{"ً":{"ٌ":17441,"ٍ":"ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية - آل عبد الكريم - ط المنار","files":["4351.pdf"]},"ّ":"الكتاب: ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية\nالمؤلف: أبو عبد الرحمن عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم (ت ١٤٢٥ هـ)\nالناشر: دار المنار للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ\nعدد الصفحات: ١٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1716,"ٕ":11,"ٖ":1770155730,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"بين يدي الرسالة","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":1,"page":7},{"title":"فصل في تعريف السنة","level":1,"page":14},{"title":"التعريف اللغوي","level":2,"page":14},{"title":"السنة في لسان الشارع والصدر الأول","level":2,"page":15},{"title":"السنة في عرف المحدثين","level":2,"page":17},{"title":"السنة عند الأصوليين","level":2,"page":17},{"title":"غلط من نزل لفظ «السنة» الوارد في كلام الشارع على المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء","level":3,"page":17},{"title":"الفرق بين تعريفي المحدثين والأصوليين","level":3,"page":18},{"title":"رد ما ذهب إليه الأصوليون من أن رتبة السنة متأخرة عن الكتاب في الاعتبار","level":3,"page":18},{"title":"السنة عند الفقهاء","level":2,"page":19},{"title":"تعريف الحنابلة","level":3,"page":20},{"title":"تعريف الشافعية","level":3,"page":21},{"title":"تعريف المالكية","level":3,"page":23},{"title":"لا خلاف بين هذه التعاريف في الجملة","level":2,"page":25},{"title":"تعريف الحنفية","level":2,"page":26},{"title":"مرد الخلاف في الاصطلاحات السابقة","level":2,"page":28},{"title":"مرادنا بالسنة في هذا البحث","level":2,"page":29},{"title":"فصل في الحث على التمسك بالسنة","level":1,"page":30},{"title":"الآيات في ذلك","level":2,"page":30},{"title":"الأحاديث الدالة على ذلك","level":2,"page":31},{"title":"أقوال الصحابة والتابعين","level":2,"page":33},{"title":"فوائد العمل بالسنة","level":2,"page":38},{"title":"الفائدة الأولى: الوصول إلى درجة المحبة","level":3,"page":40},{"title":"الفائدة الثانية: النوافل تجبر كسر الفرائض","level":3,"page":42},{"title":"الفائدة الثالثة: مضاعفة أجر المتمسك بالسنة آخر الزمان","level":3,"page":44},{"title":"الفائدة الرابعة: العمل بالسنة عصمة من الوقوع في البدع","level":3,"page":47},{"title":"الفائدة الخامسة: الحرص على السنن من تعظيم شعائر الله","level":3,"page":47},{"title":"الفائدة السادسة: للعامل بالسنة مثل أجر من تبعه","level":3,"page":48},{"title":"الفائدة السابعة: في الالتزام بالسنة أمن الافتراق","level":3,"page":50},{"title":"فصل في حكم ترك السنن","level":1,"page":52},{"title":"مذهب الحنفية","level":2,"page":52},{"title":"مذهب الجمهور","level":2,"page":56},{"title":"تشديدهم في ترك الوتر ونحوه مطلقا","level":2,"page":57},{"title":"تسويفهم الإنكار على من ترك السنن مطلقا","level":2,"page":60},{"title":"فصل في ذكر الأحاديث والآثار التي تتضمن اللوم والإنكار على من ترك سنة","level":1,"page":62},{"title":"فصل في مناقشة قول ابن حزم: إنه لا يلحق تارك السنن لوم ولا عتاب","level":1,"page":72},{"title":"فصل في قواعد للتعامل مع السنة","level":1,"page":79},{"title":"القاعدة الأولى: يعمل بالسنة ولو هجرها الناس","level":2,"page":79},{"title":"القاعدة الثانية: تبين السنة ولا يخاصم عليها","level":2,"page":84},{"title":"القاعدة الثالثة: الموازنة بين المصالح والمفاسد","level":2,"page":88},{"title":"القاعدة الرابعة: هل في المسائل الاجتهادية إنكار؟","level":2,"page":93},{"title":"القاعدة الخامسة: لا يعمل بما ورد حتى يثبت رواية ودراية","level":2,"page":100},{"title":"فصل في رد شبهات أثيرت حول الاهتمام بالسنة","level":1,"page":105},{"title":"نظرة الإخوان المسلمين إلى الجزئيات الشرعية","level":1,"page":118}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124},"ٜ":{"1":[5,129]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"14":[3,4],"15":[5],"17":[6,7,8],"18":[9,10],"19":[11],"20":[12],"21":[13],"23":[14],"25":[15],"26":[16],"28":[17],"29":[18],"30":[19,20],"31":[21],"33":[22],"38":[23],"40":[24],"42":[25],"44":[26],"47":[27,28],"48":[29],"50":[30],"52":[31,32],"56":[33],"57":[34],"60":[35],"62":[36],"72":[37],"79":[38,39],"84":[40],"88":[41],"93":[42],"100":[43],"105":[44],"118":[45]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ضرورة الاهتمام بالسنن النبوية\n\nتأليف\nعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم\n\nدار المنار","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>بين يدي الرسالة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: الآية ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآيتان: ٧٠، ٧١]\nأما بعد، فإنه لا يخفى على مسلم يدبُّ الآن على وجه الأرض؛","vol":"1","page":5},{"text":"ما يُعايِشُهُ المسلمونَ من ضعفٍ تغلْغَلَ في كل جانبٍ من جوانبِ حياتهم، سياسيًا كان، أو اقتصاديًا، أو غير ذلك.\nولقد تنبَّهَ الساعونَ إلى الإصلاح مُنْذُ أَمَدٍ إلى هذا الضَّعْفِ، فعملوا على تشخيصه وتحديده، ومِنْ ثَمّ على علاجه واستئصاله.\nإلا أن السُّبُلَ تفرَّقتْ بهم عند وَصْفِ العلاج، واجتثاثِ الداءِ، تبعًا لاختلافِ منهجهم، وتعدُّدِ فِرَقِهِمْ.\nوما من ريب أنَّ ما حلَّ بالمسلمين هو بسبب ابتعادهم عن دينهم، وانغماسهم في الشهوات المحرَّمة.\nوبما أن الأمر كذلك - وهو كذلك فإنَّ رسولنا ﷺ أبان لنا هذا الدَّاءَ وَوَصَفَ لنا دواءه بما لا يَدَعُ مجالًا - عند ذي العقول - للاختلافِ والتنازع.\nفقد أخرج أبو داود في سننه «٣/ ٧٤٠» وغيره؛ عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«إذا تبايعتم بالعِيْنَةِ.\nوأخذتمْ أذنابَ البقرِ.\nورضيتم بالزَّرعِ.\nوتركتم الجهاد:\nسَلَّطَ اللَّهُ عليكم ذُلًا؛ لا يَنزعُهُ حتى ترْجعوا إلى دينكم».\nفالمَخْرَجُ الوحيدُ من هذا الذَلّ، هو: الرجوع إلى شرعِ الله تعالى، والعَمَلِ به. وهذا قد شهد به القرآن في مواضع كثيرة.","vol":"1","page":6},{"text":"قال تعالى:\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة: الآيتان ٦٥، ٦٦].\nومع وضوح هذا الأمر، وجلائه، فإنً أُناسًا من المنتسبين إلى «الدعوة» ضربوا صفحًا عن الرضوخ لهذا الأمر الجلي، ورضوا بما أَمْلَتْهُ عليهم عقولُهم القاصرة، وآراؤهم الكاسدة، فابتغوا إصلاحَ المسلمين بما لم يشْرَعه الله تعالى، ولا رسوله ﷺ، فكانَ عاقبة أمرهم خسرًا، ونهايةُ إقدامِهم وبالًا، والله لا يصلحُ عمل المفسدين.\nوكانَ من بين ما اقترفَتْهُ أيديهم؛ تلك الحملةُ الشعواء على لواء السُّنِة المطهَّرة، والهدي النبوي؛ إذْ جعلوا الاهتمامَ بالسنن، والحرصَ على تطبيقها في كلّ شؤوننا؛ عائقًا من عوائِقِ تصحيح مَسَارِ المسلمين، وانتشالهم من أوحالِ الضعفِ.\nفجاءت كتبهم، ومحاضراتهم، ودروسهم؛ مقررةً لهذه الفكرة النكراء، تارةً بالتصريح، وأخرى بالتلويح، وثالثة الأثافي باسمِ الغَيْرَةِ على السُّنَّةِ والحفاظِ على أوقات المسلمين!!.\nفطورًا: يشنِّعونَ على فاعِل السنَّة، والمحافظِ عليها؛ بحجُّةِ تفريقِهِ وِحْدَةَ المسلمين، بفعله هذا!!!\nوطورًا: يبالغون في ضرورة معرفة الواقع - على جميع","vol":"1","page":7},{"text":"المسلمين - حتى يُصْرَفَ الناسُ عن العلم الشرعيّ، والعناية بالسنَّة، إلى متابعة: الجرائد والمجلات، وأخبار السياسات، فيصبحُ الممدوحُ من أغرق في هذه الأمور، والمُزْرى به من أقبل على الفقه في دين الله، وعَكفَ على السنن تعلمًا وعملًا.\nفَلَمَّا خرجت هذه الزوابع في وجهِ السُّنةِ، وتخلَّى عن تزييفها كثير ممن ظننَّاه أغيَر مَنْ نرى على السُّنَّةِ؛ استعنتُ الله تعالى، فكتبتُ هذه الرسالةَ راجيًا منه تعالى أن يجعلها له خالصةً، وأن يعمَّ بنفعها الجميع.\nوخلاصة ما أريدُ إيصالهُ إلى القُرَّاء الفضلاءِ في هذه الرسالة التَّنبِيْه على ضرورةِ الاهتمام بالسنن الثابتة عن رسولِ الله ﷺ، تعلمًا، وتعليمًا، وإرشادًا.\nوأَنَّ مَكْمَنَ الضعفِ عندنا، إنما جاء من جرّاءِ البعدِ عن دين الله تعالى، فرائضه ونوافله، فالطريقُ الصحيحُ لرفع هذا الضعفِ، ينحصر في مراجعةِ ديننا، والحرصِ على العمل به، والدعوة إليه جميعًا، كما قال تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ..﴾ الآية، [سورة البقرة: الآية ٢٠٨].\nوليس من طريقٍ إلى ذلك، سوى هذا الطَّريقِ، فبِهِ تنشأ الأجيال على السنَّة، ويُغْرَسُ في قلوبهم محبَّةُ الدين، محبَّةً تَضْعُفُ بجانبها محبَّةُ النفس، والمالِ، والولدِ، عندئذٍ تتهيأ النفوس لقبولِ كلّ خيرٍ، وتجود بكلّ ما تَمْلِكُ نصرةً لهذا الدين.","vol":"1","page":8},{"text":"ولقد بينتُ بعضَ الفوائد - العامَّة والخاصَّة - المترتبةِ على العمل بالسنَّة، ليكون ذلك مشوِّقًا إلى العمل بها، حاثًا على الاهتمام بتطبيقها.\nكما أوردتُ بعض الشبه التي ينعِق بها مَنْ لا خلاقَ له؛ تزهيدًا في السنةِ، وتقليلًا من أهميتها، ورددتُها، مراعيًا الاختصار، وبالله التوفيق.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المقدِّمة</span>\nالحمد لله الذي أمرنا بالدخول في دينه كافةً: فرائضه، ونوافِلِه، فقال تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.\nوالصلاة والسلام الأتمانِ الأكملانِ على من بُعِثَ إلينا ليكون لنا فيه أسوةً حسنةٌ في كلّ شؤونه، في قيامه وقعوده، وحركاته وسكونه، القائل: «عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ».\nصلَّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرّ الميامين، المشرَّفين بشرف اتِّباع السنَّة، القائلين: «الاعتصام بالسُنَّةِ نجاة».\n﵃، ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم، إلى يوم الدين.\nأما بعد:\nفإنّ أحقّ ما اعتنى به المسلم، وأولى ما صرف فيه أوقاتَهُ: العملُ الدؤوب على اقتفاء آثار النبي ﷺ، وتجسيدها في حياته اليومية، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.\nذلك بأن غايةَ المؤمن تحصيل الهداية الموصلة إلى دار السعادة، وقد قال تعالى:","vol":"1","page":11},{"text":"﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.\nوقال:\n﴿وَاْتَّبعُوهُ لَعَلكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nوقال تعالى:\n﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فيِ رَسُولِ اَللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُواْ اَللهَ وَاُلْيَوْمَ آلاْخِرَ وَذَكَرَ اَلله كَثِيرًا﴾.\nوهذه الآية - كما قال ابن كثير -: «أصلٌ كبير في التأسي برسول الله ﷺ، في أقواله، وأفعاله، وأحواله».\nوهذه الأسوة إنما يسلكها ويوفق لها: من كان يرجو الله واليوم الآخر.\nفإن ما معه من الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه: يحثّهُ على التأسي بالرسول ﷺ (١).\nوشرف المؤمن ومنزلته إنما تقاس باتباعه، فكلما كان تحرِّيهْ للسنَّة أكثر كان بالدرجات العلى أحقُّ وأجدر.\nولذا كان العلماء السابقون من السلف الصالح يجعلون معيارَ مَنْ يؤخذ عنه العلم - وهو أشرف مأخوذ - تمسكه بالسنة، كما قال إبراهيم النخعي - ﵀ -: «كانوا إذا أتوا الرجل يأخذون عنه العلم: نظروا إلى صلاته، وإلى سنَّته، وإلى هيئته؛ ثم يأخذون عنه».\n_________\n(١) تفسير السعدي ٦/ ٢٠٩.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال أبو العالية: «كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه فننظر إذا صلى: فإن أحسنها جلسنا إليه، وقلنا: هو لغيرها أحسن؛ وإن أساءَها قمنا عنه، وقلنا: هو لغيرها أسوأ» (١).\nوفي الرسالة «القشيرية» (٢) عن ذي النون المصري أنه قال:\n«من علامة المحب لله ﷿؛ متابعة حبيب الله ﷺ؛ في أخلاقه، وأفعاله، وأوامره، وسننه».\nوهذا حق مأخوذ من كتاب الله تعالى، قال تعالى:\n﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اَللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحَبِبْكُمُ اللهُ وَيَغَفْر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.\nقال الحسن البصري:\n«فكان علامة حبَّهم إياه: اتباع سنة رسوله» (٣).\nوأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٤) عن أبي الدرداء أنه قال ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: على البِرِّ والتقوى، والتواضع، وذلّة النفس».\nولقد كان للعلماء الربانيين - على مرِّ العصور - يد ظاهرةٌ في الحث على العمل بالسنَّةِ - بمعناها الأصلي - إرشادًا، وتعليمًا، وتأليفًا.\n_________\n(١) سنن الدارمي ١/ ٩٣ - ٩٤.\n(٢) ١/ ٧٥.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٢٠٤، وأخرج نحوه الطبري ٣/ ٢٣٢، واللالكائي ١/ ٧٠.\n(٤) ٢/ ٢٠٤.","vol":"1","page":13},{"text":"وبفضل الله، ثم بفضل هذه الجهود المبذولة، التي فنيتْ فيها الأعمار، وتجشَّمتْ من أَجْلها الأخطار، وأوثر في سبيلها الإعْسار على الإيسار: وصلت إلينا «السنَّة» مكلوءةً، محفوظةً، مخدومة، لينصَبَّ جهدنا على تعلُّمها، والانقياد لها، والدعوة لها، والدعوة إليها.\nولم تزلْ بحمد الله وتوفيقه وإعانته - في كلّ عصرٍ من العصور - طائفة تصرف هَمَّها وتنُشِّئْ أبناءها على العناية العظيمة بالسنَّة النبوية، لا فرقَ في ذلك بين شيءٍ منها، الكل يؤتى به كما أثر عن النبي ﷺ، بضابطه الشرعي الوارد في الحديث الصحيح: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».\nيدعون إلى الأخذ بالسنَّة، والحرص عليها، جملةً وتفصيلًا، وينكرون على منْ حاد عن هذا الطريق بأي نوع من أنواع الحيدة، أولئك الذين قال فيهم أبو عبد الله الحاكم:\n«قومٌ سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلَفِ من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين بسننِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أجمعين ... فعقولهم بلذاذة السنَّة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة؛ تعلّمُ السَنن سرْوْرُهم، ومجالسُ العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم» (١).\nإلا أنَّ هذه الطائفة - المنصورة الناجية - لا تَسْلَمْ في كلّ عصرٍ من جاهلٍ أو صاحب هوى يكيد لها المكائد، وينصب لها العِداء، ويلصق بها أعظم الفِرَى.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث، ص: ٤ - ط ٣، الهند.","vol":"1","page":14},{"text":"وما وَجَدَتْ هذه الفرقةُ الناجيةُ - في هذا الزمن - أشَدّ وأنكى من أولئك الذين وقفوا في وجه السنَّة، يريدون إطفاءَ نورها، وتَزْهِيْدَ المسلمين فيها، بتلك الطُّرقِ والوسائل المبطَّنَةِ، التي يحسبها الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا!.\nولقد تشكَّلَ هذا الوقوف في وجه السنَّة في صورٍ كلُّ صورٍ تلائم الظَّرْفَ الذي «نُظّم» لها أن تنزل فيه.\nفتارةً يُشَنَّعُ على فاعلِ السنّةِ باسم: تفريقه - بهذا الفعل - وحدة المسلمين! وكذبوا وأيم الله!!\nوتارة بالهمز واللمز على المعتنين بالسَّنن النبوية: بحثًا، وتقريرًا، وعملًا، ودعوةً، وذلك تحت مظلة تقسيم الدين إلى «جزئيات» ينعى على «المُغْرِقِ» فيها، و«كليات» يلام المفرِّط فيها.\nوسيأتي - إن شاء الله -؛ نقض هذا التفريق بين الشريعة في آخر هذه الرسالة.\nإلاَّ إنني هنا أجدُ ضرورة المبادرة بنقل كلامٍ رصينٍ متين لإمام العصر، ومحدِّث الدنيا، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - في معرضِ حديثه مع أحد أفراد إحدى الجماعات الحزبية الإسلامية - قال فيه:\n«... الذي نعرفه من كلّ الدعاة الإسلاميين اليوم غير الذين ينتمون إلى «منهج السلف الصالح»: تقسيمُ الإسلام إلى أصولٍ وفروعٍ - وكما قلنا آنفا: تقسيم الإسلام إلى لبّ وقشور -.\nهذه باقعةُ الدَّهْرِ! تهلكُ المسلمين، وتجعلهم يبتعدون عن الإسلام من حيث هم يريدون أن يقتربوا.","vol":"1","page":15},{"text":"الآن - بما عندك من ثقافةٍ وعندي من علمٍ - لا نستطيع أن نميز الأصول من الفروع، إلا أن يقصد بالأصول ما يتعلق بالعقائد فقط، وليس منها ما يتعلق بالأحكام.\nحينئذٍ: الصلاة وهي الركن الثاني: لا تدخل في الأصول، وإنما تدخل في الفروع، لماذا؟ لأنها ليس لها علاقة بالعقيدة المحضة.\nهذا التقسيم: خطرٌ خطرٌ جدًا.\nولذلك: أنا أعرف أنه مضى على بعض الجماعات قديمًا، كانوا يدعون إلى تبني الإسلام كُلًّا.\nوهذه دعوة الحق، لأن الإسلام كما جاءنا يجب أن نتبناه.\nولكن من الناحية العملية: ممكنٌ أن إنسانا فردًا - مثلًا - أو جماعة يستطيعون أن يطبقوا جانبًا منه، ولا يستطيعون أن يطبقوا جانبًا آخر.\nلكن من ناحية الفكر: الإسلام يجب تبنِّيهِ كُلًّا لا يتجزأ؛ مثلًا: فرضٌ، سنَّة، مستحبٌ، مندوبٌ ... إلى آخره، لا نقول: هذا مندوب ليس له قيمة، وهذا مستحب ليس له قيمة ... علينا نحن فقط الفرائض، لا، نحنُ ندعو إلى هذا الإسلام بكامله، ثم كلّ إنسانٍ يأخذُ منه ما ينهض به، ويستطيع أن يقوم به. اهـ. (١)\nوهذا المنهج الذي ذكره الشيخ - وفقه الله - هو المنهج السليم، والصراط المستقيم الذي كان عليه السلف الصالح - رضوان الله\n_________\n(١) من شريط صوتي مسجل، بتصرفٍ يسيرٍ.","vol":"1","page":16},{"text":"عليهم - كما ستراه في العرض الآتي إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد (١).\nكتبه\nعبد السلام بن برجس آل عبد الكريم\nالرياض ١٩/ ١ / ١٤١٣ هـ\n_________\n(١) اعترافًا بالفضل لأهله؛ أشكر الشيخين الفاضلين: الشيخ محمد بن عمر بازمول، والشيخ مساعد بن سليمان الراشد، حيث قرأ كل واحد منهما هذه الرسالة - بعد صفها بالطابع - وأبدى بعض ملاحظاته وتوجيهاته، فجزاهما الله عني خير الجزاء.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>فصل\nفي تعريف السنَّة</span>\nلعل من الضروري - قبل الدخول في الموضوع - التعرض لمعنى السنَّة، في كلٍّ من:\nلسان العرب الأقحاح.\nولسان الشارع والصدر الأول.\nوعرف المتشرعين من المحدِّثين، والأصوليين، والفقهاء.\nثم بعد ذلك تحديد المعنى الذي يبنى عليه هذا الكتاب، فأقول:\n\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-4> التعريف اللغوي:</span>\nالسنَّة في اللغة تطلق على: السيرة، حسنة كانت أو قبيحة.