ الْغَارِ فَيَقُوتُهُ مَا كَانَ\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند البصريين، ج ١٥، ص ٢٨٢.\n(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند البصريين، ج ١٥، ص ١٨٧.\n(٣) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند عائشة، ج ١٧، ص ٢٢٨.\n(٤) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب (٣٠)، مج ١، ج ١، ص ١٨، قبل الحديث (٣٩).\n(٥) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند بني هاشم، ج ٢، ص ٥٢٢.","vol":"1","page":315},{"text":"فِيهِ مِنْ مَاءٍ وَيُصِيبُ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْبَقْلِ وَيَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنِّي أَتَيْتُ نَبِيَّ الله - ﷺ - فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ أَذِنَ لِي فَعَلْتُ وَإِلاَّ لَمْ أَفْعَلْ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: يا نَبِيَّ الله إِنِّي مَررْتُ بِغَارٍ فِيهِ مَا يَقُوتُنِي مِنَ الْمَاءِ وَالْبَقْلِ فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِأَنْ أُقِيمَ فِيهِ وَأَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلاَ بالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَكِنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمحَةِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: وَلَمُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِهِ سِتِّينَ سَنَةً\". (١)\n٣ - اتصاف الرسول - ﷺ - بالتيسير\nفقد وُصِف حامل رسالة الإِسلام ومبلغها بأنه إنما جاء ميسِّرًا، وأنه كان يُفضِّل اليُسر في الأمور كلها ما لم تخرج عن إطار الحلال، ومما ورد في ذلك:\n- ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n- ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ [الحجرات: ٧].\n- ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]\n- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ نَبِيَّ الله - ﷺ - كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعمَلَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَسْتَنَّ النَّاسُ بِهِ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ يُحِبُّ مَا خُفِّفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ\". (٢)\n- عن عُروَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - خَرَجَ مِنْ جَوْفِ.\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٦، ص ٢٦١.\n(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٧، ص ٢١٨.","vol":"1","page":316},{"text":"اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَال بِصَلاَتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فَاجْتَمَعَ أَكثَرُ مِنْهُم فَخَرَجَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَأَصبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ فَصلَوْا بِصَلاَتِهِ فَلَمَّا كاَنَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ فَلَم يَخْرُجْ إِلَيْهمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُم يَقُولُونَ الصَّلَاةَ فَلَم يَخْرُجْ إِلَيْهم رَسُولُ الله - ﷺ - حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ فَلَمَّا قَفَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ: \"أَمَّا بَعدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا\". (١)\n- عَنِ ابْنِ شهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَمرَيْنِ إِلأَ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كاَنَ الإِثْمُ كاَنَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ والله مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ الله فَيَنْتَقِمُ لله\". (٢)\n٤ - التيسير على هذه الأمة برفع الأغلال التي وضعت على الأمم السابقة:\nومن مظاهر التيسير في هذه الشريعة أنها جاءت رافعة لكلّ الأغلال والتكاليف الشّاقّة التي فُرِضَت على الأمم السابقة عقوبة لهم، ومما ورد فى ذلك:\n- ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\n- ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n٥ - عدم التكليف بما لا يطاق:\nومن مظاهر التيسير أن الشريعة لم تحلف أحدًا بما هو فوق طاقته، فإذا خرج العمل عن حدود الطاقة خرج عن حدود التكليف، ومما ورد في ذلك:\n- ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n- ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب (٢٥)، ج ١، ص ٥٢٤.\n(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب (١١)، مج ٤، ج ٨، ص ٣٢٨ - ٣٢٩.","vol":"1","page":317},{"text":"٦ - وجود مرتبة العفو في التشريع:\n- عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ الله -﷿- فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوها، وَحَرَّمَ أشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوها، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْر نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا\". (١)\n- عَنْ عَلِيّ بنِ أبي طَالِب - ﵁ - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: لَا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١] (٢)\n- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: \"يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالى فَرَضَ عَلَيْكُم الحَجَّ\"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَجَعَلَ يُعرِضُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: \"لَوْ قُلْتُ: نَعَم، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُفتُم بِهَا، ثُمَّ قَالَ: دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكم سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى أَنبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأمرٍ فَأْتُوُهُ مَا اسْتَطَعتُم، وَإِذَا نَهيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوه\". (٣)\n٧ - الترغيب في معاملة الناس بيسر:\nولم تحتف الشريعة بتيسير أحكامها، بل أمرت المكلفين ورغَّبَتهم في تحرّي التيسير في معاملاتهم كلها، ومن ذلك:\nالتيسير على المعسرين وإنظارهم إلى زمن اليسر:\nومما جاء في ذلك:\n- ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].\n_________\n(١) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الرضاع، ج ٤، ص ١٨٣ - ١٨٤.\n(٢) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٣) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨١.","vol":"1","page":318},{"text":"- عَنْ أبي هُرَيْرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُربَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَب يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\" (١)\n- عَنْ رِبْعيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ اليمَانِ وَإِلَى أَبِي مَسْعُود الأَنْصَارِيِّ قَالَ أَحَدُهُمَا للآخَرِ: حَدّثْ مَا سَمِعتَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: لَا بَلْ حَدِّثْ أَنْتَ فَحَدَّثَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَصَدَّقَهُ الآخَرُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: \"يُؤْتى بِرَجُل يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ الله: انْظُرُوا فِي عَمَلِهِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا كُنْتُ أَعْمَلُ خَيْرًا غَيْرَ أَنَّه كَانَ لِي مَالٌ وَكُنْتُ أُخَالِطُ النَّاسَ فَمَنْ كَانَ مُوسِرًا يَسَّرْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ مُعسِرًا\nأَنْظَرتُهُ إِلَى مَيْسَرَة قَالَ الله -﷿-: أَنَا أَحَقُّ مَنْ يَسَّرَ فَغَفَرَ لَهُ ... \". