{"ً":{"ٌ":17066,"ٍ":"فتح الرحمن في بيان هجر القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الرقاق والآداب والأذكار/فتح الرحمن في بيان هجر القرآن - آل عبد العزيز - ط ابن خزيمة","files":["113335.pdf"]},"ّ":"الكتاب: فتح الرحمن في بيان هجر القرآن\nالمؤلف: أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز، أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح\nتقديم: فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن مفسر القحطاني، فضيلة الشيخ عبد الله بن مانع الروقي\nالناشر: دار ابن خزيمة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الصفحات: ٤٠١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2688,"ٕ":23,"ٖ":1770156050,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة فضيلة الشيخ الدكتور / سعيد بن مسفر القحطاني","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة فضيلة الشيخ / عبد الله بن مانع الروقي","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة فضيلة الدكتور / محمود بن أحمد الدوسري","level":2,"page":5},{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":2,"page":7},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":2,"page":10},{"title":"سبب تأليف الكتاب","level":2,"page":12},{"title":"منهج الكتاب","level":2,"page":13},{"title":"تمهيد هجر القرآن","level":1,"page":15},{"title":"الفصل الأول معنى هجر القرآن","level":2,"page":16},{"title":"الفصل الثاني عاقبة هجر القرآن","level":2,"page":21},{"title":"حكم هجر القرآن","level":3,"page":28},{"title":"أنواع هجر القرآن","level":3,"page":29},{"title":"الباب الأول هجر التلاوة","level":1,"page":32},{"title":"الفصل الأول أسباب هجر التلاوة","level":2,"page":33},{"title":"تمهيد","level":3,"page":34},{"title":"معنى التلاوة","level":3,"page":34},{"title":"التلاوة لغة","level":4,"page":34},{"title":"التلاوة اصطلاحا","level":4,"page":35},{"title":"أسباب هجر التلاوة","level":3,"page":36},{"title":"أولا: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم.","level":4,"page":36},{"title":"ثانيا: الانشغال بالدنيا","level":4,"page":38},{"title":"ثالثا: الفتور وضعف الهمة","level":4,"page":39},{"title":"رابعا: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن","level":4,"page":41},{"title":"خامسا: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن","level":4,"page":43},{"title":"الفصل الثاني صور من هجر التلاوة","level":2,"page":46},{"title":"أولا: التلحين في القراءة","level":3,"page":47},{"title":"ثانيا: جمع القراءات في مجلس واحد","level":3,"page":49},{"title":"ثالثا: بدع قراءة الفاتحة","level":3,"page":50},{"title":"رابعا: بدعة أخذ الفأل من المصحف","level":3,"page":51},{"title":"خامسا: قراءة القرآن عند القبر","level":3,"page":52},{"title":"سادسا: قراءة القرآن للأموات","level":3,"page":54},{"title":"الفصل الثالث أحوال الناس مع القرآن الكريم","level":2,"page":55},{"title":"قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -","level":3,"page":56},{"title":"قال الإمام ابن القيم - ﵀ -","level":3,"page":58},{"title":"هؤلاء هجروا تلاوة القرآن؟!","level":3,"page":59},{"title":"الطائفة الأولى: (بعض الأئمة)","level":4,"page":59},{"title":"الطائفة الثانية: بعض الأغنياء","level":4,"page":60},{"title":"الطائفة الثالثة: بعض قراء القرآن","level":4,"page":61},{"title":"الطائفة الرابعة: المتصوفة","level":4,"page":61},{"title":"الطائفة الخامسة: بعض المثقفين","level":4,"page":62},{"title":"الطائفة السادسة: بعض العامة","level":4,"page":62},{"title":"الطائفة السابعة: جماعة اللهو والعبث","level":4,"page":63},{"title":"الفصل الرابع فضل تلاوة القرآن الكريم","level":2,"page":64},{"title":"المبحث الأول: فضل تلاوة القرآن الكريم","level":3,"page":65},{"title":"١ - تلاوة القرآن الكريم تحصيل للأجر العظيم","level":4,"page":65},{"title":"٢ - تلاوة القرآن سبب لتنزل السكينة","level":4,"page":67},{"title":"أ - في الدنيا","level":5,"page":68},{"title":"ب - في القبر","level":5,"page":68},{"title":"جـ - في يوم القيامة","level":5,"page":69},{"title":"المبحث الثاني: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة","level":3,"page":72},{"title":"١ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن","level":4,"page":72},{"title":"٢ - سورة البقرة حصن يمنع من الشيطان","level":4,"page":72},{"title":"٣ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن","level":4,"page":73},{"title":"أ - دبر كل صلاة مكتوبة","level":5,"page":74},{"title":"ب - أذكار الصباح والمساء","level":5,"page":74},{"title":"جـ - عند النوم","level":5,"page":74},{"title":"٤ - فضل سورة آل عمران","level":4,"page":75},{"title":"٥ - سورة الكهف حصن يعصم من الدجال","level":4,"page":76},{"title":"٦ - سورة الفتح يحبها رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":77},{"title":"٧ - سورة تبارك تمنع من عذاب القبر","level":4,"page":77},{"title":"٨ - سورة الكافرون تعدل ربع القرآن","level":4,"page":77},{"title":"٩ - سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن","level":4,"page":78},{"title":"١٠ - فضل المعوذتين","level":4,"page":79},{"title":"المبحث الثالث أحاديث ضعيفة للتحذير منها","level":3,"page":81},{"title":"أولا: أحاديث ضعيفة في فضل القرآن","level":4,"page":81},{"title":"ثانيا: أحاديث ضعيفة في فضل قراءة القرآن عند المقابر","level":4,"page":83},{"title":"ثالثا: أحاديث ضعيفة في فضائل السور","level":4,"page":84},{"title":"١ - سورة الفاتحة","level":5,"page":84},{"title":"٢ - سورة البقرة","level":5,"page":85},{"title":"٣ - سورة آل عمران","level":5,"page":85},{"title":"٤ - سورة الكهف","level":5,"page":85},{"title":"٥ - سورة الرحمن","level":5,"page":85},{"title":"٦ - سورة يس","level":5,"page":85},{"title":"٧ - سورة الدخان","level":5,"page":86},{"title":"٨ - سورة الواقعة","level":5,"page":86},{"title":"٩ - سورة الحشر","level":5,"page":86},{"title":"١٠ - سورة الإخلاص والمعوذتين","level":5,"page":87},{"title":"رابعا: دعاء الحفظ الضعيف","level":4,"page":87},{"title":"الفصل الخامس آداب وأحكام تلاوة القرآن الكريم","level":2,"page":89},{"title":"١ - آداب تلاوة القرآن","level":3,"page":90},{"title":"١ - الإخلاص","level":4,"page":90},{"title":"٢ - الطهارة","level":4,"page":91},{"title":"٣ - السواك","level":4,"page":91},{"title":"٤ - نظافة المكان","level":4,"page":91},{"title":"٥ - استقبال القبلة","level":4,"page":91},{"title":"٦ - الاستعاذة والبسملة","level":4,"page":91},{"title":"٧ - الترتيل","level":4,"page":92},{"title":"٢ - صفة قراءة النبي - ﷺ - للقرآن","level":3,"page":92},{"title":"٣ - في كم يقرأ القرآن؟","level":3,"page":96},{"title":"٤ - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم عن ظهر قلب؟","level":3,"page":100},{"title":"٥ - هل الجهر بالقراءة أفضل أم الإسرار؟","level":3,"page":100},{"title":"٦ - هل يجوز مس المصحف على غير طهارة؟","level":3,"page":101},{"title":"٧ - هل يجوز قراءة القرآن للجنب والحائض؟","level":3,"page":103},{"title":"٨ - سجود التلاوة","level":3,"page":105},{"title":"٩ - حكم نسيان القرآن","level":3,"page":109},{"title":"١٠ - حكم تقليد صوت القارئ","level":3,"page":111},{"title":"١١ - حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح","level":3,"page":115},{"title":"الباب الثاني هجر استماع القرآن","level":1,"page":119},{"title":"الفصل الأول استماع القرآن الكريم","level":2,"page":120},{"title":"أولا: معنى السماع","level":3,"page":121},{"title":"ثانيا: فضائل استماع القرآن","level":3,"page":123},{"title":"ثالثا: آداب استماع القرآن الكريم","level":3,"page":127},{"title":"رابعا: سبب هجر استماع القرآن","level":3,"page":131},{"title":"الفصل الثاني","level":2,"page":136},{"title":"أولا: أقسام الناس في سماع القرآن","level":3,"page":137},{"title":"الصنف الأول","level":4,"page":137},{"title":"الصنف الثاني","level":4,"page":137},{"title":"الصنف الثالث","level":4,"page":140},{"title":"الصنف الرابع","level":4,"page":141},{"title":"ثانيا: فتاوى مهمة في استماع القرآن","level":3,"page":143},{"title":"الفصل الثالث نماذج من استماع القرآن الكريم","level":2,"page":148},{"title":"أولا: استماع الله ﷾","level":3,"page":149},{"title":"قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -","level":4,"page":149},{"title":"قلت: (الحافظ)","level":4,"page":150},{"title":"قال العلامة ابن القيم - ﵀ -","level":4,"page":150},{"title":"قال الإمام النووي - ﵀ -","level":4,"page":151},{"title":"قال الإمام النووي - ﵀ -","level":4,"page":151},{"title":"قال الإمام القرطبي - ﵀ -","level":4,"page":151},{"title":"قلنا","level":4,"page":152},{"title":"ثانيا: استماع الملائكة","level":3,"page":154},{"title":"استماع الملائكة لقرآن الفجر","level":4,"page":154},{"title":"استماع الملائكة القرآن من ثابت بن قيس - ﵁ -","level":4,"page":156},{"title":"استماع الملائكة القرآن من قارئه","level":4,"page":157},{"title":"ثالثا: استماع النبي - ﷺ -","level":3,"page":157},{"title":"استماع النبي - ﷺ - القرآن من ابن مسعود - ﵁ -","level":4,"page":157},{"title":"استماع النبي - ﷺ - القرآن من سالم مولى أبي حذيفة - ﵁ -","level":4,"page":159},{"title":"استماع النبي - ﷺ - القرآن من أبي موسى - ﵁ -","level":4,"page":159},{"title":"استماع النبي - ﷺ - القرآن من الأشعريين - ﵁ -","level":4,"page":160},{"title":"استماع النبي - ﷺ - القرآن من جبريل ﵇","level":4,"page":160},{"title":"رابعا: استماع الكفار","level":3,"page":161},{"title":"استماع زعماء قريش للقرآن","level":4,"page":161},{"title":"استماع الوليد بن المغيرة للقرآن","level":4,"page":162},{"title":"استماع نساء المشركين وأبنائهم للقرآن","level":4,"page":163},{"title":"استماع عتبة بن ربيعة للقرآن","level":4,"page":163},{"title":"استماع الطفيل بن عمرو الدوسي للقرآن","level":4,"page":166},{"title":"استماع جبير بن مطعم للقرآن","level":4,"page":167},{"title":"حادثة سجود المشركين عند استماع القرآن","level":4,"page":168},{"title":"خامسا: استماع الجن","level":3,"page":169},{"title":"استماع الجن للقرآن","level":4,"page":169},{"title":"سجود الجن عند استماع القرآن","level":4,"page":172},{"title":"استماع الجن لسورة الرحمن","level":4,"page":172},{"title":"سادسا: استماع النصارى","level":3,"page":174},{"title":"تأثر النصارى عند استماع القرآن","level":4,"page":174},{"title":"استماع النجاشي وأساقفته للقرآن الكريم","level":4,"page":175},{"title":"الفصل الرابع صور من هجر استماع القرآن","level":2,"page":178},{"title":"١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن","level":3,"page":179},{"title":"٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن","level":3,"page":180},{"title":"٣ - الاستماع إلى الغناء","level":3,"page":181},{"title":"الباب الثالث هجر تدبر القرآن","level":1,"page":184},{"title":"الفصل الأول تدبر القرآن الكريم","level":2,"page":185},{"title":"أولا: معنى التدبر","level":3,"page":186},{"title":"ثانيا: حكم التدبر","level":3,"page":187},{"title":"ثالثا: فوائد تدبر القرآن وثمراته","level":3,"page":189},{"title":"الفصل الثاني هجر تدبر القرآن","level":2,"page":192},{"title":"أولا: أسباب هجر تدبر القرآن الكريم","level":3,"page":193},{"title":"أولا: الذنوب والمعاصي","level":4,"page":194},{"title":"ثانيا: ترك الدعاء","level":4,"page":195},{"title":"ثالثا: الجهل باللغة العربية","level":4,"page":196},{"title":"رابعا: عدم التخلي عن موانع الفهم","level":4,"page":198},{"title":"خامسا: هجر كتب التفسير","level":4,"page":199},{"title":"النموذج الأول: الهداية هدايتان","level":5,"page":201},{"title":"النموذج الثاني: أين الله؟","level":5,"page":201},{"title":"ثانيا: كيف نتدبر القرآن الكريم؟","level":3,"page":202},{"title":"أولا: الطريق العلمي","level":4,"page":202},{"title":"ثانيا: الطريق العملي","level":4,"page":203},{"title":"١ - الالتزام بآداب التلاوة","level":5,"page":203},{"title":"٢ - تفريغ القلب من الشواغل","level":5,"page":203},{"title":"٣ - ترتيل القرآن","level":5,"page":204},{"title":"٤ - ترديد الآية حتى يتحصل على التدبر","level":5,"page":205},{"title":"٥ - التفاعل مع الآيات، وإظهار الحزن والتأثر، أثناء القراءة","level":5,"page":206},{"title":"الفصل الثالث المقامات العليا في التدبر","level":2,"page":207},{"title":"أولا: التدبر في القرآن الكريم","level":3,"page":208},{"title":"الحث على التدبر","level":4,"page":208},{"title":"القلب وتدبر القرآن","level":4,"page":209},{"title":"تنكير القلوب","level":4,"page":209},{"title":"بركة القرآن الكريم","level":4,"page":210},{"title":"عظمة القرآن الكريم","level":4,"page":210},{"title":"تدبر القرآن من صفات المؤمنين","level":4,"page":211},{"title":"عتاب من الله للمؤمنين","level":4,"page":213},{"title":"ثانيا: تدبر الرسول - ﷺ - للقرآن الكريم","level":3,"page":214},{"title":"ثالثا: قصص سلفنا الصالح مع القرآن الكريم","level":3,"page":216},{"title":"١ - أبو بكر الصديق - ﵁ -","level":4,"page":216},{"title":"٢ - عمر بن الخطاب - ﵁ -","level":4,"page":216},{"title":"٣ - عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -","level":4,"page":216},{"title":"٤ - عباد بن بشر - ﵁ -","level":4,"page":217},{"title":"٥ - الحسن البصري - ﵀ -","level":4,"page":217},{"title":"٦ - الربيع بن خثيم - ﵀ -","level":4,"page":218},{"title":"٧ - مطرف بن عبد الله - ﵀ -","level":4,"page":218},{"title":"من قصص تدبر القرآن الكريم","level":4,"page":219},{"title":"تدبر أعرابي","level":5,"page":219},{"title":"تدبر جارية","level":5,"page":219},{"title":"الباب الرابع هجر العمل بالقرآن الكريم","level":1,"page":221},{"title":"الفصل الأول العمل بالقرآن بين الترغيب والترهيب","level":2,"page":222},{"title":"أولا: اقتضاء العلم للعمل","level":3,"page":223},{"title":"ثانيا: وجوب العمل بالقرآن الكريم","level":3,"page":227},{"title":"الدليل الأول","level":4,"page":227},{"title":"الدليل الثاني","level":4,"page":227},{"title":"الدليل الثالث","level":4,"page":228},{"title":"الدليل الرابع","level":4,"page":229},{"title":"الخلاصة","level":4,"page":229},{"title":"ثالثا: الترغيب في العمل بالقرآن الكريم","level":3,"page":230},{"title":"١ - العمل بالقرآن الكريم سبب للهداية في الدنيا والآخرة","level":4,"page":230},{"title":"٢ - العمل بالقرآن سبب للفلاح في الدنيا والآخرة","level":4,"page":231},{"title":"٣ - العمل بالقرآن سبب للرحمة في الدنيا والآخرة","level":4,"page":231},{"title":"٤ - العمل بالقرآن سبب للشفاعة في الآخرة","level":4,"page":232},{"title":"٥ - العمل بالقرآن سبب لتكفير الذنوب وإصلاح البال","level":4,"page":232},{"title":"رابعا: الترهيب من هجر العمل بالقرآن الكريم","level":3,"page":234},{"title":"١ - هاجر العمل بالقرآن الكريم له مثل السوء","level":4,"page":234},{"title":"٢ - هاجر العمل بالقرآن الكريم يعذب في قبره إلى قيام الساعة","level":4,"page":234},{"title":"٣ - هاجر العمل بالقرآن الكريم وقود النار يوم القيامة","level":4,"page":235},{"title":"٤ - هجر العمل بالقرآن الكريم سبب من أسباب الفتنة وعلامة من علامات الساعة","level":4,"page":235},{"title":"الفصل الثاني أسباب هجر العمل القرآن الكريم","level":2,"page":237},{"title":"أولا: العادات والتقاليد","level":3,"page":238},{"title":"ثانيا: الخوف على الدنيا والحرص عليها","level":3,"page":239},{"title":"ثالثا: فتنة الأئمة المضلين","level":3,"page":241},{"title":"الفصل الثالث العمل بالقرآن الكريم في واقع السلف الصالح","level":2,"page":244},{"title":"تمهيد","level":3,"page":245},{"title":"نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم","level":3,"page":246},{"title":"أولا: نماذج عامة","level":4,"page":246},{"title":"١ - الصحابة كلهم مستجيبون لله ورسوله عاملون بالقرآن الكريم","level":5,"page":246},{"title":"٢ - نساء الصحابة عاملات بالقرآن الكريم","level":5,"page":247},{"title":"ثانيا: نماذج خاصة","level":4,"page":248},{"title":"١ - صديق الأمة وخليفة رسول الله","level":5,"page":248},{"title":"٢ - فاروق الأمة والخليفة العادل","level":5,"page":249},{"title":"٣ - أبو طلحة الأنصاري","level":5,"page":250},{"title":"٤ - أبو الدحداح والعذق الرداح","level":5,"page":252},{"title":"٥ - ثابت بن قيس من أهل الجنة","level":5,"page":253},{"title":"٦ - معقل بن يسار بين السمع والطاعة","level":5,"page":254},{"title":"٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين - ﵂ -","level":5,"page":255},{"title":"الباب الخامس هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم","level":1,"page":256},{"title":"الفصل الأول المرض","level":2,"page":257},{"title":"أولا: تعريف المرض","level":3,"page":258},{"title":"ثانيا: أنواع المرض","level":3,"page":258},{"title":"ثالثا: ماذا يعني المرض عند المسلم؟","level":3,"page":260},{"title":"١ - المرض عقوبة","level":4,"page":260},{"title":"٢ - المرض كفارة","level":4,"page":261},{"title":"٣ - المرض منزلة ودرجة","level":4,"page":262},{"title":"رابعا: الأمر بالتداوي","level":3,"page":263},{"title":"خامسا: الدعاء من أنفع الأدوية","level":3,"page":266},{"title":"سادسا: القرآن علاج وشفاء","level":3,"page":268},{"title":"سابعا: أحاديث ضعيفة وردت في فضل التداوي بالقرآن","level":3,"page":269},{"title":"الفصل الثاني الصرع","level":2,"page":272},{"title":"تمهيد","level":3,"page":273},{"title":"أولا: تعريف الصرع","level":3,"page":273},{"title":"ثانيا: الأدلة على إثبات الصرع","level":3,"page":274},{"title":"أولا: الأدلة من القرآن","level":4,"page":274},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة","level":4,"page":274},{"title":"ثالثا: أنواع الصرع","level":3,"page":276},{"title":"رابعا: أسباب الصرع","level":3,"page":277},{"title":"أولا: أسباب الصرع الجني","level":4,"page":277},{"title":"ثانيا: أسباب الصرع الطبي","level":4,"page":278},{"title":"أسباب المرض في الطفولة","level":5,"page":278},{"title":"الأسباب في البالغين","level":5,"page":278},{"title":"خامسا: أسباب انتشار ظاهرة الصرع","level":3,"page":279},{"title":"١ - الوهم","level":4,"page":279},{"title":"٢ - الفراغ","level":4,"page":280},{"title":"٣ - كثرة كتب الجن والشياطين","level":4,"page":280},{"title":"٤ - حب الاستطلاع","level":4,"page":280},{"title":"٥ - جهل كثير من المعالجين","level":4,"page":281},{"title":"الفصل الثالث الرقية الشرعية","level":2,"page":282},{"title":"أولا: تعريف الرقية الشرعية","level":3,"page":283},{"title":"ثانيا: حكم الرقية وشروطها","level":3,"page":283},{"title":"ثالثا: أقسام الرقى","level":3,"page":285},{"title":"أولا: باعتبار الراقي.","level":4,"page":285},{"title":"ثانيا: أقسام الرقي باعتبار الزمن","level":4,"page":288},{"title":"رابعا: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض","level":3,"page":289},{"title":"١ - الرقي من القرآن الكريم","level":4,"page":289},{"title":"٢ - الرقى النبوية","level":4,"page":290},{"title":"خامسا: بدع وأخطاء المعالجين","level":3,"page":291},{"title":"أولا: الحوار مع الجن وتصديقهم","level":4,"page":292},{"title":"ثانيا: الاستعانة بالجن في العلاج","level":4,"page":294},{"title":"ثالثا: استرضاء الجن والذبح له","level":4,"page":297},{"title":"رابعا: الاعتماد على التجربة","level":4,"page":297},{"title":"خامسا: التفرغ للرقية","level":4,"page":300},{"title":"سادسا: التوسع في أخذ الأجر على الرقية","level":4,"page":301},{"title":"سابعا: علاج النساء","level":4,"page":302},{"title":"ثامنا: الابتداع في الأذكار","level":4,"page":303},{"title":"الفصل الرابع صور من هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم","level":2,"page":305},{"title":"أولا: إتيان السحرة والعرافين","level":3,"page":306},{"title":"ثانيا: تعليق التمائم","level":3,"page":309},{"title":"ثالثا: الاستشفاء بتربة القبور","level":3,"page":311},{"title":"رابعا: إتيان الكنائس","level":3,"page":311},{"title":"خامسا: حرز أبي دجانة","level":3,"page":312},{"title":"الباب السادس هجر التحاكم بالقرآن الكريم","level":1,"page":314},{"title":"الفصل الأول أسباب الحكم بغير ما أنزل الله","level":2,"page":315},{"title":"أولا: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية","level":3,"page":317},{"title":"ثانيا: انعدام الإيمان وضعفه","level":3,"page":319},{"title":"ثالثا: الجمود الفكري والتعصب المذهبي","level":3,"page":321},{"title":"رابعا: عقبة أعداء الإسلام","level":3,"page":324},{"title":"١ - دعاة على أبواب جهنم","level":4,"page":325},{"title":"٢ - عقبة الحكام","level":4,"page":326},{"title":"٣ - عقبة الكفار","level":4,"page":326},{"title":"الفصل الثاني وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية","level":2,"page":328},{"title":"وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية","level":3,"page":329},{"title":"الدليل الأول","level":4,"page":329},{"title":"الدليل الثاني","level":4,"page":331},{"title":"الدليل الثالث","level":4,"page":332},{"title":"الدليل الرابع","level":4,"page":332},{"title":"الدليل الخامس","level":4,"page":333},{"title":"الدليل السادس","level":4,"page":334},{"title":"ثمرات تطبيق الشريعة الإسلامية","level":3,"page":336},{"title":"الفصل الثالث الحكم بغير ما أنزل الله في الميزان","level":2,"page":340},{"title":"خطورة التكفير","level":3,"page":341},{"title":"أقوال علماء الإسلام في تحكيم القوانين","level":3,"page":343},{"title":"أحوال الحاكم بغير ما أنزل الله","level":3,"page":350},{"title":"الآثار السيئة المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله","level":3,"page":351},{"title":"الفصل الرابع صور من تحكيم الشريعة الإسلامية","level":2,"page":355},{"title":"النموذج الأول","level":3,"page":356},{"title":"النموذج الثاني","level":3,"page":357},{"title":"النموذج الثالث","level":3,"page":358},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":360}],"ٛ":{"1,1":2,"1,2":3,"1,3":4,"1,4":5,"1,5":6,"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,15":15,"1,17":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,37":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,129":119,"1,131":120,"1,133":121,"1,134":122,"1,135":123,"1,136":124,"1,137":125,"1,138":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,142":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,149":136,"1,151":137,"1,152":138,"1,153":139,"1,154":140,"1,155":141,"1,156":142,"1,157":143,"1,158":144,"1,159":145,"1,160":146,"1,161":147,"1,163":148,"1,165":149,"1,166":150,"1,167":151,"1,168":152,"1,169":153,"1,170":154,"1,171":155,"1,172":156,"1,173":157,"1,174":158,"1,175":159,"1,176":160,"1,177":161,"1,178":162,"1,179":163,"1,180":164,"1,181":165,"1,182":166,"1,183":167,"1,184":168,"1,185":169,"1,186":170,"1,187":171,"1,188":172,"1,189":173,"1,190":174,"1,191":175,"1,192":176,"1,193":177,"1,195":178,"1,197":179,"1,198":180,"1,199":181,"1,200":182,"1,201":183,"1,203":184,"1,205":185,"1,207":186,"1,208":187,"1,209":188,"1,210":189,"1,211":190,"1,212":191,"1,213":192,"1,215":193,"1,216":194,"1,217":195,"1,218":196,"1,219":197,"1,220":198,"1,221":199,"1,222":200,"1,223":201,"1,224":202,"1,225":203,"1,226":204,"1,227":205,"1,228":206,"1,229":207,"1,231":208,"1,232":209,"1,233":210,"1,234":211,"1,235":212,"1,236":213,"1,237":214,"1,238":215,"1,239":216,"1,240":217,"1,241":218,"1,242":219,"1,243":220,"1,245":221,"1,247":222,"1,249":223,"1,250":224,"1,251":225,"1,252":226,"1,253":227,"1,254":228,"1,255":229,"1,256":230,"1,257":231,"1,258":232,"1,259":233,"1,260":234,"1,261":235,"1,262":236,"1,263":237,"1,265":238,"1,266":239,"1,267":240,"1,268":241,"1,269":242,"1,270":243,"1,271":244,"1,273":245,"1,274":246,"1,275":247,"1,276":248,"1,277":249,"1,278":250,"1,279":251,"1,280":252,"1,281":253,"1,282":254,"1,283":255,"1,285":256,"1,287":257,"1,289":258,"1,290":259,"1,291":260,"1,292":261,"1,293":262,"1,294":263,"1,295":264,"1,296":265,"1,297":266,"1,298":267,"1,299":268,"1,300":269,"1,301":270,"1,302":271,"1,303":272,"1,305":273,"1,306":274,"1,307":275,"1,308":276,"1,309":277,"1,310":278,"1,311":279,"1,312":280,"1,313":281,"1,315":282,"1,317":283,"1,318":284,"1,319":285,"1,320":286,"1,321":287,"1,322":288,"1,323":289,"1,324":290,"1,325":291,"1,326":292,"1,327":293,"1,328":294,"1,329":295,"1,330":296,"1,331":297,"1,332":298,"1,333":299,"1,334":300,"1,335":301,"1,336":302,"1,337":303,"1,338":304,"1,339":305,"1,341":306,"1,342":307,"1,343":308,"1,344":309,"1,345":310,"1,346":311,"1,347":312,"1,348":313,"1,349":314,"1,351":315,"1,353":316,"1,354":317,"1,355":318,"1,356":319,"1,357":320,"1,358":321,"1,359":322,"1,360":323,"1,361":324,"1,362":325,"1,363":326,"1,364":327,"1,365":328,"1,367":329,"1,368":330,"1,369":331,"1,370":332,"1,371":333,"1,372":334,"1,373":335,"1,374":336,"1,375":337,"1,376":338,"1,377":339,"1,379":340,"1,381":341,"1,382":342,"1,383":343,"1,384":344,"1,385":345,"1,386":346,"1,387":347,"1,388":348,"1,389":349,"1,390":350,"1,391":351,"1,392":352,"1,393":353,"1,394":354,"1,395":355,"1,397":356,"1,398":357,"1,399":358,"1,400":359,"1,401":360},"ٜ":{"1":[1,401]},"ٝ":[null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,129","1,131","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,149","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,163","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,203","1,205","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,245","1,247","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,285","1,287","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,315","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,351","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401"],"ٞ":{"2":[1,2],"4":[3],"5":[4],"7":[5],"10":[6],"12":[7],"13":[8],"15":[9],"16":[10],"21":[11],"28":[12],"29":[13],"32":[14],"33":[15],"34":[16,17,18],"35":[19],"36":[20,21],"38":[22],"39":[23],"41":[24],"43":[25],"46":[26],"47":[27],"49":[28],"50":[29],"51":[30],"52":[31],"54":[32],"55":[33],"56":[34],"58":[35],"59":[36,37],"60":[38],"61":[39,40],"62":[41,42],"63":[43],"64":[44],"65":[45,46],"67":[47],"68":[48,49],"69":[50],"72":[51,52,53],"73":[54],"74":[55,56,57],"75":[58],"76":[59],"77":[60,61,62],"78":[63],"79":[64],"81":[65,66],"83":[67],"84":[68,69],"85":[70,71,72,73,74],"86":[75,76,77],"87":[78,79],"89":[80],"90":[81,82],"91":[83,84,85,86,87],"92":[88,89],"96":[90],"100":[91,92],"101":[93],"103":[94],"105":[95],"109":[96],"111":[97],"115":[98],"119":[99],"120":[100],"121":[101],"123":[102],"127":[103],"131":[104],"136":[105],"137":[106,107,108],"140":[109],"141":[110],"143":[111],"148":[112],"149":[113,114],"150":[115,116],"151":[117,118,119],"152":[120],"154":[121,122],"156":[123],"157":[124,125,126],"159":[127,128],"160":[129,130],"161":[131,132],"162":[133],"163":[134,135],"166":[136],"167":[137],"168":[138],"169":[139,140],"172":[141,142],"174":[143,144],"175":[145],"178":[146],"179":[147],"180":[148],"181":[149],"184":[150],"185":[151],"186":[152],"187":[153],"189":[154],"192":[155],"193":[156],"194":[157],"195":[158],"196":[159],"198":[160],"199":[161],"201":[162,163],"202":[164,165],"203":[166,167,168],"204":[169],"205":[170],"206":[171],"207":[172],"208":[173,174],"209":[175,176],"210":[177,178],"211":[179],"213":[180],"214":[181],"216":[182,183,184,185],"217":[186,187],"218":[188,189],"219":[190,191,192],"221":[193],"222":[194],"223":[195],"227":[196,197,198],"228":[199],"229":[200,201],"230":[202,203],"231":[204,205],"232":[206,207],"234":[208,209,210],"235":[211,212],"237":[213],"238":[214],"239":[215],"241":[216],"244":[217],"245":[218],"246":[219,220,221],"247":[222],"248":[223,224],"249":[225],"250":[226],"252":[227],"253":[228],"254":[229],"255":[230],"256":[231],"257":[232],"258":[233,234],"260":[235,236],"261":[237],"262":[238],"263":[239],"266":[240],"268":[241],"269":[242],"272":[243],"273":[244,245],"274":[246,247,248],"276":[249],"277":[250,251],"278":[252,253,254],"279":[255,256],"280":[257,258,259],"281":[260],"282":[261],"283":[262,263],"285":[264,265],"288":[266],"289":[267,268],"290":[269],"291":[270],"292":[271],"294":[272],"297":[273,274],"300":[275],"301":[276],"302":[277],"303":[278],"305":[279],"306":[280],"309":[281],"311":[282,283],"312":[284],"314":[285],"315":[286],"317":[287],"319":[288],"321":[289],"324":[290],"325":[291],"326":[292,293],"328":[294],"329":[295,296],"331":[297],"332":[298,299],"333":[300],"334":[301],"336":[302],"340":[303],"341":[304],"343":[305],"350":[306],"351":[307],"355":[308],"356":[309],"357":[310],"358":[311],"360":[312]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"فتح الرحمن في بيان هجر القرآن\n\nتأليف\nأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز\nأبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح\n\nتقديم\nفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن مفسر القحطاني، فضيلة الشيخ عبد الله بن مانع الروقي\n\nدار ابن خزيمة","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة فضيلة الشيخ الدكتور / سعيد بن مسفر القحطاني</span>\nالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفقد أنزل الله ﷿ كتابه الكريم ليكون نورًا وهدى للناس وأوجب على عباده تلاوته وتدبره والعمل به، وتحكيمه وصبغ حياتهم بأحكامه في جميع شؤونهم عقيدة وعبادة وشريعة وسلوكًا وأخلاقًا، ويوم تمسكت الأمة بالكتاب الكريم وعملت به دانت لها الدنيا وعاشت حياة العزة والقوة ودخل الناس في دين الله أفواجًا لينعموا بالعيش في ظلاله الوارف.\nوما لبث الزمان يدور حتى فقدت الأمة عزتها وخسرت مكانتها، وأصبحت في ذيل الأمم؛ وما ظلمها الله ولكن كانت هي الظالمة حين أعرضت عن كتاب ربها وعنوان رقيها ورمز عزتها أعرضت عنه عملًا وتطبيقًا وأعرضت عنه تحاكمًا وتحكيمًا؛ وحق عليها قول النبي ﷺ لربه ﷿ يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان\nوقد تناول المصلحون من العلماء والدعاة بالبحث والتحذير والنهي والترهيب حتى تعود الأمة إلى القرآن الكريم ومنهم صاحبا الفضيلة الشيخ / أبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز، والشيخ / أبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح في كتابهما المبارك (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) والذي تضمن بيانًا شافيًا لحكم هجر القرآن وأنواع الهجر وجمعا فيه أقوال أهل العلم في هذه المسألة المعتمدة على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة.","vol":"1","page":1},{"text":"وإنني بهذه المناسبة لأدعو إلى اقتناء هذا الكتاب وقراءته في حلقات العلم ودروس القرآن وعقب الصلوات في المساجد وفي المجالس الخاصة لنعرف كيف نتعامل مع كتاب الله الكريم كما أدعو الله ﷿ للأخوين الفاضلين بأن يتقبل منهما هذا الجهد المبارك وأن يجزل لهما الأجر.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،،\n\nكتبه\nالشيخ الدكتور / سعيد بن مسفر القحطاني\nالداعية المعروف","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة فضيلة الشيخ / عبد الله بن مانع الروقي</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد:\nفلقد اطلعت على كتاب (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) الذي أعده صاحبا الفضيلة / أبو عبد الرحمن محمود الملاح وأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز، فوجدته مؤلفًا متقنًا أفاد فيه مؤلفاه وأجادا في هذا الموضوع المهم، وسدا ثغرة في المكتبة الإسلامية ... وحسب علمي لم يسبق أن جمع فيه أحد قبلهما كجمعهما ... ومن أتى بعدهما فهو عالة عليهما ...\nوفي هذا الكتاب من النقول المتكاثرة، والتحقيقات المفيدة؛ ما يجعله من الكتب التي يتسابق إلى اقتنائها والاستفادة منها.\nفجزى الله مؤلفيه خيرا، ونفع بهما، ورزقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح.\nوصلى الله على خير خلقه ونبيه ومجتباه.\nوالحمد لله رب العالمين.\n\nكتبه الشيخ / عبد الله بن مانع الروقي\n٨/ ٦ / ١٤٢٩ هـ","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مقدمة فضيلة الدكتور / محمود بن أحمد الدوسري</span>\n(مؤلف كتاب هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه)\nالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أكرم عباده المؤمنين وشرفهم بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعله هدى ونورًا ورحمةً وفرقانًا وروحًا، وموعظةً وشفاءً، فهو أحسن الحديث، جعله بلاغًا وحجةً على الخلق أجمعين.\nفما أعظمه من كتاب، فهو عظيم لعظمة من تكلم به، وعظيم لمكانة من نزل به، وعظيم لمقام من أنزل عليه، وعظيم لخيريِّة من خوطب به، وعظيم لفضل الزمان، وحرمة المكان الذي نزل فيهما، وهو عظيمٌ بتشريعاته الشاملة، عظيم بمقاصده السامية، عظيمٌ في تأثيره وأثره، عظيم في لغته وبيانه، فيه الكمال المطلق؛ لأنه كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، تكلم به حقيقةً، فله الحمد والمنة، وله الشكر والإنعام ..\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والجلال، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعلى الله مكانته، وأعطاه الوسيلة، والفضيلة، وجعله الخاتم لرسله، والمنزَّل عليه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) سورة الشورى.\nصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nلكن هذا القرآن العظيم زهد فيه كثيرٌ من المسلمين في شتى أنحاء المعمورة","vol":"1","page":4},{"text":"- فضلًا عن غيرهم من أمم الأرض - ووقعوا في أنواع شتى من هجر القرآن؛ كهجر تلاوته، والاستماع إليه، وتعلمه وتعليمه، وتدبره، والعمل به، والاستشفاء به، والتحاكم إليه، والدعوة إليه ...\nوإن الاشتغال بالقرآن العظيم؛ والتعريف به، ونشره، وتحبيبه إلى النفوس، وتشويق الأفئدة إليه، والتبصير به ولفت الأنظار إليه، والتحذير من هجره، وإقامة الحجة به على الآخرين، لمن أفضل ما يشتغل به، وتنفق فيه الأوقات، وتبذل فيه الأموال، ويضحى فيه بالمهج.\nوإن من توفيق الله تعالى للشيخين الفاضلين / أبي عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح وأبي أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز أن وجدا أنفسهما مشدودين ومندفعين في تحذير المسلمين من هجر القرآن الكريم، فنالا هذا الشرف في تأليف كتابهما القيم: (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) وهو بحقٍ أول كتاب تطرَّق لهذا الموضوع بالتفصيل حسب علمي، وقد أفدت منه إبان إعدادي لرسالة الدكتوراه: (هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه) فجزاهما الله خيرًا، وجعله في موازين أعمالهما يوم القيامة.\nوصلى الله على نبينا الكريم وآله وصحبه أجمعين\nكتبه د / محمود بن أحمد الدوسري\nالداعية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد\nحرر في ٥/ ٦ / ١٤٢٩ هـ","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:\nفإن من نعم الله علينا أن وفقنا لتأليف كتاب (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن) رغبةً في الأجر، وتحذيرًا للأمة من الوقوع في هجر القرآن بأنواعه المتعددة، وحتى يكون دافعًا للتمسك بكتاب الله، والاستقامة على هديه، والعمل بتعاليمه وأوامره.\nونحمد الله ﷿ فإن واقع كثير من الأمة يشهد بعودتها إلى تعلم كتاب الله وتلاوته، والتسابق إلى حفظه ومدارسته، وليس أدل على ذلك من الأعداد المتزايدة في حلقات حفظ القرآن الكريم، للبنين والبنات على اختلاف أعمارهم.\nومما يشرح الصدر أن كتابنا هو أول كتاب في المكتبة الإسلامية تناول موضوع هجر القرآن الكريم بالدراسة المستفيضة كما شهد بذلك الكثير من أهل العلم والفضل الذين اطلعوا على الكتاب، وقد اعتمد عليه أحد الباحثين في رسالة الدكتوراه وهو د. محمود بن أحمد الدوسري في رسالته (هجر القرآن العظيم: أنواعه وأحكامه)، كما شهد بذلك في مقدمته، فإنه قد اعتمد خطة بحثه بصورة كبيرة من كتابنا ونقل أبحاثًا كاملة، مثل: مبحث أسباب هجر التلاوة، ونماذج من استماع القرآن ... وغيرها، وقد أعددنا تقريرًا تفصيليًا عن ذلك يزيد صفحاته عن عشرين صفحة، لكننا أعرضنا عن ذكره هنا؛ مخافة الإطالة على القارئ، واكتفاء بما ذكره الدكتور في مقدمته، وبالاطلاع على فهرس الكتابين يتضح لكل ذي","vol":"1","page":6},{"text":"عينين مدى استفادة الدكتور من الكتاب. نسأل الله أن ينفع بالكتابين ويكتب لهما القبول.\n\nوهذه الطبعة الثالثة لكتابنا وهي مزيدة ومنقحة وتتميز عن سابقتيها بما يلي:\n- زيادة بعض الأبحاث والفتاوى، كما في فتاوى في استماع القرآن، والاستعانة بالجن في العلاج، وتعريف التلاوة لغة واصطلاحًا ... وغيرها مما سيراه القارئ في موطنه.\n- إعادة التنسيق ومراعاة الفقرات وزيادة بعض العناوين الجانبية، وخاصة في باب هجر التلاوة.\n- تجنب الأخطاء المطبعية، وإحالة الكلام إلى مصدره حيث سقطت بعض الهوامش في الطبعة الثانية.\n\nوأخيرًا:\nلا يشكر الله من لا يشكر الناس فإن الفضل بعد الله في إخراج الكتاب وإعداده ومراجعته إلى مجموعة من الأفاضل وعلى رأسهم:\n١ - فضيلة الشيخ / محمد حسان - حفظه الله - حيث كان له أكبر الأثر في التشجيع على جمع مادة هذا الكتاب.\n٢ - فضيلة الشيخ / محمد صفوت الشوادفي - ﵀ - رئيس تحرير مجلة التوحيد المصرية، الذي قام بمراجعة بعض أبحاث الكتاب، وقد وافته المنية قبل كتابة مقدمته.\n٣ - فضيلة الشيخ / إبراهيم بن محمد عبد العزيز - ﵀ - صاحب دار أم القرى للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة.","vol":"1","page":7},{"text":"٤ - فضيلة الشيخ / محمد نبيه ضيف الله - حفظه الله - الواعظ بالأزهر الشريف والداعية المعروف بمحافظة الشرقية بمصر.\n٥ - فضيلة الشيخ / جمال عبد الرحمن، مدير شؤون القرآن والسنة بجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر.\nوغيرهم كثير؛ فجزى الله كل من ساعدنا بكلمة أو جهد أو دعاء، ونسأل الله أن ينفع بهذه الطبعة، وأن يكتب لها القبول، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن في الدنيا والآخرة.\nكتبه\nأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز\nأبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح\nعصر الجمعة الموافق ٢٣/ ٦ / ١٤٢٩ هـ\nالرياض - المملكة العربية السعودية","vol":"1","page":8},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) سورة آل عمران\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) سورة النساء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧٠ - ٧١) سورة الأحزاب\nأما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١).\nإن الله - جل وعلا - أنزل إلينا كتابًا فيه خبر ما قبلنا، وحكم ما بيننا، ونبأ ما بعدنا، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجِرَ، ومن حكم به عدل، ومن\n_________\n(١) هذه خطبة الحاجة التي كان النبي - ﷺ - يستفتح بها خطبه ودروسه ومواعظه، للشيخ الألباني - ﵀ - رسالة نافعة فيها فراجعها.","vol":"1","page":9},{"text":"دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم (١).\nأنزل الله هذا القرآن ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١٥ - ١٦) سورة المائدة\nلقد تمسك السلف الصالح بالقرآن الكريم، وحولوا تلك الآيات إلى منهج حياة متكامل، بأوامره يأتمرون، وبنواهيه ينتهون، بل حولوها إلى رجال تتحرك في واقع البشر؛ فكان القرآن مصدر عزهم وشرفهم وسيادتهم، ومن ثَمَّ جعلهم القرآن قادة وسادة للأمم بعد أن كانوا رعاة للإبل والغنم، ولكن شتان ما بين الخلف الطالح والسلف الصالح، فإننا نشهد هجرًا للقرآن على جميع المستويات بشتى الأشكال: هجرًا للتلاوة، والاستماع، والتدبر، والعمل، والتحاكم،\n_________\n(١) هذا حديث جميل المعنى، ولكن إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على عليّ - ﵁ - فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي، وقد ضعفه الترمذي فقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي الحارث مقال) قاله الألباني - ﵀ - في تخريج الطحاوية ص (٧١)، وضعفه أيضًا في ضعيف الترمذي (٥٥٤). وقال أبو إسحاق الحويني: ولا يصح الحديث موقوفًا أيضًا لعدم صحة الأسانيد بذلك. انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير تحقيق أبي إسحاق الحويني (١/ ١٤٩ - ١٥٠) الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ، دار ابن الجوزي بالدمام.","vol":"1","page":10},{"text":"والتداوي والاستشفاء بالقرآن، حتى صدق على الكثير منا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان\nفالذي يرفع الشكوى هو الرسول الأمين - ﷺ - والذي يشكى إليه هو الله رب العالمين، ويشكو قومه الذين هجروا القرآن، وأعرضوا عن ذكر الواحد الديان، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>سبب تأليف الكتاب:</span>\nلقد هجر القرآن تلاوة .. وأعرض الكثير عن مذاكرته وحفظه، ومجالس تدارسه بالرغم من حرصهم الشديد على مطالعة الصحف والمجلات ليتابعوا بلهف وشوق أخبار من لا خلاق لهم من الساقطين والساقطات!!.\nلقد هجر القرآن استماعًا .. بل ارتبط استماع القرآن في أذهان كثير من المسلمين بالأحزان والسرادقات التي تقام للمآتم!! بل أقبل الناس على سماع اللهو والغناء والمزمار وهجروا قرآن العزيز الغفار!!\nلقد هجر القرآن تدبرًا .. القرآن الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله، إذا به يقرأ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وعيون متحجرة، فلا قلب يخشع، ولا بدن يخضع، ولا عين تدمع!!\nلقد هجر القرآن عملًا .. فإذا بالقرآن الذي هو منهاج حياة متكامل يصير في واقع الناس آيات تقرأ عند القبور، ويهدى ثوابها للأموات، أو تصنع منه التمائم والأحجبة تعلق على صدور الغلمان والصبيان، أو يوضع في البيوت والمحلات والسيارات للحفظ والبركة!!","vol":"1","page":11},{"text":"لقد هجر القرآن تحاكمًا .. ووقع المنكر الأعظم .. وذلك بتنحية كتاب الله عن الحكم بين الناس، واتهام الشريعة الإسلامية بالضعف والعجز والقصور والتخلف والرجعية .. وحل محلها القانون الوضعي وأقوال الرجال تحكم في الدماء والأموال والأعراض!!\nلقد هجر القرآن استشفاءً وتداويًا .. ولجأ بعض الناس إلى السحرة والعرافين والدجالين يطلبون منهم الشفاء والدواء لأمراضهم!!.\nومن أجل هذا كله؛ استعنا بالله وحده في جمع مادة هذا الكتاب رغبة في الأجر، ونصحًا للأمة، وتحذيرًا من هجر القرآن، وبيان عواقبه في الدنيا والآخرة لعله يكون دافعًا إلى العودة إلى القرآن الكريم مصدر العز والشرف والسيادة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>منهج الكتاب:</span>\nولقد اتبعنا منهجًا مرضيًا - إن شاء الله - في جمع مادة هذا الكتاب، وقد جمعنا أقوال أهل العلم السابقين والمعاصرين ونسقنا بينها ورتبناها، وقد عزونا كل نقل إلى مصدره في هوامش الكتاب؛ مكتفين بذلك عن ثبت المراجع في آخر الكتاب.\nولم نتدخل بأسلوبنا إلا في النزر اليسير إذا اقتضى الحال، وذلك لبيان غامض أو شرح ما خفي على القارئ، وقد عزونا الآيات القرآنية إلى مواضعها من كتاب الله موضحين اسم السورة، ورقم الآية، وخرجنا الأحاديث النبوية، ووضحنا درجتها من الصحة أو الضعف، معتمدين - في الغالب - على كتب علامة الشام ومحدث ديار الإسلام الشيخ / محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -؛ وذلك لسهولة التعامل مع كتبه والأخذ منها.\nلقد سمينا الكتاب بعد مشورة الإخوان (فتح الرحمن في بيان هجر القرآن).","vol":"1","page":12},{"text":"والكتاب يتضمن تمهيدًا وستة أبواب وخاتمة على النحو التالي:\nالتمهيد: هجر القرآن (معناه - عاقبته - أنواعه).\nالباب الأول: هجر التلاوة. ... الباب الثاني: هجر الاستماع.\nالباب الثالث: هجر التدبر. ... الباب الرابع: هجر العمل.\nالباب الخامس: هجر التداوي والاستشفاء.\nالباب السادس: هجر التحاكم. ... والخاتمة:\nنسأل الله - ﷾ - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همنا وغمنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل، وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يوفقنا للعمل به، والتحاكم إليه.\nونسأله - ﷾ - أن ينفع بهذا الكتاب، ويكتب له القبول، وأن يجزي كل من ساهم في إخراجه خير الجزاء، وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ، أو زلل، أو تقصير فمنا، ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وجزى الله خيرًا من رأى فيه خللًا فأرشدنا إليه.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.\n\nكتبه\nأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز\nأبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تمهيد\nهجر القرآن</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: معنى هجر القرآن.\nالفصل الثاني: عاقبة هجر القرآن.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الأول\nمعنى هجر القرآن</span>","vol":"1","page":17},{"text":"يتضح معنى هجر القرآن من خلال هذا العرض لأقوال العلماء والمفسرين في بيان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان\nقال الإمام ابن جرير الطبري - ﵀ -:\n(واختلف أهل التأويل في معنى اتخاذهم القرآن مهجورًا،\nالقول الأول: كان اتخاذهم ذلك هُجرًا، قولهم فيه السيئ من القول، وزعمهم أنه سحر، وأنه شعر.\nعن مجاهد قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان\nقال: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر. وعن مجاهد أيضًا قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ ...﴾ الآية. يهجرون فيه بالقول، قال مجاهد: وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧) سورة المؤمنون. قال: مستكبرين بالبلد سامرًا مجالس تهجرون، قال: بالقول السيئ في القرآن غير الحق.\nعن إبراهيم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال: قالوا غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هذى قال غير الحق.\nالقول الآخر: بل معنى ذلك الخبر عن المشركين أنهم هجروا القرآن وأعرضوا عنه ولم يسمعوا به.\nقال ابن زيد في قول الله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ","vol":"1","page":19},{"text":"مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان. لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا: لا. وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢٦) سورة الأنعام. قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه.\n\nترجيح ابن جرير الطبري:\n(قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنه أنهم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت. وذلك هجرهم إياه) (١).\nقال الإمام الألوسي البغدادي - ﵀ -:\n(والمراد بالرسول نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم -، وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة لتحقيق العدل والرد على نحورهم حيث كان ما حكى عنهم قدحًا في رسالته - ﷺ - أن قالوا: كيت وكيت، وقال الرسول إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية الطغيان بطريق البث إلى ربه - ﷿ - والشكوى عليهم ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الذين حكى عنهم ما حكى من الشنائع ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ الجليل الشأن المشتمل على ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم:\n﴿مَهْجُورًا﴾ أي متروكًا بالكلية، ولم يؤمنوا به ولم يرفعوا إليه رأسًا ولم يتأثروا بوعيده ووعده، فمهجورًا من الهَجر بفتح الهاء بمعنى الترك وهو الظاهر، وروي ذلك عن مجاهد والنخعي وغيرهما، واستدل ابن الفرس بالآية على كراهة هجر المصحف وعدم تعهده بالقراءة فيه، وكان ذلك لئلا يندرج من لم يتعاهد القراءة فيه تحت ظاهر النظم الكريم، فإن ظاهره ذم الهجر مطلقًا وإن كان المراد به عدم\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام ابن جرير الطبري (١١/ ٩) بتصرف طبعة دار الفكر، عام ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":20},{"text":"القبول لا عدم الاشتغال مع القبول ولا ما يعمهما فإن كان مثل هذا يكفي في الاستدلال فذاك وإلا فليطلب دليلًا آخرًا للكراهة. وأورد بعضهم في ذلك خبرًا وهو \" مَنْ تعلَّم القرآن وعلَّق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقًا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني وبينه \" وقد تعقب هذا الخبر العراقي بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذَّاب، والحق أنه متى كان ذلك مخلًا باحترام القرآن، والاعتناء به كَرِه، بل حرم وإلا فلا.\nوقيل: مهجورًا من الهُجر بالضم على المشهور أي الهذيان وفحش القول، والكلام على الحذف والإيصال أي جعلوه مهجورًا فيه إما عن زعمهم الباطل نحو ما قالوا أنه أساطير الأولين اكتتبها، وإما بأن هجروا فيه ورفعوا أصواتهم بالهذيان لما قرئ لئلا يسمع كما قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (٢٦) سورة فصلت. وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا) (١).\nقال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: وفي المراد بقوله: ﴿مَهْجُورًا﴾ قولان:\nأحدهما: متروكًا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به، وهذا معنى قول ابن عباس، ومقاتل.\nوالثاني: هجروا فيه، أي: جعلوه كالهذيان، ومنه يقال: فلان يَهْجُر في منامه، أي: يَهْذي، قاله ابن قتيبة، وقال الزجاج: الهُجْر: ما لا ينتفع به من القول ..). (٢)\n_________\n(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للإمام الألوسي البغدادي (١٩/ ١٣ - ١٤) طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٥ هـ.\n(٢) زاد المسير في علم التفسير للإمام ابن الجوزي (٦/ ٨٧ - ٨٨) طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":21},{"text":"قال الإمام الشنقيطي - ﵀ -:\n(معنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا - ﷺ - شكى إلى ربه هجر قومه وهم كفار قريش لهذا القرآن العظيم، أي تركهم لتصديقه والعمل به، وهذه شكوى عظيمة وفيها أعظم تخويف لمن هجر القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من عقائد، ويعتبر لما فيه من الزواجر والقصص والأمثال) (١).\nالخلاصة: مما سبق يتضح أن هجر القرآن يقع على المعاني الآتية:\n١ - القول السيئ في القرآن، والزعم الباطل بأنه سحر أو شعر أو أساطير الأولين (قول مجاهد والنخغي وغيرهما).\n٢ - الإعراض والبعد عن القرآن، وعدم سماعه، ورفع أصواتهم بالهذيان إذا قرئ لئلا يسمع. (قول ابن زيد، وابن جرير).\n٣ - الترك كليًا: أي تركهم للإيمان به، وتركهم للعمل به، وكذلك عدم الالتفات إليه. (قول ابن عباس، ومقاتل).\n٤ - وسيأتي مزيد بيان لمعنى هجر القرآن عند ذكر أنواعه.\n_________\n(١) أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للإمام محمد الأمين الشنقيطي (٦/ ٤٨) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الثاني\nعاقبة هجر القرآن</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: حكم هجر القرآن.\nالثاني: أنواع هجر القرآن.","vol":"1","page":23},{"text":"تعال معنا - أخي الحبيب - لنتعرف على عاقبة من هجر القرآن، وأعرض عنه في الدنيا والآخرة:\n١ - إن صاحب الهجر والإعراض من أعظم الناس ظلمًا.\n٢ - يجعل الله على قلبه الأكنة - أغطية وغشاوة - حتى لا تفقه الحق، وعلى الآذان الوقر - الصمم المعنوي عن الرشاد -.\n٣ - صاحب الهجر من الضالين، وأخبر الله عن عدم اهتدائه أبدًا إلى الحق.\nالدليل على هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف\n٤ - انتقام الله من المعرضين عن القرآن، ووصفهم بالإجرام.\nقال تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (٢٢) سورة السجدة\n٥ - كون المعرض كالحمار\nقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ (٤٩ - ٥١) سورة المدثر\n٦ - ينذر الله من هجر القرآن ويتوعده بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١٣) سورة فصلت","vol":"1","page":25},{"text":"٧ - المعيشة الضنك في الدنيا.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (١٢٤) سورة طه. إن مَنْ هجر القرآن يعيش معيشة ضنكًا، وهذه الكلمة صعبة في النطق كأنها تشير إلى صعوبة تلك الحياة.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ - في بيان حال من هجر القرآن: (في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة .. وجاء أيضًا في تفسير الضنك بأنه الكسب الحرام، والعمل السيئ، والرزق الخبيث، وأنه عذاب القبر وضمته). (١)\nقال الإمام الشنقيطي - ﵀ -: (وهذه الأقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، والأولى شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة). (٢)\n٨ - يحشر يوم القيامة أعمى.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه\nسبحان الله! يحشر من أعرض عن القرآن يوم القيامة أعمى، بعد أن كان بصيرًا في الدنيا، لكنه ما نظر بعينه إلى القرآن فتلاه، وعمل بمقتضاه، لكنه أعرض عنه، وهجره، وتناساه؛ فصار كالأعمى الذي حرم نعمة البصر؛ لأن الجزاء من جنس العمل.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٣) بتصرف، طبعة المكتبة القيمة.\n(٢) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٥٩٥ - ٥٩٦) طبعة مكتبة ابن تيمية.","vol":"1","page":26},{"text":"قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي: ﴿أَعْمَى﴾: لا حجة له.\nوقال عكرمة: عُمِّيَ عليه كُلُّ شيء إلا جهنم.\nوقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: (ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث، أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (٩٧) سورة الإسراء) (١).\n٩ - يسلكه الله عذابًا صعدًا.\nقال تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (١٧) سورة الجن.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: (أي عذابًا مشقًا، شديدًا، موجعًا، مؤلمًا. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي مشقة لا راحة معها، وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها) (٢).\nلا إله إلا الله! مَنْ منا يقوى على هذا العذاب؟ فهل من توبة إلى الله؟.\n١٠ - يقيض الله له قرينًا من الشيطان.\nقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦) سورة الزخرف\n(يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أي: يتعامى، ويتغافل، ويعرض ﴿عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد هنا: عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾\nقال تعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا﴾ (٣٨) سورة النساء. أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٤) طبعة المكتبة القيمة.\n(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٣١).","vol":"1","page":27},{"text":"فإذا وافى الله - ﷿ - يوم القيامة يتبرأ من الشيطان الذي وُكِّلَ به: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (٣٨) سورة الزخرف) (١).\n١١ - الحسرة والندامة يوم القيامة.\nقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (٢٧ - ٢٩) سورة الفرقان.\n١٢ - وقوعه تحت شكوى النبي - ﷺ -.\nقال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان\nقال الإمام الشنقيطي - ﵀ -: (وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال) (٢).\nفكيف يكون حال من هجر القرآن مع الرسول - ﷺ - يوم القيامة؟ وإذا به يتجه مع المسلمين - وكله شوق وحنين - لرؤية النبي الأمين - ﷺ - ليشرب من يده شربة هنيئة، لا يظمأ بعدها أبدًا، فإذا به يفاجأ بالملائكة تطرده عن الحوض، وتبعده عن رسول الله - ﷺ -، فيقول النبي - ﷺ -: «أمتي أمتي» فتقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدثوا من بعدك، فيدعو عليهم رسول الله بالهلاك والدمار فيقول: «سُحْقًا سُحْقًا».\n_________\n(١) المرجع السابق (٤/ ١٢٨) بتصرف.\n(٢) أضواء البيان (٦/ ٤٨) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":28},{"text":"١٣ - حرمان شفاعة القرآن يوم القيامة.\nقال رسول الله - ﷺ -: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (١).\nوقال أيضًا: «القرآن حجة لك أو عليك» (٢).\nبالله عليك كيف يشفع القرآن في رجل هجره، وأعرض عنه، وأقبل على غيره من كلام البشر يقرأه، أو يسمعه؟ فإن المحروم حقيقةً من حرم شفاعة القرآن يوم القيامة.\n١٤ - يختم لمن هجر القرآن بسوء الخاتمة.\nإن نصيب الإنسان من الدنيا عمره، فإن أحسن الاستفادة منه فيما ينفعه في دار القرار فقد ربحت تجارته، وإن استغله في المعاصي والسيئات حتى لقي الله على تلك الخاتمة السيئة فهو من الخاسرين، والعاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله، وخاف من ذنوبه قبل أن تكون سببًا في هلاكه.\nوالإنسان يعيش على ما نشأ عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من وفقه الله إلى عمل صالح ثم يقبضه عليه، والشقي من حرم ذلك، ومنهم من هجر القرآن، ونسوق قصة واحدة على ذلك:\n\nقال الشيخ محمد حسان - حفظه الله -: (وهذه قصة رجل ينقلها إليَّ أحد إخواننا في المنصورة فيقول: لقد كان جاري لا يصلي، ومدمنًا للغناء، وذكرته مرارًا فلم يتذكر، فلما نام على فراش الموت صعدت إليه، ولا زال الغناء يسمع في\n_________\n(١) رواه مسلم عن أبي أمامة - ﵁ -.