\nقال خالد بن زهير الهذلي:\nفلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أَنتَ سرتها ... فأوَّلُ راضٍ سنَّةً مَنْ يَسِيْرُها (١)\n\nوتطلق - أيضا - على: الطريقة؛ مأخوذة من: السَّننِ، وهو:\n_________\n(١) لسان العرب ٣/ ٢١٢٤ / الجدول الثاني، ط دار المعارف المصرية، والصحاح للجوهري ٥/ ٢١٣٩ / الجدول الأول، ط دار العلم للملايين - بيروت.","vol":"1","page":19},{"text":"الطريقُ، يقال: خُذْ على سَنَنِ الطريق، وَسُنَنِهِ (١).\nثانيًا: في لسان الشارع والصدر الأول:\nإذا ورد لفظ السنَّة في كلام الرسول ﷺ، أو كلام الصحابة، والتابعين وكان ذلك في سياق الاستحسان: فإنما يراد بها المعنى الشرعيُّ العام الشامل للأحكام: الاعتقادية، والعملية؛ واجبةً كانت، أو مندوبة، أو مباحة.\nقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٢):\n«... تقرَّر أن لفظ السنَّة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب ...». اهـ.\nوقال ابن عَلَّان في «دليل الفالحين» (٣) على حديث «فعليكم بسنَّتي»: «أي طريقتي، وسيرتي القويمة التي أنا عليها، مما فصَّلْتُهُ لكم من الأحكام الاعتقادية، والعملية الواجبة والمندوبة، وغيرها.\nوتخصيص الأصوليين لها: بالمطلوب طلبًا غيرَ جازم: اصطلاحٌ\n_________\n(١) تهذيب اللغة للأزهري ١٢/ ٣٠١ / الجدول الثاني، ط الدار المصرية للتأليف والترجمة - وقد فسر الأزهري، وكذا الخطابي - كما في إرشاد الفحول ص: ٣١ - السنّة: بالطريقة المستقيمة، وهو خلاف قول جمهور اللغويين، أفاد ذلك العلامة عبد الغني عبد الخالق، في كتابه الماتع (حجية السنة) ص: ٤٦، ط المعهد العالي للفكر الإسلامي بواشنطن.\n(٢) ١٠/ ٣٤١، ط ١ السلفية.\n(٣) ١/ ٤١٥، ط الحلبي، عام ١٣٩٧ هـ.","vol":"1","page":20},{"text":"طارئٌ، قصدوا به التمييز بينها، وبين الفرض». اهـ.\nوقال الصنعاني في «سبل السلام» (١) على حديث أبي سعيد، في التيمم، وفيه: «أصبتَ السنَّة»:\n«أي الطريقة الشرعية». اهـ.\nوقال السهارنفوري في «بذل المجهود» (٢) على الحديث السابق:\n«أيْ صادفتَ الشريعةَ الثابتة بالسُّنَّةِ». اهـ.\nوفي «الصحيح» (٣) عن عبد الله المزني - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة -: لمن شاء، كراهيةَ أنْ يتخذها الناسُ سنةً».\nقال الحافظ في «الفتح»: «ومعنى قوله: «سنة» أي: شريعةً وطريقةً لازمة». اهـ.\nوقال - أيضا - على قوله ﷺ: «فمن رغب عن سنَّتي فليس مني»:\n«المراد بالسنَّة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض ... والمراد: مَنْ تركَ طريقتي وأخذ بطريقة غيري: فليس مني». اهـ (٤).\n_________\n(١) ١/ ١٨٦، ط ١، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n(٢) ٣/ ٧٠، ط ٣ المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة.\n(٣) ٣/ ٥٩، (مع الفتح).\n(٤) الفتح ٩/ ١٠٥.","vol":"1","page":21},{"text":"وهكذا بالتتبع لكثير من النصوص المشتملة على لفظ «السنَّة» يتبيَّن أن المراد بها - إذا كانت في سياق الاستحسان -: الطريقة المحمودة والسيرة المرضية التي جاء بها النبي ﷺ عمومًا.\nوعلى هذا: فإن مما يجب التنبيه عليه ما قد يقع من بعض المنتسبين للعلم من تنزيل لفظ «السنَّة» الوارد في كلام الشارع على المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، فيحصل الخطأ الفاحش، ويُخْرجُ بالأحكام عن مراد الشارع.\nثالثًا: في عرف المحدِّثين:\nالسنَّة عند جمهورِ المحدِّثين مرادفة للحديث، وهو:\nما أثر عن النبي ﷺ من قولٍ، أو فعلٍ وتقريرٍ، أو صفة خَلْقِية، أو خُلُقِيَّة، أو سيرةٍ بعد البعثة، وقد يدخل بعض ما قبلها (١).\nرابعًا:<span data-type=\"title\" id=toc-7> السنَّة عند الأصوليين:</span>\n\nالسنَّة عند الأصوليين: أصل من أصول الأحكام الشرعية، ودليل من أدلتها.\nوقد عرَّفها الفتوحي في «الكوكب» (٢) فقال:\n_________\n(١) ينظر (مجموع فتاوى شيخ الإسلام) ١٨/ ٩ - ١٠، و(أسباب اختلاف المحدثين) للأحدب ١/ ٢٥، و(السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للسباعي ص: ٤٧، ط ٤ المكتب الإسلامي.\n(٢) ٢/ ١٥٩، (مع الشرح) ط ١ أم القرى.","vol":"1","page":22},{"text":"«قول النبي ﷺ غير الوحي (١)، وفعله، وتقريره، وَزِيْد: الهمُّ».\nوعرَّفها الآمدي في «الأحكام» (٢) فقال:\n«ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلوٍّ، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز».\nويدخل في ذلك: أقوال النبي ﷺ، وأفعاله، وتقاريره».\nوإدخال «الهمّ» في التعريف، ردَّه العراقي فقال:\n«الهم إنما يطلع عليه بقولٍ أو فعلٍ، فالاستدلال بما دلَّ منهما، فلا حاجة لزيادته». اهـ (٣) وهو متجهٌ.\n\nويظهر<span data-type=\"title\" id=toc-9> الفرق بين تعريفي المحدثين والأصوليين </span>في «الصفة» النبوية، فإنها عند المحدثين مندرجة في حدِّ السنَّة، لأنهم ينظرون إلى النبي ﷺ على أنه الأسوةُ للأمة، فينقل إليها كلّ ما أثر عنه، أَثْبَتَ حُكْمًا شرعيًا أو لا.\nوليست «الصفة» كذلك عند الأصوليين، لأنهم إنما يبحثون عما يُثْبتُ الأحكامَ ويقرِّرها، فلم تدخل الصفة عند جماهيرهم في حدِّ السنَّة (٤).\nومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن بعض الأصوليين يرى أن رُتْبَةَ السُّنَّةِ متأخرةٌ عن الكتاب في الاعتبار.\n_________\n(١) أي غير القرآن.\n(٢) ١/ ١٦٩، ط ١: النور بالرياض، عام ١٣٨٧ هـ.\n(٣) حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/ ١٢٨، ط الحلبي، عام ١٣٥٨ هـ.\n(٤) انظر المصدر السابق، و(حجية السنة) ص: ٧٦، و(السنة ومكانتها) ص: ٤٨.","vol":"1","page":23},{"text":"وقد أجاد العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق في ردِّ هذا القول، وبيان بطلانه، حيث عَقَدَ مبحثًا في كتابه الماتع «حجَّية السُّنَّةَ» (١) لهذا الغرض، يقول في صدره:\nالسنَّة مع الكتاب في مرتبةٍ واحدةٍ: من حيث الاعتبار والاحتجاج بهما على الأحكام الشرعية، ولبيان ذلك نقول:\nمن المعلوم: أنه لا نزاع في أن الكتاب يمتاز عن السنة ويفضل عنها: بأنَّ لفظه منزلٌ من عند الله، متعبَّد بتلاوته، معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، بخلافها: فهي متأخرة عنه في الفضل من هذه النواحي.\nولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجيَّة: بأن تكون مرتبتها التَّأخُّر عن الكتاب في الاعتبار والاحتجاج، فتُهْدرُ ويُعْمَل به وحده لو حصل بينهما تعارض.\nوإنما كان الأمر كذلك: لأن حجيَّةَ الكتاب إنما جاءتْ من ناحية أنه وحي من عند الله ...، والسنَّة مساوية للقرآن من هذه الناحية: فإنها وحيٌ مثله، فيجب القول بعدم تأخرها عنه في الاعتبار. اهـ.\n\nخامسًا:<span data-type=\"title\" id=toc-11> السنَّة عند الفقهاء:</span>\nاستيفاء هذا المبحث يحتاج إلى إسهاب كبير، قد لا يعود على القارئ بكثير فائدة فيما يتصل بموضوعنا، إلا أننا نمرُّ على ما قاله فقهاء المذاهب في هذا الصدد على وجه الاختصار، فنقول:\n_________\n(١) ص: ٤٨٥ إلى ص: ٤٩٤.","vol":"1","page":24},{"text":"قول الحنابلة:\nقال الفتوحي في «الكوكب» (١) في تعريف «المندوب»:\n«والمندوب شرعًا: ما أثيب فاعله - ولو قولًا وعملَ قلبٍ - ولم يعاقب تاركه مطلقًا.\nويُسَمَّى: سنَّةً، ومستحبًا، وتطوُّعاَ، وطاعةً، ونفلًا، وقربةً، ومرغبًا فيه، وإحسانًا؛ وأعلاه: سنَّة، ثم فضيلة، ثم نافلة». اهـ.\nوعرَّفه ابن بدران في «المدخل» (٢) بتعريف الفتوحي السابق، وزاد:\n«سواءُ تركه إلى بدلٍ، أو لا».\nوهو: مرادف للسنة والمستحب.\nفالسواك، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق، وتخليلُ الأصابع، ونحو هذا يقال له: مندوب، وسنَّة، ومستحب». اهـ.\nوذكر الشيخ أبو طالب البصري في «الحاوي الكبير» (٣) أن المندوب ينقسم ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما يعظم أجره، فيسمَّى سنةً.\nوالثاني: ما يقلُّ أجره، فيسمى: نافلةً.\n_________\n(١) مع شرحه ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣، ط أم القرى.\n(٢) ص: ١٥٢، ط الرسالة، تحقيق معالي الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن التركي.\n(٣) بواسطة نقل الفتوحي عنه في شرح الكواكب ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.","vol":"1","page":25},{"text":"والثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين، فيسمى: فضيلةً، ورغيبةً (١). اهـ.\nوقال المرداوي في «التحرير» (٢): «يسمى المندوب: سنَّةً ومستحبًا». اهـ.\nقول الشافعية:\nقال البيضاوي في «المنهاج».\n«والمندوب: ما يُحمد فاعله، ولا يذمُّ تاركه؛\nويسمى: سنَّةً، ونافلةً». اهـ.\nوقال الرازي في «المحصول»:\n«أما المندوب فهو: الذي يكون فعله راجحًا على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزًا».\nوعدَّد الرازيُّ أسماءه، وفسَّر معانيها، فذكر منها:\n«مُرَغّب فيه، ومستحب، ونفلٌ، وتطوُّع، وسنَّة، وإحسان».\nقال: «ولفظ السنَّة مختص - في العرف - بالمندوب؛ بدليل أنه يقال هذا الفعل واجبٌ، أو سنَّة». اهـ (٣).\n_________\n(١) ذكر الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: ٦٧ أنه لم يعثر في كلام الحنابلة على تحديد لترتيبهم المندوب: سنَّة ثم فضيلة ثم نافلة.\n(٢) بواسطة نقل ابن بدران في شرح الروضة ١/ ١١٣، ط ١ الملك عبد العزيز.\n(٣) المحصول ١ / ق ١/ ١٢٩ - ١٣٠، ثم ذكر بعد هذا خلاف بعضهم في إطلاق لفظ السنَّة وأنه لا يختص بالمندوب، بل هو عام في كل ما علم وجوبه أو ندبيته بأمر النبي ﷺ أو بإدامة فعله ... إلخ وهذا هو المعنى العام الذي سبق أن بيّناه.","vol":"1","page":26},{"text":"وفي «لطائف الإشارات»:\n«ويُسَمَّى المندوبُ: السُّنَّة، والمستحبَّ، والتطوُّعَ ومثلها: الحَسَنُ والنَّفْلُ، والمرغبُ فيه.\nفهذه الألفاظ مترادفةٌ عرفًا، خلافًا للقاضي حسين والبغوي والخوارزمي من أصحابنا نفيهم ترادفها، حيث قالوا:\nالسنَّة: ما واظب عليه النبي ﷺ.\nوالمستحب: ما فعله مرَّةَّ، أو مرتَّين.\nوالتطُّوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد (١).\nولم يتعرَّضوا للمندوبِ لشموله الأقسام الثلاثة، فهو مرادفٌ لكلّ منها». اهـ (٢).\nقال السبكي في «جمع الجوامع»:\n«والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنَّةُ: مترادفةٌ، خلافًا لبعض أصحابنا، وهو لفظيُّ». اهـ.\n_________\n(١) أي الشرعية.\n(٢) لطائف الإشارات شرح نظم الورقات، للشيخ عبد الحميد بن محمد، ص: ١١، ط الحلبي، عام ١٣٦٩ هـ.\nوينظر (المجموع) للنووي ٤/ ٢، ط ١ المنيرية و(مسائل ابن منقور) ١/ ٩٢ - ٩٣، ط ٤، عام ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":27},{"text":"قال الجلالُ المحليُّ في شرحه (١):\n«وهو» أي الخلاف «لفظيٌّ» أي عائدًا إلى اللفظ، والتسمية.\nإذْ حاصله: أن كلًّا من الأقسام الثلاثة كما يسمى باسمٍ من الأسماء الثلاثة - السنَّة والمستحب والتطوع كما ذُكرَ - هل يُسَمَّى بغيره منها؟\nفقال البعض: لا، إذ السنَّة: الطريقة والعادة؛ والمستحب: المحبوب؛ والتطوع: الزيادة.\nوالأكثر: نعم، ويَصْدُقُ على كلّ من الأقسام الثلاثة أنه: طريقة وعادة في الدين، ومحبوب للشارع بطلبه، وزائد على الواجب». اهـ.\nوقال الشَّرواني في حاشيته على «تحفة المحتاج» (٢) بعد أن ذكر خلاف القاضي: «مع أنه لا خلاف في المعنى، فإن بعض المسنوناتِ أكد من بعضٍ قطعًا، وإنما الخلاف في الاسم نهاية ومعنى». اهـ.\nقول المالكية:\nقال القرافي في «شرح تنقيح الفصول» (٣):\n«والمندوب: ما رجع فعلُهُ على تركه شرعًا، من غير ذمٍّ». اهـ.\nقال ابن رشد في «المقدمات» (٤):\n_________\n(١) ١/ ١٢٧ (بحاشية العطار)، ط ١ المكتبة التجارية الكبرى بمصر.\n(٢) ٢/ ٢١٩، تصوير: دار الفكر.\n(٣) ص: ٧١، ط مكتبة الكليات الأزهرية بمصر، ودار الفكر - بيروت.\n(٤) ١/ ٦٤، دار الغرب الإسلامي، وينظر (نشر البنود على مراقي السعود) ١/ ٣٨ - ٤٠، وشرح الباجي على الموطأ ١/ ٢٢٦، تصوير: دار الكتاب الإسلامي.\nوقال في آخر المبحث: (وهذه كلها عبارات اصطلاح بين أهل الصنعة ولا خلاف في تأكد ركعتي الفجر ...) إلخ.\nوينظر أيضا (عارضة الأحوذي) لابن العربي ٢/ ٢٤١.","vol":"1","page":28},{"text":"«والمستحب: ما كان في فعله ثوابٌ، لم يكن في تركه عقابٌ ... وهو يَنْقَسِم على ثلاثة أقسامٍ:\nسنن، ورغائبُ، ونوافل.\nفالسننُ: ما أمر النبي ﷺ بفعله، واقترن بأمره ما يدلُّ على أن مراده به: الندب: أو لم تقترن به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم يقترن بها ما يدل أن المراد بها الوجوب.\nأو ما داوم النبي ﷺ على فعله بخلاف صفة النوافل.\nوالرَّغائب: ما داوم النبي ﷺ على فعله بصفة النوافل، أو رغّب فيه بقوله: مَنْ فعل كذا فله كذا.\nوالنوافل: ما قرّر الشرع أن في فعله ثوابًا، من غير أن يأمر النبي ﷺ به، أو يُرَغِّب فيه، أو يداوم على فعله». اهـ.\nقال التنوخي في شرحه لمتن الرسالة (١) على قول القيرواني: «وركعتا الفجر من الرغائب، وقيل من السنن»: وفائدة الخلاف تفاوت الثواب، فإن ثواب السنَّة أكثر من ثواب الرغيبة والنافلة ... هذا في الفعل؛ وأما في الترك عمدًا: فإن قلنا إنها سنَّة: جرى فيها الخلاف في تارك السنن عمدًا: هل يأثم أم لا؟» اهـ.\n_________\n(١) ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨، ط ١ الحمالية بمصر، عام ١٣٣٢ هـ.","vol":"1","page":29},{"text":"وبعد هذا العرض الموجز لهذه المذاهب نرى أنه لا خلاف بينها في الجملة، وإن اختلفت الألفاظ فإن المعنى واحدٌ.\nولذا قال السبكي في «الإبهاج» (١) على قول البيضاوي «ويسمى سنَّة ونافلة»:\n«من أسمائه - أيضا - أنه مرغّب فيه، وتطوع، ومستحب، والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية، وجمهور الأصوليين».\nثم ذكر خلاف القاضي حسين من الشافعية، وذكر كلام المالكية، ثم قال:\n«وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنَّة والمستحب». اهـ.\nوقال صاحب كتاب (الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامية» (٢):\n«يرى جمهور الأصوليين: أن كلمة «مندوب» ترادف في الاصطلاح: كلمة سنَّة، أو مستحب، أو نفل، أو تطوع.\nوخالف في ذلك الحنفية، وفرَّقوا بين السنَّة والنفل، وجعلوا المندوب هو الذي يرادف النفل، كما جعلوا السنَّة أعلى منه مرتبة». اهـ.\n_________\n(١) ١/ ٥٧ - ٥٨، ط الكليات الأزهرية، عام ١٤٠١ هـ.\nوينظر فتاوى السبكي ١/ ١٥٩ - ١٦٠، فإنه مهم جدًا.\n(٢) هو محمد البيانوني، ص: ١٦٣، ط دار القلم - دمشق.","vol":"1","page":30},{"text":"وهذا هو بيان اصطلاح الحنفية:\nقال الكمال ابن الهمام في «التحرير» (١):\n«السنَّة ... في فقه الحنفية: ما واظب [ﷺ] على فعله مع تركٍ مَّا بلا عذرٍ ... وما لم يواظبْهُ: مندوبٌ ومستحبٌ وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه». اهـ.\nوهذا التعريف غير جامعٍ - على مذهب الحنفية - لأن الخطبة الثانية، والاعتكاف، والترتيب والموالاة في الوضوء، والمضمضة والاستنشاق، ونحوها سننٌ عندهم مع ثبوت المواظبة عليها من غير تركٍ، ولذا فإن شارحَ «مُسَلّم الثبوت» حذف جملة «مع تركٍ ما بلا عذرٍ» فكان التعريف جامعًا لجميع السنن في مذهبهم، لكنه يصير غير مانع: لشموله الفرضَ والواجب (٢).\nوقال في متن «مختصر المنار» (٣) في مبحث تقسيم العزيمة إلى أربعة أنواع:\nوسنة، وهي: الطريقة المسلوكة في الدين.\nوحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراضٍ ولا وجوب.\nونفلٌ: وهو: ما زاد على العبادات، وحكمه: إثابة فاعله، ولا معاقبة على تاركه، ويلزم بالشروع». اهـ.\n_________\n(١) ص: ٣٠٣، ط ١ الحلبي، عام ١٣٥١ هـ.\n(٢) شرح مسلم الثبوت ج ٢/ ٩٧ - ١٨١، بواسطة (حجية السنة) ص: ٥٥.\n(٣) ص: ١٤، تصوير مكتبة الشافعي بالرياض.","vol":"1","page":31},{"text":"قال ابن نجيم في «البحر الرائق شرح كنز الدقائق» (١):\n«هي - أي السنَّة - اصطلاحًا: الطريقة المسلوكة في الدين، وكذا في «العناية» وفيه نظر؛ لشموله: الفرض والواجب.\nفزاد في «الكشف» من غير افتراضٍ ولا وجوب.\nوفيه نظر؛ لشموله: المستحب والمندوب.\nوالأولى أن يقال:\nهي الطريقة المسلوكة في الدين، من غير لزومٍ، على سبيل المواظبة».\nثم أورد ابن نجيم بعض التعريفات، ونقضها، ثم قال:\n«والذي يظهر للعبد الضعيف أن السنَّة: ما واظب النبي ﷺ عليه، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل السنَّة المؤكدة، وإن كانت مع الترك أحيانًا فهي دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالإنكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب». اهـ. هذا وسيأتي حكم كلّ من السنَّة والمندوب، وتقسيمُ السنَّة عند الحنفية إن شاء الله في مبحث «حكم ترك السنن».\n_________\n(١) ١/ ١٧، تصوير دار الكتاب الإسلامي.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>مردّ الخلاف في الاصطلاحات السابقة</span>\nاستعرضنا فيما مضى المصطلحات في السنَّة، وتبين لنا الاختلاف بينها.\n«ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم».\nفعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوةٌ لنا وقدوة؛ فنقلوا كلَّ ما يتصل به من سيرةٍ، وخلقٍ، وشمائل، وأخبارٍ، وأقوال، وأفعالٍ، سواءٌ أثبت ذلك حكمًا شرعيًا أم لا.\nوعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله المشرِّع، الذي يضع قواعد للمجتهدين من بعده، ويبين للناسِ دستور الحياة، فَعُنُوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام، وتقرِّرُها.\nوعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي لا تخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد، وجوبًا أو حرمةً أو إباحة، أو غير ذلك» (١).\n_________\n(١) السنُة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي، ص: ٤٨ - ٤٩.","vol":"1","page":33},{"text":"ونحن نريد بالسنَّة في بحثنا هذا ما عناه جمهور الفقهاء، وهي ما يطلق في مقابلة الواجب.\nومما يجدر التنبيه عليه أننا عندما نستدل بالأحاديث والآثار التي يرد فيها لفظ \"السنَّة\" فإنما نستدلّ بعمومها، لا أنها وضعت للدلالة على السنَّة بالمعنى الاصطلاحي الفقهيّ.\n* * *","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>فصلٌ\nفي الحث على التمسك بالسنَّة</span>\n\"السنَةُ هي الجُنَّةُ الحَصِيْنَةُ لِمَنْ تَدَرَّعها، والشِّرْعة المَعِيْنَةُ لمن تَشَرَّعها، دِرْعُهَا صَافٍ، وَظِلُّها ضافٍ، وبيانها وافٍ، وبرهانُهَا شافٍ.\nوهي الكافلة بالاستقامةِ، والكافية في السلامة، والسُّلَّمُ إلى درجاتِ المقامة، والوسيلة إلى الموافاةِ بصنوف الكرامة.\nحافِظُهَا محفوظٌ، وملاحِظُها مَلْحُوْظٌ، والمقتدي بها على صراط مستقيم، والمهتدي بمعالمها صائرٌ إلى مَحَلِّ النَّعيْمِ المقيم\" (١).\nولقد توافرت النصوص الشرعية وأقوال الصحابة والتابعين المرضية على الترغيب فيها، والحث على التمسك بها.