{"ً":{"ٌ":169,"ٍ":"مع المشككين في السنة","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: مع المشككين في السنة\nتأليف: عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى الخميسي\nاعتنى به وحققه وخرج أحاديثه: فاروق يحيى محمد الحاج\nالنشرة: الثانية، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م\nعدد الصفحات: ٣٢٥\n[الكتاب غير مطبوع]","ْ":"[مع المشككين في السنة - عبد الرحمن الخميسي]\n\n• الكتاب يبرز معنى حديث النبي - ﷺ - الذي رواه العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ). أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني.\nقال الإمام السندي: «قوله: (عَلَى الْبَيْضَاءِ) أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلًا، فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها، وإليه الإشارة بقوله: (لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا)». [انظر الحديث وتخريجه وما جاء في معناه في حاشية هذا الكتاب].\n\n• فالكتاب يُبرز هذا المعنى للحديث بوضوح، وأن هذا الدين أبيض نقي، لا تعلق به شبهة مهما حاول المغرضون ذلك جاهدين.\nوإذا استصحبت هذا المعنى وطالعت صفات وسمات المنكرين للسنة النبوية المذكورة في هذا الكتاب اتضح لك جليًا من يكون هؤلاء المتطاولين على سنة النبي ﷺ.\nثم إذا قرأت هذه الشبه والرد عليها في هذا الكتاب تدرك مدى تهافت هذه الشبه وأنها لا تستحق حتى النظر فيها، وأنها إنما تروج على من كان خاليًا من العلم الشرعي، بل ستجد أن أغلبها يُعلم بطلانها عقلًا من دون أي علم.\n\n• والكتاب يرد فيه المؤلف - حفظه الله - على تسع وأربعين شبهة يثيرها أصحابها حول سنة النبي ﷺ، وشبهات غيرها ذكرت عرضًا أو تلميحًا\nوكل ذلك بأسلوب سلس وواضح وسهل ومفحم، ومن دون أي تكلف أو تعقيد.\n\n(محقق الكتاب: فاروق يحيى محمد الحاج).","ٓ":"1.0","ٔ":3077,"ٕ":2,"ٖ":1770156268,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"ترجمة مختصرة للمؤلف","level":1,"page":3},{"title":"أولًا: الاسم والمولد ومحل الإقامة والأولاد","level":2,"page":3},{"title":"ثانيًا: النشأة العلمية","level":2,"page":3},{"title":"ثالثًًا: العلماء الذين درس على أيديهم","level":2,"page":4},{"title":"رابعًا: المؤهلات الأكاديمية","level":2,"page":4},{"title":"خامسًا: الإجازات العلمية","level":2,"page":4},{"title":"سادسًا: الوظائف التي يشغلها","level":2,"page":5},{"title":"سابعًا: الإنتاج العلمي \"البحوث والمؤلفات\"","level":2,"page":5},{"title":"أولًا: المؤلفات المطبوعة","level":3,"page":5},{"title":"ثانيًا: المؤلفات المخطوطة \"غير المطبوعة\"","level":3,"page":6},{"title":"ثالثًا: مؤلفات الدكتور المنشورة على صفحته في الفيس بوك، ولم تطبع بعد","level":3,"page":6},{"title":"رابعًا: المشاركات العلمية للدكتور","level":3,"page":7},{"title":"المقدمة","level":1,"page":8},{"title":"سؤال لكل من يشكك في السنة النبوية","level":2,"page":9},{"title":"سبب تأليف الكتاب","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الأول خصائص السنة المطهرة","level":1,"page":12},{"title":"مقدمة","level":2,"page":13},{"title":"أولًا الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الأول كون السنة وحيًا من الله تعالى","level":3,"page":16},{"title":"المبحث الثاني تسمية السنة بـ «الكتاب»","level":3,"page":21},{"title":"المبحث الثالث نقل السنة بالإسناد المتصل","level":3,"page":25},{"title":"المبحث الرابع وجوب العمل بالسنة","level":3,"page":28},{"title":"أولًا: الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":28},{"title":"ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية","level":4,"page":29},{"title":"ثالثًا: الدليل من الإجماع","level":4,"page":32},{"title":"المبحث الخامس كون منكر السنة كافرًا","level":3,"page":34},{"title":"المبحث السادس حفظ السنة في الجملة","level":3,"page":37},{"title":"طُرق حفظ السنة النبوية","level":4,"page":37},{"title":"أولًا: الكتابة","level":5,"page":37},{"title":"ثانيًا: الحفظ","level":5,"page":40},{"title":"أولًا: أشهر حفاظ الحديث من الصحابة - ﵃ -","level":6,"page":41},{"title":"ثانيًا: أشهر حفاظ الحديث من التابعين ومن بعدهم","level":6,"page":42},{"title":"ثالثًا: التدوين","level":5,"page":43},{"title":"رابعًا: التصنيف","level":5,"page":44},{"title":"أولًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأبواب","level":6,"page":44},{"title":"ثانيًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأسماء","level":6,"page":45},{"title":"خامسًا: جرح وتعديل الرواة","level":5,"page":45},{"title":"سادسًا: نقد متن الحديث","level":5,"page":46},{"title":"المبحث السابع خطر التهاون بالسنة","level":3,"page":48},{"title":"أولًا: أمر الله - جل وعلا - باتباع السنة وتحذيره من التهاون بها","level":4,"page":48},{"title":"ثانيًا: تحذير النبي - ﷺ - من التهاون بالسنة","level":4,"page":49},{"title":"ثانيًا خصائص السنة التي انفردت بها","level":2,"page":58},{"title":"المبحث الأول انفراد السنة بالتشريع","level":3,"page":59},{"title":"المبحث الثاني انفراد السنة ببيان القرآن الكريم","level":3,"page":61},{"title":"من أقوال السلف في كون السنة مبينة ومفسرة للقرآن الكريم","level":4,"page":61},{"title":"أنواع بيان السنة للقرآن الكريم","level":4,"page":64},{"title":"١ - تفصيلها لمجمل القرآن","level":5,"page":64},{"title":"٢ - تخصيصها لعامه","level":5,"page":65},{"title":"٣ - تقييدها لمطلقه","level":5,"page":65},{"title":"٤ - توضيحها لمبهمه ومشكله","level":5,"page":66},{"title":"المبحث الثالث قواعد وشروط قبول السنة","level":3,"page":68},{"title":"١ - اتصال السند","level":4,"page":68},{"title":"٢ - عدالة الرواة","level":4,"page":69},{"title":"٣ - ضبط الرواة","level":4,"page":70},{"title":"٤ - عدم الشذوذ في الإسناد أو في المتن","level":4,"page":70},{"title":"٥ - عدم وجود علة في الإسناد أو المتن","level":4,"page":71},{"title":"المبحث الرابع تسمية السنة بـ «الحكمة»","level":3,"page":72},{"title":"المبحث الخامس كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - من المشتغل بالسنة","level":3,"page":74},{"title":"المبحث السادس دعاء النبي - ﷺ - لمن يتعلم السنة بالنضارة","level":3,"page":76},{"title":"الفصل الثاني الرد على شبهات منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء»","level":1,"page":78},{"title":"مقدمة","level":2,"page":79},{"title":"توطئة سمات المنكرين للسنة النبوية","level":2,"page":82},{"title":"أولًا من أصول المشككين بالسنة والرد عليها","level":2,"page":84},{"title":"الأصل الأول ترك السنة القولية والأخذ بالسنة العملية فقط","level":3,"page":85},{"title":"الأصل الثاني تعارض السنة القولية مع القرآن الكريم","level":3,"page":87},{"title":"ثانيًا الرد على الشبهات الواردة في منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء»","level":2,"page":90},{"title":"الشبهة الأولى","level":3,"page":94},{"title":"الشبهة الثانية","level":3,"page":95},{"title":"الشبهة الثالثة","level":3,"page":98},{"title":"الشبهة الرابعة","level":3,"page":101},{"title":"الشبهة الخامسة","level":3,"page":103},{"title":"الشبهة السادسة","level":3,"page":106},{"title":"الشبهة السابعة","level":3,"page":109},{"title":"الشبهة الثامنة","level":3,"page":112},{"title":"الشبهة التاسعة","level":3,"page":114},{"title":"الشبهة العاشرة","level":3,"page":116},{"title":"الشبهة الحادية عشرة","level":3,"page":119},{"title":"الشبهة الثانية عشرة","level":3,"page":123},{"title":"الشبهة الثالثة عشرة","level":3,"page":130},{"title":"الشبهة الرابعة عشرة","level":3,"page":133},{"title":"الشبهة الخامسة عشرة","level":3,"page":135},{"title":"الشبهة السادسة عشرة","level":3,"page":137},{"title":"الشبهة السابعة عشرة","level":3,"page":139},{"title":"الشبهة الثامنة عشرة","level":3,"page":141},{"title":"الشبهة التاسعة عشرة","level":3,"page":143},{"title":"الشبهة العشرون","level":3,"page":146},{"title":"الشبهة الحادية والعشرون","level":3,"page":150},{"title":"الشبهة الثانية والعشرون","level":3,"page":156},{"title":"الشبهة الثالثة والعشرون","level":3,"page":161},{"title":"الشبهة الرابعة والعشرون","level":3,"page":164},{"title":"الشبهة الخامسة والعشرون","level":3,"page":166},{"title":"الشبهة السادسة والعشرون","level":3,"page":170},{"title":"الشبهة السابعة والعشرون","level":3,"page":172},{"title":"الشبهة الثامنة والعشرون","level":3,"page":174},{"title":"الشبهة التاسعة والعشرون","level":3,"page":176},{"title":"الشبهة الثلاثون","level":3,"page":181},{"title":"الشبهة الحادية والثلاثون","level":3,"page":185},{"title":"الشبهة الثانية والثلاثون","level":3,"page":186},{"title":"الشبهة الثالثة والثلاثون","level":3,"page":188},{"title":"الشبهة الرابعة والثلاثون","level":3,"page":189},{"title":"الشبهة الخامسة والثلاثون","level":3,"page":190},{"title":"الشبهة السادسة والثلاثون","level":3,"page":196},{"title":"الشبهة السابعة والثلاثون","level":3,"page":199},{"title":"الشبهة الثامنة والثلاثون","level":3,"page":204},{"title":"الشبهة التاسعة والثلاثون","level":3,"page":206},{"title":"الشبهة الأربعون","level":3,"page":208},{"title":"الفصل الثالث دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء","level":1,"page":212},{"title":"مقدمة","level":2,"page":213},{"title":"منهج النقد عند العلماء الذين نقدوا بعض أحاديث الصحيحين","level":3,"page":213},{"title":"أهم المؤاخذات على رسالة \"تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في نقد أحاديث الصحيحين","level":3,"page":214},{"title":"أولًا حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين واعتقاد أهل السنة في الصحابة - ﵃ - وآل البيت","level":2,"page":215},{"title":"مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي","level":3,"page":216},{"title":"ثناء العلماء على الصحيحين وإجماعهم على صحتهما","level":4,"page":219},{"title":"عقيدة أهل السُّنَّة في الصحابة وآل البيت","level":3,"page":223},{"title":"المسألة الأولى عقيدة أهل السنة في الصحابة - ﵃ -","level":4,"page":224},{"title":"كلام \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -","level":5,"page":224},{"title":"المسألة الثانية عقيدة أهل السنة في آل البيت","level":4,"page":229},{"title":"كلام \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في آل بيت النبي - ﷺ -","level":5,"page":231},{"title":"ثانيًا الرد على شبهات «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء»","level":2,"page":233},{"title":"مقدمة","level":3,"page":234},{"title":"توطئة عصمة الأنبياء - ﵈ -","level":3,"page":235},{"title":"المراجع التي اعتمدتها \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" لاتهام أهل السنة بالقول بعدم عصمة الأنبياء - ﵈ -","level":3,"page":235},{"title":"كلام الجُنيد فيما يُنزَّه عنه الأنبياء - ﵈ -","level":3,"page":236},{"title":"بيان جهل صاحب «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء» في رسالته","level":3,"page":242},{"title":"الرد على الشبهات الواردة في «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء»","level":3,"page":243},{"title":"الشبهة الأولى أحاديث بول النبي - ﷺ - قائمًا منافية لعصمته","level":4,"page":244},{"title":"الرد على أدلة صاحب الرسالة التي رد وأنكر بها الحديث","level":5,"page":247},{"title":"الشبهة الثانية اتهام الصحابة باللغط لما هَمَّ النبي - ﷺ - أن يكتب لهم كتابًا في مرض موته","level":2,"page":257},{"title":"الشبهة الثالثة حديث سحر النبي - ﷺ - منافٍ لعصمته","level":2,"page":271},{"title":"الشبهة الرابعة إثبات الصوت لله - ﷿ - يقتضي التجسيم","level":2,"page":275},{"title":"الشبهة الخامسة أحاديث طواف النبي - ﷺ - على نسائه وغيرها تصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولًا بالشهوات","level":2,"page":281},{"title":"الشبهة السادسة حديث وفاة رسول الله - ﷺ - في حجر عائشة ينافي أحاديث موته في حجر علي","level":2,"page":291},{"title":"أدلة صاحب الرسالة على رد وإنكار الحديث","level":3,"page":291},{"title":"الرد على مطاعن صاحب الرسالة في الحديث وإنكاره","level":3,"page":292},{"title":"الرد على كلام صاحب الرسالة في الشعبي وعائشة - ﵂ -","level":3,"page":301},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":305},{"title":"المراجع","level":1,"page":307}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":82,"1,82":83,"1,83":84,"1,84":85,"1,85":86,"1,86":87,"1,87":88,"1,88":89,"1,89":90,"1,90":91,"1,91":92,"1,92":93,"1,93":94,"1,94":95,"1,95":96,"1,96":97,"1,97":98,"1,98":99,"1,99":100,"1,100":101,"1,101":102,"1,102":103,"1,103":104,"1,104":105,"1,105":106,"1,106":107,"1,107":108,"1,108":109,"1,109":110,"1,110":111,"1,111":112,"1,112":113,"1,113":114,"1,114":115,"1,115":116,"1,116":117,"1,117":118,"1,118":119,"1,119":120,"1,120":121,"1,121":122,"1,122":123,"1,123":124,"1,124":125,"1,125":126,"1,126":127,"1,127":128,"1,128":129,"1,129":130,"1,130":131,"1,131":132,"1,132":133,"1,133":134,"1,134":135,"1,135":136,"1,136":137,"1,137":138,"1,138":139,"1,139":140,"1,140":141,"1,141":142,"1,142":143,"1,143":144,"1,144":145,"1,145":146,"1,146":147,"1,147":148,"1,148":150,"1,149":151,"1,150":152,"1,151":153,"1,152":154,"1,153":155,"1,154":156,"1,155":157,"1,156":158,"1,157":160,"1,158":161,"1,159":162,"1,160":163,"1,161":164,"1,162":165,"1,163":166,"1,164":167,"1,165":169,"1,166":170,"1,167":171,"1,168":172,"1,169":173,"1,170":174,"1,171":175,"1,172":176,"1,173":177,"1,174":178,"1,175":179,"1,176":180,"1,177":181,"1,178":182,"1,179":183,"1,180":184,"1,181":185,"1,182":186,"1,183":187,"1,184":188,"1,185":189,"1,186":190,"1,187":191,"1,188":192,"1,189":193,"1,190":195,"1,191":196,"1,192":197,"1,193":198,"1,194":199,"1,195":200,"1,196":201,"1,197":202,"1,198":204,"1,199":205,"1,200":206,"1,201":207,"1,202":208,"1,203":209,"1,204":211,"1,205":212,"1,206":213,"1,207":214,"1,208":215,"1,209":216,"1,210":217,"1,211":218,"1,212":219,"1,213":220,"1,214":221,"1,215":222,"1,216":223,"1,217":224,"1,218":225,"1,219":226,"1,220":228,"1,221":229,"1,222":230,"1,223":231,"1,224":232,"1,225":233,"1,226":234,"1,227":235,"1,228":236,"1,229":237,"1,230":238,"1,231":239,"1,232":242,"1,233":243,"1,234":244,"1,235":245,"1,236":246,"1,237":248,"1,238":249,"1,239":250,"1,240":251,"1,242":252,"1,241":253,"1,243":255,"1,244":256,"1,245":257,"1,246":258,"1,247":259,"1,248":260,"1,249":262,"1,250":264,"1,252":265,"1,251":266,"1,253":268,"1,254":270,"1,255":271,"1,256":272,"1,257":273,"1,258":274,"1,259":275,"1,260":276,"1,261":277,"1,262":278,"1,263":279,"1,264":280,"1,265":281,"1,266":282,"1,267":283,"1,268":284,"1,269":285,"1,270":286,"1,271":287,"1,272":288,"1,273":289,"1,274":290,"1,275":291,"1,276":292,"1,277":293,"1,278":294,"1,279":295,"1,280":296,"1,281":297,"1,282":298,"1,283":299,"1,284":300,"1,285":301,"1,286":302,"1,287":303,"1,288":304,"1,289":305,"1,290":306,"1,291":307,"1,292":308,"1,293":309,"1,294":310,"1,295":311,"1,296":312,"1,297":313,"1,298":314,"1,299":315,"1,300":316,"1,301":317},"ٜ":{"1":[1,301]},"ٝ":["1,1","1,2","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,231","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,242","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,248","1,249","1,249","1,250","1,252","1,251","1,252","1,253","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301"],"ٞ":{"3":[1,2,3],"4":[4,5,6],"5":[7,8,9],"6":[10,11],"7":[12],"8":[13],"9":[14],"11":[15],"12":[16],"13":[17],"15":[18],"16":[19],"21":[20],"25":[21],"28":[22,23],"29":[24],"32":[25],"34":[26],"37":[27,28,29],"40":[30],"41":[31],"42":[32],"43":[33],"44":[34,35],"45":[36,37],"46":[38],"48":[39,40],"49":[41],"58":[42],"59":[43],"61":[44,45],"64":[46,47],"65":[48,49],"66":[50],"68":[51,52],"69":[53],"70":[54,55],"71":[56],"72":[57],"74":[58],"76":[59],"78":[60],"79":[61],"82":[62],"84":[63],"85":[64],"87":[65],"90":[66],"94":[67],"95":[68],"98":[69],"101":[70],"103":[71],"106":[72],"109":[73],"112":[74],"114":[75],"116":[76],"119":[77],"123":[78],"130":[79],"133":[80],"135":[81],"137":[82],"139":[83],"141":[84],"143":[85],"146":[86],"150":[87],"156":[88],"161":[89],"164":[90],"166":[91],"170":[92],"172":[93],"174":[94],"176":[95],"181":[96],"185":[97],"186":[98],"188":[99],"189":[100],"190":[101],"196":[102],"199":[103],"204":[104],"206":[105],"208":[106],"212":[107],"213":[108,109],"214":[110],"215":[111],"216":[112],"219":[113],"223":[114],"224":[115,116],"229":[117],"231":[118],"233":[119],"234":[120],"235":[121,122],"236":[123],"242":[124],"243":[125],"244":[126],"247":[127],"257":[128],"271":[129],"275":[130],"281":[131],"291":[132,133],"292":[134],"301":[135],"305":[136],"307":[137]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"مع\nالمشككين في السنة\n\nتأليف\nأ. د/ عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى الخميسي\nأستاذ الحديث وعلومه - جامعة صنعاء\n\nاعتنى به وحققه وخرج أحاديثه/\nفاروق يحيى محمد الحاج\n\n١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م","vol":"1","page":1},{"text":"مع المشككين في السنة\n\nللأستاذ الدكتور/\nعبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى الخميسي\n\nأستاذ الحديث وعلومه - جامعة صنعاء\n\nاعتنى به وحققه وخرج أحاديثه/\nفاروق يحيى محمد الحاج\nالفاروق للمراجعة العلمية والتحقيق\n\nرقم الواتساب (٠٠٩٦٧٧٧٣٠٧٢٨٥٢)\n\nنسخة ثانية","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>ترجمة مختصرة للمؤلف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أولًا: الاسم والمولد ومحل الإقامة والأولاد:</span>\n• الاسم: عبد الرحمن بن إبراهيم بن حسن بن يحيى.\n• اللقب: الخميسي؛ نسبة إلى قرية: \"الخميسين\" التي وُلد فيها والده.\n• مولده: وُلد الدكتور عام (١٣٧٩ هـ) الموافق (١٩٥٩ م) في قرية: \"الدّيّر\" التابعة لمديرية: \"حيران\" -بالحاء المهملة- في محافظة: \"حجة\"، إحدى محافظات: \"الجمهورية اليمنية\".\n• محل الإقامة الحالي: يسكن الدكتور حاليًا في: مدينة \"صنعاء\" عاصمة: \"الجمهورية اليمنية\".\n• الأولاد: للدكتور اثنا عشر ولدًا ذكورًا وإناثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>ثانيًا: النشأة العلمية:</span>\nنشأ الدكتور في المملكة العربية السعودية، وفيها تلقى تعليمه النظامي ابتداءً من المرحلة الابتدائية وانتهاءً بالدكتوراه، وكانت دراسته كالتالي:\n١ - درس المرحلتين الابتدائية والإعدادية \"الأساسي\" في مدارس وزارة التربية في \"مكة المكرمة\".\n٢ - ثم التحق بمعهد الحرم المكي -ومقره داخل المسجد الحرام-، وحصل منه على الشهادة الثانوية عام (١٣٩٧ هـ) بتقدير ممتاز.\n٣ - درس المرحلة الجامعية البكالوريوس في قسم أصول الدين في كلية الشريعة وأصول الدين في \"أبها\"، وحصل منها على شهادة البكالوريوس عام (١٤٠١ هـ-١٤٠٢ هـ) بتقدير ممتاز، وكان ترتيبه الأول على دفعته.\n٤ - نال شهادة الماجستير في السنة وعلومها من كلية أصول الدين في \"الرياض\" بتقدير ممتاز. وكانت أطروحته فيها: تحقيق جزء من كتاب \"الكامل في ضعفاء الرجال\" لابن عدي.\n٥ - نال شهادة الدكتوراه في السنة وعلومها من كلية أصول الدين في \"الرياض\" مع مرتبة الشرف الأولى. وكانت رسالته فيها: \"زوائد رواة البيهقي في السنن الكبرى على رواة الكتب العشرة (^١) جمعًا ودراسة، من أول الكتاب إلى آخر باب الترغيب في الأذان من كتاب الصلاة\".\n_________\n(^١) وهي: الكتب العشرة التي ذكرها الحافظ ابن حجر عن كتاب \"التذكرة برجال العشرة\" لأبي عبد الله محمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي، وهي: \"الكتب الستة والموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند أبي حنيفة\"، وهو المسند الذي خرجه الحسين بن محمد بن خسرو من حديث الإمام أبي حنيفة. انظر: تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة لابن حجر (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ثالثًًا: العلماء الذين درس على أيديهم:</span>\nدرس الدكتور على يد كوكبة من العلماء المصريين والنجديين والسوريين والموريتانيين ومن القارة الهندية، وهم:\n١ - الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.\n٢ - الدكتور عبد الرحيم الطحان.\n٣ - الدكتور محمد أديب الصالح.\n٤ - الدكتور محمد علي عثمان.\n٥ - الدكتور محمود الحريري.\n٦ - الشيخ أحمد الأمين الشنقيطي.\n٧ - الشيخ بديع الدين شاه السندي.\n٨ - الشيخ عبد العزيز السبيل \"وهو أخو إمام الحرم محمد السبيل\".\n٩ - الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n١٠ - الشيخ عبد القادر السندي.\n١١ - الشيخ عبد الله بن حميد \"رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة العربية السعودية، ومؤسس معهد الحرم المكي\".\n١٢ - الشيخ محمد الأمين الشنقيطي \"وهو غير صاحب أضواء البيان\".\n١٣ - الشيخ يحيى بن عثمان المكي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>رابعًا: المؤهلات الأكاديمية:</span>\nيحمل الدكتور المؤهلات الأكاديمية التالية:\n١ - دكتوراه في السنة وعلومها.\n٢ - أستاذًا مشاركًا في السنة وعلومها.\n٣ - أستاذًا في السنة وعلومها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>خامسًا: الإجازات العلمية:</span>\nللدكتور ثبت بإجازات علمية من طريق الشيخ قاسم بحر حفظه الله -وهو أحد علماء تهامة- إلى مجموعة كبيرة من العلماء في داخل اليمن وخارجها.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>سادسًا: الوظائف التي يشغلها:</span>\nيعمل الدكتور حاليًا:\n١ - أستاذًا في \"كلية التربية\" في: \"جامعة صنعاء\" في: \"الجمهورية اليمنية\".\n٢ - مشرفًا على بعض الرسائل الجامعية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>سابعًا: الإنتاج العلمي \"البحوث والمؤلفات</span>\":\nللدكتور العديد من المؤلفات، كالتالي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-9> أولًا: المؤلفات المطبوعة:</span>\n١ - معجم علوم الحديث النبوي. طبع ونشر: دار الأندلس الخضراء، جدة، عام (٢٠٠٠ م).\n٢ - مع المشككين في السنة. وهو هذا الكتاب، وهو سلسلة ردود على بعض منكري السنة والطاعنين فيها.\n٣ - معاصي النساء \"كتيب\". طُبع في: صنعاء.\n٤ - رياض الصائمين \"كتيب حديثي\". طُبع في: صنعاء.\n٥ - شرح عقيدة السلف في ضوء الكتاب والسنة. طُبع في: صنعاء.\n٦ - تهذيب سيرة الخلفاء الراشدين. طُبع في: صنعاء.\n٧ - مظاهر الإنصاف عند المحدثين في جرح الرواة \"بحث منشور في مجلة علمية مُحكَّمّة خارجية\".\n٨ - رواة الحديث من أهل ذمار إلى نهاية القرن الثالث الهجري \"بحث منشور في مجلة علمية مُحكَّمّة داخلية\".\n٩ - الإمام ابن الديبع الشيباني وجهوده في الحديث \"بحث قُدم لمؤتمر زبيد الذي أقامته كلية الآداب في جامعة الحديدة\"، ونشر ضمن منشورات المؤتمر.\n١٠ - علم التخريج ودراسة الأسانيد \"بحث قُدم للنشر في مجلة علمية محلية، وتم قبوله\".\n١١ - هدي النبي - ﷺ - اليومي \"بحث قُدم للنشر في مجلة علمية محكمة محلية، وتم قبوله ونشره\".\n١٢ - إجلال النبي - ﷺ - بين الحق والخلق \"بحث علمي قُدم للنشر في مجلة علمية مُحكَّمّة خارجية، وتم قبوله ونشره\".\n١٣ - دفاع عن الصحيحين \"طُبع قديمًا مستقلًا\". وهو الفصل الثالث من هذا الكتاب، والذي هو بعنوان: \"دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء\".\n١٤ - المرأة في ظل الإسلام \"نُشر في مجلة محلية\".","vol":"1","page":6},{"text":"١٥ - رحلة الحج إلى بيت الله الحرام \"كتيب\".\n١٦ - تسامح النبي - ﷺ - مع اليهود والنصارى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-10> ثانيًا: المؤلفات المخطوطة \"غير المطبوعة</span>\":\n١ - كتاب الردة وأثرها على الفرد والمجتمع \"مخطوط\". كتاب تحت الطبع.\n٢ - كتاب الكبائر \"مخطوط\".\n٣ - المحرمات في الكتاب والسنة \"مخطوط\". وهو كتاب مرتب على الأبواب الفقهية ومجرد من الأدلة، وهو كالمتن، وقد حاول المؤلف استيعاب المحرمات فيه قدر الاستطاعة.\n٤ - الصحابة في القرآن الكريم \"مخطوط\".\n٥ - الثوابت وحكم الانتقاص منها \"كتيب\" \"مخطوط\".\n٦ - طبقات علماء أهل الظاهر \"مخطوط\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-11> ثالثًا: مؤلفات الدكتور المنشورة على صفحته في الفيس بوك، ولم تطبع بعد:</span>\n١ - رحلة الذكريات. وهو سيرة ذاتية.\n٢ - الأربعون في المبشرات النبوية للأمة المحمدية \"كتيب حديثي\".\n٣ - الأربعون السلطانية \"كتيب حديثي\".\n٤ - الأربعون في حقوق الخلق \"كتيب حديثي\".\n٥ - الأربعون في الإخوة الإسلامية \"كتيب حديثي\".\n٦ - مفاتيح الدعوة إلى الله تعالى \"كتيب\".\n٧ - إلى الدعاة ما لهم وما عليهم \"كتيب\".\n٨ - الرقية الشرعية حجيتها وضوابطها وصورها \"كتيب\".\n٩ - أخبار الشحاتة والشحاتين \"كتيب\".\n١٠ - ضوابط الحرية في الإسلام \"كتيب\".\n١١ - حقيقة الإرهاب وصوره \"كتيب\".\n١٢ - الإسلام والاختلاط \"كتيب\".\n١٣ - منزلة الشريعة في الإسلام \"كتيب\".\n١٤ - محبوبات النبي - ﷺ - \"كتيب\".\n١٥ - مصطلحات غير شرعية \"كتيب\".\n١٦ - ما استثناه الشرع من المحرمات \"كتيب\".","vol":"1","page":7},{"text":"١٧ - آداب المسلم \"كتاب\". ويشتمل على ثلاثين أدبًا.\n١٨ - المعارضة السياسية في الإسلام \"كتيب\".\n١٩ - كتاب الجامع. وهو سلسلة منشورات متنوعة في مجالات كثيرة، ولعله يبلغ أكثر من مجلد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-12> رابعًا: المشاركات العلمية للدكتور </span>في مواقع التواصل الاجتماعي غير الفيس بوك التي يمكن جمعها في مؤلفات مستقلة:\n١ - فتاوى الدكتور عبد الرحمن الخميسي. وهي الفتاوى التي سئل عنها عبر قناته في التليجرام. وقد بلغت إلى الآن أكثر من (٢٤٠٠ فتوى)، ولعلها تكون في مجلدين أو أكثر.\n٢ - تعبير الأحلام. وهي التعبيرات للرؤى المنامية التي سئل عنها الأستاذ الدكتور في قناته في التليجرام، وقد بلغت إلى الآن أكثر من (١١٣٠ تعبيرًا)، ولعلها تكون في مجلد ضخم (^١).\n_________\n(^١) هذه الترجمة كتبها في الأصل الشيخ الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن إبراهيم الخميسي حفظه الله بخط يده في (٢٤/ ١٢/١٤٤١ هـ) الموافق (١٤/ ٨/٢٠٢٠ م) - صنعاء: الجمهورية اليمنية. ولم يكن لي من جهد فيها سوى التنسيق. المحقق.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفإن السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم هي المصدر الموازي للتشريع مع القرآن الكريم، بل قد استقلت عنه بتشريعات كثيرة لم ترد فيه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nولذلك فقد حفظها الله تعالى في الجملة بأن سخر لها رجالًا ينفون عنها تحريف الغالين وكذب الوضاعين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، يحفظونها في صدورهم ومسطورهم، ويميزون صحيحها من سقيمها، وسليمها من معلولها، فوصلت إلينا ناصعة جلية، ومكتوبة بينة.\nولم يشكك فيها أحد ممن سبق إلا الزنادقة والرافضة (^١)، فتصدى لهم العلماء الجهابذة قديمًا وحديثًا، وبينوا زيف ادعاءاتهم وتهافت شبهاتهم.\nهذا ويجب العمل بالسنة سواءً كانت قولية أو عملية عند العلماء جميعًا -غير من ذكرنا (^٢) - بغير استثناء، ولا تفريق بين قولية وعملية منها؛ لأن الجميع مصدره واحد.\nومن يفرق بين السنة القولية والسنة العملية أو يثير حولها الشبهات ويدعي تعارضها مع القرآن أقول له ولأمثاله: «إن في قلوبكم وعقولكم وأفهامكم مرضًا».\nإذ لم يزل المسلمون منذ القرن الأول وإلى اليوم يعملون بالسنة القولية والعملية والقرآن معًا، ولم يجدوا بينهم تناقضًا ولا تعارضًا، وكانوا مع ذلك سادة الدنيا والدين، هزموا الكفار والملاحدة، والقرامطة والباطنية، والخوارج وسائر الفرق الضالة بالسنان والبرهان، وردوا على أهل الكلام والفلاسفة ومن على شاكلتهم، وهزموهم كذلك، ودحضوا حججهم.\nوبقي الإسلام والمسلمون وعلماء الحديث وسائر أهل العلم تقرأ بينهم كتب الحديث وتتداول، وكانت محل إجلال وعمل، حتى جاء هذا العصر وظهرت العلمانية وانبعثت الباطنية من جديد؛ لتفصم بين المسلمين ودينهم، وتشكك في أخلاقهم وعقيدتهم.\n_________\n(^١) قال الإمام السيوطي: «الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن». مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي (ص:٦).\n(^٢) أي: الزنادقة والرافضة الذين سبق ذكرهم.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>سؤال لكل من يشكك في السنة النبوية:</span>\nالسؤال الذي يطرح نفسه على أي مشكك في السنة النبوية: هل ما تطرحه أنت شبهات أم حقائق؟\nفإن كانت شبهات فاعلم أن الشبهة هي في رأسك فقط (^١)، ولها حل إذا كنت تريد الحق، وإن كانت حقائق كما تزعم فيلزم من ذلك أن المسلمين كانوا جميعًا منذ القرن الأول على ضلال وباطل، وأنت فقط على الحق.؟ وهذا من أمحل المحال وأبطل الباطل، مما يدل بل ويبطل جميع شبهاتك وضلالاتك وإفكك.\n_________\n(^١) ومما ينبغي أن يُعلم هنا: أن الشبه لا ترد على دين الله - ﷿ - قرآنا وسنة- أصلًا وإن ادعى المشككون ذلك.\nويدل على ذلك: حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قال: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ). مسند أحمد (٢٨/ ٣٦٧)، رقم (١٧١٤٢)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦)، رقم (٤٣). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٣٣)، رقم (٤١).\nقال الإمام السندي: «قوله: (عَلَى الْبَيْضَاءِ) أي: الملة والحجة الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلًا، فصار حال إيراد الشبه عليها كحال كشف الشبه عنها ودفعها، وإليه الإشارة بقوله: (لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا)». حاشية السندي على سنن ابن ماجة (١/ ٢٠). فصار (لَيْلُهَا) أي: حال إيراد الشُّبه عليها (كَنَهَارِهَا) أي: كحال كشفِ الشبه عنها ودفعها عنها، فلا ينقص وضوحُها بإيراد الشبه عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى لمحمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأُرمي العَلوي الأثيوبي الهَرَري الكري البُوَيطي (١/ ١٦٥).\nوقال ابن الأمير الصنعاني: «(لَيْلُهَا) في إشراقه (كَنَهَارِهَا)، المراد: أنه لا لبس فيها ولا ريب، بل قد اتضحت إيضاح النهار. ومنه يُعلم أنه لا لبس في دين الله، ولا يحتاج إلى تكلفات المتكلمين وشطحات المتهوكين». التنوير شرح الجامع الصغير لابن الأمير الصنعاني (٨/ ٤٩).\nوقوله - ﷺ -: (لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ)، أي: لا يضل ولا يميل عن تلك الملة البيضاء إلى غيرها بعد وفاتي إلا من سبق عليه الهلاك الأبدي في علمه تعالى والحرمان عنها وحُكِم عليه به. أتى من قبل نفسه. انظر: التنوير شرح الجامع الصغير لابن الأمير الصنعاني (٨/ ٤٩)، ومرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجة والقول المكتفى على سنن المصطفى لمحمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأُرمي العلوي الأثيوبي الهَرَري الكري البُويطي (١/ ١٦٥).\nوالمعنى: لا يميل ولا يخرج عن الملة ويعمل بخلافها متعمدًا إلا الهالك الذي مأواه جهنم وبئس المصير. مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه لمحمد بن علي بن آدم بن موسى (١/ ٥٤٦).","vol":"1","page":10},{"text":"ودليل آخر: هل هذا الذي تقوله قاله المتقدمون قبلك أم لا؟\nفإن كانوا قد قالوا به فأين مصدره إن كنت صادقًا؟ وإن لم يقولوا به فهذا يدل على أن ما تقوله مجرد شبهات ضالة، طرأت عليك أنت فقط؛ لمرض في قلبك وفساد في عقلك وعقيدتك، فاذهب وأصلح قلبك وعقيدتك، وإلا فالمصير لك محتوم، والعاقبة بالسوء معلومة (^١).\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣، والزمر:٢٣، والزمر:٣٦، وغافر:٣٣].\n_________\n(^١) قال الآجري: «فكل من رد سنن رسول الله - ﷺ - وسنن أصحابه فهو ممن شاقق الرسول وعصاه، وعصى الله تعالى بتركه قبول السنن، ولو عقل هذا الملحد وأنصف من نفسه علم أن أحكام الله - ﷿ - وجميع ما تعبد به خلقه إنما تؤخذ من الكتاب والسنة، وقد أمر الله - ﷿ - نبيه - ﵇ - أن يبين لخلقه ما أنزله عليه مما تعبدهم به، فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. وقد بين - ﷺ - لأمته جميع ما فرض الله - ﷿ - عليهم من جميع الأحكام، وبين لهم أمر الدنيا وأمر الآخرة وجميع ما ينبغي أن يؤمنوا به، ولم يدعهم جهلة لا يعلمون، حتى أعلمهم أمر الموت والقبر وما يلقى المؤمن وما يلقى الكافر وأمر المحشر والوقوف وأمر الجنة والنار حالًا بعد حال، يعرفه أهل الحق». المصدر السابق (٣/ ١٢٠٥ - ١٢٠٦).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>سبب تأليف الكتاب</span>\nنشر شخص يدعي بأنه مستشار ومحام وباحث إسلامي (^١) ترهات وأكاذيب وشبهات حول السنة في منشور له طويل باسم: \"صور من الضياع الفقهي للفقهاء\" (^٢). كشف فيه عن جهله المركب بالقرآن والسنة، وعن حقده الدفين على علماء الحديث، وخاصةً الإمام البخاري، وعن سوء معتقده وانحرافه الفكري.\nومحصلة منشوره هو ما يلي:\nإنكار السنة القولية بدعوى:\n١ - تعارضها مع القرآن الكريم.\n٢ - اتهام المحدثين باختلاقها.\nوقد صح عندي العزم على الرد على هذا المنشور باختصار وإيجاز؛ كونه قد انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وتسبب في بعض التساؤلات عند البعض وربما الحيرة، مما يحتم القيام بهذا الواجب الكفائي، والحمد لله الذي شرح صدري لذلك بعد أن كنت أرفض الردود على الشبهات؛ لعدم جدواها عند مثيريها، لكنها مفيدة جدًا لغيرهم. فاستعنت بالله تعالى في الرد عليه من أجل:\nأولًا: الدفاع عن الحق وعن السنة المطهرة ورواتها.\nثانيًا: إزالة ما ترسخ من شبهات في عقول بعض طلاب العلم.\nثالثًا: بيان جهل هذا المفتري الأفاك بالقرآن والسنة، وأنه لا صلة له بالعلم لا من قريب ولا من بعيد.\nوكنت في أول الأمر قد نشرت هذه الردود في سلسلة منشورات على صفحتي في الفيس بوك، وقد بلغ عدد هذه المنشورات -بما فيها المقدمة والخاتمة- (٥٦) منشورًا.\nثم لما اطّلع أحد الإخوة (^٣) على هذه المنشورات قام بجمعها وترتيبها في كتاب جزاه الله خيرًا؛ من أجل أن تعم به الفائدة، مما استدعى مني إعادة النظر فيها، وتعديل أو إضافة ما رأيته صالحًا لذلك، وأصلحت فيه ما يلزم؛ حتى خرج على هذا النحو.\nوحتى تتم الفائدة من الكتاب رأيت أن أضيف إليه:\n١ - بحث كنت نشرته قديمًا في إحدى المجلات العلمية، وهو بعنوان: \"خصائص السنة المطهرة\".\n٢ - بعض الردود التي لديَّ على بعض الشبه التي يثيرها منكرو السنة، وكنت قد كتبتها -أيضًا- قديمًا، ونُشر بعضها في إحدى الجرائد المحلية وبعضها لم يكن قد نُشر بعد، وهي بعنوان: \"دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء\"، رددت فيها على \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" لعدنان الجُنيد.\nولذلك جاء الكتاب في ثلاثة فصول، كالتالي:\nالفصل الأول: خصائص السنة المطهرة. وهو كالتمهيد للكتاب.\nالفصل الثاني: الرد على شبهات منشور: \"صور من الضياع الفقهي للفقهاء\".\nالفصل الثالث: دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء.\n\nوالله تعالى أسأل أن يرزقني الإخلاص والسداد في القول والعمل، وأن يتقبله مني؛ وهو سبحانه الهادي والموفق والمجيب.\n﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود:٨٨].\n_________\n(^١) هو: المستشار/ أحمد عبده ماهر. وهو مصري، وقد عرف نفسه في بداية منشوره بأنه: \"كاتب\"، وقال في نهاية المنشور بأنه: \"محام بالنقض وباحث إسلامي\". وهو مصري.\n(^٢) وهو منشور في صفحته في الفيس بوك، وقد ملأه برد السنة النبوية وتكذيبها، بل وتضمن ردًا لبعض الآيات القرآنية -مع ادعائه باتباعه للقرآن فقط- التي تتوافق مع ما رده من السنه، حسب زعمه والتهجم على العلماء والمحدثين والفقهاء. والله المستعان.\n(^٣) وهو: محقق الكتاب والمعتني به، الأخ/ فاروق يحيى محمد الحاج.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الأول\nخصائص السنة المطهرة</span>\nويشتمل على:\nمقدمة.\nأولًا: الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن.\nثانيًا: خصائص السنة التي انفردت بها.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للثقلين، سيد الأولين والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد:\nفإننا متعبدون بالسنة المطهرة المنقولة عن نبينا - ﷺ - قولًا وفعلًا وتقريرًا كما أننا متعبدون بالقرآن؛ وذلك لأنها وحي أوحاه الله إلى رسوله - ﷺ -، وتنزل بها جبريل كما تنزل بالقرآن، إلا أن الفرق بينهما أن القرآن الكريم معجزة باقية حتى تقوم الساعة، محفوظ من التغيير والتبديل، متواتر اللفظ في جميع كلماته وحروفه، ونزل بوحي جلي، بخلاف السنة، فإن معناها من الله وأحيانًا من النبي - ﷺ -، ولفظها من النبي - ﷺ -، وقد تكون بوحي وبغير وحي.\nوالقرآن الكريم متعبد بتلاوته، ويتعين قراءته في الصلاة، وتحرم روايته بالمعنى، بخلاف السنة.\nوللسنة خصائص أخرى شاركت فيها القرآن، وخصائص انفردت بها عن سائر العلوم.\nولأهمية هذا الموضوع فقد أفردته بالبحث هنا تحت مسمى: \"خصائص السنة المطهرة\".\nوقسمته كالتالي:\nأولًا: الخصائص المشتركة بين السنة والقرآن، وفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: كون السنة وحيًا من الله تعالى.\nالمبحث الثاني: تسمية السنة بـ\"الكتاب\".\nالمبحث الثالث: نقل السنة بالإسناد المتصل.\nالمبحث الرابع: وجوب العمل بالسنة.\nالمبحث الخامس: كون منكر السنة كافرًا.\nالمبحث السادس: حفظ السنة في الجملة.\nالمبحث السابع: خطر التهاون بالسنة.\nثانيًا: خصائص السنة التي انفردت بها، وفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: انفراد السنة بالتشريع.\nالمبحث الثاني: انفراد السنة ببيان القرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: قواعد وشروط قبول السنة.\nالمبحث الرابع: تسمية السنة بـ\"الحكمة\".","vol":"1","page":14},{"text":"المبحث الخامس: كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - من المشتغل بالسنة.\nالمبحث السادس: دعاء النبي - ﷺ - لمن يتعلم السنة بالنضارة.\nوقد جاء القسم الأول أطول من الثاني؛ وذلك بسبب غزارة مادته العلمية، ولو أراد الباحث أن يطيل النفس فيه لجاء بأضعاف ما كُتب، بخلاف القسم الثاني، فالمادة العلمية الموجودة فيه قليلة جدًا. ولكون هذا مما قد لا ينتبه له القارئ الفطن فقد لزم التنبيه عليه.\n\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>أولًا\nالخصائص المشتركة بين السنة والقرآن</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nالمبحث الأول: كون السنة وحيًا من الله تعالى.\nالمبحث الثاني: تسمية السنة بـ\"الكتاب\".\nالمبحث الثالث: نقل السنة بالإسناد المتصل.\nالمبحث الرابع: وجوب العمل بالسنة.\nالمبحث الخامس: كون منكر السنة كافرًا.\nالمبحث السادس: حفظ السنة في الجملة.\nالمبحث السابع: خطر التهاون بالسنة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الأول\nكون السنة وحيًا من الله تعالى</span>\nالسنة وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله - ﷺ -، وتنزل بها الأمين جبريل - ﵇ - كما تنزل بالقرآن الكريم، غير أنه تنزل بالقرآن الكريم بلفظه ومعناه من الله تعالى، وأما السنة فتنزل بمعناها، وأما لفظها فمن النبي - ﷺ -، وقد دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٣ - ٤].\nقال الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي في تفسيره في معنى هذه الآية: «أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان» (^١)، ثم أورد بعض الأحاديث التي تدل على أن ما يقوله أو يفعله حق، وليس عن هوى أو غرض (^٢).\nوقال الإمام محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره: «وفيها أيضًا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل» (^٣).\nوقال العلامة محمد بن علي الشوكاني: «أي: ما يصدر نطقه عن الهوى، لا بالقرآن ولا بغيره، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، أي: ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه» (^٤).\nفهذه أقوال بعض أئمة التفسير تدل على: أن السنة من الوحي المنزل.\nوجزم بذلك بعض أئمة التابعين، وهو حسان بن عطية المحاربي الدمشقي، فقال: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، يُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ» (^٥).\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم لإسماعيل بن كثير الدمشقي \"المشهور بـ: تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤٤٣).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد القرطبي \"المشهور بـ: تفسير القرطبي\" (١٧/ ٨٥).\n(^٤) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني \"المشهور\nبـ: تفسير الشوكاني\" (٥/ ١٢٦).\n(^٥) سنن الدارمي، المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله (١/ ٤٧٤)، رقم (٦٠٨)، والسنة لمحمد بن نصر المروزي (ص:٣٣)، رقم (١٠٢)، والإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله - ﷺ - والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله - ﷺ - بالقرآن (١/ ٢٥٥)، رقم (٩٠)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للآلكائي، سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في الحث على التمسك بالكتاب والسنة وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم والخالفين لهم من علماء الأمة - ﵃ - أجمعين (١/ ٩٣)، رقم (٩٩)، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب حجة من ذهب إلى أنه لم يسن إلا بأمر الله (١/ ٨٣)، رقم (١٦٢)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله - ﷺ - في وجوب العمل ولزوم التكليف (ص:١٢). وقال ابن حجر عن سنده: «صحيح». فتح الباري لابن حجر (١٣/ ٢٩١). وقال الألباني: «رواه الدارمي بسند صحيح عن حسان بن عطية، فهو مرسل». تحقيق كتاب الإيمان لابن تيمية للألباني (ص:٣٧).\nوفي رواية: «كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ - ﵇ - بِالسُّنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ». جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر معلقًا -عن الأوزاعي عن حسان بن عطية-، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٣)، رقم (٢٣٥٠).","vol":"1","page":17},{"text":"وبنحو هذا قال قتادة بن دعامة السدوسي، فقد روى عنه ابن جرير الطبري في معنى الآية السابقة أنه قال: «قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]: «أَيْ: مَا يَنْطِقُ عَنْ هَوَاهُ»، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، قال: «يُوحِي اللَّهُ - ﵎ - إِلَى جَبْرَائِيلَ، وَيُوحِي جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (^١)» (^٢).\nورأى بعض أئمة التفسير أن المقصود بالوحي في الآية هو: \"القرآن خاصة\". وممن قال بهذا:\n١ - إمام أهل التفسير في عصره محمد بن جرير الطبري، حيث قال: «يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤]، يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه» (^٣).\n٢ - أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم:٣] يريد: محمدًا - ﷺ - أنه ليس يتكلم عن هواه، أي: بهواه وشهوته.\nوقال بعض العلماء: المعنى: وما ينطق القرآن المنزل عن هوى وشهوة. ونسب النطق إليه من حيث تفهم عنه الأمور، كما قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ﴾ [الجاثية:٢٩] (^٤). وأسند الفعل إلى القرآن الكريم ولم يتقدم له ذكر؛ لدلالة المعنى عليه.\n_________\n(^١) ذكر السيوطي: أنه أخرجه عنه: عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (٧/ ٦٤٢).\n(^٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري \"المشهور بـ: تفسير ابن جرير، وبـ: تفسير الطبري\" (٢٢/ ٤٩٨).\n(^٣) المصدر السابق (٢٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨).\n(^٤) وتمام المعنى في الآية: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩].","vol":"1","page":18},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم:٤] يراد به: القرآن بإجماع» (^١).\nوما ذهب إليه هؤلاء الأئمة من أن المراد بالوحي في الآية هو \"القرآن\" لا شك ولا خلاف فيه، غير أنه لا يمتنع أن يراد به مطلق الوحي على النبي - ﷺ -، فيشمل: القرآن، والسنة. وهذا المراد هو ظاهر الآية الذي لا يحتمل تأويلًا غيره. وقد جاء تفسير هذا المراد عن النبي - ﷺ - نفسه في أحاديث كثيرة، وقد بينت هذه الأحاديث أن ما يقوله - ﷺ - هو حق تلقاه من الله تعالى. ومن هذه الأحاديث:\n١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (^٢).\nوفي رواية عند الإمام أحمد: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَأَكْتُبُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا حَقًّا) (^٣).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا، قَالَ: إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَاّ حَقًّا) (^٤).\n٣ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنِّي لَأَمْزَحُ، وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا) (^٥).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي \"المشهور\nبـ: تفسير ابن عطية\" (٥/ ١٩٦).\n(^٢) مسند أحمد (١١/ ٥٧ - ٥٨)، رقم (٦٥١٠)، و(١١/ ٤٠٦)، رقم (٦٨٠٢)، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب في كتاب العلم (٣/ ٣١٨)، رقم (٣٦٤٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ٤٠٨)، رقم (٣٦٤٦).\n(^٣) مسند أحمد (١١/ ٥٩٣)، رقم (٧٠٢٠). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «صحيح لغيره». مسند أحمد (١١/ ٥٩٣)، حاشية رقم (١).\nوفي رواية عند أحمد أيضًا: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا). مسند أحمد (١١/ ٥٢٣ - ٥٢٤)، رقم (٦٩٣٠). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «صحيح لغيره». مسند أحمد (١١/ ٥٢٤)، حاشية رقم (٢).\n(^٤) مسند أحمد (١٤/ ١٨٥)، رقم (٨٤٨١)، و(١٤/ ٣٣٩)، رقم (٨٧٢٣)، والأدب المفرد للبخاري، باب المزاح (ص:١٠٢)، رقم (٢٦٥)، وسنن الترمذي، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧)، رقم (١٩٩٠). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقال الألباني: «صحيح». صحيح الأدب المفرد للألباني (ص:١١٦)، رقم (٢٦٥).\n(^٥) المعجم الأوسط للطبراني (١/ ٢٩٨)، رقم (٩٩٥)، والمعجم الصغير له (٢/ ٥٩)، رقم (٧٧٩). وقال الهيثمي: «إسناده حسن». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٨/ ٨٩)، رقم (١٣١٠٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٤٨٩)، رقم (٢٤٩٤).","vol":"1","page":19},{"text":"٤ - عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إِنِّي لأَمْزَحُ وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا) (^١).\n٥ - عن أبي أمامة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ -أَوْ: مِثْلُ أَحَدِ الْحَيَّيْنِ- رَبِيعَةَ وَمُضَرَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَ مَا رَبِيعَةُ مِنْ مُضَرَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ) (^٢).\nومعنى قوله: (إِنَّمَا أَقُولُ مَا أُقَوَّلُ) أي: إنما أتكلم بما علمني الله وأنطقني، وليس هو من عند نفسي ولا باجتهاد مني. قال الإمام المبارك بن محمد الجزري المعروف بـ\"ابن الأثير\" في معنى قول سعيد بن المسيب لما سئل: «ما تقول في عثمان وعلي؟ فقال: أقول ما قوّلني الله» (^٣). قال ابن الأثير: «يقال: قوَّلتني وأقولتني، أي: علمتني ما أقول وأنطقتني وحملتني على القول» (^٤).\n٦ - عن المقدام بن معدي كرب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ) (^٥).\n_________\n(^١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٤/ ٦٠٠)، رقم (١١٦٧)، ترجمة: محمد بن يزيد بن سعيد النهرواني، رقم الترجمة (١٧٦٣). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٤٨٩)، رقم (٢٤٩٤).\n(^٢) مسند أحمد (٣٦/ ٥٤٧)، رقم (٢٢٢١٥). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ٩٤٦)، رقم (٥٣٦٣).\n(^٣) في الطبقات الكبرى لابن سعد: «عن أبي بكر بن عبد الله قال: كان سعيد بن المسيب إذا سئل عن هؤلاء القوم قال: أقول فيهم ما قولني ربي: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر:١٠]، حتى يتم الآية». الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٩٨)، ترجمة: سعيد بن المسيب، رقم الترجمة (٦٨٣).\nوأما اللفظ المذكور فقد ذكره في: تهذيب اللغة للأزهري، \"مادة: قول\" (٩/ ٢٣١)، والغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (٥/ ١٥٩٤)، والفائق في غريب الحديث والأثر للزمخشري (٣/ ٢٣٥).\n(^٤) النهاية في غريب الحديث والأثر للمبارك بن محمد ابن الأثير الجزري (٤/ ١٢٣).\n(^٥) مسند أحمد (٢٨/ ٤١٠ - ٤١١)، رقم (١٧١٧٤)، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤/ ٢٠٠)، رقم (٤٦٠٤). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ١١٧ - ١١٨)، رقم (٤٦٠٤).","vol":"1","page":20},{"text":"ومعنى قوله: (أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) كما قال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي: «يحتمل وجهين من التأويل:\nأحدهما: أن يكون معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو.\nويحتمل: أن يكون معناه: أنه أوتي الكتاب وحيًا يتلى وأوتي من البيان، أي: أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعم ويخص وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر، فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن» (^١).\n٧ - عن المقدام بن معدي كرب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ. وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ) (^٢).\n_________\n(^١) معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٩٨).\n(^٢) سنن الترمذي، أبواب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي - ﷺ - (٥/ ٣٨)، رقم (٢٦٦٤). وقال: «حديث حسن غريب من هذا الوجه». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٦٤)، رقم (٢٦٦٤).\nوفي سنن ابن ماجة: «عن المقدام بن معد يكرب الكندي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ - ﷿ -، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ). سنن ابن ماجة، المقدمة \"وهي بعنوان: افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم\"، باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ - والتغليظ على من عارضه (١/ ٦)، رقم الحديث (١٢). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٢١)، رقم (١٢).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الثاني\nتسمية السنة بـ «الكتاب»</span>\nما يتبادر إلى الذهن عند إطلاق لفظ \"كتاب الله\" أن المقصود به هو \"القرآن الكريم\" هذا لا شك فيه، غير أنه قد ورد عن النبي - ﷺ - تسمية السنة بـ\"كتاب الله\"، ومن ذلك:\n١ - حديث: (لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ). وقضى بالقرآن والسنة، وذلك في قصة العسيف (^١) التي رواها الشيخان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ - ﵄ - قَالَا: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ (^٢)، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ (^٣) - فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) (^٤).\nوفي لفظ في الصحيحين: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ! عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا) (^٥).\nوالرجم والتغريب في السنة وليسا في القرآن. فدل على هذا على: صحة تسمية السنة بكتاب الله.\nقال ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني في بيان المراد بـ\"كتاب الله\" في الحديث: «والمراد بكتاب الله: ما حكم به وكتب على عباده. وقيل: المراد: القرآن. وهو المتبادر.\n_________\n(^١) العسيف هو: الأجير وزنًا ومعنى. ويطلق أيضًا على: الخادم، والعبد، والسائل. انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (١٢/ ١٣٩).\n(^٢) الوليدة في الأصل هي: المولودة. وتطلق ويراد بها: الأمة، كما هنا. انظر: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٣٢).\n(^٣) هو: أنيس الأسلمي، رجل من أسلم.\n(^٤) بهذا اللفظ أخرجه في: صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٣/ ١٨٤)، رقم (٢٦٩٥)، وكتاب الحدود، باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا عنه (٨/ ١٧١)، رقم (٦٨٣٥)، وكتاب الأحكام، باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في الأمور (٩/ ٧٥ - ٧٦)، رقم (٧١٩٣).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط التي لا تحل في الحدود (٣/ ١٩١)، رقم (٢٧٢٤)، كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا (٨/ ١٦٧ - ١٦٨)، رقم (٦٨٢٧)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٧).","vol":"1","page":22},{"text":"وقال بن دقيق العيد: الأول أولى؛ لأن الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله (^١).\nقيل: وفيما قال نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي - ﷺ - أن السبيل: جلد البكر ونفيه، ورجم الثيب. قلت (^٢): وهذا أيضًا بواسطة التبيين.\nويحتمل أن يراد بكتاب الله: الآية التي نسخت تلاوتها، وهي: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما\" ... وبهذا أجاب البيضاوي، ويبقى عليه التغريب.\nوقيل: المراد بكتاب الله: ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، فلذلك قال: (الغَنَمُ وَالوَلِيدَةُ رَدٌّ عَلَيْكَ).\nوالذي يترجح: أن المراد بكتاب الله: ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره» (^٣).\nقلت: والذي يترجح لي: أن المراد بكتاب الله في هذه القصة هو: القرآن والسنة، ففيهما أمر الله وحكمه وما كتبه على عباده والأمر باتباع رسوله - ﷺ - وطاعته، وجلد البكر والنهي عن أكل المال بالباطل، وفي السنة وحدها نفي الزاني غير المحصن ورجم الزاني المحصن، والآية المنسوخة الواردة في رجمه قد ثبتت بالسنة، ولم تثبت قرآنًا.\n٢ - حديث عائشة - ﵂ -: (أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي؛ فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) (^٤).\n_________\n(^١) نص كلام الإمام ابن دقيق العيد: «قوله: (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) تنطلق هذه اللفظة على القرآن خاصة، وقد ينطلق \"كتاب الله\" على حكم الله مطلقًا. والأولى حمل هذه اللفظة على هذا؛ لأنه ذكر فيه التغريب، وليس ذلك منصوصًا في كتاب الله، إلا أن يؤخذ ذلك بواسطة أمر الله تعالى بطاعة الرسول واتباعه». إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\nولفظة الحديث التي ذكرها ابن دقيق العيد في كلامه السابق - (إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) - فأخرجها في: صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يأمر الإمام رجلًا فيضرب الحد غائبًا عنه (٨/ ١٧٦)، رقم (٦٨٥٩). وهي في صحيح مسلم بلفظ: (إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٧).\n(^٢) القائل: ابن حجر.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٣٨).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المكاتب، باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله (٣/ ١٥٢)، رقم (٢٥٦١)، وصحيح مسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (٢/ ١١٤١)، رقم (١٥٠٤).","vol":"1","page":23},{"text":"فقول النبي - ﷺ -: (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) يريد به: القرآن والسنة؛ بدليل قوله - ﷺ -: (إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)؛ لأن هذا اللفظ والحكم ثابت في السنة، وليس في القرآن. وإلى هذا نحا ابن بطّال علي بن خلف القرطبي، حيث قال: «قوله: (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (^١) معناه: في حكم الله وقضائه من كتابه وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع الأمة» (^٢).\n٣ - قال عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو جالس على منبر رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا - ﷺ - بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ) (^٣).\nفقوله: (وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ) أي: أصله، ثم بينه النبي - ﷺ - بقوله وفعله.\nوقال ابن حجر في معنى قول عمر - ﵁ - هذا: «أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]. فبين النبي - ﷺ - أن المراد به: رجم الثيب، وجلد البكر، كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف» (^٤).\nوفي تسمية السنة بـ\"كتاب الله\" دلالات عظيمة، منها:\n١ - زيادة الاعتناء بها وأهميتها، وعظم شأنها ومكانتها في التشريع الإسلامي، وكونها وحيًا من عند الله - ﷿ -.\n٢ - مساواة أحكامها لأحكام القرآن الكريم، وعدم جواز التفريق بينهما في ذلك.\n_________\n(^١) كذا في شرح صحيح البخاري لابن بطال، وقد تقدم في لفظ الحديث: أن نصه في الصحيحين: (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ). وقد تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.\nوأما لفظة الحديث التي ذكرها ابن بطال - (كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ) - فأخرجها في: مسند أحمد (٤٢/ ٣٢١)، رقم (٢٥٥٠٤)، وسنن ابن ماجة، كتاب العتق، باب المكاتب (٢/ ٨٤٢)، رقم (٢٥٢١)، والمجتبى من السنن للنسائي \"المشهور بـ: سنن النسائي\"، كتاب الطلاق، باب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك (٦/ ١٦٤)، رقم (٣٤٥١). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ٣١٢)، رقم (٢٠٥٩).\n(^٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧/ ٧٩).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت (٨/ ١٦٩)، رقم (٦٨٣٠)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى (٣/ ١٣١٧)، رقم (١٦٩١).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٤٨).","vol":"1","page":24},{"text":"٣ - وجوب العمل بما ثبت منها كالقرآن الكريم، سواء كان الثابت آحادًا أو متواترًا، وسواء في العقائد والأحكام وغيرهما.\n٤ - وجوب التقاضي إليها والحكم بها كما يتقاضى إلى القرآن الكريم ويحكم به.\n٥ - وجوب إجلالها واحترامها وتوقيرها، وإن ذلك من إجلال النبي - ﷺ - وتوقيره واحترامه.\n٦ - حرمة تنقصها وازدرائها، كما يحرم تنقص وازدراء القرآن الكريم.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث\nنقل السنة بالإسناد المتصل</span>\nالإسناد هو أحد ركني الحديث الذي يتوقف عليهما قبول الحديث ورده، وقد كان العلماء في بداية الأمر يتساهلون فيه، فيقبلون الحديث بدونه، حتى كثرت الأهواء بين الناس وتعددت مشاربهم وأوغلوا في الفتن، وقد أدى ذلك إلى ظهور الكذب فيهم، فعند ذلك طالبوا كل محدث بالإسناد، وامتنعوا عن قبول أي حديث لا يشتمل عليه. قال محمد بن سيرين: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (^١).\nوأجمع المحدثون على: أن الرواية بالإسناد عن فلان عن فلان إلى منتهاه من الدين الذي أمر الناس به. قال محمد بن سيرين أيضًا: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» (^٢).\nوقال عبد الله بن المبارك المروزي: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (^٣).\nوالإسناد من خصائص هذه الأمة؛ إذْ أننا لم نجد عند أي أمة من الأمم السابقة فيما يروونه من دينهم: \"حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، إلى أن يصل الإسناد إلى النبي أو إلى من دونه\"، وإنما نجد مثل هذا عند هذه الأمة منذ الصدر الأول إلى اليوم، ونقلت جميع علوم ذلك الصدر فمن بعده إلى نهاية عصر الرواية بالإسناد المتصل، فالقرآن نقل بالإسناد المتواتر، والسنة نقلت بالإسناد المتواتر والآحاد، وحتى الأخبار التاريخية والشواهد اللغوية نقلت بالإسناد. فعند أي أمة من الأمم السابقة نجد مثل هذا؟ قال ابن حزم علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي: «نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي - ﷺ - مع الاتصال خص الله به المسلمين، دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد - ﷺ -، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه.\nقال: وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، المقدمة، باب في أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة (١/ ١٥)، بدون رقم.\n(^٢) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (١/ ١٤)، بدون رقم.\n(^٣) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (١/ ١٥)، بدون رقم.","vol":"1","page":26},{"text":"قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص» (^١).\nوقال أبو علي الجياني الحسين بن محمد الأندلسي: «خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء ولم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب» (^٢).\nوقال أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس الحنظلي: «لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة» (^٣).\nوقال محمد بن المظفر البغدادي: «إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمهم وحديثهم إسناد، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وتمييز بين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوا عن غير الثقات. وهذه الأمة إنما تنص الحديث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقل مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر؛ حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا. فهذا من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة. نستوزع الله شكر هذه النعمة» (^٤).\nوبهذا تتجلى لنا أهمية الإسناد، ويمكن أن نجملها فيما يلي:\n١ - أنه من الدين، أي: من حيث الأمر به وطلبه، والرواية به، وعدم جواز تركه إذا لزم.\n٢ - أنه من خصائص الأمة الإسلامية.\n٣ - أنه يتوقف عليه صحة الحديث من عدمه.\n٤ - أنه تتميز به أنواع الحديث المقبول من متواتر وصحيح لذاته وصحيح لغيره وحسن لذاته وحسن لغيره.\n٥ - أنه تتميز به أنواع الحديث الضعيف من موضوع ومنكر وشاذ ومعلل ومضطرب ونحو ذلك.\n_________\n(^١) ذكر قول ابن حزم هذا في: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث لجمال الدين القاسمي (ص:٢٠١).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص:٤٣).\n(^٤) المصدر السابق (ص:٤٠).","vol":"1","page":27},{"text":"٦ - أنه يتميز به كلام النبي - ﷺ - من غيره، فيعرف بالإسناد كون الحديث مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا.\n٧ - أنه يعرف به الإسناد العالي من الإسناد النازل.\n٨ - أنه يعرف به قوة الرواة من ضعفهم من حيث تفاوت الضبط والعدالة فيما بينهم.\n٩ - أنه تتميز به أنواع كثيرة من علوم الحديث المتعلقة به، كـ: رواية الآباء عن الأبناء وعكسه، ومعرفة الصحابة - ﵃ - والتابعين، والإخوة والأخوات، ورواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الأقران والمدبج، والسابق واللاحق، وغير ذلك.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الرابع\nوجوب العمل بالسنة</span>\nينبع القول بوجوب العمل بالسنة مما تشتمل عليه السنة من استقلالية في الأحكام وبيان مفصل للقرآن الكريم، إذ لو قال قائل أو نادى منادٍ بالاستغناء عنها والاكتفاء بالقرآن عنها لأبطل معظم الدين، ولما اهتدي إلى القيام بكثير من فرائضه وأحكامه. على أن مثل هذه المناداة لم تكن معروفة في السلف، وإنما وجدت بعدهم بين الزنادقة ثم في عصرنا الحاضر من المستشرقين وأذنابهم من المستغربين ومن يطلق عليهم بـ\"القرآنيين\" ممن لا يعرفون من القرآن إلا التلاوة التي تكاد لا تجاوز حناجرهم، بل إن كثيرًا منهم لا يحسنها، وإذا أحسنها فإنها لا يعرفها، وإذا عرفها فإنه لا يعمل بها.\nوقد دل على وجوب العمل بالسنة: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أولًا: الأدلة من القرآن الكريم:</span>\nيدل على وجوب العمل بالسنة من القرآن: آياته الدالة على وجوب اتباع الرسول - ﷺ - وطاعته والاحتكام إلى سنته والرد إليها، وهي كثيرة جدًا، منها:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران:٣١ - ٣٢].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر:٧].\n٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩].\n٤ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب:٢١].\n٥ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥].\nفهذه الآيات وغيرها مما في معناها تدل دلالة واضحة على: وجوب العمل بالسنة؛ لكون ذلك من طاعة الرسول - ﷺ - ومحبته والاقتداء به والتسليم لأمره والانقياد لحكمه، ومن لم يعمل بالسنة فليس مطيعًا للرسول - ﷺ - ولا محبًا له ولا مقتديًا به ولا ممتثلًا لأمره ولا مجتنبًا لنهيه، بل هو عاصٍ لله ولرسوله - ﷺ - على اختلاف درجات المعصية، مستحق لما توعده الله به ورسوله - ﷺ - في الآخرة، وعلى هذا دل الكتاب والسنة، ومن ذلك:","vol":"1","page":29},{"text":"١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب:٣٦].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣].\n٣ - عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية:</span>\nوردت في السنة أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ - توجب العلم بسنته، منها:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق: أن رسول الله - ﷺ - قال: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (^٢).\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَوْ قُلْتُ: \"نَعَمْ\" لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ) (^٣).\n٣ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فَخُذُوا عَنِّي، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) (^٤).\n٤ - عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ! وَيَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ. وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - (٩/ ٩٢ - ٩٣)، رقم (٧٢٨٠).\n(^٢) انظر: التخريج السابق.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (٢/ ٩٧٥)، رقم (١٣٣٧). وأخرجه البخاري بلفظ: عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ). صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - (٩/ ٩٤ - ٩٥)، رقم (٧٢٨٨).\n(^٤) بهذا اللفظ أخرجه في: سنن الترمذي، أبواب العلم، باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله - ﷺ - (٥/ ٤٧)، رقم (٢٦٧٩). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٧٠)، رقم (٢٦٧٩).\n(^٥) المصدر السابق، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٢/ ٥٩٢)، رقم (٨٦٧).","vol":"1","page":30},{"text":"٥ - عن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ! فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (^١).\n٦ - عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ) (^٢).\nوفي رواية عنه - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: (يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ - ﷿ -، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) (^٣).\n٧ - عن أبي رافع - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ) (^٤).\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٨/ ٣٧٣)، رقم (١٧١٤٤)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب اتباع السنة (١/ ٢٢٩)، رقم (٩٦)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٥ - ١٧)، رقم (٤٢، و٤٣، و٤٤)، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤/ ٢٠١)، رقم (٤٦٠٧)، وسنن الترمذي، أبواب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (٥/ ٤٤)، رقم (٢٦٧٦). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٣١ - ٣٢)، رقم (٤٠).\n(^٢) مسند أحمد وسنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود. وقد تقدم.\n(^٣) سنن ابن ماجة وسنن الترمذي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة. وقد تقدم.\n(^٤) مسند أحمد (٣٩/ ٣٠٢)، رقم (٢٣٨٧٦)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله - ﷺ - والتغليظ على من عارضه (١/ ٦)، رقم (١٣)، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (٤/ ٢٠٠)، رقم (٤٦٠٥)، وسنن الترمذي، أبواب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي - ﷺ - (٥/ ٣٧)، رقم (٢٦٦٣). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٢١)، رقم (١٣).","vol":"1","page":31},{"text":"٨ - عن مالك أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) (^١).\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي. وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ) (^٢).\n٩ - عن أنس - ﵁ -: (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (^٣).\n١٠ - عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) (^٤).\n_________\n(^١) موطأ مالك، كتاب القدر، النهي عن القول بالقدر (٥/ ١٣٢٣)، رقم (٣٣٣٨). وقال الألباني عنه: إنه مرسل حسن. تحقيق مشكاة المصابيح لولي الدين العمري التبريزي للألباني (١/ ٦٦)، رقم (١٨٦). وقال الألباني أيضًا: «رواه مالك بلاغًا والحاكم موصلًا بإسناد حسن». منزلة السنة في الإسلام للألباني (ص:١٨).\n(^٢) المستدرك للحاكم، كتاب العلم (١/ ١٧٢)، رقم (٣١٩). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٥٦٦)، رقم (٢٩٣٧).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٧/ ٢)، رقم (٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (٢/ ١٠٢٠)، رقم (١٤٠١). واللفظ لمسلم.\nولفظ البخاري: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (١/ ٦٩)، رقم (٥٠).","vol":"1","page":32},{"text":"١١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) (^١).\nوفي رواية: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (^٢).\n١٢ - عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>ثالثًا: الدليل من الإجماع:</span>\nأجمع المسلمون منذ الصدر الأول إلى اليوم على وجوب العمل بالسنة، ولم يخالف في ذلك إلا الزنادقة وبعض الفرق الضالة ممن لا يعتد بها ولا بخلافها عند أهل العلم. وممن نقل الإجماع على هذا:\n١ - ابن حزم، حيث قال: «فصل فيه أقسام الإخبار عن الله تعالى:\nقال أبو محمد (^٤): جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال ففرضٌ اتباعُه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله. ثم اختلف المسلمون في الطريق المؤدية إلى صحة الخبر عنه - ﵇ - بعد الإجماع المتيقن المقطوع به على ما ذكرنا وعلى الطاعة من كل مسلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩]» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (٣/ ١٨٤)، رقم (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣)، رقم (١٧١٨).\n(^٢) صحيح البخاري تعليقًا، كتاب البيوع، باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع (٣/ ٦٩)، بدون رقم، وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٣/ ١٣٤٣)، رقم (١٧١٨).\n(^٣) مسند أحمد (١١/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، رقم (٦٧٦٤)، و(١١/ ٥٤٧)، رقم (٦٩٥٨)، والسنة لابن أبي عاصم (١/ ٢٨)، رقم (٥١)، وصحيح ابن خزيمة، كتاب الصيام، باب استحباب صوم يوم وإفطار يوم والإعلام بأنه صوم نبي الله داود - ﷺ - (٣/ ٢٩٣)، رقم (٢١٠٥)، وصحيح ابن حبان، المقدمة، باب الاعتصام بالسنة وما يتعلق بها نقلًا وأمرًا وزجرًا (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، رقم (١١). وقال الألباني: «إسناده صحيح على شرط الشيخين». كتاب السنة لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني (١/ ٢٨)، رقم (٥١).\n(^٤) يقصد: ابن حزم نفسه.\n(^٥) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":33},{"text":"٢ - العلامة محمد بن علي الشوكاني، حيث قال: «اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على: أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)، أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن» (^١).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول لمحمد بن علي الشوكاني (١/ ٩٦). وانظر كذلك: المختصر الوجيز في علوم الحديث للدكتور/ محمد عجاج الخطيب (ص:٣٣). وقد نقل كذلك إجماع الأمة الإسلامية على وجوب العمل بالسنة استجابة لله ولرسوله الأمين محمد - ﷺ -.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الخامس\nكون منكر السنة كافرًا</span>\nلم يختلف العلماء فيما بينهم أن من أنكر السنة وردها جملة وتفصيلًا وجحد ورودها عن النبي - ﷺ - بالكلية أنه كافر زنديق؛ وذلك لأنه:\n١ - مكذب لله ولرسوله - ﷺ -.\n٢ - منكر لأمر قطعي معلوم من الدين بالضرورة.\n٣ - مؤمن ببعض الكتاب وكافر ببعض.\n٤ - مستهزئ بالنبي - ﷺ -.\n٥ - متبع لغير سبيل المؤمنين.\nوتفصيل ذلك كالتالي:\n١ - أما كونه مكذبًا لله ولرسوله - ﷺ - فلأن الله تعالى أخبر: أن السنة وحي من عنده، وأنها مبينة للقرآن ومستقلة عنه في التشريع، وأنه يجب الانقياد لذلك والأخذ به، وأكد النبي - ﷺ - ذلك بقوله وفعله. فقال المنكر للسنة: إن الأمر ليس كذلك.\n٢ - وأما كونه منكرًا لأمر قطعي فلأنه لا خلاف في ذلك بين جمهور المسلمين حتى أصبح ذلك معلومًا لكل أحد، ومثل هذا هو الذي يسميه العلماء: \"المعلوم من الدين بالضرورة\" الذي يحكم على منكره بالكفر.\n٣ - وأما كونه مؤمنًا ببعض الكتاب وكافرًا ببعض فلأنه فرق بين القرآن والسنة في الإيمان والعمل، وهما عند المسلمين في هذا شيء واحد بالإجماع، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة:٨٥].\n٤ - وأما كونه مستهزئًا بالنبي - ﷺ - فظاهر من عدم إيمانه بالسنة وعدم قبوله لها، وتركه للعمل بها استخفافًا. وهذا كفر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].\n٥ - وأما كونه متبعًا لغير سبيل المؤمنين فلأن المؤمنين صدرًا بعد صدر وجيلًا بعد جيل على الإيمان بالسنة والعمل بها، فمن أنكرها لم يكن منهم، ولا هو متبع لسبيهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء:١١٥].","vol":"1","page":35},{"text":"وقد نقل الإجماع على كفر منكر السنة غير واحد من أهل العلم، منهم:\n١ - الإمام ابن حزم، حيث قال: «مسألة: وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي - ﷺ - أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي - ﵇ - فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥]» (^١).\nوقال كذلك: «فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة. ولو أن امرءًا قال: \"لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن\" لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك. وقائل هذا كافر مشرك، حلال الدم والمال. وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم» (^٢).\nوقال أيضًا: «وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى:١٠]. فوجدنا الله تعالى يردنا إلى كلام نبيه - ﷺ - على ما قدمنا آنفًا. فلم يسمع (^٣) مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر على رسول الله - ﷺ -، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق.\nوأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما وموجبًا لطاعة أحد دونهما فهو كافر شك (^٤) عندنا في ذلك. وقد ذكرنا (^٥) محمد بن نصر المروزي: أن إسحاق بن راهويه كان يقول: \"من بلغه عن رسول الله - ﷺ - خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر\".\nولم نحتج في هذا بإسحاق، وإنما أوردناه لئلا يظن جاهل أننا منفردون بهذا القول. وإنما احتججنا في تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله - ﷺ - بقول الله تعالى مخاطبًا لنبيه - ﷺ -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥].\n\nقال علي (^٦): هذه كافية لمن عقل وحذر وآمن بالله واليوم الآخر وأيقن أن هذا العهد عهد ربه تعالى إليه ووصيته - ﷿ - الواردة عليه.\n_________\n(^١) المحلى لابن حزم (١/ ٣٢).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ٧٩ - ٨٠).\n(^٣) كذا في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ولعل الصواب: يسع.\n(^٤) كذا في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ولعل الصواب: لا شك.\n(^٥) كذا في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ولعل الصواب: وقد ذكرنا عن.\n(^٦) يقصد: ابن حزم نفسه.","vol":"1","page":36},{"text":"فليفتش الإنسان نفسه، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله - ﷺ - في كل خبر يصححه مما قد بلغه أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله - ﷺ - ووجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان أو قياسه واستحسانه وأوجد (^١) نفسه تُحَكّم فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله - ﷺ - متى صاحت فمن دونه -فليعلم أن الله تعالى قد أقسم -وقوله الحق-: إنه ليس مؤمنًا. وصدق الله تعالى. وإذا لم يكن مؤمنًا فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث» (^٢).\n٢ - الإمام جلال الدين السيوطي، حيث قال: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشرَ مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكَفَرَة» (^٣).\n٣ - ابن حجر العسقلاني، فقد ذكر ذلك عند بيانه لضابط البدعة المكفرة التي ترد بها رواية قائلها، فقال: «فالمعتمد أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه.\nفأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله» (^٤).\nقلت: وعلى هذا فمنكر السنة كافر؛ لأنها متواترة عن النبي - ﷺ - في العموم معلومة من الدين بالضرورة، وقال عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - وقد سأله إنسان (^٥) عن الصلاة في السفر: (رَكْعَتَانِ، مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ) (^٦).\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ووجد.\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٣) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة لجلال الدين السيوطي (ص:٥).\n(^٤) نزهة النظر بشرح نخبة الفكر لابن حجر العسقلاني (ص:١٢٣).\n(^٥) الذي سأله: صفوان بن محرز. وقد جاء مصرحًا باسمه في أغلب الروايات.\n(^٦) السنن الكبرى للبيهقي، أبواب صلاة المسافر والجمع في السفر، باب كراهية ترك التقصير والمسح على الخفين وما يكون رخصة رغبة عن السنة (٣/ ٢٠١)، رقم (٥٤١٧)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب فضل السنة ومباينتها لسائر أقوال علماء الأمة (٢/ ١٢٠٧)، رقم (٢٣٧٢).","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث السادس\nحفظ السنة في الجملة</span>\nلقد تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من أن تمتد إليه يد التحريف بزيادة أو نقصان، وتولّى سبحانه حفظه، ولم يكل ذلك إلى أحد سواه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩].\nولما كان هذا القرآن الكريم يشتمل على أحكام وفرائض وحدود وأوامر ونواه مجملة ومطلقة وعامة ومبهمة فقد أوجب الله تعالى على رسوله - ﷺ - تبيينها وتوضيحها للناس؛ حتى لا يلتبس عليهم دينهم وكتاب ربهم، فقام - ﷺ - بذلك أحسن قيام، وذلك فيما يعرف بين المسلمين بـ\"السنة\".\nوعلى هذا الاعتبار فلم يكن من المجازفة القول: إن من تمام حفظ القرآن حفظ السنة كذلك؛ لأنه لا يعبد الله حق عبادته بدونها، ولا يعبد كما شرع - جل وعلا -. ولأجل هذا فقط حفظ الله تعالى سنة نبيه - ﷺ - في الجملة، وذلك من خلال تسخيره لها رجالًا يحفظونها في صدورهم وكتبهم، وينفون عنها تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>طُرق حفظ السنة النبوية:</span>\nيمكن أن تُجمل العوامل التي حُفظت بها السنة في الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا: الكتابة:</span>\nوتعني: كتابة الحديث وجمعه لا على سبيل الاستقصاء والتبويب.