{"ً":{"ٌ":17081,"ٍ":"سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/sntrkdl/111810.pdf"]},"ّ":"الكتاب: سنة الترك ودلالتها على الأحكام الشرعية\nالمؤلف: محمد بن حسين الجيزاني\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣١ هـ\nعدد الصفحات: ١٠٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1090,"ٕ":11,"ٖ":1770155455,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[المقدمة]","level":1,"page":2},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":3},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":3},{"title":"التمهيد","level":1,"page":5},{"title":"المسألة الأولى تعريف السنة لغة واصطلاحا","level":2,"page":6},{"title":"١ - السنة في اللغة","level":3,"page":6},{"title":"٢ - السنة في الاصطلاح","level":3,"page":6},{"title":"المسألة الثانية أقسام السنة","level":2,"page":9},{"title":"أولا","level":3,"page":9},{"title":"ثانيا","level":3,"page":10},{"title":"المسألة الثالثة حجية السنة","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الأول حقيقة السنة التركية","level":1,"page":15},{"title":"المطلب الأول تعريف الترك وأحكامه","level":2,"page":16},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الترك","level":3,"page":16},{"title":"المسألة الثانية: أحكام الترك","level":3,"page":17},{"title":"المطلب الثاني تعريف السنة التركية","level":2,"page":24},{"title":"القسم الأول","level":3,"page":24},{"title":"القسم الثاني","level":3,"page":25},{"title":"القسم الثالث","level":3,"page":25},{"title":"القسم الرابع","level":3,"page":26},{"title":"القسم الخامس","level":3,"page":29},{"title":"المطلب الثالث أقسام السنة التركية","level":2,"page":36},{"title":"أولا","level":3,"page":36},{"title":"ثانيا","level":3,"page":37},{"title":"المطلب الرابع علاقة سنة الترك بالسنة التقريرية","level":2,"page":40},{"title":"المطلب الخامس علاقة سنة الترك بالمصلحة المرسلة","level":2,"page":43},{"title":"الفصل الثاني حجية السنة التركية","level":1,"page":47},{"title":"المطلب الأول دلالة السنة التركية","level":2,"page":48},{"title":"المطلب الثاني شروط الاحتجاج بالسنة التركية","level":2,"page":58},{"title":"المطلب الثالث الأدلة على حجية السنة التركية","level":2,"page":63},{"title":"أولا","level":3,"page":63},{"title":"ثانيا","level":3,"page":64},{"title":"ثالثا","level":3,"page":67},{"title":"الفصل الثالث أثر الاحتجاج بالسنة التركية","level":1,"page":71},{"title":"الفرع الأول أثر سنة الترك في تخصيص العموم","level":2,"page":72},{"title":"الفرع الثاني أثر سنة الترك في معرفة مقاصد الشريعة","level":2,"page":74},{"title":"الفرع الثالث أثر سنة الترك في إبطال البدع والرد على المبتدعة","level":2,"page":77},{"title":"الفرع الرابع أثر سنة الترك في المسائل المعاصرة","level":2,"page":82},{"title":"المثال الأول","level":3,"page":82},{"title":"المثال الثاني","level":3,"page":84},{"title":"المثال الثالث","level":3,"page":85},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":87},{"title":"أولا","level":2,"page":87},{"title":"ثانيا","level":2,"page":87},{"title":"ثالثا","level":2,"page":88},{"title":"رابعا","level":2,"page":88},{"title":"خامسا","level":2,"page":88},{"title":"سادسا","level":2,"page":89},{"title":"سابعا","level":2,"page":90},{"title":"ثامنا","level":2,"page":90},{"title":"تاسعا","level":2,"page":90},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":92}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,21":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,55":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,81":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,90":79,"1,91":80,"1,92":81,"1,93":82,"1,94":83,"1,95":84,"1,96":85,"1,97":86,"1,98":87,"1,99":88,"1,100":89,"1,101":90,"1,102":91,"1,103":92,"1,104":93,"1,105":94,"1,106":95,"1,107":96,"1,108":97,"1,109":98},"ٜ":{"1":[5,109]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"5":[4],"6":[5,6,7],"9":[8,9],"10":[10],"11":[11],"15":[12],"16":[13,14],"17":[15],"24":[16,17],"25":[18,19],"26":[20],"29":[21],"36":[22,23],"37":[24],"40":[25],"43":[26],"47":[27],"48":[28],"58":[29],"63":[30,31],"64":[32],"67":[33],"71":[34],"72":[35],"74":[36],"77":[37],"82":[38,39],"84":[40],"85":[41],"87":[42,43,44],"88":[45,46,47],"89":[48],"90":[49,50,51],"92":[52]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سُنَّةُ التَّرْك وَدِلالتها عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ\n\nتأليف\nمُحَمَّد بن حُسَيْن الجيزاني\n\nدَار ابْن الْجَوْزِيّ","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>[المقدمة]</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.\nأما بعد؛ فهذه دراسة أصولية تطبيقية لقاعدة شرعية عظيمة، وهي سُنَّة الترك، وهذا الترك نوع من أنواع سُنَّتِه المطهرة _عليه الصلاة والسلام.\nوالملاحظ أن عناية الأصوليين ببحث هذه المسألة كانت جد يسيرة.\nوذلك أن معظم الأصوليين لم يتعرض أصلا لذكر السُّنة التركية، ومن تعرض إليها منهم فعلى سبيل الإشارة، وذلك عند الكلام على أفعاله - ﷺ -.\nوقد نبه إلى ذلك الإمام بدر الدين الزركشي إذ قال في معرض بيانه أقسام السنة النبوية: القسم السابع: التَّرْكُ لم يتعرضوا لتركه - ﵇ - (١).\nومن هنا فقد عَزَمْتُ على الكتابة في هذه المسألة وجمع ما يتعلق بها من كلام أهل العلم في كتب أصول الفقه وغيرها.\n_________\n(١) البحر المحيط (٤/ ٢١٤).","vol":"1","page":5},{"text":"ومن<span data-type=\"title\" id=toc-2> الدراسات السابقة </span>التي وقفت عليها في هذه المسألة:\nكلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١).\nكلام ابن القيم في إعلام الموقعين (٢).\nكلام الشاطبي في الموافقات (٣).\nكلام الشاطبي في الاعتصام (٤).\nأفعال الرسول - ﷺ - للدكتور محمد العروسي عبد القادر (٥).\nأفعال الرسول - ﷺ - للدكتور محمد سليمان الأشقر (٦).\n\nوقد اقتضى المقام أن تكون<span data-type=\"title\" id=toc-3> خطة البحث </span>في تمهيد وثلاثة فصول بيانها كالآتي.\nالتمهيد في التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها.\nالفصل الأول: حقيقة السُّنَّة التركية.\nوفي هذا الفصل خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف الترك وأحكامه.\nالمطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التركية.\nالمطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التركية.\n_________\n(١) انظر (٢/ ٥١٩ - ٥٩٧).\n(٢) انظر (٢/ ٣٨٩ - ٣٩١).\n(٣) انظر (٢/ ٤٠٩ - ٤١٤).\n(٤) انظر (١/ ٣٦٠ - ٣٦٥).\n(٥) انظر (٢٠٧ - ٢٢٧).\n(٦) انظر (٤٥ - ٦٩).","vol":"1","page":6},{"text":"المطلب الرابع: علاقة سُنَّة الترك بالسنة التقريرية.\nالمطلب الخامس: علاقة سُنَّة الترك بالمصالح المرسلة.\nالفصل الثاني: حجية السُّنَّة التركية.\nوفي هذا الفصل ثلاثة مطالب.\nالمطلب الأول: دلالة السُّنَّة التركية.\nالمطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التركية.\nالمطلب الثالث: الأدلة على حجية السُّنَّة التركية.\nالفصل الثالث: أثر الاحتجاج بالسُّنَّة التركية.\nوفي هذا الفصل أربعة فروع:\nالفرع الأول: أثر سُنَّة الترك في تخصيص العموم.\nالفرع الثاني: أثر سُنَّة الترك في معرفة مقاصد الشريعة.\nالفرع الثالث: أثر سُنَّة الترك في إبطال البدع والرَّد على المبتدعة.\nالفرع الرابع: أثر سُنَّة الترك في المسائل المعاصرة.\nوقد ذيلت هذا البحث بخاتمة، تضمنت خُلاصة البحث، ثم بقائمة للمصادر والمراجع.\nأسأل الله - ﷾ - أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>التمهيد</span>\nفي التعريف بالسُّنَّة وأقسامها وحجيتها\nوفيه ثلاثة مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا.\nالمسألة الثانية: أقسام السُّنَّة.\nالمسألة الثالثة: حجية السُّنَّة.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المسألة الأولى\nتعريف السُّنَّة لغة واصطلاحًا</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>١ - السُّنَّة في اللغة </span>(١):\nالسُّنَّة لغة: الطريقة والسيرة، حميدة كانت أو ذميمة؛ فكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم من بعده قيل هو سُنَّة.\nومن الأمثلة على ورود لفظ السُّنَّة بمعناه اللغوي قول الرسول - ﷺ -: «من سَنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنُّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٢ - السُّنَّة في الاصطلاح </span>(٣):\nللسُّنَّة في اصطلاح أهل الشرع إطلاقات عدة:\nفتطلق تارة على ما يقابل القرآن.\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٢٢٥) والمصباح المنير ص (٢٩٢)، والمعجم الوسيط ص (٤٥٦).\n(٢) أخرجه مسلم ص١٣٩٣برقم (١٠١٧).\n(٣) انظر شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٠ - ٦٤) والموافقات (٤/ ٣ - ٧) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"1","page":11},{"text":"وهو اصطلاح الأصوليين، وهو أن السُّنَّة هي: ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن (١).\nوالسُّنَّة بهذا المعنى تشمل أنواعًا ثلاثة، وهي: قوله - ﷺ - وفعله وتقريره؛ وهذا الإطلاق هو المراد في هذا المقام؛ وتطلق السُّنَّة تارة على ما يقابل الفرض وغيره من الأحكام الخمسة؛ كفروض الوضوء والصلاة والصوم وسننها؛ وتطلق السُّنَّة أيضًا على ما يقابل البدعة ومن ذلك قول النبي - ﷺ -: «ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِعَ مثلها من السُّنَّة فتمسك بِسُنَّة خير من إحداث بدعة» (٢).\nوقوله - ﷺ -: «فإن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة؛ فإما إلى سنُةَّ وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سُنَّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (٣).\nومعنى السُّنَّة في هذا الإطلاق: الطريقة المسلوكة في الدين؛ وهي ما عليه الرسول - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وإن كان الغالب تخصيص\n_________\n(١) انظر الإحكام للآمدي (١/ ١٦٩) وقواعد الأصول ص (٣٨) والبحر المحيط (٤/ ٧٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٠).\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٠٥).\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":12},{"text":"اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم (١).\n_________\n(١) انظر جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المسألة الثانية\nأقسام السُّنَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولا: </span>تنقسم السُّنَّة باعتبار ذاتها إلى: قولية، وفعلية، وتقريرية (١).\nوهذا يشمل قوله - ﷺ - وفعله وتقريره وكتابته وإشارته وهَمَّه وترْكه (٢).\nوهذه الأنواع قد يدخل بعضها في بعض؛ فيدخل في الفعل كل من الكتابة والإشارة والهم والترك (٣).\nوقد زاد بعض الأصوليين (٤): سُنَّة الخلفاء الراشدين؛ لقوله - ﷺ -: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوًا عليها بالنَّواجِذ» (٥).\nقال ابن رجب: \"وفي أمره - ﷺ - باتباع سُنَّته وسُنَّة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمر عمومًا دليل\n_________\n(١) انظر: شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٢) ومختصر ابن اللحام ص (٧٤).\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٢) وجامع العلوم والحكم (٢/ ١٢١).\n(٣) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٠ - ١٦٦).\n(٤) انظر الموافقات (٤/ ٤ - ٧).\n(٥) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٠٠، ٢٠١) برقم (٤٦٠٧) والترمذي في سننه (٥/ ٤٤) برقم (٢٦٧٦) وقال حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":14},{"text":"على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعَة، كاتباع سُنَّته\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: </span>تنقسم السُّنَّة باعتبار وصولها إلينا وعدد نقلتها ورواتها إلى متواتر وآحاد (٢).\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٢١).\n(٢) انظر: المستصفى، ص (١٥٥) والإحكام للآمدي (٢/ ١٣) وشرح مختصر الروضة (٢/ ٧١).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المسألة الثالثة\nحُجِّيَّة السُّنَّة</span>\nأجمع المسلمون على وجوب طاعة النبي - ﷺ - ولزوم سُنَّته (١).\nقال الإمام الشافعي: \"لم أسمع أحدًا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم - يخالف في أن فرض الله - ﷿ - اتباع أمر رسول الله - ﷺ - والتسليم لحكمه؛ بأن الله - ﷿ - لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سُنَّة رسوله - ﷺ -، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ - واحد، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله - ﷺ -، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى\" (٢).\nوقال أيضًا: \"ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله - ﷺ - إلا قبل خبره وانتهى إليه وأثبت\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٢ - ٩٢) وإعلام الموقعين (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٣).\n(٢) جماع العلم ص (١١، ١٢).","vol":"1","page":16},{"text":"ذلك سُنَّة\" (١).\nوقال - ﵀: \"إذا وجدتم لرسول الله - ﷺ - سُنَّة فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد\" (٢).\nوقال ابن تيمية: \"وهذه السُّنَّة إذا ثبتت فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها\" (٣).