\nفمن الكتاب قوله تعالى:\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\n_________\n(١) من كتاب \"ضوابط الأحاديث\" للشيخ يحيى المَغْربي، مخطوط في إصطنبول، في مكتبة لا لَهْ لي/ برقم ٦٢٢، والنقل عنه بواسطة محقق كتاب \"تحفة الأخيار\" تأليف: اللكْنَوِيْ. ط مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.","vol":"1","page":35},{"text":"وقوله:\n﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اَللهَ فَاَتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ واَللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.\nوقوله تعالى:\n﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾.\nوقوله:\n﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nوقد تقدَّم الكلام على هذه الآيات، وستأتي الإشارة إليها أيضًا.\n* * *\n\nومن السنَّة ما رواه الإمام مسلم في «صحيحه» (١) عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته واشتدّ غضبه، حتى كأنه منذر جيشٍ، يقول: صبّحكم ومساكم ... ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهُدى هُدَى محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».\nوفي «المسند» عن العرباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب؛\nقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مُوَدِّعٍ، فما تَعْهَدُ إلينا؟\nقال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي\n_________\n(١) كتاب الجمعة ٢/ ٥٩٢، ط ١، محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":36},{"text":"إلا هالك؛ ومن يعشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين ...» الحديث.\nوفي لفظ له - أيضا - عنه ﵁، قال:\nصلَّى لنا رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين، ووجلت منها القلوب؛ قلنا: يا رسول الله! كأن هذه موعظةُ مودِّع؛ فأوصنا.\nقال:\n«أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه مَنْ يعش منكم يرى بعدي اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعةٌ، وإن كل بدعة ضلالة» (١).\n* * *\n\nوفي سنن ابن ماجه (١/ ٤)، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال:\nخرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه، فقال: «الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبنَّ عليكم الدنيا صبًّا، حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغةً إلا هيه؛\n_________\n(١) رواه أصحاب السنن إلا النسائي، قال الترمذي (٥/ ٤٥): حديث حسن صحيح، وقال الحاكم أبو عبد الله (١/ ٩٦ - المستدرك): حديث صحيح ليس له علة، واقره الذهبي. وصححه شيخ الإسلام في (الاقتضاء) ٢/ ٥٧٩، وقال الحافظ ابن كثير في (تحفة الطالب) ص: ١٦٣: صححه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام، وأحسنه. اهـ. وصححه الضياء في (اتباع السنن واجتناب البدع) ص: ٣٢.","vol":"1","page":37},{"text":"وأيمُ الله! لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (١).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحركُ طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا».\nرواه أحمد، والطبراني وزاد:\nفقال النبي ﷺ: «ما بقي شيءٌ يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّنَ لكم» (٢).\n* * *\n\nوأما أقول الصحابة، والتابعين، والعلماء في الحث على السنَّة فكثيرةٌ جدًا؛ منها:\n_________\n(١) إسناده حسن.\n(٢) قال الهيثمي بعد ما ذكر هذا السياق: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم، اهـ. انظر المسند ٥/ ١٥٣.\nوقد روى الطبراني - أيضًا - الموقوف منه، عن أبي الدرداء، وقال الهيثمي (٨/ ٢٦٤): ورجاله رجال الصحيح.\nوقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٧٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال:\n\n(إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم).","vol":"1","page":38},{"text":"ما رواه الدارمي في سننه «١/ ٤٤»، في باب «اتباع السنَّة» عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال:\n«كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنَّة نجاة».\n«وروى المروزي في كتاب السنَّة «ص: ٢٩» عن هشام بن عروة، عن أبيه - ﵀ - قال:\n«السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فإن السُّنَنَ قِوَامُ الدين».\nوأخرج أبو نعيم في الحلية «٦/ ١٤٢» عن الأوزاعي أنه قال:\n«كان يقال: خمسٌ كان عليه أصحاب محمد ﷺ والتابعون بإحسان.\nلزوم الجماعة، واتباع السنَّة، وعمارة المسجد، وتلاوة القرآن، والجهاد في سبيل الله».\nوأخرج البيهقي (١) من طريق مالك أن رجاءً حدَّثه «أن عبد الله بن عمر كان يتبع أمر رسول الله ﷺ، وآثاره، وحاله، ويهتمّ به حق كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك».\nوفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال:\n«فرأيت رسول الله ﷺ يتتبَّع الدُّبَّاءَ من حوالي الصَّحْفَة، فلم أزل أحبّ الدباءَ من ذلك اليوم».\n_________\n(١) كما في مفتاح الجنة للسيوطي (ص: ٦٢)، وقد أخرج نحوه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":39},{"text":"وقد بوَّب النووي على هذا الحديث في شرحه لصحيح مسلم، فقال: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين .. اهـ.\n* * *\n\nوأخرج الدارمي في سننه «١/ ٤٤» عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن الديلمي قال:\n«بلغني أن أول ذهاب الدين ترك السنن، يذهب الدينُ سنَّةً سنَّةً، كما يذهب الحبل قوةً قوةً».\nوأخرج المروزي في السنَّة «ص: ٢٨» عن عبد الله بن عون أنه قال: «ثلاث أرضاها لنفسي ولإخواني:\nأن ينظر هذا الرجل المسلم القرآنَ، فيتعلمه، ويقرأه، ويتدبره، وينظر فيه.\nوالثانية: أن ينظر ذاك الأثرَ والسنَّةَ؛ فيسأل عنه، ويتَّبِعَهُ جُهْدَه.\nوالثالثة: أن يدع الناس إلا من خير».\nوأخرج اللالكائي في شرح اعتقاد أهل الحديث «١/ ٦٥»، عن الفضيل بن عياض، أنه قال: «إن لله عبادًا يحيي بهم البلادَ، وهم أصحاب السنَّة».\n* * *\n\nوأخرج أبو نعيم في الحلية «١٠/ ٣٠٢»، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أنه قال:\n«من ألزم نفسه آداب السنَّة: غمر الله قلبه بنور المعرفة؛ ولا مقام","vol":"1","page":40},{"text":"أشرف من متابعة الحبيب في: أوامره، وأفعاله، وأخلاقه، بآدابه؛ قولًا، وفعلًا، ونية، وعقدًا».\nوفيها أيضًا «١٠/ ٢٥٧»، عن الجنيد أنه قال:\n«الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول؟؟؟؟؟ سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه».\nوفيها أيضًا «١٠/ ١٩٠»، عن أبي محمد سهل بن عبد الله التُّستري، أنه قال: «أصولنا ستة أشياء:\nالتمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنَّة رسول الله ﷺ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق».\nوقال: «على هذا الخَلْقِ مِنَ اللهِ: أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء:\nفأولها: الأمر والنهي - وهو الفرض -، ثم السنَّة، ثم الأدب، ثم الترهيب، ثم الترغيب، ثم السَّعة.\nفمن لم يلزم نفسه هذه السبعة، ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه، ولم يتمَّ عقله، ولم يتهنَّأ بحياته، ولم يجد لذة طاعة ربه».\nوجاء في «الشفاء» للقاضي عياض «٢/ ٥٥٨» عنه - ﵀ - أنه قال:\n«أصول مذهبنا ثلاثةٌ:\nالاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال.\nوالأكل من الحلال.","vol":"1","page":41},{"text":"وإخلاص النية في جميع الأعمال».\nهذا طرفٌ مما جاء في هذا الأصل العظيم من أصول الدين، وهو اتباع السُّنَّةِ والعمل بها، وهو «بابٌ يطول تتبعه جدًا» (١).\nفليكن ما مرَّ حافزًا للمسلمِ على التعلق بأهداب السُّنَّةِ، ومراعاة تطبيقها في كلِّ شأنٍ من شؤونه، فعلى قدر محبته للرسول ﷺ تكون متابعته؛ فليقلَّ أو ليستكثر.\n* * *\n_________\n(١) ابن القيم (مدارج السالكين) ٣/ ١٢٢، في سياق كلام الشيوخ عن الأخذ بالسنة والشاطبي في (الاعتصام) ١/ ١٣١، ط دار ابن عفان.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>فوائد العمل بالسنَّة</span>\nومتى حافظ المسلمُ على السُّنَّةِ محافظته على الطعام والشراب الذي به قوام البدن أو أشدَّ: غمرته الفوائد الدينية والدنيوية، كما قال ابن قدامة - ﵀ -:\n«وفي اتباع السنَّة: بركةُ موافقة الشرع، ورضى الربِّ ﷾ ورفع الدرجات، وراحة القلب، وَدَعَةٌ البَدَنِ، وترغيمُ الشيطان، وسلوكُ الصراط المستقيم». اهـ (١).\nوقد قال ابنُ حبَّان - رحمه الله تعالى - في مقدَّمة صحيحه:\nوإِنَّ في لزوم سُنَّتِه: تمامَ السلامة، وَجِمَاعَ الكرامةِ، لا تطفأْ سُرُجُها، ولا تُدْحضُ حججُها، من لزمَهَا عُصِم، ومن خالفها نَدِمَ، إذْ هي الحصنُ الحصين، والركنُ الركين، الذي بان فضْلُه، ومَتُنَ حبْلُهُ، ومن تَمَسَّكَ به ساد، ومن رام خلافه باد.\nفالمتعلِّقون به أهل السعادةِ في الأجل، والمغبوطونَ بين الأنام في العاجل. اهـ (٢).\nوقال الغزالي - في كلامٍ له متين بهذا الصدد -:\n_________\n(١) ذم الموسوسين، لابن قدامة، ص: ٤١، ط الفاروق الحديثة - مصر.\n(٢) (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ١٠٢، ط الرسالة.","vol":"1","page":43},{"text":"«اعلم أن مفتاح السعادة: في اتباع السنَّة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته؛ حتى في هيئة أكله وقيامه، ونومه وكلامه.\nلستُ أقول ذلك في آدابه في العبادات فقط، لأنه لا وجه لإِهمالِ السنن الواردة في غيرها، بل ذلك في جميع أمور العادات: فَبِهِ الاتباع المطلق، كما قال تعالى:\n﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.\nوقال تعالى:\n﴿وَمَآءَاتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ ...﴾.\nفهل - بعد ذلك يليق بعاقلٍ أن يتساهل في امتثال السنَّة، فيقول: هذا من قبيل العادات فلا معنى للاتباع فيه؟! فإن ذلك يغلق عنه بابًا عظيمًا من أبواب السعادة». اهـ (١).\nوهذا الذي قاله أبو حامدٍ هو دأب السلف - ﵃ - كما قال القاضي عياض في «الشفا» (٢).\n«... وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس؛ وقد قال أنس حين رأى النبيَّ ﷺ يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدُّباء من يومئذٍ.\n_________\n(١) بواسطة نقل الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه (حجية السنة) ص: ٨٠ - ٨١.\n(٢) ٢/ ٥٧٥.","vol":"1","page":44},{"text":"وهذا الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وابن جعفرٍ أتوا سَلْمى وسألوها أن تضع لهم طعامًا مما كان يعجب رسول الله ﷺ.\nوكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة، إذْ رأى النبي ﷺ يفعل ذلك». اهـ.\nفلو أن كلَّ فردٍ من أبناء هذه الأمة نَشَأَ وبين عينيه سيرة رسول الله ﷺ، يأخذ منها آدابَهُ وأخلاقه، وحركته وسكونه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا: لنشأَ جيلٌ إيمانه كالجبال، يقذِفُ الرُّعْبَ في قلوب أعدائنا على مسيرة شهرٍ، وينهض بالأمةِ إلى أعلى ما تصبوا إليه من السعادة والسيادة.\n﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن ينَصُرُهُ إِنَ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.\nهذا وللالتزام بالسنَّة ثمارٌ وفوائد لا تحصى، نقتصر منها على ما يلي:\n* أولًا - الوصول إلى درجة «المَحَبَّة» محبة الله ﷿ لعبده المؤمن:\nقال ابن القيم - ﵀ -:\n«لما كثر المدعون للمحبّة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخَلِيُّ حُرْقَةَ الشَّجِيِّ، فتنوَّع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إِلا ببينة:\n﴿قُلْ إِن كُنُتمْ تحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾.\nفتأخر الخلقُ كلهم، وثبت أتباعُ الحبيب في: أفعاله، وأقواله،","vol":"1","page":45},{"text":"وأخلاقه». اهـ (١).\nوقد روى البخاري في صحيحه (٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال:\nمن عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه ...».\nففي هذا الحديث العظيم دليلٌ على أن النوافلَ سببٌ من الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى لعبد، وبيانٌ لما يترتب على هذه المحبَّة من الخصال الحميدة.\nفمن أحبَّهُ الله تعالى كان سمعَهُ الذي يسمع به، بمعنى: أن الله يوفقه لسماع أحسن الكلام، ويصرفه عن سماع سيئة؛ وكان يَدَهُ التي يبطش بها، بمعنى: أن الله يوفقه لاستعمال هذه الجارحة في حدود الشرعيات: من الكسب المباح، وإنكار المنكرات، وتناول الطيبات، كما يوفقه تعالى إلى كفِّها عن كلِّ محرَّمٍ تَسْتَطِيْعُ تناولَهُ، وأخذَه.\nوهكذا قوله تعالى: كنت بصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها.\n_________\n(١) مدارج السالكين ٣/ ٨.\n(٢) كتاب الرقاق - باب التواضع (١١/ ٣٤٠ فتح).","vol":"1","page":46},{"text":"وهناك خصلةٌ أخرى تترتب لمن حصلت له هذه المحبَّة، هي: ما جاء في حديث أبي هريرة - المتفق عليه - أن النبي ﷺ قال: «إذا أحب اللَّهُ العبْدَ نادى جبريلَ: إن الله يحب فلانًا فأحبِبْهُ، فيحبُّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء؛ إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضع له القبولُ في الأرض» (١)، هذا لفظ البخاري.\n* ثانيا - أن المحافظة على النوافل تجبر كسر الفرائض:\nلما رواه داود في سننه (٢) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم: الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا، قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوُّع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم».\nومما لا ريب فيه: أن الإتيان بالفرائض كما أراده الله ﷿ متعذرٌ على أكثر الناس، إذْ لا يخلو عملهم من نقصٍ، كترك الخشوع في الصلاةِ وعدم الطمأنينة فيها، وكاللغو والغيبة والنميمة حالَ الصيام،\n_________\n(١) البخاري في كتاب بدء الخلق (٦/ ٣٠٣)، ومسلم (٤/ ٢٠٣٠)، كتاب البر والصلة والآداب.\n(٢) كتاب الصلاة (١/ ٥٤٠)، وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ينظر (سنن الترمذي) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ٢/ ٢٧١، وشرحه على المسند ١٥/ ١٩ - ٢٦.","vol":"1","page":47},{"text":"والجدالِ والفسق في الحجِّ ... إلخ؛ فكلُّ هذه وأمثالها يؤاخذ العبد بها، وتُنْقِصُ ثواب فرضه.\nإلاَّ أن الله - ﷿ - لجزيل فضله وسعة رحمته جعل للعبد ما يتمم هذا النقص، ويُقَوِّمُ هذا الخلل؛ وذلك بمحافظته على ما شُرعَ من السنن والنوافل.\nفلا يليق بعاقلٍ - بعد هذا - أن يزهد فيما يتمِّمُ ويكمِّلُ فرضَهُ، ويُدْنِيهِ من رضاء ربه.\nقال الشاطبي في «الموافقات» (١).\nالمندوب إذا اعتبرته اعتبارا أعمَّ من الاعتبار المتقدم وجدته خادمًا للواجب، لأنه إما مقدمة له، أو تكميل له، أو تذكار به، كان من جنس الواجب أو لا.\nفالذي من جنسه: كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام، والصدقة، والحج، وغير ذلك مع فرائضها.\nوالذي من غير جنسه: كطهارة الخبث في الجسد، والثوب، والمُصَلَّى، والسواك، وأخذ الزينة، وغير ذلك مع الصلاة؛ وكتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وكفُّ اللسان عما لا يعني مع الصيام، وما أشبه ذلك.\nفإذا كان كذلك فهو: لاحقٌ بقسم الواجب بالكل، وقَلَّما يشذّ عنه مندوب يكون مندوبًا بالكل والجزء. اهـ.\n_________\n(١) ١/ ٩٢.","vol":"1","page":48},{"text":"* ثالثًا - للمتمسك بالسنَّة فضلٌ كبيرٌ، ويزداد فضلُه رفعة كلّما كان الزَّمَنُ زمن إعراضٍ عن السنَّة، وإيذاءٍ لمن تمسك بها.\nروى المروزي في السنَّة (١) «ص: ٩» عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عتبة بن غزوان، أن رسول الله ﷺ قال:\n«إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه: أجرُ خمسين منكم» قالوا: يا نبي الله! أَوْ منهم؟ قال: «بل منكم». وأخرج الترمذي (٥/ ٢٥٧) - وغيره - عن عبد الله بن المبارك، أخبرنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أميَّة الشَّعْباني، عن أبي ثعلبة الخشني - ﵁ - أن النبي ﷺ قال:\n«... فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبضَ على الجمر، للعامل فيهن مثلُ أجرِ خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم».\nقال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم».\nقال الترمذي: حديث حسن غريب. اهـ (٢).\nوقد قال الإمام ابنُ القيم - ﵀ - في «النونية»:\nهذا وللمتمسِّكين بسنَّة الـ ... ـمختار عند فَسَادِ ذي الأزْمانِ\n_________\n(١) وفيه انقطاع بين إبراهيم وعتبة.\n(٢) وأخرجه أبو داود (١١/ ٤٩٣ - العون)، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٠)، وابن حبان (٢/ ١٠٨ - الإحسان)، والحاكم (٤/ ٣٢٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":49},{"text":"أجرٌ عظيمٌ ليس يقدرُ قَدْرَهُ ... إلا الذي أعطاه للإنسان\nفروى أبو داودَ في سُنَنٍ له ... ورواه - أيضًا - أحمدُ الشيبانِي\nأثرًا تضمَّن أَجْرَ خَمْسِيْنَ امريءٍ ... من صَحْبِ أحمدَ خِيْرةِ الرحمنِ\nإسنادُهُ حَسَنٌ، ومِصْدَاقٌ له ... في «مسلم» فافْهَمْهُ فَهْمَ بَيَانِ\nإنَّ العبادةَ وقْتَ هَرْجٍ هِجْرَةٌ ... حقًا إليَّ وذاكَ ذو بُرْهانِ\nهذا فكم مِّنْ هِجْرَةٍ لكَ أيُّها الـ ... ـسُّنِّيُّ بالتَّحقِيْقِ لا بأَمانِ\nهذا وكم مِّنْ هجرةٍ لهُمُ بما ... قال الرَّسولُ، وجاء في القرآنِ\nولقد أتى مصداقَهُ في «التَّرْ ... مِذِيَّ» لمنْ له أُذُنانِ واعيتانِ\nفي أَجْرِ مُحْيِيْ سُنَّةٍ ماتتْ فذا ... كَ مع الرَّسولِ رَفيْقَةُ بجنانِ\nهذا ومصداقٌ له - أيضًا - أتى ... في «الترمذيِّ» لمنْ له عينانِ","vol":"1","page":50},{"text":"تَشْبيهَ أُمَّتِهِ بغيثٍ: أوَّلٌ ... مِنْهُ وآخِرُهُ فَمشْتَبِهَانِ\nفلذاكَ لا يدري الذيْ هو مِنْهُمَا ... قدْ خُضَّ بالتفصِيْلِ والرُّجحَانِ\nوَلَقَدْ أتى أثرٌ بأنَّ الفَضْلَ في الـ ... طَّرَفَيْنِ أعني أولًا والثاني\nوالوَسْطُ ذو ثَبَجٍ فأَعْوَجُ هكذا ... جاء الحديثُ وليس ذا نُكْرانِ\nولقد أتى في «الوحي» مصداقٌ له ... في الثلَّتَيْنِ وذاك في القرآنِ\nأهلُ اليمينِ فَثُلَّةٌ مَعْ مثْلِها ... والسابقونَ أقلُّ في الحسبانِ\nما ذاكَ إلا أنَّ تابِعَهُمْ هُمُ الـ ... غُرَبَاءُ ليستْ غربةَ الأوطانِ\nلكنَّها واللهِ غربةُ قائِمٍ ... بالدِّين بين عساكر الشيطانِ\nفلذاكَ شبَّهَهم بِهِ متبوعُهُمْ ... في الغُربَتَيْنِ وذاك ذو تبيانِ\nلم يُشْبِهُوْهُمْ في جميعِ أُمُوْرِهِمْ ... مِنْ كلِّ وجهٍ لَيْسَ يستويان (١)\n_________\n(١) انظر الأبيات وتكملتها في شرح ابن عيسى للنونية (٢/ ٤٥٨ - ٤٦٤).","vol":"1","page":51},{"text":"* رابعًا - أن في العمل بالسُنَّةِ عصمةً من الوقوع في البدع:\nوفي هذا يقول أبو محمد عبد الله بن منازل - ﵀ -:\n«لم يضيِّع أحدٌ فريضةً من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السُّننِ، ولم يُبتَلَ بتضييع السُّنَنِ أحد إلا يوشك أن يبتلى بالبدعِ».