{"ً":{"ٌ":17503,"ٍ":"الحجاب في الشرع والفطرة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/الحجاب في الشرع والفطرة بين الدليل والقول الدخيل - الطريفي - ط المنهاج","files":["153115.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحجاب في الشرع والفطرة\nالمؤلف: عبد العزيز بن مرزوق الطّريفي\nالناشر: دار المنهاج\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ١٧٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":494,"ٕ":18,"ٖ":1770154799,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":5},{"title":"جاءت الشرائع السماوية بأصلين عظيمين","level":2,"page":8},{"title":"توافق الفطرة والشريعة","level":2,"page":9},{"title":"تبديل الفطر والشرائع","level":2,"page":9},{"title":"الشريعة أسرع في التغيير من الفطرة","level":2,"page":10},{"title":"رجوع الفطرة إلى أصلها أسهل من خروجها منه","level":2,"page":11},{"title":"الشرائع والطبائع .. وتغييرها","level":1,"page":11},{"title":"تغير الفطرة من موانع فهم الشريعة","level":2,"page":12},{"title":"تعدد ما فطر عليه الإنسان","level":2,"page":13},{"title":"تغيير الفطرة الواحدة يلغي معه شرائع كثيرة","level":2,"page":14},{"title":"فطرة العفاف وتغييرها","level":1,"page":14},{"title":"جميع الأنبياء يدعون إلى حفظ أصول الفطرة مع التوحيد","level":2,"page":14},{"title":"تغيير الفطرة أخطر من تغيير سنن الكون","level":2,"page":15},{"title":"قصة موسى والحجر، وما فيها من عبر","level":2,"page":15},{"title":"قصة آدم وحواء وما فيها من عفاف الفطرة والطبع","level":2,"page":17},{"title":"الإنسان يمكن أن يتطبع ويألف ما يخالف بعض الفطرة","level":2,"page":17},{"title":"الحجاب .. عبادة وعادة","level":1,"page":18},{"title":"اختلاف الناس في حدود فطرة الستر","level":2,"page":19},{"title":"الشرائع أقوى هيبة وحفظا من العادات في نفوس الناس","level":2,"page":19},{"title":"من وسائل الشيطان وأعوانه: فصل عبودية الحجاب، والإبقاء على كونه عادة","level":2,"page":20},{"title":"الحكمة من مشروعية حجاب المرأة","level":1,"page":20},{"title":"الوسائل أكثر من الغايات والمقاصد","level":2,"page":21},{"title":"تحريم وسائل الكبائر أشد من تحريم وسائل الصغائر","level":2,"page":22},{"title":"كبيرة الزنى والاحتياط في تحريم وسائلها","level":2,"page":23},{"title":"من السنن العقلية النقلية: أنه لا يهدم الوسائل إلا من لم يؤمن بالغايات، كما أنه لا يقدر تحريم الوسائل، من لم يعرف خطر الغايات","level":2,"page":23},{"title":"ميل الجنسين بعضهما إلى البعض","level":1,"page":25},{"title":"مكابرة عدم التفريق بين الذكر والأنثى","level":2,"page":27},{"title":"تاريخ تشريع الحجاب والستر","level":1,"page":29},{"title":"البدء بتحريم الغايات قبل تحريم الوسائل الموصلة إليها","level":2,"page":29},{"title":"بعض الكتاب يستدل بأحاديث قبل فرض الحجاب على تهوين الحجاب","level":2,"page":31},{"title":"أنواع النساء في الحجاب واللباس، وفساد قياس حكم بعضهن على بعض","level":1,"page":31},{"title":"مصطلحات الستر واللباس في الشريعة وفي لغة الفقهاء، ووجوب التفريق بينها","level":1,"page":34},{"title":"الحجاب","level":2,"page":34},{"title":"الخمار","level":2,"page":37},{"title":"يستعمل الخمار لتغطية ثلاثة مواضع وشدها","level":3,"page":38},{"title":"الأول: الرأس","level":4,"page":38},{"title":"الثاني: الصدر","level":4,"page":39},{"title":"الثالث: الوجه","level":4,"page":40},{"title":"الجلباب","level":2,"page":42},{"title":"الفرق بين الخمار والجلباب","level":1,"page":43},{"title":"التاريخ والواقع وأثره على الفقه","level":1,"page":44},{"title":"ميل نفوس كثير من الكتاب إلى محاكاة الواقع، وتتبع ما يوافقه من النصوص والآثار","level":2,"page":46},{"title":"العرب ولباس المرأة","level":1,"page":47},{"title":"قبائل معد بن عدنان وفروعها","level":2,"page":48},{"title":"الأصل في نساء معد بن عدنان، وكثير من قبائل العرب، الستر التام","level":2,"page":49},{"title":"كانوا يفرقون بين الحرة والأمة بكشف الوجه","level":2,"page":49},{"title":"تستر نساء نصارى العرب","level":2,"page":50},{"title":"أسماء ما يغطى به الوجه","level":2,"page":50},{"title":"معنى السفور عند العرب","level":2,"page":51},{"title":"تبرج الجاهلية الأولى","level":2,"page":51},{"title":"معنى كلمة (العورة) لغة وعرفا وشرعا","level":1,"page":53},{"title":"قد يكون العضو الواحد عورة في حال، وليس بعورة في حال أخرى","level":2,"page":54},{"title":"اشتراك لفظ العورة بين السوءتين والوجه","level":2,"page":55},{"title":"عورة الصلاة، وعورة الستر والنظر، وخلط كثير من الكتاب بينهما","level":1,"page":55},{"title":"صلاة نساء الصحابة خلف الرجال مع الرسول ﷺ، لا يلزم منه رؤيتهن","level":2,"page":58},{"title":"نقاب المرأة في الحج","level":1,"page":59},{"title":"الخلط بين تحريم النقاب على المحرمة، وتغطية وجهها عند الرجال الأجانب في الحج","level":2,"page":59},{"title":"حرم الله على المرأة حال الإحرام لباسا، وعلى الرجال لباسا","level":2,"page":59},{"title":"الحكم يتعلق باللباس، لا بما تحته؛ فتحريم لباس معين لا يعني كشف العضو","level":2,"page":60},{"title":"تفريق الصحابة بين تخصيص النقاب بالنهي، وبين تغطية الوجه","level":2,"page":61},{"title":"لا تشترط المجافاة عند سدل المحرمة ثوبها على وجهها، خلافا للشافعي","level":2,"page":62},{"title":"كانت العرب في بعض أنساكها في الحج على ما كان عليه إبراهيم ﵇","level":2,"page":62},{"title":"أخذ الأحكام من غير فهم سياقاتها خطأ كبير؛ كأخذ بعض الكتاب أحكام غطاء المرأة من المناسك أو من حجاب الصلاة","level":2,"page":65},{"title":"ما لا يختلف فيه من لباس المرأة","level":1,"page":66},{"title":"يجب على المرأة ألا تلبس لباسا ملتصقا، ولا أن تلبس شفافا","level":2,"page":66},{"title":"يجب ألا يكون لباس المرأة عند الرجال مطيبا","level":2,"page":68},{"title":"يحرم أن يكون لباس المرأة مشابها للباس الرجال","level":2,"page":68},{"title":"يجب ألا يكون لباس المرأة مختصا بلباس غير المسلمات","level":2,"page":68},{"title":"تحرير محل النزاع فيما يجب أن يستر من بدن المرأة","level":1,"page":69},{"title":"أجمع العلماء أن حجاب المرأة بمفهومه العام: شريعة ودين","level":2,"page":69},{"title":"أجمع العلماء أن تغطية وجه المرأة الحرة الشابة عند خوف الفتنة بها، واجب","level":2,"page":70},{"title":"أجمعوا أن تغطية الحرة الشابة لوجهها شريعة ربانية