\nوالأدلة على وجوب اتباع السُّنَّة كثيرة جدًا (٤):\nفمن القرآن الكريم (٥):\n١ - الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - قال - تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].\n٢ - ترتيب الوعيد على من يخالف أمر النبي - ﷺ -، قال - تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\n٣ - نفي الخيار عن المؤمنين إذا صدر حكم عن رسول الله - ﷺ -، قال - تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى\n_________\n(١) مفتاح الجنة، ص (٣٤)\n(٢) مفتاح الجنة ص (٧٧).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٩/ ٨٥، ٨٦).\n(٤) انظر مسائل الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله (٣/ ١٣٥٥ - ١٣٦١) ومعارج القبول (٢/ ٤١٦ - ٤٢٠) وللاستزادة يراجع كتاب حجية السنة للدكتور عبد الغني عبد الخالق ص (١٧٨) وما بعدها، وكتاب السنة حجيتها ومكانتها للدكتور محمد لقام السلفي ص (٢٩، ٣٠).\n(٥) انظر الرسالة ص (٧٩، ٨٤) ومجموع الفتاوى (١٩/ ٨٣) وإعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٠) (٢/ ٢٨٩، ٢٩٠).","vol":"1","page":17},{"text":"اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\n٤ - الأمر بالرد إلى الرسول - ﷺ - عند النزاع، قال - تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].\n٥ - جعل الرد إلى الرسول - ﷺ - عند النزاع من موجبات الإيمان ولوازمه، قال - تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].\nومن السنة:\nقوله - ﷺ -: «فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ» (١).\nوقوله - ﷺ -: «دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (٢).\nوقوله - ﷺ -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرِّموه» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والترمذي، وقد تقدم.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص (٤٨٠) برقم (٧٢٨٨).\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٠٠) برقم (٤٦٠٤) ونحوه عند الترمذي في سننه (٥/ ٣٧، ٣٨) برقم (٢٦٦٣، ٢٦٦٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة في سننه (١/ ٦، ٧) برقم (١٢، ١٣).","vol":"1","page":18},{"text":"وقوله - ﷺ -: «ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» (١).\nهذه بعض النصوص الدالة على حُجِّيَّة السُّنَّة وبذلك يعلم أن الاحتجاج بالسُّنَّة أصل ثابت من أصول هذا الدين وقاعدة ضرورية من قواعد.\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٦) برقم (١٢) والترمذي في سننه (٥/ ٣٨) برقم (٢٦٦٤) وقال: حسن غريب.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الأول\nحقيقة السُّنَّة التَّرْكِيَّة</span>\nوفي هذا الفصل خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: تعريف التَّرْك وأحكامه.\nالمطلب الثاني: تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة.\nالمطلب الثالث: أقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة.\nالمطلب الرابع: علاقة سُنَّة التَّرْك بالسُّنَّة التقريرية.\nالمطلب الخامس: علاقة سُنَّة التَّرْك بالمصالح المُرْسَلة.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الأول\nتعريف التَّرْكِ وأحكامه</span>\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المسألة الأولى: تعريف التَّرْكِ </span>(١):\nالتَّرْكُ لُغَةً: تَرْكُ الشيءَ تَرْكًا وتَرْكَانًا، طرحه وخلَّاه، ويُقال: تركتُ المنزل تركًا، رحلتُ عنه؛ وتركتُ الرجل: فارقته.\nوالتَّرْكُ: عدم فعل المقدور عليه.\nوأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يُسمَّى تَرْكًا، ولذلك لا يُقال: تَرَكَ فلانٌ خَلْقَ الأجسام.\nوذلك أن التَّرْكُ فعل الضد لأنه مقدور، ولا بد أن يكون كلا الضدين مقدورَين حتى يكون ارتكاب أحدهما تَرْكًا للآخر، فإذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مقدورًا لم يصح استعمال التَّرْكِ هناك، فلا يقال: تَرَكَ بقعوده الصعود إلى السماء، ولا تَرَكَ بحركته الاضطرارية حركته الاختيارية.\n_________\n(١) انظر: المواقف (٢/ ١٦٣) والمصباح المنير ص (٧٤) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (٢/ ١٧٤) والمعجم الوسيط ص (٨٤).","vol":"1","page":23},{"text":"ثم إن عُدِمَ فعل المقدور إنما يُسمَّى تَرْكًا إذا كان حاصلا بالقصد فلا يُقال تَرَكَ النائم الكتابة، ولذلك يتعلق بالتَّرْكِ الذم والمدح والثواب والعقاب، فلولا أنه اعتبر فيه القصد لم يكن كذلك قطعًا.\nوذلك أن التَّرْكَ من أفعال القلوب؛ لأنه انصراف القلب عن الفعل وكَفُّ النَّفس عن ارتياده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المسألة الثانية: أحكام التَّرْكِ:</span>\nويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية:\nأولًا: أن التَّرْكَ داخل تحت التكليف (١).\nالتَّرْكُ معدود من الأفعال المُكلَّف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.\nوالدليل على أن الترك فعل من القرآن قوله - تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] فسمَّى الله عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وذمهم على هذا الفعل، فقال - سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ومن السُّنَّة قوله - ﷺ -: «المُسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) فَسُمِّيَ تَرْكُ الأذى إسلامًا وهو يدل على أن التُّرْك فعل.\n_________\n(١) انظر: مذكرة الشنقيطي ص (٣٨، ٣٩).\n(٢) أخرجه البخاري ص (٨) برقم (١٠) ومسلم ص (٤٧) ص (٤١).","vol":"1","page":24},{"text":"ثانيًا: متى يكون الترك مطلوبًا أو مباحًا في الشرع؟ (١)\n١ - إذا وقع تَرْك ما أحله الله على وجه معتبر شرعًا وذلك إذا اقترن بهذا التَّرْك نية صحيحة، أو كان التَّرك وسيلة مفضية إلى العمل الصالح وعونًا عليه؛ فإن هذا التَّرك على هذا الوجه يدخل تحت معنى العبادة، فلا يكون بدعة حينئذ، وذلك كمن نوى بترك النَّوم ليلًا لإدراك صلاة الفجر، أو كان ترك النوم بالنسبة إليه سببًا للبر بوالديه أو أحدهما.\n٢ - إذا وقع التَّرك لسبب معقول؛ كمن يترك الطعام لأنه يضره في جسمه، أو لأنه لا يجد ثمنه، أو ما أشبه ذلك من الدواعي الخاصة، ومنه تَرْك النبي - ﷺ - لأكل الضَّب لقوله فيه «إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أَعافه» (٢)، ولا يُسَمَّى مثل هذا تحريمًا لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك فهذا التَّرْك في أصله من قبيل المباح.\n٣ - ترك الأمور المشتبهات من باب الاحتياط؛ فإن هذا من باب الورع، وهو الوارد في قوله - ﷺ -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣)، وقوله - ﷺ -: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه\n_________\n(١) انظر: الحوادث والبدع ص (٤٣) والباعث ص (٥٧) والاعتصام (١/ ٤٢، ٤٥) (٢/ ١٠٧) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).\n(٢) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦).\n(٣) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٦٨) برقم (٢٥١٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع (٢/ ٦٣٧) برقم (٣٣٧٨).","vol":"1","page":25},{"text":"وعرضه» (١).\n٤ - تَرْك بعض السُّنَّة سُدًا للذريعة؛ لئلا يُظن الوجوب وهذا خاص بمن كان من الناس في مظنة الاقتداء به، وهو منقول عن السلف؛ كَتَرْكِ بعض الصحابة - ﵃ - الأُضحية؛ خشية أن يظن الناس أنها واجبة؛ نُقِلَ ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس - ﵄ - وقال أبو مسعود البدري - ﵁: «إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة» (٢).\nوالأصل في ذلك: تَرْك النبي - ﷺ - قتل المنافقين (٣)، وتَرْكه - ﷺ - هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - ﷺ - (٤).\nقال ابن القيم: \" .. هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المَفسدتين باحتمال أدناهما، وقد أمسك النبي - ﷺ - عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حُدثان عهد قريش\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١٧) برقم (٥٢) ومسلم واللفظ ص (٨٣٣) برقم (١٥٩٩).\n(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٦٥) وصححه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١٤٥).\n(٣) أخرجه البخاري ص (٧٣٥) برقم (٣٥١٨) ومسلم ص (١٣٥١) برقم (٢٥٨٤).\n(٤) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨).","vol":"1","page":26},{"text":"بالإسلام، وأن ذلك رُبَّما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه\".\nوكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عمَّا سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فِتْنَة له، أمسك عن جوابه (١).\nثالثًا: متى يصير التَّرْكُ بدعة (٢)؟\nترك ما أحلَّه الله - تعالى - يصير بدعة ضلالة في حالتين:\nالحالة الأولى: أن يعتقد تحريم فعل ما أحلَّه الله.\nوالأصل في ذلك: التحريم الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام؛ كما ورد ذلك في قوله - تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].\nومن الأمثلة على ذلك:\n١ - اعتقاد تحريم التمتع بالطيبات.\n٢ - اعتقاد حُرْمة جميع ما يُصنع ويأتي من بلاد الكافرين، من أطعمة وألبسة وغيرها.\n٣ - اعتقاد حُرْمة بعض المخترعات العصرية، كالوسائل الكهربائية.\nوالحالة الثانية: أن يقترن بِتَرْك فِعْل ما أحَلَّه الله قصد\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٤/ ١٥٧، ١٥٨).\n(٢) انظر الاعتصام (١/ ٤٢ - ٤٥) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).","vol":"1","page":27},{"text":"التعبد ونية التقرب إلى الله، من وجه لم يعتبره الشارع، وإن كان هذا التَّارِك يعتقد في نفسه أن إتيان هذا الفعل حلال من حيث الأصل.\nوذلك مثل التَّقَرُّب إلى الله - تعالى - بِتَرْك النوم ليلًا أو تَرْك الأكل نهارًا، أو تَرْك إتيان النساء، وهذا ما وَرَدَ في قصة الرَّهْطِ الثلاثة.\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروه كأنهم تَقَالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ - قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر.\nقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِر. وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.\nفجاء رسول الله - ﷺ - فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفْطِر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني» (١).\nوذلك أن هؤلاء الثلاثة أرادوا التقرب إلى الله - تعالى - بِتَرْكِ الحلال، وهو تَرْكُ النوم ليلًا، وتَرَكُ الإفطار نهارًا، وتَرَكُ الزَّواج.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١٠٧٠) برقم (٥٠٦٣).","vol":"1","page":28},{"text":"ثم إن الرسول - ﷺ - قد أنكر عليهم صنيعهم هذا وبَيَّنَ سُنَّتِه وجَلَّاها، فقال: «لَكِنِّي أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النِّساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي» والرغبة عن السنة مُوقِع في البدعة.\nوالأصل في ذلك: قول الله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] حيث نهى أوَّلًا عن تحريم الحلال ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء لا يحبه الله، وذلك أن التَّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل.\nومما يَحْلَق بهذا النوع من التَّرك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، أو الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر فإنه تَنَطُّع؛ لأنه من قبيل التشديد والتَّنَطُّع المذموم، وفيه أيضًا مَنْ قصد الشهرة ما فيه، وهذا كله قد يفضي إلى الوقوع في الغلو المنهي عنه.\nرابعًا: متى يصير الترك معصية (١).\nيُعَدُّ التَّرْكُ معصية: إذا تُرِكَ ما هو مطلوب في الشرع كَسَلًا أو تضييعًا أو عبثًا، فهذا الضرب من التَّرْكِ راجع إلى مخالفة أمر الشارع، فإن كان في أمر يفيد الوجوب فالتَّرك يكون حينئذ معصية؛ كَتَرْك الطَّعام يوم العيد.\n_________\n(١) انظر: الاعتصام (١/ ٤٢ - ٤٥) والإبداع ص (٥١ - ٥٣).","vol":"1","page":29},{"text":"وإن كان التَّرْك في أمر يفيد النَّدب، فهذا التَّرك لا يُعَدُّ معصية؛ كترك الاستياك والتَّطَيُّب لصلاة الجمعة.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثاني\nتعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة</span>\nقبل الشروع في تعريف السُّنَّة التَّرْكِيَّة يَجْدُر التعرض بالبيان لأقسام تَرْكِه - ﷺ - وذلك على النحو الآتي:\nينقسم تَرْكِه - ﷺ - إلى خمسة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القسم الأول: </span>التَّرْكُ الجِبِلِّيّ أو العادي، وهو ما يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كَتْرِكه - ﷺ - أكل الضَّب؛ لكونه لم يكن بأرض قومه (١).\nومن ذلك: ما تركه - ﷺ - على جهة النسيان.\nمثال ذلك: أن الرسول - ﷺ - صلى بأصحابه - ﵃ - صلاة فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: \"وما ذاك؟ \" قالوا: صليت كذا وكذا، فثني رجليه بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تَنْسُون فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.","vol":"1","page":31},{"text":"عليه ثم ليسلم ثم يسجد سجدتين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>القسم الثاني: </span>التَّرك الخاص به - ﷺ - وهو ما ثبت بالدليل كونه خاصًا به - ﷺ - كتَرْكِه - ﷺ - أكل الثَّوم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>القسم الثالث: </span>التَّرك المصلحي، وهو ما يرجع إلى تحقيق مصلحة شرعية.\nومن أمثلته ما يأتي:\nتَرْكِه - ﷺ - صلاة القيام في رمضان جماعة بأصحابه؛ رحمةً بأمته (٣).\nتَرْكه - ﷺ - هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - ﷺ - تأليفًا لقلوب أهل مكة؛ لقرب عهدهم بالكفر (٤).\nتَرْكه - ﷺ - قتل المنافقين؛ سدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام (٥).\nتَرْكه - ﷺ - الصلاة على صاحب الدَّين (٦) وتركه - ﷺ - الصلاة على الغال (٧) من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (٨٩) برقم (٤٠١).