{"ً":{"ٌ":17330,"ٍ":"إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الفرق والردود/إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة - التويجري","files":["22164.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة\nالمؤلف: حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري (ت ١٤١٣هـ)\nالناشر: مؤسسة النور للطباعة والتجليد، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٣٨٥ هـ\nعدد الصفحات: ١٩٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1077,"ٕ":2,"ٖ":1770155449,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ","level":1,"page":3},{"title":"ما اطلع النبي - ﷺ - من علم الغيب، وما لم يطلع عليه","level":1,"page":5},{"title":"تأويل المصنف لقول الله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ والرد عليه","level":1,"page":7},{"title":"[الوجه] الأول","level":2,"page":9},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":9},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":10},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":10},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":11},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":11},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":11},{"title":"تأويله لقول الله تعالى: ﴿وإذا العشار عطلت﴾ والرد عليه","level":1,"page":13},{"title":"[الوجه] الأول","level":2,"page":14},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":14},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":14},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":15},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":16},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":18},{"title":"جزمه ببقاء استعمال السيارات إلى نزول عيسى والرد عليه","level":1,"page":18},{"title":"جزمه أن الدجال وأعوانه يسيرون في الطائرات والسيارات والرد عليه","level":1,"page":20},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿والمرسلات عرفا﴾ الآيات والرد عليه","level":1,"page":22},{"title":"الأول","level":2,"page":22},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":24},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":26},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾ بإلقاء القنابل من الطائرات، والرد عليه","level":1,"page":27},{"title":"أحدها","level":2,"page":30},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":30},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":31},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":31},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ..﴾ الآية، والرد عليه","level":1,"page":32},{"title":"أحدها","level":2,"page":33},{"title":"[الوجه] الثاني","level":2,"page":33},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":33},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿ويقذفون بالغيب من مكان بعيد﴾ والرد عليه","level":1,"page":40},{"title":"أحدها","level":2,"page":40},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":40},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":41},{"title":"انتشار المعازف والأغاني والمهازل بسبب الراديو","level":1,"page":42},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ الآية بالغواصات، والرد عليه","level":1,"page":43},{"title":"تأويله لتكليم السباع وعذبة السوط وشراك النعل والفخذ لبني آدم، والرد عليه","level":1,"page":44},{"title":"أحدها","level":2,"page":46},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":46},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":46},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ والرد عليه","level":1,"page":49},{"title":"أحدها","level":2,"page":49},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":49},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":49},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":51},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ - وقوله - ﴿وإذا البحار سجرت﴾ وللحديث في انحسار الفرات عن جبل من ذهب، والرد عليه","level":1,"page":52},{"title":"أحدها","level":2,"page":54},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":55},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":55},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":55},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":55},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":56},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":56},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":56},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":56},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":57},{"title":"الرد عليه في جزمه بوقوع الحرب على البترول","level":1,"page":57},{"title":"تغييره لمعنى حديث «تكون معادن يحضرها أشرار الناس» والرد عليه","level":1,"page":58},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ الآيات، والرد عليه","level":1,"page":60},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ والرد عليه","level":1,"page":62},{"title":"أحدها","level":2,"page":63},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":63},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":63},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":65},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":65},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ والرد عليه","level":1,"page":66},{"title":"أحدها","level":2,"page":67},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":67},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":68},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":69},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":69},{"title":"كلامه في المطر الذي يكون مع الدجال وجبل الخبز ونهر الماء، والرد عليه","level":1,"page":71},{"title":"تأويله لانتفاخ الأهلة والرد عليه","level":1,"page":73},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت﴾ والرد عليه","level":1,"page":74},{"title":"كذبه على النبي - ﷺ -، وعلى النجديين، والرد عليه","level":1,"page":75},{"title":"أحدها","level":2,"page":75},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":79},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":80},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":82},{"title":"قوله - ﷺ - «سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدا شيئا إلا أخذوا من دينه مثله»","level":1,"page":87},{"title":"أحدهما","level":2,"page":88},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":88},{"title":"تأويله لحديثين؛ والرد عليه","level":3,"page":90},{"title":"كلامه في إنشاء دولة اليهود، وتأويله لقوله تعالى: ﴿وحبل من الناس﴾ والرد عليه","level":1,"page":91},{"title":"تخبيطه في شأن المصريين، والرد عليه","level":1,"page":93},{"title":"أحدها","level":2,"page":93},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":94},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":96},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":100},{"title":"اعتماده على كلمة محرفة في حديث سلمان، والرد عليه","level":3,"page":101},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":105},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":109},{"title":"قوله - ﷺ - بتعلم اللغات الإفرنجية","level":1,"page":110},{"title":"أحدها","level":2,"page":110},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":112},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":112},{"title":"حملة للأحاديث الواردة في الخوارج على غيرهم، وتبرئته للمنافقين مما نزل فيهم ومجادلته عنهم، والرد عليه","level":1,"page":113},{"title":"أحدها","level":2,"page":116},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":117},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":117},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":118},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":120},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":120},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":121},{"title":"الوجه الثامن","level":2,"page":130},{"title":"الوجه التاسع","level":2,"page":131},{"title":"الوجه العاشر","level":2,"page":131},{"title":"زعمه أن ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونشره للسنة هو طلوع قرن الشيطان ونشر الفتنة، والرد عليه","level":1,"page":132},{"title":"أحدها","level":2,"page":132},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":138},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":139},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":139},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":140},{"title":"الوجه السادس","level":2,"page":140},{"title":"الوجه السابع","level":2,"page":141},{"title":"ثناء علماء المسلمين وأهل الكتاب على الشيخ محمد بن عبد الوهاب","level":3,"page":142},{"title":"الكلام في الاجتماع للذكر ورفع الصوت بذلك، وإنكار ما يفعله الصوفية في ذلك","level":1,"page":168},{"title":"الصلاة على النبي - ﷺ - بدلائل الخيرات بدعة","level":2,"page":173},{"title":"تأويله لقوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ الآيات، والرد عليه","level":1,"page":175},{"title":"إنكار حمل السبحة في العنق","level":1,"page":177},{"title":"المشروع عد التسبيح بالأصابع لا بالسبحة","level":2,"page":178},{"title":"تأويله لقول النبي - ﷺ - «إن الله خلق آدم على صورته»، والرد عليه","level":1,"page":179},{"title":"الرد عليه فيما يراه من احترام الأضرحة وإقامة الموالد","level":1,"page":184},{"title":"أحدها","level":2,"page":184},{"title":"الوجه الثاني","level":2,"page":184},{"title":"الوجه الثالث","level":2,"page":185},{"title":"الوجه الرابع","level":2,"page":186},{"title":"الوجه الخامس","level":2,"page":186},{"title":"الرد عليه في زعمه أن إجابة الدعاء قد رفعت مطلقا","level":1,"page":187},{"title":"الرد عليه في كذبه على النجديين","level":1,"page":188},{"title":"الرد عليه في زعمه أن علماء الوقت هم شر من تحت أديم السماء","level":1,"page":188},{"title":"الرد عليه في زعمه أنه لا يوجد الآن من يفتي بالسنة","level":1,"page":189},{"title":"الرد عليه في تزكيته لنفسه وادعائه مرتبة الكمال","level":1,"page":190},{"title":"الإنكار عليه في قوله على النبي - ﷺ - بما لم يقله","level":1,"page":191},{"title":"إنكار ما أودعه في كتابه من كثرة اللعن والشتم","level":1,"page":192}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194},"ٜ":{"1":[2,194]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194"],"ٞ":{"3":[1],"5":[2],"7":[3],"9":[4,5],"10":[6,7],"11":[8,9,10],"13":[11],"14":[12,13,14],"15":[15],"16":[16],"18":[17,18],"20":[19],"22":[20,21],"24":[22],"26":[23],"27":[24],"30":[25,26],"31":[27,28],"32":[29],"33":[30,31,32],"40":[33,34,35],"41":[36],"42":[37],"43":[38],"44":[39],"46":[40,41,42],"49":[43,44,45,46],"51":[47],"52":[48],"54":[49],"55":[50,51,52,53],"56":[54,55,56,57],"57":[58,59],"58":[60],"60":[61],"62":[62],"63":[63,64,65],"65":[66,67],"66":[68],"67":[69,70],"68":[71],"69":[72,73],"71":[74],"73":[75],"74":[76],"75":[77,78],"79":[79],"80":[80],"82":[81],"87":[82],"88":[83,84],"90":[85],"91":[86],"93":[87,88],"94":[89],"96":[90],"100":[91],"101":[92],"105":[93],"109":[94],"110":[95,96],"112":[97,98],"113":[99],"116":[100],"117":[101,102],"118":[103],"120":[104,105],"121":[106],"130":[107],"131":[108,109],"132":[110,111],"138":[112],"139":[113,114],"140":[115,116],"141":[117],"142":[118],"168":[119],"173":[120],"175":[121],"177":[122],"178":[123],"179":[124],"184":[125,126,127],"185":[128],"186":[129,130],"187":[131],"188":[132,133],"189":[134],"190":[135],"191":[136],"192":[137]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة\n\nتأليف\nالفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري\nغفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين\n\nمؤسسة النور","vol":"1","page":null},{"text":"من مطبوعات دار الإفتاء\n(توزع مجانًا)","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nتقديم بقلم:\nمفتي البلاد السعودية\nالحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد فقد اطلعت على هذا المؤلف لفضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري الموسوم (بإيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة) كشفًا للشبهات للردود عليه وإبطالا لترهاته، فوجدته ردا كافيًا شافيًا، فجزى الله الشيخ حمودًا خيرًا وزاده من التصدي لنصرة الدين ورد شبهات المبطلين.\nقاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ... ١٤/ ٥/ ١٣٨٥\nالختم:\nمحمد بن إبراهيم آل الشيخ","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين. والعاقبة للمتقين. ولا عدوان الا على الظالمين.\nوأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين. - ﷺ - وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين. وسلم تسليمًا كثيرا.\nأما بعد فقد وقفت على مؤلف لاحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني من اهالي طنجة البلدة المعروفة في اقصى المغرب. سماه «مطابقة الاختراعات العصرية. لما اخبر به سيد البرية» فرأيت فيه اخطاءا كثيرة من تأويل الآيات والأحاديث على غير تأويلها ومن وقيعة في انصار الدين. ومدح واطراء لاعداء الدين. إلى غير ذلك من الاخطاء التي قد شوه بها كتابه. وقد نبهت على ما لا يسع السكوت عنه من تلك الاخطاء خشية ان يغتر بها من قل نصيبه من العلم النافع.\nوالله المسئول ان يوفقني واخواني المسلمين لما يحب ويرضى من الاقوال والاعمال. وان يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه. ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.\nوما اشير اليه من صفحات الكتابِ فالمراد بذلك الطبعة الثانية سنة ١٣٧٩ هـ مطبعة محمد عاطف.","vol":"1","page":4},{"text":"فصل\nقال المؤلف في خطبة الكتاب ما نصه.\nأما بعد فان علم النبي - ﷺ - بالغيب واطلاع الله تعالى اياه على ما كان وما يكون الى قيام الساعة والى ان يصير الفريقان الى منازلهم من الجنة أو النار، بل وما بعد ذلك الى ما لا نهاية له من الازمان، معلوم ضرورة لأهل الايمان، مقطوع به عند اهل المعرفة والإيقان؛ لا يختلف في ذلك منهم اثنان ولا يشك فيه فاضلان.\nوالجواب ان يقال أما اطلاع الله تعالى لرسوله محمد - ﷺ - على ما كان وما يكون الى قيام الساعة والى أن يصير الفريقان الى منازلهم من الجنة أو النار فهذا صحيح، وقد جاء في ذلك عدة احاديث ذكر المصنف بعضها، منها حديث عمر ﵁ قال قام فينا رسول الله - ﷺ - مقاما فاخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل اهل الجنة منازلهم واهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه رواه البخاري تعليقا مجزوما به ووصله الطبراني وأبو نعيم.\nومنها حديث حذيفة ﵁ قال لقد خطبنا النبي - ﷺ - خطبته ما ترك فيها شيئا الى قيام الساعة الا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله. رواه الامام احمد والشيخان وابو داود.\nومنها حديث حذيفة ايضا ﵁ قال اخبرني رسول الله - ﷺ - بما هو كائن الى ان تقوم الساعة فما منه شيء الا قد سألته الا اني لم أسأله ما يخرج اهل المدينة من المدينة رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي ومسلم.","vol":"1","page":5},{"text":"ومنها حديث ابي زيد وهو عمرو بن اخطب الانصاري ﵁ قال صلى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فاخبرنا بما كان وبما هو كائن فاعلمنا احفظنا رواه الامام احمد ومسلم.\nومنها حديث ابي سعيد الخدري ﵁ قال صلى بنا رسول الله - ﷺ - يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون الى قيام الساعة الا اخبر به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه رواه الامام احمد وابو داود الطيالسي والترمذي والحاكم.\nوقال الترمذي هذا حديث حسن.\nومنها حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال قام فينا رسول الله - ﷺ - مقامًا اخبرنا بما يكون في امته الى يوم القيامة وعاه من وعاه ونسيه من نسيه رواه الامام احمد والطبراني.\nومنها حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - (ان الله ﷿ قد رفع لي الدنيا فانا انظر اليها والى ما هو كائن فيها الى يوم القيامة كأنما انظر الى كفي هذه) رواه الطبراني.\nوأما علمه - ﷺ - بما بعد دخول الجنة والنار الى ما لا نهاية له من الازمان فهذا لا دليل عليه. وقد قال الله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) وقد استدل المصنف على ذلك بقول الله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا. الا من ارتضى من رسول) ولا دليل في الآية على ما ذهب اليه.","vol":"1","page":6},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة ٦ وصفحة ٧ ما نصه.\nفمن تلك الامور العظام التي قال - ﷺ - اننا سنراها بابور السكة الحديد والاوطمبيل والبسكليتة وما في معناها.\nوقد اخبر بها - ﷺ - بخصوصها ووردت الاشارة اليها في القرآن والاحاديث النبوية.\nأما القرآن ففي ثلاث آيات حسبما حضر لنا، الآية الاولى قوله تعالى (وآية لهم انا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون. وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) أي خلقنا لهم مما يماثل الفلك المشحون ما يركبون في البر. والذي يماثل الفلك المشحون في كبره وكثرة حمله هو بابور السكة الحديد وسيارات النقل التي تحمل عشرات الركاب مع بضائعهم وحاجياتهم وتكون مارة كأنها الاعلام طولا وعلوا كما وصف الله تعالى به السفن الجواري في البحر كالاعلام. وكذلك بابور السكة الحديد بل هو أولى بالشبه والمثلية للفلك المشحون.\nأما المفسرون الذين فسروا المثل في الآية بالابل فمعذورون لانه لم يكن في زمانهم ما يشبه الفلك في حمل الركاب والبضائع فاضطروا لحمل الآية على الابل، وان كان حملا باطلا مقطوعا ببطلانه لان الفلك المشحون يحمل العشرات من الناس باثقالهم ويحمل مع ذلك الكثير من السلع والبضائع، وهذا بالنسبة لما كان في زمانهم، أما ما حدث","vol":"1","page":7},{"text":"في زماننا فالسفينة تحمل الآلاف من الناس ومن القناطر المقنطرة من البضائع، ثم السفن التي كانت في زمانهم ايضا مع كبرها وحملها الكثير من الركاب والاثقال كانت تجري في البحر جريا حثيثا بالرياح كما قال تعالى (وله الجواري المنشئات في البحر كالاعلام).\nوكل ذلك مخالف لوصف الابل تمام المخالفة فمشيها بطيء للغاية وحملها لا يقاس بحمل السفن بل كانت السفينة تحمل ما يزيد على حمل مائة بعير، فكيف يصح تفسير الآية بها، بل ذلك باطل قطعا.\nوإنما الذي يماثل الفلك المشحون تمام الماثلة في كثرة حمله وسرعة سيره في البحر هو بابور السكة الحديد ثم السيارات فهي المرادة بالآية جزما.\nوقد قال ابن عباس والحسن والضحاك وجماعة في الآية المذكورة وخلقنا لهم سفنا امثال تلك السفن يركبونها. قال النحاس وهذا اصح لانه متصل الاسناد عن ابن عباس، وهذا يدل على شفوف نظر ابن عباس ﵄ ونظره بنور الله تعالى في معاني القرآن الكريم تصديقا لدعاء رسول الله - ﷺ - اذ قال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». فان وجود السفينة في البر لا يخطر ببال احد ولا يكاد ينطق به عاقل في ذلك الوقت، ولكن ابن عباس ﵄ نظر الى الغيب من ستر رقيق اذ قال ذلك فكان هو المطابق للحال الموافق للواقع، انتهى المقصود من كلامه. وفيه ثلاثة أخطاء.","vol":"1","page":8},{"text":"الأول: قوله ان حمل الآية على الابل باطل مقطوع ببطلانه.\nوالثاني: قوله ان بابور السكة الحديد والسيارات هي المرادة بالآية جزما.\nوالثالث: زعمه ان ابن عباس ﵄ حين قال وخلقنا لهم سفنا امثال تلك السفن يركبونها اراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد.\nوالجواب عن هذه الاخطاء وعما ذهب اليه في تفسير الآية من وجوه.\n\nالأول: أن الله تعالى عبر في الآية بصيغة الماضي الذي قد وقع فقال تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وهذا صريح في إرادة السفن الموجودة في زمن النزول وما قبله. ولو كان المراد بها ما حدث بعد النزول باكثر من الف وثلاثمائة سنة لعبر عن ذلك بصيغة المستقبل.\nوهذا ظاهر في ابطال ما جزم به المصنف في تفسير الآية الكريمة، يوضح ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الوجه الثاني: </span>وهو ان الله تعالى امتن على عباده بما يسره من حمل ابائهم في سفينة نوح ﵊ وجعل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته. ثم امتن عليهم بما خلق لهم من السفن المشابهة لسفينة نوح ليشكروه على ما انعم به عليهم ويفردوه بالعبادة. واول من خوطب بهذا التذكير والامتنان هم كفار قريش ومن حولهم من أحياء العرب.","vol":"1","page":9},{"text":"ويدل على ذلك قوله تعالى في اول السورة (لتنذر قوما ما انذر اباؤهم فهم غافلون) وقوله بعد الآية التي ذكر فيها الفلك (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين).\nوليس من المعقول ان يخاطبهم الله تعالى ويذكرهم بما لا يعرفونه وان يمتن عليهم بما يحدث بعدهم باكثر من الف وثلثمائة سنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الوجه الثالث: </span>ان الله تعالى عقب الآية بقوله (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون) وهذا واضح في إرادة السفن التي تجري في البحر. ولو كان المراد ما حدث من السيارات وبابور السكة الحديد لكان ذكر الغرق ههنا لا معنى له ولا فائدة في ذكره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الوجه الرابع: </span>ان ابن عباس ﵄ قال في تفسير الآية هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها. وكذا قال ابو مالك والضحاك وقتادة وابو صالح والسدي ان المراد بذلك السفن. وهذا يرد ما زعمه المصنف من ان ابن عباس ﵄ اراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﵄ يعني بذلك الإبل. فانها سفن البر يحملون عليها ويركبونها. وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وغيرهم. ويشهد لهذا قول الله تعالى (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون) وهذا يرد قول المصنف إن حملها على الابل باطل مقطوع ببطلانه. والقول الأول أقوى وأولى بظاهر الآية والله أعلم.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الوجه الخامس: </span>ان الصحابة ﵃ اعلم بتفسير القرآن ممن جاء بعدهم ولا سيما حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄، وقد فسر المراد من الآية بالسفن وفسره ايضا بالابل لاشتراكها مع السفن في حمل الاثقال والركوب عليها ومع هذا يقول المصنف ان حمل الآية على الابل باطل مقطوع ببطلانه، وهذه جراءة عظيمة على مقام حبر الأمة، ومن قال بقوله من أكابر التابعين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الوجه السادس: </span>ان الباطل قطعا هو جزم المصنف بان المراد بالآية السيارات وبابور السكة الحديد، وعزوه ذلك الى ابن عباس ﵄ وذلك من القول عليه بما لم يقله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الوجه السابع: </span>ان القول في القرآن بمجرد الرأي حرام. وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك كما في الحديث الذي رواه الامام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - انه قال «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار» هذا لفظ ابن جرير وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى الترمذي ايضا وابو داود وابن جرير والبغوي عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - (من قال في القرآن برأيه فاصاب فقد اخطأ) قال الترمذي هذا حديث غريب.\nقال وهكذا روي عن بعض اهل العلم من اصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم انهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم.","vol":"1","page":11},{"text":"وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم انهم فسروا القرآن فليس الظن بهم انهم قالوا في القرآن او فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا انهم لم يقولوا من قبل أنفسهم، ثم ساق باسناده عن قتادة انه قال مافي القرآن آية الا وقد سمعت فيها شيئا.\nوباسناده عن مجاهد انه قال لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم احتج ان أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت انتهى كلام الترمذي.\nوقال البغوي قال شيخنا الامام قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم.\nقال وأما التفسير وهو الكلام في اسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز الا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل انتهى.\nولا يخفى ان تفسير المصنف لقول الله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) وجزمه بان المراد بذلك السيارات وبابور السكة الحديد لم يكن من طريق النقل الثابت وانما هو تفسير بمجرد الرأي فهو بذلك متعرض للوعيد الشديد والله أعلم.","vol":"1","page":12},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة ٧ وصفحة ٨ ما نصه.\nالآية الثالثة قوله تعالى في اشراط الساعة (واذا العشار عطلت) أي عن السفر عليها وحمل الاثقال عليها.\nوالعشار هي الابل التي قد أتى عليها عشرة أشهر كما قال ثعلب وأئمة اللغة. وانما عطلت عن السفر ونقل السلع والبضائع عليها بوجود السيارات وبوابير سكة الحديد فانها بعد ظهورها لم يعد احد يسافر على الابل او يرسل بضائعه عليها الا نادرا جدا فيما لم يمكن سفر السيارات اليه حتى ان عرب الحجاز وجزيرة العرب تضرروا غاية لما عبدت الطرق في بلادهم وانتشرت فيها السيارات التي عطلت ابلهم عن العمل الذي كانوا منه يرتزقون. وقد ورد التصريح بهذا ايضا عن رسول الله - ﷺ - فقال مسلم في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عطاء بن ميناء عن ابي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «والله لينزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها» الحديث. القلاص بكسر القاف جمع قلوص بفتحها وهي من الابل كالفتاة من النساء. فقوله - ﷺ - ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها تعيين للمراد من قوله تعالى. واذا العشار عطلت. يعني يترك استخدامها في السفر ونقل البضائع كما كان حالها من قبل.","vol":"1","page":13},{"text":"والجواب عن هذا من وجوه:\n\nالأول: ان الآيات في أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة كما زعم ذلك المصنف، وإنما هي في أهوال يوم القيامة كما هو واضح من سياق الآيات، وكما هو ظاهر من كلام المفسرين من الصحابة وأئمة التابعين، والدليل على ذلك ما رواه الإمام احمد والترمذي والحاكم عن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «من سره ان ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ (اذا الشمس كورت). وإذا (السماء انفطرت). (وإذا السماء انشقت)» قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الوجه الثاني: </span>ان تفسيره لآية التكوير تفسير بمجرد الرأي. وقد تقدم ان ذلك حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الوجه الثالث: </span>ان أبي بن كعب ﵁ وغير واحد من أكابر التابعين فسروا الآية بغير ما فسرها به المصنف وهم أعلم بكتاب الله منه. والمرجع في التفسير اليهم وإلى أمثالهم، لا إلى المتكلفين كالمصنف وأمثاله من العصريين. قال أبي بن كعب ﵁ في قوله تعالى (وإذا العشار عطلت) قال أهملها أهلها، وقال عكرمة ومجاهد هي عشار الإبل، قال مجاهد عطلت تركت وسيبت وقال الربيع بن خثيم لم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها. وقال الضحاك تركت لا راعي لها.\nقال ابن كثير والمعنى في هذا كله متقارب.","vol":"1","page":14},{"text":"قال والمقصود ان العشار من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعد ما كانوا ارغب شيء فيها بما دهمهم من الامر العظيم المفظع الهائل وهو امر يوم القيامة وانعقاد أسبابها ووقوع مقدماتها. وقيل بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها.\nقلت ويقوي هذا القول ما تقدم ذكره من حديث ابن عمر ﵄.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الوجه الرابع: </span>ان العشار من الإبل لا يركبها أهلها ولا يحملون عليها إلا في النادر، وإنما يركبون ويحملون على الذكور من الإبل والحوائل من إناثها ولا سيما الشواب منها وهي المراد بالقلاص قال الجوهري القلوص من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء وقال العدوي، القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني فإذا أثنت فهي ناقة. والقعود أول ما يركب من ذكور الإبل إلى أن يثني فإذا أثنى فهو جمل وربما سموا الناقة الطويلة القوائم قلوصا. وقال صاحب القاموس القلوص من الإبل الشابة أو الباقية على السير خاص بالإناث. وقال مرتضى الحسيني في تاج العروس قال ابن دريد هو خاص بالإناث ولا يقال للذكور قلوص انتهى.