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الترغيب في التيسير على العموم:</span>\nومما ورد في ذلك:\n- عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا\" (٣)\n- عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابيٌ فَبَال فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ\" (٤)\n- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسىَ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: \"يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا\". (٥)\nمخاطبة المعرضين عن الدين يقول ميسور ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب (١١)، ج ٤، ص ٢٠٧٤، الحديث (٢٦٩٩).\n(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٦، ص ٦٣٤.\n(٣) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (١٢)، مج ١، ج ١، ص ٣١، الحديث (٦٩).\n(٤) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب (٦١)، مج ١، ج ١، ص ٧٦.\n(٥) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب (١٦٤)، مج ٢، ج ٤، ص ٣٥٢.","vol":"1","page":319},{"text":"فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>العفو عن أهل الكتاب:</span>\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣].\n- ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الأمر بالتيسير على ذوي الحاجات والأعذار في الصلاة:</span>\nومما ورد في ذلك:\n- عَنْ أنَسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - نِدَاءَ صَبِيٍّ وهو فِي الصَّلَاةِ فَخَفَّفَ فَظنَنَّا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً لِلصَّبِيِّ؛ إِذْ عَلِمَ أَنَّ أمَّهُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ\". (١)\n- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبي الْعَاصِ أَنَّ آخِرَ كَلَامٍ كَلَّمَنِي بِهِ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذِ اسْتَعمَلَنِي عَلَى الطَّائِفِ فَقَالَ: \"خَفِّفِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى وَقَّتَ لي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبكَ الَّذِي خَلَقَ وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْقُرآنِ\". (٢)\n- عن جَابِر بْن عَبْدِ الله الأَنْصَارِيَّ قَالَ أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَد جَنَحَ اللَّيْلُ فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَما مُعَاذٍ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ فَانْطلَقَ الرًجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا فَقَالَ النبَّي - ﷺ -: \"يَا مُعَاذُ أَفَتَّان أَنْتَ أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاها وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ\". (٣)\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين، ج ١١، ص ٤٨ - ٤٩.\n(٢) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الشاميين، ج ١٣، ص ٥٤٥.\n(٣) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب (٦٣)، مج ١، ج ١، ص ٢١٤.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الترغيب في أن يكون الإنسان سمحًا في معاملاته:</span>\nومما ورد في ذلك:\n- عن عُبَادةَ بْنَ الصَّامِتِ أنَّ رَجُلًا أنَّ أَتَي النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يا نَبِيَّ الله أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ: \"الإِيمَانُ بالله وَتَصْدِيقٌ بِهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ\". قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: \"السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ\"، قَالَ: أُرِيدُ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ؛ \"لَا تَتَّهِمِ الله ﵎ فِي شَيءٍ قَضَى لَكَ بِهِ\". (١)\n- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الله يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمحَ الشِّرَاءِ سَمحَ الْقَضَاءِ\". (٢)\n٨ - تيسير سبيل المؤمنين\nفقد وَعَدَ الله تعالى المؤمنين العاملين بتيسير أمورهم كلها، ووعدهم باليسر\nبعدما يصيبهم من عُسْر، ومما ورد في ذلك:\n﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].\n- ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].\n- ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧].\n- ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦].\n- عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"يا غُلاَمُ أَوْ يا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهِنَّ فَقُلْتُ بَلَى. فَقَالَ احْفَظِ الله يَخفَظْكَ احْفَظِ الله تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعرًّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يعَرِفْكَ فِي الشّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كاَئِنٌ فَلَوْ أَنَّ الخلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، ج ١٦، ص ٤٠١.\n(٢) رواه الترمذي: سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب (٧٣)، ج ٢، ص ٣٩٠.","vol":"1","page":321},{"text":"يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ الله عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ الله عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\". (١)\n٩ - النهي عن التشدد والتنطع في الدين:\nومِنْ حرصِ الإِسلام على التيسير، ولِمَا يعلمُه من شَطَطِ بعضِ النفوس، نجده يحذّر من التشديد على النفس بالسير في طريق الغلو والتنطع، لما يؤدي إليه ذلك من عنت وإرهاق للنفوس، وما قد ينتج عن ذلك من انقطاع في الطريق. ومما ورد في ذلك:\n- عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الله بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ\" قَالَهَا ثَلاَثًا. (٢)\n- عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيَّ معنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا فَحَلَفَ لِي بالله إِنَّهُ\nخَطُّ أَبِيهِ فَإِذَا فِيهِ قَالَ عَبْدُ الله: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَى الْمُتَنَطِّعِينَ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - ومَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِم مِنْ أَبِي بَكر وَإنِّي لأَرَى عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ خَوْفًا عَلَيْهِم أَوْ لَهُمْ\". (٣)\n- عن أَنَس بْن مَالك - ﵁ - قَالَ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاِجِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُم تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَيْهِمْ فَقَالَ: \"أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُم كَذَا وَكَذَا أَمَّا والله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكم لَهُ لَكِنِّي أصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\". (٤)\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند بني هاشم، ج ٣، ص ٢٤٤ - ٢٤٦.