\nولذا قال السلفُ - كما تقدم -: «الاعتصامُ بالسنَّةِ نجاة» فالاعتصام بالسنَّةِ نجاةٌ من كلِّ ما يعيقُ المسلم عن ربِّه تعالى، وأعظم ذلك خطرًا؛ البدعُ التي هي بريدُ الكفر.\nفالبدعُ إنما تفشوا في تلك المجتمعات التي انطفأ نور السنة فيها، فلمْ تَرَ جاهرًا بها، ولا داعيًا إليها، ولا حاثًّا على امتثالها، وفي ذلك يقول ابن عباس - ﵄ -:\n«ما يأتي على الناس من عامٍ إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» رواه ابن وضاحٍ في «البدع والنهي عنها».\n* خامسًا: أن الحرصَ على القيام بالسنن من تعظيم شعائر الله:\nوفي ذلك يقول الله تعالى:\n﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقَوى الْقُلُوبِ﴾.\nوشعائر الله: عام في جميع شعائر الله (١)، ومنها المناسك كلها، والهدايا، والقربانُ للبيتِ.\n_________\n(١) «أضواء البيان ٥/ ٦٩٢.","vol":"1","page":52},{"text":"ومعنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكمليها على أكمل ما يقدر عليه العبد (١).\nفتعظيمُ الهدايا، يكون بمراعاة السُّنَّةِ فيها، بأن تكون سمينة حسنة، كما قال ابن عباس، وغيره (٢).\nوتعظيم هذه الشعائر لا يقوم إلا بقلبٍ بَلَغَ من التقوى ذراها.\nفالمعظم لها، يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه، لأن تعظيمها تابعٌ لتعظيم الله وإجلاله (٣).\nوإن من أعظم شعائر الله تعالى السُّنَنَ التي سنَّها رسول الله ﷺ، فالمحافظة عليها، والوصية بها؛ من إجلال هذه الشعائر، وتعظيمها، المنبعثِ من ذوي تقوى القلوب.\n* سادسًا: أن للعاملِ بالسُّنَّةِ مِثْلَ أجرِ من تَبِعَهُ لا ينقصُ من أجرهم شيئًا:\nودليل ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٢/ ٧٠٤) عن جرير بن عبد الله قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ في صدرِ النَّهار، قال: فجاءه قومٌ حفاةٌ عراةٌ مجتابيْ النِّمارِ أو العِبَاء، متقلدي السيوف، عامَّتُهُمْ من مضر، بل كلهم من مضر.\nفتمعَّر وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى بهم من القافة.\n_________\n(١) تفسير السَّعدي ٥/ ٢٩٣.\n(٢) تفسير ابن جرير ٥١/ ١٥٦.\n(٣) تفسير السَّعدي ٥/ ٢٩٣.","vol":"1","page":53},{"text":"فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال:\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ - إلى آخر الآية - إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، تَصَدَّقَ رجلٌ من دينارِهِ، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره «حتى قال» ولو بشقِّ تمرة».\nقال «فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرِّةٍ كادتْ كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، قال: ثم تَتابَعَ الناسُ حتى رأيتُ كَوْمَيْن من طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيتُ وجه رسول الله ﷺ يتهلَّلُ، كأنهَّ مُذْهَبَة.\nفقال رسول الله ﷺ:\n«من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً، فله أجرها، وأجْرُ مَنْ عَمِلَ بها بعده. من غَيْرِ أن ينقُصَ من أُجورهم شيء ...» الحديث.\nقال النووي في «شرح مسلم» على قوله: «من سنَّ ...»:\nفيه الحثُّ على الابتداء بالخيرات ...\nوسببُ هذا الكلامِ في هذا الحديثِ أنه قال في أوَّله: فجاء رجلٌ بصُرَّةٍ كادت كَفه تعجز عنها فتتابع الناس، فكان الفضل العظيم للبادي بهذا الخير، والفاتح لبابِ هذا الإحسان. اهـ (٧/ ١٠٤).\nفإذا أحيا المسلمُ سنة، فاقتدى به غيرُه، فله أجرُ العَمَل بها، وله مثل أجرِ من اقتدى به فيها، ولا ريب أَن هذا فضلٌ كبيرٌ، ينبغي للمسلمِ أن يُدْرِكَه، فإنَّ به تحصيلَ الثوابِ العظيم من أبوابٍ كثيرةٍ.","vol":"1","page":54},{"text":"* سابعًا: في الالتزام بالسَّنَّة أمنُ الافتراق:\nفإنَّ الاجتماعَ على الَعَمَلِ بالسنُّةِ يَمْنَعُ وقوع كثيرٍ من الخلافاتِ المؤدِّية إلى العداوة والبغضاء.\nولذا فإنَّ مجتمع أهل السنَّةِ تنعدمُ فيه الفرقة المذمومة، التي تبدو ظاهرة في مجتمعات أهل البدع.\nقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:\n«والبدعةُ مقرونةٌ بالفُرْقةِ، كما أنَّ السنَّة مقرونةٌ بالجماعة» (١). اهـ.\nوقد قال تعالى:\n﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاَءَهُمُ الْبَيِّنَاَتُ ...﴾ الآية.\nقال قتادة في تفسيرها: «يعني أهل البدعِ». اهـ.\nفأهل البدع هم أهل الاختلافِ والتَّفَرّقِ، لتركهم السنَّة، واتباعهم السُّبُلَ.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: وقد سئل مالك بن أنس عن السُّنَّةِ؟\nقال: «هي ما لا اسم له غيرُ السنَّة، وتلا:\n﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. اهـ (٢).\n_________\n(١) الاستقامة ١/ ٤٢.\n(٢) الاعتصام للشاطبي ١/ ٧٧.","vol":"1","page":55},{"text":"وفيما نقل عن مجاهد في قوله تعالى:\n﴿وَلا يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.\nقال في المختلفين: «إنهم أهل الباطل».\n﴿إِلا من رحم ربك﴾، قال: فإن أهل الحقِّ ليس فيهم اختلاف. اهـ (١).\nوعن عكرمة: ﴿وَلا يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ﴾: يعني: «في الأهواء» ﴿إِلا من رحم ربك﴾: «هم أهل السنَّة».\nوروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس: «أنَّ أهل الرحمة لا يختلفون». اهـ (٢).\nوفي وصيَّة أبي العالية أنه قال:\n«... وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء».\nفقال الحسن البصري: «﵀، صَدَقَ ونَصَحَ». اهـ (٣).\nوكان إبراهيم التيمي يقول:\n«اللهم اعصمني بدينك وبسنَّةِ نبيِّك؛ من الاختلاف في الحقِّ، ومن اتباع الهوى، ومن سُبُلِ الضلالة، ومن شبهات الأمور، ومن الزَّيْغِ والخصومات» (٤).\n* * *\n_________\n(١) الدر المنثور للسيوطي ٤/ ٤٩١، والاعتصام ١/ ٨٢.\n(٢) الاعتصام ١/ ٨٣.\n(٣) البدع والنهي عنها، لابن وضاح ص: ٣٢ - ٣٣.\n(٤) الاعتصام ١/ ١١٦.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>فصل\nفي حكم ترك السنن</span>\nتقدَّم أن للحنفية اصطلاحًا خاصًا بهم في «السُّنة» فهم يفرقون بينها، وبين «النَّفْل»، ونشأ عن هذا التفريق: ترتيب حكمٍ لكلِّ واحدٍ منهما.\nقال البزدوي في أصوله:\n«والسنَنُ نوعان: سنَّة الهدى؛ وتاركها: يستوجب: إساءةً، وكراهيةً.\nوالزوائِدِ؛ وتاركها: لا يستوجب إساءة ... وأما النفلُ فما يثاب المرء على فعله، ولا يعاقب على تركه ...» اهـ.\nقال علاء الدين البخاري في شرحه لأصول البزدوي، المسمى «كشف الأسرار» (١).\n«قوله: «سنَّة الهدى» يعني: سنةً أخذها من تكميل الهدى - أي الدين - وهي التي تعلق بتركها: كراهية وإساءة ... وهي مثل: الأذانِ، والإقامة، والجماعة، والسنن الرواتب.\n_________\n(١) ٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨، ط دار الكتاب العربي، تحقيق محمد المعتصم بالله.","vol":"1","page":57},{"text":"ولهذا قال محمد - أي ابن الحسن - في بعضها: إنه يصير مسيئًا، وفي بعضها: إنه يأثم، وفي بعضها: يجب القضاء، وهي: سنَّة الفجر، ولكن لا يعاقب بتركها، لأنها ليست بفريضة ولا واجبة.\nو«الزوائد» أي: النوع الثاني: الزوائد، وهي التي لا يتعلق بتركها كراهة ولا إساءة، نحو: تطويل القراءة في الصلاة، وتطويل الركوع والسجود، وأفعاله خارج الصلاة من المشي، واللبس، والأكل.\nفإن العبد لا يطالب بإقامتها، ولا يأثم بتركها، ولا يصير مسيئًا.\nوالأفضل أن يأتي بها، كذا في بعض مصنفات الشيخ ...\nقوله: «وأما النفل فما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه».\nقال القاضي الإمام: نوافل العبادات هي التي يبتدئ بها العبدُ زيادةً على الفرائض، والسنن المشهورة.\nوحكمها: أن يثاب العبد على فعلها، ولا يذم على تركها، لأنها جعلت زيادةً له لا عليه، بخلاف السنَّة؛ فإنها طريقة رسول الله ﷺ، فمن حيث سبيلها الإِحياءُ، كان حقًا علينا، فعوتبنا على تركه». اهـ.\nومثال النفل عندهم «ما زاد على القَصْرِ من صلاة السفر» وهو الشفع الثاني، لأن العبد لا يلام على تركه رأسًا وأصلًا، ويثاب على فعله في الجملة.\nفتبيَّن بهذا أن الأقسام عند الحنفية ثلاثةٌ: سنن الهدى - ويقال لها: السنَّة المؤكدة - كالأذان، والإقامة، والسُّنَنِ المروية، والمضمضة","vol":"1","page":58},{"text":"والاستنشاق؛ وسنن الزوائد، كأذان المنفرد، والسواك، ونحوها؛ ونفلٌ ومنه: المندوب والمستحب.\nقال ابن عابدين في «حاشيته» (١):\n«... أقول: فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم، لأنه لا يكره ترك كلٌّ منهما».\nوإنما الفرق كون الأول - النفل - من العبادات، والثاني - سنن الزوائد - من العادات ... قال: وقد مثلوا لسنَّة الزوائد بتطويله ﷺ القراءة والركوع، والسجود؛ ولا شك في كون ذلك عبادة، وحينئذٍ فمعنى كون سنةِ الزوائد عادةً أن النبي ﷺ واظب عليها حتى صارت عادةً له، ولم يتركها إِلا أحيانًا، لأن السنَّة هي: الطريقة المسلوكة في الدين فهي في نفسها عبادة، وسميت عادةً لما ذكرنا.\nولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت: سنَّة زوائد، بخلاف سنَّة الهدى، وهي: السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها، لأن تركها: استخفاف بالدين، وبخلاف النفل، فإنه كما قالوا: ما شرعَ لنا زيادة على الفرض والواجب والسنَّة بنوعيها، ولذا جعلوه قسمًا رابعًا، وجعلوا منه: المندوب، والمستحب، وهو ما ورد بد دليل ندبٍ يخصه، كما في «التحرير».\nفالنفل: ما ورد به دليل ندبٍ عمومًا أو خصوصًا، ولم يواظب عليه النبي ﷺ، ولذا كان دون سنَّة الزوائد، كما صرَّح به في «التنقيح». وقد\n_________\n(١) ١/ ١٠٣، ط ٢ الحلبي، عام ١٣٨٦ هـ.","vol":"1","page":59},{"text":"يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب، ومنه قولهم: باب الوتر والنوافل، ومنه تسمية الحج نافلةً ... إلخ». اهـ.\nوتبيَّن أن الأحكام المترتبة على هذه الأقسام كما يلي:\nأما سنن الهدى: فإن فاعلها يثاب، وتاركها بلا عذرٍ - على سبيل الإصرار - يستحق الحرمان من الشفاعة (١)، ويستوجب اللوم، والتضليل لاستخفافه بالدين.\nأما سنن الزوائد: فإنه يثاب على فعلها، ولا يستوجب تاركها إساءة ولا كراهة.\nأما النفل فحكمه حكم السنن الزوائد (٢).\nبقي مسألة، وهي: هل يلحق تارك سنن الهدى - عندهم - الإثمُ، أو لا؟\nنَقَلَ علاء الدين البخاري في «كشف الأسرار» (٣)، عن أبي اليسر أنه قال:\n«وأما السنَّة فكل نَفْل واظب عليه رسول الله ﷺ مثل التشهُّد في الصلوات، والسنن الرواتب.\n_________\n(١) اعتمادًا على حديث يذكره فقهاء الأحناف، لفظه: (من ترك سنتي لم ينل شفاعتي) ولم أقف على إسنادٍ له، وقد أنكره بعض الحنفية المعاصرين.\n(٢) وهنا تفاصيل أخرى عند الحنفية لا فائدة هنا من ذكرها، كالخلاف في المستحب والمندوب هل يرادفان النفل أم لا؟ والمستحب والمندوب هل هما مترادفان أم لا؟ ...\n(٣) ٢/ ٥٦٣.","vol":"1","page":60},{"text":"وحكمها: أنه يندب إلى تحصيلها، ويلام على تركها، مع لحوقِ إثمٍ يسير». أهـ.\nونقل ابن عابدين في «حاشيته» (١) عن كتاب «البحر» أنه قال:\n«الذي يظهر من كلام أهل المذهب: أن الإثم منوط بترك الواجب أو السنَّة المؤكدة على الصحيح، لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس، قيل: لا يأثم، والصحيح أنه يأثم، ذكره في «فتح القدير»». اهـ.\nهذا مجمل تأصيل الحنفية في هذا المسألة، وما ذكروه من الأمثلةِ المندرجة تحت «التقسيم» فهو باعتبار ما رجّحوه وذهبوا إليه، فتنبه لذلك، لئلا يقع عندك إشكالٌ.\nوقد وافقهم في الحكم بالتأثيم أفراد من علماء المذاهب الأخرى، منهم القاضي من الحنابلة (٢)، وغيره.\n* * *\n\nأما الجمهور فإنهم يصرِّحون بحكم السنَّة المرادفةِ للمندوبِ والنفل والمستحب في ضمن تعريفاتهم لها، فيقولون: هي «ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه» (٣).\n_________\n(١) ١/ ١٠٤.\n(٢) الفروع لابن مفلح (٦/ ٥٦٠)، ط آل ثاني.\n(٣) الحكم التكليفي في الشريعة الإسلامي، للبيانوني، ص: ١٧١، ط ١ دار القلم - دمشق.","vol":"1","page":61},{"text":"إِلاَّ أنَّ هناكَ سننًا - كالوترِ وركعتي الفجر - يُشدِّدون في تركها مطلقًا.\nكما أنَّهُمْ يُسَوِّغونَ: الإنكار على مَنْ تركَ سنةً ولو لم تصل إلى درجة «الوتر» ونحوه.\nفمن الأول: قول الإمام مالك في «الوتر»: «ليس فرضًا؛ ولكن من تركه أُدِّبَ، وكانت جرحةً في شهادته» (١). اهـ.\nوقال الإمام أحمد: «من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل شهادته (٢)». اهـ.\nقال ابن مفلح في «الفروع» (٣):\n«وإنما قال هذا فيمن تركه طول عمره، أو أكثره؛ فإنه يُفَسَّقُ بذلك، وكذلك جميع السنن الراتبة إذا داومَ على تركها.\nلأنه بالمداومة يحصلُ راغبًا عن السنة، وقد قال ﷺ: «من رغب عن سنتي فليس مني».\nولأنه بالمداومة تلحقُهُ التهمة بأنه غير معتقدٍ لكونه سنَّةً، وهذا\n_________\n(١) هكذا نقل ابن حزم (٢/ ٣١٤)، هذا القول ونسبه إلى مالك، والمشهور عند المالكية، قول سحنون: يجرح تاركه، وقول أصبغ: يؤدب، انظر شرح العلامة زرّوق على الرسالة ١/ ١٨٤، ط ١ الجمالية بمصر.\n(٢) المغني (٢/ ٥٩٤)، ط ١ هجر تحقيق الدكتورين: عبد الله بن عبد المحسن التركي، وعبد الفتاح الحلو.\n(٣) ٦/ ٥٦٠ - ٥٦١.","vol":"1","page":62},{"text":"ممنوعٌ منه، ولهذا قال ﵇: «أنا بريء من كلِّ مسلمٍ بين ظهراني المشركين لا تتراءى ناراهما» (١).\nوإنما قال ذلك لأنه متّهم في أنه يكثّر جمعهم، ويقصد نصرهم، ويَرْغب في دينهم.\nوكلام أحمد خُرَّج على هذا.\nوكذا في «الفصول»: الإدمان على ترك هذه السنن الراتبة غير جائز، واحتجّ بقول أحمد في الوتر، لأنه يُعَدّ راغبًا عن السنة.\nوقال بعد قول أحمد في الوتر: وهذا يقتضي أنه حكم بفسقه.\nونَقَلَ جماعةٌ: مَنْ تركَ الوتر ليس عدلًا ...» اهـ.\nوقال النووي في «روضة الطالبين» (٢):\n_________\n(١) (٣ (أخرجه أبو داود في الجهاد من سننه (٣/ ١٠٤)، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله بلفظ (أبا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: لا تَرَاءى نارَاهُما).\n\nقيل معناه: لا يستوي حكماهما، وقيل: إن الله قد فرق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن يساكن الكفار في بلادهم، حتى إذا أوقدوا نارًا كان منهم بحيث يراها ... اهـ. من الخطابي (٣/ ٤٣٧) معالم السنن.\nوالحديث أخرجه الترمذي في كتاب السير من جامعه (٥/ ٣٢٨، رقم ١٦٠٤)، عن قيس، عن جرير به.\nوعن قيس مرسلًا، قال: وهو أصح ... إلخ، وقد رواه النسائي ٨/ ٣٦ مرسلًا، وهو الذي رجحه الأئمة: البخاري، والدارقطني، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي.\n(٢) (١١/ ٢٣٣) ط المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":63},{"text":"«... ومن اعتاد تركها - أي السنن الرواتب ... - ردَّت شهادتُهُ، لتهاونه بالدين، وإشعارِ هذا بقلَّة مبالاته بالمهمَّات.\nوحكى أبو الفرج في غير الوترِ وركعتي الفجر: وجهان؛ أنه لا تُرَدُّ شهادته باعتياد تركها». اهـ.\nوقد سئل الرَّمْلي عن القولين اللذين حكاهما أبو الفرج أيهما المعتمد؟ فأجاب: بأن المعتمد عدم ردِّ شهادته، وهو مقتضى قولهم: المداومة على ترك السنن الراتبة وتسبيحات الصلاة: يقدح في الشهادة». اهـ (١).\n* * *\n\nوقال شيخ الإسلام:\n«الوتر سنَّة مؤكدة باتفاق المسلمين، ومن أصرَّ على تركه فإنه تردُّ شهادته.\nثم حكى تنازع العلماء في وجوبه وقال: لكن هو باتفاق المسلمين سنَّة مؤكدة، لا ينبغي لأحدٍ تركه». اهـ (٢).\nوسئل - ﵀ - عمَّن لا يواظب على السنن الرواتب:\nفأجاب: «من أصرَّ على تركها دلّ ذلك على قلَّةِ دينه، وردّت شهادته في مذهب أحمد، والشافعي، وغيرهما». اهـ (٣).\n_________\n(١) فتاوى الرملى - هامش فتاوى الهيتمي الكُبْرى - ٤/ ١٥١، تصوير: دار الكتب العلمية، ولعل صواب العبارة: (المعتمد ردُّ شهادته).\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٣/ ٨٨.\n(٣) المصدر السابق ٢٣/ ١٢٧.","vol":"1","page":64},{"text":"وقال - أيضًا -:\n«... حتى أنّ من داوم على ترك السنن التي هي دون الجماعة سقطت عدالتُهُ عندهم ولم تقبل شهادته، فكيف بمن يداوم على ترك الجماعة؟ فإنه يؤمر بها باتفاق المسلمين، ويلامُ على تركها، فلا يُمَكَّنُ من حُكمٍ ولا شهادة ولا فتيًا مع إصراره على ترك السنن الراتبة، التي هي دون الجماعة، فكيف بالجماعة ...» اهـ (١).\nوقال الشاطبي في «الموافقات» (٢):\n«إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكلِّ، كالأذان في المساجِدِ الجوامِع، أو غيرها ... وصدقة التّطوُّع، والنكاح، والوِتْر ... وسائر النَّوافل الرواتب؛ فإنها مندوبٌ إليها بالجزء، ولو فُرِضَ تَرْكُها جُمْلَةً: لَجُرِحَ التارِكُ لها، ألا ترى أنّ في الأذان إظهارًا لشعائر الإسلام، ولذلك يستحِقُّ أهل المصر القِتَالَ إذا تركوهُ ... والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع، من تكثِيْرِ النَّسْلِ، وإبقاءِ النَّوع الإنسانيّ، وما أشبهَ ذلك.\nفالتركُ لها جملة: مؤثِّر في أوضاع الدِّينِ إذا كان دائما، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور من الترك». اهـ.\n* * *\n\nومن الثاني: - وهو تسويغ الإنكار على منْ ترك السُّنَنَ - ما ذكره\n_________\n(١) المصدر السابق ٢٣/ ٢٥٣.\n(٢) ١/ ٧٩ - ٨٠، ط محمد محيي الدين عبد الحميد.","vol":"1","page":65},{"text":"الحنابلة - رحمهم الله تعالى - من أن إنكار المنكر قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا.\nفيكون واجبًا إذا تُرِكَ الواجبُ، وفُعل الحرامُ.\nويكون مندوبًا إذا تُرِكَ المندوبُ، وفُعل المكروه.\nوهذا أيضًا عند غير الحنابلة، كما ذكره العلامة ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١).\nقال النووي في شرح مسلم (٢) على حديث أبي هريرة في إنكار عمر على عثمان - ﵃ - عندما تأخَّرَ عن التكبير لصلاة الجمعة، وعندما تركَ الغُسْلَ لها:\n«فيه ... الإنكار على مخالف السنَّة، وإن كان كبير القدر». اهـ.\nوقال عليه الحافظ في «الفتح» (٣):\n«وفي هذا الحديث من الفوائد ... وإنكار الإمام على من أخلَّ بالفضل وإن كان عظيم المحلّ، ومواجهتُهُ بالإنكار ليرتدعَ مَنْ هو دونه بذلك». اهـ.\nوقال الحافظ - أيضا - في معرض المناقشة:\n«الإنكار قد يقع على ترك السُّنَّة». اهـ (٤).\n* * *\n_________\n(١) ١/ ١٩٤، ط ١ المنار، عام ١٣٤٨ هـ.\n(٢) ٦/ ١٣٤ ط الحلبي.\n(٣) ٢/ ٣٦٠.\n(٤) الفتح ٢/ ٢١٠.","vol":"1","page":66},{"text":"فصل\nوقد وردت أحاديث وآثار تتضمَّن اللوم والإنكار على من ترك سُنَّة، نذكر طرفًا منها، وكلام أهل العلم عليها:\nفمن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا - وفي رواية له «رأى رسول الله ﷺ قومًا في مؤَخَّر المسجد» - فقال لهم:\n«تقدَّموا، فائتموا بي، وليأتم بكم مَنْ بعدكم؛ لا يزال قوم يتأَخَّرون حتى يؤخِّرهم الله».