لذاته","level":2,"page":70},{"title":"أجمعوا أن المرأة العجوز لها أن تكشف وجهها؛ بشرط ألا تتبرج بزينة على وجهها","level":2,"page":70},{"title":"أجمع العلماء أن عورة الأمة ليست كعورة الحرة","level":2,"page":71},{"title":"أجمع العلماء على التفريق بين عورة الستر وعورة النظر","level":2,"page":71},{"title":"توظيف الخلاف واستغلاله لهدم الأصول وخرق الإجماع","level":1,"page":71},{"title":"من وسائل معرفة المستغلين للخلاف لضرب الأصول: النظر في سيرهم، وفي موقفهم من القطعيات والإجماعات","level":2,"page":72},{"title":"من خالف الإجماعات، فلا فائدة من مناظرته في الخلافيات","level":2,"page":72},{"title":"اتخاد بعض الكتاب مسائل الخلاف ذريعة لهدم الأصول وضربها؛ مضاهاة لسلفهم المنافقين","level":2,"page":72},{"title":"ترويج بعض الكتاب والمنافقين أن الحجاب عادة لا عبادة، أن تغطية الوجه تقليد لا دين","level":2,"page":74},{"title":"الخلاف وحق الاختيار","level":1,"page":75},{"title":"أجمع المسلمون على أن الخلاف ليس بحجة","level":2,"page":76},{"title":"أجمع المسلمون على أن الخلاف لا يسوغ ترك الدليل البين تقليدا لفقيه","level":2,"page":77},{"title":"الله تعالى لم يرجع الناس إلى الخلاف؛ لأن الخلاف حادث وليس من الدين، بل رجعهم إلى النص والدليل","level":2,"page":78},{"title":"الله تعالى أخبر بوجود الاختلاف قدرا، ونهى عنه شرعا، وعذر المجتهد، دون المقصر والمتساهل","level":2,"page":78},{"title":"النبي معصوم، والفقيه يخطئ ويصيب، والله تعالى يسأل الناس يوم القيامة عن اتباع المرسلين، لا تقليد الفقهاء","level":2,"page":79},{"title":"العقل يدل على أن تتبع الرخص يمرض الأبدان والأديان","level":2,"page":79},{"title":"القرآن لا تتعارض آياته، بل تتوافق وتتعاضد","level":1,"page":80},{"title":"من أراد فهم معنى من معاني القرآن، فيجب عليه أن يجمع آيات الباب الواحد، للموضوع الواحد، ثم ينظر فيها","level":2,"page":80},{"title":"من وجوه الفهم لمعنى الألفاظ والمصطلحات: معرفة ما يحدها من المعاني غير الداخلة فيها","level":2,"page":81},{"title":"أقوال الصحابة في حجاب المرأة وسترها، وأسباب الخطأ فيها","level":1,"page":81},{"title":"من أسباب الأخطاء في فهم أقوال الصحابة في حجاب المرأة وسترها","level":2,"page":83},{"title":"جمع الآيات الواردة في حجاب المرأة وسترها، وبيان المراد منها","level":1,"page":85},{"title":"الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣]","level":2,"page":85},{"title":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣]","level":2,"page":87},{"title":"الآية الثالثة: قوله: ﴿ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩]","level":2,"page":89},{"title":"تفسير إدناء الجلابيب بتغطية الوجه","level":3,"page":91},{"title":"الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن﴾ [النور: ٣١]","level":2,"page":93},{"title":"نوع الزينة في الآية","level":3,"page":94},{"title":"كلام السلف كله في الزينة الظاهرة للمحارم وليست للأجانب؛ وذلك من أربعة أوجه","level":3,"page":95},{"title":"الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم﴾ [النور: ٦٠].","level":2,"page":107},{"title":"التدرج في فرض الحجاب","level":1,"page":111},{"title":"حجاب الصحابيات والتابعيات","level":1,"page":115},{"title":"زينة الوجه للعجوز وزينة الوجه للشابة","level":1,"page":117},{"title":"عورة الستر وعورة النظر","level":1,"page":118},{"title":"من الفروع الموجبة للنظر مسائل كثيرة","level":1,"page":120},{"title":"إشكالان والجواب عنهما","level":1,"page":123},{"title":"كانت الإماء في الطرقات أكثر من الحرائر","level":2,"page":124},{"title":"كلام الأئمة الأربعة في كشف المرأة لوجهها","level":1,"page":125},{"title":"مسألة عورة الصلاة","level":2,"page":127},{"title":"مسألة نقاب المحرمة","level":2,"page":129},{"title":"مسألة العقود والشهادات والخطبة، والحاجة إلى النظر فيها","level":2,"page":131},{"title":"التفريق بين عورة الحرة وعورة الأمة","level":2,"page":133},{"title":"مذهب مالك","level":2,"page":134},{"title":"استشكال البعض تجويز مالك لأكل المرأة مع غير محرمها","level":3,"page":135},{"title":"استشكال البعض ما ينقل عن مالك في مسألة الظهار","level":3,"page":136},{"title":"استشكال البعض كلام مالك في الرجال ييممون المرأة الميتة بالتراب","level":3,"page":138},{"title":"مذهب أبي حنيفة","level":2,"page":139},{"title":"مذهب الشافعي","level":2,"page":140},{"title":"مذهب أحمد","level":2,"page":145},{"title":"تغطية المرأة لوجهها بين التشديد والتيسير","level":1,"page":146},{"title":"مدارس فقهية مهزومة تريد أن تطوع الآيات والأحاديث والآثار لهذا الواقع البعيد","level":2,"page":147},{"title":"التفريق بين هذه المدرسة المهزومة، وبين منهج الأنبياء في تقريب الحق والتدرج فيه","level":2,"page":148},{"title":"يتدرج بتثبيت الأصول قبل الفروع، والمقاصد قبل الوسائل","level":2,"page":149},{"title":"أحاديث مشكلة في الحجاب، والجواب عما أشكل فيها","level":1,"page":151},{"title":"الأول: قصة أسماء بنت أبي بكر","level":2,"page":151},{"title":"الثاني: حديث المرأة الخثعمية","level":2,"page":154},{"title":"الثالث: حديث سبيعة الأسلمية","level":2,"page":159},{"title":"الرابع: حديث سفعاء الخدين","level":2,"page":164},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":166}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,13":5,"1,14":6,"1,15":7,"1,17":8,"1,18":9,"1,19":10,"1,20":11,"1,21":12,"1,22":13,"1,23":14,"1,24":15,"1,25":16,"1,26":17,"1,27":18,"1,28":19,"1,29":20,"1,30":21,"1,31":22,"1,32":23,"1,33":24,"1,34":25,"1,35":26,"1,36":27,"1,37":28,"1,38":29,"1,39":30,"1,40":31,"1,41":32,"1,42":33,"1,43":34,"1,44":35,"1,45":36,"1,46":37,"1,47":38,"1,48":39,"1,49":40,"1,50":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,62":53,"1,63":54,"1,64":55,"1,65":56,"1,66":57,"1,67":58,"1,68":59,"1,69":60,"1,70":61,"1,71":62,"1,72":63,"1,73":64,"1,74":65,"1,75":66,"1,76":67,"1,77":68,"1,78":69,"1,79":70,"1,80":71,"1,81":72,"1,82":73,"1,83":74,"1,84":75,"1,85":76,"1,86":77,"1,87":78,"1,88":79,"1,89":80,"1,90":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90,"1,100":91,"1,101":92,"1,102":93,"1,103":94,"1,104":95,"1,105":96,"1,106":97,"1,107":98,"1,108":99,"1,109":100,"1,110":101,"1,111":102,"1,112":103,"1,113":104,"1,114":105,"1,115":106,"1,116":107,"1,117