\n(٢) رواه مسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبي مالك الأشعري - ﵁ -. انظر صحيح الترغيب رقم (١٨٤).","vol":"1","page":29},{"text":"البيت، فقلت لأهله: اتقوا الله أبوكم يحتضر والغناء لا ينقطع ! ضعوا شريطًا للقرآن. يقول: فلما أخرجت شريط الغناء من الكاسيت، ووضعت شريطًا للقرآن، كشف الرجل الغطاء عن وجهه ونظر إليَّ، وقال: دع الغناء، فإنه ينعش قلبي . ومات عليها.\nولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١).\nوبعد هل تريد - أخي الحبيب - أن تكون مع هؤلاء؟  وتكون منهم في يوم من الأيام؟  تتصف بأوصاف من هجر القرآن؟  وتحشر معهم يوم القيامة؟\nهل تريد أن تكون في الدنيا:\nظالمًا، ضالًا، مجرمًا، كالحمار، قرينًا للشيطان، تعيش معيشة ضنكًا، ثم الخاتمة السيئة؟ نعوذ بالله من الخذلان.\nأم تريد أن تكون في الآخرة:\nممن يعذب في القبر، ويحشر أعمى يوم القيامة، ويكون من أهل الحسرة والندامة والحزن والأسف، وممن يدعو النبي - ﷺ - عليه، ويشكو منه، أو ممن يحرم من شفاعة القرآن، ثم العذاب الصعد الصعب الشاق في جبل في جهنم أو في بئر منها. نسأل الله السلامة والعافية.\n\nهل من توبة؟  يغفر الله بها الذنوب، ويستر بها العيوب، ويصلح بها فساد القلوب، ويبدل بها السيئات حسنات.\nقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٣) سورة الزمر\n_________\n(١) الثبات حتى الموت ص (٥١) للشيخ الفاضل محمد حسان - حفظه الله - دار ابن رجب.","vol":"1","page":30},{"text":"يا مَنْ هجرت القرآن، تب إلى الله، والحق قافلة العائدين إلى الله، التي تزداد يومًا بعد يوم، ورافق أهل القرآن حتى تكون منهم، تفز بالسعادة في الدارين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>حكم هجر القرآن</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن حكم هجر القرآن؟ وهل هو حرام أم مكروه؟.\nفأجابت:\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه .. وبعد:\nأنزل الله القرآن للإيمان به وتعلمه وتلاوته وتدبره والعمل به وتحكيمه والتحاكم إليه والاستشفاء به من أمراض القلوب وأدرانها إلى غير ذلك من الحكم التي أرادها الله من إنزاله. والإنسان قد يهجر القرآن فلا يؤمن به ولا يسمعه ولا يصغي إليه، وقد يؤمن به ولكن لا يتعلمه، وقد يتعلمه ولا يتلوه، وقد يتلوه ولكن لا يتدبره، وقد يحصل التدبر ولكن لا يعمل به، فلا يحل حلاله ولا يحرم حرامه ولا يحكمه ولا يتحاكم إليه ولا يستشفي به مما فيه من أمراض في قلبه وبدنه، فيحصل الهجر للقرآن من الشخص بقدر ما يحصل منه من الإعراض كما سبق (١).\nفعلى العبد أن يتقي الله في نفسه وأن يحرص على الانتفاع بالقرآن في شتى وجوه الانتفاع، ويفوته من الخير بقدر ما يتصف به من الهجر).\nوإلى نفس المعنى وهو أن الهجر لا يأخذ حكمًا واحدًا، ولكن يختلف باختلاف الأشخاص، وعلى حسب ما فيه من الهجر، أشار الإمام ابن القيم - ﵀ -\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤/ ٦٨، ٦٩) من الفتوى رقم (٨٨٤٤) طبعة دار أولي النهى. الطبعة الأولى. .","vol":"1","page":31},{"text":"فقال بعد ما ذكر<span data-type=\"title\" id=toc-13> أنواع هجر القرآن: </span>(وإن كان بعض الهجر أهون من بعض). (١)\nوسيأتي مزيد بيان لحكم هجر القرآن عند ذكر أنواعه.\nأنواع هجر القرآن\n\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - موضحًا أنواع هجر القرآن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان.\nيقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد - ﷺ - أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي ...﴾ الآية. وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.\nفكانوا إذا يتلى عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه، فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، وأن يخلصنا مما يسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه، آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب). (٢)\nوبَيَّن الإمام ابن القيم - ﵀ - أنواع هجر القرآن فقال: هجر القرآن أنواع:\nأحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.\n_________\n(١) الفوائد ص (١١٢) طبعة الريان.\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣٢٧) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":32},{"text":"والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.\nوالثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.\nوالرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.\nوالخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به.\nوكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٣٠) سورة الفرقان. وإن كان بعض الهجر أهون من بعض). (١)\nومما سبق يتضح أن أنواع هجر القرآن والتي ستكون موضوع كتابنا - إن شاء الله - ستة أنواع:\nالأول: هجر التلاوة.\nالثاني: هجر الاستماع.\nالثالث: هجر التدبر.\nالرابع: هجر العمل.\nالخامس: هجر التحاكم.\nالسادس: هجر التداوي والاستشفاء.\n(اعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره؛ ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله والرمز\n_________\n(١) الفوائد لابن القيم (١١٢) طبعة الريان.","vol":"1","page":33},{"text":"إلى بعض فصوله؛ فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير) (١).\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي (١/ ٣٢). دار الفكر، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الباب الأول\nهجر التلاوة</span>\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأول: أسباب هجر التلاوة.\nالفصل الثاني: صور من هجر التلاوة.\nالفصل الثالث: أحوال الناس مع القرآن الكريم.\nالفصل الرابع: فضل تلاوة القرآن الكريم.\nالفصل الخامس: آداب وأحكام تلاوة القرآن الكريم.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الأول\nأسباب هجر التلاوة</span>","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>تمهيد</span>\nلقد هجر كثير من الناس كتاب ربهم هجرًا لم تعرفه الأمة من قبل، فإذا بالواحد منا - إلا مَنْ رحم الله - في هذه الأوقات لا نقول تمر عليه الساعات لكن الأيام والأسابيع بل الشهور، وهو لا يتذكر أنه فتح مصحفًا أو قرأ آيات من كتاب ربه - ﷾ - على الرغم من حرصه الشديد على قراءة الجرائد والصحف والمجلات ليتابع بلهف وشوق أخبار من لا خلاق لهم من اللاعبين واللاعبات، والفنانين والفنانات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوكم من بيوت خربة وصدور جوفاء تعيش بيننا ولا تدري عن هذا الخراب شيئًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>معنى التلاوة </span>لغة واصطلاحًا\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>التلاوة لغة: </span>مصدر تلا الشيء يتلوه، وهذا المصدر مأخوذ من مادة (ت ل و) التي تدل بحسب وضع اللغة على معنى واحد هو الإتباع، يقال: تلوته إذا تبعته، ومنه تلاوة القرآن لأن القارئ يتبع آية بعد آية، ويختلف مصدر الفعل (تلا) باختلاف الشيء المتلو.\nيقول الراغب: تلا الشيء أي تبعهم متابعة ليس بينها ما ليس منها، وذلك","vol":"1","page":39},{"text":"يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، والمصدر حينئذ هو التُّلُوُّ والتِّلْوُ، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى، والمصدر في هذه الحالة هو (التلاوة). (١)\nوقال ابن منظور: تلوته أتلوه وتلوت عنه تلوًا، كلاهما: خذلته وتركته، وتلوته تلوًا: تبعته. يقال: ما زلت أتلوه حتى أتليته أي تقدمته وصار خلفي.\nوأتليته: أي سبقته، وتلوت القرآن: تلاوة: قرأته، وعمَّ به بعضهم كل كلام.\nوقوله ﷿: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قيل: هم الملائكة، وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ (١٢١) سورة البقرة. معناه يتبعونه حق اتباعه ويعملون به حق عمله.\nوقوله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (١٠٢) سورة البقرة.\nقال عطاء: على ما تُحَدِّث وتَقُصُّ، وقيل: ما تتكلم به كقولك فلان يتلو كتاب الله أي يقرأه ويتكلم به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>التلاوة اصطلاحًا:</span>\nويراد بترتيل القرآن: تلاوته تلاوة تبين حروفها ويتأنى في أدائها ليكون أدنى إلى فهم المعاني.\nوالتلاوة عند القراء: قراءة القرآن الكريم متتابعًا كالأوراد والأسباع (٣) \".\n_________\n(١) نضرة النعيم (٤/ ١١٧٦)\n(٢) لسان العرب (١٤/ ١٠٢ - ١٠٤)، ومقاييس اللغة (١/ ٣٥١) والمفردات للراغب ص٧٥.\n(٣) فتح الباري (٨/ ٧٠٧)، وكشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٢٢٤).","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>أسباب هجر التلاوة</span>\nإن أسباب هجر القرآن كثيرة ومتعددة تختلف من شخص لآخر وكذلك تختلف حسب نوع هجر القرآن وسيأتي بيان أسباب هجر كل نوع من أنواع هجر القرآن في مكانه ولكننا نذكر أهم الأسباب العامة التي تؤدي إلى هجر التلاوة وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أولًا: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم</span>.\nثانيًا: الانشغال بالدنيا.\nثالثًا: الفتور وضعف الهمة.\nرابعًا: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن.\nخامسًا: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن.\nوسوف نتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل وذلك بعون الله وتوفيقه.\n\nأولًا: الجهل بفضل تلاوة القرآن الكريم:\nإن جهل الكثير من أبناء المسلمين بفضل تلاوة القرآن الكريم، والثواب المترتب عليه، من أكبر الدواعي لهجر تلاوة القرآن، وعدم الاعتناء بتحصيله، والمداومة على تلاوته.\nولو يعلم المرء ما في هذا القرآن الكريم من الفضل العظيم، والثواب الجزيل، ومنزلة قارئه في الدنيا والآخرة؛ لجعله أنيسه آناء الليل وأطراف النهار، وما غفل عنه طرفة عين، ويكفي أن تعلم - أخي الحبيب - حديث النبي - ﷺ -: «مَنْ قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، بل ألف","vol":"1","page":41},{"text":"حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١)\nوحديث: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (٢).\nقال خباب بن الأرت - ﵁ -: (تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: (من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر، فإن كان يحب القرآن، فهو يحب الله ورسوله - ﷺ -) (٣).\nوقال بعض السلف لأحد طلابه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا. قال: واغوثاه لمؤمن لا يحفظ القرآن فَبِمَ يترنم؟ فَبِمَ يتنعم؟ فَبِمَ يناجي ربه؟ .\nوسيأتي مزيد بيان لفضائل تلاوة القرآن وسوره في الفصل الرابع من هذا الباب.\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم، والدارمي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦٦٠)، وصحيح الجامع الصغير (٦٤٦٩).\n(٢) (حديث صحيح) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. ورواه أبوداود، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٣١٧)، وصحيح الجامع (٨١٢٢).\n(٣) (سنده صحيح) أخرجه الطبراني في الكبير (ج٩ / رقم ٨٦٥٧). قال الهيثمي في (المجمع) (٧/ ١٦٥): رجاله ثقات. وقال أبو إسحاق الحويني: سنده صحيح. انظر تفسير ابن كثير - تحقيق الحويني (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثانيًا: الانشغال بالدنيا:</span>\nإن الواقع الذي يعيشه بعض هذه الأمة من البعد عن الله، والجرأة على ما حرم الله، والتعامل بالربا، وغير ذلك من المعاصي والآثام؛ أوقعهم في المعيشة الضنك التي توعد الله بها أمثالهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه\nفبدأ الناس يلهثون وراء الدنيا، ويواصلون الليل بالنهار، لسد تلك الاحتياجات الضرورية فضلًا عن الكمالية وقلما يجد أحدهم وقتًا يقرأ فيه القرآن أو يستمعه، فما أن يعود إلى بيته فيجد نفسه منهكًا متعبًا يتمنى رؤية الفراش، فمثله كما روي ذلك عن النبي: - ﷺ -: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ (١)، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة» (٢).\nولو يعلم هؤلاء الغاية التي خلقوا من أجلها - لتغير حالهم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٦ - ٥٨) سورة الذاريات. - لوجب عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفاد لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام، فملكها يفنى، وجديدها يبلى، وكثيرها يقل، وعزيزها يذل، وحيها يموت، وخيرها يفوت،\n_________\n(١) (جعظري): فظ غليظ متكبر، (جواظ): الجموع المنوع. انظر صحيح الجامع (١/ ٣٨٢).\n(٢) رواه البيهقي عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٨٧٨) والسلسلة الصحيحة (١٩٥) وقد رأى الألباني ضعفه مؤخرًا في السلسلة الضعيفة.","vol":"1","page":43},{"text":"ولهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٤٥) سورة الكهف\nفينبغي للعاقل أن يعمل للآخرة، ويسعى لها، وأن يأخذ من الدنيا بقدر ما يوصله إلى الآخرة قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧) سورة القصص\n\nولقد أحسن القائل:\nإن لله عبادًا فطنًا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا فيها فلمَّا علموا ... أنها ليست لحي وطنا\nجعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ثالثًا: الفتور وضعف الهمة:</span>\nإن الفتور وضعف الهمة من الأمراض التي تكاد تعصف بالكثير منا، فلا تكاد تجد من يحافظ على شيء، أو يهتم به - إلا من رحم الله _، فما أن يمسك المرء المصحف يومًا حتى يتركه أيامًا.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في شأن ضعيف الهمة: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال\n_________\n(١) رياض الصالحين للإمام النووي (١٨) دار الفيحاء بدمشق، دار السلام بالرياض الطبعة الثالثة عشر حققه عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق وراجعه الشيخ شعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":44},{"text":"الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) وقال أيضًا: (وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الدار، ويغلون الأسعار، لا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ..) (١).\nومن الأدوية النبوية لعلاج ضعف الهمة: المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها وإن قلت.\nعن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة فقال: «مَنْ هذه؟» قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٢).\n\nقال الإمام النووي - ﵀ -: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم (١/ ١٣٤) نقلًا عن كتاب علو الهمة للشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن إسماعيل - حفظه الله - وننصح بقراءته فإنه كتاب نافع ومفيد.\n(٢) رواه البخاري (ح٤٣) كتاب الإيمان: باب (أحب الدين إلى الله أدومه).","vol":"1","page":45},{"text":"وقال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: إنما أحب الدائم لمعنيين:\nأحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها (١)، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.\nثانيهما: أن مداومة الخير ملازم للخدمة، وليس مَنْ لازم الباب في كل يوم وقتًا ما كمَنْ لازم يومًا كاملًا ثم انقطع. وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «ما دووم عليه وإن قل» (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>رابعًا: تقديم طلب العلوم الأخرى على القرآن:</span>\n(إن عدم المنهجية في طلب العلم لدى كثير من طلاب العلم، وعدم التلقي عن العلماء؛ أدى إلى ذلك التخبط، وذلك الغبش الذي أصاب الكثير منهم، حتى قدموا كلام البشر على كلام رب البشر، وأقبلوا على حفظ المتون في شتى الفنون، وما حفظوا كلام الله الذي هو أساس العلوم، وما هكذا فعل السلف الصالح، ولا هذه طريقتهم في طلب العلم) (٣).\n_________\n(١) قلنا: الحديث الوارد في ذلك ضعيف. عن أنس مرفوعًا: «عُرضت عليَّ أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». راجع ضعيف الترمذي (٥٥٨) وضعيف أبي داود (٧١، ٣١٧) وكذلك ضعيف الجامع (٥١٥٣).\n(٢) فتح الباري للإمام الحافظ ابن حجر - ﵀ - (١/ ١٢٧) طبعة الريان.\n(٣) الكلمات الحسان فيما يعين على الحفظ والانتفاع بالقرآن لمحمد بن مصطفى بن أحمد بن شعيب\nص (٥) طبعة مكتبة آل ياسر، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":46},{"text":"دخل أحد فقهاء مصر على الإمام الشافعي - ﵀ - في المسجد وبين يديه المصحف، فقال له الشافعي: (شغلكم الفقه عن القرآن! إني لأصلي العتمة وأضع المصحف في يدي فما أطبقه حتى الصبح) (١).\nقال شعبة بن الحجاج - ﵀ - لأصحاب الحديث: (يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن) (٢).\nوقال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين - ﵀ -: (الذي أرى في طلب العلم أن يبدأ الإنسان ولاسيما الشاب الصغير بحفظ القرآن العظيم قبل كل شيء، أرأيت لو أنك تكلمت في مجمع وتريد أن تستدل بالقرآن، وأنت لم تحفظه؛ إنك لا تتمكن من الاستدلال بالقرآن) (٣).\nسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن الذي يقدم في الطلب حفظ القرآن أو العلم؟\nفأجاب: (أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب، وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم في التعليم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن،\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي (١/ ٥٤٥) طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى.\n(٢) سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (٧/ ٢٢٣).\n(٣) الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات لابن عثيمين، إعداد وترتيب أبوأنس علي بن حسين أبولوز ص (٩٦) طبعة دار المجد.","vol":"1","page":47},{"text":"فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدعة من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلابد في هذه المسألة من التفصيل، والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>خامسًا: الغزو الفكري والحرب المعلنة ضد القرآن:</span>\nلما عجز أعداء الله عن السيطرة على بلاد المسلمين عن طريق الغزو العسكري، إذا بهم يلجؤون إلى حيل ماكرة، وطرق ملتوية؛ للقضاء على الإسلام والمسلمين عن طريق الغزو الفكري، وركزوا على إبعاد المسلمين عن كتابهم - القرآن الكريم - الذي منه يستمدون منهجهم، وأسلوب حياتهم،\nويتضح ذلك من خلال تصريحات الأعداء المعلنة ومنها:\nما قاله جلادستون - رئيس وزراء إنجلترا - وقد وقف في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم البريطاني، وقد أمسك بيده القرآن المجيد وصاح في أعضاء البرلمان قائلًا: (إن العقبة الكؤود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان، ولابد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر: أولهما: هذا الكتاب، وسكت قليلًا، بينما أشار بيده الأخرى نحو الشرق، وقال هذه الكعبة) (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/ ٥٤ - ٥٥) طبعة دار التقوى.\n(٢) الحركات النسائية في الشرق ص (٧).","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أيضًا: (مادام هذا القرآن موجودًا في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) (١).\nوقال أيضًا: (لن تستقيم حالة الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن) (٢).\nوهذا اللورد كرومر يقول: (جئت لأمحو ثلاثًا: القرآن، والكعبة، والأزهر) (٣)\nوكان الجندي الإيطالي يرتدي لباس الحرب قادمًا لاحتلال بلاد الإسلام، وهو ينشد بأعلى صوته (يا أماه! أتمي صلاتك ... ولا تبكي ... بل اضحكي وتأملي ... ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني ... وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا ... لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة ... ولأحارب الديانة الإسلامية ... سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن ...) (٤).\nوفي ذكرى مرور مئة عام على احتلال الجزائر قال الحاكم الفرنسي في الجزائر: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ماداموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم) (٥).\n_________\n(١) الإسلام على مفترق الطرق ص (٣٩).\n(٢) المرأة ومكانتها ص (١٢).\n(٣) الخنجر المسموم للأستاذ أنور الجندي ص (٢٩).\n(٤) هذه الأنشودة المشهورة تسمى: (أغنية الفاشست) كانت جيوش إيطاليا الجرارة تترنم بها، وهي تسير مدججة بالسلاح في طرقات طرابلس وبرقة بصوت واحد. انظر الاتجاهات الوطنية (٢/ ١٥٧).\n(٥) القومية والغزو الفكري صـ (٣٣)، انظر كتاب عودة الحجاب (١/ ٩٣). وما بعدها للشيخ الفاضل / محمد بن أحمد بن إسماعيل - حفظه الله -.","vol":"1","page":49},{"text":"واتخذوا في ذلك أساليب شتى منها:\n١ - الازدراء بحفظة القرآن الكريم، والعلماء، والدعاة، وتصويرهم بصور قبيحة حتى يحال بينهم وبين مجتمعاتهم.\n٢ - السخرية من اللغة العربية - لغة القرآن الكريم -، ومهاجمتها من حين لآخر، ورفع شأن اللغات الأخرى؛ مما أدى إلى إهمال تدريسها في المراحل التعليمية المختلفة حتى نشأ جيل من أبناء المسلمين يجهل القراءة في المصحف، ولا يكاد يقرأ سطرًا صحيحًا على الرغم من حصوله على أعلى الشهادات، وإتقانه العديد من اللغات الأخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n٣ - إغراق المجتمعات المسلمة بالحشد الهائل من الصحف والمجلات، التي تبعد عن الله، وتقرب من الشيطان، وتنشر الفاحشة والرذيلة، وأصدق وصف لها أنها (حمَّالة للكذب، قتَّالة للوقت).\n٤ - تدمير عقيدة المسلمين وأخلاقهم وذلك من خلال البث المباشر، والقنوات الفضائية، فضلًا عن البرامج الهدامة التي تعرض على شاشات التلفاز.\n٥ - صرف الناس عن القرآن والصلاة ومجالس العلم عن طريق الرياضة وبخاصة كرة القدم التي تحولت إلى عبادة! وليس أدل على ذلك من الولاء والبراء لهذه الأندية، فضلًا عن متابعة المباريات والحرص عليها - حتى ولو كانت في السحر - مع تضييع الصلاة.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الثاني\nصور من هجر التلاوة</span>\nوفيه ستة مباحث:\nأولا: التلحين في القراءة.\nثانيا: جمع القراءات في مجلس واحد.\nثالثا: بدع قراءة الفاتحة.\nرابعا: بدعة أخذ الفأل من المصحف.\nخامسا: قراءة القرآن عند القبر.\nسادسا: قراءة القرآن للأموات.","vol":"1","page":51},{"text":"هذه بعض الصور من هجر تلاوة القرآن الكريم نذكرها تحذيرًا للمسلمين من الوقوع فيها أو العمل بها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أولًا: التلحين في القراءة:</span>\nشاع في هذا الزمان بدعة قراءة القرآن على الألحان الموسيقية بل وقع في ذلك كثير من مشاهير القراء حتى سمعنا من بعضهم في الإذاعة عندما كان يُسْألُ عن سبب شهرته فأجاب: الفضل في ذلك يرجع إلى تعلم الألحان الموسيقية! ولقد تعلمت السلم الموسيقي من بعض الفنانين!. فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nوإليك نقول من كلام العلماء في هذه المسألة.\nالإمام أحمد في رواية علي بن سعيد في قراءة الألحان: ما تعجبني وهو مُحْدَث. وفي رواية المروزي: القراءة بالألحان بدعة لا تسمع.\nالإمام الشافعي قال: لَمَّا ذُكِرَ له حديث معاوية بن قرة في قصة قراءة سورة الفتح والترجيع فيها، فأنكر أبو عبد الله أن يكون على معنى الألحان، وأنكر الأحاديث التي يُحتج بها في الرخصة في الألحان.\nوروى ابن القاسم، عن مالك، أنه سُئِلَ عن الألحان في الصلاة، فقال: لا","vol":"1","page":53},{"text":"تعجبني، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم.\nومَنْ رُوِيَت عنهم الكراهة: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.\n\nوقال النووي في فتوى عن التلحين في القرآن: ذلك حرام يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه عدل عن النهج القويم.\nونقل الفوراني من الشافعية الإجماع على التحريم فقال: إذا اختل بالتحسين شيء من الحروف عن مخرجه حَرُمَ بالإجماع.\nوقال القسطلاني في إرشاد الساري: (وقد عُلِمَ مما ذكرناه أن ما أحدثه المتكلفون بمعرفة الأوزان والموسيقى في كلام الله تعالى من الألحان والتطريب، والتغني المستعمل في الغناء بالغزل على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، من أشنع البدع، وأسوأ المنكرات، وأنه يوجب عليهم التعزير، وعلى سامعيهم النكير).\nقال الشيخ حسنين مخلوف - مفتي الديار المصرية سابقًا -\n(ومما لا ريب فيه أنه لن يكون مع رعاية توقيعات الغناء خشية، ولا رهبة، بل تكون القراءة لهوًا ولعبًا، ومَنْ أضل ممن اتبع هواه واتخذ آيات الله هزوًا) (١)\nقال الإمام القرطبي - ﵀ - في مقدمة تفسيره بعدما ذكر كلامًا طويلًا عن حرمة القراءة بالألحان والغناء: (وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات، وكثرة الترجيعات، فإن زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه؛ فذلك حرام باتفاق، كما يفعل القُرَّاءُ بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز،\n_________\n(١) القرآن آداب تلاوته وسماعه للشيخ حسنين مخلوف ص (١٢).","vol":"1","page":54},{"text":"ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه جهلًا بدينهم، ومروقًا عن سنة نبيهم، ورفضًا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعًا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فهم في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثانيًا: جمع القراءات في مجلس واحد:</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وأما جمعها - القراءات - في الصلاة، أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة، وأما جمعها لأجل الحفظ والدرس فهو من الاجتهاد الذي فعله طوائف في القراءة) (٢).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: (إذا ابتدأ بقراءة أحد القراء؛ فينبغي أن يزال على القراءة بها ما دام الكلام مرتبطًا، فإذا انقضى ارتباطه فله أن يقرأ بقراءة آخر من السبعة، والأَوْلى دوامه على الأُولى في هذا المجلس) (٣).\nقال الشيخ محمود خليل الحصري - ﵀ -: (إذا كان التواصي بالحق، والتناهي عن المنكر، من سنن الإسلام، فليعلم إخواننا القراء - وفقهم الله - أن الله - تعالى - قد حمَّلهم أمانة تلاوة كتابه، وألزمهم فيها التأدب بآدابه، والإتباع لسنة رسوله فيها، والنهي عما فيه إخلال بحقها، أو ابتداع فيها، والقراءة سنة\n_________\n(١) مقدمة تفسير القرطبي (١/ ١٦) طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. وانظر تحقيق ابن القيم - ﵀ - في زاد المعاد (١/ ٤٨٢ - ٤٩٣) طبعة مؤسسة الرسالة.\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠٤) طبعة دار التقوى للنشر والتوزيع.\n(٣) التبيان في آداب حملة القرآن ص (٦٨) طبعة مكتبة ابن عباس بالمنصورة.","vol":"1","page":55},{"text":"مأثورة، وجعل جزاء تقصيرهم في ذلك مضاعفًا بقدر ما منحهم الله من العلم بأحكام التلاوة؛ لذلك أدعوهم - هداني الله وإياهم - إلى القيام بحق كتابه وترك ما اعتادوه في هذا العصر من الجمع بين القراءات في المحافل، فإنه كما نص عليه الأئمة الثقات، وهم القدوة في هذا الشأن، بدعة مستحدثة، غير معروفة، لا عند السلف، ولا عند الخلف) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثالثًا: بدع قراءة الفاتحة:</span>\n١ - قراءة الفاتحة زيادة في شرف النبي - ﷺ - بدعة لا أصل لها. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥٦) سورة الأحزاب. ولم يقل اقرءوا عليه.\n٢ - قراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وهلاك الأعداء، بدعة لم يأذن بها الدين.\n٣ - قراءة الفاتحة بالسماح كما يفعله الفقراء، بدعة.\n٤ - قراءة الفاتحة عند شرط خِطْبة الزواج، واعتقادهم أن قراءتها عهد لا ينقض، أو بأنها بأربعة وأربعين يمينًا، بدعة واعتقاد فاسد وجهل (٢).\n٥ - قول بعضهم بعد قراءة القرآن: الفاتحة (٣).\n_________\n(١) القرآن آداب تلاوته وسماعه ص (٢٩).\n(٢) السنن والمبتدعات لمحمد بن أحمد بن عبد السلام الشقيري - ﵀ - ص (١٩١ - ١٩٢) طبعة الريان.\n(٣) بدع القراء القديمة والمعاصرة ص (٢١) طبعة مؤسسة قرطبة.","vol":"1","page":56},{"text":"٦ - وقول بعضهم: (الفاتحة لروح فلان) (١).\n٧ - قراءة الفاتحة بعد الدعاء بدعة. (٢)\n٨ - قراءة الفاتحة بعد الصلاة يعني الفريضة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>رابعًا: بدعة أخذ الفأل من المصحف:</span>\nقال الشيخ محمد بن أحمد بن عبد السلام - ﵀ -:\n(فمن ذلك أخذ الفأل والبخت من المصحف، ولا أدري ماذا يصنع صاحب البخت إن وقف على آية ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢٧٩) سورة البقرة، أو ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (١٥) سورة العلق، أو ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (١٦) سورة العلق، أو ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (١٨) سورة العلق. مثلًا.\nوفي كتاب أدب الدنيا والدين (٤) أن الوليد بن يزيد تفاعل يومًا في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١٥) سورة إبراهيم، فمزق المصحف، وأنشأ يقول:\nأتوعد كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد\nإذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب مزقني الوليد\n\nفلم يلبث إلا أيامًا حتى قُتِلَ شر قِتْلَة، وصُلِبَ رَأْسُه على قصره، فنعوذ بالله فهذا فعل مذموم جدًا، يجب تركه ومحاربته). (٥)\n_________\n(١) أحكام الجنائز للألباني ص (٧) طبعة مكتبة المعارف بالرياض.\n(٢) فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢/ ٣٨٤) طبعة دار أولي النهى.\n(٣) المرجع السابق (٢/ ٣٨٤).\n(٤) كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي ص (٥٠٠ - ٥٠١) طبعة دار ابن كثير، دمشق.\n(٥) السنن والمبتدعات ص (١٩٤ - ١٩٥) طبعة الريان.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>خامسًا: قراءة القرآن عند القبر:</span>\nقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -:\n(وقراءة القرآن عند زيارة المقابر، أو عندها، لا أصل له في السنة، إذ لو كانت القراءة مشروعة لفعلها رسول الله - ﷺ - وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة - ﵂ - وهي من أحب الناس إليه، عما تقول إذا زارت المقابر، فعَلَّمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن؛ فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه - ﷺ - علَّمهم شيئًا من ذلك لنُقِلَ إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.\nومما يقوي عدم المشروعية قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» (١) فقد أشار - ﷺ - إلى أن القبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا، وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٢)، أخرجه مسلم وغيره عن ابن عمر، وهو عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق.\nولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة\n_________\n(١) رواه مسلم (٧٨٠) والترمذي (٢٨٨٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر.","vol":"1","page":58},{"text":"عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، فقال أبو داود في مسائله (١): وسمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): (ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعُلِمَ أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه).\nوقال شيخ الإسلام (٣): (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ يس).\nقال الألباني: لكن حديث قراءة (يس) ضعيف، والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته) (٤).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (ولم يكن - ﷺ - يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم - ثم ذكر حديث التلقين وبين ضعفه -) (٥).\nوقال أيضًا: (هديه - ﷺ - تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند قبره، ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) (٦).\n_________\n(١) ص (١٥٨).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص (١٨٢).\n(٣) الاختيارات العلمية ص (٥٣).\n(٤) أحكام الجنائز وبدعها للألباني ص (٢٤١ - ٢٤٣) طبعة مكتبة المعارف بالرياض.\n(٥) زاد المعاد (١/ ٥٢٢).\n(٦) المرجع السابق (١/ ٥٢٧).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>سادسًا: قراءة القرآن للأموات:</span>\nذهب الجمهور إلى عدم وصول ثواب القراءة للأموات إذا كان بالأجرة، والمال المأخوذ على ذلك حرام، ويأثم الآخذ والمعطي.\nوقال الإمام الشافعي - ﵀ - بعدم وصول ثواب قراءة القرآن بأجرة أو بغير أجرة وهو الصواب الذي ندين لله - تعالى - به، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣٩) سورة النجم، وقال النبي - ﷺ -: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١).\nوإذا كانت القراءة تصل إلى الموتى فما بال الأحياء لا يضعون آلات التسجيل على القبور يتلى فيها القرآن ليل نهار ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٧٨) سورة النساء (٢).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: (ولهذا لم يندب إليه رسول الله - ﷺ - أمته، ولا حَثَّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنصٍ ولا إيماء، ولم يُنْقل ذلك عن أحد من الصحابة - ﵃ - بسند صحيح، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء) (٣)\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) انظر كتاب حكم القراءة للأموات هل يصل ثوابها إليهم؟ للشيخ محمد بن أحمد بن عبد السلام.\n(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٥٨) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفصل الثالث\nأحوال الناس مع القرآن الكريم</span>","vol":"1","page":61},{"text":"لقد وضح النبي - ﷺ - أحوال الناس مع القرآن، وأثر القرآن فيهم فقال: \" إن مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كالتمر لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>قال الحافظ ابن حجر - ﵀ </span>-: قوله: \" طعمها طيب وريحها طيب \" قيل: خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه، ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة لأنه يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -. الأترجة: فاكهة ذات رائحة طيبة. البخاري (٥٢٠٠) مسلم (٧٩٧).","vol":"1","page":63},{"text":"هضم ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات. ووقع في رواية شعبة عن قتادة كما سيأتي بعد أبواب (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به) وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة، فإن قيل: لو كان كذلك لكثر التقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعمل وعكسه والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر، وكأنه الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق فيمكن تشبيه الأول بالريحانة والثاني بالحنظلة فاكتفي بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا.\nقوله: \" ولا ريح فيها \" في رواية شعبة \" لها \".\nقوله: \" ومثل الفاجر الذي يقرأ \" في رواية شعبة \" ومثل المنافق \" في الموضعين.\nقوله: \" ولا ريح لها \" في رواية شعبة \" وريحها مر \" واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح؟ وأجيب بأن ريحها لما كان كريهًا استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم وأن الصواب ما في رواية هذا الباب \" ولا ريح لها \" ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه \" ولا ريح لها \" هذا أصوب من رواية الترمذي \" طعمها مر وريحها مر \" ثم ذكر توجيهها وكأن ما استحضر أنها في هذا الكتاب وتكلم عليها فلذلك نسبها للترمذي. وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن. وضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه). (١)\n_________\n(١) فتح الباري (١١/ ٨١) باب فضل القرآن على سائر الكلام.","vol":"1","page":64},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \" تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله \" (١).\nروى ابن قتيبة في كتابه عيون الأخبار: حدثنا بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن الحسن، قال: (قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، وقوم حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم. ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم، فبهم يسقي الله الغيث، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر) (٢).\nعن إياس بن عمر قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي ثم قال: (إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومن طلب أدرك) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>قال الإمام ابن القيم - ﵀ </span>-: (والناس في هذا أربع طبقات:\nالأولى: أهل القرآن والإيمان وهم أفضل الناس.\nوالثانية: من عدم القرآن والإيمان.\n_________\n(١) (حديث صحيح) انظر السلسلة الصحيحة للألباني رقم (٢٨٥).\n(٢) نقلًا عن كتاب الفرقان لابن الخطيب ص (٩٧) طبعة مكتبة دار الكتب المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى\n(٣) سنن الدرامي (٢/ ٥٢٦) برقم (٣٣٢٩) طبعة الريان.","vol":"1","page":65},{"text":"والثالثة: من أوتي قرآنًا ولم يؤت إيمانًا.\nوالرابعة: من أوتي إيمانًا ولم يؤت قرآنا.\nقالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر). (١)\nوبعد .. فمن أي الأقسام نحن، وما هو حالنا مع كتاب الله، نسأل الله أن يردنا إلى كتابه ردًا جميلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>هؤلاء هجروا تلاوة القرآن</span>؟!\nإن المعرضين عن القرآن طوائف كثيرة منهم: (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الطائفة الأولى: (بعض الأئمة)</span>\nويرجع هجر بعض الأئمة للقرآن وإعراضهم عنه إلى سببين هما:\nالسبب الأول: الكتب التي يقرأونها ويتدارسونها والتي تمتلئ بالمسائل المنطقية والبيانية والفلسفية، وغيرها من القضايا الجدلية التي لا توصلهم إلى إدراك عظمة الله ﷾، ولا تحقق لهم الترغيب في الطاعة، والترهيب من المعصية، ولذلك ترى بعضهم - إلا مَنْ رحم الله - يخالف قوله فعله، بل أحيانًا يتهاون في الطاعة، ويقع في المنكر، فهم المسئولون أمام الله عن ضياع هذه الأمة بسبب إعراضهم عن القرآن.\nفوالله لو ذاق هؤلاء طعم القرآن وحلاوته، ولذة مناجاة الله تعالى لما وقعوا في\n_________\n(١) زاد المعاد (١/ ٣٣٨، ٣٣٩) طبعة مؤسسة الرسالة. وقد ورد معناه عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، انظر سنن الدارمي (٣٣٦٢).\n(٢) مستفاد بتصرف من كتاب (السنن والمبتدعات) لمحمد بن أحمد بن عبد السلام ص (١٩٧ - ٢٠٢) طبعة الريان.","vol":"1","page":66},{"text":"محارم الله، ولأدى بهم إلى الجهاد في سبيله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، وخصوصًا في عصرنا هذا الذي سالت فيه سيول الفتن والأباطيل، وكادت عواصف الملحدين والزائفين والمبتدعين تنسف أنوار الهداية المحمدية نسفًا، - لولا حفظ الله لهذا الدين - وهذا مقتضى القرآن والإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١٥) سورة الحجرات.\nالسبب الثاني: المرتبات الضخمة، والأموال الكثيرة التي تدفعهم إلى الاستزادة من متاع الدنيا الفاني من عقارات وسيارات وغيرها، وهذا يحتاج ضرورة إلى ضياع أكثر الأوقات، ونحن لا نريد أئمتنا فقراء ينشغلون بطلب الرزق عن طلب العلم، وكذلك لا نريد أن يشغلهم المال والمتاع عن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نطالبهم بما يلي حفاظًا على عودة القرآن إلى حياة الأمة كما كانت من قبل.\n١) الجمع بين العلم والعمل ليكونوا قدوة حسنة.\n٢) نشر علوم القرآن بين المسلمين.\n٣) إعلاء شأن أهل القرآن والدعوة إلى احترامهم وتوقيرهم.\n٤) الاهتمام بمكاتب تحفيظ القرآن بوقف الأموال للإنفاق عليها وتحسين أحوالها.\n٥) إرسال الدعاة والوعاظ إلى القرى والأرياف.\n٦) إنشاء المساجد في الأماكن التي تحتاج لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>الطائفة الثانية: بعض الأغنياء</span>\nهؤلاء أطغتهم الأموال، وألهتهم الآمال، فكانوا ممن أو كمن قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ (٢٨) سورة إبراهيم. منعوا","vol":"1","page":67},{"text":"الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة والمندوبة، فعشوا عن القرآن الكريم، والذكر الحكيم، فسُلِّطَت عليهم الشياطين، يدعونهم إلى الشر، ويأمرونهم بالمنكر، وينهونهم عن المعروف، ويصدونهم عن الجمعة والجماعات، وسماع القرآن والمحاضرات، فهم يجاهدون في سبيل الشيطان بأموالهم وأنفسهم، معرضون عن الحق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦) سورة الزخرف.\nفيا أغنياء المسلمين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١٦) سورة الحديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الطائفة الثالثة: بعض قُرَّاءُ القرآن:</span>\nأقصد القُرَّاء الذين لا يقرؤون القرآن إلا لجمع حطام الدنيا، فيتلونه في سرادقات المآتم، وفي الختمات والليالي، وكثير منهم يتعلم القراءات لأجل التعيش، ولأجل أن يرغبوا فيه أكثر من غيره، ولو سألتهم عن معنى كلمة واحدة لعجزوا، وهؤلاء يصدق عليهم قول النبي - ﷺ -: «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الطائفة الرابعة: المتصوفة:</span>\nوالسبب في إعراض هؤلاء الناس عن القرآن إنما هو اشتغالهم بأحزاب مشايخهم، وبالبيارق والبازات، والليالي والختمات، والموالد والحضرات والمنامات، فترى الجماعات من الرجال والنساء - بزعم أنهم إخوة على الطريق - يطوفون حول المقامات، ويقدمون لها النذور، يذبحون لها الذبائح، ويعتقدون فيها جلب\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي عن ابن عمرو - ﵄ - وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٢٠٣).","vol":"1","page":68},{"text":"النفع، ودفع الضر، ويطلبون منها المدد والولد، ويُقَبِّلُون الأعتاب، ويزعمون أن مَنْ قبل الأعتاب ما خاب، فهؤلاء قد انتكست فطرتهم، وضلت عقولهم، وخابت أعمالهم وخسرت، وصدق عليهم قول الله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١٠٣ - ١٠٤) سورة الكهف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الطائفة الخامسة: بعض المثقفين:</span>\nوهؤلاء قد شغلوا أنفسهم بقراءة الجرائد السياسية، والمجلات الفكاهية والهزلية، وكتب الحكايات والروايات، والقصص والأشعار، فتراهم يحفظون الكثير منها، ولا يحفظون قليلًا ولا كثيرًا من علوم الإسلام، بل يعدون المقبلين على فهمها والعمل بها مجانين أو عقولهم متأخرة، وهؤلاء كل آية نزلت فيمن يعرضون عن ذكر الله تصفعهم على نواصيهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الطائفة السادسة: بعض العامة:</span>\nوهؤلاء يحفظ أحدهم مئة موال ومئة قصة وكثيرًا من الأمثال والنوادر، ويذكر لك كل ما يسمعه من الحكايات ...، ثم إذا خاطبته في حفظ شيء من القرآن ليصحح به صلاته يعتذر لك بعدم القراءة والكتابة، هذا جوابهم على الرغم أنني أعرف أناسًا أميين يجيدون قراءة وكتابة اللغات الأجنبية، ولا يحسنون النطق (بسمع الله لمن حمده) ولا بالفاتحة، فالمسألة راجعة إلى العناية والاجتهاد، فلو اجتهد رجل أمي في حفظ ما يسمعه من أوامر الدين ونواهيه، ومن آيات القرآن وسنن النبي - ﷺ - كبعض محافظته على التعاليم الأجنبية لحفظ شيئًا كثيرًا، بل لو","vol":"1","page":69},{"text":"شاء حفظ القرآن كله، وألف حديث نبوي لكان ذلك سهلًا عليه جدًا.\nوجماعة العميان أكبر شاهد على ذلك، ولكنهم أعرضوا ونأوا: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣١) سورة النور. واذكروا قول ربكم لنبيه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (٩٩ - ١٠٢) سورة طه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الطائفة السابعة: جماعة اللهو والعبث</span>\nإن طائفة من المجتمع - للأسف الشديد - تظن أنها خلقت بلا هدف وغاية، وكما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٥ - ١١٦) سورة المؤمنون. فإذا بهم يقضون أوقاتهم بين اللهو والطرب، ولعب النرد والشطرنج، وتناول الخمور والمخدرات والمسكرات، وهذه الأشياء الخبيثة الملعونة قد أضرت وأفسدت أخلاق كثير من الشبان، بل والشابات، وكم خربت من بيوت كانت عامرات، فإلى الله المشتكى ومنه الهداية وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nفاحذر أخي الحبيب. أن تكون من هؤلاء الذين هجروا القرآن الكريم، فإن عاقبة الهجر وخيمة، ونهايته أليمة.\nأما علم هؤلاء الذين هجروا قراءة القرآن الكريم فضله في الدنيا والآخرة ولذلك سوف نذكر طرفًا من هذه الفضائل ترغيبًا لطالب الأجر والثواب.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفصل الرابع\nفضل تلاوة القرآن الكريم</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nأولًا: فضل تلاوة القرآن الكريم.\nثانيًا: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة.\nثالثًا: أحاديث ضعيفة في فضل تلاوة القرآن الكريم للتحذير منها.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الأول: فضل تلاوة القرآن الكريم:</span>\nإن فضل تلاوة القرآن كثيرة لا تحصى ولو يعلم الناس ما في تلاوته من الفضائل لما تركوا كتاب الله من بين أيديهم، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار.\nومن هذه الفضائل ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١ - تلاوة القرآن الكريم تحصيل للأجر العظيم:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢٩ - ٣٠) سورة فاطر\nقال قتادة: كان مطرف بن عبد الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء.\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (١).\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه الحاكم والدارمي (٣٣١)، وصححه الألباني. راجع الصحيحة (حديث رقم ٦٦٠) وصحيح الجامع (٦٣٤٥).","vol":"1","page":73},{"text":"انظر - أخي الكريم - إلى الأجر العظيم لمن قرأ كتاب الله فالحرف بعشر حسنات والله يضاعف لمن يشاء فما بالك إذا قرأت سطرًا أو صفحة أو ربعًا .. كم تحصل من الحسنات إذا أخلصت نيتك لخالق الأرض والسموات.\nوهذه إحصائية تقريبية لسورة الفاتحة والتي لا تستغرق تلاوتها أكثر من دقيقة وعلى الرغم من ذلك كم تحصل من الأجر والثواب، سورة الفاتحة (كلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مئة وثلاثة عشر حرفًا) (١) والحرف كما علمنا بحسنة والحسنة بعشر أمثالها أي المجموع ١١٣ × ١٠ = ١١٣٠ حسنة ويضاعف الله لمن يشاء، هذا عن الفاتحة فما بالك إذا قرأ غيرها من السور، كم يحصل من الأجر والثواب.\nفلا إله إلا الله كم ضيع المسلمون من حسنات بتضييع الأوقات فيما لا يجدي ولا ينفع.\nعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ونحن بالصُّفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم» فقلنا: يا رسول الله!، كلنا يحب ذلك. قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله - ﷿ - خير له من ناقتين وثلاث وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل» (٢).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٢) تحقيق إبي إسحاق الحويني.\n(٢) رواه مسلم (٨٠٣)، وأبو داود (١٤٥٦)، وبطحان: موضع بالمدينة، والعقيق: واد بالمدينة،\nوالكوماء: الناقة عظيمة السنام.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>٢ - تلاوة القرآن سبب لتنزل السكينة:</span>\nعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له فقال: «تلك السكينة تنزلت للقرآن» (١) وقال النبي - ﷺ -: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٢).\nفيا من تشكون من ضيق الصدور، ومن الاضطرابات والقلق والأرق، اعلموا أنه لا راحة لكم إلا في القرآن لأن سعادة القلوب في تلاوة كتاب علام الغيوب ولذلك قال عثمان بن عفان - ﵁ -: (لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) سورة يونس.\n\n٣ - كرامة قارئ القرآن.\nلقد رفع الله - جل وعلا - من شأن القرآن وقارئه، وأعطاه من الكرامة والمنزلة العالية ما لا يعطي لغيره وهذه الفضائل بعض منها:\n_________\n(١) البخاري (٣٦١٤) ومسلم (٧٩٥) واللفظ لمسلم. الشطن: الحبل.\n(٢) رواه مسلم وأبوداود والترمذي مختصرًا عن أبي هريرة. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٧٥) في تفسير السكينة: (.... عن وهب بن منبه: هي روح من الله، وعن الضحاك بن مزاحم قال: هي الرحمة، وعنه هي سكون القلب وهذا اختيار الطبري، وقيل هي الطمأنينة، وقيل الوقار، وقيل الملائكة ذكره الصغاني. والذي يظهر أنها مقولة بالاشتراك على هذه المعاني، فيحمل كل موضع وردت فيه على ما يليق به، والذي يليق بحديث الباب هو الأول).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>أ - في الدنيا:</span>\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) سورة المجادلة.\nعن أبي الطفيل أن نافع بن الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان وكان قد استعمله على أهل مكة، فقال: له عمر: (مَنْ استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. فقال: من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟! فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض. فقال عمر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع به آخرين» (١).\nوصدق القائل:\nما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء\nوقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء\nففز بعلم تعش حيًا به أبدًا ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>ب - في القبر:</span>\nعن هشام بن عامر قال: لما كان يوم أحد أُصِيبَ مَنْ أُصِيب من المسلمين، وأصاب الناس جراحات، فقلنا: يا رسول الله!، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فكيف تأمرنا؟ قال: «احفروا وأوسعوا وأعمقوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر،\n_________\n(١) رواه مسلم (٨١٧).","vol":"1","page":76},{"text":"وقدموا أكثرهم قرآنًا» قال: فكان أبي ثالث ثلاثة وكان أكثرهم قرآنًا فَقُدِّمَ. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>جـ - في يوم القيامة:</span>\nعن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقال لصاحب القرآن اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٢).\nقال الإمام الخطابي: وجاء في الأثر (أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة) فيقال للقارئ: ارتق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى (٣) على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءًا منه، كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة) (٤).\nعن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (٥).\n_________\n(١) (إسناده صحيح) أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وأحمد وابن ماجه مختصرًا وقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناده صحيح كما قال الترمذي وهو على شرط الشيخين. قاله الألباني في أحكام الجنائز ص (١٤٣) طبعة المكتب الإسلامي.\n(٢) (حديث صحيح) رواه الترمذي (٢٩١٥) وأبوداود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي: حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٢٢) وصحيح أبي داود (١٣١٧).\n(٣) الأولى أن يعبر بلفظ الحديث (ارتقى)؛ لأن كلمة (استولى) توحي بالقهر والغلبة والاستيلاء، وأهل الجنة ليسوا كذلك والله أعلم.\n(٤) الترغيب والترهيب (٢/ ٣١٥) طبعة الريان، وتحفة الأحوذي (٨/ ١٨٧) طبعة دار الكتب العلمية، وقال الألباني: (وجملة القول أن إسناد هذا الأثر ضعيف والله أعلم). الصحيحة (٥/ ٢٨٣) طبعة مكتبة المعارف.\n(٥) رواه مسلم (٨٠٤).","vol":"1","page":77},{"text":"عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه قال: فيشفعان» (١).\nعن النواس بن سمعان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (٢).\nتفكر - أخي الحبيب - في يوم القيامة وبخاصة في ذل الخلائق وانكسارهم واستكانتهم انتظارًا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسرًا كانكسارهم، متحيرًا كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بُدِّلت الأرض غير الأرض والسموات، وطمس الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، واشتبك الناس وهم حفاة عراة غرلًا، وازدحموا في المواقف شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، فتأمل يا مسكين! في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه والخجل والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى، وأنت عارٍ مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر ما يجرى عليك القضاء بالسعادة والشقاوة، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه، والقاهر سلطانه، القريب\n_________\n(١) (حديث حسن الإسناد) رواه أحمد (٦٦٢٦) وسنده ضعيف ولكن رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال الألباني: (وقد وهما فإن شيخ ابن وهب وكذا ابن لهيعة فيه حيي بن عبد الله ولم يخرج له مسلم شيئًا ثم إنه تكلم فيه بعضهم بما لا ينزل حديثه عن رتبه الحسن إن شاء الله، وجملة القول: أن الحديث حسن الإسناد، والله أعلم) تمام المنة ص (٣٩٤/ ٣٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٧٣).\n(٢) رواه مسلم (٨٠٥). تقدمه: تسبقه، تحاجان: تشفعان.","vol":"1","page":78},{"text":"أوانه، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (١).\nوفي أثناء هذه الشدائد العظام كأني بسورة البقرة وآل عمران تأتيان في صورة سحابة عظيمة تظلان صاحبهما، وكأني بالقرآن يجيء يوم القيامة كالرجل الشاحب (٢)، يأتي وقد أخذ بيد صاحبه ليشفع له عند الله ويقول يا رب إني أشهد لهذا الرجل بالصلاح والتقى، فقد كان في الدنيا لا يشغله شيء عن ذكرك وتلاوة كتابك، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك، يا رب لقد منعته من النوم بالليل فشفعني فيه، وعندها يأذن الله - جل وعلا - للقرآن أن يشفع في صاحبه في تلك اللحظات التي يتخلى فيها عن الإنسان أقرب الناس إليه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٤ - ٣٧) سورة عبس.\nفيا حسرة على أولئك المحرومين الذين حرمهم الله من شفاعة القرآن لأنهم حرموا أنفسهم من تلاوته في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا.\n_________\n(١) البحر الرائق في الزهد والرقائق لأحمد فريد ص (٢٨٨).\n(٢) عن بريدة بن الحصيب مرفوعًا بلفظ (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول لصاحبه أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك) رواه الدارمي وابن ماجة وأحمد وابن عدي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، قال الألباني: (لكن الحديث حسن أو صحيح فإن له شاهدًا) راجع السلسلة الصحيحة (٢٨٢٩).","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني: الترغيب في قراءة سور وآيات مخصوصة:</span>\nهذه فضائل بعض السور والآيات لتكون حافزًا على قراءتها والمواظبة عليها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>١ - الفاتحة أعظم سورة في القرآن:</span>\nعن أبي سعيد رافع بن المُعَلَّى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟» فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» (١).\nوقال - ﷺ -: \" ما أنزل الله ﷿ في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته \" (٢).\nقال الباجي: يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) سورة الحجر. وسُمِّيَت بالسبع، لأنها سبع آيات والمثاني، لأنها تثنى في كل ركعة (أي تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم وإن كان كل شيء من القرآن قرآنًا عظيمًا، كما يقال في الكعبة (بيت الله) وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢ - سورة البقرة حصن يمنع من الشيطان:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٠٦) وأبوداود (١٤٥٨).\n(٢) (حديث صحيح) رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صفة الصلاة، صحيح النسائي (٨٧٧) وصحيح الترمذي (٢٤٩٩).\n(٣) صفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني ص (٥٢) طبعة المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":80},{"text":"ينفر (١) من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة \" (٢).\nمعنى (لا تجعلوا بيوتكم مقابر): أي مثل المقابر في عدم اشتغال من فيها من الموتى بالصلاة والقراءة أي: لا تكونوا كالموتى في ترك القراءة ونحوها.\nوأما عن فضل خواتيم سورة البقرة، عن أبي مسعود البدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" مَنْ قرأ بالآيتين في سورة البقرة في ليلة كفتاه \" (٣)\nقيل: كفتاه عن المكروه تلك الليلة، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه عما ورد من الأدعية الكثيرة لأن الدعاء بما فيها متكفل لخيري الدنيا والآخرة. وقيل غير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن:</span>\nعن أُبَيّ بن كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يا أبا المنذر!، أتدري أي آية في كتاب الله معك أعظم؟ \" قلت: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب في صدري وقال: \" لِيَهْنَكَ العلم أباالمنذر \" (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: (وفيه منقبة عظيمة، ودليل على كثرة علمه، وفيه تبجيل العالم لفضلاء أصحابه، وجواز مدح الإنسان في وجهه إذا كان\n_________\n(١) ومعنى (ينفِر) بكسر الفاء أي: يصد ويعرض إعراضاُ بالغًا.\n(٢) رواه مسلم (٧٨٠) والترمذي (٢٨٨٠).\n(٣) رواه البخاري (٥٠٠٨،٥٠٠٩)، ومسلم (٨٠٨)، وأبوداود (١٣٩٧)، والترمذي (٢٨٨٤).\n(٤) رواه مسلم (٨١٠) ورواه أبوداود (١٤٦٠) \" ليهنك العلم \" ليكن العلم هنيئًا لك، أبوالمنذر: كنية\nأبي بن كعب - ﵁ -.","vol":"1","page":81},{"text":"في مصلحة، ولم يخف عليه الإعجاب ونحوه لكمال نفسه ورسوخه في التقوى) (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي. وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد، وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة) (٢).\n\nويستحب قراءة آية الكرسي في المواطن الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أ - دبر كل صلاة مكتوبة:</span>\nعن أبي أمامة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ب - أذكار الصباح والمساء:</span>\nعن أُبَيّ بن كعب أن الجِّنيَّ قال له: (إذا قرأتها - يعني آية الكرسي - غدوة أُجرت مني حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت مني حتى تصبح) قال أُبَيُّ: فغدوت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته بذلك، فقال: \" صدق الخبيث \" (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>جـ - عند النوم:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن الشيطان قال له: (إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية\n_________\n(١) شرح مسلم للنووي (٦/ ٩٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٣٠).\n(٣) (حديث حسن) أخرجه النسائي في (عمل اليوم والليلة) وغيره، وقد صححه ابن حبان، والمنذري، وابن حجر، والألباني. انظر السلسلة الصحيحة (٩٧٢).\n(٤) (حديث صحيح) أخرجه النسائي في اليوم والليلة (٩٦١) والطبراني (١/ ٥٤١) والحاكم (١/ ٥٦٢) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٥٥).","vol":"1","page":82},{"text":"الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: (لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح) وكانوا أحرص شيء على الخير. فلما أخبر النبي - ﷺ - بذلك قال: \" صدقك وهو كذوب \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٤ - فضل سورة آل عمران:</span>\nعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\" ... اقرءوا الزهراوين (٢): البقرة وسورة آل عمران، فإنهما يأتيان كأنهما غمامتان أو غيايتان (٣)، أو كأنهما فرقان (٤) من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة (٥) \" قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة السحرة. (٦)\nعن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، أن النبي - ﷺ - قال: \" اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، في ثلاث سور من القرآن: في البقرة، وآل عمران، وطه \". قال القاسم بن عبد الرحمن: فالتمست ذلك فوجدت في سورة البقرة آية\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠١٠) كتاب فضائل القرآن، وقد رواه قبل ذلك في الوكالة (٢٣١١) تعليقًا ووصله غيره.