\nقال النووي في «شرحه»:\n«حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته، أو عظيم فضله، ورفْع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك». اهـ.\nوقال ابن علان في «دليل الفالحين» (٢):\n«[لا يزال قومٌ يتأخرون] أي عن اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل [حتى يؤخرهم الله] عن رحمته، وعظيم ثوابه، وفضله، ورفيع\n_________\n(١) ٤/ ١٥٨.\n(٢) ٣/ ٥٨٣.","vol":"1","page":67},{"text":"منزلةِ أهل قربه، حتى يكون عاقبة أمرهم النار، كما جاء في رواية».اهـ.\nوالرواية التي أشار إليها، هي ما رواه عبد الرزاق في المصنف «٢/ ٥٢» قال: أخبرنا عكرمة بن عمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال قومٌ يتخلفون عن الصفِّ الأول حتى يخلِّفَهُمُ الله في النار».\nوأخرجه من طريق عبد الرزاق: أبو داود في سننه «١/ ٤٣٨» - وبوّب عليه: باب كراهية التأخُر عن الصفِّ الأول -، وابنُ خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٧) - وبوَّب عليه: باب التغليظ في التخلُّف عن الصف الأول -، وابنُ حبان في صحيحه «٥/ ٥٢٩ / الإحسان» وغيرهم. وإسناده ضعيف، عكرمة بن عمَّار اليَمَامي مضعَّفٌ في روايته عن يحيى بن أبي كثير عند الأئمة.\nومنها ما رواه البخاري في صحيحه - باب إثم من لم يتم الصفوف - عن أنس - ﵁ - أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ مِنَّا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال:\n«ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف».\nوالاحتجاج بهذا الحديث على ما نحن فيه ينبني على قولِ من قال: إن تسوية الصفوفِ مستحبَّة لا واجبةٌ.\nقال الحافظ في «الفتح» (١):\n_________\n(١) ٢/ ٢٠٩ (الفتح).","vol":"1","page":68},{"text":"«ونازعَ - ابن حزمٍ - من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصفّ، وبما صحَّ عن سويد بن غفلة قال: «كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة»، فقال: ما كان عمر وبلالُ يضربانِ أحدًا على تركِ غير الواجب، وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التَّعْزِيْرَ على تركِ السُّنةِ». اهـ.\nوقال الحافظ - أيضًا - على حديث أنسٍ مرفوعًا: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»:\n«واستدلَّ ابن حزم (١) بقوله: «إقامة الصلاة» على وجوب تسوية الصفوف قال: لأن إقامة الصلاة واجبةٌ، وكل شيء من الواجب واجبٌ.\nولا يخفى ما فيه، ولا سيما وقد بيّنا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة.\nوتمسَّك ابن بطّال بظاهر لفظ أبي هريرة: (فإن إقامة الصف من حُسْنِ الصلاة» فاستدلّ به على أنَّ التسويةَ سنَّة، قال: لأن حُسْنَ الشَيءِ زيادة على تمامه.\nوأُورِدَ عليه رواية «من تمام الصلاة».\nوأجاب ابنُ دقيق العيد، فقال: قد يؤخذ من قوله: «تمام الصلاة» الاستحباب، لأنَّ تمام الشيء في العرفِ أمرٌ زائدٌ على حقيقته التي لا يتحقَّق إِلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمُّ\n_________\n(١) ينظر (المحلَى) ٤/ ٧٥، ط مكتبة الجمهورية العربية.","vol":"1","page":69},{"text":"الحقيقةُ إلا به. كذا قال!! وهذا الأخذ بعيدٌ، لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دلّ عليه الوضع في اللسانِ العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عُرْف الشارع، لا العرف الحادث. اهـ (١).\nأما حديث: «لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم».\nفقد اختلف في هذا الوعيد هل يحمل على الحقيقة أم المجاز؟ فمن حَمَلَهُ على الحقيقة لزمه القول بالوجوب» (٢).\nهذا وقد حكى ابن رشد الإجماعَ على عدم الوجوب، فقال في «بداية المجتهد» (٣):\n«أجمع العلماء على أنَّ الصفَّ الأول مُرَغَّبٌ فيه، وكذلك: تراص الصفوفِ وتسويتها، لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله ﷺ». اهـ. وعلى كلّ فإن المسألة ليس هذا موضع بسطها؛ إلا أن المقصود بها هنا: أن جماهير الأمَّة يرون سُنِّيَّة تراصِّ الصفوفِ وينكرون على من خالفها.\nفتحصَّل المراد، وهو: الإنكار على من خالف السنن، عند العلماء.\nومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث عليَّ بن حُسَيْن، أن حُسَيْن بن عليَّ أخبره، أنَّ عليَّ بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله ﷺ طرقَه وفاطمةَ بنتُ النبي ﷺ ليلةً، فقال: «ألا تصليان؟» فقلتُ: يا رسول الله\n_________\n(١) فتح الباري ٢/ ٢٠٩.\n(٢) ينظر الفتح ٢/ ٢٠٧.\n(٣) ١/ ١٨٧، ط دار الكتب الحديثة.","vol":"1","page":70},{"text":"أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلتُ ذلك، ولم يرجعْ إليَّ شيئًا، ثم سمعتُهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخذَه، وهو يقول:\n﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.\nوأخرجه النسائي في سننه «٣/ ٢٠٦» باب الترغيب في قيام الليل من طريق ابن إسحاق، حدثني حكيم بن حكيم، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده عليّ بن أبي طالب قال:\nدخل عليَّ رسول الله ﷺ وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هَوِيًّا من الليل فلم يسمع لنا حِسًّا فرجع إلينا فأيقظنا، فقال: «قوما فصَليا» قال: فَجَلَسْتُ وأنا أعْرُكُ عيني، وأقول: إِنا واللهِ ما نُصَلِّي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفُسُنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا: قال: فَوَلّى رسولُ الله ﷺ وهو يقول - ويضربُ بيده على فخِذِهِ -: ما نُصَلِّي إلا ما كَتَبَ الله لنا.\n﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.\nوقد اختلف أهل العلم في قول النبي ﷺ هذا، هل هو إنكارًا على عليّ - ﵁ - أو تعجب من سرعة جوابه ...، أو تسليم لعذرهما وأنه لا عتب عليهما.\nوالراجح - والله أعلم - ما اختاره العلامة السندي في «حاشيته على سنن النسائي» حيث قال على قوله: وهو يقول:\n﴿وَكَانَ اَلإِنَسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.\n«إنكارٌ لجدل عليّ، لأنه تمسَّك بالتقدير والمشيئة في مقابلة","vol":"1","page":71},{"text":"التكليف وهو مردودٌ، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله. نعَم: التكليف ههنا ندبي لا وجوبي، فلذلك انصرف عنهم وقال ذلك. ولو كان وجوبيًا لما تركهم على حالهم، والله تعالى أعلم». اهـ (١).\n* * *\n\nومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤٦٣)، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال:\n«ما قعد قومٌ مقعدًا لا يذكرون الله ﷿ ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب».\nوهو في سنن أبي داود (٥/ ١٨٠) بلفظ:\n«ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة».\nوفي سنن أبي داود - أيضًا - بلفظ:\n«من قعد مقعدًا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة».\nقال الهيثمي في المجمع «١٠/ ٧٩» عن إسناد الإمام أحمد: «رجاله رجال الصحيح». اهـ.\nوقال النووي في الأذكار «ص: ٢٥٥»، عن إسناد أبي داود للفظ\n_________\n(١) حاشية السندي ١/ ٢٣٩، ط الميمنية - بهامش السنن - عام ١٣١٢ هـ.\nوينظر الخلاف في: شرح النووي على مسلم (٦/ ٦٥)، وفتح الباري (٣/ ١١).","vol":"1","page":72},{"text":"الأول: «إسناده صحيح». اهـ.\nوقد أخرجه الترمذي في سننه «٥/ ٤٦١» من طريق سفيان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال:\n«ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم».\nقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». اهـ.\nوقال الحاكم «١/ ٤٩٦» «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وصالح ليس بالساقط». اهـ.\nفتعقبه الذهبي، وقال: «قلت: صالحٌ ضعيف». اهـ.\nوهو قد اختلط، ورواية سفيان الثوري عنه بعد الاختلاط، كما نص على ذلك ابن معين، وغيره.\nومما يَدُلُّ على أنه لم يتقن لفظ هذا الحديث أن الإمام أحمد رواه من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليه ترة» «٢/ ٤٥٣».\nوابن أبي ذئب سمع من صالحٍ قبل أن يُخرِّف، قاله ابن معين.\nوقال الجوزجاني: «سماع ابن أبي ذئبٍ منه قديم». اهـ (١).\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٢/ ٣٠٣).","vol":"1","page":73},{"text":"ورواه الإمام أحمد أيضًا «٢/ ٤٩٥» من طريق زياد بن سعد أن صالحًا مولى التوأمة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا قعد القوم في المجلس، ثم قاموا ولم يذكروا الله فيه كانت عليهم فيه حسرة يوم القيامة». وزياد قد سمع من صالح قبل الاختلاط نص على ذلك ابن عدي (١).\nفجعل الأحاديث السابقة مقوِّيةً لحديث صالح هذا بهذا اللفظ: لا يصحُّ، لأننا - حسب اطلاعنا - أدركنا أنه لم يتقن اللفظ.\nفإن تبَّين أنه قد أتقن فالحديث لا يدلُّ على الوجوب، فقد قال ابن علان في «شرح الأذكار» (٢) عند قوله في الحديث: «فإن شاء عذَّبهم»: أي على ذنوبهم الماضية، لا على ترك الذكر، فإنه ليس بمعصيةٍ، كذا في «الحرز».\nوقيل: إنه على سبيل الزجر والتهديد، إذ لله أن يعذب من غير ذنبٍ، فكيف وتفويتُ ذكره، والصلاة على أفضل خلقه، بالكلمات التي تجري في المجالس الموجبة للعقوبة غالبًا في غايةٍ من التفريط والاستهتار بجانب الحق سبحانه ورسولِهِ ﷺ. فعُلِمَ أن ذلك المجلس لما كان مظنَّة للذنب نزل ما وقع فيها منزلةَ الذنب، فهُدِّدوا بذلك تنفيرًا للناسِ عن خلوَّ مجالسهم عن أحد الأمرين: الذكر، أو الصلاة على النبي ﷺ». اهـ.\n_________\n(١) الكامل (٤/ ١٣٧٦).\n(٢) ٦/ ١٧٥.","vol":"1","page":74},{"text":"«قال الخطابي في «معالم السنن» (١):\n«أصل الترة: النقص - ومعناها ههنا: التَّبِعَةُ». اهـ.\nوقال النووي: «ترة» أي نقص، وقيل: تبعة، ويجوز أن يكون حسرة، كما في الرواية الأخرى». اهـ (٢).\n* * *\n\nومن ذلك ما اتفقا عليه من حديث أبي هريرة، قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذْ دخل عثمان بن عفان، فعَرَّض به عمر، فقال: ما بالُ رجالٍ يتأخَّرُوْنَ بعد النِّداء! فقال عثمان: يا أمير المؤمنين؛ ما زدْتُ حين سمعتُ النِّداء أنْ توضأتُ، ثم أَقْبَلتُ، فقال عمر: والوضوء أيضًا! ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول:\n«إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل».\nهذا لفظ مسلم.\nوقد تقدم ذكر كلام النووي وابن حجر على الحديث، حيثُ استنبطوا منه: الإنكار على مخالف السنَّة، وإن كان كبير القدر (٣).\nقال الحافظ:\n«واستُدِل به على أنَّ غُسْل الجمعة واجبٌ؛ لقطع عمر الخطبةَ، وإنكاره على عثمان تركه.\n_________\n(١) ٧/ ٢٠١.\n(٢) الأذكار - مع الشرح - ٦/ ٧٥.\n(٣) انظر ص: ٦٦ من هذه الرسالة.","vol":"1","page":75},{"text":"وهو متعقب: لأنه أنكر عليه تركِ السُّنَّة المذكورة، وهي: التبكير إلى الجمعة، فيكون الغسل كذلك». اهـ (١).\n* * *\n\nومن ذلك ما رواه سعيد بن منصور في «سننه»، عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه قال:\n«ما أصبح رجلٌ علي غير وترٍ إلا أصبح على رأسه جريرٌ، قَدْرَ سبعين ذراعًا».\nقال الحافظ في «الفتح» (٢). «إسناده جيد». اهـ.\nوالجرير: حَبْلٌ من أَدَمٍ نحو الزِّمام، قاله ابن الأثير في «النهاية» ١/ ٢٥٩.\n* * *\n_________\n(١) الفتح ٢/ ٣٦٠.\n(٢) ٣/ ٢٥.","vol":"1","page":76},{"text":"فصل\nوقد ذهب ابن حزمٍ إلى إنكار ما تقدم من لحوق اللومِ والعتاب على من ترك السنن.\nقال في «المحلى» (١) على قول الإمام مالك في الوتر: «ليس فرضًا، ولكن من تركه أُدِّبَ، وكانت جُرْحةً في شهادته».\nقال أبو محمد: «وهو خطأٌ بيِّن، لأنه لا يخلو تاركه أن يكون عاصيًا لله ﷿ أو غير عاصٍ؛ فإن كان عاصيًا لله تعالى فلا يعصي أحد بترك ما لا يلزمه وليس فرضًا؛ فالوتر إذن فرضٌ، وهو لا يقول بهذا.\nوإنْ قال: بل هو غير عاصٍ لله تعالى.\n\nقيل: فمن الباطلِ أنْ يُودَّبَ من لم يعصِ الله تعالى، أو أن تجرح شهادة مَنْ ليس عاصيًا لله ﷿؛ لأن من لم يعصِ الله ﷿ فقد أحسن، والله يقول:\n﴿مَا عَلَى اُلمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾. اهـ.\nوقد استدل ابن حزم على هذا بما أخرجه من طريق مسلم بن الحجَّاج، ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي سهيل بن\n_________\n(١) ٢/ ٣١٤.","vol":"1","page":77},{"text":"مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله ﷺ» «خمس صلواتٍ في اليوم والليلة» قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تتطوع ...»، وذكر باقي الحديث: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق».\nوقد اتفق الشيخان على إخراجه من طريق مالكٍ.\nوأخرجه البخاري في كتاب الصيام من صحيحه، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله، به، وفيه: قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك بالحقِّ لا أتطوَّع شيئا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا ...\nقال ابن حزمٍ: «وهذا نص من رسول الله ﷺ على قولنا، وأنه ليس إلا واجب أو تطوُّع، فإن ما عدا الخمس فهو تطوُّع؛ وهذا لا يسع أحدًا خلافه». اهـ.\nوقد جعل ضابط الواجبِ: بأن مَنْ تركه عامدًا كان عاصيًا لله تعالى.\nوالتطوُّع: ما إن تركه المرء عامدًا لم يكن عاصيًا لله تعالى.\nأقول: إن مما لا ريب فيه أن مَنْ أتى بهذه الفرائض كما أمره الله تعالى، تامَّةَ الأركان والشروط والواجبات: فهو مفلحٌ إن شاء الله تعالى، داخلٌ الجنَّةَ.\nإلا أن هذا ليس مانعًا من إلحاق اللوم به، كما تقدم في حديث","vol":"1","page":78},{"text":"أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ أنه قال: «ما قعد قومٌ مقعدًا لا يذكرون الله ﷿ ويصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرةً يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب».\nولذا قال النووي - ﵀ - في «شرح مسلم» (١) على هذا الحديث:\n«ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة، مع أنه لا يخِلٌّ بشيءٍ من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك وإن كانت مواظبته على تركِ السنن مذمومةً وتردُّ بها الشهادة، إلا أنه ليس بعاصٍ، بل هو مفلحٌ ناجٍ، والله أعلم». اهـ.\nولهذا فإن ابن عمر لما كان محافظًا على الفرائض تاركًا لقيام الليل حُذِّر في منامه، حيث رأى أن ملكين أخذاه فذهبا به إلى النار، قال: فإذا هي مطويَّة كطيَّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناسٌ قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا مَلَكٌ آخر، فقال لي: لَمْ تُرَعْ.\nفقصصتُها على حفصة، فقصتها حفصةُ على رسول الله ﷺ، فقال: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلًا.\nوقد بوَّب عليه البخاري في كتاب التهجد من «صحيحه»: باب فضل قيام الليل (٢).\n_________\n(١) ١/ ١٦٧.\n(٢) (٣/ ٦ فتح)، ورواه مسلم في فضائل الصحابة (١٦/ ٣٨ نووي).","vol":"1","page":79},{"text":"قال المهلب: «إنَّما فسَّرها بقيام الليل لأنه لم يَرَ شيئا منه يغفل عنه من الفرائض، فُيذَكَّرُ بالنار، وعَلِمَ مبيته في المسجد، فعبَّرَ ذلك بأنه مُنَبِّهٌ على قيام الليل» (١). اهـ.\nوفي الحديث إيماءٌ إلى أن قيام الليل ينجي من النار.\nوقد تقدم ذكر بعض الأحاديث، الآثار، وكلام العلماء، في هذا الشأن فأغنى عن إعادته.\nهذا وقد تعدَّدت مناهج العلماء في الإجابة عن حديث الأعرابي، وكلها لا تخلو من نقدٍ.\nوعندي أن أولاها بالتأمل - فيما يتعلَّق بترك النوافل فقط - ما ذكره الشيخ محمد أنور الكشميري في «شرحه لصحيح البخاري» (٢) حيث قال:\n«والوجه عندي: أن هذا الرجل جاء إلى صاحب الشريعة، واسترخص منه بلا واسطة، فَرَخَّص له الشارع خاصةً «في ترك النفل» فيصير مستثنى من القواعد العامة، كما في الأضحية: «ولا تجزيء عن أحد بعدك».\nوهذا بابٌ يعلمه أهل العرفِ، فلا أثر له على القانون العام». اهـ.\n_________\n(١) دليل الفالحين لابن علان ٣/ ٦٥٢.\n(٢) فيض الباري على صحيح البخاري ١/ ١٣٨ بواسطة نقل مؤلف (الحكم التكليفي) ص: ١٧٨.","vol":"1","page":80},{"text":"وهذا التخصيص إنما لَجَأَ إليه: توفيقًا بين النصوصِ الآمرة بالتمسك بالسنن، والحاثَّةِ على العمل بها، وبين هذا النصّ القاضي ظاهُره: بأن لأفرادِ الأمةِ أن يعقدوا العزم على ترك السنن مطلقًا إذا حافظوا على الفرائض، وهذا - والله أعلم - يتنافى مع حث الشارع على السنن، وترغيبه فيها ... فوجب حمله على الخصوصية.\nأما ما ذكره ابن حزم عن سعيد بن جبير أنه سئل عن من لم يوتر حتى أصبح؟ قال: سيوتر يومًا آخر.\nفيحمل على من تركه المداومة على الترك، أو على أنه لا يرى قضاء الوتر، ثم إنه معارضٌ بإنكار عمر على عثمان ترك سنَّة التكبير إلى الجمعة وهي دون الوتر، فكيف به؟\nوأما ما ذكره عن سعيد بن المسيب: أنه سأله رجل عن الوتر؟ فقال سعيد: أوتر النبي ﷺ، وإن تركت فليس عليك، وصلى الضحى، وإن تركت فليس عليك ...\nفهذا فيه نفيٌ للوجوب، ولا خلاف فيه عندنا؛ وإنما الكلام في مقام الإنكار واللوم على من داوم على ترك السنن.\nوأما قول ابن حزم - بعد إيرادِ قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو: «يا عبد الله لا تكن مثل فلانٍ كان يقوم من الليل فترك قيام الليل»، وقوله ﵇ لحفصة عن أخيها عبد الله بن عمر - رضي الله عن جميعهم -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» -: إنَّ هذه الأوامر كلها ندبٌ، لا يجوز غير ذلك». اهـ.","vol":"1","page":81},{"text":"فهو كذلك، ولكنَّ ابن عُمَرَ خُوِّف - في المنام - على تركه هذا المندوب بالنار، وذمَّ النبي ﷺ الرجل الذي ترك قيام الليل، حيث نهى عبد الله بن عمرو أن يكون مثله (١).\nففي هذا دلالة على ذمَّ تارك السّنَّة، من غير لحوقِ إثمً عليه.\nوفي المصنف لابن أبي شيبة «١/ ٢٤٤» في باب من يقول إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك من أبواب الصلاة، أن سعد بن أبي وقاصٍ ضَرَبَ يَدَ ابنِه مصعب لَمّا جعل يديه بين ركبتيه في الركوع، وقال: «كنا نفعل هذا ثم أمرنا بالركب».\nوفيه في باب من كان يطبق يديه بين فخذيه: أن عبد الله بن مسعود ضَرَبَ يد الأسود لما وضعها على ركبتيه.\nوليس وضع اليدين على الركبتين، ولا بينهما من واجبات الصلاة، وقد ضَرَبَ ابنُ مسعود وسعدٌ على ذلك إنكارًا على من خالف السنَّة (٢).\nفثبت بذلك أن تارك السنن يعاتب ويلام، والله تعالى أعلم.\n_________\n(١) وقع في فهارس مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٣٧/ ٧٢) ما نصه: (لو ترك الرجل قيام الليل لم يكن مبتدعًا، ولا مستحقًا للذم والعقاب). اهـ. وبالرجوع إلى المحال عليه، وهو (٢٣/ ٩٥) تبين أن العنوان غير مطابق لمضمون الكلام: (بل لو ترك الرجل ما هو أثبت منها كتطويل قيام الليل كما كان النبي ﷺ يطوله ... لم يكن خارجًا عن السنةَّ، ولا مبتدعًا، ولا مستحقاَّ للذم). اهـ.