\nوإذا كانت العشار لا تركب ولا يحمل عليها إلا نادرا فأي متعلق للمصنف في قوله تعالى. (وإذا العشار عطلت). إذ لا دليل فيها على ما ذهب إليه.","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الوجه الخامس: </span>أن المصنف جعل معنى الآية ومعنى ما في حديث أبي هريرة ﵁ واحدا وليس الأمر كذلك، فإن التعطيل المذكور في الآية هو تركها بالكلية لاشتغال الناس عنها بما حل بهم من الهول العظيم. واما الترك المذكور في حديث أبي هريرة فهو ترك السعي عليها لا تركها بالكلية وأين هذا من ذاك.\nوقد اختلف في معنى ترك السعي على القلاص فقال النووي معناه أن يزهد فيها ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهو شبيه بمعنى قول الله ﷿. وإذا العشار عطلت. ومعنى لا يسعى عليها لا يعتني بها أي يتساهل أهلها فيها ولا يعتنون بها هذا هو الظاهر وقال القاضي عياض وصاحب المطالع معنى لا يسعى عليها أي لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.\nقلت وهكذا قال ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب أن معنى لا يسعى عليها أي لا يخرج ساع إلى زكاة لقلة حاجة الناس إلى المال واستغنائهم عنه.\nقال النووي وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة. قلت بل هو أقوى وأظهر من قول النووي. ويؤيده ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي - ﷺ - في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه قال رسول الله - ﷺ - «فيكون عيسى بن مريم ﵊ في أمتي حكما عدلا وإماما مقسطا يدق الصليب ويذبح الخنزير ويضع الجزية","vol":"1","page":16},{"text":"ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير» الحديث وهو مطابق لحديث أبي هريرة الذي تقدم ذكره في كلام المصنف ومفسر لمعنى ترك السعي على القلاص اذ كل من الحديثين وارد فيما يكون في أيام عيسى ﵊ فما أبهم في حديث أبي هريرة ﵁ فهو مفسر في حديث أبي أمامة ﵁.\nويؤيده أيضا ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه» هذا لفظ مسلم.\nوفي الصحيحين أيضا من حديث حارثة بن وهب وأبي موسى ﵄ عن النبي - ﷺ - نحوه. وروى الإمام أحمد والبخاري من حديث عدي بن حاتم ﵁ عن النبي - ﷺ - نحو ذلك أيضا.\nومما يرد قول النووي ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا (١) قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض ابله فيصعق ويصعق الناس».\nوهذا يدل على أن الرغبة في اقتناء الإبل لا تزال باقية إلى أن ينفخ في الصور لا كما يقول النووي أن أهلها يزهدون فيها ولا يعتنون بها.\n_________\n(١) الليت: صفحة العنق وهما ليتان، وأصغى: أمال «نهاية».","vol":"1","page":17},{"text":"ويحتمل أن يكون معنى قوله وتترك القلاص لا يسعى عليها أي يترك ركوبها في الأسفار والحمل عليها وهذا مطابق للواقع في هذه الأزمان وإن كان قول عياض ومن وافقه أقوى منه من حيث الدليل.\nويحتمل أن يكون كل من الأمرين مرادًا في الحديث أعنى ترك السعي عليها للصدقة وترك ركوبها والحمل عليها والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الوجه السادس: </span>أن عرب الحجاز وجزيرة العرب لم يتضرروا من تعبيد الطرق في بلادهم وانتشار السيارات فيها كما زعمه المصنف بل انتفعوا به كثيرًا واستراحوا من كثير من المشقة والعناء مما كان يصيبهم بسبب السفر على الابل والحمل عليها، وكان ارتزاقهم بسبب السيارات أعظم بكثير من ارتزاقهم بسبب الإبل. وانتفعوا أيضا بكثرة أثمان الإبل فقد كانت الناقة الجيدة في زمن السفر على الإبل والحمل عليها تساوي مائة ريال او نحوها وأما الآن فتساوي سبعمائة وثمانمائة وربما زادت على الألف وهذا خير لأهل الإبل مما كان من قبل.\nفصل\nوفي صفحة (٨) جزم المصنف ببقاء استعمال السيارات إلى زمان نزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام.\nوهذا مما لا ينبغي الجزم به لأن ما يقع في المستقبل أمر غيبي لا يعلمه إلا الله تعالى قال الله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) وقال تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) وقال تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) الآية.","vol":"1","page":18},{"text":"وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم نزول الغيث إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا يعلم الساعة إلا الله، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت» رواه الإمام أحمد والبخاري.\nوإذا علم هذا فإثبات ما يكون في المستقبل يحتاج إلى دليل قاطع من نصوص الكتاب أو السنة، ولا دليل على ما ذكره المصنف فلا ينبغي إذن الجزم ببقاء السيارات إلى زمان نزول عيسى ﵊ فقد يفنيها الله ويفني صانعها كما أفنى القرون الأولى وأفنى صنائعهم معهم وأبقى من آثارهم نموذجا يسيرا أدهش به المتأخرين وحيرهم كالأهرام المصرية وغيرها من الآثار القديمة.\nولا ينبغي أيضا الجزم بعدم السيارات فقد يبقيها الله تعالى إلى زمان نزول عيسى ﵊.\nوالمقصود ههنا أنه لا يجوز الخوض في الأمور المستقبلة بمجرد الظن والتخرص، بل يرد علم ذلك إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم ما كان وما يكون. لا إله إلا هو، ولا رب سواه.","vol":"1","page":19},{"text":"فصل\nفي صفحة (٩ و١٥) جزم المصنف أن الدجال وأعوانه يسيرون في الطائرات والسيارات.\nوهذا مما لا ينبغي الجزم به لان ما يكون في المستقبل لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس مع المصنف دليل قاطع فيما ذهب إليه.\nوأما قوله في حديث النواس بن سمعان ﵁ قلنا يا رسول الله وما اسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح فلا يلزم منه أن يكون سيره على الطائرات والسيارات بل قد تخرق له العادة إما بطي الأرض وإما بغير ذلك.\nوقد جاء في حديث جابر ﵁ قال قام رسول الله - ﷺ - ذات يوم على المنبر فقال: «يا أيها الناس إني لم أجمعكم لخبر جاء من السماء - فذكر حديث الجساسة وزاد فيه - هو المسيح تطوى له الأرض في أربعين يوما». الحديث رواه أبو يعلى بإسنادين قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح.\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد ﵁ أنه قال «الدجال يخرج في نقص من الناس وخفة من الدين وسوء ذات بين، فيرد كل منهل فتطوى له الأرض طي فروة الكبش» الحديث وفيه «ولا يسخر له من المطايا إلا الحمار فهو رجس على رجس» وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط البخاري ومسلم.","vol":"1","page":20},{"text":"وروى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله - ﷺ - «يخرج الدجال في خفة من الدين وإدبار من العلم، وله أربعون ليلة يسيحها في الأرض اليوم منها كالسنة واليوم منها كالشهر واليوم منها كالجمعة ثم سائر أيامه كأيامكم هذه، وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا» الحديث، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\nورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.\nوما في هذه الأحاديث هو المعتمد في سير الدجال في الأرض لصحة أسانيدها وعدم ما ينافيها. وركوبه على الحمار الذي عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا أبلغ في الافتتان به من ركوبه على الطائرات والسيارات وغيرهما مما قد عرفه الناس واعتادوا ركوبه، وكذلك سيره على الحمار العظيم الجسم قد يكون أسرع من سير الطائرات بكثير والله أعلم.\nوالمقصود هنا أنه لا ينبغي الجزم بسير الدجال في الطائرات والسيارات ولا بعدم ذلك؛ لأنه أمر غيبي، والخوض في مثل ذلك من الرجم بالغيب.\n\nفصل\nوفي صفحة (١٠) جزم المصنف في شأن المهدي بنحو ما جزم به في شأن عيسى والدجال من بقاء الطائرات والسيارات إلى زمانه.\nوالجواب عنه هو ما تقدم في الفصلين قبله والله أعلم.","vol":"1","page":21},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (١٦) ما نصه:\nوأما الطائرات الحربية فمذكورة في القرآن العظيم وفي السنة النبوية. قال الله تعالى (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفا. والناشرات نشرا. فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا. عذرًا أو نذرا. إنما توعدون لواقع).\nفهذا وصف للطائرات الحربية بجميع حركاتها وأفعالها تعصف بقنابلها، وهي تحتمل في اللغة معنيين ترك الناس كعصف مأكول وتميل أحيانا عن هدفها وهو معنى العصف أيضًا وتنشر المنشورات على الجنود في ميادين الحرب وعلى الأهالي والسكان في المدن للدعاية والإخبار بما تريده الدولة المحاربة وتفرق بين الجموع والكتائب فرقا لأن الرعب بها والهزيمة أشد من غيرها بحيث لا يثبت تحتها جمع بل بمجرد رؤيتها من بعيد يقع الفرار والتفرق والاختفاء في الكهوف والملاجئ. فالملقيات ذكرا عذرا: تعذر به الدولة عن ضربها بعض الأماكن البريئة والتي ليست من مراكز الحرب. أو نذرا تنذر به السكان وتخوف وتوعد وتهدد وتطلب التسليم ونحو ذلك من نوع الإنذار كما هو معروف.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الأول: </span>أن تفسيره للآيات تفسير بمجرد الرأي بل إلحاد في آيات الله تعالى وقرمطة فيها شبيهة بقرمطة الرافضة وتأويلهم للقرآن.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد تقدم أن تفسير القرآن بالرأي حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.\nقال الله تعالى (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنًا يوم القيامة اعملوا ما شئتم انه بما تعملون بصير).\nوفي هذه الآية الكريمة تهديد شديد ووعيد أكيد لمن ألحد في آيات الله تعالى وتأولها على غير تأويلها. قال ابن عباس ﵄: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه.\nولا يخفى على ذي علم ما جرى عليه أحمد بن محمد بن الصديق الغماري من تفسيره لآيات كثيرة بمجرد الرأي ووضعه الكلام فيها على غير مواضعه ومخالفة ما جاء عن السلف الصالح في ذلك.\nوقد روى الفريابي عن الحسن قال سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات ذروا. وعن المرسلات عرفا وعن النازعات غرقا. فقال عمر ﵁ اكشف رأسك فإذا له ضفيرتان فقال: والله لو وجدتك محلوقًا لضربت عنقك ثم كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه، وقد روي من غير وجه أن عمر ﵁ ضربه ضربًا وجيعًا وحمله على قتب.\nوروى الآجري في كتاب الشريعة من حديث السائب بن يزيد قال أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا يا أمير المؤمنين انا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن فقال اللهم أمكني منه فبينما عمر ﵁ ذات يوم يغدى الناس إذ جاءه رجل عليه ثياب","vol":"1","page":23},{"text":"وعمامة يتغدى حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين (والذاريات ذروًا. فالحاملات وقرًا) فقال عمر ﵁ أنت هو فقام إليه فحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته فقال والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقًا لضربت رأسك ألبسوه ثيابه واحتملوه على قتب ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ثم ليقم خطيبا ثم ليقل ان صبيغا طلب العلم فأخطأه. فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه. وإذا كان هذا فعل عمر ﵁ مع من كان يسأل عن متشابه القرآن فكيف لو رأى من يتأول القرآن على غير تأويله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الوجه الثاني: </span>أن الصحابة والتابعين فسروا الآيات التي ذكرها المصنف بغير ما فسرها به وهم أعلم بتفسير القرآن ممن بعدهم.\nقال أبو هريرة ﵁ في قوله ﷿ (والمرسلات عرفا) قال هي الملائكة أرسلت بالمعروف رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوروى ابن جرير من طريق مسروق عن ابن مسعود ﵁ (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة.\nوروى ابن المنذر عن ابن عباس ﵄ (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة فرقت بين الحق والباطل. (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة بالتنزيل.\nوروى ابن جرير عن مسروق (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة.","vol":"1","page":24},{"text":"وروى عبد بن حميد عن مجاهد (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفًا. والناشرات نشرا. فالفارقات فرقا. فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة.\nوروى عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن المنذر عن أبي صالح (والمرسلات عرفا) قال: هي الرسل ترسل بالمعروف (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرا) قال: المطر (فالفارقات فرقا) قال: الرسل. وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي صالح (والمرسلات عرفا) قال: الملائكة يجيئون بالأعارف (فالعاصفات عصفا) قال: الريح العواصف (والناشرات نشرا) قال: الملائكة ينشرون الكتب (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة يفرقون بين الحق والباطل (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة يجيئون بالقرآن والكتاب (عذرا) من الله (أو نذرا) منه إلى الناس وهم الرسل يعذرون وينذرون.\nوروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق أبي العبيدين أنه سأل ابن مسعود ﵁ (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرًا) قال الريح (فالفارقات فرقا) قال: حسبك.\nوروى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وغيرهم عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي ﵁ فقال: ما العاصفات","vol":"1","page":25},{"text":"عصفا؟ قال: الرياح. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (فالفارقات فرقا) قال: الملائكة (فالملقيات ذكرا) قال: الملائكة.\nوروى ابن جرير عن مجاهد (والمرسلات عرفا) قال: الريح (فالعاصفات عصفا) قال: الريح (والناشرات نشرا) قال: الريح.\nوروى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة (والمرسلات عرفا) قال: هي الريح (فالعاصفات عصفا) قال: هي الريح (فالفارقات فرقا) يعني القرآن ما فرق الله به بين الحق والباطل (فالملقيات ذكرا) هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتلقيه الرسل على بني آدم (عذرا أو نذرا) قال: عذرا من الله ونذرا منه إلى خلقه.\nفهذه أقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات من أول سورة المرسلات كما ترى، والعمدة عليها لا على قرمطة المقرمطين وشطحات المنحرفين الخاطئين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الوجه الثالث </span>(*): أن الله ﵎ أقسم بالآيات من أول سورة المرسلات على وقوع المعاد والجزاء، والله ﵎ أعظم وأجل من أن يقسم بظلم بني آدم وعدوان بعضهم على\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (الوجه الثاني)، وهو خطأ طباعي","vol":"1","page":26},{"text":"بعض وإهلاكهم للحرث والنسل بالطائرات والقنابل وما يلقونه من منشورات البغي والإفساد في الأرض، ومن زعم أن الله تعالى أقسم بالطائرات والقنابل ومنشورات أهلها فقد أعظم على الله الفرية.\n\nفصل\nوقال المصنف في صفحة (١٦ - ١٧) ما نصه:\nوقال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) الآية. فإنها واردة في إلقاء القنابل من الطائرات. فقد سئل رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية الكريمة فقال: (أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد) رواه أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص بسند حسن.\nفهذا يفيد القطع بأن المراد بالعذاب من فوق في الآية المذكورة هو القنابل النازلة من الطائرات، لأنه لم يقع فيما مضى شيء من ذلك في هذه الأمة حتى ظهرت الطائرات ورميها بالقنابل، والنبي - ﷺ - أخبر بأن ذلك كائن لا محالة وأنه آت بعده، فحصل من ذلك القطع أنها المراد من الآية. وقد تحقق ذلك وضرب المسلمون وغيرهم بالقنابل من فوقهم، ولا يزال الناس مهددين بالنوع الخطر منها وهي القنابل الذرية التي هي عذاب عام شامل وستأتي الإشارة إليها بخصوصها في آية أخرى.\nوأما العذاب من تحت الأرجل فأشار إلى الألغام التي تنصب","vol":"1","page":27},{"text":"في الأرض فيمر عليها من يراد إهلاكه فتنفجر تحت رجله أو عربته فيهلك أو تنصب تحت الدور والمنازل فتتهدم على من فيها ممن يريد الله هلاكه وعذابه.\nومن الأحاديث العجيبة في هذا الباب ما رواه أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى تمطر السماء مطرًا لا تكن منها بيوت المدر ولا تكن منها إلا بيوت الشعر». فالمطر الذي لا تكن منه البيوت المبنية بالحجر هو القنابل النازلة من الطائرات، فإنه يهدمها على من فيها ولو لم تنزل على البيت نفسه، لأن قوة انفجارها تهدم البيوت القريبة من مكان الانفجار على من فيها، فلا تكن بيوت المدر منها وإنما تكن منها بيوت الشعر في البوادي التي سكن أهلها خيام الشعر، فإن القنابل إذا لم تنزل على نفس الخيمة لا يحصل منها ضرر لسكان القرية الذين يختبئون في المغارات وتحت الاحجار. فالحديث لولا ظهور القنابل لما تصور أحد معناه.\nوالجواب أن يقال: إن تأويله للآية الكريمة وقطعه بما قطع به فيها من نمط ما قبله من التكلف وتأول القرآن على غير تأويله.\nوالصحيح أن المراد بقوله (عذابا من فوقكم) الرجم من السماء (أو من تحت أرجلكم) الخسف، قاله أبي بن كعب وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد وغير واحد.","vol":"1","page":28},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عيسى الدمغاني قال: أخبرنا ابن المبارك عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) الآية.\nقال: فهن أربع، وكلهن عذاب، فجاء منهن اثنتان بعد وفاة رسول الله - ﷺ - بخمس وعشرين سنة فألبسوا شيعا وأذيق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان فهما لابد واقعتان، يعني الخسف والمسخ. وقد رواه الإمام أحمد وابن جرير من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ في قوله ﵎ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا) قال: أربع خلال وكلهن عذاب، وكلهن واقع قبل يوم القيامة؛ فمضت اثنتان بعد وفاة النبي - ﷺ - بخمس وعشرين سنة: ألبسوا شيعا؛ وأذيق بعضهم بأس بعض، وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. قلت وكذا رجال ابن جرير. قال الهيثمي: والظاهر أن من قوله: فمضت اثنتان ... إلى آخره من قول رفيع - يعني أبا العالية - فإن أبي بن كعب ﵁ لم يتأخر إلى زمن الفتنة انتهى.\nوالقول الثاني في الآية أن المراد بقوله (عذابا من فوقكم) أئمة السوء (أو من تحت أرجلكم) الخدم وسفلة الناس رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":29},{"text":"قال ابن جرير - فيما نقله ابن كثير عنه -: وهذا القول وان كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى.\nقال ابن كثير: وهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير) وفي الحديث «ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ» وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها وظهور الآيات قبل يوم القيامة. انتهى.\nوقد تضافرت الأخبار بوقوع القذف والخسف والمسخ في آخر هذه الأمة، وأكثر ما جاء الوعيد في ذلك لاصحاب الغناء والملاهي وشاربي الخمور، وهي توافق ما قاله أبي بن كعب ﵁ ومن قال بقوله في تفسير الآية الكريمة.\nوأما كلام المصنف في معنى حديث أبي هريرة ﵁ فلا يخفى ما فيه من التعسف والتكلف، وما تصوره في معناه فهو تصور فاسد وبيان ذلك من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أحدها: </span>أن بيوت الشعر لا تكن من القنابل كما زعمه المصنف بل هي أقرب إلى الاحتراق والتلف من بيوت المدر، وهذا لا يخفى على الصبيان فضلا عن الكبار العقلاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الوجه الثاني: </span>أن سكان الخيام إذا اختبؤوا عن القنابل في المغارات وتحت الأحجار فلا يقال إن الخيام هي التي تكنهم من القنابل كما تصوره المصنف وإنما تكنهم المغارات والأحجار.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الوجه الثالث: </span>أن الحديث لا تعرض فيه لذكر البيوت المبنية بالحجر وإنما ذكرت فيه بيوت المدر، والمدر غير الحجر، قال ابن الأثير المدر هو الطين المتماسك، وقال ابن منظور في «لسان العرب» المدر: قطع الطين اليابس وقيل: الطين العلك الذي لا رمل فيه. قال: والمدر للحوض أن تسد خصاص حجارته بالمدر، وقيل هو القرمدة إلا أن القرمدة بالجص والمدر بالطين وفي «التهذيب» والمدر تطيينك وجه الحوض بالطين الحر لئلا ينشف انتهى.\nوإذا علم هذا فالظاهر من صنيع المصنف أنه إنما عدل عن بيوت المدر إلى بيوت الحجر ليوهم بذلك صحة تصوره الفاسد لمعنى الحديث. ولا يخفى ما في تعبيره ببيوت الحجر من تغيير معنى الحديث وما يراد به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>الوجه الرابع: </span>أن بيوت المدر إذا تتابع عليها نزول المطر يومين أو نحوها لا يفتر عنها لا يمسك الماء. بل ينزل منه قطر كثير على من فيها بخلاف بيوت الشعر فإن الماء يزل عنها وتكن ساكنيها منه، وهذا شيء معروف عند الحاضرة والبادية، وعلى هذا فالحديث على ظاهره لا على ما تصوره المصنف والله أعلم.","vol":"1","page":31},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (١٧ - ١٨) ما نصه:\nومن تلك القنابل التي تلقيها الطائرات للعذاب ما ظهر حديثا من القنابل الذرية والهيدروجينية القوية المفعول وهي مع كونها داخلة بطريق الاولى في الآية السابقة فلها أيضًا آية تخصها من بين أنواع القنابل الأخرى، قال تعالى في أشراط الساعة (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) فإن أهل الدنيا - وهم الكفار وإن ظنوا بما تيسر لهم من المخترعات أنهم قادرون عليها اصلاحا وعمارة وتزيينا وهدمًا وتخريبا، لم يقو عندهم هذا الظن حتى حصل عندهم القطع أو كاد بأنهم قادرون عليها إلا بعد حصولهم على القنابل الذرية والطاقة الذرية كما هو معلوم.\nوبهذا يعلم أن الساعة قريبة جدًا وان ظهور أشراطها الكبرى كالمهدي وعيسى ﵉ منتظر من يوم لآخر.\nوقد يكون المراد قوله تعالى (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) أنه سيسلط أصحاب هذه القنابل بعضهم على بعض فيتحاربون بها ويكون ذلك سببًا في خراب الدنيا وجعلها حصيدًا كما قال الله تعالى، وكما يصفه الواصفون لمفعول هذه القنابل التي يبدون منها تخوفهم العظيم على الدنيا بأسرها، ولكن لا تقع هذه الحرب المؤدية إلى ما قال الله تعالى إلا بعد خروج المهدي","vol":"1","page":32},{"text":"ونزول عيسى لقتل الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الأخبار ومما هو واقع لا محالة.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>أحدها: </span>أن هذا من نمط ما قبله من القرمطة والقول في كتاب الله بغير علم.\nالثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف، وليست فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها. ولا خلاف بين المفسرين في هذا.\nوهذه الآية كقوله تعالى في سورة الكهف (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرًا).\nوقال تعالى في سورة الزمر (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب).\nوقال تعالى في سورة الحديد (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطاما).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الوجه الثالث: </span>أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون","vol":"1","page":33},{"text":"على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول، كما قد توهمه المصنف وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين). وقال تعالى (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة. فيومئذ وقعت الواقعة. وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) وقال تعالى (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون).\nوقال تعالى (يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة) قال ابن عباس ﵄: الراجفة النفخة الأولى، والرادفة النفخة الثانية. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغير واحد.\nوقال تعالى (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير) قال ابن عباس ﵄: الناقور الصور. ذكره البخاري في صحيحه ورواه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وهكذا قال مجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد. وقال","vol":"1","page":34},{"text":"تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) والآيات في هذا كثيرة.\nوفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا» قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس» رواه الإمام أحمد ومسلم، قال الجوهري: الليت بالكسر صفحة العنق وهما ليتان. وقال ابن منظور في «لسان العرب» وفي الحديث ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا أي أمال صفحة عنقه.\nوفي حديث الصور الذي رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر» قلت: يا رسول الله وما الصور؟ قال «قرن» قلت كيف هو؟ قال «عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض","vol":"1","page":35},{"text":"إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر وهي التي يقول الله تعالى (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق)» الحديث بطوله وفيه «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله» قال ابن كثير هذا حديث مشهور وهو غريب جدا ولبعضه شواهد.\nوروى الحاكم في «مستدركه» عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في تلخيصه: على شرط مسلم.\nوروى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله (فإذا نقر في الناقور) قال قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمربالنفخ فينفخ» فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - كيف نقول؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» قال الهيثمي: فيه عطية العوفي وهو ضعيف وفيه توثيق لين. وقال ابن كثير هو حديث جيد.\nوقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عطية عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿ (فإذا نفخ في الصور) قال: رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر» قال أصحاب","vol":"1","page":36},{"text":"رسول الله - ﷺ - كيف نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا».\nوروى الإمام أحمد أيضا والترمذي من حديث عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ» فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي - ﷺ - فقال لهم «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» قال الترمذي هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ فذكره بنحوه.\nوروى الإمام أحمد أيضًا والطبراني عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر» قال فسمع بذلك أصحاب النبي - ﷺ - فشق عليهم فقال رسول الله - ﷺ - «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل». قال الهيثمي: رجاله وثقوا على ضعف فيهم.\nوروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي مرية عن النبي - ﷺ - - أو عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ - قال: النفاخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان) قال الهيثمي: رواه أحمد على شك","vol":"1","page":37},{"text":"فإن كان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات؛ وإن كان عن عبد الله بن عمرو ﵄ فهو متصل مسند ورجاله ثقات.\nوروى ابن ماجه والبزار والحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان».\nوروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن الحارث قال: كنت عند عائشة ﵂ وعندها كعب الحبر فذكر إسرافيل فقالت عائشة ﵂ يا كعب أخبرني عن إسرافيل فقال كعب: عندكم العلم قالت أجل قالت فأخبرني قال له أربعة أجنحة جناحان في الهواء وجناح قد تسربل به وجناح على كاهله، والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محني ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور. فقالت عائشة ﵂: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن.\nوروى الطبراني أيضا عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه؛ فلا يبقى خلق من خلق الله إلا مات إلا من شاء ربك.\nوروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو رضي الله","vol":"1","page":38},{"text":"عنهما قال قال أعرابي يا رسول الله ما الصور قال: «قرن ينفخ فيه» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي.\nوذكر البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه قال الصور كهيئة البوق. ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد أنه قال الصور شيء كهيئة البوق.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بين النفختين أربعون» قالوا: أربعون شهرا؟ قال أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيت.\nوبما ذكرته من الآيات والأحاديث يعلم قطعا أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بأمر سماوي لا صنع للبشر فيه، ويعلم قطعا بطلان ما يتخرصه المتخرصون من خراب الدنيا وقيام الساعة على أيدي بني آدم.","vol":"1","page":39},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (١٨) ما نصه:\nومنها التليفون والتلغراف والراديو، ويشير إلى ذلك قوله تعالى (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد)، بل هو ظاهر فيه.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أحدها: </span>أن يقال هذا من نمط ما قبله من التكلف والتعسف وليس في الآية التي ذكرها ما يشير إلى التليفون والتلغراف والراديو بوجه من الوجوه، فضلا عن أن يكون ظاهرًا في ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الوجه الثاني: </span>أن الآية واردة مع الآيات قبلها في تكذيب كفار قريش للنبي - ﷺ - ولما جاء به من عند الله، وسياق الآيات واضح في ذلك قال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا افك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين - إلى قوله - وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد).\nقال مالك عن زيد بن أسلم «ويقذفون بالغيب» قال: بالظن.\nقال ابن كثير: هو كما قال تعالى (رجما بالغيب) فتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون ساحر،","vol":"1","page":40},{"text":"وتارة يقولون مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد، ويقولون إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.