\n(٢) قوله: «الزهراوين» قال الإمام النووي - ﵀ -: (سميتا بذلك لنورهما، وهدايتهما، وعظيم أمرهما).\n(٣) «الغيايتان»: مثنى غياية وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه: كالسحابة، والغاشية، ونحوهما.\n(٤) «فرقان»: قطعتان. والمعنى: أن ثوابهما يظله يوم القيامة كأنه غمامتان، أو كقطيع الطير وجماعته.\n(٥) «لا تستطيعها البطلة»: قيل لا تستطيع قراءتها، وقيل: لا تستطيع النفاذ إلى قارئها.\n(٦) رواه مسلم (٨٠٤).","vol":"1","page":83},{"text":"الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي سورة آل عمران ﴿الم * اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١ - ٢) سورة آل عمران، وفي سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (١١١) سورة طه (١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كانت أعظم آية في القرآن: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وهو الاسم الأعظم؛ لأنه ما من حي إلا هو شاعر مريد، فاستلزم جميع الصفات، فلو اكتفى في الصفات بالتلازم لاكتفى بالحي) ..\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (اسم الله الأعظم الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى: هو اسم ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٥ - سورة الكهف حصن يعصم من الدجال:</span>\nعن أبي الدرداء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" مَنْ حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال \" (٣).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: (قيل: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها لم يفتن من الدجال).\nويستحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" مَنْ قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين\n_________\n(١) (حديث صحيح) أخرجه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والحاكم (١/ ٥٠٦) وغيرهما. انظر السلسلة الصحيحة للألباني (٧٤٦).\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (١٨/ ٣١١)، زاد المعاد (٣/ ١٣٠).\n(٣) رواه مسلم (٨٠٩).","vol":"1","page":84},{"text":"الجمعتين \" (١). وفي رواية \" أضاء له النور ما بينه وبين البيت العتيق \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٦ - سورة الفتح يحبها رسول الله - ﷺ </span>-:\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" لقد أُنْزِلَتْ عليَّ سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس. ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) سورة الفتح\" (٣).\nعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" لقد أُنْزِلَتْ عليَّ آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٧ - سورة تبارك تمنع من عذاب القبر:</span>\nقال رسول الله - ﷺ -:\" سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر\" (٥).\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" من القرآن سورة ثلاثون آية شفعت في صاحبها حتى غُفِرَ له وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) سورة الملك\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٨ - سورة الكافرون تعدل ربع القرآن:</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \" من قرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾\n_________\n(١) (صحيح الإسناد) رواه النسائي في اليوم والليلة، والبيهقي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٧٣٨) والسلسلة الصحيحة (٢٦٥١).\n(٢) انظر صحيح الجامع (٦٤٧١).\n(٣) رواه البخاري (٥٠١٢)، باب فضل سورة الفتح.\n(٤) رواه مسلم (١٧٨٦).\n(٥) (حديث صحيح) انظر السلسلة الصحيحة (١١٤٠)، وصحيح الجامع (٣٦٤٣).\n(٦) (حديث صحيح) رواه أبوداود (١٤٠٠)، والترمذي (٢٨٩٣) وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٢٦٥)، وصحيح الجامع (٣٦٤٤).","vol":"1","page":85},{"text":"عدلت له بربع القرآن \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٩ - سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن:</span>\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في فضل سورة الإخلاص: \" والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن \". وفي رواية: \" أيعجز أحدكم أن يقرأ بثلث القرآن في ليلة؟ \" فشق عليهم ذلك. وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ثلث القرآن \" (٢).\nقيل: سميت السورة بالإخلاص لأن الله أخلصها لنفسه فلم يذكر فيها غيره، وكما أنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل.\n\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (والأحاديث بكونها تعدل ثلث القرآن تكاد تبلغ مبلغ التواتر) (٣).\nوقد اختلف العلماء في تأويل ذلك على أقوال: أقربها ما نقله شيخ الإسلام عن أبي العباس، وحاصله أن القرآن الكريم اشتمل على ثلاثة مقاصد أساسية:\nأولها: الأوامر والنواهي ...\nثانيها: القصص والأخبار لأحوال الرسل مع أممهم ...\nثالثها: علم التوحيد وما يجب على العباد من معرفة الله بأسمائه وصفاته، وهذا هو أشرف الثلاثة.\n_________\n(١) (حديث حسن) رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٦).\n(٢) رواه البخاري (٥٠١٣، ٥٠١٤، ٥٠١٥)، وأبوداود (١٤٥٨)، والنسائي (٢/ ١٣٩)، ومثله عند مسلم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا.\n(٣) شرح العقيدة الواسطية ص (٢٣) للدكتور / صالح بن فوزان الفوزان، الطبعة الخامسة، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد.","vol":"1","page":86},{"text":"ولما كانت سورة الإخلاص قد تضمنت أصول هذا العلم، واشتملت عليه إجمالًا صح أن يقال أنها تعدل ثلث القرآن. (١)\nعن معاذ بن جبل - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: \" من قرأ \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى الله له بيتًا في الجنة \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>١٠ - فضل المعوذتين:</span>\nعن عقبة بن عامر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" قد أنزل الله عليَّ آيات لم ير مثلهن قط ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \" (٣).\nوعنه أيضًا قال: (أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة) (٤).\nوعن عائشة - ﵂ -: (أن النبي - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات) (٥).\n_________\n(١) شرح العقيدة الواسطية ص (٢٥، ٢٦) تأليف العلامة / محمد خليل هراس - ﵀ -، الطبعة الرابعة من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة.\n(٢) (حديث صحيح) رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٧٢)، والسلسلة الصحيحة (٥٨٩).\n(٣) (حديث صحيح) رواه الترمذي (٣٦٠٦) وقال: حديث حسن. وهو عند البخاري تعليقًا، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٦٨٢).\n(٤) (حديث صحيح) رواه أبوداود (١٥٢٣)، والترمذي (٣٠٧٩)، وأحمد (٤/ ٢٠١) انظر السلسلة الصحيحة (٦٤٥)، (١٥١٤).\n(٥) (متفق عليه) رواه البخاري (٥٠١٧)، ومسلم (٢١٩٢).","vol":"1","page":87},{"text":"شبهة والرد عليها:\nوبعد معرفة هذه الفضائل لا يحق لأحد أن يهجر تلاوة القرآن. ولكن قد يأتي الشيطان إلى أحدنا ليصرفه عن القراءة والتلاوة ويحرمه من الخير والفضل ويوسوس له ويقول: إنك لا تعرف أو لا تحسن أحكام الترتيل فإذا قرأت بغير أحكامه فإنك آثم بل مأزور غير مأجور؟!!\nفإذا به ينصرف عن التلاوة وفي نفس الوقت يتكاسل عن تعلم الأحكام. والحق أن ترد كيد الشيطان في نحره، وتستمر في القراءة ولا تنقطع أبدًا واجتهد في تعلم الأحكام على يد شيخ متقن، وضع نصب عينيك حديث النبي - ﷺ - الذي يقول فيه: \" الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به (١) مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران \" (٢).\n(ويمكنك إذا كنت لا تجيد قراءة القرآن أن تذهب إلى أقرب مسجد لتتعلم فيه كيفية التلاوة، وهناك طريقة سهلة، وهي أنك تأتي بشرائط القرآن المرتل، ثم تتابع مع الشريط في المصحف. وإذا لم يكن في إمكانك الحصول على تلك الشرائط، فيمكنك أن تسمع إلى محطة القرآن الكريم وتتابع مع القارئ في المصحف أيضًا.) (٣).\n_________\n(١) «ماهر به»: مجيد لفظه على ما ينبغي بحيث لا يتشابه ولا يقف في قراءته. «مع السفر الكرام\nالبررة»: مع الملائكة المطيعين في منازلهم في الآخرة. «يتتعتع فيه»: يتردد في قراءته. انظر هامش رياض الصالحين ص (٣٢٧).\n(٢) (متفق عليه) رواه البخاري (٤٩٣٧)، ومسلم (٧٩٨) عن عائشة - ﵂ -.\n(٣) كتاب ففروا إلى الله لأبي ذر القلموني ص (١٨٨) طبعة دار المنار.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثالث\nأحاديث ضعيفة للتحذير منها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>أولًا: أحاديث ضعيفة في فضل القرآن</span>\nثانيًا: أحاديث ضعيفة في فضل قراءة القرآن عند المقابر\nثالثًا: أحاديث ضعيفة في فضائل السور\nرابعًا: دعاء الحفظ الضعيف\n\nهذه بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضائل قراءة القرآن وسوره، اشتهرت بين الناس، وتداولها كثير من الوعاظ والخطباء على أنها صحيحة، نذكرها: بيانًا لحالها من الضعف والوضع، حتى يكون الناس على بينة من ذلك؛ لأن في الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك ما يغني عن الضعيف والموضوع، وتحذيرًا من القول على الرسول - ﷺ - بغير علم، فقد قال - ﷺ -: «مَنْ كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار»، وقال أيضًا: «مَنْ يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».\n\nأولًا: أحاديث ضعيفة في فضل القرآن\n\n١ - عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: «من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله، وحرم حرامه، أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته، كلهم قد استوجب النار». (ضعيف جدًا) ضعيف ابن ماجه (٣٨)، ضعيف الترمذي (٥٥٣) وضعيف الجامع (٥٧٦١)، المشكاة (٢١٤١).\n٢ - عن سهل بن معاذ مرفوعًا: «مَنْ قرأ القرآن وعَمِلَ بما فيه، أُلبس والده تاجًا يوم القيامة، ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم،","vol":"1","page":89},{"text":"فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» (ضعيف) ضعيف أبي داود (٣١٥)، ضعيف الجامع (٥٧٦٢)، المشكاة (٢١٣٩).\n٣ - عن أبي أمامة الباهلي مرفوعًا: «مَنْ قرأ ربع القرآن فقد أُوتِيَ ربع النبوة، ومَنْ قرأ ثُلُثَ القرآن فقد أُوتِيَ ثلث النبوة، ومَنْ قرأ ثلثي القرآن فقد أوتي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن فقد أوتي النبوة». (موضوع) السلسلة الضعيفة (٤٧٦).\n\n٤ - عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «يقول الله ﷿: (مَنْ شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) \". (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٦٢)، ضعيف الجامع\n(٦٤٣٥)، السلسلة الضعيفة (١٣٣٥)، المشكاة (٢١٣٦).\n٥ - عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ..» جزء من حديث ضعيف ابن ماجه (٢٨١)، ضعيف الجامع (٢٠٢٥).\n٦ - عن حذيفة مرفوعًا: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتاب والفسق، فإنه سيجيء من بعدي أقوام يرجعون ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم». (ضعيف) ضعيف الجامع (١٠٦٧).\n٧ - عن أنس مرفوعًا: «مَنْ جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت». (موضوع) السلسلة الضعيفة (٢٧١).\n٨ - عن أنس مرفوعًا: «عُرضت عليَّ أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥٨)،","vol":"1","page":90},{"text":"ضعيف أبي داود (٧١)، ضعيف الجامع (٣٧٠٠).\n٩ - عن سعد بن عبادة مرفوعًا: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه، إلا لقي الله - ﷿ - يوم القيامة أجذم». أجذم: مقطوع اليدين. (ضعيف) ضعيف أبي داود (٣١٧)، ضعيف الجامع (٥١٥٣)، المشكاة (٢٢٠٠).\n١٠ - عن ابن عباس مرفوعًا: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب». (ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥٧) المشكاة (٢١٣٥).\n١١ - عن ابن عباس قال: (قال رجل: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الحال المرتحل». قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره. كلما حلَّ ارتحل». (ضعيف الإسناد) رواه الترمذي ح (٢٩٤٨) وقال: (هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه وإسناده ليس بالقوي)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (فهم من هذا بعضهم أنه إذا فرغ من ختم القرآن، قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة البقرة؛ لأنه حلَّ بالفراغ، وارتحل بالشروع. وهذا لم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا استحبه أحد من الأئمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>ثانيًا: أحاديث ضعيفة في فضل قراءة القرآن عند المقابر</span>\n١ - \" مَنْ دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات \". (حديث لا أصل له في شيء من كتب السنة)، السلسلة الضعيفة (١٢٤٦).\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٤/ ٢٥١) طبعة دار الحديث.","vol":"1","page":91},{"text":"٢ - «اقرءوا (يّس) على موتاكم». (ضعيف بل منكر)، ضعيف أبي داود رقم (٦٨٣)، أحكام الجنائز ص (٢٠).\n٣ - \"مَنْ مَرَّ بالمقابر فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أُعْطِيَ من الأجر بعدد الأموات\". حديث (باطل موضوع) أحكام الجنائز ص (٢٤٥).\n٤ - قال الشعبي: \"كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون القرآن \". (ضعيف الإسناد). أحكام الجنائز ص (٢٤٤).\n\n٥ - \"ما من مؤمن ولا مؤمنة يقرأ آية الكرسي ويجعل ثوابها لأهل القبور إلا لم يبق على وجه الأرض قبر إلا أدخل الله فيه نورًا، ووسِّعَ قبره من المشرق إلى المغرب، وأعطاه الله بعدد كل مَلَك في السموات عشر حسنات، وكتب الله للقارئ ثواب سبعين شهيدًا \" (موضوع).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>ثالثًا: أحاديث ضعيفة في فضائل السور</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١ - سورة الفاتحة</span>\nعن أبي أيوب مرفوعًا: \"لمَّا نزلت ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وآية الكرسي و﴿شَهِدَ اللهُ﴾ و﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ إلى ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تعلقن بالعرش وقلن: أنزلتنا على قوم يعملون بمعاصيك؟ فقال: \"وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت إليه كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة \" (موضوع) السلسلة الضعيفة (٦٩٩).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>٢ - سورة البقرة</span>\nعن أبي هريرة مرفوعًا: \"كل شيء سنام، وإن سنام القرآن البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن آية الكرسي \" (ضعيف) السلسلة الضعيفة (٤٦٣٣) ضعيف الجامع (٥٧٧١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٣ - سورة آل عمران</span>\nعن ابن عباس مرفوعًا: \"مَنْ قرأ السورة التي يذكر فيها\n(آل عمران) يوم الجمعة، صلَّى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس\". (موضوع) السلسلة الضعيفة (٤١٥)، ضعيف الجامع (٥٧٥٩).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٤ - سورة الكهف</span>\nعن أبي الدرداء مرفوعًا: \"مَنْ قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عُصِمَ من الدجال \". (شاذ) والمحفوظ (عشر آيات). ضعيف الترمذي (٥٤٢) ضعيف الجامع (٥٧٦٥).\nعن ابن عمر مرفوعًا: \"مَنْ قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين\".\n(إسناده غريب) تمام المنة (ص ٣٢٤/ ٣٢٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٥ - سورة الرحمن</span>\n\" لكل شيء عروس، وعروس القرآن الرحمن \". (منكر) السلسلة الضعيفة (١٣٥٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٦ - سورة يّس</span>\nعن أنس مرفوعًا \"إن لكل شيء قلبًا وإن قلب القرآن يّس، مَنْ قرأها فكأنما","vol":"1","page":93},{"text":"قرأ القرآن عشر مرات\". (موضوع) ضعيف الترمذي (٥٤٣) السلسلة الضعيفة (١٦٩)، ضعيف الجامع (٥٧٨٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٧ - سورة الدخان</span>\nعن أبي هريرة مرفوعًا: \"مَنْ قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف مَلَك \". (موضوع) ضعيف الترمذي (٥٤٤)، ضعيف الجامع\n(٥٧٦٦).\nوعنه أيضًا مرفوعًا: \"مَنْ قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غُفِرَ له \". (ضعيف جدًا) ضعيف الترمذي (٥٤٥)، السلسلة الضعيفة (٤٦٣٢)، ضعيف الجامع (٥٧٦٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٨ - سورة الواقعة</span>\nعن ابن مسعود مرفوعًا: \"مَنْ قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\". (ضعيف)، السلسلة الضعيفة (٢٨٩، ٢٩٠، ٢٩١)، ضعيف الجامع (٥٧٧٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٩ - سورة الحشر</span>\nعن أبي أمامة مرفوعًا: \"مَنْ قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فَقُبِضَ في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الجنة \". (ضعيف جدًا) السلسلة الضعيفة (٤٦٣١)، ضعيف الجامع (٥٧٧٠).\nعن معقل بن يسار مرفوعًا: \"مَنْ قال حين يصبح ثلاث\nمرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وَكَّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومَنْ قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة \" (ضعيف)، ضعيف الترمذي (٥٦٠)، ضعيف الجامع (٥٧٣٢).","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٠ - سورة الإخلاص والمعوذتين</span>\nعن أنس مرفوعًا: \"مَنْ قرأ كل يوم مائتي مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحِيَ عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دَيْن \".\n(ضعيف) ضعيف الترمذي (٥٥١)، السلسلة الضعيفة\n(٣٠٠)، ضعيف الجامع (٥٧٨٣).\nعن أنس مرفوعًا: «مَنْ قرأ في يوم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ سبع مرات، أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى». (ضعيف) السلسلة الضعيفة (٤٦٣٠) وضعيف الجامع\n(٥٧٦٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>رابعًا: دعاء الحفظ الضعيف</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - إذ جاءه علي بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي! تفلت هذا القرآن من صدري، فما أجدني أقدر عليه. فقال له رسول الله - ﷺ -:\n\"يا أبا الحسن!، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع بهن من علمته، ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ \"قال: أجل يا رسول الله! فعلمني. قال: \"إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم ثلث الليل الآخر، فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩٨) سورة يوسف. يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة.\nفإن لم تستطع، فقم في وسطها، فإن لم تستطع، فقم في أولها، فصل أربع ركعات، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة (يس)، وفي الثانية بفاتحة","vol":"1","page":95},{"text":"الكتاب وحم (الدخان)، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل (السجدة) وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب و(تبارك) المفصل فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله، وأحسن الثناء على الله، وصلَّ عليَّ وأحسن، وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك:\nاللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني.\nاللهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام ... إلى أن قال: يا أبا الحسن! تفعل ذلك ثلاث جُمَع، أو خمسًا، أو سبعًا، تُجَب بإذن الله، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنًا قط\".\nقال ابن عباس: فوالله ما لبث علي إلا خمسًا، أو سبعًا، حتى جاء رسول الله - ﵌ - في مثل ذلك المجلس، فقال: يا رسول الله! إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات ونحوهن، فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن، وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها، فإذا قرأتها على نفسي، فكأنما كتاب الله بين عيني، ولقد كنت أسمع الحديث، فإذا أردته تفلت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث، فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفًا.\nفقال رسول الله - ﵌ - عند ذلك: \"مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن \".\n(حديث موضوع) السلسلة الضعيفة (٣٣٧٤) نقلًا من كتاب ضعيف سنن الترمذي حديث رقم (٧١٩).","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفصل الخامس\nآداب وأحكام تلاوة القرآن الكريم</span>\nوفيه أحد عشر مبحثًا:\n١ - آداب تلاوة القرآن الكريم.\n٢ - صفة قراءة النبي - ﷺ - للقرآن.\n٣ - في كم يقرأ القرآن؟\n٤ - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم عن ظهر قلب؟\n٥ - أيهما أفضل الجهر بالقراءة أم الإسرار؟\n٦ - هل يجوز مس المصحف على غير طهارة؟\n٧ - هل يجوز قراءة القرآن للجنب والحائض؟\n٨ - سجود التلاوة وأحكامه.\n٩ - حكم نسيان القرآن.\n١٠ - حكم تقليد صوت القارئ.\n١١ - حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>١ - آداب تلاوة القرآن</span>\nهناك الكثير من الآداب التي ينبغي للقارئ أن يتأدب بها عند تلاوة كتاب الله - تعالى - وسوف نذكر طرفًا منها مجملًا ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب (التبيان في آداب حملة القرآن) للإمام النووي - ﵀ - فإنه قد أجاد في ذلك وأفاض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١ - الإخلاص:</span>\nينبغي للقارئ أن يقصد بتلاوة القرآن رضا الله - تعالى - وما عنده من الأجر والثواب، وأن لا يقصد به توصلًا إلى غرض من أغراض الدنيا من مال، أو رياسة، أو وجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند الناس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٥) سورة البينة. وقال - ﷺ -: \" مَنْ تعلم علمًا مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة\" (١)\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه أبوداود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (١٠٠).","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>٢ - الطهارة:</span>\nيستحب للقارئ أن يقرأ القرآن وهو على طهارة فإن قرأ مُحْدِثًا جاز بإجماع المسلمين والأحاديث فيه كثيرة معروفة، قال إمام الحرمين: ولا يقال ارتكب مكروهًا ولكن تارك للأفضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٣ - السواك:</span>\nيستحب للقارئ أن ينظف فاه بالسواك لأنه (مطهرة للفم ومرضاة للرب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٤ - نظافة المكان:</span>\nيستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار ولهذا استحب جماعة العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة أما القراءة في الطريق وعلى الراحلة ونحو ذلك فالصحيح أنها جائزة غير مكروهة إذا لم ينشغل القارئ عن قراءته، فإن انشغل عنها يكره مخافة الخلط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٥ - استقبال القبلة:</span>\nيستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، وهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا أو في فراشة أو على غير ذلك من الأحوال جاز وله أجر ولكنه دون الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٦ - الاستعاذة والبسملة:</span>\nفإن أراد الشروع في القراءة استعاذ بأي صيغة من صيغ التعوذ الواردة لقوله\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه البخاري في كتاب الصوم معلقًا بصيغة الجزم عن عائشة. وقال الحافظ في الفتح (٤/ ١٨٨): (وصله أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان). وصححه الألباني في الإرواء (٦٦).","vol":"1","page":100},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٩٨) سورة النحل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٧ - الترتيل:</span>\nوينبغي أن يرتل قراءته لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) سورة المزمل.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١٢١) سورة البقرة.\nوذلك لأن الترتيل أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرًا في القلب ويستحب إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من الشر ومن العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٢ - صفة قراءة النبي - ﷺ - للقرآن</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في هديه - ﷺ - في قراءة القرآن:\n(كان له - ﷺ - حزب يقرأه، ولا يخل به (١)، وكانت قراءته ترتيلًا، لا هذًا (٢) ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفًا (٣)، وكان يقطع قراءته آية آية (٤)،وكان يمد حروف\n_________\n(١) وأما حديث «أنه كان له حزب لا يخل به» رواه أبوداود (١٣٩٣) في كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن، من حديث أوس بن حذيفة، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٩٧).\n(٢) (هذًا): سرعة القراءة بغير تأمل. الفتح (٨/ ٧٠٨).\n(٣) رواه أبوداود (١٤٦٦)، والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٣١٦)، ضعيف الترمذي (٥٦١)، وضعيف النسائي، المشكاة (١٢١٠) التحقيق الثاني. وصححه عبد القادر الأرناؤوط في تخريجه للتبيان ص (٧٠).\n(٤) قال أبوعمرو الداني في (المكتفى) (٥/ ٢): (وكان جماعة من الأئمة السالفين والقُرَّاء الماضين يستحبون القطع على الآيات وإن تعلق بعضهن ببعض).\n\nوقال الألباني: وهذه سنة أعرض عنها جمهور القراء في هذه الأزمان فضلًا عن غيرهم. هامش صفة الصلاة ص (٥١).","vol":"1","page":101},{"text":"المد، فيمد الرحمن ويمد الرحيم (١)، وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، وربما كان يقول: \" اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ونفثه \" (٢) وكان تعوذه قبل القراءة .. وكان يقرأ القرآن قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، ومتوضئًا، ومحدثًا، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة (٣) وكان - ﷺ - يتغنى به، ويرجع صوته به أحيانًا كما رجع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) سورة الفتح. وحكى عبد الله بن المغفل ترجيعه آآ آثلاث مرات، ذكره البخاري ... وهذا الترجيع منه - ﷺ - كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له) (٤).\n\nهديه - ﷺ - في القراءة في الصلاة:\n١ - كان - ﷺ - يطيل القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية.\n٢ - كان يبتدئ من أول السورة ويكملها في أغلب أحواله، وتارة يقسمها في ركعتين، وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية، وأحيانًا يجمع في الركعة بين السورتين أو أكثر، وكان يقرن النظائر (٥) من المفصل كثيرًا.\n٣ - وكان يطيل القراءة أحيانًا، ويقصرها أحيانًا أخرى، وربما لعارض سفر\n_________\n(١) رواه البخاري ح (٥٠٤٦) عن أنس بن مالك.\n(٢) (حديث سنده حسن) أخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه من حديث جبير بن مطعم وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد وأبوداود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري. قاله الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد (١/ ٤٨٢).\n(٣) الحديث (ضعيف) انظر ضعيف الترمذي (٢٢).\n(٤) زاد المعاد لابن القيم (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وانظر فتح الباري (٨/ ٤٤٨).\n(٥) النظائر: السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص. انظر (صفة الصلاة) للألباني ص (٥٧).","vol":"1","page":102},{"text":"أو سعال أو مرض أو بكاء صبي.\n٤ - وكانت تختلف قراءته باختلاف الصلوات، ولم يكن يلتزم سورة معينة في صلاة معينة في كثير من الأحوال غير صبح الجمعة فإنه كان يقرأ فيها ﴿الم * تنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١ - ٢) سورة السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ (١) سورة الإنسان (١)، وصلاة الجمعة والعيدين.\n\n٥ - وكان يجهر بالقراءة في صلاة الصبح والجمعة والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويُسر بها في صلاة الظهر والعصر، وربما كان يسمعهم فيها الآية والآيتين وكان يسر تارة ويجهر أخرى في صلاة الليل.\n٦ - وكان يطيل في صلاة الفجر ما لا يطيل في غيرها في سائر الصلوات ثم الظهر ثم العصر والعشاء، ثم المغرب غالبًا.\n_________\n(١) قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين، أو قراءة السجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السنة، وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فُضل بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن، وإنما كان - ﷺ - يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم ودخول الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق) و(اقتربت) و(سبح) و(الغاشية». زاد المعاد (١/ ٢١٠ - ٢١١).","vol":"1","page":103},{"text":"أما عن هديه - ﷺ - في القراءة في الصلوات فهو كالآتي:\n١ - صلاة الفجر: كان - ﷺ - يقرأ فيها أحيانًا بطوال المفصل فربما قرأ الواقعة أو الطور أو ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وربما قرأ ما بين الستين إلى المئة آية في الركعة أو الركعتين، وربما قرأ بقصار المفصل مثل ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.\n٢ - صلاة الظهر: كان يطيلها أحيانًا حتى أنه كانت تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يأتي والرسول - ﷺ - في الركعة الأولى مما يطولها، وربما قرأ قدر الثلاثين آية في الركعتين، وأحيانًا كان يقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها من السور.\n\n٣ - صلاة العصر: وكانت قراءته فيها على النصف تقريبًا من صلاة الظهر أي قدر خمس عشرة آية في كل ركعة أو في الركعتين جميعًا.\n\n٤ - صلاة المغرب: كان يقرأ فيها أحيانًا بقصار المفصل حتى إنه لينصرف الواحد منهم ليبصر مواقع نبله وكان يقرأ أحيانًا ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وأحيانًا بطوال المفصل وأواسطه، فربما قرأ بالطور، والمرسلات قرأ بها في آخر صلاة صلاها، وكان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين (الأعراف).\n\n٥ - صلاة العشاء: كان يخفف فيها ما لا يخفف في غيرها، وكان ينهى عن إطالة القراءة فيها كما في حديث معاذ بن جبل، فتارة يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها من السور، وتارة ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ وكان يسجد بها.\n\n٦ - صلاة الجمعة: كان يقرأ فيها أحيانًا بـ الجمعة والمنافقون، وتارة الجمعة والغاشية، وأحيانًا الاعلى والغاشية.","vol":"1","page":104},{"text":"٧ - صلاة العيدين: كان يقرأ فيها أحيانًا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية أو ﴿ق﴾ والقمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٣ - في كم يقرأ القرآن</span>؟ (١)\nأخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن باب في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.\nوأورد تحته حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \" اقرأ القرآن في شهر \" قلت: إني أجد قوة ... حتى قال: اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك \" (٢).\nوأخرج أبوداود أن عبد الله بن عمرو سأل النبي - ﷺ - في كم يقرأ القرآن؟ قال: \"في أربعين يومًا \" ثم قال: \" في شهر \" ثم قال: \" في عشرين \" ثم قال: \" في خمس عشرة \" ثم قال: \" في عشر \" ثم قال: \" في سبع \" (٣).\nوعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا يفقه مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث \" (٤).\n_________\n(١) تراجع هذه المسألة في الكتب الآتية: فتح الباري (٨/ ٧١٢،٧١٧)، التبيان ص (٤٦،٥٠) طبعة البيان، فضائل القرآن لابن كثير، البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٥٤،٥٥٥)، والإحياء للغزالي (١/ ٣٢٥،٣٢٦).\n(٢) رواه البخاري (٥٠٥٤).\n(٣) (حسن) رواه أبوداود (١٣٩٥) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٢٦١)، صحيح الجامع (١١٥٤)، السلسلة الصحيحة (١٥١٢).\n(٤) (صحيح) رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة وأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٤٣).","vol":"1","page":105},{"text":"قال الإمام النووي - ﵀ -: (وكان السلف - ﵃ - لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه، فروى ابن أبي داود عن بعض السلف - ﵃ -، أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال ختمة، وعن بعضهم في كل خمس ليال، وعن بعضهم في كل أربع ليال، وعن كثيرين في كل ثلاث ليال. وعن بعضهم ليلتين. وعن بعضهم في كل ليلة واحدة) (١).\n\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(قوله: (باب في كم يقرأ القرآن) وقول الله تعالى:\n﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ كأنه أشار إلى الرد على من قال: أقل ما يجزئ من القراءة في كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من القرآن، وهو منقول عن إسحق بن راهوية والحنابلة، لأن عموم قوله تعالى ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ يشمل أقل من ذلك، فمن ادَّعى التحديد فعليه البيان) (٢).\nوفي فتاوى اللجنة الدائمة:\n(ويشرع أن لا يتجاوز في ختمه للقرآن شهرًا؛ لفعل السلف، ولكن لو ختمه في أكثر من شهر لا يُعد هاجرًا لتلاوة القرآن). (٣)\nقال الإمام النووي - ﵀ -:\n(الاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان من أهل الفهم والتدقيق استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني وكذا من كان له شغل\n_________\n(١) التبيان للنووي ص (٤٦) طبعة البيان بتصرف.\n(٢) فتح الباري (٨/ ٧١٣) طبعة الريان.\n(٣) فتاوى اللجنة الدائمة: المجموعة الثانية المجلد الثالث صـ ٧٧","vol":"1","page":106},{"text":"بالعلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة استحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل ولا يقرأه هزرمة. والله أعلم) (١)\nوينبغي للمسلم ألا يقرأ القرآن في أقل من ذلك لقوله - ﷺ -: \" لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ذلك \" (٢).\nقال أبوالطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي - ﵀ -: (وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام) (٣).\n\nوقال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: (أقول: هذا هو الصواب الموافق للسنة) (٤).\nوأما ما ورد عن السلف في ختمهم للقرآن في أقل من ذلك مثل: ما ورد عن عثمان بن عفان - ﵁ - أنه جمع القرآن في ركعة يوتر بها وروى عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في الكعبة وتميم الداري وغيرهم من العلماء والصالحين.\nفهذا يحمل على ما ذكره ابن كثير في فضائل القرآن: فهذا وأمثاله محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفقهون، ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة، والله ﷾ أعلم) (٥).\n_________\n(١) التبيان ص (٣٢) طبعة مكتبة الزهراء، الهزرمة: سرعة الكلام الخفي.\n(٢) (حديث صحيح) انظر صحيح الجامع (٧٧٤٣).\n(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود (٤/ ١٨٧) المجلد الثاني طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.\n(٤) تخريج كتاب التبيان ص (٤٩) طبعة البيان، دمشق، الطبعة الأولى.\n(٥) فضائل القرآن لابن كثير.","vol":"1","page":107},{"text":"وقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(ولقد أحسن الإمام الترمذي برواية هذا الخبر والذي بعده (خبر عثمان، وسعيد) بصيغة التضعيف، لأن الركعة مهما طالت لا يمكن أن يقرأ فيها القرآن الكريم كاملًا، فضلًا عما في ذلك من مخالفته لسنة رسول الله - ﷺ - في الركوع والسجود والقيام، وحاشا لسيدنا عثمان أن يفعل مثل ذلك) (١).\nوقال سماحة العلامة عبد العزيز بن باز - ﵀ -:\n(... وبعض السلف قال: إنه يستثنى من ذلك أوقات الفضائل وأنه لا بأس أن يختم كل ليلة أو في كل يوم كما ذكروا هذا عن الشافعي وعن غيره، ولكن ظاهر السنة أنه لا فرق بين رمضان وغيره وأنه ينبغي له أن لا يعجل وأن يطمئن في قراءته وأن يرتل كما أمر النبي ﵊ عبد الله بن عمرو فقال: \"اقرأه في سبع \" هذا آخر ما أمره به، وقال: \" لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث \"، ولم يقل إلا في رمضان، فحمله بعض السلف هذا على غير رمضان محل نظر.\nوالأقرب - والله أعلم - أن المشروع للمؤمن أن يعتني بالقرآن ويجتهد في إحسان قراءته وتدبر القرآن والعناية بالمعاني ولا يعجل، والأفضل أن لا يختم في أقل من ثلاث، هذا هو الذي ينبغي حسب ما جاءت به السنة ولو في رمضان) (٢)\n\nوالخلاصة:\nمما سبق يتضح أن الأفضل للمسلم أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث لحديث النبي ﵊ وأن لا يزيد عن شهر لفعل السلف الصالح رضوان الله عليهم.\n_________\n(١) ضعيف الترمذي للألباني ص (٣٥٧).\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٩/ ٤١٦)","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٤ - أيهما أفضل القراءة من المصحف أم عن ظهر قلب</span>؟\nقال الإمام النووي - ﵀ -:\n(قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر قلب، لأن النظر في المصحف عبادة مطلوبة فتجتمع القراءة والنظر هكذا قاله القاضي حسين من أصحابنا وأبوحامد الغزالي وجماعة من السلف؛ ونقل الغزالي في الإحياء أن كثيرين من الصحابة - ﵃ - كانوا يقرأون من المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف وروي ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثيرين من السلف ولم أر فيه خلافًا، ولو قيل: إنه يختلف باختلاف الأشخاص فيختار القراءة في المصحف لمن استوى خشوعه وتدبره في حالتي القراءة في المصحف وعن ظهر قلب، ويختار القراءة عن ظهر القلب لمن لم يكمل بذلك خشوعه ويزيد على خشوعه وتدبره لو قرأ من المصحف لكن هذا قولًا حسنًا والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٥ - هل الجهر بالقراءة أفضل أم الإسرار</span>؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالأول: الجهر أفضل.\nالثاني: الإسرار أفصل.\nالثالث: التفصيل وهو ما نميل إليه.\nقال أبوحامد الغزالي - ﵀ -: (فالوجه في الجمع في هذه الأحاديث أن\n_________\n(١) التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي ص (٥٥، ٥٦) طبعة مكتبة الزهراء. وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٥٤٤ - ٥٤٧)، فضائل القرآن للحافظ ابن كثير (٦٢ - ٦٤) والإحياء للغزالي (١/ ٣٢٩) طبعة الريان، فتح الباري (٨/ ٦٩٦ - ٦٩٧) طبعة الريان.","vol":"1","page":109},{"text":"الإسرار أبعد عن الرياء والتصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه، فإن لم يخف ولم يكن في الجهر ما يشوش الوقت على مصلٍ آخر، فالجهر أفضل لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته من اللازم، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر فيه، ويصرف إليه سمعه، ولأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب إحيائه، ولأنه قد يراه بَطَّال غافل فينشط بسبب نشاطه ويشتاق إلى الخدمة، فمتى حضره شيء من هذه النيات، فالجهر أفضل، وإن اجتمعت هذه النيات تضاعف الأجر، وبكثرة النيات تزكو أعمال الأبرار، وتتضاعف أجورهم، فإن كان في العمل الواحد عشر نيات، كان فيه عشر أجور) (١).\nوفي فتاوى اللجنة الدائمة: (يراعى فيه الأصلح للقارئ من الجهر أو الأسرار مما يجمع قلبه على القراءة وتدبر معاني ما يتلوه من معاني القرآن الكريم. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٦ - هل يجوز مس المصحف على غير طهارة</span>؟\nذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز مس المصحف للمحدث مطلقًا سواء أكان حدثًا أصغر أو حدثًا أكبر فمنعوا غير المتوضئ والجنب والحائض والنفساء من مس المصحف؛ واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) سورة الواقعة، وقوله - ﷺ -: \" لا يمس القرآن إلا طاهر \" (٣).\n_________\n(١) إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ٣٢٩)، وانظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٤٧)، التبيان ص (٥٨ - ٥٩).\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية، المجلد الثالث، ص ٨٠\n(٣) (حديث صحيح) صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٨٠)، المشكاة (٤٦٥) والإرواء (١٢٢) وقال: (وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بالكذب، وإنما العلة بالإرسال أو سوء الحفظ وكثرة الطرق يقوي بعضها بعضاُ).","vol":"1","page":110},{"text":"وفعل الصحابة ﵃ ومنهم سعد بن أبي وقاص كما رواه الإمام مالك في الموطأ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص؛ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: فقلت نعم. فقال: قم، فتوضأ. فقمت، فتوضأت، ثم رجعت.\nوأجاب عن ذلك القائلون بالجواز بأن الاستدلال بالآية الكريمة لا يسلم للقائلين بالمنع وذلك لأن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الضمير في الآية في قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ المقصود به الكتاب المكنون الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة، وهذا ما يشعر به سياق الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.\nأما الحديث \" لا يمس القرآن إلا طاهر \" فلفظ \" طاهر \" لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينه، والأحاديث التي احتجوا بها في المنع لا يثبت منها شيء. قال الإمام ابن حزم - ﵀ -: (وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه فإنه لا يصح","vol":"1","page":111},{"text":"منها شيء لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تسند وإما عن مجهول وإما عن ضعيف) (١) والذي نراه أن رأي الجمهور أولى وأحوط. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٧ - هل يجوز قراءة القرآن للجنب والحائض</span>؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:\n(وأما قراءة الجنب والحائض للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:\nقيل: يجوز لهذا ولهذا، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد.\nوقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض. إما مطلقًا أو إذا خافت النسيان. وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: \" لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئًا \" (٢) وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة. بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك\n_________\n(١) راجع المحلي لابن حزم (١/ ٧٧ - ٨٤) طبعة دار الفكر.\n(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٧٨): (وأما حديث ابن عمر مرفوعًا فضعيف من جميع طرقه)، وقال عنه الألباني: (حديث منكر) راجع ضعيف الترمذي (١٨)، ضعيف ابن ماجه (١٣٠)، ضعيف الجامع (٦٣٦٤)، وإرواء الغليل (١٩٢).","vol":"1","page":112},{"text":"بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر) (١).\nوإذا ثبت جواز القراءة للحائض، فإنه يثبت للجنب كذلك، وأما التفريق بينهما فلا دليل عليه. وأورد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الحيض: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.\nوقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية. ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا. وكان النبي - ﷺ - يذكر الله في كل أحيانه ...\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعًا لابن بطال وغيره: أن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة - ﵂ -؛ لأنه - ﷺ - لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تُمْنَع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إذا كان لكونه ذكرًا لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبدًا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث: \" كان يذكر الله على كل أحيانه\" لأن الذكر أعم أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرِّقَ بين الذكر والتلاوة بالعرف ...\nوأما حديث علي ﵁:\n(كان رسول الله - ﷺ - لا يحجبه عن القراءة\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ٤٦٠ - ٤٦١) طبعة دار التقوى.","vol":"1","page":113},{"text":"شيء ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة (١)، لكن قيل: في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الأدلة) (٢).\n\nوالخلاصة:\nأنه لم يثبت في منع الحائض أو الجنب من القراءة حديث صحيح صريح، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية، وعلى الرغم من هذا فإننا نرى أن الأولى أن يكون الإنسان على طهارة لقوله - ﷺ -: \" إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٨ - سجود التلاوة</span>\nهل يشترط لسجود التلاوة طهارة؟ وهل يُكبَّر إذا خفض ورفع سواء كان في الصلاة أو خارجها؟ وماذا يُقال في هذا السجود؟ وهل ما ورد من الدعاء صحيح؟ وهل يشرع السلام من هذا السجود إذا كان خارج الصلاة؟\nالجواب: قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -:\n(سجود التلاوة لا تشترط له الطهارة في أصح قولي العلماء وليس فيه تسليم ولا تكبير عند\n_________\n(١) الحديث (ضعيف) قال النووي: (خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث) وضعفه الإمام الشافعي وأحمد والبيهقي والخطابي والألباني في الإرواء (١٣٣،٤٨٥)، تمام المنة ص (١٠٨ - ١١٠)، وضعفه الترمذي (٢٢).\n(٢) فتح الباري (١/ ٤٨٥ - ٤٨٧) طبعة الريان.\n(٣) (حديث صحيح) راجع السلسة الصحيحة (٨٣٤).","vol":"1","page":114},{"text":"الرفع منه في أصح قولي أهل العلم.\nويشرع فيه التكبير عند السجود لأنه قد ثبت من حديث ابن عمر - ﵄ - ما يدل على ذلك. أما إذا كان سجود التلاوة في الصلاة فإنه يجب فيه التكبير عند الخفض والرفع لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك في الصلاة في كل خفض ورفع وقد صح عنه - ﷺ - أنه قال: \" صلوا كما رأيتموني أصلي\" (١)\nويشرع في سجود التلاوة من الذكر والدعاء ما يشرع في سجود الصلاة لعموم الأحاديث ومن ذلك: \" اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين \" (٢) روى ذلك مسلم في صحيحه عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول هذا الذكر في سجود الصلاة وروى عن النبي - ﷺ - أنه دعا في سجود التلاوة بقوله: \" اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا وامح عني بها وزرًا واجعلها لي عندك ذخرًا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇ \" (٣).\nوالواجب في ذلك قوله: (سبحان ربي الأعلى) كالواجب في سجود الصلاة. ومازاد عن ذلك من الذكر والدعاء فهو مستحب، وسجود التلاوة في الصلاة، وخارجها سنة وليس بواجب لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث زيد بن ثابت ما\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه مسلم ح (٧٧١) من حديث علي، ورواه أحمد من حديث عائشة وأبوداود والنسائي بإسناد حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٣) (حديث حسن) رواه الترمذي من حديث ابن عباس وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧١٠).","vol":"1","page":115},{"text":"يدل على ذلك (١) وثبت عن عمر - ﵁ - ما يدل على ذلك أيضًا. (٢) والله ولي التوفيق (٣).\nحكم سجود التلاوة في الأوقات المكروهة:\nقال الإمام الشوكاني - ﵀ -:\n(روي عن بعض الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروه، والظاهر عدم الكراهة، لأن السجود المذكور ليس بصلاة والأحاديث الواردة بالنهي مختصة بالصلاة) (٤)\n\nسجود المستمع لسجود القارئ:\nمن استمع إلى قارئ، فقرأ آية فيها سجدة؛ فالمستحب ألا يسجد المستمع حتى يسجد القارئ، لأنه بمثابة الإمام، وأما إن لم يسجد القارئ فلا يسجد المستمع.\nقال ابن مسعود لتميم بن حذلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: اسجد، فأنت إمامنا فيها (٥).\n_________\n(١) عن زيد بن ثابت قال: (قرأت على النبي - ﷺ - النجم فلم يسجد فيها) رواه البخاري (١٠٧٣)، ورواه مسلم وأبوداود والترمذي.\n(٢) حديث عمر: رواه البخاري (ح ١٠٧٧) وفيه قال عمر: (يا أيها الناس إنما نَمُرُّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه) راجع الفتح (٢/ ٦٤٩).\n(٣) تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام ص (١٢٩/ ١٣٠) تأليف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - وأشرف على تجميعه وطبعه محمد بن شايع بن عبد العزيز الشايع. نشرة دار طيبة. الطبعة الثانية.\n(٤) عون المعبود شرح سنن أبي داود (٤/ ٢٠٣،٢٠٤) طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.\n(٥) رواه البخاري (٢/ ٦٤٧) باب من سجد لسجود القارئ معلقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ: (وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور من رواية مغيرة عن إبراهيم .. وقد رُوي مرفوعًا أخرجه ابن أبي شيبة من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم ورجاله ثقات إلا أنه مرسل). الفتح (٢/ ٦٤٨).","vol":"1","page":116},{"text":"وعن ابن عمر - ﵄ - قال: (كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) (١).\nوفرق بعض العلماء بين السامع والمستمع، لما ورد من الآثار ما يفيد ذلك، ومنها: قال عثمان بن عفان - ﵁ -: (إنما السجدة على من استمعها) (٢).\nوعن سعيد بن المسيب أن عثمان مَرَّ بقاصٍ فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: (إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد)، وعنه أيضًا أنه قال: قال عثمان: (إنما السجدة على مَنْ جلس لها واستمع) (٣)\nوعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (مَرّ سلمان على قوم قعود فقرأوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا) (٤)\nقال الشافعي في البويطي:\n(لا أؤكده - السجود - على السامع؛ كما أؤكده على المستمع) (٥)\nقال الإمام النووي - ﵀ -: إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفع من السجود قبله) (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠٧٥).\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٤٨ الفتح) معلقًا بصيغة الجزم.\n(٣) (الطريقان صحيحان) الأول رواه عبد الرزاق، والثاني رواه ابن أبي شيبة، الفتح (٢/ ٦٤٩)\n(٤) (إسناده صحيح) رواه عبد الرزاق. الفتح (٢/ ٦٤٩).\n(٥) فتح الباري (٢/ ٦٥٠).\n(٦) التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص (١٠١) طبعة مكتبة ابن عباس بالمنصورة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٩ - حكم نسيان القرآن</span>\nوردت آثار كثيرة تحث على تعاهد القرآن، والأمر باستذكاره وتلاوته، كما وردت آثار أخرى تحذر من نسيانه، والغفلة عنه، ومن ذلك حديث ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت\" (١).\nوحديث أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" تعاهدوا القرآن، والذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عُقلها \" (٢)\nقال الحافظ ابن حجر:\n(الإبل المعقلة): أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير، شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الفرار، فما زال التعاهد موجودًا فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدودًا بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورًا، وفي تحصيلها بعد استكمان نفورها صعوبة). (٣)\nواختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبوعبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفًا قال: (ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣٠) سورة الشورى.\n_________\n(١) رواه البخاري ح (٥٠٣١).\n(٢) رواه البخاري (ح ٥٠٣٣) ومعنى تفصيًا: تفلتًا وتخلصًا، الفتح (٨/ ٧٠٠).\n(٣) فتح الباري (٨/ ٦٩٧).","vol":"1","page":118},{"text":"وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب)، ومن طريق أبي العالية موقوفًا: (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه)، وإسناده جيد، ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولًا شديدًا.\nوقال الإمام القرطبي - ﵀ -:\n(مَنْ حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخلَّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد) (١).\nوقال الإمام ابن كثير - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه. (أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من نسيك ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١) سورة الأعراف.\nفإن الجزاء من جنس العمل، وأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدًا عليه من جهة\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٧٠٤،٧٠٥) بتصرف.","vol":"1","page":119},{"text":"أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك) (١).\nوقال أيضا: (فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبيروتفريط شديد نعوذ بالله به)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>١٠ - حكم تقليد صوت القارئ</span>\nقال الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد - ﵀ -:\n(فاعلم أنه في عصرنا بدت ظاهرة عجيبة، لدى بعض القراء إذ أخذوا في التقليد والمحاكاة على سبيل الإعجاب والتلذذ، وتلقنه الطلاب وهم في دور التلقي ثم سرت هذه العادة فَتَكَوَّن من هذه الظاهرة ظاهرة المحاكاة والتقليد في الصوت، كل بحسب من أعجبه صوته، فعمروا المحاريب بالتقليد، وهم وقوف بين يدى الله تعالى، يؤمون المصلين، ليحرك الإمام نفوس المأمومين بصوت غيره، ويتلذذ السامعون بحسن أدائه فيه، بل وصل الحال إلى أن الإمام في التراويح، قد يقلد صوتين، أو ثلاثة، وهكذا، وقد سمعت في هذا عجبا، وصدق أبوالطيب المتنبي:\nوأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيرًا ... تكلف شيء في طباعك ضده\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٤) طبعة المكتبة القيمة ولقد ألفت في الوسائل المعينة على حفظ القرآن وتعاهده الكثير من الكتب منها:\n١ - قصد السبيل إلى الجنان ببيان كيف تحفظ القرآن - إبراهيم عبد المنعم الشربيني.\n٢ - الكلمات الحسان فيما يعين على الحفظ والانتفاع بالقرآن - محمد بن مصطفى.\n٣ - الإيقاظ لتذكير الحفاظ بالآيات المتشابهة الألفاظ - جمال بن عبد الرحمن.\n٤ - عون الرحمن أبوذر القلموني.\n٥ - كيف تحفظ القرآن؟ د. عبد الرب نواب الدين.","vol":"1","page":120},{"text":"وحيث إن هذا أمر إضافي في عبادة، والعبادات سبيلها الوقف على النص ومورده، بل هنا في أفضل الكلام (القرآن الكريم) وفي أفضل العبادات العملية (الصلاة) والمسلم مطالب بأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فالسؤال الوارد إذًا: ما حكم التعبد بتقليد صوت القارئ هل هو مطلوب شرعًا أو غير مطلوب؟ وإذا كان مطلوبًا فما دليله؟ وما منزلته من قسمي الطلب: الوجوب والندب؟ وإن لم يكن مطلوبًا فما حكمه؟ وما موقعه من قسمي النهي: التحريم والكراهة؟\nوالجواب:\nأن مجرد الصوت حسنًا أو غير حسن، لم يعلق الله عليه حكمًا، لا مدحًا، ولا ذمًا، بل لا يجوز فيه ذمه إذا كان غير حسن، لأنه خلق الله، ولا اختيار للعبد فيه، وأن الصوت الطبيعي الحسن، نعمة على العبد، وأن النعم محن، فإن استعمله في الطاعة في قراءة كتاب الله تعالى كان ذلك أمرًا مرغوبًا فيه شرعًا، واستماعه مرغوب شرعًا، لا لذات الصوت لكن، لأنه يحمل كلام الله، ويحببه إلى النفوس ويوصل معانيه إلى القلوب، وأن من كان كذلك لم يمنحه الشرع حكمًا مستقلًا لذات الصوت دون غيره. وأن تحريك الصوت للإنسان أمر طبعي، كما يتحرك كل إلى ما يناسبه من الأصوات وإنما التعبد أن يتحرك العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة، والتذكير بالمصير، وبالجنة والنار، وعظيم الحِكَم والأحكام، أما لو تحرك عند قراءة القرآن طربًا لمجرد حسن الصوت، دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم، فهذا عشق مجرد من التعبد، لعدم ورود أمر التعبد عليه في الشرع المطهر.\nوإذا استقر عندك هذا المحصول الجامع لأحكام الصوت الحسن، بقي الوقوف على حكم هذه الظاهرة الحادثة:","vol":"1","page":121},{"text":"(الافتتان بتقليد أصوات القراء، والقراءة بها في المحاريب بين يدى الله تعالى) عندئذ نقول:\n١ - هذا أمر إضافي إلى التعبد في القراءة، فهذا التقليد (عبادة) ومعلوم أنه قد وجد المقتضي لهذا في عصر النبي - ﷺ -، وعصر صحابته - ﵃ - فلم يُعلم العمل به عند أحد منهم - ﵃ - وقد عُلم في (الأصول): (أن ترك العمل بالشيء في عصر النبي - ﷺ - مع وجود المقتضى له يدل على عدم المشروعية).\nفالصوت الحسن في القراءة موجود في عصر النبي - ﷺ -، ورأس الأمة في هذا نبينا ورسولنا محمد - ﷺ - فهذا المقتضى موجود، ولم يُعلم أن أحدًا تقرب إلى الله بتقليد صوت النبي - ﷺ - أو أحد من صحابته، ولا من بعدهم، وهكذا. فدل هذا على عدم مشروعية هذا التقليد، وعُلِمَ به أن التقرب إلى الله تعالى بذلك التقليد والمحاكاة لأصوات القراء أمر مهجور، فالتعبد به أمر مُحْدَث، وقد نُهِينَا عن الإحداث في الدين.\nوقاعدة الشرع: أن كل أمر تعبدي مُحْدَث فهو: بدعة وكل بدعة ضلالة، وأن الشغف والتدين بحسن الصوت فحسب، والتلذذ به، كالتدين بعشق الصور، فهما في الابتداع والتحريم سواء.\nبل يضاف إلى المحاكاة للصوت الحسن، وأن فيها نوع تبعية مُذلة، والشرع يبني في النفوس: العزة، والكرامة، وترقية العقول، واستقلالها، وتمحض متابعتها لهدي النبوة لا غير.\n٣ - والشرع يدعو إلى تحسين القارئ صوته، وهذا أمر مشروع في حق مَنْ يملكه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتطلبه بالتقليد والمحاكاة، تكليف بما لا","vol":"1","page":122},{"text":"يسع العبد في طبعه، فهو غير مطلوب، وتكلف العبد ما لا يطيقه كمن يريد شبر البسيطة، وهذا يخالف الفطرة حسًا، ويعاكسها عقلًا، ودين الإسلام دين الفطرة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠) سورة الروم.\n٤ - واعلم أن المحدَث يتولد منه أمور محدثة، وهكذا تبدو المحدثات صغارًا، ثم تنمو، وتزداد، حتى تنقطع السبيل إلى سبل، وتغاب السنن.\n\nوقد تولد عن فتنة التقليد:\n١ - إحياء البدعة المهجورة لدى المتصوفة (التعبد بعشق الصوت) ولقد كشف أهل السنة بدعيتها.\n٢ - الازدحام في المساجد التي سبيل إمامها المحاكاة والتقليد، وشد الرحال إليها وبخاصة في أيام رمضان ليصلي التراويح في مسجد إمامه (حسن الصوت) وفي هذا مخالفة لقوله - ﷺ -: \" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا \" (١)\n٣ - تَكَرُّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته.\n٤ - انصراف مَنْ شاء الله مِنْ عباده عن الخشوع في الصلاة، وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت.\nوأنصح كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالى وبخاصة أئمة المساجد أن يكفوا عن المحاكاة والتقليد في قراءة كلام رب العالمين، فكلام الله أَجَلُّ، وأعظم من أن\n_________\n(١) رواه البخاري ح (١١٨٩) ومسلم ح (١٣٩٧).","vol":"1","page":123},{"text":"يجلب له القارئ مالم يطلب منه شرعًا زائدًا على تحسين الصوت حسب وسعه لا حسب قدرته على التقليد والمحاكاة. وقد قال الله عن نبيه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦) سورة ص\nوليجتهد العبد في حضور القلب، وإصلاح النية فيقرأ القرآن محسنًا به صوته من غير تكلف، وليجتنب التكلف من الأنغام، والتقعر في القراءة، والممنوع من حرمة الأداء) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>١١ - حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح</span>\nانتشر في هذا الزمان ظاهرة القراءة من المصحف في صلاة التراويح، وأصبحت سمة عامة لكثير من المساجد، مما أدى إلى تكاسل كثير من الأئمة الحفاظ عن المراجعة، فما حكم هذه الظاهرة؟ وهل يجوز قراءة الإمام من المصحف في القيام استدلالًا بإمامة ذكوان لعائشة - ﵂ -؟ أم أنه من محدثات الأمور.