\n(٢) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب العلم، باب (٤)، ج ٤، ص ٢٠٥، الحديث (٢٦٧٠).\n(٣) رواه الدارمي: سنن الدارمي، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع، ج ١، ص ٥٢.\n(٤) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب (١)، مج ٣، ج ٦، ص ٤٣٧، الحديث (٥٠٦٣).","vol":"1","page":322},{"text":"- عن أَنَس بْن مَالِكٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - \"إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفقٍ\" (١).\n- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ: \"خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا\". (٢)\n- عن عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الحَوْلاَءَ بِنْتَ تُوَيْتِ ابْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَرَّتْ بِهَا وَعِنْدَها رَسُولُ الله - ﷺ - فَقُلْتُ: هذِهِ الْحَوْلاَءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ وَزَعَمُوا أَنَّها لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا تَنَامُ اللَّيْلَ!\nخُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللهِ لَا يَسْأَمُ الله حَتَّى تَسْأَمُوا\". (٣)\n- عَنْ أنس قَالَ دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمدُودٌ بَيْنَ سَارِبَتَيْنِ فَقَالَ: مَا هَذَا قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمسَكَتْ بِهِ فَقَالَ: حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ\". (٤)\nالنهي عن الوِصَال في الصوم: فعَنْ هِشَامَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ: \"إِنِّي لَسْتُ كَهيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِ\". (٥)\nالنهي عن النَّذْر لما فيه من التشديد على النفس: فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ\". (٦)\n_________\n(١) رواه أحمد: مسند الإمام أحمد، مسند المكثرين، ج ١١، ص ٧٧ - ٧٨.\n(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٥٢)، مج ١، ج ٢، ص ٦٠٨، الحديث (١٩٧٠).\n(٣) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب (٣١)، ج ١، ص ٥٤٢، الحديث (٧٨٥).\n(٤) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب (٣١)، ج ١، ص ٥٤٢، (٧٨٤).\n(٥) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب (٤٨)، مج ١، ج ٢، ص ٦٠٦، الحديث (١٩٦٤).\n(٦) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب النذر، باب (٢)، ج ٣، ص ١٢٦٠ - ١٢٦١، (الحديث ١٦٣٩).","vol":"1","page":323},{"text":"١٠ - وجود الرخص الشرعية:\nلم يكتف الشارع بأن جعل أحكامه على العموم ميسَّرة، بل راعى ما يمكن أن يطرأ على المكلفين من ظروف قد تجعل التكاليف العادية عسيرة، فشرع الرخص لتلك الطوارئ. واستقرأ الفقهاء تلك الرخص فخوجوا منها بقاعدة فقهية تقضي بالترخيص في كلّ ما يؤدي إلى مشقة لا تُحتمل عادة، وهي قاعدة \"المشقة تجلب التيسير\"، ومما جاءت به الشريعة من الرخص:\nالترخيص في العفو والتنازل عن القصاص: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨].\nالإكتفاء بما تَيَسَّرَ في الهدي في الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].\nالإكتفاء بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم في الصلاة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزمل: ٢٠].\nالترخيص لذوي الأعذار في ترك الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].\nالترخيص في دخول بيوت الأقارب والأصدقاء بآدابه الشرعية: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ","vol":"1","page":324},{"text":"آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١]\nالترخيص في التيمم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ [المائدة: ٦].\nالترخيص في الأكل من مال اليتيم بالمعروف: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].\nاستثناء الليل من الصيام: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وتفسير هذه الآية فيما رواه أبو داود عَنِ ابْنِ عَبَّاس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَكانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النّبِيِّ - ﷺ - إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَد صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِر فَأَرَادَ الله -﷿- أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقيَ وَرُخْصَةً ومَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآيَةَ وَكانَ هذَا مِمَّا نَفَعَ الله بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ وَيَسَّرَ\" (١)\nالترخيص في الفطر لذوي الأعذار ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤].\nالترخيص في الجهاد: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: لَمَّا\n_________\n(١) رواه أبو داود: سنن أخبرنا داود، كتاب الصوم، باب (١)، ج ٢، ص ٧٣٦.","vol":"1","page":325},{"text":"نَزَلَتْ ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِم أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحدٌ مِنْ عَشَرَة فَجَاءَ التخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُم مِنَ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ\" (١)\nإنقاص عدد الصلوات من خمسين إلى خمس: فعن أنس بن مالك في حديث طويل عن الإسراء والمعراج أن الله تعالى أوحى فِيمَا أَوْحَى إلى رسول الله - ﷺ - خمسِينَ صَلاَةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمَ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ هبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا عَهِدَ إِليْكَ رَبُّكَ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ: إِنَّ أُمَّتكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَارجِع فَلْيُخَفِّف عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ فَأشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ فَعَلًا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ فَقَالَ وَهُوَ مَكانَهُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هذَا فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسىَ فَاحتَبَسَهُ فَلَم يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ... \". (٢)\nإسقاط عقوبة النجوى: عَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، قَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا تَرَى دِينَارًا\" قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ: \"فَنِصْفُ دِينَارٍ\" قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ: \"فَكَمْ\" - قُلْتُ: شَعِيرة:\nقَالَ إِنَّكَ لَزَهِيدٌ قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣]، الآيَةَ قَالَ: فَبِي خَفَّفَ الله عَنْ هذِهِ الأُمَّةِ\". وَمَعْنَى قَوْلِهِ شَعِيرَةٌ يَعْنِي وَزْنَ شَعِيرَة مِنْ ذَهبٍ. (٣)\nالترخيص في أكل المحرمات عند الضرورة: ومما ورد في ذلك:\n- ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ [الأنعام: ١١٩].