\nوقد ابتدأت كتابة السنة في عهد النبي - ﷺ - (^١)، وأشهر من كان يكتب الحديث في هذا العهد: عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، ويدل لذلك:\n١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: (كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: اكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) (^٢).\n٢ - عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي - ﵁ - قال: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ» (^٣).\n_________\n(^١) وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كتبوا عن النبي - ﷺ - الحديث فبلغوا اثنين وخمسين صحابيًا - ﵃ -. انظر: دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور/ محمد مصطفى الأعظمي (٢/ ٩٢ - ١٤٢).\n(^٢) مسند أحمد وسنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود. وقد تقدم.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (١/ ٣٤)، رقم (١١٣).","vol":"1","page":38},{"text":"وقد جمع عبد الله بن عمرو - ﵄ - حديثه عن النبي - ﷺ - في صحيفة سماها: \"الصادقة\"، وقد روى عنه مجاهد أنه قال - ﵁ -: (مَا يُرَغِّبُنِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا الصَّادِقَةُ وَالْوَهْطُ، فَأَمَّا الصَّادِقَةُ فَصَحِيفَةٌ كَتَبْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَمَّا الْوَهْطُ فَأَرْضٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - ﵁ - كَانَ يَقُومُ عَلَيْهَا) (^١).\nولم يكن عبد الله بن عمرو بن العاض - ﵄ - هو الذي يكتب الحديث عن النبي - ﷺ - فقط، بل كان يكتب عنه غيره من الصحابة - ﵃ -، ومما يدل على ذلك:\n١ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، فقد جاء عن أبي جُحيفة قال: (قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (^٢) وَفَكَاكُ الأَسِيرِ (^٣) وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) (^٤).\n٢ - حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - نفسه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَا، بَلْ مَدِينَةُ هِرَقْلَ أَوَّلًا) (^٥).\n_________\n(^١) سنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (١/ ٤٣٦)، رقم (٥١٣)، والمحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص:٣٦٦ - ٣٦٧)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب ذكر الرخصة في كتاب العلم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، رقم (٣٩٤)، وتقييد العلم للخطيب البغدادي (ص:٨٤). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف». سنن الدارمي (١/ ٤٣٦).\n(^٢) العَقْلُ هو: الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول، أي: شدَها في عقلها؛ ليسلمها إليهم ويقبضوها منه، فسميت الدية: \"عقْلًا\" بالمصدر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٣/ ٢٧٨).\n(^٣) (فَكَاكُ الأَسِيرِ) قال الحافظ ابن حجر: «والمعنى: أن فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو والترغيب في ذلك». فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٤٧).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (١/ ٣٣)، رقم (١١١).\n(^٥) مسند أحمد (١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، رقم (٦٦٤٥)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (١/ ٤٣٠)، رقم (٥٠٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٦٨)، رقم (١٦٦)، والمستدرك للحاكم، كتاب الفتن والملاحم (٤/ ٤٦٨)، رقم (٨٣٠١)، و(٤/ ٥٥٣)، رقم (٨٥٥٠). وقال الحاكم عن روايته الأولى للحديث: «صحيح على شرط الشيخين»، وقال الذهبي تعليقًا على قول الحاكم هذا: «على شرط البخاري ومسلم». المستدرك للحاكم (٤/ ٤٦٨). وقال الحاكم عن روايته الثانية للحديث: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وقال الذهبي تعليقًا على قول الحاكم هذا: «صحيح». المستدرك للحاكم (٤/ ٥٥٣). وقال الألباني موافقًا للحاكم والذهبي في تصحيحهما للحديث: «وهو كما قالا». سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني \"المشهور بـ: السلسلة الصحيحة\" (١/ ٣٣)، رقم (٤). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (١١/ ٢٢٥)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":39},{"text":"فقوله - ﵁ -: (نَكْتُبُ) فيه دلالة على عدم اختصاصه - ﵁ - بالكتابة عن النبي - ﷺ -، وأنه كان يكتب غيره معه - ﵁ -.\n٣ - ومما يدل على فشو وكتابة الحديث في عهد النبي - ﷺ -: حديث أبي هريرة - ﵁ - في خطبة النبي - ﷺ - يوم الفتح، وفيه: (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ (^١) لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) (^٢).\nفهذه الخطبة كانت في فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وقد سمعها الآلاف من الصحابة - ﵃ -.\nوفي هذا الحديث وغيره مما سبق: دلالة واضحة على نسخ النهي الوارد عن النبي - ﷺ - في كتابة الحديث، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) (^٣).\nوقيل أيضًا في التوفيق بين هذا الحديث والأحاديث التي قبله: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك.\nأو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد والإذن في تفريقهما.\nأو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس. وهو أقربها مع أنه لا ينافيها.\nوقيل: النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك (^٤).\n_________\n(^١) يعني: الوليد بن مسلم الراوي عن الأوزاعي.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة (٣/ ١٢٦)، رقم (٢٤٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام (٢/ ٩٨٨)، رقم (١٣٥٥).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم (٤/ ٢٢٩٨)، رقم (٣٠٠٤).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٨). وقال النووي: «واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي: فقيل: هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه، كحديث:  «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ»، وحديث صحيفة علي - ﵁ -، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر - ﵁ - أنسًا - ﵁ - حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبى هريرة:  «أن ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ»، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.\nوقيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة. والله أعلم». المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي \"المشهور بـ: شرح صحيح مسلم للنووي، وبـ: شرح النووي على مسلم\" (١٨/ ١٣٠).","vol":"1","page":40},{"text":"ولأجل هذا التعارض الظاهر بين الأحاديث وقع الاختلاف في كتابة العلم بين السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين، فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، كما قال القاضي عياض (^١).\nولولا كتابة العلم لاندرس وذهبت معالمه وآثاره، قال الحافظ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في الصدر الأول في جواز كتابة الحديث: «ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة» (^٢).\nوقد نقلت قبله نقل النووي عن القاضي: أن السلف من الصحابة - ﵃ - والتابعين اختلفوا كثيرًا في كتابة العلم (^٣)، ثم قال القاضي: «ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا: الحفظ:</span>\nوالمقصود به هنا: حفظ السنة في الصدور.\nوقد هيأ الله تعالى لهذه السنة في عصر النبي - ﷺ - ثم في العصور التي بعده إلى نهاية عصر الرواية رجالًا حفظوها في صدورهم كما كانوا يحفظون السورة من القرآن. وقد اشتهر هؤلاء الرجال في الأمة حتى عرفوا بين الناس بـ\"الحفاظ\" مع تفاوتهم في ذلك، وكان باعثهم في ذلك عدة أمور:\n_________\n(^١) المصدر السابق (١٨/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٢) معرفة أنواع علوم الحديث لعثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح الشهرزوري \"المشهور بـ: مقدمة ابن الصلاح\" (ص:١٨٣).\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨/ ١٢٩).\n(^٤) المصدر السابق (١٨/ ١٣٠).","vol":"1","page":41},{"text":"١ - قصد طلب العلم للفوز بنعيمه وثمرته وفائدته ورتبته في الدنيا والآخرة.\n٢ - قصد التبليغ الذي أمرت به الأمة، فعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (^١).\nوعن أبي بكرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في حديث طويل، وفيه:- أنه قال: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) (^٢).\n٣ - الفوز بدعاء النبي - ﷺ - الوارد في حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) (^٣).\n٤ - العلم بما اشتملت عليه الأحاديث من أمور الدين المختلفة. وهذا هو غاية طلب العلم وفائدته وثمرته.\n• أشهر حفاظ الحديث من الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم:\nاشتهر حفاظ الحديث في كل عصر، من عصر النبي - ﷺ - ثم مرورًا بعصر التابعين ومن بعدهم إلى نهاية عصر الرواية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-31> أولًا: أشهر حفاظ الحديث من الصحابة - ﵃ </span>-:\nمن أشهر حفاظ الحديث في عصر النبي - ﷺ - (^٤):\n١ - أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي - ﵁ -. روى عن النبي - ﷺ - (٥٣٧٤) حديثًا.\n٢ - عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي - ﵄ -. روى عن النبي - ﷺ - (٢٦٣٠) حديثًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٤/ ١٧٠)، رقم (٣٤٦١).\n(^٢) من رواية أبي بكرة - ﵁ - أخرجه في: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي - ﷺ -: (رب مبلغ أوعى من سامع) (١/ ٢٤)، رقم (٦٧)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (٣/ ١٣٠٥)، رقم (١٦٧٩).\nوروى الحديث بعض الصحابة غيره - ﵃ - في الصحيحين أيضًا.\n(^٣) من رواية زيد بن ثابت - ﵁ - أخرجه في: مسند أحمد (٣٥/ ٤٦٧)، رقم (٢١٥٩٠)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء (١/ ٣٠٢)، رقم (٢٣٥)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب من بلغ علمًا (١/ ٨٤)، رقم (٢٣٠)، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم (٣/ ٣٢٢)، رقم (٣٦٦٠)، وسنن الترمذي، أبواب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٥/ ٣٤)، رقم (٢٦٥٦). والسنن الكبرى للنسائي، كتاب العلم، الحث على إبلاغ العلم (٥/ ٣٦٣)، رقم (٥٨١٦). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٩٤)، رقم (١٨٨). وروى الحديث بعض الصحابة غيره - ﵃ -.\n(^٤) وقد رتبتهم حسب عدد أحاديثهم - ﵃ -، مبتدئًا بأكثرهم حديثًا ثم من يليه، وهكذا.","vol":"1","page":42},{"text":"٣ - أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي - ﵁ -. روى عن النبي - ﷺ - (٢٢٨٦) حديثًا.\n٤ - أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق - ﵂ -. روت عن النبي - ﷺ - (٢٢١٠) أحاديث.\n٥ - عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي - ﵄ -. روى عن النبي - ﷺ - (١٦٦٠) حديثًا.\n٦ - جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ -. روى عن النبي - ﷺ - (١٥٤٠) حديثًا.\n٧ - أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري - ﵁ -. روى عن النبي - ﷺ - (١١٧٠) حديثًا (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-32> ثانيًا: أشهر حفاظ الحديث من التابعين ومن بعدهم:</span>\nمن أشهر حفاظ الحديث في عصر التابعين ومن بعدهم (^٢):\n١ - أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي.\n٢ - أبو سعيد الحسن بن يسار البصري.\n٣ - أبو بكر محمد بن سيرين البصري.\n٤ - أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الشعبي الكوفي.\n٥ - أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني.\n٦ - أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري.\n٧ - أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الدمشقي.\n٨ - أبو بسطام شعبة بن الحجاج الواسطي الأزدي العتكي.\n٩ - أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري الكوفي.\n١٠ - أبو الحارث الليث بن سعد الفهمي المصري.\n١١ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك الحنظلي المروزي.\n١٢ - أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي.\n١٣ - أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي البصري.\n١٤ - أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري.\n١٥ - أبو زكريا يحيى بن معين البغدادي.\n١٦ - أبو الحسن علي بن عبد الله السعدي المدني.\n_________\n(^١) أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد لابن حزم (ص:٣٧ - ٤٢).\n(^٢) وقد رتبتهم حسب تواريخ وفاتهم.","vol":"1","page":43},{"text":"١٧ - أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، المعروف بـ\"ابن راهويه\".\n١٨ - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي.\n١٩ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، صاحب الصحيح.\n٢٠ - أبو عبد الله محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري.\n٢١ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.\n٢٢ - أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي.\n٢٣ - أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي.\n٢٤ - أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني.\n٢٥ - أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي البغدادي (^١).\nوغير هؤلاء كثير من الحفاظ، والذين يبلغون آلافًا، وقد ذكرهم الذهبي في مصنفاته، وذكرهم غيره كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثالثًا: التدوين:</span>\nوالمقصود به: جمع السنة على سبيل الاستقصاء والتبويب لها.\nوقد ابتدأ تدوين السنة بهذا المعنى في عهد الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز الأموي، حيث إنه كتب إلى عماله في الآفاق: أن يكتبوا ما وصل إليهم من حديث الرسول - ﷺ -. ومن هؤلاء الذين كتب إليهم بذلك عامله على المدينة: أبو بكر بن حزم، قال الإمام البخاري: «وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاكْتُبْهُ؛ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا» (^٢).\nقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: «قوله: «فَاكْتُبْهُ» يستفاد منه: ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز -وكان على رأس المائة الأولى- من ذهاب العلم بموت العلماء رأى أن في تدوينه ضبطًا له وإبقاءً. وقد روى أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" هذه القصة بلفظ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْآفَاقِ: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاجْمَعُوهُ» (^٣)» (^٤).\nوممن جمع السنة كذلك بأمر عمر بن عبد العزيز: الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، فقد جاء عنه أنه قال: «أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِجَمْعِ السُّنَنِ، فَكَتَبْنَاهَا دَفْتَرًا دَفْتَرًا. فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ أَرْضٍ لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ دَفْتَرًا» (^٥).\n_________\n(^١) انظر في ذلك: تذكرة الحفاظ للذهبي في ترجمة كل واحد منهم.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ٣١)، بدون رقم. وانظر أيضًا: سنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم (١/ ٤٣١)، رقم (٥٠٥)، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص:٤٢٣)، رقم (٧٨٢)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي، كتاب السرقة، باب ما يجب فيه القطع (١٢/ ٣٧٢)، رقم (١٧٠٦٧)، وتقييد العلم للخطيب البغدادي (ص:١٠٥)، وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده صحيح». سنن الدارمي (١/ ٤٣١).\nوهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه موصولًا إلى قوله: «وَذَهَابَ العُلَمَاءِ»، وباقيه معلَّقًا.\n(^٣) تاريخ أصبهان لأبي نعيم الأصبهاني (١/ ٣٦٦)، ترجمة: درهم بن مظاهر الزبيري.\nوتمام كلام عمر بن عبد العزيز: «وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ».\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٥) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب ذكر الرخصة في كتاب العلم (١/ ٣٣١)، رقم (٤٣٨).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>رابعًا: التصنيف:</span>\nبعد التدوين الرسمي للسنة تتابع التصنيف فيها من قبل أفراد العلماء.\n• أشهر العلماء المصنفين في الحديث الذين وصلتنا مصنفاتهم فيه:\nاشتهر طائفة من العلماء بالتصنيف في السنة، سواء كانت مصنفاتهم فيها على الأبواب أو على الأسماء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-35> أولًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأبواب:</span>\nمن أشهر العلماء الذين صنفوا في السنة على الأبواب ممن وصلت إلينا مصنفاتهم (^١):\n١ - أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة. له: \"الموطأ\" على الأبواب.\n٢ - أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني الحميري مولاهم. له: \"المصنف\" وغيره على الأبواب.\n٣ - أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن شيبة العبسي الكوفي. له: \"المصنف\" وغيره على الأبواب.\n٤ - أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي. له: \"السنن\"، وتسمى: \"المسند\" تجوزًا؛ على اعتبار أن أحاديثه مسندة.\n٥ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي مولاهم. له: \"الصحيح\" على الأبواب. وهو أول من صنف في الصحيح المجرد، وكتابه \"الصحيح\" أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.\n٦ - أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. له: \"الصحيح\" على الأبواب، ويأتي في الرتبة بعد \"صحيح البخاري\".\n٧ - أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة القزويني. له: \"السنن\" على الأبواب.\n٨ - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. له: \"السنن\" على الأبواب.\n٩ - أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. له: \"الجامع\" على الأبواب.\n١٠ - أبوعبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي. له: \"السنن\" على الأبواب.\n١١ - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري. له: \"الصحيح\" على الأبواب.\n١٢ - أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي. له: \"الصحيح\" على التقاسيم والأنواع.\n١٣ - أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني. له: \"السنن\" على الأبواب.\n_________\n(^١) وقد رتبتهم حسب تواريخ وفاتهم.","vol":"1","page":45},{"text":"١٤ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه ابن البيّع النيسابوري. له: \"المستدرك على الصحيحين\" على الأبواب.\n١٥ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. له: \"السنن الكبرى\" وغيرها على الأبواب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-36> ثانيًا: أشهر العلماء المصنفين في الحديث على الأسماء:</span>\nمن أشهر العلماء الذين صنفوا في السنة على الأسماء ممن وصلت إلينا مصنفاتهم (^١):\n١ - أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي، المعروف بـ\"ابن راهويه\". له: \"المسند\" على الأسماء.\n٢ - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، أحد الأئمة. له: \"المسند\" وغيره على الأسماء.\n٣ - أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني. له: \"المعجم الكبير\" على أسماء الصحابة، و\"المعجم الأوسط\" و\"المعجم الصغير\" على أسماء شيوخه.\nهذه أهم كتب السنة، وعليها مدار الإسلام. وهناك كتب حديثية غيرها كثيرة تبلغ المئات، ذكرها أصحاب الفهارس، ويصعب الإحاطة بها في هذه العجالة.\nوقد حفظت لنا هذه المدونات: \"السنة\"، كما جاءت عن النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>خامسًا: جرح وتعديل الرواة:</span>\nوهذا أحد العوامل البارزة في حفظ السنة؛ إذ أنه بجرح الراوي أو تعديله تعرف حاله من عدالة أو ضعف، ومن ثم يقبل حديثه أو يرد. وعلى هذا الأساس قبل حديث الثقة والصدوق، ورد حديث الضعيف والمتروك والكذاب.\nوقد كان العلماء في غاية النزاهة والأمانة والإنصاف في هذا الجانب، فلم يكونوا يقبلون جرحًا صادرًا عن جهل أو هوى أو ضعف أو اختلاف في العقيدة أو إذا كان مبهمًا، وإذا كان في الراوي جرح وتعديل لم يكونوا يقتصرون على ذكر الجرح فيه فقط، بل كانوا يذكرون الجرح والتعديل فيه معًا، ولم يحابوا أحدًا من المجروحين ولو كان أقرب الناس إليهم. قال الحافظ البيهقي: «ومن أنعم (^٢) النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة وما يُقبل من الأخبار وما يُرد علم أنهم لم يألوا جهدًا في ذلك،\n_________\n(^١) وقد رتبتهم حسب تواريخ وفاتهم.\n(^٢) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب: أمعن.","vol":"1","page":46},{"text":"حتى إذا (^١) كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب رد خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال. والحكايات عنهم في ذلك كثيرة» (^٢).\nولأهمية هذا العلم في حفظ السنة فقد أفرده العلماء بالتصنيف، وصنفوا في كل نوع من أنواعه:\n- فمنهم من صنف في حقيقته وضوابطه وعباراته وأقسامه.\n- ومنهم من صنف في المجروحين والثقات من رواته وما قيل فيهم من جرح أو تعديل بإفراد كل نوع عن الآخر في بعض المصنفات، وبدمج الجميع في البعض الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>سادسًا: نقد متن الحديث:</span>\nأي: معرفة علله من شذوذ ونكارة، ووقف وتصحيف، وزيادة وإدراج، ونحو ذلك.\nإذ أن الحديث له شقان: الإسناد، المتن. وقد يصح أحدهما دون الآخر، وإن كان في الأغلب أنه إذا صح الإسناد صح المتن، لكن أحيانًا قد يصح الإسناد عند العلماء ولا يصح المتن. ومن أمثلة ذلك:\n١ - الشذوذ في المتن (^٣).\n٢ - ما وقع تصحيف أو تحريف في متنه (^٤).\n٣ - المنسوخ (^٥).\n٤ - مختلف الحديث الذي لا يمكن الجمع بين لفظيه افتراضًا (^٦).\n٥ - ما في متنه علة (^٧).\n٦ - المنكر من الأحاديث (^٨).\n٧ - مقلوب المتن (^٩).\n٨ - المدرج في أول المتن أو اثنائه أو آخره (^١٠).\n_________\n(^١) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب بحذف: إذا.\n(^٢) دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي (١/ ٤٧).\n(^٣) انظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي (١/ ١٧٥).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩).\n(^٥) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٨).\n(^٦) انظر: المصدر السابق (٢/ ٦٥١ - ٦٥٢).\n(^٧) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٩٤ - ٢٩٦).\n(^٨) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٧٦، وما بعدها).\n(^٩) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٤٢، و٣٤٥).\n(^١٠) انظر: المصدر السابق (١/ ٣١٤، و٣١٧).","vol":"1","page":47},{"text":"٩ - المضطرب في متنه (^١).\nومما نقد العلماء متنه كذلك: الموضوع، وله أمارات، منها:\n١ - مخالفته لمقتضى العقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة أو العادة.\n٢ - وكمنافاته لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي.\n٣ - ومنها: ركة لفظه ومعناه.\n٤ - ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير.\n٥ - ومنها: أن يروي الخبر في زمن قد استقرئت فيه الأخبار ودونت، فيفتش عنه فلا يوجد في صدور الرجال ولا في بطون الكتب.\n٦ - ومنها: كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل أهل البيت أو في ذم من حاربهم.\nإلى غير ذلك (^٢).\nولم أورد الأمثلة على ذلك خشية الإطالة، واكتفاء بذكر العلماء لها في المصادر المشار إليها.\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٠٨).\n(^٢) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة والموضوعة لابن عراق الكناني (١/ ٦ - ٨).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث السابع\nخطر التهاون بالسنة</span>\nجاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم وكذلك أيضًا أحاديث كثيرة عن النبي - ﷺ - في الأمر باتباع سنة النبي - ﷺ -، والحث على طاعته، والتحذير من مخالفته - ﷺ -. وجاء فيهما كذلك العديد من النصوص المبينة لخطر مخالفة سنته - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أولًا: أمر الله - جل وعلا - باتباع السنة وتحذيره من التهاون بها:</span>\nلقد عظم الله تعالى السنة، وذلك من خلال:\n١ - أمره - ﷾ - باتباع نبيه - ﷺ -.\n٢ - أمره - ﷿ - بطاعته - ﷺ - استقلالًا ومقرونًا بطاعته - جل وعلا -.\n٣ - التحذير من معصيته - ﷺ - وبيان مغبّة ذلك.\n٤ - نفي الإيمان عمن لم يُحَكّم شرعه وسنته - ﷺ - وينقاد لذلك أتم الانقياد.\n٥ - بيان أن صفة المؤمنين السمع والطاعة لسنة النبي - ﷺ -.\nوقد ذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:\n١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف:١٥٧ - ١٥٨].\n٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران:٣١].\n٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء:٥٩].\n٤ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور:٥٦].\n٥ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر:٧].\n٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب:٣٦].\n٧ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣].","vol":"1","page":49},{"text":"٨ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء:١٤].\n٩ - قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣].\n١٠ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥].\n١١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور:٥١].\nإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ثانيًا: تحذير النبي - ﷺ - من التهاون بالسنة:</span>\nجاءت الأحاديث النبوية بعقوبات مختلفة في حق من يتهاون بالسنة، ومن تلكم العقوبات:\n١ - تصلّب اليد. فعن سلمة بن الأكوع - ﵁ -: (أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُلْ بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: لَا اسْتَطَعْتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ) (^١).\n٢ - المسخ، وهو: تحويل الإنسان من صورته إلى صورة حيوان. وقد وقع هذا في الأمم السابقة، وسيقع أيضًا في هذه الآمة في آخر الزمان، كما أخبر النبي - ﷺ -. فعن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: (لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي: الفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) (^٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ -أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ -أَوْ: يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ-) (^٣)؟\n٣ - الخسف، وهو: انشقاق الأرض وابتلاعها وتغييبها لشخص فيها بأمر الله تعالى. وقد خسف الله تعالى في الأمم السابقة بقارون وغيره، وسيقع أيضًا في هذه الأمة بأقوام. فعن حذيفة بن أسيد الغفاري - ﵁ - قال: (اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ: مَا تَذَاكَرُونَ؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ-، فَذَكَرَ-: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - ﷺ -، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ) (^٤).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامها (٣/ ١٥٩٩)، رقم (٢٠٢١).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (٧/ ١٠٦)، رقم (٥٥٩٠).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام (١/ ١٤٠)، رقم (٦٩١)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما (١/ ٣٢٠)، رقم (٤٢٧).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (٤/ ٢٢٢٥)، رقم (٢٩٠١).","vol":"1","page":50},{"text":"٤ - القذف بالحجارة. وقد وقع مثل هذا لقوم لوط - ﵇ - وأصحاب النيل، وسيقع أيضًا في هذه الأمة في آخر الزمان. فعن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ. قِيلَ: وَمَتَى ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَازِفُ وَالْقَيْنَاتُ وَاسْتُحِلَّتِ الْخَمْرُ) (^١).\n٥ - الحمل بالريح. فعن أبي حميد الساعدي - ﵁ - قال: (غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِأَصْحَابِهِ: اخْرُصُوا. وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ. فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ) (^٢).\nوفي رواية ابن إسحاق قال: (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا (^٣)،\n_________\n(^١) المعجم الكبير الطبراني (٦/ ١٥٠)، رقم (٥٨١٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٦٨٣)، رقم (٣٦٦٥).\nوفي سنن الترمذي: عن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا ظَهَرَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الخُمُورُ). سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف (٤/ ٤٩٥)، رقم (٢٢١٢). وقال الترمذي: «حديث غريب». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٢/ ٤٧٩)، رقم (٢٢١٢).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب خرص التمر (٢/ ١٢٥)، رقم (١٤٨١)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢).\n(^٣) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم شرب شيء من مياه آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- جاء في:\n١ - حديث ابن عمر - ﵄ -: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا نَزَلَ الحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَلَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا. فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ المَاءَ). صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] (٤/ ١٤٨)، رقم (٣٣٧٨).\n٢ - حديث محمد بن إسحاق في مرور النبي - ﷺ - بالْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ-، وفيه: (فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا). دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في \"مرويات الإمام الزهري في المغازي\" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).","vol":"1","page":51},{"text":"وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ (^١)، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا (^٢)، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ. فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إلَّا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي\n_________\n(^١) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم الوضوء للصلاة من مياه آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- جاء في:\n١ - حديث محمد بن إسحاق: ذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا وَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ). دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣).\nوفي رواية البيهقي: عن ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي -أو عن العباس عن سهل بن سعد - ﵁ -، الشك مني-: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ وَنَزَلَهَا اسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا مِنْهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلنَّاسِ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مائها شيئًا ولا تتوضئوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ). دلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في \"مرويات الإمام الزهري في المغازي\" عن رواية البيهقي: «وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق \"ابن هشام (٢/ ٥٢١) \" عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ليس فيها ذكر الزهري. وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).\n٢ - أمر النبي - ﷺ - للصحابة - ﵃ - بإهراق الماء الذي استقوه من بئر ثمود -كما في الحديث المذكور في الحاشية السابقة، وأيضًا الحديث الذي سيأتي في الحاشية التي بعد هذه- يُفهم منه: نهيه - ﷺ - لهم - ﵃ - من الوضوء بهذا الماء.\n(^٢) أمر النبي - ﷺ - لأصحابه - ﵃ - بعدم الأكل مما عجنوه بماء آبار الْحِجْرِ في -أَرْضِ ثَمُودَ- وأن يعلفوه الإبل جاء في: حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -: (أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا وَأَنْ يَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ). صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣] (٤/ ١٤٩)، رقم (٣٣٧٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (٤/ ٢٢٨٦)، رقم (٢٩٨١).","vol":"1","page":52},{"text":"طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ. فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ (^١)، وَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ (^٢)، حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طيِّئ (^٣). فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: (أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ)؟ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِلَّذِي أُصِيبَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ، وَأَمَّا الْآخَرُ الَّذِي وَقَعَ بِجَبَلَيْ طيِّئ فَإِنَّ طيِّئا أَهْدَتْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) (^٤).\n_________\n(^١) قال محقق السيرة النبوية لابن كثير -مصطفى عبد الواحد- عن معنى: (خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ): في موضع قضاء الحاجة. السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٢١)، حاشية رقم (١).\n(^٢) يُلاحظ هنا الاختلاف بين رواية ابن إسحاق عما جاء في حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - المتقدم- في المكان الذي هبت فيه هذه الريح الشديدة التي احتملت الرجل الذي قام لما هبت وألقته في جبل طَيِّئ، ففي رواية أبي حميد الساعدي - ﵁ - السابقة في الصحيحين: أن هذه الريح التي احتملت الرجل وألقته في جبل طَيِّئ هبت في تبوك. والمذكور في رواية ابن إسحاق هذه: أن هذه الريح هبت في الحجر، وليس في تبوك.\n(^٣) عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - في حديث قصة خروجهم مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك -وفيه-: (وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ. فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ). صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢). وأخرجه كذلك البخاري في صحيحه بلفظ: (فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ -أي: الريح- بِجَبَلِ طَيِّئٍ). صحيح البخاري. وقد تقدم.\n(^٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢). والحديث أخرجه في: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في \"مرويات الإمام الزهري في المغازي\" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).","vol":"1","page":53},{"text":"٦ - الوعيد بالمخالفة بين الوجوه. فعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ فَقَالَ: عِبَادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) (^١).\nقال النووي عن معنى هذا الحديث: «قيل: معناه: يمسخها ويحولها عن صورها؛ لقوله - ﷺ -: (يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) (^٢). وقيل: يغير صفاتها.\nوالأظهر -والله أعلم- أن معناه: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان عليَّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي وتغير قلبه عليَّ. لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن» (^٣).\n_________\n(^١) قال محقق السيرة النبوية لابن كثير -مصطفى عبد الواحد- عن معنى: (خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ): في موضع قضاء الحاجة. السيرة النبوية لابن كثير (٤/ ٢١)، حاشية رقم (١).\n(^٢) يُلاحظ هنا الاختلاف بين رواية ابن إسحاق عما جاء في حديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - المتقدم- في المكان الذي هبت فيه هذه الريح الشديدة التي احتملت الرجل الذي قام لما هبت وألقته في جبل طَيِّئ، ففي رواية أبي حميد الساعدي - ﵁ - السابقة في الصحيحين: أن هذه الريح التي احتملت الرجل وألقته في جبل طَيِّئ هبت في تبوك. والمذكور في رواية ابن إسحاق هذه: أن هذه الريح هبت في الحجر، وليس في تبوك.\n(^٣) عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - في حديث قصة خروجهم مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك -وفيه-: (وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ. فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ). صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي - ﷺ - (٤/ ١٧٨٥)، رقم (١٣٩٢). وأخرجه كذلك البخاري في صحيحه بلفظ: (فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ -أي: الريح- بِجَبَلِ طَيِّئٍ). صحيح البخاري. وقد تقدم.\n(^٤) السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢). والحديث أخرجه في: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ذكر ما كان في غزوة تبوك (ص:٥٢٤)، رقم (٤٥٣)، ودلائل النبوة للبيهقي، أبواب غزوة تبوك، باب خرص النبي - ﷺ - في مسيره وإخباره عن الريح التي تهب تلك الليلة ودعائه للذي خنق وما ظهر في كل واحد منها من آثار النبوة (٥/ ٢٤٠). وقال في \"مرويات الإمام الزهري في المغازي\" عن رواية البيهقي: «وهي ضعيفة؛ لعنعنة ابن إسحاق». مرويات الإمام الزهري في المغازي لمحمد بن محمد العواجي (٢/ ٨٢٨).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام (١/ ٣٢٤)، رقم (٤٣٦).\nوفي رواية في الصحيحين: عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ). صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها (١/ ١٤٥)، رقم (٧١٧)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها والازدحام على الصف الأول والمسابقة إليها وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام (١/ ٣٢٤)، رقم (٤٣٦).\n(^٢) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ١٥٧).","vol":"1","page":54},{"text":"٧ - العقوبة في الأهل. فعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا. قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَافِلًا، فانْسلَ رَجُلَانِ إِلَى أَهْلَيْهِمَا، فَكِلَاهُمَا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) (^١).\n_________\n(^١) سنن الدارمي، المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - ﷺ - حديث فلم يعظمه ولم يوقره (١/ ٤٠٩)، رقم (٤٥٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٢٤٥)، رقم (١١٦٢٦). وقال الهيثمي: «وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف، وقد وثق». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٤/ ٣٣٠)، رقم (٧٧٣٩). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف؛ لضعف زمعة». سنن الدارمي (١/ ٤٠٩). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ١٢٢٩)، رقم (٧٣٦٢).\nقلت: وله شاهد حسن مرسل عن سعيد بن المسيب، وهو: عن سعيد بن المسيب قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ نَزَلَ الْمُعَرَّسَ ثُمَّ قَالَ: لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا. فَخَرَجَ رَجُلَانِ مِمَّنْ سَمِعَ مَقَالَتَهُ فَطَرَقَا أهْلْهما، فَوَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا). سنن الدارمي، المقدمة، باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - ﷺ - حديث فلم يعظمه ولم يوقره (١/ ٤١٠)، رقم (٤٥٩)، ومساوئ الأخلاق للخرائطي، باب ما جاء فيما يكره للمسافر إذا قدم من سفره أن يطرق أهله ليلًا (ص:٣٩١)، رقم (٨٠٢). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «مرسل وإسناده حسن؛ من أجل عبد الرحمن بن حرملة -راويه عن سعيد بن المسيب-». سنن الدارمي (١/ ٤١٠). وقال في \"القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية\" -جمع وتحقيق: الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني-: «رجاله ثقات». القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية للدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني (ص:١١٩)، حاشية رقم (٣٣٩).\nوله أيضًا: شاهد حسن كذلك عن ابن عمر - ﵁ - عند ابن خزيمة، فقد أخرج ابن خزيمة: عن ابن عمر - ﵄ - قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تطرق النساء ليلًا. فطرق رجلان، كلاهما وجد مع امرأته ما يكره). صحيح ابن خزيمة، كتاب النكاح، باب لا يطرق أهله ليلًا (١١/ ٢٥٤، و٢٥٥). نقلًا عن: أنيس الساري في تخريج وتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري لأبي حذيفة نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي (٩/ ٦١٤٨)، رقم (٤٣٢٣).\nوفي رواية عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أيضًا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَزَلَ الْعَقِيقَ فَنَهَى عَنْ طُرُوقِ النِّسَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا، فَعَصَاهُ فَتَيَانِ، فَكِلَاهُمَا رَأَى مَا كَرِهَ). مسند أحمد (١٠/ ٧٧)، رقم (٥٨١٤). وقال العراقي: «رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند جيد». المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار \"مطبوع في: هامش إحياء علوم الدين\" لزين الدين العراقي (ص:٤٨٤)، رقم (١). وقال الهيثمي: «رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجالهم ثقات». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٤/ ٣٣٠)، رقم (٧٧٣٦). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (١٠/ ٧٧)، حاشية رقم (٤). وقال الألباني عن سنده: «وهذا إسناد جيد». السلسلة الصحيحة للألباني (٧/ ٢٢٣)، ذكره تحت رقم (٢٠٨٥).","vol":"1","page":55},{"text":"ومثل هذه: قصة عُويمر العجلاني - ﵁ -، فقد نهى الله تعالى ورسوله - ﷺ - عن السؤال عما لم يقع؛ خشية أن يكون فيه ضرر على السائل أو غيره من المسلمين، فأبى عُويمر - ﵁ - إلا أن يسأل، فابتُلي - ﵁ - بما سأل عنه، فعن سعيد بن جبير: أنه لما سئل \"عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا\" ولم يدرِ بما يجيب ذهب إلى ابن عمر - ﵄ - في منزله بمكة ولما دخل عليه سأله: (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيْفَ يَصْنَعُ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ) (^١)، إلى آخر الحديث.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (٢/ ١١٣٠)، رقم (١٤٩٣).\nوتمام الحديث: (فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]. فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ: إِنَّهُ لَمِنِ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ: إِنَّهُ لَمِنِ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا).","vol":"1","page":55},{"text":"وكذلك قال عاصم بن عدي - ﵁ -، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: (أَنَّهُ ذُكِرَ التَّلَاعُنُ (^١) عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ إِلَّا لِقَوْلِي) (^٢)، إلى آخر الحديث.\n٨ - الفشل والهزيمة والتراجع وذهاب الريح. فعن البراء - ﵁ - قال: (لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ (^٣)، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَالَ: لَا تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا. فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ فِي الجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَلَا تَبْرَحُوا. فَأَبَوْا، فَلَمَّا أَبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا. وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لَا تُجِيبُوهُ. فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَجِيبُوهُ. قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، وَتَجِدُونَ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي) (^٤).\nفقوله: (فَلَمَّا أَبَوْا) أي: الطاعة والامتثال لرسول الله - ﷺ - في أحد بلزوم مكانهم وألا يبرحوه على أي حال كانت وجهة المعركة صُرفت وجوهم وعُوقبوا بالقتل والتراجع والفشل، وهو ما أشار قوله تعالى إليه في الآية:\n_________\n(^١) وفي رواية في صحيح البخاري: (ذُكِرَ المُتَلَاعِنَان). صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول الإمام: \"اللهم بيّن\" (٧/ ٥٦)، رقم (٥٣١٦).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول النبي - ﷺ -: (لو كنت راجمًا بغير بينة) (٧/ ٥٥)، رقم (٥٣١٠)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل (٢/ ١١٣٤)، رقم (١٤٩٧).\nوتمام الحديث: (فَذَهَبَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اللَّهُمَّ بَيِّنْ. فَجَاءَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمَا. قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي المَجْلِسِ: هِيَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلَامِ السُّوءَ).\n(^٣) يعني: يوم أحد.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد (٥/ ٩٤ - ٩٥)، رقم (٤٠٤٣).","vol":"1","page":56},{"text":"﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران:١٥٢].","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>ثانيًا\nخصائص السنة التي انفردت بها</span>\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: انفراد السنة بالتشريع.\nالمبحث الثاني: انفراد السنة ببيان القرآن الكريم.\nالمبحث الثالث: قواعد وشروط قبول السنة.\nالمبحث الرابع: تسمية السنة بـ\"الحكمة\".\nالمبحث الخامس: كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - من المشتغل بالسنة.\nالمبحث السادس: دعاء النبي - ﷺ - لمن يتعلم السنة بالنضارة.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول\nانفراد السنة بالتشريع</span>\nاستقلت السنة بأحكام كثيرة وجملة كبيرة من التشريعات لم ينص عليها القرآن، وهذه الأحكام والتشريعات التي جاءت في السنة وإن كانت تندرج عند بعض العلماء تحت الأصول العامة للقرآن الكريم -كـ: الأمر بطاعته واتباعه - ﷺ - والاقتداء به، والحذر من معصيته ومخالفته- إلا أن أكثر العلماء يرون غير ذلك، فهم يرون أن العمومات لا تكفي في الدلالة على القضايا الخاصة والتي تحتاج في ثبوت حكمها إلى نص خاص بعينها.\nومن تلك التشريعات على سبيل المثال لا الحصر:\n١ - في الطهارة: المسح على الخفين، وحرمة الصلاة والصوم والطواف والمكث في المسجد على الحائض والنفساء، والسواك.\n٢ - في الصلاة: صلاة الجنازة، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء.\n٣ - في الزكاة: زكاة الفطر.\n٤ - في البيوع: الحوالة، والشفعة، واللقطة، والمساقاة، وغيرها.\n٥ - فيما يُطعم: الأضحية، والعقيقة، وتحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وتحريم أكل السباع وكل ذي مخلب من الطيور.\n٦ - في الأنكحة: تحريم نكاح المتعة والتحليل والشغار، والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، وإحداد المعتدة.\n٧ - في الوصايا والفرائض: العُمرَى والرُقبَى، وإرث الجدة، وغير ذلك.\n٨ - في الحدود: حد الخمر، وحد الرجم، وحد الردة.\n٩ - في الجنايات: القسامة.\nوغيرها.\nقال الإمام الشافعي محمد بن إدريس مبينًا خلاف العلماء في استقلال السنة بالتشريع: «فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان:\nأحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبيّن رسول الله مثل ما نص الكتاب.\nوالآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبيّن عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.\nوالوجه الثالث: ما سنّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.","vol":"1","page":59},{"text":"فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسنّ فيما ليس فيه نص كتاب.\nومنهم من قال: لم يسنّ سُنّة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سنّ من البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. فما أحل وحرم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بين الصلاة.\nومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأَثبتت سنته.\nومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سنّ، وسنته: \"الحكمة\" الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما أُلقي في روعه سنته» (^١).\nوقد علق الدكتور مصطفى السباعي على هذا الخلاف الذي ذكره الإمام الشافعي بعد أن ذكر حجج الفريقين بقوله: «ويتلخص الموقف بين الفريقين في: أنهما متفقان على وجود أحكام جديدة في السنة لم ترد في القران نصًا ولا صراحة.\nفالفريق الأول يقول: إن هذا هو الاستقلال في التشريع؛ لأنه إثبات أحكام لم ترد في الكتاب.\nوالفريق الثاني -مع تسليمه بعدم ورودها بنصها في القران- يرى: أنها داخلة تحت نصوصه بوجه من الوجوه -التي ستذكر فيما بعد-. وعلى هذا فهم يقولون: إنه لا يوجد حديث صحيح يثبت حكمًا غير وارد في القران إلا وهو داخل تحت نص أو قاعدة من قواعده، فإن وجد حديث ليس كذلك كان دليلًا على أنه غير صحيح ولا يصح أن يعمل به.\nوأنت ترى أن الخلاف لفظي، وأن كلًا منهما يعترف بوجود أحكام في السنة لم تثبت في القران، ولكن أحدهما لا يسمي ذلك: \"استقلالًا\"، والآخر يسميه. والنتيجة واحدة» (^٢).\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي (ص:٩١ - ٩٣).\n(^٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى بن حسني السباعي (ص:٣٨٥).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني\nانفراد السنة ببيان القرآن الكريم</span>\nلم يختلف العلماء في أن السنة جاءت مفسرة للقرآن ومبينة وشارحة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>من أقوال السلف في كون السنة مبينة ومفسرة للقرآن الكريم:</span>\nمما ورد عن العلماء في أن السنة جاءت مفسرة للقرآن ومبينة وشارحة له:\n١ - عن أبي نضرة عن عمران بن حصين - ﵁ - أنه قال لرجل: (إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لَا تَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟ ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوَ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا، وَإِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ) (^١).\n_________\n(^١) الزهد لنعيم بن حماد \"مطبوع في: نهاية الزهد والرقائق لابن المبارك، وهو الجزء الثاني من الكتاب\"، باب في لزوم السنة (٢/ ٢٣)، والشريعة للآجري، باب التحذير من طوائف يعارضون سنن النبي - ﷺ - بكتاب الله تعالى وشدة الإنكار على هذه الطبقة (١/ ٤١٧)، رقم (٩٨)، والإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله - ﷺ - والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله - ﷺ - بالقرآن (١/ ٢٣٦)، رقم (٦٧)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٢)، رقم (٢٣٤٨)، وذم الكلام وأهله للهروي، باب إقامة الدليل على بطلان قول من زعم أن القرآن يُستغنى به عن السنة (٢/ ٨١)، رقم (٢٤٢)، و(٢/ ٨٢)، رقم (٢٤٤)، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني (ص:٤). وقد أخرجه كل من: الآجري وابن بطة وابن عبد البر والهروي والسمعاني من طريق ابن المبارك المذكورة في كتاب الزهد لنعيم بن حماد.\nقلت: ومدار الحديث على: علي بن زيد بن جدعان، وهو سيِّء الحفظ. فيكون الأثر ضعيفًا لأجله. والله أعلم.\nوجاء في رواية: عن الحسن: (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَ جَالِسًا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالْقُرْآنِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: ادْنُهْ، فَدَنَا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى الْقُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ فِيهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَصَلَاةَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا تَقْرَأُ فِي اثْنَتَيْنِ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ وُكِّلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ إِلَى الْقُرْآنِ أَكُنْتَ تَجِدُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَالطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ ثُمَّ قَالَ: أَيْ قَوْمُ خُذُوا عَنَّا، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ إِلَّا تَفْعَلُوا لَتَضِلُّنَّ). الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (ص:١٥).\nقلت: وفي سنده أيضًا: علي بن زيد بن جدعان أيضًا، وهو سيِّء الحفظ. فيكون الأثر ضعيفًا لأجله. والله أعلم.","vol":"1","page":61},{"text":"وكان هذا الرجل قد اعترض على عمران - ﵁ - وهو يحدث عن النبي - ﷺ - وطلب منه أن يقتصر على القرآن، فلذلك غضب - ﵁ -، فعن الحسن قال: (بَيْنَمَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّنَا - ﷺ - إِذْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ! حَدَّثَنَا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، أَكُنْتَ مُحَدِّثِي عَنِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا وَحُدُودِهَا؟ أَكُنْتَ مُحَدِّثِي عَنِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَأَصْنَافِ الْمَالِ؟ وَلَكِنْ قَدْ شَهِدْتُ وَغِبْتَ أَنْتَ. ثُمَّ قَالَ: فَرَضَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الزَّكَاةِ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ الرَّجُلُ: أَحْيَيْتَنِي أَحْيَاكَ اللَّهُ. قَالَ الْحَسَنُ: فَمَا مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَتَّى صَارَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ) (^١).\n٢ - عن أيوب السختياني:  «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لَا تُحَدِّثُونَا إِلَّا بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (^٢).\n٣ - قال مكحول:  «الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ» (^٣).\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني (١٨/ ١٦٥)، رقم (٣٦٩)، والمستدرك للحاكم، كتاب العلم (١/ ١٩٢)، رقم (٣٧٢)، وذم الكلام وأهله للهروي، باب إقامة الدليل على بطلان قول من زعم أن القرآن يُستغنى به عن السنة (٢/ ٨٠)، رقم (٢٤١). وقال في تحقيق المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني -حققه: مجموعة من الباحثين في (١٧) رسالة جامعية، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشَّثري-: «الأثر بمجموع طرقه صحيح». المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني (١٢/ ٧٣٥)، رقم (٣٠٩٨). وجاء الأثر بألفاظ وروايات أخرى، لكنها بنفس المعنى.\n(^٢) المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب ما ورد عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة من تثبيت خبر الواحد وقبوله والعمل به (١/ ١٧٨)، رقم (٣١٠)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٣)، رقم (٢٣٤٩). وقال محقق جامع بيان العلم وفضله -أبو الأشبال الزهيري-: «إسناده صحيح». جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١١٩٣)، حاشية رقم (١).\n(^٣) شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن لابن شاهين، باب مختصر من معاني العلماء فضل من أحيا السنن (ص:٤٦)، تحت رقم (٤٨)، والإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله - ﷺ - والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله - ﷺ - بالقرآن (١/ ٢٥٣)، رقم (٨٨)، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب مثال الاستدلال بالسنة على نسخ إحدى الآيتين بالأخرى (٢/ ٤٨٥)، رقم (١٠٤٣)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٤)، رقم (٢٣٥٢)، والكفاية إلى علم الرواية للخطيب البغدادي، باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (ص:١٤).","vol":"1","page":62},{"text":"٤ - قال حماد بن زيد:  «إِنَّمَا هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَالْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ» (^١).\n٥ - قال يحيى بن أبي كثير:  «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ» (^٢).\nوسئل الإمام أحمد ابن حنبل عن الحديث الذي روى أن:  «السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ» فقال:  «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (^٣).\nقال أبو عمر يوسف ابن عبد البر: «والبيان منه - ﷺ - على ضربين:\nبيان المجمل في الكتاب، كـ: بيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة وحدها ووقتها، وما الذي يؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج،\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، باب القول في العموم والخصوص العموم (١/ ٢٣١).\nونسب الشطر الثاني منه ابن عبد البر إلى الأوزاعي بنصه:  «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ». جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر معلقًا، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٣)، رقم (٢٣٥١).\n(^٢) سنن الدارمي، المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله تعالى (١/ ٤٧٤)، رقم (٦٠٧)، وشرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين، باب مختصر من معاني العلماء فضل من أحيا السنن (ص:٤٦)، رقم (٤٨)، والإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله - ﷺ - والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله - ﷺ - بالقرآن (١/ ٢٥٣)، رقم (٨٨)، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب مثال الاستدلال بالسنة على نسخ إحدى الآيتين بالأخرى (٢/ ٤٨٥)، رقم (١٠٤٤) وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٤)، رقم (٢٣٥٣)، والكفاية إلى علم الرواية للخطيب البغدادي، باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (ص:١٤). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده جيد». سنن الدارمي (١/ ٤٧٤).\nوقال البيهقي مبينًا معنى كلام يحيى بن أبي كثير: «وإنما أراد والله أعلم أن سنة رسول الله - ﷺ - مع كتاب الله - ﷿ - أُقيمت مُقام البيان عن الله - ﷿ -، كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]، لا أن شيئًا من سنن رسول الله - ﷺ - يخالف كتاب الله - ﷿ -». المدخل إلى السن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\n(^٣) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (٢/ ١١٩٤)، رقم (٢٣٥٤)، والكفاية إلى علم الرواية للخطيب البغدادي، باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن وذكر الحاجة في المجمل إلى التفسير والبيان (ص:١٥)، وذم الكلام للهروي، باب إقامة الدليل على بطلان قول من زعم أن القرآن يُستغنى به عن السنة (٢/ ٥٨)، رقم (٢١١).","vol":"1","page":63},{"text":"قال - ﷺ - إذ حج بالناس: (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) (^١)؛ لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك.\nوبيان آخر، وهو زيادة على حكم الكتاب، كـ: تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وكتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، إلى أشياء يطول ذكرها» (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>أنواع بيان السنة للقرآن الكريم:</span>\nبيان السنة للقرآن على وجوه، كما ذكر ذلك العلماء. ومن هذه الوجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١ - تفصيلها لمجمل القرآن:</span>\nومن ذلك:\nأ- فرض الله تعالى الصلاة ولم يبين عددها ولا كيفياتها ولا أوقاتها ولا شروطها، وبيّن ذلك كله النبي - ﷺ - بقوله وفعله، فبيّن أنها خمس صلوات في اليوم والليلة، وبين عدد ركعات كل صلاة والكيفية التي تؤدى بها، والأوقات، والشروط التي لا تصح إلا بها، وغير ذلك مما يتعلق بأحكامها.\nب- الحج فقد فرضه الله تعالى وأجمل الأمر به، وبيّن أن النبي - ﷺ - مواقيته الزمانية والمكانية، وشروطه وكيفيته التي يجب أن يؤدى بها من إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة ومبيت بمزدلفة ورمي الحجار والنحر والحلق والوداع، وغير ذلك، وقال - ﵊ - مؤكدًا هذا البيان كما في حديث جابر - ﵁ - قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (^٣).\n_________\n(^١) في صحيح مسلم: عن جابر - ﵁ - قال: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ). صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا وبيان قوله - ﷺ -: (لتأخذوا مناسككم) (٢/ ٩٤٣)، رقم (١٢٩٧).\nولفظة الحديث التي ذكرها ابن عبد البر - (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) - عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، وأخرجها في: السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الحج، باب الإيضاع في وادي محسر (٥/ ٢٠٤)، رقم (٩٥٢٤)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب في ابتداء العالم جلساءه بالفائدة وقوله: (سَلُونِي) وحرصهم على أن يؤخذ ما عندهم (١/ ٤٦١)، رقم (٧٢١). وقال الألباني: «صحيح». حجة النبي - ﷺ - كما رواها عنه جابر - ﵁ - للألباني (ص:٣١).\n(^٢) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١١٨٩ - ١١٩٠).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا وبيان قوله - ﷺ -: (لتأخذوا مناسككم) (٢/ ٩٤٣)، رقم (١٢٩٧).","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٢ - تخصيصها لعامه:</span>\nومن ذلك:\nأ- تخصيص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. فهذا حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم، فيثبت في كل أصل مورث وكل ولد وارث، ثم خصت السنة المورث بغير الأنبياء - ﵈ - بقوله - ﷺ -، فعن أبي بكر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (^١).\nب- وخصت فيه أيضًا الوارث بغير القاتل، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣ - تقييدها لمطلقه:</span>\nوذلك كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]. فهذا حكم مطلق لم يقيد بموضع خاص من اليد، فيحتمل قطع اليد كلها من الكتف، ويحتمل قطع جزء منها، وجاء تقييد هذا الإطلاق في السنة، وتبيين أن موضع القطع يكون من الرسغ، فقد ثبت عنه - ﷺ -: (أنه قطع يد سارق من مفصل الكف) (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، ولم يذكر بابًا (٤/ ٧٩)، رقم (٣٠٩٣)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء (٣/ ١٣٧٧)، رقم (١٧٥٧). وهو في مسلم عن عمر بن الخطاب - ﵁ -.\n(^٢) سنن ابن ماجة، كتاب الديات، باب القاتل لا يرث (٢/ ٨٨٣)، رقم (٢٦٤٥)، وسنن الترمذي، أبواب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل (٤/ ٤٢٥)، رقم (٢١٠٩). وقال الترمذي: «حديث لا يصح، لا يعرف إلا من هذا الوجه». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ٣٤٨)، رقم (٢١٥٧).\n(^٣) عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: (قَطَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَارِقًا مِنَ الْمَفْصِل). الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٣/ ٤٦٩)، في ترجمة: خالد بن عبد الرحمن أبو الهيثم الخراساني المخزومي، رقم الترجمة (٥٩٦)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب السرقة، باب السارق يسرق أولًا فتقطع يده اليمنى من مفصل الكف ثم يحسم بالنار (٨/ ٤٧٠)، رقم (١٧٢٥٠). وقال ابن حجر: «وفي الإسناد ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف». موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر لابن حجر (١/ ٨٦).\nوعن عدي بن حاتم - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمَفْصِلِ). السنن الكبرى للبيهقي، كتاب السرقة، باب السارق يسرق أولًا فتقطع يده اليمنى من مفصل الكف ثم يحسم بالنار (٨/ ٤٧٠)، رقم (١٧٢٤٨).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ ثِيَابُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَهَا، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَقَرَّ السَّارِقُ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْطَعَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُقْطَعُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي ثَوْبِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَفَلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ! ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اشْفَعُوا مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا أُوصِلَ إِلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ). سنن الدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره (٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، رقم (٣٤٦٦). وقال ابن الملقن: «إسناده ضعيف». البدر المنير لابن الملقن (٨/ ٦٥٣).\nوعن رجاء بن حيوة: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمَفْصِلِ). الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة \"المشهور بـ: مصنف ابن أبي شيبة\"، كتاب الحدود، ما قالوا من أين تقطع -يعني: اليد في السرقة- (٥/ ٥٢٢)، رقم (٢٨٥٩٩). وقال الألباني عن حديث رجاء هذا: «مرسل جيد». إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني (٨/ ٨٢)، تحت رقم (٢٤٣٠).\nقلت: والحديث بمجموع طرقه حسن لغيره.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>٤ - توضيحها لمبهمه ومشكله:</span>\nومن ذلك:\nأ- توضيحه - ﷺ - لمعنى \"الظلم\" المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢]. فإنها لما نزلت شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فوضح لهم رسول الله - ﷺ - أن المراد بالظلم في آية الأنعام هو: الشرك، وليس أي ظلم آخر. فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]) (^١).\nب- توضيحه - ﷺ - لمعنى ﴿الْحُسْنَى﴾ و\"الزيادة\" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]. حيث فسر النبي - ﷺ - (الْحُسْنَى) بـ: الجنة، و\"الزيادة\" بـ: النظر إلى وجه الله الكريم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ظلم دون ظلم (١/ ١٥ - ١٦)، رقم (٣٢)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب صدق الإيمان وإخلاصه (١/ ١١٤)، رقم (١٢٤). هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]).","vol":"1","page":66},{"text":"وجاء في بعض الأحاديث تفسيره - ﷺ - للزيادة فقط بأنها: الجنة. وفي بعضها تفسيره لهما جميعًا. فعن صهيب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللهُ - ﵎ -: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ - ﷿ -. ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) (^١).\nوجاء في بعض الأحاديث جمعه تفسيره - ﷺ - لكل من (الْحُسْنَى) و\"الزيادة\"، وأن (الْحُسْنَى): الجنة، و\"الزيادة\": النظر إلى وجه الله - ﷾ - (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (١/ ١٦٣)، رقم (١٨١)، وتفسير ابن جرير الطبري (٧ - ١١/ ١٠٥).\n(^٢) جاء في ذلك عدة أحاديث عن عدد من الصحابة - ﵃ -، وهم:\n١ - عن أبيّ بن كعب - ﵁ -: (أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن قول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله). تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ٦٩)، رقم (١٧٦٣٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٩٤٤)، رقم (١٠٣٣٦)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله - ﷿ - على أن المؤمنين يرون الله - ﷿ - يوم القيامة بأبصارهم (٣/ ٥٠٦)، رقم (٧٨٠). وقال محقق تفسير الطبري -أحمد محمد شاكر-: «هذا خبر ضعيف إسناده». تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ٦٩)، حاشية رقم (١).\n٢ - عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، قَالَ: الَّذِينَ أَحْسَنُوا الْعَمَلَ فِي الدُّنْيَا، وَالْحُسْنَى هِيَ: الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ). رؤية الله للدارقطني (ص:١٧١)، رقم (٥٧)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله - ﷿ - على أن المؤمنين يرون الله - ﷿ - يوم القيامة بأبصارهم (٣/ ٥٠٥)، رقم (٧٧٩). وقال محقق الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار لابن أبي الخير العمراني اليمني -سعود بن عبد العزيز الخلف-: «سنده ضعيف». الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار لابن أبي الخير العمراني اليمني (٢/ ٦٣٧)، حاشية رقم (٤).\n٣ - عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: (يَبْعَثُ اللَّهُ - ﷿ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا بِصَوْتٍ يُسْمِعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ: إِنَّ اللهَ - ﷿ - وَعَدَكُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، فَالْحُسْنَى: الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ - ﷿ -). تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ٦٥)، رقم (١٧٦١٨)، ورؤية الله للدارقطني (ص:١٥٦)، رقم (٤٣)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله - ﷿ - على أن المؤمنين يرون الله - ﷿ - يوم القيامة بأبصارهم (٣/ ٥٠٦)، رقم (٧٨٢). وقال محقق تفسير الطبري -أحمد محمد شاكر-: «خبر هالك الإسناد». تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ٦٥)، حاشية رقم (٤). وقال محقق العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير -شعيب الأرناؤوط-: «إسناده ضعيف». العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير (٥/ ١١٣)، حاشية رقم (٧).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثالث\nقواعد وشروط قبول السنة</span>\nاصطلح المحدثون على شروط معينة لقبول السنة المطهرة، لا يوجد مثلها في أي علم من العلوم، ولا عند أي أمة من الأمم غير الأمة الإسلامية.\nوقد ألهم الله تعالى العلماء والمحدثين وضع هذه الشروط تحقيقًا لما وعد به - ﷾ - من حفظ كتابه العزيز، ومن تمام حفظه عند العلماء حفظ السنة المطهرة؛ لأنها المبينة له والشارحة له، وبدونها لا يُعرف العام ولا المطلق، ولا المجمل ولا المشكل في القرآن، كما سبق توضيحه. بل إن وعد الله تعالى بحفظ الذكر يشملها؛ لأنها من الذكر، كما قال ابن حزم (^١).\nولقد سبق المسلمون الأمم الأخرى إلى بيان هذه الشروط، بل إنها لا توجد عند غيرهم من الأمم، ومهما فتشت وبحثت في كتب الأمم الأخرى عنها فلن تجد عندهم منها شيئًا. وهذا مما يدل على حقيقة هذه الخاصية وأهميتها وانفراد السنة بها.\nوقد اتفق العلماء على هذه الشروط التي وضعوها لقبول الحديث، وأي حديث لا تتوفر في هذه الشروط فإنهم لا يقبلونه.\nوهذه الشروط هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>١ - اتصال السند:</span>\nويقصد به: أن يكون كل راوٍ من رواة الحديث قد سمع من شيخه، من أول السند إلى منتهاه، بحيث يقول: \"سمعت\" أو \"حدثني\" أو \"أخبرني\" فلان.\nأو يقول: \"قال فلان\" أو \"عن فلان\" أو \"أن فلانًا\" قال كذا، بشرط ألا يكون مدلسًا في صورة العنعنة هذه، ويمكن لقاؤه بشيخه، على رأي الجمهور إن لم يثبت أنه اجتمع به.\nوذهب البخاري وعلي بن المديني إلى: أنه لا يحكم في ذلك بالاتصال إلا إذا ثبت أن الراوي لقي شيخه وسمع منه مباشرة ولو مرة في الدهر (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن حزم: «لأنها من الذكر المنزل الذي تكفل الله تعالى بحفظه، وضمان الله تعالى لا يخيس أصلًا، وكفالته تعالى لا يمكن أن تضيع». الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٤/ ١٦٥).\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح (ص:٦٢ - ٦٦)، وتدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٤٤ - ٢٤٨).","vol":"1","page":68},{"text":"والصواب: رأي الجمهور.\nوقد شنع الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري على المخالفين لرأي الجمهور، وبين أنه رأي مّطرح وقول مخترع مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه ولا مساعد له من أهل العلم عليه. وعقد في مقدمة صحيحه بابًا في صحة الاحتجاج بالحديث المُعنعن؛ للرد عليهم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢ - عدالة الرواة:</span>\nوالعدالة عند العلماء: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة.\nوالمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة (^٢).\nوالمراد بالمروءة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات (^٣).\nويرجع في معرفتها إلى العرف، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والبلدان (^٤).\nوإذًا: فالمراد بخوارم المروءة هي: فعل كل ما يعيب الشخص في دينه وخلقه شرعًا أو طبعًا. ويمثل له بعض العلماء بـ: الأفعال التي تعارفت عليها بعض المجتمعات أنها حقيرة، كالأكل في الطريق، والبول في الشارع، والتعري أمام الخلق، ومصاحبة أراذل القوم، والإفراط في المزاح، والإصرار على الصغائر، وتطفيف حبة، وسرقة لقمة، ومصافحة أجنبية، ونحو ذلك (^٥).\nوالعدل هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة (^٦).\nويكون الشخص فاسقًا بارتكابه للمعصية الكبيرة وإصراره على الصغيرة (^٧).\n_________\n(^١) وهو: «باب ما تصح به رواية الرواة بعضهم عن بعض والتنبيه على من غلط في ذلك». صحيح مسلم، المقدمة (١/ ٢٨ - ٣٥).\n(^٢) نزهة النظر لابن حجر (ص:٥٨).\n(^٣) المصباح المنير للفيومي، مادة: \"مرء\" (٢/ ٥٦٩).\n(^٤) انظر: فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوي (٢/ ٦ - ٧). ونقله السخاوي عن الزنجاني، ولفظه: «المروءة يرجع في معرفتها إلى العرف، فلا تتعلق بمجرد الشرع. وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان. فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرمًا للمروءة».\n(^٥) انظر: المختصر الوجيز في علوم الحديث للدكتور/ محمد عجاج الخطيب (ص:٩٠).\n(^٦) مقدمة ابن الصلاح (ص:١٠٤).\n(^٧) فتح المغيث للسخاوي (٢/ ٥).","vol":"1","page":69},{"text":"ولا بد أن يكون كل راو متصفًا بصفة العدالة على ما ذكر في تعريف العدل، ومتى ما انخرم شرط من شروطها الخمسة لم تقبل روايته.\nثم ليست البدعة على إطلاقها مما يخرج الراوي عن مسمى العدل، فهناك رواة وصموا بها وهم مخرج لهم في الصحيحين، وإنما الذي يخرجه عن كونه عدلًا هي البدعة المكفرة بلا خلاف، والبدعة التي في مرتبة الكبيرة على الراجح ولم يتب منها (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣ - ضبط الرواة:</span>\nوالمقصود به: أن يكون كل راوٍ من رواته قد اتصف بكونه حافظًا لما يرويه أن حدث من حفظه، غير مغفل، قد جمع ما حفظه في صدره بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، مع علمه بما يحيل المعاني إن روى بالمعنى، وإن حدث من كتابه فيصونه لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه بحيث لا يدخله تبديل ولا تحريف ولا زيادة ولا نقص (^٢).\nوالضبط نوعان: تام، وقاصر. فمن تم ضبطه فحديثه صحيح، ومن قصر عنه فحديثه حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٤ - عدم الشذوذ في الإسناد أو في المتن:</span>\nوالمراد به: ألا يخالف الراوي المقبول من هو أولى منه (^٣). وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ.\nوعرفه الإمام الشافعي بأنه: «أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس» (^٤).\nوأبعد أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في تعريفه فقال: إنه «حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (^٥).\nوالسبب في إبعاده -أي: إبعاد الحاكم-: أن تفرد الثقة لا يعتبر شذوذًا على الصواب؛ لوجود أحاديث أفراد كثيرة خرجها أصحاب الصحيح وليس لها متابعات، مثل:\n_________\n(^١) نزهة النظر لابن حجر (ص:١٠٢ - ١٠٤)، وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للقاسمي (ص:١٩٤).\n(^٢) انظر: فتح المغيث للسخاوي (٢/ ٣ - ٤)، والمختصر الوجيز في علوم الحديث للدكتور/ محمد عجاج الخطيب (ص:٩٠)، وضوابط الجرح والتعديل للدكتور/ عبد العزيز محمد بن إبراهيم العبد اللطيف (ص:١٣).\n(^٣) نزهة النظر لابن حجر (ص:٧٢).\n(^٤) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص:١١٩).\n(^٥) نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":70},{"text":"١ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - على المنبر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (^١)، الحديث.\n٢ - حديث النهي عن بيع الولاء والهبة (^٢).\n٣ - حديث أنس بن مالك - ﵁ -: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ) (^٣).\nوغيرها.\nوالفرق بين التعريف المعتمد للشاذ وتعريف الإمام الشافعي: أن الأول يدخل فيه الثقة والصدوق، بخلاف تعريف الشافعي، فإنه يخرج الصدوق منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٥ - عدم وجود علة في الإسناد أو المتن:</span>\nوالعلة عند العلماء: سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث (^٤).\nوقال ابن الصلاح: «الحديث المعلل هو: الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منها.\nويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» (^٥).\nوقال: «قد تقع العلة في إسناد الحديث -وهو الأكثر- وقد تقع في متنه، ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من\n_________\n(^١) صحيح البخاري، بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ - (١/ ٦)، رقم (١)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنية) وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (٣/ ١٥١٥)، رقم (١٩٠٧).\n(^٢) عن ابن عمر - ﵄ - قال: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ). صحيح البخاري، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته (٣/ ١٤٧)، رقم (٢٥٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب العتق، باب النهي عن بيع الولاء وهبته (٢/ ١١٤٥)، رقم (١٥٠٦).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (٣/ ١٧)، رقم (١٨٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام (٢/ ٩٨٩)، رقم (١٣٥٧).\n(^٤) قال النووي: «والعلة: عبارة عن سبب غامض قادح مع أن الظاهر السلامة منه». التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث للنووي (ص:٤٤).\nوعرف ابن حجر الحديث المعلل بقوله: «ما فيه علة خفية قادحة». نزهة النظر لابن حجر (ص:٥٩).\n(^٥) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص:١٨٧).","vol":"1","page":71},{"text":"غير قدح في صحة المتن» (^١).\nثم مثل ابن الصلاح لما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في المتن بـ: إبدال ثقة مكان ثقة، كمن أبدل عبد الله بن دينار بعمرو بن دينار، وكلاهما ثقة.\nومثل للعلة القادحة في المتن بـ: حديث نفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم الذي رواه مسلم (^٢) (^٣).\nوختم كلامه عن العلة بقوله: «اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح» (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الرابع\nتسمية السنة بـ «الحكمة»</span>\nفسر كثير من الأئمة الحكمة التي وردت في آيات متعددة من القرآن الكريم بـ: السنة، ومن هذه الآيات التي فسرت فيها الحكمة بـ: السنة:\n١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة:١٢٩].\n٢ - قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾ [البقرة:١٥١].\n٣ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ\n_________\n(^١) انظر: المصدر السابق (ص:١٨٨).\n(^٢) عن أنس - ﵁ - قال: (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾). صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة (١/ ٢٩٩)، رقم (٣٩٩).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (صَلَّيْتُ خَلَفَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لَا يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا). نفس التخريج السابق، نفس المصدر السابق والكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث.\n(^٣) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص:١٨٩ - ١٩٠).\n(^٤) انظر: المصدر السابق (ص:١٩٠ - ١٩١).","vol":"1","page":72},{"text":"اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة:٢٣١].\n٤ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران:١٦٤].\n٥ - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء:١١٣].\n٦ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب:٣٤].\n٧ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة:٢].\nومن هؤلاء الأئمة الذين فسروا الحكمة بـ: السنة:\n١ - الحسن البصري.