\nالجواب: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا ما بين مانع ومجيز ولكل أدلته.\nولقد سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -\nفأجاب: (لا نرى ذلك، وما ذُكر عن ذكوان حادثة عين، لا عموم لها، وبإباحة ذلك لأئمة المساجد يؤدي بهم إلى ترك تعاهد القرآن والعناية بحفظه غيبًا، وهذا خلاف قوله - ﷺ -: \" تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها\" (٢).\n_________\n(١) بدع القراء القديمة والمعاصرة ص (٢٨ - ٥٨) بتصرف لفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد، طبعة دار قرطبة.\n(٢) رواه البخاري ح (٥٠٣٣) واللفظ له، ومسلم ح (٧٩١).","vol":"1","page":124},{"text":"ومعلوم أن للوسائل حكم الغايات كقولهم ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وما يؤدي إلى معصية فهو معصية ... وهكذا).\n\nوهذه الظاهرة عليها الكثير من المآخذ منها:\n\n١ - أنه خلاف لهدي النبي - ﷺ - الذي يقول \" صلوا كما رأيتموني أصلي \" (١).\n٢ - أنه أيضًا خلاف لسنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا أن نتأسى بهم.\n٣ - أنه يميت الرغبة لدى الكثير في حفظ القرآن الكريم، التي خص الله بها هذه الأمة وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظرًا، فإذا طبقوه لم يحفظ ما فيه إلا الأنبياء، هذا وأكبر دافع وأقوى حافز للمسلم للقرآن للصلاة، فما دام يجوز القراءة من المصحف لماذا العناء والنصب؟\n٤ - وبه - أيضًا - يهمل العمل بحديث النبي - ﷺ - \" ليليني منكم أولو الأحلام والنُهى .. الحديث \" (٢) إذ لا حاجة لأن يقفوا خلف الإمام للفتح عليه.\n٥ - وكذا به لا يستطيع الإمام النظر إلى موضع السجود لتعلق نظره بصفحات المصحف.\n٦ - فيه نقص لتمام الطمأنينة والخشوع لانشغال الإمام بتقليب الصفحات وتقديمه أثناء القيام من المصحف للقراءة والتأخر والرجوع عندما يريد الركوع بل البعض يكون المصحف عن يمينه فتراه يشيح بوجهه عن المسجد الحرام بدلًا\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه مسلم ح (٤٣٢) وأحمد وأبوداود والترمذي.","vol":"1","page":125},{"text":"من أن يصمد إليه وجهه صمدًا، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٥٠) سورة البقرة.\n٧ - كثير من أهل العلم كره هذا الصنيع كما جاء ذلك عن مجاهد وعن الأعمش وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يؤم الرجل في المصحف كراهية أن يتشبهوا بأهل الكتاب، بل إن سليمان بن حنظل مَرَّ بقوم يؤمهم رجل في مصحف في رمضان على مشجب فرمى به).\n٨ - ما قاله ابن حزم في المحلى (ولا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في المصحف لا في فريضة ولا نافلة، فإن فعل عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته وصلاة من ائتم به عالمًا بحاله بأن ذلك لا يجوز وأما أبوحنيفة - ﵀ - قال عن صلاته: أنها فاسدة).\nأما حجج من أجاز ذلك أهمها اثنتان:\n١ - احتجاجهم بأنه لم يعد هناك من يحفظ القرآن فنقول لهم: إن النبي - ﷺ - قام ليلة بآية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) سورة المائدة. كان بها يسجد وبها يركع وبها يقوم يقعد حتى يصبح .. الحديث (١).\n٢ - استدلالهم بصنيع مولى عائشة - ﵂ - ذكوان بأنه كان يؤمها من المصحف في رمضان فنقول: أهذا الأمر كان من الدين؟ فهل عمل به النبي - ﷺ - سكت عنه وتجاهله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! وإلا فما معنى قوله تعالى:\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه النسائي وابن خزيمة وأحمد وابن نصر والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. راجع صفة الصلاة للألباني ص (٦٩).","vol":"1","page":126},{"text":"﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٣) سورة المائدة.\nأما الأئمة الأعلام الذين أجازوا ذلك فإنهم قيدوه بقيد الاضطرار فهذا الإمام أحمد - ﵀ - سئل هل يؤم في المصحف في رمضان؟ قال: ما يعجبني إلا أن يضطر إلى ذلك. وبه قال إسحاق.\nوقال قتادة عن سعيد بن المسيب في الذي يقوم في رمضان: إن كان معه ما يقرأ به في ليلة، وإلا فليقرأ في المصحف.\nوأما الحسن - ﵀ - فقال: يقرأ بما معه ويردده ولا يقرأ من المصحف كما تفعل اليهود. (١)\n\nومما سبق يتضح أن: الأولى أن يقرأ المسلم من حفظه ولو كان قليلًا يردده كما فعل الرسول - ﷺ - والسلف الصالح من بعده، ولا يقرأ من المصحف في الصلاة إلا أن يضطر إلى ذلك. والله أعلم.\n_________\n(١) المقتصد في ترجمة الشيخ أبويوسف عبد الرحمن عبد الصمد بقلم إبراهيم بن حميد الساجر. وراجع كلام السلف عن القراءة من المصحف في الصلاة في كتاب المصاحف لابن أبي داود تحقيق سليم الهلالي ص (٧١٠ - ٧٢١) طبعة مؤسسة غراس للنشر والتوزيع ط الأولى ١٤٢٧ هـ","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الباب الثاني\nهجر استماع القرآن</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: استماع القرآن الكريم (معناه - فضله - آدابه - سبب هجره).\nالفصل الثاني: أقسام الناس في سماع القرآن.\nالفصل الثالث: نماذج من استماع القرآن الكريم.\nالفصل الرابع: صور من هجر استماع القرآن.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفصل الأول\nاستماع القرآن الكريم</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nأولًا: معنى السماع.\nثانيًا: فضائل استماع القرآن.\nثالثًا: آداب استماع القرآن الكريم.\nرابعًا: سبب هجر استماع القرآن.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>أولًا: معنى السماع</span>\nالسماع لغةً:\nقال ابن منظور - ﵀ -: سمع: السَّمْعُ حسُّ الأذن، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق؛ وقال ثعلبُ: معناه: خلا له فلم يشتغل بغيره، وقد سمعه سَمْعًا وسِمْعًا وسَمَاعًا وسَمَاعة وسَمَاعية ...\nقال ابن السكيت: (السَّمْعُ) سَمْعُ الإنسان وغيره، ويكون واحدًا وجمعًا، كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ (٧) سورة البقرة. لأنه في الأصل مصدر قولك (سَمِعَ) الشيء بالكسر (سَمْعًا) و(سَمَاعًا) وقد يجمع على (أسماع) وجمع الأسماع (أسامع).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٨١) سورة النمل. أي ما تسمع إلا من يؤمن بها، وأراد بالإسماع ههنا القبول والعمل بما يسمع، لأنه إذا لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لم يسمع. وسَمَّعه الصوت وأسمعه: استمع له. وتَسَّمع إليه أي أصغى.\nوقد تأتي (سَمِعَ) بمعنى أجاب، ومن أمثلة ذلك: (سمع الله لمن حمده) أي","vol":"1","page":133},{"text":"أجاب الله حمده وتقبله، وفي الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يُسمع) أي لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع.\nوالسميع: من صفاته ﷿ وأسمائه، لا يعزب عن إدراكه مسموع، وإن خفي، وسع سمعه الأصوات كلها، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى﴾ (٨٠) سورة الزخرف.\nقال الأزهري: وهو سبحانه سميع ذو سمع بلا تكييف ولا يشبه بالسمع من خلقه ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصف الله بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف.\nورجل سمَّاع إذا كان كثير الاستماع لما يقال وينطق به، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ (٤٢) سورة المائدة.\nفُسِّر قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ على وجهين: أحدهما: أنهم يسمعون لكي يكذبوا فيما سمعوا. الثاني: ويجوز أن يكون أنهم يسمعون الكذب ليشيعوه في الناس. والله أعلم بما أراد (١).\nالسماع اصطلاحًا: قال الإمام ابن القيم: (وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه عنها طلبًا أو هربًا، وحبًا أو بغضًا) (٢).\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٥) بتصرف، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.\n(٢) (مدارج السالكين (١/ ٥١٧) انظر نضرة النعيم (٦/ ٢٣٠١».","vol":"1","page":134},{"text":"هل هناك فرق بين السماع والاستماع؟\nنعم، فالاستماع يكون بحضور القلب مع سكون الجوارح بحيث يحصل التدبر؛ لذا يؤجر عليه صاحبه. وأما السماع فيكون بدون قصد ولا إرادة، لذا لا يترتب عليه أجر ولا إثم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (فالرجل لوسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة، من غير قصد منه، كأن كان مجتازًا بطريق فسمع ذلك، لم يأثم، ذلك باتفاق المسلمين، ولو كان الرجل مارًا، فسمع القرآن، من غير أن يستمع إليه، لم يؤجر على ذلك، وإنما يؤجر على الاستماع الذي يقصد) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثانيًا: فضائل استماع القرآن</span>\nإن فضائل استماع القرآن الكريم كثيرة، كما أن لتلاوة القرآن الأجر العظيم، فكن - أخي الحبيب - من المحافظين على تلاوته واستماعه، حتى تفوز بالأجر العظيم في الدنيا والآخرة، وتكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.\nومن هذه الفضائل:\n١ - استماع القرآن سبب لرحمة الله - ﷾ -:\nقال الله - ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف.\nقال - ﷺ -: \" وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده \" (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢١٢).\n(٢) رواه مسلم (٦٧٢٦) وأبوداود والترمذي مختصرًا عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.","vol":"1","page":135},{"text":"قال الليث: يُقَال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف و(لعل) من الله واجبة. (١)\nقال الحسن البصري: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. (٢)\nوقد اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، وأن الأمر بالاستماع والإنصات في حق مَنْ؟ فمنهم مَنْ قال: في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، وآخرون قالوا: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وغيرهم قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة وهذا اختيار ابن جرير الطبري (٣).\nوالذي يظهر والله أعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان في الصلاة أشد مطلوبًا لمكان القرب والتأثر.\n_________\n(١) فضائل القرآن وآداب التلاوة للإمام القرطبي ص (١٢) تحقيق د / أحمد حجازي السقا، نشر المكتب الثقافي.\n(تنبيه) لنا بعض الملاحظات على تحقيق الدكتور المذكور آنفًا للكتاب منها:\n١ - لم يخرج الأحاديث النبوية، بل تركها كما هي، والكتاب به الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.\n٢ - ملأ الكتاب بالتعليقات التي تدل على منهجه الاعتزالي من تقديم العقل على النقل، وتأويل الصفات وتعطيلها.\nمثال: نفى الشفاعة يوم القيامة ص (١١)، فسر (استوى) بمعنى (استولى) ص (٢٥)، ويد الله بمعنى قدرة الله ص (٢٦)، ونفى صفة الكلام لله ص (٣٤) وغيرها.\n٣ - ينفي النسخ في القرآن ص (٢٩) كما يشكك في الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والأحكام إن لم يكن يرده مطلقًا ص (٥١، ٥٢، ٩٦).\n(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٦٨ - ٢٨٧) طبعة المكتبة القيمة.\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":136},{"text":"٢ - استماع القرآن سبب لتحصيل الأجر العظيم\nوكما عرفنا أن مَنْ قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، فإن الأجر لا يتوقف على التلاوة فحسب، بل إن استماع القرآن الكريم - إذا أخلص الإنسان نيته لله - من الأسباب المعينة على تكثير الحسنات، ومضاعفة الطاعات، ومن أفضل القربات.\nقال أبوهريرة - ﵁ -: (مَنْ استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كُتب له حسنة مضاعفة، ومَنْ تلاها كانت له نورًا يوم القيامة) (١).\n٣ - استماع القرآن سبب لهداية الإنسان\nلقد أوضح الله ﷾ أن القرآن مصدر الهداية في الدنيا والاخرة، ومن تمسك به تلاوة واستماعًا وعملًا وتدبرًا فلن يضل أو يشقى، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٩) سورة الإسراء.\nوإن استماع القرآن من الأعمال الصالحة التي بشر القرآن أصحابها بالهداية، ووصفهم بأنهم أصحاب العقول السليمة الراشدة فقال ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٧ - ١٨) سورة الزمر.\n_________\n(١) (ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا) رواه أحمد مرفوعًا (٣/ ٣٤١) وضعفه المنذري في الترغيب (٢/ ٣٤٥)، وقال الحافظ العراقي في تخريج الاحياء (١/ ٣٢٠): (وفيه ضعف وانقطاع) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٠٨)، وقال محقق التبيان ص (٧٣): وفيه الحسن البصري مدلس ولم يصرح بالسماع وقد اختلف في سماعه من أبي هريرة، وعباد بن ميسرة ضعيف، فالحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا) طبعة مكتبة ابن عباس المنصورة.","vol":"1","page":137},{"text":"٤ - استماع القرآن سبب لتحصيل النور\nعن ابن عباس - ﵄ -: (من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كانت له نورًا) (١).\nإن الاستماع إلى القرآن الكريم يكسب صاحبه نورًا في الدنيا: ينير له الطريق، ويبدد به الظلمات، ويكسب به الشبهات، ويقمع به الشهوات، ويقضي به على الضلالات، وكذلك يكسب صاحبه نورًا في الآخرة: يمشي به على الصراط، وينجو به من المهلكات حتى يفوز بجنة الله خالق الأرض والسموات، فمن دعاء المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) سورة التحريم.\n\nفوائد الاستماع:\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب، إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، وحرك يثير ساكن العزمات، إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ومنادٍ ينادي للإيمان، ودليل يسير بالركب في طريق الجنان، وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح (حي على الفلاح، حي على الفلاح) .. فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادًا لحجة، وتبصرة لعبرة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد، وردًا على ضلالة، وإرشادًا من غيّ، وبصيرة من عمى، وأمرًا بمصلحة، ونهيًا عن\n_________\n(١) (صحيح الإسناد) رواه الدارمي في سننه برقم (٣٣٦٧) (وفيه رزين بن عبد الله بن حميد لم أقف على من ترجم له، وأما عنعنة ابن جريج فلا تضر عن عطاء لأنه قال: إذا قلت: قال عطاء، فهو سماع وإن لم أقل: سمعت، وقد تابع رزينًا عبد الرزاق (٦٠١٢) فصح الإسناد). نقلًا عن تخريج التبيان ص (٧٣) مكتبة ابن عباس المنصورة.","vol":"1","page":138},{"text":"مضرة ومفسدة، وهداية إلى نور، وإخراجًا من ظلمة، وزجرًا عن هوى، وحثًا على تقى، وجلاء لبصيرة، وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة، وكشف شبهة، وإيضاح برهان، وتحقيق حق، وإبطال باطل ...) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثالثًا: آداب استماع القرآن الكريم</span>\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) سورة الأنفال. يذكر الله - تعالى - حال المؤمنين عند استماع آيات القرآن الكريم أنهم يُلقون إليها الأسماع في إصغاء وخشوع، وأدب وخضوع، وصمت وادِّكار، وتفكر واعتبار؛ مؤمنين بأن ما يسمعونه هو كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على سيد المرسلين، فوعاه قلبه، ونطق به لسانه، وبلغّه إلى أمته أداء للأمانة، وإبلاغًا للرسالة، فرقانًا بين الحق والباطل، هاديًا إلى سبيل الرشاد، مبشرًا بالوعد الصادق مَنْ أذعن له وأطاع، منذرًا بالوعيد العدل مَنْ تمرد عليه وعصى، مذكرًا بأيام الله وما خلا من قرون، ومضى من شئون، ذاكرًا ما أعدَّ الله للمتقين من جنات وعيون، ونعيم مقيم، وما أعد للكافرين من نار موقدة، وعذاب دائم أليم.\nفترى المؤمنين عند تلاوته وسماعه قد خشعت أصواتهم لرهبته، ووجلت قلوبهم لخشيته، وذرفت عيونهم من مخافته، وأقبلوا على ربهم تائبين، ومن ذنوبهم مستغفرين، وفي رضاه طامعين، ومن غضبه وجلين.\nذلك كان شأن الصحابة - رضوان الله عليهم -، والصدر الأول من المسلمين عند سماع القرآن وتلاوته وذلك ما تشير إليه الآية، في وصف المؤمنين أنهم إذا\n_________\n(١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ٥٣٥) طبعة دار الجيل.","vol":"1","page":139},{"text":"ذكر الله بصفات الجلال، وأنه القاهر فوق عباده، المنفرد بالقدرة والسلطان والقوة والجبروت - وجلت قلوبهم. وإذا تليت عليهم آياته، وفقهوا ما في ثناياها من معان وأحكام، وبشارة ونذارة، ووعد ووعيد، وعظات وأمثال - قوي يقينهم بالله، وأقبلوا على ما فيه رضاه، وأعرضوا عما يسخطه، ولا يرضاه كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف.\nفإن الأمر بالاستماع والإنصات عند قراءته في الصلاة وخارج الصلاة أمر صريح، وقد جعله الله مناط الرحمة؛ ليُعلم أن اللغو عند قراءته والتصدية والمكاء، والجَلَبة والضوضاء من موانع الرحمة، ونعوذ بالله ممن يضل سعيه، فيحول بعمله بين نفسه ورحمة ربه.\nفأين نحن الآن من أسلافنا؟ وهم القدوة في الهدى، وقد اتخذنا القرآن أغاني فالقارئ يفنن في النغم والتلحين، ويخرج به عن سنن الترتيل وقواعد التجويد، ويعيد الآية عند استحسان السامعين للنغمة وطلبهم الإعادة، والسامع يستخفُّه الطرب، لا من معاني القرآن، بل من حسن التوقيع وموسيقى الشيطان، وأفانين الألحان؛ فيصيح في نهاية الآيات بكلمات الاستحسان، والثناء على القارئ والدعاء له، وطلب الإعادة منه، وغير ذلك مما يستحي المؤمن الوقور من ذكره، وكثيرًا ما يكون ذلك في بيوت الله التي شرفها الله تعالى بإضافتها إليه، وجعل لها حُرمةً، وللدخول فيها والمكث بها آدابًا وسننًا.\nوكيف نرجو الثواب، ونقصد التعبدَّ بالقراءة والسماع؟ والأمر على ما وصفنا: من حركات طائشة، وكلمات مرذولة، وصياح وضوضاء، واستحسان للنغمات، وإغراء بالمزيد منها، وطلب الإعادة للآية لحسن التوقيع، وانتهاكٍ لحرمة","vol":"1","page":140},{"text":"المساجد، وتجاوز في القراءة للحدود المرسومة المروية عن القدوة وأئمة الهدى؟!.\nوأين الخشية من الله، والخوف عند تلاوة آية العذاب الذي تنخلع من هوله القلوب؟ والرهبة من آية الوعيد الذي يشق المرائر؟ وأين الخشوع والتفكر؟ وأين التوبة والاستغفار من الذنوب عند الذكر؟ (١).\n\nقال الشيخ عبد العظيم بن بدوي - حفظه الله -: (٢)\n(ولقد أمر الله - سبحانه - النبيين وأتباعهم المؤمنين بالاستماع للوحي عند تلاوته ونهاهم عن الانشغال عن الاستماع لما يوحي بأي شيء ولو بتلاوة الوحى نفسه، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (١٣) سورة طه، وكان النبي - ﷺ - إذا قرأ عليه جبريل القرآن القرآن تعجل بالقراءة خلفه خشية النسيان، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١٦ - ١٩) سورة القيامة.\nوقال للمؤمنين: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، لأنه بالاستماع يحصل الفهم المؤدي للعمل.\nومن أدب الاستماع:\n١ - سكون الجوارح.\n٢ - وغض البصر.\n٣ - والإصغاء بالسمع.\n٤ - وحضور القلب.\n٥ - والعزم على العمل.\n_________\n(١) القرآن آداب تلاوته وسماعه لـ (حسنين محمد مخلوف) ص (٢٤ - ٢٦) مطبعة لجنة البيان العربي الطبعة الأولى ١٩٥٨ م.\n(٢) مجلة التوحيد ص (١٢ - ١٣) عدد ربيع الآخر ١٤١٧ هـ السنة (٢٥).","vol":"1","page":141},{"text":"فذلك هو الاستماع الذي يحبه الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحضر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما فهم.\nقال سفيان بن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر (١).\nفإذا استمع العبد إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بنية صادقة كما يحب الله أفهمه الله كما يحب، وجعل له في قلبه نورًا، وكان من أهل البشارة التي أمر الله نبيه أن يبشر بها: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٨) سورة الزمر، وهكذا شهد الله لمن يحسن الاستماع إلى كتابه بالهداية والعقل، وذم الذين يسيئون الاستماع إلى الوحي وحكم عليهم بالضلال وشبههم بالأنعام، فقال ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾ (١٦) سورة محمد. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق. أي: أنه وجه سمعه، وأصغى حاسته إلى ما يتلى من الوحي وقلبه حاضر يفهم ما تسمعه الأذن، فإن السماع مع غفلة القلب سماع الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾، وهكذا تضمنت هذه الآية شروط الانتفاع بالقرآن والتأثر به وإفادتها السامعين بأوجز لفظ وأبينه وأدله\n_________\n(١) رواه الدارمي (١/ ١٠٧) بلفظ (يراد للعلم الحفظ والعمل والاستماع والإنصات والنشر). طبعة دار الريان.","vol":"1","page":142},{"text":"على المطلوب، فذكرت أنه لابد من محل قابل للتأثر، وهو القلب الحي، وأنه لابد من تحصيل شرط وهو إصغاء السمع وحضور القلب، وأنه لابد من انتفاء مانع يمنع من حصول الأثر وهو انشغال القلب وذهوله) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>رابعًا: سبب هجر استماع القرآن</span>\nمن الأسباب الرئيسة لهجر استماع القرآن الكريم، استماع الغناء واللهو والمزمار، الذي أصبح سمة غالبة لكثير من المسلمين - إلا مَنْ رحم الله -.\nولقد صرح بذلك العلامة ابن القيم - ﵀ - فقال:\n(ومن مكايد عدو الله ومصائده، التي كاد بها مَنْ قَلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة. وحسنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا. فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها\n_________\n(١) راجع شروط الانتفاع بالقرآن الكريم ص (٩ - ١١) من كتاب الفوائد لابن القيم. طبعة دار مكتبة الحياة.","vol":"1","page":143},{"text":"أعظم ما يفعله حميا الكئوس فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزًا، وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًا، فطورًا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الدمار.\nفيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور الرحمن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيهم وجدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا حتى تُلِيَ عليه قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زمراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.\nفيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأحوال السنيات، عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ قال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا","vol":"1","page":144},{"text":"لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠) سورة الكهف (١).\nوقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في موضع آخر:\n(والسلف الصالح كانوا يجدون الأذواق الصحيحة المتصلة بالله في الأعمال الصحيحة المشروعة، وفي قراءة كتاب الله وتدبره واستماعه، وفي مزاحمة العلماء بالرُّكب، وفي الجهاد في سبيل الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحب في الله، والبغض فيه، وتوابع ذلك فصار ذوق المتأخرين - إلا مَنْ رحم الله - في اليراع (القصبة التي يصفر بها الراعي) والدف والمواصيل والأغاني المطربة ومن الصور المستحسنة والرقص والزعقات، وتعطيل ما يحبه الله ويرضاه من عبوديته المخالفة لهوى النفوس، فشتان بين ذوق الألحان وذوق القرآن، وبين ذوق العود والطنبور، وذوق (المؤمنين) و(النور)، وبين ذوق الزَّمْر وذوق (الزُمَر)، وبين ذوق الناي وذوق (اقتربت الساعة وانشق القمر) وبين ذوق المواصيل والشبابات وذوق (يس) و(الصافات)، وبين ذوق غناء الشعر وذوق سورة (الشعراء)، وبين ذوق سماع المكاء والتصدية، وذوق (الأنبياء)، وبين الذوق على سماع تذكر فيه العيون السود والخصور والقدود، وذوق سماع سورة (يونس) و(هود)، وبين ذوق الواقفين في طاعة الشيطان على أقدامهم صواف وذوق الواقفين في خدمة الرحمن في سورة (الأنعام) و(الأعراف)، وبين ذوق الواجدين على طرب المثالث والمثاني، وذوق العارفين عند استماع (القرآن العظيم) و(السبع المثاني)، وبين ذوق أولي الأقدام\n_________\n(١) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم الجوزية (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠) طبعة دار الحديث.","vol":"1","page":145},{"text":"الصافات في حظيرة سماع الشيطان، وذوق أصحاب الأقدام الصافات بين يدي الرحمن.\nسبحان الله! هكذا تنقسم الأذواق والمواجيد، ويتميز خُلُقُ المطرودين من خُلُق العبيد، سبحان المُمدِّ لهؤلاء وهؤلاء من عطائه، والمفارق بينهم في الكرامة يوم القيامة فوالله لا تجتمع محبة سماع الشيطان وكلام الرحمن في قلب رجل واحد أبدًا، كما لا تجتمع بنت عدو الله وبنت رسول الله - ﷺ - عند رجل واحد أبدًا) (١) (٢).\nوقال الإمام ابن القيم - ﵀ - موضحًا أقسام الناس في سماع القرآن والغناء.\nوالناس في السماع أربعة أقسام:\nأحدها: مَنْ يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.\nالثاني: عكسه (مَنْ يشتغل بسماع الشيطان عن سماع القرآن).\nالثالث: مَنْ له نصيب من هذا وهذا.\nالرابع: ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.\n_________\n(١) عن المسْوَر بن مَخْرَمة قال: (إن عليًا خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت رسول الله - ﷺ - فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد أنكحت أبالعاص بن الربيع فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد. فترك علي الخطبة) رواه البخاري (٣٧٢٩) كتاب فضائل الصحابة باب ذكر أصهار النبي - ﷺ - (٧/ ١٠٧) فتح الباري طبعة الريان.\n(٢) كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء لابن القيم، ص (١٠٧/ ١٠٨)، تحقيق ربيع بن أحمد خلف نشر مكتبة السنة، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":146},{"text":"فالاشتغال بسماع القرآن الرحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.\nوالثاني: حال المشركين والمنافقين والفجار والفساق والمبطلين ومَنْ سلك سبيلهم.\nوالثالث: حال مؤمن له مادتان: مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منها.\nوالرابع: حال الفارغ من ذوق هذا وهذا، فهو في شأن وأولئك في شأن) (١).\n_________\n(١) كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء لابن القيم ص (٢٤٦).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>الفصل الثاني</span>\nوفيه مبحثان:\nأولًا: أقسام الناس في سماع القرآن.\nثانيًا: فتاوى مهمة في استماع القرآن.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>أولًا: أقسام الناس في سماع القرآن</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (١)\n(أصل السماع الذى أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول - ﷺ - سماع فقه وقبول ولهذا انقسم الناس فيه أربعة أصناف:\nالأول: صنف معرض ممتنع عن سماعه.\nالثاني: صنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى.\nالثالث: صنف فقه المعنى ولكنه لم يقبله.\nالرابع: الذى سمعه سماع فقه وقبول.\n\nفـ <span data-type=\"title\" id=toc-107>(الصنف الأول) </span>صنف معرض ممتنع عن سماعه كالذين قال الله فيهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-108>(الصنف الثاني) </span>مَنْ سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١) سورة البقرة.\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٦/ ٨ - ١٥) طبعة دار التقوى.","vol":"1","page":151},{"text":"هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (٢٥) سورة الأنعام. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (٤٣) سورة يونس. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ (٤٥ - ٤٧) سورة الإسراء. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف.\nوقوله: ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ يتناول مَنْ لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد العربية ومَنْ فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد فى الخارج وهو من: (الأعيان) و(الأفعال) و(الصفات) المقصودة بالأمر والخبر بحيث يراها ولا يعلم أنها مدلول الخطاب: مثل مَنْ يعلم وصفًا مذمومًا ويكون هو متصفًا به أو بعضًا من جنسه ولا يعلم أنه داخل فيه وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٢٢ - ٢٣) سورة الأنفال. قال ذلك بعد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢٠) سورة الأنفال.\nفقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ لم يرد به مجرد إسماع الصوت لوجهين:\n(أحدهما) أن هذا السماع لابد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين إلا به كما","vol":"1","page":152},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٦) سورة التوبة، وقال: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (١٩) سورة الأنعام، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١٥) سورة الإسراء.\nو(الثانى) أنه وحده لا ينفع فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم، بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله لمن فيه خير، وهذا نظير ما فى الصحيحين عن النبى - ﷺ - أنه قال: \" من يرد الله به خيرًا يفقهه فى الدين \" وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذى يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيرًا ولم يرد به خيرًا وأن من علم الله فيه خيرًا أو أراد به خيرًا فلابد أن يسمعه ويفقهه إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيرًا يفقهه: فالأول مستلزم للثانى، والصيغة عامة، فمن لم يفقهه لم يكن داخلا فى العموم فلا يكون الله أراد به خيرًا وقد انتفى فى حقه اللازم فينتفي الملزوم.\nوكذلك قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ﴾ (٢٢ - ٢٣) سورة الأنفال. بين أن الأول شرط للثانى: شرطًا نحويًا، وهو ملزوم وسبب، فيقتضى أن كل من علم الله فيه خيرًا أسمعه هذا الإسماع، فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيرًا فتدبر كيف وجب هذا السماع، وهذا الفقه، وهذا حال المؤمنين، بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه، أو فقه لا سماع معه أعنى هذا السماع.\nوأما قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ فقد يشكل على كثير من الناس، لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى، الذى كان يكون لو علم فيهم خيرًا، وليس فى الآية ما يقتضى ذلك، بل ظاهرها وباطنها ينافي ذلك، فإن الضمير فى قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ عائد إلى الضميرين فى","vol":"1","page":153},{"text":"قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ﴾، وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم فيهم خيرًا فلم يسمعهم إذن (لو) يدل على عدم الشرط دائمًا وإذا كان الله ما علم فيهم خيرًا فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا وهم <span data-type=\"title\" id=toc-109>(الصنف الثالث)</span>.\nودلت الآية على أنه ليس لكل مَنْ سمع وفقه يكون فيه خير بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به، فلا يكون فيه خيرًا، ودلت أيضًا على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير، فإنه هو الذى ينتفع به، فأما مَنْ ليس ينتفع به فلا يطلب تفهيمه.\n\nو(الصنف الثالث) من سمع الكلام وفقهه لكنه لم يقبله ولم يطع أمره كاليهود الذين قال الله فيهم: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤٦) سورة النساء.\nوقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) سورة البقرة. إلى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨) سورة البقرة. أي تلاوة.\nفهؤلاء من الصنف الأول الذين يسمعون ويقرءون ولا يفقهون ولا يعقلون إلى قوله: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨) سورة البقرة.\nكما قال فى تلك الآية: ﴿لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤٦) سورة النساء.","vol":"1","page":154},{"text":"وقال فى النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (١٥٥ - ١٥٦) سورة النساء. إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التى استحقوا بها ما استحقوه ومنها قولهم: ﴿قُلُوبُنَا﴾.\nفعلم أنهم كاذبون فى هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب. ولهذا قال: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه﴾ و﴿طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به، لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ (١٤٦) سورة البقرة. فـ ﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف. وأما (غلف) بالتحريك فجمع غلاف، والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون فى ذلك، واللعنة: الابعاد عن الرحمة، فلو عملوا به لرحموا، ولكن لم يعملوا به، فكانوا مغضوبًا عليهم ملعونين، وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه، وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقًا وعملًا.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-110>(الصنف الرابع) </span>الذين سمعوا سماع فقه وقبول فهذا هو السماع المأمور به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٨٣) سورة المائدة، وقال تعالى: ... ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن","vol":"1","page":155},{"text":"ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٩ - ٣١) سورة الأحقاف.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ (١٠٧ - ١٠٨) سورة الإسراء.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) سورة الأنفال.\nوقال ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١٢٥) سورة التوبة.\nوقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا * وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾ (٨٣) سورة الإسراء.\nوكذلك قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤) سورة فصلت.\nومثله قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) سورة آل عمران. فالبيان يعم كل من فقهه والهدى والموعظة للمتقين.\nوقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠) سورة الجاثية. وقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١ - ٢) سورة البقرة.\nوهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا التقى المؤمن","vol":"1","page":156},{"text":"أن يكون كان من المتقين قبل سماع القرآن فإن هذا:\n(أولًا): ممتنع؛ إذ لا يكون مؤمنا متقيًا مَنْ لم يسمع شيئًا من القرآن.\n(ثانيًا): أن الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدمًا زمانيًا كاستقبال القبلة فى الصلاة.\n(ثالثا): أن المقصود أن يبين شيئان:\nأحدهما: أن الانتفاع به بالاهتداء والاتعاظ والرحمة هو وإن كان موجبًا له لكن لابد مع الفاعل من القابل، إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلًا له، وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم وهذا حال كل كلام.\n(الثانى): أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون، ويستدل بعدم الاهتداء به على عدم الإيمان والتقوى، كما يقال: المتعلمون لكتاب بقراط هم الأطباء، وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه، بل بتعلمه وكما يقال: كتاب سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة، وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه، وكما يقال: هذا مكان موافق للرماة والركاب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>ثانيًا: فتاوى مهمة في استماع القرآن</span>\nس: هل استماع القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. يدل على الوجوب أو الاستحباب؟\nج - يشرع لكل مسلم عند سماع القرآن في غير الصلاة: أن ينصت له إعظامًا واحترامًا له؛ لينال رحمة الله سبحانه، ويتعظ بمواعظه ويعتبر بعبره، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. وأن لا يعرض عن سماعه وينشغل عنه بغيره مع القدرة على الإنصات، ويتعمد ذلك فيتصف","vol":"1","page":157},{"text":"بصفات كفار قريش الذين قال الله عنهم في إعراضهم عن سماع القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.\nوأما في الصلاة فيجب على المأموم أن ينصت عند سماع إمامه يقرأ في الصلاة الجهرية وفي صلاة الجمعة والخطبة والعيدين ونحو ذلك؛ ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \" إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا \"، وأخرج أصحاب السنن نحوه عن أبي هريرة ﵁. ويستثنى من ذلك قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية، وإن كان الإمام يقرأ؛ لوجوب قراءتها على كل من الأمام والمأموم والمنفرد؛ لمل صح عن النبي ﷺ أنه قال: \" لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \"، فيخصص هذا الحديث عموم الآية والحديث السابق فيوجوب الإنصات لقرءة القرآن؛ جمعًا بين الأدلة الثابتة الصحيحة، ولما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خاف رسول الله في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: \"لعلكم تقرؤون خلف إمامكم\" قلنا نعم. قال: \"لاتفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\" رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود بإسناد حسن. (١)\nس: ما حكم الاستماع إلى القرآن المذاع في الراديو؟\nج - الراديو آلة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم لما يذاع بها، وإن أذيع من الراديو قرآن أو بيان حق لشرائع الله أو مواعظ ترقق القلوب أو أخبار سياسية عادلة يعرف منها الناس أحوال العباد والبلاد ليكونوا على بينة من أمرهم ومما\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية، المجلد الثالث (ص٩٠)","vol":"1","page":158},{"text":"يراد بهم، وليتخذوا لأنفسهم موقفًا سليمًا ناجحًا ممن يواليهم ويعاديهم، أو أذيع منه أخبار تجارية يعرف منها الناس ما ينفعهم في حياتهم وفي معاشهم على غير هذا من المصالح كان السماع خيرًا وقد يكون واجبًا أحيانًا.\nوإن أذيع منه غناء ماجن فيه تخنث أو استهتار، أو أذيع منه أخبار سياسية كاذبة هوجاء سداها قلب الحقائق والتلبيس على الناس ولحمتها بهرج للتهريج وإثارة العواطف بقول الزور والإثم والبهتان إلى مثل هذا من الرذائل كان ما أذيع باطلًا لا يليق بالمسلمين السكوت عنه ولا الاستماع له، اللهم إلا أن يكون من يستمع للأخبار الكاذبة أو الآراء المغرضة والأقوال المنحرفة ممن عندهم وعي ولهم في الأمة شأن ليقوموا بكشف زائفها وبيان دخنها، وقاية للأمة من قائليها، وصيانة لمن يخشى عليه أن ينخدع بزخرفها (١)\nس: ما حكم الاستماع إلى القرآن الكريم أثناء مزاولة العمل؟\nج: يجوز للإنسان أن يستمع للقرآن وهو يزاول عمله. (٢)\nس: هل يجوز الاشتغال بعمل آخر سواء مذاكرة أو قراءة ... ويوجد في نفس المكان مسجل يقرأ القرآن؟\nجـ - قال الشيخ: أبومحمد بن عبد السلام: (الاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع، وهو يقتضي أن لا بأس بالتحدث للمصلحة) (٣).\n_________\n(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٤/ ١٣٠) طبعة دار أولي النهى.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية، المجلد الثالث (ص٨٦)\n(٣) البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٥٥٨) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":159},{"text":"س: ما حكم استماع القرآن الكريم على غير طهارة؟\nجـ - يجوز استماع القرآن على غير طهارة سواء كان الإنسان غير متوضئ أو جنبًا أو كانت المرأة حائضًا أو نفساء، حيث لا نعلم دليلًا يمنع من ذلك، بل ورد من الأدلة ما يفيد عكس ذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (٦) سورة التوبة.\nفإذا كان المشرك يجوز له أن يسمع كلام الله؛ فمن باب أولى المسلم الموحد على أيه حال.\nومن حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن (١).\nوقال العلامة ابن باز - ﵀ -\n(... أما الاستماع لقراءة القرآن فلا حرج في ذلك للجنب، بل يستحب له ذلك؛ لما فيه من الفائدة العظيمة). (٢)\n\nس: ما حكم الاستماع إلى تلاوة النساء في مسابقات القرآن الكريم التي تقام سنويًا في بعض البلاد الإسلامية؟\nج: لا أعلم بأسًا في هذا الشيء إذا كان النساء على حدة والرجال على حدة، من غير اختلاط في محل المسابقة، بل يكُنَّ على حدة، مع تسترهن وتحجبهن عن الرجال.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٦٨) من مختصر صحيح البخاري للألباني.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٢٩/ ٩٧)","vol":"1","page":160},{"text":"وأما المستمع فإذا استمع للفائدة والتدبر لكلام الله فلا بأس، أما مع التلذذ بأصواتهن فلا يجوز. (١).\nس: ما هو موقف المسلم عند سماع آية من المتشابه من الكتاب العزيز؟\nجـ - عليه أن يقول ابتداءً كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (٧) سورة آل عمران، ثم يسأل أهل الذكر لقول الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) سورة الأنبياء، وعليه أن يحذر من الذين يتبعون هذا المتشابه لقول النبي - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: \" إذا رأيت الرجل يتبع المتشابه ويترك المحكم فأولئك الذين سمى الله ﷿ فاحذروهم \" (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٢٤/ ٤٩٥). وانظر فتاوى اللجنة الدائمة (٤/ ١٢٦)\n(٢) أخرجه البخاري (٤٥٤٧) نقلًا عن: كتاب التسهيل لتأويل التنزيل سورة آل عمران لأبي عبد الله مصطفى العدوي. دار السنة، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفصل الثالث\nنماذج من استماع القرآن الكريم</span>\nوفيه ستة مباحث:\nأولا: استماع الله ﷾.\nثانيا: استماع الملائكة.\nثالثا: استماع النبي - ﷺ -.\nرابعا: استماع الكفار.\nخامسا: استماع الجن.\nسادسا: استماع النصارى.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولًا: استماع الله ﷾</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به \" (١).\nمعنى قول النبي - ﷺ - \" ما أذن الله ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>قال الحافظ ابن حجر - ﵀ </span>-: (قوله: \" أن يتغنى \" كذا لهم، وأخرجه أبونعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون \" أن \" وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف \" أن \" وأن إثباتها وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بلفظ \"أن\" لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادًا هنا وإنما هو من الأَذَن بفتحتين وهو الاستماع وقوله: \" أذن \" أي: استمع، والحاصل ان لفظ أَذِن بفتحة ثم كسرة في الماضي وكذا المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أذنت آذن بالمد، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة ثم بسكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين:\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠٢٣) ومسلم (١٨١٤) وأبوداود (١٤٧٣) وأما حديث «إن الله لا يأذن لشيء من أهل الأرض إلا لأذان المؤذنين والصوت الحسن بالقرآن» فهو حديث موضوع راجع ضعيف الجامع للألباني (١٦٧٢).","vol":"1","page":165},{"text":"قال عدي بن زيد:\nأيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن\nأي: في سماع واستماع ....\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>قلت: (الحافظ): </span>ومع ذلك كله فليس ما أنكره ابن الجوزي بمنكر بل هو موجه، وقد وقع عند مسلم في رواية أخرى كذلك ووجهها عياض بأن المراد الحث على ذلك والأمر به) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>قال العلامة ابن القيم - ﵀ </span>-:\n(والأذن بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة غلط من وجهين:\nأحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه.\nأما اللغة فإن الأذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٢) سورة الإنشقاق، بمعنى سمعت لربها وحُقَّ لها ذلك، كما قال عدي بن زيد:\n. . . . . . . . . . . . . ... إن همي في سماع وأذن (٢).\nبمعنى، في سماع واستماع. فمعنى قوله: \" ما أذن الله لشيء \" إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن.\nوأما الإحالة في المعنى، فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون فيه انتهى كلام الطبري) (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٦٨٧) بتصرف.\n(٢) وهو من أمالي ابن الشجري (٢/ ٣٦)، وديوان عدي ص (١٧٢). والددن: هو اللهو واللعب.\n(٣) زاد المعاد (١/ ٤٨٨).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117><span data-type=\"title\" id=toc-118>قال الإمام النووي - ﵀ </span></span>-:\nومعنى أذن في اللغة: الاستماع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٢) سورة الإنشقاق (١).\nهكذا يتضح من خلال عرض أقوال أهل العلم أن معنى (ما أذن الله) أي ما استمع الله، ولكن ما معنى استماع الله؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>قال الإمام القرطبي - ﵀ </span>-:\n(أصل الأَذَن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه على جهة مَنْ يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء.\nووقع عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث: \"ما أذن لشيء كأذنه \" بفتحتين، ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمد بن أبي حفصة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة، وعند أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيدالله: \" لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته \" (٢).\n\nقال الإمام النووي - ﵀ -:\n(معنى أذن في اللغة: الاستماع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، قالوا: ولا يجوز أن تحمل ههنا على الاستماع بمعنى\n_________\n(١) التبيان ص (٧٦) طبعة مكتبة ابن عباس، عون المعبود (٤/ ٢٤١).\n(٢) (حديث ضعيف) رواه ابن ماجه (١٣٤٠) وأحمد (٦/ ١٩) والحاكم (١/ ٥٧٠ - ٥٧١) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: بل هو منقطع. وضعفه الألباني. راجع ضعيف ابن ماجه (٣٦٣)، السلسلة الضعيفة (٢٩٥١).","vol":"1","page":167},{"text":"الإصغاء، فإنه يستحيل على الله تعالى، بل هو مجاز (١) ومعناه الكناية عن تقريبه للقارئ وإجزال ثوابه لأن سماع الله لا يختلف فوجب تأويله ...) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>قلنا: </span>غفر الله لعلمائنا الأجلاء (٣) فقد صرفوا اللفظ عن ظاهره فوقعوا في التأويل، وكان الأولى بهم بعد أن أثبتوا أن الأذن هو الاستماع، أن يثبتوا ما يترتب عليه، وهو أن الله - ﷾ - يسمع حقيقة أصوات عباده، وعلى وجه الخصوص أصوات قراء القرآن، سمعًا يليق بعظمته وجلاله واقتداره، لا يشابه\n_________\n(١) تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز تقسيم حادث لم يصرح به أحد من ائمة النحاة أهل اللغة كالخليل بن أحمد وسيبويه والكسائي والفراء وأمثالهم، وأبي عمرو بن العلاء وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عمرو الشيباني وغيرهم، بل إن أول من تكلم منهم هو مَعْمر بن المثنى أبوعبيدة، صاحب (مجاز القرآن)، المعطل لأسماء الله الحسنى فجردها عن معانيها، فاعتقد في التعطيل ثم سن المجاز ليوهم خصومه بأنه دليل، قال شيخ الإسلام: (لا ريب أن هذا التقسيم موجود في كتب المعتزلة ومَنْ أخذ عنهم وشابههم وأكثر هؤلاء ذكروا هذا التقسيم، وأما من لم يكن كذلك فليس الأمر في حقه كذلك) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٤٠٤)، راجع الأدلة على فساد هذا الرأي في كتاب (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) للشنقيطي - ﵀ -.\n(٢) عون المعبود (٤/ ٢٤١).\n(٣) (موقفنا من أبي بكر الباقلاني والبيهقي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي زكريا النووي وابن حجر وأمثالهم ممن تأول الصفات أو بعضها أو فوضوا في أصل معناها أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمه واسعة وجزاهم الله عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة - ﵃ - وأئمة السلف في القرون الثلاثة الذين شهد لها النبي - ﷺ - بالخير وأنهم أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السلف - ﵏ - سواء تأولوا الصفات الذاتية وصفات الأفعال أم بعض ذلك) (فتاوى اللجنة الدائمة) من فتوى رقم (٥٠٨٢).","vol":"1","page":168},{"text":"صفات خلقه مثل سائر الصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كما صرح بذلك الحافظ المفسر العلامة ابن كثير - ﵀ - حيث قال: (ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها وذلك أن يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم، وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو ﷾ يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم.\nكما قالت عائشة - ﵂ -: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها)، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم.\nكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (٦١) سورة يونس.\nثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم.\nومنهم مَنْ فسر الأذن هنا بالأمر، والأول أولى؛ لقوله: \"ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن \" أي يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١ - ٢) سورة الإنشقاق أي: استمعت لربها وحُقَّ لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن ههنا هو الاستماع، ولهذا جاء في الحديث رواه ابن ماجه بسند جيد (١) عن فضاله بن عبيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَينة إلى قينته \" (٢)\n_________\n(١) الحديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه (١٣٤٠) وأحمد (٦/ ٢٠) وغيرهم راجع السلسلة الضعيفة (٢٩٥١).\n(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) تحقيق أبي إسحق الحويني.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>ثانيًا: استماع الملائكة</span>\nإن الملائكة الكرام يحبون استماع القرآن الكريم، وتحف مجالسه، وأحيانًا تتنزل لاستماعه والإنصات إليه، وقد وضحت الأدلة الصحيحة هذا الأمر وبينته بيانًا شافيًا، فمنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>استماع الملائكة لقرآن الفجر</span>\nقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧٨) سورة الإسراء.\nوالمقصود بـ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: قال مجاهد: صلاة الفجر.\nأي أن القرآن الذي يتلوه الإمام في صلاة الفجر تشهده الملائكة (ملائكة الليل وملائكة النهار)؛ ولذلك كان هدي النبي - ﷺ - في صلاة الفجر، أنه كان يطيل القراءة فيها أكثر من غيرها من سائر الصلوات، فكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة آية.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح\" يقول أبوهريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).\nعن أُسَيْد بن حُضَير - ﵁ - قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه\n_________\n(١) رواه البخاري ح (٤٧١٧) باب (إن قرآن الفجر كان مشهودًا).\nوأما حديث \" إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته \" هذا حديث منكر منقطع قاله الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين (١/ ٣٢٨) طبعة الريان.","vol":"1","page":170},{"text":"مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجْتَرَّهُ رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراه، فلما أصبح حدث النبي - ﷺ - فقال له: \"اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير\" قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفتُ إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثلُ الظُلَّة فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها، قال: \" وتدري ما ذاك؟ \" قال: لا، قال: \" تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم\" (١).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\nقوله: \" اقرأ يا ابن حضير \" أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك، وليس أمرًا له بالقراءة في حاله التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال فصار كأنه حاضر عنده لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك لتستمر لك البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أُسَيْد ذلك فأجاب بعذره في قطع القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودل سياق الحديث على محافظة أسيد على خشوعه في صلاته لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء فلم يرفعه حتى اشتد به الخطب؛ ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات. ووقع في رواية ابن أبي ليلى المذكورة \" اقرأ أبا عتيك \" وهي كنية أسيد. قوله: \" دنت لصوتك \" في رواية إبراهيم بن سعد \" تستمع لك \" وفي رواية ابن كعب المذكورة \" وكان أسيد حسن الصوت\" وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٠١٨) ومسلم والنسائي.","vol":"1","page":171},{"text":"عند الإسماعيلي أيضًا \" اقرأ أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود \" وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته.\nقال الإمام النووي - ﵀ -:\nوفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلًا والحسن الصوت، قال: وفيه فضيلة القراءة وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة.\nقلت (الحافظ ابن حجر): الحكم المذكور أعم من الدليل فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ.\nوقد أشار في آخر الحديث بقوله: \" ما يتوارى منه \" إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير، وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>استماع الملائكة القرآن من ثابت بن قيس - ﵁ </span>-\nقيل لرسول الله ﷺ: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟ قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\" قال: فسئل ثابت؟ فقال: قرأت سورة البقرة. (٢)\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٦٨٢).\n(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢٥٠) تحقيق أبي إسحق الحويني الذي قال في الهامش: (وعزاه الحافظ في الفتح (٩/ ٧٥) لأبي داود. وقال: من طريق مرسلة. وقال الحافظ ابن كثير في أول سورة البقرة: هذا إسناد جيد. إلا أن فيه إبهام. ثم هو مرسل).","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>استماع الملائكة القرآن من قارئه</span>\nوبَيّنَ النبي - ﷺ - أن الملائكة تحف مجالس القرآن تستمع وتنصت فقال: \" ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده\" (١).\nعن علي - ﵁ - قال: أمرنا بالسواك وقال: (إن العبد إذا قام يصلي أتاه مَلَكٌ فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف المَلَك) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ثالثًا: استماع النبي - ﷺ </span>-\nلقد كان النبي - ﷺ - يحب استماع القرآن الكريم ويطلب من غيره أن يسمعه القرآن، ويقف أحيانًا فترات طويلة ينصت ويستمع لقراءة أحد أصحابه من ذوي الأصوات الحسنة الجميلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>استماع النبي - ﷺ - القرآن من ابن مسعود - ﵁ </span>-\nفقد صح عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: قال لي رسول الله - ﷺ -:\"اقرأ عليَّ القرآن\" فقلت: يارسول الله! اقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال:\" إني أحب أن أسمعه من غيري\" فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (٤١) سورة النساء. قال: \" حسبك الآن\" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (٦٧٢٦) وأبوداود والترمذي وابن ماجه والنسائي في الكبرى وأحمد وغيرهم.\n(٢) (صحيح لغيره) انظر السلسلة الصحيحة (١٢١٣).\n(٣) رواه البخاري (١٤٥٨٢) ومسلم وأبو داود وا لترمذي وأحمد وغيرهم.","vol":"1","page":173},{"text":"قال ابن بطال: (يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو - ﷺ - على أُبَيّ بن كعب لما تقدم في المناقب وغيرها (١) فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك (٢).\nوعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد وهو بين أبي بكر وعمر وإذا ابن مسعود يصلي وإذا هو يقرأ النساء فانتهى إلي رأس المائة فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي. فقال النبي - ﷺ -: \" اسأل تعطه، اسأل تعطه، ثم قال: مَنْ سَرَّه أن يقرأ القرآن غضًا كما أُنْزِل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد \"، فلما أصبح غدا إليه أبو بكر - ﵁ - ليبشره، وقال له: ما سألت الله البارحة؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لاينفد، ومرافقة نبينا محمد - ﷺ - في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر - ﵁ - فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال: يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه (٣).\n_________\n(١) عن أنس بن مالك قال النبي - ﷺ - لأُبَيِّ:\" إن الله أمرني أن اقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: وسماني؟ قال: \" نعم \" فبكى. رواه البخاري (٤٩٥٩).\n(٢) فتح الباري (٨/ ٧١٨).\n(٣) (حديث صحيح لغيره) رواه أحمد وأخرجه أبويعلي في مسنده والطبراني في الكبير وابن ماجة مختصرًا، انظر الصحيح المسند من فضائل الصحابة لمصطفى بن العدوي ص (٢٣٤)، وقال الألباني: إسناد حسن راجع السلسلة الصحيحة (٢٣٠١).","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>استماع النبي - ﷺ - القرآن من سالم مولى أبي حذيفة - ﵁ </span>-\nوعن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: أبطأتُ على عهد الرسول - ﷺ - ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال: \" أين كنت؟ \" قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد. قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليَّ فقال: \" هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>استماع النبي - ﷺ - القرآن من أبي موسى - ﵁ </span>-\nوعن أبي موسى - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: \" يا أباموسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود \" (٢).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\nقوله: \" يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود \" كذا وقع عنده مختصرًا من طريق بُرَيد، وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ «لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة ... \" الحديث. وأخرجه أبويعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه (أن النبي - ﷺ - وعائشة مَرَّا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيًا. فلما أصبح لقي أبوموسى رسول الله - ﷺ - فقال: \" يا أباموسى، مررت بك\" فذكر الحديث فقال: \" أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرًا\".\n_________\n(١) (إسناده صحيح ورجاله ثقات) رواه ابن ماجة وأخرجه أبونعيم في الحلية (١/ ٣٧١) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (١١٠٠).\n(٢) رواه البخاري (٥٠٤٨) ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم.","vol":"1","page":175},{"text":"ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم (أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي - ﷺ - صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال: \" لو علمت لحبرته لهن تحبيرًا \" ...\n\nقال الخطابي: قوله: \" آل داود \" يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدًا من أولاد داود، ولا من أقاربه، كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>استماع النبي - ﷺ - القرآن من الأشعريين - ﵁ </span>-\nعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: \" إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن. حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم، بالقرآن بالليل. وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار. ومنهم حكيم إذا لقى الخيل أو لقى العدو قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم \". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>استماع النبي - ﷺ - القرآن من جبريل ﵇</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: (كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأنه جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله - ﷺ - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة) (٣).\nقال الحافظ ابن حجر: (أول نزول جبريل بالقرآن كان في شهر رمضان، وأن جبريل كان يعارض النبي - ﷺ - بالقرآن في شهر رمضان وفي ذلك حكمتان: إحداهما: تعاهده.