\n(٢) أخرجه البخاري ص (١٤٩٢) برقم (٧٣٥٩) ومسلم ص (٢٦٩) برقم (٥٦٤).\n(٣) أخرجه البخاري ص (١٤٨٠) برقم (٧٢٩٠).\n(٤) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.\n(٥) أخرجه البخاري ص (٧٣٥) برقم (٣٥١٨) ومسلم ص (١٣٥١) برقم (٢٥٨٤) وقد تقدم.\n(٦) انظر في ذلك: ما أخرجه البخاري ص (٤٥٩) برقم (٢٢٩٥).\n(٧) انظر في ذلك: ما أخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٦٨) برقم (٢٧١٠) وابن ماجة (٢/ ٩٥٠) برقم (٢٨٤٨) والنسائي (٤/ ٦٤) والحديث صححه محقق زاد المعاد. انظر: زاد المعاد ص (١٠٨).","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>القسم الرابع: </span>التَّرْكُ البياني، أو التَّرْكُ التشريعي، وهو ما تَرَكَه - ﷺ - بيانًا للشرع؛ كتَرْكه - ﷺ - الأذان للعيدين وتَرْكه الاحتفال بمولده - ﷺ -.\nوهذا القسم من تَرْكه - ﷺ - هو المُراد من السُّنَّة التَّرْكية، وإنما يُحْتج به فيجب تَرْك ما تَرَكَ - ﷺ -، إذا وجد السبب المُقتضي لفعل هذا المتروك في زمنه - ﷺ - وانتفى المانع من فعله كما سيأتي.\nومما يلتحق بهذا القسم - أعني التُّرْك البياني - ثلاثة أنواع من التَّرْك:\nالأول: تَرْكه - ﷺ - واجتنابه لما هو مُحَرَّم شرعًا، ومن ذلك: تَرْكه - ﷺ - وهو مُحْرِم للطيب والصيد؛ فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام (١).\nالثاني: قاعدة: \"تَرْك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال\"، وهي مقالة مشهورة عن الإمام الشافعي (٢).\n_________\n(١) انظر: إرشاد الفحول ص (٢١٣).\n(٢) وقد نقل عنه قول آخر يخالف هذا القول هو: \"حكاية الحال إذا تطرق إليها الإحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط منها الاستدلال\".\nوقد استشكل ذلك بعض العلماء، وجعلهما بعضهم قولين للشافعي وجمع بعضهم بين القولين بأن الاحتمال إذ كان قريبًا سقط بها الاستدلال وإذا كان بعيدًا فلا يسقط.\nانظر القواعد والفوائد الأصولية ص (٢٣٤، ٢٣٥) وشرح الكوكب المنير (٣/ ١٧٢ - ١٧٤).","vol":"1","page":33},{"text":"ومعنى القاعدة: أن النبي - ﷺ - إذا تَرَك السُّؤَال عن تفاصيل واقعة ما فإن عدم السؤال يدل على عموم حكمها، وذلك أن غيلان بن سلمة الثقفي - ﵁ - أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير أربعًا منهن (١).\nفدَّل تَرْكه - ﷺ - سؤاله: هل عقد عليهن معًا أو مرتبًا على عموم الحكم وعدم الفرق بين الأمرين (٢).\nقال تاج الدين السبكي: \"اشتهر عن الشافعي - ﵁ - أن تَرْكَ الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال\".\nوهذا وإن لم أجده مسطورًا في نصوصه فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي - ﵁.\n_________\n(١) رواه ابن ماجة في سننه (١/ ٦٢٨) برقم (١٩٥٣) والترمذي (٣/ ٤٣٥) برقم (١١٢٨) وقال: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق.\n(٢) انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص (٢٣٤، ٢٣٥) وشرح الكوكب المنير (٣/ ١٧١ - ١٧٤) وأضواء البيان (٥/ ١٠٠، ٥٨١، ٦/ ٥١٦، ٥٤٧).","vol":"1","page":34},{"text":"ومعناه صحيح؛ فقد كانت من عادته - ﷺ - أن يستفصل ويستقصي بحيث لا يدع غاية في البيان ولا إشكالا في الإيضاح.\nالثالث: سكوته - ﷺ - على حكم لو كان مشروعًا لبينه، فإنه يدل على عدم الحكم (١).\nومن أمثلته: القول بأن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في نهار رمضان؛ إذ لو وجبت على المرأة كفارة لبَيَّنَهَا رسول الله - ﷺ - ولأمر الأعرابي بتبليغ ذلك لأهله؛ كما أمر أنيسًا لمَّا قال له: «واغْدُ يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها» (٢).\nومما يدل على ذلك: قوله - ﷺ - «إن الله - ﷿ - فرض فرائض فلا تضيعوها وحرَّم حُرُمات فلا تنتهكوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (٣).\nويدل على ذلك - أيضًا - قول ابن عباس - ﵄ - «وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (٤).\n_________\n(١) انظر: مفتاح الأصول ص (٥٨١ - ٥٨٣) والموافقات (١/ ١٦١) وما بعدها.\n(٢) أخرجه البخاري ص (٥٦٢) برقم (٢٧٢٤ - ٢٧٢٥) ومسلم ص (٩٠٢) برقم (١٦٩٧، ١٦٩٨).\n(٣) أخرجه الدارقطني في سننه (٤/ ١٨٣) برقم (٤٢) من كتاب الرضاع والحديث حسنه النووي في الأربعين النووية: الحديث الثلاثون.\n(٤) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٥٤) برقم (٣٨٠٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي انظر المستدرك (٤/ ١١٥) وقد رواه مرفوعًا ابن ماجه في سننه (١/ ١١١٧) برقم (٣٣٦٧) والترمذي (٤/ ٢٢٠) برقم (١٧٢٦) وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقال: وكأن لحديث الموقوف أصح.","vol":"1","page":35},{"text":"قال التلمساني: واعلم أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية (١).\nوهذا النوع أعني دلالة سكوته - ﷺ - يقرب من السنة التقريرية إلا أن السنة التقريرية - كما سيأتي في المطلب الآتي - لا بد أن يقترن بها فعل أو قول من بعض الصحابة - ﵃ - بخلاف دلالة السُّكوت فإنها أعَمَّ؛ إذ قد يقترن بها استفسار وسؤال سابق، فتكون من قبيل السُّنَّة التَّقريرية، وقد لا يقترن بها سُؤال؛ فتكون من قبيل التمسك بالأصل، وهو براءة الذمة؛ فتكون من قبيل سُنَّة التَّرْكِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>القسم الخامس: </span>ما تَرَكَه - ﷺ - لعدم القدرة عليه، وهذا التَّرْك لم يوجد معه القصد إلى التَّرْك (٢).\nوهذا على التحقيق لا يُسَمَّى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك كما تقدم مخصوص بتَرْكِ فعل المقدور عليه.\nومن الأمثلة عليه: تركه - ﷺ - الإتيان بالمستجدات الواقعة\n_________\n(١) انظر مفتاح الوصول ص (٥٨٣).\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤).","vol":"1","page":36},{"text":"بعد عصره - ﷺ - كَتَرْكه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة؛ فإن جحد وجوب الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر - ﵁ - وكتَرْكِه - ﷺ - دخول الحَمَّامَات، فإن هذه الحَمَّامَات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.\nوبناء على ذلك فإن تَرْكه - ﷺ - عاد إلى أربعة أقسام، وهي ترجع إلى قسمين: تَرْكُ تشريعي وتَرْكُ مُعَلَّل.\nفالتَّرك التشريعي نوعان: فقد يكون خاصًا به - ﷺ -، وقد يكون تَرْكُه - ﷺ - عامًا له ولأمته، وهذا - أعني التَّرْك التشريعي العام - هو التَّرْك الرَّاتب، وهو مَحَل الاقتداء، وهو الذي يُطْلَق عليه سُنَّة التَّرْك.\nوأما الأنواع الأخرى من التُّرُوك فإنها داخلة تحت تَرْكِه - ﷺ - لكنها لا تُسَمَّى سُنَّة تَرْكِيَّة.\nوأما التَّرْكُ المُعَلَّل فهو ما وقع فيه التَّرْك لأجل عِلَّة معينة غير عِلَّة التشريع وبيان الحكم.\nوذلك أن الترك - ها هنا - حكم معلل بوجود مانع معين، وهذا المانع يتضمن معنى معتبرًا.\nإذ قد يرجع هذا المعنى أو المانع إلى الجِبِلَّة والعادة، وقد يرجع إلى تحصيل مصلحة أو درء مفسدة.\nوحيث إن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإن هذا المعنى أو المانع متى تبين زواله وعُلِمَ انتفاؤه زال حكم التَّرْك","vol":"1","page":37},{"text":"وانقطع وصار الإتيان بهذا الأمر المتروك مشروعًا متى ما وُجِدَ في الشرع ما يقتضيه.\nفهذا القسم من التَّرْكِ يُسَمَّى بالتَّرْك غير الرَّاتب؛ لأنه منوط بقيام علته، ومقيد بها، ولا يُشْرَع فيه الاقتداء بالنبي - ﷺ -.\nوقد أشار ابن تيمية إلى هذين القسمين من التَّرْك بقوله: \" فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات أو بالموقف بعرفات أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر\".\nوالتَّرْكُ الرَّاتب سُنَّة كما أن الفعل الرَّاتب سُنَّة.\nبخلاف ما كان تَرْكِه بعدم مقتضى أو فوات شرط أو وجود مانع وحدث بعده من المقتضيات والشروط وزوال المانع ما دلَّت الشريعة على فعله حينئذ كجمع القرآن في المصحف وجَمْعِ الناس التراويح على إمام واحد وتعلم العربية وأسماء النقلة للعلم وغير ذلك مما يحتاج إليه في الدين، بحيث لا تتم الواجبات أو المستحبات الشرعية إلا به.\nوإنَّمَا تَرْكُه - ﷺ - لفوات شرطه أو وجود مانع\" (١):\nوبذلك يمكن تعريف سُنَّة التَّرْك بأنها: \" تَرْكُه - ﷺ - فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته\".\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢).","vol":"1","page":38},{"text":"وقد تضمن هذا التعريف قُيودًا أربعة:\nالقيد الأول: أن يكون هذا الأمر المَتْرُوك مقدورًا عليه من جهة النبي - ﷺ -، وذلك أن التَّرْك - حسبما تقدم في التعريف اللغوي - عدم فعل المقدور عليه.\nوبهذا القيد يخرج ما تَرَكَه - ﷺ - لعدم القدرة عليه؛ فإن هذا النوع من الترك لم يوجد معه القصد إلى الترك (١).\nوهذا على التحقيق لا يسمى تَرْكًا؛ لكونه غير داخل تحت حقيقة التَّرْك؛ إذ الترك مخصوص بترك فعل المقدور عليه.\nومن الأمثلة على ذلك: تركه - ﷺ - الإتيان بالمستجدات الواقعة بعد عصره - ﷺ - مع وجود مقتضيها؛ كتركه - ﷺ - استعمال مكبرات الصوت الحديثة في نقل الأذان وتكبيرات الإمام والخطبة فهي غير مقدور عليها.\nوقد مثل ابن تيمية لذلك بتركه - ﷺ - دخول الحمامات، وذلك أن هذه الحمامات لم تكن معروفة ولا متوافرة في بلاد المسلمين قبل الفتوحات.\nقال ﵀: ليس لأحد أن يحتج على كراهة دخولها أي الحمامات أو عدم استحبابه بكون النبي - ﷺ - لم يدخلها ولا أبو بكر وعمر، فإن هذا إنما يكون حجة لو\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤).","vol":"1","page":39},{"text":"امتنعوا من دخول الحمام، وقصدوا اجتنابها، أو أمكنهم دخولها فلم يدخلوها.\nوقد علم أنه لم يكن في بلادهم حينئذ حمام، فليس إضافة عدم الدخول إلى وجود مانع الكراهة أو عدم ما يقتضي الاستحباب، بأولى من إضافته إلى فوات شرط الدخول، وهو القدرة والإمكان (١).\nالقيد الثاني: أن يكون هذا الأمر المتروك من قبيل الأفعال فالسنة التركية مخصوصة بتركه - ﷺ - للفعل دون تركه - ﷺ - للقول.\nوبهذا القيد يحترز من السنة التقريرية؛ فإنها من قبيل السكوت وذلك تركه - ﷺ - للقول.\nالقيد الثالث: أن يكون هذا الأمر المتروك من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها.\nوبهذا القيد خرج ما تركه الرسول - ﷺ - لعدم الحاجة إليه في زمنه، إلا أن الحاجة إليه طرأت فيما بعد، وهذا هو باب المصالح المرسلة، وذلك أن المصلحة المرسلة فعل أمر لم يكن في عهد النبي لكن دعت الحاجة إلى فعله بعد زمنه.\nومن الأمثلة على ذلك: تَرْكه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة؛ فإن منع الزكاة إنما وقع في عهد أبي بكر - ﵁.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣١٤) ..","vol":"1","page":40},{"text":"وخرج بهذا القيد - أيضًا: تَرْكه - ﷺ - للمنهيات والمنكرات، إذ ليس هنالك ما يقتضي فعل المعصية، بل الشرع يقتضي تَرْكها واجتنابها.\nالقيد الرابع: أن يقع هذا التَّرْكُ من النَّبي - ﷺ - على وجه التشريع والبيان؛ وذلك أن يَتْرُك الرَّسُول - ﷺ - فعل الشيء ليبين لأمته أن المشروع في هذا الشيء تَرْكُه وعدم فعله.\nوبهذا القيد خَرَجَ ما تَرَكَه - ﷺ - لا على وجه التشريع، وإنما تَرْكُه مِن أجل قيام مانع من الموانع: إما لمانع جِبِلِّي، كَتَرْكِه - ﷺ - أكل الضَّب (١)، أو تأليفًا للقلوب؛ كَتَرْكِه - ﷺ - نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم - ﵇ (٢)، أو لغير ذلك من المعاني.\nوخرج بهذا القيد - أيضًا - تَرْكه - ﷺ - فعل أمر من الأمور الدنيوية المحضة؛ فإن هذا التَّرْك منه - ﷺ - إنما يقع من جهة كونه بشرًا، فهو راجع إلى أفعاله - ﷺ - الجِبِلِّيَّة والعادية، وهي في الأصل تأخذ حكم الإباحة.\nومن الأمثلة على ذلك: أمرُه - ﷺ - بِتَرْك تأبير النخل، فعن موسى بن طلحة عن أبيه - ﵁ - قال: مررت مع رسول الله - ﷺ - بقوم على رؤوس النخل فقال: «ما يصنع هؤلاء» فقالوا:\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.\n(٢) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.","vol":"1","page":41},{"text":"يلقحونه؛ يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح؛ فقال رسول الله - ﷺ - «ما أظن يغني ذلك شيئًا» قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله - ﷿ -» (١).\nوقد خرج بهذا القيد - أيضًا - التَّرْك الخاص به - ﷺ -؛ فإن هذا التَّرْك وإن حصل به بيان للشريعة، لكنه بيان يختص به - ﷺ - دون أمته؛ كَتَرْكِه - ﷺ - أكل الثوم (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ص (١٢٤٣) برقم (٢٣٦١).\n(٢) أخرجه البخاري ص (١٤٩٢) برقم (٧٣٥٩) ومسلم ص (٢٦٩) برقم (٥٦٤) وقد تقدم.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الثالث\nأقسام السُّنَّة التَّرْكِيَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>أولًا: </span>تنقسم السَّنَّة التَّرْكِيَّة بحسب مجالاتها إلى ما يأتي:\n١ - باب الاعتقادات، كالقول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إليه، وكالاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع.\n٢ - باب العبادات، كَتَرْكِه - ﷺ - صلاة ركعتين بعد الفراغ من السَّعْي.\n٣ - باب الأعياد، وذلك أن النبي - ﷺ - تَرَكَ الاحتفال بأيام الإسلام المشهودة ولم يتخذها أعيادًا.\nقال ابن تيمية: \"وللنبي - ﷺ - خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته ودخوله المدينة، وخُطَب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى - ﵇ - أعيادًا أو اليهود\".\nوإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبع، وإلا لم يحدث","vol":"1","page":43},{"text":"في الدين ما ليس منه (١).\n٤ - باب النكاح وما يتعلق به، وقد مَثَّلَ الشاطبي لذلك فقال: \"وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المُحَلِّل وأنها بدعة منكرة من حيث وجد في زمانه - ﵊ - المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.\n٥ - باب الجنايات والحدود، ومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه - ﷺ - جَلْدَ الزاني المحصن اكتفاءً برجمه.