":108,"1,118":109,"1,119":110,"1,120":111,"1,121":112,"1,122":113,"1,123":114,"1,124":115,"1,125":116,"1,126":117,"1,127":118,"1,128":119,"1,129":120,"1,130":121,"1,131":122,"1,132":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,176":166,"1,177":167},"ٜ":{"1":[1,177]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,13","1,14","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,176","1,177"],"ٞ":{"5":[1],"8":[2],"9":[3,4],"10":[5],"11":[6,7],"12":[8],"13":[9],"14":[10,11,12],"15":[13,14],"17":[15,16],"18":[17],"19":[18,19],"20":[20,21],"21":[22],"22":[23],"23":[24,25],"25":[26],"27":[27],"29":[28,29],"31":[30,31],"34":[32,33],"37":[34],"38":[35,36],"39":[37],"40":[38],"42":[39],"43":[40],"44":[41],"46":[42],"47":[43],"48":[44],"49":[45,46],"50":[47,48],"51":[49,50],"53":[51],"54":[52],"55":[53,54],"58":[55],"59":[56,57,58],"60":[59],"61":[60],"62":[61,62],"65":[63],"66":[64,65],"68":[66,67,68],"69":[69,70],"70":[71,72,73],"71":[74,75,76],"72":[77,78,79],"74":[80],"75":[81],"76":[82],"77":[83],"78":[84,85],"79":[86,87],"80":[88,89],"81":[90,91],"83":[92],"85":[93,94],"87":[95],"89":[96],"91":[97],"93":[98],"94":[99],"95":[100],"107":[101],"111":[102],"115":[103],"117":[104],"118":[105],"120":[106],"123":[107],"124":[108],"125":[109],"127":[110],"129":[111],"131":[112],"133":[113],"134":[114],"135":[115],"136":[116],"138":[117],"139":[118],"140":[119],"145":[120],"146":[121],"147":[122],"148":[123],"149":[124],"151":[125,126],"154":[127],"159":[128],"164":[129],"166":[130]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الحِجَابُ\nفي الشَّرْعِ والفِطْرةِ","vol":"1","page":1},{"text":"كل الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م","vol":"1","page":2},{"text":"الحِجَابُ\nفي الشَّرْعِ والفِطْرةِ\nبينَ الدَّلِيل، والقَوْلِ الدَّخِيل\n\nتأليفُ\nعبدِ العَزِيزِ بنِ مَرْزُوقٍ الطَّرِيفِيّ\n\nدار المنهاج","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدِّمة</span>\nالحمدُ لله ربِّ العالمين، الذي أقامَ الشريعةَ وقوَّمَ الفِطْرةَ وأحسَنَ الخِلْقة، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ الأمين، سيِّد المرسَلِين، وعلى آلِه وصحبِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ..\nأما بعد:\nفإنَّ مسألةَ الحجابِ ولباسِ المرأة عند الأجانبِ مِن المسائل الجَلِيّة، ولم تَحْتَجْ على مَرِّ قرونِ الإسلامِ إلى فقيهٍ يُصنِّفُ فيها مؤلَّفًا مفرَدًا، ولم يكن أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ يُفردونها بفُصولٍ، وإنما تَرِدُ في كلامِهم استطرادًا وتَبَعًا لغيرِها؛ لوضوحِ حكمِها وجلائِه.\nوكانت أدلةُ الحجابِ واللباسِ توضَعُ في موضِعِها الذي أُنزلت فيه، وتَجْرِي على العملِ الذي كان الصحابةُ وأتباعُهم عليه، حتى جاء القرنُ الرابعَ عشَرَ والخامِسَ عشَرَ للهجرة، واحتُلَّ أكثَرُ بُلدانِ الإسلام عقودًا، وتأثَّرت كثيرٌ مِن الأفهام والعقولِ بالمشاهَدةِ والمخالَطةِ؛ فأُخذت أدلةٌ","vol":"1","page":13},{"text":"ووُضِعَت في غيرِ موضعِها، وجُعِلت أقوالُ الفقهاءِ في غيرِ سياقِها، فلم يُفَرَّقْ بين حُرَّةٍ وأَمَةٍ، ولا بين شابَّةٍ وعجوزٍ، ولا بين ما قبلَ فرضِ الحجابِ وبعدَه، ولا بين محكَمٍ ومتشابِه!\nحتى ظَهَر الترويجُ لأقوالٍ لا تعرِفُها مذاهبُ الفقهاء، ونُسِب إلى مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ القولُ بـ (أن تغطيةَ المرأةِ لوجهِها ليس بشريعةٍ)، أو بـ (أنَّ المرأةَ لا يجبُ عليها تغطيةُ وجهِها ولو فَتَنَت، ولا تَأثَمُ حينَها ولو كَشَفَتْ)! ويؤخَذُ كلامُهم في عورةِ السترِ والصلاةِ فيُجْعَلُ في عورةِ النظرِ، حتى يَظُنَّ القارئُ -مِن كثرةِ تعارُضِ النقولِ وتضادِّها- اضطرابَ المذاهبِ وتناقُضَها!\nومسألةُ الحجابِ ولباسِ المرأة لا تحتاجُ إلى توسُّعٍ في التأليف، ولا إلى جمعِ كلامِ الفقهاءِ وحَشْدِه، وإنما تحتاجُ إلى إعادةِ نصوصِ الوحيَيْن إلى مواضعِها، وإرجاعِ أقوال الفقهاءِ إلى سياقاتِها التي قِيلَت فيها، وإلحاقِ متشابِهِ النصوصِ بمُحْكَمِها، مع بيان التبديلِ الذي طَرَأ عليها، ورَدْمِ عقودِ التبديلِ؛ ليتّصلَ الفقهُ الصحيحُ بأهلِه، ولا يُقوَّلَ أئمةُ المذاهب ما لم يقولُوه؛ فإنَّ المتشابِهَ والعامَّ إذا كانا في كلام الله فإنَّهما في كلام الفقهاءِ أظهَرُ وأكثَرُ.","vol":"1","page":14},{"text":"وتلك الحاجةُ مِن التصنيف هي المقصودةُ في هذه الرسالةِ، ومِن الله نستمِدُّ العونَ، ونَستلهِمُه الرُّشد، ونسألُه السَّداد.\n\nعبد العزيز الطريفي\nالاثنين ٢٠ - ٤ - ١٤٣٦ للهجرة","vol":"1","page":15},{"text":"الحمدُ لله الذي أنزَلَ القرآنْ، وأحسَنَ فطرةَ الإنسانْ، وأكرَمَه بالإيمانْ، وطبَعَهُ على معرفةِ الحقِّ مِن الباطِلِ، وتمييزِ الخيرِ مِن السرِّ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على النبيِّ الأمينِ محمَّدِ بنِ عبدِ الله، وعلى آلِهِ وصحبِه، ومَنِ اتَّبَع ..\nأمَّا بعدُ:\n\nفإنَّ الذي أنزَلَ الشرعَ هو الذي خلَقَ الطبعَ، وجعَلَ طبائعَ الإنسانِ الصحيحةَ التي لم تتبدَّلْ تتوافقُ كتوافُقِ كَفَّيِ الرَّجُلِ الواحدِ، وتتطابقُ الفطرةُ الصحيحةُ والشريعةُ المنزَّلةُ كتطابُقِ أسنانِ التُّرْسِ حينما يُقابِلُ مِثْلَه، فيَدُورانِ بانتظامٍ لا ينتَهِي حتى يختلَّ أحدُهما؛ ولهذا<span data-type=\"title\" id=toc-2> جاءَتِ الشرائعُ السماويةُ بأصلَيْنِ عظيمَيْنِ:</span>\nأوَّلُهما: امتثالُ الأمرِ وحفظُه؛ ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥].\nثانيهما: التحذيرُ مِن تغييرِ الطبعِ الفِطْرِيِّ الصحيحِ","vol":"1","page":17},{"text":"وتبديلِه؛ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].\n\nول<span data-type=\"title\" id=toc-3>توافُقِ الفطرةِ والشريعةِ </span>وامتزاجِهما فقد يُسمي اللهُ دينَه فِطْرةً، ويسمِّي فِطْرتَهُ دينًا، وهكذا في تفسيرِ الصحابةِ للفطرةِ والخِلْقةِ بالدِّينِ في القرآن.\nوكلُّ تغييرٍ في واحدٍ منهما، يُورِثُ خللًا في الاستجابةِ والسيرِ على مرادِ الله؛ ولذا يحرِصُ الشيطانُ على إحداثِ خلَلٍ فيهما جميعًا؛ لتقلَّ الاستجابةُ، ويشتدَّ الانحرافُ، وإنْ عجَزَ عنهما، حَرَصَ على تغييرِ واحدٍ منهما؛ حتى لا يُقْبَلَ الآخَرُ، ولا يستجابَ له.\nوقد أخبَرَ اللهُ عنِ اجتهادِ إبليسَ في تغييرِ الشريعةِ، وتحريفِها، وتغييرِ الفطرةِ، وتبديلِها؛ قال اللهُ عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، وفي تبديلِ الشريعة وتغييرِها يسمِّي اللهُ تحريفَ الشيطانِ للأدلةِ زخرفةً وتزيينًا؟ قال اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]؛ فجعَلَ الزَّخْرفةَ والتزيينَ مقدِّماتٍ يتبَعُها الفعلُ","vol":"1","page":18},{"text":"والإغواءُ؛ ولكنْ يبقى عمَلُه تزيينًا وزخرفةً للمَظَاهِر، ولا يستطيعُ أن يُغَيِّرَ الجواهِر.\nفأصبَحَ الإنسانُ المفسِدُ الذي لم يَجِدِ استجابةً لفسادِه، يسعَى لإحداثِ تغييرٍ؛ إمَّا في الشريعةِ، أو في فطرةِ الناسِ؛ حتَّى يَجِدَ مدخلًا لفسادِه وانحرافِه في النفوسِ، وهذه أساليبُ تُستعمَلُ في كلِّ زمانٍ، وفي مواجهةِ كلِّ رسالةٍ صحيحةٍ، حتى إنَّ قريشًا عندَما واجَهُوا دعوةَ النبيِّ ﷺ، طلَبُوا التبديلَ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، وقال عنِ المنافِقِين: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]؛ حتى أصبحَتْ منهجًا وعادةً لمَن يريدُ التغييرَ في الأُمَمِ والمجتمعاتِ، إمَّا أنْ يُغَيِّرُوا الأدلَّةَ والبراهينَ الصحيحةَ، أو يبدِّلُوا الفِطَرَ السليمةَ؛ حتى لا تتطابقَ ولا تتوافقَ، ثم لا تَقْتنِعَ ولا تؤمِنَ ولا تُسلِّمَ.\nوبيَّنَ اللهُ أن هذه عادةٌ لهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥].\n\nولكنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-5> الشريعةَ أسرعُ في التغييرِ مِن الفطرةِ </span>وأسهلُ،","vol":"1","page":19},{"text":"فتجِدُ أنَّ الانحرافَ عن الفطرةِ لا يكونُ في جيلٍ واحدٍ؛ بل في أجيالٍ، وربما قُرونٍ، وأمَّا الشريعةُ فيمكِنُ أن تتغيَّرَ في عِقْدٍ أو عِقْدَيْنِ أو ثلاثةٍ، ورُبَّما أقَلّ، بحسبِ قوَّةِ براهينِ التبديلِ، فالتعرِّي لا يمكِنُ أن يتوغَّلَ في بلدٍ نَشَأَ على الفطرةِ والعفافِ والحياءِ والسترِ، إلا بعقودٍ أو قرنٍ أو أكثَرَ؛ لأنَّ الإنسانَ مخلوقٌ عليها، وممزوجٌ فطرةً بها؛ لهذا سمَّى اللهُ فِطْرتَهُ الصحيحةَ صِبْغةً؛ كما في قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨].\nوإذا تغيَّرتِ الفطرةُ وانحرَفَتْ، فرجوعُها إلى أصلِها أسهلُ مِن خروجِها منه، ولكنَّه شاقٌّ، فيصعُبُ أن يقتنِعَ إنسانٌ حَيِيٌّ محتشِمٌ، فيتعَرَّى في يومٍ ولو أُقْنِعَ بأدلةٍ بصحةِ التعرِّي، ولن يقدِرَ على الاستجابةِ مرةً واحدةً، حتى يتدرَّجَ، ولكنْ لو أقنَعْتَ مَن يتعَرَّى بأدلةِ السترِ والحجابِ، يسهُلُ عليه أن يستتِرَ ويستجيبَ مرةً واحدةً، ولو كانت درجةُ الإقناعِ واحدةً عندَهما جميعًا؛ لأنَّ الأولَ يخرُجُ مِن الفطرةِ الصحيحةِ، والثانيَ يعودُ إليها، والأصلُ الفطريُّ غلَّابٌ جذَّاب، ولو دُلِّسَ على العقلِ بالأدلَّةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الشرائعُ والطبائعُ .. وتغييرُها:</span>\nالفطرةُ تُفسِّرُ نَفْسَها، ويصعُبُ تفسيرُها مِن جميعِ","vol":"1","page":20},{"text":"الوجوهِ بنصٍّ، وخلَقَها اللهُ صحيحةً سليمةً، فإذا نزلَتْ عليها شرائِعُه، فَهِمَتْ هذه الفطرةُ تلك الشرائعَ بلا تفسيرٍ، وتطابقَتْ معها كتطابُقِ أغطيةِ الأقلامِ على الأقلامِ؛ فمثلًا:\nاللهُ يأمُرُ بأنْ يأخُذَ الإنسانُ زينَتَهُ عند كلِّ مسجدٍ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، لكنَّه لا يفسِّرُ له تلك الزينةَ؛ لأنه مطبوعٌ على معرفتِها بنَظَرِه.\nويأمرُهُ بتحسينِ الصوتِ بالقرآنِ؛ قال النبيُّ ﷺ: (زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ) (١)؟ لكنَّه لا يُفسِّرُ له ما الصوتُ الحسَنُ مِن القبيحِ؛ لأنَّه مطبوعٌ على معرفتِه بسمعِه وحِسِّه.\nويأمرُهُ بالتطيُّبِ بالرائحةِ الحسنةِ، ولكنْ لا يُفسِّرُ اللهُ له ما الرائحةُ الطيبةُ مِن الخبيثةِ؛ فلن تُعرَفَ بدليلٍ أكثرَ مما هو مطبوعٌ عليه بشَمِّه.\nوإذا تغيَّرتِ الفطرةُ التي طُبعَ عليها الإنسانُ، فلن يفهَمَ الأوامِرَ الشرعيةَ التي أمرَهُ اللهُ بها، حتى تُعدَّلَ الفطرةُ عنِ انتكاستِها؛ لتستوعِبَ؛ كالإناءِ المقلوبِ لا بُدَّ مِنْ تعديلِه حتَّى يستوعِبَ ما يوضعُ فيه؛ لهذا شدَّد اللهُ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (١٤٦٨)، والنسائي (١٠١٥ و١٠١٦)، وابن ماجه (١٣٤٢)؛ مِن حديثِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ ﵁.","vol":"1","page":21},{"text":"في أمرِ الفطرةِ، وحذَّر مِن تغييرِها؛ لأنَّها تؤثِّرُ على استيعابِ أوامرِه ونواهِيه، والإيمانِ بعلَلِها ومقاصدِها، وكُلَّما كانتِ الفطرةُ أشدَّ تغييرًا، كانَتْ أشدَّ ردًّا للجزئياتِ؛ لأنَّها لم تَفْهَمِ القواعدَ والكُلِّيَّاتِ، فالأُمَمُ التي تُحِلُّ الزِّنَى وتُبِيحُهُ وتُشَرِّعُه لن تفهَمَ الحجابَ، وتحريمَ الخلوةِ والاختلاطِ؛ لأنَّها مقدِّماتٌ وحواجزُ بعيدةٌ لشيءٍ لا يؤمِنُون بتحريمِه.\nوالإنسانُ مفطورٌ على فِطَرٍ عديدةٍ، وهذه الفِطَرُ منها ما يُمكِنُ تغييرُه، ومنها ما لا يمكِنُ تغييرُه؛ لتجذُّرِه وامتزاجِهِ بالخِلْقةِ البشريةِ، وتكوُّنِ الإنسانِ منها كتكوُّنِ الماءِ مِن عناصرِه.\nوما يمكِنُ تغييرُه، يختلِفُ في مقدارِ الزمانِ والقوةِ التي يَحْتاجُ إليها للتغييرِ، بحسبِ ثباتِه في الفطرةِ ورسوخِه فيها، والشيطانُ يحرِصُ على تغييرِ الفطرةِ أشَدَّ مِن حرصِهِ على تغييرِ الشريعةِ؛ لأنَّها أشدُّ في الانحرافِ والإعراضِ، ثم إنَّ العودةَ إلى الفطرةِ الصحيحةِ تحتاجُ إلى عقودٍ طويلةٍ، ورُبَّما قرون، وأما تغييرُ الشريعةِ فيحتاجُ إلى مجدِّدٍ يعيدُ الأدلَّةَ إلى حقيقتِها، فتتلقَّاها الفطرةُ الصحيحةُ بسهولةٍ، وإن كابَرَتْ فلا يطولُ عنادُها، حتى تستَسْلِمَ وتُذْعِنَ لها.","vol":"1","page":22},{"text":"ثم إنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-10> تغييرَ الفطرةِ الواحدةِ يُلْغِي معه شرائعَ كثيرةً </span>متعدِّدةً؛ كقَطْعِ أغصانِ الشجرةِ الكبيرةِ يسقُطُ معها ما لا يُحصى مِن عيدانِها وأوراقِها، لو تتبَّعَها وحدَها، أتعَبَتْه جهدًا، وطالَتْ معه زمنًا؛ ولهذا فمِن وسائلِ الشيطانِ وأعوانِه: تغييرُ أصولِ الفطرةِ؛ ليسهُلَ سقوطُ توابِعِها من مقرَّراتِ الشريعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>فطرةُ العفافِ وتغييرُها:</span>\nومِن أعظمِ أصولِ الفطرةِ: فطرةُ العفافِ، وإنْ غُيِّرَتْ فإنها يتغَيَّرُ معها -تبعًا- شرائعُ كثيرةٌ؛ كغَضِّ البَصَرِ، وخَفْضِ صوتِ المرأةِ، وعدمِ خضوعِها به، والحجابِ، وإخفاءِ المفاتِنِ منعًا للإثارةِ، وعدمِ الاستهانةِ بالخلوةِ، والفصلِ بين الجنسَيْنِ، وتركِ الغَزَلِ، وعدمِ اتخاذِ الأصدقاءِ بين الجنسَيْنِ، وغيرِ ذلك، فهذه وغيرُها تسقُطُ، إن سقطَتْ فطرةُ العفافِ، تبعًا.\n\nلهذا نَجِدُ أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-12> جميعَ الأنبياءِ يَدْعُونَ إلى حفظِ أصول الفطرةِ مع التوحيدِ</span>؛ لأنَّ التوحيدَ أصلُ العباداتِ، والفطرةَ أصلُ المُرُوءاتِ، وقد كان النبيُّ ﷺ يَدْعُو بمَكَّةَ إلى هذا، فقد قال أبو سفيانَ لهِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ لَمَّا سأله عما يدعو إليه النبيُّ ﷺ: يأمُرُنا بالصلاةِ والصدقِ والعفافِ،","vol":"1","page":23},{"text":"قال هِرَقْلُ: «هذه صفةُ نَبِيٍّ» (١).