\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٧١١).\n(٢) متفق عليه.\n(٣) رواه البخاري مع الفتح (١/ ٤٠) طبعة الريان رواه مسلم (٢٣٠٧).","vol":"1","page":176},{"text":"والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ فكان رمضان ظرفًا لإنزاله جملةً وتفصيلًا وعرضًا وأحكامًا) (١).\nوقال أيضًا: (والمعارضة: مفاعلة من الجانبين كأن كلًا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>رابعًا: استماع الكفار</span>\nلم يكن النبي - ﷺ - وصحابته وحدهم الذين يستمعون القرآن، ويتأثرون به، بل العجيب أن الكفار والمشركين - على الرغم من كفرهم وشركهم - كانوا كذلك يحبون استماع القرآن، ويصغون إليه أحيانًا؛ لما للقرآن من سيطرة على النفوس، وتأثير على القلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>استماع زعماء قريش للقرآن</span>\nروى البيهقي (٣) أن جماعة من الكفار والمشركين كانوا يتسللون في ظلام الليل ليسمعوا القرآن من رسول الله - ﷺ - وهو يصلي بالليل في بيته، وقد أخذ كل واحد منهم مجلسه ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون القرآن، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر، إذا بهم يتفرقون فيجمعهم الطريق فيتساءلون أين كنتم؟ فيقولون: كنا نسمع القرآن من محمد بن عبد الله - ﷺ - فتلاوموا على ذلك وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا لمثل هذا، فلو رآكم بعض سفائكم لأوقعتم في نفسه\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٦٢١) بتصرف.\n(٢) المرجع السابق (٨/ ٦٦٠).\n(٣) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٦) عن الزهري مرسلًا.","vol":"1","page":177},{"text":"شيئًا، وتعاهدوا على عدم العودة إلى سماع القرآن مرة أخرى، وعلى الرغم من ذلك، تكرر منهم هذا الأمر مرتين بعد ذلك؛ لسيطرة القرآن على قلوبهم، وتأثرهم بآياته ولكن يمنعهم الكبر والحسد أن يؤمنوا برسول الله - ﷺ - وتمنوا أن ينزل القرآن على عظيم من العظماء من القريتين (مكة والطائف) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣١) سورة الزخرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>استماع الوليد بن المغيرة للقرآن</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقرأ عليه القرآن فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أباجهل فأتاه، فقال: يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا قال: لم؟ قال: ليعطوكه فأنت أتيت محمدًا تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالًا، قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر لما قال. قال: وماذا أقول، فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو ولا يعلى، وأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قولك حتى تقول فيه قال: قف عني حتى أفكر فيه. فلما فكر، قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ...﴾ [المدثر:١١ - ٣٠] (١).\n_________\n(١) رواه البيهقي في الدلائل وقواه (٢/ ١٩٩) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجه وأقره الذهبي، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (١/ ٣٢٣) (ورواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وسنده جيد). وصححه محقق سيرة ابن هشام رقم (٣٦٨) طبعة مكتبة الصحابة، وقال الشيخ مقبل بن هادي الوادعي: فالحديث ضعيف والله أعلم، راجع الصحيح المسند من أسباب النزول ص (٢٢٥) طبعة مكتبة ابن تيمية الطبعة الرابعة.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>استماع نساء المشركين وأبنائهم للقرآن</span>\nعن عروة بن الزبير؛ أن عائشة زوج النبي ﷺ؛ قالت: \" لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيًا. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>استماع عتبة بن ربيعة للقرآن</span>\nعن محمد بن كعب القرظي قال: حُدِّثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا قال يومًا، وهو في نادي قريش!، ورسول الله - ﷺ - جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة - ﵁ - ورأوا أصحاب رسول الله - ﷺ - يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد! قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا ابن أخي!، إنك منا حيث قد علمت من السطة (المنزلة الرفيعة) في العشيرة، والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت بة جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من\n_________\n(١) رواه البخاري. راجع الفتح (١/ ٤٧٦)","vol":"1","page":179},{"text":"مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها قال: فقال رسول الله - ﷺ -:\" قل يا أبا الوليد! أسمع \" قال: يا ابن أخي!، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا (كانوا يُسمون التابع من الجن رئيًا) تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوي منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - ﷺ - يستمع منه، قال: \" أقد فرغت يا أباالوليد؟ \". قال: نعم، قال: \"فاسمع مني\" قال: أفعل، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١ - ٤) سورة فصلت\nثم مضى رسول الله - ﷺ - فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبه أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، قم انتهى رسول الله - ﷺ - إلى السجدة منها فسجد (١)، ثم قال: \" قد سمعت يا أباالوليد! ما سمعت، فأنت وذاك\" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أباالوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا\n_________\n(١) وذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٣٧) سورة فصلت.","vol":"1","page":180},{"text":"الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُه مُلْكُكُم، وعِزُّه عِزُّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.\nوفي رواية أخرى أن عتبه استمع حتى جاء الرسول - ﷺ - إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١٣) سورة فصلت فقام مذعورًا، فوضع يده على فم رسول الله - ﷺ - يقول: أنشدك الله والرحم! وذلك مخافة أن يقع النذير، وقام إلى القوم فقال ما قال (١).\nومن هذا المنطلق - ألا وهو تأثير القرآن على النفوس، وسيطرته علي القلوب - بدأ الكفار والمشركون يخططون لصرف الناس عن استماع القرآن، حتى لايحولهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلمات إلى النور، فإذا بهم يتواصون فيما بينهم أن محمدًا - ﷺ - ساحر، وأن قوله سحر يفرق بين الناس فلا يسمعوا منه شيئًا\n_________\n(١) (إسناده حسن) أخرجه ابن إسحق في المغازي (١/ ١٨٥) من سيرة ابن هشام بسند حسن عن محمد ابن كعب القرظي مرسلًا، ووصله عبد بن حميد وأبويعلى البغوي من طريق أخرى من حديث جابر - ﵁ - تفسير ابن كثير (٤/ ٩٠ - ٩١) وسنده حسن إن شاء الله. قاله العلامة الألباني في تخريج فقه السيرة ص (١١٦).\nوقال صاحب المنهج الحركي للسيرة النبوية في التعليق على حديث عتبة وموقف النبي - ﷺ - معه: (لقد كان رسول الله - ﷺ - يحترم خصمه، ويتكلم معه بأدب بالغ، وتقدير جم، ويكنيه بكنيته، وبذلك يعلمنا أدب الحوار. وأهم نقطه فيه أن يتسع صدرنا لاستماع وجهة نظر الخصم، مهما كانت وجهة النظر هذه مرفوضة أو مقبولة عندنا، سامية أو منحطة لأننا بذلك نضمن أن يستمع خصمنا لنا، ويتسع صدره لوجهة نظرنا، وما لم نملك هذه الخاصية الهامة، فلن نربح الحوار مع عدونا .. (.","vol":"1","page":181},{"text":"مخافة أن يسحرهم بكلماته، وذلك حكاه القرآن عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.\nوأخذ الكفار يشيعون هذا الخبر في القبائل المجاورة، بل وفي الوفود التي تفد إلى مكة في مواسم الحج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>استماع الطفيل بن عمرو الدوسي للقرآن</span>\nوتحكى لنا كتب السيرة قصة رجل من اليمن من قبيلة دوس قدم مكة عام (١١) من النبوة ألا وهو الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁ - فاستقبله أهل مكة قبل وصوله إليها، وبذلو له أجل تحية وأكرم تقدير، وقالوا له: يا طفيل!، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرِّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئًا.\nيقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسفًا (قطنًا)؛ فرقًا من أن يبلغني شيئ من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي، واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر ما يخفى علىَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإذا كان حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا رددته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكُرْسف، ثم سماع بعض كلامه، وقلت","vol":"1","page":182},{"text":"له: اعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>استماع جبير بن مطعم للقرآن</span>\nعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه).\nوفي رواية: فلما وصل قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٣٥) سورة الطور. كاد قلبي أن يطير (٢).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -:\n(وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركًا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر فكان هذا سبب هدايته: ولهذا كان أحسن القراءات ما كان بخشوع القلب) (٣).\n_________\n(١) (خبر ضعيف) أورده ابن كثير في البداية نقلًا عن ابن إسحاق بغير سند وقال ابن كثير: هكذا ذكر ابن إسحق قصة الطفيل مرسلة بلا إسناد، وقال ابن حجر في الإصابة: ذكرها ابن إسحق في سائر النسخ بلا إسناد ... راجع تخريجها كاملًا في سيرة ابن هشام تحقيق مجدي فتحي السيد رقم (٣٧١) طبعة دار الصحابة. طنطا.\n\nوإنما ذكرناها هنا للدلالة والتنبيه على ضعفها، وذلك لاشتهارها بين الخطباء والوعاظ، وكذلك قصة إسلام عمر بن الخطاب المشهورة في قراءته لسورة طه بعدما اغتسل في بيت أخته فاطمة ... فهي قصة ضعيفة ومتنها منكر جدًا، راجع تخريجها في كتاب السيرة النبوية الصحيحة د / أكرم ضياء العمري (١/ ١٨٠) طبعة. مكتبة العلوم والحكم.\n(٢) متفق عليه: البخاري (٢/ ٢٤٧)، مسلم (٤٦٣).\n(٣) فضائل القرآن لابن كثير ص (١٧٥).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>حادثة سجود المشركين عند استماع القرآن</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: (سجد النبي - ﷺ - بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (١).\nلم تكن علة سجود المشركين مع الرسول - ﷺ - تلك المقالة التي يقولون أن الشيطان ألقاها على لسان رسول الله وهو يتلو القرآن (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) (والغرانيق): الطير البيض المعروفة، واحدها: غرنوق، ويزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض فتشفع عنده لعابديها، قبحهم الله ما أكفرهم، ومسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. قال ابن كثير: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وقال الشوكاني: لم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، وعن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وقال ابن خريمة هذه القصة من وضع الزنادقة) (٢).\n\nسبحان الله العظيم! لم يتمالك المشركون أنفسهم عندما تلا النبي - ﷺ - على مسامعهم سورة النجم كاملة إلا أن يخروا سجدًا لله رب العالمين؛ وذلك لبلاغة القرآن وتأثيره على نفوسهم.\nفما بال المنتسبين إلى هذا الدين يسمعون القرآن ولا يحرك فيهم ساكنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٨٦٢).\n(٢) أضواء البيان للشنقيطي (٥/ ٢٨٦ - ٢٨٨) وراجع كتاب العلامة الألباني (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>خامسًا: استماع الجن</span>\nلقد وردت الأدلة من القرآن والسنة الصحيحة على أن الجن يستمعون القرآن، بل ويتأثرون بسماعه، وبوعده ووعيده، حتى يدفعهم إلى الدعوة للقرآن والإيمان برسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>استماع الجن للقرآن</span>\nقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن.\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -:\n(يقول الله تعالى آمرًا رسوله - ﷺ - أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به، وصدقوه وانقادوا له) (١).\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢٩ - ٣٢) سورة الأحقاف.\nقال سيد قطب - ﵀ -: (قصة النفر من الجن الذين استمعوا لهذا القرآن، فتنادوا بالإنصات، واطمأنت قلوبهم إلى الإيمان، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الله ويبشرونهم بالغفران والنجاة، ويحذرونهم الإعراض\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٨) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":185},{"text":"والضلال. سياقة الخبر في هذا المجال، بهذه الصورة، وتصوير مس القرآن لقلوب الجن هذا المس الذي يتمثل في قولهم: (أنصتوا) عندما طرق أسماعهم، يتمثل فيما حكوه لقومهم عنه، وفيما دعوهم إليه. كل هذا من شأنه أن يحرك قلوب البشر، الذي جاء القرآن لهم في الأصل وهو إيقاع مؤثر ولا شك، يلفت هذه القلوب لفتة عنيفة عميقة) (١).\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: (انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ (٢)، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلتْ عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم، قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي - ﷺ - وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو والله الذي حال بينكم وبين\n_________\n(١) تفسير في ظلال القرآن (٦/ ٣٢٦٩) طبعة دار الشروق.\n(٢) سوق عكاظ: هو موسم معروف للعرب، بل كان أعظم مواسمهم، وهو نخل في واد بين مكة والطائف وهو إلى الطائف أقرب بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق صنعاء اليمن.\nقال البكري: أول ما أحدثت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل سوقًا إلى سنة تسع وعشرين ومائة، فخرج الخوارج الحرورية فنهبوها فتركت إلى الآن، وكانوا يقيمون به جميع شوال يتبايعون ويتفاخرون وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم لقول حسان:\nسأنشر إن رضيت لكم كلامًا ... ينشر في المجامع من عكاظ. راجع فتح الباري (٨/ ٥٣٩).","vol":"1","page":186},{"text":"خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن.\nفأنزل الله على نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن) (١).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(وفي الحديث إثبات وجود الشياطين والجن وأنهما لمسمى واحد، وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم إنه شيطان. وفيه أن الصلاة في الجماعة شرعت قبل الهجرة. وفيه مشروعيتها في السفر. والجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وأن الاعتبار بما قضي الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهر منه من الشر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث من جهتها، ومع ذلك فغلب عليهم ما قضى لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة سحرة فرعون) (٢).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - بعد ما أورد الطرق والروايات التي تفيد استماع الجن للقرآن:\n(فهذه الطرق كلها تدل على أنه - ﷺ - ذهب إلى الجن قصدًا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله - ﷿ - وشرع الله تعالى لهم على لسانه ماهم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم كما قال\n_________\n(١) متفق عليه، راجع اللؤلؤ والمرجان ص (٩٣) ح (٢٥٩).\n(٢) فتح الباري (٨/ ٥٤٣).","vol":"1","page":187},{"text":"ابن عباس - ﵄ - (ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن ولا رآهم)، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود - ﵁ - وأما ابن مسعود - ﵁ - فإنه لم يكن مع النبي - ﷺ - حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي - ﷺ - أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه - ﷺ - ابن مسعود - ﵁ - ولا غيره كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى والله أعلم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>سجود الجن عند استماع القرآن</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - (أن النبي - ﷺ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (٢).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\nقوله (والجن) كأن ابن عباس استند في ذلك إلى إخبار النبي - ﷺ - إما مشافهة له، وإما بواسطة، لأنه لم يحضر القصة لصغره، وأيضًا فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد لأنه لم يحضرها قطعًا) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>استماع الجن لسورة الرحمن</span>\nعن جابر - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة فكانو\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٨/ ١٦٦) طبعة المكتبة القيمة.\n(٢) فتح الباري (٨/ ٤٨٠).\n(٣) فتح الباري (٢/ ٦٤٥).","vol":"1","page":188},{"text":"أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: \"ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد\" (١).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: موضحًا حكمة اختيار سورة الرحمن لقراءتها على الجن (وقرأ عليهم (الجن) السورة التي فيها خطاب الفريقين (الإنس والجن) وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن) (٢).\nوقال أيضًا في موضع آخر في معرض حديثه عن مؤمن الجن هل يدخل الجنة أم لا؟\n(الصحيح أن مؤمني الجن كمؤمني الإ نس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٤٦ - ٤٧) سورة الرحمن.\nفقد امتن الله تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازى مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى) (٣).\n_________\n(١) (حديث حسن) رواه الترمذي (٣٥٢٢) وحسنه الأ لباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٤)، وفي السلسلة الصحيحة (٢١٥٠)\n(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ١٧٠)\n(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ١٧١) بتصرف يسير جدًا.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>سادسًا: استماع النصارى</span>\nلقد أخبرنا القرآن أن النصاري استمعوا له، وتأثروا به، مما دفعهم إلى الإيمان بالرسول - ﷺ - والدخول في الإسلام، بعدما فاضت أعينهم بالدمع مما عرفو من الحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>تأثر النصارى عند استماع القرآن</span>\nقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (٨٤) ﴿فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٢ - ٨٥) سورة المائدة (١).\nلقد ضرب أولئك القوم المثل الصالح، والقدوة الحسنة، عند استماع القرآن، فلو نظرت إليهم لوجدتهم:\n_________\n(١) يستدل كثير من دعاة (التنوير) بهذه الآية على أن النصاري أقرب الناس مودة للمسلمين، وهذا استدلال باطل يغني بطلانه عن إبطاله، وإنما مثلهم كمن قرأ قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ و﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ واستدل بذلك على ترك الصلاة!!\nولكن نقول بإكمال الآيات يتضح المعنى المراد ويزول اللبس والغموض، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، وكذلك في الآيات التي معنا بإكمالها يتضح أن هؤلاء النصاري دفعهم الاستماع للقرآن إلى الإيمان ولذا قالوا ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.","vol":"1","page":190},{"text":"١ - أهل التواضع وعدم الكبر.\n٢ - التدبر لما يسمع.\n٣ - البكاء والخشية عند استماع القرآن.\n٤ - الاستجابة السريعة، وذلك يتضح في سرعة إيمانهم بالله\n٥ - الدعاء الصالح بعد العمل الصالح.\n٦ - مراقبة الله في السر والعلن، ولذا وصفهم الله بالمحسنين\n٧ - جزاؤهم يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>استماع النجاشي وأساقفته للقرآن الكريم</span>\nوهذه قصة أخرى في استماع النصاري للقرآن، وتأثرهم به، ترويها لنا أم المؤمنين أم سلمة - ﵄ - وذلك عندما هاجر المسلمون بدينهم إلى الحبشة فرارًا من أذى الكفار والمشركين، ولكنه عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، فاختارو رجلين جلدين لبيبين، وهما: عمرو بن العاص وعبد الله ابن أبي ربيعة - قبل أن يُسْلمَا - وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيرو على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي، وقدما له الهدايا ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.","vol":"1","page":191},{"text":"وقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعًا، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلو ابه في ديني أو دين أحد من هذه الملل؟\nقال جعفر بن أبي طالب: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، نأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ماجاء من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.\nفقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم: فقال النجاشي: فاقرأه عليَّ. فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) فبكى والله النجاشي","vol":"1","page":192},{"text":"حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعو ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا - يخاطب عمرو وعبد الله - فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون، فخرجا ... \" (١).\n_________\n(١) (سنده صحيح) أخرجها ابن إسحق في المغازي (١/ ٢١١ - ٢١٣) من ابن هشام وأحمد برقم (١٧٤٠) من طريق ابن إسحق بسند صحيح، من حديث أم سلمة - ﵂ - قاله الألباني في تخريج فقه السيرة ص (١٥٤)، وقال الأرناؤوط: وهذا سنده صحيح، في تخريج زاد المعاد (٣/ ٢٩).","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الفصل الرابع\nصور من هجر استماع القرآن</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\n١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن.\n٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن.\n٣ - استماع الغناء.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن</span>\nقال الحافظ السيوطي - ﵀ - في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الإبتداع:\n(ومن ذلك البدع): الصياح والتغشي عند سماع القرآن والوعظ. وقد صح من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قال: «وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون» (١). ولم يقل صرخنا ولا غشينا، كما يفعله الجاهلون أهل البدع)\nقال محقق الكتاب: (قال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن، وسمع ذكر الله، سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله، وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم. ما كان هذا صنيع أصحاب محمد - ﷺ -.\nوقال عمر بن عبد العزيز: ذُكِرَ عند ابن سيرين الذين يُصْرَعون، إذا قرىء عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت، باسطًا رجليه، ثم يُقْرَأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه، فهو صادق.\n_________\n(١) (حديث صحيح): روه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وصححه الألباني في إرواء الغليل رقم (٢٤٥٥).","vol":"1","page":197},{"text":"وأحوال الصحابه ومن تبعهم بإحسان: الخوف والوجل عند ذكر الله، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، كأنهم بين يديه.\nفهذ وصف حالهم، وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، فمن كان مستنًا، فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون، فهو من أخسهم حالًا، والجنون فنون) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن</span>\n(ومن العادات السيئة التي انتشرت بين الناس بلا نكير شرب الدخان في مجلس القرآن، على الرغم من أن المقام مقام عبادة لله تعالى بسماع كلامه، والتدبر في معانيه، ومقام تعلم وتفهم لأوامره ونواهيه، فكيف يعرض فيه العبد عن سيده، ويتشاغل عنه بشهوته؟!\nوينبغي أن يجتنب اللهو وشرب الدخان حال سماع القرآن من المذياع كما يجتنب ذلك حال سماعه من القارىء في المجلس، إذ لا فرق عندنا بين الحالين. فالمتلو فيهما قرآن، والمجلس مجلس سماعه وموطن عبادة لله. واللهو والشرب للدخان ملهاة عنها، وإعراض إلى مافيه حظ النفس وشهوتها) (٢).\n_________\n(١) الأمر بالاتباع والنهي عن الإبتداع للسيوطي ص (٢٧٤) تحقيق مشهور حسن آل سلمان، دار ابن القيم.\n(٢) القرآن آداب تلاوته وسماعه لحسنين محمد مخلوف ص (١٩ - ٢٠) بتصرف.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>٣ - الاستماع إلى الغناء</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: (خلفت ببغداد شيئًا أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير (١) يصدون به الناس عن القرآن).\nفإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله أنه يصد عن القرآن\n- فليت شعري - ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر. قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم (٢).\nقال الإمام المناوي: يا لها من صفقة في غاية الخسران حيث باع سماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والألحان، والجلوس على منابر الدر والياقوت بالجلوس في مجالس الفسوق.\nقال الإمام ابن القيم: فمن خواصه - أي الغناء - أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا. لما بينهما من التضاد.\nفإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانية شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان والغناء بأمر بضد ذلك كله. (٣)\n_________\n(١) التغبير: شعر في الزهد يغني به مغن أو ينشد به منشد، فيضرب بعض الحاضرين بعضًا أو نحوها على مخدة ونحوها على توقيع غنائه.\nومن ذلك الأشرطة الكثيرة التي انتشرت، فيها الأناشيد مصحوبة بالدف وغيره، ويسمونها أناشيد إسلامية، وللأسف فإن بعضها قد اشتمل على أخطاء عقائدية وألفاظ غير شرعية، وقد صدت الناس عن سماع القرآن. فإنا لله وإنا إليه راجعون. راجع كتاب القول المفيد في بيان حكم الأناشيد للأخ عصام بن عبد المنعم المري. طبعة مكتبة الفرقان - الإمارات.\n(٢) إغاثة اللهفان ص (١٧٧) طبعة المكتبة القيمة.\n(٣) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٣) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":199},{"text":"أدلة تحريم سماع الغناء\n١ - قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦) سورة لقمان.\nقال ابن مسعود: (واللهو هنا الغناء)، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم.\n٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٦١) سورة النجم قال ابن عباس: هو الغناء، وكذلك قال مجاهد، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غني.\n٣ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٦٤) سورة الإسراء\nقال مجاهد هو الغناء والمزامير.\n٤ - قال - ﷺ -: \"ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر (الفرج) والحرير والخمر والمعازف\" (١)، والمعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك.\n٥ - قال - ﷺ -: \"ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير\" (٢).\nوقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير.\n٦ - قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا، وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب.\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢٦٨).\n(٢) رواه أبوداود (٣٦٨٩)، ورواه ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري (٤٠٢٠) واللفظ له.","vol":"1","page":200},{"text":"٧ - قال الحافظ السيوطي - ﵀ -: ومن ذلك ما أحدث من السماع والرقص والوجد، وفاعل ذلك ساقط المرءوة، عاص لله ولرسوله، وهو محظور.\nوبعد فقد عرفت - أخي الحبيب - حكم استماع الغناء وأنه يجلب سخط الرحمن، فهل ترضى لنفسك بعد ذلك أن تكون من أصحاب الصفقات الخاسرة، فينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه ويحذرهم مكائد الشيطان، ولولا خوف الإطالة، لاستقصينا ماورد في ذلك، ولكن العاقل الفطن الموفق، من قبل نصح الناصح بأخصر عبارة عرف الحق، واتبعه بأدنى إشارة.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الباب الثالث\nهجر تدبر القرآن</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: تدبر القرآن (معناه - حكمه - فوائده).\nالفصل الثاني: أسباب هجر تدبر القرآن وكيف أتدبر القرآن؟\nالفصل الثالث: التدبر في القرآن والسنة وسير السلف الصالح.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>الفصل الأول\nتدبر القرآن الكريم</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nأولًا: معنى التدبر.\nثانيًا: حكم التدبر.\nثالثًا: فوائد تدبر القرآن وثمراته.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>أولًا: معنى التدبر</span>\nالتدبر لغةً:\nكلمة التدبر في اللغة: مصدر فعله الماضي (تَدَبَّر) وهو فعل مزيد اشتق من الفعل الماضي (دَبَر)، ومضارعه (يَدْبُر)، والمصدر (دَبْرًا، ودُبُورًا) (١).\n(الدُّبر) و(الدَّبُر) مخففًا ومثقلًا.\nو(التدبير) في الأمر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. (٢)\nو(تدبر الأمر): رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (٦٨) سورة المؤمنون، أي: ألم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن (٣).\nتدبر القرآن اصطلاحًا:\nقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -:\n(وهو - أي تدبر القرآن -: التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك) (٤).\n_________\n(١) دعوة لتدبر القرآن الكريم كيف ولماذا؟ مختار شاكر كمال ص (٧٨).\n(٢) مختار الصحاح الإمام الرازي ص (١٩٧ - ١٩٨) بتصرف، المطبعة الأميرية بالقاهرة.\n(٣) القاموس المحيط للفيروز آبادي (٢/ ٨٤) طبعة دار الكتب العلمية.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ السعدي (٢/ ١١٢) تحقيق محمد زهري النجار، طبعة الرئاسة العامة للدعوة والإرشاد.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>ثانيًا: حكم التدبر</span>\nإن تدبر القرآن الكريم من أجل الطاعات، وأفضل القربات، وأسمى العبادات؛ لأنه من خلاله يفهم الإنسان مراد الله - ﷾ -؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص.\nقال العلامة السعدي - ﵀ -:\n(أي هذه الحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحكمها ... وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة القراءة التي لا تحصل هذا المقصود) (١).\nقال الإمام القرطبي - ﵀ -:\n(وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ (٢)، إذ لا يصح التدبر مع الهذ، قال الحسن: تدبر آيات الله اتباعها) (٣).\nقال الإمام الزركشي - ﵀ -: (كراهة قراءة القرآن بلا تدبر).\nتكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه حُمِل حديث عبد الله بن عمرو: \"لا يفقه مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث \" (٤).\n\nوقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: أهذًا كهذ الشعر (٥). وكذلك قوله - ﷺ - في صفة الخوارج: \" يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم\n_________\n(١) تفسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (٦/ ٤١٨).\n(٢) الهذ: سرعة القراءة بدون تأمل.\n(٣) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي (١٥/ ١٩٢) المجلد الثامن، طبعة مناهل العرفان.\n(٤) (حديث صحيح) رواه أبوداود وأحمد والترمذي وابن ماجه، انظر صحيح الجامع (٧٧٤٣).\n(٥) رواه البخاري (٥٠٤٣).","vol":"1","page":208},{"text":"ولا حناجرهم\" (١) ذمهم بإحكام لفظه، وترك التفهم لمعانيه) (٢).\nقارئ القرآن الجاهل بمعانيه مأجور\nأداوم على قراءة القرآن لكنني لا أفهم معانيه .. فهل أثاب من الله على ذلك؟\nقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - ﵀ -:\n(القرآن الكريم مبارك كما قال الله - تعالى -: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص. فالإنسان مأجور على قراءته سواءً أفهم معناه أم لم يفهم ... لكن لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ قرآنًا مكلفًا بالعمل به دون أن يفهم معناه، فالإنسان لو أراد أن يتعلم الطب مثلًا ودرس كتب الطب فإنه لا يمكن أن يستفيد منها حتى يفهم معناها وتُشرح له، بل هو يحرص كل الحرص على أن يفهم معناها من أجل أن يطبقها، فما بالك بكتاب الله - ﷾ - الذي هو شفاء لما في الصدور وموعظة للناس أن يقرأه الإنسان بدون تدبر وبدون فهم لمعناه ... ولهذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فالإنسان مثاب ومأجور على قراءة القرآن سواء أفهم معناه أم لم يفهم، ولكن ينبغي له أن يحرص كل الحرص على فهم معناه، وأن يتلقى هذا المعنى من العلماء الموثوقين، مثل: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وغيرهما ...) (٣).\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد - ﵁ - انظر فتح الباري (١٢/ ٢٩٥)، صحيح الجامع (٨٠٥٣).\n(٢) البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي (١/ ٥٣٨) طبعة دار الفكر.\n(٣) فتاوى المرأة جمع وترتيب محمد المسند ص (٢٢٥ - ٢٢٦).","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>ثالثًا: فوائد تدبر القرآن وثمراته</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في فوائد تدبر القرآن الكريم:\n(فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التخفف من عناء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه الأمور الصعاب، والعقبات الشاقة غاية التسهيل، وتنادي عليه كلما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدم الركب وفاتك الدليل. فاللحاق اللحاق، والرحيل الرحيل، وتحدو به، وتسير أمامه سير الدليل. وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله، واستعن به، وقل حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد). (١)\nقال العلامة السعدي - ﵀ -: (فإن في تدبر القرآن:\n١ - مفتاحًا للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير، وتستخرج منه جميع العلوم.\n٢ - وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته.\n٣ - فإنه يُعَرِّفُ بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يتنزه عنه من سمات النقص.\n_________\n(١) للمزيد من الفائدة انظر مدارج السالكين (١/ ٤٥١).","vol":"1","page":210},{"text":"٤ - وبه يُعْرَفُ الطريق الموصلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه.\n٥ - وبه يُعْرَفُ العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب.\n٦ - وكلما ازداد العبد تأملًا في القرآن ازداد علمًا، وعملًا، وبصيرة.\nومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه يصل به العبد إلى درجة اليقين، والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا، فترى الحكم والقصة والأخبار تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضًا؛ وبذلك يُعْلمُ كمال القرآن، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء. أي: فلما كان من عند الله؛ لم يكن فيه اختلاف أصلًا) (١).\nقال سيد قطب - ﵀ -: (تدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير، وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير) (٢).\n(ومن فوائد تدبر القرآن:\n- معرفة الرب - ﷿ - ومعرفة عظيم سلطانه وقدرته والتلذذ بالنظر إليه يوم القيامة.\n- تحقيق العبودية لله - تعالى -.\n_________\n(١) تفسير الكريم المنان للشيخ السعدي (٢/ ١١٢ - ١١٣) بتصرف.\n(٢) في ظلال القرآن سيد قطب (٦/ ٣٢٩٧) طبعة دار الشروق.","vol":"1","page":211},{"text":"- فيه تربية للعقول.\n- فيه شفاء لما في الصدور.\n- الأجر الكثير والربح الوفير.\n- الهداية والتوفيق والنور، والراحة والطمأنينة.\n- ذكر الله للمتدبر، وغشيان الملائكة، ونزول السكينة والرحمة.\n- حصن من الشيطان) (١).\nفهذه بعض فوائد تدبر القرآن الكريم، وثمراته الزكية، فأين أنت منها؟ (فسبحان الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر؟! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر؟! قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فِكْرًا، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبَرًا، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا؛ فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا). (٢)\n_________\n(١) انظر كيف نتدبر القرآن تأليف فواز أحمد زمرلي (٨٢ - ٩٠) طبعة دار البشائر الإسلامية.\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٥)","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفصل الثاني\nهجر تدبر القرآن</span>\nوفيه مبحثان:\nأولًا: أسباب هجر تدبر القرآن.\nثانيًا: كيف نتدبر القرآن الكريم؟","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>أولًا: أسباب هجر تدبر القرآن الكريم</span>\nقل مَنْ يقرأ القرآن، وقل مِنْ هؤلاء القارئين مَنْ يتدبر القرآن، ويقف مع وعده ووعيده؛ حتى تتحقق له الدعوة إلى الطاعة، والزجر عن المعصية، فإذ بالقرآن - الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله - إذا به يقرأ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وأعين متحجرة، فلا قلب يخشع، ولا بدن يخضع، ولا عين تدمع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:\n(مَنْ لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومَنْ قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومَنْ تدبر القرآن ولم يعمل به فقد هجره) (١).\nوترجع (ظاهرة) هجر تدبر القرآن إلى أسباب كثيرة منها:\n١ - الذنوب والمعاصي.\n٢ - ترك الدعاء\n٣ - الجهل باللغة العربية.\n٤ - التخلي عن موانع الفهم.\n٥ - هجر كتب التفسير.\n_________\n(١) كتاب ففروا إلى الله للشيخ أبي ذر القلموني ص (١٨٧) طبعة دار المنار.","vol":"1","page":215},{"text":"وإليك بيان هذه الأسباب بشيء من التفصيل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>أولًا: الذنوب والمعاصي</span>\nمن عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضًا معلولًا لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) سورة المطففين. قال العلماء: هو الذنب بعد الذنب حتى يطبع على قلب صاحبها فيكون من الغافلين، ويحرم من العلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. فينبغي لمن أراد أن يتدبر القرآن أن يبتعد عن الذنوب والمعاصي (وبخاصة التي تتعلق بأدوات ووسائل التدبر: القلب والسمع واللسان والبصر. فاستخدام هذه الأدوات في الحرام يعرضها لعدم الانتفاع بها في الحق قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٢٥) سورة الأنعام. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (٥) سورة فصلت.\nفذكر الله غطاء القلب وهو الأكنة، وغطاء الأذن وهو الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب، فالحجاب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنعه من فهمه، والوقر يمنعه من\nسماعه) (١).\nلما جلس الإمام الشافعي - ﵀ - بين يدي الإمام مالك - ﵀ -، وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال له: (إن الله - تعالى - قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية).\n_________\n(١) شفاء العليل ص (٩٣)، والتفسير القيم ص (٣٤٧).","vol":"1","page":216},{"text":"ومما ورد عن الشافعي - ﵀ - قوله:\nشكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاص\nومما سبق يتضح أن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي تحول بين العبد وتدبر القرآن الكريم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>ثانيًا: ترك الدعاء</span>\nإن الدعاء سلاح المؤمن في جميع أموره، ولذلك فإن سير الأنبياء والصالحين مليئة بالأدعية الصالحة المستجابة، وكان السلف الصالح إذا استعصى عليهم فهم آية من كتاب الله وتدبرها، لجأوا إلى الله بالتضرع والدعاء مع تخير الأوقات المناسبة للإجابة، وسنذكر بعضًا من سيرهم في ذلك:\nيذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - في سياق هجرة عمر بن الخطاب مع عياش بن ربيعة وهشام بن العاص - ﵃ - (ولقد حبس الكفار هشامًا عن الهجرة، واستطاع أبوجهل أن يرد عياشًا إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة ... وقد كان شائعًا بين المسلمين أن الله لا يقبل ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وأنزل الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٣ - ٥٥) سورة الزمر. قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى\n_________\n(١) انظر لمزيد من الفائدة كتاب الداء والدواء للإمام ابن القيم - ﵀.","vol":"1","page":217},{"text":"هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها وأصوب، ولا أفهمها؛ حتى قلت: اللهم فهمنيها؛ فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله - ﷺ - بالمدينة) (١).\nوكان شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - يقول في دعائه دائمًا: (اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني) فيجد الفتح في ذلك (٢). فالزم - أخي الحبيب - الدعاء دائمًا، وسل الله من فضله أن يرزقك فهم كتابه، وتدبر معانيه، وقل: (اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>ثالثًا: الجهل باللغة العربية</span>\nإن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم بلغة العرب قال تعالى:\n﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (١٠٣) سورة النحل، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (١٩٢ - ١٩٥) سورة الشعراء.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات،\n_________\n(١) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (٣/ ١٣٦ - ١٣٧) بتصرف، طبعة دار الكتب العلمية.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٤/ ٣٨).\n(٣) (حديث صحيح) أخرجه أحمد وابن حبان من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرفوعًا، انظر السلسلة الصحيحة (١٩٩).","vol":"1","page":218},{"text":"وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات) (١).\nوبَيَّنَ اللهُ - تعالى - الحكمة من إنزاله بلغة العرب فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) سورة يوسف. ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨) سورة الزمر. ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) سورة فصلت.\nوإذا كان العبد لا يعرف لغة العرب ولا أساليب كلامهم؛ فأنى له أن يفهم مقصود ربه - ﷾ - أو يتدبر آيات القرآن الكريم) (٢).\nذكر الإمام القرطبي - ﵀ -:\n(أن أعرابيًا قدم المدينة فقال: مَنْ يقرئني مما أُنْزِلَ على محمد - ﷺ -؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى على الآية الكريمة: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٣) سورة التوبة. فقرأها عليه بالجر ﴿وَرَسُولِهِ﴾ - أي بالكسرة تحت اللام -، فقال الأعرابي: وأنا أيضًا أبرأ من رسوله، فاستعظم الناس الأمر. وبلغ ذلك عمر فدعاه، فقال: يا أعرابي! أتبرأ من رسول الله - ﷺ -؟! فقال: يا أمير المؤمنين! قدمت المدينة فأقرأني رجل سورة براءة، فقلت: إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ما هكذا الآية يا أعرابي!. قال: فكيف يا أمير المؤمنين؟ فقرأها عمر عليه بالضم ﴿وَرَسُولُهُ﴾. فقال الأعرابي: وأنا أبرأ مما برئ اللهُ ورسولُه منه. فأمر عمر ألا يُقْرِئُ الناس إلا عالمٌ بلغة العرب) (٣).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٤٦٧) طبعة دار الفكر.\n(٢) كيف يحفظ القرآن لإبراهيم الشربيني ص (٨١ - ٨٢).\n(٣) تفسير القرطبي (١/ ٢١).","vol":"1","page":219},{"text":"كيف يفهم المسلم كتاب ربه، ويتدبره وهو لا يعرف قواعد اللغة العربية، ولا يميز بين الاسم والفعل والحرف، ولا الفاعل من المفعول، وغيرها مما يتوقف عليه فهم الخطاب، فمثلًا كيف يفهم قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (١٢٤) سورة البقرة. أو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨) سورة فاطر\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>رابعًا: عدم التخلي عن موانع الفهم</span>\n(وموانع الفهم كثيرة منها:\n١ - أن يكون الهم منصرفًا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وعدم التفكر في معاني كلام الله - ﷿ -، بحيث يحرص كل الحرص على ترديد الحرف وتكراره وذلك لأن الشيطان يخيل إليه أنه لم يخرج الحرف من مخرجه، ولم يعطه حقه في النطق.\n٢ - أن يكون المسلم مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا إن سمع تفسيرًا للآية غير ما سمع، إذا به يرده من غير تردد: مثل مَنْ عرف أن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) سورة طه. أن معنى: ﴿اسْتَوَى﴾ استولى. واستقر ذلك في نفسه حتى صار عقيدة راسخة له، فإذا به لو عرف بعد ذلك أن معنى: ﴿اسْتَوَى﴾ ليس استولى وأنه خلاف الحق والصواب الذي عليه جمهور السلف الصالح، وأن معناها الحقيقي: استقر وعلا وارتفع، فإذ به يرد هذا المعنى الحق، ولا يقبله، وأحيانًا يعادي ويبغض من يدعو إليه.","vol":"1","page":220},{"text":"٣ - أن يكون المسلم مُصِّرًا على ذنب، أو متصفًا بكبر، أو مبتلى - في الجملة - بهوى في الدنيا، فإن ذلك يسبب ظلمة القلب وصدئه، وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير، فقال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (٨) سورة ق. وقال ﷿: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (١٣) سورة غافر. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ (١٩) سورة الرعد. فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>خامسًا: هجر كتب التفسير</span>\nقال الإمام ابن جرير الطبري - ﵀ -: (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله - تفسيره - كيف يلتذ بقراءته) (٢).\nكيف يتدبر القرآن من هجر كتب تفسير القرآن ولم يطالعها ويدارسها، ولم يعرف أسباب النزول ... وغيرها من علوم القرآن، وغالبًا لا يسلم صاحب هذا المنهج من الخطأ في فهم الآيات، والاستدلال بها، والخطأ في العمل والتطبيق.\nعن أسلم أبي عمران التجيبي قال: (كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فُضَالة بن عُبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل عليهم فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقام أبوأيوب الأنصاري فقال: (يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل؛ وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا\n_________\n(١) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦) بتصرف، طبعة دار الريان.\n(٢) مقدمة تفسير الطبري لمحمود شاكر (١/ ١٠).","vol":"1","page":221},{"text":"لبعض سرًا دون رسول الله - ﷺ -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله - ﵎ - على نبيه - ﷺ - يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١٩٥) سورة البقرة. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتَرْكنا الغزو، فما زال أبوأيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دُفِنَ بأرض الروم) (١).\nفتأمل - أخي الحبيب - كيف تأول بعض التابعين الآية على غير مراد الله، وهم من أفضل القرون، وأقرب إلى عصر التنزيل، فكيف بنا في هذا الزمان وقد صارت الألسن أقرب إلى لسان العجم منها إلى لسان العرب؛ فما أحوجنا - نحن المسلمين - إلى دراسة كتب التفسير ليحصل لنا فهم كلام الله - ﷿ - وبخاصة ما يسمى (التفسير بالمأثور) ومن أشهر هذه الكتب: تفسير الإمام الطبري، وتفسير الإمام البغوي، وتفسير الإمام ابن كثير، وتفسير الدر المنثور للسيوطي، وتفسير الإمام الشوكاني ...\nوإليك نماذج من كتاب الله - جل وعلا - يوهم ظاهرها التعارض، وبالرجوع إلى كتب التفسير يزول هذا الإشكال، ويُدْفَعُ هذا الإيهام والتعارض وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء (٢).\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٣٧٣)، والسلسلة الصحيحة للألباني (١٣).\n(٢) راجع كتاب دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للإمام محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>النموذج الأول: الهداية هدايتان:</span>\nقال الله - تعالى - عن وصف رسوله - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) سورة الشورى. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) سورة القصص. في الآية الأولى أثبت الله لرسوله - ﷺ - الهداية، وفي الآية الثانية نفى عنه ذلك، فكيف نوفق بينهما؟\n\nبالرجوع إلى كتب التفسير يتبين لنا أن الهداية هدايتان:\nأ - هداية الدلالة والإرشاد: وهذه هي المثبتة في حق النبي - ﷺ - فهو يهدي: أي يدل ويرشد ويبين الصراط المستقيم، والطرق الموصلة إليه، وكذلك القرآن الكريم، فقد قال - تعالى -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٩) سورة الإسراء.\nب - هداية التوفيق والسداد: وهذه هي المنفية عن النبي - ﷺ - وعن غيره فهي خاصة بالله - ﷿ - فهو وحده الذي يوفق ويسدد من يستحق إلى الهداية والصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>النموذج الثاني: أين الله</span>؟\nقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ (١٦) سورة الملك. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٨٤) سورة الزخرف. ويقول ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٣) سورة الأنعام. في الآية الأولى ذكر الله عن نفسه أنه في السماء، وفي الآيتين الثانية والثالثة ربما يفهم البعض منهما أن الله في السماء والأرض، ومن ثم في كل مكان!\nوبالرجوع إلى كتب التفسير يتضح أن الآية الأولى: تثبت عقيدة أهل السنة","vol":"1","page":223},{"text":"والجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة والصالحين أن الله - تعالى - في السماء كما أخبر مستوٍ على عرشه قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) سورة طه (١).\n\nوأما الآية الثانية: فلا علاقة لها بموضوع المكان، وإنما تتحدث عن العبودية لله - ﷾ -، فإن لفظ ﴿إِلَهٌ﴾ تعني: المعبود بحق، فمعنى الآية إذن: أن الله معبود من في السماء كما أنه معبود مَنْ في الأرض. وأما الآية الثالثة: تتناول قضية العلم فمعناها: أن الله يعلم ما في السموات والأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>ثانيًا: كيف نتدبر القرآن الكريم</span>؟\nيتم ذلك من خلال طريقين: العلمي، والعملي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>أولًا: الطريق العلمي: </span>وذلك من خلال أن يعرف المسلم قيمة تدبر القرآن الكريم، وعِظَم مكانته، وكثرة فوائده، وأن تدبر القرآن سبيل إلى العلم النافع، والعمل الصالح، وطريق إلى حياة القلوب.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\nفتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآن (٢)\n\nقال إبراهيم الخواص:\n(دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، خلاء البطن، قيام الليل، التضرع عند السحر، مجالسة الصالحين) (٣).\nإن المحروم مَنْ حُرِمَ تدبر القرآن، وأُغْلِقَ عليه فهم آياته، ومعرفة معانيه،\n_________\n(١) راجع هذه المسألة في كتب العقيدة الواسطية وشروحها ومعارج القبول، والعلو للذهبي ومختصره للألباني.\n(٢) القصيدة النونية لابن القيم: فصل في التفريق بين الخلق والأمر ص (٤١).\n(٣) التبيان للإمام النووي ص (٦١) طبعة مكتبة ابن عباس.","vol":"1","page":224},{"text":"قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: (لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر معها).\nتفكر عمرو بن مرة في مَثَل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه، فجعل يبكي، فسئل ما يبكيك؟ فقال: (إن الله - ﷿ - يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٤٣) سورة العنكبوت. وأنا لم أعقل المثل فلست بعالم فأبكي على ضياع العلم مني) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>ثانيًا: الطريق العملي: </span>وذلك باتباع الخطوات الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>١ - الالتزام بآداب التلاوة </span>وبخاصة الإخلاص والطهارة والسواك والاستعاذة واختيار المكان المناسب ... وقد سبق ذكرها بشيء من التفصيل في هجر التلاوة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>٢ - تفريغ القلب من الشواغل</span>، والتخلي عن موانع الفهم وبخاصة الذنوب والمعاصي، والغفلة والكبر ..، والعمل على صلاح القلوب وطهارتها عن طريق الذكر والتسبيح والاستغفار، والإنابة والتوبة، والتخلص من فضول الطعام والمنام والنظر والمخالطة.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وألقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله - ﷺ -، وذلك أن تمام التأثير، لما كان موقوفًا على مُؤَثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومَحْلٍ قَابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير الآية ٤٣ من سورة العنكبوت.","vol":"1","page":225},{"text":"فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق. وهذا هو المؤثر. وقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال - تعالى -: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٦٩ - ٧٠) سورة يس. أي: حَيّ القلب.\nوقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: وَجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يُقَال، وهذا هو شرط التأثير بالكلام. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد القلب حاضر غير غائب.\nقال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله وأنت شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو: سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.\nفإذا حصل المؤثر: وهو القرآن.\nوالمحل القابل: وهو القلب الحي.\nووجد الشرط: وهو الإصغاء.\nوانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه إلى شيء آخر، حصل الأثر: وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>٣ - ترتيل القرآن</span>، قال تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) سورة المزمل. إن ترتيل القرآن يساعد على تدبر الآيات، وفهم معانيها.\n_________\n(١) الفوائد للإمام ابن القيم ص (٣ - ٥) طبعة دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":226},{"text":"قال ابن عباس - ﵄ -: (لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله).\nوعن مجاهد أنه سُئلَ عن رجلَين: قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر قرأ البقرة وحدها، وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء، قال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل) (١).\nوأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ ويفهم معانيه.\nعن حفصة - ﵂ -: (كان الرسول - ﷺ - يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول منها) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>٤ - ترديد الآية حتى يتحصل على التدبر</span>\nعن عائشة - ﵂ - قالت: قام النبي - ﷺ - بآية من القرآن ليلة (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قام النبي - ﷺ - بآية يرددها حتى أصبح، الآية ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) سورة المائدة (٤).\nوقام قتادة بن النعمان - ﵁ - الليل لا يقرأ إلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها لا يزيد عليها. (٥)\nوعن تميم الداري - ﵁ - أنه كرر هذه الآية حتى أصبح ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ\n_________\n(١) التبيان للإمام النووي ص (٦٤ - ٦٥) طبعة مكتبة ابن عباس.\n(٢) رواه مسلم والترمذي.\n(٣) (حديث صحيح) رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٧٠).\n(٤) (حديث صحيح) رواه أحمد (٤/ ١٤٩) وذكره الألباني في صفة الصلاة.\n(٥) رواه البخاري (الفتح ٩/ ٥٩).","vol":"1","page":227},{"text":"اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢١) سورة الجاثية. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>٥ - التفاعل مع الآيات، وإظهار الحزن والتأثر، أثناء القراءة</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله \" (٢).\n\nولقد ورد في سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف (٣) \" اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا \" فإن لم يتأثر الإنسان بالقراءة، وتبكي عينه، وتقشعر جوارحه، فعليه أن يتظاهر بالحزن والبكاء على الحرمان من ذلك، فإنه من أعظم المصائب.\nعن حذيفة بن اليمان - ﵄ - قال: (صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح (النساء) فقرأها، ثم افتتح (آل عمران) فقرأها، يقرأ مسترسلًا، وإذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مَرَّ بآية سؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوذ) (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀ -:\n(يستحب هذا السؤال والاستعانة، والتسبيح لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارج منها ...) (٥).\n_________\n(١) (إسناده صحيح) رواه ابن أبي شيبة، هامش التبيان ص (٦٢).\n(٢) أخرجه ابن ماجه والدارمي. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٢٠٢)، وضعفه البوصيري والعراقي، والحويني انظرتفسير ابن كثير (١/ ٢٧٠). تحقيق الحويني.\n(٣) راجع ضعيف ابن ماجه (٢٨١)، وضعيف الجامع (٢٠٢٥).\n(٤) رواه مسلم وأبوداود والترمذي.\n(٥) التبيان للإمام النووي ص (٦٦).","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>الفصل الثالث\nالمقامات العليا في التدبر</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nأولًا: التدبر في القرآن الكريم.\nثانيًا: تدبر الرسول - ﷺ -.\nثالثًا: تدبر القرآن في سير السلف الصالح.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>أولًا: التدبر في القرآن الكريم</span>\nلقد أمر الله - ﷾ - بتدبر القرآن الكريم في آيات كثيرة نستعرضها بشيء من التفسير والتوضيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الحث على التدبر</span>\nقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء.\nقال الإمام ابن جرير الطبري - ﵀ -:\n(أفلا يتدبرون يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا للتصديق، وشهادة بعضه لبعضه بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض) (١).\nقال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -:\n(قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور.\nالثاني: الكذب، قاله مقاتل، والزجاج.\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨/ ٥٦٧).","vol":"1","page":231},{"text":"الثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، إذ لابد للكلام إذا طال من مرذول، وليس في القرآن إلا بليغ، ذكره الماوردي في جماعة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>القلب وتدبر القرآن</span>\nقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد.\nقال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: بل، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى، قال مجاهد: الران أيسر إلى الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله) (٢).\nعن هشام بن عروة عن أبيه - ﵁ - قال: (تلا رسول الله - ﷺ - يومًا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر - ﵁ - حتى ولي فاستعان به) (٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-176>تنكير القلوب: </span>يتضمن إرادة قلوب هؤلاء وقلوب مَنْ هم بهذه الصفة، ولو قال: أم على القلوب أقفالها، لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة.\nتهويل حال القلوب وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة، كأنه قيل: على قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقدر قدرها في القساوة.\nأو: لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، فلم يحتج إلى تعريف القلوب، لأنه معلوم أنها قلوب من ذكر) (٤).\n_________\n(١) تفسير زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٤٥) طبعة المكتب الإسلامي.\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي (٧/ ٤٠٨).