\n٢ - قتادة بن دعامة السدوسي.\n٣ - مقاتل بن حيان البلخي.\n٤ - يحيى بن أبي كثير اليمامي.\n٥ - الإمام محمد بن إدريس الشافعي.\nوغيرهم (^١).\nقال الشافعي: «سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله» (^٢).\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩]:  «ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، ومفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي (ص:١١).\n(^٢) الرسالة للشافعي (ص:٧٨).\n(^٣) تفسير ابن جرير الطبري (٢/ ٨٥)، رقم (٢٠٧٤).\nوذكر السيوطي عنه في قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩، وآل عمران:١٦٤، والجمعة:٢] قال:  «الْحِكْمَة: السّنة. قَالَ: فَفعل ذَلِك بهم، فَبعث فيهم رَسُولًا مِنْهُم يعْرفُونَ اسْمه وَنسبه، يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم». الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (١/ ٣٣٥). وذكر السيوطي: أنه أخرجه عنه: عبد بن حميد وابن جرير.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الخامس\nكثرة الصلاة على النبي - ﷺ - من المشتغل بالسنة</span>\nالصلاة على النبي - ﷺ - من أفضل الأذكار وأحب الأعمال إلى الله تعالى، ويكفي في بيان فضل هذا الذكر: حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا) (^١).\nوأهل الحديث كما قال السيد صديق حسن خان القنوجي: «لهم نسبة خاصة ومعرفة مخصوصة بالنبي - ﷺ -، لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلًا عن الناس أجمعين؛ لأنهم الذين لا تزال تجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين يتردد في حلق وسط جنانهم. فعلاقة باطنهم بباطنه العلى متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة. فهم أهل المواليد حقًا عدلًا وصدقًا، فأكرم بهم من كرام، يشاهدون عظمة المسمى حين يذكر الاسم، ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم» (^٢).\nوقال قبل ذلك مباشرة: «ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: \"أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله - ﷺ - \"» (^٣).\nوأهل الحديث أكثر الناس صلاة على النبي - ﷺ -؛ وذلك لكثرة قراءتهم لأحاديثه - ﵊ -، فكلما ذكر اسمه في الحديث صلوا عليه، واستحقوا بذلك أن يصلي الله عليهم وأن يكونوا أولى الناس به - ﵊ - يوم القيامة، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً) (^٤).\nوقال ابن حبان البستي عقب تخريجه هذا الحديث في صحيحه: «في هذا الخبر دليل على: أن أولى الناس برسول الله - ﷺ - في القيامة يكون أصحاب الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه - ﷺ - منهم» (^٥).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد (١/ ٣٠٦)، رقم (٤٠٨).\n(^٢) الحطة في ذكر الصحاح الستة للسيد صديق حسن خان القنوجي (ص:٣٧).\n(^٣) نفس المصدر السابق.\n(^٤) سنن الترمذي، أبواب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - (٢/ ٣٥٤)، رقم (٤٨٤)، وصحيح ابن حبان، كتاب الرقائق، باب الأدعية (٣/ ١٩٢)، رقم (٩١١). وقال الترمذي: «حديث حسن غريب». وقال الألباني: «حسن لغيره». صحيح الترغيب والترهيب للألباني (٢/ ٢٩٤)، رقم (١٦٦٨). ولم أجد الحديث في صحيح ولا ضعيف سنن الترمذي في الطبعة التي عندي -طبعة: مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، (١٤٢٠ هـ-٢٠٠٠ م) -.\n(^٥) صحيح ابن حبان (٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":74},{"text":"وقال أبو نعيم الفضل بن دكين:  «وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ شَرِيفَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا رُوَاةُ الْآثَارِ وَنَقَلَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِعِصَابَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَكْثَرُ مِمَّا يُعْرَفُ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ نَسْخًا وَذِكْرًا» (^١).\nوقال أبو اليمن ابن عساكر:  «لِيَهْنِ أهل الحديث كثرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتم الله تعالى نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم - ﷺ -، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله - ﷺ -؛ فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم ودروسهم. فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية» (^٢).\n_________\n(^١) شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص:٣٥).\n(^٢) الحطة في ذكر الصحاح الستة للسيد صديق حسن خان القنوجي (ص:٤١).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث السادس\nدعاء النبي - ﷺ - لمن يتعلم السنة بالنضارة</span>\nوالمقصود بالنضارة هي: الحُسْن في الوجه والبهجة والبهاء (^١). وقد جاء عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) (^٢).\nوعن حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) (^٣).\nوقد عد جمع من أهل العلم هذا الحديث من الأحاديث المتواترة، منهم: ابن منده والسيوطي (^٤) والكتاني (^٥)، وغيرهم.\nقال الكتاني: «وذكر ابن منده في تذكرته: أنه رواه عن النبي - ﷺ - أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم. نقله ابن حجر في \"أماليه المخرجة على مختصر ابن الحاجب الأصلي\" (^٦).\n_________\n(^١) المصباح المنير للفيومي، مادة: \"نضر\" (٢/ ٦١٠)، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (١/ ٣٠٦).\n(^٢) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أخرجه في: سنن ابن ماجة، المقدمة، باب من بلغ علمًا (١/ ٨٥)، رقم (٢٣٢)، وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٥/ ٣٤)، رقم (٢٦٥٧، و٢٦٥٨)، وصحيح ابن حبان، كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها (١/ ٢٦٨)، رقم (٦٦)، والمعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٧٨)، رقم (١٣٠٤)، وشعب الإيمان للبيهقي، فصل في فضل العلم وشرف مقداره (٣/ ٢٤٨)، رقم (١٦٠٧). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٩٥)، رقم (١٩٠)، وصحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٦١)، رقم (٢٦٥٧، و٢٦٥٨).\n(^٣) عن زيد بن ثابت - ﵁ - أخرجه في: مسند أحمد (٣٥/ ٤٦٧)، رقم (٢١٥٩٠)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب الاقتداء بالعلماء (١/ ٣٠٢)، رقم (٢٣٥)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، باب من بلغ علمًا (١/ ٨٤)، رقم (٢٣٠)، وسنن أبي داود، كتاب العلم، باب فضل نشر العلم (٣/ ٣٢٢)، رقم (٣٦٦٠)، وسنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٥/ ٣٤)، رقم (٢٦٥٦). وقال الترمذي: «حديث حسن». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٩٤)، رقم (١٨٨).\n(^٤) انظر: قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي (ص:٢٨)، رقم (٢).\n(^٥) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٣٣)، رقم (٣).\n(^٦) قال الحافظ ابن حجر: «وذكر أبو القاسم ابن منده في تذكرته: رواه عن النبي - ﷺ - أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم. وقد تتبعت طرقه فوقع لي أكثرها وزيادة ستة». موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر لابن حجر (١/ ٣٦٣). ثم أورد القوي منها.","vol":"1","page":76},{"text":"وفي \"شرح المواهب اللدنية\": قال الحافظ: إنه مشهور، وعده بعضهم من المتواتر؛ لأنه ورد عن أربعة وعشرين صحابيًا، وسردهم (^١). اهـ.\nوفي \"شرح التقريب\" للسيوطي -كما تقدم عنه-: إنه وارد عن نحو ثلاثين منهم (^٢)» (^٣).\nقال أبو سليمان الخطابي عن معنى الحديث: «قوله: (نَضَّرَ اللَّهُ) معناه: الدعاء له بالنضارة، وهي: النعمة والبهجة. يقال بتخفيف الضاد وتثقيلها، وأجودهما التخفيف» (^٤).\nقال البغوي: «وقيل: ليس هذا من حسن الوجه، إنما معناه: حسن الجاه والقدر في الخلق» (^٥).\nقلت: وفي الحديث دلالة على: فضل حفظ السنة واستظهارها، والاشتغال بها واستنباط معانيها وفقهها، ونشرها وتبليغها.\nوفيه كذلك: الإشارة إلى تكرار الحديث للحفظ، والمحافظة على لفظ الحديث في الرواية؛ لقوله - ﷺ -: (فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ). وألا يعمد إلى اختصاره أو روايته بالمعنى دون حاجة إلى ذلك.\nوفيه أيضًا: فضل التفقه، وأن من الرواة من يفتح له في فهم الحديث واستخراج أسراره وفقهه ومنهم من ينغلق عليه فهمه فلا يصل إلى شيء من معانيه البتة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\n_________\n(^١) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (٧/ ٣١١).\n(^٢) تدريب الراوي للسيوطي (٢/ ٦٣٠).\n(^٣) نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٣٤).\n(^٤) معالم السنن للخطابي (٤/ ١٨٧).\n(^٥) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الثاني\nالرد على شبهات منشور\n«صور من الضياع الفقهي للفقهاء»</span>\nويشتمل على:\nمقدمة.\nتوطئة: سمات المنكرين للسنة النبوية\nأولًا: من أصول المشككين بالسنة والرد عليها.\nثانيًا: الرد على الشبهات الواردة في منشور «صور من الضياع الفقهي للفقهاء».","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>مقدمة</span>\nاللهم إني أحمدك كثيرًا، حمدًا يليق بجلالك وعظمتك، وأصلي وأسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفقد اطلعت على منشور لشخص يدعي أنه مستشار ومحام وباحث إسلامي (^١) يتهجم فيه على السنة وخاصة الصحيحين، ويقدح فيهما وفي صاحبيهما، وينكر القولية منها دون العملية (^٢)،\n_________\n(^١) هو: المستشار/ أحمد عبده ماهر. وهو مصري، وقد عرف نفسه في بداية منشوره بأنه: \"كاتب\"، قال في نهاية المنشور بأنه: \"محام بالنقض وباحث إسلامي\". وهو مصري.\nومنشوره هذا منشور في صفحته في الفيس بوك، بعنوان: \"صور من الضياع الفقهي للفقهاء\"، ملأه برد السنة النبوية، بل وتضمن ردًا لبعض الآيات القرآنية -مع ادعائه باتباعه للقرآن فقط- التي تتوافق مع ما رده من السنه، كما سيأتي في هذا الفصل بالتفصيل، وكذلك ملأه بالتهجم على العلماء والمحدثين والفقهاء.\n(^٢) وقد استهله بقوله: «إن من أهم اختراعاتهم -يقصد: الفقهاء، كما هو واضح من عنوان المنشور- لصرفنا عن كتاب الله هي الأحاديث التي نسبوها كذبًا لرسول الله الكريم، فوقفوا بالمرصاد لكتاب الله، فإن قال القرءان: يمين قالوا: يسار».\nوالعجيب -بل الذي لا ينقضي منه العجب- أن الكثير من شبهاته التي ساقها في هذا المنشور تدور حول مسائل تواترت فيها الأحاديث أو أجمع عليها المسلمون، أو جمعت بين الاثنين! كما سيأتي في ثنايا الرد على ما أورده من شبهات. والله المستعان.\nومن الملاحظ على المنشور كذلك: أن صاحبه لا يجيد حتى اللغة العربية، فالمنشور ممتلئ بالأخطاء اللغوية -مع أن المنشور صفحات قليلة جدًا، تزيد على العشر الصفحات بصفحتين أو ثلاث فقط-!\nوقد نبهت على بعض الأخطاء اللغوية والنحوية في مواضعها، وما تكرر منها كثيرًا فقد نبهت في أول موضع تُذكر على أن ما يتكرر منها بنفس الخطأ فهو كذا في المنشور، وأما الأخطاء الكتابية والإملائية فهي كثيرة جدًا، وهذه قد أوردتها على الصواب، وأهملت ذكر الخطأ الذي وردت به في المنشور. كما سيأتي في ذكر أقواله بنصوصها في الشبهات التي أوردها في منشوره.","vol":"1","page":79},{"text":"ويدعي تعارضها مع القرآن الكريم (^١).\n_________\n(^١) قال الإمام الآجري: «باب التحذير من طوائف يعارضون سنن النبي - ﷺ - بكتاب الله تعالى وشدة الإنكار على هذه الطبقة:\nقال محمد بن الحسين -يقصد: نفسه-: ينبغي لأهل العلم والعقل إذا سمعوا قائلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - في شيء قد ثبت عند العلماء فعارض إنسان جاهل فقال: لا أقبل إلا ما كان في كتاب الله تعالى، قيل له: أنت رجل سوء، وأنت ممن حذرناك النبي - ﷺ -، وحذر منك العلماء. وقيل له: يا جاهل! إن الله أنزل فرائضه جملة، وأمر نبيه - ﷺ - أن يبين للناس ما أنزل إليهم، قال الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. فأقام الله تعالى نبيه - ﵇ - مقام البيان عنه، وأمر الخلق بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وأمرهم بالانتهاء عما نهاهم عنه، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ثم حذرهم أن يخالفوا أمر رسول الله - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣]، وقال - ﷿ -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥]. ثم فرض على الخلق طاعته - ﷺ - في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه تعالى». الشريعة للآجري (١/ ٤١٠ - ٤١١).\nوقال أيضًا: «جميع فرائض الله التي فرضها الله في كتابه لا يُعلم الحكم فيها إلا بسنن رسول الله - ﷺ -. هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل في ملة الملحدين. نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى. وقد روي عن النبي - ﷺ - وعن صحابته - ﵃ - مثل ما بينت لك. فاعلم ذلك». المصدر السابق (١/ ٤١٢).","vol":"1","page":80},{"text":"وقد ترددت كثيرًا في الرد على هذا المشكك للسنة والمنكر لها كثيرًا؛ لاعتقادي في أول الأمر عدم جدوى مثل هذه الردود عند هؤلاء القوم؛ لكونهم ينطلقون من منطلق فكري وعقدي معين، غير أني راجعت نفسي في هذا بعد إلحاح من بعض المشايخ وطلبة العلم؛ لكون هذه الشبه تثار كثيرًا، وتتناقل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وتجد لها قبولًا وتأثيرًا عند قليلي العلم والجهلة وأضرابهما.\nفأعدت النظر في موقفي، وخلصت بعد تأمل وتفكير إلى حتمية الرد. وهو وإن كان لا يجدِ عند أولئك المشككين والطاعنين في السنة فإنه يجدي عند غيرهم ولو بِنِسَبٍ متفاوتة.\nوأيضًا يأتي هذا الرد لسد ثغرة لم أجد من سدها فيما أعلم.\nوكذلك لتجديد البحث والطلب لديَّ. إلى غير ذلك من الفوائد.\n\nوأسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>توطئة\nسمات المنكرين للسنة النبوية</span>\nذكر محمد أحمد صبرة في مقدمة كتابه \"السنة النبوية وحي رباني مناقشة لدعاوى أعداء السنة النبوية\" سمات وصفات المنكرين للسنة النبوية، وقد أجاد في وصفهم وبيان حقيقتهم، فقال عنهم:\n«إن أعداء الإسلام يحاربون الإسلام من كثير من النواحي، وكان نصيب القرآن والسنة كبير، فهم يحاولون إثارة شبهات، ويحاولون انتقاد القرآن والسنة، ونصيب السنة من افتراءاتهم أكبر، فهم على طول التاريخ يحاولون اختلاق الأباطيل على السنة النبوية، وعلماء الإسلام لهم بالمرصاد، يُفندون افتراءاتهم ويُبيّنون كذبهم وزورهم.\nوفي أيامنا هذه طغى اللدد والنفاق والكفر، وأثار أهله وأذنابهم الكثير من الشبهات التي هي في حقيقة الأمر افتراءات وأكاذيب، جاءوا بأكاذيب سابقيهم ونسجوا على منوالها، ويحرفون النص ليعطي غير معناه، ويبترون النص ليفيد غير المراد منه، وإذا وجدوا حديثًا صحيحًا لا يوافق أهواءهم ادعوا أنه لا يوافق العقل، يريدون عقلهم الذي يبغض الحق والإسلام، وإذا وجدوا حديثًا ضعيفًا أو موضوعًا يوافق مرادهم ادعوا صحته وثبوته.\nيتدثرون بعباءة الإسلام، يتصنّعون الحرص عليه والدعوة إليه والعمل على وحدة الأمة، وبينما هم يعلنون ذلك إذ يسعون إلى أغراضهم الخبيثة للقضاء على الإسلام أو لصنع إسلام على مقاسهم ويناسب رغباتهم عن طريق التشكيك في مصادره الموصى بها من عند الله وخصوصًا السنة النبوية، وذلك بإثارة الشبهات حولها، والزعم أنها ليست من الدين ولا صلة لها بالتشريع الإسلامي، ويزعمون أن القرآن الكريم هو وحده مصدر التشريع، وهي دعوة قديمة حديثة، والعداء لرسول الله وسنته موروث، ولكنّ الجديد هو أنّ هذه الفئة من أعداء الملّة ومنكري سنة رسول الله - ﷺ - تنسب نفسها للقرآن المجيد، فتسموا بـ\"القرآنيين\"، وقد اختاروا هذه النسبة إيهامًا للناس بأنهم ملتزمون بالقرآن.\nلم يقف عمل هؤلاء على إنكار حجية السنة جملة، بل ذهبوا إلى التشكيك في صدورها عن النبي - ﷺ - تارة، وتارة في عدالة الصحابة الذين حملوا السنة ونقلوها إلينا، وأخرى في رواتها بعد الصحابة الكرام ثم التشكيك في جهد الأئمة الأعلام الذين أوقفوا حياتهم على السنة فحصًا وتنقية.\nأما عن صفات هؤلاء المنكرين للسنة الذين يكتبون كثيرًا على الرغم من قلتهم:\nبعد جمع المعلومات عنهم فيقول الدكتور عبد المهدي عبد القادر:\n١ - ليسوا من علماء الإسلام، إنما هم بعيدون كل البعد عن ذلك، فمنهم من هو من دارسي الهندسة أو التجارة أو الفلسفة أو القانون أو غير ذلك ممن لا علاقة لهم بعلوم الشريعة، وهؤلاء لا قيمة لرأيهم في غير تخصصهم.","vol":"1","page":81},{"text":"٢ - في كتاباتهم تلبيس على غير المتخصصين في السنّة، فيُوهمون القارئ بأنهم سيتبعون \"الأسلوب العلمي\" و\"الفكر الحر\" و\"النظر الثاقب\" و\"تحرير المسائل\"، إلى غير ذلك من الكلمات البراقة والتي تُوهم القارئ بأنهم سيُحققون في المسائل تحقيقًا لم يسبقهم إليه أحد.\n٣ - افتراءاتهم مزوّرة، فهم يأخذون أقوال أعداء الإسلام السابقين ويردّدونها على أنها طعنات في السنة من عند أنفسهم، يُدرك ذلك من قرأ \"الرسالة\" للشافعي و\"تأويل مختلف الحديث\" لابن قتيبة، وغيره من الكتب التي دافعت عن السنة قديمًا.\n٤ - افتراءاتهم لا تنطلي إلا على العامة، فهي هزيلة تافهة يكشف زيفها كل من له دراية بعلوم الإسلام عامة وعلوم السنة خاصة.\n٥ - منهجهم مختل، فتجدهم يطلبون الشيء من غير بابه، فيدرسون الإسلام من كتب إعدائه، ودراسة الشيء لا يُوثق بها إلا إذا درست من مصدرها الأساسي.\n٦ - ليسوا طلاب حق، فيجعلون فكرهم هو الأساس ولا بد أن تنطوي له كل الحقائق وتقصف أعناق النصوص، فلا يهمه ماذا يقول الواقع وإنما يهمه أن يفسر الشيء حسبما يقتضيه فكره.\n٧ - مصادر بحوثهم مصطنعة، فمصادرهم لمستشرقين ونصارى ويهود وفرق تُحسب على الإسلام زورًا وكثير منها لمؤلفين معروفون بالزيغ والضلال» (^١).\n_________\n(^١) السنة النبوية وحي رباني مناقشة لدعاوى أعداءِ السنة النبوية لمحمد أحمد صبرة (ص:٢ - ٣). وعزا في الحاشية النقاط السبع إلى: «المدخل إلى السنة النبوية، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط ١، (٢٠٠٧ م) (ص:٣٦٧ - ٣٧٥)».","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>أولًا\nمن أصول المشككين بالسنة والرد عليها</span>\nوفيه أصلان:\nالأصل الأول: ترك السنة القولية والأخذ بالسنة العملية فقط.\nالأصل الثاني: تعارض السنة القولية مع القرآن الكريم.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الأصل الأول\nترك السنة القولية والأخذ بالسنة العملية فقط</span>\nيقول المشككون في السنة:\n\"إنهم لا يعملون بالسنة القولية؛ لأن فيها تعارضًا مع القرآن الكريم، ويعملون فقط بالسنة العملية\".\nوالجواب:\nحسنًا فما قولهم في المسائل الآتية التي ثبت حكمها بالسنة القولية المتواترة وأجمع عليها العلماء، فإن نفوها فقد نفوا أمرًا قطعيًا من الدين، ويعتبر العلماء نفي ذلك عن علم وقصد ردةً عن الدين، وإن أثبتوها فقد أثبتوا العمل ببعض السنة القولية، ويلزمهم شرعًا وعقلًا العمل ببقيتها الثابتة، والتفريق بين ذلك هو من التفريق بين المتماثلين، ومن الإيمان ببعض الدين دون بعض؟\nومن تلك المسائل على سبيل المثال:\n١ - الذبح لغير الله تعالى.\n٢ - الطواف بالقبور بنية العبادة.\n٣ - النذر لغير الله تعالى.\n٤ - الكذب على النبي - ﷺ - عمدًا.\n٥ - إنكار القدر خيره وشره من الله تعالى.\n٦ - كراهية الدين، أو الأنبياء، أو الملائكة.\n٧ - القول بأن بول الإنسان أو برازه طاهر.\n٨ - القول بجواز صلاة المرأة الحائض أو النفساء.\n٩ - القول بجواز قضاء الحاجة في المسجد، أو أمام الناس.\n١٠ - إجازة مشي الناس عراة.\n١١ - القول بجواز صلاة المرأة بغير خمار، أو بثياب قصيرة، أو غير ساترة.\n١٢ - القول بجواز الكلام والأكل والشرب في الصلاة.\n١٣ - القول بجواز الأذان بغير الألفاظ الواردة.\n١٤ - القول بجواز إقامة سوق للبيع والشراء داخل المسجد.\n١٥ - القول بجواز إتيان البهيمة.\n١٦ - القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.\n١٧ - القول بجواز السحاق بين النساء.","vol":"1","page":84},{"text":"١٨ - نفي حد شارب الخمر.\n١٩ - لبس المرأة الثياب القصيرة أو الشفافة أمام الرجال الأجانب.\nوغير ذلك من المسائل.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الأصل الثاني\nتعارض السنة القولية مع القرآن الكريم</span>\nيقول هؤلاء المشككون:\n\"إن التعارض والتناقض فيما بين السنة وبين القرآن الكريم هو السبب الرئيس عندنا في ردها وعدم قبولها\". ويذكرون لذلك أمثلة كثيرة.\nوالجواب:\nأولًا: أن ما ذكرتموه من وجود التعارض والتناقض بين السنة والقرآن هو في الظاهر، وليس في الحقيقة والواقع، وهو كذلك في عقولكم وأفهامكم القاصرة، وليس عند ذوي الرسوخ في العلم.\nومن ثم فلا يوجد حديث ثابت محكم يتعارض مع القرآن الكريم البتة، وإن وجد فهو إما ضعيف أو شاذ أو منسوخ.\nثانيًا: إن سلمنا جدلًا بوجود أحاديث تتعارض مع القرآن الكريم فلا يعني ذلك رد السنة كلها وإبطالها وعدم الاحتجاج بها. فهذا هو مسلك أهل الأهواء والبدع والضلالات. ولكن ترد تلك الأحاديث فقط التي يزعم تعارضها مع القرآن، وبهذا يقول الشرع والعقل والمنطق.\nثالثًا: يقول المحققون: \"إن دعوى التعارض ليست من البراهين الدامغة ولا الأدلة القاطعة على ضعف الحديث ورده؛ لاحتمال وجود قصور في الفهم أو العلم أو الاستدلال والاستنباط عند المدعي\".\nولهذا لم يذكر علماء الجرح والتعديل أن التعارضَ من أسباب ضعف الحديث، والتي حصروها في:\n١ - عدم اتصال السند.\n٢ - عدم عدالة الراوي.\n٣ - عدم ضبطه.\n٤ - وجود شذوذ في السند أو المتن.\n٥ - وجود علة قادحة في السند أو المتن.\nرابعًا: لو كان التعارض في بعض الأحاديث في الظاهر إن سلَّمنا به تُرد به السنة كلها لرد بذلك القرآن الكريم؛ لوجود آيات ظاهرها التعارض وليست في الحقيقة كذلك، مثل:\nقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ [الصافات:٢٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ [القصص:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة:١٧٤].\nفي آيات كثيرة جمعها العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب \"أضواء البيان\" في كتاب سماه: \"دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب\"، وبين معنى كل آية والمقصود بها، وأنه لا يوجد تعارض ولا تناقض بين آيات الله تعالى وحاشاه. وقد دل القرآن الكريم على هذا في عدة آيات، وهي:","vol":"1","page":86},{"text":"١ - قال الله جل شأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء:٨٢].\n٢ - قال - ﷾ -: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود:١].\n٣ - قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت:٤٢].\nخامسًا: لم يختلف العلماء فيما بينهم إلا من شذ من أهل البدع والزنادقة أنه يجب العمل بالسنة الثابتة عن النبي - ﷺ - قولية كانت أو فعلية.\nوممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - الإمامُ ابن حزم، حيث قال: «جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال ففرضٌ اتباعُه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله» (^١).\n٢ - العلامة الشوكاني، حيث قال: «اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على: أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام -يعني: أنها كالقرآن في التشريع والعمل، لا في المنزلة-، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: (أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقرَآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) (^٢)، أي: أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن» (^٣).\nسادسًا: أيضًا لم يختلف العلماء فيما بينهم -سوى من ذكرنا من الزنادقة وغالية الرافضة (^٤) -: أن من أنكر السنة وردها جملة وتفصيلًا أنه كافر زنديق. وممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - ابنُ حزم، حيث قال: «مسألة: وكل من كفر بما بلغه وصح عنده عن النبي - ﷺ - أو أجمع عليه المؤمنون مما جاء به النبي - ﵇ - فهو كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥]» (^٥).\nوقال أيضًا: «فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة، ولو أن امرءًا قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر» (^٦).\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٠٤). وقد تقدم.\n(^٢) مسند أحمد وسنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود. وقد تقدم.\n(^٣) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٩٦).\n(^٤) قال الإمام السيوطي: «الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن». مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي. وقد تقدم.\n(^٥) المحلى لابن حزم (١/ ٣٢).\n(^٦) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٢/ ٨٠).","vol":"1","page":87},{"text":"٢ - الإمام السيوطي، حيث قال: «فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي - ﷺ - قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشرَ مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكَفَرَة» (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي. وقد تقدم.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>ثانيًا\nالرد على الشبهات الواردة في منشور\n«صور من الضياع الفقهي للفقهاء»</span>","vol":"1","page":89},{"text":"وفيه أربعون شبهة:\nالشبهة الأولى: عدم أمر الرسول - ﷺ - بكتابة السنة وهي حي.\nالشبهة الثانية: اتهام السنة بمخالفة القرآن في أمره بمسح الأرجل في الوضوء.\nالشبهة الثالثة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم قصر الصلاة إلا حالة الخوف فقط.\nالشبهة الرابعة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في وقت الفطر.\nالشبهة الخامسة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في عدم المرور على الصراط يوم القيامة.\nالشبهة السادسة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في إثباتها لعذاب القبر.\nالشبهة السابعة: اتهام السنة بمخالفة القرآن في نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى.\nالشبهة الثامنة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تكفيرهم من لم يؤمن برساله محمد - ﷺ - ممن لم تبلغهم الدعوة.\nالشبهة التاسعة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تحليلهم وطء الإماء بملك اليمين.\nالشبهة العاشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بنسخ القرآن بالسنة.\nالشبهة الحادية عشرة: مخالفة المحدثين للقرآن في قولهم بتقييد القرآن بالسنة.\nالشبهة الثانية عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم برجم الزناة المحصنين.\nالشبهة الثالثة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إخباره بكونه كاملًا.\nالشبهة الرابعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في عدم اكتفائهم به.\nالشبهة الخامسة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بإخبار النبي - ﷺ - بما سيكون إلى يوم القيامة.\nالشبهة السادسة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في أمره باتباعه.\nالشبهة السابعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إيمانهم بحديث النبي - ﷺ - مع أنهم لم يسمعوه منه.\nالشبهة الثامنة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتبيين الحديث القولي للقرآن وتفصيله له.\nالشبهة التاسعة عشرة: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا.\nالشبهة العشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بمباشرة الحائض من فوق الإزار.\nالشبهة الحادية والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في إثباتهم لحد الردة.\nالشبهة الثانية والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي - ﷺ - توفي ودرعه مرهونة عند يهودي.","vol":"1","page":90},{"text":"الشبهة الثالثة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الإشهاد على الطلاق واحتسابهم الطلاق بإقرار أحد الزوجين.\nالشبهة الرابعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بعدم الوصية لوارث.\nالشبهة الخامسة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه.\nالشبهة السادسة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بإغواء حواء لآدم - ﵉ - بالأكل من الشجرة التي حُرِّمت عليهما في الجنة.\nالشبهة السابعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في تفسيرهم للمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى.\nالشبهة الثامنة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بكون النبي - ﷺ - توفي والتحريم بخمس رضعات قرآنًا يتلى.\nالشبهة التاسعة والعشرون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع الخلق في سبعة أيام لا ستة.\nالشبهة الثلاثون: اتهام المحدثين بمخالفة القرآن في قولهم بأن النبي - ﷺ - بُعث بقتال الناس حتى يسلموا وبالسيف.\nالشبهة الحادية والثلاثون: القول بمخالفة حديث: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) لقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.\nالشبهة الثانية والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم ببر الوالدين بدلًا من الإحسان إليهما.\nالشبهة الثالثة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في عدم التفريق بين الذين أوتوا الكتاب وبين أهل الكتاب.\nالشبهة الرابعة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بجواز نكاح الصغيرة.\nالشبهة الخامسة والثلاثون: اتهام الصحابة بمخالفة القرآن في قراءة بعض الآيات.\nالشبهة السادسة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بعدم دخول الجنة بالعمل.\nالشبهة السابعة والثلاثون: اتهام الفقهاء بمخالفة القرآن في قولهم بوقوع طلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثًا.\nالشبهة الثامنة والثلاثون: اتهام المحدثين والفقهاء بمخالفتهم لبعض الأحاديث.\nالشبهة التاسعة والثلاثون: القول بمخالفة حديث هَمِّ النبي - ﷺ - بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة لرحمته.","vol":"1","page":91},{"text":"الشبهة الأربعون: اتهام البخاري بالتدليس أحيانًا في الحديث بقوله: \"عن فلان\".","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الشبهة الأولى</span>\nعدم أمر الرسول - ﷺ - بكتابة السنة وهي وحي\nيقول المشكك:\n«هل تصور الفقهاء بأن النبي كان لا يعلم بأن أقواله في السنة وحي؟ فكيف يفرط رسول الله في السنة ويأمر بعدم كتابتها وهي وحي من السماء كما يزعمون (^١)» (^٢)؟\nوالجواب:\nأولًا: النبي - ﷺ - نهى أولًا عن كتابة السنة حتى لا تلتبس بالقرآن الكريم، ثم أجاز كتابتها بعد ذلك؛ لما تميز أسلوب القرآن عن أسلوب السنة عند الصحابة - ﵃ -، ولم يعد ملتبسًا عليهم (^٣).\nثانيًا: أن السنة وإن كانت وحيًا إلا أنه يختلف وحيها عن وحي القرآن، فالقرآن أوحي إلى النبي - ﷺ - باللفظ والمعنى، وهو معجز ومتعبد به، بخلاف السنة، فقد أُوحيَت إلى النبي - ﷺ - بالمعنى دون اللفظ، فهو -أي: اللفظ- من النبي - ﷺ -. وليست هذه الألفاظ معجزة ولا متعبدًا بها، فلذلك لم تكن كتابتها واجبة، بل مستحبة؛ لأنه ليس واجبًا الحفاظ على ألفاظها، وإنما الواجب الحفاظ على المعنى فيها. وهذا ما حافظ عليه الرواة من الصحابة - ﵃ - ثم من بعدهم، حتى تدوينها جميعها بعد ذلك.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) يشير إلى: حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ). صحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٢) وقد بينا فيما سبق: أن المسلمين قد أجمعوا على كتابة الحديث، ونقلنا قول الحافظ ابن الصلاح بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في الصدر الأول في جواز كتابة الحديث: «ثم إنه زال ذلك الخلاف وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة». مقدمة ابن الصلاح (ص:١٨٣).\nونقل الإمام النووي قول القاضي: «ثم أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف». شرح صحيح مسلم للنووي (١٨/ ١٢٩).\n(^٣) وقد تقدم بيان ذلك في الفصل الأول من هذا الكتاب.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الشبهة الثانية</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي أمره بمسح الأرجل في الوضوء\nيقول المشكك:\n«فحين يقول الله: \"وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين\"، ويقول: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢].\nفيقولوا (^١): امسحوا على ظاهر الخف» (^٢).\nوالجواب:\nأولًا: هكذا أورد الآية الأولى في المنشور: \"وامسحوا بأرجلكم\". وإن ثبت ذلك عنه -أي: أنه من كتابته هو- فهو دليل على جهله بالقرآن الكريم. وصحة الآية هي: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].\nوفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قراءتان متواترتان:\nالقراءة الأولى: بخفض ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾.\nوفي توجيهها أقوال:\n١ - أنها عطف على المجاورة، ولتناسب الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان:٢١].\nوكما تقول العرب: \"جحرُ ضبٍ خربٍ\" (^٣). وهذا سائغ ومشهور في لغة العرب (^٤).\n_________\n(^١) كذا في المنشور، وقد تكررت كثيرًا في المنشور \"فيقولوا\" .. \"ويقولوا\".\n(^٢) المسح على ظاهر الخف للمتوضئ إذا كان قد سبق له إدخال رجليه فيهما طاهرتين بشروطهما المعتبرة لم يقل به الفقهاء فقط، كما يقول هذا المشكك، بل ثبت المسح على ظاهر الخف عن النبي - ﷺ - في الأحاديث الكثيرة والمستفيضة، ورواها عنه - ﷺ - العديد من الصحابة - ﵃ -، كما سأشير إلى ذلك في الرد على هذه الشبهة.\n(^٣) الجمل في النحو للخليل بن أحمد الفراهيدي (ص:١٩٦)، والكتاب لسيبويه (١/ ٦٧)، والزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر الأنباري (١/ ٣٢٠).\n(^٤) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٣)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).","vol":"1","page":94},{"text":"٢ - قيل: إن قراءة الخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما الخفان. ونُقل ذلك عن الإمام الشافعي (^١).\n٣ - قيل: إن المراد بمسح الرجلين هو: الغسل الخفيف، كما ثبت عن الإمام علي - ﵁ -: (أنه توضأ من غير حدث بحفنة واحدة لجميع أعضائه) (^٢). رواه البخاري مختصرًا، والبيهقي مطولًا (^٣).\nالقراءة الثانية: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب، عطفًا على غسل الوجه واليدين.\nوهذه القراءة توجب غسل الرجلين، ودل على ذلك ثلاثة أمور:\n١ - الأحاديث القولية الكثيرة والتي تبلغ حد التواتر، وينكرها هذا المشكك الضال.\n٢ - السنة العملية التي يؤمن بها ولا يخالف في الاحتجاج بها كما يقول.\nفيقال له: إن أكثر من مليار مسلم في جميع أنحاء المعمورة يغسلون أرجلهم في الوضوء، فهل هؤلاء جميعًا على خطأ، ولا يتوضؤون على وفق أمر الله تعالى لهم؟! هذا محال. ولا يمكن لعاقل أن يتهمهم بذلك، وقد أخذ هؤلاء جميعًا هذه السنة العملية في الوضوء عمن قبلهم، وأخذ أولئك عمن قبلهم، وكذلك إلى النبي - ﷺ - (^٤)، ولم يختلفوا عليه في أنه - ﷺ - كان يغسل قدميه في الوضوء إذا لم يكن يلبس الخفين (^٥).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).\n(^٢) عن النزال بن سبرة حدث عن علي - ﵁ -: (أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ). صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب الشرب قائمًا (٧/ ١١٠)، رقم (٥٦١٦).\nولفظ البيهقي: عن النزال بن سبرة حدث عن علي - ﵁ -: (أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً وَاحِدَةً فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ). السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] نصبًا وأن الأمر رجع إلى الغسل وأن من قرأها خفضًا فإنما هو للمجاورة (١/ ١٢٢)، رقم (٣٥٤).\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣).\n(^٤) قال البغوي: «وذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين». تفسير البغوي (٢/ ٢٣).\nوقال أبو الحسن بن القطان: «وغسل القدمين في الوضوء مع القدرة عليه فرض عند جميع الفقهاء، إلا الطبري». الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (١/ ٨٦).\nوذكر الكتاني: أن غسل الرجلين في الوضوء من الأحاديث المتواترة. نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٥٨).\n(^٥) قال ابن حجر: «وقد تواترت الأخبار عن النبي - ﷺ - في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله». فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٦٦).\nوقال الكتاني: «غسل الرجلين في الوضوء أطبق من حكى وضوءه - ﵊ -». نظم المتناثر للكتاني (ص:٥٨).","vol":"1","page":95},{"text":"فيلزمك على هذا: غسلهما؛ لأنها من السنن العملية التي تدّعي الإيمان بها.\nوأما مسح القدمين من غير خف في الوضوء فلم يثبت عنه - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه - ﵃ -. وعرف هذا المسح فيما بعد القرون الثلاثة الأولى المفضلة للإمامية دون غيرهم من المسلمين.\n٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ في هذه الآية يدل على وجوب غسل الرجلين. وهذا صريح في أن المراد هو غسلهما وليس مسحهما؛ لأنه لا يعرف في الشرع المسح على القدمين كلتيهما إلى الكعبين، وإنما يكون المسح على ظاهرهما. فدل على أن المراد هو: غسلهما.\nفبطل بهذا قولك في المسح.\nثانيًا: استدلال هذا الجاهل بقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه:١٢] لا يستقيم له؛ لأن هذه الآية هي خطاب لموسى - ﵊ -، وهي حكم خاص في شريعته - ﵇ -، وليس في شريعتنا.\nثالثًا: قوله عن الفقهاء: إنهم يقولون: «امسحوا على ظاهر الخف» أقول: هم لم يقولوا كما يدعي، ولكن السنة المتواترة القولية والعملية عن النبي - ﷺ - والتي يدل عليها أكثر من أربعين حديثًا في المسح على الخفين- هي التي تقول بجواز المسح على الخفين (^١).\n﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) قال الإمام النووي: «أجمع من يعتد به في الإجماع على: جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة بيتها والزمن الذي لا يمشي. وإنما أنكرته الشيعة والخوارج. ولا يعتد بخلافهم». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٦٤).\nوقال أيضًا: «وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة». نفس المصدر السابق.\nوقال ابن حجر: «وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، ومنهم العشرة». فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٠٦).\nوقال الكتاني: «حديث المسح على الخفين متواتر، رواه سبعون صحابيًا». نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:١٩). وانظر الصحابة الذين رووه - ﵃ - فيه: (ص:٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الشبهة الثالثة</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي عدم قصر الصلاة إلا حالة الخوف فقط\nيقول المشكك:\n«وحين يقول تعالى: إن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف.\nفيقولوا: بل في السفر فقط بلا خوف (^١)».\nوالجواب:\nأولًا: لا توجد آية في القرآن الكريم بهذا اللفظ الذي ذكره: \"أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف\"، وهو إنما يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].\nوهذا يدل على جهله بقدسية القرآن الكريم الذي اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يقول الشخص: \"قال الله تعالى\" ثم يورد الآية بمعناها. ولكن في حالة الإخبار بحكم الآية فلا مانع من إيراد معناها، كما لو قال: إن الله تعالى أخبر في كتابه أن قصر الصلاة يكون في السفر في حالة الخوف لساغ له ذلك.\nثانيًا: قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] في الآية عدة أجوبة للعلماء:\n١ - أن هذا القيد والشرط في الآية ليس مرادًا، وقد خرج مخرج الغالب عند نزولها؛ إذ كانت غالب أسفارهم في ذلك الوقت مخوفة، وهي إما لغزو عام أو في سرية. وقد قال الأصوليون: \"إن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة معينة فلا مفهوم له\" (^٢). مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]. فهذا القيد لا مفهوم له بالإجماع؛ لأنه لا يجوز للسيد أن يكره أمته على الزنا، سواء كانت عفيفة أو غير عفيفة.\n_________\n(^١) وعلى هذا دلت السنة النبوية المتواترة، كما سيأتي.\n(^٢) قال الإمام القرافي: «المفهوم متى خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعًا». شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص:٢٧١).\nوقال أيضًا: «وهو معنى قول العلماء: \"إن الكلام متى خرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم\" بمعنى: أنه متى كانت الصفة غالبة علي ذلك المحل لا يكون له مفهوم». نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (٣/ ١٣٨٤).\nوقال الطوفي: «فائدة: اتفق القائلون بالمفهوم على أن ما ظهر سبب تخصيصه للمنطوق بالذكر لا مفهوم له، كوقوعه جوابًا لمن سأل عنه، أو خروجه مخرج الأعم الأغلب»، ثم مثَّل لكل نوع منهما. شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٧٧٥).","vol":"1","page":97},{"text":"وهذا أحسن الأجوبة لمن لا يؤمن بالسنة واستقلالها بالتشريع.\n٢ - أن هذه الآية المقصود بها: قصر الصلاة في الخوف والحرب، وأما قصر الصلاة في السفر عمومًا فقد شرعه الله تعالى في سنة نبيه - ﷺ - بالقول والفعل الذي بلغ حد التواتر (^١)، وليس في هذه السنة شك؛ لأنها من السنن المتواترة قولًا وعملًا، وليس أحد من المسلمين على هذه البسيطة بلغ حد التكليف إلا وهو يعرف هذه السنة، ويؤديها في حال سفره، وأجمع عليها المسلمون (^٢).\nومن ثمَّ فليس لمن يشككون في السنة القولية عذر في ردها؛ لكونها من السنن العملية الثابتة عن النبي - ﷺ -.\n٣ - أن القصر إنما هو لصلاة الخوف بمنطوق الآية، وأما صلاة السفر فقد فرضت ركعتان -ما عدا صلاة المغرب- في أول الإسلام، ثم أتمت صلاة الحضر بعد ذلك، وبقيت صلاة السفر على حالها كما فرضت أولًا (^٣).\n_________\n(^١) قال الإمام الطحاوي: «وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - ﷺ - بتقصيره في أسفاره كلها». شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر (١/ ٤١٦)، تحت رقم (٢٣٩١). ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك.\nوعده كذلك الكتاني من الأحاديث المتواترة. نظم المتناثر للكتاني (ص:١٠٩).\n(^٢) وممن حكى الإجماع على ذلك:\n١ - الإمام ابن المنذر، حيث قال: «وأجمعوا على أن لمن سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة مثل: حج أو جهاد أو عمرة أن يقصر الظهر والعصر العشاء، يصلي كل واحدة منها ركعتين ركعتين». الإجماع لابن المنذر (ص:١٤١).\n٢ - الإمام ابن قدامة، حيث قال: «وأجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين». المغني لابن قدامة (٢/ ١٨٨).\n(^٣) عن عائشة - ﵂ - قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى). صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ (٥/ ٦٨)، رقم (٣٩٣٥).\nوفي لفظ مسلم: عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ). صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها (١/ ٤٧٨)، رقم (٦٨٥).\nوكون المغرب لم تفرض ركعتين في أول الأمر جاء عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: (فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمَغْرِبَ فُرِضَتْ ثَلَاثًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، من قال: وتر النهار المغرب (٢/ ٨١)، رقم (٦٧١٠)، ومسند أحمد (٤٣/ ٣١٧)، رقم (٢٦٢٨٢)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، باب إتمام المغرب في السفر والحضر وألا قصر فيها (٣/ ٢٠٨)، رقم (٥٤٤٣). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (٤٣/ ٣١٧)، هامش رقم (٢).","vol":"1","page":98},{"text":"٤ - أن القصر في السفر هو سنة عند أكثر العلماء، وليس واجبًا، فمن فعله فقد أحسن، ومن لم يفعله فلا حرج عليه.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الشبهة الرابعة</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي وقت الفطر\nيقول المشكك:\n«وحين يقول تعالى: \"وأتموا الصيام إلى الليل\".\nفيقولوا (^١): بكروا بالفطور (^٢)».\nوالجواب:\nأولًا: لست أشك بعد تكرار أخطاء هذا المشكك في آيات القرآن أنه جاهل بالقرآن الكريم، مع أنه ممن يدعي الاكتفاء به دون السنة! وهذا الادعاء يحتم عليه الاعتناء به حفظًا وفهمًا وتلاوة، فإنه قل ما يورد الآية صحيحةً في منشوره، ولا أظن أن ذلك خطأٌ مطبعي؛ لكونها تكررت أكثر من مرة، ولا زلنا في بداية المنشور. وهنا يقول: \"وأتموا الصيام إلى الليل\"، وصحة الآية كما في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧].\nثانيًا: أن دخول الليل في الشرع واللغة يكون بغروب الشمس، وليس بالظلمة وظهور النجوم كما يقول الإمامية؛ بدليل صلاة المغرب التي يدخل وقتها من حين غروب الشمس.\nوعلى هذا فيقال لهذا المشكك: هل وقت صلاة المغرب هو جزء من النهار أو جزء من الليل؟\nفإن قال: إنه جزء من النهار فقد كذب واقعًا ولغة وشرعًا، ولو صلى المغرب بهذا الاعتقاد -أنها جزء من النهار- لم تصح منه؛ لإجماع المسلمين أنها من صلوات الليل، بل كانوا يسمونها: \"صلاة العشاء\"، وبعضهم يقيدها فيقول: \"صلاة العشاء الأولى\"؛ تمييزًا لها عن الصلاة التي بعدها، والتي جاء تسميتها على لسان النبي - ﷺ - ولسان بعض أصحابه - ﵃ -: \"صلاة العشاء الآخرة\" (^٣).\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) عن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ). صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار (٣/ ٣٦)، رقم (١٩٥٧)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر (٢/ ٧٧١)، رقم (١٠٩٨).\nوقال ابن عبد البر عن الأحاديث الواردة في تعجيل الفطر وتأخير السحور: «وهي متواترة صحاح». الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣٤٥).\n(^٣) مما جاء عن النبي - ﷺ - في ذلك:\nحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ). صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة (١/ ٣٢٨)، رقم (٤٤٤).\nوأما ما جاء عن الصحابة - ﵃ - في ذلك فهو كثير، ويكفي حديث عائشة - ﵂ - المتفق عليه في مرض موت النبي - ﷺ -: أنه لما ثقل سأل: (أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. قَالَتْ: فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ - ﷺ -: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ. فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ - ﵇ - لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ). صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (١/ ١٣٩)، رقم (٦٨٧)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس ... (١/ ٣١١)، رقم (٤١٨).","vol":"1","page":100},{"text":"وإن قال: إنها جزء من الليل فقد صدق. وحينئذ يقال له: إن المقصود بالتبكير بالفطور للصائم هو: المسارعة به في أول الليل، وليس المقصود به الإفطار قبل غروب الشمس، فإن من بكر بإفطاره قبل غروب الشمس فقد بطل صومه بلا خلاف؛ لكونه لم يتم صيامه إلى الليل.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الشبهة الخامسة</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي عدم المرور على الصراط يوم القيامة\nيقول المشكك:\n«ويقول القرآن بأن المؤمنين لا يسمعون حسيس النار، وأنهم عنها مبعدون.\nويقول أهل الحديث بأن المؤمنين والرسل يعبرون ما يسمى بـ\"الصراط المستقيم\"، وهو جسر على جهنم، له كلاليب، تتخطف الناس لتهوي بهم في النار (^١)، بينما الرسل ترتعد فرائصها من الخوف والفزع» (^٢).\n_________\n(^١) يشير إلى: الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال -وساق الحديث، وفيه-: (فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو). صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود (١/ ١٦٠ - ١٦١)، رقم (٨٠٦)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٤ - ١٦٥)، رقم (١٨٢).\nوحديث أبي سعد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال -وساق الحديث، وفيه-: (ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ -تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ-، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا). صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] (٩/ ١٣٠)، رقم (٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١٦٩)، رقم (١٨٣).\nوقد ذكر الكتاني: أن أحاديث الصراط متواترة تواترًا معنويًا. نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني (ص:٢٣١).\n(^٢) كأنه يشير إلى: حديث إتيان الناس يوم القيامة إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - ﵈ -؛ ليشفعوا إلى ربهم لفصل القضاء، وكل واحد منهم يقول: (نَفْسِي نَفْسِي)، وهو حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: إن كل نبي من هؤلاء الأنبياء - ﵈ - يقول: (إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)، ويذكر بعض ما كان منه، ثم يقول: (نَفْسِي نَفْسِي). صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء:٣] (٦/ ٨٤ - ٨٥)، رقم (٤٧١٢). ورواه قبل ذلك مختصرًا. وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٨٤ - ١٨٥)، رقم (١٩٤)","vol":"1","page":102},{"text":"والجواب:\nأولًا: الآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢].\nثانيًا: أن هذه الشبهة منتقضة بأمرين:\n١ - بمعرفة المقصود بـ ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، وفي ذلك أقوال:\nأ- أن المقصود بهم هم: المعبودون من دون الله تعالى بغير رضاهم من الأنبياء كعيسى وعزير - ﵉ -، وكبعض الملائكة - ﵈ -. فهي استثناء من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]. ثم استثنى سبحانه هؤلاء الأنبياء والملائكة - ﵈ - من العذاب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١].\nفـ ﴿إِنَّ﴾ في الآية بمعنى: \"إلا\"، أي: إن هؤلاء الذين عُبدوا من دون الله من الأنبياء والملائكة بغير رضا منهم هم مبعدون عن النار، ولا يسمعون حسيسها.\nب- أن المقصود بهم هم: المؤمنون الفائزون، فإنهم لا يسمعون حسيس النار؛ لأنهم يمرون على الصراط مرًا سريعًا، أسرع من لمح البصر والبرق والريح.\nج- أن المقصود بهم هم: أهل الجنة، فإنهم لا يسمعون حس النار، ولا حس أهلها.\n٢ - أن إنكار هذا المشكك للصراط بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] جهل مركب بالقرآن الذي يثبت ورود الناس جميعًا على جهنم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم:٧١]، أي: أن جميع الناس سيردون جهنم، فأما المؤمنون المتقون فينجيهم الله تعالى منها، وأما الكافرون فيبقيهم فيها ولا يخرجهم منها.\nوإذا لم يكن معنى الورود هنا هو: \"العبور على الصراط\" فلا محيص لهذا المشكك من أن يفسره بدخول النار. وهو قاصمة الظهر له، ولكلامه وشبهته؛ لأنهم بدخولهم النار فقد سمعوا حسيسها وذاقوا طعمها وتلظوا بلهبها. وهذا لا يتفق مع وعده تعالى لهم بأنهم ﴿عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء:١٠١]، أي: لا يدخلونها أبدًا.","vol":"1","page":103},{"text":"ثالثًا: أن أهل الحديث لم يقولوا قط: إن الكلاليب التي على جسر جهنم تخطف الناس جميعًا، وإنما قالوا: تخطف من أراد الله له العذاب من عصاة الموحدين.\nرابعًا: أما استنكار المشكك ارتعاد فرائص الرسل وخوفهم وفزعهم من ربهم - جل وعلا - فجهل مخز وفاضح منه بحقيقة الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، الذين هم أعرف الخلق بالله تعالى وأشدهم خوفًا منه وإخباتًا له، وقد أثنى الله تعالى عليهم بذلك، فقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء:٩٠].\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب:٣٩].\nوالله أعلم","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الشبهة السادسة</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي إثباتها لعذاب القبر\nيقول المشكك:\n«ولا يذكر القرآن شيئًا اسمه عذاب القبر، ويقول: إن العذاب مؤجل ليوم (^١) القيامة بعد الحساب.\nفيخترع أهل الحديث ما يسمونه: عذاب القبر (^٢)، بل ويلوون معاني عنق آيتين من كتاب الله؛ ليصلوا لمبتغاهم» (^٣).\nوالجواب:\nأولًا: نعم لم يرد في القرآن الكريم اسم\" عذاب القبر\" منصوصًا عليه هكذا، كما أنه لم ترد الصلوات الخمس منصوصًا عليها، وجميعهما بينتهما السنة.\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) لم يخترعه أهل الحديث، بل تواترت الأحاديث بذلك، قال ابن القيم: «فأما أحاديث عذاب القبر ومساءلة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي». الروح لابن القيم (ص:٥٢).\nوقد تواترت الأحاديث في عدة جزئيات متعلقة بعذاب القبر، وهي:\n١ - سؤال الملكين الميت في القبر وهو فتنته. قال السيوطي: «قد تواترت الأحاديث بذلك». شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور للسيوطي (ص:١٢١).\nوقال السفاريني: «فالإيمان بذلك -يعني بالملكين اللذين ينزلان على الميت في قبره يسألانه عن ربه ومعتقده- واجب شرعًا؛ لثبوته عن النبي المعصوم - ﷺ - في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر». لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية \"وهو: شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية\" للسفاريني (٢/ ١٤٤).\n٢ - عود الروح للبدن وقت السؤال. قال ابن تيمية: «سائر الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن». شرح حديث النزول لابن تيمية (ص:٨٨).\n٣ - عذاب القبر ونعيمه. قال ابن أبي العز الحنفي: «وقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين». شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (ص:٣٩٥).\n٤ - الاستعاذة من عذاب القبر. قال ابن رجب: «وقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في عذاب القبر والتعوذ منه». تفسير ابن رجب (٢/ ٣٥٦).\nوانظر: نظم المتواتر للكتاني (ص:١٢٣ - ١٢٦). وقد ذكر من قال بتواتر كل منها.\n(^٣) كذا في المنشور.","vol":"1","page":105},{"text":"وقد وردت آيات كثيرة ظاهرة وواضحة تدل على عذاب القبر، دلالة لا يسع أي مسلم لديه حظ من علم وينطوي قلبه على اعتقاد صحيح أن ينكره أو يؤوله.\nومن هذه الآيات:\n١ - قال تعالى عن فرعون وقومه الذين أغرقهم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٥ - ٤٦].\nففي هذه الآية: أنهم يعرضون على النار صباحًا ومساءً، أي: يعذبون فيها في هاتين الفترتين.\nوقيل: يعرضون عليها مجرد عرض من غير دخول فيها، وهو عذاب مخفف؛ بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر:٤٦].\nولو لم يكن هذا عذابًا لهم لم يذكره في سياق العقوبة العظيمة التي حاقت بهم في برزخهم.\n٢ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ [الأنعام:٩٣].\nوهذه الآية صريحة في عذاب الكفار في قبورهم؛ حيث إنه يحصل لهم هذا الضرب على وجوهم وأدبارهم، وهذه الإهانة والخزي لهم عند إدبارهم من الدنيا وإقبالهم على الآخرة. ولا يحصل لهم هذا في حال حياتهم؛ بدليل قوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، أي: اليوم قبل البعث تجزون هذا العذاب المهين لكم.\n٣ - قال تعالى عن قوم نوح - ﵇ -: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح:٢٥]، أي: أغرقهم الله تعالى بالطوفان فأدخلهم النار مباشرة؛ لأن الفاء تدل على التعقيب المباشر، وليس على التراخي.\n٤ - قال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ [الحجر:٧٤]، أي: قلب الله عليهم الأرض التي كانوا عليها حتى صار عاليها سافلها، فقتلهم بذلك، ثم أتبعهم بحجارة من سجيل منضود عذابًا لهم في برزخهم. ولو لم تكن هذه الحجارة عذابًا لهم بعد موتهم لكان ذكرها من باب العبث -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-.\n٥ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ [الأنفال:٥٠].\nومعناها كآية الأنعام: أن هذا الضرب والإهانة هو عند خروجهم من الدنيا وقبل البعث.\nوهذا هو نوع من عذاب القبر؛ لأنه لا يحصل لهم مثل هذا في حياتهم.\n٦ - قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ [محمد:٢٧].","vol":"1","page":106},{"text":"ومعناها كالآية السابقة.\nثانيًا: ليس في عذاب القبر شك عند أهل السنة، وهم السواد الأعظم من المسلمين. وقد دل عليه عندهم أحاديث كثيرة صريحة، تبلغ بمجموعها حد التواتر (^١)، مروية في كتب: الصحاح، والسنن، والمسانيد، وغيرها من كتب الحديث. وقد جمعها بعض الأئمة في مصنفات خاصة، منهم: الإمام البيهقي، وسمى كتابه: \"إثبات عذاب القبر وسؤال الملكين\" (^٢).\nثالثًا: يستدل منكرو عذاب القبر على إنكارهم له بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]. وأنهم لو كانوا يعذبون لم يكن القبر على هيئة المرقد لهم.\nوالجواب عن استدلالهم هذا:\n١ - أن المراد بقولهم: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]؟ أي: من بعثنا من قبورنا ومضاجعنا؟ وليس في الآية أنهم لم يكونوا يعذبون فيها.\n٢ - أن النفخة في الصور لهولها وعظمها أنستهم ما كانوا فيه من عذاب في قبورهم.\n٣ - قيل: إنه بعد النفخة الأولى ينقطع العذاب والنعيم عن أهل القبور فينامون حتى النفخة الثانية، فإذا سمعوها خرجوا من قبورهم وقالوا: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢].\n٤ - لا يلزم من إثبات عذاب القبر استمراره إلى يوم القيامة، بل هو عائد إلى مشيئة الله تعالى، فلعل النفخة الثانية تكون في وقت انقطاع العذاب عنهم وفي حال نومهم.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الحاشية السابقة.\n(^٢) قال الإمام الآجري بعد أن ذكر الأحاديث المثبتة لعذاب القبر: «ما أسوأ حال من كذب بهذه الأحاديث، لقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا». الشريعة للآجري (٣/ ١٢٨٧).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الشبهة السابعة</span>\nاتهام السنة بمخالفة القرآن\nفي نفيه للشفاعة عن غير الله تعالى\nيقول المشكك:\n«ويقول القرآن: \"إن الشفاعة لله تعالى جميعًا\"، و\"إن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح\"، و\"إنه لا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله\".\nويقول أهل الحديث: بل يشفع النبي لكل من قال: \"لا إله إلا الله\" (^١) (^٢). ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» (^٣).\nوالجواب:\nأولًا: نعم إن الشفاعة لله تعالى جميعًا، ولا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله تعالى، ونحن نؤمن بذلك ونصدق به، ومن ذلك: شفاعة النبي - ﷺ - لكل من قال: \"لا إله إلا الله\" من الموحدين من أصحاب الكبائر وغيرهم. وهذه الشفاعة منه - ﷺ - لهم لا تقع إلا بإذن الله تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له.\n_________\n(^١) يشير إلى: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي - ﷺ - دعوة الشفاعة لأمته (١/ ١٨٩)، رقم (١٩٩).\nوهو كذلك في الصحيحين من دون ذكر من تناله شفاعته - ﷺ -. ولفظه فيه: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا، وَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الآخِرَةِ). صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة (٨/ ٦٧)، رقم (٦٣٠٤)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب اختباء النبي - ﷺ - دعوة الشفاعة لأمته (١/ ١٨٨)، رقم (١٩٨).\n(^٢) تواترت الأحاديث في إثبات الشفاعة، وأجمع المسلمون من أهل السنة عليها، قال الإمام النووي: «وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف والخلف ومن بعدهم من أهل السنة عليها». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ٣٥).\nوقال ابن حجر: «الأدلة القطعية عند أهل السنة على: أن طائفة من عصاة المؤمنين يعذبون ثم يخرجون من النار بالشفاعة». فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٢٦).\n(^٣) سيأتي ذكر الحديث الوارد في ذلك.","vol":"1","page":108},{"text":"فلا منافاة بين شفاعته - ﷺ - هذه وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]؛ لأن معنى هذه الآية: أنه سبحانه هو المالك للشفاعة كلها، وهو الذي يهبها ويمنعها، ويأذن فيها لمن شاء بعد أن يرضى عن المشفوع فيه.\nلكن هناك من يمنع الشفاعة مطلقًا إلا الشفاعة الكبرى، ويستدلون على ذلك بالآتي:\n١ - قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر:١٨].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:١٢٣].\nفي حين أن المراد بنفي الشفاعة في هاتين الآيتين ونحوهما هي: نفي الشفاعة عن الكفار والمشركين، فلا تُقبل فيهم شفاعة أحد، ولا يأذن الله تعالى لأحد أن يشفع فيهم.\nوإنكار الشفاعة هو إنكار لصريح القرآن الكريم؛ فقد ذكرها القرآن الكريم مثبتًا لها في عدة آيات، ومنها:\n١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨].\n٣ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه:١٠٩].\n٤ - قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم:٢٦].\nثانيًا: قول المشكك: «وإن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح» سيأتي الكلام عليه مفصلًا إن شاء الله في موضعه؛ حيث يورد الأدلة على أن دخول الجنة هو بالإيمان والعمل الصالح، وليس برحمة الله كما يقول.\nثالثًا: قول المشكك: «ويقولون: بل سيضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى» الجواب عنه:\n١ - هو يشير بقوله هذا الى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللهُ لَهُمْ، وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا. قَالَ أَبُو رَوْحٍ -أحد الرواة-: لَا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ) (^١).\nوفي لفظ آخر عند مسلم: عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللهُ - ﷿ - إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هَذَا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) (^٢).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (٤/ ٢١٢٠)، رقم (٢٧٦٧).\n(^٢) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (٤/ ٢١١٩)، رقم (٢٧٦٧).","vol":"1","page":109},{"text":"فيقال: كيف يضع الله تعالى على اليهود والنصارى ذنوبًا لم يعملوها ثم يعذبهم بها، وهو سبحانه يقول: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]، ويقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤، والإسراء:١٥، وفاطر:١٨، والزمر:٧]؟\nوالجواب:\nأ- أن الله تعالى أخبر في كتابه أن اليهود والنصارى من أصحاب النار المخلدين فيها أبدًا، وأنه سبحانه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ويرحم من يشاء، ومن يعذبه الله تعالى فبعدله وحكمته، ومن يرحمه فبفضله ونعمته، و﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء:٢٣].\nب- أخبر سبحانه أنه يضاعف العذاب لمن يشاء من أهل النار، كقوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ [هود:٢٠]. وقوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف:٣٨].\nوعلى هذا: فيكون وضع ذنوب عليهم لم يعملوها هو من تضعيف العذاب عليهم، بمعنى: أن هذه الذنوب يغفرها الله لهؤلاء المسلمين ويعذب بمثلها اليهود والنصارى من باب مضاعفة العذاب عليهم.\nقال النووي في \"شرح صحيح مسلم\": «فمعناه -أي: الحديث-: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين» (^١).\nج- كون اليهودي أو النصراني فكاكًا للمسلم معناه: أنه خلف المسلم في منزله الذي أعده الله له في النار لو أنه دخلها.\n٢ - لم يقل الحديث ولا أهل الحديث: \"إن الله يضع ذنوب المسلمين جميعًا على اليهود والنصارى\"، كما أتهمهم المشكك بذلك، وإنما قالوا كما جاء في الحديث: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، أي: طائفة منهم وليس جميعهم.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ٨٥).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الشبهة الثامنة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي تكفيرهم من لم يؤمن برسالة محمد - ﷺ - ممن لم تبلغهم الدعوة\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء:١٥].\nفيخترعوا (^١) لنا: خرافة كفر من لا يؤمن برسولنا دون أي دعوة متكاملة صحيحة منا» (^٢).\nوالجواب:\nأولًا: أهل السنة وأهل الحديث لم يخترعوا كفر كل من لم تبلغه رسالة النبي - ﷺ -. وهذا المشكك يتقول عليهم ما لم يقولوه. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: «قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء:١٥] إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ [الملك:٨ - ٩]. وكذا قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ [الزمر:٧١]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر:٣٧]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه» (^٣).\nثانيًا: قول المشكك: \"دون أي دعوة متكاملة وصحيحة منا\" إذا كان يقصد دعوة كل فرد على حدةٍ فهذا أمرٌ مستحيل عرفًا وعقلًا وشرعًا. ويرده في الواقع: أن جهل الناس بالقوانين التي تقننها الدول لا تعفيهم من المحاسبة والمساءلة والعقوبات. ومثل هذا يأباه الشرع حتى يحصل العلم، ولذلك جعله هو المناط في إقامة الحجة على المكلفين.\n_________\n(^١) كذا في المنشور، وقد تكررت في المنشور أكثر من مرة \"فيخترعوا\".\n(^٢) يشير إلى: حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (١/ ١٣٤)، رقم (١٥٣).\n(^٣) تفسير ابن كثير (٥/ ٥٢ - ٥٣).","vol":"1","page":111},{"text":"فمن علم ببعثة النبي - ﷺ - في هذه الأمة لجميع الخلق عربهم وعجمهم ودون استثناء أي ملة أو طائفة منهم ولم يؤمن به - ﷺ - حتى مات فهو كافر بالإجماع.\nوهذا هو المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، والذي ينفيه هذا المشكك؛ لأنه على فهمه الفاسد لم تتوفر فيه الدعوة الكاملة الصحيحة. فعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (^١).\nومعنى: (يَسْمَعُ بِي) أي: يعلم برسالتي. قال ابن القيم: «حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسول وإنزال الكتاب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أو جهل. فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصّر عنه ولم يعرفه فقد قامت عليه الحجة» (^٢).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٢) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لابن القيم (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الشبهة التاسعة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي تحليلهم وطء الإماء بملك اليمين\nيقول المشكك:\n«ويقول الله: \"غير مسافحين ولا متخذين أخدان\".\nفحللوا (^١) وطء الإماء بغير عقود نكاح».\nوالجواب:\nأولًا: هكذا أورد الآية في المنشور: «ولا متخذين أخدان». والصواب: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة:٥].\nوهذه اللفظة من الآية يقصد بها: الرجال، وليس النساء، كما يتوهم هذا المشكك. والمعنى: كما يشترط في النساء الإحصان -أي: العفة عن الزنا- فكذلك يشترط فيمن يُزَوج من الرجال أن يكون غير مسافح، أي: عفيفًا من الزنا والفواحش، وليس متخذًا للخليلات ولا العشيقات.\nوقد أخطأ هذا الجاهل في الاستدلال بهذه الآية من وجهين:\nالأول: استدلاله بما هو خطاب للرجال وشروط تزويجهم للاعتراض به على وطء الإماء بغير عقود نكاح، ولو كان المقصد الذي يقوله حقًا لكانت آية النساء: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء:٢٥] هي الدليل الواضح له. ولكن لجهله بهذه الآية ثم لوجه الاستدلال منها لم يهتد إليها.\nالثاني: استدلاله بالآية على تحريم وطء الإماء بملك اليمين، وهي لا تدل عليها البتة.\nثانيًا: دلت الآيات الكثيرة في القرآن الكريم على إباحة وطء الأمة بملك اليمين وليس بالعقد، وهذا بلا خلاف بين علماء الأمة. وليس هذا تحليلًا منهم كما يقول هذا المفتري، بل من الله تعالى، فقد أحل ذلك في عدة آيات من كتابه، ومن ذلك:\n١ - قال جل شأنه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤].\n٣ - قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٦، والمعارج:٣٠].\n_________\n(^١) كذا في المنشور.","vol":"1","page":113},{"text":"٤ - قال تعالى لنبيه - ﷺ - حينما حرم عليه الزواج زيادة على ما عنده من الزوجات أو استبدالًا بواحدة منهن مستثنيًا ملك اليمين: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢].\nفهذه الآيات وغيرها تدل بمنطوقها وظاهرها وصريحها على جواز وطء ملك اليمين من سيدها بغير عقد نكاح. وهو محل إجماع بين العلماء. قال ابن حزم: «وأجمعوا أن للمرء الحر البالغ العاقل غير المحجور أن يتسرى من الإماء المسلمات ما أحب ويطأهن» (^١) إلخ.\nوكذلك ذكر الإجماع غير واحد من أهل العلم (^٢).\nثالثًا: لا خلاف بين العلماء أنه إذا تزوج رجلٌ أمةً مملوكة لغيره وهي مؤمنة أنها لا تحل له إلا بعقد ومهر.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات لابن حزم (ص:٦٣).\n(^٢) ومنهم:\n١ - الإمام البغوي، حيث قال: «وبالاتفاق يجوز وطؤها -يعني: الأمة الكتابية- بملك اليمين». تفسير البغوي (١/ ٥٩٩).\n٢ - ابن رشد، حيث قال: «واتفقوا على إحلالها -يعني: الأمة الكتابية- بملك اليمين». بداية المجتهد لابن رشد (٣/ ٦٧).\n٣ - أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «وأجمعوا أن للمرء الحر العاقل البالغ المسلم غير المحجور أن يتسرى من الإماء المسلمات ما أحب ويطأهن». الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (٢/ ١٢).\nوقال أيضًا أبو الحسن بن القطان: «وجائز وطء إماء أهل الكتاب بملك اليمين بظاهر الكتاب والإجماع». نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الشبهة العاشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بنسخ القرآن بالسنة\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤].\nفيخترع أهل الحديث: الناسخ والمنسوخ» (^١).\nوالجواب:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤] هذه اللفظة اجتزأها هذا المشكك من الآية، ومعناها يتضح من سياقها كلها، وليس لوحدها، كما فعل هو باجتزائها، وكأنها لا علاقة لها بما قبلها. وقد فعل هذا من باب الإيهام والتشكيك، لا بقصد إظهار الحق والوقوف عليه.\nفالآية من أولها تقول: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس:٦٤]. ومعناها: أن أولياء الله المتقين لهم البشرى في الحياة الدنيا. فما هذه البشرى؟\nلقد فسرت بأمرين:\nالأول: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له. وهذه من المبشرات التي بقيت من النبوة.\nالثاني: تبشير الملائكة - ﵈ - له عند احتضاره بالجنة والمغفرة من الله تعالى، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢].\n_________\n(^١) القول بالنسخ أجمع عليه المسلمون إلا من لا يعتد بخلافه، وليس أهل الحديث وحدهم، وممن حكى الإجماع على ذلك:\n١ - الجصاص، حيث قال: «من ينكر النسخ فريقان: أحدهما: اليهود، والآخر: فريق من أهل الملة من المتأخرين لا يعتد بهم». الفصول في الأصول للجصاص (٢/ ٢١٥).\n٢ - الدبوسي، حيث قال: «قد قال به أهل الإسلام إلا قليلًا لا يعتد بهم قالوا: إنه لا يجوز». تقويم الأدلة في أصول الفقه للدبوسي (ص:٢٢٨).\n٣ - جلال الدين المحلي، حيث قال: «النسخ واقع عند كل المسلمين». حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ١٢١).","vol":"1","page":115},{"text":"وأما البشرى لهم في الآخرة فهي البشرى لهم بالجنة والمغفرة والأمن من الفزع الأكبر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد:١٢].\nوقال: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ [الأنبياء:١٠٣].\nثم قال تعالى بعد أن بشرهم بذلك ووعدهم به: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤]، أي: أن هذا الوعد بالبشرى لا يبدله الله ولا يخلفه ولا يغيره، بل هو مقرر مثبت، وكائن لا محالة.\nومثل هذه الآية في المعنى: الآيةُ الأخرى التي في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام:٣٤]. والمعنى: ولا مبدل لكلمات الله التي كتبها الله بالنصر في الدنيا لعباده المرسلين، كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].\nفالآية لا تدل على ما قصد إليه من عدم وجود النسخ في القرآن الكريم.\nثانيًا: إن هؤلاء المشككين لكون غرضهم فاسدًا يتبعون المتشابه من الآيات، ولا يفسرون القرآن بعضه ببعض، ولا يرجعون إلى أئمة التفسير لمعرفة المقصود من الآية، وإنما يفسرونها على حسب أهوائهم ومشاربهم. وهذا المشكك الذي معنا من هذا الصنف، ولو أنه يعرف آيات القرآن الكريم وأحكامه تمامًا لما نفى الناسخ والمنسوخ فيه، ولما اتهم أهل الحديث زورًا وبهتانًا باختراع هذا العلم من عند أنفسهم. وإلا فأين هو -إن كان منصفًا- من قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة:١٠٦]؟\nفهذه الآية صريحة في نسخ الله تعالى لما شاء من آيات كتابه وأحكامه، وهي رد على هذا المفتري الذي يقول: \"إن أهل الحديث هم الذين اخترعوا الناسخ والمنسوخ\"!\nفكيف يصنع بهذه الآية الواضحة في لفظها ومعناها، والتي تدل على وقوع النسخ في الكتاب العزيز؟\nثالثًا: وكيف يصنع أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء:١٥]؟\nفإن هذه الآية نزلت قبل تشريع الحدود، وهي تبين بمنطوقها حكم الزانية سواءً كانت محصنةً أو بكرًا بأنه الحبس في البيت حتى الموت، ثم نسخ هذا الحكم بالإجماع عند العلماء بآية النور التي شرعت حد الجلد للزاني والزانية غير المحصنين، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢] (^١).\n_________\n(^١) قال ابن حزم: «فلما صح بالنص والإجماع أن الحبس والأذى منسوخان عن الزواني والزناة باليقين الذي لا شك فيه بالحدود وجب أن ننظر في الناسخ ما هو؟ فوجدنا الناس قد أجمعوا على أن الحر الزاني والحرة الزانية إذا كانا غير محصنين فإن حدهما مائة جلدة». المحلى بالآثار لابن حزم (١٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":116},{"text":"فهذا النافي للنسخ يلزمه في آية النساء القول بأحد ثلاثة أمور ولا بد، وهي:\n١ - أن يقول بنسخ حكمها في الحبس، ولا محيص له من ذلك.\n٢ - ألا يقول به، فيكون ذلك إنكارًا منه لحد مجمع عليه، وهو ردةٌ.\n٣ - أن يقول بالجمع بين الحبس حتى الموت وبين الحد؛ هربًا من القول بالنسخ، ولم يقل بذلك أحد من العلماء، حتى قال به هو!\nرابعًا: نقل الإمام السيوطي الإجماع على جواز النسخ في القرآن، فقد قال: «النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم، منها: التيسير، وقد أجمع المسلمون على جوازه، وأنكره اليهود؛ ظنًا منهم أنه بِدَاء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له -أي: غيره-. وهو باطل؛ لأنه بيان مدة الحكم، كالإحياء بعد الإماتة وعكسه، والمرض بعد الصحة وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا يكون بِدَاءً، فكذا الأمر والنهي» (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الشبهة الحادية عشرة</span>\nمخالفة المحدثين للقرآن\nفي قولهم بتقييد القرآن بالسنة\nيقول المشكك:\n«بل وقالوا (^١) بأن السنة النبوية ومدوناتها تنسخ أحكام القرآن، وتقوم بتقييد أحكامه».\nوالجواب:\nأولًا: اختلف العلماء في نسخ السنة للقرآن، فمنهم من أثبته، ومنهم من نفاه، ومنهم من فصل في ذلك كالإمام الشافعي وغيره. والمسألة محل نظر واجتهاد، ولكلٍ وجهته.\nثانيًا: إنكار هذا المشكك على أهل الحديث قولهم بتقييد السنة لأحكام القرآن جهل عظيم. ولسائل أن يسأله هذه الأسئلة:\nالسؤال الأول: في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]:\n١ - هل القطع لليدين كليهما أم لواحدة منهما؟\n٢ - أيهما التي تقطع، اليمين أم الشمال؟\n٣ - من أين تقطع؟\nولن يجد الجواب على ذلك إلا في السنة المطهرة التي بينت أيهما التي تقطع، وهي اليد اليمنى (^٢)، وموضع القطع: أنها تقطع من مفصل الكوع.\nفإن أجاب بهذا فقد قال بتقييد السنة للقرآن شاء أم أبى، وإن لم يقل به فقد خالف ما عليه المسلمون في القطع منذ الصدر الأول وإلى اليوم، وتلك قاصمة له.\nالسؤال الثاني: هل تجيز -أنت أيها المشكك- الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها؟\n_________\n(^١) يعني: أهل الحديث.\n(^٢) قال الألباني: «ليس عندنا هناك حديث صحيح -كما جاء في تحديد السرقة التي يستحق السارق أن تُقْطَع يده من أجلها، ليس عندنا حديث- يحدد لنا مكان القطع من بيانه القولي، وإنما عندنا بيان فعلي تطبيقي عملي، من أين نعرف هذا التطبيق؟ من سلفنا الصالح أصحاب النبي ﵌، هذا هو القسم الثاني وهو البيان الفعلي». موسوعة الألباني في العقيدة (١/ ٢٢٤).\nوقد تقدمت الأحاديث الواردة في ذلك.","vol":"1","page":118},{"text":"فإن قال: نعم فقد خالف الإجماع على تحريم ذلك، إلا من شذ من الخوارج. قال القرطبي في تفسيره: «وهذا الحديث - (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا) (^١) - مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح، وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها. ولا يعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة» (^٢).\nوإن قال: إنه لا يجوز الجمع بينهما فقد قال لزامًا بتقييد السنة للقرآن.\nثالثًا: ومع كون السنة تقيد مطلق القرآن فإنها كذلك: تفصل مجمله، وتخصص عامه، كما يلي:\n١ - تفصيل السنة لمجمل القرآن.\nومن ذلك: الصلوات الخمس، فقد فصلت: عددها، وهيئاتها، وأوقاتها، وأركانها، وأذكارها، والقراءة فيها. وكل ذلك منصوص عليه في السنة، وليس في القرآن.\nولعل هذا المشكك أن يقول: هذه سنة عملية، وأنا أقول بها، فحينئذ يقال له: لا فرق بين السنة العملية والقولية، ومن يفرق بينهما لا دليل عنده إلا الهوى، وذلك من علامات أهل البدع والضلال.\n٢ - تخصيص السنة للعام في القرآن.\nومن ذلك: تخصيصها لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]. فقد خصصته السنة بعدة مخصصات، وهي:\nأ- خصت السنة المورث بغير الأنبياء - ﵈ -، فعن أبي بكر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) (^٣). متفق عليه.\nب- خصت الوارث بغير الكافر، فعن أسامة بن زيد - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ) (^٤).\nوهذا إجماع عند العلماء إذا كان المورث مسلمًا (^٥)، وأما إن كان المورث كافرًا والوارث مسلمًا فلا\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها (٧/ ١٢)، رقم (٥١٠٩)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (٢/ ١٠٢٨)، رقم (١٤٠٨). من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) تفسير القرطبي (٥/ ١٢٥). وقال المحشي: إن ما ذكره القرطبي عن الخوارج لا يصح عنهم.\n(^٣) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (٨/ ١٥٦)، رقم (٦٧٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الفرائض، ولم يذكر له بابًا (٣/ ١٢٣٣)، رقم (١٦١٤).\n(^٥) الكافر لا يرث المسلم بالإجماع، وممن حكى الإجماع على ذلك:\n١ - ابن قدامة، حيث قال: «أجمع أهل العلم على: أن الكافر لا يرث المسلم». المغني لابن قدامة (٦/ ٣٦٧).\n٢ - النووي، حيث قال: «وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم». شرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٢١).\nوقال النووي أيضًا: «أجمع المسلمون على: أن الكافر لا يرث المسلم». المصدر السابق (١١/ ٥٢).","vol":"1","page":119},{"text":"يرث منه عند أكثر العلماء (^١).\nج- خصت الوارث كذلك بغير القاتل، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) (^٢).\nوهذا كذلك إجماع بين العلماء (^٣).\n_________\n(^١) عدم توريث المسلم من الكافر هو مذهب أكثر العلماء، وممن حكى ذلك:\n١ - ابن قدامة، حيث قال: «قال جمهور الصحابة والفقهاء: لا يرث المسلم الكافر ... وعامة، الفقهاء. وعليه العمل». المغني لابن قدامة (٦/ ٣٦٧).\n٢ - النووي، حيث قال: «المسلم لا يرث الكافر. وهذا مذهب العلماء كافة، إلا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف». شرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٢١).\nوقال النووي أيضًا: «وأما المسلم فلا يرث الكافر أيضًا عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم». المصدر السابق (١١/ ٥٢).\n(^٢) سنن ابن ماجة وسنن الترمذي، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة. وقد تقدم.\n(^٣) وممن حكى الإجماع على ذلك:\n١ - ابن عبد البر، حيث قال: «وأجمع العلماء على: أن القاتل عمدًا لا يرث شيئًا من مال المقتول ولا من ديته، روي عن عمر وعلي: (أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا لَا خَطًا لَا يَرِثُ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا). ولا مخالف لهما من الصحابة». التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (٢٣/ ٤٤٣).\n٢ - البغوي، حيث قال عن حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ): «والعمل عليه عند عامة أهل العلم أن من قتل مورثه لا يرث عمدًا كان القتل أو خطًا، من صبي أو مجنون أو بالغ عاقل». شرح السنة للبغوي (٨/ ٣٦٧).\nوأثر عمر - ﵁ - الذي نسبه له ابن عبد البر: عن الشعبي قال: قال عمر - ﵁ -: (لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ خَطًا وَلَا عَمْدًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الفرائض، في القاتل لا يرث شيئًا (٦/ ٢٨٠)، رقم (٣١٣٩٦)، وسنن الدارمي، كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل (٤/ ١٩٨٩)، رقم (٣١٢٧)، وسنن الدارقطني، كتاب السير، بقية الفرائض (٥/ ٢١١)، رقم (٤٢١٢)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الفرائض، باب لا يرث القاتل (٦/ ٣٦١)، رقم (١٢٢٤٤). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «رجاله ثقات، غير أنه منقطع، لم يدرك الشعبي عمر بن الخطاب». سنن الدارمي (٤/ ١٩٨٩).\nوفي لفظ: عن الشعبي أيضًا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنَ الْمَقْتُولِ شَيْئًا، وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ قَتَلَهُ خَطًا). مصنف عبد الرزاق، كتاب العقول، باب ليس لقاتل ميراث (٩/ ٤٠٤)، رقم (١٧٧٨٩).\nوأما أثر علي - ﵁ - الذي نسبه له ابن عبد البر: عن علي - ﵁ - قال: (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ وَلَا يَحْجُبُ). سنن الدارمي، كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل (٤/ ١٩٨٨)، رقم (٣١٢٥). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف؛ لضعف محمد بن سالم -أحد رجال سنده-». سنن الدارمي (٤/ ١٩٨٨).\nوفي رواية: عن علي - ﵁ - قال: (لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الفرائض، في القاتل لا يرث شيئًا (٦/ ٢٨٠)، رقم (٣١٣٩٩)، وسنن الدارمي، كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل (٤/ ١٩٨٩)، رقم (٣١٢٦). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده ضعيف؛ لضعف ليث، وهو ابن أبي سليم -أحد رجال سنده-». سنن الدارمي (٤/ ١٩٨٩).","vol":"1","page":120},{"text":"والله أعلم.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الشبهة الثانية عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم برجم الزناة المحصنين\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: يأمر الله بجلد الزانية والزاني.\nفيقول أهل الحديث: بل يرجم الزناة المحصنين (^١)، وإنه حد من حدود الله عندهم، وإنه حد تم نسخ تلاوته وبقي حكمه».\nوالجواب:\nأولًا: هكذا في المنشور: «ويقول الله تعالى: يأمر الله بجلد»، الخ. وهذا منه جهل فاضح، أن يقول: قال الله تعالى، ثم لا يورد الآية، وإنما يورد كلامه هو. وهذا يدخل عندي في عدم تعظيم كلام الله وعدم إجلاله.\nوالآية التي أشار إليها هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور:٢].\nوقد نسخت هذه الآية حكم الحبس للزانية في آية النساء بلا خلاف. وسبق بيان ذلك.\nثانيًا: لم يقل أهل الحديث برجم الزناة المحصنين من عند أنفسهم، بل الذي قال ذلك وشرعه هو الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وأجمع عليه المسلمون، إلا من شذ من الخوارج وبعض المعتزلة. ولا يعتد بخلافهم، كما سيأتي بيانه.\nوقد اتضح لي الآن بما لا شك فيه: أن هذا المشكك خارجي المذهب، معتزلي الفكر؛ لأن كل شبهاته التي يوردها هي شبهات هؤلاء القوم، وغيرهم من العلمانيين والمستشرقين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في العلم (^٢).\n_________\n(^١) بل أجمع المسلمون على ذلك -كما سيأتي أثناء الرد على هذه الشبهة-، وليس قول أهل الحديث وحدهم، كما يدعي.\n(^٢) وما أحسن ما قاله الإمام الشوكاني في هذا: «وهب أنه لم يثبت الرجم في الكتاب فكان ماذا؟ فقد ثبت بالسنة المتواترة التي لا يشك فيها من له أدنى اطلاع، وفعله رسول الله صلى الله غير مرة وفعله الخلفاء الراشدون. فيا لله العجب من الانتصار للمبتدعين على كتاب الله سبحانه وعلى سنة رسوله وعلى جميع الأمة المحمدية، ودفع الأدلة الثابتة بالضرورة الشرعية لقول قاله مخذول من مخذولي كلاب النار الذين يمرقون من الدين ولا يجاوز إيمانهم ولا عبادتهم تراقيهم! والأمر لله العلي الكبير». السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (ص:٨٤٧).","vol":"1","page":122},{"text":"حد الرجم قد شرعه الله تعالى في آية كانت تتلى، ثم نسخ تلاوتها وأبقى حكمها، وهو لا يقول بذلك. وسبق الرد على هذه الشبهة.\nوهذه الآية التي أنزلت في الرجم ثم نسخت تقول: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (^١). أخرجه ابن حبان وغيره.\nوقد كانت هذه الآية المنسوخة وآية الرضاعة مكتوبتين في صحيفة عند أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، ثم دخلت داجن \"شاة\" بعد موت الرسول - ﷺ - فأكلت الصحيفة، كما أخرج ذلك أحمد وابن ماجة وغيرهما (^٢).\nفشنع هذا الأفاك على هذا بشبهة متهافتة قائلًا: «ويقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩].\nفيقول أهل الحديث: بل أكل الداجن آية الرجم والرضاعة بعد موت الرسول».\nولا يزال المرء يعجب من جهل هذا المشكك، حتى في إيراده للشبه؛ وذلك أن الحفظ للقرآن الكريم ليس المراد منه حفظ ورقه الذي ربما لو وجدت الداجن المصحف كله لأكلته جميعًا، ولكن المراد بحفظه هو حفظه من التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقصان كالذي حصل للكتب السابقة قبله. والله أعلم.\n_________\n(^١) بهذا اللفظ أخرجه في: مصنف عبد الرزاق، كتاب فضائل القرآن، باب تعاهد القرآن ونسيانه (٣/ ٣٦٥)، رقم (٥٩٩٠)، ومسند أحمد (٣٥/ ١٣٤)، رقم (٢١٢٠٧)، ومسند البزار (١/ ٤١٠)، رقم (٢٨٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب الرجم، نسخ الجلد عن الثيب (٦/ ٤٠٨)، رقم (٧١١٢)، وصحيح ابن حبان، كتاب الحدود، باب الزنى وحده (١٠/ ٢٧٤)، رقم (٤٤٢٩)، والمستدرك للحاكم، كتاب الحدود (٤/ ٤٠٠)، رقم (٨٠٦٨)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الحدود، باب ما يستدل به على أن السبيل هو جلد الزانيين ورجم الثيب (٨/ ٣٦٧)، رقم (١٦٩١١).\nوقال الألباني: «صحيح». التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان للألباني (٦/ ٤٢٦)، رقم (٤٤١٢).\n(^٢) عن عائشة - ﵂ - قالت: (لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا، وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا). مسند أحمد (٤٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، رقم (٢٦٣١٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب رضاع الكبير (١/ ٦٢٥)، رقم (١٩٤٤)، ومسند أبي يعلى الموصلي (٨/ ٦٤)، رقم (٤٥٨٨)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨/ ١٢)، رقم (٧٨٠٥). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ١٤٨)، رقم (١٥٩٣).\nوجاء الحديث في الصحيح من دون ذكر الداجن للصحيفة، فعن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ). صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (٢/ ١٠٧٥)، رقم (١٤٥٢).","vol":"1","page":123},{"text":"ثالثًا: ما ثبت عن النبي - ﷺ - في رجم المحصن من قوله أحاديث كثيرة تبلغ بمجموعها مع الفعل حد التواتر. وقد جمع هذه الأحاديث:\n١ - الإمام السيوطي في كتابه \"قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة\".\n٢ - المحدث الكتاني في كتابه \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\"، وقد زاد فيه على ما ذكره السيوطي.\nوفعله - ﷺ - في رجم الزاني المحصن هو من السنن العملية التي تواترت بعده عصرًا بعد عصر، فقد رجم هو - ﵊ -:\n١ - ماعز بن مالك (^١).\n٢ - الغامدية (^٢).\n_________\n(^١) في صحيح البخاري: عن ابن عباس - ﵄ - قال: (لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ. قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: أَنِكْتَهَا؟ لَا يَكْنِي. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِه). صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (٨/ ١٦٧)، رقم (٦٨٢٤).\nوفي صحيح مسلم: عن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: (رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: فَلَعَلَّكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى الْأَخِرُ، قَالَ: فَرَجَمَهُ). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣١٩)، رقم (١٦٩٢).\n(^٢) عن بريدة - ﵁ - لما ذكر قصة ماعز ورجمه ثم قال: (ثُمَّ جَاءَتْهُ -يعني: رسوله الله - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي، فَقَالَ: وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ: آنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ. قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ! قَالَ: فَرَجَمَهَا). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (٣/ ١٣٢٢)، رقم (١٦٩٥).\nوفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا: عن بريدة - ﵁ - أيضًا: (فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ! قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا). المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (٣/ ١٣٢٣)، رقم (١٦٩٥).","vol":"1","page":124},{"text":"٣ - الجهنية (^١).\n٤ - اليهوديين (^٢).\nورجم الخلفاء الراشدون - ﵃ - بعده، ومنهم الإمام والخليفة الراشد علي بن أبي طالب - ﵁ -، فقد رجم شراحة الهمدانية، وجمع لها بين الرجم والجلد في يومين، فعن الشعبي: (أَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) (^٣).\n_________\n(^١) عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - وَلِيَّهَا فَقَالَ: أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا. فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ). المصدر السابق، نفس الكتاب والباب (٣/ ١٣٢٤)، رقم (١٦٩٦).\nوالظاهر -والله أعلم-: أن هذه الجهنية هي نفسها الغامدية؛ إذ أن غامد بطن من جهينة. قال القاضي عياض: «والغامدية -بالغين المعجمة وبالدال، كذا هو الصواب والرواية- وهي من غامد قبيلة من جهينة». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٥/ ٥١٨ - ٥١٩). ووافقه النووي، حيث قال: «قوله (جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ) -وهو اللفظ الأول الذي ذكرته في قصة رجم الغامدية- هي بغين معجمة ودال مهملة، وهي بطن من جهينة». شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٢٠١).\nوقال أبو العباس القرطبي: «وقوله: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ) كذا قال في هذه الرواية -وهو اللفظ الأول الذي ذكرته في قصة رجم الغامدية-، وفي الرواية الأخرى: (مِنْ جُهَيْنَةَ)، ولا تباعد بين الروايتين؛ فإن غامدًا قبيلة من جهينة. قاله عياض. وأظن جهينة من الأزد. وبهذا تتفق الروايات». المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي (٥/ ٩٦).\n(^٢) عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: (أَنَّ اليَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ! فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَرُجِمَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ). صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة:١٤٦] (٤/ ٢٠٦)، رقم (٣٦٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٣/ ١٣٢٦)، رقم (١٦٩٩).\n(^٣) مسند أحمد (٢/ ١٢٢)، رقم (٧١٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب الرجم، عقوبة الزاني الثيب (٦/ ٤٠٤)، رقم (٧١٠٢)، والمعجم الأوسط للطبراني (٢/ ٢٧٨)، رقم (١٩٧٩)، وسنن الدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره (٤/ ١٣٧)، رقم (٣٢٣١)، والمستدرك للحاكم، كتاب الحدود (٤/ ٤٠٥)، رقم (٨٠٨٧)، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي (١٢/ ٢٧٤)، رقم (١٦٦٧٢).\nوقال الألباني: «صحيح». إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني (٨/ ٥)، رقم (٢٣٤٠).\nوالحديث أصله في صحيح البخاري مختصرًا، كتاب الحدود، باب رجم المحصن (٨/ ١٦٥)، رقم (٦٨١٢).","vol":"1","page":125},{"text":"ثم رجم الخلفاء من بعدهم إلى عصرنا الحاضر، ولم يحدث عندهم ولا عند أحد من المسلمين أي شك في ذلك ولا حرج.\nوقد ذُكر الرجم في جميع كتب مذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والظاهرية، والزيدية.\nوأقتصر هنا على إيراد مذهب الزيدية من باب الاختصار: قال المرتضى في \"متن الأزهار\": «ومن ثبت إحصانه بإقراره أو بشهادة عدلين ولو رجلًا وامرأتين -وهو جماع في قُبُلٍ في نكاح صحيح من مكلف حر مع عاقل صالح للوطء ولو صغيرًا- رُجِمَ المكلف بعد الجلد حتى يموت» (^١).\nرابعًا: نقلَ الإجماعَ على حد الرجم أئمة كثيرون، أذكر منهم على سبيل المثال:\n١ - الإمام ابن المنذر، حيث قال: «أجمعوا أن المرجوم يداوم عليه الرجم حتى يموت» (^٢).\n٢ - ابن بطال، حيث قال: «فالرجم ثابت بسنة رسول الله - ﷺ - وبفعل الخلفاء الراشدين وباتفاق أئمة أهل العلم». ثم ذكر بعض أهل العلم الذين قالوا بذلك، ثم قال: «ودفع الخوارج الرجم والمعتزلة. واعتلوا: بأن الرجم ليس في كتاب الله تعالى» (^٣).\nثم قال رادًا على من خالف هذا الحكم: «فلا معنى لقول من خالف السنة وإجماع الصحابة واتفاق أئمة الفتوى، ولا يعدون خلافًا» (^٤).\n٣ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا انه إذا زنى -كما ذكرنا- وكان قد تزوج قبل ذلك وهو خصي وهو بالغ مسلم حر عاقلٌ حرةً مسلمةً بالغة عاقلة نكاحًا صحيحًا ووطئها وهو في عقله قبل أن يزني ولم يتب ولا طال الأمر أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت» (^٥).\nوقال أيضًا: «ثم اتفقوا كلهم -حاش من لا يعتد به- بلا خلاف -وليس هم عندنا من المسلمين- فقالوا: إن على الحر والحرة إذا زنيا وهما محصنان الرجم حتى يموتا» (^٦).\n٤ - ابن عبد البر، حيث قال: «وأجمع فقهاء المسلمين وعلماؤهم من أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أن المحصن حده الرجم» (^٧).\n_________\n(^١) متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار لأحمد بن يحيى المرتضى \" [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] \" (ص:١٩٠).\n(^٢) الإجماع لابن المنذر (ص:١١٨).\n(^٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٣١ - ٤٣٢).\n(^٤) المصدر السابق (٨/ ٤٣٢).\n(^٥) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١٢٩).\n(^٦) المحلى لابن حزم (١٢/ ١٦٩).\n(^٧) التمهيد لابن عبد البر (٩/ ٧٩).","vol":"1","page":126},{"text":"وقال أيضًا: «وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن الرجم من حكم الله - ﷿ - على من أحصن» (^١).\nوقال أيضًا: «وأما أهل البدع فأكثرهم ينكر الرجم ويدفعه، ولا يقول به في شيء من الزناة ثيبًا ولا غير ثيب. عصمنا الله من الخذلان برحمته» (^٢).\n٥ - ابن رشد، حيث قال: «والزناة الذين تختلف العقوبة باختلافهم أربعة أصناف: محصنون ثيب، وأبكار، وأحرار، وعبيد، وذكور وإناث. والحدود الإسلامية ثلاثة: رجم، وجلد، وتغريب.\nفأما الثيب الأحرار المحصنون فإن المسلمين أجمعوا على أن حدهم الرجم، إلا فرقة من أهل الأهواء، فإنهم رأوا أن حد كل زانٍ الجلد» (^٣).\n٦ - ابن قدامة، حيث قال: «الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة:\nالفصل الأول: في وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة. وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفًا إلا الخوارج، فإنهم قالوا: الجلد للبكر والثيب» (^٤).\n٧ - أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «أجمع أهل العلم على أن المرجوم يدام عليه الرجم حتى يموت» (^٥).\n٨ - النووي، حيث قال: «وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن، وهو: الثيب. ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة، إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة -كالنظام وأصحابه-، فإنهم لم يقولوا بالرجم» (^٦).\n٩ - الشوكاني، حيث قال: «أما الرجم فهو مجمع عليه. وحُكِيَ في \"البحر (^٧) \" عن الخوارج: أنه غير واجب (^٨)» (^٩).\nوقال أيضًا: «ثبوت الرجم للزاني المحصن في هذه الشريعة ثابت بكتاب الله سبحانه وبمتواتر سنة\n_________\n(^١) المصدر السابق (٩/ ٧٨).\n(^٢) المصدر السابق (٩/ ٨٣).\n(^٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (٤/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٤) المغني لابن قدامة (٩/ ٣٥).\n(^٥) الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (٢/ ٢٥٨).\n(^٦) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ١٨٩).\n(^٧) هو: كتاب: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى. وهو في فقه الزيدية.\n(^٨) قال في البحر الزخار: «والرجم مشروع إجماعًا، إلا عن بعض الخوارج». البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى \" [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] \" (١٤/ ١٠٤).\n(^٩) نيل الأوطار للشوكاني (٧/ ١٠٩).","vol":"1","page":127},{"text":"رسوله وبإجماع المسلمين أجمعين سابقهم ولاحقهم، ولم يسمع بمخالف خالف في ذلك من طوائف المسلمين، إلا ما يُروى عن الخوارج\n-وهم كلاب النار-. وليسوا ممن يعتد بخلافهم، ولا يلتفت إلى أقوالهم» (^١).\n١٠ - وهبة الزحيلي، حيث قال: «اتفق العلماء -ما عدا الخوارج- على أن حد الزاني المحصن هو الرجم؛ بدليل ما ثبت في السنة المتواترة وإجماع الأمة والمعقول» (^٢).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) السيل الجرار للشوكاني (ص:٨٤٦).\n(^٢) الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور/ وهبة بن مصطفى الزحيلي (٧/ ٥٣٦٤).","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الشبهة الثالثة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي إخباره بكونه كاملًا\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣].\nفيقول أهل الحديث: بل يكمله البخاري ومسلم»!\nوالجواب:\nهذا من افترائه على أهل الحديث، فهم لم يقولوا: إن البخاري ومسلمًا يكملان الدين، وإنما قالوا: إن الدين يؤخذ من الكتاب والسنة الثابتة في الصحيحين وغيرهما.\nوهذه الآية - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]- نزلت على النبي - ﷺ - في حجة الوداع بعرفة، وهو واقف على راحلته، فعن عمر بن الخطاب - ﵁ -: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ) (^١).\nوهذه الآية تتحدث عن إكمال الله تعالى لدينه الإسلام الذي شرَّعه الله في كتابه وفي سنة نبيه - ﷺ -، وكان آخر فرائض الإسلام التي بينها - ﷺ - بقوله وفعله هي: فريضة الحج. ولم يمكث - ﷺ - بعد ذلك إلا شهرين ثم توفي.\nومما بينه - ﷺ - لهذه الفريضة التي امتن الله على عباده بإكمالها:\n١ - أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.\n٢ - مواقيت الحج المكانية.\n٣ - الإحرام وصفته، والتلبية.\n٤ - غالب محظورات الحج.\n٥ - الأنساك الثلاثة في الحج: الإفراد، والقران، والتمتع.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (١/ ١٨)، رقم (٤٥)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير، ولم يذكر له بابًا (٤/ ٢٣١٢)، رقم (٣٠١٧).","vol":"1","page":129},{"text":"٦ - الذهاب إلى منى يوم التروية.\n٧ - الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة، وهو ركن الحج الأعظم الذي من فاته فقد فاته الحج كله بإجماع المسلمين (^١) بمن فيهم أهل البدع، وهو مذكور في السنة فقط في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث (^٢).\n_________\n(^١) وممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - ابن المنذر، حيث قال: «وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض، ولا حج لمن فاته الوقوف بها». الإجماع لابن المنذر (ص:٥٧).\n٢ - الماوردي، حيث قال: «أما الوقوف بعرفة فركن من أركان الحج واجب، لا نعرف فيه خلافًا بين العلماء». الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي للماوردي (٤/ ١٧١).\n٣ - القاضي عياض، حيث قال: «والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا خلاف فيه». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٤/ ٢٨٠).\n٤ - ابن رشد، حيث قال: «أما حكم الوقوف بعرفة فإنهم أجمعوا على أنه ركن من أركان الحج». بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١١٢).\n٥ - الرازي، حيث قال: «واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة». مفاتيح الغيب \"أو: التفسير الكبير\" للرازي \"المشهور بـ: تفسير الرازي\" (٥/ ٣٢٨).\n٦ - أبو الحسن ابن القطان، حيث قال: «وأجمعوا أن لا حج لمن فاته الوقوف بعرفة». الإقناع في مسائل الإجماع لأبي الحسن ابن القطان (١/ ٢٧٧).\n٧ - أبو العباس القرطبي، حيث قال: «لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج». المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي القرطبي (٣/ ٣٣٧).\n٨ - شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة، حيث قال: «والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعًا». الشرح الكبير لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة \"مطبوع مع: المقنع والإنصاف\" (٩/ ١٦١)، و(٩/ ٢٨٩).\n(^٢) جاء في ذلك عدة أحاديث عن عدة صحابة - ﵃ -، منها: عن عبد الله بن يعمر الديلي - ﵁ - قال: (شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّه). مسند أحمد (٣١/ ٦٤)، رقم (١٨٧٧٤)، وسنن ابن ماجة، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٢/ ١٠٠٣)، رقم (٣٠١٥)، وسنن أبي داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (٢/ ١٩٦)، رقم (١٩٤٩)، وسنن الترمذي، أبواب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (٣/ ٢٢٨)، رقم (٨٨٩)، وسنن النسائي، كتاب مناسك الحج، فرض الوقوف بعرفة (٥/ ٢٥٦)، رقم (٣٠١٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٣/ ٤٤)، رقم (٢٤٥٩). ولفظ الترمذي: (مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ).","vol":"1","page":130},{"text":"فماذا عسى أن يقول هذا المبتدع في هذا؟\nإن قال: \"إن السنة لا تكمل القرآن\" فليخبرنا أين نجد الوقوف بعرفة يوم التاسع من ذي الحجة في القرآن؟\nوإن قال: \"إن الوقوف هو يوم التاسع\" فقد قال بما يقول به أهل الحديث. وحينئذ يقال له: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟\nويقال له كذلك: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦].\nومما بينته السنة أيضًا في فريضة الحج:\n١ - المبيت بمنى أيام التشريق.\n٢ - رمي الجمار الثلاث، وصفته.\n٣ - طواف الوداع، وهو آخر أعمال فريضة الحج.\nوكل هذه المناسك هي في السنة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما التي ينفي هذا المبتدع أخذ الدين منها.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الشبهة الرابعة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي عدم اكتفائهم به\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١].\nفيقول أهل الحديث: نعم نحن لا يكفينا الكتاب».\nوالجواب:\nأولًا: قوله عن أهل الحديث: \"إنهم يقولون: نحن لا يكفينا الكتاب\" يقصد بذلك: إن رجوعهم إلى السنة وأخذ الأحكام منها مع القرآن الكريم تصريح منهم بأن الكتاب لا يكفيهم. وقوله هذا هو من الافتراء عليهم.\nثانيًا: استدلاله بالآية على أن القرآن يُغني عن السنة وأن الأخذ بالسنة يعني: عدم كفاية القرآن غير صحيح؛ من عدة وجوه:\n١ - أن هذه الآية نزلت جوابًا لقول المشركين: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠].\nوالمعنى: أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحديتهم بأن يأتوا بمثله أو بسورة منه، فعجزوا؟ ولو أتيتهم يا محمد بآيات موسى وعيسى - ﵉ - كلها لقالوا لك: إنها سحر، ونحن لا نعرف السحر (^١).\n٢ - عن يحيى بن جعدة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَتِفٍ فِيهِ كِتَابٌ (^٢) فَقَالَ: كَفَى بِقَوْمٍ ضَلَالًا أَنْ يَرْغَبُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّهُمْ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ نَبِيٌّ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ أَوْ كِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت:٥١]) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٦٠)، و(٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٢) أي: مكتوب فيه من التوراة.\n(^٣) سنن الدارمي، المقدمة، باب من لم ير كتابة الحديث (١/ ٤٢٥)، رقم (٤٩٥)، وتفسير ابن جرير الطبري (٢٠/ ٥٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٧٢ - ٣٠٧٣)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم (٢/ ٨٠٠)، رقم (١٤٨٥). وقال في القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية -جمع وتحقيق: الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني-: «هو مرسل، رجاله ثقات». القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية للدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني (ص:١٢٧)، حاشية رقم (٣).","vol":"1","page":132},{"text":"ومثله: قوله - ﷺ - لعمر - ﵁ - وقد رأى في يده قطعة من التوراة-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (^١).\n٣ - أن الآية ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ توجب بظاهرها الاستغناء بالقرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية؛ لأنها منسوخة ومحرفة، ولا تعني الاستغناء به في البيان والتشريع عن السنة؛ لأنها مبينة له ومستقلة عنه في ذلك، كما وضحته في أكثر من موضع من هذا الكتاب بما لا مدفع له.\nولو أخذنا بالآية على ما يدعي هذا المشكك لكان فيها تحريم لقراءة أي كتاب من كتب العلم النافعة، مثل: كتب الفقه، والتفسير، والطب، والفلك، والرياضيات، وغيرها. ولا يقول بذلك أحد ممن له مسكة من العلم. ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨١، والروم:٥٣].\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) مسند أحمد (٢٣/ ٣٤٩)، رقم (١٥١٥٦)، وسنن الدارمي، المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبي - ﷺ - وقول غيره عند قوله - ﷺ - (١/ ٤٠٣)، رقم (٤٤٩)، وشعب الإيمان للبيهقي، الإيمان بالقرآن المنزل على نبينا محمد - ﷺ - وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين (١/ ٣٤٧)، تحت رقم (١٧٤)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، باب مختصر في مطالعة كتب أهل الكتاب والرواية عنهم (٢/ ٨٠٥ - ٨٠٦)، وشرح السنة للبغوي، كتاب العلم، باب حديث أهل الكتاب (١/ ٢٧٠)، رقم (١٢٦). عن جابر بن عبد الله - ﵄ -. وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (٢٣/ ٣٤٩)، حاشية رقم (٣). وقال الألباني: «حسن». إرواء الغليل للألباني (٦/ ٣٤)، رقم (١٥٨٩). قلت: وفيه ضعف.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الشبهة الخامسة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بإخبار النبي - ﷺ -\nبما سيكون إلى يوم القيامة\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: إن الرسول لا يعلم الغيب.\nفيقول أهل الحديث من البخاريون (^١): بل أخبرنا بما سيكون إلى يوم القيامة».\nوالجواب:\nأولًا: كثيرًا ما نبهت على حكايته لقول الله تعالى ثم عدم إيراده للفظ الآية، وإنما يورد معناها أحيانًا أو لفظه هو، ونبهت كذلك على خطئه الشنيع في ذلك. وهذا الموضع منها.\nثانيًا: حكايته عن الله تعالى أن الرسول - ﷺ - لا يعلم الغيب إن كان يقصد علم الغيب المطلق فصحيح، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين، لا أهل الحديث ولا غيرهم.\nوإن كان يقصد أنه - ﷺ - لا يعلم شيئًا من الغيب بتعليم الله تعالى له فكذب منه على الله تعالى، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت:٦٨].\nلأن القرآن الكريم الذي أنزل عليه - ﷺ - يتحدث عن أمور غيبية كثيرة ماضية ومستقبلية، ويتحدث عن الجنة وما فيها من نعيم وعن النار وما فيها من عذاب، ويتحدث عن الملائكة - ﵈ - وعن الجن، وغير ذلك من الأخبار، وجميعها من الغيب الذي أخبرنا به النبي - ﷺ - عن الله تعالى في كتابه، وذكر الله تعالى في كتابه أنه أوحاه إلى نبيه - ﷺ - وأخبره به.\nومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران:٤٤].\n٢ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود:٤٩].\n_________\n(^١) كذا في المنشور، والصواب: البخاريين.","vol":"1","page":134},{"text":"ثالثًا: لما اختص الله تعالى نفسه بالغيب المطلق بين - جل وعلا - أنه يطلع من شاء من رسله على غيبه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٧٩]، أي: يصطفي من شاء من رسله فيطلعهم على الغيب، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].\nفاستثنى سبحانه هنا رسله من الملائكة والبشر، فأخبر تعالى أنه يطلعهم على شيء من علم الغيب.\nولكن الحال كما قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس:١٠١].\nوالله أعلم.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الشبهة السادسة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي أمره باتباعه\nيقول المشكك:\n«يقول تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام:١٥٥].\nفيقولوا: بل نتبع كتب الحديث».\nوالجواب:\nأولًا: لم يقل أهل الحديث: إنه يُتّبع كتب الحديث، ويترك اتباع كتاب الله تعالى.\nفقول هذا المشكك هو من التخرص والكذب عليهم، وليأت ببرهان على ذلك إن كان من الصادقين.\nوإنما قالوا: يُتّبع كتاب الله تعالى، ويُتّبع النبي - ﷺ -، ويطاع ويعمل بسنته، كما أمر الله بذلك في عدة آيات من كتابه الكريم، ومنها:\n١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].\n٢ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧].\n٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].\nثانيًا: ليس في قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ نفي لاتباع غيره إن كان يعرف اللغة. وغاية ما في هذه الآية: وجوب اتباع القرآن الكريم والعمل به، ولا خلاف في ذلك.\nلكن جاء في آية أخرى -لم يذكرها- ما يفهم من ظاهرها تحريم اتباع غير ما أنزل الله، وهي قوله جل شأنه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف:٣].\nوالمراد بها: تحريم اتباع الأهواء والآراء الفاسدة والضالة، والاقتصار على ما أنزل الله في كتابه وفي سنة رسوله - ﷺ -؛ لأن لفظ: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عام، يشمل ما أنزله الله تعالى في كتابه وما أوحاه إلى نبيه - ﷺ - في سنته.","vol":"1","page":136},{"text":"قال الإمام القرطبي في تفسيره: «﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف:٣] فيه مسألتان:\nالأولى: قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يعني: الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].\nوقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي - ﷺ - وأمته. والظاهر: أنه أمر لجميع الناس دونه، أي: اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.\nالثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا من عَدَلَ عن دين الله وليًا» (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٧/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الشبهة السابعة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي إيمانهم بحديث النبي - ﷺ -\nمع أنهم لم يسمعوه منه\nيقول المشكك:\n«يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية:٦].\nفيقولوا: بل نؤمن بحديث الرسول. وهم كاذبون؛ فلم (^١) يسمعوه من رسول الله، وإنما عن طريق رواة، الله وحده يعلم صدقهم أو كذبهم».\nوالجواب:\nأولًا: نعم نحن نؤمن بحديث الرسول - ﷺ -؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه وطاعته - ﷺ - في عدة آيات من القرآن الكريم، ومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف:١٥٨].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢].\n٣ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ [النور:٥٦].\nومن طاعته - ﷺ - واتباعه: الأخذُ بأقواله وسنته.\nوالعجب من هذا المشكك المريض قلبه وعقله كيف يقبل أقوال من هو دون النبي - ﷺ - التي قيلت ورويت منذ أكثر من ألف عام وبغير أسانيد، وإن وجدت فأسانيد مظلمة، ولا يقبل أقوال النبي - ﷺ - التي رويت بأسانيد صحيحة مشهورة ومتواترة!\nونسأل هذا الجاهل:\n- هل كان النبي - ﷺ - في حياته يوجه أصحابه - ﵃ - ويأمرهم وينهاهم أم لا؟\n- وهل كان - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، ويعظ ويرشد الناس بأقواله في سائر الأيام أم لا؟\n- وهل كان - ﷺ - يقضي بين الناس ويفصل في الخصومات بينهم أم لا؟\n- وهل كان كقائد للجيش يوجههم بقوله ويأمرهم وينهاهم أم لا؟\n_________\n(^١) كذا في المنشور.","vol":"1","page":138},{"text":"فإن قال: نعم، كان يفعل كل ذلك، فيقال له: فهل كان يجب عليهم - ﵃ - امتثال أمره - ﷺ - وطاعته واجتناب نهيه أم لا؟\nفإن قال: يجب عليهم، فيقال له: فهل يجب عليهم وحدهم - ﵃ - أم يجب ذلك على الأمة كلها؟\nفإن قال: يجب عليهم وحدهم فقد كذب بنص القرآن الكريم.\nوإن قال: يجب على الأمة كلها، فيقال له: كيف يجب عليهم - ﵃ - وأنت تقول: لا يجوز الإيمان بأحاديث الرسول - ﷺ - القولية؟ فأي تناقض أعظم من هذا الذي تقوله؟!\nثانيًا: دعوى أنهم - ﵃ - لم يسمعوا الحديث من رسول الله عليه وسلم دعوى كاذبة، فقد سمعه منه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وسمعه التابعون من الصحابة - ﵃ -، وهكذا حتى وصل إلى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. وما لم ينقل كذلك عندهم مع توفر بقية شروط الصحيح فلا يقبل عندهم.\nولا يشترط في نقل الأخبار وثبوتها أن يسمعها رواتها جميعًا المتأخرون والمتقدمون من النبي - ﷺ -، كما يطالب هذا المشكك؛ لاستحالة ذلك عقلًا على المتأخرين، ومن يطالب به ففي عقله شيء. وإنما تنقل الأخبار بطريق التسلسل والأسانيد راوٍ عن راوٍ حتى تصل إلى المتأخر.\nومن لا يقبل هذا التسلسل من الثقات فعليه أن يرد التاريخ كله، ويرد حكم القاضي؛ لأنه قائم على الشهادة وليس على السماع، ويرد أخبار الناس التي يتناقلها الثقات بينهم، ويرد الأخبار التي يتناقلها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. ولم يقل بهذا أحد سواه. فاللهم احفظ علينا عقولنا.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الشبهة الثامنة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بتبيين الحديث القولي للقرآن وتفصيله له\nيقول المشكك:\n«يقول الله: إن آياته مبينة ومفصلة.\nفيقولوا: بل الحديث القولي يبينها ويفصلها».\nوالجواب:\nأولًا: نعم آيات القرآن الكريم آيات مفصلة ومبينة وواضحة، وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه الكريم، ومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ [الأنعام:٩٧].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ [البقرة:٩٩].\n٣ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [الحج:١٦].\nومعنى هذه الآيات: أن الله تعالى أنزل كتابه على عبده واضحًا في لفظه ومعناه، وفي أمره ونهيه، ويفهم المخاطب العربي الذي لم يتغير لسانه المرادَ من هذه الأوامر والنواهي والألفاظ، ولا لبس في هذا عند أحد.\nثانيًا: وجود المجمل في القرآن الكريم الذي يحتاج إلى بيان لا يعني عدم وضوحه في لفظه ومعناه، كما سبق؛ لأن المجمل أمر زائد على لفظ الآية الواضحة لم تتعرض لبيانه وتفصيله، والذي بين هذا الأمر الزائد هو النبي - ﷺ - بقوله وفعله.\nومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، و[البقرة:٨٣]، و[البقرة:١١٠]، و[النساء:٧٧]، و[النور:٥٦]، و[المزمل:٢٠].\nفهذا اللفظ واضح الدلالة في وجوب الصلاة والزكاة، ولا يختلف في ذلك اثنان. ولم يتعرض هذا اللفظ المجمل القرآني لتفصيل الصلاة والزكاة، وإنما بينهما النبي - ﷺ -.\nوفي هذا المعنى أنزل الله تعالى على نبيه - ﷺ - قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل:٤٤]. وإن لم تكن هذه الآية أمر للنبي - ﷺ - ببيان القرآن بقوله وفعله فما معناها إذًا؟","vol":"1","page":140},{"text":"ثالثًا: لا إشكال عند هذا المشكك في أن السنة العملية تبين القرآن الكريم. ومعنى هذا: إثباته لوجود المجمل في القرآن. وحينئذ كيف يرد على شبهة نفسه عندما وقع في محذور ما فر منه؟\nرابعًا: أن السنة القولية التي بينت بعض الآيات إنما هي تفسير لأقوام لم يستطيعوا تعيين المراد من هذه الآيات؛ لقصور في فهمهم.\nوذلك مثل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢].\nفالظلم عمومًا يراد به: ظلم الإنسان لنفسه بالمعاصي، وظلمه لغيره، والشرك بالله تعالى. فجاءت السنة القولية فوضحت لهم المراد بالظلم هنا، وأنه: الشرك بالله تعالى لا غير (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - ﷿ -: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان:١٣]). صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الشبهة التاسعة عشرة</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا\nيقول المشكك:\n«يقول الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة:٨].\nفيقولوا: بل نضطرهم إلى أضيق الطريق، ونفرض عليهم الجزية، ولا نبدؤهم بالسلام، ولا نعود مرضاهم، ولا يتم تهنئتهم بأعيادهم.\nفهل تلك التعاليم المحمومة والفقه المعتوه من البر الذي أمرنا به القرآن»؟\nوالجواب:\nأولًا: هذه الآية وما فيها من جواز البر والإحسان والعدل إلى أهل الكتاب -اليهود والنصارى- هي في غير المقاتلين والمحاربين منهم، قولًا واحدًا؛ لأن المحارب -وهو: الذي بينه وبين المسلمين جميعًا أو بعضهم قتال، أو أعلن عليهم الحرب مباشرة أو بغير مباشرة بالتأييد والنصرة أو بالسلاح ولو كان يعيش بين ظهراني المسلمين- لا يجوز البر والقسط إليه إلا في الحالات الإنسانية التي تقتضيها أخلاق الحرب في الإسلام.\nثانيًا: ثبت عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) (^١).\nوفي رواية: (أَهْلِ الْكِتَابِ) (^٢).\nوالكلام على هذا الحديث في عدة نقاط:\n١ - قوله - ﷺ -: (الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى) أو (أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا لفظ عام يشمل المحاربين وغيرهم، فيحمل الحديث على أن المراد بذلك: هم المحاربون؛ تغليبًا. وهؤلاء لا بر معهم ولا كرامة.\n٢ - إذا سلمنا أن المراد بهم اليهود والنصارى جميعًا المحاربين منهم وغير المحاربين فمن السنة ألا نبدأهم بالسلام؛ وذلك للآتي:\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم (٤/ ١٧٠٧)، رقم (٢١٦٧).\n(^٢) نفس المصدر السابق والكتاب والباب والجزء والصفحة.","vol":"1","page":142},{"text":"أ- أن السلام تحية خاصة بالمسلمين.\nب- أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكيف تلقيه على من لا يؤمن به - ﷾ - ولا يقر بألوهيته ووحدانيته؟ فإلقاؤه على الكافر فيه مناقضة لمعناه؛ لأن من معانيه: أنه المُسلِّمُ لعباده من عذابه. فكأنك حين تلقيه عليه تدعو له أن يسلمه الله من عذابه. ولا يصح هذا في حق الكافر.\nج- ما في السلام من إعزاز وتودد وتحبب إلى الكافر، وقد نهانا الله عن ذلك.\nوأما بدؤهم بغير السلام فلا مانع منه، مثل: صباح الخير، ومساء الخير، وأهلًا، ومرحبًا، ونحو ذلك من التحايا.\n٣ - لم يعرف عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من أصحابه - ﵃ - ولا عن أحد من السلف أنهم كانوا يضيقون على الواحد من أهل الكتاب الطريق حتى يلصقونه بالجدار مثلًا.\nوإذا كان الحال كذلك فمعنى قوله في الحديث: (فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)، أي: لا توسعوا لهم إذا قابلوكم في طريق بحيث تكون لهم السعة فيه ولكم الضيق، بل استمروا في طريقكم، فإن وجد ضيق فيكون عليهم لا عليكم. وهذا أمر طبيعي في كل شخص يمشي في طريق، فإنه يسير في الطريق الواسع ويترك الضيق منه لغيره. والله أعلم.\nثالثًا: إنكار هذا المشكك الجاهل لفرض الجزية على أهل الكتاب هو إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، وإنكار لمحكم القرآن الكريم الذي يدعي الإيمان به والاكتفاء به عن السنة، وذلك ردةٌ. قال تعالى في بيان فرض الجزية على أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].\nرابعًا: لم يرد حديث صحيح في النهي عن عيادة مرضى الكفار من غير المحاربين، وما روي في ذلك لم يثبت، بل حكم عليه بعض العلماء -كالجوزقاني- بالوضع، بل عكسه -وهو زيارتهم- هو الثابت عن النبي - ﷺ -، فقد ثبت في الصحيح عن أنس - ﵁ - قال: (كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ) (^١).\nوفي رواية: (فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ) (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام (٢/ ٩٤)، رقم (١٣٥٦).\n(^٢) مسند أحمد (٢١/ ٧٨)، رقم (١٣٣٧٥). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده صحيح على شرط الشيخين». مسند أحمد (٢١/ ٧٨)، حاشية رقم (٢).","vol":"1","page":143},{"text":"خامسًا: تهنئة اليهود والنصارى بأعيادهم فيها تفصيل:\n١ - إن كانت أعيادًا دينيةً فلا يجوز تهنئتهم بها بإجماع العلماء؛ لأن فيها إقرارًا لهم على شركهم واعتقاداتهم الباطلة.\n٢ - إن كانت أعيادًا غير دينية أو كانت أفراحًا اجتماعية كأعياد الأم والعمال والتهنئة بالزواج وسلامة السفر والسلامة من الحوادث ونحو ذلك فلا مانع منها.\nقال الإمام ابن القيم: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به (^١) فحرام بالاتفاق، فيقول: عيد مبارك عليك، أو: تهنأ بهذا العيد، ونحوه. فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.\nوكثير ممن لا قَدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هَنَّأَ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (^٢).\nسادسًا: قوله تعالى: ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٢٩] أي: ما حرم الله تعالى في كتابه وما حرمه رسوله - ﷺ - في سنته.\nوفي هذا دلالة على: وجوب العمل بالسنة القولية التي ينكرها هذا الدعي المشكك.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) يعني: باليهودي أو النصراني.\n(^٢) أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الشبهة العشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بمباشرة الحائض من فوق الإزار\nيقول المشكك:\n«يقول تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢].\nفيقول أهل الحديث: إن النبي كان يأمر زوجاته بالاتزار، ثم يباشرهن من خلف الإزار».\nوالجواب:\nأولًا: أن اعتزال المرأة الحائض والنفساء المذكور في الآية المراد به هو: النهي عن جماعهما في الفرج بلا خلاف بين العلماء (^١). بل إن من فعله مع أهله معتقدًا جوازه فقد خرج من ربقة الإسلام (^٢).\nثانيًا: تعميم اعتزال المرأة الحائض إلى ما هو أشمل من الجماع كعدم مباشرتها وترك مجالستها ومؤاكلتها هو من عادات اليهود وتقاليدهم الباطلة، فعن أنس - ﵁ -: (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ) (^٣).\nويتضح من هذا الحديث: أن المراد باعتزال المرأة في المحيض في الآية هو: ترك جماعها في أثناء الحيض،\nفلا تجامع في الفرج. وهذا هو موضع النهي بلا خلاف. وليس فيه النهي عن المباشرة فيما دونه؛ وذلك لحاجة الرجل إلى ذلك في فترة امتناعه عن الجماع في زمن الحيض، ولو لم يبح له ذلك لارتكب ما نهي عنه، خاصة إذا اشتدت عليه الشهوة أو كان به شبق، قال ابن كثير في تفسيره: «ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه تجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج» (^٤).\n_________\n(^١) وممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - الإمام النووي، حيث قال: «اعلم أن مباشرة الحائض أقسام: أحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج. فهذا حرام بإجماع المسلمين بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ٢٠٤).\n٢ - الشوكاني، حيث قال: «ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهو معلوم من ضرورة الدين». تفسير الشوكاني (١/ ٢٥٩).\n٣ - ابن كثير، حيث قال عن مباشرة الحائض في الفرج: «أجمع العلماء على تحريمه». تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٧).\n(^٢) قال الإمام النووي: «قال أصحابنا: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرًا مرتدًا». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ٢٠٤).\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه (١/ ٢٤٦)، رقم (٣٠٢).\n(^٤) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٥).","vol":"1","page":145},{"text":"ثالثًا: مباشرة النبي - ﷺ - لأزواجه الحُيَّض من فوق الإزار ثابتة في الصحيحين وغيرهما (^١).\nوفعل ذلك - ﷺ - لعدة أمور:\n١ - للدلالة على جوازه.\n٢ - مخالفةً لليهود.\n٣ - تعبيرًا عن حبه لامرأته، وبأن ذلك منها لا يدعوه إلى نبذها وكراهتها.\nرابعًا: أن مسألة مباشرة الحائض فيما دون الفرج هي مسألة خلافية، ومن يملك إربه وكان قادرًا على منع نفسه من الإيلاج في الفرج والدبر جاز له أن يباشر امرأته ويتلذذ بها فيما عدا ذلك كيف ما شاء.\nقال ابن حزم: «وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء حاشا الإيلاج في الفرج، وله أن يُشَفِّرَ ولا يولج، وأما الدبر فحرام في كل وقت. وفي هذا خلاف -أي: في المباشرة-:\n_________\n(^١) جاء في ذلك عدة أحاديث، ومما جاء منها في الصحيحين: عن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا). صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٦٧ - ٦٨)، رقم (٣٠٢)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (١/ ٢٤٢)، رقم (٢٩٣).\nومما جاء منها في غير الصحيحين: عن عكرمة عن بعض أزواج النبي - ﷺ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَمَرَهَا فَأَلْقَتْ عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ثُمَّ صَنَعَ مَا أَرَادَ). سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع (١/ ٧١)، رقم (٢٧٢)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الحيض، باب الرجل يصيب من الحائض ما دون الجماع (١/ ٤٦٨)، رقم (١٥٠٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (١/ ٧٩)، رقم (٢٧٢).","vol":"1","page":146},{"text":"فروينا عن ابن عباس: (أَنَّهُ كَانَ يَعْتَزِلُ فِرَاشَ امْرَأَتِهِ إذَا حَاضَتْ) (^١). وقال عمر بن الخطاب (^٢)\n_________\n(^١) عن نُدبَةَ -مولاة لميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - قالت: (أَرْسَلَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ إِلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ، فَرَأَيْتُ فِرَاشَهَا مُعْتَزِلًا فِرَاشَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِهِجْرَانٍ، فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنِّي حَائِضٌ، فَإِذَا حِضْتُ لَمْ يَقْرَبْ فِرَاشِي). مسند أحمد (٤٤/ ٤٠٢)، رقم (٢٦٨١٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ١٢)، رقم (١٧). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «صحيح». مسند أحمد (٤٤/ ٤٠٣)، حاشية رقم (١).\n(٢) عن عاصم بن عمرو البجلي: (أَنَّ رَهْطًا أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَسَأَلُوهُ، عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ تَطَوُّعًا، وَعَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ حَائِضًا، وَعَنِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ)، فذكر جوابه لهم - ﵁ -، وفيه: (وَأَمَّا مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلٍ مِنِ امْرَأَتِهِ حَائِضًا: فَلَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَلَا تَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى تَطْهُرَ). مصنف عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب اغتسال الجنب (١/ ٢٥٧)، رقم (٩٨٧)، ومصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، في الرجل ما له من امرأته إذا كانت حائضًا (٣/ ٥٣٢)، رقم (١٦٨٣٤)، ومسند أحمد (١/ ٢٤٧)، رقم (٨٦)، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب النكاح، باب الحائض وما يحل لزوجها منها (٣/ ٣٧)، رقم (٤٣٧٧). وفي رواية أحمد والطحاوي: أن عاصم بن عمرو البجلي لم يسمعه عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وإنما رواه عن رجل من القوم الذين سألوا عمر بن الخطاب. وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي روى عنه عاصم بن عمرو». مسند أحمد (١/ ٢٤٧)، حاشية رقم (٣). وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني (ص:١٧٩)، رقم (١٢٤٣).\nوفي رواية ابن أبي شيبة: أن عمر بن الخطاب قال لهم: (سَأَلْتُمُونِي عَنْ خِصَالٍ مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ بَعْدَ أَنْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: أَمَّا مَا لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَلَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ). فنسب جوابه لهم بهذا أنه جواب النبي - ﷺ - له لما سأله عن ذلك.\nوفي رواية: أن هؤلاء الرهط الذين أتوه - ﵁ -: (نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ).\nمصنف عبد الرزاق، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٣٢٢)، رقم (١٢٣٨).\nوفي رواية الطحاوي: أنهم كانوا ثلاثة.","vol":"1","page":147},{"text":"وسعيد بن المسيب (^١) وعطاء (^٢) - إلا أنه لا يصح عن عمر- وأبو حنيفة ومالك والشافعي: (له ما فوق الإزار من السرة فصاعدًا إلى أعلاها، وليس له ما دون ذلك) (^٣)» (^٤).\nوأما من لا يملك إربه ويخشى إن باشر دون الفرج أن يولج فيه أو في الدبر فتحرم عليه المباشرة؛ من باب (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) (^٥)، ولحديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (^٦).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) عن عبد الرحمن بن حرملة:  «أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: أُبَاشِرُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ مِنْهَا ثَوْبًا ثُمَّ بَاشِرْهَا». مصنف ابن أبي شيبة، كتاب النكاح، في الرجل ما له من امرأته إذا كانت حائضًا (٣/ ٥٣١)، رقم (١٦٨٢٧).\nقلت: في سنده عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، مُختلف فيه، والصحيح انه صدوق حسن الحديث، وهو معروف بالرواية عن ابن المسيب، وقد أذن له بالكتابة فجبرت ضعفه. فالأثر حسن عن سعيد بن المسيب. والله أعلم.\n(^٢) عن عطاء قال:  «يُبَاشِرُ الْحَائِضَ زَوْجُهَا إِذَا كَانَ عَلَى جَزْلَتِهَا السُّفْلَى إِزَارٌ. سَمِعْنَا ذَلِكَ». قال أبو بكر\n-يقصد عبد الرزاق صاحب المصنف: نفسه-: «جَزْلَتُهَا: مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ». مصنف عبد الرزاق، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٣٢٣)، رقم (١٢٤٢).\nقلت: وسنده صحيح.\nوعن مالك بن مغول قال:  «سَأَلَ رَجُلٌ عَطَاءً عَنِ الْحَائِضِ، فَلَمْ يَرَ بِمَا دُونَ الدَّمِ بَأْسًا». سنن الدارمي، كتاب الطهارة، باب مباشرة الحائض (١/ ٦٩٥)، رقم (١٠٧٦). وقال محقق سنن الدارمي -حسين سليم أسد الداراني-: «إسناده منقطع؛ مالك بن مغول لم يسمع من عطاء بن أبي رباح». سنن الدارمي (١/ ٦٩٥).\n(^٣) وجاء ذلك أيضًا عن صحابة آخرين غير عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكذلك عن بعض التابعين غير سعيد بن المسيب وعطاء بن رباح.\n(^٤) المحلى لابن حزم (١/ ٣٩٥).\n(^٥) عن الحسن بن علي - ﵄ - قال: (حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ). مسند أحمد (٣/ ٢٤٩)، رقم (١٧٢٣)، وسنن الدارمي، كتاب البيوع، باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٣/ ١٦٤٩)، رقم (٢٥٧٤)، وسنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب -ولم يذكر له عنوانًا- (٤/ ٦٦٨)، رقم (٢٥١٨)، وسنن النسائي، كتاب الأشربة، الحث على ترك الشبهات (٨/ ٣٢٧)، رقم (٥٧١١). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٢/ ٦١١)، رقم (٢٥١٨).\n(^٦) عن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول -وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه-: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ). صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (٣/ ١٢١٩)، رقم (١٥٩٩).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الشبهة الحادية والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي إثباتهم لحد الردة\nيقول المشكك:\n«يقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].\nفيخترعوا لنا: حد الردة».\nوقال أيضًا: «والله لم يرتب عقوبة على المرتدين، وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم.\nوقال أيضًا: «ويقول جل في علاه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)﴾ [آل عمران:٩٠]. فهاهم يكفرون دون أن تمتد إليهم يد القتل المسماة بـ\"حد الردة\"».\nوالجواب:\nأولًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآيات وغيرها على إنكار حد الردة وعدم تشريعه لكونه لم يذكر في القرآن الكريم استدلال سقيم وعقيم وغير صحيح؛ للآتي:\n١ - هذه الآيات لم تنف حد الردة أبدًا، ولم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنها جميعها تتحدث عن العقوبة الأخروية للمرتد دون العقوبة الدنيوية له.\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ليس فيه إباحة للردة، ولا ترك الحرية لمن شاء في اختيار الكفر، بل هو لفظ سيق مساق التهديد والوعيد الشديد؛ بدليل ما بعده، وهو قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: إنا أعتدنا للكافرين والمشركين والمرتدين نارًا عظيمة تحيط بهم من كل الجهات (^١).\nولو كان في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ترك الحرية لهم في اختيار الكفر لكان وعيده سبحانه الشديد لهم بالنار المحدقة بهم من باب التناقض منه، وحاشاه - جل وعلا -! إذ كيف يسمح لهم أولًا بالكفر ثم يعذبهم عليه؟ هذا تناقض، وكلامه سبحانه منزه عن التناقض والتضاد.\n_________\n(^١) قال ابن كثير: «﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي: سورها». تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":148},{"text":"ثانيًا: قوله: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» غير صحيح، بل العكس هو الصحيح، والذين قتلهم النبي - ﷺ - على الردة كثيرون، ومنهم:\n١ - العرنيون الذين أسلموا واجتووا المدينة. فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ) (^١). متفق عليه.\nوهذه عقوبة مغلظة؛ لقتلهم وردتهم (^٢).\n٢ - كعب بن الأشرف وأبو رافع بن أبي الحقيق اليهوديان. وقد كانا يؤذيان النبي - ﷺ -، فقتلهما غيلة. فعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَه) (^٣).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ) (٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (١/ ٥٦)، رقم (٢٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين (٣/ ١٢٩٧)، رقم (١٦٧١).\n(^٢) قال أبو قلابة -أحد رجال سند الحديث-: (فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ). صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها (١/ ٥٦)، رقم (٢٣٣).\nوفي إحدى روايات البخاري للحديث: (وَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؟ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ وَقَتَلُوا وَسَرَقُوا). صحيح البخاري، كتاب الديات، باب القسامة (٩/ ١٠)، رقم (٦٨٩٩). وقائل ذلك هو: أبو قلابة. فتح الباري لابن حجر (١٢/ ٢٤١).\nوفي إحدى روايات مسلم: (مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين (٣/ ١٢٩٧)، رقم (١٦٧١).\n(^٣) بهذا اللفظ أخرجه في: صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الكذب في الحرب (٤/ ٦٤)، رقم (٣٠٣١). وهو في صحيح مسلم بأطول من هذا. صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قتل\nكعب بن الأشرف طاغوت اليهود (٣/ ١٤٢٥)، رقم (١٨٠١). وقد جاء الحديث بأطول من هذا في: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف (٥/ ٩٠ - ٩١)، رقم (٤٠٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود (٣/ ١٤٢٥)، رقم (١٨٠١).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قتل المشرك النائم (٤/ ٦٣)، رقم (٣٠٢٣). وأخرجه البخاري في موضع سابق بأطول من هذا. صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قتل المشرك النائم (٤/ ٦٣)، رقم (٣٠٢٢).","vol":"1","page":149},{"text":"٣ - عبد الله بن خطل. قتله النبي - ﷺ - يوم الفتح. فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (إَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) (^١). وكان قد أسلم ثم ارتد (^٢).\n٤ - مِقْيَس بن صُبابة. قتله النبي - ﷺ - يوم الفتح أيضًا. فعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ: اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا -وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ- فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ) (^٣). وكان قد أسلم ثم ارتد أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام (٣/ ١٧)، رقم (١٨٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام (٢/ ٩٨٩)، رقم (١٣٥٧).\n(^٢) قال ابن إسحاق في سبب أمر النبي - ﷺ - بقتل ابن خطل: «إنما أمر بقتله أنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وكان مسلمًا، فنزل منزلًا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا فيصنع له طعامًا، فنام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركًا». السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).\n(^٣) سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد (٧/ ١٠٥)، رقم (٤٠٦٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (٣/ ٩٣)، رقم (٤٠٧٨).\n(^٤) جاء في سبب قتل النبي - ﷺ - له عن ابن عباس - ﵄ - قال: (إِنَّ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ وَجَدَ أَخَاهُ هِشَامَ بْنَ صُبَابَةَ مَقْتُولًا فِي بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَسُولًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ، وَقَالَ لَهُ: ائتِ بَنِي النَّجَّارِ فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامٍ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قَاتِلًا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ. فَأَبْلَغَهُمْ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِ اللهِ، وَاللهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا، وَلَكِنَّا نُؤَدِّي إِلَيْهِ دِيَتَهُ. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعِينَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ -وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ قَرِيبٌ-، فَأَتَى الشَّيْطَانُ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟ تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَيَكُونُ عَلَيْكَ سُبَّةً، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونُ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلٌ بِالدِّيَةِ، قَالَ: فَرَمَى إِلَى الْفِهْرِيِّ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنْهَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إلى مَكَّةَ كَافِرًا). المعجم الأوسط للطبراني (٦/ ٣٤٣)، رقم (٦٥٧٧)، وشعب الإيمان للبيهقي، حشر الناس بعدما يبعثون من قبورهم إلى الموقف الذي بيّن لهم من الأرض (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، رقم (٢٩٢). وقال الهيثمي عن سند الطبراني: «وفيه الحكم بن عبد الملك، وهو ضعيف». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٦/ ١٦٨)، رقم (١٠٢٣٥).","vol":"1","page":150},{"text":"٥ - أم ولد الأعمى. فقد كانت تهجو النبي - ﷺ -، فقتلها سيدها وأهدر النبي - ﷺ - دمها. فعن ابن عباس - ﵄ -: (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ - ﷺ - وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ. فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا، فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ) (^١).\nوقول هذا المشكك: «وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم» هو من الاحتجاج بالسنة، وهذا من تناقضه! إذ كيف يحتج علينا بما لا يؤمن به؟!\nثالثًا: أحاديث حد الردة مشهورة، وهي مروية في الصحيحين وغيرهما عن عدة صحابة - ﵃ -، ومنهم:\n١ - عبد الله بن عباس - ﵄ - (^٢). وحديثه في \"صحيح البخاري\".\n٢ - أبو هريرة - ﵁ - (^٣). وحديثه في \"المعجم الأوسط\" للطبراني.\n_________\n(^١) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٤/ ١٢٩)، رقم (٤٣٦١)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - (٧/ ١٠٧)، رقم (٤٠٧٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ٤٤)، رقم (٤٣٦١).\n(^٢) عن عكرمة: (أَنَّ عَلِيًّا - ﵁ - حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ. وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يًعذب بعذاب الله (٤/ ٦١ - ٦٢)، رقم (٣٠١٧).\n(^٣) وهو بمعنى حديث ابن عباس - ﵄ - السابق، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ). المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ٢٧٥)، رقم (٨٦٢٣). وقال الألباني: «إسناده حسن». إرواء الغليل للألباني (٨/ ١٢٥)، تحت رقم (٢٤٧٢).","vol":"1","page":151},{"text":"٣ - عبد الله بن مسعود - ﵁ - (^١). وحديثه في الصحيحين.\n٤ - أبو موسى الأشعري - ﵁ - (^٢). وحديثه في الصحيحين أيضًا.\n٥ - عثمان بن عفان - ﵁ - (^٣). وحديثه في \"سنن أبي داود\" و\"الترمذي\" و\"النسائي\".\n٦ - أم المؤمنين عائشة - ﵂ - (^٤). وحديثها في \"سنن النسائي\".\nوهذه الأحاديث بطرقها تشهد بثبوت حد الردة، وهي كافية لمن كان له قلب أو عقل أو كان عنده إنصاف -وأراد الله به خيرًا- أن تقنعه ويأخذ بها، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد:٣٣].\n_________\n(^١) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ). صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة:٤٥] (٩/ ٥)، رقم (٦٨٧٨)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (٣/ ١٣٠٢)، رقم (١٦٧٦).\n(^٢) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - في حديث إتباع النبي - ﷺ - له بمعاذ بن جبل إلى اليمن- قال: (ُثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، قَالَ: انْزِلْ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ). صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٩/ ١٥)، رقم (٦٩٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها (٣/ ١٤٥٦)، رقم (١٧٣٣).\n(^٣) وهو بمعنى حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - السابق، فعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ ارْتِدَادٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقُتِلَ بِهِ). مسند أحمد (١/ ٤٩١)، رقم (٤٣٧)، وسنن أبي داود، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم (٤/ ١٧٠)، رقم (٤٥٠٢)، وسنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٤/ ٤٦٠)، رقم (٢١٥٨)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، ذكر ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩١)، رقم (٤٠١٩). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ٨٨)، رقم (٤٥٠٢).\n(^٤) وهو بمعنى حديث ابن مسعود وعثمان بن عفان - ﵄ - السابقين، فعن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوِ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ). مسند أحمد (٤٢/ ٣٠٨)، رقم (٢٥٤٧٧)، وسنن النسائي، كتاب تحريم الدم، ذكر ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩١)، رقم (٤٠١٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (١/ ٨١)، رقم (٤٠٢٩).","vol":"1","page":152},{"text":"رابعًا: حد الردة كما أنه قد ثبت بالسنة القولية فقد ثبت كذلك بالسنة العملية المتواترة عن النبي - ﷺ -، وقد قتل النبي - ﷺ - مجموعة من المرتدين، كما تقدم ذكره.\nوكذلك لم يزل المسلمون منذ عصر النبي - ﷺ - إلى عصرنا الحاضر يقيمون هذا الحد على من ترك دين الإسلام إلى غيره بشروطه المعتبرة.\nومن أشهر الحروب التي وقعت بسبب الردة: الحروب التي شنها الصحابة الكرام - ﵃ - في عهد أبي بكر الصديق - ﵁ -، وأجمعوا عليها، وسميت في التاريخ بـ\"حروب الردة\".\nولو كان للعرب الحق أو كان لهم الحرية في ترك دينهم الحق على ما يقول هذا المشكك لما قاتلهم الصحابة - ﵃ - حتى أجبروهم على العودة إلى دين الإسلام، ولكان فعلهم هذا تعديًا على حقوقهم، وسفكًا للدماء بغير حق. وهذا من أبطل الباطل.\nومن زعم أن هذه الحروب كانت سياسية فقط فهو جاهل ومغالط، وملبس على الناس.\nخامسًا: حد الردة كما أنه من الحدود العملية المشهورة بين المسلمين فإنه يتوافق مع القوانين العادلة المطبقة في أكثر بلدان العالم؛ لأنه حد سببه الخيانة العظمى، وعقوبتها في الأغلب في تلك البلدان هي الإعدام.\nوالخيانة العظمى هنا في حد الردة جاءت لله تعالى ولرسوله - ﷺ - وللمجتمع المسلم.\nفليس الإسلام إذًا بدعًا من هذه القوانين العادلة.\nسادسًا: أجمع العلماء على أن المرتد عن دين الإسلام إلى الكفر يستتاب، قيل: ثلاثة أيام، وقيل: أكثر من ذلك، فإن تاب وإلا قتل.\nوممن نقل الإجماع:\n١ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا أن من كان رجلًا مسلمًا حرًا باختياره وبإسلام أبويه كليهما أو تمادى على الإسلام بعد بلوغه ذلك ثم ارتد إلى دين كفر كتابي أو غيره وأعلن ردته واستتيب في ثلاثين يومًا مائة مرة فتمادى على كفره وهو عاقل غير سكران أنه قد حل دمه، إلا شيئًا رويناه عن عمر وعن سفيان وعن إبراهيم النخعي أنه يستتاب أبدًا» (^١).\n٢ - ابن قدامة، حيث قال: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد» (^٢).\nواختلفوا في المرتدة:\nفالجمهور على: أنها كالرجل تقتل (^٣).\nوخالف أبو حنيفة فقال: تحبس وتضرب حتى تعود إلى الإسلام (^٤).\nوالله أعلم (^٥).\n_________\n(^١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١٢٧).\n(^٢) المغني لابن قدامة (٩/ ٣).\n(^٣) نفس المصدر السابق.\n(^٤) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (٧/ ١٣٤)، والاختيار لتعليل المختار للبلدحي (٤/ ١٤٩).\n(^٥) ولمزيد من الفائدة في هذا الموضوع: يراجع كتابنا: \"الردة وأثرها على الفرد والمجتمع\" للمؤلف، وبتحقيق محقق هذا الكتاب.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الشبهة الثانية والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بكون النبي - ﷺ - توفي ودرعه مرهونة عند يهودي\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى بأنه أغنى رسوله.\nفيقولون بأنه مات مديونًا ودرعه مرهونة لدى يهودي» (^١).\nوقال أيضًا: «وقولهم بفقر رسول الله، وإنه مات ودرعه مرهونة لدى يهودي.\nبينما كتاب الله يقرر: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨]. ومات غنيًا بنص كتاب الله. فهل يجوز أن يموت رسول الله مديونًا ليهودي وهو يملك حديقة تدر عليه دخلًا؟\nولماذا لم يرهن درعه لدى مسلم؟ ومن الذي فك الرهن؟ أم ما زال الدرع لدى اليهودي؟\nسننتظر تبريرات المبررين.\nفمن كمال الدين أن تعتقد بغنى رسول الله؛ تصديقًا منك لقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨]. ولا تتخذ معتقدًا بفقره أو بغنى نفسه؛ لتنكر الآية وتنكر غنى رسول الله، وتضيّق إطلاق الآية ومنطلقها. فمن تمام الإيمان أن تعتقد وتؤمن بأنه كان غنيًا بمعنى الغنى الفعلي، وليس غنيًا غنًى نسبيًا، بما يعني: أن القائلين بفقره ينكرون الحقيقة القرآنية لمصلحة روايات بشرية».\nوالجواب:\nأولًا: لا خلاف في أن الله تعالى قد أغنى رسوله - ﷺ -، سواء:\n- أغناه بمال زوجه خديجة - ﵂ -؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨] هي مكية (^٢)\n_________\n(^١) يشير إلى: حديث عائشة - ﵂ - قالت: (تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ). صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النبي - ﷺ - والقميص في الحرب (٤/ ٤١)، رقم (٢٩١٦).\n(^٢) قال القرطبي: «وقيل: أغناك بما فتح لك من الفتوح وأفاءه عليك من أموال الكفار. القشيري. وفي هذا نظر؛ لأن السورة مكية، وإنما فُرض الجهاد بالمدينة». تفسير القرطبي (٢٠/ ١٠٠).\nوقال الشوكاني: «وقيل: ﴿فَأَغْنَى﴾ بما فتح لك من الفتوح. وفيه نظر؛ لأن السورة مكية». فتح القدير للشوكاني (٥/ ٥٥٩).\nوقال الألوسي: «وقيل: بما أفاء عليك من الغنائم. وفيه أن السورة مكية، والغنائم إنما كانت بعد الهجرة». روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي \"المشهور بـ: تفسير الألوسي\" (١٥/ ٣٨٢).","vol":"1","page":154},{"text":"- أو أغناه بعد ذلك بما أفاء الله عليه - ﷺ - من غنائم الجهاد وأموال بني النضير خاصة التي كانت خالصة له - ﷺ -، فكان ينفق على أهله منها قوت سنة، وما بقي يجعله في الكراع -السلاح- وعدة في سبيل الله، كما في الصحيحين وغيرهما (^١).\n- أو أغناه بحديقته \"فدك\" التي غنمها في السنة السابعة، لكن الثابت أنه - ﷺ - أوقف حديقة فدك على أبناء السبيل (^٢)، وقيل: كان ينفق منها على فقراء بني هاشم ويزوج أيمهم منها (^٣).\n_________\n(^١) عن عمر - ﵁ - قال: (كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ). صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب المجن ومن يترس بترس صاحبه (٤/ ٣٨ - ٣٩)، رقم (٢٩٠٤)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء (٣/ ١٣٧٦)، رقم (١٧٥٧).\n(^٢) عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: فيما احتج به عمر - ﵁ - أنه قال: (كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ، وَخَيْبَرُ، وَفَدَكُ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبُسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبُسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجُزْءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ، فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ). سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال (٣/ ١٤١ - ١٤٢)، رقم (٢٩٦٧). وقال الألباني: «حسن الإسناد». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ٢٣٩)، رقم (٢٩٦٧).\n(^٣) عن المغيرة بن مقسم الضبي قال: (جَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَتْ لَهُ فَدَكُ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى، فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ عُمَرُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ-: فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاطِمَةَ - ﵍ - لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ، يَعْنِي: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -). سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال (٣/ ١٤٣)، رقم (٢٩٧٢). وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف سنن أبي داود للألباني (ص:٢٣٥)، رقم (٢٩٧٢). وقال محققا سنن أبي داود -شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي-: «أثر صحيح». سنن أبي داود \"نسخة أخرى\" بتحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي (٤/ ٥٩١)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":155},{"text":"- أو أغناه بغنى النفس الذي لا يعدله كنوز الأرض كلها. فكل ذلك ثابت في حقه - ﷺ - (^١).\n_________\n(^١) قال الشنقيطي: «لقد كان فقيرًا من المال فأغناه الله بمال عمه ... ثم أغناه الله بمال خديجة، حيث جعلت مالها تحت يده ... ثم كانت الهجرة وكانت مواساة الأنصار، لقد قدم المدينة تاركًا ماله ومال خديجة، حتى إن الصديق ليدفع ثمن المربد لبناء المسجد، وكان بعد ذلك فيء بني النضير، وكان يقضي الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيته - ﷺ - نار، إنما هما الأسودان: التمر والماء.\nثم جاءت غنائم حنين فأعطى عطاء من لا يخشى الفقر ورجع بدون شيء، وجاء مال البحرين فأخذ العباس ما يطيق حمله، وأخيرًا تُوفي - ﷺ - ودرعه مرهونة في آصع من شعير.\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى:٨] يشير إلى هذا الموضع; لأن (أَغْنَى) تعبير بالفعل، وهو يدل على التجدد والحدوث، فقد كان - ﷺ - من حيث المال حالًا فحالًا، والواقع أن غناه - ﷺ - كان قبل كل شيء هو غنى النفس والاستغناء عن الناس، ويكفي أنه - ﷺ - أجود الناس، وكان إذا لقيه جبريل ودارسه القرآن كالريح المرسلة». أضواء البيان للشنقيطي (٨/ ٥٦٢).\nوكذلك مما أغنى الله - ﷿ - به نبيه - ﷺ -: الغنائم والفَيء والصَّفيّ، وهدايا الصحابة - ﵃ - وهدايا الملوك وغيرهم.","vol":"1","page":156},{"text":"ثانيًا: ليس بمستنكر في العقل ولا العرف ولا الواقع أن يقترض الغني لسبب من الأسباب، كتأخر الحصاد مثلًا، أو نفاد محصوله، أو ضخ رأس ماله كله في مشروع تجاري، أو إنفاق جميع ما معه من أموال في وجوه الخير، كما هو حال النبي - ﷺ -، ونحو ذلك.\nوهذه الدول الكبرى الغنية لم تزل ولا تزال تقترض لسد العجز الحاصل في ميزانيتها، ولا لوم عليها في ذلك. ولم يشنع عليها أحد لأجل ذلك كما شنع هذا المشكك.\nثالثًا: ليس في الاقتراض أي عيب على الشخص حتى ولو كان غنيًا، وكذلك أيضًا ليس فيه أي عيب إذا اقترض من غير بني جنسه خاصة إذا كان في مقابل رهن، كما فعل النبي - ﷺ -؛ وذلك لأنه:\n١ - مما جرى به العرف بين الناس.\n٢ - أنه قائم على السداد ولو بعد حين.\nوإذا لم يسدد المقترض لعجز أو موت فإن الدائن يملك الرهن شرعًا وعرفًا وقانونًا.\nرابعًا: أما كون النبي - ﷺ - اقترض من يهودي وليس من مسلم فلعله لم يكن عند المسلمين بغيته من الطعام في ذلك الوقت، أو لعله من باب تقريب اليهودي إلى الإسلام. وفوق كل ذلك فعله لبيان الجواز في هذا النوع من المعاملة وغيرها مع أهل الكتاب.\nخامسًا: ذكر ابن حجر في \"الفتح\" عن ابن الطلاع في كتابه \"الأقضية النبوية\": «أن أبا بكر افتك الدرع بعد النبي - ﷺ -» (^١).\nثم قال بعد ذلك: «لكن روى ابن سعد (^٢) عن جابر: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى عِدَاتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَنَّ عَلِيًّا قضى دُيُونه) (^٣)» (^٤). وكل ذلك محتمل.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٥/ ١٤٢).\n(^٢) يعني: في الطبقات الكبرى.\n(^٣) ولفظ الحديث عند ابن سعد: عن جابر - ﵁ - قال: (قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَضَى أَبُو بَكْرٍ عِدَاتِهِ). الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٤٣).\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (٥/ ١٤٢).","vol":"1","page":156},{"text":"وحتى لو لم تفك الدرع فلا ضير في ذلك؛ لأن الرهن هو في مقابل المرتَهَن، فإن تم السداد رد لصاحبه، وإن لم يتم تملكه المُقْرض عند انتهاء الأجل، كما هو المعمول به شرعًا وقانونًا.\nسادسًا: إثبات هذا المشكك حديقة للنبي - ﷺ - هو اعتراف منه بالسنة ولو من حيث لا يشعر.\nوفي إثباته هذا إظهار لتناقضه العجيب، وما أكثر تناقضاته في هذه التشكيكات الزائفة.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الشبهة الثالثة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بعدم الإشهاد على الطلاق واحتسابهم الطلاق بإقرار أحد الزوجين\nيقول المشكك:\n«ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢].\nفيقول فقهاؤنا بعدم ضرورة الإشهاد على الطلاق، ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج».\nوالجواب:\nأولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] الإشهاد في هذه الآية ليس المراد به الإشهاد على الطلاق، وإنما: الإشهاد على الرجعة. وبهذا قال أكثر العلماء والمفسرين؛ وذلك:\n١ - لما قد يحصل من إنكار الزوجة لها خاصة بعد انقضاء العدة.\n٢ - قطعًا للشك في حصولها.\n٣ - ابتعادًا عن الاتهام في العودة إلى معاشرة الزوجة بلا رجعة.\nوليس الإشهاد عند هؤلاء واجبًا، ولكنه مستحب؛ لما تقدم ذكره.\nوقالت الظاهرية بوجوب الإشهاد على الرجعة، وإن لم يشهد عندهم فلا تصح.\nوعللوا ذلك:\n١ - أن الأمر بالإشهاد في الآية هو للوجوب.\n٢ - أن الشهادة شرط في إنشاء الزواج بالاتفاق، فتكون شرطًا في استدامته بالرجعة.\nثانيًا: أجمع العلماء على: أنه لا يجب الإشهاد على الطلاق؛ لما جاء من أن عدة من الصحابة - ﵃ - طلقوا زوجاتهم ولم يقع منهم إشهاد على طلاقهم وأقرهم النبي - ﷺ -، ومنهم:\n١ - ابن عمر - ﵄ - (^١).\n_________\n(^١) عن ابن عمر - ﵄ -: (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ - ﷿ - أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ). صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب -ولم يذكر له عنوانًا- (٧/ ٤١)، رقم (٥٢٥١)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويُؤمر برجعتها (٢/ ١٠٩٣)، رقم (١٤٧١).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - ﷺ - علمه كيفية الطلاق للسنة وأمره به، ولم يأمره بالإشهاد عليه.\nوعن نافع قال: (طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ - ﵁ - امْرَأَتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَكَانَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ، فَلَمَّا رَاجَعَهَا أَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا). السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الرجعة، باب ما جاء في الإشهاد على الرجعة (٧/ ٦١١)، رقم (١٥١٨٨). قال في \"صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة\" -لأبي مالك كمال بن السيد سالم- «إسناده صحيح». صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة لأبي مالك كمال بن السيد سالم (٣/ ٢٦٠)، حاشية رقم (٢).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أن ابن عمر - ﵁ - لو كان أشهد على الطلاق لأخبر به نافع كما أخبر أنه - ﵁ - أشهد على الرجعة. والله أعلم.","vol":"1","page":158},{"text":"٢ - رفاعة القرظي - ﵁ - (^١).\n٣ - ركانة - ﵁ - (^٢).\n٤ - زوج فاطمة بنت قيس - ﵄ - (^٣). وغيرهم - ﵃ -.\n_________\n(^١) عن عائشة - ﵂ -: (أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ القُرَظِيَّ)، الحديث. صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث (٧/ ٤٣)، رقم (٥٢٦٠)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها (٢/ ١٠٥٥)، رقم (١٤٣٣).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه لم يذكر فيه أنه أشهد على طلاقها. والله أعلم.\n(^٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: (طَلَّقَ عَبْدُ يَزِيدَ -أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ- أُمَّ رُكَانَةَ وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -)، وساق الحديث، وفيه: (قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعَبْدِ يَزِيدَ: طَلِّقْهَا -يعني: التي تزوجها من مُزينة-. فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: رَاجِعِ امْرَأَتَكَ -أُمَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ-. قَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْهَا. وَتَلَا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]). بهذا اللفظ الذي قرأ فيه النبي - ﷺ - الآية أخرجه في: سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (٢/ ٢٥٩)، رقم (٢١٩٦). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ١٠)، رقم (٢١٩٦).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: هي نفس الدلالة التي سبقت في حديث ابن عمر - ﵄ - في طلاقه امرأته - ﵄ - قبل حاشية واحدة-، وهي: أن النبي - ﷺ - علمه كيفية الطلاق للسنة وأمره به، ولم يأمره بالإشهاد عليه.\n(^٣) عن فاطمة بنت قيس - ﵂ -: (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي). صحيح مسلم، كتاب الطلاق باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (٢/ ١١١٤)، رقم (١٤٨٠).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: هي نفس الدلالة التي سبقت في حديث عائشة - ﵂ - في طلاق امرأة رفاعة القرظي - ﵄ - قبل حاشية واحدة-، وهي: أنه لم يذكر فيه أنه أشهد على طلاقها. والله أعلم.","vol":"1","page":159},{"text":"وممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - نقل ابن حزم عدم الخلاف في ذلك، فقال: «ولا نعلم خلافًا في أن من طلق ولم يشهد أن الطلاق له لازم، ولكن لسنا نقطع على أنه إجماع» (^١).\nقلت: قد قطع غيره بذلك.\n٢ - الشوكاني، حيث قال: «ومن الأدلة على عدم الوجوب -أي: عدم وجوب الإشهاد على الرجعة-: أنه قد وقع الإجماع على عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حكاه الموزعي في \"تيسير البيان\"» (^٢).\nوقال أيضًا: «وقد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق» (^٣).\n٣ - الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي، حيث قال: «وأجمع العلماء على عدم وجوب الإشهاد على الطلاق» (^٤).\nثالثًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآية على وجوب الإشهاد على الطلاق شاذ، ولم يسبقه أحد إلى ذلك؛ لأن المقصود بها هو: الإشهاد على الرجعة، وليس على الطلاق. وهذا بلا خلاف.\nرابعًا: لم يطالب الشرع الزوج بوجوب الإشهاد على الطلاق؛ وذلك لتعسره، وربما لاستحالته عند فوران الغضب لديه واستحكامه عليه.\nخامسًا: قول المشكك: «ويحتسبون الطلاق بإقرار الزوجة أو الزوج» كلام صحيح في حق الزوج، وغريب في حق الزوجة. فلا أعلم أحدًا قال: إن الزوجة إذا أقرت بالطلاق ونفاه الزوج أنها تطلق بذلك؛ لأن القول قول الزوج في ذلك، وليس قولها، والعصمة هي بيد الزوج، وليس بيدها.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:٧٢).\n(^٢) نيل الأوطار للشوكاني (٦/ ٣٠٠).\n(^٣) السيل الجرار للشوكاني (ص:٤٣٩).