\nولعِظَمِ هذا الأصلِ الفِطْرِيِّ؛ العفافِ، جعَلَ اللهُ له حُرَّاسًا وحُمَاةً؛ فضلًا عن حمايةِ الإنسانِ الواحدِ نَفْسَه، حتَّى يقاوِمُوا دوافِعَ تمرُّدِ الواحدِ على فطرتِه؛ فخلَقَ اللهُ في الإنسانِ الغَيْرَةَ على غيرِه، كما تغارُ الزوجةُ على زوجِها، فتكونُ رقيبةً عليه، ويكونُ هو لغَيْرتِه رقيبًا عليها، والوالدُ مع بِنْتِه، والأخُ مع أُخْتِه، والعكسُ كذلك، بل تقَعُ الغَيْرةُ بين الغرباءِ بعضِهم على بعضٍ، جعَلَهم اللهُ حُرَّاسًا، يتناوَبُون على عدمِ تمرُّدِ الواحدِ على عفافِ نَفْسِه، وعفافِ غيرِه.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-13>تغييرُ الفطرةِ أخطرُ مِن تغييرِ سُنَنِ الكَوْنِ</span>، وأشدُّ أَثَرًا على دِينِ الإنسانِ، وقد كان نبيُّ اللهِ موسى ﵇ حَيِيًّا سَتِيرًا، وكان يستَحْيِي أن يبدُوَ مِن جِلْدِه ما يتساهلُ بنو إسرائيلَ في إبدائِه، حتى آذَوْهُ وقالُوا: ما يستتِرُ هذا التستُّرَ إلا مِن عيبٍ بجِلْدِه؛ إمَّا بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وأمَّا آفةٍ، فأرادَ اللهُ أن يبرِّئَه، ولا يبدِّلَ فطرتَه، فلما أراد أن يغتسِلَ، وضَعَ ثيابَهُ على حَجَرٍ، فلَمَّا قضَى غُسْلَه، وأراد أن يأخُذَ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).","vol":"1","page":24},{"text":"ثيابَه، عدا الحَجَرُ، وهرَبَ بثوبِه، وأخذَ موسى عصاهُ، وطلَبَ الحجَرَ، يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ! ثَوْبِي حَجَرُ! حتى خرَجَ لبني إسرائيلَ فرأوْهُ، وعلموا أنَّه مبرَّأٌ مما قالوا؛ فأنزلَ اللهُ على نبيِّه محمَّدٍ ﷺ مذكِّرًا بتلك الحال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، والحديثُ أخرَجَه البخاريُّ ومسلمٌ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁ (١).\nواللهُ تعالى لم يأمُرْ موسى أن يَنْزِعَ ملابِسَه ويخرُجَ للناسِ ليبرِّئَ نفسَه؛ ولكنْ غيَّر سننَ الكونِ وجاذبيَّةَ الأرضِ، وأوجَدَ في الحجَرِ قوَّةً للسيرِ بثيابِه، لِيَتْبَعَها؛ ليكونَ ظهورُ جسَدِه وعوراتِه بلا اختيارٍ منه؛ فلا يكونُ هناكَ أدنى قناعةٍ للنفسِ بإمكانِ اختيارِ مثلِ هذا الفعلِ؛ لأنَّ خَرْقَ الفطرةِ إنْ بدأَ، اتَّسَعَ وتدَرَّجَ اتساعًا حتى لا يَنْتهِي.\nلهذا فالعاقلُ العفيفُ حينَما يُصَابُ بمرضٍ في موضِعِ عورتِه، ويُضطرُّ لجراحةِ طبيبٍ يلزَمُ منها كَشْفُها، تجدُه يُحِبُّ أن يبنَّجَ ويخدَّرَ؛ لِيغيبَ وَعْيُه، وتُنْزعَ عنه عورتُه مِن غيرِه، بلا اختيارٍ منه، لا أن يقومَ هو بنفسِه باختيارِه،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩).","vol":"1","page":25},{"text":"مع أنَّ المؤدَّى واحدٌ؛ لكنَّ نَزْعَ الإنسانِ بنَفْسِه يُصاحِبُه نزعُ هيبةِ العفافِ مِن النفسِ والفطرةِ؛ فإنَّ كَسْرَ الحياءِ والعفافِ حينئذٍ يكونُ بالاختيارِ؛ ومَن جَرَّبَه مرةً، تساهَلَ به أخرَى في حالةٍ أقلَّ حاجةً.\nوقد فطَرَ اللهُ آدمَ وحواءَ -وهُما أوَّلُ البَشَرِ- على العفافِ والسترِ، فلمَّا أكَلَا مِن الشجرةِ، وسقطَ عنهما لباسُهما، دعاهم داعي الفطرةِ والطبعِ الذي خُلِقُوا عليه، إلى رَدَّةِ فعلٍ؛ طلبًا للسترِ؛ فأخذَا يَجْمَعانِ الورَقَ ويؤلِّفانِه بعضَه إلى بعضٍ؛ ليستُرَ عوراتِهما، وفي ذلك قال اللهُ: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].\nوالسُّنَّةُ الكونيةُ: أنَّ العفافَ إن نُزِعَ أوَّلُه، تتابَعَ وتساقَطَ، ومنه حجابُ المرأةِ، إنْ سقطَ أوَّلُه، تداعَى إلى آخِرِه، وهذا مشاهَدٌ في كلِّ المجتمعاتِ والشعوبِ، حتى أصبَحَ في كثيرٍ منها عادةً معاكِسةً للفطرةِ الصحيحةِ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-16>الإنسانُ يمكِنُ أن يتطبَّعَ ويألَفَ ما يُخالِفُ بعضَ الفطرةِ</span>، وإنما يحتاجُ إلى كثرةِ مخالَطةٍ ومشاهَدةٍ ومجاوَرةٍ، وتدرُّجٍ بذلك مع صَبْرٍ حتى يتشرَّبَها كتشَرُّبِ الإسفنْجِ للماءِ، فيستطيعَ الإنسانُ أن يُجاوِرَ أنتَنَ الروائحِ وأكرَهَها؛","vol":"1","page":26},{"text":"كجِيفَةِ المَيْتةِ، فإنْ جاوَرَها شَقَّ عليه، حتَّى إذا طالَتْ مجاوَرَتُه لها ليومٍ وأيَّامٍ، اعتاد عليها، ولم يشعُرْ بما يستَنْكِرُه المارَّةُ عليه، كذلك الأفعالُ والأفكارُ، ومنها السفورُ والتعرِّي، حتى لو تكاثَرَ الناسُ على مجاوَرَتِها وتشرُّبِها، آنَسَ بعضُهم بعضًا، ونظَرَ بعضُهم إلى بعضٍ، فلم يستنكِرُوا شيئًا، وظَنُّوا أنَّ صاحبَ الفطرةِ الصحيحةِ شاذٌّ، وهكذا كان قومُ لُوطٍ؛ تدرَّجُوا بالانحرافِ حتى جاوَرُوه، وقارَفُوه، وتكاثَرُوا، وطالَ عهدُهم عليه؛ قالوا في لوطٍ -تهكُّمًا-: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] عابُوهم والعيبُ فيهم!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الحجابُ .. عبادةٌ وعادةٌ:</span>\nلا يختلِفُ البشَرُ أنَّ سَتْرَ الإنسانِ لبَدَنِه فطرةٌ طُبِعَ عليها؛ ولو لم يكن هناك حَرٌّ ولا بَرْدٌ ولا مَطَر؛ بل حتى لو كانَ الإنسانُ وحدَه لا يراهُ أحَدٌ، أَحَبَّ أن يلبَسَ ويتزيَّنَ ولو لنَفْسِه؛ ولهذا كان آدَمُ وحواءُ يستترانِ لنَفْسَيْهِما، لا وجودَ لبَشَرٍ معهما؛ ولذا قال اللهُ -مبيِّنًا أنَّ عقوبةَ كشفِ لباسِهما، كانت لتَرَى أعينُهما سوْءَاتِهما متقابِلَيْنِ بلا داعٍ-: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].","vol":"1","page":27},{"text":"ولكن يختلِفُ الناسُ في حدودِ هذه الفطرةِ، وفي حجمِ ما يُستَرُ مِن البَدَنِ؛ بحَسَبِ ما يحكُمُهم مِن نقلٍ أو عقلٍ أو عرفٍ، أو ما يَحرِفُهم مِن شَهَواتٍ أو شُبُهاتٍ.\nولما كانت فطرةُ السترِ تتجاذبُها العقولُ، وأهواءُ النفوسِ وشبهاتُها، وتزيينُ الشيطانِ على الإنسانِ، جاءتِ الشريعةُ مِن اللهِ ضابطةً له وحاكمةً عليه بنصوصٍ كثيرةٍ في جميعِ الشرائعِ، ورسالاتِ الأنبياءِ على كلِّ الأُمَم، وتواتَرَ هذا في القرآنِ والسُّنَّةِ، وقد بيَّن اللهُ أنَّ كشفَ العوراتِ وظهورَ المفاتِنِ غايةٌ قديمةٌ لإبليسَ وذُرِّيَّتِه مع آدَمَ وذُرِّيَّتِه؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-19>الشرائعُ أقوى هَيْبةً وحفظًا مِن العاداتِ في نفوسِ الناسِ</span>، حتى وإنْ قصَّروا في دينِهم في العملِ الظاهِرِ؛ إلا أنَّ عاداتِهم تتغيَّرُ كثيرًا عبرَ القرونِ، ويبقى دينُهم محفوظًا بهَيْبَتِه في النفسِ، يذهَبُون ويَرْجِعُون إليه، وأمَّا العاداتُ الخالصةُ فإنْ ذهبَتْ فغالبًا لا تعودُ.\nولما كان السترُ عمومًا -وحجابُ المرأةِ خصوصًا- عبادةً ربانيَّةً تمتزِجُ مع الفطرةِ البشريةِ، كان مِن وسائلِ","vol":"1","page":28},{"text":"الشيطانِ وأعوانِه: فَصْلُ عبوديَّةِ الحجابِ، والإبقاءُ على كونِه عادةً، حتى يسهُلَ تحكُّمُ الأهواءِ به؛ لأنَّ الأهواءَ كأَهْوِيةِ الرِّيَاح، لا تحمِلُ معها إلا الخفيفَ، وتخفيفُ الثقيلِ ثم إزالَتُه، أهوَنُ مِن إزالَتِه وهو ثقيلٌ.