\n(٣) ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨٠) طبعة المكتبة القيمة.\n(٤) كيف نتدبر القرآن لفواز زمرلي ص (٢٩ - ٣٠) طبعة دار البشائر.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>بركة القرآن الكريم</span>\nقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة، والمآخذ العقلية الصريحة؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص. أي: ذو العقول وهي الألباب جمع (لُب) وهو العقل، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرَى له القرآن في خُلُقٍ ولا عَمَلٍ. رواه ابن أبي حاتم) (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>عظمة القرآن الكريم</span>\nقال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١) سورة الحشر\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن، ومبينًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد الحق، والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه؛ لخشع وتصدع من خشية الله - ﷿ -، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم؟! وتخشع وتتصدع من خشية الله؟! وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٣).","vol":"1","page":233},{"text":"لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) سورة البقرة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>تدبر القرآن من صفات المؤمنين:</span>\nقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢٣) سورة الزمر.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:\nأحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.\nالثاني: أنهم إذا تُلِيَتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣) بتصرف.","vol":"1","page":234},{"text":"عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢ - ٤) سورة الأنفال، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٧٣) سورة الفرقان. أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين، لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها؛ فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.\nالثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة - ﵃ - عند سماعهم كلام الله - تعالى - من تلاوة رسول الله - ﷺ -، تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية مالا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة ٠ قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة - ﵀ -: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله - ﷿ - بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.\nقال السدي: (﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ﴾ أي: إلى وعد الله، وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾) (١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>عتاب من الله للمؤمنين</span>\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٦ - ١٧) سورة الحديد.\n\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(يقول تعالى أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له، وتطيعه.\nقال عبد الله بن مسعود - ﵁ - (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين) (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ نهى الله - تعالى - المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول الأمل؛ بدلوا كتاب الله، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة.\nوقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيه إشارة إلى أن الله - تعالى - يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى\n_________\n(١) رواه مسلم (٨/ ٤٦٥) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":236},{"text":"بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة، المجدبة، الهامدة، بالغيث الهتان، الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويلج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>ثانيًا: تدبر الرسول - ﷺ - للقرآن الكريم</span>\nلقد بلغ الرسول - ﷺ - الدرجة العليا، والمقام الأسمى، في تدبر القرآن الكريم، وهذه بعض حالاته مع القرآن من صحيح السنة النبوية:\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \" اقرأ عليَّ القرآن \" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال: \" إني أحب أن أسمعه من غيري\". فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، قال: \" حسبك الآن \". فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان) (٢).\nعن عطاء قال: (دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة - ﵂ - فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله - ﷺ -. فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: \" يا عائشة! ذريني أتعبد لربي \"، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام، فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣١٠ - ٣١١) بتصرف.\n(٢) رواه البخاري حديث رقم (٤٥٨٢)، انظر فتح الباري (٨/ ٩٩) طبعة الريان.","vol":"1","page":237},{"text":"يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \" أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (١٩٠) سورة آل عمران (١).\n\nعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" شيبتني هود وأخواتها \" (٢).\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال أبو بكر - ﵁ -: يارسول الله!، قد شبت، قال: \" شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت \" (٣).\nقال العلماء: (لعل ذلك لما فيهن من التخويف الفظيع، والوعيد الشديد؛ لاشتمالهن مع قصرهن على حكاية أهوال الآخرة، وفظائعها، وأحوال الهالكين والمعذبين، مع ما في بعضهن من الأمر بالاستقامة) (٤).\n\nثالثًا: تدبر القرآن في سير السلف الصالح\nينبغي لمن أراد تدبر القرآن الكريم، وفهم معانيه، ومعرفة وأحكامه، أن ينظر في سير السلف الصالح، وأن يعرف أحوالهم مع القرآن الكريم؛ حتى يكون دافعًا قويًا له أن يتشبه بهم، فإن التشبه بالصالحين فلاح.\n_________\n(١) (حديث إسناده جيد) رواه ابن حبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٨).\n(٢) (حديث إسناده جيد) انظر السلسلة الصحيحة للألباني (٢/ ٦٤٢).\n(٣) (حديث صحيح) رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٦٢٧)، والسلسلة الصحيحة (٩٥٥).\n(٤) جامع الأصول لابن الأثير (٢/ ١٩٣) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":238},{"text":"وكما قال ابن الجوزي - ﵀ -:\n(إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر، ولا تستصعب طريقهم فالمعين قادر، تعرض لمن أعطاهم، وسل، فمولاك مولاهم، رُبَّ كنز وقع به فقير، ورُبَّ فضل اختص به صغير، علم الخضر ما خفي على موسى، وكُشِفَ لسليمان ما خفي على داود) (١).\n\nوسنذكر بعضًا من قصص سلفنا الصالح مع القرآن الكريم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>١ - أبو بكر الصديق - ﵁ </span>-:\nعن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - قالت: (... وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٢ - عمر بن الخطاب - ﵁ </span>-:\nعن عبد الله بن شداد بن الهاد يقول: سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه (٣)، وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٦) سورة يوسف (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>٣ - عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ </span>-:\nعن نافع قال: (كان ابن عمر - ﵁ - إذا قرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ\n_________\n(١) المدهش للإمام ابن الجوزي ص (٤٢٨) بتصرف، طبعة دار الكتب العلمية.\n(٢) رواه البخاري (٣٩٠٥).\n(٣) (النشيج): تردد البكاء في الصدر من غير انتحاب. انظر المعجم الوجيز ص (٦١٥).\n(٤) مناقب عمر بن الخطاب للإمام ابن الجوزي ص (١٥٩) تحقيق حلمي بن إسماعيل الرشيدي، نشر دار العقيد للتراث بالإسكندرية.","vol":"1","page":239},{"text":"فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١٦) سورة الحديد. بكى حتى يغلبه البكاء.\nعن نافع مولى ابن عمر يقول: (ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤) سورة البقرة ثم يقول: إن هذا الإحصاء شديد) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٤ - عباد بن بشر - ﵁ </span>-:\nنزل النبي - ﷺ - بشِعْب في غزوة ذات الرقاع فقال: \" مَنْ يحرسنا الليلة؟ \" فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فباتا بفم الشِعب فاقتسما الليل للحراسة، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو، فرأى الأنصاري، فرماه بسهم، فأصابه، فنزعه، واستمر في صلاته، ثم رماه بثانٍ، فصنع كذلك، ثم رماه بثالث، فانتزعه، وركع وسجد وقضى صلاته، ثم أيقظ رفيقه. فلما رأى ما به من الدماء قال له: لِمَ لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها. وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من وجه آخر، وسمى الأنصاري المذكور: عباد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر - ﵄ - والسورة: سورة الكهف. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٥ - الحسن البصري - ﵀ </span>-:\nقرأ الحسن هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠) سورة النحل.\n_________\n(١) حلية الأولياء للإمام أبي نعيم (١/ ٣٠٥)، طبعة دار أم القرى للطباعة والنشر بالقاهرة.\n(٢) انظر فتح الباري (١/ ٣٣٧) طبعة دار الريان، دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٧٨) طبعة دار الريان.","vol":"1","page":240},{"text":"فقال: (إن الله جمع لكم الخير كله، والشر كله، في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئًا من طاعة الله - ﷿ - إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٦ - الربيع بن خثيم - ﵀ </span>-:\nعن عبد الرحمن بن عجلان قال: (بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي، فمرَّ بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢١) سورة الجاثية. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٧ - مطرف بن عبد الله - ﵀ </span>-:\nقال مطرف بن عبد الله: (إني لأستلقي من الليل على فراشي، فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة. ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١٧) سورة الذاريات. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦٤) سورة النمل، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٩) سورة الزمر، فلا أراني فيهم. فأعرض نفسي على هذه الآية ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤٢) سورة المدثر. فأرى القوم مكذبين. وأمُرُّ بهذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا\n_________\n(١) حلية الأولياء لأبي نعيم (٢/ ١٥٨).\n(٢) حلية الأولياء (٢/ ١١٢)، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ - للربيع بن خثيم: (يا أبا يزيد! لو رآك رسول الله - ﷺ - لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين) المرجع السابق (٢/ ١٠٦).","vol":"1","page":241},{"text":"وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١٠٢) سورة التوبة، فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>من قصص تدبر القرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>تدبر أعرابي:</span>\nذكر الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ من سورة المائدة حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: ما هذا بكلام الله!\nفقال القارئ: أتكذب بكلام الله؟!.\nقال الأعرابي: لا.\nفرجع القارئ إلى حفظه، واسترجع، وقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨) سورة المائدة فقال الأعرابي: عَزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>تدبر جارية:</span>\nذكر الإمام القرطبي - ﵀ - في تفسيره: (حكى الأصمعي (٣) قال:\n_________\n(١) حلية الأولياء (٢/ ١٩٨).\n(٢) جلاء الأفهام للإمام ابن القيم ص (٨٨) طبعة مكتبة المتنبي بالقاهرة.\n(٣) (الأصمعي): هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، أبو سعيد الأصمعي البصري، أحد الأعلام، قال عنه الشافعي: ما عَبَّر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وولد عام (١٢٢ هـ)، وتوفي عام (٢١٥ هـ)، وقيل غير ذلك، راجع سير أعلام النبلاء للذهبي (١٠/ ١٧٥).","vol":"1","page":242},{"text":"(سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:\nأستغفر الله لذنبي كله ... قَبَّلتُ إنسانًا بغير حِلِّه\nمثل الغزال ناعمًا في دَلِّه ... فانتصف الليل ولم أصلِّه\n\nفقلت: قاتلك الله! ما أفصحك!.\nفقالت: أو يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧) سورة القصص، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين) (١).\nقلنا: الأمران هما: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾.\nوالنهيان هما: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾.\nوالخبران هما: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾.\nوالبشارتان هما: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٧/ ٢٥١ - ٢٥٢) طبعة مناهل العرفان.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>الباب الرابع\nهجر العمل بالقرآن الكريم</span>\nوفيه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: العمل بالقرآن بين الترغيب والترهيب.\nالفصل الثاني: أسباب هجر العمل بالقرآن.\nالفصل الثالث: العمل بالقرآن في واقع السلف الصالح.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الفصل الأول\nالعمل بالقرآن بين الترغيب والترهيب</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nأولًا: اقتضاء العلم للعمل.\nثانيًا: وجوب العمل بالقرآن الكريم.\nثالثًا: الترغيب في العمل بالقرآن الكريم.\nرابعًا: الترهيب من هجر العمل بالقرآن الكريم.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>أولًا: اقتضاء العلم للعمل</span>\nاعلم - رحمك الله - أن طلب العلم مما تتنوع فيه الأغراض، وتختلف فيه المقاصد والنيات، كما أنه وسيلة من الوسائل التي يتوصل بها الإنسان إلى الأهداف والغايات، فمن الناس مَنْ يطلب العلم لغرض دنيوي، وذلك بأن يكون له به جاه وهيبة، وشرف ومكانة، ومنزلة وكرامة، ومنهم من يبتغي به الرياسة والقيادة، والهيمنة والزعامة، ومنهم مَنْ يتوصل به إلى أغراض دنيئة، ومقاصد خسيسة، كحب السيطرة والاستبداد، والجدل والمباهاة والمماراة. وأسعد الناس بالعلم، وأحسنهم حظًا وأزكاهم، وأشرفهم منزلة عند الله من يطلبه لمرضاة الله، والعمل به، والاهتداء بنوره، والامتثال لأمره.\nعن إياس بن عامر قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي، ثم قال: (إنك إن بقيت، سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومَنْ طلب به أدرك) (١) فالمقصود الأعظم من العلم ليس أن يتزين به الإنسان، ولا أن يتشرف بتحصيله وجمعه، ودراسته وروايته، وتحقيقه ونشره من غير أن يكون له رغبة في العمل به، والالتزام بمقتضاه.\n_________\n(١) رواه الدارمي (٢/ ٥٢٦). وهو ضعيف فيه إياس بن عامر ليس بالمعروف. راجع أخلاق حملة القرآن للآجري ص (٤١) تحقيق فواز أحمد زمرلي، طبعة دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":249},{"text":"ولقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩) سورة العنكبوت.\nقال عباس الهمداني أبو أحمد - ﵀ -: والذين يعملون بما يعلمون نهديهم الله لما لا يعلمون (١).\n\nقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علمًا لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (٢٨٢) سورة البقرة (٢).\nعن أبي برزة الأسلمي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسْألَ عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن شبابه فيمَ أبلاه» (٣).\nقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: (لا يغرنكم مَنْ قرأ القرآن، فإنما هو كلام يتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به) (٤).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: (هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل).\nقال معاذ بن جبل - ﵁ -: (اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٥٩).\n(٢) تفسير القرطبي (١٣/ ٣٢٤).\n(٣) (حديث صحيح) رواه الترمذي، والدارمي، والطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.\n(٤) صحيح الترغيب والترهيب ص (٥٨).","vol":"1","page":250},{"text":"قال الخطيب البغدادي - ﵀ -: (ثم إني موصيك يا طالب العلم! بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا.\nوقيل: العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل وما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم مادمت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قلَّ نصيبك منهما.\nوالعلم يراد للعمل، كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرًا عن العلم، كان العلم كلًاّ على العالِم، ونعوذ بالله من علم عاد كلًاّ، وأورث ذلًا، وصار في رقبة صاحبه غِلًا.\nقال بعض الحكماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلًا به، أحب إليَّ من أدعه زهدًا فيه.\nوقال بعضهم: وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما، وهل المغرم بحبها إلا كتاركهما، وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤٌ لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثواء (١) قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى\n_________\n(١) ثوى: المكان، و- به يثوي ثِواءٌ وثُويًّا، بالضم، وأثوى به: أطال الإقامة به، أو نزل. راجع القاموس المحيط للفيروز آبادي ص (١٢٦٨) طبعة مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":251},{"text":"بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧_ ٨) سورة الزلزلة.\nقال سهل بن عبد الله التستري - ﵀ -:\n(الناس كلهم سكارى إلا العلماء، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه).\nقال أبوعبد الله الروزباري - ﵀ -:\n(العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم عن الله - ﷿ -).\n\nوقد أحسن القائل:\nيا أيها الرجل المُعلم غيره ... هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم\nلاتنه عن خُلُق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم\nوابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nفهناك تقبل إن وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم\nتصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم\nوأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحًا وأنت من الرشاد عديم\n\nوقال عبد الملك بن إدريس الوزير الكاتب:\nوالعلم ليس بنافع أربابه ... مالم يفد عملًا وحسن تبصر\nسيَّان عندي علم من لم يستفد ... عملًا به وصلاة من لم يطهر\nفاعمل بعلمك توف نفسك وزنها ... لا ترض بالتضييع وزن المخسر\n\nوأنشد محمد بن علي الأصبهاني لبعضهم:\nاعمل بعلمك أيها الرجل ... لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل\nوالعلم زين وتقوى الله زينته ... والمتقون لهم في علمهم شغل","vol":"1","page":252},{"text":"وحجة الله يا ذا العلم بالغة ... لا العلم ينفع فيها لا ولا الحيل\nتعلم العلم واعمل ما استطعت به ... لا يلهينك عنه اللهو والجدل\n\nفنعوذ بالله من علم لا يورث عملًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>ثانيًا: وجوب العمل بالقرآن الكريم</span>\nإن الهدف الأسمى، والغاية العظمى، من إنزال القرآن الكريم هو العمل به، واتباع أوامره، ولذا فقد ورد الأمر في كتاب الله بوجوب العمل به في مواضع عدة من كتاب الله - جل وعلا - منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٦) سورة الأنعام\nقال ابن كثير - ﵀ -: (يقول تعالى آمرًا رسوله - ﷺ - ولمن اتبع طريقته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو) (١).\nقال الإمام القرطبي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني القرآن، أي: لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) سورة الأعراف.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٩).\n(٢) تفسير القرطبي (٧/ ٥٥).","vol":"1","page":253},{"text":"قال القرطبي - ﵀ -: (قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٧) سورة الحشر.\nوقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي - ﷺ - وأمته. والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه. أي: اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص) (١).\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: (أي: اقتفوا آثار النبي - ﷺ - الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول - ﷺ - إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>الدليل الثالث:</span>\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١٠٩) سورة يونس\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -:\n(وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس. ﴿حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: يفتح بينك وبينهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله، وحكمته) (٣).\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٧/ ١٤٥).\n(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٦٩).\n(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٧١).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الدليل الرابع:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥) سورة الزمر.\n\nقال الإمام القرطبي - ﵀ -\n(... ﴿أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ﴾ هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته. وقال السدي: الحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الخلاصة:</span>\nمما سبق من الآيات وغيرها كثير، يدل دلالة واضحة على وجوب اتباع القرآن والعمل به، وهي إما آيات صريحة جاءت بفعل الأمر (اتبعوا) وهو دال على الوجوب بلفظه، وإما بأمر الله لنبيه - ﷺ -، باتباع ما أوحي إليه وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكما هو معلوم أن الأمر للنبي أمر لأمته مالم يأت تخصيص له - ﷺ -.\nفتأمل - أخي الحبيب - أين نحن من العمل بالقرآن في حياتنا وواقعنا؟ فهل من توبة صادقة وعودة محققة إلى مصدر العز والشرف؟ حتى نفوز بالسعادة في الدارين، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١٢٣) سورة طه.\n_________\n(١) تفسير القرطبي (١٥/ ٢٣٦).","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>ثالثًا: الترغيب في العمل بالقرآن الكريم</span>\nلقد ورد في فضل العاملين بالقرآن الكريم، المتبعين له، المتمسكين بهديه، كثير من الفضائل بعضها في الدنيا، وبعضها في الآخرة ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>١ - العمل بالقرآن الكريم سبب للهداية في الدنيا والآخرة:</span>\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٨) سورة الزمر.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه - ﵏ - ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ...﴾ (١٧) سورة الزمر\nنزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي - ﵃ - والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.\nثم قال ﷿: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ...﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾\nأي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والاخرة. (١)\nقال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.\nوقال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣).","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>٢ - العمل بالقرآن سبب للفلاح في الدنيا والآخرة:</span>\nقال تعالى: ﴿... فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) سورة الأعراف.\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: وقوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾\nأي القرآن والوحي الذي جاء به مبلغًا إلى الناس ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة.\nروى الدارمي بسنده عن أبي موسى - ﵁ -:\n(إن هذا القرآن كائن عليكم وزرا، اتبعوا هذا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإن من تبع القرآن يهبط به في رياض الجنة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٣ - العمل بالقرآن سبب للرحمة في الدنيا والآخرة:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٥٥) سورة الأنعام.\nقال الإمام الطبري - ﵀ -:\n(يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد - ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاجعلوه إمامًا تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ﴾ يقول: واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه وتتعدوا حدوده وتستحلوا محارمه ... وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: لترحموا فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه). (٢)\n_________\n(١) سنن الدارمي ج٢ ص ٥٢٦ ح٣٣٢٨.\n(٢) تفسير الطبري (٨/ ٩٢) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":257},{"text":"قال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره، والعمل به، والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين). (١)\nقلنا: لا يخفى أن (لعل) محققة الوقوع لأنها من الله، فالرحمة في الدنيا والآخرة لمن اتبع القرآن وعمل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>٤ - العمل بالقرآن سبب للشفاعة في الآخرة:</span>\nعن النواس بن سمعان الكلبي قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \" يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران \" وضرب لهما رسول الله - ﷺ - ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: \" كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق. أو كأنهما حزقان (٢) من طير صواف تحاجان عن صاحبهما \" (٣). فهذا الحديث يبين أن العاملين بالقرآن في الدنيا يشفع لهم القرآن يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>٥ - العمل بالقرآن سبب لتكفير الذنوب وإصلاح البال:</span>\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (٢) سورة محمد.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٨٠).\n(٢) حزقان: جماعتان، الحزق والحزيقة الجماعة من كل شيء. ابن الأثير في النهاية (١/ ٣٦٤) دار الكتب العلمية.\n(٣) رواه مسلم كتاب الصلاة باب فضل سورة البقرة ح ١٨٤٣ (١٣٣٨)، الترمذي في فضائل القرآن (٢٨٨٣) باب ما جاء في سورة آل عمران ج٨ ص ١٦١، مسند أحمد (١٦٩٧٩).","vol":"1","page":258},{"text":"قال الإمام القرطبي - ﵀ -: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ لم يخالفوه في شيء، قال سفيان الثوري: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم، وقيل: أي أن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما قبله.\n﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: شأنهم، عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. وابن عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم ... وهو على هذا التأويل محمول على صلاح دينهم). (١)\nقال الإمام الشنقيطي - ﵀ -: (أي غفر لهم ذنوبهم، وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحًا لا فساد معه) (٢)\nقال الإمام الطبري - ﵀ -: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة أن أورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم في جنانه. (٣)\nهذه هي الثمرات الزكية والفضائل المرضية، وحسن الجزاء في الدنيا والآخرة للعاملين بالقرآن الكريم، المتمسكين بأوامره، فهل من مشمر عن ساعد الجد لنيل تلك الدرجات، والفوز برضا رب البريات.\n_________\n(١) تفسير القرطبي (١٦/ ١٩١).\n(٢) أضواء البيان (٧/ ٢٤٥).\n(٣) تفسير الطبري (٢٦/ ٣٩) طبعة دار الفكر.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>رابعًا: الترهيب من هجر العمل بالقرآن الكريم</span>\nيدور القرآن الكريم بين الترغيب والترهيب ليصل العبد بذلك إلى الله رب العالمين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٩٠) سورة الأنبياء.\nفكما ورد الترغيب في العمل بالقرآن الكريم، ورد كذلك الوعيد الشديد والتهديد الأكيد في الدنيا والآخرة لمن ترك العمل بالقرآن الكريم، فلا يحل حلاله، ولا يحرم حرامه، ولا يأتمر بأمره، ولا ينته عن نهيه، فمن ذلك أن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>١ - هاجر العمل بالقرآن الكريم له مثل السوء:</span>\nقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) سورة الجمعة.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (فقاس من حملة كتابه - سبحانه - ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له، ولا تحكيم له وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره.\nفهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٢ - هاجر العمل بالقرآن الكريم يعذب في قبره إلى قيام الساعة:</span>\nروى البخاري من حديث سمرة بن جندب رؤيا النبي - ﷺ - وفيها: \"فانطلقنا\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ١٥٠) طبعة دار الحديث.","vol":"1","page":260},{"text":"حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: (من هذا؟) قالا: انطلق\".\nوفي آخر الحديث: \"والذي رأيته يُشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة \" (١) فانتبه أيها القارئ العزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٣ - هاجر العمل بالقرآن الكريم وقود النار يوم القيامة:</span>\nعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرءون القرآن، يقولون: مَنْ أقرأ منا؟ مَنْ أعلم منا، ومنْ أفقه منا؟ \" ثم قال لأصحابه: \" هل في أولئك من خير؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \" أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٤ - هجر العمل بالقرآن الكريم سبب من أسباب الفتنة وعلامة من علامات الساعة:</span>\nعن علقمة عن عبد الله قال: (كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة. قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم وكثرت جهلاؤكم، وكثرت قراؤكم وقلت فقاؤكم، وكثرت\n_________\n(١) رواه البخاري كتاب الجنائز (٣/ ٢٩٦).\n(٢) (حديث حسن). رواه الطبراني في الأوسط، والبزار بإسناد لا بأس به، ورواه أبويعلى والطبراني أيضًا من حديث العباس بن عبد المطلب. وقال الألباني (حسن) انظر صحيح الترغيب والترهيب ص (٥٢).","vol":"1","page":261},{"text":"أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين) (١).\nوكل ذلك حاصل في زماننا فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n_________\n(١) رواه الدارمي (١/ ٧٦).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>الفصل الثاني\nأسباب هجر العمل القرآن الكريم</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nأولا: العادات والتقاليد.\nثانيًا: الخوف من الدنيا والحرص عليها.\nثالثًا: فتنة الأئمة المضلين.","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>أولًا: العادات والتقاليد:</span>\nإن من أهم أسباب هجر العمل بالقرآن الكريم في أي زمان ومكان التمسك بالعادات والتقاليد والمحافظة عليها وعدم التحرر من رقها.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤) سورة المائدة\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -: (أي إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك.\nقال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤) سورة المائدة. أي لا يفهمونه حقًا، ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونه والحالة هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا). (١)\nإنها العبارات والكلمات التي قيلت للرسول المصطفى والنبي المجتبى - ﷺ -، هي هي نفسها التي تقال لكل من دعا إلى الله ورسوله في كل عصر ومصر، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (٥٣) سورة الذاريات.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":265},{"text":"فتلك هي الحجة للتنصل من أحكام الله تعالى، وأوامر رسوله - ﷺ - وترك العمل بالقرآن، وتنحيته عن واقع الناس.\nإنه التقليد الأعمى والجمود، بل هو الكفران والجحود.\nلو نظرت - أخي الحبيب - إلى واقع الناس اليوم لوجدت ذلك واضحًا جليًا في كثير من النماذج والصور لهجر العمل بالقرآن الكريم بسبب العادات والتقاليد منها على سبيل المثال: قضية التبرج والسفور التي أصبحت سمة من سمات نساء هذا العصر حتى أصبح الحجاب غريبًا بين نساء المسلمين. فلو دعوت إحداهن إلى الحجاب والطهر والعفاف لتعللت بأن النساء كلهن على هذا، أو أنها لم تقتنع به! أو أنه يخالف العصر والتقدم!! وغيرها من حيل الشيطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ثانيًا: الخوف على الدنيا والحرص عليها:</span>\nلقد كانت الحجة منذ القديم، في ترك العمل بالقرآن الكريم هي ما ذكره الله - جل وعلا - في محكم التنزيل وهو أصدق القائلين.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (٥٧) سورة القصص.\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ -:\n(يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله - ﷺ - أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة ويتخطفونا أينما كنا.\nقال تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم","vol":"1","page":266},{"text":"معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا لهم في حال كفرهم وشركهم ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعو الحق؟) (١).\nيقول سيد قطب - ﵀ -: (وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله، والسير على هداه، ويشفقون من أعداء الله ومكرهم، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية!!\nإن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله - ﷺ - ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان). (٢)\nفيا من تحرصون على الدنيا وزينتها، وعلى المنصب والجاه والسلطان وعلى الوظيفة والكراسي الزائلة، اعلموا أن الرزق بيد الله، وأن الحمى في جناب الله، يقول تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٢٢) سورة الذاريات.\nويقول تعالى في موضع آخر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١٧٥) سورة الأعراف.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(فشبه سبحانه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ...\nوفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة - مع وفور علمه -\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٣).\n(٢) في ظلال القرآن.","vol":"1","page":267},{"text":"بالكلب في حال لهثه سر بديع، وهو أن الذي هذا حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته، واتباعه هواه، إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال انزعاجه وتركه). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>ثالثًا: فتنة الأئمة المضلين</span>\nومن الأسباب القوية في صرف الناس عن العمل بالقرآن الكريم وأحكامه وتعاليمه، الأئمة المضلون الذي يحلون ما حرم الله، ويلبسون على الناس أمورهم. ورأينا منهم من يبارك الفجور والعرى، وإشاعة الفاحشة بين الناس، ثم هو يخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه.\nقال ميمون بن مهران - ﵀ -:\n(لو صلح أهل القرآن صلح الناس) (٢) وصدق الله إذ يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) سورة الجمعة.\nيقول سيد قطب - ﵀ -: (إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعًا ذليلًا للشيطان، ولينتهي في المسخ إلى مرتبة الحيوان!.\nولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه، أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ١٥١) طبعة دار الحديث.\n(٢) رواه أبونعيم في الحلية (٤/ ٩٣) نقلًا من أخلاق حملة القرآن للآجري ص (٥١) تحقيق فواز أحمد زمرلي طبعة دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":268},{"text":"إياه أحد المتسابقين معه في الحلبة!. فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثًا لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا!. (١)\nوقد بين النبي الكريم - ﷺ - حال الأمة مع الأئمة المضلين:\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا \" (٢).\nوصدق النبي الكريم إذ يقول: \" أشد ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان\" (٣). وما أكثرهم في هذه الأمة لا كثرهم الله.\nوصدق القائل: زَلْةُ العَالمِ، زَلْةُ العَالَمِ.\nوصدق الشاعر إذ يقول:\nرأيت الذنوب تميت القلو ... ب وقد يورث الذل إدمانها\nوترك الذنوب حياة القلو ... ب وخير لنفسك عصيانها\nوهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها\n_________\n(١) في ظلال القرآن\n(٢) رواه البخاري مع فتح الباري (١/ ٢٣٤) كتاب العلم حديث رقم (١٠٠)، ومسلم كتاب العلم حديث رقم (٦٦٧٠).\n(٣) السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني حديث رقم (١٢٦٧).","vol":"1","page":269},{"text":"الله نسأل أن يصلح أئمتنا ويوفقهم للعمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ويقودوا الأمة إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>الفصل الثالث\nالعمل بالقرآن الكريم في واقع السلف الصالح</span>\nوفيه نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>تمهيد:</span>\nإن من يطلع على أصول السلف الصالح يرى عجبًا من العجب، أقوامًا يقبلون على القرآن إقبال الظمآن على الماء البارد، يتلون آياته ويتدبرونها، وينفذون أحكامه ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، ويتأثرون بما فيه من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فيخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا\nكان الواحد منهم إذا قرأ القرآن لا يشغله عنه شاغل، ولا يجذبه عنه جاذب، وقد روي عنهم في ذلك الأعاجيب.\nأما تطبيقهم لآيات القرآن وسرعة استجابتهم لله، وتغلغلها في قلوبهم فيشهد لذلك كثير من الحوادث التي جرت لهم.\nألا إن التاريخ لم يشهد رجالًا عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ثم نذروا لها حياتهم على نسق تناهي في الجسارة والتضحية والبذل كما شهد في صحابة رسول الله - ﷺ -.\nلقد جاءوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. فحين كانت الحياة تهيب بمن يجدد لقيمها الروحية شبابها وصوابها، جاء هؤلاء وراء رسولهم الكريم - ﷺ - مجددين وناسكين، وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشرية الرازحة أغلالها، ويحرر وجودها ومصيرها، جاء هؤلاء وراء رسول الله - ﷺ - ثوارًا ومحررين، كيف أنجز أولئك الأبرار كل هذا الذي أنجزوا في بضع سنين؟! كيف شادوا بالقرآن","vol":"1","page":273},{"text":"الكريم وآياته عالمًا جديدًا يهتز نضرة ويتألق عظمة ويتفوق اقتدارًا؟! (١)\nكل ذلك يرجع لفضل الله - جل وعلا - ثم لتمسكهم بكتاب الله علمًا وعملًا فقد كانوا أشد الناس إيمانًا بالتنزيل وتصديقًا لكتاب رب العالمين.\nوسوف نتركك أخي الكريم لتتابع نماذج أعظم ثلة ظهرت في التاريخ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) سورة التوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>أولًا: نماذج عامة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>١ - الصحابة كلهم مستجيبون لله ورسوله عاملون بالقرآن الكريم</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ (٢) فإني لقائم أسقي أباطلحة وفلانًا وفلانًا. إذا جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: ما ذاك؟ فقال: حُرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس؟ قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) (٣).\nفانظر - رحمنا الله وإياك - إلى حال صحابة النبي الكريم وسرعة استجابتهم\n_________\n(١) انظر رجال حول الرسول. لخالد محمد خالد\n(٢) الفضيخ: هو شراب يُتخذ من البُسْر المفضوخ: أي المشدوخ. قاله ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٤٠٦).\n(٣) رواه البخاري، فتح الباري (٨/ ١٢٦) طبعة الريان كتاب التفسير باب (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم).","vol":"1","page":274},{"text":"لأمر رب العالمين، وحال كثير من هذه الأمة وبعدهم عن العمل بهذا الدين. انظر كيف انتشرت المحرمات، وكثرت المنكرات، من شرب الدخان والمخدرات، وأنواع المسكرات، وآيات الله تتلى ليل نهار، ولا رجوع ولا توبة ولا استغفار إلا من رحم الله العزيز الغفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nعن البراء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمرَّ على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - ﷺ - قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت) (١).\nفانظر إلى سرعة استجابتهم، فلله درهم؛ ولذا استحقوا أن يرضى عنهم ربهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>٢ - نساء الصحابة عاملات بالقرآن الكريم</span>\nعن عائشة - ﵂ - قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣١) سورة النور. شققن مروطهن فاختمرن بها).\nولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن خثيم عن صفية قالت: (ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أُنْزِلَتْ سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها، فأصبحن يصلين الصبح\n_________\n(١) رواه البخاري - فتح الباري (٨/ ٢٠) طبعة الريان.","vol":"1","page":275},{"text":"معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان) (١).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الجمع بين الروايتين: (ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك).\nفليت نساء المسلمين اليوم تقرأ هذه النماذج، فطالما سمعوا آيات الله تتلى آناء الليل وأطراف النهار، ولكن آيات الله في واد، وهن في واد فإلى الله المشتكى، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>ثانيًا: نماذج خاصة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>١ - صديق الأمة وخليفة رسول الله</span>\nلقد كان أبو بكر - ﵁ - من أشد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - تصديقًا لكتاب الله، وإيمانًا بالتنزيل، ومن أسرعهم استجابة لله ورسوله، والنماذج من حياته كثيرة.\nفمن ذلك ما أورده البخاري بسنده من حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂ - في حديث الإفك الطويل.\n(... فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق - ﵁ - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢٢) سورة النور.\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٣٤٧) كتاب التفسير باب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.","vol":"1","page":276},{"text":"قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا ...) (١).\nفانظر - رحمنا الله وإياك - كيف أن مسطح بن أثاثة خاض مع من خاض في عِرْضِ أم المؤمنين ومع ذلك ما أن نزلت الآية حتى استجاب أبو بكر لأمر الله وأعاد النفقة التي كان ينفق على مسطح، لأن هدفهم هو رضوان الله تعالى والجنة.\nفشتان شتان ما بين السلف الصالح والخلف اليوم، من العداوات لأتفه الأسباب، وإطالة الخصام بدون أسباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٢ - فاروق الأمة والخليفة العادل</span>\nعمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر، عمر فاروق هذه الأمة أول من لقب بأمير المؤمنين، الخليفة العادل، الذكي العبقري، المحدث الملهم، عمر الذي وافق ربه في مواضع كثيرة، عمر الذي كان ينزل القرآن مؤيد لرأيه، عمر الذي ما سلك فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجه.\nعمر الذي أعز الله به الإسلام، عمر الذي توفي رسول الله وهو عنه راض، عمر الباب الحائل دون الفتنة، عمر الوقاف عند حدود الله.\nعن ابن عباس - ﵄ - قال: (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبابًا.\nفقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه.\n_________\n(١) رواه البخاري - فتح الباري (٨/ ٣٠٩) كتاب التفسير حديث (٤٧٥٠) طبعة الريان.","vol":"1","page":277},{"text":"قال ابن عباس: فاستأذن الحُرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل.\nفغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٩٩) سورة الأعراف وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافًا عند حدود الله). (١)\nفليت الأمة اليوم تكون وقافة عند حدود الله، إذا ذكروا تذكروا حتى تعود الأمة إلى عزها ومجدها، فلن يصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٣ - أبو طلحة الأنصاري</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (كان أبوطلحة الأنصاري أكثر الأنصار بالمدينة نخلًا، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.\nفلما أنزلت ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبوطلحة قال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال رسول الله - ﷺ -: \" بخ! ذلك مال رايح، ذلك مال رايح. وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين \".\nقال أبوطلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبوطلحة في أقاربه وبني عمه. قال عبد الله بن يوسف وروح بن عبادة (بخ! ذلك مال رايح) حدثني يحيى بن\n_________\n(١) رواه البخاري - فتح الباري (٨/ ١٥٥) كتاب التفسير حديث (٤٦٤٢) طبعة الريان.","vol":"1","page":278},{"text":"يحيى قال: قرأت على مالك (مال رايح). (١)\nقال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: وممن عمل بالآية ابن عمر. فروى البزار من طريقه أنه قرأها (يعني ابن عمر) قال: فلم أجد شيئًا أحب إلى من مرجانة - جارية لي رومية - فقلت: هي حرة لوجه الله، فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لتزوجتها).\nقال الإمام القرطبي - ﵀ - في تفسير قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك. ألا ترى أباطلحة حين سمع الآية لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينّة لذلك. فإنهم يحبون أشياء كثيرة ...\nوأعتق ابن عمر نافعًا مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار قالت صفية بنت أبي عبيدة: أظنه تأول قول الله ﷿ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.\nوروى شبل عن أبي نجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتح مدائن كسرى، فقال سعد بن أبي وفاص: فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله ﷿ يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فأعتقها عمر - ﵁ -.\nوروى عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خثيم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سكرًا فإن الربيع يحب السكر.\n_________\n(١) رواه البخاري - فتح الباري (٨/ ٧١) ح (٤٥٥٤) كتاب التفسير طبعة الريان.","vol":"1","page":279},{"text":"قال سفيان يتأول قوله جل وعز ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.\nوروي عن عمر بن عبد العزيز - ﵁ - أنه كان يشتري أعدالًا من السكر ويتصدق بها. فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليَّ فأردت أن أنفق مما أحب.\nوقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٤ - أبو الدحداح والعذق الرداح</span>\nروى الإمام أحمد في مسنده من طريقه أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥) سورة البقرة قال أبوالدحداح: يا رسول الله!، وإن الله يريد منا القرض؟ قال: \" نعم يا أبا الدحداح \". قال: أرني يدك يا رسول الله!. فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة نخلة.\nوأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبوالدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي - ﷿ -. قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح!. ونقلت منه متاعها وصيبانها. وأن رسول الله - ﷺ - قال: \" كم من عذق رَدَاح (٢) في الجنة لأبي الدحداح \" (٣).\nفانظر - رحمنا الله وإياك - كيف استقرت الآخرة في قلوبهم، فهانت عندهم الدنيا، يسمع أبوالدحداح الآية فيتصدق بستمائة نخلة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٤/ ١٢٨).\n(٢) عذقٌ رَدَاحٌ يعني: النخلة العظيمة بحملها. لسان العرب (٢/ ٤٤٧) طبعة دار الفكر.\n(٣) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٤٦) وابن أبي حاتم.","vol":"1","page":280},{"text":"وليس العجب من فعل أبي الدحداح، ولكن العجب كل العجب من سرعة استجابة أم الدحداح ودعائها بالربح والقبول.\n\nولو أن رجلًا فعل قريبًا من هذا في زماننا لرفعت عليه زوجته دعوى قضائية مطالبة بالحجر على زوجها بالسفه والجنون، ولانتشر خبره في الجرائد، وفضحته زوجته على رؤوس الأشهاد - إلا مَنْ رحم الله -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٥ - ثابت بن قيس من أهل الجنة</span>\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢) سورة الحجرات.\nكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - ﷺ - وأنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزينًا.\nففقده رسول الله - ﷺ - فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله - ﷺ - مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار.\nفأتوا النبي - ﷺ - فأخبروه بما قال فقال النبي - ﷺ -: \" لا، بل هو من أهل الجنة \".\nقال أنس - ﵁ - فكنا نراه يمش بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قُتِلَ - ﵁ -. (١)\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند واللفظ له، ومسلم نحوه.","vol":"1","page":281},{"text":"هكذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين إذا سمعوا آيات الله ظنوا أنها ما أنزلت إلا فيهم، وما تخاطب إلا هم أما نحن فشتان ما بيننا وبينهم نسمع آيات الله ونظن أنها نزلت لغيرنا، فكان هذا حال السلف وهذا حالنا فإلى الله المشتكى!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٦ - معقل بن يسار بين السمع والطاعة</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ (٢٣٢) سورة البقرة.\nعن معقل بن يسار أنها نزلت فيه. قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله!، قال: فزوجها إياه.\nوفي رواية أبي مسلم الكجي من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن (فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعًا لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه) (١).\nلو نظرت - أخي الحبيب - إلى واقعنا لوجدت الكثير من المشاكل، إنما هي مشاكل عائلية نتيجة خلافات تافهة بسيطة، ولكن عناد الأب أو الأخ غالبًا ما يؤدي إلى تفاقمها، مما يؤدي إلى إنهيار الأسر، وتصدع البيوت وتفكك الأواصر والعلاقات.\n_________\n(١) رواه البخاري - فتح الباري (٩/ ٨٩) حديث (٥١٣٠) طبعة الريان.","vol":"1","page":282},{"text":"ولو توفر لدينا السمع والطاعة لأوامر القرآن الكريم كما توفر لدى السلف الصالح لما امتلأت المحاكم بالقضايا والشوارع بالمتشردين. فإلى العمل بالقرآن الكريم يا عباد الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين - ﵂ </span>-\nعن قتادة قال: خطب النبي - ﷺ - زينب وهي - بنت عمته - وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله - تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦) سورة الأحزاب. فرضيت وسلمت. (١)\nهذه بعض النماذج المشرقة من عمل السلف الصالح بالقرآن الكريم، وهذا غيض من فيض، وقطر من بحر، والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تسطر، ولكن اللبيب تكفيه الإشارة، والسعيد من وعظ بغيره.\n_________\n(١) رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٩٢. طبعة دار الريان للتراث عام ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الباب الخامس\nهجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: المرض - أنواعه - وعلاجه.\nالفصل الثاني: الصرع - أدلته - أنواعه - أسبابه.\nالفصل الثالث: الرقية - حكمها - أقسامها - بدع المعالجين.\nالفصل الرابع: صور من هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>الفصل الأول\nالمرض</span>\nوفيه سبعة مباحث:\nأولًا: تعريف المرض.\nثانيًا: أنواع المرض.\nثالثًا: ماذا يعني المرض عند المسلم؟\nرابعًا: الأمر بالتداوي.\nخامسًا: الدعاء من أنفع الأدوية.\nسادسًا: القرآن علاج وشفاء.\nسابعًا: أحاديث ضعيفة وردت في فضل التداوي بالقرآن.","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>أولًا: تعريف المرض:</span>\n(المرض) هو ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة\nوالاعتدال.\n(المريض): مَنْ به مرض أو نقص أو انحراف. ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، ورأي مريض: ضعيف أو فيه انحراف عن الصواب.\nجمع المريض، والمريضة: مَرْضَى أو مِرَاض. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>ثانيًا: أنواع المرض: </span>(٢)\nقال العلامة ابن القيم - ﵀ -:\n(المرض نوعان:\n١ - مرض القلوب.\n٢ - مرض الأبدان.\n\nومرض القلوب نوعان:\nأ - مرض شبهة وشك.\nب - مرض شهوة وغي.\nقال تعالى في مرض الشبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ (١٠) سورة البقرة.\n_________\n(١) المعجم الوجيز ص (٥٧٨)، طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم بمصر، سنة ١٤١٠ هـ.\n(٢) انظر الكتب الآتية: زاد المعاد (٤/ ٥ - ١٢) طبعة الرسالة، فتح الباري (١٠/ ١٠٨، ١٤٠) طبعة الريان، إغاثة اللهفان (١٩ - ٢١) طبعة دار الحديث.","vol":"1","page":289},{"text":"وقال تعالى في حق مَنْ دُعِيَ إلى تحكيم القرآن والسنة، فأبى وأعرض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩) سورة النور. فهذا مرض الشبهات والشكوك.\n\nوأما مرض الشهوات: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (٣٢) سورة الأحزاب. فهذا مرض شهوة الزنا، والله أعلم.\nوأما مرض الأبدان: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦١) سورة النور. وذكر مرض البدن في الحج (١) والصوم (٢) والوضوء (٣) لسر بديع يبين لك عظمة القرآن والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة:\n١ - ضبط الصحة.\n٢ - الحمية عن المؤذي.\n٣ - استفراغ المواد الفاسدة.\nفذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة.\n_________\n(١) قوله تعالى:﴾ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴿(١٩٦) البقرة.\n(٢) قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٨٤) سورة البقرة.\n(٣) قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٤٣) سورة النساء.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>ثالثًا: ماذا يعني المرض عند المسلم</span>؟\nإن الناظر في الشريعة الإسلامية يجد أن المرض عند المسلم يعني أمورًا عدة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>١ - المرض عقوبة:</span>\nإن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ... فإذا رأيت البلاء في الأجساد، فإنك إنما ترى أثر بعض الذنوب التي قدمتها أيدي الناس ... فما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣٠) سورة الشورى.\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -:\n(أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما من سيئات تقدمت لكم، ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، أي من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾) (٦١) سورة النحل (١).\nوتعجيل العقوبة في الدنيا من فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين، فهذا خير من أن تجتمع على العبد الذنوب فتطرحه في النار ... ولا يعني ذلك تَمنَّي المرض، بل نسأل الله العافية، فإن أُصِبْتَ شكرت؛ لعلمك أنها رحمة وعدل ... رحمة إذ عُجِلَ لك ذلك في الدنيا، وعدل إذ أنه ما أصابك إلا بذنب مما كسبت يداك.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١١٦) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>٢ - المرض كفارة:</span>\nعن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -:\n\" ما من مصيبة تصيب المسلم - وفي رواية: ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن - إلا كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها \" (١).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \" ما يصيب المسلم من نصبٍ (تعب) ولا وَصَبٍ (مرض) ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله بها خطاياه \". (٢)\nومن حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تحاتَّ ورَقُ الشجر \" (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يَلْقَى الله وما عليه خطيئة \" (٤).\nعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: \" إذا اشتكى المؤمن أخلصه الله كما يخلص الكير خبث الحديد \" (٥).\n\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٦٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢).\n(٣) رواه البخاري (٥٦٤٧). ومعنى (تحات): سقوط الورق عن الغصن. (لسان العرب:٢/ ٢٢)\n(٤) (صحيح) رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٨١٥).\n(٥) (صحيح) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وابن أبي الدنيا في (المرض والكفارات). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ١٢٥٧ طبعة المكتب الإسلامي. .","vol":"1","page":292},{"text":"مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك غالبًا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر، وإن الأمراض والأوجاع والآلام - بدنية كانت أو قلبية - تكفر ذنوب مَنْ تقع له ... وظاهره تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصُّوا ذلك بالصغائر لقوله - ﷺ - في الحديث \" ... ما اجتنبت الكبائر \" فحملوا المطلقات الواردة في تكفير السيئات على هذا المقيد ... ويحتمل أن يكون معنى هذه الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب، فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ... ثم المراد بتكفير الذنب ستره، أو محو أثره المترتب عليه من استحقاق العقوبة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٣ - المرض منزلة ودرجة:</span>\nعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \" إن الله يقول: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه (عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة \" (٢).\nوقال - ﷺ -: \" مَنْ أُعْطِيَ فشكر، وابْتُلِيَ فصبر، وظَلَم فاستغفر، وظُلِمَ فغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون \" (٣).\nوقال - ﷺ -: \" المبطون شهيد، والمطعون شهيد \" (٤).\nوقال - ﷺ -: \" مَنْ يرد الله به خيرًا يُصب منه \" (٥).\n_________\n(١) فتح الباري (١٠/ ١١٣) بتصرف، طبعة الريان.\n(٢) رواه البخاري (٥٦٥٣).\n(٣) (سنده حسن) أخرجه الطبراني بإسناد حسن، الفتح (١٠/ ١١٤).\n(٤) (صحيح) رواه مالك، وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص\n(٣٩، ٤٠) طبعة المكتب الإسلامي.\n(٥) رواه البخاري (٥٦٤٥)، انظر صحيح الجامع (٦٦١٠). طبعة المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":293},{"text":"فَعُلِمَ من مجموع هذه الأحاديث أن المرض منزلة من الله - ﷿ - وخير أراده لعبده، قد ينال العبد به عند الله درجة، وقد ينال به شهادة، وقد يحصل له به الأمن والهداية، بل وقد يبلغه إلى الجنة ... فيا عبد الله!، يا مَنْ ابتلاك الله بألم أو مرض، اعلم أن مولاك إنما ابتلاك ليكفر سيئاتك، ابتلاك ليختبر صبرك، ليضاعف أجرك ..، ابتلاك ليرفع درجتك .. فهلاَّ صبرت واحتسبت؟ فقد جاء في الحديث \" وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>رابعًا: الأمر بالتداوي:</span>\nعن جابر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \" لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله - ﷿ - \" (٢).