\n_________\n(١) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب (٨)، مج ٣، ج ٥ ص ٢٤٣ - ٢٤٤، الحديث (٤٦٥٣).\n(٢) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب (٣٧)، مج ٤، ج ٨، ص ٥٦٧ - ٥٦٩، الحديث (٧٥١٧).\n(٣) رواه الترمذي: سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة المجادلة، ج ٥، ص ٨٠ - ٨١.","vol":"1","page":326},{"text":"- ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣].\n- ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].\n- ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥].\nالعفو عن اليمين اللغو ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥].\nرفع الخطأ والنسيان والإكراه: ومما ورد في ذلك:\n- ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].\n- ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣]\n- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].\n- عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخْطَأَ","vol":"1","page":327},{"text":"وَالنِّسيانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ\" (١)\n- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النّبَي - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتي الجْطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ\". (٢)\n١١ - التدرُّج في التَّشريع:\nومن مظاهر التيسير ما سلكه التشريع من تدرُّج في تحريم بعض العادات التي طُبِعت بها حياة العرب في الجاهلية، ويشقّ عليهم التخلي عنها مرة واحدة، ومن ذلك: التدرُّج في تحريم الربا:\n﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].\n- ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١]\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٩].\n_________\n(١) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب الطلاق، باب (١٦)، ج ١، ص ٣٧٧، الحديث (٢٠٤٣).\n(٢) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب الطلاق، باب (١٦)، ج ١، ص ٣٧٨، الحديث (٢٠٤٥).","vol":"1","page":328},{"text":"التدرج في تحريم الخمر:\n﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]،\n- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]\n- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].\n- التدرج في الدعوة: ومن ذلك التدرّج في الدعوة كما ورد في وصية رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - لما بعث معاذًا - ﵁على اليمن قال: \"إِنَّكَ تَقْدم عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تدعُوهُم إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله، فَإَذَا عَرَفُوا الله فَأَخْبِرهُم أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَواتٍ فِي يَوْمِهِم وَلَيْلَتِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا الصَّلَاةَ فَأَخْبرهُم أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِم زَكاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِم وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم، فَإِذَا أَطَاعُوا بِها فَخُذْ مِنْهُم، وَتَوّق كَرَائِمَ أَموَالِ النَّاسِ\". (١)\n١٢ - شرع الكفارات\nلما كان الإنسان مطبوعًا على الخطأ والتقصير، فإنه كثيرًا ما يتجاوز حدود الله تعالى ويقع في المحرمات، وذلك يؤدي إلى استحقاق العاصي العقوبة، ووقوعه تحت وطأة آلام الندم على ما فَرَط منه، وتيسيرًا عليه شُرعت الكفارات، والتوبة لرفع عقوبة ما وقع فيه المؤمن، ومن ذلك:\n_________\n(١) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب (٤٣)، مج ١، ج ٢، ص ٤٤٩.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>كفارة اليمين:</span>\n- ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>كفارة قتل الصيد في الحرم:</span>\n- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>كفارة القتل الخطأ:</span>\n- ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>كفارة الظِّهار:</span>\n- ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣، ٤]","vol":"1","page":330},{"text":"١٣ - شرع التوبة:\n﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]\n- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾ [الشورى: ٢٥]\n- ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤].\n- ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].\n١٤ - تيسير الحساب على المؤمنين:\nومن مظاهر التيسير على المؤمنين في الحياة الآخرة، تيسير الحساب عليهم، ومما ورد في ذلك:\n- ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الإنشقاق: ٧، ٨].\n- ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [الكهف: ٨٨].\n- عن ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائشَةَ زَوْجَ النّبِيِّ - ﷺ - كانَتْ لَا تسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعرِفَهُ وَأَنَّ النّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حُوسب عُذِّبَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الإنشقاق: ٨]، قَالَتْ: فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكِ العْرضُ وَلَحِنْ مَنْ نُوقِشَ الحسَابَ يَهْلِكْ\". (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>التيسير في المعاملات:</span>\nمع أن المعاملات في الشريعة الإِسلامية مبنيّة على التيسير ورفع الحرج، إلّا أن الشريعة -مبالغةً منها في التيسير- نصّت على مشروعية بعض المعاملات التي تقضي القواعد العامة بعدم مشروعيتها، ومن ذلك:\n_________\n(١) رواه البخاري: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب (٣٧)، مج ١، ج ١، ص ٤٢) الحديث (١٠٣).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>١ - شرع الشُّفْعة: </span>فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيك في رَبْعَة أَوْ نَخْلِ، فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ. فَإِنْ رضي أَخَذَ، وَإِنْ كَرِه تَرَكَ\" (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٢ - الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي لا انفكاك عنها في الغالب</span>، وقد تقدم الحديث عنه في المبحث الأول من هذا الفصل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٣ - شرع السَّلم: </span>فعن ابن عباس أنه قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِف فِي كَيْلٍ مَعْلُوِم، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ\". (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٤ - الترخيص في العرايا </span>(٣): فعن زيد بن ثابت - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ فِي اَلْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا\". (٤)\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٥ - شرع القرض: </span>فعَنْ أَنسَ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \"رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الجنَّةِ مَكْتُوبًا الصَدَقَةُ بِعَشْرِ أَمثَالِهَا وَالْقَرضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَا بَال الْقَرضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ قَال: لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ\". (٥)\n- وعَنِ ابْنِ مَسْعُود أَنَّ النّبِيّ - ﷺ - قَال: \"مَا مِنْ مُسْلِم يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِها مَرَّة\". (٦)\n_________\n(١) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (٢٨)، ج ٣، ص ١٢٢٩، الحديث (١٦٠٨).