\nوسيأتي مزيد من الأمثلة لهذه الأبواب وغيرها في الفصل الثالث الخاص بالتطبيقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثانيًا: </span>تنقسم السُّنَّة التَّرْكِيَّة بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين (٢):\nالطريق الأول: أن يرد نص صريح من الصحابي، بأن الرسول - ﷺ - تَرَكَ كذا وكذا ولم يفعله، وذلك كقوله: «إن رسول الله - ﷺ - صلى العيد بلا أذان ولا إقامة» (٣).\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٤، ٦١٥).\n(٢) انظر إعلام الموقعين (٢/ ٣٨٩ - ٣٩١).\n(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١/ ٢٩٨) برقم (١١٤٧) وصححه النووي انظر: لمجموع (٥/ ١٣) وأصل الحديث في الصحيحين.","vol":"1","page":44},{"text":"وقد ورد في السُّنَّة المطهرة تَرْكِه - ﷺ - الأذان والإقامة لصلاة العيد بألفاظ متعددة فمن ذلك: عن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: \"صليت مع النبي - ﷺ - العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (١).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: «صلى رسول الله - ﷺ - ثم خطب وأبو بكر وعمر وعثمان في العيد بغير أذان ولا إقامة» (٢).\nوفي \"صحيح البخاري\" أن ابن عباس - ﵄ - أرسل إلى ابن الزبير - ﵄ - في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخُطْبَة بعد الصلاة (٣).\nالطريق الثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته - ﷺ - على تَرْكِ هذا الفعل، وذلك بأن تتوافر همم الصحابة - ﵃ - ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول - ﷺ - فعله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.\nومن أمثلة ذلك: تَرْكُه - ﷺ - التلفظ بالنية عند دخوله في\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٤١٢) وقال: حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٤٨).\n(٣) أخرجه البخاري ص (١٩٢) برقم (٩٥٩).","vol":"1","page":45},{"text":"الصلاة، وتَرْكُه الدَّعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يُؤَمِّنُون على دعائه دائمًا بعد الصُّبْح والعصر أو في جميع الصلوات (١).\nقال ابن النجار: \"وإذا نُقل عن النبي - ﷺ - أنه تَرَكَ كذا كان - أيضًا - من السنة الفعلية؛ كما وَرَدَ أنه - ﷺ - لما قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأمسك عنه وتَرَكَ أكله: أمسك الصحابة - ﵃ - وتركوه حتى بين لهم أنه حلال ولَكنَّه يَعَافه\" (٢).\nولكن هذا النوع مقيد بتصريح الراوي بأنه تَرك، أو قيام القرائن عند الراوي الذي يروي عنه أنه تَرك (٣).\n_________\n(١) انظر: إعلام الموقعين (٢/ ٣٨٩ - ٣٩١) والبحر المحيط (٤/ ١٩٠، ١٩١).\n(٢) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٢٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.\n(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الرابع\nعلاقة سُنَّةِ التَّرْكِ بالسُّنَّةِ التقريرية</span>\nقبل الشروع في بيان هذه العلاقة يحسن التمهيد لذلك بالكلام عن السُّنَّة التقريرية من حيث معناها وحجيتها. فأقول:\nالمقصود بتقريره - ﷺ -: أن يفعل أحد الصحابة - ﵁ - بحضرة النبي - ﷺ - فعلًا أو يقول قولا فيمسك - ﷺ - عن الإنكار ويسكت، أو يُضَمَّ إلى عدم الإنكار تحسينًا له، أو مدحًا عليه، أو ضحكًا منه على جهة السرور به (١).\nومن المثلة على ذلك: أكل الضَّبِّ على مائدة رسول الله - ﷺ - (٢) وكإقراره - ﷺ - إنشاد الشعر المباح (٣).\nوالأصل في حجية إقراره - ﷺ - (٤) هو أنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، إذ سكوته يدل على جواز ذلك الفعل أو القول، بخلاف سكوت غيره، لذلك بَوَّبَ\n_________\n(١) انظر شرح مختصر الروضة وقواعد الأصول ص (٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٦).\n(٢) أخرجه لبخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.\n(٣) انظر صحيح البخاري ص (٩٩) برقم (٤٥٣).\n(٤) انظر شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤ - ١٩٦).","vol":"1","page":47},{"text":"الإمام البخاري في صحيحه بقوله: \"باب من رأى تَرْكَ النكير من النبي - ﷺ - حجة لا من غير الرسول\" (١).\nوكذلك فإن من خصائصه - ﷺ - أن وجوب إنكار المنكر لا يسقط عنه بالخوف على نفسه لقوله - تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] (٢).\nوإنما يكون سكوته - ﷺ - وعدم إنكاره حُجَّة فيدل على الجواز بشرطين (٣):\nأ - أن يعلم - ﷺ - بوقوع الفعل أو القول، فأما أن يقع ذلك بحضرته، أو في غيبته لكن ينقل إليه أو في زمنه وهو عالم به لانتشاره انتشارًا يبعد معه ألا يعلمه - ﷺ -.\nب - ألَّا يكون الفعل الذي سكت عنه - ﷺ - صادرًا من كافر لأن إنكاره - ﷺ - لما يفعله الكفار معلوم ضرورة فالعبرة في فعل أحد المسلمين.\nقال الطوفي: \"نعم شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تَرْكِه الإنكار إقرارًا: علمه بالفعل وقدرته على الإنكار؛ لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مُقِرٌ أو مُنْكِرٌ، ومع العجز يدل على أنه مُقِرٌ كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته\".\n_________\n(١) صحيح البخاري (١٣/ ٣٢٣).\n(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٨١).\n(٣) انظر المسودة ص (٢٩٨) وقواعد الأصول ص (٣٩) وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":48},{"text":"وأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والسُّنَّة التقريرية فيمكن بيانه في أمرين:\nالأمر الأول: وجه الاتفاق بينهما:\nتشترك السنة التركية والسنة التقريرية في وجهين:\n١ - أن كُلًّا منهما يدخل تحت السُّنَّة النبوية المُطهرة، ومن هنا فإن كُلًّا منهما طريق يحصل به معرفة الحكم الشرعي.\n٢ - أن كُلًّا منهما يستند إلى التَّرْكِ؛ فسُنَّة التَّرْكِ من قبيل تَرْكَه - ﷺ - للفعل، وسُنَّة التقرير من قبيل تَرْكِه - ﷺ - للقول.\nالأمر الثاني: وجه الافتراق بينهما:\nتفترق السُّنَّة التَّرْكِيَّة عن السُّنَّة التقريرية من وجهين:\n١ - أن سُنَّة التَّرك تَعُود إلى السُّنَّة الفعلية، بخلاف السُّنَّة التقريرية فإنها قِسْمٌ مستقل.\n٢ - أن السُّنَّة التقريرية لا بد أن يقترن بها ويحصل معها فعل أو قول من بعض الصحابة - ﵃ - بخلاف سُنَّة التَّرْكِ فإنها لا يقترن بها فعل ولا قول من الصحابة - ﵃ - بل الغالب أن يقترن بها تَرْكٌ منهم.\n٣ - أن السُّنَّة التقريرية تَرْكٌ للقول، إذ هي من قبيل الاستدلال بسكوته - ﷺ - بخلاف سُنَّة التَّرك فإنها من قبيل تَرْكِه - ﷺ - للفعل.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المطلب الخامس\nعلاقة سُنَّة التَّرْك بالمصلحة المُرْسَلة </span>(١)\nقبل الشروع في بيان هذه العَلاقة يحسن الكلام على المصلحة المرسلة من حيث معناها وحُجيتها فأقول:\nالمصلحة لغة: ضد المفسدة، وهي الخير والصواب (٢).\nوالمصلحة المرسلة عند الأصوليين هي: منفعة لم يشهد الشرع لاعتبارها ولا لإلغائها بدليل خاص (٣).\nوتنقسم المصلحة المرسلة بالنظر إلى قُوَّتها إلى ثلاثة أقسام (٤):\nفأقواها المصلحة الضرورية ثم الحاجية، ثم التحسينية.\nوالمراد بالمصلحة المرسلة الضرورية، ما كانت المصلحة فيه في محل الضرورة، بحيث يترتب على تفويت\n_________\n(١) انظر الاعتصام (٢/ ١٢٩ - ١٣٥) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (٨٣ - ٩٢).\n(٢) انظر مجمل اللغة (١/ ٥٣٩) والمصباح المنير ص (٣٤٥).\n(٣) انظر روضة الناظر (١/ ٤١٣) ومذكرة الشنقيطي ص (١٦٨، ١٦٩) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (١٥).\n(٤) انظر: المستصفى ص (٢٥١) وروضة الناظر (١/ ٤١٢ - ٤١٤) وقواعد الأحكام (٢/ ٦٠) والموافقات (٢/ ١٧) وشرح الكوكب المنير (٤/ ١٥٩ - ١٦٦) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (٦).","vol":"1","page":50},{"text":"هذه المصلحة تفويت شيء من الضروريات أو كلها.\nومن الأمثلة على ذلك: تولية أبي بكر - ﵁ - الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب - ﵁ - وجمع القرآن الكريم (١).\nوأما شروط العمل بالمصلحة المرسلة فهي (٢):\nالأول: ألا تكون المصلحة مصادمة لِنَصٍّ أو إجماع.\nالثاني: أن تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ والصيانة.\nالثالث: ألا تكون المصلحة في الأحكام التي لا تتغير، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود والمقدرات الشرعية، ويدخل في ذلك الأحكام المنصوص عليها والمجمع عليها، وما لا يجوز فيه الاجتهاد.\nالرابع: ألَّا تُعارضها مصلحة أرجح منها أو مساوية لها وألَّا يستلزم من العمل بها مفسدة أرجح منها أو مساوية لها.\nوأما العلاقة بين السُّنَّة التَّرْكِيَّة والمصلحة المُرسلة فيمكن بيانه في أمرين:\nأولًا: وجه الاتفاق بين سُنَّة التَّرْكِ والمصلحة المرسلة:\nتتفق سُنَّةِ التَّرْك مع المصلحة المرسلة في أن كُلًّا منهما\n_________\n(١) انظر المصالح المرسلة للشنقيطي ص (١١، ١٢) ورحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص (١٧٥، ١٧٦).\n(٢) انظر مجموع الفتاوى (١١/ ٣٤٣) وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٣٣٠، ٣٣١) والمصالح المرسلة للشنقيطي ص (٢١).","vol":"1","page":51},{"text":"من الأمور التي لم يُنقل عن النبي - ﷺ - أنه فعلها.\nثانيًا: وجه الافتراق بين سُنَّة التَّرْكِ والمَصلحة المُرسلة: تفترق سُنَّة التَّرْك عن المَصلحة المُرسلة من وجوه ثلاثة:\n١ - أَنَّ سُنَّة التَّرْك تنفرد بأن عدم وقوعها من جهة النبي - ﷺ - إنَّما كان مع قيام المُقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، مع انتفاء المانع، بخلاف المَصلحة المُرسلة فإِنَّ عدم وقوعها منه - ﷺ - إنما كان لأَجْلِ انتفاء المقتضي لفعلها، أو لِأَنَّ المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه.\n٢ - أَنَّ سُنَّة التَّرك إنما تعتبر في الأمور التَّعَبُّدية وما يلتحق بها بخلاف المَصلحة المُرسلة؛ فإنَّ عامة النَّظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرِضَت على العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل للمَصالح المُرسلة في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.\n٣ - أنَّ مُخَالفة سُنَّة التَّرك يدخل تحت معنى الابتداع في الدين، وذلك أنَّ مَنْ تَعَبَّدَ الله بعبادة لم يفعلها النبي - ﷺ - فهو مشمول بقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ» (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (٥٥٤) برقم (٢٦٩٧) ومسلم ص (٩١٤) برقم (١٧١٨) واللفظ له.","vol":"1","page":52},{"text":"ومن هنا يتبين أَصْلٌ مُهم: وهو أنَّ سُنَّة التَّرك تتميز بها البدع وتُعرف، وذلك أنَّ مُخالفة سُنَّة التَّرْك بِدْعَة في الدين.\nبخلاف المَصلحة المُرسلة، فإن مخالفتها لا تندرج تحت معنى الابْتِداع في الدين، وإنَّمَا تندرج تحت باب تعارض المَصالح والمَفاسد، وذلك أن المَصالح المُرسلة قد تقع في رتبة الضروريات، وقد تقع في رتبة الحاجيات أو التحسينات؛ فمن تَرَكَ المَصْلحة المُرسلة وأهدرها فإنه قد وقع في المَفسدة، وهذه المَفسدة تتفاوت بِحَسْبِ هذه الرُّتَب (١).\n_________\n(١) انظر: المستصفى ص (٢٥١).","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الفصل الثاني\nحُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة</span>\nوفي هذا الفصل ثلاثة مَطالب:\nالمطلب الأول: دلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة.\nالمطلب الثاني: شروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِيَّة.\nالمطلب الثالث: الأدِلَّة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّرْكِيَّة.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الأول\nدلالة السُّنَّة التَّرْكِيَّة</span>\nسُنَّة التَّرْك قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة المُطهَّرة، وهي حُجَّة شرعية مُعتبرة، وذلك أنَّ تَرْكَ الرسول - ﷺ - للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ تَرْك ما تَرَكَه رسول الله - ﷺ -.\nإلا أن هذا ليس على إطلاقه؛ إذ مجرد تَرْكه - ﷺ - للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنَّما يُستفاد التحريم من تَرْكه - ﷺ - متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم، ولذا فإنَّ الاحتجاج بتَرْكه - ﷺ - لا بد أن تتوافر فيه شروط، هذا ما يمكن ذكره إجمالًا، وإليك فيما يأتي تفصيل ذلك في أصول خمسة:\nالأصل الأول: أن النَّبيَّ - ﷺ - إذا تَرَكَ أمرًا من الأمور فإن هذا التَّرك مَحَلٌ للاقتداء والتَّأَسِّي به - ﷺ - وذلك أن تَرْكِه - ﷺ - جُزْء من سُنَّته - ﷺ - إذ سُنَّته تَعُمُّ جميع أفعاله وتَرْكِه - ﷺ -.\nوقد دَلَّ على ذلك عُموم قوله - تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].","vol":"1","page":57},{"text":"ويدخل تحت معنى التَّأسي بالرسول - ﷺ - في تَرْكِه أمور ثلاثة:\nالأول: متابعة الرسول - ﷺ - في تَرْكِ ما تَرَكَه:\nقال السمعاني: \"إذا ترك النبي - ﷺ - شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه (١). ووجوب مُتابعة الرسول - ﷺ - في تَرْكِه ليس على إطلاقه، وإنما يشترط فيه أن يقع هذا التَّرْك منه - ﷺ - مع وجود المُقتضي لفعله في زمنه - ﷺ - مع انتفاء المانع، كما سيأتي.\nالثاني: مُوافقة الرسول - ﷺ - في قصده في هذا التَّرْكِ:\nإذ لا يكفي في التَّأسي بالرسول - ﷺ - مجرد تَرْك ما تركه الرسول - ﷺ - بل لا بد أن يضم إلى هذا التَّرْك موافقته - ﷺ - في قَصْدِه - ﷺ - من هذا التَّرْك.\nأمَّا إذا تَرَكَ الرسول - ﷺ - أمرًا من الأمور بحكم الاتفاق دون قصد للتَّرْكِ، أو وَقَعَ التَّرك منه - ﷺ - دون أن يقصد العبادة بهذا التَّرك؛ فمتابعة الرسول - ﷺ - في هذا التَّرْكِ بقصد العبادة لا يكون من التَّأسي به - ﷺ - لأنه - ﷺ - لم يقصد العبادة (٢).\nقال ابن النَّجَّار: وأمَّا التَّأسي في التَّرْك: فهو أنّه تترك ما تركه لأجل أن تَرَكَه (٣).\n_________\n(١) قواطع الأدلة (٢/ ١٩٠).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠) (١٠/ ٤٠٩).