\n(٢) والصحيح ما ذهب إليه سعدٌ، لثبوت نسخ التطبيق، وإنكار كل واحدٍ منهما باعتبار ما يعتقد سنيته.","vol":"1","page":82},{"text":"وقد ذكر الشاطبي في «الاعتصام» (١): عن أبي محمد عبد الله بن منازل، أنه قال:\n«لم يُضَيِّع أحدٌ فريضة من الفرائضِ إلا ابتلاه الله بتضييع السُّنَنِ، ولم يُبْتَلَ بتضييعِ السُّنَنِ أحدٌ إلا يوشك أن يبتلى بالبدع». اهـ.\nوفي «سير إعلام النبلاء» (٢) في ترجمة إبراهيم بن يزيد التيمي أنه قال:\n«إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغْسِلْ يدَك منه».\n\n* * *\n_________\n(١) ١/ ١٣٠ ط دار ابن عفان.\n(٢) ٥/ ٦٢ ط مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>فصل\nفي قواعد للتعامل مع السنَّة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القاعدة الأولى:\nيُعْمَلُ بالسنَّةِ ولو هجرها الناس</span>\nكثيرًا ما يحصل عند بعض المحبين للسنَّةِ تَردُّد في إحياءِ سُنَّةٍ لا وجود لها في مجتمعه، يدفعه إلى ذلك خجل، أو نحو ذلك.\nألا فليعلم هؤلاء أنَّ إحياءهم السنَّة في هذه الحالةِ أفضلُ بأضعاف مضاعفة من العَمَلِ بها في مجتمعٍ متمسكٍ بالسنَّة.\nوقد تقدم قوله ﷺ: «إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم»، قالوا: يا نبيَّ الله أومنهم؟ قال: «بل منكم».\nوما أحسن ما قاله الشيخ سليمان بن سحمان في ردِّه على من أنكر سنَّة رفعِ الصوت بالذكر بعد السلام (١).\n«فلو كان كلُّ ما تُرِك من السُّنَنِ القوليَّة والفعليَّة، مما كان على عهد\n_________\n(١) تحقيق الكلام في مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام، ص: ٦٢، ط دار العاصمة بالرياض.","vol":"1","page":84},{"text":"رسول الله ﷺ - مما تَسَاهَل الناس بتركِ العمل به، من الأمور التي يثاب الإنسان على فعلها، ولا يعاقب على تركها - إذا أَخْبَرَ بها مُخْبِرٌ أنها سُنَّةٌ مهجورة غير معمولٍ بها: أن المخبر بذلك مشوشٌ على الناسِ إذا عَمِلَ به ... لانْسدَّ باب العلم، وأُميتت السُّنَن؛ وفي ذلك من المفاسِدِ ما لا يحصيه إلا الله». اهـ.\nولقد صدق - ﵀ - فأي مفسدةٍ أعظم على أهل الإسلام والسنَّةِ من موتِ سُنَّةٍ كانت من هدي المصطفى ﷺ، حتى لا تعلم الأجيال بها، ولو فعلتْ عندهم لأنكروها.\nوقد روى الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١) أن عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى رَبِيْعَةَ، قال: فتذاكروا يومًا السُّنَن، فقال رجلٍ كان في المجلس: ليس العَمَلُ على هذا.\nفقال عبد الله: أرأيت إن كَثُرَ الجُهَّال حتى يكونوا هم الحكام أَفَهُم الحجَّة على السنُّةِ؟!\nفقال ربيعةُ: أشهد أنَّ هذا كلامُ أبناء الأنبياء. اهـ.\nوما موت السنَّة إلا علامةُ ظهور البدع وفشوّها، كما قال ابن عباسٍ - ﵄ -: «ما يأتي على الناس من عامٍ إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنَّة، حتى تحيا البدعُ وتموت السنن».\nرواه ابن وضاح في «البدع والنهي عنها» (٢).\n_________\n(١) ١/ ١٤٦.\n(٢) ص: ٣٨ - ٣٩، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٦١٠)، وقال الهيثمي (١/ ١٨٨) رجاله موثقون.","vol":"1","page":85},{"text":"وترك السنن يفضي إلى عدم معرفتها، كما هو مشاهدٌ، وقد قال شيخ الإسلام:\n«يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد تركِ استحبابه؛ ومعرفة استحبابه فرضٌ على الكفاية؛ لئلا يضيع شيءٌ من الدين». اهـ (١).\nورحم الله ابنَ القيم إذْ يقول:\n«ولو تركتِ السُّنَنُ لِلعَمَلِ لتعطَّلَت سنن رسول الله ﷺ، ودرسَتُ رسومها وعفتْ آثارها.\nوكم من عملٍ قد اطرد بخلاف السنَّة الصريحة على تقادم الزمان، وإلى الآن.\nوكل وقتٍ تتركُ سنَّة، ويعمل بخلافها، ويستمرُّ عليها العمل، فتجد يسيرًا من السنَّة معمولًا به على نوع تقصير.\nوخُذُ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهملتْ، وعُطِّلَ العَمَلُ بها جملة فلو عمل بها مَنْ يعرفها لقال الناس: تركتِ السنَّة ...» اهـ (٢).\nفاللَّه الله يا أَمَّة الإسلام في سنن رسولكم ﷺ، مَنْ لها سواكم؟ أحيوها جُهْدَكُمْ، وأرشدوا الناسَ إلى العَمَل بها، فهي عنوان المحبّةِ الكاملة لرسول الله ﷺ، وعلامة المتابعة الصادقة له ﷺ.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٤٣٦.\n(٢) إعلام الموقعين ٢/ ٣٩٥، ط الكليات الأزهرية.","vol":"1","page":86},{"text":"ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شنآن المتعصبين، ولا تهويل المبطلين، ولا حيصة الَعوَامِّ المفْتونين، فإنَ السنَّة اليومَ غريبةٌ، معاولُ الهدمِ تخدشها من كلِّ جانب، فهي اليوم في أشدِّ الحاجة إلى أبنائها المخلصين، الذين يتحملون في سبيلها المشاق، ويؤثرونها على حظوظ أنفسهم، قائدهم في ذلك الرِّفقُ واللين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وسيكون التوفيق حليفهم، والعاقبة الحسنى لهم، متى ما أخلصوا النيَّة لله ﷿، واحتسبوا منه وحده الثواب على هذا العَمَلِ الجسيم.\nوما أحوجنا هنا أن نُذَكَّرهم بتلك التجربة التي جرتْ على يَدِ الإمام الشاطبي - ﵀ - عندما عقد العزم على إحياء السنَّة والتجرُّدِ لها وإن خالفها الناس، فتعرض بسببِ ذلك لمقتِ الناس، وإزرائِهم به، واتِّهامِهِ بكلَّ سوء ولكنَّ العاقبة للمتقين:\n﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن ينَصُرُهُ إِنَ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.\nقال الشاطبي في «الاعتصام» (١):\n«... فتردَّد النظر بين أن أتبعَ السنَّة على شرط مخالفةِ ما اعتاد الناس؛ فلا بُدَّ من حصولِ نحوٍ مما حصل لمخالفي العوائد - لا سيما إذا ادعى أهلُها أن ما هم عليه هو السنَّة لا سواها - إلا أن في ذلك العِبْءِ الثَّقِيْلِ ما فيه من الأجر الجزيل. وَبَيْنَ أن أتّبعهم على شرط مخالفةِ السنَّة والسلف الصالح، فأدخلُ تحت ترجمة الضُّلالِ - عائذًا\n_________\n(١) ١/ ٣٤ - ٣٥.","vol":"1","page":87},{"text":"بالله من ذلك - إلا أني أُوافق المعتادَ، وأُعَدُّ من المؤالفين لا من المخالفين.\nفرأيتُ أن الهلاكَ في اتباع السنَّةِ هو النجاة، وأنّ الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا ...». اهـ.\n\n* * *","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>القاعدة الثانية:\nتُبيَّن السُنَّةُ ولا يخاصم عليها</span>\nوالمقصود بالمخاصمةِ الجَدَلُ المورث للضغائن، ولاشَكَّ أن هذا الجدلَ عقابٌ من الله تعالى، ولذا قال النبي ﷺ فيما ثبت عنه: «ما ضلَّ قومٌ بعد ...... ى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» رواه أحمد وغيره عن أبي أمامة، وقد كثرت عبارات الأئمة في التحذير من الجدلِ وبيانِ آفاته، حتى قال الإمام مالك - ﵀ -: «الجدال في الدين ينشِّىءُ المِراءَ، ويذهب بنور العلم من القلب، ويُقَسِّي، ويورث الضَّغْنَ» (١).\nفعلى طالب الهدى أن يبيِّن للناسِ السُّنَّةَ، ويقيم عليها الحجج، ويتخذ في سبيل ذلك: أسلوب الإقناع، فإن لم يقبل منه «فما على الرسول إلا البلاغ المبين».\nوقد قال الإمام أحمد - ﵀ -: «أخبر بالسُّنَّةِ، ولا تخاصم عليها» (٢).\nوقال الهيثم بن جميل، قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله،\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ١٠٦، ونحوه عن الشافعي، كما في السير (١٠/ ٢٨).\n(٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١/ ٢٣٦، ط الشيخ محمد حامد الفقي، وينظر كلام الشيخ سليمان بن سمحان في (تحقيق الكلام) ص: ٥١.","vol":"1","page":89},{"text":"الرجل يكون عالمًا بالسُّنَّة؛ أيجادل عنها؟ قال: «لا، ولكن يخبر بالسنَّة، فإن قبلتْ منه وإلا سكت». اهـ (١).\nوهذا كلُّه في المخاصمة المذمومة، التي تنشأ عنها المفاسِدُ، حتى تتلاشى المصلحة في جنبها.\nأما المجادلة بالتي هي أحسن، وهي: ما كان الحق فيها هدفًا للطرفين، ولم تشتمل على ما يخرجها عن هذا المقصد: فَنِعِمَّا هي، تُبِيْنَ الحقَّ، وتهدي السبيل، وترشد إلى مواطن الصواب (٢).\nوإذا حصلتِ المناظرة فحذار أن تكون سببًا للشقاق والنزاع، والعداوة بين الإخوان، وقلَّ أن تخلو مناظرة من هذا، نسأل الله العافية والسلامة.\nقال يونس الصَّفدي: «ما رأيتُ أعقلَ من الشافعيّ، ناظرتُهُ يومًا في مسألةٍ ثم افترقنا، ولقيني فأخَذَ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإنْ لم نَتَّفِق في مسألةٍ؟».\nقال الذهبي تعليقًا على هذه الحادثة:\n«قلتُ: هذا يدلُّ على كمال عقلِ هذا الإمام، وفقهِ نَفْسِهِ، فما زال النُّظَراءُ يختلفون». اهـ (٣).\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٩٤.\n(٢) وانظر لآداب المناظرة كتاب الخطيب البغدادي (الفقيه والمتفقه)، ص: ٢٢٢، ط الامتياز.\n(٣) سير أعلام النبلاء ١٠/ ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":90},{"text":"وأخرج ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١):\n«عن العباس بن عبد العظيم العنبري: قال: كنت عند أحمد بن حنبل، وجاءه علي بن المديني راكبًا على دابة؛ قال: فتناظرا في الشهادة، وارتفعت أصواتهما، حتى خفت أن يقع بينهما جفاء، وكان أحمد يرى الشهادة، وعليُّ يأبى ويدفعُ؛ فلمّا أراد عليُّ الانصراف: قام أحمد، فأخذ بركابِهِ». اهـ.\nقال شيخ الإسلام:\n«وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله:\n﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ الآية.\nوكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورةٍ ومناصحةٍ، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وإخوة الدين.\nنعم: من خالف الكتاب المستبين، والسنَّة المستفيضة، وما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لا يعذر فيه: فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع». اهـ (٢).\nوقد نعى شيخ الإسلام - ﵀ - على أولئك الذين يتعصبون لما يرونه من السنن الاجتهادية ويعادون مَنْ خالفهم فيها، فقال:\n_________\n(١) ٢/ ١٠٧، ط المنيرية.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":91},{"text":"«وأما التعصُّب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنه؛ إذ الداعي لذلك هو ترجيحُ الشعائِر المفترقةِ بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخفّ مسائل الخلاف جدًا، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة». اهـ (١).\n* * *\n_________\n(١) المصدر السابق ٢٢/ ٤٠٥.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>القاعدة الثالثة:\nالموازنة بين المصالح والمفاسد</span>\nالقاعدة الشرعية؛ أنه «إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما».\nونظيرها: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح».\nفإذا تعارضت مفسدةٌ ومصلحةٌ قُدِّمَ دفع المفسدة غالبًا «إلاَّ أن تكون المفسدةُ مغلوبةً» لأن اعتناء الشارع بالمنهياتِ أشدُّ من اعتنائه بالمأمورات (١).\nوأدلة هذه القاعدة في الشريعة كثيرة.\nمنها ما اتفق عليه الشيخان - واللفظ لمسلم - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجَدْرِ؟ أَمِنَ البيت هو؟ قال: «نعم»، قلتُ: فلم لم يُدْخلوهُ في البيت؟ قال: «إن قومكِ قَصَّرَتْ بهمُ النفقة»، قلتُ: فما شأنُ بابِهِ مرتفعًا؟ قال: «فَعَلَ ذلك قومُكِ ليُدخْلوا من شاؤُوا، ويمنعوا من شاؤوا؛ ولولا أنَّ قومك حديثٌ عهدُهُمْ في الجاهليَّةِ فأخاف أن تنكِرَ قلوبُهُمْ: لنظرتُ أن أُدخل الجَدْرَ في البيت،\n_________\n(١) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨٧)، ط الحلبي، ١٣٧٨ هـ.","vol":"1","page":93},{"text":"وأن أُلزق بابَهُ بالأرض» (١).\nوقد بوَّب البخاري على حديث عائشة، فقال:\n«باب ترك بعض الاختيار مخافةً أن يَقْصُرَ فهم بعضِ الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه». اهـ.\nقال الحافظ في «الفتح»: «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة». اهـ.\nقال شيخ الإسلام في مَعْرِضِ ذكر بعض المستحبات:\n«ويسْتَحَبُّ للرجل أن يَقصِدَ إلى تأليف القلوب بتركِ هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليفِ في الدينِ أعظمُ من مصلحة فعل مثل هذا.\nكما ترك النبي ﷺ تَغْيِيرَ بناءِ البيت لِمَا في إبقائهِ من تأليفِ القلوب، وكما أنكر ابنُ مسعودٍ على عثمانَ إتمامَ الصلاة في السَّفر، ثم صَلّى خَلْفَهُ مُتمًّا، وقال: الخلافُ شَرٌّ». اهـ (٢).\nوقال - ﵀ - في موضعٍ آخر:\n«فالعمل الواحد يكون فعله مستحبًا تارة، وتركه تارة، باعتبار ما يترجح من مصلحة فعله وتركه، بحسب الأدلة الشرعية.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في العلم (١/ ٢٢٤) وفي الحج، وفي الأنبياء، وفي التفسير، وفي التمني، ومسلم (٢/ ٩٦٨ - ٩٧٣) من كتاب الحج.\n(٢) (١/ ٢٢٤).\n\nمجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٠٧.","vol":"1","page":94},{"text":"والمسلم قد يترك المستحب إذا كان في فعله فسادٌ راجحٌ على مصلحته، كما تركَ النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم ... فتركَ النبي ﷺ هذا الأمر الذي كان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح، وهو: حِدْثَانُ عهدِ قريش بالإسلام، لما في ذلك من التنفير لهم، فكانت المفسدة راجحة على المصلحة.\nولذلك استحب الأئمةُ: أحمد وغيرُه: أن يدع الإمام ما هو عنده أفضل إذا كان فيه تأليف المأمومين، مثل أن يكون عنده فصل الوتر أفضل بأن يُسَلِّم في الشفعِ ثم يصلي ركعةَ الوترِ، وهو يؤمُّ قومًا لا يرون إلا وَصْلَ الوتر، فإذا لم يمكنْهُ أن يتقدَّمَ إلى الأفضل كانت المصلحة الحاصلة بموافقتِهِ لهم بوصلِ الوترِ أرجح من مصلحة فَصْلِهِ مع كراهتهم للصلاة خَلْفَهُ.\nوكذلك لو كان ممن يرى المخافتَةَ بالبَسْمَلَةِ أفضلَ أو الجهرَ بها، وكان المأمومون على خلاف رأيه، ففعل المفضول عنده لمصلحةِ الموافقةِ والتأليف التي هي راجحةٌ على مصلحة تلك الفضيلة كان جائزًا حسنًا». اهـ (١).\nوكل ما قَرَّرْتُهُ تحت هذه القاعدة، لا ينفي ما سبق بيانُه من العناية بالسنَّة، والحرص عليها.\nفإن هذه القاعدة إنما سيقت لأمرٍ عارضٍ، لا أن تُقْتَلَ السنَّةُ، وتدفَنَ من أَجْلِهَا.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٤/ ١٩٥ - ١٩٦.","vol":"1","page":95},{"text":"فإذا ما تَمَسَّكَ بها من يرى أن السنَّة عائقٌ من عوائِق تصحيح المسار - باعتبار أنها جالبةٌ للخلاف والنزاع - فإننا نردُّ عليه: بأنَّ تركَ السنَّةِ بالكلِّيةِ مفسدةٌ عظيمةٌ، بها يَضِيْعُ شيءٌ من شرع الله تعالى، وقد قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -:\n«يجيء قومٌ يتركون من السنَّة مثل هذا - يعني مِفْصَل الإصبع - فإن تركتموهم جاءوا بالطامة الكبرى، وإنه لم يكن أهلُ كتابٍ قطُّ إلاَّ كان أول ما يتركون السنة، وإن آخر ما يتركون الصلاةَ، ولولا أنهم يَسْتَحْيُوْنَ لتركوا الصلاة».\nرواه اللالكائي في «شرح اعتقاد أهل الحديث» ١/ ٩١.\nإذًا فالمفهوم الصحيح للقاعدة: أنه إذا ترتب على إظهار سنَّة من السنُّنِ مفسدةٌ راجحة على مصلحةِ إظهار السنَّةِ، فَيُكَفُّ عن السُّنَّةِ في هذا الموطنِ، مع مراعاة ما يلي:\nأولًا: وجوب المناصحة، والتذكيرِ بعظم السنَّةِ، وكبير مكانها.\nثانيًا: ألا تتركَ السنَّة إلى الأَبد.\nثالثًا: إذا عُلِمَ من حالِ المشوِّشِ على إقامةِ السنَّة، أنه إنما دفعها رغبةً عنها، إما تعصبًا لمذهب، أو اتباعًا لمنهجٍ، فإِنَّ السنة تقام - وإن رَغِمَ أَنْفُه وأنفُ ألفٍ مثله - لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال:\n«... ومن رغب عن سنَّتي فليس مني».\nوالمصلحة الكبرى التي كُنَّا نريد إبقاءها، إنما هي: المودَّة بين أهل السنَّة، وتلافي وقوع البغضاء والعداوة بينهم، فلما كان هذا الرجل","vol":"1","page":96},{"text":"أو هذه الجماعة راغبين عن السنَّة، سقطت مودَّتهم، ووجب هجرهم وكراهتهم في الله تعالى.\nوهذا بخلاف من كان جاهلا - ككثير من العامة - فإنَّ تِرْكَ السنَّةِ درءًا لجهله على القائم بها، أو الوقوع في شيءٍ من محظورات الألفاظ، أمرٌ مطلوب، حتى يُعَلَّم برفق ويستعان عليهِ بمن يَثقُ به من أهل العلم، فإن أصرَّ بعد ذلك؛ فألحقه بإخوانه السابقين، أهل البدع.\n* * *","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>القاعدة الرابعة:\nهل في المسائل الاجتهادية إنكارٌ</span>؟\nالكلام على مثل هذه القضية يحتاج إلى مؤلَّفٍ مستقلٍّ، إلاَّ أننا هنا نختصر قدر ما يحصلُ به البيان، فنقول:\nيخطئ كثير من الناسِ حينما يعتقدون أنَّ مسائِلَ الخلافِ هي مسائل الاجتهاد، ولذا وقعوا في مزلقٍ خطيرٍ حيث قالوا:\n«إن مسائل الخلافِ لا إنكار فيها».\nوهذا باطل من القولِ، يلزم عليه من اللوازم الفاسدة ما يعطِّلُ جملةٍ كبيرةً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقد أجاد العلامة ابن القيم - ﵀ - في ردِّ هذه المقولةِ في كتابه «إعلام الموقعين» (١) حيث قال:\nوقولهم: «إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها» ليس بصحيح، فإن الإنكار إمَّا أن يتوجَّه إلى القولِ والفتوى، أو العمل:\nأما الأول: فإذا كان القول يخالف سنةً، أو إجماعًا شائعًا: وَجَبَ\n_________\n(١) ٣/ ٢٨٨، وقد نقل العلامة ابنُ مفلح هذا الكلام في كتابه (الآداب الشرعية) ١/ ١٨٩ منسوبًا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: (إبطال الحيل)، وعنه السفاريني في كتابه (غذاء الألباب شرح منظومة الآداب) ١/ ٢١٩.","vol":"1","page":98},{"text":"إنكارُه اتفاقًا، إن لم يكن كذلك فإنَّ بيان ضعفه ومخالفتِهِ للدليل إنكار مثله.\nوأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماعٍ: وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار.\nوكيف يقول فقيهٌ: لا إنكار في المسائل المختلفِ فيها، والفقهاءُ في سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقض حكم الحاكمِ إذا خالفَ كتابًا أو سنَّة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماءِ؟\nوأمَّا إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغٌ: لم تنكرْ على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.\nوإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائِل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.\nوالصواب ما عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العَمَل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديثٍ صحيح لا معارض له جنسه فَيَسُوْغُ فيها - إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العَمَلُ به - الاجْتِهَادُ: لتعارض الأدلَّة، أو لخفاء الأدلة فيها.\nوليس في قول العالم: «إنَّ هذه المسائل قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد»، طعن على مَنْ خالفها، ولا نسبة له إلى تعمُّد خلال الصواب.