\n(٢) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب (٢٥)، ج ٣، ص ١٢٢٦ - ١٢٢٧، الحديث (١٦٠٤).\n(٣) العرايا جمع عرية، وهي النخلة يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرها عَامَها. الرازي: مختار الصحاح، ص ١٨٠.\n(٤) رواه مسلم: صحيح مسلم، كتاب البيوع، باب (١٤)، ج ٣، ص ١١٦٩، الحديث (١٥٣٩) (٦٤).\n(٥) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب الأحكام، باب (٥٩)، ج ٢، ص ٦١، الحديث (٢٤٣١).\n(٦) رواه ابن ماجة: سنن ابن ماجة، أبواب الأحكام، باب (٥٩)، ج ٢، ص ٦٠، الحديث (٢٤٣٠).","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الخاتمة</span>\nتبيّن من خلال المبحث أن العُمْدة في التعرّف على مقاصد الشارع هي نصوصُه، والمقصود بالنص هنا معناه العام الذي يشمل منظوم النص ومنطوقه، وفحواه ومفهومه، ومعقوله المقتبس من روحه التي بُنِي عليها وهي العلل التي أُقيمت عليها الأحكام، ذلك أن النصوص هي الواسطة بين الشارع والعباد، وهي المعبرة عمّا يريده منهم. والقول بمرجعيّة النصّ يقتضي الأخذ بعين الإعتبار كلّ عنصر من العناصر أو عامل من العوامل المُعِينَة على حسن فهمه واستجلاء مكنونه والتعرُّف على المقصود منه، فينبغي الخظر في ظواهر النصوص، وعِلَلِها وحِكَمَها، وأسباب نزولها إن كانت قرآنًا وأسباب ورودها إن كانت أحاديث، والنظر في السياق الذي جاءت فيه -سواء السياق الخاص أو السياق العام الذي يتضمن مجموع النصوص الشرعية- والنظر في الملابسات والظروف التي صاحبت صدور النص الشري والقرائن التي حفّت به، وتحقيق المناط في الواقعة التي يُراد تطبيق النص عليها، والنظر في مآلات ذلك التنزيل هل تتفق مع ما قصده الشارع منها أم لا؟ كلّ هذا في منهج علي تكاملي شعاره البحثُ عن الحق مجرّدًا عن الهوى، واتباعُ الدليل الأقوى والأقرب إلى معهود الشارع.\nوقد يقول قائل إن هذه خلاصة مفادها إعطاء سلطة مطلقة للنص، والجواب:\nنعم للنص سلطة، وإذا لم تكن له سلطة فما جدوى إنزاله إذًا؟\nإن الناس أمام النصوص الشرعية صنفان: صنف يعترف بكون النبي محمد - ﷺ - رسول الله صدقًا، وأن القرآن وحي من الله تعالى، وأن هذه النصوص إنما أنزلت لغرضٍ هو أن تكون مرجعا للمؤمنين بها، يهتدون بهديها، ويحتكمون إليها، وصنف ينكر ذلك. أما من ينكر كونها كذلك فلا حديث معه هنا، فهو لا يعترف لتلك النصوص بمرجعية أصلًا. أما إذا اعترفنا بكون هذه النصوص إنما أُنزِلت لتكون مرجعًا للمؤمنين بها، فلا بُدّ من الإعتراف بأن لها سلطة، وإلاّ آل الأمر إلى إنكار","vol":"1","page":333},{"text":"مرجعيتها؛ إذْ ما القيمة المرجعية لنص لا سلطة له؟ والقول بعدم إلزامية هذه الخصوص لكلّ الأجيال ومن ثَمّ حرية التصرف فيها إثباتًا وإسقاطًا وتفسيرًا من غير ضوابط معتبرة قولٌ بإسقاط مرجعيتها، ولا فرق بين عدم الإعتراف بمرجعية النص وتبديل معناه بما يجعله مخالفًا لما قصده منه صاحبه؛ إذْ كلاهما عدم اعتراف بمرجعيته وإسقاط لسلطته.\nوالغريب أن الناس يعترفون لنصوص القوانين الوضعية والعقود والإتفاقيات والمعاهدات، بل وللكلام العادي بينهم بالسلطة المطلقة، ثم يسعى بعضهم إلى نفي تلك السلطة عن الخصوص الشرعية! هل لأن سلطة النص الوضعي أقوى من سلطة النص الديني؟ أم لأن عقوبة مخالفة النصوص الوضعية ناجزة أمّا عقوبة إهدار الخصوص الدينية -بحكم غياب سلطة تحميها- فهي في حكم الغيب؟!\nوبعد إثبات سلطة النصوص الشرعية يقال: إن المرجع في فهم تلك النصوص -مع مراعاة كلّ العناصر المُعِينَة على فهمها كما سبقت الإشارة- هو أن تُفهم على معهود الرب في لغتهم. والقصد من القول بفهم النصوص الشرعية على معهود العرب في لغتهم هو:\nأولًا: وضعُ معيارٍ موَّحَد لضبط طريقة فهم النصوص؛ إذْ مع غياب المعيار الضابط يستحيل فهم النص فهمًا معقولًا؛ إذْ يستطيع كلّ إنسان أن يدعيّ أيّ معنى لأيّ لفظ أو نص من النصوص! ولنتصوّر عند ذلك الفوضى التي تعمّ بين الناس إذا طبَّقنا ذلك على المخاطبات العادية بينهم، أما فيما يخص نصوص الشارع فإن النتيجة الحتمية لذلك هي إعدام الخصوص الشرعية وإلغاؤها تمامًا، وإيجاد شرائع جديدة تتعدَّد بتعدُّد الأفهام والأشخاص، وهو ما وقع فيه الباطنية.\nوثانيًا: لأن طبيعة الإتصال بين الناس وطبيعة اللغة يقتضيان وجود قواعد ومعايير يحتكم إلها في فهم وسائل الخطاب، وما دامت النصوص الشرعية قد جاءت باللغة العربية فلا طريق إلى فهمها فهمًا سليمًا إلّا بالحضوع لقواعد تلك اللغة وأسالبها كما عرفها أهلها الأُصلاء.","vol":"1","page":334},{"text":"ثم بعد النصوص يأتي الاستقراء، ومع أن الاستقراء نفسه يعتمد على النصوص بمنطوقها ومفهومها ومعقولها، فإن فائدته أنه يوفِّر لنا النظرة الكلية المتكاملة لمقاصد الشارع، فهو الذي يكشف لنا عن الناظم الذي ينظم الجزئيات المتناثرة، فيكشف عن الكليات الشرعية والمقاصد العامة، فتُسْتَخْلَصُ الكليات من خلال تتبع الجزئيات، وتُفْهم الجزئيات بعد ذلك في ضوء تلك الكليات، فيعلم ما ينضوي منها تحت تلك الكليات، وما هو مستثنى منها استثناءً يُعتَدُّ به، وما هو معارض لها يلغى في مقابلتها طبقًا لقواعد التعارض والترجيح.\nلقد أحدث الإطلاع على الدراسات اللغوية والألسنية عند الغربيين في القرن الأخير انبهارًا لدى بعض الباحثين من أبناء المسلمين الذين غلبت عليهم الثقافة الغربية، فظنوا ذلك اكتشافًا غير مسبوق، وراحوا يدعون إلى \"إعادة قراءة\" النصوص الشرعية بناء عليها، (١) وصارت نظرية السياق -عندهم- كشفًا جديدًا حُرِمَت منه الدراسات الشرعية، وغاب عنهم أن ما يتحدثون عنه هو جزء ممّا بُنِيت عليه النظريات الأصولية التي تمثّل المنهج الإِسلامي في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها واستنباط الأحكام منها. وبغضِّ النظر عمّا قدّمه علماء اللغة -كالجرجاني-في ذلك فإن الإشارة هنا مقصورة على علم أصول الفقه لكونه يمثّل منهج تفسير النصوص الشرعية، ولبيان أن مراعاة السياق بأُطُرِهِ المختلفة لم يكن أمرًا غائبًا عن الأصوليين في فهم النصوص الشرعية وتفسيرها، وأن تلك النصوص قد قُرِئت وفق منهج دقيق لم\nيحن ينقصه ما ظنه هؤلاء كشفًا جديدًا في عالم الدراسات اللغوية والألسنية.\nلقد قسّم الأصوليون طرق دلالة اللفظ على المعنى إلى ثلاثة أقسام: النظم، والمفهوم، والمعقوله، فاللفظ إما أن يدلّ على معناه بصيغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ومعقوله. (٢) وبنوا مباحث دلالات الألفاظ -وهي صلب علم أصول الفقه- على نظرية السياق والقرائن. فمباحث التخصيص، والتقييد، والحقيقة\n_________\n(١) انظر ذلك في كتابات من يسمون أنفسهم بالتيار الحداثي، مثل: نمر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعبد الرحمن عبد الهادي، وأبو القاسم حاج حمد، وغيرهم.\n(٢) انظر الغزالي: المستصفى، ج ١، ص ٢٢٣.","vol":"1","page":335},{"text":"والمجاز والتأويل، وتقسيم دلالة اللفظ إلى منطوق ومفهوم عند الجمهور، وتقسيم الحنفية لطريق دلالة اللفظ على المعنى إلى: عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص، كلها مباحث قائمة على السياق والقرائن.