\nوقد ظهرَتْ دعواتٌ تجعَلُ مِن حجابِ المرأةِ والسترِ عمومًا عادةً وتقليدًا، لا عبادةً ودِينًا؛ لأنَّ العبادةَ لا تقبلُ الهَدْمَ إلا بنزعِ أدلَّتِها، وأدلَّتُها إن كانتْ ثابتةً راسخةً لا تقبَلُ النَّزْعَ إلا بمواجهةِ الشريعةِ كُلِّها؛ لأنَّ مَن جحَدَ شيئًا مِن الدينِ بالضرورةِ، كان كمَن جَحَدَه كُلَّه.\nوأدلةُ حجابِ المرأةِ في القرآنِ والسُّنَّةِ أقوى وأرسخُ مِن أن تَنزِعَها الأهواءُ، ولكنَّها تَقْدِرُ على استدبارِها وراءَ ظَهْرِها، ثم تَدَّعِي أنها لا تراها، وكلُّ شيءٍ تستدبِرُه أو تُغْمِضُ عينيكَ عنه، لن تراه، ولو أغمَضَ الإنسانُ عينَيْه عن نَفْسِه، لم يرَ نفسَه، وإن كانت هذه حُجَّةً فليس بعدَ هذا مثقالُ ذرَّةٍ مِن عَقْلٍ!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الحكمةُ مِن مشروعيَّةِ حجابِ المرأةِ:</span>\nلا يوجدُ أمرٌ محرَّمٌ ولا كبيرةٌ، إلا وحاطَها اللهُ وحَمَاها مِن جميعِ جهاتِها، حتى لا يَتوصَّلَ الناسُ إليها","vol":"1","page":29},{"text":"فيقَعُوا فيها؛ فحرَّمَ اللهُ الشِّرْكَ والكفرَ، وحرَّم وسائِلَه، وأغلَقَ المنافِذَ إليه، وحرَّم السِّحْرَ، وحرَّم وسائلَه، وحرَّم الرِّبَا، وحرَّم وسائلَه، وحرَّم الزِّنَى، وحرَّمَ الوسائلَ المُفْضِيةَ إليه.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-22>الوسائلُ أكثرُ مِن الغاياتِ والمقاصد</span>؛ فكلُّ غايةٍ لها أكثرُ مِن وسيلةٍ توصلُ إليها، كالذاهبِ إلى مَكَّةَ، فكلُّ جهاتِها الأربعِ وما بينَها وأوديَتِها وجبالِها وسِكَكِها تؤدِّي إليها، وكلما كان الشيءُ شديدَ التحريمِ، شدَّد اللهُ في وسائلِه، ولو كثُرَت، واحتاطَ له مِن وقوعِ الإنسانِ فيه، ولو مِن وسائلَ بعيدةٍ، بخلافِ تحريمِ الصغائرِ، فتحريمُ وسائلِها ضعيفٌ؛ كالفَرْقِ بين الحُفْرةِ الصغيرةِ، والهُوَّةِ السحيقةِ، فالأُولَى تُحاطُ مِن قريبٍ، والثانيةُ تُحاط مِن بعيدٍ.\nوالزِّنَى مِن أكبرِ الكبائِرِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]،","vol":"1","page":30},{"text":"وقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ السَّبْعَ المُوبِقاتِ، ولم يَنُصَّ على الزِّنَى منها؛ وإنَّما قال: (وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١)؛ يعني: بالزِّنَى؛ ليدُلَّ على أنَّ مجرَّدَ قذفِ البريءِ به، مُهلِكٌ ومُوبِق؛ فكيفَ بالوقوعِ فيه أو إشهارِه وإذاعتِه؟! وفي هذا تعظيمٌ للزنَى أعظمَ مما لو نصَّ عليه باسمِه، وقد قال ﷺكما في «الصحيحين» -: (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) (٢).\nوإذا انتشَرَ الزِّنَى، فلِأَنَّ وسائِلَهُ الموصلةَ إليه يسيرةٌ، فإذا تيسَّرتِ الوسائلُ سهُلَ الوصولُ إلى الغاياتِ؛ ولهذا أخبَرَ النبيُّ ﷺ أنَّ مِن علاماتِ الساعةِ: ظهورَ الزِّنَى، وظهورُه يكونُ بظهورِ وسائلِه، وقوةِ الدعوةِ إلى الاستهانةِ به؛ ففي «الصحيحين» مِن حديثِ أَنَسٍ ﵁، قال ﷺ: (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَى) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (٨٩)؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁.\n(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁.\n(٣) أخرجه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).","vol":"1","page":31},{"text":"ومِن وسائلِ الزنَى المحرَّمَةِ لأجلِه: النَّظَرُ، والسُّفُورُ، والخضوعُ بالقولِ، والغَزَلُ، والاختلاطُ، والخَلْوةُ، وهذه خطواتٌ واحدةٌ تلي الأُخْرَى، أوَّلُها النظرُ، ثم يسيرُ حتى يتكلَّمَ بالفُحْشِ، ثم يختلِطَ، فيَخلُوَ، فيَمَسَّ، فيَزنِيَ، وهذا ما بَيَّنَه النبيُّ ﷺ كما في «الصحيح»: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَزِنَى العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَدِّبُهُ) (١).\nوقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ التفكُّرَ بالزنى وتَمَنِّيَه؛ لأنَّه يثيرُ قوَّة ًكامنةً في النفسِ، ورغبةً للبحثِ عنه؛ ليبدأَ الإنسانُ خُطُواتِ الوقوعِ فيه، ولن يَصِلَ إلى الزنى إلا بهذه الوسائلِ التي نَهَى اللهُ عنها، وكلما كانَتِ الوسيلةُ إلى الفاحشةِ أقرَبَ، وتسهيلُها لها أقوَى، كان التأكيدُ على تحريمِها في القرآنِ والسُّنَّةِ أشدَّ.\nولا يُقدِّرُ تحريمَ الوسائلِ، مَن لم يعرِفْ خطرَ الغاياتِ، وشدةَ تحريمِها؛ ولهذا حينَما يتساهَلُ أحدٌ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٦٢٥٧)؛ مِن حديثِ أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":32},{"text":"بالزنى، ويقعُ فيه ويعتادُه، تظهَرُ عليه علاماتُ الاستهانةِ بالوسائلِ الموصلةِ إليه، وعدمِ المبالاةِ بها، والاستهزاءِ بمَن يُشدِّدُ فيها، ولو لم يتجرَّا على التصريحِ بأنَّه مِن أهلِ الزنى، وقد جعَلَ اللهُ سُنَّةً عقليةً ونقليةً: أنه لا يَهْدِمُ الوسائلَ إلا مَن لم يؤمِنْ بالغاياتِ.\nوقد عظَّمَ اللهُ الزنى، وشدَّد في تحريمِ وسائِلِه في الجنسَيْنِ؛ رجالًا ونساءً، فيشرِّعُ للجنسَيْنِ جميعًا حكمًا، ويشرعُ للذَّكَرِ حكمًا، وللأُنثى حكمًا -كلٌّ بما يصلُحُ لفطرتِه- شرائِعَ وتكاليفَ متقابلةً لحفظِ الوسائلِ، لو أُحكمتْ، ما وقَعَ الناسُ في الغاياتِ المحرَّمةِ.\nولما كان افتتانُ الرجلِ بالمرأةِ أقوى، ولأنه أجسرُ في الإقدامِ على الزنى، شُدِّدَ عليه في تحريمِ وسيلةِ النظرِ أكثَرَ مِن المرأةِ، وإنِ اشترَكَا في أصلِ النهيِ؛ ولكنَّ الرجلَ أكثرُ جرأةً لِمَا بعدَ النظرِ، فيأتي بالخطوةِ التي تليها، والمرأةُ غالبًا لو نظرَتْ لا تَجسُرُ على ما بعدَ النظرِ كالرجلِ؛ لذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]؛ فجعَلَ الطَّمَعَ في الرجُلِ، مع احتمالِ ورودِه مِن المرأةِ؛ وذلك تعظيمًا للنبيِّ ﷺ، وتطهيرًا لنسائِه، ولبيانِ خَصُوصيَّةِ الرجالِ","vol":"1","page":33},{"text":"بالجَسَارةِ؛ ولذا جاء الوحيُ مُتَمِّمًا للفطرةِ في كلِّ واحدٍ منهما.