\n(^٤) الفقه الإسلامي وأدلته للأستاذ الدكتور/ وهبة الزحيلي (٩/ ٦٩٩٦).","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الشبهة الرابعة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بعدم الوصية لوارث\nيقول المشكك:\n«والله يقول بالوصية.\nبينما تقول السنة القولية: (لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (^١)».\nوالجواب:\nأولًا: الوصية التي أشار إليها هذا المشكك وقال: \"إن الله يقول بها\" هي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠].\nوهذه الآية منسوخة بآية المواريث -وهو لا يقر بالنسخ-، وهي قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء:٧].\nثانيًا: أجمع العلماء على عدم جواز الوصية لوارث، وأن الوصية له منسوخ.\nوممن حكى الإجماع على هذا:\n١ - ابن حزم، حيث قال: «واتفقوا أن الوصية لوارث لا تجوز» (^٢).\n٢ - ابن رشد، حيث قال: «فإنهم اتفقوا على أن الوصية لا تجوز لوارث» (^٣).\n٣ - ابن قدامة، حيث قال: «وجملة ذلك: أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا (^٤)» (^٥).\n_________\n(^١) يشير إلى: حديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته في عام حجة الوداع: (إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ). مسند أحمد (٣٦/ ٦٢٨)، رقم (٢٢٢٩٤)، وسنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث (٢/ ٩٠٥)، رقم (٢٧١٣)، وسنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث (٣/ ١١٤)، رقم (٢٨٧٠)، وسنن الترمذي، أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٤/ ٤٣٣)، رقم (٢١٢٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، رقم (٢٢١٠). وجاء الحديث عن غيره من الصحابة - ﵃ -.\n(^٢) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١١٣).\n(^٣) بداية المجتهد لابن رشد (٤/ ١١٩).\n(^٤) قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنه لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك». الإجماع لابن المنذر (ص:٧٦).\nوقال ابن عبد البر: «إجماع من علماء المسلمين أنه لا وصية لوارث، وأن المنسوخ من آية الوصية الوالدان على كل حال إذا كانا على دين ولدهما؛ لأنهما حينئذ وارثان لا يحجبان». الاستذكار لابن عبد البر (٧/ ٢٦٣).\n(^٥) المغني لابن قدامة (٦/ ١٤١).","vol":"1","page":161},{"text":"٤ - القرطبي، حيث قال في تفسيره: «إجماع المسلمين أنه لا تجوز وصية لوارث» (^١).\n٥ - ابن كثير، حيث قال في تفسيره: «إن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع» (^٢).\nثالثًا: السنة القولية التي ينكرها وجاءت بالنهي عن الوصية للوارث هي تأكيد لحقوق الورثة وبيان لما فرضه الله لهم، وقد قال بعض العلماء: إنها ناسخة لوجوب الوصية للوالدين والأقربين. وقال أكثرهم: إن الذي نسخ هذا الوجوب هي آية المواريث، كما تقدم.\nرابعًا: في تحريم الوصية للوارث إلا بإجازة بقية الورثة حفاظ على حقوق الورثة الآخرين من عبث بعض المورثين.\nونسأل هذا المشكك: هل يقبل أن يوصي مورثه على سبيل الفرض بجميع ماله أو أكثره أو نصفه أو حتى أقل من ذلك لأحد الورثة دونه؟\nفإن قبل بذلك فهذا شأنه، وإن لم يقبل فقد أقر ولو ضمنًا بأنه لا وصية لوارث.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (٢/ ٢٦٣).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٩٤).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الشبهة الخامسة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بتعذيب الميت ببكاء أهله عليه\nيقول المشكك:\n«ويقولون فيما أدخلوه زورًا بالتراث وينسبونه للصادق الأمين: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) (^١). البخاري (١٢٨٦، ١٢٩٠)، مسلم (^٢) (٩٢٧، ٩٢٨). فهل يعذبنا الله على ما لم نفعله، ومع كوننا أمواتًا؟\nفأين هؤلاء وفكرهم عن الله حين وصف نفسه فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ وأين هم من قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم:٣٨]»؟\nوالجواب:\nأولًا: حديث (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) في الصحيحين من حديث عمر - ﵁ - (^٣).\nوكذلك من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه بعد حاشية واحدة في حاشيتين متتاليتين.\n(^٢) كذا في المنشور، والصواب: ومسلم.\n(^٣) جاء عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في ذلك عدة روايات، منها:\n١ - عن عمر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (٢/ ٨٠)، رقم (١٢٩٠)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٣٩)، رقم (٩٢٧).\n٢ - عن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (٢/ ٧٩)، رقم (١٢٨٧)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٤١)، رقم (٩٢٧). وقيّد في هذه الرواية أن العذاب للميت يكون ببعض بكاء الحي، وليس بكله.\n(^٤) عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (٢/ ٨٠)، رقم (١٢٨٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٣٨)، رقم (٩٢٧).","vol":"1","page":163},{"text":"ثانيًا: أنكرت أم المؤمنين عائشة على ابن عمر - ﵄ - هذا الحديث (^١)، وكذلك أنكرته على عمر بن الخطاب - ﵄ - (^٢).\n_________\n(^١) عن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: (إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (٢/ ٨٠)، رقم (١٢٨٩)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٤٢)، رقم (٩٣١).\n(^٢) عن ابن عباس - ﵄ -: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - ﵁ - ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - ﵂ - يعني: حديث: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ- فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]). صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: (يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) إذا كان النوح من سنته (٢/ ٨٠)، رقم (١٢٨٧ و١٢٨٨)، وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٤١)، رقم (٩٢٩). وفي رواية مسلم: قال ابن عباس - ﵄ -: (فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ). ففي رواية البخاري: أنه حدثها بقول عمر - ﵃ -، وفي رواية مسلم: أنه حدثها بقول ابن عمر - ﵃ -.","vol":"1","page":164},{"text":"وذكرت - ﵂ - أن النبي - ﷺ - قاله في شأن الكافر، وليس في شأن المؤمن. ونسبتهما إلى الخطأ والنسيان، ولم تنسبهما إلى الكذب (^١) -كما فعل هذا المشكك الجاهل-.\nوكذلك أنكره على ابن عمر أبو هريرة - ﵄ - (^٢).\nوالحديث لا مجال لإنكاره؛ لأنه ثابت في الصحيحين وغيرهما.\nثالثًا: تأول العلماء هذا الحديث بعدة تأويلات، ومن أحسنها:\n١ - قولهم: إن الميت يعذب ببكاء أهله إذا أوصاهم بالنوح ورضي به في حياته، فيعذب بذلك؛ لأنه امتداد لعمله السيئ.\nوبهذا قال أكثر العلماء (^٣).\n_________\n(^١) عن القاسم بن محمد قال: (لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ). صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٢/ ٦٤١)، رقم (٩٢٩).\nوقال الإمام النووي: «وهذه الروايات -يعني: تعذيب الميت ببكاء الحي- من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله - ﵄ -، وأنكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون النبي - ﷺ - قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤، والإسراء:١٥، وفاطر:١٨، والزمر:٧]. قالت: وإنما قال النبي - ﷺ - في يهودية: (إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا)، يعني: تُعذب بكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء». شرح صحيح مسلم للنووي (٦/ ٢٢٨).\nوحديث: (إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا) تقدم أن لفظه في الصحيحين: (إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا). وقد تقدم تخريجه قبل حاشية واحدة.\n(^٢) عن حاجب بن عمر قال: (دَخَلْتُ مَعَ الْحَكَمِ الْأَعْرَجِ عَلَى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَحَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ لَئِنِ انْطَلَقَ رَجُلٌ مُحَارِبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلَ فِي قُطْرٍ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَهِيدًا فَعَمَدَتِ امْرَأَةٌ سَفَهًا أَوْ جَهْلًا فَبَكَتْ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّ هَذَا الشَّهِيدَ بِبُكَاءِ هَذِهِ السَّفِيهَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ، صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَذَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ). مسند أبي يعلى الموصلي (٣/ ١٦٥)، رقم (١٥٩٢). وقال محقق مسند أبي يعلى -حكم حسين سليم أسد-: «رجاله ثقات». مسند أبي يعلى الموصلي (٣/ ١٦٥). وقال الهيثمي: «حاجب لم يسمع من بكر، وبكر لم يسمع من أبي هريرة. والحكاية مرسلة». المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي للهيثمي (١/ ١٩٠)، رقم (٤٣٤).\n(^٣) وقد حكاه الإمام النووي عن الجمهور، فقال عن هذه الأحاديث: «واختلف العلماء في هذه الأحاديث، فتأولها الجمهور على من وصّى بأن يُبكى عليه ويُناح بعد موته فنُفذت وصيته، فهذا يُعذب ببكاء أهله عليه ونوحِهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه». شرح صحيح مسلم للنووي (٦/ ٢٢٨).\nوقال ابن حجر: «وبه قال المزني وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم. وكذا نقله النووي عن الجمهور». فتح الباري لابن حجر (٣/ ١٥٤).","vol":"1","page":164},{"text":"٢ - قيل: معنى: (يُعَذَّبُ) أي: يتألم نفسيًا؛ لبكائهم. وأوردوا لذلك شواهد من اللغة.\nوبهذا قال ابن جرير والقاضي عياض (^١)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) وجماعة من المتأخرين.\n٣ - قيل: المراد بذلك هو: الكافر، وليس المؤمن، كما ذهبت إليه عائشة - ﵂ -.\nوقيل غير ذلك.\nوكل هذه التأويلات صحيحة.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) قال القاضي عياض: «وقيل: معناه: إنه يتعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم. وقد جاء هذا مفسرًا في حديث قيلة حين بكت عند ذكرها موت أبيها، فزجرها النبي - ﵇ - ثم قال: (إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه. فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم). وإلى هذا نحا الطبري وغيره، وهو أولى ما يقال فيه؛ لتفسير النبي - ﷺ - في هذا الحديث ما أبهمه في غيره، ويندفع به الاعتراض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤، والإسراء:١٥، وفاطر:١٨، والزمر:٧]». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٣/ ٣٧١ - ٣٧٢).\nوالحديث الذي ذكره القاضي عياض في كلامه السابق جاء عن قيلة بنت مخرمة - ﵂ - في حديث طويل، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ أُحَيْدَكُمْ لَيَبْكِي فَيَسْتَعْبِرُ إِلَيْهِ صُوَيْحِبُهُ. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ لا تُعَذِّبُوا إِخْوَانَكُمْ). الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ١٠). وأحاديث هذا الجزء في المعجم الكبير للطبراني غير مرقمة. وقال الهيثمي عن سند الطبراني: «رجاله ثقات». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٦/ ١٢)، رقم (٩٧٩٦). وقال ابن حجر: «حسن الإسناد». فتح الباري لابن حجر (٣/ ١٥٥).\n(^٢) قال ابن تيمية: «وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟ فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء، والصواب: أنه يتأذى بالبكاء عليه، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ -». مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٤/ ٣٦٩ - ٣٧٠).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الشبهة السادسة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بإغواء حواء لآدم - ﵉ - بالأكل من الشجرة التي حُرِّمت عليهما في الجنة\nيقول المشكك:\n«ورد بـ\"صحيح (^١) البخاري\" المنسوب زورًا للبخاري: أن حواء هي التي أغوت آدم بالأكل من الشجرة. الحديث رقم (٣٣٣٠، ٣٣٩٩)، و\"صحيح مسلم\" (١٤٧٠).\nبينما يقول الله تعالى بسورة (^٢) طه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢٠ - ١٢١].\nأتكلم إبليس مع حواء أم أتكلم مع آدم كما ذكر القرآن؟ أآدم هو الذي عصى كما قال الله أم أن حواء هي التي تزعمت المعصية كما تقول السنة المزعومة»؟\nوالجواب:\nأولًا: قوله عن \"صحيح البخاري\": «المنسوب زورًا للبخاري» هو من المضحكات المبكيات! إذ كيف يقول هذا الفدم الجاهل هذا الكلام ويشكك في نسبة كتاب إلى صاحبه وهو مما لا يخفى شهرة في العالم؟ بل وقد أطبق الشرق والغرب على ذلك؟ وتواتر النقل عن الصغير والكبير والرجل والمرأة والعالم والجاهل والمسلم والمستشرق والمتقدمين والمتأخرين أن الكتاب الموسوم بـ\"صحيح البخاري\" هو لصاحبه المعروف بـ: محمد بن إسماعيل البخاري؟!\nفيا لله ما أجهل هذا المشكك! وما أغباه! وما أضله عن الحق!\nثانيًا: لا يوجد حديث ينص صراحة على أن حواء هي التي أغوت آدم - ﵉ - بالأكل من الشجرة.\nوالحديث الذي أشار إليه المشكك لا يدل على ذلك، ولفظه في \"صحيح البخاري\": عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا) (^٣).\n_________\n(^١) كذا في المنشور، وقد تكررت عدة مرات في أسماء الكتب في المنشور \"بصحيح\" .. \"بسنن\".\n(^٢) كذا في المنشور.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته (٤/ ١٣٣)، رقم (٣٣٣٠)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر (٢/ ١٠٩٢)، رقم (١٤٧٠).","vol":"1","page":166},{"text":"فأين نجد في هذا اللفظ: أن حواء أغوت آدم - ﵉ - بالأكل من الشجرة؟!\nوإنما خاض شراح الحديث كالنووي وابن حجر في معنى: (وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا) فقالا: إن أمنا حواء دعت آدم وحرضته على الأكل من الشجرة -أي: شجعته على ذلك- بعد أن أغراهما إبليس بالأكل منها (^١).\nفهذا الذي نقله هذا المشكك ونسبه إلى السنة هو من كلام الشراح، وليس من كلام النبي - ﷺ -.\nويحتمل في معنى خيانتها لآدم - ﵇ - غير ذلك سوى الفاحشة (^٢).\nفلا يصح له أن يجعل كلام الشراح هذا على أنه من السنة، ونسبته ذلك إليها هو من الافتراء والكذب على النبي - ﷺ -، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (^٣). وحسبه ذلك.\nثالثًا: قوله: «أتكلم إبليس مع حواء أم أتكلم مع آدم كما ذكر القرآن؟ أم أن حواء هي التي تزعمت المعصية كما تقول السنة المزعومة»؟ يدل على جهله بالقرآن الذي أثبت كلام إبليس مع الأبوين - ﵉ - جميعًا، وأنه وسوس لهما ودلاهما بغرور جميعًا حتى أكلا من الشجرة، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف:٢٠ - ٢٢].\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٠/ ٥٩)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٦٨).\n(^٢) قال ابن حجر: «وليس المراد بالخيانة هنا ارتكاب الفواحش، حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس من أكل الشجرة وحسنت ذلك لآدم عد ذلك خيانة له، وأما من جاء بعدها من النساء فخيانة كل واحدة منهن بحسبها». فتح الباري لابن حجر (٦/ ٣٦٨)\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - (١/ ٣٣)، رقم (١٠٧)، وصحيح مسلم، المقدمة، باب في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (١/ ١٠)، رقم (٣).\nوقد روى هذا الحديث أكثر من ستين نفسًا من الصحابة - ﵃ -. وانظر تخريجه في: صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ١١١١ - ١١١٢)، رقم (٦٥١٩).\nوالحديث قال عنه الألباني: «متواتر». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ١١١١). وكذلك قال عنه الإمام النووي: «متواتر». التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث للنووي (ص:٨٦)","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الشبهة السابعة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي تفسيرهم للمغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى\nيقول المشكك:\n«وهم يفسرون قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة:٧]: أن المغضوب عليهم هم: اليهود، وأن الضالين هم: النصارى.\nولا أعلم سببًا لتخصيص الغضب [على اليهود] (^١)، وتخصيص الضلال للنصارى (^٢).\nأليس الكفار والمنافقون مغضوبًا عليهم وضالين؟ أليس قاتل المؤمن من المغضوب عليهم والملاعين بنص كتاب الله»؟\nوالجواب:\nأولًا: يتفق هذا المشكك مع غيره أن اليهود: مغضوب عليهم، وأن النصارى: ضالون؛ لأنهم كفار. فلماذا الإنكار منه إذن؟\nلا شك أن إنكاره إنما جاء لكونهم وصفوا بذلك في السنة المطهرة، وهو ينكر هذه السنة جملة وتفصيلًا، ولا يعترف بها.\nوقد جاء هذا التفسير عن النبي - ﷺ - من حديث عدي بن حاتم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وإنَّ الضَّالِّينَ: النَّصَارَى) (^٣).\nوإذا كان هذا المشكك يقر بحال هاتين الطائفتين كما سبق فاستنكاره لتخصيصهم بذلك لا يخرجهم عن تلك الأوصاف التي وصفوا بها، وإنما يزداد به إثمًا على إثم لا غير.\nثانيًا: ما ورد في السنة في ذلك هو بيان وتفسير لحقيقة اليهود والنصارى، ولا يعني ذلك أن الكفار الآخرين والمنافقين وبعض من وصف بذلك من أهل الكبائر لا يتصفون بغضب الله عليهم أو كونهم غير ضالين؟ ومن يقول بذلك لا يعرف الشرع ولا اللغة.\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) كذا في المنشور.\n(^٣) مسند أحمد (٣٢/ ١٢٤)، رقم (١٩٣٨١)، وسنن الترمذي، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة فاتحة الكتاب (٥/ ٢٠٣)، رقم (٢٩٥٣). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ١٨٢)، تحت رقم (٢٩٥٣).\nوقد جاء أيضًا من حديث أبي ذر - ﵁ - وحديث عبد الله بن شقيق عمن سمع النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":168},{"text":"وهذا الذي ورد في السنة هو تأكيد لما في القرآن الكريم من أوصاف لليهود بالغضب والنصارى بالضلال. وغاب ذلك عن هذا المشكك؛ لجهله الكثير بالقرآن، فقد وصفهم الله بذلك في غير ما آية في القرآن، ومن ذلك:\n١ - قال تعالى عن اليهود: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة:٦٠].\n٢ - قال تعالى عن اليهود أيضًا: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة:٩٠].\n٣ - قال تعالى عن النصارى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة:٧٧].\nثالثًا: وصف اليهود بالمغضوب عليهم والنصارى بأنهم ضالون هو قول الجماهير من أهل العلم؛ لما جاء من تفسير النبي - ﷺ - لذلك. وهذا التفسير هو المعتمد.\nوقد فسره بعضهم بغير ذلك فقال: إن المغضوب عليهم هم: المتبعون للبدع، والضالين هم: من تنكب سنن الهدى.\nوقال ابن كثير: «غير صراط المغضوب عليهم، وهم: الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه، ﴿وَلَا﴾ صراط ﴿الضَّالِّينَ﴾، وهم: الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ ﴿لَا﴾ ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى» (^١).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ١٤٠).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الشبهة الثامنة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بكون النبي - ﷺ - توفي والتحريم بخمس رضعات قرآنًا يتلى\nيقول المشكك:\n«وبـ\"صحيح مسلم\" أيضًا -وهو كتابهم الصحيح المقدس المعجزة- بفنون (^١) التصادم مع كتاب الله، حيث يطعن عليه بالنقص، حيث ورد بباب (^٢) التحريم بخمس رضعات بالحديث (^٣) رقم (١٤٥٢): حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت: (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) (^٤).\nفأين ذهبت تلك الآية طالما أن الرسول توفي وهي مما يقرأ من القرآن، أم أن هناك نسخهم المزعوم الذي استمر بعد وفاة الرسول؟ أليس هذا تشكيكًا في صحة ما بأيدينا من كتاب الله»؟\nوالجواب:\nأولًا: قوله: «كتابهم الصحيح المقدس المعجزة» هذا من كذبه وافترائه على أهل الحديث، فإنهم لم يقولوا قط عن \"صحيح مسلم\" ولا عن \"صحيح البخاري\": إنه الكتاب المقدس المعجزة.\nوليعز هذا الافتراء إلى مصدر موثوق من كتبهم إن كان من الصادقين.\nوأما قولهم عنه: \"إنه صحيح\" فهذا مما لا خلاف فيه عندهم، سوى بعض الأحاديث المستثناة منه التي انتقدها الدارقطني وغيره.\nوكون هذا المشكك لا يعترف بذلك وإنكاره له أشد الإنكار فإنه بذلك قد خالف إجماع المسلمين منذ القرن الثالث الهجري وإلى اليوم.\nوللإمام ابن حزم كلام خطير فيمن كان هذا حاله، وربما انفرد به عن العلماء، وهو: أن مخالف الإجماع بعلم كافر، فقد قال في مقدمة كتابه \"مراتب الإجماع\": «أما بعد: فإن الإجماع قاعدة من قواعد الملة الحنيفية يرجع إليه ويفزع نحوه، ويكفر من خالفه إذا قامت عليه الحجة بأنه إجماع» (^٥).\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) كذا في المنشور، وقد تكررت عدة مرات في أسماء عناوين الكتب في كتب الحديث في المنشور \"بباب\".\n(^٣) كذا في المنشور.\n(^٤) صحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٥) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:٧).","vol":"1","page":170},{"text":"وقال أيضًا: «ومن شرط الإجماع الصحيح: أن يُكَفَّر من خالفه بلا اختلاف بين أحد من المسلمين في ذلك» (^١).\nوتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: «فمن كفَّر مخالف الإجماع إنما يكفره إذا بلغه الإجماع المعلوم» (^٢).\nثانيًا: القرآن الكريم المكتوب في المصاحف والمحفوظ في الصدور لا يتشكك فيه أحد من المسلمين، ولا تؤثر على صحته رواية مخالفة أينما رويت، ولا قراءة شاذة مهما تليت. وهذا من الإجماع المعلوم بين الأمة جميعًا.\nثالثًا: حديث عائشة - ﵂ - هذا في كون الرضعات المحرمة عشرًا ثم نسخن بخمس قرآنًا يتلى هي منسوخة بلا خلاف؛ بدليل: أنها غير موجودة في المصحف. وهو لا يؤمن بالنسخ، وهذا شأنه. فأما العشر الرضعات فنسخ حكمها وتلاوتها، وأما الخمس فنسخ تلاوتها وبقي حكمها. وإذا لم يعمل بهذا فلعله أن ينكح أخته أو أمه من الرضاعة.\nوأما قول عائشة - ﵂ -: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) فمقصودها -كما ذكر النووي في \"شرح صحيح مسلم\"-: «أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدًا، حتى إنه - ﷺ - توفي وبعض الناس يقرأ: \"خَمْسُ رَضَعَاتٍ\"، ويجعلها قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى» (^٣).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:١٠).\n(^٢) نقد مراتب الإجماع لابن تيمية (ص:٢٨٦).\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١٠/ ٢٩).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الشبهة التاسعة والعشرون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بوقوع الخلق في سبعة أيام لا ستة\nيقول المشكك:\n«ومما أورده \"صحيح مسلم\": حديث رقم (٢٧٨٩): باب ابتداء الخلق وخلق آدم - ﵇ -، يقول فيه: حدثني ... عن أبي هريرة قال: (أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللهُ - ﷿ - التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - ﵇ - بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ). بما يعني: سبعة أيام كاملة، وعدها واحدًا تلو الآخر.\nبينما يقول الله بالقرآن (^١) في سبعة مواضع بسبع (^٢) آيات أذكر منها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق:٣٨].\nفأين رجال العلم من هذا التناقض؟ أَوَ خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما يقول الله أم سبعة أيام كما يقول المزورون على النبي باسم حديث صحيح؟ أم إننا لا نفهم البلاهة التي لا يستطيع فك طلاسمها إلا العلماء المتخصصون؟\nوإذا كانوا يفهمون أليس من مسئولية العلماء توضيح ما يفهمونه لنا؛ حتى نفهم ولا نكون مفكرين؟ وقد يحدونا الأمل لاستئصال المخ باعتباره زائدة دودية ملتهبة».\nوالجواب:\nللعلماء المتقدمين والمتأخرين في هذا الحديث ثلاثة مسالك:\nالمسلك الأول: مسلك التضعيف والرد، لكن من غير حط ولا تشنيع، كما فعل هذا المشكك الحاقد.\nوممن ذهب إلى ذلك:\n١ - البخاري، حيث قال عنه: «قال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» (^٣).\nونقل عنه ابن القيم في \"بدائع الفوائد\" قوله فيه: «إنه حديث معلول، وأن الصحيح: أنه قول كعب -يعني: كعب الأحبار-» (^٤).\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) كذا في المنشور.\n(^٣) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٤١٣)، ترجمة: أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري، رقم الترجمة: (١٣١٧).\n(^٤) بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ٨٥).","vol":"1","page":172},{"text":"٢ - ابن تيمية، حيث قال عنه: «حديث معلول، قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره» (^١).\nوقال أيضًا عمن ضعفه: «وهذا هو الصواب» (^٢).\nوقال أيضًا عنه: «بيّن أئمة الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وغيرهم أنه غلط، وأنه ليس في كلام النبي - ﷺ -» (^٣).\nوقال أيضًا عنه في \"التوسل والوسيلة\": «الحديث المختلف فيه» (^٤).\n٣ - ابن القيم، حيث قال عنه في \"المنار المنيف\": «وهو في \"صحيح مسلم\"، ولكن وقع الغلط في رفعه، وإنما هو من قول كعب الأحبار» (^٥).\n٤ - ابن كثير، حيث قال عنه: «اختلف فيه على ابن جريج» (^٦).\n٥ - المعلمي، حيث قال عنه: «في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر» (^٧).\n٦ - محمد الأمين الشنقيطي، حيث قال عنه: «يظهر عدم صحته» (^٨).\n٧ - ابن عثيمين، حيث قال عنه: «حديث ليس بصحيح، ولا يصح عن النبي - ﷺ -» (^٩).\nالمسلك الثاني: مسلك التصحيح للحديث والسكوت؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة بينه وبين القرآن الكريم في الحقيقة.\nوممن ذهب إلى هذا:\n١ - الإمام مسلم الذي خرجه في صحيحه.\n٢ - ابن حبان في صحيحه (^١٠).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٧/ ٢٣٥).\n(^٢) المصدر السابق (١٨/ ١٨).\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤).\n(^٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية (ص:١٨٨).\n(^٥) المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن القيم (ص:٨٤ - ٨٥).\n(^٦) البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٨).\n(^٧) الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة لعبد الرحمن المعلمي (ص:١٩٢).\n(^٨) نثر الورود شرح مراقي السعود لمحمد الأمين الشنقيطي (١/ ٣٣٣).\n(^٩) شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٦/ ٦٧٤).\n(^١٠) صحيح ابن حبان، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق (١٤/ ٣٠)، رقم (٦١٦١).\nوإخراجه له في صحيحه يدل على صحته عنده؛ فقد صرح في مقدمة صحيحه أنه يذكر فيه الأحاديث الصحيحة فقط -وهذا حسب طريقته هو في تصحيح الأحاديث وإن كان لا يوافقه عليها غيره-، فقال: «وإني لما رأيت الأخبار طرقها كثرت ومعرفة الناس بالصحيح منها قلت لاشتغالهم بكتبة الموضوعات وحفظ الخطأ أو المقلوبات حتى صار الخبر الصحيح مهجورًا لا يكتب والمنكر المقلوب عزيزا يستغرب وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين وتكلم عليها من أهل الفقه والدين أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار وأكثروا من تكرار المعاد للآثار؛ قصدًا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب وترك المقتبس التحصيل للخطاب، فتدبرت الصحاح لأسهل حفظها على المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين». صحيح ابن حبان (١/ ١٠٢ - ١٠٣).","vol":"1","page":173},{"text":"٣ - ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (^١).\n٤ - الزرقاني في \"مختصر المقاصد\" (^٢).\n٥ - شعيب الأرناؤوط في تخريجه وتحقيقه لـ\"صحيح ابن حبان\" (^٣).\nالمسلك الثالث: مسلك التصحيح والجمع بينه وبين القرآن الكريم؛ لاعتقادهم عدم وجود مخالفة حقيقية بينهما.\nولهؤلاء طريقتان في الجمع:\nالأولى: أن هذه الأيام السبعة المذكورة في الحديث غير الأيام الستة المذكورة في القرآن.\nوذهب إلى هذا الألباني، حيث قال عنه: «وقد توهم بعضهم أنه مخالف للآية المذكورة في أول الحديث، وهي أول سورة السجدة، وليس كذلك كما كنت بينته فيما علقته على \"المشكاة\" (٥٧٣٥).\nوخلاصة ذلك: أن الأيام السبعة في الحديث هي غير الأيام الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن، ولا يخالفه.\nوكان هذا الجمع قبل أن أقف على حديث الأخضر (^٤)، فإذا هو صريح فيما كنت ذهبت إليه من (^٥) الجمع.\n_________\n(^١) قال ابن العربي: «فإن الحديث ثابت». أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٨٣).\n(^٢) قال الزرقاني: «صحيح». مختصر المقاصد الحسنة لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (ص:١١٩)، رقم (٤١٢).\n(^٣) قال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان: «إسناده صحيح على شرط مسلم». صحيح ابن حبان (١٤/ ٣٠)، حاشية رقم (١).\n(^٤) هو: الأخضر بن عجلان، قال الألباني: «وثقه ابن معين وكذا الإمام البخاري والنسائي وابن حبان وابن شاهين كما في \"التهذيب\"، فهو متفق على توثيقه لولا قول أبي حاتم: \"يكتب حديثه\". لكن هذا القول إن اعتبرناه صريحًا في التجريح فمثله لا يقبل؛ لأنه جرح غير مفسر، لا سيما وقد خالف قول الأئمة الذي وثقوه، على أنه من الممكن التوفيق بينه وبين التوثيق بحمله على أنه وسط عند أبي حاتم، فمثله حسن الحديث قطعاُ على أقل الدرجات». مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي للألباني (ص:١١٢).\n(^٥) ساقطة من مختصر العلو للذهبي، ولعل الصواب إضافتها.","vol":"1","page":174},{"text":"فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» (^١).\nقلت: وحديث الأخضر بن عجلان أخرجه الإمام النسائي في \"السنن الكبرى\" في كتاب التفسير من طريقه عن أبي هريرة - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَ بِيَدِي قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ) (^٢)، الحديث، بنحو رواية مسلم.\nوهذا الحديث ذكره الذهبي في كتاب \"العُلو\" (^٣)، وحسنه الألباني في تعليقه على المختصر، فقال: «الحديث جيد الإسناد» (^٤).\nوهو شاهد لما ذهب إليه الألباني من الجمع؛ إذ بيّن أن السبعة الأيام في الحديث هي غير الستة الأيام التي في القرآن، وأن هذه الأيام السبعة هي تفصيلية لما جرى من خلق في الستة الأيام.\nالثانية: أن الآية تتحدث عن خلق السموات والأرض وما بينهما من أفلاك ومجرات وكواكب وأنجم وغيرها في ستة أيام، ولم تتحدث عن خلق ما فيهن، وقد أشار القرآن إلى المغايرة بينهما فقال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة:١٢٠]، وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤].\nفدل هذا على: أن ما فيهن من خلق لم يدخل في حساب خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك خلق آدم - ﵇ - الذي وقع في اليوم السابع في آخر ساعة من يوم الجمعة.\nإضافة إلى: أن الحديث يتحدث عن تفصيل الخلق على الأرض، ولم يتعرض لتفصيل خلق السماوات الذي جرى في يومين.\nثم إنه لم يتجاوز تفصيل خلق الأرض الأربعة أيام التي ذكرها القرآن، فالتربة خلقت في يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء. وهذه أربعة أيام تتعلق بالأرض.\n_________\n(^١) مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي للألباني (ص:١١٢).\n(^٢) السنن الكبرى للنسائي، كتاب التفسير، ولم يذكر له بابًا (١٠/ ٢١٣)، رقم (١١٣٢٨).\n(^٣) العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها للذهبي (ص:٩٤).\n(^٤) مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي للألباني (ص:١١٢).","vol":"1","page":175},{"text":"ثم قال: (وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ)، أي: خلق الأنجم والشمس والقمر في هذا اليوم. وهذه تتعلق بيومي خلق السماوات.\nثم قال: (وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ)، أي: نشرها في الأرض، ولم يتحدث عن خلقها في هذا اليوم، فيحتمل أنه خلقها في أحد أيام الأرض الأربعة، ويحتمل في غيرها، ولا يدخل ذلك في حساب الأيام الستة؛ لأنه جرى في السماوات والأرض، أي: فيهن، ولم يدخل في خلق ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وخَلْق ما فيهن قد جرى في غير الستة الأيام. والله أعلم.\nوبهذا يلتئم الحديث مع الآية، ولا يعارضها. وهو أولى من تضعيفه مع صحة سنده. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨].\nوالحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الشبهة الثلاثون</span>\nاتهام المحدثين بمخالفة القرآن\nفي قولهم بأن النبي - ﷺ - بُعث بقتال الناس حتى يسلموا وبالسيف\nيقول المشكك:\n«ومن أعاظم الإفك: ما رواه البخاري ومسلم وأورده النووي في كتابه الشهير \"شرح الأربعين النووية\" من: أن رسول الله قال: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا (^١) فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) (^٢).\nفيقوم الفقهاء بتبرير الحديث بأن كلمة (النَّاسَ) لا تعني: كل الناس. لكنهم ذهلوا عن حديث رواه الإمام أحمد بمسنده: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ (^٣) الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) (^٤).\nفهل يكون نبينا مما (^٥) ينطبق عليه قول ربنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء:١٠٧]؟ فهل أرسله بالسيف رحمة للعالمين»؟\n_________\n(^١) في المنشور: (فإن). وهو في الصحيحين والأربعين النووية: (فإذا).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] (١/ ١٤)، رقم (٢٥)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٥٣)، رقم (٢٢). عن ابن عمر - ﵄ -.\n(^٣) في المنشور: \"وجعلت\". والتصحيح من مصادر تخريج الحديث.\n(^٤) عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي). مسند أحمد (٩/ ١٢٦)، رقم (٥١١٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ ٣١٧)، رقم (١٤١٠٩)، وشعب الإيمان للبيهقي، التوكل بالله - ﷿ - والتسليم لأمره تعالى في كل شيء (٢/ ٤١٨)، رقم (١١٥٤). وقال الألباني: «صحيح». إرواء الغليل للألباني (٥/ ١٠٩)، رقم (١٢٦٩). وعلق البخاري في صحيحه الجملتين الأخيرتين من الحديث، فقال: «ويذكر عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)». صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح (٤/ ٤٠)، بدون رقم.\n(^٥) كذا في المنشور، والصواب: ممن.","vol":"1","page":177},{"text":"ثم ذكر رواية أخرى لحديث: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) أخرجها الإمام أحمد وانفرد بها كما قال، ثم قال: «فالذي بعثه الله بالسيف وجعل رزقه تحت ظل رمحه لا يكون إلا زعيم عصابة، ولا يمكن لرسول بعثه الله رحمة للعالمين لأن (^١) يقول هذا الهراء»؟\nوالجواب:\nأولًا: قوله: «وأورده النووي في كتابه الشهير \"شرح الأربعين النووية\"» الخ هذا وهم من هذا المشكك أو جهل منه، فإني لا أعلم أن النووي له شرح على كتابه \"الأربعين\"، وإنما الذي قام بشرحه هم بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومنهم: ابن رجب الحنبلي، وابن دقيق العيد، وابن عثيمين، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وغيرهم.\nثانيًا: قوله: «ومن أعظم الإفك» الخ كبرت كلمة تخرج من فيه الأفاك الكذاب، وصدره الممتلئ غيظًا وحقدًا على السنة النبوية ورواتها. وأقسم بالله تعالى إنْ الأفاك والكذاب إلا هو.\nثالثًا: كلمة (النَّاسَ) في الحديث فسرها شراح الحديث كالقاضي عياض والخطابي والنووي وغيرهم بأن المراد بهم هم: أهل الأوثان والشرك دون أهل الكتاب (^٢)؛ وذلك:\n١ - أن هؤلاء -أعني: أهل الكتاب- يقولون: لا إله إلا الله، بخلاف أهل الأوثان، فإنهم لا يقولونها.\n٢ - أنه يقبل من أهل الكتاب الجزية ويكف عنهم ولو بقوا على كفرهم، بخلاف أهل الشرك، فإنه لا يقبل منهم إلا الإيمان أو يقاتلون.\nوتفسير (النَّاسَ) في الحديث بما ذكر لا يعني عدم قتال غيرهم من أهل الملل الكافرة بمن فيهم أهل الكتاب إذا لم يعطوا الجزية أو إذا نقضوا عهدهم. ويدل على ذلك:\n١ - قتال النبي - ﷺ - لليهود في: بني قريظة، وبني قينقاع، وبني النضير، وفي خيبر.\n٢ - قتاله - ﷺ - للروم النصارى في: مؤتة، وتبوك.\n٣ - قتال أصحابه - ﵃ - من بعده لجميع أهل هذه الملل.\n٤ - قتال الصحابة - ﵃ - للمجوس في القادسية وغيرها.\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) قال الخطابي: «إنما هم أهل الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله ثم أنهم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف». معالم السنن للخطابي (٢/ ١١).\nوقال القاضي عياض: «المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده». إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٤٦).\nونقل الإمام النووي كلام الخطابي والقاضي عياض مقرًا لهما. شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).","vol":"1","page":178},{"text":"وقد قال القاضي عياض: «واختصاصه ذلك -يقصد: عصمة المال والنفس- بمن قال: \"لا إله إلا الله\" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا: مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقُوتل عليه، فأما غيره ممن يقر بالتوحيد والصانع فلا يُكتفى في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: (وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) (^١)» (^٢).\nوأقر النووي القاضي عياضًا على ما ذكر، وزاد: «قلت: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله - ﷺ -، كما جاء في الرواية الأخرى لأبى هريرة -هي مذكورة في الكتاب-: (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ) (^٣)» (^٤).\nفهؤلاء الأئمة مع كونهم فسروا (النَّاسَ) بأهل الشرك والأوثان، إلا أنهم أوجبوا قتال غيرهم من أهل الكتاب والملل الأخرى وإن كانوا يتلفظون بكلمة التوحيد حتى يؤمنوا بالنبي - ﷺ - وبشرعه.\nوشاهد هذا من كتاب الله تعالى:\n١ - قال - جل وعلا -: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء:٧٦].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ [التوبة:١٢].\n٣ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩].\nرابعًا: حديث النبي - ﷺ -: (بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ) إلخ معناه: أنه بعث بالجهاد في سبيل الله تعالى الذي فرضه الله في كتابه، كما تقدم ذكر بعض الآيات في ذلك.\n_________\n(^١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ). سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في الإيمان (١/ ٢٧)، رقم (٧١)، وسنن النسائي، كتاب الجهاد، باب وجوب الجهاد (٦/ ٦)، رقم (٣٠٩٤). وهو في سنن النسائي عن أبي بكر الصديق - ﵁ -. وقال الألباني: «صحيح متواتر». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٤١)، رقم (٥٩).\n(^٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٤٦).\n(^٣) عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: (أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٥٢)، رقم (٢١).\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":179},{"text":"ونص على \"السيف\" لأنه آلة الحرب الأشهر في ذلك الوقت. وليس هذا غاية في الإسلام، بل هو وسيلة.\nوقوله: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) أي: أن الله أباح له الغنائم التي حرمها على من قبله من الأنبياء - ﵈ -.\nوقوله: (وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي) هو بيان لحقيقة ما يؤول إليه أمر العصاة والكفار في الدنيا والآخرة، وهذا كما أخبر الله عن ذلك في عدة آيات من القرآن، منها:\n١ - قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور:٦٣].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [يونس:٢٧].\n٣ - قال تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام:١٢٤].\nفهل أيها المشكك الجاهل الضال من بعثه الله تعالى بالجهاد في سبيل الله وأحل له الغنائم وجعل من لا يتبعه ويعصيه ويخالف أمره ذليلًا صاغرًا هو زعيم عصابة؟! قاتلك الله وأخزاك!\nوالله أعلم.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الشبهة الحادية والثلاثون</span>\nالقول بمخالفة حديث: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)\nلقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾\nيقول المشكك:\n«وبينما يقول الله بكتابه (^١): إن النبي قال لصاحبه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] تجد الإمام البخاري يرويها في كتابه قائلًا: (مَا ظَنُّكَ (^٢) بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)؟ وكأن القرآن لم يكن موجودًا مع ذلك الإمام حين قام بكتابة تلك السطور الآثمة».\nوالجواب:\nأولًا: أنه لا يوجد تعارض بين قول النبي - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ - الذي أخرجه عنه البخاري وغيره: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (^٣)؟ وبين قوله - ﷺ - له الذي حكاه عنه القرآن: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]؛ لأن معنى قوله - ﷺ -: (اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) أي: الله معنا، وهي نفس معنى قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.\nوقد حكى الله تعالى أقوال الكفار وغيرهم ممن لا يتكلمون بالعربية بمعانيها، ولم يحكها عنهم بألفاظهم بل بلفظ القرآن المعجز البليغ؛ لأن ألفاظهم ليست بليغة ولا معجزة.\nثانيًا: يقال لهذا المشكك: إن القرآن الكريم كان حاضرًا وموجودًا مع الإمام البخاري حينما قام بكتابة تلك السطور المنيرة والمضيئة من السنة -وليست الآثمة كما تزعم-، فقد بوب في صحيحه في كتاب التفسير: «باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]»، ثم ساق الحديث، وفيه: قال أبو بكر - ﵁ - للنبي - ﷺ -: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (^٤)؟\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) في المنشور: (ما بالك). وهو في الصحيحين والأربعين النووية: (ما ظنك).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (٥/ ٤)، رقم (٣٦٥٣)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٤/ ١٨٥٤)، رقم (٢٣٨١).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] (٦/ ٦٦)، رقم (٤٦٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٤/ ١٨٥٤)، رقم (٢٣٨١).","vol":"1","page":181},{"text":"فأكد البخاري بهذا تطابق معنى الحديث مع الآية الكريمة.\nثالثًا: ويقال له أيضًا: إن القرآن الكريم كان حاضرًا وموجودًا مع الإمام البخاري حينما قام بكتابة تلك السطور المنيرة والمضيئة من السنة -وليست الآثمة-، فقد روى في صحيحه في مناقب المهاجرين وفضلهم - ﵃ - عن البراء بن عازب - ﵁ - قول النبي - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ -: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (^١).\nفطابق فيه تمامًا لفظ القرآن الكريم.\nوهذا الحديث في قصة خروج النبي - ﷺ - وأبي بكر - ﵁ - من مكة مهاجرين إلى المدينة، وهو حديث طويل، وفيه: (ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: بَلَى. فَارْتَحَلْنَا وَالقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (^٢).\nوالله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الشبهة الثانية والثلاثون</span>\nاتهام الفقهاء بمخالفة القرآن\nفي قولهم ببر الوالدين بدلًا من الإحسان إليهما\nيقول المشكك:\n«وبينما يقول الله بأن الإحسان للوالدين هو المطلوب.\nفنجد (^٣) الفقهاء يقولون ببر الوالدين.\nويبدو أنهم لم يكونوا ليعلموا الفرق بين الإحسان والبر، هذا فضلًا عن أن البر موكول بالقرآن (^٤) للأبوين. لكن يبدو أن السادة الفقهاء لم يميزوا بين حقوق الوالدين وحقوق الأبوين».\nوالجواب:\nأولًا: أن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما. بل من بر بوالديه فقد أحسن إليهما، والعكس كذلك.\nوقد قال هذا المشكك: \"إن هناك فرقًا بينهما\". ولم يأت بأي دليل يسند كلامه. وهذا يدل على أن قصده هو التشكيك فقط.\nفي حين أنه لا فرق بينهما في كتب الفقهاء والمفسرين، فمعنى البر هو: الطاعة. وهو اسم جامع لكل خير. ويشمل ذلك: طاعة الوالدين في المعروف، والقيام بخدمتهما اذا احتاجا إلى ذلك، والنفقة عليهما، وعدم عقوقهما ما لم يأمرا بمعصية.\nوكذلك معنى الإحسان إليهما مثل معنى البر تمامًا، ولا يقتصر على النفقة عليهما كما يتبادر إلى الذهن من اللفظ.\nولم أجد لا من العلماء السابقين أو اللاحقين من فرق بين معنى قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣، والنساء:٣٦، والأنعام:١٥١، والإسراء:٢٣] وبين قول النبي - ﷺ -: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ) (^٥).\nحتى جاء هذا المشكك الحاقد على أهل الحديث فذكر أن الإحسان إلى الوالدين هو غير البر بهما، ولم\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب المهاجرين وفضلهم (٥/ ٤)، رقم (٣٦٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب في حديث الهجرة -ويقال له: حديث الرحل \"بالحاء\"- (٤/ ٢٣٠٩)، رقم (٢٠٠٩).\n(^٢) نفس التخريج السابق.\n(^٣) كذا في المنشور.\n(^٤) كذا في المنشور.\n(^٥) جزء من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وسيأتي في أصل الكتاب بعد عدة أسطر، وتخريجه في الحاشية التالية.","vol":"1","page":182},{"text":"يذكر أي دليل لا من القرآن ولا من اللغة على التفريق بينهما.\nولأن بضاعته في ذلك مزجاة فيُتأكد أن الحامل له على ذلك هو: استعمال الحديث للفظ البر بالوالدين وعدم استعماله لفظ الإحسان إليهما، وهو ينكر السنة ويدعي مناقضتها للقرآن. فهذه هي القضية بعينها.\nوهذا الاستعمال النبوي ورد في حديث ابن مسعود - ﵁ - في \"صحيح البخاري\" وغيره، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ. قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (^١).\nثانيًا: قوله: «إن البر موكول بالقرآن (^٢) للأبوين» أي: أن الأب هو الذي يبر بابنه. ولم أجد في القرآن ذلك حسب علمي، وليأت بالآية الدالة على ذلك إن كان من الصادقين. فإني أكاد أجزم أنه لا توجد آية تدل على ما ذهب إليه. وإنما في القرآن الوصية بالأولاد، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء:١١].\nثالثًا: قال: «يبدو أن السادة الفقهاء لم يميزوا بين حقوق الوالدين وحقوق الأبوين». ولم يذكر الفرق بين حقوقهما؛ لأن مهمته هي التشكيك لا غير، وليس الحق ولا العلم.\nولا شك أن هناك فرقًا بين الوالد والأب، فالوالد يطلق على: من ولدتَ من صلبه، بخلاف الأب، فإنه يطلق على: الوالد وعلى الجد الأدنى فما فوقه إلى أبينا آدم - ﵇ -.\nوقد يستعمل لفظ الأب على من ولدتَ من صلبه، كقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١١].\nوكل من الأب والوالد له حق في الإسلام، لكن الأب الذي ولدتَ من صلبه أعظم حقًا ممن هو أعلى منه، وهو المراد بالبر والإحسان إليه في النصوص في المقام الأول.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها (١/ ١١٢)، رقم (٥٢٧)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (١/ ٩٠)، رقم (٨٥).\n(^٢) كذا في المنشور.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الشبهة الثالثة والثلاثون</span>\nاتهام الفقهاء بمخالفة القرآن\nفي عدم التفريق بين الذين أوتوا الكتاب وبين أهل الكتاب\nيقول المشكك:\n«كما لم يعلم الفقهاء الفرق بين \"الذين أوتوا الكتاب\" و\"أهل الكتاب\" و\"الذين آتيناهم الكتاب\"، فقالوا بالجزية على أهل الكتاب.\nوهو مما يخالف القرآن».\nوالجواب:\nأولًا: قوله: \"إن الجزية على أهل الكتاب مخالفة للقرآن الكريم؛ لأن أهل الكتاب هم غير الذين أوتوا الكتاب الذين فرض الله عليهم الجزية في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة:٢٩] \" قوله هذا جهل كبير بالشرع واللغة.\nومن المضحكات المبكيات من هذا المتعالم الجاهل أن يتحدث فيما لا علم له به. ولا دافع له إلى ذلك سوى الحقد والكراهية للسنة ورواتها وعلمائها. والله المستعان.\nثانيًا: لا يوجد فرق في الشرع ولا في اللغة ولا عند العلماء والفقهاء والمفسرين بين \"أهل الكتاب\" و\"الذين أوتوا الكتاب\".\nوالمقصود بمن فرض عليه الجزية هم اليهود والنصارى الذين يطلق عليهم \"أهل الكتاب\" ويطلق عليهم \"الذين أوتوا الكتاب\"، بلا خلاف في ذلك بين العلماء. قال ابن حزم: «واتفقوا على وجوب أخذ الجزية من اليهود والنصارى ممن كان منهم من الأعاجم الذين دان أجدادهم بدين من الدينين قبل مبعث الرسول - ﷺ -» (^١)، الخ.\nوقد أخذ النبي - ﷺ - الجزية من يهود خيبر وهجر واليمن ونصارى نجران وغيرهم، وجميع هؤلاء هم أهل كتاب.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) مراتب الإجماع لابن حزم (ص:١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الشبهة الرابعة والثلاثون</span>\nاتهام الفقهاء بمخالفة القرآن\nفي قولهم بجواز نكاح الصغيرة\nيقول المشكك:\n«ويقول الله تعالى بأن عقود النكاح تكون مع البالغات وصاحبات الرشد.\nفيقول الفقهاء بجواز نكاح الطفلة وإن كانت رضيعة. وما ذلك إلا لعدم فهمهم القرآن».\nوالجواب:\nأولًا: قوله: «ويقول الله تعالى بأن عقود النكاح تكون مع البالغات» هو من التقول على الله بغير علم، وليأتِ بالآية الدالة على ذلك إن كان صادقًا.\nثانيًا: أن القرآن الكريم يدل على جواز نكاح الصغيرات -على عكس ما يدعي المشكك-، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤].\nوالمقصود بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ هن: الصغيرات دون البلوغ. وهو أمر مجمع عليه بين العلماء.\nقال ابن المنذر: «وأجمعوا أن نكاح الأب ابنته الصغيرة البكر جائز إذا زوَّجها من كفء» (^١).\nونقل هذا الإجماع كذلك ابن قدامة في كتابه \"المغني\" مقرًا له ومستدلًا به (^٢).\nثالثًا: ومع إجماع الفقهاء على جواز نكاح الصغيرات إلا أنهم ذكروا أنها لا تسلم لزوجها إلا إذا كانت مطيقة.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) الإجماع لابن المنذر (ص:٧٨).\n(^٢) قال ابن قدامة: «أما البكر الصغيرة، فلا خلاف فيها -يعني: لا خلاف في ثبوت نكاحها إذا زوجها أبوها-». المغني لابن قدامة (٧/ ٤٠).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الشبهة الخامسة والثلاثون</span>\nاتهام الصحابة بمخالفة القرآن\nفي قراءة بعض الآيات\nيقول المشكك:\n«ويذكر البخاري بكتابه (^١) الآثم عن ابن مسعود: أن المعوذتين ليستا من القرآن (^٢).\nويذكر «صحيح البخاري» -حديث رقم (٤٥٦٣)، حسب ترقيم العالمية: حدثنا ... قال: (قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: كُلُّنَا، قَالَ: فَأَيُّكُمْ أَحْفَظُ؟ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ، قَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل:١]؟ قَالَ عَلْقَمَةُ: \"وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى\"، قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ هَكَذَا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل:٣]، وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ) (^٣).\nالبخاري (^٤) -حديث رقم (٤١٤٥)، حسب ترقيم العالمية-: حدثني ...: (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: \"وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ\"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) (^٥).\nفأي إجماع يمكننا تصوره على روايات تحذف الكلمات وتضيفها إلى كتاب الله؟\nوإن محاولات التبرير بأن هذه قراءات تفسيرية هي محاولات لذر الرماد في العيون، فما لبس على لسان علقمة في الحديث الأول: (وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ) وعلى لسان ابن عباس في الحديث الثاني: (لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) يرد هذه التبريرات من أساسها».\n_________\n(^١) كذا في المنشور.\n(^٢) يشير إلى: حديث زر بن حبيش قال: (سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا المُنْذِرِ! إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا). صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس:١] (٦/ ١٨١)، رقم (٤٩٧٧).\nوقوله: (ابن مسعود يَقُولُ كَذَا وَكَذَا) يعني: ينكر كون المعوذتين من القرآن، كما جاء ذلك مبينًا في غير صحيح البخاري، مما سيأتي أثناء الجواب على هذه الشبهة.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل:٥] (٦/ ١٧٠)، رقم (٤٩٤٤)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يتعلق بالقراءات (١/ ٥٦٥)، رقم (٨٢٤).\n(^٤) كذا في المنشور.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة:١٨٤] (٦/ ٢٥)، رقم (٤٥٠٥).","vol":"1","page":186},{"text":"والجواب:\nأولًا: قول هذا المشكك عن \"صحيح البخاري\": «الآثم» هو الإثم بعينه والزور والبهتان حقًا.\nوما ذنب البخاري في ذلك؟ فإنما هو ناقل وراوٍ، وهو لم ينكر كون المعوذتين من القرآن، بل خالف ابن مسعود - ﵁ - وأصحابه، وأورد هاتين السورتين في تفسير القرآن من صحيحه، وبوب على ذلك بقوله: «سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق:١]» (^١)، ثم شرح بعض ألفاظ هذه السورة، ثم روى الحديث رقم (٤٩٧٦) عن أبي بن كعب - ﵁ - في إثبات قرآنيتها (^٢).\nوقال عقب ذلك: «سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس:١]» (^٣)، وشرح كذلك بعض ألفاظها الغريبة، ثم روى الحديث رقم (٤٩٧٧) عن أبي بن كعب - ﵁ - السابق في إثبات قرآنيتها (^٤).\nثم ذكر هاتين السورتين في كتاب فضائل القرآن من صحيحه، فقال: «باب فضل المعوذات» (^٥)، ثم روى حديث عائشة - ﵂ - رقم (٥٠١٦): (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا) (^٦).\nوروى كذلك حديثها - ﵂ - الآخر رقم (٥٠١٧): (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) (^٧).\nثانيًا: أجمع المسلمون أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد - ﷺ - هو: المكتوب في المصاحف المعجز المبتدأ بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس المتواتر بلفظه ومعناه. وأن الله تعالى قد وسع على الأمة في قراءته حتى بلغت عشر قراءات متواترة، وأن من قرأ على خلاف هذه القراءات فقراءته شاذة ومردودة مهما بلغ شأوه في العلم ومنزلته في الإسلام.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٦/ ١٨١).\n(^٢) وهو حديث: زر بن حبيش قال: (سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: قِيلَ لِي فَقُلْتُ. فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -). صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق:١] (٦/ ١٨١)، رقم (٤٩٧٦).\n(^٣) صحيح البخاري (٦/ ١٨١).\n(^٤) وهو أيضًا حديث: زر بن حبيش قال: (سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا المُنْذِرِ! إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ لِي: قِيلَ لِي فَقُلْتُ. قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -). صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (٦/ ١٨١)، رقم (٤٩٧٧).\n(^٥) صحيح البخاري (٦/ ١٨٩).\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (٦/ ١٩٠)، رقم (٥٠١٦).\n(^٧) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب والجزء والصفحة، رقم (٥٠١٧).","vol":"1","page":187},{"text":"ثالثًا: ثبت بما لا مجال للشك فيه عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - في المعوذتين الآتي:\n١ - كان - ﵁ - لا يكتبهما في مصحفه. فعن زر بن حبيش قال: (قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَخْبَرَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فَقُلْتُهَا. فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -) (^١).\n٢ - كان يحكهما من المصحف. فعن علقمة عن عبد الله - ﵁ -: (أَنَّهُ كَانَ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمَصَاحِفِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ بِهِمَا) (^٢).\n٣ - كان ينكر كونهما من القرآن. فعن عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (كَانَ عَبْدُ اللهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ) (^٣).\nقال الألباني: «جملة الحكّ والنفي صحيحة جدًّا عن ابن مسعود - ﵁ -» (^٤).\nوقد اختلف العلماء في تأويل صنيع ابن مسعود - ﵁ - هذا:\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣٥/ ١١٦)، رقم (٢١١٨٦). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «حديث صحيح». مسند أحمد (٣٥/ ١١٦)، حاشية رقم (٢).\n(^٢) مسند البزار (٥/ ٢٩)، رقم (١٥٨٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٣٥)، رقم (٩١٥٢). وقال الهيثمي: «رواه البزار والطبراني، ورجالهما ثقات». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٧/ ١٤٩)، رقم (١١٥٦٣).\n(^٣) مسند أحمد (٣٥/ ١١٧)، رقم (٢١١٨٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٣٥)، رقم (٩١٥٠). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح». مسند أحمد (٣٥/ ١١٧)، حاشية رقم (٢).\nورواه عنه كذلك زر بن حبيش كذلك.\n(^٤) صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للألباني (٢/ ١٨٢)، حاشية رقم (١).\n(^٥) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٧٤٣).","vol":"1","page":188},{"text":"١ - قال أبو بكر الباقلاني ووافقه القاضي عياض كما في \"فتح الباري\": «لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى ألا يكتب في المصحف شيئًا إلا إن كان النبي - ﷺ - أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك. قال: فهذا تأويل منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا» (^١). قال ابن حجر: «وهو تأويل حسن» (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٧٤٣).\nوأما كلام القاضي أبو بكر الباقلاني في هذا فقد تكلم عليه بكلام كثير ودرر نفيسة جدًا في كتابه \"الانتصار للقرآن\"، وسأقتطف هنا بعضًا من كلامه في ذلك:\n١ - قال: «عبد الله بن مسعود لم يقل قط: إنهما ليستا بقرآن، ولا حُفظ عليه في ذلك حرف واحدٌ، وإنما حكّهما وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلاتٍ، سنذكرها فيما بعد إن شاء الله». الانتصار للقرآن للقاضي أبي بكر الباقلاني (١/ ٦١).\n٢ - وقال أيضًا: «وكذلك قد يمكن ابن مسعود اعتقد أن المعوذتين من القرآن الذي لا يجوز إثبات رسمه في المصحف، إما لظنه أنه منسوخ أو لغير ذلك من العلل». المصدر السابق (١/ ١٠٠).\n٣ - وقال أيضًا: «وإنما اختلفوا في إثباتها في المصحف، وكان عبد الله بن مسعود لا يرى ذلك؛ لأنه لم يكن عنده سنة فيهما، فأما أن ينكر كونها قرآنًا فذلك باطل». المصدر السابق (١/ ٢٦٤).\n٤ - وقال أيضًا: «أما دعوى من ادعى أن عبد الله بن مسعود أنكر أن تكون المعوذتان قرآنًا منزلًا من عند الله تعالى وجحد ذلك فإنها دعوى تدل على جهل من ظن صحتها وغباوته وشدة بعده عن التحصيل، وعلى بهت من عرف حال المعوذتين وحال عبد الله وسائر الصحابة؛ لأن كل عاقل سليم الحسن يعلم أن عبد الله لم يجحد المعوذتين ولا أنكرهما، ولا دفع أن يكون النبي صلى الله عليه تلاهما على الأمة ... وكيف يمكن عبد الله ابن مسعود أو غيره من الصحابة جحد ذلك وإنكاره، وذلك مما قد أعلنه تلاوة الرسول لها وإخباره بنزولها، أو واحدًا ممن خبّر بذلك وجاءته الأخبار من كل طريق وناحية مجيئًا لا يمكن معه الشك في ذلك؟ ...\nوإذا كان ذلك كذلك بأن عبد الله بن مسعود لا يجوز منه مع عقله وتمييزه وجريان التكليف عليه أن يحمل نفسه على جحد المعوذتين وإنكار نزولهما وأن الله تعالى أوحى بهما إلى نبيه - ﷺ -.\nومما يوضح ذلك أيضًا ويبينه: أنه لو كان عبد الله قد جحد المعوذتين وأنكرهما مع ظهور أمرهما وإقرار جميع الصحابة بهما لم يكن بد من أن يدعوه داع إلى ذلك وأن يكون هناك سبب يعتد عليه، ولو كان هناك سبب حداه على ذلك وحركه لخلاف فيه لوجب في موضوع العادة أن يحتج به ويذكره ويعتد به، ويبدي ويكثر اعتذاره له وتعويله عليه، ولكان لا بد أيضًا في مقتضى العادة من ظهور ذلك عنه وانتشاره وحصول العلم به إذا كان خلافا في أمر عظيم وخطر جسيم». المصدر السابق (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).\n٥ - وقال أيضًا: «وفي بعض هذه الجملة دلالة باهرة واضحة على أن هذه الأخبار متكذبة على عبد الله بن مسعود لا أصل لها، أو محمولة متأولة على ما قلناه دون الجحد والإنكار منه لكونهما قرآنًا، وأنه لا خلاف بين سلف الأمة في كون المعوذتين قرآنًا منزلًا وكلامًا لله تعالى، وأن النقل لهما والعلم بهما جارٍ مجرى نقل جميع القرآن في الظهور والانتشار وارتفاع الريب في ذلك والنزاع». المصدر السابق (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠). وانظر بقية كلامه وكلام آخر كثير له في كتابه: الانتصار للقرآن؛ فإنه نفيس جدًا في هذا الباب.\nوأما القاضي عياض فقد قال: «ويحمل أيضًا ما روى من إسقاط المعوذتين من مصحفه على: أنه اعتقد أنه لا يلزمه أن يكتب كل ما كان من القرآن، وإنما يكتب منه ما كان له فيه غرض، وكأنَّ المعوذتين لقصرهما وكثرة دورهما في الصلاة والتعوَّذ بهما عند سائر الناس اشتهرت، فذلك اشتهار يستغنى معه عن إثبات ذلك في المصحف». إثبات المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٣/ ٢٠١).\n(^٢) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٧٤٣).","vol":"1","page":189},{"text":"٢ - قال ابن حزم: «وكل ما رُوي عن ابن مسعود من أن المعوذتين وأم القرآن لم تكن في مصحفه فكذب موضوع لا يصح» (^١).\n_________\n(^١) المحلى لابن حزم (١/ ٣٢).\nوقد رد الألباني قول ابن حزم هذا بقوله: «جملة الحكّ والنفي صحيحة جدًّا عن ابن مسعود - ﵁ -، فقد أَخرجها الطبرانيّ (٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩) بثلاثة أَسانيد صحيحة أُخرى. فقول ابن حزم ومن تبعه بأنَّ ذلك كذب عليه موضوع من المجازفات الّتي لا يجوزُ ذكرها إلاّ لإبطالِها». صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للألباني (٢/ ١٨٢)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":189},{"text":"٣ - قال الفخر الرازي في تفسيره: «والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل» (^١).\n٤ - قال النووي: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه» (^٢).\nويؤيد أن ابن مسعود - ﵁ - لم يكن ينكر قرآنية المعوذتين: أن قراءة أهل الكوفة المتواترة هي من طريقه - ﵁ -، وفيها إثبات قرآنيتهما.\nوقال بعض العلماء المعاصرين: \"لم يكتب ابن مسعود - ﵁ - المعوذتين في مصحفه اكتفاءً بشهرتهما، لا إنكارًا لقرآنيتهما\".\nرابعًا: ثبت كذلك أن ابن مسعود - ﵁ - كان يقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل:٣] بحذف: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾، ويقرؤها - ﵁ -: \"والذكر والأنثى\". وكذلك كان يقرؤها أصحابه، وأيضًا كان يقرؤها هكذا الصحابي الجليل أبو الدرداء - ﵁ - (^٣).\nوهي قراءة شاذة بلا خلاف. وقد كانت قراءةً تتلى ثم نسخت، ولم يبلغ النسخ هؤلاء. قال ابن حجر: «ولعل هذا مما نسخت تلاوته، ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذُكِر معه.\nوالعجب من نقل الحفاظ من الكوفيين هذه القراءة عن علقمة وعن ابن مسعود وإليهما تنتهي القراءة بالكوفة ثم لم يقرأ بها أحد منهم!\nوكذا أهل الشام حملوا القراءة عن أبي الدرداء، ولم يقرأ أحد منهم بهذا!\nفهذا مما يقوي أن التلاوة بها نسخت» (^٤).\nخامسًا: وكذلك القول في قراءة ابن عباس - ﵁ -: \"وعلى الذين يُطَوّقونه\". هي شاذة، والأغلب أنها تفسيرية.\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير الرزاي (١/ ١٩٠).\n(^٢) المجموع شرح المهذب للنووي (٣/ ٣٩٦).\n(^٣) تقدمت الأحاديث في ذلك في أول هذه الشبهة.\n(^٤) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٧٠٧).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشبهة السادسة والثلاثون</span>\nاتهام الفقهاء بمخالفة القرآن\nفي قولهم بعدم دخول الجنة بالعمل\nيقول المشكك:\n«ومع كون مصير الإنسان في الآخرة متوقفًا على عمله في الدنيا، يقول تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل:٩٠] (^١).\nفيقول (^٢) الفقهاء بأن دخول الجنة يكون برحمة الله، وليس بالعمل».\nوالجواب:\nأولًا: لا خلاف بين المسلمين في وجوب العمل الصالح لدخول الجنة، كما نص الله تعالى في كتابه على ذلك في عدة آيات، ومن ذلك:\n١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف:١١٠].\n٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة:٨٢].\n٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل:٣٢]، أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الصالحات.\nفهذه الآيات التي ذكرتها ونحوها هي الدالة على دخول الجنة بالعمل الصالح، وليس قوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل:٩٠]؟\nوقد ذكر المشكك خمس آيات أخرى بمعنى هذه الآية، وقد أخطأ في الاستدلال بها؛ لأن هذه الآيات سيقت في بيان جزاء الكفار وأنه سبحانه لم يظلمهم، وإنما جازاهم بعملهم الذي عملوه لا غير.\n_________\n(^١) وقد ذكر المشكك في الاستدلال لقوله خمس آيات، وهي:\n١ - آية النمل التي أوردتها في شبهته.\n٢ - ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس:٥٤].\n٣ - ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾ [الصافات:٣٩].\n٤ - ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ [الجاثية:٢٨].\n٥ - ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [الطور:١٦].\n(^٢) كذا في المنشور.","vol":"1","page":191},{"text":"ثانيًا: ومع كون العمل الصالح واجبًا لدخول الجنة إلا أن دخولها متوقف على مشيئة الله تعالى ورحمته، وليس على عمل الشخص مهما كان عظيمًا. والقرآن يفسر بعضه بعضًا. ومن الآيات التي جاء فيها التفسير بأن دخول الجنة إنما يكون برحمة الله تعالى وفضله ومشيئته:\n١ - قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤].\n٢ - قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ [البقرة:١٠٥، وآل عمران:٧٤].\n٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ [البقرة:٢١٨].\nفبين سبحانه أنهم مع إيمانهم وهجرتهم وجهادهم في سبيل الله لا يعولون في دخولهم الجنة على عملهم، بل على فضل الله تعالى ورحمته.\n٤ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء:١٧٥].\n٥ - قال تعالى في حال أهل الأعراف وإدخالهم الجنة برحمته: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ [الأعراف:٤٩].\n٦ - قال تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور:٢٧].\nفبين - جل وعلا - أن مغفرته لعبده المؤمن وإدخاله له الجنة ووقايته له من النار هو مَنٌّ منه عليه، وليس بعمله ولاسعيه.\nثالثًا: وإذا كان العمل الصالح واجبًا لدخول الجنة ودخولها متوقف على مشيئة الله تعالى وفضله ومغفرته ورحمته فكيف التوفيق بين ذلك -أي: بين ما جاء أن دخول الجنة يكون بالعمل وبين ما جاء أن دخولها إنما يكون برحمة الله وتفضله ومشيئته-؟\nفيقال: نعم يجب العمل الصالح كما أمر الله تعالى، فمن قَبِلَه الله تعالى وغفر له ورحمه دخل الجنة، ومن لم يقبله لم يدخلها، فإذا دخلها نزل فيها وارتفع في درجاتها بفضل عمله وسعيه، كما في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل:٣٢].\nوهذا ما أشار إليه الحديث الذي ينكره هذا المشكك، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت (٧/ ١٢١)، رقم (٥٦٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٦٩)، رقم (٢٨١٦).","vol":"1","page":192},{"text":"قال ابن القيم في كتابه القيم \"حادي الأرواح\": «فصل: وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه، وهو: أن الجنة إنما تدخل برحمة الله تعالى، وليس عمل العبد مستقلًا بدخولها وإن كان سببًا، ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾، ونفى رسول الله دخولها بالأعمال بقوله: (لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ). ولا تنافي بين الأمرين؛ لوجهين:\nأحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال:  «النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِعَفْوِ (^١) اللَّهِ، وَدُخُولُ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ، وَانْقِسَامُ (^٢) الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ بِالْأَعْمَالِ».\nويدل على هذا: حديث أبي هريرة -الذي سيأتي إن شاء الله تعالى-: (أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ) (^٣). رواه الترمذي.\nوالثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي \"باء المعاوضة\" التي يكون فيها أحد العوضين مقابلًا للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي \"باء السببية\" التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وأن لم يكن مستقلًا بحصوله. وقد جمع النبي - ﷺ - بين الأمرين بقوله: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَنْجُوَ بِعَمَلِهِ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -؟! قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ) (^٤).\nومن عرف الله تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به. والله - ﷾ - المستعان» (^٥).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) في حادي الأرواح: يفعر. ولعل الصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في حادي الأرواح: واقتسام. ولعل الصواب ما أثبتناه.\n(^٣) سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب صفة الجنة (٢/ ١٤٥٠)، رقم (٤٣٣٦)، وسنن الترمذي، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في سوق الجنة (٤/ ٦٨٥)، رقم (٢٥٤٩). وقال الترمذي: «غريب». وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف سنن ابن ماجة للألباني (ص:٣٦٣)، رقم (٥٠٠١).\n(^٤) عن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أَحَدًا الجَنَّةَ عَمَلُهُ. قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: وَلا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ). صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (٨/ ٩٨ - ٩٩)، رقم (٦٤٦٧)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى (٤/ ٢١٧١)، رقم (٢٨١٨).\n(^٥) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (ص:٨٧ - ٨٨).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشبهة السابعة والثلاثون</span>\nاتهام الفقهاء بمخالفة القرآن\nفي قولهم بوقوع طلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثًا\nيقول المشكك:\n«وبـ\"صحيح مسلم\" -حديث رقم (٢٦٨٩)، حسب ترقيم العالمية-: حدثنا ... عن ابن عباس قال: (كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) (^١).\nفالأئمة الأربعة ذهبوا بما (^٢) يناقض مضمون هذا الحديث، ولذلك فالذي يقول عندهم لامرأته: \"أنت طالق ثلاثًا\" تبين منه بينونة كبرى.\nوقد خالفهم ابن حزم الظاهري وجعفر الصادق وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم.\nإن مما يضع العقل في الكف: أن هذا الحديث الذي لم يأخذ بمضمونه الفقهاء هو حديث يوافق تمامًا حيثيات الصياغة القرآنية الخاصة بهذه المسألة.\nوفي هذا دليل على: أن أحكام القرآن الكريم وأدلته لم تكن المعيار الأول في تحديد مصداقية الحديث ومرجعية الأحكام.\nلماذا لم يتم الانتباه إلى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]، وبالتحديد إلى كلمة: ﴿مَرَّتَانِ﴾ التي لا يمكنها أن تعني تكرار عبارة الطلاق في مجلس واحد؟\nفلو كان الأمر كما ذهب الأئمة إليه لكانت هذه العبارة القرآنية على الشكل: \"الطلاق اثنتان\". وقد بينت في كتاب ... الفارق الكبير بين الصياغتين، وذلك حين (^٣) شرح قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]. وبينت الفارق بين هذه الصياغة القرآنية المطلقة وبين احتمال ورود هذه الصياغة على الشكل: \"قالو ربنا أمتنا مرتين وأحييتنا مرتين\".\nفعلى أي أساس تم رد هذا الحديث والعمل بخلافه؟ وهل الذين ذهبوا إلى أن طلاق الثلاث في مجلس واحد يعد طلقة واحدة كجعفر الصادق وابن تيمية ليسوا من علماء الأمة»؟\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث (٢/ ١٠٩٩)، رقم (١٤٧٢).\n(^٢) كذا في المنشور.\n(^٣) كذا في المنشور.","vol":"1","page":194},{"text":"والجواب:\nأولًا: استدل هذا المشكك بحديث ابن عباس - ﵄ - السابق على عدم وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثًا. وهو من تناقضاته الكثيرة؛ إذ كيف يستدل علينا بما لا يؤمن به وما يعتقده مكذوبًا على النبي - ﷺ -؟! هذا لا يقبل في العقل ولا في الشرع.\nوالعجب من هذا المشكك أن يتحول منافحًا عن الحديث لأنه يوافق فهمه فقط، في الوقت الذي يشن فيه حملة شعواء على الصحيحين وغيرهما من كتب السنة، ويتهمها بالدجل والكذب، وغير ذلك من عبارات الحط والتشكيك!\nثانيًا: أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد كان معروفًا في الجاهلية وعلى عهد النبي - ﷺ -، ومما يدل على ذلك:\n١ - في الصحيحين من حديث سهل بن سعد - ﵁ - في قصة ملاعنة عويمر العجلاني زوجته عند النبي - ﷺ -، قال سهل - ﵁ -: (فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) (^١).\nمما يدل على: أن هذا الطلاق كان متداولًا بينهم، وكان تبين به الزوجة، ولذلك فعله عُويمر - ﵁ -، ولم يستشر النبي - ﷺ - فيه.\n٢ - فعل ركانة - ﵁ -، فعن عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده: (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أَرَدْتَ بِهَا؟ قَالَ: وَاحِدَةً، قَالَ: آللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً؟ قَالَ: آللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً، قَالَ: فَرَدَّهَا عَلَيْهِ) (^٢).\nووقوع الطلاق بذلك ثلاثًا وبينونة المرأة به بينونة كبرى هو قول أكثر السلف والخلف، حتى ادعى بعضهم الإجماع عليه. قال القرطبي في تفسيره: «واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة. وهو قول جمهور السلف.\nوشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى: أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة» (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث (٧/ ٤٢)، رقم (٥٢٥٩)، وصحيح مسلم، كتاب اللعان، ولم يذكر له بابًا (٢/ ١١٢٩)، رقم (١٤٩٢).\n(^٢) مسند أحمد (٣٩/ ٥٣٢)، رقم (٩٢)، وسنن الدارمي، كتاب الطلاق، باب في طلاق البتة (٣/ ١٤٥٩)، رقم (٢٣١٨)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق، باب طلاق البتة (١/ ٦٦١)، رقم (٢٠٥١)، وسنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في البتة (٢/ ٢٦٣)، رقم (٢٢٠٦)، وسنن الترمذي، أبواب الطلاق واللعان، باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة (٣/ ٤٧٢)، رقم (١١٧٧). وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف سنن ابن ماجة للألباني (ص:١٥٧)، رقم (٣٩٧).\n(^٣) تفسير القرطبي (٣/ ١٢٩).","vol":"1","page":195},{"text":"ثالثًا: أن حديث ابن عباس - ﵄ - قد اختلف العلماء فيه:\n١ - منهم من غلّطه ووهمه، كالقرطبي وابن عبد البر. فقد نقل القرطبي عن ابن عبد البر قوله: «ورواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس» (^١).\n٢ - منهم من صحح الرواية عنه ولكنه تأولها، كالقاضي أبي الوليد الباجي، حيث قال: «وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة، فقد رواه عنه الأئمة معمر وابن جريج وغيرهما. وابن طاوس إمام» (^٢).\nوقال: «ومعنى الحديث: أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات.\nويدل على صحة هذا التأويل أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ). فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة» (^٣).\nوقال: «ويدل على صحة هذا التأويل: ما روي عن ابن عباس من غير طريق: أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة» (^٤).\nووافق القاضي الباجي في تأويله هذا: الكيا الطبري وعلماء الحديث وغيرهم. قاله القرطبي في تفسيره (^٥).\n_________\n(^١) نفس المصدر السابق. وانظر: الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ٦).\n(^٢) المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي (٤/ ٤).\n(^٣) نفس المصدر السابق.\n(^٤) نفس المصدر السابق.\n(^٥) قال القرطبي: «ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث». تفسير القرطبي (٣/ ١٣٠).","vol":"1","page":196},{"text":"قلت: وفتوى ابن عباس - ﵄ - هذه رواها عنه -كما قال أبو داود والطحاوي-: سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش (^١) أنه قال - ﵄ - فيمن طلق امرأته ثلاثًا: (عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ) (^٢)، وأنها (لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (^٣).\n_________\n(^١) قال الطحاوي: «وروى سعيد بن جبير ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكر والنعمان بن أبي عياش كلهم عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثًا: (أنه قد عصى ربه وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأَته)». مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤).\nوذكر أبو داود: \"أنه روى هذا الحديث عن ابن عباس - ﵄ -: مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء ومالك بن الحارث وعمرو بن دينار كلهم قالوا في الطلاق الثلاث: إنه أجازها - ﵁ -، قال: (وَبَانَتْ مِنْكَ).\nورواه عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -: (إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة). وجعله بعضهم من قول عكرمة \". سنن أبي داود (٢/ ٢٦٠).\n(^٢) عن مجاهد قال: (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَنْطَلِقُ أَحَدُكُمْ فَيَرْكَبُ الْحُمُوقَةَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق:٢]. وَإِنَّكَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَلَمْ أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق:١] فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ). سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث (٢/ ٢٦٠)، رقم (٢١٩٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ١١)، رقم (٢١٧٩).\n(^٣) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] يقول: (إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة:٢٣٠]، يَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ فَدَخَلَ بِهَا الْآخَرُ فَلَا حَرَجَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِذَا طَلَّقَهَا الْآخَرُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا). تفسير ابن جرير الطبري (٤/ ٥٩٧)، رقم (٤٩٠٥)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الرجعة، باب نكاح المطلقة ثلاثًا (٧/ ٦١٦)، رقم (١٥٢٠٢).","vol":"1","page":197},{"text":"رابعًا: قول المشكك: \"إن كلمة: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لا تعني تكرار عبارة الطلاق في مجلس واحد\" غير صحيح لغةً ولا شرعًا، فإن المرة الواحدة قد تشتمل على أقوال وأفعال كثيرة بمجموعها، ومن هذا:\n١ - قال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء:٤].\nولا شك أن المرة الواحدة من هذا الإفساد قد تشتمل على أقوال وأفعال كثيرة من الإفسادات.\n٢ - قال تعالى عن المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة:١٠١]. وقد حصل لهم من العذاب في المرة الواحدة ألوان منه، كالقتل والجوع والفضيحة وغير ذلك.\nوالله أعلم.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>الشبهة الثامنة والثلاثون</span>\nاتهام المحدثين والفقهاء بمخالفتهم لبعض الأحاديث\nيقول المشكك:\n«وقد عرضت أحاديث ردها الأئمة الأربعة، بينما أثبتها البخاري ومسلم بصحيحيهما». ثم ذكر أمثلة لذلك لكل من الأئمة أحمد ومالك وأبي حنيفة.\nوالجواب:\nيجاب عن هذا عمومًا بما أجاب به الإمام ابن تيمية في كتابه \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\"، ومما قاله فيه:\n١ - قال: «يجب على المسلمين بعد موالاة الله تعالى ورسوله - ﷺ - موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث نبينا محمد - ﷺ - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول - ﷺ - في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا» (^١).\n٢ - قال: «وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله - ﷺ - في شيء من سنته دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول - ﷺ -، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ -. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له من عذر في تركه.\nوجميع الأعذار ثلاثة أصناف:\nأحدها: عدم اعتقاده أن النبي - ﷺ - قاله.\nوالثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.\nوالثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ» (^٢).\n٣ - قال: «وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:\nالسبب الأول: ألا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب فقد يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى.\n_________\n(^١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية (ص:٨).\n(^٢) المصدر السابق (ص:٨ - ٩).","vol":"1","page":198},{"text":"وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث» (^١). ثم ذكر أمثلة كثيرة لذلك.\nثم قال: «السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده» (^٢).\nوقال: «السبب الثالث: اعتقاده ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر سواء كان الصواب معه أو مع غيره أو معهما عند من يقول: \"كل مجتهد مصيب\"» (^٣). ثم فصل القول في ذلك، وأطال النفس فيه.