\nوهذا موضوع يحتاج إلى بحث مستفيض تبرز فيه معالم نظرية السياق في علم أصول الفقه وامتداداتها في مباحثه المختلفة.\nومن الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد من المبحث موضوع أسباب ورود الحديث، فإنه -على عكس ما هو واقع في أسباب النزول التي لقيت حظها من المبحث- لم يجد العناية الكافية على أهميته في فهم نصوص السنّة الضبوية وتوجيه المشكل منها.","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>قائمة المصادر</span>\n- الآمدي، علي بن محمد: الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م).\n- أبو داود، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داود، مطبوع ضمن الكتب الستة، (استانبول:، ١٩٨١ م).\n- أبو زهرة، محمد: أصول الفقه، (القاهرة: دار الفكر العربي، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م).\n- أرسطو: منطق أرسطو حققه وقدم له عبد الرحمن بدوي، (الكويت: وكالة المطبوعات/ بيروت: دار القلم، ط ١، ١٩٨٠ م).\n- الأشقر، محمد سليمان؛ أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام، (بيروت؛ مؤسسة الرسالة، ط ٥، ١٤١٧ هـ / ١٩٩٦ م).\n- الألباني، محمد ناصر الدين: صحيح سنن أبي داود، (الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج، د. ط، د. ت).\n- الأنصاري، زكريا: حاشية الجمل على شرح المنهاج، (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت).\n- الإسنوي، جمال الدين: نهاية السول، مطبوع مع شرح البدخشي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٤ م).\n- إميل بديم يعقوب، وميشال عاصي: المعجم المفصل في اللغة والأدب، (بيروت: دار العلم للملايين، ط ١، ١٩٨٤ م).\n- ابن أبي سلمى، زهير: ديوان زهير بن أبي سلمى، (بيروت: دار صادر د. ط، د. ت).\n- ابن الأثير عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم: الكامل في التاريخ، (بيروت: دار صادر ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م).\n- ابن الأثير علي بن محمد الجزري: أسد الغابة في معرفة الصحابة، (القاهرة: كتاب الشعب، د. ت).\n- ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله: أحكام القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت).\n-----------------: كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، دراسة وتحقيق محمد عبد الله ولد كريم، (بيروت: دار الغرب الإِسلامي، د. ط، د. ت).","vol":"1","page":337},{"text":"- ابن النجار محمد بن أحمد الفتوي: شرح الكوكب المنير تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد، (الرياض: مكتبة العبيكان، هـ ١٤١٣/ ١٩٩٣ م).\n- ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم: مجموع فتاوى شيخ الإِسلام أحمد بن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، (د. م: د. ن، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ د. ت).\n- ابن جزي، محمد بن أحمد: قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، (بيروت: عالم الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت).\n- ابن حزم، محمد بن علي: المحلى، (بيروت: دار الآفاق الجديدة، د. ط، د. ت).\n- ابن حنبل، أحمد: مسند الإمام أحمد، شرحه ووضع فهارسه أحمد محمد شاكر، (القاهرة: دار الحديث، ط ١، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م).\n- ابن رشد (الحفيد)، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الاهور/ باكستان: فاران اكيدي، د. ط، د. ت).\n- ابن رشد (الجد)، أبو الوليد محمد بن أحمد: مقدمات ابن رشد، (بيروت: دار صادر د. ط، د. ت).\n- ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله: البرهان، تحقيق عبد الرحمن بدوي، (القاهرة: دار النهضة العربية، ط ٢، ١٩٦٦ م).\n------------------: الإشارات والتنبيهات مع شرح نصير الدين الطوسي، تحقيق سليمان دنيا، (القاهرة: دار المعارف، ١٩٦٠ م).\n- ابن عاشور محمد الطاهر: أصول النظام الإجتماعي في الإِسلام، (تونس: الشركة التونسية، ١٩٧٩ م).\n------------------: تفسير التحرير والتنوير (تونس: دار سحنون للنمئر والتوزيع، د. ط، د. ت).\n-----------------: مقاصد الشريعة الإِسلامية، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي، (د. م: البصائر للإنتاج العلي، ط ١، ١٩٩٨ م).\n- ابن عبد البرّ أبو عمر يوسف: كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكي، تحقيق محمد بن محمد أحيد ولد ماديك، (القاهرة: دار الهدى للطباعة، ١٣٩٩ هـ/١٩٧٩ م).\n- ابن قدامة، عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي: المغني، (القاهرة: مكتبة الجمهورية العربية /مكتبة الكليات الأزهرية، د. ط، د. ت).\n------------------: روضة الناظر وعليه نزهة المخاطر العاطر، (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ط، د. ت).\n- ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق وضبط محمد محي الدين","vol":"1","page":338},{"text":"عبد الحميد، (بيروت: دار الفكرط ٢، ١٣٩٧ هـ/ ١٩٧٧ م).\n------------------: زاد المعاد في هدي خير العباد، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٥ ط، ١٩٨٧ م).\n- ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد: سنن ابن ماجة، حققه ووضع فهارسه محمد مصطفى الأعظي، (الرياض: شركة الطباعة العربية السعودية، ط ٣، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤).\n- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب، (بيروت: دار صادر ط ١، ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م).\n- ابن نجيم، زين العابدين بن إبراهيم: الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م).\n- الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف: المنتقى شرح الموطأ، (مصر: مطبعة السعادة، ط ١، ١٣٣١ هـ).\n- البخاري، عبد العزيز بن أحمد: كشف الأسرار على أصول فخر الإِسلام البزدوي، ضبط وتعليق محمد المعتصم بالله البغدادي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ١، ١٤١١ هـ / ١٩٩١ م).\n- البخاري، محمد بن إسماعيل: الجامع الصحيح، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م).\n- البصري، أبو الحسين محمد بن علي: المعتمد في أصول الفقه، قدم له وضبطه الشيخ خليل الميس، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٩٨٣ هـ/ ١٤٠٣ م).\n- البناني، عبد الرحمن بن جاد الله: حاشية البناني كل شرح الجلال المحلي كل متن جمع الجوامع، (مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٧).\n- البهوتي، منصور بن يونس إدربس: كشاف القناع عن متن الإقناع، راجعه وعلق عليه الشيخ هلال مصيلحي ومصطفى هلال، (بيروت: دارالفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٣ م).\n- البوطي، محمد سعيد رمضان: ضوابط المصلحة في الشريعة الإِسلامية، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٤، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨١ م).\n- البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين: مناقب الشافعي، تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة: مكتبة دار التراث، د. ت).