\nقال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار. وذكر البغوي عن مجاهد أنه قال يرمون محمدا بالظن لا باليقين، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن، قال ومعنى الغيب هو الظن لأنه غاب علمه عنهم. والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون والمعنى يرمون محمدا من حيث لا يعلمون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الوجه الثالث: </span>أن التخاطب بواسطة التليفون والتلغراف ليس هو من القذف بالغيب كما توهمه المصنف، لأن القذف بالغيب هو القول بالظن والحدس من غير علم ويقين، والتخاطب بواسطة التليفون والتلغراف ليس كذلك، وإنما هو في الغالب مخاطبة عن علم ويقين بما يخاطب به المرء صاحبه، وهو في الحقيقة من المخاطبة مشافهة، وإن كان ذلك بواسطة الآلة الكهربائية.\nونشر الأخبار من الإذاعات هو من هذا الباب، إلا ما يذاع فيها من النشرات الجوية فهي من الرجم بالغيب،،وكذلك ما يقال بلا علم ويقين فكله من القذف بالغيب.\nقال الجوهري: الرجم أن يتكلم الرجل بالظن قال تعالى (رجما بالغيب). وقال الراغب الأصفهاني: ويستعار الرجم للرمي بالظن والتوهم نحو (رجما بالغيب) وقال الشاعر:\n. . . . . . . . . . ... وما هو عنها بالحديث المرجم","vol":"1","page":41},{"text":"فصل\nوذكر المصنف في صفحة (١٩) أن العلم انتشر بسبب الدروس والمحاضرات والمقالات التي تذاع بالراديو فيسمعها الرجال والنساء والكبار والصغار والعبيد والأحرار.\nوالجواب أن يقال ليس الأمر كما زعمه المصنف من انتشار العلم بسبب الراديو، وإنما انتشرت بسببه المعازف والأغاني الخليعة والمهازل السخيفة وغيرها من أنواع الفتن والشرور التي هي أضر شيء على الدين والأخلاق، فهذه هي التي يتلقاها أكثر المستمعين إلى الراديو من رجال ونساء وكبار وصغار، وهي الرائجة عند متخذيه إلا من شاء الله منهم.\nولا ينكر أنه ينشر في بعض الأحيان من بعض الإذاعات دروس ومقالات ومحاضرات علمية ولكن لا يستمع إليها إلا القليل من متخذي الراديو والمستمعين إليه، وأما الأكثرون فلا رغبة لهم فيها ولا في سماعها، فتراهم عاكفين على استماع المعازف والأغاني والمهازل في غالب أوقاتهم، فإذا جاءتهم القراءة أو الدروس والمحاضرات العلمية أغلقوا الراديو عنها وأداروه إلى ما هم مفتونون به من مزامير الشيطان وصوته الفاجر.\nوبالجملة فالأكثرون في زماننا قد أعرضوا عن العلم النافع إلى ما لا خير فيه من الإذاعات والجرائد والمجلات وما أشبهها من الكتب العصرية، فهذه هي التي يتنافس فيها الأكثرون، وعليها في غالب الأوقات يعكفون، وبسبب ذلك قل العلم النافع وهو العلم الموروث عن سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وظهر الجهل وفشا في جميع الأقطار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":42},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٢٠) ما نصه:\nومن الأمور العظام التي رأيناها كما قال - ﷺ - الغواصات، وقد ذكرها الله تعالى أيضا في قوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) الآية، وقد قدمنا الحديث الذي خرجه أحمد في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - سئل عن هذه الآية فقال «أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد» فجاء تأويلها بظهور الطائرات الرامية للقنابل والألغام والغواصات.\nولما لم يكن في زمن المفسرين شيء من ذلك فسروا العذاب من فوق بالملوك، ومن تحت الأرجل بالعبيد، ولا يخفى بطلانه؛ ولكنهم معذورون لأنهم لم يروا ما يصلح أن تطبق عليه الآية كما رأينا نحن.\nوالجواب عن هذا قد تقدم قريبًا (صفحة ٢٢) عند كلام المصنف على الطائرات الحربية.\nوقد بينت هناك أن المراد بقوله تعالى (عذابا من فوقكم) الرجم من السماء (أو من تحت أرجلكم) الخسف. وهذا قول أبي بن كعب وأبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والسدي وابن زيد وغير واحد من المفسرين، وهو أصح القولين في تفسير الآية، ويدل له ما جاء من الأخبار بوقوع القذف والخسف والمسخ في آخر هذه الأمة. وهذا هو الذي يصلح أن تطبق عليه الآية، لا على التكلف الذي لا مستند لقائله إلا مجرد رأيه.","vol":"1","page":43},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٢٠ - ٢٢) تأول المصنف قول النبي - ﷺ - «لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده» على السيرك الذي تستخدم فيه الأسود والنمور والفيلة وغيرها من السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة، وإنها تخاطب فتفهم، وتؤمر وتنهى فتأتمر وتنتهي حسب إرادة اللاعب بها، وعلى الكلاب التي تتخذ لاستكشاف أصحاب الجرائم وعلى الفوتوغراف وآلة التسجيل.\nوالجواب: أن يقال إن ظاهر الحديث يدل على أن السباع تكلم الإنس في آخر الزمان كلامًا حقيقيًا كما وقع ذلك في زمن النبي - ﷺ - لأهبان بن أوس ﵁ حين كلمه الذئب كلامًا حقيقيًا وأخبر النبي - ﷺ - بذلك فصدقه وأمره أن يحدث به الناس وقال النبي - ﷺ - «إنها امارة من امارات بين يدي الساعة» والحديث بذلك رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وروى الترمذي بعضه وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه البيهقي من حديث ابن عمر ﵄، و(بنو أهبان) يقال لهم: بنو مكلم الذئب.\nوفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة ثم أقبل علينا بوجهه","vol":"1","page":44},{"text":"فقال «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها قالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحراثة» فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم؟ فقال «فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما ثم، «وبينا رجل في غنمه إذ عدا عليها الذئب فأخذ شاة منها فطلبه فأدركه فاستنقذها منه فقال: يا هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري؟» قال الناس سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال «إني أومن بذلك وأبو بكر وعمر» وما هما ثم.\nوروى البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي سمعت الحسين بن أحمد الرازي سمعت ابا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بي عن الطريق فضربت راسه ضربات فرفع رأسه إلي وقال لي اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب، قال قلت له: كلمك كلاما يفهم؟ قال: كما تكلمني وأكلمك.\nوالمقصود هنا أن تكليم السباع للإنس فيه خرق للعادة وهو مستغرب جدا ولهذا تعجب الصحابة ﵃ لما أخبرهم النبي - ﷺ - بكلام البقرة والذئب واستغربوا ذلك.\nوأما ما ذكره المصنف من استخدام السباع في الألعاب العجيبة والحركات الغريبة، وإنها تؤمر وتنهى حسب إرادة اللاعب بها فليس ذلك بمستغرب منها كما يستغرب تكليمها للإنس بالكلام الحقيقي.\nوكذلك استكشاف الكلاب لأصحاب الجرائم ليس بمستغرب","vol":"1","page":45},{"text":"منها، وقد ذكر الناس عنها قديما وحديثا من الحكايات العجيبة الدالة على فهمها وقوة إدراكها شيئا كثيرا.\nوإنما المستغرب منها أن تكلم الناس بالكلام الحقيقي كتكليم الناس بعضهم بعضا، وهذا لم يوجد إلى الآن، وسيكون ذلك كما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.\nوالقول في تكليم عذبة السوط وشراك النعل والفخذ لبني آدم كالقول في تكليم السباع لهم.\nوأما تأويل المصنف لذلك بالفوتوغراف وآلة التسجيل فهو تأويل بعيد جدا، وبيان ذلك من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>أحدها: </span>أن ظاهر الحديث يدل على أن الكلام يكون من نفس العذبة والشراك والفخذ لا من آلة تجعل للكلام، وفي تأويل ذلك بالفونوغراف وآلة التسجيل صرف للحديث عن ظاهره بغير دليل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الوجه الثاني: </span>أن تكليم العذبة والشراك والفخذ لبني آدم فيه خرق للعادة وهو مستغرب جدا ولهذا يكون من أمارات الساعة بخلاف الكلام من الفونوغراف وآلة التسجيل فإنه ليس بمستغرب كما يستغرب الكلام من نفس العذبة والشراك والفخذ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الوجه الثالث: </span>أن النطق من الجمادات قد وجد في زمان النبي - ﷺ -، كما في الحديث الصحيح عن جابر بن سمرة ﵄ قال قال رسول الله - ﷺ - «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» رواه الإمام أحمد","vol":"1","page":46},{"text":"وأبو داود الطيالسي ومسلم، والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب.\nوروى الترمذي أيضا عن علي بن أبي طالب ﵁ قال كنت مع النبي - ﷺ - بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أخذ في كفه سبع حصيات أو تسع حصيات فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي - ﷺ - «هذه خلافة النبوة» رواه البيهقي.\nوإذا كان النطق من الجمادات موجودا في زمن النبي - ﷺ - فغير مستبعد أن يكون ذلك في آخر الزمان أيضا.\nوكما أن في تسليم الجمادات على النبي - ﷺ - وتسبيحها في يده وأيدي الخلفاء الراشدين معجزة للنبي - ﷺ -. فكذلك في نطق العذبة والشراك والفخذ معجزة للنبي - ﷺ -.","vol":"1","page":47},{"text":"وأيضا فقد قال الله تعالى (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) وقال تعالى (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي انطق كل شيء) الآية.\nوقال تعالى (يومئذ تحدث أخبارها) وفي الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال «أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها؛ تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوإذا كانت الجوارح والأرض تنطق يوم القيامة فلا يستبعد النطق من نفس العذبة والشراك والفخذ في آخر الزمان، والله على كل شيء قدير.","vol":"1","page":48},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٢٣) ذكر المصنف ما يفعله سائر الدول من جمع السباع وسائر الوحوش في البساتين للفرجة عليها. قال: وذلك من اشراط الساعة وعلامات قربها، حتى إن الله تعالى ذكر ذلك في القرآن في اشراط أخرى ضمها إلى ما سيقع بعد قيامها، فقال تعالى (وإذا الوحوش حشرت) أي جمعت والحشر الجمع والاختلاط فقد حشرت الوحوش وجمعت في البساتين المعدة لذلك كما قال الله تعالى، وهو فعل محرم منهي عنه شرعا - إلى أن قال - ويكفي أن الله تعالى جعل ذلك من أشراط الساعة وأنها قائمة عند وجوده فتعلم كل نفس ما أحضرت.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>أحدها: </span>أن الآية من أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة وإنما هي في أهوال يوم القيامة. وقد تقدم إيضاح ذلك (في ص: ١٣) في الكلام على قوله تعالى (وإذا العشار عطلت).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الوجه الثاني: </span>أن ما ذهب إليه في معنى الآية الكريمة مردود، لأنه من تفسير القرآن بمجرد الرأي وذلك لا يجوز. وقد تقدم أن تفسير القرآن بمجرد الرأي حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الوجه الثالث: </span>أن ابن عباس ﵄ وغير واحد","vol":"1","page":49},{"text":"من التابعين فسروا الآية بغير ما ذهب إليه المصنف في معناها، والعمدة على تفسيرهم لا على رأي المصنف ولا على رأي غيره من المتكلفين.\nقال ابن عباس ﵄: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة. رواه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وكذا قال عكرمة والضحاك: حشرها موتها.\nوروى ابن جرير أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن الربيع بن خثيم (وإذا الوحوش حشرت) قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان قال أبي فذكرته لعكرمة فقال: قال ابن عباس ﵄: حشرها موتها.\nوروى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس ﵄. (وإذا الوحوش حشرت) قال يحشر كل شيء حتى إن الذباب ليحشر. قال ابن كثير: وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي وغير واحد.\nوقال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية يوم القيامة فيقضي الله فيها ما يشاء. رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم. وقال البغوي في تفسيره: (وإذا الوحوش) يعني دواب البر (حشرت) جمعت يوم البعث ليقتص لبعضها من بعض.","vol":"1","page":50},{"text":"قلت: ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - رأى شاتين تنتطحان فقال: «يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما». ورواه عبد الرزاق وابن جرير بنحوه.\nوروى عبد الرزاق أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني ترابا فلذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا. وقد روي نحو هذا مرفوعا في حديث الصور الذي رواه الطبراني وغيره، وهو حديث طويل مشهور.\nوالمقصود ههنا بيان خطأ المصنف فيما ذهب إليه في معنى قوله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت)، وبيان معنى حشر الوحوش وأنه: موتها كما قاله ابن عباس ﵄ وغيره، أو جمعها يوم القيامة ليقتص لبعضها من بعض كما قاله آخرون والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الوجه الرابع: </span>أن ظاهر الآية الكريمة يدل على حشر الوحوش كلها، والوحوش الآن منتشرة في أرجاء الأرض، والذي قد جمعته الدول في بساتينها نزر يسير من بعض أنواع الوحوش لا من كلها، ومع هذا يقول المصنف: إنها قد جمعت في البساتين المعدة لذلك، وهذا قول ظاهر البطلان.","vol":"1","page":51},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٢٤ - ٢٥) ما نصه:\nومن ذلك بخار الوقود من البترول والجاز التي تستخرج الآن من الأرض فتضرم وتوقد في الدنيا بأسرها، في السيارات والبوابير البرية والبحرية والطائرات والموتورات والفبارك الكبيرة والصغيرة وماكينات الطحن والخبز والنجارة وغير ذلك مما يبلغ مئات الأصناف، وبوابير الطبخ في البيوت وموتورات الإنارة العامة والخاصة وغير ذلك.\nوكله مذكور في أشراط الساعة، وأخبر النبي - ﷺ - بمعادنه وعين مواضعها وسمى البترول ذهبا كما يسمونه اليوم بالذهب الأسود، ومن العجيب أنه ورد في بعض طرق الحديث تسميته بكنز ليس من ذهب ولا فضة.\nقال الله تعالى (والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت المعمور. والسقف المرفوع. والبحر المسجور) وقال تعالى (وإذا البحار سجرت) أي أضرمت نارًا كما قال علي وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير وجماعة من أئمة التفسير من السلف.\nوغير خاف أن البترول بحار مودعة في الأرض. وقد قدمنا أن أبي بن كعب وابن عباس وأبا العالية وجماعة من السلف قالوا إن هذه في الدنيا قبل يوم القيامة، قالوا: ذكر الله تعالى في السورة","vol":"1","page":52},{"text":"الكريمة اثنتي عشرة علامة، ستة منها في الدنيا، وستة منها في الآخرة، فالتي في الدنيا آخرها (وإذا البحار سجرت)، وما بعدها فهو في الآخرة، كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوإذ هي في الدنيا وإنها من أشراط الساعة، وهي بحار من الزيوت أودعها الله في بطن الأرض منذ خلق الله الدنيا، ولم يهيأ استكشافها واستخراجها من الأرض لإضرامها وإيقادها إلا في وقتنا هذا الذي ظهرت فيه تلك الأشراط الستة المذكورة كلها - كما بيناه في قوله تعالى (وإذا العشار عطلت) بالسيارات (وإذا الوحوش حشرت) في بساتين الحيوانات، وسنبين الباقي قريبًا -: تعين أنها المراد.\nوأيد بذلك أن البترول يسمى بالذهب الأسود، وأن النبي - ﷺ - أخبر به، وأن من المواضع التي سيظهر فيها أرض العراق وأرض فارس وأرض نجد وما والاها، كما ورد أنه قريب من الحجاز، وورد تسميته بكنز ليس بذهب ولا فضة فلم يبق شك في أنه المراد.\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله - ﷺ - «يوشك الفرات أن ينحسر عن كنز من الذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا»، ورواه مسلم في صحيحه من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ «لا تقوم الساعة حتى ينحسر الفرات عن جبل من ذهب تقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون».","vol":"1","page":53},{"text":"والجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>أحدها: </span>أن الآيات الست من أول سورة التكوير ليست واردة في أشراط الساعة كما زعم ذلك المصنف فيها وتأول لأجل ذلك القرآن على غير تأويله، كما تقدم ذلك في مواضع من كلامه وكما سيأتي في مواضع اخر منه.\nوأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس وأبي العالية أن ست آيات منها في الدنيا، فالمراد أنها من جملة الأهوال التي تكون عند قيام الساعة والناس يشاهدون ذلك، لا أنها تكون قبل قيام الساعة بزمن طويل كما توهمه المصنف.\nقال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس؛ فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت؛ ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض فذلك قوله (وإذا الوحوش حشرت) قال: اختلطت (وإذا العشار عطلت) قال: أهملها أهلها. (وإذا البحار سجرت) قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر - قال - فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تتأجج، قال فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء العليا، قال فبينما هم كذلك إذ","vol":"1","page":54},{"text":"جاءتهم ريح فأماتتهم. رواه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم، وسياقه ظاهر فيما ذكرنا، وفيه رد لما زعمه المصنف في تأويل الآيات الست من أول سورة التكوير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الوجه الثاني: </span>أن ظاهر الآيتين الكريمتين وهما قوله تعالى (والبحر المسجور) وقوله تعالى (وإذا البحار سجرت) يدل على أن البحر نفسه هو الذي يسجر فيكون كله نارًا، وبحار الزيوت لم تسجر بالنار، وإنما يضرم ما يستخرج منها وهذا لا يكون تسجيرًا لها. وعلى هذا فاستدلال المصنف بالآيتين على ما ذهب إليه لا وجه له، وهو استدلال في غاية البعد والتكلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>الوجه الثالث: </span>أن البحر إنما يسجر عند قيام الساعة، كما قاله أبي بن كعب ﵁ وغيره. وقيل: إنه يسجر يوم القيامة روي ذلك عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيد بن عمير وغيرهم. وهذا يرد ما زعمه المصنف من أنها قد سجرت الآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>الوجه الرابع: </span>أن البحر الذي يسجر عند قيام الساعة أو يوم القيامة هو البحر الذي على وجه الأرض، وقد تقدم ما روي عن أبي بن كعب ﵁ في ذلك وروى ابن أبي حاتم عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﵄ قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحًا دبورًا فيضرمها نارًا. قال ابن كثير: وكذا قال عامر الشعبي وهذا يرد ما زعمه المصنف في بحار الزيت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الوجه الخامس: </span>أنه لم يؤثر عن النبي - ﷺ - أنه سمى البترول","vol":"1","page":55},{"text":"ذهبا، وقول المصنف أن النبي - ﷺ - سمى البترول ذهبًا، من القول عليه - ﷺ - بما لم يقله، وذلك حرام وكبيرة من الكبائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الوجه السادس: </span>أن البترول ليس بذهب حقيقة ولا مجازا.\nوأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب، وإنما يقصدون أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير، فلذلك يطلقون عليه اسم الذهب الأسود اعتبارًا بما يستثمر منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الوجه السابع: </span>أن الأثر الذي ذكره المصنف في تسمية البترول بكنز ليس من ذهب ولا فضة ينقض ما زعمه من تسميته في الحديث بالذهب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>الوجه الثامن: </span>أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو حسر الفرات عن كنز من ذهب، وفي الرواية الأخرى عن جبل من ذهب، ومن المعلوم أن بحور الزيت ليست في نهر الفرات وإنما هي في باطن الأرض، وكثير منها يبعد عن نهر الفرات بمسافة بعيدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الوجه التاسع: </span>أن الزيت من المعادن السائلة، والذي أخبر النبي - ﷺ - بانحسار الفرات عنه هو الذهب المعروف عند الناس وهو من المعادن الجامدة، ولهذا جاء في بعض الروايات في الصحيح أنه ينحسر عن جبل من ذهب. وهذا يرد تأويل من تأوله على معدن سائل ليس بذهب ولا يشبه الذهب.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الوجه العاشر: </span>أن النبي - ﷺ - أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب، أي ينكشف لذهاب مائه فيظهر الجبل بارزًا على وجه الأرض، وهذا لم يكن إلى الآن وسيكون فيما بعد بلا ريب. وبحور الزيت لم تنحسر الأرض عنها وإنما يستخرجها الناس بالتنقيب عنها من مسافة بعيدة في بطن الأرض، وأين هذا من ذاك؟\nفصل\nوفي صفحة (٢٥ - ٢٦):\nجزم المصنف أنه لا بد من وقوع الحرب من أجل بترول العراق وإيران، وأنها سوف تكون بالقنابل الذرية المبيدة للبشر.\nوالجواب:\nأن يقال هذا من الرجم بالغيب وقد قال الله تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله). والذي سيقع بلا شك هو الاقتتال على جبل الذهب إذا حسر الفرات عنه، لأن النبي - ﷺ - أخبر بذلك، وما أخبر بوقوعه فهو كائن لا محالة.","vol":"1","page":57},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٢٦):\nذكر المصنف ما رواه الإمام أحمد من حديث رجل من بني سليم سمع النبي - ﷺ - قال: «ستكون معادن يحضرها شرار الناس». ثم قال المصنف: فهذه المعادن هي آبار البترول التي ما ظهرت إلا قرب قيام الساعة الذي هو وقتنا هذا.\nقال ويؤكد ذلك قوله - ﷺ - «يحضرها شرار الناس» فإن معادن البترول لا يستخرجها ويحضرها إلا الكفار الذي هم شرار الناس وقوله - ﷺ - «يحضرها» هو بضم الياء وفتح الحاء وكسر الضاد المشددة أي يهيئها للاستعمال ويجعلها حاضرة لذلك صالحة لما حضرت له.\nوالجواب:\nأن يقال أن هذا الحديث ضعيف لأنه من رواية رجل من بني سليم عن جده، ورجل من بني سليم: مجهول وعلى تقدير صحته فليس المراد به آبار البترول بخصوصها بل هو عام لها ولمعادن الذهب والفضة وغيرها من المعادن الأرضية، ويدل على ذلك قوله في حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «تخرج معادن مختلفة» الحديث.\nوقوله يحضرها شرار الناس هو بفتح الياء وإسكان الحاء وضم الضاد المخففة أي يأتي إليها ويسكن عندها شرار الناس وقد جاء","vol":"1","page":58},{"text":"ذلك صريحا فيما ذكره المصنف من حديث عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة ﵄: فأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فقال فيه «تخرج معادن مختلفة معدن منها قريب من الحجاز يأتيه من أشرار الناس» رواه الحاكم في مستدركه، وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقال فيه قال رسول الله - ﷺ - «لا تقوم الساعة حتى تظهر معادن كثيرة لا يسكنها إلا أراذل الناس» رواه الطبراني في الأوسط.\nوالمراد بأراذل الناس الكفار وفساق المسلمين كما هو الواقع الآن، وليس المراد به الكفار خاصة كما زعم ذلك المصنف.\nثم إن المصنف غيَّر معنى الحديث بما فسر به قوله «يحضرها» ليوافق ما ذهب إليه، ولا يخفى أن ذلك من تحريف الكلم عن مواضعه.","vol":"1","page":59},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٢٧) ما نصه:\nويشير إلى البترول أيضا قوله تعالى (إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها) الآية. فإنها أخرجت ملايين الأطنان من البترول والغاز وهو أعظم ثقل فيها عندما زلزلت أي حركت بالآلات وفتح فيها آبار البترول والغاز، (وقال الإنسان مالها) تعجبًا مما تخرجه من ذلك، فعند ذلك تحضر الساعة.\nأَو (إذا زلزلت الأرض زلزالها) الموعود به وهو الزلزال الكثير الذي يحدث آخر الزمان كما قال النبي - ﷺ -: «وتكثر الزلازل» كما في أحاديث صحيحة متعددة. وقد صارت تحدث بكثرة في هذا الوقت الذي أخرجت فيه الأرض أثقالها من البترول. (وقال الإنسان مالها) يكثر زلازلها؟\nوهذا كله واقع فيترقب ما بعده فإن الزمان بالنسبة إلى علم الله تعالى شيء واحد. والله تعالى يجمع بين الأمور المتباعدة فيسوقها مساقا واحدًا لتحقق الجميع وحضوره في علمه ﷾.\nوالجواب:\nأن يقال هذا من التخبيط في القرآن وتأوله على غير تأويله، وقد قدمنا أن ذلك حرام ومتوعد عليه بالوعيد الشديد.\nويقال أيضًا إن السورة واردة في قيام الساعة وما يكون","vol":"1","page":60},{"text":"بعد ذلك في يوم القيامة وسياقها يدل على ذلك، وليس فيها ما يدل على خروج البترول بوجه من الوجوه.\nقال البغوي في تفسيره (إذا زلزلت الأرض زلزالها) حركت الأرض حركة شديدة لقيام الساعة (وأخرجت الأرض أثقالها) موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها (وقال الإنسان مالها) قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها: أي تخبر الأرض بما عمل عليها.\nوقال ابن كثير في تفسيره قال ابن عباس ﵄ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) أي تحركت من أسفلها (وأخرجت الأرض أثقالها) يعني ألقت ما فيها من الموتى قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) وكقوله (وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت).\nوروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) تحركت من أسفلها (وأخرجت الأرض أثقالها) قال: الموتى (وقال الإنسان مالها) قال: يقول الكافر مالها (يومئذ تحدث أخبارها) قال لها ربك قولي فقالت.\nوروى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد في قوله (وأخرجت الأرض أثقالها) قال: من في القبور. وروى ابن أبي حاتم عن عطية (وأخرجت الأرض أثقالها) قال ما فيها من الكنوز والموتى.\nفهذه أقوال المفسرين في تفسير السورة وفيها رد لقرمطة المصنف وإلحاده.","vol":"1","page":61},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٢٨) ما نصه:\nومن ذلك زوال الجبال عن أماكنها للدواعي الداعية إلى ذلك، من تعبيد الطرق للبوابير الحديدية والسيارات وتوسيع الطرق وضواحي المدن وغير ذلك، مما هو واقع الآن في كثير من أقطار الأرض كما هو مشاهد ومعلوم، قال الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وقد قدمنا أن هذا في الدنيا قبل قيام الساعة وتسييرها زوالها من أماكنها.\nثم ذكر ما رواه البزار والطبراني من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «لا تقوم الساعة حتى تروا أمورًا عظاما لم تكونوا ترونها، وحتى تزول الجبال عن أماكنها».\nقال وروى أحمد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - عن عيسى ﵇ ليلة الإسراء في ذكر أمارات الساعة وفي آخر الحديث قوله «ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم - ثم قال - ففيما عهد إلي ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادها ليلًا أو نهارًا».\nفهذا النسف غير المذكور في قوله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفًا) الآية فإن ذلك بعد قيام الساعة يوم تصير الجبال كالعهن المنفوش، وهذا قبل قيام الساعة بل هو من","vol":"1","page":62},{"text":"أشراطها وعلاماتها الدالة على قرب قيامها. ويؤيد هذا وقوع هذا النسف كل يوم في سائر الدنيا بالألغام والحفر بالآلات ومد الأرض ذات الجبال مد الأديم حتى ينزل عيسى ﵇ فيجدهم على ذلك.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أحدها: </span>أن يقال إن فتح الطرق في الجبال لا يكون إزالة للجبال ونسفًا وتسييرًا لها ومدًا للأرض مد الأديم، وهذا لا يخفى على من له أدنى عقل ومعرفة. واستدلال المصنف على ما ذهب إليه بقول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبما في حديث سمرة وحديث ابن مسعود ﵄ لا وجه له وهو استدلال في غاية البعد والتكلف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الوجه الثاني: </span>أن يقال إن جبال الأرض باقية على حالها مع فتح الطرق فيها. ولو أنها قد نسفت وسيرت ومدت الأرض مد الأديم - كما زعمه المصنف - لما بقي في الأرض جبل بالكلية. بل إنا نقول لعله لم ينسف منها ولا جبل واحد، اللهم إلا أن تكون آكاما صغارًا تؤخذ أحجارها للحاجة أو تزال عن الطرق فهذا قد يكون موجودًا الآن ولكن لا يعد هذا نسفا للجبال وتسييرًا لها ومدًا للأرض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>الوجه الثالث: </span>أن نسف الجبال وتسييرها ومد الأرض مد الأديم إنما يكون يوم القيامة، قال الله تعالى (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا)، وقال تعالى (إن يوم","vol":"1","page":63},{"text":"الفصل كان ميقاتا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا. وسيرت الجبال فكانت سرابا) وقال تعالى (فإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل) وقال تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا. فيذرها قاعا صفصفا. لا ترى فيها عوجا ولا أمتًا. يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) وقال تعالى (القارعة ما القارعة. وما أدراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش). وقال تعالى (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين. وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) الآية.\nوقيل إن تسيير الجبال يكون عند قيام الساعة، وهو ظاهر ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة - فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله وخروج يأجوج ومأجوج وموتهم - قال ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم» الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوفي حديث الصور الطويل «إن الله تعال يأمر إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ فينفخ نفخة الفزع فيفزع أهل","vol":"1","page":64},{"text":"السموات والأرض إلا من شاء الله ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الوجه الرابع: </span>أن المصنف قرر نسف الجبال في الدنيا بفعل بني آدم، واستدل على ذلك بقول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبما في حديث سمرة وحديث ابن مسعود ﵄ ثم قرر نسفًا آخر يكون بعد قيام الساعة وهو المذكور في قول الله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا).\nوالحق أن النسف إنما يكون مرة واحدة وأن ما ذكر في قوله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وفي قوله - ﷺ - عن عيسى ﵊ «ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم» هو بعينه ما ذكر في قول الله تعالى (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) وغيرها من الآيات التي تقدم ذكرها، ولا دليل على تعدد النسف والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الوجه الخامس: </span>أن النبي - ﷺ - قال «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إذا الشمس كورت) و(إذا السماء انفطرت) و(إذا السماء انشقت)» رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر ﵄، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوهذا الحديث الصحيح يدل على أن نسف الجبال إنما يكون يوم القيامة، وفيه رد لقول المصنف إن ذلك كائن الآن بفعل بني آدم؛ وفيه أيضا قطع ما تعلق به المصنف من قول الله تعالى (وإذا الجبال سيرت) وبيان أنه لا وجه لاستدلاله بهذه الآية على وقوع النسف في الدنيا.","vol":"1","page":65},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٢٨ - ٢٩) ما نصه:\nومن ذلك الكهرباء والاستنارة بها في الدور والطرق وفي الأسفار على البوابير والسيارات، فهي والله أعلم المراد بقوله تعالى (وإذا النجوم انكدرت)، فقد قدمنا عن الصحابة وغيرهم من التابعين أنها من العلامات الواقعة في الدنيا قبل قيام الساعة.\nوانكدار النجوم ضعف نورها أو ذهابه بالكلية عند وجود النور الكهربائي والاستغناء به في الطرق والأسفار عن نورها والاهتداء به في ظلمات الليل دونها، فإن الناس قبل ظهور النور الكهربائي ما كانوا يهتدون في ظلمات الليل في الأسفار إلا بالنجوم فلما ظهرت الكهرباء انكدرت أنوارها واستغنى الناس عنها؛ كما عطلت الإبل واستغنى الناس عنها أيضا بالسيارات وبوابير السكة الحديدية، وذكر الله تعالى ذلك أيضا بقوله (وإذا العشار عطلت) كما سبق بيانه.\nويؤيد هذا ويزيده وضوحًا أن الله تعالى عبر عن الشمس بالتكوير دون الانكدار وذهاب النور، لأن أنوار الكهرباء مهما عظمت قوتها لا تؤثر على نور الشمس بل بالعكس فإن الشمس هي التي تؤثر في أنوار الكهرباء فلا يظهر لها أثر مع سلطان الشمس بخلاف النجوم.","vol":"1","page":66},{"text":"والجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>أحدها: </span>أن المراد بانكدار النجوم طمسها وانتشارها على وجه الأرض كما سيأتي بيانه، وليس المراد به ما ذهب إليه المصنف من اختفائها عن الأبصار بسبب الأنوار الكهربائية، فإن ذلك لا يكون طمسا لها فضلا عن الانكدار. واستدلال المصنف بالآية على ما ذهب إليه لا وجه له؛ وهو من تأول القرآن على غير تأويله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الوجه الثاني: </span>أن طمس النجوم وانكدارها إنما يكون يوم القيامة، قال الله تعالى: (فإذا النجوم طمست. وإذا السماء فرجت. وإذا الجبال نسفت. وإذا الرسل أقتت. لأي يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل) وقال تعالى: (إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت).\nقال البغوي في تفسيره (وإذا النجوم انكدرت) أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض، يقال انكدر الطائر إذا سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا فلا يبقى نجم إلا وقع.\nوقال ابن كثير في تفسيره (وإذا النجوم انكدرت) أي انتثرت كما قال تعالى (وإذا الكواكب انتثرت). وأصل الانكدار: الانصباب، وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما","vol":"1","page":67},{"text":"هم كذلك إذ تناثرت النجوم .. الحديث. رواه ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وقد تقدم ذكره (صفحة ٥٤).\nقال ابن كثير: وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جل وعلا (وإذا النجوم انكدرت) أي تناثرت. قلت: وقال قتادة انكدرت: تساقطت وتهافتت.\nوقد قال أهل اللغة في الانكدار بمثل ما قاله المفسرون في ذلك، قال الجوهري: انكدر أي أسرع وانقض، وانكدرت النجوم. وقال الراغب الأصفهاني: الانكدار يعبر عن انتثار الشيء، قال: (وإذا النجوم انكدرت)، وانكدر القوم على كذا إذا قصدوا متناثرين عليه. وقال ابن منظور في «لسان العرب»: انكدرت النجوم تناثرت. وكذا قال صاحب القاموس وغيره أن معنى انكدرت النجوم تناثرت.\nوقد تقدم حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إذا الشمس كورت) و(إذا السماء انفطرت) و(إذا السماء انشقت)» وهذا الحديث فيه رد لما تعلق به المصنف من الآية الكريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الوجه الثالث: </span>أن ما ذكره عن بعض الصحابة والتابعين أن الآيات الست في أول سورة التكوير تكون في الدنيا قبل قيام الساعة، فليس مرادهم ما ذهب إليه من وقوع ذلك قبل قيام","vol":"1","page":68},{"text":"الساعة بزمن طويل، وإنما مرادهم أن ذلك يكون عند قيام الساعة، وأن ذلك من جملة الأهوال التي تكون عند قيامها والناس يشاهدون ذلك.\nوأول ذلك ذهاب ضوء الشمس كما في حديث أبي بن كعب ﵁، وإذا كان ذهاب ضوء الشمس هو أول ما يقع من الآيات فأي متعلق للمصنف في شيء مما ذكره الله تعالى في أول سورة التكوير؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الوجه الرابع: </span>أن الناس لم يستغنوا عن الاهتداء بالنجوم في أسفارهم، ولا سيما اذا سافروا في الطرق التي لم تعبد فإنهم كثيرًا ما تشتبه عليهم الجهة التي يقصدونها فيرجعون إلى الاهتداء بالنجوم. وكذلك جهة القبلة إنما يهتدون إليها في النهار بالشمس وفي الليل بالنجوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الوجه الخامس: </span>أن الظاهر من كلام المصنف وتقريره أن تكوير الشمس هو شدة ضوئها وغلبته على الأنوار الكهربائية.\nوهذا خطأ مخالف لما قاله المفسرون في معنى تكوير الشمس.\nقال ابن كثير في تفسيره: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ (إذا الشمس كورت) يعني أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير كورت غورت، وقال الربيع بن خثيم: كورت رمي بها. وقال","vol":"1","page":69},{"text":"أبو صالح: كورت ألقيت، وعنه أيضًا نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.\nقال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه إلى بعض، ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى كورت جمع بعضها إلى بعض ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.\nثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﵄ «إذا الشمس كورت» قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فيضرمها نارًا. قال ابن كثير: وكذا قال عامر الشعبي.","vol":"1","page":70},{"text":"فصل\nوفي صفحة «٢٩ - ٣٢»:\nقرر المصنف أن المطر الذي يكون مع الدجال هو المطر الصناعي، وأن ما يكون معه من جبل الخبز ونهر الماء هو ما يحمله في العربات الحاملة للماء والعربات الحاملة للخبر وماكينات العجين والخبر والطبخ وما إليها مما هو موجود الآن لدى سائر الدول لاستعمالها في الحروب، وان ذلك كله بالأسباب العادية التي أجراها الله تعالى على يد غيره واخترعها الإفرنج قبل ظهوره فاستعملها هو لدعوته.\nوالجواب أن يقال: إن الأمور التي تكون مع الدجال من الأمور الغيبية فلا يقال فيها بمجرد الرأي وإنما ينتهى فيها إلى ما جاء عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.\nوالذي يظهر من الأحاديث أن ما يجريه الله تعالى على يدي الدجال يكون من خوارق العادات لا من الأسباب العادية التي تعرفها الناس ويستعملونها، وذلك أعظم الفتنة، فأما الأمور التي قد سبقه بها غيره وعرفها الناس فليس في إتيانه بها أمر خارق يفتتن به الناس.\nوقد جاء في الحديث الصحيح «أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت فتروح سارحة القوم عليهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعًا وأمده خواصر».","vol":"1","page":71},{"text":"رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن إلا النسائي من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁. وهذا شيء خارق للعادة لا من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها.\nوقد دل هذا الحديث على أن السماء تمطر بمجرد أمره لها أن تمطر، لا بآلات يستعملها ذلك.\nودل الحديث أيضًا على أن الأرض تنبت النبات في الحال من غير آلة يستعملها لذلك، وإن السارحة تروح من يومها وهي طويلة الذرى سابغة الضروع ممتدة الخواصر.\nوفي الحديث أيضًا أنه «يلبث في الأرض أربعين يومًا يوم منها كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة». وهذا شيء خارق للعادة.\nوفي الحديث أيضًا أنه يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وأنه يدعو رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. وفي الحديث الآخر أن له حمارًا يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعًا. وهو حديث صحيح وقد تقدم ذكره. وهذا كله من خوارق العادات، لا من الأسباب التي يعرفها الناس ويستعملونها.\nولهذا كانت فتنة الدجال أعظم فتنة تكون في الدنيا، كما في سنن ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله","vol":"1","page":72},{"text":"- ﷺ - قال: «لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذر أمته الدجال».\nوفي المسند وصحيح مسلم عن هشام بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال». وفي رواية «أمر أكبر من الدجال». ولما كانت فتنته أعظم الفتن أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة منها في كل صلاة، وحذر منه وأنذر في عدة أحاديث. وفي المسند وسنن أبي داود عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سمع بالدجال فلينأ عنه» - وفي رواية لأحمد: يقولها ثلاثا - فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات».\nولو كان ما مع الدجال من الأسباب العادية التي يعرفها الناس ويستعملونها لكان شأنه كشأن سائر الدول التي تصنع المخترعات العجيبة وتستعملها ولم يكن للتحذير منه بخصوصه كبير فائدة.\n\nفصل\nوفي صفحة (٣٣ - ٣٤):\nتأول المصنف ما جاء في حديثي ابن مسعود وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» على آلات الرصد التي يرى بها الهلال عند أول ظهوره.\nولا يخفى:\nأن الحديث ضعيف، ولو صح لكان محمولا على ظاهره. لا على وجود آلات الرصد إذ لا غرابة في ذلك والله أعلم.","vol":"1","page":73},{"text":"فصل\nوقال في صفحة (٣٨) ما نصه:\nومن ذلك زينة الأرض وحضارتها بتعبيد الطرق وإحداث الشوارع وإضاءتها بالأنوار ووجود الأبنية الطويلة ذات الطبقات المتعددة وغير ذلك من أنواع الزينة والحضارة. وقد ذكر الله تعالى ذلك من أشراط الساعة الدالة على قربها جدًا فقال تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس).\nوالجواب:\nأن يقال إن هذه الآية ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه المصنف، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها: بالنبات الذي يخرجه الله تعالى من الأرض بالماء الذي ينزله من السماء. ولهذه الآية نظائر في سورة الكهف وسورة الزمر وسورة الحديد وقد ذكرتها فيما تقدم.","vol":"1","page":74},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٥٠) ما نصه:\nإخباره - ﷺ - بالإهمال الواقع من النجديين للمدينة المنورة الذي سيؤول بها إلى الخراب.\nروى أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله - ﷺ -: «عمران بيت المقدس خراب يثرب وخراب يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية وفتح القسطنطينية خروج الدجال».\nفعمران بيت المقدس قد ابتدأ وظهر إن لم يكن تم بإنشاء دولة اليهود فيه فإنهم عمروه ولا زالوا جادين في عمارته.\nوالمدينة المنورة في طريق الخراب، لمحاربة القرنيين لها وسعيهم في القضاء عليها بعدم التفاتهم إليها وإلى إصلاحها، مع إهمالهم لأهلها ومعاكستهم لمن يريد الإقامة بها وصرفهم النظر عن سكانها وعدم مساعدتهم ومد يد المعونة إليهم، لتخرب ولا يبقى بها ساكن ولا مجاور لسيد الخلق - ﷺ -، بغضًا منهم في جانبه الشريف واعتقادًا منهم - قبحهم الله - أن زيارته وتعظيمه بدعة وضلال، فهم يسعون لذلك في خرابها حتى ينصرف الناس عن المجاورة والزيارة. وخرابها كما ترى من أشراط الساعة.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>أحدها: </span>أن ما ذكره عن النجديين من الإهمال للمدينة وأهلها إلى آخر كلامه الذي أقذع فيه فكله كذب وبهتان.","vol":"1","page":75},{"text":"وكل من رأى حال المدينة وأهلها في هذا الزمان يعلم حقًا جراءة هذا الصوفي على الكذب والبهتان وإسرافه في ذلك، وقد قيل:\nلي حيلة فيمن ينمُّ ... وليس في الكذاب حيله\nمن كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله\n\nوقال بعض السلف يفسد الكذاب والنمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة.\nوالكذب من كبائر الإثم وقد قال الله تعالى (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب). وقال تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) وقال تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.\nوروى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا».\nوروى ابن حبان في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله","vol":"1","page":76},{"text":"عنه قال قال رسول الله - ﷺ -: «عليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة. وإياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار».\nوروى الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال قال رسول الله - ﷺ - «عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر، وهما في الجنة وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار».\nوروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما عمل الجنة؟ قال «الصدق إذا صدق العبد بر وإذا بر آمن، وإذا آمن دخل الجنة» قال يا رسول الله وما عمل النار قال «الكذب: إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل» يعني النار.\nوروى الإمام أحمد أيضا والبخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال «أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني - فذكر الحديث وفيه - فانطلقت معهما فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه - قال - ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح الأول كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى - قال - قلت سبحان الله ما هذان؟ - قال - قالا لي: انطلق انطلق- الحديث وفي آخره - وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه وعيناه إلى قفاه","vol":"1","page":77},{"text":"ومنخراه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق».\nوروى الترمذي في جامعه عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال «إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به»: قال الترمذي هذا حديث حسن جيد غريب.\nوروى الإمام أحمد عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» وروى البزار وأبو يعلى نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\nوروى الإمام أحمد أيضا عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: يا أيها الناس إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان. ورواه البيهقي مرفوعا وقال: الصحيح أنه موقوف.\nوروى مالك عن صفوان بن سليم مرسلا قال قيل: يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال نعم، قيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم قيل له: أيكون المؤمن كذابا قال: لا.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «آية المنافق ثلاث. إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» وفي رواية لمسلم: «آية المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» ورواه الإمام أحمد ولفظه قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":78},{"text":"وفي الصحيحين والمسند والسنن عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر».\nوروى أبو يعلى وأبو الشيخ الأصبهاني عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».\nوقال الحسن البصري رحمه الله تعالى كان يقال: أس النفاق الذي بني عليه: الكذب.\nوالأحاديث في ذم الكذب والتحذير منه كثيرة، وفيما ذكرته كفاية.\nومما يؤسف له صدور الكذب والبهتان من المصنف مع دعواه لنفسه مرتبة الكمال في آخر كتابه، وأنه من القائمين بكتاب الله الداعين إليه سرًا وعلانية فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>الوجه الثاني: </span>أن المدينة كانت في زمان ولاية الترك عليها كسائر القرى المتأخرة في أنواع العمارة والتنظيم؛ وكان السكان فيها قليلا والخراب في بيوتها كثيرًا لقلة من يمر بها في غير وقت الحج.\nولما ولي عليها أهل نجد جعلوها هي ومكة، نصب أعينهم","vol":"1","page":79},{"text":"وموضوع عنايتهم، فكانوا يهتمون بهما وبأهلهما أعظم من اهتمامهم بعاصمة ملكهم التي كانوا يسكنون فيها وبأهلها حتى صارت المدينة الآن من المدن الكبار في السعودية، متباعدة الأطراف كثيرة السكان معمورًا أكثرها بأحسن العمارة الحديثة ومنظمة بأحسن التنظيم.\nوقد زاد النجديون في المسجد النبوي منذ سنوات أكثر من مثله في ولاية الترك على المدينة، ولا يزال مع ذلك يضيق بالمصلين فيه، والخيرات في المدينة كثيرة جدًا وأهلها في نعمة عظيمة ورخاء من العيش وافر وأمن وطمأنينة.\nوقد كثر الوافدون إليها في كل وقت، وخصوصًا لما عبدت الطرق إليها فلا تزال في كثير من الأوقات مزدحمة بالسكان والوافدين. فإن كان المصنف لم يرها في الوقت الحاضر فليقدم إليها ولينظر إليها حتى يعلم بطلان ما قاله فيها وفي أهلها وفيمن لهم الأمر فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الوجه الثالث: </span>أن عمران بيت المقدس، الذي جاء ذكره في حديث معاذ بن جبل ﵁، ليس هو بتضخيم البناء وزخرفته وتنظيمه على الأشكال الحديثة كما توهمه المصنف، وإنما عمرانه بظهور الإيمان وطاعة الله تعالى فيه؛ وإزالة الشرك والبدع وسائر المنكرات منه، وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون ذلك فيما بعد إذا كانت الخلافة في الأرض المقدسة قبل خروج الدجال ونزول عيسى ﵊.","vol":"1","page":80},{"text":"كما في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ عن النبي - ﷺ - في ذكر الدجال، وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح. فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵊ فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم ...» الحديث. رواه ابن ماجه.\nوروى الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله - ﷺ - يده على رأسي - أو على هامتي- ثم قال: «يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوقد قال الله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله). وقال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها). وفي هاتين الآيتين دليل على أن العمارة في الحقيقة إنما هي بالإيمان وإعلاء كلمة الله. وأن الخراب كل الخراب بضد ذلك.","vol":"1","page":81},{"text":"ويدل على ذلك أيضًا حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود» رواه البيهقي في «شعب الإيمان»، وذكره الإمام أحمد في كتاب الصلاة مختصرًا.\nوذكر الإمام أحمد أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال توشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قيل: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقها. ورواه أبو موسى المديني في كتاب «دولة الأشرار».\nوإذا علم هذا فاليهود لم يعمروا بيت المقدس كما زعمه المصنف، وإنما هم مخربون له، ولا زالوا جادين في تخريبه حتى تنزل الخلافة فيه وتطهره منهم ومن إخوانهم من المشركين والمنافقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الوجه الرابع: </span>أن بغض الرسول - ﷺ - من نواقض الإسلام فمن أبغضه، أو أبغض شيئًا مما جاء به، فهو كافر، وقد حكى شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى الاتفاق على هذا.\nومع هذا فقد زعم هذا الصوفي الملحد في آيات الله تعالى أن النجديين يبغضون الرسول - ﷺ -، ويعتقدون أن زيارته ومجاورته وتعظيمه بدعة وضلال.","vol":"1","page":82},{"text":"والجواب عن هذه الفرية أن نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم. وقد قال بهذه الفرية قبله غير واحد من سلفه وأشباهه من أهل الزيغ والإلحاد، ورد عليهم المحققون من أهل نجد وغيرهم بما يشفي ويكفي.\nوقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا).\nوعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من ذكر امرأً بشيء ليس فيه، ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه» رواه الطبراني، قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، يشينه بها في الدنيا، كان حقًا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».\nوعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد: «وليس بخارج».\nوكلام المصنف في زيارة النبي - ﷺ - وتعظيمه: فيه إجمال. فإن كانت الزيارة بغير سفر فلا خلاف في جوازها، وليس أحد من علماء النجديين يمنع منها، فضلا عن أن يعتقدوها بدعة وضلالا كما زعمه المصنف كذبًا وافتراء عليهم.","vol":"1","page":83},{"text":"وإن كانت الزيارة تحتاج إلى سفر فهي داخلة فيما نهى عنه الرسول - ﷺ - من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة كما في الصحيحين والمسند والسنن - إلا الترمذي - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» هذا لفظ البخاري، وفي رواية لمسلم «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء».\nقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» قوله لا تشد الرحال بضم أوله بلفظ النفي والمراد النهي عن السفر إلى غيرها قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع، لاختصاصها بما اختصت به، وكنى بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: «إنما يسافر» انتهى.\nوفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».","vol":"1","page":84},{"text":"ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا». وروى الطبراني في الصغير عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».\nوفي الموطأ والمسند وسنن النسائي عن بصرة بن أبي بصرة ﵁ أنه قال لأبي هريرة ﵁ - وقد أقبل من الطور -: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وقد رواه الإمام أحمد أيضًا وأبو داود الطيالسي والبخاري في التاريخ الكبير من حديث أبي بصرة ﵁، بنحوه.\nوقد تحصل من ألفاظ هذه الأحاديث ثلاث صيغ: النفي، والنهي، والحصر، وكل واحدة من هذه الصيغ تفيد أنه لا يجوز السفر إلى زيارة شيء من القبور ولا المساجد والأماكن المعظمة سوى المساجد الثلاثة. وباجتماع هذه الصيغ الثلاث يزداد المنع شدة، والله أعلم.\nوإذا كان شد الرحال إلى زيارة القبور معصية للنبي - ﷺ - فما ذنب النجديين إذا نهوا عن ذلك واعتقدوه بدعة وضلالا عن","vol":"1","page":85},{"text":"الصراط المستقيم، فليس النجديون بمخطئين في نهيهم عن الزيارة البدعية، وإنما المخطئ الأثيم من أجازها وارتكب ما نهى عنه الرسول - ﷺ - من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، فخالف بذلك قول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب).\nوأما تعظيم النبي - ﷺ -: فإن كان ذلك بما أمر الله به، من طاعته ومحبته واحترامه وتوقيره واتباع أوامره واجتناب نواهيه، فذلك واجب على كل مسلم، وجميع المؤمنين من النجديين وغيرهم على هذا المذهب، وليس أحد من مؤمني أهل نجد يخالف في هذا؛ فضلا عن أن يعتقدوه بدعة وضلالا كما زعم ذلك المصنف كذبًا وافتراء عليهم.\nوإن كان تعظيمه - ﷺ - بما نهى عنه من اللغو فيه وإطرائه كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، واتخاذ قبره عيدًا والالتجاء إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات كما يفعله كثير من المفتونين بالقبور، فذلك ضلال عن الصراط المستقيم. ومن اعتقد ذلك بدعة وضلالا فهو المصيب، ومن أنكر عليه فهو التائه الضال، والله أعلم.\nوأما تسمية المصنف للنجديين بالقرنيين، فمراده أنهم هم قرن الشيطان الذي أخبر النبي - ﷺ - بطلوعه. وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى عند قوله في صفحة (٧٦): «ولما طلع قرن الشيطان بنجد». والله المستعان؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل.","vol":"1","page":86},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٥١) ما نصه:\nروى الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك، من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله - ﷺ - «سيكون بعدي سلاطين، الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل، لا يعطون أحدًا شيئًا إلا أخذوا من دينه مثله». فسلاطين الفتن هم الموجودون في هذا العصر لا من كان قبلهم، بدليل قوله - ﷺ -: «على أبوابهم كمبارك الإبل» لأن هذا وصف السيارات ومواقفها، ولم يوجد ذلك إلا في عصرنا هذا على أبواب ملوك الوقت الذين هم منشأ الفتن القائمة الآن في سائر الأقطار الإسلامية كما هو معلوم.\nويؤيد ذلك أيضًا ذكره لبعضهم ووصفه - ﷺ - أصحابه بالوصف الذي لم يكن موجودًا قبل وقتنا هذا، فروى الطبراني في الكبير من مرسل عبد الله بن رباح قال قال رسول الله - ﷺ - «يوشك أن يؤمر عليهم الرويجل فيجتمع إليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فإذا أمرهم بشيء حضروا» فالقوم المحلقة أقفيتهم هم العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية أيضًا ويحلقون أقفيتهم تشبهًا بالكفار، وهم الملتفون حول سلاطين الوقت أهل الفتن. أما من كان قبل هذا العصر فلم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم ولا على أبوابهم كمبارك الإبل.","vol":"1","page":87},{"text":"والجواب عن هذا من وجهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>أحدهما: </span>أن حديث عبد الله بن الحارث بن جزء ضعيف جدًا لأن في إسناده «حسان بن غالب» قال الدارقطني ضعيف متروك، وكذا قال الذهبي والهيثمي أنه متروك، وذكره ابن حبان فقال: شيخ من أهل مصر يقلب الأخبار، ويروي عن الأثبات الملزقات لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار.\nوفيه أيضًا «ابن لهيعة»، وهو ضعيف. وعلى هذا فليس هذا الحديث بشيء ولا يعتد به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الوجه الثاني: </span>لو قدرنا صحة هذا الحديث فهو عام لسلاطين الفتن في هذا الوقت ولم كان قبلهم من زمان بني أمية إلى يوم القيامة وليس فيه ما يدل على تخصيص أهل هذا العصر بذلك.\nوأما استدلال المصنف على ما ذهب إليه بقوله على أبوابهم كمبارك الإبل، وأن هذا وصف السيارات ومواقفها على أبواب ملوك الوقت فهو استدلال في غاية البعد والتكلف، إذ ليس بين الإبل وبين السيارات شيء من المشابهة.\nوأيضًا فإنه قال في الحديث «الفتن على أبوابهم كمبارك الإبل» والمبارك: آثار الإبل في الأرض لا أجسام الإبل والمعنى أن الفتن على أبوابهم كثيرة تشبه في كثرتها آثار الإبل التي تناخ عند أبوابهم. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه المصنف لقال على أبوابهم كالإبل البروك أو الإبل المناخة.","vol":"1","page":88},{"text":"وأما الحديث الآخر الذي ذكره المصنف عن عبد الله بن رباح. فصوابه: «عبد الله بن وراح» براء ثقيلة ثم حاء مهملة، هكذا ضبطه الحافظ ابن حجر في «الإصابة». وهو معدود في الصحابة فحديثه متصل وليس بمرسل.\nوقد ظهر مصداق حديثه في زمنه بل فيه نفسه وفي جزء بن سهيل السلمي ﵁:\nقال جبير بن نفير: كان عبد الله بن وراح قديمًا له صحبة، وحدثنا أن النبي - ﷺ - قال «يوشك أن يؤمر عليكم الرويجل، فيجتمع عليه قوم محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فإذا أمرهم بشيء حضروا» ثم إن عبد الله بن وراح ولي على بعض المدن، فاجتمع إليه قوم من الدهاقين محلقة أقفيتهم بيض قمصهم، فكان إذا أمرهم بشيء حضروا فيقول: صدق الله ورسوله. رواه الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله ثقات.\nوعن جبير بن نفير أيضًا قال: قال ابن حوالة ﵁ كنا عند رسول الله - ﷺ - فشكوا إليه الفقر والعري وقلة الشيء، فقال النبي - ﷺ - «أبشروا فوالله لأنا لكثرة الشيء أخوف عليكم من قلته، والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح لكم جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن حتى يعطي الرجل المائة فيسخطها» قال عبد الله بن حوالة: ومتى نستطيع الشام مع الروم ذات القرون؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ليفتحها لكم ويستخلفكم فيها حتى تظل العصابة منهم، البيض قمصهم، المحلقة أقفاؤهم،","vol":"1","page":89},{"text":"قيامًا على الرويجل الأسيود منكم، ما أمرهم بشيء فعلوه، وإن بها اليوم رجالا لأنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل» رواه الطبراني بإسنادين قال الهيثمي: رجال أحدهما رجال الصحيح غير نصر بن علقمة وهو ثقة. وقد رواه البيهقي بنحوه وزاد: قال أبو علقمة نصر بن علقمة سمعت عبد الرحمن بن جبير ابن نفير يقول: فعرف أصحاب رسول الله - ﷺ - نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي، وكان على الأعاجم في ذلك الزمان، فكانوا إذا رجعوا من المسجد نظروا إليه وإليهم قيامًا حوله، فيعجبون لنعت رسول الله - ﷺ - فيه وفيهم، ورواه ابن عساكر في تاريخه وثابت بن قاسم في الدلائل بنحوه وزادا - بعد قوله وكان على الأعاجم -: وكان أسود قصيرًا، فكانوا يرون تلك الأعاجم وهم حوله قيام، لا يأمرهم بشيء إلا فعلوه، فيتعجبون من هذا الحديث.\nوفي هذا الحديث والذي قبله رد لما ذهب إليه المصنف في معنى حديث عبد الله بن وراح ﵁، وان المراد به العصريون المتفرنجون الذين يلبسون القمص تحت الملابس الإفرنجية ويحلقون أقفيتهم تشبهًا بالكفار.\nوفيهما أيضًا رد لقوله إن الوصف المذكور في حديث عبد الله بن وراح ﵁ لم يكن موجودًا قبل وقتنا هذا، وأن من كان قبل هذا العصر لم يكن فيهم قوم محلقة أقفيتهم.","vol":"1","page":90},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٥٢):\nذكر المصنف إنشاء دولة اليهود، وأن دولتهم إنما كونها لهم الإنجليز والأمريكان، وأن الله تعالى أخبر بذلك في قوله تعالى (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) قال: فالحبل هو العهد والسبب، والناس هم الإنجليز والأمريكان.\nثم ذكر أن النبي - ﷺ - أشار إلى ذلك في حديث معاذ السابق قريبًا حيث قال «عمران بيت المقدس خراب يثرب» الحديث.\nقال: وبيت المقدس ما عمر تمام العمارة إلا بعد إنشاء دولة اليهود.\nوالجواب عن حديث معاذ وكلام المصنف عليه قد تقدم قريبًا (في صفحة ٨٠) فليراجع.