\nثم قال: «السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره.\nالسبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه.\nالسبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث تارة؛ لكون اللفظ الذي في الحديث غريبًا عنده، مثل لفظ: المزابنة، والمخابرة، والمحاقلة، والملامسة، والمنابذة، والغرر، إلى غير ذلك.\nالسبب السابع: اعتقاده ألا دلالة في الحديث.\nوالفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر صوابًا أو خطًا.\nالسبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادةً، مثل: معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب، أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى أنواع المعارضات.\nالسبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلًا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، مثل آية أو حديث آخر أو مثل إجماع ...\nالسبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارِضًا، أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا» (^٤).\nانتهى كلامه باختصار.\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:٩).\n(^٢) المصدر السابق (ص:١٨).\n(^٣) المصدر السابق (ص:١٩ - ٢٠).\n(^٤) المصدر السابق (ص:٢٢ - ٣٣). باختصار.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الشبهة التاسعة والثلاثون</span>\nالقول بمخالفة حديث هَمِّ النبي - ﷺ - بإحراق بيوت المتخلفين\nعن صلاة الجماعة لرحمته\nيقول المشكك:\n«بينما عندهم بـ\"سنن أبي داود\" -كتاب الصلاة- وبـ\"سنن ابن ماجة\" -كتاب المساجد والجماعات- تحت: \"باب التغليظ في التخلف عن صلاة الجماعة (^١) \" بـ\"مسند أحمد\" -مسند ابن مسعود- حديثًا يبيح حرق الذين لا يصلون في جماعة في بيوتهم، أي: حرق البيت بمن فيه، حيث ذكر أبو داود: ... عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّار) (^٢).\nفهل هذه هي الرحمة التي يطنطنون بها، والحكمة التي يرفعون عقيرتهم بها؟ أليس هذا أيضًا مخالفًا لقوله تعالى عن رسوله: إنه بالمؤمنين رءوف رحيم»؟\nوالجواب:\nأولًا: هذا الحديث ليس في السنن والمسند فقط كما خرّجه هذا المشكك، بل هو أيضًا في الصحيحين. ولربما لو كان يعلم بذلك لشنع عليهما أعظم تشنيع، ولرماهما بكل عظيمة. وأنا لم أقف إلى الآن على من يحقد أو يطعن فيهما من بني جلدتنا مثله أو قريبًا منه.\nثانيًا: لا يوجد حديث أبدًا يبيح حرق المتخلفين عن صلاة الجماعة.\nولكن المصيبة كل المصيبة والرزية كل الرزية أن يتكلم شخص في أمر لا يحسنه ولا يفهمه، ولا يفرق فيه بين الحقيقة والمجاز، ولا بين أسلوب التهديد وأسلوب الفعل. وهذا أكبر علامة على جهل هذا الإنسان.\n_________\n(^١) عنوان الباب في سنن ابن ماجة: «باب التغليظ في التخلف عن الجماعة»، وعنوانه في سنن أبي داود: «باب في التشديد في ترك الجماعة».\n(^٢) والحديث في الصحيحين. صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (١/ ١٣١)، رقم (٦٤٤)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها (١/ ٤٥١)، رقم (٦٥١). عن أبي هريرة - ﵁ -","vol":"1","page":200},{"text":"ويزداد الأمر قبحًا وسوءًا إذا كان دافعه إلى ذلك هو الانحراف الفكري والعقدي. عافانا الله وإياكم من ذلك.\nثالثًا: إن تبويب هؤلاء الأئمة على هذا الحديث يدل على أنه سيق للتهديد والتشديد في ترك الجماعة، ولبيان حكمها، وهو الوجوب عند من يرى ذلك، وأن ظاهره غير مراد قطعًا بغير خلاف بين العلماء:\n١ - فالبخاري أورده في باب وجوب صلاة الجماعة (^١).\n٢ - ومسلم في باب فضل صلاة الجماعة (^٢).\n٣ - وابن ماجة في: باب التغليظ في التخلف عن الجماعة (^٣).\n٤ - وأبو داود في: باب في التشديد في ترك الجماعة (^٤).\n٥ - والترمذي في: باب ما جاء فيمن سمع النداء فلا يجيب (^٥).\n٦ - والنسائي في: التشديد في التخلف عن الجماعة (^٦).\nرابعًا: مما يدل على أن ظاهر هذا الحديث غير مراد وأنه سيق للتغليظ والتهديد: قول النبي - ﷺ - فيه: (لقد هممت). والهم هو خاطر، وليس فعلًا، أي: أنه خطر على قلبه أن يفعل ذلك، ولم يفعله - ﷺ -.\nومنعه من ذلك:\n١ - كونه - ﷺ - رحيمًا بأمته، وليس فظًا ولا غليظًا عليهم، ولا جافٍ لهم.\n٢ - أنه - ﷺ - قد نهى أن يعذب أحد بالنار، كما جاء عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ) (^٧)، أي: بالنار.\nولكون الهم ليس فعلًا فإن الله تعالى لا يؤاخذ عليه، ففي الحديث القدسي في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: (قَالَ اللهُ - ﷿ - ... وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبْهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (^٨).\nوالله أعلم.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (١/ ١٣١).\n(^٢) صحيح مسلم (١/ ٤٥١).\n(^٣) سنن ابن ماجة (١/ ٢٥٩).\n(^٤) سنن أبي داود (١/ ١٥٠).\n(^٥) سنن الترمذي (١/ ٤٢٣).\n(^٦) سنن النسائي (٢/ ١٠٧).\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله (٤/ ٦١)، رقم (٣٠١٧).\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة (٨/ ١٠٣)، رقم (٦٤٩١)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب (١/ ١١٧)، رقم (١٢٨). وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس - ﵄ -.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الشبهة الأربعون</span>\nاتهام البخاري بالتدليس أحيانًا في الحديث بقوله: «عن فلان»\nيقول المشكك:\n«وعن التدليس بكتب الصحاح فحدث ولا حرج، فكيف ترضى بالبخاري وهو يقول: \"عن فلان\" ولا يسميه؟ فقد قالها:\n١ - بكتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.\n٢ - وقالها بكتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا.\n٣ - وقالها بكتاب المغازي، باب ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ﴾ [آل عمران:١٥٣].\n٤ - وقالها بكتاب تفسير القرآن، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].\n٥ - وقالها بكتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين.\n٦ - وقالها بكتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين.\nأليست كلمة فلان هذه تعني: \"مجهول\" يا أساتذة علم الحديث؟ ألا يعتبر ذلك تدليس (^١) أم إننا نحن الذين لم نفهم وأنتم المتخصصون أصحاب الحظوة والفهم؟\nوالعجيب أنك تجدهم إذا ما أظهرت لهم عوارًا بمتن أي حديث تجدهم يقولون بـ\"إن البخاري حقق السند ولم يحقق المتن\". بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية».\n_________\n(^١) كذا في المنشور، والصواب: تدليسًا.","vol":"1","page":202},{"text":"والجواب:\nأولًا: إن هذا المشكك للأسف لا يعرف الفرق بين: \"التدليس\" و\"المبهم\" و\"المجهول\".\nولا يعرف الفرق بين: \"الإبهام في السند\" و\"الإبهام في المتن\".\nوهذه إحدى الرزايا التي أصيبت بها الأمة، وأخبرنا عنها النبي - ﷺ -، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (^١).\nوجاء في إخباره - ﷺ - عن الفتن وأشراط الساعة من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَكْثُرَ الجَهْلُ) (^٢)، أي: الجهال. وما أكثر الجهل في كلام هذا المشكك! وهذا منه.\nثانيًا: التدليس إذا كان يقصد به المعنى الاصطلاحي عند علماء الحديث فليس معناه ما ذكره، وإن كان يقصد به المعنى اللغوي أو الفقهي وهو: \"كتمان عيب السلعة عن المشتري\" -أي: أن البخاري كتم عن الناس شيئًا من العلم في الأسانيد أو المتون فلم يظهرها لهم- فليس بصحيح. ولو كان في \"صحيح البخاري\" شيء من ذلك لبينه العلماء السابقون.\nولكونه لم يسبقه أحد إلى مثل هذا الاتهام فهذا يدل على أنه هو المدلس، لا البخاري الذي أجمعت الأمة على ثقته وإمامته وصحة كتابه.\nثالثًا: المجهول هو: من عرف اسمه لكن لم تعرف عينه أو صفته، بخلاف المبهم، فإنه: الذي لم يصرح باسمه في الحديث.\nفإن كان الإبهام في الإسناد فلا يقبل؛ لأنه أشد جهالة من المجهول، وإن كان في المتن فلا يضر، بلا خلاف بين العلماء؛ لأنه لا يترتب على معرفته كبير فائدة، وقد يكون من الأولى عدم معرفته؛ سترًا عليه، كما أمر الشرع.\nرابعًا: قوله: \"إن البخاري دلس في صحيحه فذكر فيه: عن فلان ولم يسمه\" لقد تتبعت أنا المواضع التي أشار إليها عن طريق البحث الإلكتروني والبحث العادي، ولم أجد أنه قال في الإسناد: \"عن فلان\" إلا في موضع واحد فقط في كتابه، وهو في: كتاب استتابة المرتدين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين، حديث رقم (٦٩٣٩)، فقد قال: «حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن فلان قال: (تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) (^٣)»، الحديث في قصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - وكتابه إلى المشركين يوم الفتح.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ٣٢)، رقم (١٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (٤/ ٢٠٥٨)، رقم (٢٦٧٣).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب يقل الرجال ويكثر النساء (٧/ ٣٧)، رقم (٥٢٣١).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب ما جاء في المتأولين (٩/ ١٨)، رقم (٦٩٣٩).","vol":"1","page":203},{"text":"وقد صرح البخاري باسمه في: كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا، حديث رقم (٣٩٨٣)، فقد قال: «حدثني إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي» (^١)، وساق الحديث.\nفارتفع بذلك ما يخشى من إبهام الراوي.\nوأما باقي المواضع فلم يرد في الإسناد فيها أي إبهام، وإنما وقع الإبهام لبعض الأسماء في المتن، ومن ذلك:\n١ - قول سعد بن أبي وقاص - ﵁ - للنبي - ﷺ -: (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ) (^٢)؟ أي: لمَ لم تعطه كما أعطيت غيره.\n٢ - قوله - ﷺ - في دعائه: (اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا) (^٣).\n٣ - قول أبي موسى الأشعري - ﵁ -: (قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي) (^٤)؟\nونحو ذلك.\nوهذا الإبهام لا يضر المتن شيئًا، كما يعلم ذلك أهل الصنعة.\nخامسًا: قوله عن البخاري: «بينما الحقيقة أنه لم يحقق متنًا ولا سندًا، لكن هناك من أرادوا له شهرة زائفة بلا موضوعية» كذب صريح، وإذا كان البخاري ليس من المحققين في الأسانيد والمتون فلا أعلم محققًا في الدنيا.\nثم أليس هذا القول هو التدليس بعينه؟! وهو خلاف الحق، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟\nوالله المستعان، وإليه المصير.\n_________\n(^١) صحيح البخاري (٥/ ٧٧).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل (١/ ١٤)، رقم (٢٧)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع (١/ ١٣٢)، رقم (١٥٠).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾\n[آل عمران:١٢٨] (٥/ ٩٩)، رقم (٤٠٦٩). عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (١/ ٣٠)، رقم (٩٢)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك (٤/ ١٨٣٤)، رقم (٢٣٦٠).","vol":"1","page":203},{"text":"وهنا انتهت الردود بحمد الله تعالى على هذا المشكك.\nوقد طالت كثيرًا؛ لأني رددت على جميع شبهاته التي أوردها في منشوره بالتفصيل.\nوبنهاية الرد عليها ينتهي الفصل الثاني بعون الله تعالى وتوفيقه.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>الفصل الثالث\nدحض مطاعن الأغبياء\nفي سنة سيد الأنبياء </span>(^١)\nويشتمل على:\nمقدمة.\nأولًا: حقائق مهمة متعلقة بالصحيحين وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة - ﵃ - وآل البيت.\nثانيًا: الرد على شبهات \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\".\n_________\n(^١) طُبع قديمًا مستقلًا بعنوان: \"دفاع عن الصحيحين\".","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>مقدمة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.\nوبعد:\n\nفقد اطلعتُ على رسالة كتبها بعض أدعياء العلم (^١) ينزِّه فيها -بزعمه- سيِّد الأنبياء - ﵊ - عن أقوال الأغبياء (^٢) -حسب قوله-، فتخرَّص فيها وخلَّط، وشرَّق وغرَّب، وما اهتدى إلى ضالته، ولا قدر أن يصل إلى غايته، وجلُّ ما عمله في رسالته هذه هو: التشكيك في سنة النبي - ﷺ - الصحيحة. وهيهات أن يتشكك فيها الموقنون، أو يتردد فيها العالِمون! وأما مَن هم دون ذلك فلا يحتاجون إلى هذا الكمِّ الهائل من الأدلة والأقوال لزرع الشك في قلوبهم، وإنما يكفيهم من ذلك حديث ضعيف أو رأي شاذ أو قول مطّرح ليتشبثوا به أو يستندوا إليه.\nولم يكن للباحث أن يسلك هذا المسلك التشكيكي من غير أدلة قاطعة ولا حجة واضحة؛ إذ ليس هذا من المنهج العلمي الصحيح، وليس كذلك من الغيرة الدينية، وليس هذا سوى الهوى والتعصُّب الأعمى. وهذا في الواقع هو مسلك الرافضة قديمًا وحديثًا، فإن من المعروف عنهم أنهم لا يعتمدون في الشرعيات إلا على ما نُقل لهم عن بعض أهل البيت - ﵈ -، ولا يقبلون أيَّ طريق آخر للنقل، ومن ثمَّ فإن جميع كتب السُّنَّة بما فيها الصحيحان كذب عندهم، لا يجوز الاعتماد عليها ولا الرواية منها ولا الرجوع إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>منهج النقد عند العلماء الذين نقدوا بعض أحاديث الصحيحين:</span>\nتكلَّم بعض الأئمة السابقين كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي على مجموعة من أحاديث الصحيحين، فلم يفحشا القول ولا أوغرا الصدور ولا هيَّجا النفوس ضدهما، كما فعله مؤلف هذه الرسالة، وإنما كان كلامهما موجهًا لنقد تلك المجموعة من الأحاديث فقط، مع اعترافهما أحيانًا أن الصواب في بعضها مع الشيخين.\nهذا إلى أنّ نقدهما لم يكن موجهًا للطعن في أصل الكتابين.\nوإضافة إلى ذلك فقد كان نقدهما مبنيًا على أسس علمية وقواعد حديثية يعرفها أهل هذا الشأن. ولذلك جاء كلامهما موضوعيًا بعيدًا عن الهوى والتعصُّب، فقبله من قبله وردَّه من ردَّه من العلماء.\n_________\n(^١) هو: عدنان الجُنيد. وهو يمني، من محافظة: تعز.\n(^٢) وهي بعنوان: \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\".","vol":"1","page":206},{"text":"وكان الأجدر بصاحب هذه الرسالة إذا كان دافعه لهذا هو النية الصحيحة -كما يقول- أن ينهج نهجهما ويسلك مسلكهما ويحذو حذوهما في ذلك، لكن الذي يقرأ رسالته يجد فيها شيئًا آخر ونهجًا مغايرًا، وكما قيل: \"كلُّ إناء بما فيه ينضح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>أهم المؤاخذات على رسالة \"تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في نقد أحاديث الصحيحين:</span>\nإليك أخي القارئ الكريم أهم المؤاخذات التي اشتملت عليها هذه الرسالة إجمالًا:\n١ - الحقد على علماء أهل السُّنَّة، ورميهم بالكذب والغباء والجهل والنَّصْب، أي: العداء لأهل البيت - ﵈ -.\n٢ - الغلو في النبي - ﷺ - وآل البيت - ﵈ -، وخاصة العلماء منهم.\n٣ - الجهل بعلم الحديث ورجاله، حيث تُرد الأحاديث الثابتة بالهوى بزعم أنها تخالف عصمة النبي - ﷺ -، أو أنها تخالف المروءة، ويُحكم على بعض الأحاديث بالضعف من غير ذكر مستند التضعيف.\n٤ - الاستدلال بالأحاديث الواهية والضعيفة، وترك الأحاديث الثابتة الصحيحة.\n٥ - التشكيك في الصحيحين، وأنهما ليسا أصح الكتب بعد كتاب الله - ﷿ -.\n٦ - التناقض الذي ظهر في الرسالة من حيث الاستدلال بالصحيحين، وهي موضوعة أصلًا للتشكيك فيهما.\n٧ - تفسير النصوص على خلاف ما فسرها به العلماء المتقدمون من غير دليل ولا برهان.\n٨ - الاتهام بالباطل للأمويين وأنصارهم بأنهم وراء وضع الأحاديث بقصد الحط من قدر النبي - ﷺ -.\nوغير ذلك من الأمور التي سأتعرض لها بالرد في حينه.\nوقبل البدء في الرد على ما جاء في هذه الرسالة أحب أن أبين بعض الحقائق المهمة في هذا الجانب.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>أولًا\nحقائق مهمة متعلقة بالصحيحين\nواعتقاد أهل السنة في الصحابة - ﵃ - وآل البيت</span>\nوفيه:\n- مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي.\n- عقيدة أهل السنة في الصحابة - ﵃ - وآل البيت.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>مكانة صحيحي البخاري ومسلم في التاريخ العلمي الإسلامي </span>(^١)\nلم يقع كتاب بعد القرآن الكريم في نفوس المسلمين كما وقع الصحيحان منهم، فقد أُريحوا من النظر في أسانيدهما؛ لأن رجالهما كما قال الإمام الذهبي: «قد قفزا القنطرة» (^٢).\nوأُريحوا من النظر في عللهما من حيث الاتصال والإرسال، والوقف والرفع، والشذوذ وعدمه، وغير ذلك؛ لأن الشيخين اشترطا ألا يخرجا إلا الحديث الصحيح الذي اتصل سنده، وكان كل من رواته موصوفًا بالضبط، وسلم من الشذوذ والعلة القادحة (^٣).\nوزاد البخاري فاشترط في اتصال السند: أن يكون كل واحد من الرواة قد لقي من حدَّث عنه ولو مرة واحدة. واكتفى مسلم في ذلك بالمعاصرة إذا أمكن اللقاء، كما هو مذهب الجمهور (^٤).\nثم إن من نظر في طريقة الشيخين في تأليفهما لصحيحيهما والمدة التي استغرقاها في ذلك تمحيصًا وتدقيقًا وعدد الأحاديث التي استخلصاها منها وإجماع العلماء على تلقي ما فيهما بالقبول سوى أحاديث يسيرة، إضافة إلى عوامل أخرى كـ: جلالة الشيخين، وتقدمهما على غيرهما في معرفة الصحيح يدرك حقيقة أهمية هذين الكتابين عند المسلمين، وعِظَم مكانتهما في نفوسهم.\nفقد استخرج البخاري صحيحه من ستمائة ألف حديث، كما روى عنه أبو علي الغساني وغيره (^٥)، واستخرج مسلم صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، كما رواه عنه الخطيب البغدادي (^٦). غير أن هذه العبارة كما يقول ابن الصلاح: «قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة والتابعين، وربما عد الحديث المروي بإسنادين حديثين» (^٧).\nوقد استغرق البخاري في تصنيف صحيحه ست عشرة سنة، وما أدخل فيه حديثًا إلا اغتسل وصلى ركعتين، واستخار الله في إدخالها فيه، فقد جاء عنه أنه قال: «صنفت الجامع من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله» (^٨).\n_________\n(^١) نشر هذا الموضوع في: جريدة الصحوة يوم الخميس (٣٠/ ٣/٢٠٠٠ م)، العدد (٧١٦)، (الحلقة الأولى). بنفس العنوان.\n(^٢) الموقظة في علم مصطلح الحديث للذهبي (ص:٨٠).\n(^٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٥)، وتوجيه النظر إلى أصول الأثر للسمعوني الجزائري (٢/ ٥٤٦).\n(^٤) انظر: تدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٥) قال أبو على الغساني: «رُوي عنه -يعني: البخاري- أنه قال: خرجت الصحيح من ستمائة ألف حديث». هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني (ص:٥)\n(^٦) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٥/ ١٢٢)، ترجمة: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، رقم الترجمة (٧٠٤١).\n(^٧) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٠ - ٢١).\n(^٨) هدي الساري لابن حجر (ص:٤٩٠).","vol":"1","page":209},{"text":"وقال أيضًا: «صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته» (^١).\nوقال تلميذه الفربري: «سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» (^٢).\nورُوي عن بعض الأئمة: أن البخاري صنف صحيحه ببخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة (^٣).\nوروى الحافظ ابن عدي عن جماعة من المشايخ أنهم قالوا: «دوَّن محمد بن إسماعيل البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي - ﷺ - ومنبره، وكان يصلي لكلِّ ترجمة ركعتين» (^٤).\nوليس بين هذه الأقوال بحمد الله تعارض، والجمع بينها كما قال ابن حجر: «إنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرّج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها. ويدل عليه قوله: \"إنه أقام فيه ست عشرة سنة\"؛ فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها» (^٥).\nثم قال عن رواية ابن عدي السابقة: «ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدم؛ لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة» (^٦).\nوقال البخاري: «ما أدخلت في هذا الكتاب -يعني: جامعه- إلا ما صحَّ، وتركت من الصحاح كي لا يطول الكتاب» (^٧).\n_________\n(^١) نفس المصدر السابق.\n(^٢) نفس المصدر السابق. وانظر أيضًا: نفس المصدر (ص:٥).\n(^٣) الحطة في ذكر الصحاح الستة للقنوجي (ص:١٧٨).\n(^٤) أسامي من روى عنهم البخاري لابن عدي (ص:٥١ - ٥٢).\n(^٥) هدي الساري لابن حجر (ص:٤٩٠). وقال القنوجي: «وكل هذا صحيح، ومعناه: أنه كان يصنف فيه كل بلد من هذه البلدان، فإنه بقي في تصنيفه ست عشرة سنة. قال الحاكم: قال أبو عمرو إسماعيل حدثنا أبو عبد الله محمد بن علي قال: سمعت البخاري يقول: أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي أصنف وأحج في كل سنة وأرجع من مكة إلى البصرة». الحطة في ذكر الصحاح الستة للقنوجي (ص:١٧٨ - ١٧٩).\n(^٦) هدي الساري لابن حجر (ص:٤٩٠).\n(^٧) أسامي من روى عنهم البخاري لابن عدي (ص:٦٢).","vol":"1","page":210},{"text":"وروى عنه الإسماعيلي أنه قال: «لم أخرج في هذا الكتاب إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر. قال الإسماعيلي: لأنه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة، ولذكر طريق كل واحد منهم إذا صحت، فيصير كتابًا كبيرًا جدًا» (^١).\nولما انتهى من تأليفه عرضه على بعض الأئمة في هذا الشأن؛ ليأخذ برأيهم فيه، إن كان ثمّ خطأ فيصلحه أو لحن فيقومه أو حديث ضعيف فيطرحه. وهذا هو دأب العقلاء العارفين أن يشاوروا أصحاب الاختصاص الناصحين؛ فإنه قلّ أن يحيد الصواب عنهم. قال أبو جعفر العقيلي: «لما ألَّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلَّا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة» (^٢).\nوأمَّا مسلم فقد مكث في تأليف صحيحه قريبًا من المدة التي استغرقها البخاري في تأليف صحيحه. ويدلُّ عليه: ما قاله أحمد بن سلمة: «كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة. قال: وهو اثنا عشر ألف حديث» (^٣). قال الذهبي معقبًا عليه: «يعني: بالمكرر، بحيث إنه إذا قال: \"حدّثنا قتيبة وأخبرنا ابن رمح\" يعدان حديثين، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة» (^٤).\nوقال مسلم: «ما وضعت شيئًا في كتابي هذا إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة» (^٥).\nوقال أيضًا: «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه» (^٦)، أي: وإن كان قد اختلف في صحة بعضه. وهذا جوابه كما قال النووي من وجهين: «أحدهما: أن مراده: أنه لم يضع فيه إلَّا ما وجد عنده فيه شروط الصحيح المجمع عليه وان لم يظهر اجتماعها في بعض الاحاديث عند بعضهم.\nوالثاني: أنه أراد: أنه لم يضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يرد: ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته. وهذا هو الظاهر من كلامه» (^٧).\nوقال مكي بن عبدان: «سمعت مسلمًا يقول: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة، فكل ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أن له علة وسببًا تركته، وكل ما قال: إنه صحيح ليس له علة فهو الذي أخرجت. ولو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند» (^٨).\n_________\n(^١) هدي الساري لابن حجر (ص:٥).\n(^٢) هدي الساري لابن حجر (ص:٥).\n(^٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/ ٥٦٦)، ترجمة: مسلم أبو الحسين ابن الحجاج بن مسلم القشيري، رقم الترجمة (٢١٧)، في الطبقة: الرابعة عشرة.\n(^٤) نفس المصدر السابق.\n(^٥) الحطة في ذكر الصحاح الستة للقنوجي (ص:١٩٨).\n(^٦) صحيح مسلم (٣ - ٤/ ٣٤٣).\n(^٧) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٦).\n(^٨) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٦٨)، ترجمة: مسلم أبو الحسين ابن الحجاج بن مسلم القشيري، رقم الترجمة (٢١٧)، في الطبقة: الرابعة عشرة.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>ثناء العلماء على الصحيحين وإجماعهم على صحتهما:</span>\nقال ابن الصلاح في معرض تقسيمه للصحيح: «هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيرًا: \"صحيح متفق عليه\". يطلقون ذلك ويعنون به: اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه؛ لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول.\nوهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به. خلافًا لقول من نفى ذلك؛ محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.\nوقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًا، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك.\nوهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها: القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن» (^١).\nوقال ابن تيمية عن الحديث الصحيح: «إنه يفيد العلم، ويُجزم بأنه صدق؛ لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه، والأمة لا تجتمع على ضلالة، فلو كان في نفس الأمر كذب لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل به. وهذا لا يجوز عليها.\nومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث، كجمهور أحاديث البخاري ومسلم، فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر النَّاس تبع لهم في معرفة الحديث. فإجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أو حرام أو واجب، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم، فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ؛ حيث قوله - ﷺ -: (لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ) (^٢)» (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٨ - ٢٩).\n(^٢) عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - عَلَى ضَلَالَةٍ). سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (٤/ ٤٦٦)، رقم (٢١٦٧)، والمستدرك للحاكم، كتاب العلم (١/ ٢٠١)، رقم (٣٩٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٢/ ٤٥٨)، رقم (٢١٦٧).\n(^٣) علم الحديث لابن تيمية (ص:١٤).","vol":"1","page":212},{"text":"وقال إمام الحرمين الجويني: «لو حلف انسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي - ﷺ - لما ألزمته الطلاق ولا حنثته؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتها» (^١).\nوقال النووي: «اتفق العلماء - ﵏ - على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز: الصحيحان -البخاري ومسلم-، وتلقتهما الأمة بالقبول» (^٢).\nولا يُفهم من هذا القول للنووي أنه يقارن الصحيحين بكتاب الله أو يجعلهما مثله، كما فهم ذلك صاحب الرسالة الذي سنرد عليه في هذا الفصل، وفهمه هذا هو فهم خاص به لم يسبقه إليه أحد من العلماء. فإن غاية ما في هذه العبارة: الجزم بصحة ما جاء في الكتابين إلى النبي - ﷺ - كالجزم بأن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله تعالى، وأنه لا يوجد كتاب بعد القرآن يُمكن أن يُستدل بما فيه كله غير هذين الكتابين.\nوما فهمه صاحب الرسالة من عبارة النووي فهم عجيب، إما أن يكون الحامل له: التعصُّب أو الجهل بالأساليب العربية، وأحدهما أسوأ من الآخر.\nعلى أن الإمام النووي قد سبقه إلى استخدام مثل هذه العبارة الإمام الشافعي، وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، حيث قال في موطأ الإمام مالك: «ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله أصح من \"موطأ مالك\"» (^٣).\nفهل أخطأ الإمام الشافعي هو الآخر في التعبير وسوَّى بين \"الموطأ\" وكتاب الله أو قارنه به؟\nوما هو جواب صاحب الرسالة على الإمام الشافعي، وهو الذي شهد له الأئمة بفصاحة لسانه وبلاغة بيانه ومتانة أسلوبه؟\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٤).\n(^٣) مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٥٠٧).\nوقال مثله عبد الرحمن بن مهدي، فقد جاء عنه أنه قال: «ما نعرف كتابًا في الإسلام بعد كتاب الله - ﷿ - أصح من موطأ مالك». المجروحين من المحدثين لابن حبان (ص:٤٢).","vol":"1","page":213},{"text":"وقال أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن: «ما في هذه الكتب أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري» (^١).\nوقال الإمام الذهبي عن كتاب الصحيح للإمام البخاري: «وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله تعالى» (^٢).\nوقال الحافظ عماد الدين ابن كثير: «وكتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك سائر أهل الإسلام» (^٣).\nوقال الحافظ أبو نصر الوايلي السجزي: «أجمع أهل العلم -الفقهاء وغيرهم- أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما رُوي عن النبي - ﷺ - قد صح عنه ورسول الله - ﷺ - قاله لا شك فيه أنه لا يحنث، والمرأة بحالها في حبالته» (^٤).\nوقال الحافظ أبو علي النيسابوري: «ما تحت أديم السماء أصح من كتاب\nمسلم بن الحجاج في علم الحديث» (^٥).\nووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، ورجح الجمهور \"صحيح البخاري\" عليه؛ لمعاني كثيرة، ذكرها النووي وغيره (^٦).\nوهذا الإجماع الذي نقلته عن العلماء على أحاديث الصحيحين يُستثنى منه الأحاديث التي انتقدت عليهما، وتبلغ مائتي حديث، كما ذكر ابن الصلاح وابن تيمية وغيرهما، وقد اتفقا منها على اثنين وثلاثين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين حديثًا، ومسلم بالباقي. ولا يعني ذلك أنها ليست بصحيحة كلها، فإن معظم هذه الأحاديث القول فيها قول الشيخين، والراجح فيها رأيهما، كما ذكر ذلك النووي وابن حجر، ولكن لأن الخلاف وقع من العلماء فيها فلم يحصل عليها الاتفاق كبقية أحاديث الكتابين.\n_________\n(^١) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢/ ٣٢٧)، ترجمة: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو عبد الله الجعفي البخاري، رقم الترجمة (٣٧٤).\n(^٢) تاريخ الإسلام للذهبي (٦/ ١٤٢)، ترجمة: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه، رقم الترجمة (٤٠٩).\n(^٣) البداية والنهاية لابن كثير (١١/ ٣٠).\n(^٤) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٦).\n(^٥) تاريخ بغداد (١٥/ ١٢٢)، ترجمة: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، رقم الترجمة (٧٠٤١).\n(^٦) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص:١٨ - ١٩)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٤).","vol":"1","page":214},{"text":"قال ابن حجر: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى، وهي ما ادعاه الإمام أبو عمر (^١) ابن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإن هذه المواضع متنازع في صحتها، فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب. وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله: \"إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره\" (^٢). وقال في مقدمة شرح مسلم له: \"ما أخذ عليهما -يعني: على البخاري ومسلم- وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه؛ لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول\" (^٣). انتهى». قال ابن حجر: «وهو احتراز حسن» (^٤).\n_________\n(^١) كذا في هدي الساري، والصواب: أبو عمرو.\n(^٢) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٩).\n(^٣) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط لابن الصلاح (ص:٨٧).\n(^٤) هدي الساري لابن حجر (ص:٣٤٤).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>عقيدة أهل السُّنَّة في الصحابة وآل البيت </span>(^١)\nوسأتكلم على هذا الموضوع في مسألتين، وهما:\nالمسألة الأولى: عقيدة أهل السنة في الصحابة - ﵃ -.\nالمسألة الثانية: عقيدة أهل السنة في آل البيت.\n_________\n(^١) نشر هذا الموضوع في: جريدة الصحوة يوم الخميس (٦/ ٤/٢٠٠٠ م)، العدد (٧١٧)، (الحلقة الثانية). بنفس العنوان.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المسألة الأولى\nعقيدة أهل السنة في الصحابة - ﵃ </span>-\nما كنت أريد أن أتحدث عن عقيدة أهل السُّنَّة في الصحابة - ﵃ -؛ لأنها معروفة للقاصي والداني، وهذه كتبهم تشهد عليهم بذلك، ومنها: \"لمعة الاعتقاد\" لموفق الدين ابن قدامة المقدسي، حيث قال فيها: «ومن السُّنَّة تولي أصحاب رسول الله - ﷺ - ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]» (^١).\n\nإلى أن قال: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين - ﵃ -» (^٢).\nغير أن ما قرأته في رسالة دعيّ العلم عن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - جعل شعري يقف وجلدي يقشعر، ومن ثم اضطرني إلى هذا الحديث عنهم -أي: الصحابة - ﵃ - عمومًا وعن معاوية - ﵁ - خصوصًا، حيث إن مثل هذا الكلام الذي ورد فيها لا يعهد مثله إلا عن الرافضة، فهم الذين أغاروا على أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولم يستثنوا منهم - ﵃ - إلا نفرًا قليلًا، وكفَّروا عامة المهاجرين والأنصار وأئمة الإسلام. وكلام صاحب الرسالة في معاوية - ﵁ - قريب من كلام الرافضة فيه وإن لم يصرح هو بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>كلام \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في معاوية بن أبي سفيان - ﵁ </span>-:\nاستمعوا إلى كلام صاحبها وهو يتحدث عن معاوية - ﵁ - وعن ابنه يزيد ومروان بن الحكم في رسالته في الصفحة الثالثة:\nيقول:\n«فإذا كان سيدنا رسول الله - ﷺ - على هذه الحالة كما يقول هؤلاء الأشقياء فلا لوم بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم ويزيد بن معاوية وكل الطغاة الذين فعلوا الموبقات واستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء».\nوالجواب:\nأولًا: أن معاوية - ﵁ - عنده حسب كلامه أحد الطغاة الذين ارتكبوا الكبائر -وهي الموبقات- واستحلوا ما حرم الله وقتلوا الأنفس البريئة. وما معنى ذلك عندي إلا أنه كافر؛ لأن من يستحل شيئًا حرَّمه الله فهو كافر عند العلماء جميعًا. وهو حاصل كلام الرافضة فيه.\n_________\n(^١) لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص:٣٩).\n(^٢) المصدر السابق (ص:٤٠).","vol":"1","page":217},{"text":"وهذا الكلام مرفوض جملة وتفصيلًا، فمعاوية - ﵁ - أحد أصحاب رسول الله - ﷺ - من مسلمة الفتح أو أسلم قبل ذلك بقليل، وقد قال الله تعالى في أصحاب نبيه - ﷺ - الذين أسلموا وأنفقوا قبل الفتح وبعده: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠].\nثانيًا: أنه - ﵁ - أحد كتبة الوحي بين يدي النبي - ﷺ -، ولم يكن - ﵊ - يعهد بذلك إلا لأمين، وولاه عمر بن الخطاب - ﵁ - على الشام بعد موت أخيه يزيد - ﵁ -، ولم يزل واليًا عليها حتى وفاة عمر - ﵁ -، ثم أقره عثمان - ﵁ - عليها مدة خلافته كلها، ثم استقل بالخلافة بعد مقتل علي - ﵁ - وتنازُل الحسن - ﵁ - له سنة إحدى وأربعين، وبايعه الصحابة - ﵃ -، فسُمي ذلك العام: \"عام الجماعة\".\nثالثًا: أنه - ﵁ - عند فريق من أهل السُّنَّة -كما تقدم- خال المؤمنين؛ لكون أخته أم حبيبة - ﵂ - إحدى أمهات المؤمنين.\nرابعًا: قال ابن تيمية عنه في مواضع من فتاويه: «إن إيمانه ثابت بالنقل المتواتر والإجماع، وإنه ممن حَسُن إسلامه، وإنه هو ومسلمة الفتح دخلوا في عموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦]. -أي: أنه من المؤمنين-.\nودخلوا في قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].\nوأنه لم يتهمه أحد بنفاق، ولو كان عمر بن الخطاب - ﵁ - يتخوف النفاق منه لم يوله، وأنه أول ملوك المسلمين وأفضلهم باتفاق العلماء، وكانت رعيته تشكر سيرته، وخلافته شابها الملك، ولكنه كان ملكًا ورحمة، وليس ذلك قادحًا فيها، وإن جميع علماء الصحابة والتابعين متفقون على أنه صادق على رسول الله - ﷺ - مأمون عليه في الرواية عنه» (^١).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٦/ ٥٦ - ٥٧).","vol":"1","page":218},{"text":"وسئل: «عمن يلعن معاوية فماذا يجب عليه؟\nفأجاب: «من لعن أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ونحوهما ومن هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة ونحوهما أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان وعلي بن أبي طالب وأبي بكر الصديق وعمر وعائشة أم المؤمنين وغير هؤلاء من أصحاب النبي - ﷺ - فإنه مستحق للعقوبة البليغة باتفاق أئمة الدين. وتنازع العلماء هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل؟ كما قد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (^١). واللعنة أعظم من السب، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ) (^٢).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) (٥/ ٨)، رقم (٣٦٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ - (٤/ ١٩٦٧)، رقم (٢٥٤٠). وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٨/ ٢٦)، رقم (٦١٠٥)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (١/ ١٠٤)، رقم (١١٠). عن ثابت بن الضحاك - ﵁ -.","vol":"1","page":219},{"text":"وأصحاب رسول الله - ﷺ - خيار المؤمنين. كما ثبت عنه أنه قال: (خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (^١).\nوكل من رأى رسول الله - ﷺ - مؤمنًا به فله من الصحبة بقدر ذلك» (^٢).\nفهل يجوز أن يُقال عنه - ﵁ - بعد هذا: إنه طاغية؟!\nخامسًا: بعد أن فتشت عن سبب رمي الرافضة لمعاوية - ﵁ - بذلك، وعن سبب لعنه وسبه وتكفيره لم أجد لهم سببًا أكبر إلا قتاله لعلي - ﵁ -. وهذا الأمر لم يجعل الله تعالى إلينا الحكم فيه، بل جعله إليه سبحانه، فهو الذي يفصل بين الخصماء يوم القيامة، وهو الذي يحاسب الناس يومئذ، فيعذِّب من يشاء ويغفر من يشاء. فلأي شيء ننجس ألسنتنا بسب أولئك الذين برأهم الله تعالى وطهّرهم وعدّلهم، و- ﵃ - ورضوا عنه، سواء منهم من أسلم قبل الفتح أو بعده؟\nثم إنه - ﷾ - لم يتعبدنا بالسب واللعن حتى لرءوس الطواغيت الذين عُلم كفرهم وموتهم على غير الإسلام، كفرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأبي لهب، فلم يأمرنا سبحانه بسبهم ولا لعنهم، وحتى إبليس الذي لعنه الله في كتابه وأمرنا أن نتخذه عدوًا لم يأمرنا بلعنه؛ وذلك لأن اللعن ليس من العبادات حتى يأمرنا الله به، بل قد نهانا الله أن نسب آلهة المشركين حتى لا يتخذوا ذلك ذريعة لسب الله - جل وعلا -، فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨].\nونبينا محمد - ﷺ - نهانا أن نسب الأموات أيًا كانوا، فعن عائشة - ﵂ - قالت: قال النبي - ﷺ -: (لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) (^٣).\nسادسًا: ما حصل بين معاوية وعلي - ﵄ - من الاقتتال هما فيه متأولان مجتهدان، فالمصيب منهما -وهو علي - ﵁ - له أجران، والمخطئ -وهو معاوية - ﵁ - له أجر، فعن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) (^٤).\n_________\n(^١) عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد (٣/ ١٧١)، رقم (٢٦٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٣)، رقم (٢٥٣٣).\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٥/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما يُنهى من سب الأموات (٢/ ١٠٤)، رقم (١٣٩٣).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٩/ ١٠٨)، رقم (٧٣٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٣/ ١٣٤٢)، رقم (١٧١٦).","vol":"1","page":219},{"text":"والله - ﷾ - سمى المتقاتلين: \"مؤمنين\"، أي: أنهم ليسوا بكفار ولا منافقين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩].\nوسمى النبي - ﷺ - طائفتي معاوية وعلي - ﵄ - المتقاتلتين: \"مسلمتين\"، فقال عن ابن بنته الحسن بن علي - ﵃ -: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (^١).\nفأصلح الله به بين شيعة علي وشيعة معاوية. قال ابن تيمية تعليقًا على هذا الحديث: «وبرأ -يعني: النبي - ﷺ - الفريقين من الكفر والنفاق، وأجاز الترحم على قتلى الطائفتين -أي: في صفين-، وأمثال ذلك من الأمور التي يُعرف بها اتفاق علي وغيره من الصحابة على أن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة» (^٢).\nوبين في مكان آخر عقيدة أهل السنة فيما حصل بينهم - ﵃ - فقال: «ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون.\nوهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله - ﷺ -: (أَنَّهُم خَيْرُ الْقُرُونِ) (^٣)، وأن \"المُدّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أُحُد ذهبًا ممن بعدهم\" (^٤).\nثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كُفِّرَ به عنه. فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور» (^٥).\nفاللهم ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠].\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي - ﵄ -: (ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) ... (٣/ ١٨٦)، رقم (٢٧٠٤). عن أبي بكرة - ﵁ -.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٥/ ٧١).\n(^٣) بهذا اللفظ: (خَيْرُ الْقُرُونِ) عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِمْ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، ثُمَّ الرَّابِعُ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِمْ شَيْئًا). حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني (٤/ ١٧٢)، ترجمة: زيد بن وهب. وقال أبو نعيم: «غريب».\nوقد سبق حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٤) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ). صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٥) العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص:١١٩ - ١٢١).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الثانية\nعقيدة أهل السنة في آل البيت</span>\nليس من المبالغة إذا قلت: إنه لا أحد من النَّاس أشد حبًا ولا إكرامًا ولا إجلالًا ولا موالاة لآل البيت من أهل السنة، ولكن بالطبع من غير إفراط ولا تفريط. وهذا من أصولهم المعلومة المدونة في كتبهم (^١).\nوذلك مراعاة وحفظًا لوصية رسول الله - ﷺ - فيهم، حيث قال - ﷺ - كما في حديث زيد بن أرقم - ﵁ -: (وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) (^٢).\nوقال أبو بكر الصديق - ﵁ -: (ارْقُبُوا مُحَمَّدًا - ﷺ - فِي أَهْلِ بَيْتِهِ) (^٣).\nوهم كذلك أبعد النَّاس عن أذيتهم أو التطاول عليهم أو احتقارهم؛ لأن من يؤذيهم لمنزلتهم وقربهم من النبي - ﷺ - فهو إنما يؤذي رسول الله - ﷺ -؛ لقوله - ﵊ - حينما جاء إليه عمه العباس - ﵁ - يشكو جفوة من بعض قريش لبني هاشم: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي؛ فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) (^٤).\nغير أن هذه الموالاة والمحبة إنما هي للمؤمنين الصالحين منهم، أمَّا الظلمة والفسقة والفجرة فقد تبرأ منهم - ﷺ - قبل غيره، وأعلن أنهم ليسوا له بأولياء، فعن عمرو بن العاص - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - جهارًا غير سر يقول: (أَلَا أن آلَ أَبِي -يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) (^٥). وبهذا جاء القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤].\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص:١١٨).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ - (٤/ ١٨٧٣)، رقم (٢٤٠٨).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ - ومنقبة فاطمة - ﵍ - بنت النبي - ﷺ - (٥/ ٢١)، رقم (٣٧١٣).\n(^٤) مسند أحمد (٢٩/ ٥٧)، رقم (١٧٥١٦)، وسنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب أبي الفضل عم النبي - ﷺ - وهو العباس بن عبد المطلب - ﵁ - (٥/ ٦٥٢)، رقم (٣٧٥٨). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (٢/ ١١٩٢)، رقم (٧٠٨٧). عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب تبل الرحم ببلالها (٨/ ٦)، رقم (٥٩٩٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم (١/ ١٩٧)، رقم (٢١٥). وزاد البخاري: (وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَاهَا)، يعني: أصلها بصلتها.","vol":"1","page":221},{"text":"ومع عِظَم هذه المكانة لآل البيت عند أهل السُّنَّة إلا إنهم لا يعتقدون أنهم خير النَّاس ولا أفضلهم مطلقًا؛ لأن الخيرية عند الله تعالى لا تكون إلا بالتقوى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ) (^١).\nويختص الصحابة منهم بفضائل لا تكاد تخفى على أحد.\nأمَّا نسبهم فلا يطالهم فيه ذو نسب، ولا يبزّهم فيه أحد، فعن واثلة بن الأسقع - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) (^٢).\nوكذلك لا يعتقدون فيهم العصمة؛ لأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمَّا من عداهم فإنهم يُصيبون ويُخطئون، ويُحسنون ويُسيئون؛ لقوله - ﷺ -: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (^٣).\nوأيضًا لا يعتقدون أنهم سفن النجاة، كما يقول صاحب الرسالة وغيره؛ إذ أن سفن النجاة في الحقيقة هم الأنبياء - ﵈ - والأعمال الصالحة فقط، أمَّا آل البيت فمنهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله، مثل غيرهم من البشر.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء:١٢٥] (٤/ ١٤٠)، رقم (٣٣٥٣)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف - ﵇ - (٤/ ١٨٤٦)، رقم (٢٣٧٨).\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (٤/ ١٧٨٢)، رقم (٢٢٧٦).\n(^٣) مسند أحمد (٢٠/ ٣٤٤)، رقم (١٣٠٤٩)، وسنن الدارمي، كتاب الرقاق، باب في التوبة (٣/ ١٧٩٣)، رقم (٢٧٦٩)، وسنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة (٢/ ١٤٢٠)، رقم (٤٢٥١)، وسنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب -ولم يذكر له عنوانًا- (٤/ ٦٥٩)، رقم (٢٤٩٩). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٣/ ٣٨٣)، رقم (٣٤٤٧).","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>كلام \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" في آل بيت النبي - ﷺ </span>-:\nيقول صاحبها فيها:\n«إنهم سفن النجاة».\nوالجواب:\nأولًا: صاحب الرسالة يشير بقوله: «إنهم سفن النجاة» إلى:\n١ - حديث أبي ذر الغفاري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ) (^١).\n٢ - حديث أبي سعد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَنْ دَخَلَ غُفِرَ لَهُ) (^٢).\nثانيًا: هذان الحديثان لا يثبتان عن النبي - ﷺ -، وبيان ذلك كالتالي:\n١ - الحديث الأول رواه الحاكم في \"المستدرك\" من طريق مفضّل بن صالح الكوفي إلى أبي ذر - ﵁ -، وصححه (^٣). وتعقبه الذهبي بقوله: «مفضّل: واه» (^٤).\nبل نقل الذهبي في ترجمته في \"ميزان الاعتدال\" عن البخاري وغيره قولهم: «منكر الحديث» (^٥).\n_________\n(^١) المعجم الأوسط للطبراني (٥/ ٣٥٥)، رقم (٥٥٣٦)، والمستدرك للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة هود (٢/ ٣٧٣)، رقم (٣٣١٢). وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني (ص:٧٥٨)، رقم (٥٢٤٧).\n(^٢) المعجم الأوسط للطبراني (٦/ ٨٥)، رقم (٥٨٧٠)، والمعجم الصغير له (٢/ ٨٤)، رقم (٨٢٥). وقال الهيثمي: «فيه جماعة لم أعرفهم». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٩/ ١٦٨)، رقم (١٤٩٨١).\n(^٣) قال الحاكم عقب روايته للحديث: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». المستدرك للحاكم (٢/ ٣٧٣)، رقم (٣٣١٢).\n(^٤) أخرجه الحاكم في مستدركه في موضعين، والتخريج السابق للموضع الأول منهما، وكذلك قول الحاكم فيه: \"على شرط مسلم\" قاله في الموضع الأول، وتعقبه الذهبي في هذا الموضع بقوله: «مفضل خرج له الترمذي فقط، ضعفوه». نفس المصدر السابق.\nوأما الموضع الثاني الذي ذكره فيه الحاكم ففي: كتاب معرفة الصحابة - ﵃ -، ومن مناقب أهل رسول الله - ﷺ - (٣/ ١٦٣)، رقم (٤٧٢٠). وسكت عنه في الموضع، وقال عنه الذهبي في هذا الموضع: «مفضل بن صالح واه».\n(^٥) ميزان الاعتدال للذهبي (٤/ ١٦٧)، ترجمة: مفضل بن صالح، رقم الترجمة (٨٧٢٨).","vol":"1","page":223},{"text":"وهذا الجرح عند البخاري يعني: أنه لا يحل الرواية عنه.\nثم أورد له الذهبي في مناكيره هذا الحديث، ونقل عن ابن عدي الحافظ أنه قال: «أنكر ما رأيت له -أي: لمفضل هذا- حديث الحسن بن علي، وسائره أرجو أن يكون مستقيمًا». وتعقبه الذهبي بقوله: «قلت: وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر» (^١).\n٢ - الحديث الثاني رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وهو في \"المعجم الكبير\" له أيضًا من أربع طرق (^٢). وكلها لا تخلو من متروك، وبيان ذلك كالتالي:\nأ- في الطريق الأولى والثالثة والرابعة: الحسن بن أبي جعفر، وهو متروك عند العلماء.\nإضافة إلى أنه في الطريق الأولى راوٍ ضعيف، وهو: علي بن زيد بن جدعان.\nب- في الطريق الثانية: عبد الله بن داهر الرازي، وهو متروك كذلك.\nوبهذا يتبيَّن: أن الحديث ضعيف جدًا، حتى قال ابن تيمية عنه: «فهذا لا يُعرف له إسناد لا صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يُعتمد عليها» (^٣).\nاللهم إنا نُشهِدُك أنا نُحب آل بيت نبيك الصالحين، ونُكرمهم ونُجلهم، ونُوالي كل من والاهم من المؤمنين، ونتبرأ من طريقة الروافض الغالين، وطريقة النواصب العادين.\n\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) نفس المصدر السابق.\n(^٢) وهذه الطرق الأربع في المعجم الكبير للطبراني كالتالي:\nالطريق الأول في: (٣/ ٤٥)، رقم (٢٦٣٦).\nالطريق الثاني في: (٣/ ٤٥)، رقم (٢٦٣٧).\nالطريق الثالث في: (٣/ ٤٦)، رقم (٢٦٣٨)\nالطريق الرابع في: (١٢/ ٣٤)، رقم (١٢٣٨٨).\n(^٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٧/ ٣٩٥). وانظر كذلك: مع الاثني عشرية في الأصول والفروع للدكتور/ علي السالوس (ص:١٩٨ - ٢٠٠).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>ثانيًا\nالرد على شبهات\n«رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء»</span>\nوفيه:\n- مقدمة.\n- توطئة: عصمة الأنبياء - ﵈ -.\n- الرد على الشبهات الواردة في «رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء».","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>مقدمة </span>(^١)\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.\nثم أما بعد:\nفقبل أن أشرع في بيان المؤاخذات التي اشتملت عليها هذه الرسالة بالتفصيل والرد عليها أحبُّ أن أبيِّن للقارئ الكريم رأي علماء الإسلام في بعض القضايا التي تعرضت لها هذه الرسالة إمَّا بالغلو وتجاوز الشرع والعقل فيها وإمَّا بالحط منها والتشكيك فيها وإمَّا بالكذب على أهل السُّنَّة والتحامل عليهم فيها.\n_________\n(^١) نشر هذا الموضوع \"من هنا إلى نهاية موضوع: عصمة الأنبياء - ﵈ -، مع مقدمة الفصل الثالث\" في: جريدة الصحوة يوم الخميس (٩/محرم/١٤٢١ هـ)، الموافق (١٣/ ٤/٢٠٠٠ م)، العدد (٧١٨)، (الحلقة الثالثة). بعنوان: \"دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء\".","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>توطئة\nعصمة الأنبياء - ﵈ </span>-\nلقد أبدى مؤلف الرسالة تفاعلًا كبيرًا مع عصمة الأنبياء - ﵈ - وهذا هو الواجب- إلا أنه تجاوز الشرع في ذلك، فلم يفرِّق في كلامه بين ما هو واجب أن يعصموا منه - ﵈ - وبين ما هو جائز عليهم، فراح ينفي عن نبينا - ﷺ - وعن غيره من الأنبياء - ﵈ - السهو والسحر والنسيان مطلقًا، وغير ذلك من الأمور التي أثبتها له أحد الأغبياء -بزعمه-، والتي لا تليق به - ﷺ -؛ لكونه معصومًا عن كلِّ ذلك -حسب قوله-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المراجع التي اعتمدتها \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\" لاتهام أهل السنة بالقول بعدم عصمة الأنبياء - ﵈ </span>-:\nلقد ألفيت صاحب الرسالة يردد في اتهامه لأهل السنة:\n١ - مقالة ابن المطهر الرافضي القديم في كتابه \"منهاج الكرامة في معرفة الإمامة\" الذي ردَّ عليه الإمام ابن تيمية بكتاب سَّماه: \"منهاج السنة النبوية\". فلقد اتهم هذا الرافضي أهل السُّنَّة بأنهم يقولون: «إن الأنبياء غير معصومين، بل قد يقع منهم الخطأ والزلل والفسوق والكذب والسهو، وغير ذلك» (^١).\n٢ - مقالة علي بن محمد بن القاسم الهادي التي ردَّ عليها تلميذه الإمام محمد بن إبراهيم الوزير بكتابين، هما: \"العواصم والقواصم\"، ومختصره \"الروض الباسم في الذبِّ عن سُنَّة أبي القاسم\"، وهي نفس مقالة ابن المطهر السابق.\nفقد ذكر ابن الوزير في \"العواصم والقواصم\" اتهام علي بن محمد بن القاسم الهادي المحدثين من أهل السنة بقوله: «إنهم يجيزون الكبائر على الأنبياء - ﵈ -» (^٢). ثم رد على اتهامه هذا (^٣).\nوذكره كذلك في \"الروض الباسم\" بقوله: «زعم صاحب الرسالة أن أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء - ﵈ -» (^٤). ثم رد على اتهامه هذا (^٥).\n_________\n(^١) منهاج الكرامة في معرفة الإمامة للحسن بن يوسف بن المطهر الحلي \" [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] \" (٤/ ٥). وانظر كذلك: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ١٢٦).\n(^٢) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير (٣/ ٢٣٣).\n(^٣) انظر رد ابن الوزير على هذه المقالة في: المصدر السابق (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٧).\n(^٤) الروض الباسم في الذبِّ عن سنة أبي القاسم لابن الوزير (١/ ٢٣٠).\n(^٥) انظر رد ابن الوزير على هذه المقالة في: المصدر السابق (١/ ٢٣٠ - ٢٤٤).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>كلام الجُنيد فيما يُنزَّه عنه الأنبياء - ﵈ </span>-:\nيقول في رسالته:\n«ولا يسري إليهم الخطأ والسهو والنسيان».\nوقال أيضًا: «يجب أن تعلم بأنه ﵌ معصومٌ عن الخطأ والنسيان والسحر والهذيان ووسوسة الشيطان».\nوقال أيضًا: «فهم - ﵈ - معصومون حتى من الغفلة».\nواتهم أهل السنة أنهم ينسبون ذلك إلى الأنبياء - ﵈ -.\nوالجواب:\nأولًا: أن هذا اتهام باطل لأهل السُّنَّة، فلم يقل أحد منهم إن الأنبياء - ﵈ - غير معصومين بإطلاق، بل قد أجمعوا جميعًا فيما يتعلق بهذا على عدة أمور، فقد أجمعوا على:\n١ - عصمتهم - ﵈ - من الكبائر.\n٢ - عصمتهم - ﵈ - من الصغائر التي تُزري بمناصبهم، كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما يُنَفّر عنهم مما يقال لها: \"صغائر الخسة\"، كسرقة لقمة والتطفيف بحبَّة.\n٣ - عصمتهم - ﵈ - من تعمُّد الكذب في الأحكام الشرعية؛ لدلالة المعجزة على صدقهم (^١).\n٤ - أنهم - ﵈ - معصومون فيما يبلِّغونه عن الله تعالى (^٢).\nوقال الإمام النووي: «اعلم أن النبي - ﷺ - معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أُمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصوما من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام، ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته» (^٣).\n_________\n(^١) المحصول للرازي (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٨)، وإرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٢) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٤٧٠ - ٤٧١). ونص كلام ابن تيمية في هذا: «فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى. وهذا هو مقصود الرسالة، فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره. وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ».\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٠).","vol":"1","page":228},{"text":"ثانيًا: وقع الخلاف بين أهل السُّنَّة في الصغائر التي لا تُزري بمنصب الأنبياء - ﵈ - وليست من الدناءات هل تقع منهم أو لا؟\nومنشأ الخلاف هو: ما حكاه الله تعالى عن بعض الأنبياء - ﵈ - مما ظاهره لنا أنه معصية، ومن ذلك:\n١ - قوله تعالى عن أبينا آدم - ﵇ -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢١].\n٢ - قوله تعالى عن يونس - ﵇ -: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء:٨٧].\n٣ - قوله تعالى عن إبراهيم - ﵇ -: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣].\nوقوله تعالى عنه - ﵇ -: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات:٨٩].\nومن ذهب إلى وقوع هذه الصغائر منهم - ﵈ - كابن جرير الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (^١) - قالوا: «لا بدَّ من تنبيههم عليه، إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم» (^٢).\nوكذلك نقل ابن تيمية: أن عامة الجمهور الذين يجوزون عليهم هذه الصغائر يقولون: «إنهم معصومون من الإقرار عليها» (^٣).\nوالحق: أنهم - ﵈ - معصومون عن الصغائر والكبائر جميعًا. وهو ما رجحه القاضي عياض (^٤) وأبو إسحاق الإسفراييني وابن فورك وابن حزم، وحكاه النووي عن المحققين (^٥). قال القاضي حسين: «وهو الصحيح من مذهب أصحابنا -يعني: الشافعية-، وما ورد من ذلك فيحمل على ترك الأولى» (^٦).\nوقال القاضي عياض: «لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تُزرى بفاعلها وتحطُّ منزلته وتسقط مروءته. واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم:\nفذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى: جواز وقوعها منهم. وحجتهم: ظواهر القرآن والأخبار.\n_________\n(^١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (٢/ ٣٢٨).\n(^٢) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٩٩).\n(^٣) قال ابن تيمية: «هم متفقون -يعني: أهل السنة- على أنهم -أي: الأنبياء - ﵈ - لا يقرون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم». منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ٤٧٢).\n(^٤) انظر كلامه في هذه المسألة في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٣٢٨ - ٣٣٤).\n(^٥) قال الإمام النووي: «واختلفوا في الصغائر -أي: في عصمة الأنبياء - ﵈ - منها-، فجوزها الأكثرون، ومنعها المحققون وقطعوا بالعصمة منها». روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (١٠/ ٢٠٥).\n(^٦) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ٩٩ - ١٠٠).","vol":"1","page":229},{"text":"وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلمين من أئمتنا إلى: عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، وأن منصب النبوة يجل عن مواقعها وعن مخالفة الله تعالى عمدًا. وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأولوها، وأن ما ذكر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو أو مِن إذن من الله تعالى في أشياء أشفقوا من المؤاخذة بها وأشياء منهم قبل النبوة. وهذا المذهب هو الحق» (^١).\nوجواب آخر ذكره الشوكاني، حيث قال: «فإن قلت: فما تقول فيما ورد في القرآن الكريم منسوبًا إلى جماعة من الأنبياء وأولهم أبونا آدم - ﵇ -، فإن الله يقول: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه:١٢١]؟ قلت: قد قدمنا وقوع الإجماع على امتناع الكبائر منهم بعد النبوة، فلا بد من تأويل ذلك بما يخرجه عن ظاهره بوجه من الوجوه.\nوهكذا يُحمل ما وقع من إبراهيم - ﵇ - من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وقوله في سارة: (إنها أخته) (^٢)، على ما يخرجه عن محض الكذب؛ لوقوع الإجماع على امتناعه منهم بعد النبوة.\nوهكذا في قوله - ﷾ - في يونس - ﵇ -: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، لا بد من تأويله بما يُخرجه عن ظاهره. وهكذا ما فعله أولاد يعقوب بأخيهم يوسف.\nوهكذا يُحمل ما ورد عن نبينا - ﷺ - أنه: (كان يستغفر الله في كل يوم، وأنه كان يتوب إليه في كل يوم) (^٣)، على أن المراد: رجوعه من حالة إلى أرفع منها» (^٤).\nفأنت ترى بعد إيراد أقوال أهل العلم في هذه المسألة: أن نسبة الخطأ الصغير غير المُزري بمنصب النبي إلى النبي - ﵇ - لا تعدُّ غباءً ولا جهلًا، كما يدَّعيه مؤلف الرسالة. وكيف يكون ذلك غباءً وقد دلَّت ظواهر القرآن والسُّنَّة الصحيحة عليه، كما سبق؟\nبل كيف يكون غباءً وقد قال به أئمة جهابذة لا نشكُّ في علمهم وإخلاصهم وفي معرفتهم بحقوق الأنبياء - ﵈ - وقدرهم وعلو مرتبتهم عند ربهم وكرامتهم عليه وما يجوز في حقهم وما لا يجوز؟\nبل الغباء حقيقة فيمن يرى ويسمع الحق ثم يمشي مكبًَّا على وجهه لا يلتفت إليه ولا يأخذ به، ويُلقي به وراءه ظِهريًا.\nثالثًا: أن النسيان الذي يطرأ على النبيّ - ﷺ - لا يقدح في عصمته؛ لأنه إنما ينسى - ﷺ - أولًا ليشرّع لأمته، وينسى ثانيًا لأنه من البشر، ومن خصائص البشر هؤلاء أنهم ينسون، وما سُمي ابن آدم إنسانًا إلا لكثرة نسيانه.\nوقد ثبت عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) (^٥).\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي (٣ - ٤/ ٥٢). وانظر كلام القاضي عياض في هذه المسألة في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٣٢٨ - ٣٣٤). وقد لخص النووي تلخيصًا حسنًا في شرحه لصحيح مسلم، وهو التلخيص المذكور.\n(^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ! مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي. ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ)، الحديث. صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه (٣/ ٨٠ - ٨١)، رقم (٢٢١٧)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﷺ - (٤/ ١٨٤٠)، رقم (٢٣٧١).\n(^٣) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً). صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة (٨/ ٦٧)، رقم (٦٣٠٧).\nوعن الأغر المزني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ). صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤/ ٢٠٧٥)، رقم (٢٧٠٢).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ). صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤/ ٢٠٧٥)، رقم (٢٧٠٢).\n(^٤) إرشاد الفحول للشوكاني (١/ ١٠٠ - ١٠١).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان (١/ ٨٩)، رقم (٤٠١)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (١/ ٤٠١)، رقم (٥٧٢).","vol":"1","page":230},{"text":"ثالثًا: أن النسيان الذي يطرأ على النبيّ - ﷺ - لا يقدح في عصمته؛ لأنه إنما ينسى - ﷺ - أولًا ليشرّع لأمته، وينسى ثانيًا لأنه من البشر، ومن خصائص البشر هؤلاء أنهم ينسون، وما سُمي ابن آدم إنسانًا إلا لكثرة نسيانه.\nوقد ثبت عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) (^١).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان (١/ ٨٩)، رقم (٤٠١)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (١/ ٤٠١)، رقم (٥٧٢).","vol":"1","page":231},{"text":"وثبت عنه - ﷺ - نسيانه في بعض المواضع، وقد جاء في ذلك:\n١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: (سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا، آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا) (^١).\n٢ - نسي - ﷺ - مرةً فصلى إحدى صلاتي العشي ركعتين، ولم يذكِّره بذلك إلَّا أصحابه - ﵃ -، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ مُحَمَّدٌ (^٢): وَأَكْثَرُ ظَنِّي العَصْرَ- رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - ﵄ -، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ. قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ) (^٣).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا (٦/ ١٩٤)، رقم (٥٠٣٨)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قول: نسيت آية كذا وجواز قول: أنسيتها (١/ ٥٤٣)، رقم (٧٨٨).\n(^٢) هو: محمد بن سيرين، أحد رجال سند الحديث.\n(^٣) صحيح البخاري، أبواب ما جاء في السهو، باب من يكبر في سجدتي السهو (٢/ ٦٨)، رقم (١٢٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له (١/ ٤٠٣)، رقم (٥٧٣).","vol":"1","page":231},{"text":"٣ - رأى - ﷺ - ليلة القدر في المنام ثم أُنسيها، فعن أبي سعد الخدري - ﵁ - قال: (اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا وَقَالَ: إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا -أَوْ نُسِّيتُهَا-) (^١) الحديث.\nقال الإسماعيلي: «النسيان من النبي - ﷺ - لشيء من القرآن يكون على قسمين:\nأحدهما: نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية. وعليه يدل قوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود في السهو: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ) (^٢).\nوالثاني: أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧].\nقال -يعني: الإسماعيلي-: فأما القسم الأول فعارض سريع الزوال؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر:٩].\nوأما الثاني فداخل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]. على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة» (^٣).\nإذًا: فمثل هذا النسيان وشبهه لا يمتنع وقوعه من الأنبياء - ﵈ -، كما وقع لكليم الله موسى مع عبد الله الخضر - ﵉ -، حيث نسي الشرط الذي اشترطه عليه ثلاث مرات، وهو أنه لا يسأله عن شيء يفعله حتى يكون هو الذي يبيِّنه له، غير أنه - ﵇ - كان في كلِّ مرة ينسى ذلك مما حمله على الاعتذار له بقوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ [الكهف:٧٣].\nلكن هذا النسيان لا يقع منهم - ﵈ - في أصل التبليغ؛ لما تقدم من نقل الإجماع على عصمتهم - ﵈ - فيما يبلغونه عن ربهم، فلا يحصل منهم فيه خطأ ولا جهل ولا نسيان. وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء، بل حُكي الإجماع عليه، وحكى القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، وخص الخلاف بالأفعال، وأن الأكثرين ذهبوا إلى الجواز (^٤).\nفهل أكثر أهل العلم أغبياء؟ حقًا إن هذا لهو الإفك المبين.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر (٣/ ٤٦)، رقم (٢٠١٦)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إِتْبَاعًا لرمضان (٢/ ٨٢٤)، رقم (١١٦٧).\n(^٢) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (٩/ ٨٦).\n(^٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (٢/ ٣٢٨).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>بيان جهل صاحب\n«رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء» في رسالته</span>\nلم يكن يخطر ببالي أن يتصدى شخص للردِّ على قضية ما وهو يجهلها تمامًا إلَّا حينما قرأتُ الرسالة المشار إليها، فقد وجدت أن مؤلفها لا صلة له بالحديث لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو جاهل بهذا العلم رواية ودراية، فهو لا يعرف معنى الشاذ ولا المتواتر عند العلماء، ولقد أزرى بنفسه وكشف عن جهله في رسالته هذه، وكان الأجدر به وقد أخذ على نفسه مسئولية الردّ على الأغبياء الأشقياء من الفقهاء والعلماء -كما يقول- أن يزاحمهم بركبتيه ويتعلَّم معهم أصول هذا العلم؛ حتى يكون ردُّه علميًا وجوابه سويًّا.\nغير أن هذا في ظني لم يحدث، ويدلُّ عليه:\n١ - أنه يطلق على الحديث الصحيح بشرطه عند العلماء: شاذًّا ومكذوبًا! فكيف يتأتَّى ذلك وهو لم يصحّ عندهم أصلًا إلَّا بعد أن ثبتت عدالة رواته وضبطهم واتصال سنده وانتفى عنه الشذوذ والعلة القادحة؟!\n٢ - أنه يردُّ الحديث الصحيح بالعقل والهوى؛ لكونه -حسب قوله- \"مخالفًا للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة\"!\n٣ - طامَّة الطامَّات: أنه يطلق على حديث الآحاد عند العلماء: متواترًا!\nفأين نجد في كتب أهل العلم بهذا الشأن: أن الشاذ والمكذوب هو الذي لا يقبله العقل؟\nوأين نجد في كتبهم: أن ما رواه شخص واحد يكون متواترًا؟\nألستم معي أن هذا جهل مركب باصطلاحات العلماء؟ أو لنقلْ: إنه التعصُّب الأعمى الذي جرَّه إلى ذلك.\nوقد وقفتُ على كلامه هذا وغيره مما لم أنقله عند إيراده لجملة من أحاديث الصحيحين في رسالته التي عنون لها بقوله: \"أحاديث شاذة ومردودة ومختلقة\". فهل هذا الذي ذكره عن هذه الأحاديث صحيح؟\nتعالوا بنا نتأمل وننظر:","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>الرد على الشبهات الواردة في\n«رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء»</span>\nوفيها ست شُبَه:\nالشبهة الأولى: أحاديث بول النبي - ﷺ - قائمًا منافية لعصمته.\nالشبهة الثانية: اتهام الصحابة باللغط لما هَمَّ النبي - ﷺ - أن يكتب لهم كتابًا في مرض موته.\nالشبهة الثالثة: حديث سحر النبي - ﷺ - منافٍ لعصمته.\nالشبهة الرابعة: إثبات الصوت لله - ﷿ - يقتضي التجسيم.\nالشبهة الخامسة: أحاديث طواف النبي - ﷺ - على نسائه وغيرها تصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولًا بالشهوات.\nالشبهة السادسة: حديث وفاة رسول الله - ﷺ - في حجر عائشة ينافي أحاديث موته في حجر علي.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>الشبهة الأولى\nأحاديث بول النبي - ﷺ - قائمًا منافية لعصمته</span>\nالحديث الأول الذي رده صاحب الرسالة: حديث: بول النبي - ﷺ - قائمًا.\nيقول صاحب الرسالة:\n«من هذه الروايات التي تتنافى مع آدابه السامية -يعني: النبي - ﷺ - وأخلاقه العالية: ما جاء عن حذيفة قال: (أَتَى النَّبِيُّ صلّى الله عليه (^١) وسلم سُبَاطَةَ (^٢) قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ (^٣) فَتَوَضَّأَ) (^٤)».\nأدلة صاحب الرسالة على رد وإنكار الحديث:\nاستدل بأدلة عقلية ونقلية:\n١ - الأدلة العقلية التي استدل بها على رد وإنكار الحديث:\nأ- قال: «هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة، فالحبيب الأعظم ﵌ مشرِّع لأمته في جميع أعماله وأفعاله، ونحن مأمورون بالاقتداء به، وحاشاه ﵌ أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام؛ لأنه عليه وآله الصلاة والسلام مُنزه عن كل ما يتنافى مع المروءة والأخلاق، كيف لا والملك الخلَّاق قال في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]».\nب- قال: «فلا شك أن الله - ﷾ - يطالبنا بتنزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد».\n٢ - الأدلة النقلية التي استدل بها على رد وإنكار الحديث:\nقال: «وقد جاء حشدٌ هائل من الأحاديث ناسفًا لهذه الرواية، مبينًا طرق الهداية، صادعًا بالقول الفصل والنهاية»، وذكر ستة أحاديث، سأذكرها عند الرد عليها.\n_________\n(^١) أضاف صاحب الرسالة هنا لفظة: وآله.\n(^٢) ذكر صاحب الرسالة حاشية على كلمة \"سباطة\"، ونص كلامه: «السُباطة -بمهملة مضمومة بعدها موحدة- هي: المزبلة والكناسة تُطرح بأفنية البيوت. القاموس المحيط للفيروزآبادي (١/ ٩٠٣). بتصرف».\n(^٣) سقطت هذه اللفظة من الحديث في كلام صاحب الرسالة.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب البول قائمًا وقاعدًا (١/ ٥٤ - ٥٥)، رقم (٢٢٤). وهو في صحيح مسلم برواية أخرى، ستأتي عند ذكر روايات الحديث في الصحيحين.","vol":"1","page":234},{"text":"والجواب:\nالرد على إنكار صاحب الرسالة للحديث:\nأولًا: حديث حذيفة - ﵁ - في أن النبي - ﷺ - بال قائمًا جاء فيه عدة روايات في الصحيحين، وهي:\n١ - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، باب البول قائمًا وقاعدًا، حديث رقم (٢٢٤)، فقد قال: «حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال: (أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ)» (^١).\n٢ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الوضوء أيضًا، باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط، حديث رقم (٢٢٥)، فقد قال: «حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة قال: (رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ)» (^٢).\n٣ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الوضوء أيضًا، باب البول عند سباطة قوم، حديث رقم (٢٢٦)، فقد قال: «حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة عن منصور عن أبي وائل قال: (كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ وَيَقُولُ: أن بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ! أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا)» (^٣).\n٤ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب المظالم والغصب، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم، حديث رقم (٢٤٧١)، فقد قال: «حدثنا سليمان بن حرب عن شعبة عن منصور» (^٤)، به.\n٥ - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٣)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا أبو خيثمة عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة قال: (كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: ادْنُهْ. فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ)» (^٥).\n٦ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الطهارة أيضًا، باب المسح على الخفين، حديث رقم (٢٧٣)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال: (كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ: إن بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَوَدِدْتُ أن صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ)» (^٦).\nوبهذا يتبين أن الحديث متفق عليه، وهو أعلى أنواع الصحيح وأرفعه عند العلماء قاطبة، قال العراقي في ألفيته:\n«وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ فَمُسْلِمٌ فَمَا\nشَرْطَهُمَا حَوَى فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي» (^٧)\n_________\n(^١) صحيح البخاري. وقد تقدم.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند صاحبه والتستر بالحائط (١/ ٥٥)، رقم (٢٢٥). وستأتي رواية صحيح مسلم مستقلة.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند سباطة قوم (١/ ٥٥)، رقم (٢٢٦). وستأتي رواية صحيح مسلم مستقلة.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب الوقوف والبول عند سباطة قوم (٣/ ١٣٥)، رقم (٢٤٧١).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (١/ ٢٢٨)، رقم (٢٧٣). وقد سبقت رواية صحيح البخاري للحديث.\n(^٦) نفس التخريج السابق.\n(^٧) التبصرة والتذكرة في علوم الحديث للعراقي \"المشهور بـ: ألفية العراقي\" (ص:٩٦).","vol":"1","page":235},{"text":"وهذا النوع -كما سبق- هو الذي تلقته الأمة بالقبول، كما نقله عنهم ابن الصلاح والنووي وابن تيمية، وغيرهم.\nثانيًا: إضافة إلى ما سبق: أن هذا الحديث بعينه لم يرد ضمن الأحاديث المنتقدة على الشيخين، لا من قِبَل الأئمة السابقين ولا اللاحقين، فهو حديث في نهاية الصحة، ولا غبار عليه لا في سنده ولا متنه، فرواته جميعًا من الأئمة الحفاظ المتقنين. وهذا يُعرَف بالرجوع إلى تراجمهم في كتب الرجال التي أجمعت على وصفهم بذلك، وكلُّ من له أدنى اهتمام بعلم الحديث ورجاله يعرف هذا.\nوكذلك ليس في إسناده ولا متنه أيُّ علة تقدح فيه.\nفقول صاحب الرسالة فيه إذًا: \"إنه شاذ ومختلق\" ليس له تفسير عندي إلَّا الجهل أو التعصُّب.\nومما يدلُّ على ذلك: أنه لم يعتمد في ردِّه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث على القواعد العلمية المعروفة عند المحدِّثين، والتي وُضعت لتمييز الحديث المقبول من غيره، وإنما اعتمد على العقل، ثم على بعض الأحاديث التي لا تقاوم حديث حذيفة - ﵁ -، إمَّا لضعفها وإمَّا لعدم معارضتها له.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>الرد على أدلة صاحب الرسالة التي رد وأنكر بها الحديث:</span>\nها أنا أورد استدلالاته الواهية، ثم أكرُّ عليها بالردِّ الشافي والوافي إن شاء الله تعالى في هذه النقاط التي أُفند فيها شبهته هذه، كالتالي:\nأولًا: استدل صاحب الرسالة على نفيه لبول النبي - ﷺ - قائمًا بأدلة عقلية. وسأذكر أدلته العقلية هذه التي أوردها وأرد عليها بعون الله، كالتالي:\n١ - قال: «هذا الحديث مردود لا يقبله العقل السليم، وهو مخالف للآداب السامية الرفيعة والأخلاق النبيلة المليحة»، إلخ.\nفيقال له: إنك بقولك هذا قد اتهمت بطريق غير مباشر جميع الأمة بما فيها أئمة الهدى ومصابيح الدُّجى من أمثال الأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة وغيرهم بأن عقولهم غير سليمة؛ لكونهم تلقوا هذا الحديث بالقبول وأخرجوه في كتبهم.\nأفلا يحق للمرء بعد هذا أن يمدَّ رجليه كما مدَّهما أبو حنيفة؟!\nثم يقال له:\n- متى كان العقل ميزانًا صحيحًا لقبول الشرع، فما وافقه قبله وما لم يوافقه لم يقبله؟\n- وما هي مواصفات العقل السليم عندك؟ ومن الذي وضعها؟ وعلى أيِّ أساس وُضعت؟ وأين نجدها؟\n- وهل عقول علماء الكفار هي الأخرى سليمة أو لا؟ وإذا كانت سليمة فقد يقال بأن ردّهم للشرع وعدم قبولهم له هو عين الصواب؛ لأن عقولهم هي التي أرشدتهم إلى ذلك، وإذا قيل بأنها ليست سليمة فيقال: فكيف استطاعوا إذًا أن يهتدوا إلى هذه الاختراعات العجيبة التي ملأت الدنيا بعقول ضعيفة وتفكير هزيل؟\nأفلستم معي بعد هذا أن سلامة العقل ليست ميزانًا صحيحًا للشرع؟\nوعلى قاعدة \"العقل السليم\" التي خرج بها علينا صاحب الرسالة يمكن أيضًا أن نرد قضايا كثيرة في الشرع؛ لأن العقل بمفرده لا يدركها ولا يقبلها، مثل:\n- أمور الغيب التي أخبر الله تعالى ورسوله - ﷺ - بها.\n- قصة الإسراء والمعراج في ليلة واحدة.\n- قطع يد السارق في ربع دينار، مع أن فيها نصف الدِّية لو أنها قطعت بغير حق.\n- رجم الزاني المحصن بالحجارة حتى الموت.","vol":"1","page":236},{"text":"وغير ذلك.\nفإن هذه القضايا وغيرها لم يقبلها المسلم بمجرد عرضها على العقل فقط، وإنما قبلها لكونه مؤمنًا، ومن صفة المؤمن: التسليم والانقياد لأمر الله وأمر رسوله - ﷺ -، ولو خالف ذلك عقله وهواه، وعلى ذلك دلت الكثير من آيات القرآن الكريم، ومنها:\nأ- قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء:٦٥].\nب- قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور:٥١].\n٢ - قال: «وحاشاه ﵌ أن يصدر منه هذا الفعل المستهجن عمله عند العرف العام»، يعني: البول من قيام.\nوقال: «فلا شك أن الله - ﷾ - يطالبنا بتنزيهه وتقديسه، وعدم قبول المطاعن فيه، ولذلك نحن وكل المسلمين مطالبون بطرح كل ما يتعارض مع عصمته أو ما يمسّ شخصه الكريم من قريب أو بعيد».\nفيقال له: إن القول: \"إن البول قائمًا يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة، وأنه من الأفعال المستهجنة عرفًا، وأنه يتعارض مع عصمته - ﷺ - \" ليس بصحيح، وكيف يكون صحيحًا وهو أمر مألوف عند العرب في الجاهلية والإسلام؟ ويدلُّ عليه:\nأ- قول حذيفة - ﵁ - في حديثه السابق: (فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ) (^١).\nب- عن عبد الرحمن ابن حسنة - ﵁ - قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ (^٢)، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) (^٣)، الحديث.\n_________\n(^١) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٢) قال السيوطي: «الدَّرَقَةِ -بفتح الدال والراء المهملتين والقاف-: الْحَجَفَةُ، والمراد بها: الترس إذا كان من جلود وليس فيه من خشب ولا عصب، وهو القصب الذي تعمل منه الأوتار. وذكر القزاز: أنها من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة». حاشية السيوطي على سنن النسائي \"مطبوع مع: سنن النسائي\" (١/ ٢٧).\n(^٣) مسند أحمد (٢٩/ ٢٩٣)، رقم (١٧٧٥٨)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب التشديد في البول (١/ ١٢٤)، رقم (٣٤٦)، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الاستبراء من البول (١/ ٦)، رقم (٢٢)، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، البول إلى السترة يستتر بها (١/ ٢٦)، رقم (٣٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح ابن ماجة للألباني (١/ ١٢٥)، رقم (٢٨١).","vol":"1","page":237},{"text":"فدلَّ هذا على: أن الرجال كانوا يبولون قيامًا، وإلا لما أنكروا على النبي - ﷺ - جلوسه.\nج- حكى الإمام ابن ماجة عن شيخه أحمد بن عبد الرحمن المخزومي أنه قال: «وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْبَوْلُ قَائِمًا، أَلَا تَرَاهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ يَقُولُ: (قَعَدَ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ)» (^١)؟\n٣ - لكون البول من قيام كان مألوفًا عند العرب فقد ثبت عن بعض الصحابة - ﵃ - أنهم بالوا قيامًا (^٢)، منهم:\nأ- عمر بن الخطاب - ﵁ - (^٣).\nب- علي بن أبي طالب - ﵁ - (^٤).\nج- زيد بن ثابت - ﵁ - (^٥).\nد- عبد الله بن عمر - ﵄ - (^٦).\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة (١/ ١١٢)، تحت رقم (٣٠٩).\n(^٢) قال ابن المنذر: «ثبت عن جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم بالوا قيامًا». الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لابن المنذر (١/ ٣٣٣).\nوقال الإمام الطحاوي: «وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه بال قائمًا». شرح معاني الآثار للطحاوي (٤/ ٢٦٨).\nوقال أيضًا: «فهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - قد كانوا يبولون قيامًا». نفس المصدر السابق.\n(^٣) عن زيد بن وهب قال: (رَأَيْتُ عُمَرَ بَالَ قَائِمًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٥)، رقم (١٣١٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الكراهة، باب البول قائمًا (٤/ ٢٦٨)، رقم (٦٨١٢). وقال الألباني عن سنده: «الإسناد صحيح». سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة للألباني \"المشهور بـ: السلسلة الضعيفة\" (٢/ ٣٣٩)، تحت رقم (٩٣٤).\n(^٤) عن أبي ظبيان قال: (رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا). مصنف عبد الرزاق، كتاب الطهارة، باب المسح على النعلين (١/ ٢٠١)، رقم (٧٨٣)، ومصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٥)، رقم (١٣١١)، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الكراهة، باب البول قائمًا (٤/ ٢٦٨)، رقم (٦٨١٣)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب المسح على الخفين، باب ما ورد في المسح على النعلين (١/ ٤٣١)، رقم (١٣٦٦). وقال الألباني عن سند الطحاوي والبيهقي: «إسنادهما صحيح على شرط الشيخين». تمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني (ص:١١٥).