\n(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٦).","vol":"1","page":58},{"text":"الثالث: الاقتداء بالرسول - ﷺ - في تحصيل معاني تَرْكِه وتحقيق حِكَمِه:\nومن الأمثلة على ذلك: أنَّ الرَّسول - ﷺ - قد يترك فعل أمر من الأمور من أجل علة معينة؛ كَتَرْكِه - ﷺ - قيام رمضان جماعة (١)، رحمةً بأُمَّتِه وشفقة عليهم فالمتعين على المُفْتِي وهو قائم مقام النبي في الأمة، أن يسلك في فتواه مَسلك الرَّحمة بالخلق والشَّفَقة عليهم، وأن يقتدي بمنهج الرسول - ﷺ - في بيانه للشَّرِيعة.\nقال الشاطبي: \"لا ينبغي لمن اِلْتَزم عبادة من العبادات البَدَنِيَّة النُّدْبِيَّة أن يُواظب عليها مُوَاظبة يَفهم الجاهل منها الوجوب إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مَظَّنَّة لذلك؛ بل الذين ينبغي له أن يدعها بعض الأوقات حتى يُعلم أنها غير واجبة؛ لأن خاصية الواجب المكرر الالتزام والدوام عليه في أوقاته، بحيث لا يتخلف عنه\".\nكما أن خاصية المَنْدُوب عدم الالتزام، فإذا التزمه فَهِمَ النَّاظر منه نفس الخاصية التي للواجب؛ فحمله على الوجوب، ثم استمر على ذلك فَضَلَّ ..\nولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السجدة على المِنْبَر ثم سجد وسجد معه الناس قرأها في كرة أخرى فلما قرب من\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١٤٨٠) برقم (٧٢٩٠) وقد تقدم.","vol":"1","page":59},{"text":"موضعها تهيأ الناس للسجود فلم يسجدها، وقال: \"إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء\" (١).\nومن الأمثلة على ذلك: تَرْكِه - ﷺ - نقض الكعبة ثم بنائها على قواعد إبراهيم (٢) تأليفًا للقلوب فيجدر بالمفتي أن يقتدي بالرسول - ﷺ - في فتواه بمراعاة المآل والنظر إلى ثاني الحال.\nومن هنا فإن عبد الله بن الزبير لمَّا وُلِّيَ الحجاز قام بمد الكعبة على الأركان الأربعة، ثم إن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان رَدَّ الكعبة على ما كانت عليه.\nثم لما جاء بعض خلفاء بني العباس استشار الإمام مالك في ذلك فقال: \"أُنْشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلَّا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه\" (٣).\nالأصل الثاني: أن تَرْكَه - ﷺ - لأمر من الأمور يدل على مشروعية تَرْكِه وعلى عدم وجوبه في أدنى الدَّرجات.\nقال التلمساني: \"ويلحق بالفعل في الدلالة: الترك؛ فإنه كما يستدل بفعله - ﷺ - على عدم التحريم يستدل بتركه على عدم\n_________\n(١) الموافقات (٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣) وأثر عمر - ﵁ - أخرجه البخاري في صحيحه ص (٢١٧) برقم (١٠٧٧).\n(٢) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.\n(٣) انظر السيرة الحلبية (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":60},{"text":"الوجوب\" (١).\nوبهذا يتبين أنَّ تَرْكَه - ﷺ - لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك.\nوهذا كله إنما يستقيم إذا خلا تَرْكُه - ﷺ - من القرائن.\nوهذه قضية في غاية الأهمية؛ فإنَّ تَرْكَه - ﷺ - من حيث هو يحتمل - وهذا هو الأصل - جواز الترك، وهو الإباحة ويحتمل - أيضًا - وجوب الترك، وهو التحريم.\nومن هنا فلا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكه - ﷺ - لأمر من الأمور دليلًا على تحريم هذا الأمر المتروك، كما لا يسوغ لأحد أن يجعل من مجرد تَرْكِه - ﷺ - لأمر من الأمور دليلًا على إباحة هذا الأمر المتروك.\nإلا أن تَرْكَه - ﷺ - قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به فيكون هذا التَّرك دليلًا على الإباحة.\nوقد تقترن بتَرْكِه - ﷺ - قرائن تجعل من هذا التَّرك حُجَّة، فيكون هذا التَّرك دليلًا على التحريم، ويتعين إذ ذاك متابعته - ﷺ - في هذا التَّرك. وسيأتي بيان هذه القرائن في الأصل الرابع والخامس.\nثُمَّ إنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - حتى يكون حُجَّة يجب متابعته فيه لا بد أن يتوافر فيه شرطان:\n_________\n(١) مفتاح الوصول ص (٥٨٠).","vol":"1","page":61},{"text":"الشرط الأول: أن يترك - ﷺ - فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده - ﷺ -.\nوالشرط الثاني: أن يترك - ﷺ - فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع وعدم العوارض.\nوسيأتي تفصيل هذه الشروط إن شاء الله في المطلب الآتي.\nالأصل الثالث: أن تَرْكَه - ﷺ - ليس قِسما واحدًا بل تَرْكَه - ﷺ - كأفعاله - ﷺ - فإنها على أقسام فمنها التَّرك الجبلي والعادي والتَّرك الخاص به - ﷺ - والتَّرك المصلحي، والتَّرك البياني، وقد تقدم بيان هذه الأقسام في الفصل السابق.\nالأصل الرابع: أن تَرْك النبي - ﷺ - قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، وتفيد عدم مشروعية الاقتداء به - ﷺ - في هذا التَّرك.\nومن الأمثلة على هذه القرائن:\n١ - أن يترك - ﷺ - الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِّلة أو العادة؛ كتَرْكِه - ﷺ - أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه (١).\n٢ - أن يترك - ﷺ - الفعل لأمر يختص به - ﷺ - وهو أنه يناجي الملائكة وذلك كتَرْكِه - ﷺ - أكل الثَّوم (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١١٣٤) برقم (٥٣٩١) ومسلم ص (١٠٤١) برقم (١٩٤٦) وقد تقدم.\n(٢) أخرجه البخاري ص (١٤٩٢) برقم (٧٣٥٩) ومسلم ص (٢٦٩) برقم (٥٦٤) وقد تقدم.","vol":"1","page":62},{"text":"٣ - أن يترك - ﷺ - الفعل تحقيقًا لمصلحة شرعية؛ كتَرْكِه - ﷺ - هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم - ﷺ - تأليفًا لقلوب أهل مكة (١).\n٤ - أن يترك - ﷺ - الفعل لعدم القدرة عليه، بسبب حدوث مسائل مستجدة وقعت بعد عصره - ﷺ - كتعدد الطوابق في الطواف والسعي ورمي الجمرات.\nوالضابط لهذه القرائن: أن يحصل هذا الترك منه - ﷺ - لأجل وجود مانع يمنعه من الفعل، أو من أجل انتفاء سبب هذا الفعل المقتضي له.\nالأصل الخامس: أنَّ تَرْك النبي قد تقترن به قرائن تجعل من هذا التَّرك حجة قاطعة؛ فيتعين إذ ذاك متابعته - ﷺ - في هذا الترك.\nوأقرب هذه القرائن أن يقترن بتَرْكِه - ﷺ - تَرْكِ السلف الصالح من الصحابة - ﵃ - والتابعين وتابعيهم.\nوالأصل في ذلك أن كل عبادة اتفق على تَرْكِها الرسول - ﷺ - وسلف الأمة من بعده فهي بلا شك بدعة ضلالة، ليست من الدين في صدر ولا ورد.\nفإذا تواطأ النبي - ﷺ - وسلف الأمة من بعده على تَرْكِ عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (٧٠٤) برقم (٣٣٦٨) وقد تقدم.","vol":"1","page":63},{"text":"ذلك أن المانع من فعل عبادة من العبادات إن وُجِدَ في حق النبي - ﷺ - فلا يمكن أن يوجد في حق السلف من بعده؛ إذ لا يمنعهم عن فعل العبادات مانع، ولا يشغلهم عن بيان الدين شاغل.\nوذلك أن السكوت عن حكم الفعل أو التَّرْك - إذا وُجِدَ المعنى المقتضى له وانتفى المانع منه - إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به.\nومن هنا يتبين أن كل عبادة من العبادات، ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائمًا والمانع منه منتفيًا (١).\nومِنْ هنا يظهر وجه التقارب والتلازم بين قاعدة السُّنَّة التَّرْكِية وقاعدة تَرْك السلف.\nويعتبر في العمل بقاعدة تَرْك السلف جميع ما يُذْكر من شُروطٍ في حُجِّيِّة تَرْك النبي - ﷺ - سواء بسواء.\nومن الأمثلة على التلازم بين تَرْك النبي - ﷺ - وتَرْك السلف:\n_________\n(١) انظر: الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص (٩) والباعث ص (٤٧).","vol":"1","page":64},{"text":"١ - صلاة الرَّغَائب المُبْتَدعة (١)\nوقد اعتمد العِزَّ بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على قاعدة تَرْك السلف.\nقال_ ﵀: \"ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دَوَّن الكُتُب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسُّنَّن لم يُنقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تَعَرَّضَ لها في مجالسه.\nوالعادة تحيل أن تكون مثل هذه سُنَّة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسُّنَن والحلال والحرام\" (٢).\n_________\n(١) وهي اثنتا عشرة ركعة، تصلي بين العشائين ليلة أول جمعة في شهر رجب بكيفية مخصوصة يفصل بين كل ركعتين بتسليمه، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وسورة القدر ثلاث مرات، وسورة الإخلاص اثنتي عشرة مرة.\nوكذا صلاة ليلة النصف من شعبان، فإنها تسمى بصلاة الرغائب، وهي مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة. انظر تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/ ٨٩ - ٩٤) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (٥٨).\n(٢) الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة ص (٩) وانظر: الباعث ص (٤٧).","vol":"1","page":65},{"text":"٢ - الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة واتخاذها أعيادًا (١).\nفمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي - ﷺ - فإنه لم ينقل عن أحد من السلف فضلا عن فعله.\nقال ابن تيمية: \"وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه\" (٢).\nوقال أيضًا: \"فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - ﵁ - أحق به منا، فإنهم كانوا أشدَّ محبة لرسول الله - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.\nوإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سُنَّته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعِثَ به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.\nفإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان\" (٣).\n_________\n(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٤).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٤، ٦١٥).\n(٣) انظر المصدر السابق (٢/ ٦١٥).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثاني\nشروط الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية </span>(١)\nالشرط الأول: أن يقع هذا التَّرْكُ منه - ﷺ - مع وجود السبب المتقضي لهذا الفعل في عهده - ﷺ - وذلك بأن تقوم الحاجة إلى فعله ويتركه - ﷺ -، فَتَرْكُه - ﷺ - حينئذ لهذا الفعل يُعُّد سُنَّة يجب الأخذ بها وتجب متابعته - ﷺ - في تَرْكِ هذا الفعل ولكن ذلك بشرط انتفاء الموانع كما سيأتي في الشرط الثاني.\nأمَّا إن انتفى السبب المقتضي ولم يوجد هذا السبب الموجب لهذا الفعل، فإنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - حينئذ لا يكون سُنَّة؛ لأنَّ تَرْكَه كان بسبب عدم وجود المقتضي إذ لو وُجِدَ المقتضي لفعله - ﷺ -.\nومن الأمثلة على ذلك: تَرْكُه - ﷺ - قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب المقتضي، فلمَّا فعل أبو بكر - ﵁ - ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط (٢) لم يكن مخالفًا لسنة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢) واقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩١ - ٥٩٧).\n(٢) انظر صحيح البخاري ص (١٤٠٦) برقم (٦٩٢٤، ٦٩٢٥).","vol":"1","page":67},{"text":"تنبيه:\nاحتج بعضُهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده - ﷺ - وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذِّكر والقيام - حيث قال: إنَّ الرَّسول - ﷺ - لم يفعل بعض العبادات، وذلك لأن المقتضي في حقه - ﷺ - منتف؛ لكونه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعلوم أنَّ تَرْكَه - ﷺ - كمَّا تقرر لا يكون حُجَّة إلا بشرط قيام المقتضي، فهو - ﷺ - بخلاف أمته - ولا سيما المتأخرين - فإن المقتضي في حقهم قائم ثابت، وذلك لعظم تقصيرهم وكثرة ذنوبهم.\nوالجواب على ذلك: أن الرسول - ﷺ - قد بَيَّنَ بُطْلَان هذه الدعوى وذلك في قصة الرَّهْط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته - ﷺ - فلمَّا أُخبروا بها كأنهم تَقَالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي - ﷺ - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال - ﷺ -: «أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» (١).\nوبذلك يُعلم أن الرَّسول - ﷺ - بلغ الغاية القصوى في تقوى الله والحرص على التقرب إليه بأنواع التعبدات والطاعات.\nوبهذا يتقرر أصل مهم في هذا الباب، وهو: أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري ص (١٠٧٠) برقم (٥٠٦٣) وقد تقدم.","vol":"1","page":68},{"text":"المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي - ﷺ - أَوْلَى وأَتَم، لأنه - ﷺ - كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق.\nومثل هذا يُقَال - أيضًا - في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث - وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة - كان أَتَمُّ في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحقُّ بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم.\nوهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي - ﷺ - وفي حق السلف، وقد لا يوجد (١).\nالشرط الثاني: أن يقع هذا التَّرْك منه - ﷺ - مع تمكنه - ﷺ - من الفعل، ويحصل ذلك بانتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه - ﷺ - قد يَتْرُك فعلا من الأفعال - مع وجود المقتضي له - بسبب وجود مانع يمنع من فعله.\nومن الأمثلة على ذلك: تركه - ﷺ - جمع القرآن (٢) فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله - ﷺ - أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت فلما استقر\n_________\n(١) انظر: الاعتصام (١/ ٣٦٨).\n(٢) انظر صحيح البخاري ص (١٠٥٦) برقم (٤٩٨٦).","vol":"1","page":69},{"text":"القرآن بموته أَمِنَ الناس من زيادة القرآن ونقصه فكان جمعه داخلا تحت معنى سنته - ﷺ -.\nوهكذا تَرْكِه - ﷺ - قيام رمضان مع أصحابه - ﵁ - في جماعة بعد ليالٍ وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم (١) فلما كان في عهد عمر - ﵁ - جمعهم على قارئ واحد (٢) ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنة رسول الله - ﷺ - بل هو راجع إلى العمل بالسُّنَّة.