\nوأما قوله إن الناس الذين قال الله تعالى فيهم (وحبل من الناس) هم الإنجليز والأمريكان. فهو من القول في القرآن بمجرد الرأي، وذلك حرام.\nوجوابه: أن يقال إن الآية عامة لكل من كان اليهود تحت ولايتهم في قديم الدهر وحديثه، من ملوك اليونان والروم","vol":"1","page":91},{"text":"والفرس فيما قبل الإسلام، ثم ملوك المسلمين بعد ذلك، وغيرهم من ملوك النصارى الذين كانت طوائف اليهود عندهم، فإنهم بعد ضرب الذلة عليهم لم يكونوا يأمنون إلا بحبل من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم، وحبل من الناس أي أمان منهم لهم.\nوليست الآية نازلة في الإنجليز والأمريكان، ولا خاصة فيهم، كما توهمه المصنف.","vol":"1","page":92},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٥٤ - ٥٥):\nتخبيط كثير في شأن المصريين زعم فيه المصنف أنهم هم الذين قال فيهم النبي - ﷺ - «لا تزال طائفة على الحق ظاهرين على من ناوأهم، كالإناء بين الأكلة، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك». وأنهم الذين قال فيهم النبي - ﷺ - «لتقاتلن المشركين حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه» قال: وهذا قد تحقق الآن في المصريين مع الإنجليز والفرنسيين واليهود والأمريكان.\nثم ذكر تخبيطًا كثيرًا حاصله تأييد ما ذهب إليه من أن المصريين هم الطائفة المنصورة، وأنهم هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود. قال: وفي هذا بشارة لهم بالإيمان والعصمة من فتنة الدجال وأن الله تعالى سيظهر لهم كرامة، وهي كلام الشجر والحجر معهم فيقول الشجر والحجر للمؤمن: يا عبد الله هذا كافر ورائي فتعال فاقتله. قال: والمؤمن من جيش مصر والاتحاد العربي فدل على بقاء إيمانهم في ذلك الوقت، وأن فتنته غير ضارة بهم إلا من شاء الله خذلانه.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>أحدها: </span>أن يقال ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وإذا عرضنا أعمال الكثيرين","vol":"1","page":93},{"text":"من المصريين الآن على ما يأمر به الإيمان ويقتضيه وجدنا بينهم وبين الإيمان كما بين المشرق والمغرب، بل أبعد من ذلك بكثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الوجه الثاني: </span>أن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة، وقد سئل النبي - ﷺ - عن الفرقة الناجية من هم؟ فقال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وهذا يدل على بعد المصريين عن وصف الطائفة المنصورة غاية البعد، وذلك لمخالفتهم لمنهاج الرسول - ﷺ - وبعدهم عما كان عليه هو وأصحابه غاية البعد.\nوبيان ذلك من وجوه:\n١ - أحدها: أن الله تعالى بعث رسوله؟ بالتوحيد، وأمره بمحق الأوثان وجميع المعتقدات التي يتعلق بها المشركون من دون الله تعالى. وقد خالف المصريون هذا فغلوا في القبور غلوًا عظيمًا، واتخذوا كثيرًا منها أوثانا تعبد من دون الله، ولا سيما مشهد البدوي ومشهد الحسين والرفاعي والدسوقي والحنفي ونفيسة وزينب وأمثالهم من المعتقدين المعبودين من دون الله.\nوقد رأيت في بعض الصحف المصرية منذ سنوات أن الزوار للبدوي في يوم مولده بلغوا خمسمائة ألف تقريبًا، وأنه تزوج في ذلك المجمع عشرة آلاف تقريبًا، وختن فيه من الأطفال أكثر من ذلك، يرجون بذلك البركة من البدوي. وهذا هو نفس ما بعث النبي؟ بمحقه ومجاهدة أهله.\nولولا خشية الإطالة لذكرت كثيرًا مما يفعله المصريون عند","vol":"1","page":94},{"text":"القبور وغيرها من المواضع التي يعتقدون فيها النفع والضر، وما يصرفونه لبعض الأموات من خصائص الربوبية والألوهية.\n٢ - ثانيها: أن المصريين قد نبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وزعموا أن الحكم بالشريعة يؤخرهم عن اللحاق بدول الكفر من الإفرنج وأضرابهم. وقد قال الله تعالى (من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وقال تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما).\n٣ - ثالثها: افتتانهم بالاشتراكية الخبيثة التي شرعها لهم الشيوعيون، وزعمهم كذبا وزورًا أنها من دين الإسلام. وهي من أعظم الظلم الذي حرمه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله؟.\n٤ - رابعها: قتالهم لأهل اليمن بغير سبب شرعي، وضربهم بالقنابل، وإلقائها أيضًا على المستضعفين في القرى من شيوخهم ونسائهم وأطفالهم. وهذا من أعظم البغي والعدوان.","vol":"1","page":95},{"text":"٥ - خامسها: تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية.\n٦ - سادسها: تقليدهم لدول الإفرنج، واتباع سننهم حذو النعل بالنعل في كل شيء حتى في قبائحهم ورذائلهم.\n٧ - سابعها: انتهاكهم لكثير مما حرمه الله ورسوله، وقد تواترت الأخبار بما فشى وظهر عندهم من كبائر الإثم، ولا حاجة إلى تفصيل أنواع ذلك، إذ لا فائدة في ذكرها وهي معلومة عند كل عاقل نبيه.\nوإذا كان الأمر كما ذكرنا عنهم - مع أنه أعظم مما ذكرنا بكثير - وعلم أنهم بعيدون غاية البعد عما كان عليه الرسول - ﷺ - وأصحابه، فهل يقول عاقل بعد هذا إنهم هم الطائفة المنصورة؟\nكلا، لا يقول هذا عاقل، وإنما يقوله من أعمى الله بصيرته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>الوجه الثالث: </span>أن المصنف نقض ما ادعاه في المصريين، فقال في صفحة (٨٢) من كتابه ما نصه: وبسبب هؤلاء الملاحدة المارقين انتشر الكفر والإلحاد حتى بين طلبة علم الدين فصاروا أكفر من طلبة المدارس، وألحد من رؤوس هؤلاء الزنادقة، تقليدًا لهم وعملا بدعايتهم، وصار معهد القرويين معهدًا للإلحاد والكفر بالله ومحاربة القرآن والسخرية من العقائد الإسلامية، والاستهانة بالدين وبأشرف الخلق - ﷺ -، مع تعظيم شأن الملاحدة ومشاهير الكفار، حتى صاروا يمنعون المدرس أن يستدل بالقرآن أو يذكر النبي - ﷺ - باسم الرسالة، ويأمرونه","vol":"1","page":96},{"text":"إذا ذكره أن يقول: «قال محمد» فقط بل صار المدرس منهم ينادي بأن تفكيره هداه إلى أن دين الإسلام غير صحيح، وأنه حر في عقيدته، في أمثال هذا مما هو معروف.\nأما الصلاة فهم أبعد الناس منها وهي أبغض شيء إليهم، وهكذا كان حال طلبة الأزهر بالنسبة إلى الصلاة، فكنت ترى الناس يصلون وهم يأكلون ويمزحون ويمرحون ويضحكون. انتهى كلامه.\nفانظر إلى ما ذكره عن طلبة الأزهر من تضييع الصلاة والاستخفاف بشأنها، وإذا كان هذا حال الطلبة فما الظن بغيرهم؟\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ مسلم. «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».\nوروى الإمام أحمد وابنه عبد الله والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والآجري عن بريدة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. والأحاديث في تكفير تارك الصلاة كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها.","vol":"1","page":97},{"text":"وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا إسلام لمن ترك الصلاة وفي رواية: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. رواه مالك وغيره. والآثار عن الصحابة في تكفير تارك الصلاة كثيرة جدًا، وليس هذا موضع ذكرها.\nوإذا كان طلبة الأزهر قد أضاعوا عمود الإسلام وأعظم أركانه بعد الشهادتين فهم لما سوى ذلك من شعائر الإسلام أشد تضييعا!!\nوقد روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.\nوروى أبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عماله: اجتنبوا الاشتغال عند حضرة الصلاة فمن أضاعها فهو لما سواها من شعائر الإسلام أشد تضييعا.\nوإذا علم هذا فمن أبطل الباطل أن يقال فيمن أضاع الصلاة واستخف بها إنهم هم الطائفة المنصورة!!\nوقال المصنف أيضًا في صفحة (٨٤) ما نصه: حدثني شيخنا شيخ الديار المصرية وعالمها الشيخ محمد بخيت قال: لما قامت الحركة الوطنية عقب الحرب العظمى السابقة، واتحد هؤلاء المارقون مع الأقباط ليطالبوا بالاستقلال كان مقر اجتماعهم وقطبهم الجامع الأزهر ومنه كانت تنظم المظاهرات فكان يعمر بالأقباط، والقسس منهم يصعدون إلى المنبر خطباء مناوبة مع","vol":"1","page":98},{"text":"المصريين قال وذات يوم كان المسمى مصطفى القاياتي، وهو من المدرسين في الأزهر - هو القائل إن سعدًا أفضل من النبي - ﷺ - وإنه جاء بما لم يأت به النبي - ﷺ - وإنه رسول الوطنية - كان هذا اللعين حاضرًا معهم؛ فأخذ الصليب ووضعه في محراب الأزهر، وقام لعنه الله خطيبًا، فدعا إلى اتحاد الإسلام والنصرانية القبطية؛ ودعا الحاضرين إلى صلاة ركعتين جميعًا - مع وضع الصليب في المحراب - وكبر وصلى ركعتين والصليب أمامه يصلي له ولله معا في زعمه، لعنه الله تعالى.\nقال المصنف وقد شاهدت كثيرًا من اجتماعاتهم في الأزهر وخطبهم، فكان الأزهر يكون كأعظم سوق مختلطًا باليهود والنصارى والملاحدة والفسقه، والخطباء منهم يعلون المنابر واحدًا تلو الآخر. انتهى كلامه.\nوإذا كان الجامع الأزهر - الذي هو قطب العلم والدين عند المصريين، والذي هو الموضع المرموق المحترم عند المصريين وعند غيرهم من الدول الإسلامية - قد انتكس إلى هذه الحالة السيئة التي ذكرها المصنف عن مشاهدته ومشاهدة شيخه محمد بخيت، فكيف يصح مع هذا أن يقال إنهم على الإيمان وإنهم الطائفة المنصورة؟! هذا لا يقوله من يعلم ما يقول.\nوقال المصنف أيضًا في صفحة (١٠٨ - ١٠٩) ما نصه:\nوقد نبذت الدولة التركية أواخر أيام إسلامها الحكم بالفقه الإسلامي المأخوذ من الشريعة أو من القواعد المنسوبة إليها","vol":"1","page":99},{"text":"على الأقل، وصارت تحكم بالقانون المأخوذ عن الأنجاس الأرجاس الذين قال الله فيهم (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل)، واتخذت ذلك في بلادها والبلاد التي كانت تحت حكمها - ومنها الديار المصرية - فإنها أول من أسست المحاكم الأهلية، فكفرت بذلك كفرًا صراحًا، في حال ادعائها الإسلام وحماية حماه، ووجود الخلافة الإسلامية فيها، قبل أن تعلن الكفر والانسلاخ من الإسلام. انتهى كلامه.\nفانظر إلى تكفيره الدولة التركية لما حكمت بالقوانين ونبذت الحكم بالشريعة المحمدية وراء ظهورها، وانظر إلى حكمه للمصريين بالإيمان وأنهم هم الطائفة المنصورة!! مع أنهم قد حكموا بالقوانين ونبذوا حكم الشريعة وراء ظهورهم. وهذا تناقض قبيح واتباع للهوى، ونظر إلى الأتراك بعين البصيرة وإلى المصريين بعين العمى.\nويلزمه أن يحكم في حق المصريين بما حكم به في حق الأتراك، لاتحاد سبب الحكم في كل من الدولتين، وإن لم يفعل فهو داخل في حكم هذه الآية: (ومن أضل ممن تبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الوجه الرابع: </span>أن الطائفة المنصورة هم أهل السنة والجماعة.\nوجزم البخاري في صحيحه أنهم أهل العلم، وقال أيضًا: «باب قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وما أمر النبي - ﷺ - بلزوم الجماعة» وهم: أهل العلم.","vol":"1","page":100},{"text":"وقال الترمذي في جامعه: قال محمد بن إسماعيل قال علي بن المديني هم أصحاب الحديث. وكذا قال ابن المبارك وأحمد بن سنان وابن حبان وغيرهم، وبوب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: «ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة» ثم ساق ما يدل على ذلك. وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، رواه عنهما الحاكم في «علوم الحديث»، وقال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.\nوعن علي بن المديني رواية أنهم العرب، واستدل بحديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».\nقال والمراد بالغرب الدلو، أي العرب لأنهم أصحابها لا يستقي بها أحد غيرهم ذكره يعقوب بن شيبة ونقله عنه صاحب «المشارق» وغيره.\nقلت: ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁، وسيأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.\nوقال النووي: يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض انتهى.\nوقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال أنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة رضي","vol":"1","page":101},{"text":"الله عنه قيل: يا رسول الله أين هم؟ قال: «بيت المقدس».\nوقال معاذ ﵁: هم بالشام.\nوفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائمًا، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قلت يشهد له الواقع وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه - في القرن السابع وأول الثامن - فإنهم في زمانهم على الحق يدعون إليه ويناظرون عليه ويجاهدون فيه، وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة؛ والله على كل شيء قدير.\nومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده، لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار: في الشام منهم أئمة، وفي الحجاز، وفي مصر وفي العراق، واليمن، وكلهم على الحق، يناضلون ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلامًا لأهل السنة والحجة على كل مبتدع.\nفعلى هذا فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تفترق، وقد تكون في الشام وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.","vol":"1","page":102},{"text":"قلت: الظاهر من حديث أبي أمامة وقول معاذ أن ذلك إشارة إلى محل هذه الطائفة في آخر الزمان، عند خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵊.\nوالدليل على ذلك: ما رواه ابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁ في ذكر الدجال، وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم ﵊، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث.\nويدل له أيضًا: ما روه الإمام أحمد وأبو داود والبخاري في تاريخه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ قال: وضع رسول الله - ﷺ - يده على رأسي - أو على هامتي - ثم قال: «يا ابن حوالة» إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوفي المسند أيضًا وجامع الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ستخرج نار من حضرموت","vol":"1","page":103},{"text":"- أو من نحو بحر حضرموت - قبل يوم القيامة، تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالشام» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ﵄.\nوفي المسند أيضًا وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة، فيها مدينة يقال لها دمشق؛ خير منازل المسلمين يومئذ» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ولفظ أبي داود «أن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام».\nقال المنذري في «تهذيب السنن» قال يحيى بن معين - وقد ذكروا عنده أحاديث من ملاحم الروم فقال يحيى - ليس من حديث الشاميين شيء أصح من حديث صدقة بن خالد عن النبي - ﷺ - أنه قال «معقل المسلمين أيام الملاحم دمشق» انتهى.\nففي هذه الأحاديث دليل على أن جل الطائفة المنصورة يكون بالشام في آخر الزمان، حيث تكون الخلافة هناك، ولا يزالون هناك ظاهرين على الحق حتى يرسل الله الريح الطيبة فتقبض كل من في قلبه إيمان، كما جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - قال «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قال معاذ: «وهم بالشام» يعني أنهم يكونون بالشام حين يأتي أمر الله وهو هبوب الريح الطيبة.","vol":"1","page":104},{"text":"فأما في زماننا وما قبله فهذه الطائفة متفرقة في أقطار الأرض كما يشهد له الواقع من حال هذه الأمة منذ فتحت الأمصار في عهد الخلفاء الراشدين إلى اليوم، ولا يختص بها مصر من أمصار المسلمين دون المصر الآخر.\nولكنها تكثر في بعض الأماكن أحيانا ويعظم شأنها ويظهر أمرها ببركة الدعوة إلى الله تعالى وتجديد الدين، كما وقع ذلك في الشام في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه رحمة الله عليهم، وكما وقع ذلك في الجزيرة العربية في زمان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده رحمة الله عليهم أجمعين، ولم يزل أهل الجزيرة العربية في بركة من تجديدهم إلى اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الوجه الخامس: </span>أن الذين يقاتلون في الملاحم التي ستكون في آخر الزمان ويقاتلون الدجال أيضا هم العرب: من سكان الجزيرة العربية. وليسوا بالذين ينتسبون إلى العربية، وهم بعيدون من أرضها، ولم يتحقق نسبهم إليها.\nوالدليل على ذلك: ما رواه الحاكم في مستدركه عن حسان بن عطية عن ذي مخمر - رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وهو ابن أخي النجاشي - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول «تصالحون الروم صلحًا آمنًا حتى تغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب، ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب، فيتداولانها بينهم فيثور المسلم إلى صليبهم وهو منهم غير","vol":"1","page":105},{"text":"بعيد فيدقه، فيثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله ﷿ تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوالمقصود من هذا الحديث قول الروم لصاحبهم: كفيناك حد العرب، وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة، وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب وبين الروم، واسم العرب إذا أطلق فإنما يراد به سكان الجزيرة العربية لا غيرهم.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون - وذلك باطل - فإذا جاؤا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم - ﷺ - فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو","vol":"1","page":106},{"text":"تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته».\nوروى ابن ماجه والطبراني والحاكم في مستدركه عن عمرو بن عوف ﵁ قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا تقوم الساعة حتى تكون رابطة من المسلمين ببولان، يا علي - قال المزني يعني علي بن أبي طالب ﵁ - قال: لبيك يا رسول الله، قال: اعلم أنكم ستقاتلون بني الأصفر، ويقاتلهم من بعدكم من المؤمنين، ثم يخرج إليهم روقة المسلمين أهل الحجاز الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية ورومية بالتسبيح والتكبير» الحديث. قال ابن الأثير وابن منظور: فيخرج إليهم روقة المؤمنين أي خيارهم وسراتهم، وهي جمع رائق، من راق الشيء: إذا صفا وخلص.\nوفي هذا الحديث والحديث قبله: دليل على أن أهل الجزيرة العربية هم الذين يقاتلون في الملاحم ويقاتلون الدجال.\nوفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في بني تميم: «هم أشد أمتي على الدجال» وبنو تميم: قبيلة كبيرة من قبائل العرب في الجزيرة العربية.\nوفي المسند أيضا عن عكرمة بن خالد قال: حدثني فلان من أصحاب النبي - ﷺ - قال: نال رجل من بني تميم عند رسول الله - ﷺ - يوما فقال: «لا تقل لبني تميم إلا خيرا فإنهم أطول الناس رماحا على الدجال» إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":107},{"text":"وروى البزار في مسنده عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله - ﷺ - - وذكر بني تميم فقال - «هم ضخام الهام، ثبت الأقدام، نصار الحق في آخر الزمان، أشد قومًا على الدجال».\nوفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال خطبنا رسول الله - ﷺ - فكان أكثر خطبته حديثا حدثناه عن الدجال - فذكر الحديث بطوله وفيه - فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال «هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب؛ فيفتح ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا، ويقول عيسى ﵇: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود؛ فلا شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله».","vol":"1","page":108},{"text":"قال الجوهري: الساج الطيلسان الأخضر والجمع سيجان.\nوقال ابن منظور في «لسان العرب» الساج الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل هو الطيلسان المقور ينسج كذلك، وقيل هو طيلسان أخضر، وقال ابن الأعرابي: السيجان الطيالسة السود واحدها. ساج. والغرقد هو العوسج، قال النووي: الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود، وقال أبو حنيفة الدينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة.\nوفي هذه الأحاديث دليل على أن العرب هم الذين يقاتلون الدجال وجنده اليهود، وفيها رد لما زعمه المصنف في غيرهم من بني الأقباط وأصناف الأعاجم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>الوجه السادس: </span>أن المصريين لم ينتصروا على الإنجليز ومن أعانهم في حربهم مع المصريين كما زعم ذلك المصنف، وإنما قامت الروس بحمايتهم ومنع الإنجليز ومن معهم من محاربتهم بعد أن أخذوا منهم بعض النواحي وكادوا يستسلمون للإنجليز بدون قيد ولا شرط.\nوقد كافأ المصريون صنيع الروس معهم بقبول مذهبهم الخبيث في الاشتراكية ودعاء المسلمين إلى قبول هذا المذهب الخبيث.","vol":"1","page":109},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٦٣ - ٦٤) ما ملخصه:\nإخباره - ﷺ - بتعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بحسب الدول المستعمرة لبلادهم، فطائفة تتكلم بالفرنسية، وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنجليزية، وأخرى بالروسية، وغيرها من ألسن الدول المستعمرة.\nروى الطبراني في الأوسط والكبير من حديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا ظهر القول وخزن العمل، واختلفت الألسن، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم».\nوقد ذكر المصنف هذا الحديث أيضا بهذا اللفظ في صفحة (١٠٥) ونسبه للأوسط فقط.\nثم قال: فاختلاف الألسن المذكورة في الحديث إنما المراد به اختلاف ألسن العرب باللغات الإفرنجية، وإلا فاختلاف ألسن الخلق موجود من يوم نشر الله نسل آدم ﵇ في الأرض. ثم قال عن اللغة العربية إنها هي أساس الإسلام.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>أحدها: </span>أن الحديث الذي أورده قد وقع فيه تحريف في الكلمة التي استدل بها على تعلم اللغات واختلاف الألسن. والظاهر","vol":"1","page":110},{"text":"أنه نقله من مجمع الزوائد المطبوع في القاهرة في سنة ١٣٥٣ من الهجرة النبوية، فإنه فيه كذلك، وهو تحريف بلا شك إما من الذين طبعوا الكتاب وإما من بعض النساخ قبلهم.\nوالحديث قد رواه الإمام أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان ﵁ موقوفا، ورواه الحسن بن سفيان وأبو نعيم وابن عساكر عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا ظهر القول وخزن العمل، وائتلفت الألسن، واختلفت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم».\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا محمد بن عمار الموصلي حدثنا عيسى بن يونس عن الحجاج بن الفرافصة عن أبي عمر البصري عن سلمان ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ - «إذا ظهر القول وخزن العمل، وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم» هذا لفظ الحديث عند الطبراني، والعبرة بهذا اللفظ لا بما حرف في مجمع الزوائد.\nوقد روى ابن أبي الدنيا نحوه عن الحسن مرسلا قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله عند ذلك فأصمهم وأعمى أبصارهم».\nوقد تبين مما ذكرنا أنه لا إشارة في الحديث لما ذكره المصنف","vol":"1","page":111},{"text":"من تعلم اللغات الإفرنجية واختلاف ألسن العرب بذلك، وأنه إنما بنى كلامه في هذا الفصل على كلمة محرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>الوجه الثاني: </span>أن اختلاف ألسن بني آدم إنما كان بعد الطوفان قال علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا فيها مائة وخمسين يوما، وإن الله وجه السفينة إلى الجودي فاستقرت عليه، فهبط نوح إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.\nفأما قول المصنف إن اختلاف الألسن موجود من يوم نشر الله نسل آدم في الأرض فهو قول لا دليل عليه، ويلزم عليه أن يكون بنو آدم لصلبه مختلفين في اللسان لكل واحد منهم لغة غير لغة أخيه، وهذا قول بعيد جدا بل ظاهر البطلان، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>الوجه الثالث: </span>أن أساس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن أتى بها من عربي أو عجمي حكم بإسلامه ولو كان العجمي لا يعرف اللغة العربية. ولو كان الأمر على ما زعمه المصنف من أن أساس الإسلام اللغة العربية لما صح لأحد من الأعاجم إسلام حتى يتعلم اللغة العربية، وهذا قول معلوم البطلان بالضرورة.","vol":"1","page":112},{"text":"فصل\nوقال المصنف في صفحة (٦٦ وما بعدها) ما ملخصه:\nإخباره - ﷺ - بالعصريين الملاحدة الزنادقة وذكره أوصافهم التي هم عليها الآن. ثم ذكر حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» وذكر أيضا حديث ابن مسعود ﵁ بنحو حديث علي ﵁.\nثم قال: فهؤلاء الأحداث المذكورون هم هذا الشباب الفاسد الكافر الملحد المارق من الدين: إلى آخر كلامه فيهم.\nثم قال: وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز وأخبر أنهم كافرون غير مؤمنين: فقال تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وذكر جميع الآيات الواردة في المنافقين في أول سورة البقرة إلى قوله (إن الله على كل شيء قدير).\nثم قال فهذه الآيات يزعم كثير من المفسرين أنها نازلة في المنافقين وليس كما زعموا، بل هي نازلة في هؤلاء الملاحدة المفسدين، كما بينته في كتابي: «بيان غربة الدين، بواسطة العصريين المفسدين» من وجوه تزيد على العشرين كلها قاطعة في تحقيق نزولها فيهم، وأن المنافقين إنما أدخلهم المتقدمون فيها لأنه","vol":"1","page":113},{"text":"لم يكن أمامهم غيرهم، فكانت الضرورة داعية لهم إلى تنزيلها عليهم، كما فعلوا في آيات أخرى واردة في هذا الزمان فحملوها على ما كان موجودا في زمانهم؟ كما قدمناه في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون). وكما فعلوا في قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها.\nقال: والمقصود أن هذه الآية لم تنزل في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، وإنما هي نازلة في هؤلاء المنافقين المارقين الملاحدة المتفرنجين والذين ولدهم الاستعمار الكافر وانتجتهم مدارسه الإفرنجية للقضاء على الإسلام.\nوالدليل على ذلك أمور:\nثم ذكر ما روي عن سلمان ﵁ في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال سلمان: لم يجيء أهل هذه الآية بعد قال: وقد قال ابن جرير يحتمل أن سلمان ﵁ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ -: لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد. قال المصنف وليس كذلك، بل مراد سلمان أن أهل هذه الآية سيكونون في آخر الزمان، وليس المراد بها أحدا ممن كان في عصر النبي - ﷺ -، لأنها لا يمكن أن تنطبق عليهم إلا بتأويل وتكلف بخلاف أهلها النازلة فيهم من ملاحدة هذا العصر وشبابه الفاسد فإنها منطبقة عليهم حرفًا حرفًا، قال: ولم يبق أدنى شك في أنهم المراد من الآيات المذكورة.","vol":"1","page":114},{"text":"قال: والثاني - وهو من الأدلة القاطعة -: أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف الإكثار من ذكرها: بل ولا ذكرها مطلقًا إلا عند ظهور هذا النشء الفاسد المارق، فلا تسمع كلمة مصلح من مؤمن بالله ورسوله، وإنما تسمعها منهم حتى صارت شعارًا لهم. فتعين أن الآية نازلة فيهم لا في منافقي عصر النبي - ﷺ -، فإنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون، ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح.\nقال: والثالث أنه لم ينقل عن المنافقين أنهم كانوا يفسدون في الأرض ولا كان لهم كثرة وانتشار حتى يقال إنهم أفسدوا في الأرض، وإنما الذين ملؤوا الأرض فسادا هم المارقون الملاحدة.\nقال: وأما منافقو زمانه - ﷺ - فلم يحصل منهم فساد في البقعة الصغيرة التي كانوا بها مطلقا، فضلا عن أن يحصل منهم في الأرض، بل ما صدر منهم مما يسمى فسادا في الأرض مقدار شعرة بالنسبة لثور مما صدر من هؤلاء، بل لم يصدر من أولئك فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم، وهو النفاق، فكيف يمكن حمل الآية عليهم وهم أبرياء منها.\nثم قال: فأقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما أراد بالآيات إلا هؤلاء المارقين وأنه لو رآهم المفسرون من السلف لقطعوا بذلك ورجعوا عن تنزيلهم الآية على منافقي عصر النبي - ﷺ -.\nثم أطال الكلام في الذب عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، وذكر أنه لم يحصل منهم خداع لمؤمن واحد، وأن","vol":"1","page":115},{"text":"المثلين المذكورين في أول سورة البقرة لا ينطبقان عليهم، وإنما ينطبقان على ملاحدة العصريين وزنادقتهم.\nثم قال: إن النبي - ﷺ - سماهم مارقين من الدين أي خارجين منه بعد أن كانوا داخلين فيه، والمنافقون لم يدخلوا فيه يومًا ما، فتعين أن هؤلاء هم المراد في الآيات الكريمة.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>أحدها: </span>أن الأحاديث التي ذكرها عن علي وابن مسعود وأنس وأبي ذر ورافع بن عمرو وأبي سعيد ﵃ كلها واردة في الخوارج الذين قتلهم علي ﵁ يوم النهروان، وليست واردة في ملاحدة العصريين وزنادقتهم كما توهمه المصنف. وكل من جاء بعد أهل النهروان وهو على شاكلتهم فعموم الأحاديث الواردة فيهم يشمله معهم.\nوقد جاء في بعض الروايات التي ذكر المصنف أطرافًا منها أن النبي - ﷺ - قال في الخوارج «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم» وليست حال ملاحدة العصريين كذلك، فإن الغالب عليهم الجفاء والتفريط في أمور الدين كالصلاة والصيام وغير ذلك من أنواع العبادة. وأما الخوارج فالغالب عليهم الغلو والإفراط والتعمق في الدين.\nوأيضًا فقد جاء في بعض الروايات أن النبي - ﷺ - قال: «آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر» وقد وجد هذا الرجل مع الخوارج يوم النهروان.","vol":"1","page":116},{"text":"وعلى هذا فلا ينبغي حمل الأحاديث الواردة في الخوارج على ملاحدة العصريين وزنادقتهم وإن كانوا مثل الخوارج أو شرًا منهم، لأن في حملها على الملاحدة وصرفها عن الخوارج صرفًا لها عن المراد منها، وذلك نوع من الكذب على رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الوجه الثاني: </span>من عجر المصنف وبجره تبرئته للمنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ - مما نزل فيهم من الآيات من الإفساد في الأرض وأنه لم يصدر منهم فساد أصلا ولا حصل منهم خداع لمؤمن واحد.