\nوالمسائل التي اختَلَفَ فيها السلفُ والخلفُ وقد تيقنّا صحةَ أحدِ القولين فيها كثير:","vol":"1","page":99},{"text":"مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة ... إلى أضعافِ أضعافِ ذلك من المسائل.\nولهذا صرَّح الأئمة: بنقض حُكمَ مَنْ حَكَمَ بخلافِ كثيرٍ من هذه المسائل، مِنْ غيرِ طعنٍ منهم على من قال بها.\nوعلى كلِّ حالٍ: فلا عذر عند الله يوم القيامة لمنْ بَلَغَهُ ما في المسألةِ من هذا البابِ وغيرِه من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهرِه، وقلَّدَ من نهاهُ عن تقليده، وقال له: لا يحل لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة ...». اهـ كلامه - ﵀ - وهو في غاية الوضوح والإتقان.\nوإنَّ من المعلومِ عند أهل العلم: أن المسائل الشرعية قسمان:\nقسمٌ مجمعٌ عليه.\nوآخر مختلفٌ فيه:\nوالمختلفُ فيه درجاتٌ، فمنه ما يعود الخلاف فيه إلى اللفظ، ومنه ما يكونُ أحدُ جانبي الخلافِ فيه واضحَ الضَّعفِ والسقوطِ: فلا ريب هنا أنه يجب إنكار القول الضعيف ونقض حكمِ مَنْ حَكَمَ به من القضاة.\nومن مسائل الخلاف: تلك المسائل التي تتقارب فيها المدارك وتتكافأ فيها الأدلة، ويكون الحكمُ موكولًا إلى الاستنباطِ من النصِّ الشرعي، وهذا هو المعروف بالمسائل «الاجتهادية» والحكمُ فيها:\nأ - التناصح بين المختلفين، ويكون بالمناقشات العلمية المثمرةِ للصواب، وبيان وجهَةِ وحجَّةِ كلِّ قولٍ.","vol":"1","page":100},{"text":"ب - إذا لم يَقْنَع أحدُ الجانبين بحجَّة الآخر وجهتِهِ، فلا يكون ذلك داعيًا إلى التغليظ والإنكار والفرقة.\nج - إذا كان عدم الاقتناع مبنيًا على غيرِ حجَّةٍ، كأن يكون لتعصب مذهبي، أو هوى، أو نحو ذلك، فيغلّظ وينكر على صاحبِهِ، إذ العِبْرة في المخالفة بالحُجَّة، لا بسواها.\nومن أمثلة هذه المسائل الاجتهادية ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ نادى في أصحابه يوم انْصَرَفَ عن الأحزاب: أنْ لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ الظهرَ إلاَّ في بني قريظة، فتخَّوفَ ناسٌ فوتَ الوقتِ فَصَلُّوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإنْ فاتنا الوقتُ.\nقال: فما عنَّفَ - أي النبي ﷺ - واحدًا من الفريقين.\nهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري «العصر» بَدَلَ «الظهر» (١).\nففي هذا الحديث نرى اختلاف الصحابة - ﵃ - في فهم النصِّ الذي سمعُوه من النبي ﷺ، فاكتفى كلُّ فريقٍ بذكر مستنده في توجيه النصِّ ودلالته، فلما لم يقنعْ كلُّ واحدٍ من الفريقين بفهم صاحبه عمل كلُّ واحدٍ منهما بما تبيَّن أنه الحقُّ عنده.\nولم يحصل لومٌ ولا تعنيف من بعضهم لبعضٍ، ولا من صاحب الشريعة ﷺ لهم.\nوهذا له نظائر كثيرة - في المسائل الاجتهادية - في سير الصحابة وتابعيهم يطول حصرها.\n_________\n(١) البخاري (٧/ ٤٠٧ - فتح) ومسلم (١٢/ ٩٧ - نووي).","vol":"1","page":101},{"text":"وفي مثل هذه المسائل يقول سفيان الثوري - ﵀ -:\n«إذا رأيت الرجل يَعْمَلُ العَمَلَ الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تَنْهَهُ» (١). اهـ.\nويقول يحيى بن سعيد الأنصاري - ﵀ -:\n«ما بَرِحَ أُلو الفتوى يفتونَ، فيحلُّ هذا، ويحرِّم هذا، فلا يرى المحرِّم أنَّ المُحِلَّ هَلَكَ لتحلِيْلِهِ، ولا يرى المُحِلُّ أن المُحَرِّمَ هَلَكَ لتحريمه» (٢).اهـ.\nوجاء في «كشف الخفا» (٣): أن الخطيب أخرج في «رواة مالك» عن إسماعيل بن أبي المجالد، قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب - يعني مؤلفات الإمام مالك - ونفرِّقها في آفاق الإسلام لنَحْملَ عليها الأمة؟\nقال: يا أمير المؤمنين! إنَّ اختلاف العلماءِ رحمةٌ من اللهِ تعالى على هذه الأمَّةِ، كلٌّ يَتَّبعُ ما صحَّ عنده، وكلٌّ على هدى، وكلٌّ يريد الله تعالى. اهـ.\nوهذه الكلمات وأمثالها محمولةٌ على المسائل الاجتهادية، لأن واقع مَنْ قالها، وغيرِه من السلفِ: الإنكار على مَنْ أخطأ في الفتوى\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه للخطيب ٢/ ٦٩ تحقيق إسماعيل الأنصاري.\n(٢) جامع بيان العلم وفضلة لابن البر ٢/ ٨٠، والبيهقي في (المدخل) كما في (المقاصد الحسنة) ص: ٢٧، ط الخانجي والمثنى.\n(٣) ١/ ٦٧ - ٦٨ على حديث (اختلاف أمتي رحمة).","vol":"1","page":102},{"text":"والأحكام، إلا ما كان من المسائل الاجتهاديَّة فيقْتصر على المناقشاتِ والمناصحة.\nقال ابن القيم - ﵀ -:\n«... بل عند فقهاء الحديث: أنَّ مَنْ شَرِبَ النبيذ المُخْتَلَفَ فيه: حُدَّ، وهذا فوقَ الإنكار باللسانِ.\nبل عند فقهاءِ أهلِ المدينةِ: يَفْسُقُ، ولا تُقْبَلْ شهادتُهُ.\nوهذا يردُّ قول مَنْ قال: «لا إنكار في المسائل المختلفِ فيها».\nوهذا خلاف إجماع الأئِمَّةِ، ولا يُعْلَمْ إمامٌ من أئمَّةِ الإسلامِ قال ذلك ...» اهـ.\nولنقتصر على مثالٍ واحدٍ مما ذكره ابن القيم - رحمه الله تعالى - في هذا الباب.\nفقد ذكر أنَّ عبد الله المبارك - رحمة الله - قال:\nكنت بالكوفةِ، فناظروني في النَّبيْذِ المختلَفِ فيه، فقلت لهم: تعالوا فلْيحتَجَّ المحتجُّ منكم عمَّن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة، فاحتجُّوا فما جاءوا عن أحدٍ برخصةٍ إلا جئناهم بسندٍ، فلما لم يبقَ في يَد أحدٍ منهم إلا عبد الله بن مسعود - وليس احتجاجُهُمْ عنه في شدة النبيذ بشيءٍ يصح عنه، إنما يصحُّ عنه أنه لم ينتَبذْ له في الجرِّ الأخضر - قال ابنُ المبارك: فقلتُ للمحتجِّ عنه في الرخصةِ:\nيا أحمق، عُدَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ لو كان ههنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشِّدَّةِ كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى.","vol":"1","page":103},{"text":"فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن: فالنَّخعي، والشَّعبي - وسمَّى عدَّة معهما - كانوا يشربون الحرام؟\nفقلتُ لهم: دعوا عند المناظرةِ تسميةَ الرجال، فَرُبَّ رجلٍ في الإسلامِ مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زلَّة، أفيجوزُ لأحدٍ أن يحتجَّ بها؟\nفإن أبيتُمْ فما قولكم في: عطاء وطاووسٍ، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير وعكرمة؟\nقالوا: كانوا خيارًا.\nقلتُ: فما قولكم في الدِّرْهم بالدِّرهمين يدًا بيدٍ؟\nقالوا: حرامٌ.\nفقلت: إن هؤلاءِ رأوهُ حلالًا، أَفَماتوا وهم يأكلون الحرام؟\nفبهتوا وانقطعت حجتهم. اهـ.\n* * *","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>القاعدة الخامسة:\nلا يُعْمَلُ بما ورد حتى يثبتَ روايةً ودرايةً</span>\nإذا نُقِلَتْ إلينا سنَّة، فإنَّ الواجب علينا - قبل العمل بها - أمران:\nالأول: التأكد من صِحَّةِ سندها، إما بإعمال القواعد الحديثة على إسنادها لمن كان أهلا لذلك، وإما بتقليد أحدِ أئمةِ هذا الشأن.\nقال الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري في كتابه «فتح الباقي على ألفية العراقي» (١):\n«طريقُ من أراد الاحتجاج بحديثٍ من السنن أو المسانيد: أنه إن كان متأهلًا لمعرفة ما يُحْتَجُّ به من غيرِهِ فلا يحتجُّ به حتى ينظر في اتصال إسناده، وحال رواته وإلا فإنْ وَجَدَ أحدًا من الأئمة صحَّحَهُ أو حَسَّنَهُ فَلَهُ تقليده، وإلاَّ فلا يحتجُّ به». اهـ.\nفالعَمَلُ بالحديث دليلٌ على الاحتجاج به، ولا سبيل إلى الاحتجاج به إلا إذا عُلِمَ ثبوتُهُ.\nوأما ما لا يثبتُ فلا يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا به، كما قال شيخ الإسلام:\n_________\n(١) ١/ ١٠٦، ط فاس، عام ١٣٥٤ هـ.","vol":"1","page":105},{"text":"«ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحةً ولا حسنة.\nلكنَّ أحمدَ بن حنبل، وغيرَه من العلماءِ جوَّزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يُعْلَمْ أنه ثابتٌ، إذا لم يُعْلَمْ أنه كذبٌ.\nوذلك أن العَمَلَ إذا عُلِمَ أنه مشروعٌ بدليلٍ شرعيّ وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذِبٌ جاز أن يكون الثواب حقًا.\nولم يَقُلْ أحدٌ من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديثٍ ضعيفٍ، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع». اهـ (١).\nقال شيخ الإسلام - أيضًا -:\n«قول أحمد بن حنبل: إذا جاء الحلال والحرام شدَّدنا فيِ الأسانيد، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد، وكذلك ما عليه العلماءُ من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ ليس معناه: إثبات الاستحباب بالحديث الذي لا يحتج به؛ فإن الاستحباب حكمٌ شرعي، فلا يثبتُ إلا بدليلٍ شرعي.\nومن أخبر عن الله أنه يحب عملًا من الأعمال من غير دليلٍ شرعي فقد شرع من الدين ما لم يأْذنْ به الله، كما لو أَثبتَ الإيجابَ أو التحريمَ، ولهذا يختلف العلماء في الاستحباب، كما يختلفون في غيره، بل هو أصلُ الدِّين المشروع.\nوإنما مرادهم بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"1","page":106},{"text":"يحبُّهُ الله، أو مما يكرهُهُ الله بنصّ أو إجماعٍ، كتلاوة القرآن، والتسبيح، والدعاء، والصدقة، والعتق، والإحسان إلى الناس، وكراهية الكَذبِ، والخيانة، ونحو ذلك.\nفإذا روي حديثٌ في فضل بعض الأعمال المستحبة وثوابها، وكراهة بعض الأعمال وعقابها: فمقادير الثوابِ والعقاب وأنواعه إذا روى فيه حديثٌ - لا نعلمُ أنه موضوعٌ - جازت روايته، والعمل به؛ بمَعْنَى: أن النفسَ ترجو ذلك الثوابَ، أو تخاف ذلك العقاب ... اهـ (١).\nوقد لخَّص العلامة الألباني - حفظه الله - في مقدَّمة «صحيح الترغيب والترهيب» كلام شيخ الإسلام - هذا - فقال:\n«ونستطيع أن نستخلِصَ منه أنَّ الحديثَ الضعيف له حالتان:\nالأولى: أن يَحْمِلَ في طواياه ثوابًا لعمل ثبت مشروعيته بدليلٍ شرعي، فهنا يجوز العمل به، بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثوابَ، ومثاله عنده: التهليل في السوق بناءً على أن حديثه لم يثبت عنده ...\nوالأخرى: أن يتضمن عملًا لم يثبت بدليل شرعي، يظنّ بعض الناس أنه مشروع، فهذا لا يجوز العمل به.\nوقد وافقه على ذلك العلامة الأصولي المحقق الإمام أبو إسحاق الشاطبي الغرناطي في كتابه العظيم: «الاعتصام» ... اهـ (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ٦٥ - ٦٦. وانظر بقية كلامه لزامًا، فهو أنفس ما كتب في هذه المسألة، وقد أطال في توجيه كلمة الإمام أحمد، وغيره من العلماء.\n(٢) صحيح الترهيب والترغيب ١/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":107},{"text":"ولعلَّ في هذا القدر من كلام شيخ الإسلام ما يصحِّحُ الخطأ الشائِعَ عند جماعة من أهل العلم وطلابه، حيث يفهمون قولَ العلماءِ في الحديث الضعيف فهمًا لا يتفق مع ما أرادوه.\nالأمر الثاني: التأكد من صِحَّةِ الاستنباط، وسلامةِ الاستدلال، وفقًا للقواعد الأصولية المعتبرة.\nفإن بعض الناس قد يوفق لمعرفة الصحيح من الضعيف، إلا أن التوفيق لا يحالفُهُ في استخراجِ الحكم الشرعيّ من النَّصّ، وهنا تكمنُ الرَّزِيَّة.\nفعلى طالب العلْمِ أن يراعي هذا الجانب، وذلك بالرجوع إلى شروح أهل العلم على الحديث، وسؤالهم عنه، وعن دلالته، حتى لا يقع في الكذب على رسول الله ﷺ وهو لا يشعر؛ فإن من نَسَبَ إلى النبي ﷺ حكمًا من الأحكام لم يقتضِهِ كلامه فقد كذب عليه، إلا أن يكون من أهل الاجتهاد وَبَذَلَ قصارى جهده فلم يُصِبِ الحقَّ؛ فإنه مأجورٌ غير مأزورِ.\nوإنما الكلام في أولئك الذين ليس لديهم ما يؤهِّلُهُمْ للنظر في كلام الشارع، استنباطًا واستدلالًا؛ ثم يخوضون هذا البحر العميق، دون مراكبَ تَحْمِلُهُمْ، فرحِمَ الله امرأً عرف قدر نفسه، وأنزلها منزلها.\nقال معاوية - ﵁ -: «إن أغرى الضلالة لرجلٌ يقرأ القرآن فلا يفقهُ فيه، فيعلِّمه الصبيَّ، والعبد، والمرأة، والأمة، فيجادلون به أهل العلم» (١).\n_________\n(١) رواه ابن عبد البر في (جامع بين العلم وفضله) ٢/ ١٩٤.","vol":"1","page":108},{"text":"وقال الإمام عبد الله بن المبارك - ﵀ -: «لِيَكُنْ الذي تعتمد عليه الأثر، وخذْ من الرأي ما يُفَسِّرُ لك الحديث». اهـ (١).\nوقيل لبعض الحكماء: «إن فلانًا جمع كتبًا كثيرة، فقال: هل فهمه على قدر كتبه؟\nقيل: لا، قال: فما صنع شيئًا».\nقال الخطيب البغدادي تعليقًا على هذه الحكاية، ونحوها:\n«وهذه حال من اقتصر على النقل إلى كتابه من غيرِ إنعام النظر فيه، والتفكُّرِ في معانيه». اهـ (٢).\n* * *\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٤٤.\n(٢) الفقيه والمتفقة (ص: ٣٠٣ - تقريب).","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>فصل\nفي ردِّ شبهات أُثيرت حول الاهتمام بالسُّنَّة</span>\nالشبهات التي تثار حول العناية التَّامَّة بإحياء السُّنَنِ ونشرها بين صفوف المسلمين تختلف باختلاف أغراض المثيرين:\nوالذين يعنينا ههنا تلك الشبهات المصبوغة بالصبغة الإسلامية زورًا، إذْ خطورتها أعظم، والفتنة بها أشدُّ مما سواها.\nفمن تلك الشُّبَه، قولهم:\n«إنَّ الدين ينقسم إلى أصول وفروع، فالواجب أن نهتمَّ بالأصول، وندع الاهتمام بالفروع».\nوالجواب عن هذه الشبهة من وجوه:\nالأول: أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع - إذا اقترن به ما يدلُّ على ترتيب حكم خاصّ بكلّ واحدٍ منهما، كما هو الحالُ هنا، إذ الأصول يهتم بها دون الفروع -: فهو تقسيم باطِل.\nالثاني: ليس هناكَ ضابط صحيح مطّرِد، يميَّزُ به الفروع من الأصول.","vol":"1","page":110},{"text":"قال شيخ الإسلام - ﵀ - في «المسائل الماردينية» (١) في معرض الكلام على التكفير:\n«فأما التفريق بين نوعٍ وتسميته: مسائل الأصول، وبين نوعٍ آخر وتسميته: مسائل الفروع: فهذا الفرق ليس له أصلٌ، لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ من المعتزلةِ وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريقٌ متناقضٌ.\nفإنه يقال لمن فرَّقَ بين النوعين: ما حدُّ مسائل الأصولِ التي يكفَّرُ المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟\nفإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع هي مسائل العمل.\nقيل له: تنازع الناس في محمدٍ ﷺ هل رأى ربه أم لا؟ وما كفّر فيها أحدٌ بالاتفاق، ووجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفَّر بالاتفاق.\nوإن قال: الأصول هي المسائل القطعية.\nقيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية.\nوقد تكون المسألة عند رجلٍ قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن\n_________\n(١) ص: ٧٨٨، ط آل ثاني، الملحقة بالكافي.","vol":"1","page":111},{"text":"سمع النص من الرسول ﷺ ويتقن مراده، وعند رجلٍ لا تكون ظنية، فضلًا عن أن تكون قطعية، لعدم بلوغ النصّ إياه، أو لعدم ثبوته ...» اهـ.\nوهذا الكلامُ وإن كان خاصًّا بمسألة تكفير منكر الأصول دون الفروع، إلا أن المقصود به إبطال هذا التقسيم من أصله، لأنه يبنى عليه غير هذه المسألة، ولذا قال ابن القيم عندما ذكر بعض المسائل العائدة إلى هذا التقسيم، والناشئة عنه:\n«وكل تقسيم لا يشهد له الكتاب والسنَّة وأصول الشرع بالاعتبار: فهو تقسيم باطلٌ، ويجب إلغاؤه.\nوهذا التقسيم أصلٌ من أصولِ ضلالِ القوم ...» اهـ (١).\nالوجه الثالث: أنّ هذه العبارة - في حقيقتها - تقليلٌ من شأن «الفروع»، ودعوة إلى عدم الاهتمام بها، وهذا من أبطل الباطل، وأقبح الضلال، إذِ الله ﷿ أمرنا بالدخول في دينه كافة، لا تفريق بين أصلٍ وفرعٍ، كما قال تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾\nقال ابن عباسٍ: السّلْم: الإسلام، كافةً: جميعًا».\nوقال مجاهد: «اعملوا بجميع الأعمال، وجوهِ البِرّ».\n_________\n(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٤١٥، ط السلفية - بمكة المكرمة، عام ١٣٤٨ هـ، على نفقة جلالة الملك عبد العزيز - ﵀ - وقد استطرد العلّامة ابن القيم - ﵀ - في هذا المبحث بما لا تجده عند غيره، فلينظر.","vol":"1","page":112},{"text":"قال ابن كثير - ﵀ -: «يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدِّقين برسوله: أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك». اهـ (١).\nوقال الألوسي في «تفسيره» (٢):\nوالمعنى: «ادخلوا في الإسلام بكُلِّيَتِكُمْ، ولا تدعوا شيئًا من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه، بحيث لا يبقى مكان لغيره». اهـ.\nفما شرعه الله تعالى في كتابه، وما سنَّه رسوله ﷺ في سنتِهِ لا يجوز لأحدٍ أن يقلّل من شأنه بأي وجهٍ من الوجوه، بل الواجب التمسّك بالإسلام جملةً، فما كان واجبًا حَرُمَ تركه، وما كان مندوبًا فعلى ما سبق بيانه، ولا إثم على من تركه.\nوقد كان الصحابة - ﵃ - يهجرون على تركِ ما يُسمِّيهِ هؤلاءِ فروعًا، كما يهجرون على ترك ما يسمِّيه هؤلاءِ أصولًا، دون تفريقٍ، كما يُغْلِظُوْنَ القولَ على من تركَ الفروع.\nولولا أهمية هذه «الفروع»!! في نظرهم، واستواءُ الشريعةِ كلّها في قلوبهم تعظيمًا وإجلالًا: لما فعلوا ذلك.\n* * *\n\nففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مغفَّلٍ - ﵁ -\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٧، ط ٣، عام ١٣٧٦ هـ.\n(٢) روح المعاني ٢/ ٩٧.","vol":"1","page":113},{"text":"أنه رأى رجلًا يَخْذِف، فقال له: لا تخذفْ، فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف - أو كان يكره الخذف - وقال: «إنه لا يصادُ به صيدٌ، ولا ينكأُ به عدو، ولكنّها قد تكسِرُ السِّنَّ، وتفقأُ العينَ».\nثم رآه بعد ذلك يَخْذِفُ له: أُحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذفِ أو كره الخذفَ - وأنتَ تخذفُ؟ لا أكلّمك كذا وكذا.\nهذا لفظ البخاري في كتاب الصيد من صحيحه (٩/ ٦٠٨)، وفي لفظٍ لمسلم (٣/ ١٥٤٨): لا أكلمُك أبدًا.\nقال النووي في «شرح مسلم» (١): «فيه هجران ... منابذي السُّنَّة مع العِلْمِ». اهـ.\nوقال الحافظ في «الفتح»: وفي هذا الحديث جواز هجران مَنْ خالف السنَّة، وترك كلامه، ولا يدخل ذلك في النهي عن الهجر فوقَ ثلاثٍ، فإنه يتعلق بمن هَجَرَ لحظِّ نفسه». اهـ.\nوفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:\n«لا تمنعوا نساءَكُم المساجد إذا استأذنّكُمْ إليها».\nقال: فقال بلال بنُ عبد الله: واللهِ لنمنَعُهُنَّ، قال: فأقبلَ عليه\n_________\n(١) ١٣/ ١٠٦.","vol":"1","page":114},{"text":"عبد الله؛ فَسَبَّهُ سَبًّا سيئًا ما سمعتُهُ سبَّه مثلَهُ قطُّ (١)، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ، وتقول: واللهِ لنمنعُهُنَّ، هذا لفظ مسلم.\nوفي لفظٍ له عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ائذنوا للنِّساءِ بالليل إلى المساجد»، فقال ابنٌ له يقال له واقدٌ: إذنْ يتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، قال: فَضَرَبَ في صدره، وقال: أحدِّثُكَ عن رسول الله ﷺ، وتقول: لا.