\nوشدَّدَ اللهُ على الرجُلِ في غَضِّ البصرِ، وشدَّدَ على المرأةِ في الحجابِ؛ حتى يَقِلَّ ما بينهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مفاتِنِه؛ فيَفْتِنُ، ولا أنه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بصَرِها؛ فتُفْتَن؛ ولكنَّ الوحيَ يشُدُّ الحبالَ المرتَخِيةَ في النفوسِ، أشدَّ مِن الحبالِ الثابتةِ فيها، وأقرَبُ الناسِ إلى السقوط يُجذَبُ أشدَّ مِن البعيدِ عنها، حتى تكتمِلَ فطرةُ العفافِ وتصِحَّ، فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بصَرَه، فإنَّ المرأةَ تدفَعُ فتنَتَه بحجابِها، وإن لم تتحَجَّبِ المرأةُ فالرجلُ يدفَعُ فتنَتَها بغَضِّ بصرِه؛ ولهذا ربَطَ اللهُ بينَ غَضِّ البصرِ وبين الزِّنَى؛ لأنَّه سببٌ له، فقال للرجالِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النُّور: ٣٠]، وقال للنساء: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النُّور: ٣١]؛ ولكنه زاد في النساء: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النُّور: ٣١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ميلُ الجنسَيْنِ بعضِهما إلى البعضِ:</span>\nكثُرَتِ الدعواتُ الفكريةُ إلى التهوينِ مِن وسائل","vol":"1","page":34},{"text":"الزنى، وربما إلى التهوينِ مِن الزنى بذاتِه، بأساليبَ متنوعةٍ، والأفكارُ الليبراليةُ اليومَ تؤصِّلُ لذلك بطرقٍ كثيرةٍ، كلُّ مجتمعٍ ويلدٍ بِحَسَبِه، ومِن أخطَرِ تلك الوسائلِ: التهوينُ مِن ميلِ الجنسَيْنِ بعضِهما إلى البعضِ، ومكابَرَةُ الفطرةِ والغريزةِ المركَّبةِ في الإنسانِ كما يُركَّبُ الماءُ مِن عناصِرِه، فيثيرون أمورًا فطريةً مسلَّمةً لا عَلَاقةَ لها بالمناهي والأحكامِ الشرعيةِ التي أمَرَ اللهُ بها الجنسَيْنِ حتى لا يُكْسَرَ العفافُ وتقَعَ الفواحِشُ؛ فيُحْيُونَ أخوَّةَ الجنسينِ، و(النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) (١)، ويُكْثِرُونَ مِن ذكرِ تكافُلِهما وتعاوُنِهما، ويحيونَ البراءةَ وسلامةَ القلبِ، ويُظْهِرونَ الغاياتِ الماديَّةَ الصحيحةَ، وأنْ لا حاجةَ لتنافُرِ الجنسينِ، ويجبُ كَسْرُ ما بينَهما، ويَرْمُونَ مَن يحتاطُ للغاياتِ التي حرَّمَ اللهُ الوسائلَ لأجلِها، بالشكِّ والوَسْوسةِ والرِّيبةِ والشهوانيةِ، حتى يُشْعِرُوا غيرَهم بالخجَلِ مِن سوءِ قَصْدِه المزعومِ، ويرفَعُوا رؤوسَهم بنبلِ مقاصدِهم.\nوأُسلوبُ التخجيلِ أُسلوبٌ عقليٌّ قديمٌ، هروبًا مِن\n_________\n(١) يُرْوَى مرفوعًا مِن حديثِ عائشةَ ﵂؛ أخرجه أبو داود (٢٣٦)، والترمذي (١١٣).","vol":"1","page":35},{"text":"الدليل، يُستعمَلُ عندَ عدمِ إرادةِ مناقشةِ الأدلَّةِ، تحقيرًا لها ولو كانتْ عظيمةً؛ قال قومُ صالحٍ له: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢].\n\nومِن أعظَمِ صورِ المكابَرَةِ للفطرةِ وللعقلِ في الفكرِ الليبراليِّ: هي<span data-type=\"title\" id=toc-27> مكابرةُ عدمِ التفريقِ بين الذكَرِ والأُنْثَى</span>، وبهذا يُهَوِّنُون مِن الغاياتِ، كفاحشةِ الزنى لو وقعَتْ، وأن الغاياتِ لا تستحِقُّ لأجلِها وَضْعَ كلِّ هذه الوسائلِ التي يُسَمُّونها عراقيلَ وعقباتٍ، فهم ينظُرُون لزِنَى الجنسينِ كمصافحةِ الكَفَّيْنِ لبعضِهما؛ بل مِن المسلمينَ مَن يُعظِّمُ أمرَ مصافحةِ الجنسينِ الأجنبيَّينِ بعضِهما البَعْض أعظَمَ مِن تعظيمِ زِنَاهما في الفكرِ الليبراليِّ! انتكسَتِ الفطرةُ، وزالَتِ الغاياتُ، وزالَتِ الوسائلُ معها.\nومِن هذا المبدأ -ولو لم ينطِقُوا به- أنَّهم يكابِرُون في ميلِ الجنسَيْنِ بعضِهما للبعض، حتى يصوِّروا للجُهالِ أنَّ حاجزَ الهيبةِ بين الجنسينِ في الإسلامِ لو كُسِرَ بكسرِ الحجابِ والمخالَطَةِ، لكانَتِ الأُخُوَّةُ بينهما كأُخُوَّةِ الرجالِ للرجالِ، والنساءِ للنساءِ؛ ومن المعلومِ: أنه لا أعظَمَ مِن كسرِ تلك الحواجِزِ بين الزوجينِ وما زالتِ الغريزةُ بينهما قائمةً عشراتِ السنين، يميلُ الزوجُ لزوجتِه، والزوجةُ","vol":"1","page":36},{"text":"لزوجِها، ميلًا فطريًّا لا ينتهي، ولكن مَن هانَتْ عندَه محارِمُ الله، تعلَّقَ بأوْهَى الحُجَجِ ولو كانت كبيتِ العنكَبُوتِ.\nومِن أساليبِهم في التهوينِ مِن وسائلِ الزنى: احتجاجُهم أنَّ وقوعَها لا يلزَمُ منه الوقوعُ في الغايةِ، فالنظَرُ، وتبرُّجُ المرأةِ، والاختلاطُ، وخَلْوَتُها بالأجنبيِّ عنها، لا يلزمُ منه الوقوعُ في الزنى؛ فقد ينظُرُ الرجلُ مرَّاتٍ، وتتبرجُ المرأةُ سنواتٍ، ولا يقعُ أحدُهما في الزنى، واللهُ حينما حرَّم الوسائلَ، يعلمُ أنَّ بعضَها لو وقَعَ لا يلزَمُ منه وقوعُ الغايةِ، وإلا فلا فرقَ بين الغاياتِ والوسائلِ، ولا بينَ النظرِ والتبرُّج والاختلاطِ، وبين الزنى؛ ولكنْ مِن مسلَّماتِ العقلِ والنَّقْلِ: أنَّ الوسائِلَ لو تتابعتْ أوصلَتْ للغايةِ؛ لهذا لا يفرَّقُ بين الخطوةِ الأُولَى والأخيرةِ في أصلِ النهيِ -لا في تعظيمِه- فالرجُلُ ربما ينظُرُ لمِئَةِ امرأةٍ، ويزني بواحدةٍ، والنظرُ لهذا العددِ هو وَقُودُ الوقوعِ على واحدةٍ؛ فإنَّ الخطوةَ الأخيرةَ ليست هي التي أوصلَتِ الماشيَ إلى الهاويةِ؛ وإنما هي آخِرُها، وقد وصلَ بمجموعِ الخطواتِ لا بواحدةٍ منها.","vol":"1","page":37},{"text":"وتبرُّجُ المرأةِ وسفورُها وتركُها للحجابِ، مِن تلك الوسائلِ الموصلةِ إلى الفاحشةِ، سواءٌ للمرأةِ بذاتِها، أو لكونِها وقودًا لغيرها، ولو لم تشعُرْ به في نفسِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>تاريخُ تشريعِ الحجابِ والسترِ:</span>\nمِن إحكامِ الله لشريعتِه: أنه يبدأُ بتحريمِ الغاياتِ قبلَ تحريمِ الوسائلِ الموصلةِ إليها؛ لأنَّ المقصدَ مِن العبوديةِ يظهَرُ في الغاياتِ أكثَرَ منه في الوسائلِ، فجاء تحريمُ الوسائلِ تبغًا، وقد كانت أكثرُ الوسائلِ مباحةً، ثم حُرِّمت بعدَ رسوخِ تحريمِ غاياتِها في النفوسِ؛ ولهذا يُمكِنُ أن تُباحَ الوسائلُ الموصلةُ للزنى في أحوالٍ نادرةٍ وخاصةٍ، لكنْ لا يمكنُ أن يُحَلَّ الزنى أبدًا؛ لأنَّه محرَّمٌ لذاتِه؛ قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] فالنظرُ للمرأةِ يجوزُ للعجوزِ، وللمخطوبةِ، وأن يَمَسَّ الرجلُ المرأةَ، والمرأةُ الرجلَ؛ للضرورةِ الشديدةِ للتطبيبِ والعلاجِ، ولكنَّ الزنى لا يُمكِنُ أن تُبيحَه أيُّ ضرورةٍ.\nولما كانتِ الوسائلُ الموصلةُ إلى الزنى كثيرةً،","vol":"1","page":38},{"text":"وكان تحريمُها جملةً شاقًّا على نفوسٍ حديثةِ عهدٍ بجاهليةٍ وضلالٍ؛ كطوافٍ للعُرَاةِ حولَ الكعبةِ، وشِعْرٍ فاحشٍ، وغَزَلٍ ماجِنٍ، وتساهُلٍ بزنى الإماءِ والتكسُّبِ منهنَّ: تدرَّجَتِ الأحكامُ بتحريمِ الغايةِ أولًا، وهي الزنى، قبلَ وسائِلِها الكثيرةِ؛ جذبًا للنفوسِ، وتأليفًا لها، فلما حرَّم اللهُ الزنى، وشدَّد في أمرِه، وقوَّم الفِطَرَ المنحرِفةَ بجاهليةٍ سابقةٍ، ناسَبَ فحرَّم وسائلَ الزنى، بحسبِ ما يجتمِعُ فيها مِن قوَّةٍ، وسرعةٍ، وقُرْبٍ مِن فاحشةِ الزنى، ومِن هذه الوسائلِ شريعةُ الحجابِ للمرأةِ وجلبابِها وخمارِها، فشَرَعَه اللهُ في السَّنَةِ الخامسةِ، وقيلَ: قريبًا منها.\nوقد جاء في ذكرِ أحوالِ النساءِ أحاديثُ كثيرةٌ؛ في حجابِهِنَّ، ولباسِهِنَّ، وخروجِهِنَّ قبلَ فرضِ الحجابِ، ومَن لم يَعْرِفْ تواريخَ الحوادثِ والنوازلِ، اضطربتْ عليه الأدلَّةُ؛ خاصَّةً إنْ كان في النفوسِ هَوىً، تشبَّثَتْ بأدنَى دليلٍ لا تعرِفُ إحكامَه ونَسْخَه، ويستطيعُ كلُّ واحدٍ أنْ يأخُذَ بنصوصِ الوحيَيْنِ المنسوخةِ، فيحتجَّ بها على ما يَهْوَى، حتى في أركانِ الإسلامِ، فإنَّ الصحابةَ كانوا يصلُّون ركعتَيْنِ ركعتَيْنِ، ولم تُفْرَضْ أكثرَ مِن ذلك،","vol":"1","page":39},{"text":"حتى زِيدَتِ الظُّهْرُ والعصرُ والمغرِبُ والعشاءُ (١).