\nوهذا خطأ كبير وغلط فاحش يستغرب صدوره من رجل مسلم فضلا عمن يدعي العلم والكمال كما سيأتي في آخر كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الوجه الثالث: </span>أن النبي - ﷺ - لما جادل عن بعض المنافقين ظانًا براءته مما رمي به من السرقة نهاه الله تعالى عن ذلك وأمره بالاستغفار مما فعل، فقال تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانًا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا).\nولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن المصنف قد جادل عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ - أشد الجدال،","vol":"1","page":117},{"text":"حيث برأهم مما نزل فيهم من القرآن وبرأهم من الإفساد في الأرض ومن الخداع بالكلية، فالواجب عليه الرجوع عما قال والاستغفار مما فعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الوجه الرابع: </span>أن المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء التفسير أجمعوا على نزول الآيات من أول سورة البقرة في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -. وقد خالفهم المصنف فبرأ المنافقين منها بغير مستند صحيح، فكان الأمر فيه كما قال الشاعر:\nخلافًا لقولي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا\n\nقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى في الكلام على قول الله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): أجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق. وأن هذه الصفة صفتهم.\nثم روى بإسناده عن ابن عباس ﵄ (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.\nقال ابن كثير: وكذا فسرها بالمنافقين من الأوس والخزرج أبو العالية والحسن وقتادة والسدي.\nقال ابن جرير: وقد سمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبي بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.","vol":"1","page":118},{"text":"قلت قد ذكر أسماءهم محمد بن إسحاق في السيرة، وكذلك ابن هشام وغيره ممن صنف في السيرة.\nوقال البغوي في تفسيره نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم، حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي - ﷺ - وأصحابه، واعتقدوا خلافها.\nوروى ابن جرير عن ابن عباس ﵄ أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال أسماهم بأعيانهم وأنسابهم، من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج، قال ابن جرير: كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم.\nوروى ابن جرير أيضًا عن قتادة في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين - حتى بلغ - فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) قال هذه في المنافقين.\nوروى ابن جرير أيضًا عن مجاهد قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين.\nوروى ابن جرير أيضًا من طريق إسماعيل السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعن مرة عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين): هم المنافقون. وروى ابن جرير أيضًا عن الربيع بن أنس في قوله (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر - إلى - فزادهم الله مرضًا ولهم عذاب أليم) قال هؤلاء أهل النفاق.","vol":"1","page":119},{"text":"وإذا كان ابن عباس ﵄ وغيره من أكابر السلف قد صرحوا بأن الآيات من أول سورة البقرة نزلت في المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم، فلا ينبغي العدول عن قولهم إلى ما خالفه من أقوال المتخرصين المتكلفين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>الوجه الخامس: </span>أن المصنف لم يكتف بمخالفة المفسرين الذين ذكرنا أقوالهم حتى زعم أنهم حملوا الآيات من أول سورة البقرة على غير من نزلت فيهم، وأنهم فعلوا مثل ذلك في قوله تعالى (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) وفي قوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت) الآية وغيرها مما تقدم ذكره.\nوهذا أيضًا خطأ كبير من المصنف حيث قضى بصواب نفسه فيما فسره من الآيات بمجرد رأيه، وقضى بخطأ حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄ وغيره من أئمة السلف لما خالفت أقوالهم رأيه ومذهبه.\nوهذا من قلبه للحقيقة وعكسه للقضية، فإن الصواب في الحقيقة ما قاله ابن عباس ﵄ ومن قال بقوله في تفسير الآيات من أول سورة البقرة، وأنها نزلت في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -. وكذلك القول في الآية من سورة يس، والآية من سورة يونس، وغيرهما مما تقدم ذكره، فالصواب فيها ما ذكرنا هناك عن أئمة السلف، والخطأ ما قاله المصنف فيها وفي الآيات من سورة البقرة بمجرد رأيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الوجه السادس: </span>أن الله تعالى ذكر عن المنافقين أنهم قالوا","vol":"1","page":120},{"text":"إنما نحن مصلحون. قال ابن عباس ﵄: أي قالوا إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. رواه ابن جرير وذكر تعالى أيضا عن الإسرائيلي أنه قال لموسى. (وما تريد أن تكون من المصلحين) وفي هاتين الآيتين رد لقول المصنف أن كلمة مصلح لم تتداول ولم يعرف ذكرها مطلقا إلا عند ظهور النشء الفاسد المارق.\nوأما قوله إنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يقولون إنهم مصلحون ولا نقل عن واحد منهم كلمة مصلح. فجوابه أن يقال قد ذكر الله ذلك عنهم في كتابه - ومن أصدق من الله حديثا ومن أصدق من الله قيلا؟ - وقد قال ابن عباس ﵄ وغيره من المفسرين إنها نزلت في المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم فلو أن المصنف اكتفى بما أخبر الله به في كتابه عن المنافقين، وبما قاله حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في ذلك لكان خيرًا له من الاعتماد على مجرد رأيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الوجه السابع: </span>أن الله تعالى ذكر الإفساد عن المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، وذكر أنهم يخادعون الله والذين آمنوا. وهذا يرد ما نفاه المصنف عنهم من الإفساد والخداع.\nقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: «وخداع المنافق ربه والمؤمنين: إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب، ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله ﷿ اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم","vol":"1","page":121},{"text":"يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار، من القتل والسباء، فذلك خداعه ربه وأهل الإيمان بالله».\nفإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟\nقيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطي بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف، فنجا بذلك مما خافه مخادعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التقية، فكذلك المنافق سمي مخادعًا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطن، وذلك من فعله - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها. وهو موردها به حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعته لنفسه ظنًا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن، كما قال جل ثناؤه (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون). إعلامًا منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون.\nثم قال حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال سألت عبد الرحمن بن زيد عن قول الله جل ذكره (يخادعون","vol":"1","page":122},{"text":"الله والذين آمنوا). إلى آخر الآية. قال «هؤلاء المنافقون يخادعون الله والذين آمنوا أنهم مؤمنون بما أظهروا».\nوروى ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله تعالى (يخادعون الله) قال يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.\nوأما إفسادهم في الأرض فقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي - ﷺ - (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال: هم المنافقون. أما (لا تفسدوا في الأرض) فإن الفساد هو الكفر والعمل بالمعصية. ورواه ابن جرير من طريق السدي.\nوقال ابن جريج عن مجاهد: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم لا تفعلوا كذا وكذا قالوا إنما نحن على الهدى مصلحون. رواه ابن جرير: وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة.\nقال ابن كثير: وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة.\nوروى ابن جرير وغيره عن سلمان الفارسي ﵁ أنه","vol":"1","page":123},{"text":"قال في هذه الآية (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) قال: ما جاء هؤلاء بعد.\nقال ابن جرير: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -، وإن كان معنيًا بها كل من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة.\nوقد يحتمل قول سلمان عند تلاوة هذه الآية ما جاء هؤلاء بعد أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهد رسول الله - ﷺ - خبرًا منه عمن هو جاء منهم بعدهم ولما يجيء بعد لا أنه عنى أنه لم يمض ممن هذه صفته أحد.\nوإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك صفة من كان بين ظهراني أصحاب رسول الله - ﷺ - على عهد رسول الله - ﷺ - من المنافقين، وأن هذه الآيات فيهم نزلت.\nوالتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن من قول لا دلالة على صحته من أصل ولا نظير (١).\nوالإفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الإفساد.\n- إلى أن قال - فكذلك صفة أهل النفاق، مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملا إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم\n_________\n(١) لعله نظر.","vol":"1","page":124},{"text":"غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها».\nقال ابن كثير: وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض: اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).\nقلت: ومن إفساد المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ - بناؤهم لمسجد الضرار الذي قال الله تعالى فيه (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).\nفالمنافقون بنوا مسجدهم ضرارا لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله، وتفريقا بين المؤمنين، وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل. وهو أبو عامر الفاسق الذي كان يقال له الراهب، وكان قد كتب إلى المنافقين يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم من عند ملك الروم بجيش يقاتل به رسول الله - ﷺ - ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده الأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك. وهذا من أعظم الإفساد في الأرض، قال الله تعالى (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون).","vol":"1","page":125},{"text":"وقولهم ههنا إن أردنا إلا الحسنى: هو كقولهم (إنما نحن مصلحون).\nقال الله تعالى (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).\nومن إفساد المنافقين أيضا: همهم بالفتك برسول الله - ﷺ - لما قفل من غزوة تبوك. قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ابن الزبير قال لما قفل رسول الله - ﷺ - من تبوك إلى المدينة همّ جماعة من المنافقين بالفتك به، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله - ﷺ - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون «سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله - ﷺ - وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله - ﷺ - فأمرهما فأسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس، ثم قال رسول الله - ﷺ - لحذيفة: «هل عرفت هؤلاء القوم؟» قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال: «علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟» قالا: لا، فأخبرهما بما كانوا تمالؤوا عليه، وسماهم لهما واستكتمهما ذلك، فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: «أكره أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» وهكذا ذكره ابن كثير في تاريخه.","vol":"1","page":126},{"text":"قال: وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - ﷺ - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الأشبه. ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره - يعني حذيفة -.\nوذكر ابن إسحاق أن رسول الله - ﷺ - بعث إليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله - ﷺ - بما كان من أمرهم وما تمالؤوا عليه - ثم سرد ابن إسحاق أسماءهم، قال - وفيهم أنزل الله ﷿ (وهموا بما لم ينالوا).\nوقد روى البيهقي من حديث أبي البختري عن حذيفة ﵁ نحو ما تقدم.\nوزاد في آخره أن النبي - ﷺ - دعا عليهم فقال: «اللهم ارمهم بالدبيلة، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة» «قال: هي شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك».\nوروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة ﵁ نحو ما تقدم، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\nومن إفساد المنافقين أيضا: رجوع عبد الله بن أبي بثلث الجيش يوم أحد وتخذيله الناس عن القتال مع رسول الله - ﷺ - وأصحابه قال الله تعالى (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين. وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم","vol":"1","page":127},{"text":"بما يكتمون. الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين).\nقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث قالوا: خرج رسول الله - ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس فقال: أطاعهم وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه - ﷺ -.\nومن إفساد المنافقين أيضا: ما ذكره الله عنهم في قوله تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين. لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين).\nوقال تعالى (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض","vol":"1","page":128},{"text":"ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا - إلى قوله - قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) الآية.\nومن إفساد المنافقين أيضا: أذيتهم لرسول الله - ﷺ - بالقول السيء، واستهزاؤهم به وأصحابه، كما ذكر الله ذلك عنهم في سورة براءة، وسورة المنافقين.\nوكقول عبد الله بن أبي: والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك.\nوكقول بعضهم: ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء ارغب بطونا ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله - ﷺ - وأصحابه.\nومن إفساد المنافقين أيضًا: أمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف، كما ذكره الله عنهم في سورة براءة.\nوكل هذا من الفساد المتعدي شره وضرره إلى الغير.\nوإذا كان الأمر في المنافقين كما ذكرنا، مع أنه أعظم مما ذكرنا بكثير، فكيف يستجيز المصنف أن يقول إنه لم يصدر منهم فساد أصلا إلا ما كان في نفوسهم من الكفر القاصر عليهم!\nولو قال قائل إن الإفساد الذي صدر من المنافقين في عصر النبي - ﷺ - أعظم مما صدر من ملاحدة العصريين وزنادقتهم لكان","vol":"1","page":129},{"text":"قوله أقرب إلى الصواب من قول المصنف، لأن من آذى رسول الله - ﷺ - وهمّ بالفتك به وسعى فيما يوهن أمره ليس كمن آذى آحاد المسلمين وسعى فيما يضرهم. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الوجه الثامن: </span>ما رواه السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - (مثلهم كمثل الذي استوقد نار فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) زعم أن أناسًا دخلوا في الإسلام مقدم النبي - ﷺ - المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال من الحرام والخير من الشر؛ فبينا هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر. ورواه ابن جرير من طريق السدي.\nوروى أيضا من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق - إلى - إن الله على كل شيء قدير). كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله - ﷺ - إلى المشركين فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، فيه رعد شديد وصواعق وبرق، فجعلا كلما أضاء لهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعها فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه","vol":"1","page":130},{"text":"وإذا لم يلمع لم يبصرا، وقاما مكانهما لا يمشيان، فجعلا يقولان ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدًا فنضع أيدينا في يده فأصبحا فأتياه فأسلما ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة.\nوفي هذين الأثرين عن حبري الأمة رد لقول المصنف إن المثلين المذكورين لا ينطبقان على المنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الوجه التاسع: </span>أن الله تعالى أثبت الإيمان ثم الكفر للمنافقين الذين كانوا في عصر النبي - ﷺ -، فقال تعالى (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) وقد نزلت سورة المنافقين في شأن عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين، وفيها رد لقول المصنف إن المنافقين لم يدخلوا في الدين يومًا ما.\nومما يرد عليه أيضا قول الله تعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) وقوله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الوجه العاشر: </span>أن المنافقين في زمن النبي - ﷺ - كانوا هم السلف الطالح لجميع المنافقين بعدهم إلى يوم القيامة، فما أنزل في أولئك وهو صالح للعموم فهو عام لمن بعدهم من المنافقين إلى يوم القيامة، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nفلو أن المصنف قال إن الآيات من أول سورة البقرة تشمل المنافقين الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - ومن كان بعدهم من المنافقين ومنهم ملاحدة العصريين وزنادقهم لكان أولى به من تبرئة المنافقين الأولين مما نزل فيهم.","vol":"1","page":131},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٧٥).\nذكر المصنف ما رواه أنس وأبو ذر ورافع بن عمرو الغفاري وأبو سعيد الخدري ﵃ عن النبي - ﷺ - في وصف الخوارج، وفي كل منها أنه قال: «سيماهم التحليق» ثم قال في صفحة (٧٦) ما نصه.\nواعلم أن الأحاديث الواردة في هؤلاء المارقين مشابهة للأحاديث الواردة في الخوارج.\nوهم وإن كانوا كلهم خوارج عن الدين، وكلهم كلاب النار كما قال النبي - ﷺ -، إلا أنهم على قسمين.\nفالقسم المعروف بهذا الاسم الخاص: ورد وصفهم بالتنطع في الدين والغلو فيه وأن أحدنا يحقر صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم.\nوالقسم الثاني الذين هم ملاحدة هذا العصر، ورد في وصفهم أنهم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام وأن علامتهم التحليق.\nولما طلع قرن الشيطان بنجد في أواخر القرن الحادي عشر وانتشرت فتنته كان العلماء يحملون جميع هذه الأحاديث عليه وعلى أصحابه لأنه لم يكن ظهر هذا النوع من الخوارج الملاحدة.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>أحدها: </span>أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان من المشرق","vol":"1","page":132},{"text":"كلها عن عبد الله بن عمر ﵄ وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية.\nوأنا أذكر ههنا جميع الروايات عن ابن عمر ﵄؛ ليعلم بطلان ما ذهب إليه المصنف ومن شاكله من الملاحدة الذين يرمون النجديين بما ليس فيهم.\nففي الصحيحين ومسند الإمام أحمد من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - وهو مستقبل المشرق يقول «ألا إن الفتنة ههنا ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» وفي رواية لمسلم عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» قالها مرتين أو ثلاثا. وقال عبيد الله بن سعيد - وهو أحد شيوخ مسلم - في روايته: قام رسول الله - ﷺ - عند باب عائشة.\nورواه الإمام أحمد وقال كان قائما عند باب عائشة.\nوقد رواه مالك وأحمد والبخاري من حديث عبد الله بن دينار سمعت ابن عمر ﵄ يقول قال رسول الله - ﷺ - - وأشار بيده نحو المشرق - فقال «ها إن الفتن من ههنا، إن الفتن من ههنا إن الفتن من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان» هذا لفظ إحدى روايات أحمد.\nوروى الإمام أحمد أيضا والشيخان والترمذي من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ - أنه قام إلى جنب المنبر","vol":"1","page":133},{"text":"فقال الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال قرن الشمس هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال وهو مستقبل المشرق «ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان». وفي رواية الترمذي قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال «ههنا أرض الفتن - وأشار إلى المشرق حيث يطلع قرن الشيطان، أو قال قرن الشمس» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nورواه الإمام أحمد ومسلم أيضا من حديث حنظلة، وهو ابن أبي سفيان المكي قال سمعت سالما يقول سمعت ابن عمر ﵄ يقول سمعت رسول الله - ﷺ - يشير بيده نحو المشرق ويقول «ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع الشيطان قرنيه» هذا لفظ أحمد.\nوفي رواية له أخرى عن حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يشير بيده يؤم العراق «ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان». إسناده صحيح، رجاله كلهم من رجال الصحيحين.\nوفي هذه الرواية فائدة جليلة، وهي البيان بأن منشأ الفتن من جهة العراق، لا من جهة نجد التي هي أرض العرب، ففيها رد على من زعم من الملاحدة أن المراد بذلك أرض العرب. وسيأتي ما يشهد لهذه الرواية من حديث عمر وابنه وابن عباس ﵃.\nورواه الإمام أحمد ومسلم أيضًا من حديث عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":134},{"text":"من بيت عائشة ﵂ فقال: «رأس الكفر من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» يعني المشرق.\nورواه مسلم أيضًا من حديث ابن فضيل عن أبيه قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الفتنة تجيء من ههنا - وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان». وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله ﷿ له: (وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونًا).\nوروى الإمام أحمد والبخاري والترمذي من حديث ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفتن، منها - أو قال بها - يطلع قرن الشيطان» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nورواه الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا - مرتين - فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: من هنالك يطلع قرن الشيطان، ولها تسعة أعشار الشر» قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن عطاء وهو ثقة وفيه خلاف لا يضر.","vol":"1","page":135},{"text":"وقد رواه الطبراني في الأوسط ولفظه أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، وقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله، فقال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله فقال: اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا؛ إن من هنالك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال».\nورواه الإمام أحمد من حديث بشر بن حرب سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي صاعنا ومدنا، ويمننا وشامنا - ثم استقبل مطلع الشمس - فقال: من ههنا يطلع قرن الشيطان، من ههنا الزلازل والفتن» ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ...\nوعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها الداء العضال. ذكره في الموطأ.\nقال الخطابي: القرن الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين وقرن الحية أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور. نقله عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري. قال: وقال غيره كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر فأخبر - ﷺ - أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر. وأول الفتن كان من قبل المشرق فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة.","vol":"1","page":136},{"text":"وقال الخطابي: نَجْد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة. وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور ومكة من تهامة.\nقال الحافظ ابن حجر وعرف بهذا وهاء ما قاله الداودي أن نجدًا من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجدًا موضع مخصوص، وليس كذلك بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدًا والمنخفض غورًا.\nقلت: وقد تقدم ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يشير بيده يؤم العراق «ها إن الفتنة ههنا» الحديث ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ... كقولهم: وفي نجدنا، وقولهم وفي مشرقنا.\nفالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق وقد وقع مصداق ذلك فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر، وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة.\nوكانت في العراق وقعة الجمل، ووقعة صفين.\nوفيه قتل الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضًا فتنة المختار بن أبي عبيد، وفتنة الحجاج بن يوسف. وغير ذلك من الفتن العظيمة.","vol":"1","page":137},{"text":"وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان وكذلك فتن الأهواء المضلة فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق كفتنة الخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة؛ والجهمية.\nثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض.\nولم يزل العراق موضع هرج وفتن في الدين وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال، وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض.\nوقد جاء في بعض الأحاديث أنه يخرج من العراق.\nوفي بعضها أنه يخرج من خراسان.\nوعلى هذا فيحتمل أنه - ﷺ - أراد بقوله قرني الشيطان أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة.\nويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسول الله - ﷺ - ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الوجه الثاني: </span>أن المصنف أراد بطلوع قرن الشيطان بنجد ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه. وقد سمى أهل نجد بالقرنيين في صفحة (٥٠ و١٢٧) من كتابه.\nوهذا من البهتان والإثم المبين، لكونه وصفهم بصفة ذميمة لم ترد فيهم، وإنما وردت في غيرهم. وقد قال الله تعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا).","vol":"1","page":138},{"text":"وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (من ذكر امرأً بشيء ليس فيه ليعيبه به حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قاله فيه) رواه الطبراني، قال المنذري: وإسناده جيد. وفي رواية له «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقًا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال».\nوعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قاله» رواه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني وزاد «وليس بخارج».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>الوجه الثالث: </span>أن الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) وقد زعم المصنف في آخر كتابه أنه من القائمين بالكتاب والسنة ثم خالف قوله بفعله في مواضع كثيرة من كتابه. ومنها هذا الموضع، حيث لم يتثبت في أمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأهل نجد، وتسرع إلى وصفهم بصفة مضادة لصفتهم في الحقيقة. ولو أنه تثبت في أمر الشيخ والنجديين كما تثبت علماء الدين لظهر له ما ظهر لهم من براءة الشيخ والنجديين مما رماهم به علماء الزيغ والضلال من البهتان والإثم المبين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>الوجه الرابع: </span>أن ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وتجديده للدين في أرض نجد كان في أواخر القرن الثاني عشر من الهجرة، لا في أواخر القرن الحادي عشر كما زعمه المصنف.","vol":"1","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الوجه الخامس: </span>من فساد تصور المصنف جعله تجديد الدين ونشر السنة في البلاد النجدية نشرًا للفتنة فيها. وهذا شأن أهل البدع الذين نكست قلوبهم فصاروا يرون الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، عياذًا بالله من عمى البصيرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>الوجه السادس: </span>من عجيب أمر المصنف حكمه للمصريين بالإيمان، وأنهم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، كما تقدم ذكر ذلك - وحكمه على الإمام المجدد للدين بأنه قرن الشيطان، وأنه نشر الفتنة، وتسميته للنجديين بالقرنيين. ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن الأمر في كل من الفريقين بالعكس مما قال فيه.\nفأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه فإنه قام بالدعوة إلى الله تعالى أتم القيام، فجعل الله تعالى في قيامه أعظم البركة، وجدد الله به دين الإسلام بعد اندراسه، ونشر به السنة في أرض الجزيرة العربية وغيرها وقمع به البدعة، وطهر به بلاد نجد من أمور الجاهلية.\nوكذلك كان أولاده وأحفاده وتلاميذه، وتلاميذ أولاده وأحفاده، وغيرهم من علماء نجد الأعلام، فكلهم كانوا على الصراط المستقيم والمنهج القويم، يدعون إلى الله تعالى على بصيرة ويجاهدون أهل الشرك والبدع وكتبهم ورسائلهم شاهدة بما ذكرته عنهم.","vol":"1","page":140},{"text":"وأما المصريون فقد تقدم ما ذكرناه عنهم من الافتتان بالقبور، ودعاء أهلها والالتجاء إليهم في طلب الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وأن البدع والخرافات وأنواع المعاصي والمنكرات كانت فاشية عندهم بكثرة، وأنهم نبذوا حكم الشريعة المحمدية وراء ظهورهم واعتاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من حكم الطاغوت والجاهلية، وأنهم افتتنوا بالاشتراكية الخبيثة، مع تمسكهم بالتقاليد الإفرنجية في كل جليل وحقير من أمورهم. إلى غير ذلك مما ذكرناه ولم نذكره مما يطول وصفه.