\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء \" (٣).\nعن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبي - ﷺ -، وجاءت الأعراب، فقالوا: يارسول الله! أنتداوى؟. قال: \" نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله - ﷿ - لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد \"، قالوا: وما هو؟ قال: \" الهَرَمُ \" (٤)\n_________\n(١) (صحيح) أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٤٤)، صحيح ابن ماجه (٣٢٥٠).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٤) في السلام: باب لكل داء دواء واستحباب التداوي.\n(٣) أخرجه البخاري (٥٦٧٨)، وابن ماجه (٣٤٣٩).\n(٤) (إسناده صحيح) أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٨)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وأبوداود (٣٨٥٥)، والترمذي (١٣٩٥) وصححه الأرناؤط في زاد المعاد (٤/ ١٣)، وصححه الألباني في غاية المرام (١٧٩).","vol":"1","page":294},{"text":"قال - ﷺ -: \"إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله\" (١).\nويستفاد من الأحاديث ما يلي: (٢)\n١ - إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال مَنْ أنكرها، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله فيها.\n٢ - قوله \" لكل داء دواء \" على عمومه حتى يتناول الأدوية القاتلة، والتي اعترف حذاق الأطباء بأنه لا دواء لها، وأقروا بالعجز عن مداواتها ...، وكما فيها أيضًا تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب الدواء والتفتيش عنه، وفي ذلك فتح لباب الرجاء.\n٣ - الأمر بالتداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها. بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطِّلُها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتمادُ القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، وتوكله عجزًا.\n_________\n(١) (حديث صحيح) أخرجه أحمد (٢٧٨)، وابن ماجه (٣٤٣٨)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٥١).\n(٢) انظر زاد المعاد (٤/ ١٤ - ١٧)، فتح الباري (١٠/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"1","page":295},{"text":"أنواع الطب:\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\nوالطب نوعان:\n١ - طب القلوب ومعالجته: وهذه خاصة ومسلمة بما جاء به الرسول - ﷺ - عن ربه ﷾.\n٢ - طب الجسد.\nأ - منه ما جاء في المنقول عن الرسول - ﷺ - مثل الرقية والدعاء.\nب - ومنه ما جاء عن غيره - ﷺ -، وغالبه راجع إلى التجربة.\nثم هو نوعان:\n١ - نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش.\n٢ - نوع يحتاج إلى فكر ونظر كدفع ما يحدث في البدن مما يخرج عن الاعتدال، وهو إما حرارة أو برودة. وغالب معرفته بتحقيق الأسباب والعلامة) (١).\n\nحكم التداوي:\nاختلف العلماء في التداوي: هل مباح وتركه أفضل، أم مستحب أم واجب؟\nفالمشهور عن أحمد: الأول، والمشهور عند الشافعية: الثاني، حتى ذكر النووي في شرح مسلم: أنه مذهبهم، ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف، واختاره الوزير أبوالمظفر، قال: (ومذهب أبي حنيفة: أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب). قال: ومذهب مالك: أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه. (٢)\n_________\n(١) فتح الباري (١٠/ ١٤٠) بتصرف يسير.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ٩٠، ٩١) بنحوه.","vol":"1","page":296},{"text":"قال شيخ الإسلام: (ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد). (١)\nوالذي يظهر - والله أعلم - أن التداوي من الأمراض يعتريه الأحكام التكليفية الخمسة:\n١ - الوجوب: عند تحقق الشفاء التام وخوف الهلاك والتلف.\n٢ - الندب: عند غلبة الظن في تحقق الشفاء ودفع المرض.\n٣ - الإباحة: مثل كثير من الأمراض التي لا تسبب هلاكًا ولا يتوقع منها تلف.\n٤ - الكراهة: مثل الكي.\n٥ - التحريم: مثل التداوي بالمحرم كالتداوي بالخمر والسحر ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>خامسًا: الدعاء من أنفع الأدوية:</span>\nقال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) سورة النمل.\nوقال أيضًا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٦٠) سورة غافر.\nوقال أيضًا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) سورة البقرة.\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (٢)\n(والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢٤/ ٢٦٩).\n(٢) الداء والدواء ص (١٠ - ١١ - ١٢) تحقيق محمد عبد الملك الزغبي، طبعة مكتبة فياض بالمنصورة.","vol":"1","page":297},{"text":"البلاء، ويدفعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - مرفوعًا: \"إن الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض\" (١).\n\nوله مع البلاء ثلاث مقامات:\nأحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.\nالثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.\nالثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.\nوقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة \". (٢)\nوفيه أيضًا من حديث ثوبان عن النبي - ﷺ -: \" لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه \". (٣)\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره، لما فيه من\n_________\n(١) (الحديث موضوع) انظر السلسلة الضعيفة للألباني (١٧٩).\n(٢) (حسن) رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم في مستدركه عن عائشة وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٣٩).\n(٣) (حسن) إلا الجملة الأخيرة \" إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه \" ضعيف، راجع السلسلة الصحيحة (١٥٤).","vol":"1","page":298},{"text":"الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالًا على ما قدر، فيلزم ترك العمل جملة، ورَدُّ البلاء بالدعاء كرد السهم بالقوس، وليس من شروط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي بالسهم، والله أعلم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>سادسًا: القرآن علاج وشفاء:</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀:\n(قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٢) سورة الإسراء والصحيح: أن (من) هاهنا، لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) سورة يونس.\nفالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وما كل أحد يُؤهَّل يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداءُ أبدًا.\nوكيف تقاوم الدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال، لَصدَعَهَا، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا في القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهمًا في كتابه). (١)\nوقال ابن القيم في تعليقه على الفاتحة: (وحق لسورة تشمل على هذين الشفاءين: الأبدان والأرواح أن يستشفي بها من كل مرض. ولقد جربت ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبة، ولاسيما في مدة المقام بمكة فإنه كان يعرض لي آلامٌ مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني في الطواف فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها\n_________\n(١) زاد المعاد (٤/ ٣٥٢) بتصرف. طبعة الرسالة.","vol":"1","page":299},{"text":"على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، ولقد جربت ذلك مرات عديدة). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>سابعًا: أحاديث ضعيفة وردت في فضل التداوي بالقرآن:</span>\nهذه بعض الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة وسطرت في الكتب وتناقلها الخطباء نذكرها هنا للتحذير منها وبيان حالها؛ لأن في الأحاديث الصحيحة الواردة غنية عن الضعيف وحتى لا نقع تحت قوله - ﷺ -: \" مَنْ يقل عليَّ ما لم أقل فهو أحد الكاذبين \".\n١ - عن علي مرفوعًا: \" خير الدواء القرآن \".\n(ضعيف)، ضعيف ابن ماجه (٧٧٤، ٧٦٧)، ضعيف الجامع (٢٨٨٥).\n٢ - حديث \" خذوا من القرآن ما شئتم لما شئتم \".\n(لا أصل له) السلسلة الضعيفة (٥٥٧).\n٣ - عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: \" عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن \".\n(ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا) السلسلة الضعيفة\n(١٥١٤)، ضعيف الجامع (٣٧٦٥).\n٤ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي وجع.\nفقال: \" ما وجع أخيك؟ \".\nقال: به لمم (اللمم: طرق من الجنون يلم بالإنسان ويعتريه).\nقال: \" فابعث به إليَّ \".\n_________\n(١) راجع كتاب الداء والدواء ص (٩) طبعة دار المنار.","vol":"1","page":300},{"text":"فجاء، فجلس بين يديه، فقرأ عليه النبي - ﷺ -: فاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول سورة البقرة، وآيتين من وسطها ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٣ - ١٦٤) سورة البقرة. حتى فرغ من آخر سورة البقرة. وآية من أول سورة آل عمران ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ...﴾ (١٨) سورة آل عمران. وآية من سورة الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ...﴾ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦) سورة المؤمنون. وآية من سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (٣) سورة الجن. وعشر آيات من سورة الصافات من أولها، وثلاثًا من سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.\n(إسناده ضعيف جدًا) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٢)، والطبراني في الدعاء (١٠٨٠)، من طريق أبي جناب يحيى بن أبي حية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه وهذا (إسناد ضعيف جدًا) فيه علتان:\nالأولى: جهالة الرجل وأبيه.\nالثانية: يحيى بن أبي حية، ضعفوه لكثرة تدليسه.\nراجع كتاب (صحيح الأذكار وضعيفه) للنووي، بقلم سليم عيد الهلالي، المجلد الأول ص (٣٥٤ - ٣٥٥) طبعة مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة.","vol":"1","page":301},{"text":"والحديث ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (٧٧٨) طبعة المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>الفصل الثاني\nالصرع</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nأولًا: تعريف الصرع.\nثانيًا: الأدلة على إثبات الصرع.\nثالثًا: أنواع الصرع.\nرابعًا: أسباب الصرع.\nخامسًا: أسباب انتشار ظاهرة الصرع.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>تمهيد:</span>\nإن الصرع، والمس، والسحر من الأمور التي انتشرت في هذا الزمان بصورة كبيرة، حتى اختلط على كثير من الناس التفريق بين الصرع الجني والصرع الطبي، وبينهما وبين الوهم الذي يدعيه الكثير من المرضى للهرب من مشكلاتهم الخاصة.\nوفي هذا الفصل تفصيل لهذه المسألة في ضوء الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>أولًا: تعريف الصرع:</span>\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(هي علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعًا غير تام، وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبًا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجًا إلا بمقاومة الأرواح الخيرة العلوية لتندفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطل أفعالها). (١)\n_________\n(١) فتح الباري (١٠/ ١١٩) طبعة الريان.","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>ثانيًا: الأدلة على إثبات الصرع:</span>\nلقد وردت الأدلة من القرآن الكريم على أن الصرع أمر واقع وحقيقي، ولا ينكره إلا مكابر ومعاند.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>أولًا: الأدلة من القرآن:</span>\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢٧٥) سورة البقرة\nقال الإمام القرطبي - ﵀ -:\n(في هذه الآية دليل على فساد مَنْ أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس). (١)\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ الآية. أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشياطين له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>ثانيًا: الأدلة من السنة:</span>\n١ - عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فأدع الله لي. قال: \" إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك \". فقالت: أصبر. فقالت إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها.\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٢/ ٢٢٣) طبعة دار الفكر.\n(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٢٦) طبعة المكتبة القيمة.","vol":"1","page":306},{"text":"عن ابن جريج أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر، تلك المرأة الطويلة السوداء، على ستر الكعبة (١).\n\nقال الحافظ ابن حجر:\n(وفي الحديث فضل مَنْ يُصْرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير) (٢).\n٢ - عن عثمان بن أبي العاص - ﵁ - قال: لما استعملني رسول الله - ﷺ - على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: \" ابن أبي العاص \" قلت: نعم يا رسول الله!. قال: \" ما جاء بك؟ \" قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: \" ذاك الشيطان. ادنه \" فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: \" اخرج عدو الله \" فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: \" الحق بعملك \" قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد. (٣)\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(وفي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان ويدخل فيه ولو كان مؤمنًا صالحًا) (٤).\n_________\n(١) متفق عليه، واللفظ للبخاري،\n(٢) الفتح (١٠/ ١٢٠).\n(٣) (حديث صحيح) أخرجه ابن ماجة (٣٥٤٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٩١٨).\n(٤) السلسلة الصحيحة (٦/ ١٠٠٢) طبعة مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":307},{"text":"٣ - عن يَعْلَى بن مُرَّة - ﵁ - قال: لقد رأيت من رسول الله - ﷺ - ثلاثًا ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي: لقد خرجت معه في سفر، حتى إذا كنا ببعض الطريق، مررنا بامرأة جالسة، معها صبي لها، فقالت: يا رسول الله!، هذا صبي أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال:\" ناولنيه \"، فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه، فنفث فيه ثلاثًا، ثم قال: \" بسم الله أنا عبد الله، اخسأ عدو الله \" ثم ناولها إياه، فقال: \" ألفينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل \" قال: فذهبنا، ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث. فقال - ﷺ -: \" ما فعل صبيك؟ \" فقالت: والذي بعثك بالحق، ما حسسنا منه شيئًا حتى الساعة، فاجتزر هذه الغنم، قال: \" انزل فخذ منها واحدة ورد البقية ... \" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>ثالثًا: أنواع الصرع:</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (الصرع صرعان:\nالأول: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية.\nالثاني: صرع من الأخلاط الرديئة، وهو الذي يتكلم الأطباء في سببه وعلاجه.\n\nأما صرع الأرواح: فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك أبقراط في بعض\n_________\n(١) (إسناده جيد) رواه أحمد والحاكم وصصحه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني بعد أن ساق طرق الحديث: (وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد) السلسلة الصحيحة، (١/ ٧٩٧).","vol":"1","page":308},{"text":"كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع هذا العلاج.\n\nوأما صرع الأخلاط: فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعًا غير تام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>رابعًا: أسباب الصرع:</span>\nعرفنا أن الصرع قسمان: صرع من قبل الجن، وآخر من قبل المرض، ولكل واحد منهما أسبابه التي تختلف عن الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>أولًا: أسباب الصرع الجني:</span>\nويمكن تلخيص أسباب مس الجن للإنس فيما يلي:\n١ - (عشق الجني للإنسية، أو عشق الجنية للإنسي.\n٢ - ظلم الإنسي للجني، بصب ماء ساخن عليه، أوبالوقوع عليه من مكان عالٍ، وغير ذلك.\n٣ - ظلم الجني للإنسي، كأنه يمسه دون سبب، ولا يتسنى له ذلك، إلا في حالة من هذه الحالات الأربع:\nأ - الغضب الشديد.\nب - الخوف الشديد.\nجـ - الإنكباب على الشهوات.\nد - الغفلة الشديدة. (١)\n٤ - قلنا: ويمكن أن يمس الجني الإنسي بدون سبب ويكون الإنسي مؤمنًا\n_________\n(١) وقاية الإنسان من الجن والشيطان (٧٤ - ٧٥) لوحيد عبد السلام بالي. طبعة مكتبة الصحابة. الطبعة العاشرة.","vol":"1","page":309},{"text":"صالحًا، مثل: عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، والمرأة السوداء وأنه يقع كنوع من الإبتلاء والاختبار؛ إما لتكفير الذنوب أو لرفع المنزلة والدرجة في الآخرة. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>ثانيًا: أسباب الصرع الطبي:</span>\n(الصرع من أقدم الأمراض المعروفة، ومع تقدم الطب تبين أن السبب هو وجود بؤرة في مكان ما في المخ تصدر شحنة كهربائية زائدة، ويتمثل المرض في نوبة هياج عصبي تبدأ تلقائيًا، وتنتشر في أجزاء الجسم، ثم تنتهي دون أي تدخل خارجي، وليس بالضرورة أن يغيب الشخص عن الوعي. وتظهر آثاره بشكل معين في رسام المخ الكهربائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>أسباب المرض في الطفولة:</span>\n١ - التشنجات المصاحبة للحميات، وهي من أهم الأسباب ما بين (٢ - ٥) سنوات.\n٢ - إصابات الرأس قبل الولادة.\n٣ - الالتهاب السحائي أو وجود خراج بالمخ.\n٤ - نزيف داخلي.\n٥ - أمراض التمثيل الغذائي مثل نقص الكالسيوم في الدم.\n٦ - التسمم بالرصاص.\n٧ - بعض حالات التخلف العقلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الأسباب في البالغين:</span>\n١ - الأورام المختلفة داخل المخ.\n٢ - أمراض الأوعية الدموية بالمخ الناتجة من ضغط الدم المرتفع، أو نزيف","vol":"1","page":310},{"text":"داخلي، أو جلطة. وكلها من أهم الأسباب لمن هم فوق سن الخمسين.\n٣ - إصابات الدماغ.\n٤ - الالتهابات المختلفة للمخ وأغشيته.\n٥ - بعض أنواع السموم خصوصًا إدمان الكحولات). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>خامسًا: أسباب انتشار ظاهرة الصرع:</span>\nإن الناظر في أحوال الناس في الآونة الأخيرة يسمع كلامًا كثيرًا عن حالات الصرع الذي انتشر انتشارًا واسعًا في جميع المستويات والطبقات، حتى أصبحت من جملة الظواهر التي يعاني منها المسلمون، والواضح أن هناك أسبابًا كثيرة أدت إلى هذه الظاهرة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>١ - الوهم:</span>\n(الوهم مرض نفسي خبيث، وقد كان لخوف الناس من الجن والشيطان دور كبير في حصول هذا الوهم، وبدأ كثير من الناس يربط بين مرض معين أصابه، أو مشكلة في حياته، أو خلافات زوجية عادية أو حادثة معينة حدثت له، وبين أمور أخرى، فأخذ يقلب في ذاكرته عن سبب هذه المشكلة، أو تلك الخلافات، فاعتقد أن فلانًا من الناس قد أصابه بعين، أو أنه وقع يومًا ما فأصابه الجن بالمس، ثم يحكي أعراضًا يُحس بها.\nوفي الحقيقة: إن مرض الوهم إذا أصاب الإنسان، كان أخطر من المرض\n_________\n(١) الصرع الأسباب وطرق التشخيص والعلاج مقال بمجلة التوحيد للدكتور عادل راشد ص (٤١ - ٣٤) العدد (٩) السنة (٢١).","vol":"1","page":311},{"text":"الحقيقي، لأن مس الجن يزول بفضل الله أمام الرقية بالقرآن الكريم، أما مرض الوهم فهو في دَوَّامة لا تنتهي، والحقيقة أن المترددين على المعالجين بالقرآن الكريم نسبة كبيرة منهم مرضى بالوهم والقلة القليلة مَنْ به مس من الجن.) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>٢ - الفراغ:</span>\nقال الحسن البصري: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.\nإن الفراغ والخواء قد ملأ القلوب، فوجد الشيطان فيها أرضًا خصبة، فصال وجال، وبذر وزرع وحصد.\nإن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>٣ - كثرة كتب الجن والشياطين:</span>\nإن الناظر في المكتبات الإسلامية يجد العشرات، بل المئات من الكتب التي تتحدث عن الجن والشيطان، وحالات المس والصرع، والحسد، والربط ...، وغيرها من القضايا المختلفة، فضلًا عن انتشار أشرطة المعالجين بين الناس، وكذلك الإعلان عن مراكز العلاج الروحاني أو العلاج بالقرآن الكريم في كثير من الصحف والمجلات، وتبني بعض الأحزاب السياسية لهذا الموضوع؛ لرفع رصيدها الشعبي بين الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>٤ - حب الاستطلاع:</span>\nإن حب الاستطلاع والتشوق إلى معرفة الأخبار الغريبة، والحكايات العجيبة، وبخاصة مما يتعلق بالغيب، ومن الأمور التي يقبل عليها الناس؛ ولذلك\n_________\n(١) الصرع أسبابه وعلاجه للدكتور / سعيد عبد العظيم (٤٩ - ٥٢) بتصرف طبعة دار الإيمان الأسكندرية.","vol":"1","page":312},{"text":"أشبع القرآن الكريم هذه الناحية بالحديث عن الغيبيات كالملائكة والجن والجنة والنار ... وغيرها. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>٥ - جهل كثير من المعالجين:</span>\nإن جهل كثير من المعالجين بحقيقة الجن والشياطين والأمراض العضوية أدى إلى عدم التفريق بينها مما زاد من حجم المشكلة وأدى إلى تفاقمها وسنعرض لشيء من أخطائهم في المباحث القادمة - إن شاء الله -.\n_________\n(١) وقفة مع الجن للدكتور / محمد أحمد إسماعيل المقدم محاضرة مسجلة على (٤) أشرطة تسجيلات دار بلال الأسكندرية.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>الفصل الثالث\nالرقية الشرعية</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nأولًا: تعريف الرقية الشرعية.\nثانيًا: حكم الرقية وشروطها.\nثالثًا: أقسام الرقى.\nرابعًا: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض.\nخامسًا: بدع وأخطاء المعالجين.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>أولًا: تعريف الرقية الشرعية:</span>\n(الرقية: العوذة، معروفة، قال رؤبة:\nفما تركا من عوذة يعرفانها ... ولا رقية إلا بها رقياني (١)\n\nوالعوذة والمعاذات والتعويذ: الرقية ما يُرْقَى به الإنسان من فزع أو جنون، لأنه يُعَاذ بها وقد عوَّذه، يقال: عوذت فلانًا بالله، وبأسمائه، وبالمعوذتين، إذا قلت: أعيذك بالله، وبأسمائه من كل ذي شر) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>ثانيًا: حكم الرقية وشروطها:</span>\nالرقية مشروعة، وجائزة، دل على ذلك أحاديث كثيرة منها:\n١ - عن أم سلمة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (٣) فقال: \" استرقوا لها فإن بها النظرة \" (٤).\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور (١٣/ ٣٣٢) طبعة دار صادر بيروت.\n(٢) المرجع السابق (٣/ ٤٩٩) نقلًا عن الرقي على ضوء الكتاب والسنة. د. علي العلياني ص (٧).\n(٣) السفعة: سواد في الوجه، وقيل لون يخالف لون الوجه. الفتح (١٠/ ٢١٢).\n(٤) رواه البخاري (٥٧٣٩) والمراد بالنظرة: أنها أصيبت بالعين سواء من الجن أو الإنس، الفتح (١٠/ ٢١٣).","vol":"1","page":317},{"text":"٢ - عن عائشة - ﵂ - قالت: (كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده). (١)\n\nقال العلامة الألباني - ﵀ -: عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: \" عالجيها بكتاب الله \" (٢).\n(وفي الحديث مشروعية الترقية بكتاب الله تعالى، ونحوه مما ثبت عن النبي - ﷺ - من الرقي ... وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع، لاسيما ما كان منها مكتوبًا بالحروف المقطعة، والرموز المغلقة، التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعًا كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ (شمس المعارف الكبرى) ونحوه). (٣)\n\nشروط الرقية الجائزة:\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:\n(وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:\n١ - أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.\n٢ - وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.\n٣ - وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.\nواختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا:\n_________\n(١) رواه مسلم (٢١٩٩).\n(٢) (إسناده صحيح) ابن حبان (١٤١١٩)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٣١).\n(٣) السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٦٦).","vol":"1","page":318},{"text":"يا رسول الله كيف ترى ذلك؟ قال: \" اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك \" وله من حديث جابر نهى رسول الله - ﷺ - عن الرقى، فجاء آل عمرو ابن حزم فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فَعَرضُوا عليه فقال: \" ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه \") (١).\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(وفي الحديث استحباب رقية المسلم بما لا بأس به من الرقى وذلك ما كان معناه مفهومًا مشروعًا، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز. قال المناوي: وقد تمسك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطًا). (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>ثالثًا: أقسام الرقى:</span>\nتنقسم الرقى إلى قسمين بهذه الاعتبارات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>أولًا: باعتبار الراقي</span>.\nثانيًا: باعتبار الزمن.\nويتضح هذا التقسيم من خلال العرض الآتي:\nأولًا: باعتبار الراقي وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - أن يرقي الإنسان نفسه، وتعتبر هذه من أفضل المنازل، وأقربها للقبول، وذلك لأن المريض هو المضطر والله ﷾ يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ\n_________\n(١) فتح الباري (١٠/ ٢٠٦).\n(٢) السلسلة الصحيحة للألباني (١/ ٨٤٤). الطبعة الجديدة مكتبة المعارف.","vol":"1","page":319},{"text":"إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) سورة النمل. والرقية كالدعاء تمامًا، لكنها دعاء خاص بطلب الشفاء، فالأولى أن يدعو الإنسان لنفسه، وأن يرقي نفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) سورة البقرة. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٦٠) سورة غافر.\nوفي رقية الإنسان لنفسه فوائد منها:\n١ - كمال الإتباع للنبي - ﷺ - فقد كان إذا اشتكى هو أو أحد من أهل بيته نفث عليه بالمعوذات.\n٢ - أكمل للتوكل وتعلق القلب بالله.\n٣ - أقرب إلى إجابة الدعاء لأن العبد الداعي هو المضطر.\n٤ - أدعى للسلامة من الانخداع ببعض الدجالين.\n٥ - أحفظ للنساء وأدعى لصيانتهن من التعرض للرجال الأجانب. (١)\n٦ - رجاء أن يكون الشخص من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب.\n\n٢ - أن يرقي الإنسان غيره:\nوذلك أن يرى الإنسان شخصًا تظهر عليه علامات المرض، فيرقيه من قبل نفسه، بدون أن يطلب المريض منه ذلك لقوله - ﷺ -: \" مَنْ استطاع منكم أن\n_________\n(١) رسالة السحر والعين والرقية منها لفهد بن سليمان القاضي ص (١٣، ١٤).","vol":"1","page":320},{"text":"ينفع أخاه فليفعل \". (١)\nومثلما فعل جبريل ﵇ مع النبي - ﷺ - حينما اشتكى فرقاه جبريل من غير طلب من الرسول - عليه الصلاة السلام - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن جبريل أتى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! اشتكيت. قال: \" نعم \". قال بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك. (٢).\nولقد رخص النبي - ﷺ - لأهل المريض أن يطلبوا الرقية له، عن عائشة - ﵂ - قالت: أمرني النبي - ﷺ - أو أمر - أن يسترقي من العين. (٣)\nوقال أيضًا: لما رأى في بيت أم سلمة جارية في وجهها سفعة: \" استرقوا لها فإن بها النظرة \" (٤).\nقال العلامة الألباني في بيان معنى \" استرقوا \": (أي أطلبوا الرقية لها لا لكم). (٥)\n\n٣ - أن يطلب المريض من غيره أن يرقيه:\nلقد مدح النبي - ﷺ - مَنْ لا يطلب الرقية من غيره، لكمال توكله على الله - ﷿ - فقال في وصف السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: \"أنهم لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون \" (٦) والإسترقاء هو\n_________\n(١) مسلم (٢١٩٩).\n(٢) رواه مسلم ح (٢١٨٦).\n(٣) رواه البخاري (٥٧٣٨).\n(٤) رواه البخاري (٥٧٣٩).\n(٥) كيف يعالج المصروع محاضره للألباني. تسجيلات القدس. جدة.\n(٦) متفق عليه،. رواه البخاري (٥٧٣٩). ومسلم (٢١٩٧).ولفظة (لا يرقون) شاذة. راجع السلسلة الصحيحة للألباني ح (٢٤٤). رواه البخاري (٥٧٣٩). ومسلم (٢١٩٧).","vol":"1","page":321},{"text":"طلب الرقية من الغير، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن. (١)\nعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: \" مَنْ اكتوى أو استرقى؛ فقد برئ من التوكل \" (٢).\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(وفيه كراهة الأكتواء والإسترقاء: أما الأول؛ فلما فيه من التعذيب بالنار، وأما الآخر؛ فلما فيه من الاحتياج إلى الغير فيما الفائدة فيه مظنونة غير راجحة، ولذلك كان من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. كما ثبت في حديث ابن عباس - ﵁ - عند الشيخين) (٣)\nوقال أيضًا: (قال أهل العلم: لأن طلبك الرقية من غيرك علاج غير ناجح غالبًا، أو قد ينجح، إذن في هذه الحالة يحسن بالمسلم أن يتوكل على الله، ولذلك أنهى الحديث بقوله: \" وعلى ربهم يتوكلون \") (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>ثانيًا: أقسام الرقي باعتبار الزمن:</span>\nتنقسم الرقي باعتبار الزمن إلى قسمين:\nأ - رقية لدفع البلاء قبل وقوعه، ومن أدلتها:\n١ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: كان النبي - ﷺ - يُعَوِّذُ الحسن\n_________\n(١) فتح المجيد ص (٨٤) طبعة مؤسسة قرطبة.\n(٢) (صحيح) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه وابن ماجة والحاكم. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٤٤).\n(٣) السلسلة الصحيحة (١/ ٤٩٠).\n(٤) كيف يعالج المصروع.","vol":"1","page":322},{"text":"والحسين، ويقول: \" إن أباكما يُعَوِّذُ بها إسماعيل وإسحق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة \" (١).\n٢ - عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" مَنْ قال في أول يومه أو في أول ليلته بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضره شيء في ذلك اليوم أو في تلك الليلة \" (٢).\nب - رقية لدفع البلاء بعد وقوعه ومن أدلتها:\n١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي. (٣)\n٢ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي - ﵁ - أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - \" ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>رابعًا: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>١ - الرقي من القرآن الكريم:</span>\n١ - القرآن كله شفاء لقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٨٢) سورة الإسراء.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٣٧١).\n(٢) (صحيح) رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (٣١٢٠).\n(٣) رواه مسلم (٢١٩٢).\n(٤) رواه مسلم (٢٢٠٢).","vol":"1","page":323},{"text":"٢ - سورة الفاتحة.\n٣ - سورة الإخلاص.\n٤ - المعوذتان.\n٥ - آية الكرسي.\nومن الأدلة على ذلك:\nقال البخاري - ﵀ -: باب الرقى بالقرآن الكريم والمعوذات:\nوذكر حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂ -: (أن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه - في المرض الذي مات فيه - بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركتها) (١).\nوعن ابن عابس قال: قال النبي - ﷺ -: \" يا ابن عابس ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ \" قلت: بلى يا رسول الله، قال:\" قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) \". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>٢ - الرقى النبوية:</span>\n١ - عن عبد العزيز قال: (دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا حمزة اشتكيت. فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله - ﷺ -؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس، مذهب الباس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاءً لا يغادر سقمًا) (٣).\n٢ - عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - كان يقول للمريض: \" بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا \" (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٥٧٣٥).\n(٢) (صحيح) رواه أحمد والنسائي. وصححه الألباني في السلة الصحيحة ح (١١٠٤٤). طبعة المكتب الإسلامي.\n(٣) صحيح البخاري (٥٧٤٢).\n(٤) صحيح البخاري (٥٧٤٥).","vol":"1","page":324},{"text":"٣ - عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم. فقال له رسول الله - ﷺ -: \"ضع يدك على الذي تألم من جسدك. وقل: بسم الله، ثلاثًا. وقل: سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر \". (١)\n٤ - عن محمد بن المنكدر قال: (جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فشكا إليه أهاويل يراها في المنام. فقال: \" إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابة، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون \" (٢).\n٥ - عن أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! اشتكيت؟ فقال: \" نعم \" قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك. من شر كل نفسِ أو عين حاسد الله يشفيك. باسم الله أرقيك. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>خامسًا: بدع وأخطاء المعالجين:</span>\n(دخل أمر العلاج بعض الشباب الذين لم تستو سوقهم في الاستقامة، ولم ينضج علمهم في الفقه، وأخذوا يعالجون بالقرآن بزعمهم متشبهين بأحمد بن حنبل وابن تيمية - رحمهما الله - وهم لم يتموا حفظ القرآن بعد، بل وقد لا يعرفون نواقض الوضوء، أو أركان الصلاة أو شروط صحتها فضلًا عن غيرها من أمور دينهم، فغاية أمر أحدهم أنه حفظ الرقية أو قرأ كتابًا أو كتابين ثم بدأ يعالج، فإذا\n_________\n(١) صحيح مسلم (٢٢٠٢).\n(٢) (صحيح) السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني - ﵀ - ح (١١٠٤٤) طبعة المكتب الإسلامي.\n(٣) صحيح مسلم (٢١٨٦).","vol":"1","page":325},{"text":"بهم يقعون في المحظورات وهم لا يدرون - لجهلهم - فانتشرت البدع في علاجهم، وكثرت الخرافات، وسبب ذلك أمران:\nالأول: جهل المعالج بأمور الدين.\nالثاني: تصديق الجني في كل ما يخبر به؛ لأنه أحيانًا يقدم الجني نصائح للمعالج فيقول مثلًا: إن حالة كذا اقرأ لها آيات كذا، أو اكتب القرآن بطريقة معينة ثم افعل به كذا وكذا مثلًا، فيأخذ المعالج بنصيحة الجن، مما حدا بكثير منهم أن يقعوا في المحظورات) (١).\nومن هذه المخالفات والمحظورات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>أولًا: الحوار مع الجن وتصديقهم:</span>\nلقد كثر الحوار مع الجن وسؤالهم عن الكثير من الأشياء مثل: اسمه وسنه وديانته وتصديق الناس لذلك؛ مما أدى إلى كثير من المفاسد والمخالفات، متناسين أن الجن ليس مصدرًا لتلقي العلم، لأن الغالب في كثير من الجن الكذب لقوله - ﷺ - لأبي هريرة - ﵁ - \" صدقك وهو كذوب \"، بالإضافة لمخالفته هدي النبي - ﷺ - في مثل هذه الحالات.\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفرادًا قليلين، صالحين فيما مضى، فصاروا اليوم بالمئات، وفيهم بعض النسوة المتبرجات فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية - لا يقوم به إلا الأطباء عادة - إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معًا، فهي - عندي - نوع من الدجل والوساوس يوحي به الشيطان إلى عدوه الإنسان ﴿وَكَذَلِكَ\n_________\n(١) وقاية الإنسان من الجن والشيطان ص (٩) طبعة. مكتبة الصحابة - الطبعة العاشرة.","vol":"1","page":326},{"text":"جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (١١٢) سورة الأنعام. وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في الجاهلية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٦) سورة الجن. فمن استعان بهم على فك السحر - زعموا - أو معرفة هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى؟ مسلم أو كافر؟ وصدقه المستعين به ثم صدقه الحاضرون عنده، فقد شملهم جميعًا وعيد قوله - ﷺ - \" مَنْ أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد \" وفي حديث آخر \" لم تُقْبَلْ له صلاة أربعين ليلة\" رواه مسلم وغيره وهو مخرج في غاية المرام رقم (٢٨٤) والحديث الذي قبله صحيح انظر الإرواء (٢٠٠٦) فينبغي الانتباه لهذا، فقد علمت أن كثيرًا ممن ابتلوا بهذه المهنة هم من الغافلين عن هذه الحقيقة، فأنصحهم - إن استمروا في مهنتهم - أن لا يزيدوا في مخاطبتهم على قول النبي - ﷺ -:\" اخرج عدو الله \" مذكرًا لهم بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) سورة النور.\nوالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١).\nوقد ترتب على هذه الحوارات مع الجان الكثير من المفاسد منها:\n١ - الفتنة والوقيعة بين الناس، عندما يزعم الجن أن فلانًا هو الذي صنع السحر وذلك أمام الحاضرين مما يؤدي إلى إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين، فكم من أرحام قُطِّعَتْ، وبيوت خُرِّبت، وأُسَر هُدِّمت، بسبب ذلك، وإلى الله المشتكى.\n_________\n(١) السلسلة الصحيحة للألباني (٦/ ١٠٠٩ - ١٠١٠) طبعة مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":327},{"text":"٢ - تمكين الجني المتلبس ببدن الإنسي بالبقاء أطول مدة ممكنة لترك قراءة القرآن والأذكار النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>ثانيًا: الاستعانة بالجن في العلاج:</span>\nقال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله -:\n(الاستعانة بالجن سواءً أكانوا مسلمين أم غير مسلمين وسيلةً من وسائل الشرك، والاستعانة معناها: طلب الإعانة؛ ولهذا فمن المتقرر عند أهل العلم أنه لايجوز طلب الإعانة من مسلمي الجن؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يطلبوا ذلك منهم، وهم أولى أن تخدمهم الجن، وأن تعينهم.\nوأصل الاستعانة بالجن: من أسباب إغراء الإنسي بالتوسل إلى الجني، وبرفعة مقامه، وبالاستمتاع به، وقد قال - جل وعلا -: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (١٢٨) سورة الأنعام. فحصل الاستمتاع - كما قال المفسرون - من الجني بالإنسي: بأن الإنسي يتقرب إليه، ويخضع له، ويذل، ويكون في حاجته، ويحصل الاستمتاع من الإنسي بالجني بأن يخدمه الجني، وقد يكون مع ذلك الاستمتاع ذبحٌ من الإنسي للجني، وتقربٌ بأنواع العبادات، أو بالكفر بالله - جل وعلا - والعياذ بالله، بإهانة المصحف، أوبامتهانه أو نحو ذلك؛ ولهذا نقول إن تلك الاستعانة بجميع أنواعها لا تجوز، فمنها ماهو شرك - كالاستعانة بشياطين الجن - يعني: الكفار - ومنها ماهو وسيلةٌ إلى الشرك، كالاستعانة بمسلمي الجن.\nوبعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الجن قد تخدم","vol":"1","page":328},{"text":"الإنسي. وهذا المقام فيه نظر وتفصيل؛ ذلك أنه - ﵀ - ذكر في آخركتاب النبوات: أن أولياء الله لا يستخدمون الجن إلا بما فعله معهم رسول الله ﷺ بأن أمرهم، ونهاهم، أي: بالأوامر، والنواهي الشرعية، أما طلب خدمتهم وطلب إعانتهم: فإنه ليس من سجايا أولياء الله، ولا من أفعالهم قال: مع أنه قد تنفع الجن الإنس، وقد تقدم له بعض الخدمة ونحو ذلك، وهذا صحيح من حيث الواقع.\nفالحاصل أن المقام فيه تفصيل: فإذا كان الاستخدام بطلب الخدمة من الجني المسلم، فهذا وسيلة إلى الشرك، ولا يجوز أن يعالج عند أحد يعرف منه أنه يستخدم الجن المسلمين. وإذا كانت الجن تخدم بعض الناس بدون طلبه، فإن هذا قد يحصل، لكن لم يكن هذا من خلق أولياء الله، ولا مماسخره الله - جل وعلا - لخاصة عباده، فلا يسلم من هذا حاله من نوع خلل جعلت الجن تكثر من خدمته، وإخباره بالأمور، ونحو ذلك.\nفالحاصل: أن هذه الخدمة إذا كانت بطلب منه، فإنها لاتجوز، وهي نوع من أنواع المحرمات؛ لأنها نوع استمتاع، وإذا كانت بغير طلبٍ منه فينبغي له أن يستعيذ بالله من الشياطين ويستعيذ بالله من شر مردة الجن؛ لأنه قد يؤدي قبول خبرهم، واعتماده، إلى حصول الأنس بهم، وقد يقوده ذلك الاستخدام إلى التوسل بهم والتوجه إليهم - والعياذ بالله - فإذا تبين ذلك: فإن خبر الجن عند أهل العلم ضعيف، لايجوز الاحتجاج به عند أهل الحديث، وذكر ذلك أيضًا الفقهاء. وهذا صحيح؛ لأن البناء على الخبر وقبوله: هو فرعٌ عن تعديل المخبر، والجني غائب، وعدالته غير معروفة، وغير معلومة عند السامع، فإذا بنى الخبر عمَّن جاءه به من الجن وهو لم يرهم، ولم يتحقق عدالتهم إلا بما سمع من خطابهم","vol":"1","page":329},{"text":"- وهي لا تكفي - فإنه يكون قد قبل خبر من يحتمل أنه فاسق؛ ولهذا قال الله - جل وعلا -: ﴿ياأيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبإٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٦) سورة الحجرات. والذين يقبلون إخبار الجن، وإعلام الجن لهم ببعض الحوادث، تحصل منهم مفاسد متنوعة كثيرة ....\nفهذه المسألة يجب على طلاب العلم أن يسعوا في إنكارها وبذل الجهد في إقامة الحجة على من يستخدم الجن، ويتذرع بأن بعض العلماء أباح ذلك، والواقع أن هذا العمل وسيلة من وسائل الشرك بالله - جل وعلا - واقرؤوا أول كتاب «تاريخ نجد» لابن بشر، حيث قال إن سبب دخول الشرك إلى قرى نجد أنه كان بعض البادية إذا أتى وقت الحصاد أو أتى وقت خرف النخيل، فإنهم يقطنون بجانب تلك القرى ومعهم بعض الأدوية والأعشاب فإذا كانوا كذلك فربما سألهم بعض جهلة تلك القرى حتى حببوا إليهم بعض تلك الأفعال المحرمة من جراء سؤالهم وحببوا إليهم بعض الشركيات أوبعض البدع حتى فشا ذلك بينهم فبسب هؤلاء المتطببين الجهلة، والقراء المشعوذين انتشر الشرك - قديمًا - في الديار النجدية وما حولها، كما ذكر ابن غنَّام. وقد حصل أن بعض مستخدمي الجن، كثر عنده الناس، فلما رأى من ذلك، صار يعالج علاجًا نافعًا، فزاد تسخر الجن له، حتى ضعف تأثيره، فلما ضعف تأثيره ولم يستطع مع الحالات التي تأتيه للقراءة أوللعلاج شيئًا: صار تعلقه بالجن أكثر، ولا زال ينحدر مافي قلبه من قوة اليقين، وعدم الاعتماد بقلبه على الجن، حتى اعتمد عليهم شيئًا فشيئًا، ثم حرفوه - والعياذ بالله - عن السنة، وعما يجب أن يكون في القلب من توحيد الله، وإعظامه، وعدم استخدام الجن في","vol":"1","page":330},{"text":"الأغراض الشركية، فجعلوه يستخدم الجن في أغراض شركية وأغراض لاتجوز بالاتفاق). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>ثالثًا: استرضاء الجن والذبح له:</span>\nوفي هذه الطريقة يقوم المعالج باسترضاء الجني الصارع، فيلبي له جميع طلباته، فأحيانًا يطلب منه ذبح حيوان أو لبس ذهب أو شرب دخان أو غيرها من الأمور المحرمة. وسبب حرمة هذه الطريقة - والله أعلم - عدة أمور:\n١ - أن الذبح للجن شرك بالله، قال رسول الله - ﷺ -: \" لعن الله مَنْ ذبح لغير الله \" (٢) والتداوي بالشرك والكفر لا خلاف بين العلماء في تحريمه، ولا يجوز التداوي به باتفاق.\n٢ - لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حيث يطيع الجنيَّ ويلبس الذهب - إن كان رجلًا - أو يشرب الدخان، وهي من الأمور المحرمة شرعًا.\n٣ - تلبية هذه الرغبات تزيد الجني طغيانًا وكفرًا وعتوًا وتمردًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٦) سورة الجن (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>رابعًا: الاعتماد على التجربة:</span>\nوَسَّع المعالجون الباب في علاج الصرع الجني، ويستخدمون طرقًا تختلف من شخص لآخر، بزعم أنها مجربة، ونافعة أيضًا، ولذلك كثيرًا ما تسمع عن هذه\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد صـ (٦١٥ - ٦١٩). للشيخ / صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ط دار التوحيد، الطبعة الأولى.\n(٢) رواه مسلم (١٩٧٨) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -.\n(٣) انظر عالم الجن والشياطين لعمر سليمان الأشقر ص (١٤٣ - ١٤٤) وقاية الإنسان ص (١٠٧).","vol":"1","page":331},{"text":"الوسائل المجربة:\n١ - القراءة على الماء والوضوء منه، والاغتسال به، والتوسع في ذلك.\n٢ - الدهن بالزيت في مواضع معينة.\n٣ - استعمال البخور والخرز وتعليقه.\n٤ - إخافة الجني وإيذائه وسجنه وحرقه وقتله!! فتارة يستعملون الضرب والخنق، وتارة يحرقون بدن المصروع في أجزاء معينة، وإظلام المكان ..، وبعضهم يدخلون المريض على بعض الحيوانات كالذئب مثلًا لإخافة الجني - زعموا - وغيرها كثير.\n٥ - القراءة على الجماعات من الناس في وقت واحد لكسب الوقت، وذلك باستخدام مكبرات الصوت في المساجد، مع التركيز على آيات معينة ومحدودة بزعم أنها آيات الرقية.\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(ليس كل تجربة نافعة يدل على شرعية هذه الوسيلة وإلا فتح لنا هذا بابًا واسعًا من الدجل والبدعة والخرافة، بل من الشرك أحيانًا.\nالذين يتوسلون بالأنبياء والأولياء الصالحين، ويتضرعون عند قبورهم ويطلبون منهم قضاء حوائجهم يقولون جربنا مرارًا وتكرارًا حتى إنه سُطِّر في الكتب قبر (معروف) الترياق المجرب، وهذا هو المسجل تاريخيًا، والمعروف عند الناس عمليًا. (١) ... أنا أقول نجاح التجربة لا يكفي في الدلالة على شرعيتها، لابد\n_________\n(١) مثل ما كتبه الشيخ / محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - في (الكلمات النافعة في شأن الحيوان يحبس فيه البول، أو الغائط، فيطاف به قبور المشركين فيبرأ، ولا يصلح ذلك دليلًا على صلاح صاحب القبر، إنما يفسره أهل العلم بأنهم يعذبون في قبورهم، فيسمع الحيوان صراخًا إذا اقترب من القبر فيرتاع لذلك، فتهتز أمعاؤه وأحشاؤه، فتطرد ما فيها، فيبرأ، لا دليل في ذلك على صلاح، بل هو دليل كفر وشرك وفساد) مجلة التوحيد ص (١٩).","vol":"1","page":332},{"text":"أن يكون هناك دليل يؤيد الشرعية، وإلا فلا.\nقال سائل: التوسل عبادة محضة تحتاج إلى دليل، أما التداوي الأصل فيه المشروعية والجواز، والأصل فيه عدم التقيد، فما جوابكم على هذا التفريق؟\nقال العلامة الألباني: (هذا الكلام أراه صحيحًا لو كان الأمر متعلقًا بمعالجة أمور لا تتعلق بالغيب، لا تتعلق بما يقال اليوم بما وراء المادة، والجن من هذا القبيل، فلا أرى هذا من هذا حتى نقول بالموافقة). (١)\nقال الشيخ محمد صفوت نور الدين - ﵀ -:\n(ما يفعله كثير من الناس من ضرب أو خنق أو كي، وإسراف في استخدام ذلك، يخرجون بذلك عن الشرع الذي جاء، ويستدلون بما لا يصلح لذلك دليلًا، كقول منسوب للإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - أو شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وهم يعلمون أن الضرب، أو الخنق ليس المؤثر، إنما المؤثر هو ذكر الله - ﷾ - والدعاء، فما لهم ينتقلون من الأعلى إلى الأدنى، وينتقلون مما يعلم بالشرع نفعه إلى ما يخشى وقوع ضره، فيتأثر المريض بذلك الضرب والخنق، ولو كان الضرب هو المؤثر لكان النبي - ﷺ - يأمر مَنْ يجلد المصروع لا مَنْ يرقيه) (٢).\n_________\n(١) كيف يعالج المصروع للألباني.\n(٢) مجلة التوحيد ص (٢٠ - ٢١) العدد (٨) السنة (٢٤).","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>خامسًا: التفرغ للرقية:</span>\n(لقد تفرغ كثير من المعالجين للرقية، وقصروا أوقاتهم على القراءة على المرضى، ووسعوا دورهم واستعدوا للزائرين، ورتبوا لهم مواعيد كما تفعل المستشفيات المتخصصة تمامًا، واتخذوا هذا العمل حرفة لهم، وذلك لكثرة ما يدره عليهم من دخل مادي كبير. وهذه الصورة يترتب عليها مفاسد كثيرة منها:\n١ - يظن الناس أن لهذا القارئ بعينه خصوصية، بدليل كثرة زحام الناس عليه، وتطغى حينئذ أهمية القارئ على أهمية المقروء وهو كلام الله، وكل ذريعة تضعف ثقة الناس بالقرآن ينبغي أن تسد ولا تفتح.\n٢ - قد يتوهم القارئ نفسه أن الشياطين تخاف منه، وتخرج من المصروعين فيظن أنه من الأولياء الأبرار ويصيبه العجب والكبر ونحو ذلك.\n٣ - لقد اشتهر كثير من الصحابة بإجابة الدعاء كسعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وبعض التابعين كأويس القرني - ﵀ - ومع هذا لم يؤثر أن المسلمين تزاحموا على أبوابهم أفواجًا إثر أفواج لطلب الدعاء مع حاجة المسلمين إلى إجابة دعائهم في صلاح دينهم ودنياهم.\n٤ - إن المتفرغ للرقية على الناس فيه مشابهة بالذي يتفرغ للدعاء للناس، فالرقية والدعاء من جنس واحد، فهل يليق بطالب علم أن يقول للناس تعالوا إليّ ادع لكم!! فضلًا عن تعطيلها سنة رقية المريض لنفسه، وطلبه الشفاء من الله). (١)\n_________\n(١) راجع كتاب الرقى على ضوء الكتاب والسنة ص (٧٥ - ٨٩) فإنه قد أفاض وأجاد طبعة دار الوطن.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>سادسًا: التوسع في أخذ الأجر على الرقية:</span>\nتوسع القائمون على العلاج في أخذ الأجر على الرقية، مما أدى إلى ظهور صور مرفوضة:\n١ - المطالبة بمبالغ كبيرة أحيانًا.\n٢ - يرفض أن يرقي إلا بعد أن يدفع أهل المريض الأجر.\n٣ - التعمد في تكرار الجلسات، وإطالتها، حتى يأخذ أجرًا عن كل جلسة.\n٤ - ادعاء بعضهم أنه لا يأخذ أجرًا، ولكنه في المقابل يبيع للمريض الماء المقروء عليه المخلوط ببعض الأعشاب!! بمبالغ طائلة، كل هذه الأمور على الرغم من عدم تحقق الشفاء في غالب الحالات، مما أدى إلى ظهور المعالجين بصورة سيئة، وأنهم (ماديون) أو (انتهازيون).\nويستدل أصحاب هذا الرأي بما ورد في السنة الصحيحة مثل حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عم خارجة بن الصلت، وغيرهما مما يفيد جواز أخذ الأجرة على الرقية، ولكن الناظر إلى هذه الأحاديث يجد أن الصحابة لم يأخذوا أجرًا على الرقية إلا بعد تحقق الشفاء التام ففي حديث أبي سعيد: (فقرأ عليه أم الكتاب، حتى برأ كأنما نُشِّطَ من عقال، قال: فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه) (١)، وفي الحديث الآخر: (فرقيته بفاتحة الكتاب، فبرأ، فأعطوني مئة شاة) (٢)\nولذلك نرى - والله أعلم - أن يقيد الأجر على الرقية بتحقق الشفاء التام.\n_________\n(١) (متفق عليه) البخاري (٢٢٧٦)، مسلم (٢٢٠١)، انظر شرح الحديث في فتح الباري (٤/ ٥٢٩) طبعة الريان.\n(٢) (حديث صحيح) رواه أبوداود (٣٨٩٦، ٣٩٠١) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٩٠١).","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>سابعًا: علاج النساء:</span>\nقال رسول الله - ﷺ -: \" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء \" (١) لقد استطاع الشيطان عن طريق النساء أن يوقع المعالجين في الكثير من المخالفات الشرعية بحجة أنهم معالجون كالأطباء - زعموا! - أنهم مضطرون لذلك! ومن هذه المخالفات ما يلي:\n١ - النظر للنساء أثناء العلاج ليعرف نوع الجن - بزعمه - أو ما يسمى (بالكشف بالنظر) (٢).\n٢ - وضع يده على جسم المريضة، وأحيانًا يقوم بدهن بعض جسمها بالزيت!.\n٣ - القراءة على المريضة بدون وجود محرم معها؛ مما أدى إلى الخلوة المحرمة.\n٤ - كشف العورات، وانتهاك الأعراض والحرمات.\nوذلك كله بسبب جهلهم أن (الاضطرار إنما يقع في الأسباب المادية، فقد يضطر الطبيب فيجرح المريض، أو يستأصل منه عضوًا، أو يشق له جلدًا، أو يصف له الدواء المر، أو يكشف له عورة، أو يلمس له موضعًا لا يحل له لمسه، أو ينظر إلى امرأة لا تحل له؛ لأنه لا سبيل لتشخيص المرض، أو وصف الدواء، أو العلاج إلا بذلك، فهو مضطر، فيرتكب الضرر الأدنى دفعًا للضرر الأكبر، أما الأسباب\n_________\n(١) (متفق عليه) البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠).\n(٢) زعم صاحب المنهج القرآني ص (٥١ - ٥٥) أن طريقة الكشف بالنظر فريدة في بابها!! وأنها من فضل الله عليه!! وجاءت بنتائج عجيبة!! وأثناء علاجه لامرأة أمرهاأن تنظر إليه بعينيها ... وأخذ ينظر إليها.!!.","vol":"1","page":336},{"text":"الشرعية: فهي دعاء لله، وطلب منه سبحانه، وذلك لا يسبب اضطرارًا، فلا تجوز فيه معصية - وإن صغرت -، بل يحرص فيه على الطاعة التي تعين على رفع الدعاء، فلا تجوز خلوة بغير محرم، ولا نظر إليها، ولا لمس لها، ولا غير ذلك من المخالفات\nالشرعية). (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>ثامنًا: الابتداع في الأذكار:</span>\n(كثير من كتب العلاج بالقرآن قيدت الأذكار التي أطلقها الشرع بعدد محدود، أو أطلقت المقيد من هذه الأذكار، فنجد في بعض هذه الكتب أن الذكر أو الآية مثلًا تقال (٢٠) مرة أو (١٠٠) مرة (٢). ولم يثبت ذلك في نصوص الشريعة، وقد يحد المؤلف حدًا من عنده كما في كتاب: (إثبات علاج جميع الأمراض بالقرآن الكريم) فبعد ما ذكر المؤلف آيات الشفاء في القرآن قال: تكتب في طبق صيني أبيض بدون نقوش بالزعفران وماء ورد ثم تمحى بماء ويسقى للمريض فإنه يشفى في وقته بإذن الله تعالى!!.ولا ندري من أين أتى بهذه التقيدات؛ فكتابة الآيات على مثل هذا النحو مختلف فيه بين العلماء، ومن قال بجواز ذلك، فما هو دليله على أن الطبق لابد وأن يكون من الصيني الأبيض غير المنقوش؟!. ماذا لو تأخر الشفاء، ولم يشف المريض في وقته؟. هذا مثل من أمثلة عديدة لو نقلناها من مصادرها لطال بنا الحديث، ثم بعض هذه الكتب، وبعض من يعالج أيضًا يذكر آيات وسور تقرأ بعدد معين محدد لأمراض معينة مثل: السرطان والروماتيزم\n_________\n(١) حول الجن وتلبيسه مقال لفضيلة الشيخ محمد صفوت نور الدين - حفظه الله - مجلة التوحيد\nص (٢٠) العدد (٨) السنة (٢٤).\n(٢) انظر المنهج القرآني ص (٨٠، ١٠٠، ١٠١، ١٢٧، ١٢٨، ...).","vol":"1","page":337},{"text":"والأمراض الجلدية وأمراض الصدر (١) فمن أين أتى بهذا التحديد. هل قرأ هذا التوصيف في كتاب الله أو سنة رسول الله - ﷺ -؟) (٢).\nوأخيرًا: هذه صيحة تحذير وصرخة نذير للمعالجين بالقرآن أن يتقوا الله - ﷾ - في السر والعلن وأن يتقيدوا بما جاء في القرآن والسنة الصحيحة وألا يستخفنهم الشيطان فيلقي بهم في مهاوي الضلالة والبدعة والشرك. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) سورة النور.\n_________\n(١) مثل كتاب دليل المعالجين بالقرآن الكريم الرياض محمد سماحة - سامحه الله -، فكن على حذر منه.\n(٢) الرقية النافعة للأمراض الشائعة د. سعيد عبد العظيم ص (٢٣ - ٢٤) طبعة دار الإيمان الأسكندرية.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>الفصل الرابع\nصور من هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم</span>\nوفيه خمسة مباحث:\nأولًا: إتيان السحرة والعرافين.\nثانيًا: تعليق التمائم.\nثالثًا: الاستشفاء بالقبور والأضرحة.\nرابعًا: إتيان الكنائس.\nخامسًا: حرز أبي دجانة.","vol":"1","page":339},{"text":"لما هجر الناس كتاب الله - جل وعلا - في باب التداوي والاستشفاء ضلوا ضلالًا بعيدًا، ولجأوا إلى غير الله رب العالمين يلتمسون منهم الشفاء والدواء لأمراضهم، فخاب ظنهم، وضل سعيهم في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الصور من هجر التداوي والاستشفاء التي تدل على الجهل وسوء المعتقد نذكرها تحذيرًا لأمة القرآن منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>أولًا: إتيان السحرة والعرافين:</span>\nلجأ كثير من الناس إلى السحرة والعرافين يطلبون منهم الشفاء لأمراضهم، وفك أعمالهم من السحر، وعلاج مصروعهم ...، ومما لا شك فيه أن هذه الطريقة مخالفة لهدي النبي - ﷺ - للأمور الآتية:\n١ - عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ عن النُّشرة؟ فقال: \" هي من عمل الشيطان \" (١).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -:\n(النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه أحمد وأبوداود وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ٧٣٣).","vol":"1","page":341},{"text":"أحدهما: قيل بسحر مثله، هو الذي من عمل الشيطان. وعليه يحمل قول الحسن (لا يحل السحر إلا ساحر). فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله في المسحور.\nوالثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة. فهذا جائز. (١)\n٢ - قال رسول الله - ﷺ -: \" مَنْ أتى عَرَّافًا فسأله عن شيء، لم تُقْبَلْ له صلاة أربعين ليلة \" (٢) وقال أيضًا: \" مَنْ أتى كاهنًا فَصَدِّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنْزَل على محمد - ﷺ - \" (٣).\nلقد ترتب على إتيان العرافين أمران هما:\n١) الكفر بما أنزل على محمد - ﷺ - وهما الكتاب والسنة.\n٢) لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة.\n٣ - قال تعالى: ﴿... وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ...﴾ (١٠٢) سورة البقرة.\nوقال أيضًا: ﴿... وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٦٩) سورة طه. فبين الله تعالى أن طريق السحرة إلى الضلال والإفساد والضر وعدم الفلاح.\n٤ - ورد عن الصحابة - ﵃ - بيان حكم الساحر في الشريعة الإسلامية، وهو القتل، فلو كان للساحر منفعة، لم يأمر بقتله.\nعن جندب بن كعب - ﵁ - قال: (حد الساحر: ضربه بالسيف) (٤).\n_________\n(١) فتح المجيد ص (٣٩٧) طبعة مؤسسة قرطبة.\n(٢) رواه مسلم (٢٢٣٠).\n(٣) (حديث صحيح) رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في الإرواء (٢٠٠٦).\n(٤) (ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا) رواه الترمذي (١٤٦٠) وقال: (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، إسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، والصحيح عن جندب موقوفًا)، راجع ضعيف الترمذي للألباني (٢٤٤)، والسلسلة الضعيفة (١٤٤٦).","vol":"1","page":342},{"text":"عن بجالة بن عبده قال: (كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة). (١)\n\nعلامات يعرف بها الساحر:\n(إذا وجدت علامة واحدة من هذه العلامات في أحد المعالجين فهو ساحر بلا أدنى ريب، وهذه العلامات هي:\n١ - يسأل المريض عن اسمه واسم أمه.\n٢ - يأخذ أثرًا من آثار المريض (ثوب - قلنسوة - منديل - فانيلة ...) وما يعرف (بالثمل).\n٣ - أحيانًا يطلب حيوانًا بصفات معينة ليذبحه ولا يذكر اسم الله عليه وربما لطخ بدمه أماكن الألم من المريض، أو يرمي به في مكان خرب.\n٤ - كتابة الطلاسم، وتلاوة العزائم غير المفهومة.\n٥ - إعطاء المريض (حجابًا) يحتوي على مربعات بداخلها حروف أو أرقام.\n٦ - يأمر المريض أن يعتزل الناس مدة معينة في غرفة لا تدخلها الشمس ويسميها العامة (الحجبة).\n٧ - أحيانًا يطلب من المريض ألا يمس ماء مدة معينة غالبًا تكون أربعين يومًا، وهذه العلامة تدل على أن الجني الذي يخدم هذا الساحر نصراني.\n٨ - يعطي المريض أشياء يدفنها في الأرض.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣١٥٦).","vol":"1","page":343},{"text":"٩ - يعطي المريض أوراقًا يحرقها ويتبخر بها.\n١٠ - أحيانًا يخبر الساحر المريض باسمه واسم بلدته ومشكلته التي جاء من أجلها.\n١١ - يكتب للمريض حروفًا مقطعة في ورقة (حجاب) أو في طبق من الخزف الأبيض ويأمر المريض بإذابته وشربه.\nفإن علمت أن الرجل ساحر فإياك والذهاب إليه وإلا انطبق عليك قول النبي - ﷺ -: \" مَنْ أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - \") (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>ثانيًا: تعليق التمائم:</span>\nالتمائم: جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام ونحوه، خوفًا من العين، وكانت التمائم منتشرة في الجاهلية فلما جاء الإسلام أبطلها ونهى عنها:\nعن عبد الله بن مسعود - ﷺ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\" إن الرقى والتمائم والتوله شرك \" (٢) وذلك عندما دخل على امرأته فرأى عليها حرزًا من الحمرة، فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، ثم ذكر الحديث.\nعن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله - ﷺ - أقبل إليه رهط، فبايع تسعة،\n_________\n(١) الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار لوحيد بالي ص (٤٦ - ٤٧) طبعة مكتبة التابعين. الطبعة العاشرة.\n(٢) (حديث صحيح) رواه أحمد وأبوداود وابن ماجة وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٩٧٢) وبين أن قصة اختلاف زينب امرأة عبد الله بن مسعود إلى اليهودي كي يرقيها منكرة، راجع السلسلة الصحيحة (٦/ ١١٦٦).","vol":"1","page":344},{"text":"وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله!؛ بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: \" إن عليه تميمة، فأدخل يده، فقطعها، فبايعه وقال: مَنْ علق تميمة؛ فقد أشرك \" (١)\nقال العلامة الألباني - ﵀ -:\n(ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارات يعلقونها على المرآة! وبعضهم يعلق نعلًا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار والدكان؛ كل ذلك لدفع العين - زعموا -، وغير ذلك مما عمّ وطم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بُعِثَتْ الرسل وأُنْزِلَت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى، من جهل المسلمين اليوم، وبعدهم عن الدين) (٢)\nأما إذا كانت التميمة من القرآن، والأدعية النبوية، فقد اختلف العلماء فيها بين الجواز والمنع، والصحيح أن يُمْنَع أن يعلق شيئًا من القرآن لوجوه ثلاثة:\nالأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.\nالثاني: سدُّ الذريعة؛ فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\nالثالث: أنه إذا عُلِّق فلابد أن يمتهنه المُعَلِّق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك. (٣)\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٩٢).\n(٢) السلسلة الصحيحة (١/ ٨٩٠) الطبعة الجديدة.\n(٣) فتح المجيد ص (١٥٦) طبعة مؤسسة قرطبة.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>ثالثًا: الاستشفاء بتربة القبور:</span>\n(ويقع ذلك من الجاهلين على أنواع مثل أخذها، ومسح الجلد بها، أو التمرغ على القبور أو الاغتسال بها مع الماء أو شربها ... إلخ.\nوهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب القبر أنه ينفع ويضر حتى عدوا ذلك إلى تربته التي دفن فيها وبعضهم يعديه إلى التربة التي وضعت عليها جنازته). (١)\nووصل الأمر بهم إلى أن جعلوا لكل قبر خاصية، فهذا القبر لإخراج الجن، والآخر لقضاء الحوائج، وغيره لشفاء الأمراض ... وكذلك الاستشفاء بالأحجار والأشجار والآبار والعيون يطلبون منها الشفاء لأمراضهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>رابعًا: إتيان الكنائس:</span>\n(انتشرت مصيبة كبرى في بعض الدول العربية لاسيما مصر، وهي الذهاب إلى القساوسة في الكنائس لعلاج المس والسحر؛ فيأمرهم القساوسة بلبس الصليب، فيفعلون ذلك ابتغاء الشفاء بزعمهم، ثم يقرءون عليهم ترانيم معينة، ويعطونهم أوراقًا فيها شرك عظيم). (٢)\n(ومن قبيح جهال النساء أنهن يذهبن إلى القسيس بماري جرجس أو بدير العريان بمعصرة حلوان أو غيرهما يطلبن منه حجابًا للنظرة أو حجابًا لوقاية ابنها من الحسد والنكد، وأن هذا البلاء المبين، وإنما كان يكفي هذه الجاهلة المسكينة أن تقرأ المعوذتين أو الفاتحة على ولدها وتستريح من هم وعناء السفر والمصاريف) (٣).\n_________\n(١) مختصر معارج القبول - هشام بن عبد القادر آل عقدة ص (١٤٣ - ١٤٤) الطبعة الثالثة.\n(٢) وقاية الإنسان من الجن والشيطان ص (٧) الطبعة العاشرة.\n(٣) السنن والمبتدعات ص (٢٩٧) طبعة دار الريان.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>خامسًا: حرز أبي دجانة:</span>\nيقول الصحابي الجليل أبودجانة - ﵁ - (شكوت إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله بينما أنا مضطجع في فراشي إذ سمعت في داري صريرًا كصرير الرحى ودويًا كدوي النحل، ولمعًا كلمع البرق فرفعت رأسي فزعًا مرعوبًا، فإذا أنا بظل أسود تدلى، يعلو ويطول في صحن داري، فأهويت إليه، فمسست جلده فإذا جلده كجلد القنفذ، فرمى في وجهي مثل شرر النار، فظننت أنه قد أحرقني وأحرق داري، فقال رسول الله - ﷺ -: \" عامر دارك سوء يا أبا دجانة، ورب الكعبة مثلك يؤذي يا أبا دجانة، ثم قال: \" ائتوني بداوة وقرطاس (ورقة) \" فأتى بهما فناوله علي بن أبي طالب - ﵁ - وقال: \" اكتب أبا الحسن \"، قال: وما أكتب؟ قال: \" اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا كتاب من محمد رسول الله رب العالمين إلى مَنْ طرق الباب من العُمار والزوار .... \" إلخ.\nلقد حكم علماء الحديث وأئمة الإسلام على هذا الحديث بأنه (موضوع).\nقال ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٦٩): (هذا حديث موضوع بلا شك، وإسناده مقطوع (يعني: منقطعًا) وليس في الصحابة من اسمه موسى أصلًا، وأكثر رجاله مجاهيل لا يعرفون).\nوكذا نقله ابن عراق في تنزيه الشريعة (٢/ ٣٢٤، ٣٢٥)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٣٤٨)، والفتنى الهندي في تذكرة الموضوعات (٢١٢).\nوقال الصغاني: حرز أبي دجانة: موضوع.\nوقال الذهبي في السنن (١/ ٢٤٥): (وحرز أبي دجانة شيء لم يصح ما أدري مَنْ وضعه).","vol":"1","page":347},{"text":"وقال البيهقي: وقد رُوي في حرز أبي دجانة حديث طويل، وهو موضوع لا تحل روايته) (١).\nوإنما ذكرنا حرز أبي دجانة للتحذير منه، وبيان درجته، والذي دفعنا إلى ذلك أننا قرأنا في بعض الكتب التي تتناول علاج المس الشيطاني، ويوصي مؤلف هذا الكتاب باستعماله بخاصة بعد نجاح تجربته!!.\nقال: (هذه الرسالة (حرز أبي دجانة) تحتوي على خطاب يوضع خلف باب المنزل الذي يرى فيه بعض التخيلات، وقد أفادت التجربة نجاحها مع قراءتها جهرًا في المكان بعد آية الكرسي ثلاث ليال متوالية؟!!.\nوقال أيضًا (ونوجه ذهن المعالج أن يصف رسالة أبي دجانة مع معظم حالات السحر؟! لأنها مكملة للأذكار!! حتى يتكامل البرنامج العلاجي للمسحور والممسوس!! أو مَنْ يجدون في منازلهم أصواتًا غريبة أو تحركات مريبة!!) (٢).\nويلحق بحرز أبي دجانة ما تشتهر بين الناس بالعهود السليمانية وهي عبارة عن أذكار مخترعة وأوراد غريبة ورسومات وأشكال غير واضحة يزعمون أنها تدفع العين والمس والصرع وأنها عهود أخذها سليمان ﵇ على الجن، فكن - أخي الحبيب - على حذر من هذه الخرافات وابتعد عن الدجل والمشعوذة والجأ إلى كتاب الله فإن فيه الشفاء التام لجميع الأمراض والأسقام إذا توكلت على الملك العلام.\n_________\n(١) راجع مجلة التوحيد ص (٣٧) العدد (٦) السنة (٢٣)، والسنن والمبتدعات ص (٢٩٦).\n(٢) انظر كتاب (المنقذ القرآني لإبطال السحر وعلاج المس الشيطاني!! ص (٧٦ - ٧٧) طبعة دار الفضيلة.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>الباب السادس\nهجر التحاكم بالقرآن الكريم</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: أسباب الحكم بغير ما أنزل الله.\nالفصل الثاني: وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية.\nالفصل الثالث: الحكم بغير ما أنزل الله في الميزان.\nالفصل الرابع: صور من تحكيم الشريعة الإسلامية.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>الفصل الأول\nأسباب الحكم بغير ما أنزل الله</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nأولًا: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.\nثانيًا: انعدام الإيمان وضعفه.\nثالثًا: الجمود الفكري والتعصب المذهبي.\nرابعًا: عقبة أعداء الإسلام.","vol":"1","page":351},{"text":"لقد أخبر النبي - ﷺ - أن أول عروة من الإسلام تنقض هي الحكم بما أنزل الله فقال في حديثه: \" لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروةً أولهن نقضًا الحكم وآخرهن نقضًا الصلاة \" (١).\nولقد وقع ما أخبر به الرسول - ﷺ - من هجر الحكم بالشريعة وحل مكانها في معظم البلاد العربية والإسلامية الحكم بالقوانين الوضعية وأقوال الرجال في الدماء والحقوق والأعراض.\nوالناظر إلى واقع المسلمين يجد أن أسبابًا كثيرة وراء هذه الظاهرة منها (٢):\n١ - الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية.\n٢ - انعدام الإيمان وضعفه.\n٣ - الجمود الفكري والتعصب المذهبي.\n٤ - عقبة أعداء الإسلام.\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك.\n(٢) للمزيد من الفائدة انظر الكتب الآتية:\n\n١ - معوقات تطبيق الشريعة للدكتور / عمر بن سليمان الأشقر.\n٢ - معوقات تطبيق الشريعة للشيخ / مناع القطان.\n٣ - أسباب الحكم بغير ما أنزل الله للدكتور / صالح السدلان.","vol":"1","page":353},{"text":"والآن مع شرح مجمل لهذه الأسباب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>أولًا: الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:</span>\nالذي يطلع على أحوال العالم الإسلامي يجد (أن أكثر المسلمين اليوم يتوارثون الإسلام توارثًا تقليديًا، وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم؛ لهذا فشا الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية لدى الكثير من أبناء الأمة الإسلامية قيادات وشعوبًا، حتى أصبح منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه: فلا يعرف أحكامه وعقائده، ولا أخلاقه وآدابه) (١).\n(وإني لأعتقد أننا لم نترك أحكام الشريعة الإسلامية إلا لجهلنا بها، وقعود علمائنا أو عجزهم عن تعريفنا بها، ولو أن كل مسلم عرف واجبه نحو الشريعة لما تأخر عن القيام به، ولتسابقنا في العمل لخدمة الشريعة، وتطبيق أحكامها) (٢).\nالعوامل التي أدت إلى الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية:\n١ - مناهج الدراسة في معظم البلاد الإسلامية بالتعليم العام شملتها موجة التغريب، فانطمست فيها معالم المواد الدينية ولا تشمل خطتها سوى مادة واحدة لا يزيد نصيبها عن ساعة أو ساعتين في الأسبوع وذلك حتى المرحلة الثانوية أما في الجامعة فلا تكاد تجد لها أثرًا يذكر إلا في بعض التخصصات الشرعية واللغوية على الرغم من تدريس اللغة الأجنبية والحرص على إتقانها.\n_________\n(١) أسباب الحكم بغير ما أنزل الله ونتائجه لفضيلة الشيخ د. صالح بن غانم السدلان، طبعة دار المسلم. ١٤١٥ هـ.\n(٢) الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه لعبد القادر عودة طبعة مؤسسة الرسالة، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.","vol":"1","page":354},{"text":"٢ - تقصير بعض العلماء وطلبة العلم والدعاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ارتكبت المظالم، واستحلت المحارم، وأريقت الدماء، وانتهكت الأعراض، وظهر الفساد في الأرض، ونفذت القوانين الوضعية في بلاد الإسلام، وعطلت الشريعة الإسلامية، وطال هذا الأمر بالمسلمين حتى ظن كثير من المسلمين أن ما نحن فيه من مخالفات هو الإسلام الصحيح.\n٣ - وسائل الإعلام بشتى أشكالها صارت أدوات هدم ووسائل تدمير فهي تعرض ما يفسد الأخلاق وينشر الرذيلة ويخرب العقيدة ويقوض مفهوم الأسرة بنشر الشبهات والشهوات أمام المسلمين (١).\nنماذج من الجهل بأحكام الشريعة:\nوهي نماذج متعددة تشمل العديد من طوائف المجتمع منها:\n١ - ما نراه في كثير من البلاد الإسلامية (٢) حول القبور والأضرحة يطلبون من أصحابها جلب النفع ودفع الضر ويعتقدون أنهم يكشفون الكربات ويدفعون البليات.\n٢ - طالب بالمرحلة الثانوية سئل من الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين؟ فأجاب: أنه علي بن أبي بكر؟! وبمن تزوج؟ قال: تزوج من هاجر ﵍؟!!.\n٣ - جامعي يستغرب اسم سورة الحديد؟! وآخر يقرأ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (ألف لام ميم) ثم يكمل السورة، وآخرون من\n_________\n(١) مقومات تطبيق الشريعة الإسلامية لمناع القطان نشر مكتبة وهبة الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n(٢) يبلغ زوار قبر السيد البدوي بمصر ما يقارب من مليوني مسلم!!.","vol":"1","page":355},{"text":"خريجي الجامعة يُسْأَلون أين الله؟ فيقولون: في كل مكان!.\n٤ - (طلب المحامي من القاضي في إحدى البلاد العربية تطبيق الحكم الشرعي في القضية، فوافق القاضي على ذلك، ولكنه طلب من المحامي أن يملي عليه الحكم الشرعي، ليحكم به، لأنه يجهله، فإذا بالمحامي يجيب أنه الآخر لا يعرف الحكم الشرعي في هذه القضية) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>ثانيًا: انعدام الإيمان وضعفه:</span>\nبَيَّنّ الرسول - ﷺ - مسئولية كل راعٍ عن رعيته وأنه مسئول عنها يوم القيامة أحفظ ذلك أم ضيع؟ فقال:\n\" ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته \" (٢).\nإن تحكيم الشريعة ليس أمرًا يخص الحكام والولاة فحسب كما يظن الكثير، بل هو مسئولية كل مسلم ومسلمة أن يطبق أحكام الإسلام على نفسه أولًا، ثم أهل بيته، ثم يدعو الناس إليها ويحثها على الالتزام بها (٣).\n_________\n(١) سمعتها من فضيلة الشيخ / صفوت الشوادفي - ﵀ - في إحدى محاضراته.\n(٢) متفق عليه.\n(٣) قال العلامة الألباني - ﵀ -: (فعلى المسلمين كافة وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله - ﷺ -، وهو ما نكني عنه بكلمتين خفيفتين: (التصفية والتربية) ... إذن لابد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام كما بدأ الرسول ﵊؛ لكن نحن الآن لا نقتصر على التعليم، لأنه دخل الإسلام ما ليس منه وما لا يمت إليه بصلة، بل دخل عليه ما كان سببًا في تهدم الصرح الإسلامي فلذلك كان من الواجب على الدعاة أن يبدؤوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه والشيء الثاني أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى) مجلة السلفية ص (٤٢) العدد (٦) ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":356},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٦) سورة التحريم.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦) سورة الأحزاب. ولو طبق كل منا تعاليم الإسلام وأحكامه وآدابه لقامت فينا دولة الإسلام يحكمها القرآن والسنة كما قال أحد الدعاة (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم).\n(أما أن لا يتجاوز الإيمان الادِّعاء، أو لا يتجاوز النطق بكلمة الإيمان، فإذا فَتَّشْتَ عن مدلوله في نفس مُدَّعِيهِ، لا تجده شيئًا، فمثل هذا الإيمان لا يُحَرِكُ ساكنًا، ولا يُنْتِجُ أثرًا، ولا يُشْعِرُ صاحبه بحلاوته، وإنما هو إيمان اعتراه فتورٌ أو موتٌ، ويتبع هذا - والعياذ بالله - المرضُ القلبيُّ الذي يجعل المريضَ معرضًا عن حكم الله وحكم رسوله، ويقبل على حكم البشر مع قصوره، وثبوت عجزه، ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٤٧ - ٤٨) سورة النور. (١)\n_________\n(١) أسباب الحكم بغير ما أنزل الله للدكتور صالح السدلان ص (٧) بتصرف.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>ثالثًا: الجمود الفكري والتعصب المذهبي:</span>\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ - واصفًا فتنة التقليد التي أصابت العالم الإسلامي: (تالله إنها فتنة عَمَّت فأعْمَتْ، وَرَمت القلوبَ فأَصَمَّت، ربا عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتُّخِذَ القرآنُ لأجلها مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا، ولما عَمّت بها البلية، وعَظُمَت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومُؤْثِره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد) (١).\n(والذي زاد الطين بلة جمود المتفقه المفتين والمعلمين والواعظين على نصوص كتب متبوعيهم المتأخرين بدون تبصر وإعمال روية ورجوع إلى أصول الشريعة وأقوال السلف، وجهلهم بمقتضى الزمان والعمران، ونفورهم من كل جديد بدون أن يزنوه بميزان الشريعة، ومناوأتهم المجددين بدون إصغاء إلى براهينهم، ومكافحتهم العلوم العقلية والكونية، وتحذير الناس من دراستها، وتحجرهم على غيرهم الاستهداء من الكتاب والسنة لزعمهم أن ذلك كله مخالف للدين، لجهلهم بحقيقة الدين، لأن هذه الشريعة الغراء السمحة تسير مع العلم جنبًا إلى جنب، واسعة تسع قواعدها العامة كل جديد من مقتضيات الزمان والعمران، لأنها محض رحمة وسعادة.\nوأغرب من هذا أن هؤلاء الجامدين من أُسَرَاء التقليد لا يتأثمون من مداهنة الحكام والتجسس لهم، وغشيان ولائمهم التي يتخللها من المنكرات ما تقطع\n_________\n(١) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٧ - ٨).","vol":"1","page":358},{"text":"الشريعة بتحريمه، وتوقيعه المقررات المستمدة من القوانين الوضعية، أو الأوضاع الإدارية، أو الاستحسان الكيفي حرصًا على رواتبهم التي يتقاضونها من خزينة الحكومة، أو تعزيزًا لجاههم ومكانتهم، ويتورعون من الاجتهاد في نازلة نزلت بالمسلمين لأنها غير منصوص عليها بصريح العبارة في كتب المتأخرين من متبوعيهم.\nفنجم عن تورعهم هذا هجر الشريعة والاستعاضة عنها بالقوانين وتشتت شمل المسلمين ...، وخُيِّلّ إلى الجاهلين بالشريعة أنها عقبة كؤود في سبيل الرقي والتجدد والسعادة) (١).\n(ومن الثابت تاريخيًا أن القوانين الأوربية نقلت إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل، وأنه كان يود أن يضع لمصر مجموعات تشريعية مأخوذة من الشريعة ومذاهب الفقه الإسلامي المختلفة وقد طلب من علماء الأزهر أن يضعوا هذه المجاميع، ولكنهم رفضوا إجابة طلبه، لأن التعصب المذهبي منعهم من أن يتعاونوا على إظهار الشريعة في أجمل صورها، فضحوا بالشريعة جميعها، واحتفظ كل بمذهبه، والتعصب له وأضاعوا على العالم الإسلامي فرصة طالما بكوا على ضياعها، وحق لهم أن يبكوا عليها حتى تعود) (٢).\n(إن أهم الانحرافات والمآخذ والعيوب التي أصابت المذاهب الفقهية في القرون المتأخرة، والتي نأخذها عليها وندعو لإصلاحها هي:\n١ - مخالفة النصوص الثابتة من الكتاب والسنة تعصبًا للمذهب، وتقديم الرأي المحض أحيانًا عليها.\n_________\n(١) عمدة التحقيق للشيخ / محمد سعيد الباني (من ٢١٠ - ٢١٢) بتصرف.\n(٢) الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه ص (٢٧).","vol":"1","page":359},{"text":"٢ - امتلاؤها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، والاحتجاج بها واستنباط الأحكام منها.\n٣ - تقديم أقوال العلماء المتأخرين على أقوال الأئمة والمتقدمين.\n٤ - الانحباس في مذهب واحد، وعدم الاستفادة من علم المذاهب الأخرى، وجهود رجالها وكتبهم تعصبًا للمذهب.\n٥ - خلو كثير من الكتب المذهبية من الأدلة الشرعية، ورغبة الكثيرين عن دراسة الكتاب والسنة إليها.\n٦ - شيوع التقليد والجمود، وإقفال باب الاجتهاد.\n٧ - الخوض في المسائل الخيالية، والانشغال بالافتراضات السخيفة.\n٨ - فتح باب الحيل المحرمة للتخلص من التكاليف الشرعية.\n٩ - نشر الخلاف والانقسام بين المسلمين، والتسبب في وقوع الفتن والكوارث بينهم.\n١٠ - تدخل الظروف والمصالح السياسية في انتشار بعض المذاهب وانحسار أخرى.\n١١ - الأخذ بجزء من النص دون الجزء الآخر.\n١٢ - مخالفتهم في الفروع لما قرروه بأنفسهم في الأصول.\n١٣ - الوقوع في أخطاء اجتهادية فاحشة.\n١٤ - التشدد في بعض المسائل مما فيه عنت كبير على الناس.\n١٥ - فساد طريقة التأليف، والتعقيد في الأسلوب.","vol":"1","page":360},{"text":"١٦ - مخالفة المقلدين للمذاهب لما هو مذكور في كتبهم أنفسهم) (١).\nفهذه دعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nقال الإمام الشافعي - ﵀ -: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد) (٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) (٣).\n\nوينطبق كثير مما سبق من حيث التعصب المذموم الذي يؤدي إلى الفرقة والخلاف على حال الكثير من الجماعات الإسلامية على الساحة نسأل الله أن يجمع كلمتهم على كلمة التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>رابعًا: عقبة أعداء الإسلام:</span>\nومن الممكن أن نقسم الأعداء التي تقف حاجزًا لمنع تطبيق الشريعة إلى ما يلي:\n١ - دعاة على أبواب جهنم.\n٢ - عقبة الحكام.\n٣ - عقبة الكفار.\nوالآن مع هذه الأقسام بشيء من التفصيل.\n_________\n(١) بدعة التعصب المذهبي وآثارها الخطيرة في جمود الفكر وانحطاط المسلمين للشيخ / محمد عيد العباسي - حفظه الله - ص (١٣٧ - ١٣٨) طبعة المكتبة الإسلامية - الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n(٢) انظر صفة الصلاة للألباني - ﵀ - ص (٢٤ - ٣٤).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>١ - دعاة على أبواب جهنم:</span>\nأناس من بني جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، يعيشون بيننا، يعملون ليلًا ونهارًا للصد عن سبيل الله، ومنع تحكيم القرآن والسنة بين المسلمين، فهم كما أخبر عنهم الرسول - ﷺ -: \"دعاة على أبواب جهنم مَنْ أجابهم قذفوه فيها\" (١).\nفهم يمثلون طائفة المنافقين على عهد رسول الله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤) سورة المنافقون.\nاستطاع أعداء المسلمين استقطاب مجموعة كبيرة من أبناء المسلمين عن طريق البعثات الخارجية والشهادات العلمية فهم يمثلون الطابور الخامس لهدم الإسلام ونشر الشبهات حوله وذلك من باب سياسة (لن يكسر الشجرة إلا جذع منها) والواقع يشهد بكثير من النماذج التي كان لها أكبر الأثر في تغيير مسار الأمة المسلمة نحو الانحراف عن تطبيق الشريعة (٢).\n(وما أرى مثل هؤلاء من ذوي الأبصار المطموسة، والبصائر المعكوسة، إلا مثل الجُعْل يتأذى من رائحة المسك والورد الفَوَّاح، ويحيا بالعُذرة والغائط في المُسْتَرَاح، فسحقًا لأمثال هذه العقول سُحْقًا، ومُحْقًا لهن اللهم مُحْقًا) (٣).\n_________\n(١) متفق عليه.\n(٢) راجع كتاب عودة الحجاب لمحمد أحمد إسماعيل المجلد الثاني.\n(٣) تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن للشيخ / أبي هبة الله إسماعيل الأسعردي الأزهري السلفي ص (٥٦) تحقيق سليم الهلالي طبعة مكتبة الصحابة الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>٢ - عقبة الحكام:</span>\n(أكثر الحكام في ديار المسلمين - إلا مَنْ رحم الله - يرون الإسلام وشريعة الإسلام عقبة في سبيل التطور والتقدم والرقي، وسبيل التقدم عندهم الأخذ بالحضارة الغربية والقوانين الأوربية.\nعندما سنحت الفرصة لبعضهم خلع الإسلام من جذوره في البلاد التي حكمها، وأبرز الحكام الذين يضرب بهم المثل في هذا مصطفى كمال الذي حكم تركيا باسم (أتاتورك) فإنه عندما استلم مقاليد الحكم، ألغى الخلافة الإسلامية، وطرد خليفة المسلمين من البلاد، ونبذ الشريعة الإسلامية، وألغى منصب شيخ الإسلام، وألغى المحاكم الشرعية، وألغى المدارس الدينية، وحدد عدد المساجد التي يجوز الصلاة فيها، وحَّول مسجد أيا صوفيا إلى متحف، وحَّول مسجد الفاتح إلى مستودع.\nوألغى الكتابة بالحروف العربية والأرقام العربية وحَّرم الكتابة بها، وألزم الكتابة بالحروف اللاتينية، ومنع الأذان بالعربية، وألزم الشعب التركي بلبس القبعة الأوربية وخلع الطربوش التركي من فوق رأسه. حتى القرآن ترجمه وفرض قراءته دون الأصل العربي) (١).\nترى كيف فعل حاكم ظالم بشعب مسلم كانت بلاده هي مصدر هداية ومنبع نور وعاصمة الخلافة الإسلامية فصارت كما ترى في أسوأ حال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>٣ - عقبة الكفار:</span>\n(أعظم عقبة تحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية هي جهود أعداء\n_________\n(١) معوقات تطبيق الشريعة الإسلامية للأشقر ص (٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":363},{"text":"الإسلام، وهي جهود هائلة بذلها أعداء الإسلام لإقصاء الشريعة الإسلامية عن الحكم في ديار المسلمين وإحلال القوانين الوضعية محلها، وقد كان واضحًا لقادة الصليبيين والشيوعيين واليهود ومفكريهم أهمية زلزلة عقيدة الإسلام في نفوس المسلمين، وأهمية إزاحة التعاليم الإسلامية والقوانين الإسلامية من مناهج التعليم والمحاكم التي تقضي بين المسلمين في ديار الإسلام) (١).\nومن الطرق التي اتبعوها إثارة الشبهات حول الشريعة الإسلامية أنها جامدة وقاصرة ولا تواكب العصر الحاضر وأن لا علاقة له بالحكم وغيرها (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق ص (٢٣).\n(٢) انظر هذه الشبهات والرد عليها في الكتب الآتية:\n١ - تحكيم الشريعة ودعاوي الخصوم د / صلاح الصاوي.\n٢ - الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه عبد القادر عودة (٤٢ - ٥٢).\n٣ - أسباب الحكم بغير ما أنزل الله د / صالح السدلان ص (٢١ - ٥٢).","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الفصل الثاني\nوجوب تحكيم الشريعة الإسلامية</span>","vol":"1","page":365},{"text":"إن الناظر في القرآن الكريم يجد أن الآيات التي تدل على<span data-type=\"title\" id=toc-295> وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية </span>مستفيضة وبأساليب متعددة ولكنا نقتصر على هذه الآيات من باب الدلالة على هذا الأمر فقط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الدليل الأول:</span>\nقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٤٩ - ٥٠) سورة المائدة.\nقال سماحة الإمام عبد العزيز بن باز - ﵀ -: (وإن القارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله أُكَّدَ بمؤكدات ثمانية:\nالأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\nالثاني: أن لا يكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال، وذلك في قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾.\nالثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾.","vol":"1","page":367},{"text":"الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم، موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾.\nالخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.\nالسادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.\nالسابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول ﷿: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا﴾.\nالثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. (١)\nقال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: (ينكر تعالى على مَنْ خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام\n_________\n(١) وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه للعلامة ابن باز ص (١٢ - ١٤) الطبعة السادسة ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":368},{"text":"أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الدليل الثاني:</span>\nقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦٥) سورة النساء.\nقال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - ﵀ -:\n(وقد نفي الله - ﷾ - الإيمان عن مَنْ لم يُحَكِمّوُا النبيَّ فيما شجر بينهم نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي والقسم قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. ولم يكتف - تعالى وتقدس - منهم بمجرد التحكيم للرسول - ﷺ - حتى يُضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.\nوالحرج: الضيق بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.\nولم يكتف - تعالى - أيضًا هنا بهذين الأمرين حتى يضموا إليها التسليم، وهو كمال الانقياد لحكمه - ﷺ - بحيث يخلون ههنا من أي تعلق بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك المصدر المؤكد، وهو\n_________\n(١) المرجع السابق ص (٣٨٤).","vol":"1","page":369},{"text":"قوله جل شأنه: ﴿تَسْلِيمًا﴾ المبين أنه لا يكتفي ههنا بالتسليم، بل لابد من التسليم المطلق) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الدليل الثالث:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ...﴾ (١٠٥) سورة النساء.\nقال الإمام الطبري - ﵀ -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ لتقضي بين الناس فتفصل بينهم ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾. (٢)\nويقول ابن عطية - ﵀ -: (﴿بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ معناه على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي، وقد تضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الدليل الرابع:</span>\nقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٦٢) سورة الأنعام.\nقال العلامة عبد الرحمن السعدي - ﵀ -:\n(﴿ثُمَّ﴾ بعد الموت والحياة البرزخية وما فيها من الخير والشر ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: الذي\n_________\n(١) تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ص (٥ - ٦).\n(٢) تفسير الطبري (٩/ ١٧٥) تحقيق شاكر.\n(٣) المحرر الوجيز (٤/ ٢٤٥) نقلًا عن الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه للدكتور / عبد الرحمن المحمود ص (٦١ - ٦٢) طبعة دار طيبة الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.","vol":"1","page":370},{"text":"تولاهم بحكمه القدري، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير، ثم تولاهم بأمره ونهيه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى الحكم فيهم بالجزاء، ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات، ولهذا قال: ﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لكمال علمه وحفظه لأعمالهم، بما أثبته في اللوح المحفوظ، ثم أثبتته ملائكته في الكتاب الذي بأيديهم، فإذا كان تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، وهو القاهر فوق عباده، وقد اعتنى بهم كل الاعتناء في جميع أحوالهم، وهو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي - فأين للمشركين العدول عن من هذا وصفه ونعته، إلى عبادة مَنْ ليس له من الأمر شيء، ولا عنده مثقال ذرة من النفع ولا له قدرة وإرادة؟!.\nأما والله لو علموا حلم الله عليهم وعفوه ورحمته بهم، وهم يبارزونه بالشرك والكفران، ويتجرؤون على عظمته بالإفك والبهتان، وهو يعافيهم ويرزقهم، لانجذبت دواعيهم إلى معرفته، وذهلت عقولهم في حبه، ولمقتوا أنفسهم أشد المقت، حيث انقادوا لداعي الشيطان، الموجب للخزي والخسران، ولكنهم قوم لا يعقلون) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>الدليل الخامس:</span>\nقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢٦) سورة ص.\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي ص (٢٦٠) تحقيق د / عبد الرحمن معلا اللويحق. طبعة مؤسسة الرسالة","vol":"1","page":371},{"text":"قال الحافظ ابن كثير - ﵀: (هذه وصية من الله - ﷿ - لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد ﵎ من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد. روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب - أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت، فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المرمنين أنت أكرم على الله أو داود ﵊؟! إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.\nوقال السدي: لهو عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب. وهذا القول أمشى على ظاهر الآية. والله ﷾ الموفق للصواب) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>الدليل السادس:</span>\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥٩) سورة النساء.\n_________\n(١) المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير ص (١١٧٢ - ١١٧٣) طبعة دار السلام بالرياض بإشراف الشيخ / صفي الرحمن المباركفوري.","vol":"1","page":372},{"text":"قال الحافظ ابن كثير - ﵀ -: (﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا سنته ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. كما تقدم في الحديث الصحيح: \" إنما الطاعة في المعروف \" (١).\nوقوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا أمر من الله - ﷿ - بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: أحسن عاقبة ومآلًا، كما قال السدي وغير واحد. وقال مجاهد: وأحسن جزاء. وهو قريب) (٢).\n_________\n(١) انظر فتح الباري (١٣/ ١٣٠).\n(٢) المصباح المنير ص (٣٠٣).","vol":"1","page":373},{"text":"ثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-302> ثمرات تطبيق الشريعة الإسلامية:</span>\nمن الثمرات المباركة لتطبيق الشريعة الإسلامية ما يلي:\n١ - (خير وسيلة للقضاء على الجريمة، والإجرام، والتجربة خير برهان على ذلك.\n٢ - ومتى قضى على الجريمة أو اختنقت فإن الأمر يستقر، وتتوفر في البلاد روح السكينة والطمأنينة.\n٣ - وحينما يقل الإجرام والجرائم تتوفر أيد عاملة فتتجه إلى الإنتاج بدل أن كانت تتجه إلى الإفساد والعدوان.\n٤ - وبذلك يتوفر الرخاء وتتسع أرزاق البلاد. وفي هذا تصديق واقعي لما يفهم من أن إقامة الحد خير للبلاد وللعباد من أن يمطروا أربعين صباحًا (١).\n٥ - وكذلك يصير المجتمع مستقرًا هادئًا، ولا قلاقل فيه ولا اضطرابات.\n٦ - تسعد الأمة - حكامها ومحكوموها - باستجابتها لأمر الله تعالى ورسوله وفي ذلك حياة طيبة لها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤) سورة الأنفال.\n_________\n(١) ومصداق ذلك في كتاب الله الكريم: قوله تعالى:\n- ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ (١٦) سورة الجن.\n- ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (٩٦) سورة الأعراف.\n- ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٦) سورة المائدة.","vol":"1","page":374},{"text":"٧ - هذا فضلًا من أن إقامة الحدود تعتبر نوعًا من العبادة لله تعالى - بامتثال أمره والاحتكام إلى شرعه - وهذه العبادة هي الغاية السامية التي من أجلها خلق الله الجن. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) سورة الذاريات.\n٨ - وقد يكون من نافلة القول أو من المقرر الذي لا منازعة فيه أن في إقامة الحدود:\nأ - احترام لحق الحياة، وحق الدماء.\nب - صيانة للأنساب، وطهارة للأعراض.\nجـ - حفظ للأموال وللممتلكات من العدوان عليها.\nد - وقاية للعقل من الخلل، وللأخلاق من الفساد.\nهـ - تقديس للدين ولما أمر الله أن يقدس ويصان) (١).\nتجربة واقعية في العصر الحاضر:\nقال الأستاذ / عبد القادر عودة - ﵀ -:\n(فأما التجربة الكلية: فقد بدئ بها في (مملكة الحجاز) حيث طبقت الشريعة الإسلامية تطبيقًا تامًا ونجحت نجاحًا منقطع النظير في القضاء على الإجرام وحفظ الأمن والنظام، ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلًا في الحجاز، بل كيف كان الحجاز مضرب الأمثال في كثرة الجرائم، وشناعة الإجرام.\n_________\n(١) أثر تطبيق الحدود في المجتمع للأستاذ / الغزالي خليل عيد ص (١٩٥ - ١٩٦) من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقدته جامعة الإمام بالرياض ١٣٩٦ هـ أشرفت على طباعته ونشره: إدارة الثقافة والنشر بالجامعة عام ١٤٠٤ هـ.","vol":"1","page":375},{"text":"فقد كان المسافر فيه كالمقيم لا يأمن على ماله ولا على نفسه في بدو أو حضر في ليل أو نهار.\nوكانت الدول ترسل مع رعاياها الحجاج قوات مسلحة لتأمين سلامتهم ورد الاعتداء عنهم، وما كانت هذه القوات الخاصة ولا القوات الحجازية بقادرة على إعادة الأمن وكبح جماح العصابات ومنعها من سلب الحجاج أو الرعايا الحجازيين وخطفهم والتمثيل بهم، وظل حماة الأمن في الحجاز عاجزين عن حماية الجمهور حتى طبقت الشريعة الإسلامية. فانقلب الحال بين يوم وليلة، وساد الأمن بلاد الحجاز وانتشرت الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين، وانتهى عهد الخطف، والنهب وقطع الطريق، وأصبحت الجرائم القديمة أخبارًا تروى، فلا يكاد يصدقها من لم يعاصرها أو يشهدها وبعد أن كان الناس يسمعون أشنع أخبار الإجرام عن الحجاز أصبحوا يسمعون أعجب الأخبار عن استتباب الأمن والنظام فهذا يفقد كيس نقوده في الطريق العام، فلا يكاد يذهب إلى دار الشرطة ليبلغ حتى يجد كيسه كما فقد منه، معروضًا للتعرف عليه، وهذا يترك عصاه في الطريق فتنقطع حركة المرور حتى تأتي الشرطة لرفع العصا من مكانها، وهذا يفقد أمتعته وييأس من ردها ولا يبلغ عنها، ولكنه يجد الشرطة يبحثون عنه ليردوا إليه ما فقد منه، وبعد أن كان الأمن يعجز عن حفظه قوات عسكرية عظيمة من الداخل، وقوات عسكرية كبيرة من الخارج أصبح الأمن محفوظًا بعدد يسير من الشرطة المحليين) (١).\n_________\n(١) التشريع الجنائي في الإسلام (١/ ٧١٢ - ٧١٣). نقلًا عن الأستاذ / الغزالي خليل عيد في بحثه أثر تطبيق الحدود في المجتمع (١٩٤).","vol":"1","page":376},{"text":"قال فضيلة الشيخ / محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - في رسالة الجهاد ١٤١١ هـ: (أُشهِدُ اللهَ تعالى على ما أقول وأشهدكم أيضًا أنني لا أعلم أن في الأرض اليوم من يطبق من شريعة الله ما يطبقه هذا الوطن أعني المملكة العربية السعودية وهذا بلا شك من نعمة الله علينا فلنكن محافظين على ما نحن عليه اليوم لأنني لا أدّعي الكمال وأننا في القمة بالنسبة لتطبيق شريعة الله. لا شك أننا نخل بكثير منها ولكننا خير - والحمد لله - مما نعلمه من البلاد الأخرى). (١)\nانظر - رحمنا الله وإياك - إلى الآثار المباركة لتطبيق الشريعة في المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى نعمة الأمن والأمان ترى رغد العيش والخيرات الكثيرة، والنعم الوافرة.\n_________\n(١) انظر كتاب وجوب طاعة السلطان في غير معصية الرحمن بدليل السنة والقرآن ص (٥٤) إعداد محمد بن ناصر العريني، الطبعة الثانية.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>الفصل الثالث\nالحكم بغير ما أنزل الله في الميزان</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nأولًا: خطورة التكفير.\nثانيًا: أقوال علماء الإسلام في تحكيم القوانين.\nثالثًا: أحوال الحاكم بغير ما أنزل الله.\nرابعًا: الآثار السيئة المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله.","vol":"1","page":379},{"text":"أولا:<span data-type=\"title\" id=toc-304> خطورة التكفير</span>\nونحن إذ نتكلم عن خطورة التكفير فإننا لا ندافع بذلك عن أنظمة فاسدة أو قوانين جائرة، ولكننا نخاف على إخواننا أن يذهب بهم الحماس المفرط إلى مخالفة مذهب أهل السنة والجماعة فيقعوا فيما وقعت فيه الخوارج المارقة؛ فقد كانت مسألة الحكم والحاكمية سبب فسادهم وضلالهم، لذا فإننا نذكر أنفسنا وإخواننا فإن الذكرى تنفع المؤمنين.\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا قال الرجل لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما \" (١).\nوعن أبي ذر الغفاري - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \" لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك \" (٢).\nقال الشيخ الدكتور / غانم بن صالح السدلان - حفظه الله -:\n(إن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من مهمات المسائل العلمية الواقعية، كُتِبَ فيها رُكام من الكتيبات والرسائل، أغلبها الأعم انتصار لتصورات سابقة، أو استجابة لحماسة طاغية، وإن مسألة خطيرة كهذه، دعت الحاجة الملحة للكتابة فيها يجب أن تبحث بإخلاص\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه البخاري.","vol":"1","page":381},{"text":"وتجرد وموضوعية على منهاج سلف الأمة في فهم نصوص القرآن والسنة) (١).\nقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - ﵀ -:\n(والأصل في المسلم الظاهر العدالة بقاء إسلامه وبقاء عدالته حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره أو تفسيقه، لأن في ذلك محذورين عظيمين:\nأحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم والمحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به.\nالثاني: الوقوع فيما نبذ به أخاه إن كان سالمًا منه ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كَفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» وفيه عن أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «مَنْ دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك حار عليه» وعلى هذا فيجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:\nأحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.\nالثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي موانعه) (٢).\n_________\n(١) الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير ص (٥) للدكتور / خالد العنبري طبعة مكتبة الفرقان - الإمارات - الطبعة الرابعة ١٤٢١ هـ.\n(٢) القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (٨٧ - ٩٢) لابن عثيمين - ﵀ - طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، الطبعة الثانية ١٤٠٧ هـ.\nوانظر الكتب الآتية:\n١ - ظاهر التبديع والتفسيق والتكفير وضوابطها للشيخ / صالح الفوزان، نشر دار النجاح.\n٢ - مظاهر الأخطاء في التكفير أسباب ذلك وعلاجه للشيخ / صالح السدلان، نشر دار بلنسية.\n٣ - الحكم بغير ما أنزل الله أنواعه وأحكامه. للشيخ الدكتور: عبد الرحمن بن صالح المحمود.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>أقوال علماء الإسلام في تحكيم القوانين </span>(١):\nهذا بعض ما قاله علماء الإسلام المعتبرين على مدار القرون تسليم كف بكف وكابر عن كابر .. في تأويل آيات الحكم بغير ما أنزل الله، من الصدر الصالح وعلى رأسهم ابن عباس - ﵄ - إلى التابعين كعكرمة وغيرهما ... من أئمة التفسير والأثر إلى علماء الملة المعاصرين الذين شهدوا على العصر، وشهد لهم بالعلم والصلاح - رحم الله الجميع -.\n١ - روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: مَنْ جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومَنْ أقر به، ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٢).\n٢ - قال القرطبي: وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله، أي معتقدًا ومستحلًا له) (٣).\nوكذلك قال السدي وإبراهيم النخعي (٤).\n٣ - وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله فهو كافر ظالم فاسق (٥).\n_________\n(١) راجع مجلة السلفية ص (٤٥ - ٤٧) العدد (٦) لعام ١٤٢٢ هـ.\n(٢) صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (١٧٩). وأخرجه ابن جرير في تفسيره: (١٠/ ٣٥٧) وابن المنذر وغيرهم).\n(٣) الجامع للأحكام القرآن (٦/ ١٩٠).\n(٤) انظر تفسير الطبري (١٠/ ٣٥٦ - ٣٥٧).\n(٥) مختصر تفسير الخازن (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":383},{"text":"٤ - وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومَنْ أقر به، ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (١).\nقال الخازن وهو قول ابن عباس - أيضًا -.\n٥ - وهو اختيار الزجاج (٢).\n٦ - وقال شيخ المفسرين الطبري: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب مَنْ قال: (نزلت هذه الآيات في كُفَّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبرًا عنهم أولى.\nفإن قال قائل: فإن الله - تعالى ذكره - قد عَمَّ بالخبر بذلك عن جميع مَنْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلتها خاصًا؟\nقيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرين، وكذلك القول في كل مَنْ لم يحكم بما أنزل جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس (٣).\n٧ - وقال أبوالسعود: أي مَنْ لم يحكم بذلك مستهينًا منكرًا. ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. (٤).\n٨ - وقال النسفي: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ﴾ مستهينًا به لاستهانتهم به (٥).\n_________\n(١) مختصر تفسير الخازن (١/ ٣١٠).\n(٢) مختصر تفسير الزجاج (١، ٣١٠).\n(٣) تفسير الطبري (١٠/ ٣٥٨).\n(٤) تفسير أبو السعود (٢/ ٦٤).\n(٥) تفسير النسفي (١٠/ ٢٨٥).","vol":"1","page":384},{"text":"٩ - وقال أبو بكر الجصاص: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لا يخلو من أن يكون مراده الشرك والجحود، أو كفر النعمة من غير جحود، إن كان المراد جحود حكم الله، أو الحكم بغيره مع الإخبار بأن حكم الله فهذا كفر يخرج عن الملة، وفاعله مرتد وإن كان قبل ذلك مسلمًا.\nوعلى هذا تأوله مَنْ قال: إنها أنزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون: (أن من جحد حكم الله، أو حكم بغير حكم الله ثم قال: إن هذا حكم الله فهو كافر، كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا).\nوإن كان المراد به كفر النعمة، فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود، فلا يكون فاعله خارجًا من الملة.\nوالأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله).\n١٠ - وقال شارح الطحاوية: (وهنا أمر يجب التفطن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرًا إما مجازيًا وإما كفرًا أصغر وذلك حسب حال الحاكم:\nفإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مُخَيَّر فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.\nوإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الوقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويُسَمَّى كفرًا مجازيًا، أو كفرًا أصغر) (١).\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية (٣٢٣، ٣٢٤).","vol":"1","page":385},{"text":"١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:\n(ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله هو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله ﷾، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا) (١).\n١٢ - وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال ههنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا) (٢).\n\n١٧ - (*) وقال علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي - ﵀ -:\n(كفر الحاكم بغير ما أنزل الله بقيد الاستهانة والجحود له، هو الذي نحاه كثيرون\n_________\n(١) منهاج السنة النبوية (٥/ ١٣٠).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٧).\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا بالمطبوع (١٧) بعد (١٢)","vol":"1","page":386},{"text":"وآثروه عن عكرمة وابن عباس) (١).\n١٨ - وقال صاحب المنار - ﵀ -:\n(وقد استحدث كثير من المسلمين من الشرائع والأحكام نحو ما استحدث الذين من قبلهم، وتركوا - بالحكم بها - بعض ما أنزل الله عليهم، فالذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام من غير تأويل يعتقدون صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله:\n- فمَنْ أعرض عن الحكم بحد السرقة، أو القذف، أو الزنى، غير مذعن له لاستقباحه إياه، وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعًا.\n- ومَنْ لم يحكم به لعلة أخرى فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط.\n- فإننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفارًا أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقوانين، فإنهم وإن لم يكونوا ألفوها بمعافهم، فإنها وضعت بإذنهم، وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ..\nأما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد (قط)!!! (٢).\n_________\n(١) محاسن التأويل (٦/ ١٩٩٨).\n(٢) تفسير المنار (٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦).","vol":"1","page":387},{"text":"١٩ - وقال العلامة الشنقيطي - ﵀ -:\n(واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق، كل واحد منها أطلق في الشرع مراد به المعصية، ... ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضة للرسل، وإبطالًا لأحكام الله، فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج من الملة) (١).\n٢٠ - وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ - رحمه الله تعالى -:\n(.. وجاءت السنة بأن الطاعة في المعروف، وهو ما أمر الله به ورضيه من الواجبات والمستحبات. وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية، فمَنْ استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر، لأنهم فهموا أن تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، ولكنهم لا ينازعون في عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة ..) أ. هـ (٢).\n_________\n(١) أضواء البيان (٢/ ١٠٤).\n(٢) عن كتاب منهاج التأسيس والتقديس، للعلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ، (٧٠ - ٧١).","vol":"1","page":388},{"text":"٢١ - وقال المفتي العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة العربية السعودية الأسبق - ﵀ -:\n(وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من قوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة) أ. هـ (١).\n\n٢٢ - وقال العلامة الشيخ السعدي - ﵀ -:\n(فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد .. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال ابن عباس: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله غير مستحل له) (٢).\n٢٣ - وقال العلامة الإمام عبد العزيز بن باز - ﵀ -:\n(فقد اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وفقه الله المنشور في صحيفة (المسلمون) (نقلًا عن المجلة السلفية) الذي أجاب به فضيلته على من سأله عن (تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل) فألفيتها كلمة قيمة أصاب فيها الحق وسلك فيها سبيل المؤمنين وأوضح - وفقه الله -\n_________\n(١) فتاواه (١/ ٨٠).\n(٢) تيسير الكريم الرحمن (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧).","vol":"1","page":389},{"text":"أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس - ﵄ - وعن غيره من سلف الأمة ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وهو الصواب. وقد أوضح - وفقه الله - أن الكفر كفران أكبر وأصغر فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرها من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفرًا أكبر وظلم ظلمًا أكبر وفسق فسقًا أكبر ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرًا أصغر وظلمه ظلمًا أصغر وهكذا فسقه لقول النبي - ﷺ - في حديث ابن مسعود - ﵁ -: \" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر \"، أراد بهذا - ﷺ - الفسق الأصغر والكفر الأصغر وأطلق العبارة تنفيرًا من هذا العمل المنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>أحوال الحاكم بغير ما أنزل الله:</span>\nقال العلامة ابن باز - ﵀ -:\n(من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:\n١ - مَنْ قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٢ - ومَنْ قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة الإسلامية جائز، فهو كافر كفرًا أكبر.\n٣ - ومن قال أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولكن","vol":"1","page":390},{"text":"الحكم بغير ما أنزل الله جائز فهو كافر كفرًا أكبر.\n٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل أو يفعل هذا الأمر أو يفعل هذا الأمر صادر عن أحكامه فهو كافر كفرًا أصغر ولا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر) (١).\nسئلت اللجنة الدائمة للبحوث في المملكة العربية السعودية السؤال التالي:\nس: مَنْ لم يحكم بما أنزل الله هو مسلم أم كَفَرَ كُفْرًا أكبر وتقبل منه أعماله؟\nالجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ... وبعد:\nج - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لكن إن استحل ذلك واعتقده جائز فهو كفر أكبر وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم ويعتبر كافرًا كفرًا أصغر، وفاسقًا فسقًا أصغر لا يخرجه من الملة، كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة. أ. هـ. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>الآثار السيئة المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله:</span>\nقد أنزل الله ﷾ القرآن الكريم لتسعد به البشرية من خلال تطبيق أحكامه وتنفيذ ما جاء فيه، ولما أعرض الناس عنه - إلا مَنْ رحم الله - وحكموا\n_________\n(١) التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال (٧٢ - ٧٣).\n(٢) راجع مجلة السلفية ص (٤٤) العدد (٦) لعام ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":391},{"text":"أقوال الرجال في الأموال والأعراض والدماء نزل بهم عقاب الله من سخط وغضب وها هي بعض الآثار المترتبة على الحكم بغير ما أنزل الله في واقع الناس:\n١ - فساد عقيدة التوحيد بين المسلمين، وانتشار مظاهر الشرك في بلاد الإسلام حيث يُذْبَحُ لغير الله ويُنْذَر ويُطْلَبُ جلبُ النفع ودفع الضر من الأولياء والصالحين ...\n٢ - انتشار المذاهب العلمانية والكفرية بين أبناء المسلمين والانتساب لها والعمل في صفوفها.\n٣ - ظهور البدع في الدين والأقوال والأعمال المحدثة في العبادات التي قلما يسلم منها مسلم إلا من اتبع الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة بفهم السلف الصالح.\n٤ - السخرية والاستهزاء بشريعة الإسلام ومَنْ يدعو إليها ويطبقها في واقع الحياة، بل وصل الحال في بعض الأحيان إلى السخرية من الله - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - ومن الرسول - ﷺ - ومن القرآن الكريم.\n٥ - صارت الغلبة والمكانة لأهل الكفر والنفاق وصارت بلاد الإسلام كما أخبر الرسول - ﷺ -: \" يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها \" قالوا: فمن قلة يومئذ؟ قال: \" لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم؛ لحبكم الدنيا وكراهية الموت \" (١).\nوهكذا عندما نحيت الشريعة الإسلامية عن واقع الحياة نُكَّسَتْ معها راية الجهاد في سبيل الله فأصاب المسلمين الذل والصغار، قال رسول الله - ﷺ -: \" إنما\n_________\n(١) (حديث صحيح) رواه أحمد وأبو داود عن ثوبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٥٦).","vol":"1","page":392},{"text":"جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي، وجُعِلَ الذلُّ والصغارُ على مَنْ خالف أمري \".\n٦ - تعطيل تطبيق الحدود الشرعية كعقوبة ربانية لبعض الذنوب والمعاصي مما أدى إلى الكثير من العواقب الوخيمة ومنها:\nأ - اجتراء الناس على محارم الله ومواقعتهم لحمى الله، والله يغار أن تنتهك محارمه أو يعتدى على حماه.\nفترى الحوادث والجرائم تكثر بشكل مذهل وبنسبة عظيمة متزايدة عامًا بعد عام، وهذا ما يلمس واضحًا من واقع أرقام الإحصائيات الرسمية للجرائم والجنايات في الأقطار والبلاد المبتلاة بتلك الأنظمة والقوانين سواءً من البلاد غير الإسلامية أو بلاد المسلمين التي تطبق القوانين الوضعية.\nب - انتشار الخوف وظاهرة القلق والاكتئاب مما ترتب عليه انتشار العيادات النفسية، وارتفاع نسبة الانتحار، والإفراط في شرب الخمور والمسكرات والتدخين.\nجـ - انعدام الروح الجماعية في الأسرة والمجتمع وشدة بروز الروح الفردية والأنانية.\nد - انقسام المجتمع إلى طبقات اجتماعية متفاوتة بدرجة كبيرة جدًا في نظام المعيشة، وارتفاع معدل الفقر والبطالة بين الناس.\n٧ - إهمال الشعائر الإسلامية وعدم الحرص على إقامتها بين الناس مثل: الصلاة عمود الدين فترى أعدادًا لا حصر لها من المسلمين لا يدخلون المساجد ولا يعرفون شيئًا من أحكام الصلاة، وكذلك الزكاة فقد عطلت ولم تقم الحكومات على جمعها وتوزيعها على مصارفها الشرعية، حتى لم تعنف تاركها ومانعها، فضلًا عن قتاله كما فعل أبو بكر الصديق - ﵁ - مع مانعي الزكاة بعد وفاة الرسول - ﷺ -","vol":"1","page":393},{"text":"وقال: (والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه).\n٨ - عدم الاستقرار، والتفرق والاختلاف، والتنازع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وإذا خرج ولاة الأمور عن الحكم بغير ما أنزل الله، وقع بأسهم بينهم، قال النبي - ﷺ -: \" ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم \" وهذا من أعظم أسباب تغير الدول كما جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره فيسلك مسلك من أيده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه، فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤٠ - ٤١) سورة الحج.\nفقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم) (١).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٣٥/ ٣٨٨).","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>الفصل الرابع\nصور من تحكيم الشريعة الإسلامية</span>","vol":"1","page":395},{"text":"هذه بعض النماذج المشرفة، والصور النيرة لتحكيم شرع الله - ﷿ - في الدماء والأموال والأعراض، ونبذ ما خالفه من حكم الجاهلية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>النموذج الأول:</span>\nعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني - ﵄ - أنهما قالا: (إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أنشدك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - نعم، فاقض بيننا، وائذن لي، فقال النبي - ﷺ -: قل، فقال: إن ابني كان عسيفًا (١) على هذا، فزنى بامرأته، وإني أُخْبرْتُ: أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني: أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله - ﷺ -: \" والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم: رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلده مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها \" فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت. (٢)\n_________\n(١) العسيف: الأجير.\n(٢) متفق عليه.","vol":"1","page":397},{"text":"ما يستفاد من الحديث:\n١ - خطر العمال والخدم في البيوت بلا رقيب، مما ينتج عن ذلك الأخطاء الشرعية كما حدث في هذه القصة، والواقع يشهد لذلك بكثير من الأحداث والقصص.\n٢ - رد الأحكام التي تخالف شرع الله - ﷿ -، وعدم قبولها، حتى ولو اصطلح الخصمان على الرضى بها كما فعل الرسول - ﷺ - مع الرجل ورد عليه الوليدة والغنم (١).\n٣ - القضاء بحكم الله من الكتاب والسنة في فاحشة الزنا: المحصن: الرجم، وغير المحصن: جلد مائة وتغريب عام. وتنفيذ ما يترتب على ذلك الحكم الشرعي، قال رسول الله - ﷺ -: «واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>النموذج الثاني:</span>\nعن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه قال: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له: أن امرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"ما تجدون في التوراة، في شأن الرجم؟ \" قالوا: نفضحهم ويُجْلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده،\n_________\n(١) ترى في كثير من الجلسات العرفية بين الناس أن هدفها هو رضى الطرفين فتجدهم يحكمون في مثل قضايا الزنا والقذف .. وغيرها بميلغ من المال يعطى للخصم دون النظر إلى حكم الله - ﷿ - في ذلك.","vol":"1","page":398},{"text":"فإذا فيها آية الرجم، قال: صدقت يا محمد، فأمر بهما النبي - ﷺ - فرجما. قال: فرأيت الرجل: يجنًا (١) على المرأة يقيها الحجارة) (٢).\nويستفاد من الحديث:\n- أن العلماء لهم دور كبير في تطبيق أحكام الله - ﷿ - أو تعطيل الشريعة، ولإخفاء أحكام الله وعدم إظهارها كما فعل علماء اليهود، ومن شابههم من علماء المسلمين. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (١٥) سورة المائدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>النموذج الثالث:</span>\nعن عائشة - ﵂ - (أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليها إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله - ﷺ -. فكلمه أسامة. فقال: \" أتشفع في حد من حدود الله؟ \" ثم قام فاختطب، فقال: \" إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف: أقاموا عليه الحد، وايم الله: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها \") (٣).\nما يستفاد من الحديث:\n١ - (في هذا الحديث: دليل على امتناع الشفاعة في الحد، بعد بلوغه السلطان.\n_________\n(١) يَجْنَأ: أي يميل.\n(٢) متفق عليه.\n(٣) متفق عليه.","vol":"1","page":399},{"text":"٢ - تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى، وبيان أنه من أسباب هلاك الأمم السابقة) (١).\n_________\n(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ص (٦٣٢) طبعة دار الجيل تحقيق / أحمد شاكر الطبعة الثانية ١٤١٦ هـ.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>الخاتمة</span>\nوفي نهاية الكتاب لعلنا نكون بذلك قد وضحنا بشيء من التفصيل معنى هجر القرآن وأنواعه وما يشتمل عليه من مباحث وأحكام، ونأمل أن نكون قد وفقنا إلى تحقيق ما يلي:\n١ - العودة إلى القرآن الكريم مصدر العز والشرف.\n٢ - بيان ظاهرة هجر القرآن في واقع الناس (الأسباب والعلاج).\n٣ - أن يجعل المسلم له وردًا يوميًا للتلاوة.\n٤ - أن يستمع وينصت المسلم إلى القرآن الكريم رجاء الرحمة.\n٥ - أن يتدبر المسلم القرآن ويفقه مراد الله - ﷿ - ويقف عند عجائبه.\n٦ - أن يحول المسلم القرآن الكريم إلى واقع حياة متكامل بأوامره يأتمر، وبنواهيه وزواجره ينزجر.\n٧ - أن يتداوى ويستشفي المسلم بالقرآن الكريم ويجعله الدواء لأمراض قلبه وبدنه.\n٨ - ألا يتحاكم المسلم إلا إلى الكتاب والسنة ويترك القوانين والشرائع الوضعية.\nهذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو زلل أو نسيان فمنا ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وحسبنا أنا أردنا الخير والنصح للأمة.\nوسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.\nكتبه\nأبو أنس محمد بن فتحي آل عبد العزيز\nأبو عبد الرحمن محمود بن محمد الملاح","vol":"1","page":401}]}