\nتنبيه:\nاحتج بعضهم بذلك في تحسين بعض البدع - كالاحتفال بمولده - ﷺ - وبيوم هجرته، وتخصيص ليلة السابع والعشرين من شهر رجب بالمزيد من الذكر والقيام - حيث قال: إن الرسول - ﷺ - ربما لم يفعل بعض العبادات وآثر تَرْكها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه - ﷺ - بأمته وشفقة عليهم؛ كما تَرَكَ - ﷺ - الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكْتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله تَرَكَ - ﷺ - فعل بعض العبادات، ومعلوم أنَّ تَرْكَه - ﷺ - مع وجود المانع - كما تقرر - لا يكون حجة.\nوالجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على\n_________\n(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه ص (١٤٨٠) برقم (٧٢٩٠) وقد تقدم.\n(٢) انظر صحيح البخاري ص (٤٠٠) برقم (٢٠١٠).","vol":"1","page":70},{"text":"الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح والرسول - ﷺ - إنما تَرَكَها رحمةً بأمته.\nبل الصواب أن ينظر فيما تَرَكَه - ﷺ - من العبادات: هل تَرَكَه كذلك صحابته من بعده - ﵃ - والتابعون لهم؟\nفإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي - ﷺ -، ثم لما توفي فعلها الصحابة - ﵃ - من بعده عُلم أنَّ تَرْكَ النبي - ﷺ - كان لأجل مانع من الموانع؛ كَتَرْكِه - ﷺ - صلاة التراويح جماعة.\nأمَّا إذا تواطأ النبي - ﷺ - وصحابته - ﵃ - من بعده على تَرْكِ عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الثالث\nالأدلة على حُجِّيَّة السُّنَّة التَّركية</span>\nتتنوع الأدلة الدالة على حُجَّيَّة سُنَّة التُّرْكِ إلى أنواع ثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أولًا: </span>الأدلة الدَّالة على حُجَّيَّة أفعاله - ﷺ -:\nمن المقرر أن أفعاله - ﷺ - قِسْمٌ من أقسام السُّنَّة النبوية، وهذه الأفعال تشمل ما قصد - ﷺ - إلى فعله وما قصد إلى تَرْكِه.\nوالأدلة كثيرة على وجوب الاقتداء به - ﷺ - ومتابعته في أفعاله وتروكه (١) فمن ذلك:\nأ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].\nقال ابن كثير: \"هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله - ﷺ - في أقواله وأفعاله وأحواله\" (٢).\nب - وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ\n_________\n(١) انظر شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٠).\n(٢) تفسر ابن كثير (٣/ ٤٨٣).","vol":"1","page":72},{"text":"الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nقال ابن تيمية: \"وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل؛ فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصَّصناه بذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>ثانيًا: </span>ما ورد عن الصحابة - ﵃ - وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرْكِ والعمل بها في غير موضع فمن ذلك:\nقال حذيفة - ﵁: «كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تتعبدوا بها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا فاتقوا الله يا معشر القُرَّاء، خذوا طريق من كان قبلكم» (٢).\nوقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» (٣).\nوقال الإمام الشافعي: «كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس له فيه إمام متقدم من النبي - ﷺ -\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ٢٨٠).\n(٢) انظر الأمر بالاتباع ص (٦٢) وأخرج البخاري نحوه (١٣/ ٢٥٠) برقم (٧٢٨٢).\n(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧١٨).","vol":"1","page":73},{"text":"وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا» (١).\nوقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: \"خبِّرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"لا\" قال: \"ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهلوه؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون - ﵃ - شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك\" (٢).\nوبوَّب الإمام ابن خزيمة في صحيحه فقال: \"باب ترك الصلاة في المصلي قبل العيدين وبعدها اقتداء بالنبي واستنانًا به\" (٣).\nوقال السمعاني: \"إذا ترك الرسول شيئًا وجب علينا متابعته فيه\" (٤).\nوقال الطرطوشي في إبطاله لبعض البدع: \"ولو كان هذا لشاع وانتشر وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء\" (٥).\n_________\n(١) صون المنطق والكلام ص (١٥٠).\n(٢) انظر الشريعة ص (٦٣).\n(٣) (٢/ ٣٤٥).\n(٤) قواطع الأدلة (٢/ ١٩٠).\n(٥) الحوادث والبدع ص (٧٤).","vol":"1","page":74},{"text":"وقال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: \"ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي - ﷺ - أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم.\nفلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (١).\nوسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: \"الحمد لله هذه بدعة لا يَشُكُ فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي - ﷺ - ولا في زمن أصحابه ولا عن أحد من علماء السلف\" (٢).\nوقال ابن القيم: \"فإن تَرْكَه - ﷺ - سُنَّة كما أن فعله سُنَّة، فإذا استحببنا فعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا تَرك ما فعله، ولا فرق\" (٣).\nوقال الشاطبي: \"لأن تَرْك العمل به من النبي - ﷺ - في جميع عمره، وتَرْك السَّلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في التَّرك، وإجماع مِنْ كل مَنْ ترك؛ لأن عمل\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٨).\n(٢) فتاوى السبكي (٢/ ٥٤٩).\n(٣) إعلام الموقعين (٢/ ٣٩٠).","vol":"1","page":75},{"text":"الإجماع كنصه (١).\nوقال الزركشي: \"لأن المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التُّروك (٢).\nوقال ابن النجار: \"وإذا نقل عن النبي - ﷺ - أنه تَرَك كذا كان - أيضًا - من السُّنَّة الفعلية\" (٣).\nوقال الشوكاني: \"تَرْكه - ﷺ - للشيء كفعله له في التأسي به فيه\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ثالثًا: </span>أن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك وإهدار العمل بها والغفلة عنها يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية ومحاذير دينية فمن ذلك:\nالمفسدة الأولى: القول بعدم قيام الرسول - ﷺ - بواجب التبليغ وأن الرسول - ﷺ - لم يُعْلِّم أمته بعض الدين.\nمثال ذلك: أن اعتقاد الأذان للتراويح عبادة مشروعة والعمل بها يلزم منه القول بأن الرسول - ﷺ - لم يُبَيِّنْ ذلك لأحد من أمته.\nالمفسدة الثانية: القول بضياع بعض الدين، وأن الرسول - ﷺ - فعل هذه العبادة وبلغها للأمة، لكن الصحابة ﵁ كتموا نقل ذلك.\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٣٦٥).\n(٢) البحر المحيط (٤/ ١٩١).\n(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٦٥).\n(٤) إرشاد الفحول ص (٤٢).","vol":"1","page":76},{"text":"المفسدة الثالثة: فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.\nفمن زاد في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنة أن يقول: هذه زيادة مشروعة وهي عمل صالح.\nقال ابن القيم: \"فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسُنَّته وما كان عليه.\nولو صَحَّ هذا السؤال وقُبِلَ لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟\nواستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنْقَل؟\nواستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقاك: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنَقَل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أنَّ هذا لم يُنْقَل؟ \"","vol":"1","page":77},{"text":"ومن هنا يظهر لكل ذي بصيرة أن العمل بالسُّنَّة التَّركية أمر متعين شرعًا، وهو ضرورة دينية لا بد من المصير إليها.\nوذلك أن الاحتجاج بسُنَّة التَّرك مَبْنِي على مقدمات ثابتة راسخة (١).\nالمقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين فقد أتَمَّ الله هذا الدين فلا ينقصه أبدًا ورضيه فلا يسخطه أبدًا (٢).\nومن الأدلة على هذه المقدمة: قوله - تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nوقوله - ﷺ -: «وأَيْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٣).\nالمقدمة الثانية: بيانه - ﷺ - لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يُتْرَك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.\nومن الأدلة على ذلك: قوله - تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا\n_________\n(١) انظر في هذه المقدمات: إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٧) ومعارج القبول (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٧).\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٤).\n(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٤) برقم (٥) وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٠٨) ص (٦٨٨).","vol":"1","page":78},{"text":"أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد امتثل - ﷺ - لهذا الأمر، وقام به أَتَمّ القيام.\nوقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حُجْة الوداع فقال - ﷺ - «ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم فاشهد» (١).\nالمقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهَيَّأ الله له من الأسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله - تعالى.\nومن الأدلة على ذلك قوله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nوالواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسُنَّة نبيه - ﷺ - ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية.\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٨٠) وانظر خطبة الوداع في صحيح البخاري ص (٣٤٨) برقم (١٧٤١).","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الثالث\nأثر الاحتجاج بالسُّنَّة التَّرْكِية</span>\nوفي هذا الفصل أربعة فروع:\nالفرع الأول: أثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم.\nالفرع الثاني: أثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة.\nالفرع الثالث: أثر سُنَّة التَّرك في إبطال البدع والرد على المبتدعة.\nالفرع الرابع: أثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفرع الأول\nأثر سُنَّة التَّرك في تخصيص العموم</span>\nالأصل في ذلك: أن سُنَّة التَّرك دليل خاص يقدم على كل عموم.\nوإليك توضيح ذلك بالأمثلة:\nالمثال الأول: تَرْكه - ﷺ - للأذان في العيدين (١)؛ فإن الرسول - ﷺ - تَرَكَه مع وجود المقتضي لفعله في عهده وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة.\nفهذا التَّرْك دليل خاص يقدم على العمومات الدَّالة على فضل ذكر الله، كقوله _تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] والأذان من الذِّكر الذي يدخل تحت هذا العموم.\nقال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: \"فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا.\nفإنَّ كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله - ﷺ - ومع هذا لم يفعله رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١/ ٢٩٨) برقم (١١٤٧) وصححه النووي، وقد تقدم.","vol":"1","page":83},{"text":"فهذا التَّرْك سُنَة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس (١).\nالمثال الثاني: إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب الزكاة فيها بعموم قول النبي - ﷺ -: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وما سُقِي بالنضح نصف العشر» (٢) لأن عدم نقل أن النبي - ﷺ - أخذ الزكاة منها يُنَزَّل كالسُنَّة القائمة في أن لا زكاة فيها.\nالمثال الثالث: تَرْكه - ﷺ - استلام الرُّكنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت.\nوقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية - ﵄ - طافا بالبيت فاستلم معاوية - ﵁ - الأركان الأربعة، فقال ابن عباس - ﵄ - إنَّ رسول الله - ﷺ - لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية - ﵁: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس - ﵄: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فرجع إليه معاوية - ﵁ (٣).\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩٧).\n(٢) أخرجه البخاري ص (٣٠١) برقم (١٤٨٣).\n(٣) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٨ - ٧٩٩).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفرع الثاني\nأثر سُنَّة التَّرك في معرفة مقاصد الشريعة</span>\nعَدَّ الإمام الشاطبي سُنَّة التَّرْك من الطرق التي تُعْرَف بها مقاصد الشريعة، فقال - رحمه الله تعالى: \"والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أو عن شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضي له\" (١).\nوقد بين الشاطبي في هذا المقام أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين: (٢).\nالضرب الأول: أن يسكت الشارع عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يُقَدَّر لأجله.\nومن الأمثلة على ذلك: تلك النوازل التي حدثت بعد رسول الله - ﷺ - فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك، فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها وما أحدثه السلف الصالح؛ كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر ذكره، في زمن رسول الله - ﷺ - ولم\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ٤٠٩).\n(٢) انظر: الموافقات (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"1","page":85},{"text":"تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها.\nفهذا الضرب يندرج تحت مقاصد الشريعة، وهذا ما يُعْرف باسم المصالح المرسلة.\nالضرب الثاني: أن يسكت الشارع عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان.\nفهذا الضرب يعتبر فيه سكوت الشارع كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.\nوقد مَثَّل الشاطبي لهذا الضرب بقوله: \"وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنها بدعة منكرة؛ من حيث وجد في زمانه - ﵊ - المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه دَلَّ على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها.\nوهو أصل صحيح إذا اعْتُبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها، ودَلَّ على أن وجود المعنى المقتضي","vol":"1","page":86},{"text":"مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودًا قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل\" (١).\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ٤١٤).","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفرع الثالث\nأثر سُنَّة التَّرْك في إبطال البدع والرَّد على المُبتدعة</span>\nوهذا يشمل البدع العملية والعلمية.\nفمن البدع العملية (١):\nالتلفظ بالنِّيَّة عند الدخول في الصلاة.\nوالأذان لغير الصلوات الخمس.\nوالصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة.\nقال ابن تيمية: \"فأمَّا ما تَرَكَه أي النبي - ﷺ - من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أَذِنَ فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة؛ فيجب القطع بأن فعله بدعة، وضلالة ويمتنع القياس في مثله (٢).\nومن البدع العلمية: كل ما لم يرد في الكتاب والسنة ولم يؤثر عن الصحابة - ﵃ - والتابعين من الاعتقادات (٣).\n_________\n(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩١ - ٥٩٧) ومجموع الفتاوى (٦/ ١٧٢) والاعتصام (١/ ٣٦١) والإبداع للشيخ علي محفوظ ص (٣٤/ ٤٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٧٢).\n(٣) انظر أحكام الجنائز ص (٢٤٢).","vol":"1","page":88},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n- علم الكلام (١):\nقال الإمام مالك: \"لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل\" (٢).\nوقال ابن أبي العز: \"وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويُعرضون عن الأمر المشروع\" (٣).\nأ - فمن المسائل المبتدعة: القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر (٤).\nب - ومن الدلائل المبتدعة: الاستدلال بطريقة الأعراض وحدوثها على إثبات الصانع (٥).\nقال الخَطَّابي: \"واعلم أن الأئمة الماضين وأولي العلم\n_________\n(١) المراد بالكلام الذي ذمَّه أئمة السلف ونهوا عن الخوض فيه: الكلام في الدين على غير طريقة المرسلين.\nومن هنا أمكن تعريف علم الكلام بأنه إثبات أمور العقائد بالأدلة العقلية والطرق الجدلية مع الإعراض عما في القرآن والسنة من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين.\nانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٣٥، ٣٣٦) (١٢/ ٤٦٠، ٤٦١) (١٩/ ١٦٣).\n(٢) صون المنطق والكلام ص (٥٧) والأمر بالاتباع ص (٧٠).\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص (٥٩٣).\n(٤) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص (٧٤، ٧٥).\n(٥) انظر: درء التعارض ص (٣٠٨ - ٣١٠) ومجموع الفتاوى (٥/ ٥٤٢ - ٥٤٤).","vol":"1","page":89},{"text":"من المتقدمين لم يتركوا هذا النمط من الكلام، وهذا النوع من النظر عجزًا عنه، ولا انقطاعًا دونه، وقد كانوا ذوي عقول وافرة، وأفهام ثاقبة، وقد كانت هذه الفتن قد وقعت في زمانهم وظهرت، وإنما تركوا هذه الطريقة وأضربوا عنها لمَّا تخوفوه من فتنتها وعلموه من سوء عاقبتها وسيء مغبتها.\nوقد كانوا على بينة من أمورهم، وعلى بصيرة من دينهم؛ لما هداهم الله بنوره وشرح صدورهم بضياء معرفته فرأوا أن فيما عندهم من علم الكتاب وحكمته وتوقيف السنَّة وبيانها غناء ومندوحة مما سواها، وأن الحجة قد وقعت وتمت بهما وأن العلة والشبهة قد أزيحت بمكانهما.\nفلما تأخر الزمان بأهله وفترت عزائمهم في طلب حقائق علوم الكتاب والسنة وقلت عنايتهم بها واعترضهم الملحدون بشبههم والطاعنون في الدين بجدلهم حسبوا أنهم إن لم يردوهم عن أنفسهم بهذا النمط من الكلام ودلائل العقل؛ لم يقووا عليهم ولم يظهروا في الحجاج عليهم.\nفكان ذلك ضِلَّة من الرأي وخدعة من الشيطان.\nفلو سلكوا سبيل القصد ووقفا عندما انتهى بهم التوقيف لوجدوا بردِّ اليقين ورَوْح القلوب، ولكثرت البركة وتضاعف النماء وانشرحت الصدور وأضاءت فيها مصابيح النور\" (١).\n_________\n(١) انظر: درء التعارض (٧/ ٢٨٢ - ٢٨٣، ٢٨٦ - ٢٨٧) وصون المنطق والكلام ص (٩٣، ٩٤).","vol":"1","page":90},{"text":"ومن الأمور المبتدعة: التعرض للألفاظ المجملة بالإثبات أو النفي بإطلاق؛ كلفظ الجهة والجسم والعرض.\nقال ابن تيمية: \"فلم ينطق أحد منهم - أي السلف - في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلًا، بل هذا هو من الكلام المُبْتَدع الذي أنكره السَّلف والأئمة\" (١).\nأما طريق السلف: في التعامل مع الألفاظ المجملة فقد بينها ابن أبي العز بقوله: \"والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي: فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني.\nوأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحًا قُبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد.\nوالحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يُخاطَب بها ونحو ذلك\" (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٨١).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية ص (٢٣٩) وانظر منه ص (١٠٩، ١١٠).","vol":"1","page":91},{"text":"وبهذا يعلم أن من\" السُّنَّة اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن الله ورسوله أو يتفق عليه المسلمون على إطلاقه، وترْك التعرض لها بنفي أو إثبات، فكما لا يثبت إلا بنص شرعي فكذلك لا ينفى إلا بدليل سمعي\" (١).\nوتظهر لقاعدة السُّنَّة التَّركية أهمية بالغة في إبطال البدع والرد على أهلها؛ حيث اعتمد أئمة السلف - كثيرًا - على هذه القاعدة في مُنَاظراتهم للمبتدعة والرد عليهم.\nفمن ذلك: أن الإمام الشافعي قال لبشر المريسي: \"أخبرني عما تدعو إليه؟ أكتاب ناطق وفرض مفترض وسنَّة قائمة ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال\" فقال بشر: \"لا إنه لا يسعنا خلافه\" فقال الشافعي: \"أقررت بنفسك على الخطأ ... \" (٢).\nوقال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد يسأله: \"خبرني عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه: أشيء دعا إليه رسول الله - ﷺ -؟ قال: «لا ...»، قال: \"ليس يخلو أن تقول: علموه أو جهوله؛ فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعنا وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت: جهلوه وعلمته أنت فيا لكع بن لكع يجهل النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدون - ﵃ - شيئًا وتعلمه أنت وأصحابك\" (٣).\n_________\n(١) عقيدة الحافظ عبد الغني ص (١١٣).\n(٢) انظر صون المنطق والكلام ص (٣٠).\n(٣) انظر الشريعة ص (٦٣).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفرع الرابع\nأثر سُنَّة التَّرك في المسائل المعاصرة</span>\nوتحت هذا الفرع أمثلة ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>المثال الأول: </span>وضْع أعلام لحدود حرم المدينة النبوية:\nالمتأمل لما دونه المؤرخون للمدينة رُبَّمَا يتوقف حيرة في أن النبي - ﷺ - ثم الخلفاء من بعده تركوا نصب أعلام لحدود حرم المدينة؛ إذ لم يُنْقَل شيء من ذلك عنهم، اللهم إلا ما رواه الطبراني وغيره - وهو خاص بالحِمَى دون الحرم - عن كعب بن مالك - ﵁: \"بعثني رسول الله - ﷺ - أعلم على حدود الحِمَى\" (١).\nوهذا بخلاف الحرم المكي؛ فإن النبي - ﷺ - والخلفاء من بعده قد تتابعوا على تجديد أعلامه، ولا تزال أعلامه شامخة شاخصة إلى يومنا هذا (٢).\nفهل يسوغ اعتبار تركه - ﷺ - نصب أعلام لحدود الحرم المدني سُنَّة نبوية يقتدي بالرسول - ﷺ - فيه؛ فيجب أن نترك ما تركه؟\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٩٨) برقم (١٩٤).\n(٢) انظر أخبار مكة للفاكهي (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٦) وأخبار مكة للأزرقي (٢/ ١٢٨ - ١٣٠) وللاستزادة راجع كتاب: الحرم المكي والأعلام المحيطة به للدكتور عبد الملك بن دهيش.","vol":"1","page":93},{"text":"الجواب: أن السبب المقتضي لوضع أعلام تميز حدود حرم المدينة ويعرف بها ما يدخل في حد الحرم وما لا يدخل قد كان منتفيًا في عصره - ﷺ - حيث كانت حدود حرم المدينة معلومة العين، بارزة لا تخفى على ذي عين، بل إن دور المدينة كلها واقعة بين اللابتين، وكانت اللابتان تحيط بأطراف المدينة.\nقال المحب الطبري: \"معنى لابتي المدينة: أي طرفاها\" (١).\nومن هنا يعلم أن اللابتين كانتا في عصره - ﷺ - واضحتي المعالم ظاهرتين للمُعاين، لا يرد في حدهما إشكال ولا يتأتى بشأنهما نزاع؛ بسبب قلة السكان، وضيق مساحة العمران، فانتفى لأجل ذلك المقتضي الموجب نصب أعلام على حدود الحرم.\nوقد يكون السبب في ترك وضع أعلام لحدود حرم المدينة في العهود السالفة: أن المدينة النبوية ظلت مدة طويلة خاضعة لحكم الدولة العثمانية التي كانت تعتمد المذهب الحنفي الذي يرى أصحابه أن المدينة ليست كمكة في التحريم (٢).\nأما في وقتنا هذا فقد وجد هذا المقتضي وقام السبب الداعي إلى وضع أعلام تُبَيِّن حدود هاتين الحرَّتين وما بينهما\n_________\n(١) القرى لقاصد أم القرى ص (٦٧٣).\n(٢) انظر المبسوط (٤/ ١٠٥).","vol":"1","page":94},{"text":"ونصب علامات تظهر بها حدود الحرم من كل جهة؛ إذ عفت معالم الحرَّتين في الجملة، وانطمست آثارهما، بسبب امتداد البنيان وارتفاعه، وازدياد العمران واتساعه وأصبح السائر فوق تلك الأرض لا يمكنه التعرف على أصلها أو التنبؤ بأساسها؛ أهو واد مركوم أم جبل مقضوم أو هو سهول بيضاء أم حرة سوداء؟\nوبهذا يظهر جليًا أن السبب المقتضي لوضع أعلام تميز حدود حرم المدينة إنما وجد في هذا العصر، ولم يكن هذا لمقتضي موجودًا في عصره - ﷺ - وبذلك يعلم أن نصب أعلام على حدود حرم المدينة أمر مشروع، بل هو داخل تحت عموم سُنَّته التي ثبت بها تحريم ما بين لابتي المدينة وما بين جبليها، حيث أصبحت في هذا العصر معرفة حدود هذا الحرم متوقفة على وضع هذه الأعلام؛ إذ يمكن بها معرفة ما يدخل في حدِّ الحرم وما لا يدخل وبدون وضع هذه الأعلام يصعب تمييز حدود الحرم أو يتعذر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المثال الثاني: </span>وضع المفارش ذوات الخطوط في المساجد للاستعانة بها في إقامة صفوف المصلين وتسويتها:\nمن الواضح أن استعمال المفارش ذوات الخطوط ليس مقصودًا لذاته، وإنما قُصد من أجل كون هذه المفارش وسيلة معينة على استقامة الصفوف واعتدالها؛ حيث إن","vol":"1","page":95},{"text":"الشارع حث على استقامة صفوف المصلين وأمر بتسويتها.\nومعلوم أن هذا النوع من المفارش إنما سهل تصنيعه في هذا العصر بسبب وجود الآلات الكهربائية المتطورة وهذه الآلات لم تكن موجودة في عصر النبوة مع قيام المقتضي لها، وهو الحرص على استقامة الصفوف، فوضع هذه لمفارش كان أمرًا غير مقدور عليه من قبل.\nوهذا بخلاف وضع خيط أو حبل أو رسم خط على أرض المسجد؛ لتستقيم عليه أقدام المصلين؛ فإنه كان من الأمور الميسورة والمقدور عليها في عهد النبوة.\nومن هنا فإن وضع خيط أو حبل أو رسم خط في صفوف لمصلين يمكن أن يحكم عليه بأنه إحداث وابتداع في الدين، وأما وضع مفارش ذوات خطوط مصنوعة لهذا الغرض فهذا لم يكن مقدورًا عليه، فكان عدم القدرة عليه هو المانع الذي منع من فعله في عهد النبوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>المثال الثالث: </span>استعمال مكبرات الصوت في المساجد الكبيرة؛ للاستعانة بها في نقل تكبيرات الإمام وسائر ألفاظه.\nمن الواضح أن استعمال أجهزة نقل الصوت وتكبيره ليس مقصودًا لذاته، وإنما قصد من أجل كونها وسيلة يحصل بها نقل صوت الإمام؛ حيث إن المأمومين يلزمهم الاقتداء بالإمام ومتابعته في كافة أفعال الصلاة.","vol":"1","page":96},{"text":"ومعلوم أن هذه الأجهزة إنما وُجدت في هذا العصر بسبب وجود الآلات الكهربائية المتطورة، وهذه الآلات لم تكن موجودة أصلا في عصر النبوة مع قيام المقتضي لها، وهو ضرورة لسماع صوت الإمام بالنسبة للمأمومين، فاستعمال أجهزة الصوت لم يكن أمرًا مقدورًا عليه من قبل.\nومن هنا أمكن القول أن استعمال أجهزة الصوت محقق لمصلحة شرعية ظاهرة، بل إن استعمالها يندرج تحت قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لكونها وسيلة لا بد منها في متابعة المأموم للإمام.\nوقد كان من المعمول به قديمًا: مسألة التبليغ خلف الإمام، وأمَّا بعد أن وُجدت هذه المكبرات فلا حاجة إلى التبليغ.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الخاتمة</span>\nيطيب لي في نهاية المطاف أن أذكر خلاصة لهذا البحث، وذلك في تسع نقاط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>أولا: </span>الترك في اللغة يطلق على عدم فعل المقدور عليه، وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يسمى تركًا.\nوالترك عند الأصوليين معدود من الأفعال المكلف بها؛ خلافًا لمن زعم أن التَّرك أمر عدمي لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثانيًا: </span>تَرْكُه - ﷺ - ينقسم إلى أربعة أقسام:\n١ - الترك الجِبِلِّي أو العادي؛ كتركه - ﷺ - أكل الضَّبِّ.\n٢ - الترك الخاص به - ﷺ - كتركه - ﷺ - أكل الثُّوم.\n٣ - الترك المصلحي، وهو أنواع؛ كتركه - ﷺ - صلاة القيام جماعة بأصحابه؛ رحمة بأمه، وتركه - ﷺ - هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم - ﷺ - تأليفًا لقلوب أهل مكة، وتركه - ﷺ - قتل المنافقين؛ سَدًا لذريعة التنفير من الدخول في الإسلام، وتركه - ﷺ - الصلاة على صاحب الدَّيْنِ وعلى الغال، من باب العقوبة لهما والترهيب من صنيعهما.","vol":"1","page":98},{"text":"٤ - الترك البياني، أو الترك التشريعي، وهو ما تركه - ﷺ - بيانًا للشرع؛ كتركه - ﷺ - الأذان للعيدين، وتركه الاحتفال بمولده - ﷺ -.\nوهذا القسم من تركه - ﷺ - هو المراد من السُّنَّة التَّركية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ثالثًا: </span>يمكن تعريف سُنَّة التَّرك بأنها: تَرْكه - ﷺ - فعل الشيء مع وجود مقتضيه بيانًا لأمته.