\nومع هذا يقول المصنف عنهم إنهم على الحق، وإنهم الطائفة المنصورة.\nويقول في الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه إنه قرن الشيطان، وإنه نشر الفتنة، وإن النجديين هم قرن الشيطان. وهذا من قلب الحقيقة وعكس القضية في كل من الفريقين.\nوما أشبه حال المصنف بالذين قال الله تعالى فيهم (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الوجه السابع: </span>أن المصنف قال عن العلماء إنهم كانوا يحملون الأحاديث الواردة في الخوارج على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى أصحابه. وهذا الكلام فيه إيهام وتلبيس على من جهل حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أن فيه افتراء على علماء الدين وجوابه أن يقال:","vol":"1","page":141},{"text":"أما علماء الزيغ والضلال، من المفتونين بالقبور وأهل البدع والأهواء ومن شاكلهم فإنهم قد أظهروا العداوة للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأصحابه، ورموهم بكل ما يرون أنه يعيبهم ويحط من قدرهم، فقالوا كذبًا وزورًا إنهم خوارج، وقالوا إنهم قرن الشيطان، وقالوا إنهم نشروا الفتنة، وقالوا إنهم يبغضون الرسول - ﷺ -، إلى غير ذلك مما بهتوهم به وافتروه عليهم.\nوأما علماء الدين فإنهم شهدوا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه أظهر توحيد الله؛ وجدد دينه ودعا إليه، واعترفوا بعلمه وفضله وهدايته، وأثنوا عليه نظما ونثرا.\nفمن ذلك ما قاله عالم اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى.\nقفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد\nمحمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي\nلقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد\nوقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي\nوينشر جهرًا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي","vol":"1","page":142},{"text":"ويعمر أركان الشريعة هادمًا ... مشاهد ضل الناس فيها الرشد\nأعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود\nوقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد\nوكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرًا على عمد\nوكم طائف حول القبور مقبل ... ويستلم الأركان منهن بالأيدي\nلقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي\nوقال عالم الإحساء حسين بن غنام رحمه الله تعالى:\nلقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع\nسقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع\nفأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأقوى به من مظلم الشرك مهيع\nسما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميدع","vol":"1","page":143},{"text":"وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرقع\nيناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع\nفأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع\nوعاد به نهج الغواية طامسًا ... وقد كان مسلوكًا به الناس تربع\nوجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع\nفآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع\n\nوقال العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رحمه الله تعالى:\nإمام الورى علامة العصر قدوتي ... وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل\nمحمد ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقامًا عن لحوق المطاول\nعنيت ابن عبد الوهاب قدوة عصره ... سلالة أنجاب زكي الخصائل\nعليه من الرحمن أعظم رحمة ... تبل ثراه بالضحى والأصائل","vol":"1","page":144},{"text":"لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل\nإمام له شأن كبير ورتبة ... من الفضل تثني همة المتطاول\nتأخر ميلادًا وفي حلبة العلى ... وميدان فخر سابق للأوائل\nويأمر بالمعروف في كل حالة ... وعن منكر ينهى وليس بقابل\nولم يأل جهدًا في نصيحة مسلم ... برأي وتدبير وحسن تعامل\nومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلومًا وليس بخاذل\nوكم كان في الدين الحنيفي مجاهدًا ... بماضي سنان دامغ للأباطل\nفلولاه لم تحرز رحى الدين مركزًا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل\nولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل\nفما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل","vol":"1","page":145},{"text":"وقال الشيخ ملا عمران بن علي بن رضوان، نزيل لنجه من بلاد العجم رحمه الله تعالى، في رده على من عارض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:\nالشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد\nتاجًا وشمسان ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد\nيرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذاك أخذًا باليد\nورأوا لعبّاد القبور تقربًا ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد\nما أنكر القراء والأشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد\nبل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتدي\nفأتاهم الشيخ المشار إليه بالنـ ... ـصح المبين وبالكلام الجيد\nيدعوهم لله أن لا تعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمد\nلا تشركوا ملكًا ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد","vol":"1","page":146},{"text":"فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إلا عجيب عندنا لم يعهد\nما قاله آباؤنا أيضًا ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤدد\nإنا وجدنا جملة الآبا على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي\nفالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من ... أهل الزمان اشتد غير مقلد\nناداهم يا قوم كيف جعلتم ... لله أندادًا بغير تعدد\nقالوا له بل إن قلبك مظلم ... لم تعتقد في صالح متعبد\nقالوا له غشاش أمة أحمد ... وهو النصيح بكل وجه يبتدي\nهل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد\nوتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وتردد\nهذا الذي جعلوه غشًا وهو قد ... نطقت به الرسل الكرام لمن هدي","vol":"1","page":147},{"text":"من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترى إلى عهد النبي محمد\nوكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتد\nمنهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستنًا بهم فليقتد\nعجبًا لمن يتلو الكتاب ويدعي ... علم الحديث مسلسلا في المسند\nويقول للتوحيد غشًا: إن ذا ... خطر على من قاله فليشهد\nويجدد الإسلام والإيمان معتقدًا ... بأن الشيخ خير مجدد\nما ذنبه في الناس إلا أنه ... هد القباب وتلك سيرة أحمد\nلما نفى الإطراء منهم والغلو ... قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد\nلو كان حبك للنبي محققًا ... لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي\nوالله قد ذم الغلو فقال (يا ... أهل الكتاب) بغلظة وتهددي\nإذ قال (لا تغلوا) بنهي لازم ... (في دينكم) فالحكم لم يتردد","vol":"1","page":148},{"text":"وكذا الرسول نهى وأخبر أنه ... فيه الهلاك لراهب متعبد\nعجبًا لهم لو كان فيهم منصف ... لرأى المحب محمدًا لمحمد\nمن حيث إن الاتباع مقارن ... للحب في نص الكتاب الأمجد\nقالوا صبأتم نحوه قلنا لهم ... الحق شمس للبصير المهتدي\nما بيننا نسب نميل به ولا ... حسب يقربنا له بتودد\nأيضًا ولا هو جارنا الأدنى الذي ... نمتار نعمته ولم نسترفد\nلكنها شمس الظهيرة قد بدت ... لذوي البصائر فاهتدى من يهتدي\nفالعالمون العاملون المنصفون ... له أقروا بالفضائل واليد\nلكن قليل منهم في عصرنا ... كالشعرة البيضا بجلد أسود\nفان اعتراكم في الذي قد قاله ... شك وريب واختلاف يبتدي\nفزنوا بميزان الشريعة قوله ... تجدوه حقًا ظاهرًا للمقتدي","vol":"1","page":149},{"text":"وقال الشيخ أحمد بن محمد الحفظي اليمني رحمه الله تعالى في أرجوزة له:\nحركني لنظمها الخير الذي ... قد جاءنا في آخر العصر القذي\nلما دعا الداعي من المشارق ... بأمر رب العالمين الخالق\nوبعث الله لنا مجددًا ... من أرض نجد عالمًا مجتهدًا\nشيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي\nفقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعتكرا\nلا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا\nإلا أساميها وباقي الرسم ... والأرض لا تخلو من أهل العلم\nوكل حزب فلهم وليجه ... يدعونه في الضيق للتفريجه\nوملة الإسلام والاحكام ... في غربة وأهلها أيتام\nدعا إلى الله وبالتهليله ... يصرخ بين أظهر القبيله","vol":"1","page":150},{"text":"مستضعفًا وما له مناصر ... ولا له معاون موازر\nفي ذلة وقلة وفي يده ... مهفة تغنيه عن مهنده\nكأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلو بجنود الرب\nولم يزل يدعو إلى دين النبي ... ليس إلى نفس دعا أو مذهب\nيعلم الناس معاني أشهد ... أن لا إله غير فرد يعبد\nمحمد نبيه وعبد ... رسوله إليكم وقصده\nأن تعبدوه وحده لا تشركوا ... شيئًا به والابتداع فاتركوا\nومن دعا دون الإله أحدا ... أشرك بالله ولو محمدًا\nإن قلتم نعبدهم للقربه ... أو للشفاعات فتلك الكذبه\nوربنا يقول في كتابه ... هذا هو الشرك بلا تشابه\nهذي معاني دعوة الشيخ لمن ... عاصره واستكبروا عن السنن","vol":"1","page":151},{"text":"وبعد ما استجيب لله فمن ... جادل في الله تردى وافتتن\nومن أجاب داعي الله ملك ... ومن تولى معرضًا فقد هلك\nوثناء العلماء من سائر الأمصار على الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، واعترافهم بعلمه وفضله ونصيحته لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم: كثير جدًا.\nبل قد اعترف أعداء الإسلام والمسلمين من كتاب النصارى ومؤرخيهم أن الشيخ محمدًا وأتباعه أرادوا تجديد الإسلام وإعادته","vol":"1","page":152},{"text":"إلى ما كان عليه في الصدر الأول، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في كلام محمد رشيد رضا، وفيما نقله الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند عن الكاتب الأمريكي.\nقال محمد رشيد رضا في مقدمة كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان: لم يخل قرن من القرون التي كثرت فيها البدع من علماء ربانيين يجددون لهذه الأمة أمر دينها بالدعوة والتعليم وحسن القدوة، وعدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين كما ورد في الأحاديث.\nولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله خاتم النبيين","vol":"1","page":153},{"text":"- ﷺ - وترك البدع والمعاصي وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة.\nفنهدت لمناهضته واضطهاده القوى الثلاث قوة الدولة الحكام، وقوة أنصارها من علماء النفاق، وقوة العوام الطغام.\nوتصدى للطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب والرد عليه أفراد من أهل الأمصار المختلفة، منهم رجل من أحد بيوت العلم في بغداد، قد عهدناه يفتخر بأنه من دعاة التعطيل والإلحاد.\nوكان أشهر هؤلاء الطاعنين مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفي سنة ١٣٠٤. ألف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين: قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه.\nوكنا نسمع في صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم.\nوأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر والاطلاع على تاريخ الجبرتي وتاريخ «الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى» فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم، وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذًا لتجدد مجده وعادت إليه قوته وحضارته. وإن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى.\nعلى أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون، ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون. وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد؟\nورأيت شيخنا محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم وتشدد خلفهم وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجي أن يكون عاما، وقد ربى الملك عبد العزيز غلاتهم المتشددين منذ سنتين تربية يرجى أن تكون تمهيدًا لإصلاح عظيم.\nوأن علماء السنة في الهند واليمن قد بلغهم كل ما قيل في هذا الرجل فبحثوا وتثبتوا كما أمر الله تعالى فظهر لهم أن الطاعنين فيه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى عليه فحولهم في عصره وبعد عصره وعدوه من الأئمة المصلحين المجددين للإسلام ومن فقهاء الحديث كما نراه في كتبهم، ولا تتسع هذه المقدمة لنقل شيء من ذلك انتهى.\nوالتشدد الذي أشار إليه إنما وقع في بعض الأعراب في زمن يسير. فأما الحاضرة وكثير من البادية فكانوا على الطريقة السلفية ولم يكن فيهم تشدد كما يزعمه بعض الناس، فإطلاق","vol":"1","page":154},{"text":"التشدد على العموم متعقب على من ادعاه، كما لا يخفى على من له أدنى معرفة بحال أهل نجد.\nوقال محمد رشيد رضا في هامش صيانة الإنسان: من المعلوم بالتواتر أن الشيخ رحمه الله تعالى جدد الإسلام في نجد وغير نجد.\nوقال أيضًا في مقدمة رسائل العلامة الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: لا نعرف في تاريخ الإسلام شعبًا دخل في جميع الأطوار التي دخل فيها الإسلام في نشأته الأولى: غربة وجهادًا وهجرة وحجاجًا وقوة، غير هذا الشعب النجدي.\nفقد ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في وقت كان حال أهله شرًا من حال المشركين وأهل الكتاب في زمن البعثة، من شرك وخرافات وبدع وضلالات وجهالة غالبة، فدعا إلى عبادة الله وحده والرجوع إلى أصل الإسلام الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃، فعاداه في بلاده الأكثرون ووالاه فيها الأقلون، فنصر الله تعالى أولياءه من أمراء آل سعود وأتباعهم على أعدائهم.\nثم تصدى لعداوتهم الترك وأعوانهم فكانت الحرب سجالا بينهم، وعاقب الله السعوديين زمنًا ما بما كان من تخاذل بينهم وتقصير في إقامة بعض سنن الله في دولتهم، ثم كانت العاقبة الحسنى لهم عندما تابوا من ذنبهم ورجعوا إلى وحدتهم واعتبروا","vol":"1","page":155},{"text":"بقول الله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقوله في أصحاب رسول الله - ﷺ - عندما ظهر عليهم المشركون في غزوة أحد (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) وقوله تعالى (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).\nامتحن الله النجديين بتصدي الترك لعدواتهم وتأليب العرب وشرفاء الحجاز والمصريين عليهم لئلا يعيدوا ملك العرب وسلطانهم الذي سلبوه منهم، فحاربوهم باسم الإسلام، ونشروا الكتب والفتاوى في رميهم بالكفر والابتداع، وقد اغتر كثيرون بما فعلوه باسم الإسلام، وشايعهم عليه أفراد وجماعات هم دون الخوارج الذين خرجوا على الإمام أمير المؤمنين الخليفة الرابع للرسول - ﷺ - وكفروه وتبرؤوا منه، ودون الذين بغوا عليه وحاربوه مع معاوية، نعم هم دونهم علمًا بالدين وعملا به. بل كفرهم وقاتلهم أخلاط منهم المسلم والكافر والزنديق والمنافق، وعسكر لا يقيم الصلاة ولا يؤدي الزكاة ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، من الخمر والزنا واللواط وأكل أموال الناس بالباطل والقتال لطاعة الرؤساء ولو في معصية الله تعالى.\nبهذا كان علماؤهم وأمراؤهم في حال تشبه حال مسلمي الصدر الأول: في مقاومة المشركين الذين يدعون غير الله ويجعلون لله أندادًا كالذين جاهدهم النبي - ﷺ -، وفي مقارعة تاركي الصلاة ومانعي الزكاة كالذين قاتلهم أبو بكر الخليفة الأول ﵁، وفي مجالدة البغاة كالذين قاتلهم الخليفة الرابع علي ﵁،","vol":"1","page":156},{"text":"وفي مجادلة المبتدعين من الروافض والجهمية كالذين ناضلهم الإمام أحمد وإخوانه أئمة السنة بالحجة.\nفأعادوا نشأة الإسلام العملية سيرتها الأولى في الصدر الأول من ولاية وبراءة وهجرة وجهاد بالسيف والسنان، وبالحجة والبرهان. على حين صارت النصوص الخاصة بهذه الأحوال منسية أو كالمنسية عند غيرهم من شعوب الإسلام ودوله، لا يتعلق بها عمل من الأعمال ولا حكم من الأحكام.\nوقد عده أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام من المجددين للدين وقال: كان من بني تيم ظهر في أواخر القرن الثامن عشر - أي الميلادي - وكان أهم مبادئ إصلاحه الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ودافع عن مبدأ الأخذ بالحديث والاعتماد عليه اعتمادا كليا عكس ما فعله الفقهاء السابقون من أخذهم بالرأي، واقتنع بمذهب أحمد بن حنبل في اعتماده على الحديث، ودرس مؤلفات ابن تيمية، وأعاد الرجم للزاني والزانية واكتسبت تعاليمه أنصارا كثيرين وأبطل الأضرحة وهدمها، وحرم لبس الحرير، وأي زينة وزخرف في المساجد، كما تشدد في تحريم المسكرات وتحريم التدخين، إلى أن قال إصلاحات محمد بن عبد الوهاب هي إصلاحات دينية لا دنيوية انتهى.\nوقال محمد رشيد أيضا في مقدمة مجموعة الحديث النجدية:\nوقد كان مما استعمل الله به الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد","vol":"1","page":157},{"text":"الدين في نجد وما حولها أن أحيا مدارسة السنة النبوية فيها للاهتداء بها لا لمجرد التبرك بألفاظها، ولا لأجل الاستقلال فيها دون ما كتب المحدثون والفقهاء في شرحها والاستنباط منها بل نرى من هداهم الله تعالى بدعوته وأنقذهم من الجاهلية التي عادت إلى أكثر أهل جزيرة العرب ما زالوا يحيون كتب فقه شيخ السنة الأكبر الإمام أحمد ﵁، مع خيار كتب التفسير والحديث لغير الحنابلة من علماء السنة فكانوا من أجدر المسلمين بلقب أهل السنة.\nوقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن سند، في رده على الراوي العراقي: لقد نهض الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نهضة أكرم بها من نهضة، وقد بلغ من أمر تلك النهضة أن عرفها الباحثون في علل رقي الأمم وانحطاطها حتى من غير علماء الإسلام.\nوإليك نظرية أحد علماء الغرب في تلك النهضة الإصلاحية التي نهض بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\nقال لو ثروب ستودارد الأمريكي في كتابه حاضر العالم الإسلامي المترجم إلى اللغة العربية بقلم الأستاذ عجاج نويهض- الفصل الأول من الكتاب، في اليقظة الإسلامية -:\nفي القرن الثامن عشر - أي الميلادي - كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ومن التدلي والانحطاط أعمق دركة، فاربدجوه وطبقت الظلمة كل صقع من اصقاعه، ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب وتلاشى ما كان باقيا من آثار التهذيب العربي،","vol":"1","page":158},{"text":"واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل وانطفأت قبسات العلم الضئيلة.\nوانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال فليس يرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين كسلطان تركيا وآخر ملوك المغول في الهند يحكمون حكما واهنًا فاشي القوة متلاشي الصبغة، وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي هم في حكمها وينشؤون حكومات مستقلة ولكن مستبدة كحكومة الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وصارت السماء تمطر ظلمًا وجورًا.\nوجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقا فوق ارهاق، فغلت الأيدي، وقعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، وبارت التجارة بورًا شديدًا، وأهملت الزراعة أي إهمال.\nوأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفا من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور.","vol":"1","page":159},{"text":"وغابت عن الناس فضائل القرآن فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتكت ستر الحرمات على غير خشية واستحياء. ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه الله تعالى وفرضه النبي - ﷺ - على من استطاعه ضربا من المستهزآت.\nوعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان.\nوفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته ومدلج في ظلمته، إذا بصوت قد دوى من قلب صحراء شبه الجزيرة مهد الإسلام، يوقظ المؤمنين ويدعوهم إلى الإصلاح والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. فكان الصارخ هذا الصوت إنما هو المصلح المشهور محمد بن عبد الوهاب الذي أشعل نار الوهابية فاشتعلت واتقدت واندلعت ألسنتها إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي، ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم والعز التليد، فتبدت تباشير صبح الإسلام ثم بدت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام.\nولد محمد بن عبد الوهاب في نجد الواقعة في قلب الصحراء العربية حوالي سنة ألف وسبعمائة ميلادي؛ وكانت نجد في ذلك","vol":"1","page":160},{"text":"العصر على انحطاط العالم الإسلامي وتدليه أنقى البلدان إسلاما وأطهر الأقطار دينا. وإذ كان منذ أول شأنه شديد الميل إلى الاطلاع والتفقه في الدين، لسرعان ما اشتهر ذكره وذاع اسمه فعرف بعلم وافر، قوامًا على التقوى فحج إلى مكة في أوائل عمره وطلب العلم في المدينة المنورة، وساح إلى كثير من البلاد المجاورة حتى فارس، ثم عاد إلى نجد مشتعلا غضبًا دينيًا لما رآه بأم عينه من سوء حالة الإسلام فصحت عزيمته على القيام بدعوة الإصلاح.\nفقضى سنين عديدة راحلا من بلاد إلى بلاد في شبه الجزيرة فبشر بالدعوة موقظا النفوس، حتى استطاع بعد جهاد طويل أن يجعل محمد بن السعود وهو أكبر أمراء نجد وأعلى زعمائهم كعبا وشأنا يقبل الدعوة ويدخل فيها فاكتسب ابن عبد الوهاب بذلك مكانة أدبية عالية ومنزلة اجتماعية رفيعة وقوة حربية لا يستهان بها فاستفاد من ذلك استفادة جليلة قد مكنته من بلوغ غايته وإدراك غرضه.\nفتكونت على التوالي وحدة دينية سياسية في جميع الصحراء العربية شبيهة بتلك الوحدة التي أنشأها صاحب الرسالة - ﷺ - وفي الواقع فإن المنهج الذي نهجه ابن عبد الوهاب يشبه شبها كبيرًا ذاك الذي نهجه الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر.\nولما مات سنة ألف وسبعمائة وسبعة وثمانين - أي ميلادية - خلفه ابن السعود فكان خير خليفة للمصلح الإسلامي الكبير،","vol":"1","page":161},{"text":"واقتفى الوهابيون آثار خلافة الراشدين، وعلى ما كان في يد ابن السعود من القوى الحربية العظيمة فإن ذلك ما كان ليصرفه عن أن يكون على الدوام نازلا على رأي الجماعة وشوراها، فلم يمتهن حرية اتباعه وبني قومه.\nوكانت حكومته على عنفها مكينة عادلة فانقطع التعدي، وأمن الناس السرقات، وانتشر الأمن وسادت الطمأنينة والراحة وعكف على العلم والتهذيب، فكان في كل واحة مدرسة، وفي كل قبيلة بدوية عدد من المعلمين.\nوبعد أن أخضع ابن السعود نجدًا وتم له الأمر في كاملها أخذ يستعد ليقوم بعمل أكبر، ألا وهو إخضاع جميع العالم الإسلامي ونشر الإصلاح فيه فجعل نصب عينيه في المقام الأول تحرير الأماكن المقدسة الحجازية، فكر على الحجاز في صدر القرن التاسع عشر - أي الميلادي - بمقاتلته الشجعان المشتعلين غيرة دينية، وكان له ما أراد من الاستيلاء على الأماكن المقدسة، فلم تستطع قوة الوقوف في وجه الوهابيين وهم يحملون على الترك، والترك في نظرهم أهل الارتداد والجحود، ومغتصبو الخلافة اغتصابا وحقها أن تكون أبدًا في العرب.\nوبينما كان ابن السعود سنة ألف وثمانمائة وأربعة عشر - أي ميلادية - يعد العدة لفتح سوريا وهمته متينة، كان يخيل إلى العالم منه أن الوهابين متدفقون على الشرق تدفقا وصانعون ما شاء الله من الإصلاح في الإسلام، غير أن ذلك ما قدر ليكون.","vol":"1","page":162},{"text":"فلما أيقن سلطان تركيا أنه لا يستطيع القضاء على الوهابيين استصرخ بطلا من مشاهير الأبطال وهو محمد علي واستكفاه أمر القضاء عليهم، وكان هذا المقدام الألباني سيد مصر وأميرها واقفا حق الوقوف على قدرة أوربا وشدة بأسها وتفوقها فدعا إليه ضباطا من أهل الغرب فنظموا له جيشا قويا ودربوه تدريبًا على الطراز الغربي، وجهزوه بمعدات الأسلحة الغربية، وكان غالب هذا الجيش مؤلفا من المقاتلة الألبانيين الأشداء.\nفسرعان ما أجاب محمد علي نداء السلطان فأيقن حينئذ أن الوهابيين على شدة غيرتهم الدينية وحماستهم لن يستطيعوا بعد الوقوف بوجه البنادق والمدافع الأوربية يطلق عيارها جنود مجربون، وما هي إلا مدة قصيرة حتى استردت الأماكن المقدسة الحجازية ورد الوهابيون على أعقابهم فانقلبوا إلى الصحراء، فاختفت الإمبراطورية الوهابية الوليدة للحال اختفاء أو أرخي الستار على الدور السياسي الوهابي.\nبيد أن خاتمة هذا الدور السياسي كانت فاتحة الدور الديني فقد ظلت نجد بؤرة تشتعل فيها نار الغيرة الدينية، ومنبثق النور تنبعث منه الأشعة الوهاجة إلى كل ناحية من نواحي الأرض.\nوما فتئ الوهابيون منذ قضي على قوتهم السياسية يبثون روح الحركة الدينية في مئات الألوف من الحجيج الوافدين كل عام إلى مكة والمدينة من كل قطر من أقطار العالم الإسلامي، فيقتبس هؤلآء نارًا وهابية ثم يعودون إلى أوطانهم يشعلون بها","vol":"1","page":163},{"text":"ما استطاعوا إشعاله في سبيل الإصلاح.\nوهكذا قد استطاع الوهابيون أن يبذروا بذورا تلاها الاختمار الشديد للثورة الدينية في كل فج إسلامي، حتى بلغت دعوتهم الدينية أقصى المعمور، فقام في شمال الهند الزعيم الوهابي المغالي السيد أحمد مستنفرًا مسلمي بنجاب، وأنشأ دولة وهابية، فكان هذا الزعيم يعد عدته لفتح سائر شمالي الهند فحالت منيته بينه وبين ذلك، واضمحلت الدولة الوهابية الهندية سنة ألف وثمانمائة وثلاثين - أي ميلادية - غير أنه لما جاء الإنكليز يفتحون البلاد عانوا الأمرين من بقايا النار الوهابية الكامنة في الرماد، وظلت هذه النار مخبوءة إلى ما شاء الله فكانت عاملا من عوامل الثورة الهندية، ثم استطار من شررها ما تناول أفغانستان وسائر القبائل الهندية عند الحدود الشمالية الغربية فاشعلها أيما إشعال- إلى أن قال -:\nفالدعوة الوهابية إنما هي دعوة إصلاحية خالصة بحتة غرضها إصلاح الخرق ونسخ الشبهات وإبطال الأوهام، ونقض التفاسير المختلفة والتعاليق المتضاربة التي وضعها أربابها في عصر الإسلام الوسطى، ودحض البدع وعبادة الأولياء.\nوعلى الجملة هي الرجوع إلى الإسلام والأخذ به على أوله وأصله، ولبابه وجوهره، أي أنها الاستمساك بالوحدانية التي أوحى الله بها إلى صاحب الرسالة صافية ساذجة، والاهتداء والائتمام بالقرآن المنزل مجردا.","vol":"1","page":164},{"text":"وأما ما سوى ذلك فباطل وليس في شيء من الإسلام.\nويقتضي ذلك الاعتصام كل الاعتصام بأركان الدين وفروضه وقواعد الآداب كالصلاة والصوم وغير ذلك، والكون على السذاجة التامة في أحوال المعيشة، وتحريم اتخاذ الملابس الحريرية والتأنق في الأطعمة وشرب الخمر والتبغ - أي الدخان - وغير ذلك، مما بعضه من أسباب السرف، وبعضه الآخر من المضار المفسدة لسلامة العقل.\nانتهى ما يقتضي إيراده هنا مما كتبه ذلك الأجنبي عن الإسلام من الشهادة الصحيحة، والاعتراف بفضل نهضة الإصلاح الوهابية التي لم تحصر في قطر من أقطار الإسلام ولا شعب من شعوبه، بل عم أصل نفعها وهدايتها سائر الأقطار والشعوب الإسلامية.\nفما أشبه ذلك بأمر هرقل قيصر الروم وأبي سفيان القرشي حين اطلع قيصر على كتاب النبي - ﷺ - الذي دعاه به إلى الإسلام وجرت قصة محادثة قيصر مع أبي سفيان وقول قيصر لأبي سفيان إن صدقت فسيملك محمد ما تحت قدمي، فيخرج أبو سفيان وهو يقول لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، فقد أصبح يخافه ملك بني الأصفر.\nفما أشبه الليلة بالبارحة فقد اعترف بفضل الوهابية وإصلاح نهضتها أعداء الإسلام من العلماء، كما اعترف قيصر بصحة الرسالة. وأنكر فضل الوهابية أدعياء العلم من المسلمين الجغرافيين كما جحد فضل الرسالة الأقربون من العرب. والفضل","vol":"1","page":165},{"text":"ما شهدت به الأعداء انتهى باختصار من كتاب البراهين الإسلامية. على إبطال المزاعم الراوية.\nوقال كارل بروكلمان الألماني في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية ما ملخصه: ولد في نجد المرتفعة في قلب الجزيرة محمد بن عبد الوهاب من قبيلة تميم ما بين أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر - أي الميلادي - فنشأ محبًا للعلم واقفا نفسه على دراسة الفقه والشريعة، وقصد إلى عواصم الشرق الإسلامي طلبا للعلم في مدارسها، ودرس فقه أحمد بن حنبل الذي دافع في شدة وثبات عن مبدأ الأخذ بالحديث والاعتماد عليه اعتمادا كليا ضد نزعة الفقهاء السابقين إلى الأخذ بالرأي، ثم إنه درس مؤلفات ابن تيمية الذي كان قد أحيا تعاليم ابن حنبل.\nوالواقع أن دراسته لآراء هذين الإمامين انتهت به إلى الإيقان عن أن الإسلام في شكله السائد في عصره مشرب بالمساوئ فلما آب إلى بلده الأول سعى أول ما سعى إلى أن يعيد إلى العقيدة والحياة الإسلاميتين صفاءهما الأصلي - إلى أن قال -حتى إذا انفضت فترة قصيرة اكتسبت تعاليمه أنصارا ومريدين وذكر أنه أقام حد الرجم ونهى عن لبس الحرير وحرم أيما تزيين أو زخرفة للمساجد والأضرحة، بل لقد توسع في فهم التحريم الإسلامي لمختلف ضروب المسكر فحرم تدخين التبغ الذي أعلن جميع الفقهاء من الحنابلة وغير الحنابلة معارضتهم له أول دخوله إلى بلاد الشرق، قال والواقع أن هذا المصلح لم يكن يتمتع من خصب","vol":"1","page":166},{"text":"الأفكار أو الابتكار بأكثر مما كان يتمتع به الرسول نفسه انتهى.\nالمقصود من كلامه.\nوقال فيكتور فيندي الصحفي السويدي في مقال له منشور في جريدة البلاد عدد ١٩٠٤ وتاريخ ١٣ المحرم سنة ١٣٨٥ هـ ما نصه:\nورب سائل يسأل هل للمملكة دستور؟ فأقول له نعم فإن دستورها هو القرآن، ويرجع الفضل في ذلك إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب المصلح الديني الأكبر الذي قام في القرن الثامن عشر الميلادي بحملة شعواء على المسلمين المتهاونين في دينهم والذي بينه وبين آل سعود منذ ذلك التاريخ أوثق الوشائج ويبدو التمسك بأهداب الدين وبتعاليمه واضحا في كل مكان وفي مواسم مثل شهر الصيام في رمضان. أو في موسم الحج عندما يفد الحجيج إلى مكة من كل بقاع المعمورة انتهى المقصود من كلامه ... هنا إضافة بخط اليد لم تفهم ...