\n(^٥) عن قبيصة بن ذؤيب: (أَنَّهُ رَأَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَبُولُ قَائِمًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٥)، رقم (١٣١٢)، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الكراهة، باب البول قائمًا (٤/ ٢٦٨)، رقم (٦٨١٦). وقال في \"ما صح من آثار الصحابة في الفقه\" -لزكريا بن غلام قادر الباكستاني-: «صحيح». ما صح من آثار الصحابة في الفقه لزكريا بن غلام قادر الباكستاني (١/ ٤٥).\n(^٦) عن عبد الله الرومي قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَبُولُ قَائِمًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٥)، رقم (١٣١٣).\nوعن عبد الله بن دينار أنه قال: (رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَبُولُ قَائِمًا). موطأ مالك، وقوت الصلاة، باب ما جاء في البول قائمًا وغيره (٢/ ٨٨)، رقم (٢١٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الكراهة، باب البول قائمًا (٤/ ٢٦٨)، رقم (٦٨١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب الاستطابة، باب البول قاعدًا (١/ ١٦٥)، رقم (٤٩٤). وقال في \"ما صح من آثار الصحابة في الفقه\" -لزكريا بن غلام قادر الباكستاني-: «صحيح». ما صح من آثار الصحابة في الفقه لزكريا بن غلام قادر الباكستاني (١/ ٤٤).","vol":"1","page":238},{"text":"ه- سهل بن سعد - ﵁ - (^١).\nو- أنس بن مالك - ﵁ - (^٢).\nز- أبو هريرة - ﵁ - (^٣).\nح- سعد بن عبادة - ﵁ - (^٤).\n_________\n(^١) عن أبي حازم قال: (رَأَيْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَالَ وَهُوَ قَائِمٌ بَوْلَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ يَكَادُ يَسْبِقُهُ). مسند ابن أبي شيبة (١/ ٩٥)، رقم (١١٢). صحيح ابن خزيمة، كتاب الوضوء، باب الرخصة في البول قائمًا (١/ ٣٦)، رقم (٦٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٥٢)، رقم (٥٨١٧). وقال ابن حجر: «إسناده صحيح». المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني (٢/ ١٧٦)، رقم (٤٤).\nوقال أبو حازم عن سبب مسابقة سهل بن سعد - ﵁ - للبول بالقيام: أنه (َقَدْ كَانَ كَبُرَ، حَتَّى لَا يَكَادُ يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهُ). المعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٥٣)، رقم (٥٨٢٢).\n(^٢) عن سعد الأنصاري: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى الْمِهْرَاسَ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَوِ الصَّلاةِ، فَقُلْتُ: لَقَدْ فَعَلْتَ شَيْئًا يُكْرَهُ، بُلْتَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأْتَ وَمَسَحْتَ عَلَى خُفَّيْكَ ثُمَّ تَوَجَّهْتَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَوِ الصَّلاةِ، فَقَالَ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، تِسْعَ سِنِينَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). الأحاديث المختارة للضياء المقدسي (٦/ ١٤٤)، رقم (٢١٣٩). وقال الضياء المقدسي: «إسناده حسن».\n(^٣) عن عمران بن حدير قال: حدثني رجل من بني سعد من أخوال المحرر بن أبي هريرة قال: (رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بَالَ قَائِمًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٥)، رقم (١٣١٤). وقال البوصيري عن سنده: «إسناد ضعيف؛ لجهالة تابعيه». إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري (١/ ٢٧٧)، رقم (٤٤١).\n(^٤) عن ابن سيرين: (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ قَائِمًا). مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الطهارات، من رخص في البول قائمًا (١/ ١١٦)، رقم (١٣٢٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٦)، (٥٣٥٩). واللفظ لابن أبي شيبة، ولفظ الطبراني: (بَيْنَا سَعْدٌ يَبُولُ قَائِمًا إِذِ اتَّكَأَ فَمَاتَ). وقال الهيثمي: «ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (١/ ٢٠٦)، (١٠١٧).","vol":"1","page":239},{"text":"فهل هؤلاء الصحابة الأجلاء - ﵃ - كانوا يفعلون ما يخالف الآداب السامية والأخلاق النبيلة؟ حاشاهم وكلا.\nثانيًا: استدل صاحب الرسالة على إبطال حديث حذيفة - ﵁ - وردِّه بأدلة سمعية، وأورد ستة أحاديث قال عنها: \"إنها جاءت ناسفة له\"، يعني: لحديث حذيفة - ﵁ - في بول النبي - ﷺ - قائمًا.\nوأنا بعون الله أوردها حديثًا حديثًا، وأبيِّن ما فيها؛ ليتضح الحق لطالبه ويستنير الطريق لسالكه:\n١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (^١).\nوهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: ابن ماجة والترمذي والنسائي، كلهم من طريق المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن عائشة - ﵂ -.\nوهذا الحديث مختلف في صحته، فقد ضعَّفه الترمذي كما هو واضح من عبارته: هو «أحسن شيء في الباب وأصح». وضعَّفه كذلك العراقي والسيوطي وغير واحد من المتأخرين، كما نقله عنهم الألباني (^٢)؛ لأن في بعض طرقه شريك بن عبد الله القاضي، وهو سيء الحفظ عند أهل العلم، لكن تابعه سفيان الثوري عند أبي عوانة وغيره. ويكون الحديث بهذه الطريق صحيحًا، وهو ما جزم به النووي والذهبي وابن حجر، ورجحه الألباني أخيرًا (^٣).\nفحديثٌ بهذه الصورة ليس له إلا طريق واحد -هو طريق المقدام بن شريح- إضافة إلى وجود الاختلاف فيه -كما سبق- يقول عنه صاحب الرسالة: \"إنه متواتر\"! فهل المتواتر عند أهل العلم هو الذي يرويه شخص واحد أم إنه الذي يرويه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه؟ هذه إحدى طامَّاته.\nوطامة أخرى أشد منها تمس صحابيًا كبيرًا استأثره النبي - ﷺ - بمعرفة المنافقين، وأعلمه بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، كما في \"صحيح مسلم\" (^٤)، وهو حذيفة بن اليمان - ﵁ - صاحب سرِّ رسول الله - ﷺ -، وقال عنه ما يلي: «ومن حدَّث أنه بال قائمًا فقد جرَّحَتُهُ -أي: عائشة - ﵂ -، ولا يمكن للسيدة عائشة - ﵂ - أن ترمي غيرها بالكذب بأمرٍ لم تعلمه، فهي زوج الرسول وتعرف ما تقول».\n_________\n(^١) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ١١٢)، رقم (٣٠٧)، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ١٧)، رقم (١٢)، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، البول في البيت جالسًا (١/ ٢٦)، رقم (٢٩). وقال الترمذي: «حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح». وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ١١٥)، رقم (٢٥٢).\n(^٢) السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٣٩٢).\n(^٣) المصدر السابق (١/ ٣٩١ - ٣٩٣).\n(^٤) رواه مسلم في الفتن، باب إخبار النبي - ﷺ - فيما يكون إلى قيام الساعة، رقم (٧١٩١).","vol":"1","page":240},{"text":"وحاصل عبارته هذه: أن حذيفة - ﵁ - الذي روى عن النبي - ﷺ - أنه بال قائمًا مجروح؛ لكونه كذب في روايته لهذا الحديث. أفليس هذا هو الرفض بعينه يا قوم؟\nثم نقول له ولمن التبس عليه فهم الحديثين -أعني: حديث حذيفة وحديث عائشة - ﵄ - هذا-: إن الفقهاء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء عيهم السلام لم يلتبس عليهم فهمهما، وخلصوا بعد النظر إليهما بعين البصيرة والإنصاف إلى مسلكين:\nالمسلك الأول: القول بنسخ حديث حذيفة - ﵁ - من غير ردٍّ له ولا تكذيب، كما فعل صاحب الرسالة، وليته سلك هذا المسلك فأراح واستراح-. وقد مال إلى هذا أبو عوانة في مستخرجه وابن شاهين.\nالمسلك الثاني: مسلك التوفيق بين الحديثين. وهو الذي عليه الجمهور. قال ابن حجر: «والصواب: أنه غير منسوخ. والجواب عن حديث عائشة: أنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فلم تطّلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة. وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة. فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن» (^١).\n٢ - عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا عُمَرُ! لَا تَبُلْ قَائِمًا. فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ) (^٢).\nوهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: ابن ماجة والترمذي، وكذلك أخرجه البيهقي (^٣).\nوفي هذا الحديث راوٍ متفق على ضعفه، وهو: عبد الكريم بن أبي المخارق (^٤). ومع ذلك قال صاحب الرسالة عن هذا الحديث: \"إنه حديث متواتر\"! فيا للعجب!\nوإن تعجبوا فاعجبوا من حال دعيّ العلم هذا؛ فإنه يضعِّف ويصحِّح الأحاديث وفق هواه، لا على وفق قواعد المحدِّثين! فتراه يصحِّح الحديث الضعيف إذا كان متمشيًا مع منهجه وإن ضعَّفه أهل العلم جميعًا، ويضعِّف الحديث الصحيح وإن أطبق أهل العلم جميعًا على صحته! وفيما سبق من الأمثلة دلالة واضحة على ذلك. ومثل هذا الصنف من البشر يستحيل أن تصل معه إلى قناعة أو نقطة محددة؛ لأنه لا يحكمه منهج أصلًا، ولا يرضى أن يحتكم معك إلى منهج لا يوافق أصوله ومعتقده وهواه.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٩٤).\n(^٢) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ١١٢)، رقم (٣٠٨)، وسنن الترمذي، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ١٧)، تحت رقم (١٢). وقال الترمذي: «وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعَّفه أيوب السختياني وتكلَّم فيه». وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف سنن ابن ماجة للألباني (ص:٢٩)، رقم (٦٠).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب الاستطابة، باب البول قاعدًا (١/ ١٦٥)، رقم (٤٩٣).\n(^٤) قال عنه الترمذي: «هو ضعيف عند أهل الحديث». سنن الترمذي (١/ ١٧). وقال ابن عبد البر: «وعبد الكريم هذا ضعيف، لا يختلف أهل العلم بالحديث في ضعفه». التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٦٥).","vol":"1","page":242},{"text":"٣ - عن بريدة - ﵁ - أن رسول - ﷺ - قال: (ثَلاثٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا، أَوْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ صَلاتِهِ، أَوْ يَنْفُخَ فِي سُجُودِهِ) (^١).\nوهذا الحديث -كما بينت في تخريجه- أخرجه: البزار والطبراني.\nوهذا الحديث قال عنه الترمذي: «غير محفوظ» (^٢).\nوقال عنه البخاري: «هذا حديث منكر، يضطربون فيه» (^٣).\nوسبب الاضطراب فيه -كما ذكر الألباني-: أن اثنين من رواته -وهما: قتادة والجريري- روياه عن ابن بريدة عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا، وخالفهما سعيد بن عبيد الله الثقفي، فرواه عن ابن بريدة عن أبيه - ﵁ - مرفوعًا. والثقفي هذا فيه بعض الضعف، قال عنه الدارقطني: \"ليس بالقوي، يحدِّث بأحاديث يسندها وغيره يوقفها\". وأورده الذهبي في \"الميزان\" (^٤)، وقال الحافظ فيه: «صدوق ربما وهم» (^٥). فمثله لا يُحتمل ما خالف فيه غيره ممن هو أوثق منه وأكثر (^٦).\nومع كل هذا فقد قال عنه صاحب الرسالة عن هذا الحديث: \"إنه حديث متواتر\"! فاللهم سلِّم.\n٤ - قال صاحب الرسالة: «وفي \"الشفا\": (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَبُولَ (^٧) قَائِمًا)» (^٨). اهـ.\n_________\n(^١) مسند البزار (١٠/ ٣٠٥)، رقم (٤٤٢٤)، والمعجم الأوسط للطبراني (٦/ ١٢٩)، رقم (٥٩٩٨). وقال الهيثمي: «رجال البزار رجال الصحيح». مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٢/ ٨٣)، رقم (٢٤٥٤). وقال الألباني: «ضعيف». ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني (ص:٣٧٣)، رقم (٢٥٣٥).\n(^٢) سنن الترمذي (١/ ١٨)، تحت رقم (١٢).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٠٥). وهو في السنن الكبرى للبيهقي موقوفًا على عبد الله بن مسعود - ﵁ -، ولفظه فيها: «عن ابن مسعود - ﵁ - أنه كان يقول: (أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا)»، الحديث. السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الصلاة، أبواب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، باب لا يمسح وجهه من التراب في الصلاة حتى يسلم (٢/ ٤٠٥)، رقم (٣٥٥٢). وأخرجه في: سنن الترمذي تعليقًا، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ١٨)، تحت رقم (١٢). وقال الألباني عن حديث البيهقي: «صحيح موقوفًا». إرواء الغليل للألباني (١/ ٩٧)، تحت رقم (٥٩).\n(^٤) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ١٥٠)، ترجمة: سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي، رقم الترجمة (٣٢٣٤).\n(^٥) تقريب التهذيب لابن حجر (ص:٢٣٩).\n(^٦) إرواء الغليل للألباني (١/ ٩٨).\n(^٧) زاد في الرسالة: \"الرجل\".\n(^٨) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ١١٢)، رقم (٣٠٩). وقال الألباني: «ضعيف جدًا». ضعيف سنن ابن ماجة للألباني (ص:٢٩)، رقم (٦١). عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.","vol":"1","page":241},{"text":"وأقول: هذا الحديث ضعيف جدًا، أخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، وفي سنده: عدي بن الفضل التيمي، وهو متروك (^١).\n٥ - قال صاحب الرسالة: «وقد أورد الشوكاني في كتابه \"نيل الأوطار\" حديثًا ما (^٢) نصّه: \"وقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا) (^٣) \"».\nوأقول:\nأ- إن هذا الأثرٌ موقوفٌ على عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وقد صحَّ عنه، كما ذكرت في تخريجه.\nب- إنه ليس فيه حجة وإن كان صحيحًا؛ لكونه ليس من قول النبي - ﷺ -، والحجة إنما هي في كتاب الله وفي سُنَّة رسوله - ﷺ - الثابتة عنه.\n٦ - عن عبد الرحمن بن حسنة - ﵁ - قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: وَيْحَكَ! أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ) (^٤).\nوهذا الحديث قال عنه ابن حجر: «وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره» (^٥).\nوأقول:\nأ- ليس في الحديث دلالة على النهي عن البول قائمًا.\nب- إنه لا ينفي حديث حذيفة - ﵁ - في البول قائمًا، كما يدَّعي صاحب الرسالة. وإنما غاية ما فيه: حكاية فعله - ﷺ - في ذلك. والفعل لا يدلُّ على الوجوب ولا على تحريم ما سواه، كما يقول الأصوليون.\nوليس ثمَّة قول أبلغ من قول ابن حجر في هذا الباب: «ولم يثبت عن النبي - ﷺ - في النهي عنه شيء -أي: عن البول قائمًا-» (^٦). وقد قطعت جهيزة قول كل خطيب.\n_________\n(^١) تقريب التهذيب لابن حجر (ص:٣٨٨)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ١١٧).\n(^٢) كذا في الرسالة، ولعل الصواب حذفها.\n(^٣) نيل الأوطار للشوكاني (١/ ١١٦).\nوالأثر أخرجه في: سنن الترمذي تعليقًا والسنن الكبرى للبيهقي، وصحح الألباني حديث البيهقي. وقد تقدم.\n(^٤) مسند أحمد وسنن ابن ماجة وسنن أبي داود وسنن النسائي، وصححه الألباني. وقد تقدم.\n(^٥) فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٢٨).\n(^٦) المصدر السابق (١/ ٣٩٥).\nوقال النووي: «وقد رُوي في النهي عن البول قائما أحاديث لا تثبت». شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٦٦).","vol":"1","page":242},{"text":"ومما تقدم يتضح لنا: أن البول قائمًا ليس عملًا منكرًا ولا مستهجنًا، ولا مخالفًا للآداب والأخلاق النبيلة، بل هو أمر مألوف للعرب في جاهليتهم وإسلامهم.\nثالثًا: لما كان غالب أحوال النبي - ﷺ - البول قاعدًا (^١) مع إضافة حديث عائشة - ﵂ - السابق: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (^٢) إلى ذلك فقد حاول بعض الأئمة الأعلام تفسير بوله - ﷺ - قائمًا، والأسباب التي دعته - ﷺ - إلى ذلك، فذكروا أمورًا معقولة لا تنافي توقيره ومحبته وعصمته - ﷺ -، وليست مختلقة، كما يدَّعي صاحب الرسالة، وهي كذلك متوافقة مع بشريته - ﵊ -، ومما ذكروه في ذلك:\n١ - ما روي عن الإمامين الشافعي وأحمد: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. فلعله - ﷺ - كان به هذا الوجع.\n٢ - أنه كان به - ﷺ - علة في مأبضه -أي: باطن ركبته-، فلم يتمكن - ﷺ - لأجله من القعود. ورُوي في ذلك حديث لم يصح (^٣).\n٣ - ما ذكره الحافظ ابن حبان: \"من أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله\" (^٤).\n٤ - أنه - ﷺ - إنما بال قائمًا لأن السباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء.\n٥ - ومنها -وهو الأظهر والأصح-: أنه - ﷺ - بال قائمًا لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله - ﷺ - البول عن قعود (^٥).\nرابعًا: بقي أن أقول: إن تعظيم النبي - ﷺ - إلى حدٍّ يخرجه عن بشريته هو من الغلوّ المحرَّم والإطراء\n_________\n(^١) قال الخطابي: «والثابت عن رسول الله - ﷺ - والمعتاد من فعله البول قاعدًا». أعلام الحديث \"شرح صحيح البخاري\" للخطابي (١/ ٢٨٠).\n(^٢) سنن ابن ماجة وسنن الترمذي وسنن النسائي، وصححه الألباني. وقد تقدم.\n(^٣) وهو: عن أبي هريرة - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ). المستدرك للحاكم، كتاب الطهارة (١/ ٢٩٠)، رقم (٦٤٥)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب الاستطابة، باب البول قائمًا (١/ ١٦٤)، رقم (٤٨٩). وقال الألباني: «ضعيف». إرواء الغليل للألباني (١/ ٩٦)، رقم (٥٨).\n(^٤) قال ابن حبان: «عدم السبب في هذا الفعل هو: عدم الإمكان، وذاك: أن المصطفى - ﷺ - أتى السباطة -وهي المزبلة-، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له الإمكان؛ لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع عنه ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود لحاجة بال - ﷺ - قائمًا». صحيح ابن حبان (٤/ ٢٧٤).\nوقال الخطابي: «السبب في بوله قائمًا: أنه قد أعجله البول ولم يجد للقعود موضعًا؛ إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عاليًا». أعلام الحديث \"شرح صحيح البخاري\" للخطابي (١/ ٢٧٨).\n(^٥) شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":243},{"text":"المنهي عنه، فعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ) (^١).\nوما شنّع به صاحب الرسالة على من يقول: إنه - ﷺ - «بال قائمًا لأنها حالة يُؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار» هو من هذا القبيل؛ إذ كيف يُجيز عليه - ﷺ - البول والغائط وهما أشد ولا يجيز عليه خروج الريح؟! أليس هذا غلوًا؟\nولا يعني جواز ذلك عليه - ﷺ - أنه كان يفعله بحضرة الناس، فإن هذا مما عصمه الله منه، وهو غير لائق بأدنى البشر، فكيف به - ﷺ - وهو خير البشر؟ ولأجل هذا كان إذا أراد الحاجة انطلق حتى لا يراه أحد (^٢).\nوليتأمل هؤلاء الغالون في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]. ليعلموا بأنه - ﵊ - لم يخرج عن صفة البشرية التي فطر الله عليها الخلق، غير أن الله تعالى ميزه عنهم بالوحي، ثم عصمه بسبب ذلك من الوقوع في الإثم وسائر ما يُزري بمنصب النبوة.\nعلى أن هذه العصمة هي أمر خارجي، وليست من الصفات البشرية؛ لأن البشر جميعًا جُبِلُوا على الخير والشر، فمن نفى عن النبي - ﷺ - صفة من هذه الصفات الجبلّية التي لم يعصمه الله منها فقد أخرجه عن بشريته، وجاوز حدَّ الإطراء فيه.\nبصَّر الله الجميع بالحق، وهدانا إلى سواء السبيل.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم:١٦] (٤/ ١٦٧).\n(^٢) روى ذلك عنه - ﷺ - عدة صحابة - ﵃ - في عدة أحاديث، ومنهم:\n١ - عن عبد الرحمن بن أبي قُرَاد - ﵁ - قال: (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى الْخَلَاءِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ). مسند أحمد (٢٤/ ٤٢٨)، رقم (١٥٦٦٠)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب التباعد للبراز في الفضاء (١/ ١٢١)، رقم (٣٣٤)، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، الإبعاد عند إرادة الحاجة (١/ ١٧)، رقم (١٦). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ١٢٢)، رقم (٢٧١).\n٢ - عن جابر - ﵁ - قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَأْتِي الْبَرَازَ حَتَّى يَتَغَيَّبَ فَلَا يُرَى). سنن الدارمي، المقدمة، باب ما أكرم الله تعالى به نبيه - ﷺ - من إيمان الشجر به والبهائم والجن (١/ ١٦٧)، رقم (١٧)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب التباعد للبراز في الفضاء (١/ ١٢١)، رقم (٣٣٥)، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب التخلي عند قضاء الحاجة (١/ ١)، رقم (٢). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ١٢٢)، رقم (٢٧٢).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الشبهة الثانية\nاتهام الصحابة باللغط لما هَمَّ النبي - ﷺ - أن يكتب لهم كتابًا في مرض موته</span>\nالحديث الثاني الذي رده صاحب الرسالة: حديث: ما وقع من لغط بين الصحابة - ﵃ - لما أراد النبي - ﷺ - في مرض موته أن يكتب لهم كتابًا.\nيقول صاحب الرسالة:\n«جاء في رواية البخاري من كتاب المرض والطب: (أنه اجتمع عند رسول الله - ﷺ - رِجَالٌ -فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ-، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ -: هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ -يعني: يهذي ويتكلم بما لا يعي-، وَعِنْدَنَا الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فاختلف الحاضرون وَاخْتَصَمُوا، فأمرهم النبي بالانصراف) (^١).\nوفي رواية ثانية: أنهم بعد موقفهم المعارض لكتابة الكتاب قالوا له: (ألا نأتيك بالدواة والكتف يا رسول الله؟! فقال: لا، أبعد الذي قلتم؟ ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرًا).\nوفي رواية للبخاري -المجلد الثالث- باب مرض النبي - ﷺ - بسنده إلى سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول: (لقد اشتد الوجع برسول الله - ﷺ - يوم الخميس فقال: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ نِزَاعٌ-، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ -القائل هنا: عمر، كما أوضحتها الرواية الأولى-، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ: إِخْرَاج المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَنْ يَجِيزُوا الوُفْودَ التي كانت تأتيه بِمِثْلِ مَا كَانْ يُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ الراوي عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: نَسِيتُهَا) (^٢). على حدِّ تعبير البخاري». اهـ.\nثم خلص في آخر بحثه إلى رفض الحديث وعدم قبوله، قائلًا: «إن كتاب البخاري ليس قرآنًا منزَّلًا لا يمكن ردّه».\nوالجواب:\nالكلام على هذا الحديث من وجوه:\nأولًا: أن هذا الحديث في أعلى درجات الصحة وأرفعها عند العلماء جميعًا، فهو من الأحاديث المتفق عليها، حيث أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما في مواضع، منها:\n١ - أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب كتابة العلم، حديث رقم (١١٤)، فقد قال: «حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: (لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَعُهُ قَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ. قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَبَيْنَ كِتَابِهِ)» (^٣).\n٢ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، حديث رقم (٣١٦٨)،\n_________\n(^١) سيأتي لفظ الحديث بنصه وتخريجه.\n(^٢) سيأتي لفظ الحديث بنصه وتخريجه.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم (١/ ٣٤)، رقم (١١٤). وستأتي رواية صحيح مسلم مستقلة.","vol":"1","page":245},{"text":"فقد قال: «حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس - ﵄ - يقول: (يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! مَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، فَقَالُوا: مَا لَهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَقَالَ: ذَرُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ. فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ، إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ (^١»» (^٢).\n٣ - أخرجه البخاري أيضًا في كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، حديث رقم (٤٤٣١)، فقد قال: «حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: (يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعُهُ فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثٍ، قَالَ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ: فَنَسِيتُهَا)» (^٣).\n٤ - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد -واللفظ لسعيد- قالوا: حدثنا سفيان عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: (يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَجَعُهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي. فَتَنَازَعُوا -وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ-، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا)» (^٤).\n_________\n(^١) قوله: \"قال سفيان\" يقصد: سفيان بن عيينة، أحد رجال السند. وقوله: \"هذا من قول سليمان\" يعني: قوله في الحديث: (وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ، إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا). وسليمان هو: سليمان بن أبي مسلم الأحول، أحد رجال السند أيضًا.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب (٤/ ٩٩) رقم (٣١٦٨). وستأتي رواية صحيح مسلم مستقلة.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ٩) رقم (٤٤٣١). وستأتي رواية صحيح مسلم مستقلة.\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (٣/ ١٢٥٧ - ١٢٥٨) رقم (١٦٣٧). وقد سبقت رواية صحيح البخاري للحديث.","vol":"1","page":246},{"text":"٥ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الوصية أيضًا، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة بن مُصَرِّف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: (يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ -أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَهْجُرُ)» (^١).\n٦ - أخرجه مسلم أيضًا في كتاب الوصية أيضًا، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يُوصي فيه، حديث رقم (١٦٣٧)، فقد قال: «وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: (لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: قُومُوا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ)» (^٢).\nوبهذا يتبين أن الحديث صحيح ومتفق عليه.\n_________\n(^١) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب ورقم الحديث (٣/ ١٢٥٩). وقد سبقت رواية صحيح البخاري للحديث.\n(^٢) نفس المصدر السابق والكتاب والباب والجزء والصفحة ورقم الحديث. وهو أيضًا في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ٩ - ١٠) رقم (٤٤٣٢).","vol":"1","page":247},{"text":"ثانيًا: ويضاف إلى ذلك: أن هذا الحديث لم يذكره أحد ضمن الأحاديث المنتقدة على الشيخين، لا الدارقطني من قبل ولا أبو مسعود الدمشقي من بعد، ولا غيرهما ممن تكلم على أحاديثهما.\nثالثًا: قول صاحب الرسالة: إن النبي - ﷺ - قال لهم لما عادوا يسألونه: هل يأتونه بالدواة والكتف: «(ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرًا)» هذه اللفظة دسَّها -صاحب الرسالة- في الحديث، ولم ترد في أي طريق من طرقه، لا في الصحيحين ولا في غيرهما. وإني أتحداه أن يذكر مرجعًا معتمدًا من كتب السُّنَّة يبيِّن فيه اسم الكتاب والباب الذي وردت فيه هذه اللفظة. وهيهات هيهات له ذلك! اللهم إلا في نهج الكذب الذي هو أصح عندهم من \"صحيح البخاري\" فيُحتمل.\nولم أكن أتوقع من دعيّ العلم هذا أن يصل به الحال إلى أن يكذب على النبي - ﷺ -، وينسب إليه شيئًا لم يقله. أفلا يخشى هذا المتجرئ من توعّد النبي - ﷺ - من يفعل ذلك متعمدًا بالنَّار، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (^١).\nوفي لفظ: عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (^٢).\nوالحديث متفق عليه، وهو حديث متواتر، أي: أنه يفيد القطع بحرمة الكذب على النبي - ﷺ - عمدًا، وهذا ما حمل أبا محمد الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي على تكفير من يتعمَّد الكذب عليه - ﷺ - (^٣).\nولا يبعد عندي بعد أن قرأت الرسالة المذكورة أن يكون صاحبها متشبعًا بفكر الرافضة وإن لم يكن على خطِّهم تمامًا، فإنه يقول بالكثير مما يقولونه ويردده، مما يدلُّ على أنهم يردون موردًا واحدًا، ويصدرون عنه جميعًا.\n_________\n(^١) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم. وتقدم هناك قول النووي والألباني: إنه متواتر.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - (١/ ٣٣)، رقم (١٠٩).\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ٦٩).","vol":"1","page":248},{"text":"وإن من ينظر في حال الطوائف المنتسبة إلى الإسلام يجد الرافضة أشدهم ضررًا وأعظمهم كذبًا، وليس أدلّ على ذلك من استخدامهم للتقية دينًا، ولسبِّ الصحابة - ﵃ - وتكفيرهم شعارًا وعقيدة. قال الإمام ابن تيمية مؤكدًا على ذلك -وهو أخبر النَّاس بخبثهم ومكرهم-: «فهم أشد ضررًا على الدين وأهله، وأبعد عن شرائع الإسلام من الخوارج الحرورية، ولهذا كانوا أكذب فرق الأمة. فليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أكثر كذبًا ولا أكثر تصديقًا للكذب وتكذيبًا للصدق منهم، وسيما النفاق فيهم أظهر منه في سائر الناس» (^١)، إلى أن قال: «وكل من جرَّبهم يعرف اشتمالهم على هذه الخصال -أي: خصال النفاق-، ولهذا يستعملون التقية التي هي سيما المنافقين واليهود، ويستعملونها مع المسلمين، ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، ويحلفون ما قالوا وقد قالوا، ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾» (^٢).\nوصاحب الرسالة وإن كان قد رفض هذا الحديث ولم يقبله إلا أنه بإثباته لهذه اللفظة فيه يريد أن يبيِّن للنَّاس أنها هي الوصية الثالثة التي نسيها الراوي، وكأنه يلمح بهذا إلى أن الرواة بمن فيهم البخاري قد تمالئوا على حذفها. وعبارته التي ذكرها في آخر الحديث -وهي قوله: «على حدِّ تعبير البخاري» - تدلُّ على ذلك. وليس ما أراده صحيحًا، ولا ما ألمح إليه حقًا، فإن هذه الوصية قد نسيها الراوي فعلًا، وهو سليمان بن أبي مسلم الأحول، كما نصَّ على ذلك البخاري بعد سياقه للحديث (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٩).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) صحيح البخاري (٤/ ٩٩). وقد تقدم.","vol":"1","page":248},{"text":"ونصَّ عليه كذلك الحميدي في \"مسنده\"، حيث جاء في روايته للحديث: «قال سفيان: قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتُها أو سكت عنها» (^١).\nولما كانت مبهمة فقد اختلف العلماء في المراد بها، قال ابن حجر: «قال الداودي: \"الثالثة: الوصية بالقرآن. وبه جزم ابن التين\". وقال المهلب: \"بل هي تجهيز جيش أسامة\". وقوَّاه ابن بطال: بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر: (إن النبي - ﷺ - عهد بذلك عند موته) (^٢).\n_________\n(^١) مسند الحميدي (١/ ٤٥٨)، رقم (٥٣٦).\n(^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْلَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتُخْلِفَ مَا عُبِدَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قِيلَ لَهُ: مَهْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَجَّهَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا نَزَلَ بِذِي خَشَبٍ قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ! رُدَّ هَؤُلَاءِ، تُوَجِّهُ هَؤُلَاءِ إِلَى الرُّومِ وَقَدِ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْ جَرَتِ الْكلَابَ بأَرْجُلِ أَزوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا رَدَدْتُ جَيْشًا وَجَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَا حَلَلْتُ لِوَاءً عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَوَجَّهُ أُسَامَة)، الحديث. الاعتقاد للبيهقي، باب تنبيه رسول الله - ﷺ - على خلافة أبي بكر الصديق بعده وبيان ما في الكتاب من الدلالة على صحة إمامته وإمامة من بعده من الخلفاء الراشدين (ص:٣٤٥)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢/ ٦٠). وقال السيوطي: «سنده حسن». جمع الجوامع للسيوطي (١٤/ ٢٣٠)، رقم (٣٧٢).\nوعن عروة بن الزبير: (أَنّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ. فَقُبِضُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأُسَامَةُ بِالْجُرْفِ، فَكَتَبَ أُسَامَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَعْظَمُ الْحَدَثِ، وَمَا أَرَى الْعَرَبَ إِلا سَتَكْفُرُ، وَمَعِيَ وُجُوهُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَحدهُمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ نُقِيمَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَسْتَفْتِحَ بِشَيْءٍ أَوْلَى مِنْ إِنْفَاذِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَأَنْ تَخَطَّفَنِيَ الطَّيْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ). الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٥٠)، ترجمة: أسامة الحب بن زيد - ﵄ -، رقم الترجمة (٣٥٧)، وتاريخ خليفة بن خياط (ص:١٠٠)، وتاريخ الرسل والملوك للطبري \"المشهور بـ: تاريخ الطبري\" (٣/ ٢٢٥). وقال في \"صحيح وضعيف تاريخ الطبري\" -تحقيق وتخريج وتعليق: محمد بن طاهر البرزنجي- عن رواية الطبري: «إسناده ضعيف». صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد بن طاهر البرزنجي (٨/ ٢٦)، حاشية رقم (١). وقال أيضًا في نفس الصفحة عن سند رواية خليفة بن خياط: «إسناد مرسل». وقال عن رواية ابن سعد: «أخرجه ابن سعد مختصرًا (٤/ ٦٧، ٦٨) من روايتين مرسلتين عن عروة، وإسنادهما حسن إلى عروة». صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد بن طاهر البرزنجي (٨/ ٢٥)، حاشية رقم (١).\nوفي تاريخ خليفة بن خياط: «عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ، وَإِنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِتَفْرِيقِ النَّاسِ عَنْك شَيْئا، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي بَكْرٍ بِيَدِهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ السِّبَاعَ أَكَلَتْنِي بِهَذِهِ الْقرْيَة لأنقذت هَذَا الْبَعْثَ الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِإِنْفَاذِهِ». تاريخ خليفة بن خياط (ص:١٠٠ - ١٠١). وقال في \"صحيح وضعيف تاريخ الطبري\" -تحقيق وتخريج وتعليق: محمد بن طاهر البرزنجي-: «معضل». صحيح وضعيف تاريخ الطبري لمحمد بن طاهر البرزنجي (٨/ ٢٦).","vol":"1","page":249},{"text":"وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: (ولَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا) (^١)؛ فإنها ثبتت في \"الموطأ\" مقرونة بالأمر بإخراج اليهود» (^٢).\nثم قال ابن حجر بعد ذلك مباشرة: «يحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) (^٣)» (^٤).\n_________\n(^١) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا). بهذا اللفظ أخرجه في: مسند البزار (١٦/ ٤٨)، رقم (٩٠٨٧)، والتمهيد لابن عبد البر (٥/ ٤٣). وقال في \"أنيس الساري في تخريج وتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري\" -أبو حذيفة نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي-: «حسن». أنيس الساري في تخريج وتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري لأبي حذيفة نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي (١١/ ١٠٣٣)، رقم (٥٧١٧).\n(^٢) فتح الباري (٨/ ١٣٥). وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٤).\n(^٣) جاء في ذلك عدة روايات، منها: عن أنس - ﵁ - قال: (كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. حَتَّى جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُغَرْغِرُ بِهَا صَدْرُهُ، وَمَا يَكَادُ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ). مسند أحمد (١٩/ ٢٠٩)، رقم (١٢١٦٩)، وسنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب هل أوصى رسول الله - ﷺ - (٢/ ٩٠٠)، رقم (٢٦٩٧). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (٢/ ٣٦٣)، رقم (٢٢٠٠).\n(^٤) فتح الباري (٨/ ١٣٥). وانظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٤).","vol":"1","page":249},{"text":"رابعًا: قول عمر بن الخطاب - ﵁ -: (إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَلَبَهُ الوَجَعُ) ليس معناه: أنه صار يهذي ويتكلم بما لا يعي، كما فسَّره به صاحب الرسالة. فحاشاه - ﵁ - أن يصدر منه هذا المعنى في حق النبي المعصوم - ﵊ - الذي هو أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه (^١)، بل كيف يصدر منه وهو - ﵁ - المُحدَّث (^٢) -أي: الملهم (^٣) - العبقري الذي شهد له النبي - ﷺ - بالجنة (^٤)\n_________\n(^١) عن عبد الله بن هشام - ﵁ - قال: (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: الآنَ يَا عُمَرُ). صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ - (٨/ ١٢٩)،\nرقم (٦٦٣٢).\n(^٢) عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ). صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (٤/ ١٧٤)، رقم (٣٤٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٦٤)، رقم (٢٣٩٨). وهو في صحيح مسلم عن عائشة - ﵂ -.\n(^٣) جاء في نهاية الحديث في صحيح مسلم: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ -وهو أحد رجال سند الحديث-: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ). صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٦٤)، رقم (٢٣٩٨).\n(^٤) عن سعيد بن زيد - ﵁ - قال: (أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: عَشْرَةٌ فِي الْجَنَّةِ النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ)، الحديث. مسند أحمد (٣/ ١٧٤)، رقم (١٦٢٩)، وسنن ابن ماجة، المقدمة، فضائل العشرة - ﵃ - (١/ ٤٨)، رقم (١٣٣)، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الخلفاء (٤/ ٢١٢)، رقم (٤٦٤٩)، وسنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري - ﵁ - (٥/ ٦٤٨)، رقم (٣٧٤٨). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ٦٢)، رقم (١١٠).","vol":"1","page":250},{"text":"والعلم (^١)، والدِّين (^٢) والشهادة (^٣)، وفرار الشيطان منه (^٤)؟!\n_________\n(^١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: العِلْمَ). صحيح البخاري، كتاب العلم، باب فضل العلم (١/ ٢٨)، رقم (٨٢)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٥٩)، رقم (٢٣٩١).\n(^٢) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: الدِّينَ). صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الجنة في الأعمال (١/ ١٣ - ١٤)، رقم (٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٥٩)، رقم (٢٣٩٠).\n(^٣) عن أنس بن مالك - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَان). صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) (٥/ ٩)، رقم (٣٦٧٥).\n(^٤) عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - يعني: لعمر بن الخطاب - ﵁ -: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ). صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٤/ ١٢٦)، رقم (٣٢٩٤)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه (٤/ ١٨٦٣)، رقم (٢٣٩٦).","vol":"1","page":252},{"text":"ولكنه مرض القلب الذي أعمى صاحبنا عن الحق، فجعله يتخبط كالضال الذي لا يعرف أين وجهته. وإنما معنى كلامه - ﵁ - كما قال ابن حجر: إنه «يشق عليه إملاء الكتاب أو مباشرة الكتابة. وكأن عمر - ﵁ - فهم من ذلك أنه يقتضي التطويل» (^١).\nوقال الخطابي: «ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله - ﷺ -، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله - ﷺ - من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فتجد (^٢) المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين» (^٣).\nوقال النووي: «وأما كلام عمر - ﵁ - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره» (^٤).\nوقال أبو بكر البيهقي: «وإنما قصد عمر بن الخطاب - ﵁ - بما قال التخفيف على رسول الله - ﷺ - حين رآه قد غلب عليه الوجع» (^٥).\nخامسًا: ومع وقوف صاحب الرسالة على هذه المعاني الحقّة لكلام عمر - ﵁ - إلا أنه لم يتوقف عن كيل الاتهامات له، حيث أكد بأن قول القائلين: (مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ) هو القائل له؛ مستدلًا على ذلك بأن الرواية الأولى قد أوضحت ذلك (^٦). وليس هذا الاتهام بصحيح، ويعوزه الدليل الصريح. بل الأدلة تدل على خلاف ذلك، وهذه الأدلة هي:\n١ - صيغة الجمع في لفظة: (قَالُوا) تدلُّ على أن المتكلم بذلك أكثر من واحد. ولا يقل قائل: إنه قد يقصد بها التعظيم؛ لأن من يعرف الصحابة - ﵃ - وتواضعهم يعلم يقينًا أنهم أبعد النَّاس عن تعظيم أنفسهم.\n٢ - أن عمر - ﵁ - لم يكن في البيت وحده، بل كان معه رجال آخرون.\n٣ - أنه لم ينسب أحد من شراح الحديث هذا القول إليه - ﵁ -، بل جميعهم متفقون على إبهام القائل، وأنه غير عمر - ﵁ -.\nورجَّح ابن حجر أن «يكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام» (^٧).\nوالعجب من حال دعيّ العلم هذا تناقضه الشديد واضطرابه في الحكم على أحاديث الصحيحين! مما يؤكد وهن استدلالاته وخطأ مقولاته، فبينما نراه في هذا الحديث يؤكد على نسبة هذه الأقوال إلى عمر - ﵁ - مما يعني اعترافًا ضمنيًا منه بصحة الحديث إذا بنا نراه في آخر البحث يرفضه ولا يقبله، مدعيًا بأن كتاب البخاري ليس قرآنًا منزَّلًا لا يمكن ردّه. ولستُ\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٨).\n(^٢) كذا في شرح صحيح مسلم للنووي، ولعل الصواب: فيجد.\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩١). وانظر نص كلام الخطابي في: أعلام الحديث \"شرح صحيح البخاري\" للخطابي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٤) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٠).\n(^٥) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٨٤).\n(^٦) أي: قول عمر - ﵁ -: (إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا).\n(^٧) فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٣).","vol":"1","page":251},{"text":"أدري بعد قوله هذا كيف يسوغ له أن يستدل بشيء من أحاديثه، وهو بهذه المنزلة عنده؟!\nولا تتعجبوا؛ فإن هذا ما حدث فعلًا، فقد استدلَّ في رسالته في الصفحة الحادية والثلاثين على وجوب الاستجابة لأمر الرسول - ﷺ - بما أخرجه البخاري عن أبي سعيد بن المعلّى - ﵁ - قال: (مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]) (^١)، الحديث؟\nسادسًا: اتفق العلماء على: أنه - ﷺ - معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه، ومعصوم - ﷺ - كذلك من ترك بيان ما أُمر ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، كما أنه في المقابل ليس معصومًا - ﷺ - من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام، ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهّد من شريعته (^٢).\nوإذا اتضح هذا فليعلم أن قوله: (أَهَجَرَ)؟ -بفتحات- هو على الاستفهام. «وهو أصح من رواية من روى: (هَجَرَ) (^٣)، و(يَهْجُرُ) (^٤)؛ لأن هذا كله لا يصح منه - ﷺ -؛ لأن معنى (هَجَرَ): هذى. وإنما جاء هذا من قائله استفهامًا للإنكار على من قال: لا تكتبوا، أي: لا تتركوا أمر رسول الله - ﷺ -، وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه؛ لأنه - ﷺ - لا يهجر. وإن صحَّت الروايات الأخرى كانت خطًا من قائلها، قالها بغير تحقيق، بل لِمَا أصابه من الحيرة والدهشة؛ لعظيم ما شاهده من النبي - ﷺ - من هذه الحالة الدالة على وفاته وعظيم المصاب به، وخوف الفتن والضلال بعده، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع.\nوقول عمر - ﵁ -: (حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ) ردٌّ على من نازعه، لا على أمر النبي - ﷺ -. قاله القاضي عياض (^٥).\n_________\n(^١) بهذا اللفظ بنصه: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر:٨٧] (٦/ ٨١)، رقم (٤٧٠٣).\n(^٢) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٠). وقد تقدم نقل الإجماعات فيما عُصم الأنبياء - ﵈ - منه.\n(^٣) جاءت هذه اللفظة في الرواية عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الحَصْبَاءَ، فَقَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَتَنَازَعُوا -وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ. وَأَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ. وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ). صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم (٤/ ٦٩ - ٧٠)، رقم (٣٠٥٣).\n(^٤) جاءت هذه اللفظة في الرواية عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: (يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ -أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ- أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا. فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَهْجُرُ). صحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٥) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٢ - ٩٣). وانظر نص كلام القاضي عياض في: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (٥/ ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"1","page":252},{"text":"سابعًا: أن عمر وغيره من الصحابة - ﵃ - ممن امتنع عن إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم فيها النبي - ﷺ - لم يكونوا - ﵃ - عصاةً، كما صورهم صاحب الرسالة؛ لأن أمره هذا - ﵊ - لم يكن للوجوب، بل للندب. ويدلُّ عليه: أن طلبه - ﷺ - هذا منهم كان في يوم الخميس، وقد عاش - ﷺ - بعده إلى يوم الاثنين، ولم يثبت أنه - ﷺ - عاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركهم لاختلافهم؛ لأنه - ﵊ - لا يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وقد كان الصحابة - ﵃ - يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم، فإذا عزم امتثلوا (^١).\nوفَهْمُ الصحابة - ﵃ - أجمعين لأمره - ﷺ - هذا بأنه ليس للوجوب كفهمهم - ﵃ - لقوله - ﷺ - لهم: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) (^٢). حيث تخوف أناس من فوات الوقت فَصَلُّوا في الطريق، وتمسك آخرون بظاهر النص فلم يُصَلُّوا إلا بعد أن وصلوا، فلم يعنِّف - ﵊ - أحدًا من الفريقين (^٣).\nوقال البيهقي: «ولو كان ما يريد (^٤) النبي - ﷺ - أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه» (^٥). قال النووي: وهذا «كما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث» (^٦).\nثامنًا: اختلف العلماء في المراد بالكتاب الذي همَّ النبي - ﷺ - أن يكتبه لهم:\nفقيل: أراد - ﷺ - أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام؛ ليرتفع الاختلاف.\nوقيل: بل أراد - ﷺ - أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده؛ حتى لا يقع بينهم الاختلاف. قاله سفيان بن عيينة. ويؤيده: أنه - ﷺ - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة - ﵂ -: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ؛ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) (^٧). أخرجه مسلم. ومع ذلك لم يكتب.\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٩).\n(^٢) عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ - لنا لما رجع من الأحزاب: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، الحديث. صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٣/ ١٥)، رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (٣/ ١٣٩١)، رقم (١٧٧٠). وفي رواية مسلم: \"الظهر\" بدل \"العصر\".\n(^٣) تمام الحديث السابق: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ). صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٣/ ١٥)، رقم (٩٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (٣/ ١٣٩١)، رقم (١٧٧٠). واللفظ لمسلم.\n(^٤) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب: مراد.\n(^٥) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٨٤).\n(^٦) شرح صحيح مسلم للنووي (١١/ ٩٠).\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٤/ ١٨٥٧)، رقم (٢٣٨٧).","vol":"1","page":253},{"text":"قال ابن حجر: «والأول أظهر؛ لقول عمر: (كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا)، أي: كافينا، مع أنه يشمل الوجه الثاني؛ لأنه بعض أفراده» (^١).\nوبعد هذا التطواف بين أقوال العلماء في معنى هذا الحديث أحب أن أُقرّ عيون الغيورين على السُّنَّة بأن الطعن في أحاديث الصحيحين أو بعضها بهذه الطريقة السخيفة التي سلكها صاحب الرسالة لم يُعهد عن أحد من العلماء الرَّبانيين أبدًا، وإنما عُرف ذلك عن بعض الطوائف كالزنادقة والرافضة قديمًا (^٢) والمستشرقين والمستغربين حديثًا (^٣). وهذا مما يخفف الألم ويهوّن المصيبة؛ لأن دوافع هؤلاء معلومة لكل أحد، والناس لا يغترون بكلامهم ولا يلقون إليه بالًا؛ لِمَا ظهر لهم من سوء نياتهم وقبح أعمالهم.\nفالزنادقة ردُّوا السُّنَّة مطلقًا، ولم يكتفوا بذلك حتى أدخلوا عليها أحاديث ليست منها. قال حماد بن زيد البصري: «وضعت الزَّنَادِقَة على رَسُول الله - ﷺ - أَرْبَعَة عشر ألف حَدِيث» (^٤).\nوأمَّا الرافضة فقد تقدم أنهم لا يقبلون أي طريق للنقل إلا ما كان عن بعض أهل البيت، وعرَّفوا الحديث الصحيح بأنه: «ما اتصل سنده إلى المعصوم -أي: من الأئمة- بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة» (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١/ ٢٠٩).\n(^٢) قال الإمام السيوطي: «الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن». مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي. وقد تقدم.\n(^٣) دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور/ محمد مصطفى الأعظمي (١/ ٢٦ - ٢٧)، و(٢/ ٤٣٩)، وما بعدها. فمن المستشرقين: غولدتسيهر، وفنسك، والبرفسير شاخت، ومن المستغربين: أبو ريه، وأحمد أمين، وتوفيق صدقي، وإسماعيل أدهم.\n(^٤) الموضوعات لابن الجوزي (١/ ٣٨).\nوجاء عنه بلفظ: «وَضَعَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - اثْنَي عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ». الضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ١٥)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص:٤٣١). وقال في \"تحرير علوم الحديث\" -عبد الله بن يوسف الجديع-: «وإسناده صحيح». تحرير علوم الحديث عبد الله بن يوسف الجديع (٢/ ١٠٤٣)، حاشية رقم (١).\nقال ابن الأمير الصنعاني: «قلت: ومعرفة قدر عددها دليل على تتبع الحفاظ من الأئمة لها ومعرفتهم إياها». توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار لابن الأمير الصنعاني (٢/ ٥٥).\n(^٥) دراسات في علم الدراية لعلي أكبر غفاري \" [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] \" (ص:٢٩)، ومعجم مصطلحات الرجال والدراية، إصدار: مركز البحوث التابع لمؤسسة دار الحديث، تحت إشراف وتوجيه: محمد كاظم رحمان ستايش \" [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة] \" (٥/ ٢٧). وانظر: مع الاثني عشرية في الأصول والفروع للدكتور/ علي السالوس (ص:٧٠٦).","vol":"1","page":253},{"text":"وأمَّا المستشرقون -وهم علماء الكفار الذين اعتنوا بدراسة الإسلام- فلا يُستغرب ذلك منهم؛ لِمَا تنطوي عليه نفوسهم من الكفر والخبث وعدم إرادة الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥].\nولكن الذي يدعو للاستغراب في الحقيقة هو: ما صدر من أذنابهم المستغربين في بلاد الإسلام من تشكيك ورفض للسُّنَّة!\nومما قاله أحد هؤلاء الأذناب (^١): إن الأحاديث الموجودة حتى في الصحيحين «ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها، ويغلب عليها صفة الوضع» (^٢)!\nولسنا بحمد الله تعالى بعد كل هذا محتاجين أن نُخيّر من قِبَل صاحب الرسالة بين القول بصحة الحديث أو الجزم بمخالفة عمر - ﵁ - وعصيانه لأمر الرسول - ﷺ -، فالحديث صحيح صحيح، كما تقدم، وعمر - ﵁ - لم يعصِ ولم يخالف أمر نبيه - ﷺ -، كما قال العلماء.\nوالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n(^١) هو: إسماعيل أدهم. وهو أحد ملاحدة المسلمين في مصر، وقد أعلن إلحاده في كتيب له بعنوان: \"لماذا أنا ملحد\". وأصيب بالسل، فتعجل الموت، فأغرق نفسه بالاسكندرية منتحرًا، وقد عثر البوليس في معطفه على كتاب منه إلى رئيس النيابة يخبره بأنه انتحر؛ لزهده في الحياة وكراهيته لها، وأنه يوصي بعدم دفن جثته في مقبرة المسلمين، ويطلب إحراقها. انظر: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى بن حسني السباعي (ص:٢٣٧)، والأعلام للزركلي (١/ ٣١٠)، ترجمة: إسماعيل أدهم، وموسوعة ويكييديا \" [موسوعة إلكترونية] \"، عنوان المقال: إسماعيل أدهم.\n(^٢) قال ذلك في كتابه: مصادر التاريخ الإسلامي، وقد نشره في عام (١٣٥٣ هـ). انظر: وامحمداه إن شانئك هو الأبتر لسيد بن حسين العفاني (٢/ ٥٢٥). وقد قوبلت هذه الرسالة بنقمة الأوساط الإسلامية، حتى اضطرت الحكومة المصرية بناء على طلب مشيخة الأزهر إلى مصادرة الرسالة من الأيدي. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى بن حسني السباعي (ص:٢٣٧).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الشبهة الثالثة\nحديث سحر النبي - ﷺ - منافٍ لعصمته</span>\nالحديث الثالث الذي رده صاحب الرسالة: حديث: سحر النبي - ﷺ -.\nيقول صاحب الرسالة:\n«ورد في \"صحيح البخاري\" باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر؟: وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب: (بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) (^١).\nحدثني محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا هشام قال: حدثني أبي عن عائشة: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (^٢).\nوفي رواية للبخاري أيضًا بلفظ: (حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ) (^٣)». اهـ.\nثم ادَّعى هذا المتعصِّب الجاهل: أن هذا الحديث مُختلق مُوضوع على رسول الله - ﷺ -؛ لأن السحر -كما يقول-: \"عبارة عن تسليط أرواح شيطانية سفلية على المسحور حتى يتكلم بما لا يعي، ويفعل الشيء وهو لم يفعله\".\nثم قال: «وعلى هذا: فإنه لا يعقل أن النبي - ﷺ - كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. فأين العصمة إذًا؟ وكيف تتسلط عليه الأرواح الشيطانية وهو عين الحضرة الوحدانية، وهو دائمًا ذاكرًا لله في كلِّ ما يفعله»؟\nوالجواب:\nوأُجيب على هذه الدعاوى بما يلي:\nأولًا: أن هذا الذي ادعاه عن هذا الحديث جهل عظيم منه، وتعصُّب مقيت ناشئ عن مرض في القلب طمس على بصره وبصيرته، فأعماه عن رؤية الحق وسلوك طريق أهله. ولو كان ممن يتعاطى هذا العلم مع شيء من الإنصاف لعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المتفق على صحتها لدى الأمة، وذلك لاتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما، كما تقدم، ولخلوِّه أيضًا من أي نقد في سنده أو متنه من قبل أئمة هذا الشأن.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر (٤/ ١٠١)، بدون رقم.\n(^٢) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب والجزء والصفحة، رقم (٣١٧٥).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٤/ ١٢٢)، رقم (٣٢٦٨)، وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب السحر (٤/ ١٧٢٠)، رقم (٢١٨٩).","vol":"1","page":255},{"text":"ثانيًا: أن السحر ليس فقط كما يقول: \"عبارة عن تسليط أرواح شيطانية سفلية على المسحور\"، وإنما هو إضافة إلى ذلك:\n- منه ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده.\n- منه ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعم السحرة (^١).\nوذكر ابن القيم: أن السحر نوعان: نوع مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة، وآخر -وهو أشد ما يكون من السحر-: انفعال القوى الطبيعية عنها (^٢).\nوهذا النوع الأخير هو الذي أصيب به النبي - ﷺ -، فقد كان السحر متسلطًا على جسده وجوارحه الظاهرة فقط. قال القاضي عياض: «اعلم -وفقنا الله وإياك- أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وقد طعنت فيه الملحدة وتذرعت به؛ لِسُخْفِ عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع. وقد نزَّه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبْسًا، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا يُنكر ولا يقدح في نبوته.\nوأما ما ورد من أنه: (كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ) (^٣) فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا.\nوإنما هذا فيما يجوز طروّه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فُضِّلَ من أجلها، وهو فيها عُرضة للآفات كسائر البشر. فغير بعيد أن يُخَيَّلَ إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان» (^٤). إلى أن قال: «فقد استبان لك -من مضمون هذه الروايات (^٥) -: أن السحر إنما تَسَلَّطَ على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله» (^٦).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢٢٢).\n(^٢) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (٤/ ١٢٥).\n(^٣) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (٢/ ٤١١ - ٤١٢).\n(^٥) وهي الروايات التي ذكرها في قصة سحر النبي - ﷺ -.\n(^٦) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (٢/ ٤١٥).","vol":"1","page":256},{"text":"وقال المازري: «وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث من طريق ثابتة (^١)، وزعموا أنه يحطّ منصب النبوة ويشكك فيها، وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويز هذا يُعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، ولعله يتخيل إليه جبريل - ﵇ - وليس ثَمّ ما يراه، أو أنه أوحى إليه وما أوحي إليه. وهذا الذي قالوه باطل؛ وذلك أن الدليل قد قام على صدقه فيما يبلغه عن الله سبحانه وعلى عصمته فيه، والمعجزة شاهدة بصدقه. وتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان رسولًا مُفضّلًا من أجلها هو في كثير منه عُرضة لما يعترض البشر، فغير بعيد أن يُخَيَّلَ إليه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له» (^٢).\nثالثًا: ثبت في روايات هذا الحديث وغيره: أن الذي كان يُخَيَّلَ إلى النبي - ﷺ - أنه يفعله ولا يفعله هو: إتيانه للنساء، ومن تلك الروايات:\n١ - في \"صحيح البخاري\" في كتاب الطب باب هل يَسْتَخْرِجُ السحر (٥٧٦٥): عن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ. قَالَ سُفْيَانُ (^٣): وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا) (^٤).\n٢ - أخرج ابن سعد عن ابن عباس - ﵄ -: (مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأُخِّذَ عَنِ النِّسَاءِ وَعَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ) (^٥)، الحديث، وذكر فيه قصة سحره.\nوالمعتمد في هذا: إنما هو على رواية عائشة - ﵂ -؛ فإنها أصح. ولا مانع كذلك أن يحبس - ﵊ - عن الطعام والشراب؛ فإن السحر كان قد تسلَّط على جوارحه الظاهرة -كما تقدم- حتى أضعفه وأمرضه، فيكون ذلك بسبب هذا.\nوبهذا يتضح معنى قول عائشة - ﵂ - في الرواية الأخرى: (حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (^٦) أنه هو: إتيانه للنساء من عدمه. والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا كالآيات، والتفسير بالوارد خير أنواع التفاسير عند العلماء. قال العراقي في فصل \"غريب ألفاظ الحديث\" من ألفيته:\n«وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتَهُ بِالْوَارِدِ ... كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لاِبْنِ صَائِدِ» (^٧)\n_________\n(^١) يعني: بسبب آخر.\n(^٢) المعلم بفوائد مسلم للمازري (٣/ ١٥٩).\n(^٣) هو: سفيان بن عيينة أحد رجال سند الحديث.\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب هل يَستخرج السحر (٧/ ١٣٧)، رقم (٥٧٦٥).\n(^٥) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١٥٣). قلت: وسنده ضعيف جدًا.\n(^٦) صحيح البخاري. وقد تقدم.\n(^٧) ألفية العراقي (ص:١٦١).","vol":"1","page":257},{"text":"رابعًا: أن قول صاحب الرسالة عن النبي - ﷺ -: \"إنه عين الحضرة الوحدانية\" هو نفسه الحلول والاتحاد الذي كانت تقول به وتعتقده كثير من فرق الكفر والضلالة، كـ: غلاة الرافضة، والرزامية، والمقنَّعية، والحلمانية، والحلَّاجية، وغيرهم. فإن هؤلاء يزعمون أن روح الإله حلَّت في أشخاص سمّوهم، وقالوا: إن وجود المحدثات هو عين وجود الخالق، ليس غيره ولا سواه (^١).\nوكان الحلَّاج ومن بعده ابن عربي والتلمساني وابن الفارض وابن سبعين يلهجون بذلك كثيرًا، حتى قال ابن عربي:\n«العبد ربٌّ والرب عبدٌ ... يا ليت شعري من المكلَّف\nإن قلتَ عبدٌ فذاك ربٌّ ... أو قلتَ ربٌّ أنى يكلَّف» (^٢)\n\nومذهب هؤلاء لا يشك مسلم في كفره.\nوقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن عربي وكتابه \"فصوص الحكم\"، فأجاب بما يلي: \"ما تضمَّنه كتاب \"فصوص الحكم\" وما شاكله من الكلام فإنه كفر باطنًا وظاهرًا، وباطنه أقبح من ظاهره. وهذا يسمى: مذهب أهل الوحدة، وأهل الحلول، وأهل الاتحاد. وهم يسمون أنفسهم المحققين.\nوهؤلاء نوعان: نوع يقول بذلك مطلقًا، كما هو مذهب صاحب \"الفصوص\" ابن عربي وأمثاله -مثل: ابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، وأمثالهم- ممن يقول: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، وأن العارفين الذين يرون الحق في كل شيء، بل يرونه عين كل شيء\" (^٣). ثم ساق شيئًا من أقوالهم وأشعارهم في ذلك، ثم قال: «فأقوال هؤلاء ونحوها باطنها أعظم كفرًا وإلحادًا من ظاهرها ... ولهذا فإن كل من كان منهم أعرف بباطن المذهب وحقيقته كان أعظم كفرًا وفسقًا ... فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفرًا وإلحادًا.\nوأما النوع الثاني: فهو قول من يقول بالحلول والاتحاد في معيَّن، كالنصارى الذين قالوا بذلك في المسيح عيسى، والغالية الذين يقولون بذلك في علي بن أبي طالب وطائفة من أهل بيته» (^٤)، وذكر أمثلة أخرى لذلك، ثم قال: «فهذا كله كفر باطنًا وظاهرًا بإجماع كل مسلم. ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر، كمن يشك في كفر اليهود والنصارى والمشركين» (^٥).\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) الفَرق بين الفِرق وبيان الفرقة الناجية لعبد القاهر البغدادي (ص:٢٤١)، ومعجم ألفاظ العقيدة لأبي عبد الله عامر عبد الله فالح (ص:١٨ - ١٩).\n(^٢) عقيدة المسلمين للبليهي (٢/ ٤٨٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥). بتصرف.\n(^٤) المصدر السابق (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٧).\n(^٥) المصدر السابق (٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الشبهة الرابعة\nإثبات الصوت لله - ﷿ - يقتضي التجسيم</span>\nالحديث الرابع الذي رده صاحب الرسالة: حديث: نفي الصوت لله - ﷿ -.\nيقول صاحب الرسالة:\n«روى البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد معلقًا بصيغة التمريض -حيث قال-: ويُذكر عن جابر عن عبد الله بن أُنيس قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ .. أَنَا الدَّيَّانُ)» (^١).\nثم قال: «قال المحققون الأفاضل: هذا حديث ضعيف الإسناد، في سنده: عبد الله بن محمد بن عقيل، ضعيف جدًا، والقاسم بن عبد الواحد، وهو صاحب مناكير».\nوقال أيضًا: «ونجد أن المجسمة أثبتوا أن لله صوتًا من هذا الحديث، تعالى الله عما يقولون.\nأضف إلى ذلك: أن علماء أصول الحديث قالوا بأن المعلق إذا جاء بصيغة الجزم -كـ: قال، وذَكَر، وحَكَى- فهو حكم بصحته عن المضاف إليه. هذا عند بعض العلماء. أما إذا جاء بصيغة التمريض -كـ: قيل، وذُكر، وحُكي- فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه (^٢).\nمن هنا نعلم: أن هذا الحديث شاذ مردود. فكيف يقولون: إن كتاب البخاري كله صحيح؟ ونحن نقول: فيه المقبول وفيه المردود»؟ اهـ.\nوالجواب:\nأقول: لقد اشتمل كلامه هذا على جهل وكذب وتجهّم، وبيان ذلك والرد عليه أوجزه فيما يلي:\nأولًا: أن هذا الحديث ذكره البخاري في صحيحه معلقًا في موضعين:\nالموضع الأول: بصيغة الجزم. وقد ذكره في كتاب العلم في باب الخروج في طلب العلم (^٣).\nوالموضع الثاني: بصيغة التمريض. وذكره في كتاب التوحيد في باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ:٢٣].\n_________\n(^١) صحيح البخاري تعليقًا، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ:٢٣]، ولم يقل: \"ماذا خلق ربكم\" (٩/ ١٤١)، بدون رقم.\n(^٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٤ - ٢٥).\n(^٣) فقد قال البخاري: (وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ). صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم (١/ ٢٦)، بدون رقم.","vol":"1","page":259},{"text":"فاقتصار صاحب الرسالة على تخريج الموضع الثاني دون الإشارة إلى الموضع الأول يدلُّ على قصوره أو عدم أمانته.\nثم إن إيراد البخاري له في الموضع الثاني بصيغة التمريض لا يدلُّ على ضعفه عنده مطلقًا؛ لأن هذه الصيغة لا تدلُّ على ضعف الحديث المعلق باطراد، خاصة وأنه قد جزم به في الموضع الأول، وكذلك «فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يُؤنس به ويرُكن إليه»، كما قال ابن الصلاح (^١).\nوقد اعترض ابن حجر على ابن الصلاح في قوله: \"إن المعلق الذي يورده البخاري في صحيحه مما لم يكن في لفظه جزْم وحُكْم أنه ليس في شيء منه حكم من البخاري بصحة ذلك عمن ذكره عنه\" (^٢): \"بأن من هذه المعلقات مواضع يسيرة تلتحق بشرطه، ومنها «ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده، ومنه (^٣) ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر -أي: يتقوَّى-. وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف، وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يُبيِّن ضعفه ويصرِّح به حيث يورده في كتابه» \" (^٤).\nوإذًا: فاختيار صاحب الرسالة لقول ابن الصلاح -وإن لم يصرح به- في صيغة التمريض على إطلاقه غير صحيح؛ لأن ابن حجر أعرف بـ\"صحيح البخاري\" منه ومن غيره، وقد جاء حكمه هذا عن علم واستقراء، يشهد به كتابه الذي ألَّفه في معلقات البخاري، وسمّاه: \"تغليق التعليق\".\nوإذا قالت حذام فصدِّقوها ... فإن القول ما قالت حذام\n\nبل أبلغ منه. ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر:١٤].\nثانيًا: أن الحديث الذي حكم عليه الشيخان -البخاري ومسلم- بالصحة وتلقته الأمة عنهما بالقبول هو: ما روياه في أصول كتابيهما بالإسناد المتصل. فهذا هو الذي حكما بصحته بلا إشكال، دون ما ذكراه بغير إسناد متصل، سواء في الشواهد والمتابعات أو في غيرها. وقد نصَّ على ذلك ابن الصلاح وغيره من الأئمة (^٥).\nوعليه: فإن هذا الحديث المعلق ليس هو على شرط البخاري، وبالتالي فإنه لا يدخل في مسمّى الصحيح عند الأئمة.\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٥).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) كذا في النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر، ولعل الصواب: ومنها.\n(^٤) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (١/ ٣٢٦).\n(^٥) مقدمة ابن الصلاح (ص:٢٤).","vol":"1","page":260},{"text":"وأمَّا إدخال صاحب الرسالة له ضمن أحاديث الصحيح التي أخل فيها البخاري بشرطه ثم استنكاره على من يقول: \"إن كتاب البخاري كله صحيح\" فجهل ما بعده جهل، ورزيَّة يجل عنها كل رزيَّة. والموفق من وفَّقه الله.\nثالثًا: أن هذا الحديث بالإسناد الذي فيه عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف، كما قال صاحب الرسالة، ولكنْ له طرق أخرى يرتقي بها إلى درجة الحسن، منها:\n١ و٢ - أخرج الطبراني في \"مسند الشاميين\" وتمَّام في \"فوائده\" من طريق الحجاج بن دينار عن محمد المنكدر عن جابر بن عبد الله - ﵁ -، وساق الحديث بطوله، وفيه: (فَقَالَ -يعني: عبد الله بن أُنَيْس - ﵁ -: نَعَمْ يَا جَابِرُ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً بُهْمًا، يُنَادِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ فَظِيعٍ، يَسْمَعُ مَنْ بَعُدَ كَمَنْ قَرُبَ، فَيَقُولُ: أَنَا الدَّيَّانُ، لَا تَظَالُمَ الْيَوْمَ، وَعِزَّتِي لَا يُجَاوِزُنِي الْيَوْمَ ظُلْمُ ظَالِمٍ وَلَوْ لَطْمَةَ كَفٍّ بِكَفٍّ أَوْ يَدٍ عَلَى يَدٍ) (^١)، الحديث.\n٣ - أخرج الخطيب البغدادي في \"الرحلة في طلب الحديث\" من طريق أبي جارود العبسي -وقيل: العنسي- عن جابر - ﵁ -، بنحوه (^٢).\nفهذه الطرق الثلاث يقوِّي بعضها بعضًا.\nوعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ليس كما قال صاحب الرسالة: إنه «ضعيف جدًا». وإنما ضعفه يسير على الراجح من أقوال العلماء، وهو كما قال الترمذي فيه: «صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه» (^٣). قال: «وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني: البخاري- يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحُميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد -يعني: ابن إسماعيل البخاري-: وهو مقارب الحديث» (^٤).\nوقال عنه ابن حجر: «صدوق، في حديثه لين، ويقال: تغير بآخرة» (^٥).\n_________\n(^١) مسند الشاميين للطبراني (١/ ١٠٤)، رقم (١٥٦)، والفوائد لتمَّام \"المشهور بـ: فوائد تمَّام\" (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، رقم (٩٢٨). وقال ابن حجر: «إسناده صالح». فتح الباري لابن حجر (١/ ١٧٤).\n(^٢) الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، ذكر من رحل في حديث واحد من الصحابة الأكرمين - ﵃ - أجمعين (ص:١١٧)، رقم (٣٣). وقال ابن حجر: «في إسناده ضعف». فتح الباري لابن حجر (١/ ١٧٤).\n(^٣) سنن الترمذي (١/ ٨).\n(^٤) نفس المصدر السابق.\n(^٥) تقريب التهذيب لابن حجر (ص:٣٢١).","vol":"1","page":261},{"text":"وأما القاسم بن عبد الواحد فهو ابن أيمن المكي، قال أبو حاتم: «يُكتب حديثه، قلت (^١): يحتجُّ بحديثه؟ قال: يحتجُّ بحديث سفيان وشعبة» (^٢).\nوذكره ابن حبان في \"الثقات\" (^٣).\nوقال الذهبي: «وُثِّق». ثم ساق له حديثًا من مناكيره (^٤).\nوقال ابن حجر: «مقبول» (^٥).\nولأجل هذا فقد صحح الحديث الحاكم في مستدركه (^٦)، ووافقه الذهبي.\nوحسَّنه ابن القيم، حيث قال: «هذا حديث حسن جليل، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق حسن الحديث، وقد احتج به غير واحد من الأئمة، وتَكَلَّمَ فيه من قِبَلِ حفظه. وهذا الضرب ينتفي من حديثهم ما خالفوا فيه الثقات ورووا ما يخالف روايات الحفاظ وشذوا عنهم، وأما إذا روى أحدهم ما شواهده أكثر من أن تُحصر -مثل هذا الحديث- فلا ريب في قبول حديثه.\nأما (^٧) القاسم بن عبد الواحد بن أيمن المكي فحسن الحديث أيضًا، وقد احتج به النسائي مع تشدده في الرجال، وأن له فيهم شرطًا أشد من شرط مسلم، وحَسَّن الترمذي حديثه، وذكره ابن حبان في كتاب \"الثقات\"» (^٨).\nرابعًا: أن نبز أهل السُّنَّة والجماعة بالألقاب السيئة والألفاظ النابية ليس بضائرهم شيئًا، ولا يضر الرامي لهم بذلك إلا نفسه. ومن يتأمل في هذه الألقاب يجد أنها ليست وليدة اليوم، وإنما وُلدت يوم وُجدت فرق أهل الزيغ والضلالة من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم من المبتدعة. فهؤلاء ما فتئوا في إلصاق التهم بأهل السُّنَّة، ومن هذه التهم التي يصفونهم بها:\n١ - تارة يصفونهم بـ\"المجسّمة\"، كصاحب الرسالة، أي: أنهم يشبِّهون الخالق بالمخلوق، ويجعلونه جسمًا مثله.\n_________\n(^١) يعني: ابن أبي حاتم يسأل أبيه أبي حاتم.\n(^٢) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/ ١١٤).\n(^٣) الثقات لابن حبان (٧/ ٣٣٧).\n(^٤) ميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ٣٧٥)، ترجمة: القاسم بن عبد الواحد، رقم الترجمة (٦٨٢٣).\n(^٥) تقريب التهذيب لابن حجر (ص:٤٥٠).\n(^٦) ذكره الحاكم في مستدركه في موضعين، وقال عنه في الموضع الأول: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». المستدرك للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة حم المؤمن (٢/ ٢٤٥)، رقم (٣٦٣٨).\nوقال عنه في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». المستدرك للحاكم، كتاب الأهوال (٤/ ٦١٨).\nووافقه الذهبي، فقال في كلا الموضعين: «صحيح».\n(^٧) كذا في مختصر الصواعق المرسلة، ولعل الصواب: وأما.\n(^٨) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم للبعلي (ص:٤٨٩ - ٤٩٠).","vol":"1","page":262},{"text":"٢ - وتارة يصفونهم بـ\"الحشوية\"، أي: أنهم يقولون بوجود الحشو في كلام المعصوم.\nوكل هذا من الافتراءات والأكاذيب عليهم، فإنهم بحمد لله ليسوا بمجسِّمة ولا حشوية ولا مُعطّلة، بل هم وسط في باب الأسماء والصفات بين هذه الفرق كلها، حيث يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وما أثبته له رسوله - ﷺ - في سنته الصحيحة من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل، على حدِّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى:١١].\nومن هذه الصفات التي أثبتوها له - جل وعلا - على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه بالمخلوق: صفة الصوت. ومن أقوالهم في ذلك:\n١ - قال عبد الله ابن الإمام أحمد: «سألت أبي - ﵀ - عن قوم يقولون: لما كلم الله - ﷿ - موسى لم يتكلم بصوت، فقال أبي: «بَلَى إِنَّ رَبَّكَ - ﷿ - تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ. هَذِهِ الْأَحَادِيثُ نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَتْ». وقال أبي - ﵀ -: «حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -: (إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ - ﷿ - سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ) (^١)»» (^٢).\n٢ - قال الإمام ابن تيمية: «والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته؛ فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نصَّ أئمة الإسلام -أحمد ومن قبله من الأئمة- على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه، تكلَّم به بحرف وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره» (^٣).\n_________\n(^١) علق البخاري عن ابن مسعود - ﵁ -: (إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ:٢٣]). صحيح البخاري تعليقًا، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ:٢٣]، ولم يقل: \"ماذا خلق ربكم\" (٩/ ١٤١)، بدون رقم.\nوجاء مسندًا عنه في سنن أبي داود، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا، فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ! مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ). سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القرآن (٤/ ٢٣٥)، رقم (٤٧٣٨). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ١٦٠)، رقم (٤٧٣٨).\nوجاء عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ - قال: (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ -قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ-، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ). صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر:١٨] (٦/ ٨٠)، رقم (٤٧٠١).\n(^٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية (١٢/ ٥٨٤).","vol":"1","page":263},{"text":"٣ - قال الإمام ابن القيم: «مما يظن أنه مجاز وليس بمجاز: لفظ \"النداء الإلهي\". وقد تكرر في الكتاب والسنة تكرارًا مطردًا في محاله، متنوعًا يمنع حمله على المجاز، فأخبر تعالى: أنه نادى الأبوين في الجنة، ونادى كليمه، وأنه ينادي عباده يوم القيامة. وقد ذكر سبحانه النداء في تسعة مواضع في القرآن، أخبر فيها عن ندائه بنفسه، ولا حاجة إلى أن يقيد النداء بالصوت؛ فإنه بمعناه وحقيقته باتفاق أهل اللغة، فإذا انتفى الصوت انتفى النداء قطعًا، ولهذا جاء إيضاحه في الحديث الصحيح الذي بلغناه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وسائر الأمة تلقته بالقبول. وتقييده بالصوت إيضاحًا وتأكيدًا، كما قيد التكليم بالمصدر في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء:١٦٤].\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يَقُولُ اللَّهُ - ﷿ - يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) (^١)» (^٢).\n﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]؟ وأيضًا: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج:٤٦].\nوالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] (٦/ ٩٧)، رقم (٤٧٤١).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم للبعلي (ص:٤٨٧).","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الشبهة الخامسة\nأحاديث طواف النبي - ﷺ - على نسائه وغيرها\nتصوِّره شغوفًا بالنساء ومشغولًا بالشهوات</span>\nالحديث الخامس الذي رده صاحب الرسالة: حديث: طواف النبي - ﷺ - على نسائه ومباشرته للحائض منهن من فوق الإزار.\nيقول صاحب الرسالة:\n«أخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ) (^١)، الحديث.\nوفي رواية: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) (^٢)» اهـ.\nلقد ردَّ صاحب الرسالة هذا الحديث بدعوى أنه يصوِّر النبي - ﷺ - رجلًا مشغولًا بالجنس شغوفًا بالنساء، فقد قال: «فانظروا إلى هذه الرواية التي تصور الرسول ﵌ بأنَّه مشغولٌ بالجنس، شغوفٌ بالنساء».\nثم قال بعد ذلك: «من أين لأنس علمه بهذه الرواية؟ هل أخبره النبي - ﷺ - بأنه طاف على نسائه في ساعة واحدة بغسل واحد»؟\nوقال أيضًا: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين، فما بالنا بشفيع الخلق أجمعين، والذي كان -كما في الحديث-: (أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا) (^٣)»؟\nوقال أيضًا: «وعلى فرض صحتها -وهو مستحيل- كيف يجامع نساءه الإحدى عشرة (^٤) أو التسع (^٥) -كما في رواية أخرى-، وهو الذي ﵌ قد نهى أن يأتي الرجل امرأته كالحيوان، ينزو عليها بدون أن يجعل لذلك مقدمات من تقبيل وغيره (^٦)؟ فلا بدَّ من زمن يستغرق في قضاء حاجته».\nثم قال بعد ذلك: «ثُمَّ كيف تقول هذه الرواية: (بِغُسْلٍ وَاحِدٍ) مع أنه ﵌ القائل: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ) (^٧).\nوفي رواية: (فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) (^٨)».\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (١/ ٦٢)، رقم (٢٦٨).\n(^٢) عن أنس - ﵁ - (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ). صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره (١/ ٦٥)، رقم (٢٨٤).\nوفي صحيح مسلم: عن أنس - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ). صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب الطواف على النساء بغسل واحد (١/ ٢٤٩)، رقم (٣٠٨).\n(^٣) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا). صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ - (٤/ ١٩٠)، رقم (٣٥٦٢)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه - ﷺ - (٤/ ١٨٠٩)، رقم (٢٣٢٠).\n(^٤) عن أنس بن مالك قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ). صحيح البخاري. وقد تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٥) عن أنس - ﵁ - (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ). صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم في الصفحة السابقة.\n(^٦) يشير بذلك إلى ما رُوي: (ثَلَاثَةٌ مِنَ الجَفَا: أَنْ يُؤَاخِى الرَّجُل الرَّجُلَ فَلَا يَعرِفُ لَهُ اسْمًا وَلَا كُنْيَةً، وَأَن يُهَيئَ الرَّجُلُ لأَخِيه طعَامًا فلَا يُجِيبُهُ، وَأَن يَكُونَ بَيْنَ الرَّجُل وَأَهْلِهِ وِقاع مِن غير أَنْ يُرْسِلَ رَسُولَا: الْمُزَاحُ والْقُبَلُ، لَا يَقع أحدكم عَلَى أهْلِهِ مِثْلَ الْبَهِيمَةِ عَلَى البهيمَةِ). قال العراقي: «رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، وهو منكر». المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار لزين الدين العراقي (ص:٤٨٩)، رقم (٤).\n(^٧) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب من أتى أهله ثم أراد أن يعود (١/ ٢٤٩)، رقم (٣٠٨). عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\n(^٨) مسند أحمد (١٧/ ٣٢٦)، رقم (١١٢٢٧)، والمسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة \"المشهور بـ: مستخرج أبي عوانة\"، كتاب الطهارة، باب بيان إيجاب الوضوء على الجنب إذا أراد أن يعود في الجماع والإباحة لمن طاف على نسائه أن يغتسل غُسلًا واحدًا (٣/ ٦٤)، رقم (٨٦٤)، ومسند الشاميين للطبراني (٤/ ٥٤)، رقم (٢٧١٢). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «حديث صحيح». مسند أحمد (١٧/ ٣٢٦)، حاشية رقم (١).","vol":"1","page":265},{"text":"ثم قال بعد ذلك: «ويا ليتهم توقفوا عن هذه الرواية! بل راحوا ينسبون إليه روايات تصفه بأنه كان شهوانيًا إلى حدِّ أنه كان إذا رأى امرأة فأعجبته تثور الشهوة فيه. نعوذ بالله من قولهم هذا». وأورد أحاديث في هذا المعنى، ثم عقب عليها بقوله: «إن مثل هذه الروايات وضعت للنيل من قدسية النبي ﵌، ولتبرير مجون الحكام الأمويين الذين امتلأت قصورهم بالجواري والنساء بلا حدود»؛ لأنهن ملك يمين.\n\nثم قال بعد ذلك: «وهناك من الروايات ما هو أفظع وأبشع، فمنها: ما أخرجه البخاري بسنده عن\nعائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ) (^١).\nوأخرج البخاري أيضًا بسنده عن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا) (^٢)، الحديث».\nوقال أيضًا: «فبربك أيها المسلم كيف تقبل مثل هذه الروايات التي تصف نبيك سيدنا محمدًا ﵌ بأنه بلغ إلى أقصى درجة من الشهوة الجنسية؟ فهو لم يصبر -بزعم هذه الرواية- عن امرأته في حال حيضها حتى يباشرها وهو صائم (^٣). فهل رسول الله ﵌ كان يجهل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]؟ هذا ما لا يقوله عاقل» اهـ.\nوالجواب:\nأجيب عن هذه المطاعن فيما يلي:\nأولًا: أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل هذا الشأن، ولا توجد ثمَّ علة في سنده ولا متنه تمنع من قبوله، ولذلك خرّجه البخاري في صحيحه. وصاحب البيت أدرى بما فيه.\nوعلى هذا: فإن الشرع والعقل يلزمانه بقبوله، فأما الشرع: فقد دلَّت الدلائل الكثيرة منه على وجوب قبول خبر الثقة. ورجال هذا الحديث جميعًا من الموصوفين بالعدالة والحفظ والإتقان. وهذه الصفات هي صفات الثقة عند العلماء.\nوأمَّا العقل: فيقال له: كيف يتأتى في الأذهان قبول خبر شخص مرةً ورد خبره وتكذيبه مرة أخرى؟ لأنه إمَّا أن يكون ثقة فيلزم قبول خبره كله إلا ما شذَّ فيه، وإمَّا أن يكون كاذبًا فيلزم رد خبره كله من غير استثناء. لكن صاحب هذه الرسالة لم يلتزم بأي واحدة من هذه، ولهذا فقد وقع في تناقض كثير في رسالته، حيث نراه يرفض هذا الحديث وغيره مما أخرجه الشيخان أو أحدهما، ويستدلُّ في الوقت نفسه بأحاديث مخرجة فيهما رُويت من طريق أولئك الرواة الذين سبق وأن رفض حديثهم! فكيف يصحُّ مثل هذا عند العقلاء؟!\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب الاعتكاف، باب غسل المعتكف (٣/ ٤٨)، رقم (٢٠٣٠).\n(^٢) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٣) جاء في نهاية الحديث السابق: (قَالَتْ -يعني: عائشة - ﵂ -: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ). صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض (١/ ٦٧ - ٦٨)، رقم (٣٠٢)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (١/ ٢٤٢)، رقم (٢٩٣).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ). صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب المباشرة للصائم (٣/ ٣٠)، رقم (١٩٢٧)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته (٢/ ٧٧٧)، رقم (١١٠٦).","vol":"1","page":266},{"text":"ثانيًا: يُقال له: متى كان الميول إلى ما أباحه الله تعالى من النساء والاشتغال بكثرة الجنس معهن سُبّة وعيبًا ينقص من قدر النبي - ﷺ - ويزري بمكانته؟ وقد ثبت إخبار النبي - ﷺ - عن نفسه بذلك، ومما ثبت عنه في ذلك:\n١ - عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (^١).\nوفي رواية عن أنس - ﵁ - أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: (حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (^٢).\nوفي رواية ثالثة عن أنس بن مالك - ﵁ - أيضًا أن رسول الله - ﷺ - قال: (حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (^٣).\n٢ - عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال لأولئك النفر الذين تقالّوا عبادته: (لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (^٤).\n_________\n(^١) مسند أحمد (١٩/ ٣٠٥)، رقم (١٢٢٩٣)، وسنن النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء (٧/ ٦١)، رقم (٣٩٤٠). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (٣/ ٥٧)، رقم (٣٩٥٠).\n(^٢) مسند أحمد (١٩/ ٣٠٧)، رقم (١٢٢٩٤)، وسنن النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء (٧/ ٦١)، رقم (٣٩٣٩). وقال الألباني: «حسن صحيح». صحيح سنن النسائي للألباني (٣/ ٥٧)، رقم (٣٩٤٩).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي، كتاب النكاح، أبواب الترغيب في النكاح وغير ذلك، باب الرغبة في النكاح (٧/ ١٢٥)، رقم (١٣٤٥٤). وقال الألباني: «صحيح». صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٥٩٩)، رقم (٣١٢٤).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (٧/ ٢)، رقم (٥٠٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (٢/ ١٠٢٠)، رقم (١٤٠١). عن أنس - ﵁ -.","vol":"1","page":267},{"text":"ولو كان الاشتغال بالجنس المباح يزري بمنصبه - ﵊ - لم يتزوج إحدى عشرة امرأة غير الإماء، ولاكتفى بواحدة. وكيف يكون مزريًا بمنصبه وقد اعتبره - ﷺ - عبادة يؤجر عليها الرجل؟ ففي الحديث الصحيح عن أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (^١).\nومع ذلك فلم يكن الجنس كل همه - ﷺ - ولا شغله الشاغل، ويدلُّ على ذلك:\n١ - أنه - ﷺ - لم يجمع قبل الهجرة بين اثنتين من النساء قط.\n٢ - لم يتزوج - ﷺ - بكرًا غير عائشة - ﵂ -.\n٣ - لما غاضبنه أزواجه - ﵅ - بسبب النفقة آلى - ﷺ - منهنَّ جميعًا، وحلف ألا يدخل عليهنَّ شهرًا (^٢).\nفلو كان ليس له - ﷺ - همٌّ إلا الجنس لما استطاع أن يصبر عنهنَّ شهرًا كاملًا.\nولم يكن حبه - ﷺ - للنساء يشغله عن واجباته وأعماله الدينية والدنيوية، فهذه عائشة - ﵂ - تحدِّثنا عما كان يصنع في بيته لما سُلت عن ذلك، فعن الأسود قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ) (^٣)، يعني: ولم يلتفت إليهنَّ - ﵅ -.\nفهل يجوز بعد هذا أن يتهم العلماء الربانيون والمحدِّثون الصادقون بأنهم ينسبون إلى النبي - ﷺ - روايات غير صحيحة تصوّره أنه شهواني، شغله الشاغل وهمه الأكبر هو النساء؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وزور وحوب كبير!\nثالثًا: أن أنس بن مالك - ﵁ - ليس الصحابي الوحيد الذي روى طواف النبي - ﷺ - على نسائه - ﵅ -، بل شاركه في ذلك:\n١ - عائشة أم المؤمنين - ﵂ -، وهي واحدة ممن طاف عليهن - ﷺ -.\n٢ - أبو رافع - ﵁ - مولى النبي - ﷺ -.\nوهذا ما كان يجهله صاحب الرسالة، أو أنه تجاهله عمدًا؛ ليُلبِّس على النَّاس ويقوِّي حجته، وحجته بحمد الله داحضة. وبيان ذلك في الآتي:\n- أما حديث عائشة - ﵂ - فأخرجه الشيخان عن محمد بن المنتشر قال: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) (^٤).\nوفي رواية عنها - ﵂ -: (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا) (^٥).\n- وأما حديث أبي رافع - ﵁ - فأخرجه أبو داود عن أبي رافع - ﵁ -: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ) (^٦).\nوقال أبو داود عقب ذكره: «وحديث أنس أصح من هذا» (^٧).\nقلت: وهذه العبارة لا تعني ضعف الحديث عند العلماء، ولهذا سكت عليه ابن حجر لما ذكره في الفتح (^٨)، مما يدلُّ على أن أقل درجاته عنده أنه حسن، كما هو معروف من منهجه.\nوبهذا يتضح: عدم انفراد أنس - ﵁ - بهذا الخبر، وأنه يمكن أن يكون تلقاه عن عائشة - ﵂ - أو عن النبي - ﷺ - نفسه. ولا مانع من ذلك، ولا محظور فيه شرعًا؛ لأنه لا يدخل في مسمى الأسرار الزوجية التي يحرم إفشاؤها والتحدُّث بها، وقد دلَّت النصوص على أن ذكر الجماع بمجرده لا يعتبر سرًا من الأسرار الزوجية المنهي عن إفشائها، غير أنه لا ينبغي التحدث به إلا عند الحاجة، فقد جاء في الحديث عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: (إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ) (^٩).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف (٢/ ٦٩٧)، رقم (١٠٠٦).\n(^٢) عن أنس - ﵁ - قال: (آلَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا). صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (٣/ ١٣٥)، رقم (٢٤٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤] (٢/ ١١١٢)، رقم (١٤٧٩).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج (١/ ١٣٦)، رقم (٦٧٦).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (١/ ٦٢)، رقم (٢٧٠)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (٢/ ٨٤٩)، رقم (١١٩٢).\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (١/ ٦٢)، رقم (٢٦٧)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (٢/ ٨٤٩)، رقم (١١٩٢).\n(^٦) مسند أحمد (٣٩/ ٢٨٨)، رقم (٢٣٨٦٢)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلًا (١/ ١٩٤)، رقم (٥٩٠)، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء لمن أراد أن يعود (١/ ٥٦)، رقم (٢١٩). وقال الألباني: «حسن». صحيح سنن ابن ماجة للألباني (١/ ١٨٢)، رقم (٤٨٦).\n(^٧) سنن أبي داود (١/ ٥٦).\n(^٨) انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٧٦).\n(^٩) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":268},{"text":"وقد ذكر العلماء: أن المراد بالأسرار الزوجية هي تفصيلات الجماع، وما يحدث عند فعله من أقوال أو أفعال. وحاشا النبي - ﷺ - أن يقدم على حكاية شيء من ذلك، وهو القائل كما في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) (^١).\nوبقي أن تعرف الحكم من إِطْلاع الأمة على طوافه - ﷺ - على نسائه في ليلة واحدة، وهي لا شك ظاهرة لكلِّ ذي عقل راجح وقلب سليم، فمن ذلك:\n١ - تعريفهم بما اختص الله تعالى نبيه - ﷺ - من القوة الجسدية دونهم، وقد قال أنس - ﵁ - في آخر حديثه السابق: (كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ) (^٢). وقال ابن حجر: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: ما أُعطي النبي - ﷺ - من القوة على الجماع، وهو دليل على كمال البنية وصحة الذكورية» (^٣).\n٢ - بيان أن القسم بين زوجاته - ﵅ - ليس واجبًا عليه - ﷺ - كسائر النَّاس، ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١].\n٣ - جواز معاودة الجماع من غير إحداث غسل بينهما.\nإلى غير لك من الحكم.\nفظهر بهذا: أن صاحب الرسالة لم يكن بارًا في يمينه حينما قال: «وكلا والله إن مثل هذا الكلام يستبعد وقوعه من العصاة المجرمين»، الخ. ومثل هذه اليمين ليس لها كفارة عند العلماء إلا التوبة الصادقة؛ لأنها يمين كاذبة. وكيف لا تكون كذلك وصاحبها قد حلف على أمر غيبي يجهله، ولا يُستبعد وقوعه من أحد، فضلًا عمن سماهم؟ فهل استقرأ أحوال العصاة المجرمين جميعًا حتى يُخبر عنهم بذلك؟\nرابعًا: ليس هناك تعارض بين جماعه - ﷺ - لنسائه جميعًا في ليلة واحدة وبين أنه يجعل لذلك مقدمات من تقبيل ونحوه، ولا شك أن مثل هذا الأمر قد يستغرق زمنًا، لكن ليس بالضرورة استغراق الليلة كلها في ذلك، كما قد يظن، وقياس النبي - ﷺ - على غيره من الرجال في هذا غير صحيح؛ لأنه يختلف عنهم في القوة، كما سبق.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم إفشاء سر المرأة (٢/ ١٠٦٠)، رقم (١٤٣٧).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (١/ ٦٢)، رقم (٢٦٨).\n(^٣) فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":269},{"text":"وقول صاحب الرسالة: «كيف يجامع نساءه الإحدى عشرة أو التسع -كما في رواية أخرى-، وهو الذي ﵌ قد نهى أن يأتي الرجل امرأته كالحيوان، ينزو عليها بدون أن يجعل لذلك مقدمات من تقبيل وغيره؟ فلا بدَّ من زمن يستغرق في قضاء حاجته» في غاية في الجهل والحماقة، فما الذي أدراه أن مثل هذا الطواف لا يحصل معه تقبيل ولا ملاعبة، أطَّلع الغيب أم كان شاهدًا أم إنه التخرص والقول بلا علم؟\n\nخامسًا: لم يبق عندي أيُّ شك بعد قراءتي لتعليقه على هذا الحديث بأنه جاهل بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة؛ حيث اتضح أنه لا يفرِّق بين الغسل والوضوء، وقد جاء ذلك مبينًا في اعتراضه على رواية أنس - ﵁ - السابقة الدالة على أن طوافه - ﷺ - على نسائه كان بغسل واحد حين قال: \"كيف يحصل مثل ذلك والنبي - ﷺ - قد قال: (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) (^١) \"؟ فالأمر النبوي هنا هو بالوضوء، وليس بالغسل. وكلُّ مسلم مكلَّف يعرف الفرق بينهما ضرورة. واستدلال صاحب الرسالة به على الغسل مع وضوحه أنه في الوضوء أمرٌ غاية في الغرابة! ولا يكاد يصدر من مبتدئ، فضلًا عن متصدر ومدَّعٍ للعلم ومتشبع بما لم يعط!\nأضف إلى ذلك: أن ابن حجر نقل الإجماع عن أهل العلم على أن الغسل لا يجب بين الجماعين، وأن الوضوء مستحب بينهما عند الجمهور، إلا عند أهل الظاهر وابن حبيب المالكي فإنه يجب، وذكر أن مما يدلُّ على عدم وجوبه: ما رواه الطحاوي عن عائشة - ﵂ - قالت: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُجَامِعُ ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَتَوَضَّأُ) (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) مسند أحمد ومستخرج أبي عوانة ومسند الشاميين للطبراني، وصححه محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون- في حاشية مسند أحمد. وقد تقدم.\n(^٢) شرح معاني الآثار للطحاوي، كتاب الطهارة، باب الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع (١/ ١٢٧)، رقم (٧٧٤)، وناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين، الخلاف في ذلك -أي: الخلاف في الوضوء لمن أراد أن يعود وفي نسخه- (ص:١٤٤)، رقم (١٤٩). وقال في \"أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطني\" -لابن القيسراني-: «تفرد به معاذ بن فضالة عن يحيى بن أيوب عن موسى بن أيوب -كذا: موسى بن أيوب، والصواب: موسى بن عقبة- وأبي حنيفة عن أبي إسحاق الهمداني عن الأسود». أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطني لابن القيسراني (٥/ ٤١٦)، رقم (٥٨٩٩).\n(^٣) انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"1","page":270},{"text":"سادسًا: أن اتهام الرواة الثقات بوضع الحديث هو من الزور والبهتان العظيم عليهم، وهذا أمره إلى الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلَّا من أتى الله بقلب سليم.\nويلزم صاحب الرسالة على اتهامه لهم بذلك عقلًا أن يرد حديثهم كله من غير استثناء؛ لكونهم قد حكم عليهم جميعًا بالكذب. وأما أن يقبل من حديثهم ما يحب ويرد منه ما يكره فهو الذي لا أجد له تفسيرًا عندي إلا الرفض ونصرة المذهب.\n\nومما ردَّه من حديثهم واتهمهم بأنهم وضعوه على النبي - ﷺ -: الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر - ﵁ -: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا -أي: تدلك جلدًا وتدبغه-، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) (^١).\nوفي رواية: (إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ) (^٢).\nفلقد اعتبر دعي العلم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه -حسب زعمه- يصوِّر النبي - ﷺ - رجلًا شهوانيًا.\nوأتساءل كما تساءلتُ من قبل:\n- هل وجود الشهوة في النبي - ﷺ - تزري بمنصبه وتحط من قدره وقدسيته كما يقول؟ كيف يكون ذلك وقد أخبرنا الله تعالى بأنه بشر مثلنا، أي: أنه يأكل ويشرب ويمرض ويأتي الغائط ويتزوج النساء مثلنا.\n- ثم يقال لهذا الغالي: هل تزوجه - ﷺ - للنساء كان عن شهوة أو لا؟ فإن قال: كان عن شهوة فقد وصفه هو الآخر بأنه شهواني -وأقول هذا من باب الإلزام للخصم-.\nوإن قال: كان عن غير شهوة فما صدق؛ للآتي:\n١ - أنه لا يتصور أن يتزوج رجل امرأة ويطؤها وتلد له وكلُّ ذلك منه بغير شهوة.\n٢ - أن القرآن والسُّنَّة والفطرة كلها تشهد ببشرية النبي - ﷺ - ورغبته في النساء، ومن ذلك:\nأ- قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].\nب- عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ) (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها (٢/ ١٠٢١)، رقم (١٤٠٣).\n(^٢) المصدر السابق، نفس الكتاب والباب والجزء والصفحة، تحت رقم (١٤٠٣).\n(^٣) السنن الكبرى للبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته. وقد تقدم.","vol":"1","page":271},{"text":"ج- عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (^١).\nوبعد هذا لعل سائلًا أن يتساءل عن الحكمة في فعله - ﷺ - هذا مع استغنائه عنه - ﷺ -، وقد أجاب عن ذلك العلماء، وبيَّنوا الحكمة في ذلك، ونقلها عنهم الإمام النووي فقال: «قال العلماء: إنما فعل هذا بيانًا لهم -أي: للرجال- وإرشادًا لما ينبغي لهم أن يفعلوه -أي: عند رؤية المرأة المحركة للشهوة-، فعلَّمهم بفعله وقوله» (^٢).\nسابعًا: أن كثرة النساء من الزوجات والإماء في حدود الشرع ليس مجونًا، كما يسميه صاحب الرسالة، وتسميته بذلك اعتراض على تشريع الحكيم العليم الذي أباح من الزوجات أربعًا ومن الإماء من دون حد، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء:٣].\nثامنًا: أن مباشرة النبي - ﷺ - لنسائه زمن الحيض حق، وقد كان يجعل بينه وبين فروجهنَّ حائلًا، كما دلَّت عليه الأحاديث الكثيرة. وهذا منه - ﷺ - بيان لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]؛ لـ (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ) (^٣).\nوقد أجمع المفسِّرون على أن معنى الآية هو: الأمر باعتزال جماعهنَّ في وقت الحيض لا غير. قال القرطبي: «ومقصود هذا النهي: ترك المجامعة.\nوقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فرُوي عن ابن عباس وعبيدة السلماني: (أنه يجب أن يعتزل الرجل فراش زوجته إذا حاضت) (^٤)» (^٥). ثم قال القرطبي معلقًا على هذا القول: «وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسُّنَّة الثابتة بخلافه، وقد وقفت على ابن عباس خالتُه ميمونة وقالت له: (أَرَغَبٌ أَنْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (^٦)» (^٧)؟\n_________\n(^١) صحيح البخاري وصحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٢) شرح صحيح مسلم للنووي (٩/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٣) صحيح مسلم. عن أنس - ﵁ -. وقد تقدم.\n(^٤) سيأتي نصه وتخريجه قريبًا بعد حاشية واحدة.\n(^٥) تفسير القرطبي (٣/ ٨٦).\n(^٦) عن نُدبَةَ -مولاة لميمونة بنت الحارث زوج النبي - ﷺ - قالت: (أَرْسَلَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ إِلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ، فَرَأَيْتُ فِرَاشَهَا مُعْتَزِلًا فِرَاشَهُ فَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِهِجْرَانٍ، فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنِّي حَائِضٌ، فَإِذَا حِضْتُ لَمْ يَقْرَبْ فِرَاشِي. فَأَتَيْتُ مَيْمُونَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَرَدَّتْنِي إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَتْ: أَرَغْبَةً عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ الْحَائِضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا ثَوْبٌ). مسند أحمد (٤٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، رقم (٢٦٨١٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٤/ ١١ - ١٣)، رقم (١٦، و١٧، و١٨، و١٩، و٢٠، و٢١). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «صحيح». مسند أحمد (٤٤/ ٤٠٣)، حاشية رقم (١). وقد تقدم بعضه.\n(^٧) تفسير القرطبي (٣/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":272},{"text":"وقال الشوكاني: «والمراد من هذا الاعتزال: ترك المجامعة، لا ترك المجالسة أو الملامسة؛ فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج أو بما دون الإزار، على خلاف في ذلك. وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني: (أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش زوجته إذا حاضت) فليس ذلك بشيء» (^١).\nومثل قول هذين الإمامين قال الإمام ابن كثير في تفسيره، وذكر أنه قول ابن عباس - ﵁ - ومجاهد والحسن وعكرمة (^٢).\nوهذا يدلُّ على ضعف ما رُوي عن ابن عباس - ﵁ - من المنع أو على رجوعه عنه.\nوقد فصّل الإمام النووي القول في مباشرة الحائض، ونقل الإجماع على ما يجوز منها وما لا يجوز، فقال: «اعلم أن مباشرة الحائض أقسام:\nأحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج. فهذا حرام بإجماع المسلمين بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة ....\nالقسم الثاني: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذَّكَر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك. وهو حلال باتفاق العلماء، وقد نقل الشيخ أبو حامد الاسفراينى وجماعة كثيرة الإجماع على هذا. وأما ما حُكي عن عبيدة السلماني وغيره من \"أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه\" فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صحَّ عنه لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة في الصحيحين وغيرهما في مباشرة النبي - ﷺ - فوق الإزار، وإذنه في ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده ....\nالقسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر. وفيها ثلاثة أوجه لأصحابنا:\nأصحها عند جماهيرهم وأشهرها في المذهب: أنها حرام.\nوالثاني: أنها ليست بحرام، ولكنها مكروهة كراهة تنزيه. وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل. وهو المختار.\nوالوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز، وإلا فلا. وهذا الوجه حسن، قاله أبو العباس البصري من أصحابنا» (^٣).\nولعلك أخي الكريم بعد هذا الكلام الواضح والتفصيل الدقيق تتساءل عن الحكمة في مباشرة النبي - ﷺ - لبعض أزواجه الحُيَّض مع وجود نسائه الأخريات اللاتي لسن كذلك، فقد كان يمكنه - ﷺ - أن يأتي إحداهنَّ وإن لم تكن نوبتها بإباحة الله له ذلك، ويترك مباشرة الحائض.\n_________\n(^١) تفسير الشوكاني (١/ ٢٥٩).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٨٦).\n(^٣) شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"1","page":273},{"text":"فأقول: إن الحكمة من ذلك كما قال العلماء: إنه - ﷺ - فعل ذلك تشريعًا لغيره؛ إذ ليس كل رجل عنده زوجتان إن حاضت إحداهما ذهب إلى الأخرى في نوبتها، وغالب الرجال ليس له إلا زوجة واحدة، فإن مُنع من مباشرتها شقَّ ذلك عليه، خاصة وأن بعض النساء يتحيضن عشرًا وخمسة عشر يومًا، فإذا لم تكن له وسيلة مباحة يقضي بها وطره فقد يقدم على وسيلة أخرى محرمة، وحتى مع وجود زوجتين أو أكثر للرجل فإن الحكمة باقية؛ لجواز ألا تميل نفسه إلا لواحدة فقط.\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه؛ إنك على كلِّ شيء قدير.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الشبهة السادسة\nحديث وفاة رسول الله - ﷺ - في حجر عائشة ينافي أحاديث موته في حجر علي</span>\nالحديث السادس الذي رده صاحب الرسالة: حديث عائشة - ﵂ - في أن النبي - ﷺ - مات على صدرها.\nيقول صاحب الرسالة:\n«روى البخاري بسنده عن عائشة - ﵂ - قالت: (دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ (^١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَفَعَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ ثُمَّ قَالَ: فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى. ثَلَاثًا، ثُمَّ قَضَى. وَكَانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي) (^٢)». اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>أدلة صاحب الرسالة على رد وإنكار الحديث:</span>\nلقد ردَّ صاحب الرسالة هذا الحديث وحكم عليه بالبطلان؛ وذلك لأنه كما يقول: «١ - يخالف الأحاديث الصحيحة والمتواترة التي جاءت عن طريق آل البيت الأطهار وعلماء السُّنَّة الأخيار في \"نهج البلاغة\" وغيرها.\n٢ - ولأن روايته تدور على ناصبي من أعداء علي ولاعنيه.\n٣ - ولأن العقل والمنطق يرفضان هذه الرواية؛ لأن سيدنا عليًا وبعضًا من بني هاشم لم يفارقوا رسول الله - ﷺ - في حالته تلك، فقد كانوا يترددون إليه في كلِّ آونة.\nوأنَّى للسيدة عائشة - ﵂ - أن تسند إلى صدرها رسول الله - ﷺ - وهو في تلك الحالة الشديدة حالة الاحتضار مع صغر سنها وضعف بنيتها، مع أن حضورها مع من ذكرنا من القرابات حرام.\n_________\n(^١) اللفظة في الرسالة: (فَأَمَدَّهُ). والمثبت من صحيح البخاري.\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ١٠ - ١١)، رقم (٤٤٣٨).\nقال ابن حجر: «والمراد: أنه مات ورأسه بين حَنَكِهَا وصدرها - ﷺ - ورضي عنها». فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).\nوعن عائشة - ﵂ - قالت: (تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْتِي وَفِي نَوْبَتِي وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي). صحيح البخاري، كتاب فرض الخُمُس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي - ﷺ - وما نسب من البيوت إليهن (٤/ ٨١)، رقم (٣١٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها (٤/ ١٨٩٣)، رقم (٢٤٤٣).\nومعنى قولها - ﵂ -: (تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي): «تريد أنه مات وهو مستند لصدرها ما بين جوفها وعنقها». فتح الباري لابن حجر (١/ ١٣٠).\nوهذا لا ينافي حديثها السابق - ﵂ -: أن النبي - ﷺ - (مَاتَ بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي)؛ لأن «ما بين الْحَاقِنَةِ والذَّاقِنَةِ هو ما بين السَّحْرِ والنحر». فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).","vol":"1","page":275},{"text":"٤ - ولأن رواية عائشة لم تُسند إليها، بينما القول بوفاته - ﷺ - وهو في حجر سيدنا علي - ﵇ - مسند إلى كلٍّ من علي وابن عباس وأم سلمة والشعبي وعلي بن الحسين، وسائر أئمة أهل البيت. فهو أرجح سندًا.\nلكن النواصب قاتلهم الله حاولوا إلصاق هذه الأحاديث إلى السيدة عائشة؛ ليحطوا من علي - ﵇ - بطمس فضائله».\nتلك أهم المطاعن التي وجهها صاحب الرسالة إلى حديث عائشة - ﵂ -.\nوالجواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الرد على مطاعن صاحب الرسالة في الحديث وإنكاره:</span>\nإن المطاعن التي وجهها صاحب الرسالة إلى حديث عائشة - ﵁ - هي دلائل واضحة على قميص الرفض الذي يلبسه، ورداء الجهل الذي يتزيّا به، ولو كان عنده أثارة من علم أو حظ من إنصاف لم يقدِّم على حديث عائشة - ﵂ - الأحاديث الواهية وغير الصحيحة، فإن من منهج المحدثين العلمي: إذا تعارض حديثان يُنظَر أولًا في سندهما، فإن كان أحدهما صحيحًا والآخر ضعيفًا قُدِّم الصحيح على الضعيف بالإجماع، وإن كان أحدهما صحيحًا والآخر أصح منه قُدِّم الأصح كذلك إن لم يمكن الجمع بينهما، ولا يُرجع إلى الترجيح بينهما إلا إذا كانا في مرتبة واحدة من القوة وتعذر الجمع بينهما.\nفهل الأحاديث التي زعم أنها صحيحة ومتواترة عن آل البيت وغيرهم وجاءت مخالفة لحديث عائشة - ﵂ - هي من هذا القبيل أو لا؟ سأفصل القول في هذه الأحاديث التي احتج بها فيما يأتي.\nالرد على أحاديث صاحب الرسالة التي رد وأنكر بها الحديث:\nذكر صاحب الرسالة بعض الأحاديث والآثار مستدلًا بها على رد وأنكار حديث عائشة - ﵂ - في أن النبي - ﷺ - مات بين سحرها ونحرها. وها أنا أذكرها هنا وأُبين ما فيها، مما يُبين شبهته ويُفندها:\nأولًا: الحديث الأول: عن أم سلمة - ﵂ - قالت: (وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ إِنْ كَانَ عَلِيٌّ لَأَقْرَبَ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، عُدْنَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - غَدَاةً وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ عَلِيٌّ؟ جَاءَ عَلِيٌّ؟ مِرَارًا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵂ -: كَأَنَّكَ بَعَثْتَهُ فِي حَاجَةٍ؟ قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ. قَالَتْ أَبِي (^١) سَلَمَةَ: فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، وَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ عَلِيٌّ أَقْرَبَ النَّاسِ عَهْدًا) (^٢).\n_________\n(^١) كذا في المستدرك للحاكم، والصواب: أم.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الفضائل، فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ - (٦/ ٣٦٥)، رقم (٣٢٠٦٦)، ومسند أحمد (٤٤/ ١٩٠)، رقم (٢٦٥٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب وفاة النبي - ﷺ -، ذكر أحدث الناس عهدًا برسول الله - ﷺ - (٦/ ٣٩٢)، رقم (٧٠٧١)، والمستدرك للحاكم، كتاب معرفة الصحابة - ﵃ - (٣/ ١٤٩)، رقم (٤٦٧١). وقال محققو مسند أحمد -شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون-: «إسناده ضعيف». مسند أحمد (٤٤/ ١٩٠)، حاشية رقم (٣). وضعفه الألباني. السلسلة الضعيفة للألباني (١٠/ ٦٤٩)، تحت رقم (٤٩٤٥). وقال أيضًا في موضع آخر: «منكر». السلسلة الضعيفة للألباني (١٣/ ٦٣٠)، رقم (٦٢٨٩).","vol":"1","page":276},{"text":"وهذا الحديث يُجاب عليه بالآتي:\n١ - هذا الحديث قال عنه الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وأقره الذهبي بقوله: «صحيح» (^١).\nوليس كما قالا، وإنما هو حديث ضعيف الإسناد، فقد رواه الإمام أحمد في \"مسنده\" والحاكم في \"مستدركه\" من طريق أحمد بإسناده عن مغيرة عن أم موسى\n-وفي \"المستدرك\": «أبو موسى»، وهو تصحيف- عن أم سلمة - ﵂ - قالت، الحديث.\nومغيرة هو ابن مقسم الضبيّ الكوفي، قال ابن حجر: «ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم» (^٢).\nقلت: وهو هنا قد دلّس، حيث روى بالعنعنة، فلا يُقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع، كما قال أهل هذا الشأن.\nوأمَّا أم موسى فقد قال عنها ابن حجر أيضًا: «سُرِّية علي، قيل: اسمها فاختة، وقيل: حبيبة، مقبولة» (^٣).\nوهذا يعني أنها ضعيفة، إلا إذا تُوبعت فإنه يتقوى حديثها، وحيث لا متابعة هنا ولا شاهد فالحديث ضعيف. هذا من ناحية.\n٢ - لا يوجد أي تعارض بين حديث عائشة - ﵂ - السابق وبين حديث أم سلمة - ﵂ - هذا، فإن مراد أم سلمة - ﵂ -: أن عليًا - ﵁ - هو أقرب الرجال عهدًا برسول الله - ﷺ -؛ بدليل: أن فاطمة - ﵂ - كانت موجودة لما قُبض - ﵊ -، فقد أخرج البخاري عن أنس - ﵁ - قال: (لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ -أي: كرب الموت-، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵍ -: وَا كَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ. فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ - ﵍ -: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - التُّرَابَ) (^٤).\n_________\n(^١) المستدرك للحاكم (٣/ ١٤٩).\n(^٢) تقريب التهذيب لابن حجر (ص:٥٤٣).\n(^٣) المصدر السابق (ص:٧٥٩).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته (٦/ ١٥)، رقم (٤٤٦٢).","vol":"1","page":277},{"text":"٣ - أن أم سلمة - ﵂ - لم تقل: إن عليًا - ﵁ - لم يفارق النبي - ﷺ - حتى مات. وغاية ما يدلُّ عليه كلامها: هو اجتماعه بالنبي - ﷺ - في ذلك اليوم الذي مات فيه. ولا شك أن هذا قد حصل، وحصل معه كذلك المناجاة والمسارة، فلما انتهى ما أسرّه إليه - ﷺ - خرج - ﵁ -؛ ليُفسح المجال لنسائه - ﷺ - اللائي كنّ ينتظرن خارج البيت - ﵁ - ن.\n٤ - ثم على سبيل الفرض: لو أن حديث أم سلمة يتعارض مع حديث عائشة - ﵄ - لم يقدم عليه عند المحدثين جميعًا؛ لكون حديث عائشة - ﵂ - أصح. قال ابن حجر\n-وهو يسوق الأحاديث المعارضة لحديث عائشة - ﵂ -: «ومن حديث أم سلمة قالت: (عَلِيٌّ آخِرُهُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -). والحديث عن عائشة أثبت من هذا، ولعلها أرادت آخر الرجال به عهدًا. ويمكن الجمع: بأن يكون عَلِيٌّ آخرهم عهدًا به، وأنه لم يفارقه حتى مال، فلما مال ظنَّ أنه مات، ثم أفاق بعد أن توجه -أي: خرج-، فأسندته عائشة بعده إلى صدرها فقُبض» (^١).\nثانيًا: بقية الأحاديث والآثار التي استدل بها على إنكار حديث عائشة - ﵂ - كلها أخرجها ابن سعد، كالتالي:\nفالحديث الثاني: أخرجه ابن سعد عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه: (ادْعُوا لِي أَخِي. قَالَ: فَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَاسْتَنَدَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَنِدًا إِلَيَّ وَإِنَّهُ لِيُكَلِّمُنِي حَتَّى إِنَّ بَعْضَ رِيقِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُصِيبُنِي، ثُمَّ نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَثَقُلَ فِي حِجْرِي) (^٢).\nوالحديث الثالث: أخرجه أيضًا ابن سعد عن جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ -: (أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ قَامَ زَمَنَ عُمَرَ فَقَالَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: مَا كَانَ آخِرُ ما تكلم به رسول الله - ﷺ -؟ فَقَالَ عُمَرُ: سَلْ عَلِيًا. قَالَ: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ هُنَا. فَسَأَلَهُ فَقَالَ عَلِيُّ: أَسْنَدْتُهُ إِلَى صَدْرِي فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مَنْكِبِي فَقَالَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ! فَقَالَ كَعْبٌ: كَذَلِكَ آخِرُ عَهْدِ الأَنْبِيَاءِ وَبِهِ أُمِرُوا وَعَلَيْهِ يُبْعَثُونَ. قَالَ: فَمَنْ غَسَّلَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟! قَالَ: سَلْ عَلِيًّا. قال فسأله فقال: كنت أنا أغسله) (^٣).\nوالحديث الرابع: أخرجه أيضًا ابن سعد عن أبي غطفان قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تُوُفِّيَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ أَحَدٍ؟ قَالَ: تُوُفِّيَ وَهُوَ لَمُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ. قُلْتُ: فَإِنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي (^٤)، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَعْقِلُ؟ وَاللَّهِ لَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنَّهُ لَمُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَهُ) (^٥).\n_________\n(^١) فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).\n(^٢) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٠٢). وقال الألباني: «موضوع». السلسلة الضعيفة للألباني (١٠/ ٦٤٦)، رقم (٤٩٤٥).\n(^٣) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢). وقال الألباني: «موضوع». السلسلة الضعيفة للألباني (١٠/ ٧١٢)، تحت رقم (٤٩٦٩).\n(^٤) حديث عائشة - ﵂ - بهذا اللفظ قد تقدم.\n(^٥) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٠٢). وقال الألباني: «موضوع». السلسلة الضعيفة للألباني (١٠/ ٧١٠)، رقم (٤٩٦٩).","vol":"1","page":278},{"text":"وأما الآثار فهما أثران:\nالأثر الأول: أخرجه أيضًا ابن سعد عن محمد بن علي بن الحسين زين العابدين قال: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ» (^١).\nالأثر الثاني: أخرجه أيضًا ابن سعد عن الشعبي -مع أنه من المنحرفين عن سيدنا علي - ﵇ - (^٢) - قال: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ، وَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ» (^٣).\nفهذه الأحاديث والآثار التي أوردها صاحب الرسالة أخرجها جميعًا ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" -كما بينت ذلك في تخريجها في حواشيها-. وهذه الأحاديث والآثار يُجاب عليها بالآتي:\n١ - أنها مدارها كلها على الواقدي، واسمه: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني، قال أحمد بن حنبل: كذاب. وقال الشافعي: كتب الواقدي كلها كذب. وقال النسائي: الكذَّابون المعروفون بالكذب على رسول الله - ﷺ - أربعة: الواقدي بالمدينة. وذكر بقيتهم. وقال ابن المديني: إبراهيم بن أبي يحيى كذاب، وهو عندي أحسن حالًا من الواقدي. وقال البخاري: متروك الحديث، تركه أحمد ابن (^٤) المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا. وكذلك قال أبو زرعة الرازي وأبو بشر الدولابي والعقيلي وغيرهم (^٥).\n٢ - إضافة إلى العلة السابقة القاضية فلا يسلم حديث من الأحاديث السابقة من راوٍ آخر متروك أو ضعيف أو من انقطاع. ذكر ذلك ابن حجر (^٦).\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٠٢)، ومسند البزار (٩/ ٣٢٩)، رقم (٣٨٨٦). وقال ابن حجر: «فيه انقطاع». فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).\n(^٢) هكذا قال صاحب الرسالة.\n(^٣) الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٠٢). وقال ابن حجر: «فيه الواقدي والانقطاع. وأبو الحويرث -أحد رجال سند الحديث- اسمه عبد الرحمن بن معاوية بن الحارث المدني، قال مالك: ليس بثقة، وأبوه -يعني: والد أبي الحويرث، وهو أحد رجال سند الحديث- لا يعرف حاله». فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).\n(^٤) كذا في تهذيب التهذيب، والصواب: وابن.\n(^٥) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (٩/ ٣٦٤ - ٣٦٧). وذكر الذهبي: أنهم اتفقوا على ترك حديثه. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٢٥٤)، رقم الترجمة (٣٣٤).\n(^٦) قال ابن حجر: «ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَاتَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ)، وكل طريق منها لا يخلو من شيعي، فلا يلتفت إليهم». فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٣٩).\nوقال الألباني: «قلت: وهذه الأحاديث الموضوعة لم يتورع عبد الحسين الشيعي -وهو عبد الحسين شرف الدين صاحب كتاب \"المراجعات\"- كعادته عن الاحتجاج بها في معارضة حديث السيدة عائشة المعارض لها تحت عنوان: \"الصحاح المعارضة لدعوى أم المؤمنين\" (ص:٢٤٧ - ٢٥٢)! ولم يعزها لغير ابن سعد. ومدارها كلها -كما رأيت- على الواقدي الكذاب، مع عدم سلامتها ممن فوقه. ولم يكتف الشيعي بهذا، بل أخذ يحتج بما جاء في \"نهج البلاغة\" و\"شرحها\" لابن أبي الحديد المعتزلي، وضم إلى ذلك احتجاجه بحديث أم سلمة المتقدم تحت الحديث (٤٩٤٥) -وهو الحديث الأول من الأحاديث الستة التي ذكرناها-، وتقديمه لحديثها -وهو ضعيف كما سبق- على حديث عائشة المروي من طرق كثيرة صحيحة عنها! ثم رجحه على حديثها بالطعن عليها والغمز منها»، إلخ. السلسلة الضعيفة للألباني (١٠/ ٧١٣ - ٧١٤).","vol":"1","page":279},{"text":"فكيف إذًا يُحتج بمثل هذه الأحاديث المتروكة، وتُقدم على أحاديث البخاري؟! أليس هذا هو غاية الجهل والتعصب؟ بل إن من عنده أولويات هذا العلم الشريف يعلم يقينًا أنه لا يجوز الاحتجاج بمثل هذه الأحاديث الباطلة، فضلًا عن أن يطلق عليها: أحاديث صحيحة ومتواترة.\n٣ - استدل صاحب الرسالة على صحة هذه الأحاديث المخالفة لحديث عائشة - ﵂ - بمجيئها من طريق آل البيت، وذلك في قوله: إن حديث عائشة - ﵂ - «يخالف الأحاديث الصحيحة والمتواترة التي جاءت عن طريق آل البيت الأطهار».\nوهنا أسأل: هل أيها العلماء المنصفون كل ما جاء عن طريق آل البيت يكون صحيحًا؟ أليس من المحتمل أن يكون في الإسناد إليهم كذاب أو ضعيف أو أي علة أخرى تمنع من قبوله؟ بلى وربّي.\nلكن صاحب الرسالة -وهو ذو منهج في الحديث متميز، نسف به جميع قواعد المحدثين- يعتبر أن كل ما جاء عن طريق آل البيت صحيح وحجة، سواء رُوي بسند أو بدون سند، وسواء صح الإسناد إليهم أو لم يصح. وحسبه -كما يقول-: أنه جاء عنهم، وحسبه: أنه رُوي في \"نهج البلاغة\" الذي هو مرجع آل البيت وموئلهم. فما هو \"نهج البلاغة\" هذا؟ ومن هو مؤلفه؟\nثالثًا: عزا صاحب الرسالة الأحاديث والآثار التي عارض بها حديث عائشة إلى كتاب \"نهج البلاغة\". وأقول: كتاب \"نهج البلاغة\" يحتوي على الكلام المنسوب إلى سيدنا علي - ﵁ -. وكتاب \"نهج البلاغة\" هذا:\n١ - خال من الإسناد تمامًا، وعريٌ من أي مصدر. وقد جمعه الشريف الرضي، وقيل: بل جمعه أخوه الشريف المرتضى (^١). ورجح الثاني الإمام الذهبي (^٢).\n_________\n(^١) قال الذهبي في ترجمة \"الشريف المرتضى\": «وقد اختلف في كتاب \"نهج البلاغة\" المكذوب على علي - ﵇ - هل هو وضعه أو وضع أخيه الرضي». تاريخ الإسلام للذهبي (٩/ ٥٥٨)، ترجمة: علي بن الحسين بن موسى الشريف أبو طالب العلوي الموسوي نقيب الطالبيين ببغداد المعروف بالشريف المرتضى ذو المجدين، رقم الترجمة (١٨١).\n(^٢) قال الذهبي في ترجمة \"الشريف المرتضى\": «هو جامع كتاب \"نهج البلاغة\" المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي - ﵁ -»، إلى أن قال: «وقيل: بل جَمْعُ أخيه الشريف الرضي». سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٥٨٩)، ترجمة: المرتضى علي بن حسين بن موسى القرشي، رقم الترجمة (٣٩٤).","vol":"1","page":280},{"text":"وأيًّا كان جامعه فكتاب مثل هذا بلا إسناد وبينه وبين علي - ﵁ - أربعة قرون تنقطع فيها أعناق المطي كافية في الحكم عليه بعدم الصحة.\nوالإسناد عند العلماء جميعًا من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، كما قال عبد الله بن المبارك (^١). ولذلك أجمعوا ألا يرووا حديثًا إلا بإسناد، ولا يقبلوه إلا إذا كان ثابتًا. هذا أمر.\n٢ - أمر آخر اشتمل عليه كتاب \"نهج البلاغة\" يحط من قيمته ويقوي الاعتقاد ببطلانه، وهو:\nأ- ما احتوى عليه من سب الصحابة - ﵃ - والتعريض بهم في غير موضع.\nب- ما فيه كذلك من دقة الوصف وغرابة التصوير ما لم يكن معروفًا في آثار الصدر الأول الإسلامي.\nج- أنه يطوي في جنباته كثيرًا من المصطلحات التي لم يتداولها الناس بعد أن شاعت علوم الحكمة، كـ: الأين، والكيف، إلى ما فيه من لغات علم الكلام وأبحاث الرؤية الإلهية، والحد، وكلام الخالق، وما لم يكن معهودًا كذلك من التقسيمات الرياضية.\nد- ما فيه من ادعاء المعرفة بالغيبيات. وهو الأمر الذي يجل قدر أمير المؤمنين علي - ﵁ - وإيمانه الصريح الخالص عن التلبس به أو اصطناعه (^٢).\nوقد كشف الإمام الذهبي حقيقة هذا الكتاب عند ترجمته لمؤلفه الشريف المرتضى، فقد ترجم له بقوله: «على بن الحسين العلوي الحسينى الشريف المرتضى، المتكلم، الرافضي المعتزلي، صاحب التصانيف» (^٣).\nوقال أيضًا: «وهو المتهم بوضع كتاب \"نهج البلاغة\"، وله مشاركة قوية في العلوم، ومن طالع كتابه \"نهج البلاغة\" جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي - ﵁ -؛ ففيه السب الصراح والحط على السيدين: أبي بكر وعمر - ﵄ -، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل» (^٤).\n_________\n(^١) قال عبد الله بن المبارك: «الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ». صحيح مسلم. وقد تقدم.\n(^٢) انظر: مع الاثني عشرية في الأصول والفروع للدكتور/ علي السالوس (ص:٢١٨).\n(^٣) ميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ١٢٤)، ترجمة: على بن الحسين العلوي الحسيني الشريف المرتضى، رقم الترجمة (٥٨٢٧).\n(^٤) نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":281},{"text":"وقال أيضًا في موضع آخر: «هو جامع كتاب \"نهج البلاغة\" المنسوبة ألفاظه إلى الإمام علي - ﵁ -، ولا أسانيد لذلك، وبعضها باطل، وفيه حق، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن أين المنصف؟ وقيل: بل جَمْعُ أخيه الشريف الرضي» (^١).\nوهذا الكتاب أيها العقلاء المنصفون مع أن هذا حاله يعتبره الرافضة أصح من \"صحيح البخاري\"! ويقولون عنه بأنه المعين الصافي والبلسم الشافي والكلام الوافي لكافة العلماء والبلغاء والفصحاء والخطباء! فلا يستغني عنه عندهم إلا متساهل، ولا يقدح في صحته إلا ناصبي جاهل؟!\nفمن يا تُرى المتساهل الجاهل؟ الذي يقيم دعواه على علم وبينة أم الذي يقيمها على جهل وعصبية؟\nومن يا تُراه الناصبي؟ أهو الذي يكره كافة أصحاب النبي - ﷺ - سوى نفر من آل البيت -كما هو حال الرافضة- أم الذي يحب جميع أصحاب النبي - ﷺ - بمن فيهم آل البيت الكرام من غير إفراط ولا تفريط، كما هو حال أهل السُّنَّة والجماعة (^٢)؟\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧/ ٥٨٩)، ترجمة: المرتضى علي بن حسين بن موسى القرشي، رقم الترجمة (٣٩٤).\n(^٢) مذهب أهل السنة والجماعة تولي ومحبة أصحاب النبي - ﷺ - جميعًا. وممن ذكر مذهبهم في ذلك:\n١ - ابن قدامة، حيث قال: «ومن السُّنَّة تولي أصحاب رسول الله - ﷺ - ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. وقال النبي - ﷺ -: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَأِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ). لمعة الاعتقاد لابن قدامة (ص:٣٩). وقد تقدم.\nوحديث: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي)، الحديث أخرجه في: صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. وقد تقدم.\n٢ - ابن تيمية، حيث قال: «ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب محمد الله - ﷺ -، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر:١٠]. وطاعة للنبي - ﷺ - في قوله: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)». العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص:١١٥).\nوقال أيضًا مبينًا تبرؤ أهل السنة والجماعة مما يقوله المبتدعة في حق الصحابة وأهل البيت: «ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة». العقيدة الواسطية لابن تيمية (ص:١١٩ - ١٢٠). قد تقدم.","vol":"1","page":282},{"text":"ومما يؤكد كلام الإمام الذهبي وغيره في \"نهج البلاغة\": هذه العبارات التي نقلها صاحب الرسالة منه منسوبة لعلي - ﵁ -، حيث قال: «وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ» (^١)، إلى أن قال: «وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي، وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي، وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ صلى الله عليه وآله وَالْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالْأَفْنِيَةُ، مَلَأٌ يَهْبِطُ وَمَلَأٌ يَعْرُجُ» (^٢).\nفهل يُعقل أن يصدر مثل هذا الكلام الغالي غير المعقول من سيدنا علي - ﵁ -، وهو العبد التقي النقي الورع الذي حارب الغلاة وحرقهم بالنار، والذي كان يقول - ﵁ -: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (^٣)؟\nالجواب بالطبع: لا، بل لو حلف المرء بالطلاق -وهو لا يجوز- أو حلف بين الركن والمقام أن عليًا - ﵁ - لم يقله لم يحنث؛ وذلك لما اشتمل عليه من الغلو المفرط الذي خرج عن حد الاعتدال، إذ كيف يصح عنه - ﵁ - أن يدَّعي أن نفس النبي - ﷺ - سالت في كفه ثم أمرَّها على وجهه والله تعالى قد حدَّثنا عن الروح أنها من أمره، وأنه لا يعرف أحد حقيقتها وكُنهِها إلا هو - جل وعلا -، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء:٨٥]. فالنبي - ﷺ - الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق لا يعلم شيئًا عن الروح -وهي: النفس- إلا أنها من أمر الله. فالذي يدعي بعده - ﷺ - أنه يعلم منها غير ذلك فهو كاذب، وقد حجب الله عن الإنسان الحي معرفتها ورؤيتها، ولا يراها إلا الميت، وذلك بعد أن تغادر جسده وترتفع إلى السماء، فيتبعها بصره، ولذلك يبقى شاخصًا إليها حتى تُغمض عيناه. أخبر بذلك النبي - ﷺ -، فعن أم سلمة - ﵂ - قالت: (دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ) (^٤).\n_________\n(^١) نهج البلاغة، لأبي الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي (ص:٣١١)، رقم (١٩٧).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) صحيح البخاري معلقًا، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا (١/ ٣٧)، رقم (١٢٧).\n(^٤) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر (٢/ ٦٣٤)، رقم (٩٢٠).","vol":"1","page":283},{"text":"وكيف يصح عنه أيضًا - ﵁ - أن الملائكة - ﵈ - كانت تعينه في تغسيل النبي - ﷺ - وهم من قضايا الغيب التي لم يطلع عليها إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟ ولهذا كان الإيمان بهم - ﵈ - أحد أركان الإيمان الستة التي لا يصح إيمان العبد إلا بها (^١). صحيح أن بعضًا من الملائكة - ﵈ - كانوا يتمثلون في صور بشر ويكلمون بعض الناس في الأمم السابقة، لكن ذلك كان نادرًا جدًا، حتى سماه النبي - ﷺ -: (أعجوبة). ومن ثمَّ أذن - ﷺ - في التحديث بها عنهم - ﵈ - (^٢). ومثل هذا التكليم والاجتماع لم يحدث في هذه الأمة قط، فنسبته إلى شخص ما لا بد عليه من دليل صحيح من الشرع، وإلا فإنه من الكذب الصريح الذي نربأ بعقولنا أن تصدقه، ونبرأ إلى الله تعالى منه.\nأفلستم معي بعد هذا أن حق هذا الكتاب أن يُسمى: نهج الكذب؛ فهو ألصق به وأليق عليه؟ غير أن ذلك لا ينفي كونه كتاب أدب لا يشق له فيه غبار، ولا يُلحق له فيه شأو، وأنه لا مانع من استفادة أهل الاختصاص منه.\n_________\n(^١) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - قال في حديث سؤال جبريل - ﵇ - للنبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعلامتها -وفيه-: (قَالَ -يعني: جبريل - ﵇ -: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ -يعني: النبي - ﷺ -: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ). صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة (١/ ٣٧)، رقم (٨).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)، الحديث. صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (١/ ١٩)، رقم (٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة (١/ ٣٩)، رقم (٩).\n(^٢) عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تَحَدَّثُوا -وفي رواية تمَّام: حَدِّثُوا- عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ فَإِنَّهُ كَانَتْ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبً. ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَتَوْا مَقْبَرَةً مِنْ مَقَابِرِهُمْ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ فَدَعَوْنَا اللَّهَ - ﷿ - يُخْرِجُ لَنَا بَعْضَ الْأَمْوَاتِ يُخْبِرُنَا عَنِ الْمَوْتِ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ رَجُلٌ رَأْسَهُ مِنْ قَبْرٍ بَيْنَ عَيْنَيْهُ أَثَرُ السُّجُودِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ! مَا أَرَدْتُمْ إِلِيَّ؟ فَوَاللهِ لَقَدْ مِتُّ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ فَمَا سَكَنَتْ عَنِّي حَرَارَةُ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ الْآنَ، فادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَّا كُنْتُ). المنتخب من مسند عبد بن حُميد (ص:٣٤٩)، رقم (١١٥٦)، وفوائد تمَّام (١/ ٩٩ - ١٠٠)، رقم (٢٢٩). وقال الألباني: «صح الحديث». السلسلة الصحيحة للألباني (٦/ ١٠٢٩)، رقم (٢٩٢٦).","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الرد على كلام صاحب الرسالة في الشعبي وعائشة - ﵂ </span>-:\nأولًا: لم يكتفِ صاحب الرسالة بما نقله من \"نهج البلاغة\" من كذب بليغ، بل راح يضيف إليه كذبًا من عند نفسه، يرفضه الواقع وتأباه العقول وتمجه النفوس! فهو يزعم: \"أن الإمام الشعبي من المنحرفين عن علي - ﵁ - \"، أي: أنه من النواصب. وأقول في الرد على فريته هذه:\n١ - حاشا الإمام الشعبي أن يكون من المنحرفين عن علي - ﵁ -، وهو الذي تتلمذ على علي - ﵁ - وروى عنه! كما في \"صحيح البخاري\" و\"المسند\" والسنن.\n٢ - ما هو دليله على انحرافه عنه؟ هل كان يشتمه وينال منه؟ فليأتِ بدليل واحد على ذلك إن كان صادقًا، ولكنها شنشنة معروفة من رافضي.\n٣ - من يقرأ سيرة الشعبي يجد أنه من أئمة التابعين الذين شهدت لهم الأمة بالإمامة في الدين مع كثرة العلم والعمل وحسن المعتقد في أصحاب النبي - ﷺ - وآل بيته الكرام، وخاصة عليًا - ﵁ -، ومما أثر عنه في ذلك:\nأ- قال: «أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ - ﵃ -» (^١).\nب- عن أبي عمرو عن الشعبي قال: «أَصْبَحَتِ الأُمَّةُ عَلَى أَرْبَعِ فِرَقٍ: مُحِبٌّ لِعَلِيٍّ مُبْغِضٌ لِعُثْمَانَ، وَمُحِبٌّ لِعُثْمَانَ مُبْغِضٌ لِعَلِيٍّ، وَمُحِبٌّ لَهُمَا، وَمُبْغِضٌ لَهُمَا. قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِمَا أَنْتَ؟ قَالَ: مُبْغِضٌ لِبَاغِضِهِمَا» (^٢).\nثانيًا: أسوأ من تهجم صاحب الرسالة هذا على الشعبي محاولته المستميتة لإقصاء عائشة - ﵂ - عن شهودها لموته - ﵊ - مع أنه - ﷺ - توفي في بيتها - ﵂ -! وقصده من ذلك: إبطال حديثها السابق - ﵂ -، حيث ذكر من جملة ما ذكر من أدلة واهية:\n١ - \"أن حضورها مع قرابات النبي - ﷺ - حرام\". وهذا لا شك أنه على إطلاقه حكم غريب يفتقر إلى دليل، فإن الله تعالى إنما حرم الاجتماع بنساء النبي - ﷺ - إذا كان بغير حجاب، وأما مع وجوده ووجود المحرم كذلك -كما هو الحال هنا- فلا.\n٢ - وأغرب من حكمه هذا في حضورها: استنكاره الشديد عليها - ﵂ - أن تسند إلى صدرها رسول الله - ﷺ - وهو في تلك الحالة الشديدة -حالة الاحتضار- مع صغر سنها وضعف بنيتها، كما يقول!\n_________\n(^١) المعجم لابن المقرئ (ص:١١٨)، رقم (٣٠٥)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢٥/ ٣٤٨)، ترجمة: عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي، رقم الترجمة (٣٠٤٧).\n(^٢) الضعفاء الكبير للعقيلي (٤/ ١٨٠)، ترجمة: المغيرة بن سعيد، رقم الترجمة (١٧٥٥)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢٥/ ٣٧١)، ترجمة: عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي، رقم الترجمة (٣٠٤٧). واللفظ المذكور ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٠٨)، ترجمة: الشعبي عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كِبَارٍ، رقم الترجمة (١١٣).","vol":"1","page":285},{"text":"وهذا الاستنكار في غير محله:\nأ- لأنها - ﵁ - لم تكن صغيرة السن ولا ضعيفة البُنية، كما يدّعي، بل كانت ممتلئةً لحمًا، وبسبب كثرة لحمها عجزت أن تسبق النبي - ﷺ - في المسابقة الثانية بينهما (^١)، كما جاء في الرواية التي أنكرها، وكان سِنُّها يوم وفاته - ﵊ - ثمانية عشر عامًا أو تزيد.\nب- لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستند فيها النبي - ﷺ - إليها - ﵂ -، فقد كان في حال صحته يتكئ في حجرها وهي حائض ثم يقرأ القرآن (^٢).\nوفي حديث آخر في قصة التيمم: عن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ) (^٣).\nولها - ﵂ - فضائل أخرى كثيرة غير ما تقدم، منها:\n١ - أن الله تعالى أنزل براءتها من الإفك في آيات تتلى إلى يوم القيامة (^٤). وقد أجمع العلماء بعد ذلك على أن قاذفها كافر حلال الدم والمال (^٥).\n_________\n(^١) عن عائشة - ﵂ -: (أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ). مسند أحمد (٤٠/ ١٤٤)، رقم (٢٤١١٨)، وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل (٣/ ٣٠)، رقم (٢٥٧٨). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن أبي داود للألباني (٢/ ١١٨)، رقم (٢٥٧٨).\n(^٢) عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ). صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض (١/ ٦٧)، رقم (٢٩٧)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب اتكاء الرجل في حجر زوجته وهي حائض وقراءة القرآن (١/ ٢٤٦)، رقم (٣٠١).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب التيمم -ولم يذكر له بابًا- (١/ ٧٤)، رقم (٣٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم (١/ ٢٧٩)، رقم (٣٦٧).\n(^٤) عن عائشة - ﵂ - في حديث قصة الإفك الطويل -وفيه-: (فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، عَشْرَ آيَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ - هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي). صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا (٣/ ١٧٦)، رقم (٢٦٦١)، وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (٤/ ٢١٣٦)، رقم (٢٧٧٠).\n(^٥) وممن نقل الإجماع على ذلك:\n١ - الإمام النووي، حيث قال: «براءة عائشة - ﵂ - من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين». شرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ١١٧).\n٢ - ابن تيمية، حيث قال: «قال القاضي أبو يعلى: \"من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف\". وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم». الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (ص:٥٦٥ - ٥٦٦).\n٣ - ابن القيم، حيث قال: «واتفقت الأمة على كفر قاذفها». زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (١/ ١٠٣).\n٤ - ابن كثير، حيث قال: «وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها». البداية والنهاية لابن كثير (٨/ ٩٩).\n٥ - زين الدين العراقي، حيث قال: «فصارت براءة عائشة - ﵂ - من الإفك براءة قطعية بنص القرآن، فلو شك فيها إنسان والعياذ بالله تعالى صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين». طرح التثريب في شرح التقريب لزين الدين العراقي (٨/ ٦٩).","vol":"1","page":286},{"text":"٢ - أنها أحب النساء إلى النبي - ﷺ - كما أن أباها - ﵁ - أحب الرجال إليه. فعن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ -: (أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أَبُوهَا) (^١).\n٣ - أنها زوجته في الآخرة. ومعنى ذلك: أنها معه في درجته. وليس فوق ذلك فضل ولا مفخر. فعن عائشة - ﵂ -: (أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (^٢).\n٤ - أنه كان يأتيه الوحي - ﵊ - وهو في اللحاف معها دون سائر أزواجه - ﵁ - ن، وقد خاطب - ﷺ - بذلك أم سلمة - ﵂ - فقال لها: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ! لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا) (^٣).\n٥ - عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) (^٤).\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا) (٥/ ٥)، رقم (٣٦٦٢)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ - (٤/ ١٨٥٦)، رقم (٢٣٨٤).\n(^٢) سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب من فضل عائشة - ﵂ - (٥/ ٧٠٤)، رقم (٣٨٨٠)، وصحيح ابن حبان، كتاب إِخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة - ﵃ - أجمعين، ذكر عائشة أم المؤمنين - ﵂ - وعن أبيها (١٦/ ٦)، رقم (٧٠٩٤). وقال الألباني: «صحيح». صحيح سنن الترمذي للألباني (٣/ ٥٧٤)، رقم (٣٨٨٠).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب فضل عائشة - ﵂ - (٥/ ٣٠)، رقم (٣٧٧٥).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم:١١] إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم:١٢] (٤/ ١٥٨)، رقم (٣٤١١)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (٤/ ١٨٨٦)، رقم (٢٤٣١).","vol":"1","page":287},{"text":"٦ - أقرأها النبي - ﷺ - السلام من جبريل - ﵇ -. فعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - يومًا: (يَا عَائِشَ! هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ. فَقُلْتُ: وَ- ﵇ - وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى. تُرِيدُ: رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) (^١).\nإلى غير ذلك من فضائلها - ﵂ -.\nوإنما نبهت على هذه الفضائل ردًّا على صاحب الرسالة في قوله: «إن أكثر فضائل السيدة عائشة موضوعة». نعوذ بالله من الخذلان.\n\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب فضل عائشة - ﵂ - (٥/ ٢٩)، رقم (٣٧٦٨).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>الخاتمة</span>\nالحمد لله أولًا وآخرًا، والشكر له سبحانه باطنًا وظاهرًا، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وأزكى عباده، محمد - ﷺ -، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد:\nفالتشكيك في السنة المطهرة -سواء من حيث ورودها أو من حيث حجيتها والعمل بها- ليس وليد هذا العصر، ولا بدعة هذا الدهر، بل هو قديم، وقد وُجد يوم أن وجدت الفرق الضالة والمنحرفة فكريًا وعقديًا، وهي كثيرة جدًا، ويأتي في مقدمتها الزنادقة والرافضة، فالأولى أنكرت السنة النبوية وجحدتها تمامًا، والثانية أنكرت ما كان مرويًا من طريق أهل السنة، وأثبتت ما كان مرويًا من طريق أهل البيت فقط مما يتوافق مع أصولهم ومعتقداتهم.\nوقد انبرى العلماء عبر العصور للرد عليهم وإبطال شبهاتهم وتشكيكاتهم، واستمرت عجلة السنة والعمل بها في السير لم تتأثر بذلك الإنكار، ولم يأبه المسلمون بها، وكأنها لم تكن.\nغير أن إخوان الشياطين موجودون في كل زمان ومكان، فالعلمانيون -وهم زنادقة العصر وامتداد للزنادقة الأولين- والرافضة المنتشرون في أصقاع الأرض هم سليل أولئك الأقدمين، وقد حمل هؤلاء جميعًا على عاتقهم إكمال مسيرة إخوانهم، والسير على طريقهم في الإنكار والتشكيك في السنة النبوية في مؤلفاتهم وقنواتهم ومحاضراتهم وخطبهم.\nومن هؤلاء المشككين محام ومستشار مصري يدعى: \"أحمد عبده ماهر\" في منشور له سماه: \"صور من الضياع الفقهي للفقهاء\"، وآخر يمني من أهل تعز يدعى \"عدنان الجُنيد\" في منشور له سماه: \"رسالة تنزيه سيد الأنبياء عن أقوال الأغبياء\".\nفأما الجُنيد هذا فقد رددت عليه قديمًا، ونُشرت بعضًا من ردودي عليه في ذلك الوقت في عدة حلقات في إحدى الجرائد المحلية، تحت مُسمى: \"دحض مطاعن الأغبياء في سنة سيد الأنبياء\".\nوأما المستشار المصري فقد رددت عليه في منشور يحمل اسم هذا الكتاب\n-\"مع المشككين في السنة\"-، ونشرته في صفحتي في الفيس بوك، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.\nوقد اقترح عليَّ بعض الإخوة إخراج هذه الردود في كتاب، فلقي اقتراحه هذا قبولًا عندي، وعهدت بهذا الأمر إلى الأخ \"فاروق يحيى محمد الحاج\"، فقام وفقه الله بتنسيق هذا الكتاب وتحقيقه وتخريج أحاديثه، مع إضافة فصل لي عن خصائص السنة المطهرة، كنت قد نشرته في إحدى المجلات المحكَّمَة، جعلته كالتمهيد للكتاب، يُعرِف بالسنة والعمل بها، وحجيتها، وحكم منكرها، في مباحث عدة.","vol":"1","page":289},{"text":"وقد جاء هذا الكتاب بحمد الله يرد على جميع الشبه حول السنة إجمالًا، ويرد على معظمها تفصيلًا. وقد خلصت فيه إلى ما يلي:\n١ - أن السنة هي وحي من الله تعالى، تنزل بها جبريل - ﵇ - على نبينا محمد - ﷺ - كما تنزل عليه بالقرآن الكريم، غير أنه تنزل بها بمعناها دون لفظها، بخلاف القرآن الكريم فقد تنزل به من الله تعالى بمعناه ولفظه.\n٢ - أن منكر السنة مطلقًا كافر زنديق بإجماع العلماء، أما من ينكر بعضها دون بعض دون تأويل سائغ فهو ضال مبتدع.\n٣ - أن إثارة الشبه حول السنة هو مسلك أهل الزيغ والضلال ومن في قلوبهم مرض، وليس مسلك المتبعين الصادقين؛ وذلك لأن من السهل جدًا إثارة الشبهة حتى حول الأصول الثابتة التي لا تقبل الشك، وليس من السهل الرد عليها أو قبول الرد إلا لمن رزقه الله تعالى قلبًا سليمًا مخبتًا وعقلًا صحيحًا متزنًا.\n٤ - أن الردود على أصحاب هذه الشبه لا تُجْدِ معهم ولا تزيدهم إلا غيًا وضلالًا وإنكارًا؛ لأمرين اثنين:\nالأول: خلفيتهم الفكرية والعقدية التي جعلت من هذه الشُبه عندهم أصولًا وقطعيات لا مرية ولا شك فيها.\nوالثاني: مواقفهم الثابتة من السنة في كونها من وضع المؤلفين والحكام الأمويين، وليست من كلام النبي - ﷺ -.\nوكون هذه الردود لا تُجْدِ عند هؤلاء إلا أنها تجدي عند الجمهور الأعظم من المسلمين؛ لأمرين اثنين كذلك:\nالأول: الدفاع عن الحق وأهله الذي أوجبه الله تعالى على العلماء.\nوالثاني: تفنيد هذه الشُبه وإبطالها عن الجهلاء من أهل السنة؛ حتى لا تعلق بعقولهم وتتمكن من فطرهم السليمة.\n\nوآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nالمؤلف في (٢٥/ صفر/ ١٤٤٢ هـ)\nالموافق (١٢/ ١٠/٢٠٢٠ م)","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المراجع</span>\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - الإبانة الكبرى، ابن بطة.\n٣ - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، البوصيري.\n٤ - الإجماع، ابن المنذر.\n٥ - الأحاديث المختارة \"أو: المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما\"، الضياء المقدسي.\n٦ - إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، ابن دقيق العيد.\n٧ - أحكام القرآن، ابن العربي.\n٨ - أحكام أهل الذمة، ابن القيم.\n٩ - الأحكام في أصول الأحكام، ابن حزم.\n١٠ - الاختيار لتعليل المختار، البلدحي.\n١١ - أدب الإملاء والاستملاء، السمعاني.\n١٢ - الأدب المفرد، البخاري.\n١٣ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني.\n١٤ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الألباني.\n١٥ - أسامي من روى عنهم البخاري، ابن عدي.\n١٦ - الاستذكار، ابن عبد البر.\n١٧ - أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد، ابن حزم.\n١٨ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي.\n١٩ - أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطني، ابن القيسراني.\n٢٠ - الاعتقاد، البيهقي.\n٢١ - أعلام الحديث \"شرح صحيح البخاري\"، الخطابي.\n٢٢ - الأعلام، الزركلي.\n٢٣ - الإقناع في مسائل الإجماع، أبو الحسن ابن القطان.","vol":"1","page":291},{"text":"٢٤ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض.\n٢٥ - الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، ابن أبي الخير العمراني اليمني.\n٢٦ - الانتصار للقرآن، القاضي أبو بكر الباقلاني.\n٢٧ - الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحمن المعلمي.\n٢٨ - أنيس الساري في تخريج وتحقيق الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، أبو حذيفة نبيل بن منصور بن يعقوب بن سلطان البصارة الكويتي.\n٢٩ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، ابن المنذر.\n٣٠ - البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، أحمد بن يحيى المرتضى. [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة].\n٣١ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد.\n٣٢ - البداية والنهاية، ابن كثير.\n٣٣ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني.\n٣٤ - بدائع الفوائد، ابن القيم.\n٣٥ - البدر المنير، ابن الملقن.\n٣٦ - بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، أبو الحسن بن القطان.\n٣٧ - تاريخ أصبهان، أبو نعيم الأصبهاني.\n٣٨ - تاريخ الإسلام، الذهبي.\n٣٩ - تاريخ الرسل والملوك \"المشهور بـ: تاريخ الطبري\"، الطبري.\n٤٠ - التاريخ الكبير، البخاري.\n٤١ - تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي.\n٤٢ - تاريخ دمشق، ابن عساكر.\n٤٣ - التبصرة والتذكرة في علوم الحديث \"المشهور بـ: ألفية العراقي\"، العراقي.\n٤٤ - تحرير علوم الحديث، عبد الله بن يوسف الجديع.\n٤٥ - تحقيق كتاب الإيمان لابن تيمية، الألباني.\n٤٦ - تحقيق مشكاة المصابيح لولي الدين العمري التبريزي، الألباني.\n٤٧ - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، السيوطي.","vol":"1","page":292},{"text":"٤٨ - تذكرة الحفاظ، الذهبي.\n٤٩ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، ابن حجر.\n٥٠ - التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، الألباني.\n٥١ - تفسير ابن أبي حاتم.\n٥٢ - تفسير ابن رجب الحنبلي.\n٥٣ - تفسير البغوي.\n٥٤ - تفسير القرآن العظيم \"المشهور بـ: تفسير ابن كثير\"، إسماعيل بن كثير الدمشقي.\n٥٥ - تقريب التهذيب، ابن حجر.\n٥٦ - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث، النووي.\n٥٧ - تقويم الأدلة في أصول الفقه، الدبوسي.\n٥٨ - تقييد العلم، الخطيب البغدادي.\n٥٩ - تمام المنة في التعليق على فقه السنة، الألباني.\n٦٠ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر.\n٦١ - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة والموضوعة، ابن عراق الكناني.\n٦٢ - التنوير شرح الجامع الصغير، ابن الأمير الصنعاني.\n٦٣ - تهذيب التهذيب، ابن حجر.\n٦٤ - تهذيب اللغة، الأزهري.\n٦٥ - توجيه النظر إلى أصول الأثر، السمعوني الجزائري.\n٦٦ - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، ابن الأمير الصنعاني.\n٦٧ - الثقات، ابن حبان.\n٦٨ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن \"المشهور بـ: تفسير ابن جرير، وبـ: تفسير الطبري\"، محمد بن جرير الطبري.\n٦٩ - جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر.\n٧٠ - الجامع لأحكام القرآن \"المشهور بـ: تفسير القرطبي\"، محمد بن أحمد القرطبي.\n٧١ - الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم.\n٧٢ - جمع الجوامع \"ويسمى: الجامع الكبير\"، السيوطي.\n٧٣ - الجمل في النحو، الخليل بن أحمد الفراهيدي.","vol":"1","page":293},{"text":"٧٤ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية.\n٧٥ - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ابن القيم.\n٧٦ - حاشية السندي على سنن ابن ماجة.\n٧٧ - حاشية السيوطي على سنن النسائي، السيوطي. \"مطبوع مع: سنن النسائي\".\n٧٨ - حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي.\n٧٩ - الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، الماوردي.\n٨٠ - حجة النبي - ﷺ - كما رواها عنه جابر - ﵁ -، الألباني.\n٨١ - الحطة في ذكر الصحاح الستة، السيد صديق حسن خان القنوجي.\n٨٢ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني.\n٨٣ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي.\n٨٤ - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، الدكتور/ محمد مصطفى الأعظمي.\n٨٥ - دراسات في علم الدراية، علي أكبر غفاري. [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة].\n٨٦ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، البيهقي.\n٨٧ - دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني.\n٨٨ - ذم الكلام وأهله، الهروي.\n٨٩ - الرحلة في طلب الحديث، الخطيب البغدادي.\n٩٠ - الرسالة، الشافعي.\n٩١ - الروح، ابن القيم.\n٩٢ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني \"المشهور بـ: تفسير الألوسي\"، الألوسي.\n٩٣ - الروض الباسم في الذبِّ عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير.\n٩٤ - روضة الطالبين وعمدة المفتين، النووي.\n٩٥ - رؤية الله، الدارقطني.\n٩٦ - زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم.\n٩٧ - الزاهر في معاني كلمات الناس، أبو بكر الأنباري.\n٩٨ - الزهد، نعيم بن حماد. \"مطبوع في: نهاية الزهد والرقائق لابن المبارك، وهو الجزء الثاني من الكتاب\".","vol":"1","page":294},{"text":"٩٩ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها \"المشهور بـ: السلسلة الصحيحة\"، الألباني.\n١٠٠ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة \"المشهور بـ: السلسلة الضعيفة\"، الألباني.\n١٠١ - السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، مصطفى بن حسني السباعي.\n١٠٢ - السنة، عبد الله بن الإمام أحمد.\n١٠٣ - السنة، محمد بن نصر المروزي.\n١٠٤ - سنن ابن ماجة.\n١٠٥ - سنن أبي داود.\n١٠٦ - سنن الترمذي.\n١٠٧ - سنن الدارقطني.\n١٠٨ - سنن الدارمي.\n١٠٩ - السنن الكبرى، البيهقي.\n١١٠ - السنن الكبرى، النسائي.\n١١١ - السنة النبوية وحي رباني مناقشة لدعاوى أعداءِ السنة النبوية، محمد أحمد صبرة.\n١١٢ - سير أعلام النبلاء، الذهبي.\n١١٣ - السيرة النبوية، ابن هشام.\n١١٤ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، الشوكاني.\n١١٥ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، اللالكائي.\n١١٦ - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، محمد بن عبد الباقي الزرقاني.\n١١٧ - شرح السنة، البغوي.\n١١٨ - شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، السيوطي.\n١١٩ - شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي.\n١٢٠ - الشرح الكبير، شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن\nأحمد بن قدامة. \"مطبوع مع: المقنع والإنصاف\".\n١٢١ - شرح تنقيح الفصول، القرافي.\n١٢٢ - شرح حديث النزول، ابن تيمية.","vol":"1","page":295},{"text":"١٢٣ - شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين.\n١٢٤ - شرح صحيح البخاري، ابن بطال.\n١٢٥ - شرح مختصر الروضة، الطوفي.\n١٢٦ - شرح مذاهب أهل السنة ومعرفة شرائع الدين والتمسك بالسنن، ابن شاهين.\n١٢٧ - شرح معاني الآثار، الطحاوي.\n١٢٨ - شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغدادي.\n١٢٩ - الشريعة، الأجري.\n١٣٠ - شعب الإيمان، البيهقي.\n١٣١ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض.\n١٣٢ - الصارم المسلول على شاتم الرسول، ابن تيمية.\n١٣٣ - صحيح ابن حبان.\n١٣٤ - صحيح ابن خزيمة.\n١٣٥ - صحيح الأدب المفرد، الألباني.\n١٣٦ - صحيح البخاري.\n١٣٧ - صحيح الجامع الصغير وزيادته، الألباني.\n١٣٨ - صحيح سنن ابن ماجة، الألباني.\n١٣٩ - صحيح سنن أبي داود، الألباني.\n١٤٠ - صحيح سنن الترمذي، الألباني.\n١٤١ - صحيح سنن النسائي، الألباني.\n١٤٢ - صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة، أبو مالك كمال بن السيد سالم.\n١٤٣ - صحيح مسلم.\n١٤٤ - صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، الألباني.\n١٤٥ - صحيح وضعيف تاريخ الطبري، تحقيق وتخريج وتعليق: محمد بن طاهر البرزنجي.\n١٤٦ - صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، ابن الصلاح.\n١٤٧ - الضعفاء الكبير، العقيلي.\n١٤٨ - ضعيف الجامع الصغير وزيادته، الألباني.\n١٤٩ - ضعيف سنن ابن ماجة، الألباني.","vol":"1","page":296},{"text":"١٥٠ - ضوابط الجرح والتعديل، الدكتور/ عبد العزيز محمد بن إبراهيم العبد اللطيف.\n١٥١ - الطبقات الكبرى، ابن سعد.\n١٥٢ - طبقات خليفة بن خياط.\n١٥٣ - طرح التثريب في شرح التقريب، زين الدين العراقي.\n١٥٤ - ظلال الجنة في تخريج السنة، الألباني. \"مطبوع مع: كتاب السنة لابن أبي عاصم\".\n١٥٥ - عقيدة المسلمين، صالح البليهي.\n١٥٦ - العقيدة الواسطية، ابن تيمية.\n١٥٧ - العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، الذهبي.\n١٥٨ - علوم الحديث، ابن تيمية.\n١٥٩ - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير.\n١٦٠ - الغريبين في القرآن والحديث، أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي.\n١٦١ - الفائق في غريب الحديث والأثر، الزمخشري.\n١٦٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني.\n١٦٣ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير \"المشهور بـ: تفسير الشوكاني\"، محمد بن علي الشوكاني.\n١٦٤ - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، السخاوي.\n١٦٥ - الفَرق بين الفِرق وبيان الفرقة الناجية، عبد القاهر البغدادي.\n١٦٦ - الفصول في الأصول، الجصاص.\n١٦٧ - الفقه الإسلامي وأدلته، الأستاذ الدكتور/ وهبة بن مصطفى الزحيلي.\n١٦٨ - الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي.\n١٦٩ - الفوائد \"المشهور بـ: فوائد تمَّام\"، تمَّام.\n١٧٠ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ابن تيمية.\n١٧١ - قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، السيوطي.\n١٧٢ - القطوف الدانية فيما انفرد به الدارمي عن الثمانية، جمع وتحقيق: الدكتور/ مرزوق بن هياس الزهراني.\n١٧٣ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، جمال الدين القاسمي.\n١٧٤ - الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي.","vol":"1","page":297},{"text":"١٧٥ - كتاب السنة، ابن أبي عاصم.\n١٧٦ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار \"المشهور بـ: مصنف ابن أبي شيبة\"، ابن أبي شيبة.\n١٧٧ - الكتاب، سيبويه.\n١٧٨ - الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي.\n١٧٩ - لمعة الاعتقاد، ابن قدامة.\n١٨٠ - لوائح الأنوار السنية ولواقح الأفكار السنية \"وهو: شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية\"، السفاريني.\n١٨١ - ما صح من آثار الصحابة في الفقه، زكريا بن غلام قادر الباكستاني.\n١٨٢ - متن الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، أحمد بن يحيى المرتضى. [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة].\n١٨٣ - المجتبى من السنن \"المشهور بـ: سنن النسائي\"، النسائي.\n١٨٤ - المجروحين من المحدثين، ابن حبان.\n١٨٥ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي.\n١٨٦ - مجموع الفتاوى، ابن تيمية.\n١٨٧ - المجموع شرح المهذب \"مع: تكملة السبكي والمطيعي\"، النووي.\n١٨٨ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي.\n١٨٩ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز \"المشهور بـ: تفسير ابن عطية\"، أبو محمد عبد الحق ابن عطية الأندلسي.\n١٩٠ - المحصول، الرازي.\n١٩١ - المحلى بالآثار، ابن حزم.\n١٩٢ - مختصر اختلاف العلماء، الطحاوي.\n١٩٣ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، البعلي.\n١٩٤ - مختصر العلو للعلي العظيم للذهبي، الألباني.\n١٩٥ - مختصر المقاصد الحسنة، محمد بن عبد الباقي الزرقاني.\n١٩٦ - المختصر الوجيز في علوم الحديث، الدكتور/ محمد عجاج الخطيب.\n١٩٧ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم.\n١٩٨ - المدخل إلى السنن الكبرى، البيهقي.\n١٩٩ - مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، ابن حزم.\n٢٠٠ - مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى، محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأُرمي العَلوي الأثيوبي الهَرَري الكري البُوَيطي.\n٢٠١ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري.","vol":"1","page":298},{"text":"٢٠٢ - مرويات الإمام الزهري في المغازي، محمد بن محمد العواجي.\n٢٠٣ - مساوئ الأخلاق، الخرائطي.\n٢٠٤ - المستدرك على الصحيحين، الحاكم.\n٢٠٥ - مسند ابن أبي شيبة.\n٢٠٦ - مسند أبي يعلى الموصلي.\n٢٠٧ - مسند أحمد.\n٢٠٨ - مسند البزار.\n٢٠٩ - مسند الحميدي.\n٢١٠ - مسند الشاميين، الطبراني.\n٢١١ - المسند الصحيح المخرج على صحيح مسلم \"المشهور بـ: مستخرج أبي عوانة\"، أبو عوانة.\n٢١٢ - مشارق الأنوار الوهاجة ومطالع الأسرار البهاجة في شرح سنن الإمام ابن ماجه لمحمد بن علي بن آدم بن موسى.\n٢١٣ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، الفيومي.\n٢١٤ - مصنف عبد الرزاق الصنعاني.\n٢١٥ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ابن حجر العسقلاني، \"تحقيق: مجموعة من الباحثين في (١٧) رسالة جامعية، تنسيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشَّثري\".\n٢١٦ - مع الاثني عشرية في الأصول والفروع، الدكتور/ علي السالوس.\n٢١٧ - معالم السنن، الخطابي.\n٢١٨ - المعجم الأوسط، الطبراني.\n٢١٩ - المعجم الصغير، الطبراني.\n٢٢٠ - معجم ألفاظ العقيدة، أبو عبد الله عامر عبد الله فالح.\n٢٢١ - المعجم الكبير، الطبراني.\n٢٢٢ - معجم مصطلحات الرجال والدراية، إصدار: مركز البحوث التابع لمؤسسة دار الحديث، تحت إشراف وتوجيه: محمد كاظم رحمان ستايش. [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة].\n٢٢٣ - المعجم، ابن المقرئ.\n٢٢٤ - معرفة السنن والآثار، البيهقي.","vol":"1","page":299},{"text":"٢٢٥ - معرفة أنواع علوم الحديث \"المشهور بـ: مقدمة ابن الصلاح\"، عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح الشهرزوري.\n٢٢٦ - معرفة علوم الحديث، الحاكم.\n٢٢٧ - المعلم بفوائد مسلم، المازري.\n٢٢٨ - المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار، زين الدين العراقي. \"مطبوع في: هامش إحياء علوم الدين للغزالي\".\n٢٢٩ - المغني، ابن قدامة.\n٢٣٠ - مفاتيح الغيب \"أو: التفسير الكبير، المشهور بـ: تفسير الرازي\"، الرازي.\n٢٣١ - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، جلال الدين السيوطي.\n٢٣٢ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، أبو العباس القرطبي.\n٢٣٣ - المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي، الهيثمي.\n٢٣٤ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ابن القيم.\n٢٣٥ - مناقب الشافعي، البيهقي.\n٢٣٦ - المنتخب من مسند عبد بن حُميد.\n٢٣٧ - المنتقى شرح الموطأ، أبو الوليد الباجي.\n٢٣٨ - منزلة السنة في الإسلام، الألباني.\n٢٣٩ - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، ابن تيمية.\n٢٤٠ - منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي. [كتاب إلكتروني - صفحاته مرقمة آليًا، وليست موافقة في ترقيمها للنسخ المطبوعة].\n٢٤١ - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج \"المشهور بـ: شرح صحيح مسلم للنووي، وبـ: شرح النووي على مسلم\"، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي\".\n٢٤٢ - موافقة الخَبر الخُبر في تخريج أحاديث المختصر، ابن حجر.\n٢٤٣ - موسوعة الألباني في العقيدة.\n٢٤٤ - موسوعة ويكييديا. [موسوعة إلكترونية].\n٢٤٥ - الموضوعات، ابن الجوزي.\n٢٤٦ - موطأ مالك \"تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي\".\n٢٤٧ - الموقظة في علم مصطلح الحديث، الذهبي.","vol":"1","page":300},{"text":"٢٤٨ - ميزان الاعتدال، الذهبي.\n٢٤٩ - ناسخ الحديث ومنسوخه، ابن شاهين.\n٢٥٠ - نثر الورود شرح مراقي السعود، محمد الأمين الشنقيطي.\n٢٥١ - نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، ابن حجر العسقلاني.\n٢٥٢ - نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني.\n٢٥٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول، القرافي.\n٢٥٤ - نقد مراتب الإجماع، ابن تيمية.\n٢٥٥ - النكت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر.\n٢٥٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر، المبارك بن محمد ابن الأثير الجزري.\n٢٥٧ - نهج البلاغة، أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي.\n٢٥٨ - نيل الأوطار، الشوكاني.\n٢٥٩ - هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني.\n٢٦٠ - وامحمداه إن شانئك هو الأبتر، سيد بن حسين العفاني.","vol":"1","page":301}]}