\nوقد تضمن هذا التعريف قيودًا أربعة: أن يكون هذا الأمر المتروك مقدورًا عليه من جهة النبي - ﷺ - وأن يكون فعلا لا قولا، وأن يكون من الأمور التي قام سببها ووجدت الحاجة إلى فعلها، وأن يقع هذا التَّرك من النبي - ﷺ - على وجه التشريع والبيان؛ وبهذا القيد خرج ما تركه - ﷺ - من أجل قيام مانع من الموانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>رابعًا: </span>تتطرق السُّنَّة التَّركية إلى المجالات التالية: باب الاعتقادات وباب العبادات، وهذا يشمل وسائل العبادة ووسائل العلم وتبليغ الدِّين، وباب الأعياد، وباب النكاح وما يتعلق به، وباب الجنايات والحدود.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>خامسًا: </span>تنقسم السُّنَّة التَّركية بالنسبة إلى نقلها إلى طريقين:\nالأول: أن يَرِدَ نَصٌّ صريح من الصحابي، بأن الرسول - ﷺ - ترك كذا وكذا ولم يفعله.","vol":"1","page":99},{"text":"والثاني: اجتماع القرائن الدالة على مواظبته - ﷺ - على ترك هذا الفعل.\nوذلك بأن تتوافر هِمَم الصحابة_ ﵃ - ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله لو أن الرسول - ﷺ - فعله؛ فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>سادسًا: </span>سُنَّة التَّرك قِسم من أقسام السنة المطهرة، وهي حجة شرعية معتبرة؛ إذ ترك الرسول - ﷺ - للشيء دليل على تحريمه؛ فيجب حينئذ ترك ما تركه رسول الله - ﷺ -. وهذا ليس على إطلاقه؛ فإن مجرد تركه - ﷺ - للشيء لا يدل على تحريم هذا الشيء المتروك، وإنما يستفاد التحريم من تَرْكه - ﷺ - متى انضم إلى هذا التَّرك القرائن المفيدة للتحريم.\nثم إن ترك النبي - ﷺ - قد تقترن به قرائن تمنع من الاحتجاج به، فمن هذه القرائن: أن يترك - ﷺ - الفعل لمانع يرجع إلى الجِبِلَّة أو العادة؛ كتركه - ﷺ - أكل الضَّبِّ لكونه لم يكن بأرض قومه، وأن يترك - ﷺ - الفعل لأمر يختص به - ﷺ - كتركه - ﷺ - أكل الثوم.\nكما قد تقترن بترك النبي قرائن تجعل من هذا الترك حجة قاطعة وأقرب هذه القرائن أن يقترن بتركه - ﷺ - ترك السلف الصالح من الصحابة - ﵃ - والتابعين وتابعيهم فإذا","vol":"1","page":100},{"text":"تواطأ النبي - ﷺ - وسلف الأمة من بعده على ترك عبادة فهذا دليل قاطع على أنها بدعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>سابعًا: </span>يشترك في ترك النبي - ﷺ - حتى يكون حُجَّة شرطان: أولهما: أن يترك - ﷺ - فعل أمر من الأمور مع وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده - ﷺ - وثانيهما: أن يترك - ﷺ - فعل هذا الأمر مع انتفاء الموانع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>ثامنًا: </span>تتنوع الأدلة الدالة على حُجِّية سُنَّة التَّرك إلى أنواع ثلاثة:\nالأدلة الدالة على حُجَّية أفعاله - ﷺ -.\nما ورد عن الصحابة - ﵃ - وعن أئمة العلم والدين من الاحتجاج بسُنَّة التَّرك والعمل بها في غير موضع.\nأن عدم الاحتجاج بسُنَّة التَّرك يلزم منه الوقوع في مفاسد شرعية، فمن ذلك، القول بعدم قيام الرسول بواجب التبليغ، أو القول بضياع بعض الدين، إضافة إلى فتح باب الابتداع والإحداث في الدين عامة، وفي باب العبادات خاصة دون قيد ولا شرط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تاسعًا: </span>من الآثار التطبيقية للاحتجاج بالسُّنَّة التَّركية:\n١ - أنَّ سُنَّة التَّرك دليل خاص يُقدم على كل عموم.\n٢ - أن سُنَّة التَّرك من الطرق التي تعرف بها مقاصد الشريعة.","vol":"1","page":101},{"text":"٣ - تعد سُنَّة التَّرك قاعدة بليغة الأثر في إبطال البدع والرَّد على المبتدعة.\n٤ - لسُنَّة التَّرك أثر واضح في استنباط أحكام كثير من المسائل المعاصرة.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثبت المصادر والمراجع</span>\n١ - الإبداع في مضار الابتداع: للشيخ علي محفوظ، دار المعرفة، بيروت.\n٢ - الإحكام في أصول الأحكام: لسيف الدين الآمدي (٦٣١ هـ) تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي بيروت ط ٢، (١٤٠٢ هـ).\n٣ - أخبار مكة: للإمام أبي عبد الله الفاكهي، تحقيق د. عبد الملك بن دهيش دار خضر، بيروت ط ٢، ١٤١٤ هـ.\n٤ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار: للإمام أبي الوليد الأزرقي تحقيق رشيد ملحس، مطابع دار الثقافة بمكة المكرمة ط ٤، (١٤٠٣ هـ).\n٥ - الأربعون النووية: للنووي (٦٧٦ هـ) المطبوع مع شرحه جامع العلوم والحكم (انظر: جامع العلوم والحكم من هذا الثبت).\n٦ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: للشوكاني (ت ١٢٥٥ هـ) دار المعرفة، بيروت (١٣٩٩ هـ).\n٧ - الأشباه والنظائر: لتاج الدين السبكي، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي عوض، دار الكتب العلمية، بيروت ط ١، (١٤١١ هـ).\n٨ - أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ) طبع وتوزيع دار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية (١٤٠٣ هـ).\n٩ - الاعتصام: للشاطبي، دار المعرفة، بيروت (١٤٠٥ هـ).","vol":"1","page":103},{"text":"١٠ - إعلام الموقعين: لابن القيم، تعليق طه سعد، دار الجيل، بيروت (١٩٧٣م).\n١١ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: لابن تيمية، تحقيق د. ناصر العقل ط ١، (١٤٠٤ هـ).\n١٢ - الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع: للسيوطي، تحقيق مشهور حسن سلمان دار ابن القيم الدمام ط ١، (١٤١٠ هـ).\n١٣ - الباعث على إنكار البدع والحوادث: لأبي شامة المقدسي، تعليق عثمان عنبر دار الهدي، القاهرة ط ١، (١٣٩٨ هـ).\n١٤ - البدع والنهي عنها لابن وضاح القرطبي، دار الصفا، القاهرة ط ١، (١٤١١ هـ).\n١٥ - البحر المحيط في أصول الفقه: للزركشي (ت ٧٩٤ هـ)، تحرير ومراجعة عبد القادر العاني وعمر الأشقر، وزارة الأوقاف بالكويت ط ٢، (١٤١٣ هـ).\n١٦ - تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: لابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) تقديم د. يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت ط ١، (١٤٠٧ هـ).\n١٧ - الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة، مطبوع ضمن مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب المبتدعة: تحقيق الألباني ومحمد زهير الشاويش المكتب الإسلامي ط ٢، (١٤٠٥ هـ).\n١٨ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لابن حجر (٨٥١ هـ) بعناية عبد الله يماني، دار المعرفة، بيروت (١٣٨٤ هـ).\n١٩ - تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة: للكناني، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله الصديق، دار الكتب العلمية، بيروت ط ٢، (١٤٠١ هـ).","vol":"1","page":104},{"text":"٢٠ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: لابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ) تحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة بيروت ط ٢، (١٤١٢ هـ).\n٢١ - جماع العلم: للإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) تحقيق أحمد شاكر، مكتبة ابن تيمية.\n٢٢ - حاشية العطار على شرح المحلي على جمع الجوامع: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣ - حُجِّية السُّنَّة: د. عبد الغني عبد الخالق، المعهد العالي للفكر الإسلامي، ط ١، (١٤٠٧ هـ).\n٢٤ - الحوادث والبدع: للطرطوشي، ضبط علي حسن، دار ابن الجوزي، الدمام ط ١، ١٤١١ هـ.\n٢٥ - رحلة الحج إلى بيت الله الحرام: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) دار الشروق جدة، ط ١، (١٤٠٣ هـ).\n٢٦ - الرسالة: للإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) تحقيق أحمد شاكر، المكتبة العلمية، بيروت.\n٢٧ - روضة الناظر وجنة المناظر، لابن قدامة (٦٢٠ هـ) المطبوع مع نزهة الخاطر، دار الكتب العلمية.\n٢٨ - زاد المعاد في هدي خير العباد: لابن القيم (٧٥١ هـ) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، مكتبة المنار الإسلامية ط ٣، (١٤٠٢ هـ).\n٢٩ - سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، للألباني (١٤٢٠ هـ مكتبة المعارف بالرياض ط ٢، (١٤٠٧ هـ).\n٣٠ - سنن الترمذي: تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ومن معه دار إحياء التراث العربي).","vol":"1","page":105},{"text":"٣١ - سنن الدارقطني، وبذيله التعليق المغني: للآبادي، عُني به: عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن للطباعة بالقاهرة (١٣٨٦ هـ).\n٣٢ - سنن أبي داود: تعليق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية.\n٣٣ - سنن ابن ماجه: تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n٣٤ - السنن الكبرى: للبيهقي، وفي ذيله الجوهر النقي، ط ١، مصورة عن طبعة حيدر آباد بالهند (١٣٤٧ هـ).\n٣٥ - السنة حجيتها ومكانتها في الإسلام والرد على منكريها، د. محمد لقمان السلفي، مكتبة الإيمان بالمدينة المنورة ط ١، (١٤٠٩ هـ).\n٣٦ - السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون: علي بن برهان الدين لحلبي (١٠٤٤ هـ) دار المعرفة، بيروت (١٤٠٠ هـ).\n٣٧ - شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي (٧٩٢ هـ) حققه جماعة من العلماء وخرج أحاديثه الألباني، المكتب الإسلامي بيروت ط ٥، (١٣٩٩ هـ).\n٣٨ - شرح الكوكب المنير: للفتوحي تحقيق د. محمد الزحيلي ونزيه حماد مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.\n٣٩ - شرح مختصر الروضة: للطوفي (ت ٧١٦ هـ) تحقيق د. عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت ط ١، (١٤٠٩ هـ).\n٤٠ - صحيح ابن خزيمة: لمحمد بن إسحاق بن خزيمة السلمين، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت (١٩٧٠م).\n٤١ - صحيح البخاري: دار ابن رجب، دار ابن الجوزي بالسعودية ط ١، (١٤٢٥ هـ).","vol":"1","page":106},{"text":"٤٢ - صحيح الجامع الصغير وزيادته \"الفتح الكبير\" للألباني، أشرف على طبعه: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي ط ٢، (١٤٠٦ هـ).\n٤٣ - صحيح مسلم: دار ابن الجوزي، بالسعودية، ط ١، (١٤٢٢ هـ).\n٤٤ - صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام: للسيوطي (ت ٩١١ هـ) تعليق علي سامي النشار، طبع معه مختصر السيوطي لكتاب: نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، لابن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٥ - عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي: تحقيق عبد الله البصيري، نشر إدارة الإفتاء بالرياض ط ١، (١٤١١ هـ).\n٤٦ - فتاوى السبكي: دار المعرفة، بيروت، توزيع دار الباز، مكة المكرمة.\n٤٧ - القرى لقاصد أم القرى: للمحب الطبري، تعليق مصطفى السقا، دار الفكر، سنة ط ٣، ١٤٠٣ هـ.\n٤٨ - قواعد الأصول ومعاقد الفصول: لصفي الدي الحنبلي (٧٣٩) هـ، تحقيق د. علي الحكمي من مطبوعات جامعة أم القرى بمكة المكرمة ط ١، (١٤٠٩ هـ).\n٤٩ - القواعد والفوائد الأصولية، وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية: لابن اللحام (٨٠٣ هـ) تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، (١٤٠٣ هـ).\n٥٠ - قواطع الأدلة: لابن السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) تحقيق د. عبد الله الحكمي، ود. علي عباس الحكمي ط ١، ١٤١٩ هـ.\n٥١ - لسان العرب: لابن منظور (٧١١ هـ) دار صادر، بيروت.\n٥٢ - المبسوط: للسرخسي، دار المعرفة، بيروت ط ٣ (١٣٩٨ هـ).","vol":"1","page":107},{"text":"٥٣ - مجمل اللغة: لابن فارس (٣٩٥ هـ) ت. زهير سلطان ط ١، مؤسسة الرسالة ١٤٠٤ هـ.\n٥٤ - المجموع شرح المهذب: للنووي (٦٧٦ هـ) معه فتح العزيز والتلخيص الحبير، دار الفكر.\n٥٥ - مجموع الفتاوي: لابن تيمية جمع ابن قاسم مكتبة النهضة بمكة المكرمة ١٤٠٤ هـ.\n٥٦ - مختار الصحاح: للرازي، ت: محمود خاطر وحمزة فتح الله، دار البصائر، مؤسسة الرسالة، بيروت (١٤٠٥ هـ).\n٥٧ - مختصر ابن اللحام (٨٠٣ هـ) المسمى: المختصر في أصول الفقه، ت: د. محمد بقا، مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، كلية الشريعة (١٤٠٠ هـ).\n٥٨ - مذكرة أصول الفقه: للشنقيطي (١٣٩٣ هـ) المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\n٥٩ - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله: تحقيق ودراسة د/علي المهنا، مكتبة الدار بالمدينة المنورة ط ١، (١٤٠٦ هـ).\n٦٠ - المستدرك على الصحيحين: للحاكم (ت ٤٠٥ هـ) وفي ذيله تلخيص المستدرك للذهبي، دار الفكر، بيروت.\n٦١ - المستصفى: للغزالي (٥٠٥ هـ) مكتبة الجندي، مصر.\n٦٢ - المسند: للإمام أحمد دار صادر بيروت.\n٦٣ - المسودة في أصول الفقه: لآل تيمية، جمع أحمد بن محمد الحراني (ت ٧٤٥ هـ) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني القاهرة.\n٦٤ - المصالح المرسلة: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (١٣٩٣ هـ) من مطبوعات الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة، ط ١، (١٤١٠ هـ).","vol":"1","page":108},{"text":"٦٥ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: للفيومي، المكتبة العلمية، بيروت.\n٦٦ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول: للشيخ حافظ الحكمي (ت ١٣٧٧ هـ) قدم له أحمد بن حافظ الحكمي، المطبعة السلفية، بالقاهرة، ط ٣، ١٤٠٤ هـ.\n٦٧ - المعجم الكبير: للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، الدار العربية، ومطبعة الأمة بغداد (١٩٧٨ - ١٩٨٣م).\n٦٨ - المعجم الوسيط: إخراج د. إبراهيم وجماعة مصطفى المكتبة الإسلامية باستانبول.\n٦٩ - مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسُّنَّة: لجلال الدين السيوطي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط ٣، (١٣٩٩ هـ).\n٧٠ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول: للشريف أبي عبد الله التلمساني، ت: محمد علي فركوس، المكتبة المكية بمكة المكرمة، مؤسسة الريان، بيروت، ط ٢، (١٤٢٤ هـ).\n٧١ - الموافقات: للشاطبي، تعليق عبد الله دراز، المكتبة التجارية الكبرى، مصر ط ٢، (١٣٩٥ هـ).\n٧٢ - المواقف في علم الكلام: للإيجي (ت ٧٥٦ هـ) عالم الكتب بيروت، دار الباز، مكة المكرمة.\n٧٣ - النهاية في غريبة الحديث والأثر: لابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي وطاهر الزواوي، أنصار السنة المحمدية، باكستان.","vol":"1","page":109}]}