\n------------------: السنن الكبرى، (د. م: دار الفكر د. ط، د. ت).\n- الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: سنن الترمذي، تحقيق وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان، (بيروت: دار الفكر ١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م).\n- التهانوي، محمد علي: موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، تقديم وإشراف ومراجعة رفيق المعجم، (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ط ١، ١٩٩٦ م).","vol":"1","page":339},{"text":"- الجصاص، أحمد بن علي الرازي: أضول الفقه المسمى الفصول في الأصول، تحقيق عجيل جاسم النشمي، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط ١، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٥ م).\n- الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله: البرهان في أصول الفقه، تحقيق عبد العظيم محمود الديب، (المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزبع، ط ٣، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٢ م).\n- الحاكم، أبو عبد الله: المستدرك على الصحيحين، (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت).\n- حسان، تمام: اللغة العربية معناها ومبناها، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط ٣، ١٩٨٥).\n- حسان، حسين حامد: نظرية المصلحة في الفقه الإِسلامي، (القاهرة: مكتبة المتني، ١٩٨١ م).\n- حسن، عباس: النحو الوافي، (القاهرة: دار المعارف، ط ٩، د. ت).\n- الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، (بيروت: دار صادر/ دار بيروت للطباعة والنشر ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م).\n- الحنفي، ثقي الدين بن عبد القادر الطبقات السنية في تراجم الحنفية، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، (الرياض: دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، ط ١، ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣).\n- الخرشي، محمد: الخرشي على مختصر سيدي خليل وبهامشه حاشية الشيخ العدوي، (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ط، د. ت).\n- الدارقطني، علي بن محمد: سنن الدارقطني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، (القاهرة: دار المحاسن للطباعة، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م).\n- الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن: سنن الدارمي، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، (باكستان / فيصل آباد: حديث أكاديمي للنشر والتوزيع، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م).\n- الدهلوي، أحمد بن عبد الرحيم (شاه ولي الله): الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف في الأحكام الفقهية، (القاهرة: المطبعة السلفية، ١٣٨٥ هـ).\n------------------------: الفوز الكبير في أصول التفسير نقله من الأصل الفارسي إلى اللغة العربية سلمان الحسيني الندوي، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية، ط ٢، ١٩٨٧ م).\n- ديوي، جون: المنطق نظرية المبحث، ترجمة وتصدير وتعليق زكي نجيب محمود، (القَاهرة: دار المعارف، ١٩٦٠ م).\n- الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان: سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيقه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٨، ١٤١٢ هـ/ ١٩٩٣ م).\n- الرازي، فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين: المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق طه جابر","vol":"1","page":340},{"text":"فياض العلواني، (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤١٢ هـ/١٩٩٢ م).\n- الرازي، محمد بن أبي بكر مختار الصحاح، (بيروت: مكتبة لبنان، ١٩٨٨ م).\n- الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (بيروت: المكتبة الإِسلامية، د. ط، د. ت).\n- الزاوي، الطاهر أحمد: ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس اللاغة، (بيروت: دار الفكر، ٣، د. ت).\n- الزحيلي، وهبة: أصول الفقه الإسلامي، (دمشق: دار الفكر ط ١، ١٩٨٦ م).\n- الزرقاني، محمد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن، (د. م: دار الفكز د. ط، د. ت).\n- الزرقاني، محمد: شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، (د. م: دار الفكر للطباعة والنشر والوزيع، د. طـ، د. ت).\n- الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر: البحر المحيط في أصول الفقه، تحرير عمر سليمان الأشقر (الكويت: دار الصفوة، ط ١، ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٨ م).\n- الزركلي، خير الدين: الأعلام، (بيروت: دار العلم للملايين، ط ٧، ١٩٨٦ م).\n- الزمخشري، محمود بن عمر: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، (بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر،. ط، د. ت).\n- السبكي، علي بن عبد الكافي وولده عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي: الإبهاج في شرح المنهاج، مطبوع على هامش نهاية السول، (مصر: مطبعة التوفيق الأدبية، د. ط، د. ت).\n------------------: الإبهاج في شرح المنهاج، حفقه جماعة من العلماء بإشراف الناشز (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م).\n- السخاوي، محمد بن عبد الرحمن: المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق عبد الله محمد الصديق، وعبد الوهاب عبد اللطيف، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م).\n- السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل: أصول السرخسي، تحقيق أبي الوفاء الأفغاني، (بيروت: دار المعرفة، د. ط، د. ت).\n- السعدي، عبد الحكيم عبد الرحمن: مباحث العلة في القياس عند الأصوليين، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط ١، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م).\n- السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر: الإتقان في علوم القرآن، (بيروت: دار إحياء العلوم، ط ٢، ١٤١٢ هـ / ١٩٩٣ م).","vol":"1","page":341},{"text":"- الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الإعتصام، ضبطه وصححه أحمد عبد الشافي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م).\n------------------: الموافقات، تعليق عبد الله دراز، وضع تراجمه محمد عبد الله دراز وخرج آياته وفهرس موضوعاته عبد السلام عبد الشافعي محمد، (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ط، د. ت).\n- الشافعي، محمد بن إدربس: الأم، خرج أحاديثه وعلق عليه محمود مطرجي، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٣/ ١٩٩٣ م).\n-----------------: الرسالة، تحقيق أحمد شاكر، (القاهرة: مكتبة دار التراث، ط ٢، ١٣٩٩ هـ/١٩٧٩ م).\n- الشربيني، عبد الرحمن: تقرير شيخ الإِسلام الشربيني على حاشية النسائي على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع، (مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده، د. ط، ١٣٥٦ هـ/١٩٣٧).\n- شلبي، محمد مصطفى: تعليل الأحكام، (بيروت: دار النهضة العلمية، ١٤٠١ هـ/ ١٩٨١ م).\n- الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم: نشر البنود على مراقي السعود، (بيروت: دار الكتب العملية، ط ١، ١٤٠٩ هـ).