\nوفيما ذكرته من ثناء علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب على الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كفاية في رد ما قاله المصنف وأمثاله فيه من الزور والبهتان. ويعلم من ذلك ما عليه علماء أهل الكتاب الذين ذكرنا أقوالهم من تحري الصدق وأداء الأمانة فيما كتبوه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بخلاف المصنف وأمثاله من أهل الزيغ والإلحاد فإنهم قد كذبوا فيما قالوه في حق الشيخ وأصحابه ولم يؤدوا الأمانة في ذلك، فبعدًا لمن كان الكفار أصدق منهم مقالا وأوثق في أداء الأمانة.","vol":"1","page":167},{"text":"فصل\nوفي صفحة (٧٨):\nذكر المصنف في جملة ما أنكره على الملاحدة العصريين أنهم دقوا الأبواب بالليل على عدة بيوت كان أهلها مجتمعين لذكر الله تعالى وبعضهم للصلاة على النبي - ﷺ - بدلائل الخيرات فأسكتوهم.\nوالجواب أن يقال إن كان الاجتماع لذكر الله تعالى على نحو ما يذكر عن الصوفية من اجتماع الجماعة ورفعهم أصواتهم جميعا بالتهليل، فهذا من البدع التي ينبغي النهي عنها.\nوقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري ﵄ على الذين اجتمعوا للذكر على صفة لم يفعلها أصحاب رسول الله - ﷺ - وعد ابن مسعود ﵁ فعلهم ذلك من البدع.\nفروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال كنا قعودا على باب ابن مسعود ﵁ بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى ﵁ فقال اخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود ﵁ فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة؟\nقال لا والله إلا أني رأيت أمرًا ذعرني وإنه لخير، ولقد ذعرني وإنه لخير، قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا وكذا. قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله","vol":"1","page":168},{"text":"- ﷺ - أحياء، وأزواجه شواب، وثيابه وأبنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم.\nوروى الدارمي عن عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود ﵁ قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري ﵁ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال رأيت في المسجد قومًا حلقا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللوا مائة، ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال فماذا قلت لهم قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك وانتظار أمرك قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء. ثم مضى ومضينا حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ - أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا","vol":"1","page":169},{"text":"أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه.\nوروى عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود ﵁ أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود ﵁ فجاء، وكان رجلا حديدًا فقال: أنا عبد الله بن مسعود والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علما، عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدًا. وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا.\nوروى محمد بن وضاح أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن ناسًا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علما.\nوقد أمر الله تعالى بإخفاء الذكر ونهى عن رفع الصوت بذلك فقال تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخفية ودون الجهر من القول) وثبت عن النبي - ﷺ - أنه أنكر رفع الصوت بالذكر","vol":"1","page":170},{"text":"ونهى عن ذلك، كما في الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - خيبر أو قال: لما توجه رسول الله - ﷺ - أشرفوا على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ - «اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم».\nوإذا علم هذا فالإنكار على الذين كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر هو الصواب، بدليل ما ذكرنا من الآية وحديث أبي موسى ﵁.\nوأيضا فإن رفع الصوت بالذكر حتى تسمع أصوات الذاكرين في الأسواق وهم من داخل البيوت فيه مراءاة للناس، أو هو مظنة للمراءاة ومشابهة للمرائين. والرياء حرام لأنه من الشرك بالله تعالى وقد قال الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). وما كان مظنة للرياء ومشابهة المرائين فأقل أحواله الكراهة؛ قاله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي. وأيضا فإن الذكر الذي تجتمع له الصوفية لم يكن من فعل النبي - ﷺ - ولا من فعل أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.","vol":"1","page":171},{"text":"وقد روى الإمام أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لأحمد ومسلم وللبخاري تعليقا مجزوما به «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».\nوروى الإمام أحمد أيضًا وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه.\nوقال حذيفة ﵁ كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا ممن كان قبلكم. وقال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، كل بدعة ضلالة. رواه الدارمي وابن وضاح. وفي رواية لابن وضاح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.\nوروى ابن وضاح أيضًا عن حذيفة ﵁ أنه قال: اتبعوا سبلنا ولئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقًا بعيدًا ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالا بعيدًا.","vol":"1","page":172},{"text":"ولقد ذكر عن بعض الصوفية أنهم كانوا يبتدئون الذكر بقول لا إله إلا الله، ثم يقتصرون على الاسم المفرد فيقولون الله الله، ثم يعدلون عن ذلك إلى المضمر فيقولون هو. هو ويزعمون أن الإتيان بلا إله إلا الله تامة هو ذكر العامة، وأن الاقتصار على الاسم المفرد هو ذكر الخاصة. وأن الاقتصار على الاسم المضمر هو ذكر خاصة الخاصة. وهذا من تلاعب الشيطان بهم، وفاعل هذا ينبغي زجره عنه، وإن أصر على المخالفة فينبغي أن يؤدب بما يردعه عن هذه البدعة، فإن الاقتصار على الاسم المفرد أو على المضمر ليس بذكر مشروع، وإنما هو من بدع الصوفية.\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن هؤلاء من يرجح الاسم المفرد كقوله الله الله الله على كلمة الإخلاص التامة وهي قول لا إله إلا الله، ومنهم من يرجح ذكر المضمر وهو قول هو. هو أو يا هو على الاسم المظهر، وهذا كله من الغلط الذي سببه فساد كثير من السالكين حتى آل الأمر ببعضهم إلى الحلول والاتحاد. وكل ذكر علمه الرسول - ﷺ - لأمته أو قاله إنما هو بالكلام التام لا بالاسم المفرد ولا بالمضمر انتهى.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-120>الصلاة على النبي - ﷺ - بدلائل الخيرات بدعة </span>أحدثها أهل الغلو والإطراء الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - بقوله «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"1","page":173},{"text":"وقد قال الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ في قصيدته التي مدح بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.\nوحرق عمدًا للدلائل دفترًا ... أصاب ففيها ما يجل عن العد\nغلو نهى عنه الرسول وفرية ... بلا مرية فاتركه إن كنت تستهدي\nأحاديث لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فلسًا إن رجعت إلى النقد\nوصيرها الجهال للذكر ضرة ... ترى درسها أزكى لديهم من الحمد\nلقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي\n\nثم إن رفع الصوت بالصلاة على النبي - ﷺ - بدعة أخرى.\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفق المسلمون على أن الصلاة على النبي - ﷺ - والدعاء كله سرًا أفضل، بل الجهر ورفع الصوت بالصلاة بدعة انتهى.\nوروى محمد بن وضاح عن يونس بن عبيد قال كانوا يجتمعون فأتاهم الحسن فقال له رجل يا أبا سعيد ما ترى في مجلسنا هذا، قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد نجتمع في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يومًا، فنقرأ كتاب الله وندعو","vol":"1","page":174},{"text":"ربنا ونصلي على النبي - ﷺ -، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين قال فنهى عن ذلك الحسن أشد النهي.\nوإذا علم هذا فالصواب المنع من الصلاة على النبي - ﷺ - بدلائل الخيرات ومن رفْع الصوت بالصلاة عليه - ﷺ -، لأن ذلك بدعة والبدع لا يجوز إقرارها.\n\nفصل\nوفي صفحة (٩٨)\nأورد المصنف هؤلاء الآيات. (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا). ثم جزم أنها مما نزل في ملاحدة العصريين دون غيرهم، قال وإن ظن كثير من أهل التفسير أنها نزلت في الحرورية.\nوالجواب أن يقال إن الآية عامة لليهود والنصارى والحرورية وغيرهم ممن كان يعبد الله تعالى على غير طريقة مرضية، ويدخل في عمومها ملاحدة العصريين وغيرهم ممن يحسب أنه مصيب في عمله وهو مخطئ فيه.\nوقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال هم اليهود والنصارى. وروي مثله عن ابن عباس","vol":"1","page":175},{"text":"﵄. وقال علي بن أبي طالب ﵁ والضحاك وغير واحد هم الحرورية.\nقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومعنى هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى (وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارًا حامية) وقال تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) وقال تعالى (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا).","vol":"1","page":176},{"text":"فصل\nوفي صفحة (١٠١)\nذكر المصنف المارقين من العصريين وقال ما نصه: حتى صار المؤمن يمشي فيهم مختفيًا لا سيما إذا كان ذاكرًا لله تعالى أو حاملا لسبحة في عنقه.\nوالجواب أن يقال ليس حمل السبحة في العنق من أفعال المؤمنين وإنما هو من أفعال الصوفية المبتدعين.\nولا يجوز حمل السبحة في العنق لأمور ثلاثة:\nالأول أنه من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله - ﷺ - أمته فقال في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى الإمام أحمد أيضا والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزوما به «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» - أي مردود.\nالثاني أن في حملها في العنق مشابهة النساء لأن تعليق القلائد في","vol":"1","page":177},{"text":"الرقاب من أفعالهن وقد لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء في عدة أحاديث ليس هذا موضوع ذكرها.\nالثالث: أن في تعليقها في العنق مراءاة للناس، أو هو مظنة للمراءاة ومشابهة للمرائين. والرياء شرك وما كان مظنة للمراءاة ومشابهة المرائين فأقل أحواله الكراهة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-123>المشروع عد التسبيح بالأصابع لا بالسبحة</span>، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عد التسبيح بالأصابع سنة كما قال النبي - ﷺ - للنساء سبحن واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤلات ومستنطقات وأما عده بالنوى والحصى ونحو ذلك فحسن، وكان من الصحابة من يفعل ذلك وقد رأى النبي - ﷺ - أم المؤمنين تسبح بالحصى وأقرها على ذلك. وروي أن أبا هريرة ﵁ كان يسبح به.\nوأما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، وإذا أحسنت فيه النية فهو حسن غير مكروه، وأما اتخاذه في اليد أو نحو ذلك فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة، ومشابهة المرائين من غير حاجة، والأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة، فإن مراءاة الناس في العبادة المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب انتهى.\nوروى محمد بن وضاح عن الصلت بن بهرام قال مر ابن مسعود ﵁ بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر","vol":"1","page":178},{"text":"برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال لقد سبقتم، ركبتم بدعة ظلماء، أو لقد غلبتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا.\nوروى ابن وضاح أيضًا عن أبان بن أبي عياش قال سألت الحسن عن النظام من الخرز والنوى ونحو ذلك يسبح به، فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي - ﷺ - ولا المهاجرات، وبلغني أن ابن مسعود مر على رجل وهو يقول لأصحابه سبحوا كذا وكبروا كذا وهللوا كذا قال ابن مسعود: على الله تعدون أو على الله تسمعون، قد كفيتم الإحصاء والعدة، قال إبان فقلت للحسن فإن سبح الرجل وعقد بيده قال لا أرى بذلك بأسًا.\n\nفصل\nوقال المصنف في صفحة (١٠٧) ما نصه:\nومما ظهر وشاع في هذا الزمان من مقالات الكفار التي روجها هؤلاء المارقون مقالة داروين النشوء والارتقاء، وأن الإنسان أصله قرد، وقد أشار النبي - ﷺ - إلى هذه المقالة وبطلانها في الحديث الصحيح المخرج في الصحيح عن النبي - ﷺ - قال «إن الله خلق آدم على صورته» أي صورة آدم التي خلقه عليها، ولم يخلقه في صورة القرد ثم بعد ذلك النشوء والتطور والارتقاء صار إلى هذه الصورة الموجود عليها بنو آدم اليوم.\nوالجواب أن يقال: أما مقالة داروين فهي كفر صريح لما فيها من التكذيب بما أخبر الله به عن خلقه لآدم من طين، وأن الله","vol":"1","page":179},{"text":"تعالى خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له. وهذه فضائل عظيمة خص الله بها آدم دون سائر المخلوقات.\nوفي هذه المقالة الخبيثة أيضًا أعظم عقوق لآدم أبي البشر حيث جعلوه ناشئًا من القردة التي هي من أخبث الحيوانات وأشوهها خلقًا.\nولا تستغرب هذه المقالة الخبيثة وأمثالها من مقالات الكفر من ملاحدة الإفرنج وأشباههم من أعداء الله تعالى، وإنما المستغرب تلقيها بالقبول من كثير من المنتسبين إلى الإسلام، ومنهم من ينتسب إلى العلم، وقد رأيت معناها منشورًا في بعض صحف المسلمين الرائجة عندهم، وما رأيت أحدًا أنكر ذلك عليهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوإنما يقول بهذه المقالة الخبيثة من ينكر وجود الصانع، ويرى أن المخلوقات إنما تكونت من قبل الطبيعة لا بفعل الرب الفاعل المختار الذي أوجد جميع المخلوقات من العدم وصورها على غير مثال سبق، قال الله تعالى (وخلق كل شيء فقدره تقديرًا) وقال تعالى مخبرًا عن موسى ﵊ (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وقال تعالى (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون). وفي هذه الآيات رد على ملاحدة الإفرنج ومن يقلدهم من طغام المسلمين فيما يزعمونه من النشوء والتطور والارتقاء، والآيات في الرد عليهم كثيرة وفيما ذكرته ههنا كفاية.","vol":"1","page":180},{"text":"وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال «إن الله ﷿ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه. وفي هذا الحديث رد على من قال بالنشوء والتطور والارتقاء في بني آدم.\nوأما تأويل المصنف لقول النبي - ﷺ - إن الله تعالى «خلق آدم على صورته» بقوله أي صورة آدم التي خلقه عليها، فهو تأويل باطل مردود وهو من أقوال الجهمية، نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي طالب عنه. قال أبو جعفر محمد بن علي الجرجاني المعروف بحمدان سألت أبا ثور عن قول النبي - ﷺ - «إن الله خلق آدم على صورته» فقال على صورة آدم وكان هذا بعد ضرب أحمد بن حنبل والمحنة، فقلت لأبي طالب قل لأبي عبد الله، فقال لي أبو طالب قال لي أبو عبد الله: صح الأمر على أبي ثور، من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟\nوقال زكريا بن الفرج سألت عبد الوهاب - يعني الوراق - غير مرة عن أبي ثور فأخبرني أن أبا ثور جهمي، وذلك أنه قطع","vol":"1","page":181},{"text":"بقول أبي يعقوب الشعراني حكى أنه سأل أبا ثور عن خلق آدم على صورته فقال إنما هو صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن. قال زكريا فقلت بعد ذلك لعبد الوهاب ما تقول في أبي ثور؟ فقال ما أدين الله ﷿ فيه إلا بقول أحمد بن حنبل: يهجر أبو ثور ومن قال بقوله. قال زكريا وقلت لعبد الوهاب مرة أخرى وقد تكلم قوم في هذه المسألة خلق الله آدم على صورته فقال من لم يقل إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي.\nوقد قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة حدثني أبو بكر الصاغاني حدثنا أبو الأسود وهو النضر بن عبد الجبار حدثنا ابن لهيعة عن أبي يونس - وهو سليم بن جبير السدوسي مولى أبي هريرة - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإنما صورة الإنسان على وجه الرحمن». ابن لهيعة ضعفه بعض الأئمة، وحسن بعضهم حديثه، وروى له مسلم مقرونًا بآخر، وبقية رجاله ثقات.\nوقال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ﷿» إسناده صحيح. أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال فيه أبو علي الحافظ: ثقة مأمون، وقال أبو بكر الإسماعيلي: ثقة ثبت،","vol":"1","page":182},{"text":"وقال أبو الحسن ابن المنادي: هو أحد الثقات والصلاح والفهم لما يحدث به، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nقال أبو بكر الآجري هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها كيف ولم، بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش، فصححها وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت.\nوقال أبو بكر المروذي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد الله حدثوا بها فقد تلقتها العلماء بالقبول.\nوقال أبو عبد الله تسلم الأخبار كما جاءت.\nقال محمد بن الحسين الآجري: سمعت أبا عبد الله الزبيري وقد سئل عن معنى هذا الحديث، فذكر مثل ما قيل فيه، ثم قال أبو عبد الله: نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت كما جاءت، ونؤمن بها إيمانًا ولا نقول كيف، ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهي بنا فنقول في ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت.","vol":"1","page":183},{"text":"فصل\nوفي صفحة (١١٣) وصفحة (١١٤):\nذكر المصنف عداوة المستشرقين للإسلام، وشدة بحثهم عن الطرق الموصلة إلى القضاء عليه وإفساده، واتفاق الدول الكافرة على ذلك، وإنفاقهم الأموال الباهظة عليه.\nقال ومع ذلك فهم أشد الناس خدمة للصوفية وتعظيما لهم، واحتراما لأضرحة الأولياء وإقامة الموالد التي تقام لهم كل سنة، حتى إنهم هم الذين ينفقون عليهم في بعض الأحيان ويشجعون القبائل على إقامتها بحضور الرؤساء منهم وغير ذلك، مع ما فيه من المظاهر الإسلامية والتآلف والاجتماع والتعارف الذي يحصل بينهم بسببها، وهو الذي يحاربونه بمكة ويسعون في القضاء عليه.\nوالجواب عن هذا من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>أحدها: </span>ان تعظيم الأضرحة وإقامة الموالد للصوفية ليس هو من المظاهر الإسلامية. وإنما هو من مظاهر الوثنية والبدع المضلة. وهل وقع الشرك وعبادة القبور قديمًا وحديثًا إلا بسبب الغلو في الأولياء أو من تظن الولاية فيه، والعكوف على قبورهم وتعظيمها بالبناء والكتابة عليها والتمسح بها واتخاذها مساجد، وغير ذلك مما نهى عنه الشرع المطهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الوجه الثاني: </span>من عجيب أمر المصنف وقبيح جهله قوله عن احترام أضرحة الأولياء وإقامة الموالد للصوفية أن فيه أعظم تأييد","vol":"1","page":184},{"text":"للدين، وهذا من قلبه للحقيقة، فإن هذه الأمور من أعظم هوادم الدين كما لا يخفى على من له أدنى علم وفهم. وهذا مولد البدوي الذي تقيمه الصوفية وأمثالهم من الطغام في كل عام، ويحضره مئات الألوف من الناس الذين لا يسمعون ولا يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا من الأنعام، ويحصل فيه من أنواع الشرك والبدع والمنكرات العظيمة ما لا يعد ولا يحصى، هل يقول مسلم إنه من المظاهر الإسلامية وإن فيه تأييدًا للدين؟ كلا. لا يقول هذا مسلم، وإنما يقوله من طبع الله على قلبه فصار يرى الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، عياذًا بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الوجه الثالث: </span>أن خدمة الإفرنج للصوفية وتعظيمهم لهم ليس هو من أجل تمسك الصوفية بدين الإسلام كما قد توهمه المصنف وإنما ذلك لما بينهم وبين الصوفية من المناسبة والمشاكلة في الغلو في المخلوقين والبعد عن الدين الصحيح.\nفأما الإفرنج فلا يخفى ما هم عليه من الغلو في المسيح وأمه والحواريين وغيرهم من القديسين عندهم، حتى اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله.\nوأما الصوفية فلا يخفى ما هم عليه من الافتتان بالبدوي وغيره من المعتقدين عندهم، حتى اتخذوهم آلهة من دون الله، يفزعون إليهم في قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثةاللهفات، ويسمون البدوي قطب الأقطاب والغوث الذي يتصرف في الكون","vol":"1","page":185},{"text":"ويدبر فيه. ومن كانت هذه حالهم فلا تستغرب خدمة أشباههم لهم وتعظيمهم إياهم.\nوأيضًا فإن المستشرقين من علماء الإفرنج لا تخفى عليهم مخالفة الصوفية لدين الإسلام وبعدهم عنه، فهم لذلك يخدمون الصوفية ويعظمونهم، ويقيمون لهم الموالد وينفقون الأموال الكثيرة فيها ويشجعونهم عليها، يريدن بذلك إظهار الوثنية والبدع وأنواع المنكرات، وتوهين الإسلام والقضاء عليه كما قال الله تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الوجه الرابع: </span>أن أعظم المظاهر الإسلامية أركان الإسلام الخمسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ولزوم طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - ﷺ - في كل شيء.\nولم يكن المستشرقون يشجعون المسلمين على هذه الأمور، لأنها من أبغض الأشياء إليهم، وإنما كانوا يشجعون الطغام على ما يخالف الإسلام ويهدمه، من أنواع الشرك والبدع والمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الوجه الخامس: </span>من أعظم فضائل النجديين وأكبر مناقبهم محاربتهم للمظاهر الوثنية والبدع وسعيهم في القضاء عليها. وهذا المصنف المسكين قد ذكر أنهم يحاربون إقامة الموالد بمكة ويسعون في القضاء عليها، يريد بذلك ذمهم وعيبهم، ولا يدري أنه في الحقيقة مادح لهم ومثن عليهم بقمع البدع والمحدثات التي حذر منها رسول الله - ﷺ - وأخبر أنها ضلالة.","vol":"1","page":186},{"text":"ولما كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أهل توحيد وسنة ومحاربة لأهل الشرك والبدع، كان هذا الصوفي المفتون بالمظاهر الوثنية والبدع المضلة يشن الغارة عليهم بالإفك والبهتان، فيقول عن ظهور الشيخ محمد وتجديده للدين إن ذلك هو طلوع قرن الشيطان في نجد، ويقول عن نشر الشيخ للتوحيد والسنة إن ذلك هو نشر الفتنة، ويسمي النجديين بالقرنيين، ويقول إنهم يبغضون الرسول - ﷺ -، وإنهم يحاربون المدينة ويسعون في القضاء عليها وإنهم أعداء أهل المدينة وإنهم يضيقون عليهم ويعاملونهم بما يحملهم على مفارقتها والخروج منها لتخرب. وما ينقم هذا الصوفي منهم إلا أنهم ينكرون ما هو مفتون به هو وشيعته الصوفية من المظاهر الوثنية والبدع المضلة.\n\nفصل\nوفي صفحة (١٢٤):\nزعم المصنف أن إجابة الدعاء قد رفعت إلا في رمضان، وعند الكعبة، وعرفات، ثم رفعت مطلقًا.\nوالجواب: أن يقال هذا القول خطأ ظاهر ورجم بالغيب ومن أين له العلم برد الداعين كلهم وعدم إجابتهم؟ (أعنده علم الغيب فهو يرى).\nولم يزل المسلمون ولله الحمد يرون إجابة الدعاء للجماعات والأفراد، فما زعمه المصنف من رفع الإجابة مردود عليه.","vol":"1","page":187},{"text":"فصل\nوفي صفحة (١٢٧):\nسمى المصنف النجديين بالقرنيين، وزعم أنهم أعداء أهل المدينة، وأنهم يضيقون عليهم، ويعاملونهم بما يحملهم على مفارقتها والخروج منها لتخرب.\nوالجواب: أن يقال هذا من الكذب والبهتان، كما لا يخفى على من رأى المدينة وأهلها في هذه الأزمان. وقد تقدم الجواب عن هذا البهتان في أثناء الكتاب (صفحة ٧٩ فما بعد) فليراجع.\n\nفصل\nوفي صفحة (١٣١):\nجزم المصنف أن علماء الوقت هم شر من تحت أديم السماء.\nوالجواب: أن يقال هذا الإطلاق خطأ ورجم بالغيب، ومن أين له العلم بأحوال العلماء كلهم حتى يحكم عليهم بأنهم شر من تحت أديم السماء؟ (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا).\nوالحق أن العلماء ليسوا كلهم مذمومين، لأنهم لم يكونوا على طريقة واحدة، بل منهم المحسنون المستحقون للثناء والمدح، ومنهم المسيئون المستحقون للذم والقدح.\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» رواه عن النبي - ﷺ - ثلاثة عشر من الصحابة ﵃، وكلها أحاديث صحيحة.","vol":"1","page":188},{"text":"والمراد بالطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة. وجزم البخاري في صحيحه أنهم أهل العلم. وقال ابن المبارك وابن المديني وأحمد بن سنان وابن حبان: هم أصحاب الحديث. وقال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ قال القاضي عياض: «إنما أراد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث» انتهى.\nوفي هذه الأحاديث رد لما جزم به المصنف في علماء الوقت، لأن الطائفة المنصورة لم تنقطع من الأرض ولا تنقطع منها حتى يأتي أمر الله تعالى بهبوب الريح الطيبة التي تقبض روح كل مؤمن.\nوإذا كانت الطائفة المنصورة باقية إلى الآن فلا بد أن يكون فيها علماء صالحون مصلحون لما أفسد الناس، وأولئك من خير من تحت أديم السماء، لا كما يقول المصنف إنهم شر من تحت أديم السماء.\n\nفصل\nوقال المصنف في صفحة (١٣٧) ما نصه:\nفلو طاف المرء أقطار الأرض لما وجد من يفتيه بسنة أصلا.\nوالجواب أن يقال هذا القول خطأ ظاهر، فإن الأرض لم تخل من قائم لله بحجة، ولا تخلو ما دامت الطائفة المنصورة موجودة.\nوكبار العلماء عندنا في الجزيرة العربية لا يعدلون عن الفتيا بالكتاب والسنة، وإذا عدموا الدليل من الكتاب والسنة رجعوا إلى أقوال الصحابة، وبعد ذلك إلى أقوال التابعين وأئمة العلماء.","vol":"1","page":189},{"text":"فصل\nوفي صفحة (١٣٨):\nذكر المصنف قول النبي - ﷺ - «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».\nثم قال ما نصه:\nوتحدثا بنعمة الله علينا نقول إننا من تلك الطائفة والحمد لله، وبنا وبأمثالنا يندفع الضلال عن هذه الأمة، ويتحقق ما أخبر به النبي - ﷺ - من أن أمته لا تجتمع على ضلالة، وأنها لا تزال بها طائفة قائمة بالحق عاملة به إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك. بل لا نبالغ إذا قلنا قد وردت الإشارة إلينا والحمد لله تعالى على فضله ومنته وذلك فيما رواه ابن وضاح وغيره من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا ظهرت فيكم السكرتان: سكرة الجهل؛ وسكرة حب العيش وجاهدوا في غير سبيل الله فالقائمون يومئذ بكتاب الله سرًا وعلانية كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار».\nفليس في مغربنا بل ولا في الشمال الأفريقي قائمًا بكتاب الله داعيًا إليه سرًا وعلانية، محاربًا ومخالفًا من المقلدة الذين هم أكثر أهل الأرض غيرنا.","vol":"1","page":190},{"text":"والجواب أن يقال هذه دعوى المصنف لنفسه وتزكيته لها. والله أعلم هل هو عند الله كذلك أم لا؟ وقد قال الله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).\nوقد ذكرت عنه كثيرًا مما يخالف ما عليه الطائفة المنصورة، ولا سيما تفسيره لجملة آيات من القرآن بمجرد رأيه، وقوله على الله وعلى رسوله - ﷺ - بغير علم، وكذلك استحلاله للكذب والبهتان على أهل نجد وعيبهم بما ليس فيهم، والكذب من النفاق، وسباب المسلم فسوق وكذلك تعظيمه للمظاهر الوثنية والبدع التي تقيمها الصوفية في الموالد، وكذلك استرساله في اللعن والشتائم، وكذلك تقريره لمذهب الجهمية في قول النبي - ﷺ - «إن الله تعالى خلق آدم على صورته» إلى غير ذلك مما ذكرته عنه فيما تقدم، فليراجع ذلك وليقارن بينه وبين ما ادعاه لنفسه من مرتبة الكمال، فما أبعدها دعوى من الصحة.\n\nفصل\nوقد صدر المصنف كثيرًا من عناوين كتابه بقوله: «إخباره - ﷺ - بكذا وكذا» بصيغة الجزم بأن النبي - ﷺ - أخبر بذلك. وهو لم يرد صريحًا عن النبي - ﷺ -.\nوهذا من القول على النبي - ﷺ - بما لم يقله، وقد تواترت الأحاديث بالوعيد الشديد لمن قال على النبي - ﷺ - ما لم يقله، وليس هذا موضوع ذكرها.","vol":"1","page":191},{"text":"فصل\nوقد أكثر المصنف من اللعن والشتم في كتابه الذي رددنا عليه فيه، وربما فعل ذلك في حق أناس معينين.\nولا يجوز لعن المعين ولو كان كافرًا، إلا إذا تحقق أنه مات على الكفر فأما إذا كان حيًا فإنه يرجى له الإسلام فيدعى له بالهداية ولا يدعى عليه بالطرد والإبعاد من رحمة الله.\nولما لعن رسول الله - ﷺ - أناسًا معينين من رؤساء الكفار يوم أحد، أنزل الله عليه (ليس لك من الأمر شيئًا أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) ثم تاب الله عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم. والحديث بذلك في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما من حديث ابن عمر وأبي هريرة ﵃.\nفأما لعن أهل المعاصي على سبيل العموم فجائز، وهو كثير في الكتاب والسنة.\nوقد ورد النهي عن اللعن والسب في أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.\nوروى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».","vol":"1","page":192},{"text":"وروى الإمام أحمد أيضا والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ - «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، قال الحاكم: على شرط الشيخين، وأقره الذهبي في تلخيصه.\nوروى الترمذي أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال قال النبي - ﷺ - «لا يكون المؤمن لعانا» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم هذا الحديث بهذا الإسناد عن النبي - ﷺ - وقال «لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا».\nقلت وقد رواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ، وفي رواية له «لا ينبغي لمسلم أن يكون لعانا».\nوروى الإمام أحمد والطبراني عن جرموز الهجيمي ﵁ قال قلت يا رسول الله أوصني، قال: «أوصيك أن لا تكون لعانًا».\nوهذا آخر ما تيسر إيراده.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرًا.\nوقد وقع الفراغ من تسويد هذا الرد في يوم الإثنين الموافق للعشرين من ربيع الأول سنة ١٣٨٥ هـ.","vol":"1","page":193},{"text":"ثم كان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الثلاثاء الموافق للسابع والعشرين من ربيع الآخر من السنة المذكورة على يد جامعه الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n\nوكان الفراغ من طبعه في ٢٨ رمضان المبارك ١٣٨٥ هـ في مؤسسة النور للطباعة والتجليد زادها الله قوة في نصرة الحق ودمغ الباطل.","vol":"1","page":194}]}