\nقال النووي في «شرح مسلم» (٢):\n«فيه تعزيرُ المعترضِ على السُّنَّةِ، والمعارض لها برأيه». اهـ.\nهذا: وحصر هذه الآثارَ مما يطولُ؛ إلا أنَّ في هذين الأثرين البيانَ الشافي الكافي لما كان عليه الصحابة - ﵃ - من العناية التامَّة بجميع ما ثبت عن النبي ﷺ، لا فرقَ في ذلك بين مسائل العَمَلِ، أو مسائل العِلْمِ.\nوهؤلاء القوم يريدون أن ينصبَّ الاهتمام على مسائل العِلْمِ المسماةِ بالكليَّة دون مسائل العمل المسماة بالجزئية، هذا على إحسان الظنّ بهم، وإلا فما أرى «الكليات» عندهم - كما سيأتي بيان ذلك - سوى: الكلام في السياسات، والذّهاب إلى «الرَّصيْفِ» لأخذ مرئيات الشباب عن المجتمع، وحصرها في النّسَبِ المئويَّة، وتَجْميعِ نِسَبِ\n_________\n(١) في (جامع بيان العلم وفضله) ٢/ ١٩٥، أنه قال له: (لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله) وينظر سندها.\n(٢) ٤/ ١٦٢.","vol":"1","page":115},{"text":"العوانسِ والعاهراتِ ... فمن فعل ذلك فلا عيب عليه عندهم، لأنه يعمل في «الكليات»، أما من ألّفَ جزءًا حديثيًا في «العجنِ في الصلاة» أو رسالةً في «عقد التسبيح باليمين» فهذا مُغْرِقٌ في «الجزئيات» منصرفٌ عن «الكليات» ينبغي أن يُوَجَّهَ ويُصْرَف إلى تَعَلُّمِ «فقه الواقع» ليكون في عدادِ أصحاب «الكلياتِ»!!\nفلا أدري - واللهِ - ما يقولون عن جابر بن عبد الله - ﵁ - الذي رَحَلَ شهرًا في حديثٍ (١)، أهو مغرقٌ أيضًا في الجزئيات؟ لِمَ لا يكون كذلك، وأصحاب تلك الأجزاء بذلوا من وقتهم أسبوعين، أو اقل أو أكثر، ينظرون في الأحاديث، ويصححون مفهومها، فَذُمُّوا على ذلك!!!\nولا أدري ما يقولون عن سلفنا الصالح الذين أغرقوا المكتبات بالكتابة في «الجزئيات» أيذَمُّوْنَ بذلك أيضًا؟\n﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.\nومن شبههم أيضًا، قولهم: (الخلافُ في الفروع سهلٌ).\nهذه الكلمة متمخضة عن الشبهة السالفة، التي تُقرِّر تقسيم الدين إلى فروعٍ وأصول، وهي في الحقيقة ثمرةٌ من ثمراتها، إذِ المقصود\n_________\n(١) علّقه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب ما ذكر في ذهاب موسى ﵇ في البحر إلى الخضر (١/ ٤٠، ط دار القلم - دمشق).\nوينظر كتاب (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب البغدادي ص: ١١٠، ط دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":116},{"text":"الأكبر - عند الأكثرين - من هذا التقسيم: الوصول إلى هذه النتيجة، وهي: أن خلافنا في هذه الفروع الفقهية سهلٌ، فلا داعي لهذه البحوث التي تكتب في «الجزئيات»، ولا داعي لهذه المناقشاتِ فيها، ولكن «نعمل فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه»، ومن منطلق هذه القاعدة: تعامل هؤلاء مع الشِّيعة، وَمَدَحوا التُّرابيَّ وغيرَه من الضُّلَّالِ والمنحرفين.\nوكان الواجب أن تكون القاعدة بهذا التركيب: «نعمل فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه بعد التناصح» قاله العلامة الألباني.\nقال الإمام مالك وقد سئل عن مسألةٍ فقال: لا أدري، فقال له السائل: إنها مسألةٌ خفيفةٌ سهلةٌ، وإنَّما أردت أنْ أُعْلِمَ بها الأمير - وكان السائلُ ذا قَدْرٍ - فَغَضِبَ مالكٌ، وقال: «مسألةٌ خفيفةُ سهلةٌ؟! ليس في العلم شيءٌ خفيفٌ؛ أما سمعتَ قول الله تعالى:\n﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَولًا ثَقِيلًا﴾.\nفالعِلْمُ كلُّه ثقيلٌ، وبخاصَّةٍ ما يُسْألُ عنه يوم القيامة». اهـ (١).\nوقال المقبلي في كتابه «العَلَمُ الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ» (٢):\n«... أنّ الناسَ اصطلحوا على انتزاع مسائل من أمور الديانات:\n_________\n(١) ترتيب المدارك للقاضي عياض ١/ ١٨٤، ط ٢ المغرب.\n(٢) ص: ٤٣٠، ط ١، عام ١٣٢٨ هـ.","vol":"1","page":117},{"text":"منها ما كان في السلف من الواضحات المعلومات من ضرورة الدين ...\nومنها ما هو بدعة محضة منتمية إلى علم الأوائل ... إلى أن قال: إنما ننبِّهُ على بعض مفاسدها:\nفمن ذلك أن الإنسانَ أوَّل ما يقرعُ سمعه أنَّ الدين منقسم إلى أصولٍ وفروعٍ، والفروعُ سهلٌ - وإنما شاع قولهم: كل مجتهد مصيب في الفروع - إنَّما الشأنُ في الأصولِ، مَنْ لَمْ يعرفْها: فَدِينُهُ مُنثَلِمٌ؛ فَيَسْتَقِرُّ هذا عند الطالبِ وهو يَعْلَمُ مِنْ نفسِهِ أنه لم يُفْطَرْ على تحقيقِ تلك المباحثِ، ولا يَحْمِل نفسَه أنْ يقالَ فيه: إنّ دينهُ منثلِمٌ، سِيما وقد يكون ذلك الثَّلْمُ في أفواهِ بعضهم يبلغ الكفر ...» اهـ.\nفإذا نُشِّىءَ الأتباع على أن الخلافَ في الفروعِ سهلٌ، وإنما الشأن في الأصول، حَصَلَ من ذلك صَدَّ عن سبيل الله، وتغريرٌ بالجهلة المبتدئين؛ فلا يُلْقُوْنِ لهذه الفروع بالًا، وَلا يًقيْمُونَ لها وزنًا، ولا يَبْذِلُوْن جهدهم في التوصّل إلى الحقّ، فتذبل الأذهان، وتكسدُ أسواق العلم، ونُفْجَأُ بجيلٍ أشبه ما يكون بالعجماوات، كلُّ ذلك وأضعافٌ مضاعفة من المفاسِدِ تَحِلُّ بسبب هذه الشبهة الممقوتة، التي يروّجها أقطاب الحزبيِّين.\n* * *\n\nومن شبههم أيضًا: أن المسلمين اليوم يعانون ضعفًا شديدًا، به تَسَلَّطَ الأعداءُ عليهم، وساموهم سوء العذاب، ففي كلّ صقعٍ من الأصقاع تَرَى مذابح المسلمين الجماعيَّة، وانتهاكَ أعراضهم، وإهانتهم","vol":"1","page":118},{"text":"أشدّ من إهانةِ البهائم، وفي هذا الوقت - نفسه - يخرج أقوام يحثُّون الناسَ على التَّمَسُّكِ بالسُّنَّة، ويغرقون فيها: علمًا، وتعلمًا، ودعوةً، وكأنها هي قضيَّة المسلمين الكبرى!! أَفلا ينصرف هؤلاء إلى العَمَلِ الذي ينتجُ عنه نفعٌ كبير للمسلمين، كالتخطيط لإقامة الخلافة الإسلامية، والنظر في أحوال المسلمين، وما يحتاجون إليه من غذاءٍ وعطاء، ونفقة وبناء ... إلخ.\nوالجواب عن هذه الشبهة:\n«إن ما ذكرتموه من اضطهاد المسلمين، وضعفهم، وتآمر أعدائهم ... الخ، كلُّ هذا حقٌّ، ولكنكم أُتيتُم من خلطكمْ بين الأمور، فكلامكم قد يكون حقًا إذا سَلّمنَا لكم أن التَّمسك بالفرعيَّات يتعارض مع مواجهة تآمر الأعداء وجهادهم؛ والحقُّ أنه لا يلزم التعارض بينهما، إذ أن بيان الحق في الأمور الفرعيَّة لا يتعارض مع جهاد الأعداء، إذا كان الهدفُ هو - حقًا - بيان الحقّ، مع البعد عن الجدل العقيم.\nوقد واجه الرعيل الأول أخطارًا تهدِّد كيانهم، ولم يحملهم ذلك على تركِ الفرعياتِ، وتقرير الحقِّ فيها، وإلزام أنفسهم باللازمِ منها، ومع ذلك سادوا الأمم، وأسقطوا عروشَ الكفرة، وأقاموا صرح الإيمان شامخًا؛ والذي يفتُّ في عَضُدِ المسلمين هو: من يجادِلُ في الحقِّ بعدما تبيَّن، ويُصِرُّ على عدم الانقياد له، ويثير الجدال بشبهاتٍ سقيمة؛ ليس من يدعوهم إلى التمسُّك بالكتاب والسنَّة.\nوما يتوهمُهُ هؤلاءِ المخالفون ما هو إلا نتيجة لتخيُّلهِمْ أنّ النّسْبَة بين «مواجهة الأعداء والانتصارِ عليهم» وبين «تَعَلُّمِ المسائل الفرعيَّة","vol":"1","page":119},{"text":"والتّمسّكِ بها وإنْ دقَّتْ» إنما هي تَبَايُن المقابلة، كتباين النقيضين: العَدَمِ والوجود، أو تبادين الضدَّين: السَّوادِ والبياضِ.\nفتخيَّلَ هؤلاءِ أن «مواجهة الأعداء» و«التمسكَ بالفروعِ» متباينانِ تباينَ مقابلة، بحيث يستحيلُ اجتماعهما، فكان من نتائج ذلك: هذه المعارضة المتهافتة.\nوالتحقيق أنّ النّسْبَةَ بين الأمرين - بالنظر إلى العقل وحده - إنما هي: تباين المخالفة، وهي: أن تكون حقيقة كل منهما في حدّ ذاتها تباين حقيقة الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلًا في ذاتٍ أخرى، كالكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكانِ أن يكون الشخص الواحد قاعدًا متكلمًا في وقتٍ واحدٍ.\nوهكذا فالنسبة بين «جهاد الأعداء ومواجهة تآمرهم» وبين «الدعوة إلى الفروع والتمسك بها وتعليمها للناس» من هذا القبيل.\nفالمتمسكُ بالفروعِ يجوز عقلًا أن يواجه أعداءه ويجاهدهم، إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على أوامر الله واجتناب مناهيه مشتغلًا بجهاد أعدائه بكلّ ما في طاقته.\nأما بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنَّة، كقوله تعالى:\n﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.\nوقوله ﷿:\n﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ ينَصُرْكُمْ﴾.\nوغير ذلك من النصوص، فإن النسبةَ بين التمسك بالشعائر","vol":"1","page":120},{"text":"الإسلامية، وبين تنزلِ النَّصْرِ من الله جلَّ وعلا، كالنسبة بين الملزوم ولازمه، لأن التَّمَسّكَ بالدَين هو مَلْزُوْمُ النَّصْرِ، بمعنى أن يَلْزَمَ عليه الانتصار، كما صرحت الآيات.\nوالدولة المسلمة لن تقومَ إلا على أكتافِ أولي العزم، الذين يلتزمون كافةَ أحكام الشرع، ويوافقونها في ظاهرهم، وباطنهم، لقوله تعالى:\n﴿إِنَ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.\nوالدولة المسلمة ما هي إلا ثمرة لتمسُّكِ جنودِ الإسلام بكلّ شرائع دينهم، والدعوة الإسلامية - الأمينة على الإسلام - لا تُسَاوِمُ على شيء من أحكامه، ولكنَّها تحفظها كلَّها، أداءً للأمانة، وإعذارًا لنفسها أمام الله ...\nوالمسلمون إذا نزلتْ بهم مخمصة وشدَّة فإن من أسباب جلاء الغُمَّة عنهم: المزيد من التَّمسُّكِ بالسُّنَنِ، والبراءة من البدعِ، وليس مهادنة أهل البدع، وتثبيط الدعاة إلى السُّننِ (١).\nوإذا تأمَّلْتَ قول النبي ﷺ فيما ثبت عنه من حديث عبد الله بن عمر:\n«إذا تبايعتم بالعينة.\nوأخذتم أذناب البقر.\n_________\n(١) من رسالة (تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلي قشر ولباب) بتصرف ص: ٢٠ - ٢٣، للأخ الشيخ محمد إسماعيل المصري.","vol":"1","page":121},{"text":"ورضيتم بالزرع.\nوتركتم الجهاد.\nسلَّط اللهُ عليكم ذلًا؛ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».\nاتَّضح جليًا أنَّ السبب الرئيس في ذلِّ المسلمين، وهوانهم على أعدائهم، هو: الابتعادُ عن دينهم، والغفلةُ عمَّا أمروا به من شعائر الله.\nولا سبيل إلى استعادةِ مَجْدِهِمْ، وتحصيل مُنَاهُمْ؛ إلا بالرجوع إلى دين الله تعالى، والرجوع إلى دين الله، إنما يكون بأداء الفرائض، والحرص على النوافل، والابتعاد عن المحرّمات، بذلك - وحده - يحقق اللهُ لهم وعده، الذي جاء في قوله:\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور: الآية ٥٥].\n* * *","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>نظرة «الإخوان المسلمين»\nإلى الجزئيات الشرعيَّة</span>\nموقفُ جماعةِ «الإخوان المسلمين» من الاهتمام بما يطلقون عليه مصطلح: «الجزئيات» أو «الفروع» أو «القشور» يبدو جليًّا واضحًا فيما كتبه بعض قادتهم وأفرادهم.\nوفيما يلي عرضُ نماذجَ من هذه الكتابات، ثم اسْتِيْحَاءُ السَّبَبِ الباعث لهذه الجماعة على العناية بتفريق الشريعة الإسلامية إلى أصول وفروع، جزئياتٍ وكليات.\nعلى أن ردَّ هذه الفكرة، وإبطالَها، سبق فيما مضى، فأغنى عن إعادته، إذِ المراد هنا: إيقافُ العاقلِ اللبيب على ما تُقَرِّرُه هذه «الجماعة» في هذه القضيَّة الخطيرة.\nقال الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه «الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرُّف» (١):\n_________\n(١) ص: ٧٠ - ٧١، وفحوى هذا الكلام تجده بتفصيل أكثر في كتاب القرضاوي (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة) ص: ٣٤ - ٣٧، ط مكتبة وهبة - القاهرة.","vol":"1","page":123},{"text":"ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم، ومن مظاهر ضعف البصيرةِ بالدين: اشتغال عددٍ من هؤلاء بكثيرٍ من المسائل الجزئية والأمور الفرعيَّة، عن القضايا الكبرى التي تتعلقُ بكَيْنونَةِ الأمَّة، وهويَّتهَا، ومصيرها.\nفنرى كثيرًا منهم يُقِيْمُ الدُّنيا ويُقْعِدُهَا من أَجْلِ:\nحَلْقِ اللِّحية.\nأو الأخذ منها.\nأو إسبالِ الثياب.\nأو تحريك الأصبع في التشهُّد.\nأو اقتناء الصُّوَر «الفوتوغرافيَّة» (١).\nأو نحوِ ذلك من المسائل التي طال فيها الجدالُ، وكثر فيها القيل والقال.\nهذا في الوقت الذي تزحف فيه العَلْمَانيَّة اللَّادينيَّة، وتنتشرُ الماركسيَّة الإِلحَاديَّة، وتُرسِّخُ الصهيونيَّة أقْدامها، وتكيدُ الصليبيَّةُ كيدَها ... وَتَتَعَرَّضُ الأقطارُ الإسلاميَّة العريقة في آسيا وإفريقيا لغاراتٍ تنصيريَّة جديدة ... وفي نفس الوقت يُذَبَّحُ المسلمون في أنحاءٍ متفرِّقة من الأرض ...\nإلى أن قال:\nوكان الأولى بهؤلاء أن يصرفوا جهودهَم إلى ما يحفظ على\n_________\n(١) هذه الأمثلة تتغير عندهم من بيئةٍ إلى بيئةٍ، فالأمثلة لهذه الفكرة عندنا هنا في المملكة العربية السعودية غير الأمثلة التي في مصر أو أفغانستان، وهكذا ... !!","vol":"1","page":124},{"text":"المسلمين أصل عقيدتهم، ويربطهم بأداء الفرائض، وبجنِّبهم اقتراف الكبائر. اهـ.\nوقال أحمد عبد المجيد في كتابه «الإخوان وعبد الناصر - القصة الكاملة لتنظيم ١٩٦٥ م» (١) تحت عنوان: عدم الانشغال بالقضايا الفرعيَّة:\nتكلمنا فيما سبق أنه يجب التركيز والاهتمام بالدعوة، والتربية، وإعدادِ الجيل الصَّلب، الذي يتحمَّلُ عبءَ قيام الإسلام، في صورته التطبيقية المتكاملة.\nومع فترة الدعوة والتربية، يجب عدم الانشغال، أو الالتفات إلى القضايا الجزئية، التي تشغل عن المهمة، وتضيع الطاقة، وتدخل أصحاب الدعوة في معارك جانبيَّة، وجُهْدٍ مبعثر. اهـ.\nوقال الدكتور عبد الله عزام، في كتابه «العقيدة وأثرها في بناء الجيل» (٢):\nومن ثَمَّ - وفي هذا الوقتِ - فإني لا أرى تتبُّعَ الجزئِيَّاتِ من هذا الدِّين؛ في سلوك الناس:\nكالشُّرْبِ باليمينِ.\nوترك التدخين.\nوالشرب جالسًا.\n_________\n(١) ص: ٣٦٠.\n(٢) ص: ١٩، ط مكتبة الأقصى - عمّان.","vol":"1","page":125},{"text":"إلى غير ذلك من هذه التفاصيل، التي لا تَحِتَمِلُهَا، ولا تطيقُ الدوامَ عليها؛ إلاَّ نفوسٌ بنيت على العقيدة، وجبلت بعظمةِ الإيمان. اهـ.\nهذا بعض ما رَقَمَه أبناءُ هذه «الجماعة» والباعث لهم على ذلك أمورٌ يطول شرحها، إلا أنَّ من أهمها:\nأنَّ جماعة «الإخوان المسلمين» تسعى جاهدةً إلى تجميع المنتسبين إلى الإسلام من أيِّ مذهب كان، وغايةً كهذِهِ لا يتمُّ تحقيقها والوصول إليها؛ إلا عن طريق تمييع بعضِ - إن لم نقل: أكثرِ - القضايا الشرعيَّة.\nولذا دَعَوْا إلى الإِغضاء عمّا سمّوْهُ «جزئيات» حتى تحصل لهم تلك الغاية.\nوالحقّ: أنَّ الأمر عندهم لا يقتصر على «الجزئيات» وإنما يتعدّاها إلى «الكليات».\nهذا تنزلًّا معهم، على أنَّ ضابط «الجزئيات» و«الكليات» عندهم، هو ما قرَّره بعض علماءِ المعتزلةِ ومن تأثَّر بهم، من أن الأصولَ هي المسائل العلميَّة، والفروع هي المسائل العملية، أو أن الأصولَ هي المسائل القطعية، والفروع هي المسائل الظنية ...\nبينما الناظر في سيرهم وأحوالهم، بل بعضِ كتاباتهم: يتبَّين له أنَّ «الكليات» عندهم: مجرَّدُ الخوضِ في الأمور السياسية، والتجميع لإقامة","vol":"1","page":126},{"text":"الدولة الإسلامية - رافضيَّة كانت أو علمانية!! أو قبوريَّة!! المهم الاسم لا المسمى -.\nوإذا أردت أن تعرف هذا الحق الذي ذكرتُهُ لك، وهو: أن «الكليات» إذا عارضت غايتهم أهدروها، وصغَّروا من شأنها: فانظر إلى موقفهم المخزي من الدولة الرافضية الخمينيَّة (١).\nوانظر إلى محاماتهم عن الدولة القبوريَّة «الشركيَّة» في أفغانستان (٢).\nوانظر إلى مدحهم الدولة العلمانية «الترابيَّة» في السودان.\nأليستْ هذه الأفعال تُلْغِيْ «الكليات» كما أنهم ألْغوا «الجزئيات» فنهوا عن إنكار: حلق اللحى، وإسبال الثياب، والتصوير ...؟\nإذًا فَلِمَ الاستتار خَلْف «الجزئيات» المسكينة، مع أنها هي و«الكليات» في مَصْيَدَةٍ واحدة؟!!\n«ومما يؤيد ذلك أنَّ الشيخ المودودي وهو من أكابر القوم يرى - وهو من مقتضيات رَبْطِه المنطقي والفلسفيّ - أن العبادات الإسلامية «الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والذكر، وتلاوة القرآن» مُقَرَّرَاتٌ تَدْرِيبِيَّةٌ لعبادةٍ أَصْلِيَّةٍ أخرى وهي «تأْسِيسُ الحكومةِ الإلَهِيَّة».\nورأيه هذا مأخوذ من ملاحدِة الفلاسفة، وقد صرَّح أبو علي\n_________\n(١) (وقفات مع كتاب للدعاة فقط) لأخينا الشيخ محمد بن سيف العجمي - رحمه الله تعالى - ص: ٥٣.\n(٢) (الطريق إلى الجماعة الأم) لعثمان عبد السلام نوح ص: ١٥٤ - ١٥٥، ط المنار.","vol":"1","page":127},{"text":"ابن سينا في «الإشارات» وغيرُه من الفلاسفة في كتبهم: أن العباداتِ خادمةٌ للحضارةِ والمدنيَّةِ» (١). اهـ.\nومن هنا قال الشيخ محمد الكاندهلوي في كتابه «المودودي ما له وما عليه» ص: ٤٩:\n«... أن أفراد هذه الجماعة ازداد فيهم الحط من مكانة الأركان الإسلامية وممن يهتمون بأدائها ...». اهـ.\nوبعدُ: فإن ما كتبه القرضاويُّ، وغيرُه، في موضوعنا هذا، هو من لبس الحقّ بالباطل، والصَّدّ عن سبيل الله تعالى بالشُّبَه الشيطانية، والحجج العقلية المباينة للأدلة النقلية.\nوقد كان المنتظر من هؤلاء المنتسبين إلى صفوفِ الدعاةِ إلى الله!! أن يحثوا المسلمين على التمسك بالإسلام كلّه، والحرصِ الشديد على سنَّةِ رسول الله ﷺ، لا أن يكونوا أبواقَ تنفيرٍ عنها، وطعْنٍ في العاضين عليها بالنواجذ.\nلقد كان علماء السلفِ - رحمهم الله تعالى - مجتهدين في بحث المسائل الخلافية، بذلًا للأسباب المُوْصِلَةِ إلى الصواب، الذي طولبوا - شرعًا - بالوصولِ إليه؛ ما استطاعوا.\nفَكَمْ كَتَبَ العلماءُ في مسألة «القراءة خلف الإمام»؟\n_________\n(١) من كتاب الشيخ المحدِّث العلاَّمة: محمد الغوندلوي، الذي ردَّ به على المودودي، المسمى بـ: (تنقيد المسائل) بواسطة نقل أخينا الشيخ صلاح مقبول عنه في كتابه: (دعوة شيخ الإسلام وأثرها في الاتجاهات المعاصرة) ص: ١٣٦، ط الهند.\nوانظر (أبو الأعلى المودودي حياته وفكره العقدي)، لمحمد الجمال، ص: ٣٠٠، ط دار المدني.","vol":"1","page":128},{"text":"وكم كتب العلماء في مسألة «الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة»؟\nوكم كتب العلماء في «فضائل دمشق»؟\nوكم كتب العلماء في «فضائل القدس»؟\nوكم كتب العلماء في «الأذكار»؟\nوكم كتبوا في نحو هذه القضايا إفرادًا وضمنًا، مع أنَّ عصورهم تموجُ بالفتن، وتسلُّط الكفّار، وضعف المسلمين ...\nأفتراهم يتركون الكتابةَ في هذه المسائِل مِنْ أجل ذلك؟ كلا واللهِ، ولو فعلوا لذهب من العلم جملةٌ، تُؤْذِنُ بذهابِهِ كلِّه، ولكتموا ما وجب عليهم إظهاره.\nألا فليَتَّقِ الله هؤلاء المزهّدون في السنَّة، المثبطونَ عن العلم، بمثل هذه الحجج الواهية، والشبهات الداحضة.\nنسأل الله ﵎ أن يأخذَ بيدِ الجميع إلى الحقّ والهدى، وأن يجنّبنا مواطن البدع والهوى، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتِّباعَهُ، ويُرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله مُلْتبِسًا علينا فنضلّ، وصلَّى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"1","page":129}]}