\n- الشنقيطي، محمد الأمين: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (القاهرة: مكتبة ابن تيمية، ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م).\n- الشوكاني، محمد بن علي: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (د. م: دار الفكر، د. ط، د. ت).\n- الشوكاني، محمد بن علي: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار تحقيق طه عبد الروُوف سعد، ومصطفى محمد الهواري، (القاهرة: مكتبة الكلّيات الأزهرية، د. ط، د. ت).\n- الشيرازي، أبو إسحاق: طبقات الفقهاء، تحقيق إحسان عباس، (بيروت: دار الرائد العربي، ط ٢، ١٤٠١ هـ ١٩٨٤ م).\n- الشيرازي، إبراهيم بن علي: المهذب، (بيروت: دار الفكر د. ط، د. ت). - صالح، محمد أديب: تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، (بيروت /دمشق: المكتب الإِسلامي، ط ٣، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م).\n- الصدر محمد باقر: الأسس المنطقية للإستقراء، (بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ط ٥، ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م).\n- الضرير، الصديق محمد الأمين: الغرر وأثره في العقود في الفقه الإِسلامي، (الخرطوم: الدار السودانية","vol":"1","page":342},{"text":"للكتب، ١٩٩٠ م).\n- العبادي، أحمد بن قاسم: الآيات البينات على شرح جمع الجوامع، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م).\n- عبد الرحمن، طه: تحديد المنهج في تقويم التواث، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط ١، ١٩٩٤ م).\n- العسقلاني، ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، (القاهرة: مطبعة الفجالة، د. ت).\n- علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي: المنطق وفلسفة العلم، (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ١٩٨٨ م).\n- عمر أحمد مختار: المبحث اللغوي عند العرب مع دراسة لقضية التأثير والتأثر، (القاهرة: عالم الكتب، ط ٦، ١٩٨٨ م).\n- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد: المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق محمد حسن هيتو، (دمشق: دار الفكر، ط ٣، ١٤٠٠ هـ/١٩٨٠ م).\n------------------: شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، تحقيق حمد الكبيسي، (بغداد: مطبعة الإرشاد، ١٣٩٠/ ١٩٧١ م).\n------------------: المستصفى من علم الأصول، تصحيح نجوى ضو، (بيروت دار إحياء التراث العربي/ مؤسسة التاريخ العربي، ط ١، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م).\n------------------: معيار العلم في فن المنطق، شرح أحمد شمس الدين، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠ م).\n- الفاسي، علال: مقاصد الشريعة الإِسلامية ومكارمها، (الدار البيضاء: مكتبة الوحدة العربية، د. ط، د. ت).\n- الفيومي، أحمد بن علي: المصباح المنير (بيروت؛ مكتبة لبنان، ١٩٨٧ م).\n- القرافي، أحمد بن أدريس: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول من الأصول، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، ط ٢، ١٤١٤ هـ / ١٩٩٣ م).\n-----------------: الفروق، ضبطه وصححه خليل المنصور (بيروت: دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م).\n- القرطبي، أبو عبد الله محمد بن اُحمد: الجامع لأحكام القرآن، (طهران: انتشارات ناصر خسرو، تصويرا عن الطبعة الثالثة لدار الكتب المصرية، د. ط، د. ت).\n- الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م).","vol":"1","page":343},{"text":"- الكرابيسي، أسعد بن محمد بن الحسن: الفروق، تحقيق محمد طموم، (الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، ط ١؛. ١٤٠٢ هـ/ ١٩٨٢ م).\n- مالك بن أنس: الموطأ، (استانبول: ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م).\n- محمود، زكي نجيب: المنطق الوضعي، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، ط ٤، ١٩٦٦ م).\n- المخزومي، مهدي: الخليل بن أحمد الفراهيدي: أعماله ومنهجه، (بيروت: دار الرائد العربي، ط ٢، ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م).\n- الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود: الإختيار لتعليل المختار (القاهرة: شركة مكتبة ومطبعة مصطنى البابي الحلبي وأولاده، ط ٢، ١٣٧٠ هـ/١٩٥١ م).\n- الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة: ضوابط المعرفة وأصول الإستدلال والمناظرة، (دمشق دار القلم، ط ٤، ١٤١٤ هـ/١٩٩٣ م)\n- النجار عبد المجيد: فصول في الفكر الإِسلامي بالمغرب، (بيروت: دار الغرب الإِسلامي، ط ١،؛ ١٩٩٢ م)\n- النحاس، أبو جعفر: الناسخ والمنسوخ، تحقيق محمد عبد السلام محمد، (الكويت: مكتبة الفلاح، ط ١، ١٤٠٨ هـ/١٩٨٨ م).\n- النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي: سنن النسائي، ترتيب وإعداد عبد الفتاح أبو غدة، (بيروت: دار البشائر الإِسلامية، ط ٣، ١٤٠٩ هـ/ـ ١٩٨٨ م).\n- النووي، أبو شرف يحيى بن زكريا: روضة الطالبين وعمدة المفتين، (بيروت /دمشق: المكتب الإِسلامي، ط؛، ١٤١٣ هـ/ ١٩٩١ م).\n------------------: صحيح مسلم بشرح النووي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط ٣، ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م).\n- النيسابوري، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، تحقيق وتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي، (القاهرة: دار الحديث، ط ١،؛ ١٤١ هـ/ ١٩٩١ م).\n- الواحدي، علي ابن أحمد: أسباب النزول، تخريج وتدقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، (الدمام: دار الإصلاح، ط ١، ١٤١١ هـ/١٩٩١ م).\n- وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية الكويتية: الموسرعة الفقهية، (الكويت: ذات السلاسل، ط ٢، ١٤١٠ هـ/١٩٩٠).\n- الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى: المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية، د. ط، ١٤٠١ هـ/١٩٨١ م).","vol":"1","page":344},{"text":"-  Black، Max، \"the Justification of Induction\"، in A Modeon Intooduction to Philosophy، ed. Paul Edwaods and Aothuo Pop، New Yook:the Foee Poess، ١٩٧٣.\n- Cohen، L. Jonathan، An Intooduction to the Philosophy of Induction and Poobability، New Yook:Claoedon Poess Oxfood، ١٩٨٩.\n- Goodman، Nelson، \"the New oiddle of Induction\"، in the theooy of Knowledge، by Louis P. Pojaman، Califoonia:Wadswooth inc.، ١٩٩٣.\n- Hume، David:A toeatise of Human Natuoe، ed. by Eonest G. Mossneo، London: Penguin Gooup، ١٩٨٤.\n- loving M. Copi، Caol Cohen:Intooduction to Logic، N. Y.:Macmillan Publishing Company، ١٩٩٠.\n- Masud، Muhammad Khalid، Shatibi's Philosophy of Islamic Law، Islamabad Islamic oeseaoch Institute، ١٩٩٥.\n- Poppeo، Kaol، Objective Knowledge:A oevolutionaoy Appooach، New Yook Claoedon Poess Oxfood، ١٩٨٦.\n- oeichanbach، Hans، \"the Poagmatic Justification of Induction\"، in the theooy of Knowledge، by Louis P. Pojaman، Califoonia:Wadswooth inc.، ١٩٩٣.\n- Soualhi، Yunus، Al - Imam Al - Shatibi's Induction:Foom Meoe Conjectuoes to Methodic Status، an inpublished thesis، IIU Malaysia، ١٩٩٤/ ٩٥.","vol":"1","page":345}]}