\nوقد رأيتُ مِن الكُتَّابِ مَن يستدِلُّ بأحاديثَ قبلَ فرضِ الحجابِ على تهوينِ الحجابِ، والعلماءُ كانوا يَعْرِفُون هذه الأحاديثَ، وَيمُرُّون عليها مرورَ العارِفِين لمنازِلِها ومواضِعِها في الدِّينِ، ولم يَخطُرْ بالبالِ أن يَحتَجَّ بها محتجٌّ على رأيٍ خطأٍ، أو هوىً وضلالةٍ، والجهلُ بتواريخِ نزولِ الوحيَيْنِ، بابٌ لكلِّ صاحبِ هوىً، يدخُلُ منه ليأخُذَ ما يريدُ، حتى الخمرُ فالأحاديثُ والأخبارُ في شربِ الناسِ لها قبلَ تحريمِها كثيرةٌ!\nولم يكنْ تشريعُ الحجابِ والسترِ باللباسِ فُرِضَ جملةً واحدةً بجميعِ تفاصيلِه؛ وإنما جاءَ متدرِّجًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أنواعُ النساءِ في الحجابِ واللِّبَاسِ، وفسادُ قياسِ حكمِ بَعْضِهِنَّ على بعض:</span>\nلا بُدَّ لمَن أراد أن يعرِفَ أحكامَ حجابِ المرأةِ ولباسِها، أن يكونَ عارفًا بأنواعِهِن؛ فالنساءُ أنواعٌ باعتباراتٍ عديدةٍ، وقد جَعَلَتِ الشريعةُ لكلِّ واحدةٍ أحكامًا\n_________\n(١) كما في حديثِ عائشةَ ﵂ عند البخاريِّ (٣٥٠)، ومسلمٍ (٦٨٥).","vol":"1","page":40},{"text":"تختصُّ بها، ومِن أحكامِها أحكامُ اللباسِ والحجابِ.\nوالنساءُ باعتبارِ السِّنِّ: طِفْلَةٌ، وشابَّةٌ، وقاعِدٌ عجوزٌ.\nوباعتبارِ الرِّقِّ: حُرَّةٌ، وأَمَةٌ.\nوباعتبارِ الدِّينِ: مسلمةٌ، وكافرةٌ.\nوكُلُّهُنَّ يوصَفْنَ في اللُّغَةِ والشرعِ بالنساءِ، وتوصَفُ الواحدةُ منهنَّ بأنَّها أُنثى وامرأةٌ، ومَن لم يعرِفْ خصائصَ هذه الأنواعِ، جهِلَ واضطرَبَ في معرفةِ أحكامِ الحجابِ، وأدخَلَ نوعًا في نوعٍ، واشتبَهَ عليه الأمرُ؛ لأنَّ بعضَ الأحاديثِ والأخبارِ والرواياتِ تذكُرُ الأوصافَ والأسماءَ المشتَرَكةَ، ويزدادُ الاشتباهُ في هذا الزمانِ لتغيُّرِ الأحوالِ.\nوذلك أنَّ الناسَ يَغِيبُ عنهم أحكامُ الإماءِ والجواري اللَّاتي خَصَّهُنَّ اللهُ بأحكامٍ في السترِ والحجابِ، يَخْتَلِفْنَ بها عنِ الحرائِرِ، وقد كان في بعضِ بيوتِ الصحابةِ والتابعينَ: الإماءُ الخَدَمُ أكثرَ مِن الحرائِرِ، ومِن الإماءِ صحابياتٌ وتابعياتٌ، ويبقَيْنَ بأحكامِهِنَّ الخاصَّةِ بهنَّ؛ لأنَّ اللهَ يَفْرِضُ ويُشدِّدُ ويخفِّفُ على مَن شاء، كيفَما شاء؛ لعِلَلٍ وحِكَمٍ، منها الظاهِرُ، ومنها الخَفِيُّ؛ فلنساءِ النبيِّ ﷺ أحكامٌ خاصَّةٌ بهنَّ، وله أحكامٌ خاصةٌ في تعدُّدِه بالنساءِ، وللرجُلِ أن يملِكَ مِن الإماءِ ما شاءَ، وليس له أن يكونَ في عصمَتِهِ مِن","vol":"1","page":41},{"text":"الأزواجِ إلا أربعٌ، وليس للمرأةِ إلا زوجٌ، وللحُرَّةِ لباسٌ وعورةٌ، وللأَمَةِ لباسٌ وعورةٌ، والقياسُ في هذا لا يجوزُ، فحَمْلُ ما لا يجوزُ على ما يجوزُ -عند المشابَهَةِ مِن بعضِ الوجوهِ الضعيفةِ القاصرةِ- تَعَدٍّ على حدودِ اللهِ وأحكامِه.\nوقد جعَلَ اللهُ للأَمَةِ حدًّا في لباسِها وحجابًا يَخُصُّها، يختلِفُ عنِ الحُرَّةِ، وقد كانت عليه العربُ حتى في الجاهليةِ.\nقال سَبْرةُ الفَقْعَسِيُّ:\nوَنِسْوَتُكُمْ فِي الرَّوْعِ بَادٍ وُجُوهُهَا ... يُخَلْنَ إِمَاءً وَالإِمَاءُ حَرَائِرُ (١)\nيقولُ لهم: «إنَّكُم مِن كثرةِ نوائِبِكم وهزيمةِ الناسِ لكم، تكشِفُ نساؤكم دومًا وجوهَهُنَّ؛ خوفًا مِن السَّبْيِ»؛ لأنَّ العرَبَ في الجاهليةِ تُحِبُّ سبيَ الحرائرِ؛ لأنهن أَثْمَنُ وأشدُّ وقعًا على العدُوِّ.\n_________\n(١) هذا البيتُ لسَبْرَةَ بنِ عمرٍو الفَقْعَسِيِّ، يخاطِبُ به ضَمْرةَ بنَ ضَمْرةَ النَّهْشَلِيَّ. انظر: «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (١/ ١٧٣)، و«شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (١/ ١٧٨)، و«خزانة الأدب» للبغدادي (٩/ ٥١٠).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال الفرزدقُ:\nتَرَى لِلْكُلَيْبِيَّاتِ وَسْطَ بُيُوتهِمْ ... وُجُوهَ إِمَاءٍ لَمْ تَصُنْهَا البَرَاقِعُ (١)\nمصطلحاتُ السترِ واللباسِ في الشريعةِ وفي لغةِ الفقهاء، ووجوبُ التفريقِ بينهما:\nيَرِدُ في القرآنِ والسُّنَّةِ مِن معاني السترِ ألفاظٌ ومُصْطَلَحاتٌ عديدةٌ، تُشكِلُ على كثيرٍ مِن الناسِ، ورُبَّما استعمَلَ بعضُ الفقهاءِ بعضَ تلك المصطلحاتِ على معانٍ غيرِ مطابِقَةٍ لمعناها في الوحيِ، واستعمالُ المصطلحاتِ واسعٌ في العلومِ والفنونِ، ولكنْ يَجِبُ التفريقُ بين الاستعمالِ في لغةِ الشرعِ والاستعمالِ في لغةِ الفقهاءِ -فإنَّ اللغةَ تستوعِبُ ذلك كلَّه غالبًا -حتى لا تتداخَلَ المعاني وتختلِطَ الأفهامُ في المرادِ بمصطلحِ الوحيِ، ومصطلحِ بعضِ الفقهاءِ، وتلك الألفاظُ عديدةٌ، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الحِجَابُ: </span>يُستعمَلُ الحجابُ في الكتابِ والسُّنَّةِ بمعنى الحاجِزِ الساتِرِ بين شيئَيْن، ويكونُ مِن جدارٍ أو قُمَاشٍ أو خَشَبٍ، وليس هو في القرآنِ والسُّنَّةِ يُطْلَقُ على\n_________\n(١) «ديوان الفرزدق» (ص ٣٦٣).","vol":"1","page":43},{"text":"معنىً مِن معاني اللباسِ أو اللُّبْس، وهو المرادُ في الآيةِ لأمهاتِ المؤمِنِين: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومِن هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقولُه عن مَرْيمَ: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]، وقولُه عن نبيِّه سليمانَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقولُه عن قولِ الكفارِ للنبيِّ ﷺ: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٥]، وكذلك هو في السُّنَّةِ بمثلِ هذا المعنى، فليس هو لباسًا يختَصُّ به أحدٌ، وإنما هو ساتِرٌ بين جهتَيْنِ أو شيئينِ:\nفقد يُطْلَقُ في اللُّغَةِ على الفَصْلِ بين رجالٍ ورجالٍ؛ كما في حديثِ أَنَسٍ ﵁ في» الصحيحين» في قصةِ موتِ النبيِّ ﷺ، قال: «أومَأَ النبيُّ ﷺ بِيَدِهِ إلى أبي بَكْرٍ أن يتقدَّمَ وأَرْخَى الحجابَ، فلم يُقْدَرْ عليه حتى ماتَ» (١).\nوقد يُطْلَقُ على الفصلِ بين الرجالِ والنساءِ؛ كما في قولِ عُمَرَ ﵁ في «الصحيح»: «يا رسولَ اللهِ! يدخُلُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٦٨١)، ومسلم (٤١٩).","vol":"1","page":44},{"text":"عليكَ البَرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرْتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجابِ! فأنزَلَ اللهُ آيةَ الحجابِ» (١).\nوقد يُطلَقُ على ما يستُرُ موضعًا مِن مواضعِ الجسَدِ، وهو قليلٌ؛ كما في «الصحيح» مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؛ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ) (٢).\nوهذا المعنى في هذا الحديثِ الواردِ في قصةِ عيسَى هو الذي غلَبَ في كلامِ المتأخِّرِينَ مِن الفقهاءِ والكُتَّاب؛ فيُطْلِقُون لفظَ: «الحجابِ» على ما يستُرُ البَدَنَ مِن اللباسِ، وخصَّصوه ببَدَنِ المرأةِ، ومنهم مَن يخصِّصُه جدًّا، فيجعَلُه ما يستُرُ الرأسَ والوجهَ، وهذا التخصيصُ مع عدمِ معارضَتِه لأصلِ لغةِ العربِ، إلا أنَّه غيرُ معروفٍ في لغةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا اصطلاحِ الصحابةِ، فلا بُدَّ مِن تمييزِ ذلك حتَّى لا تتداخَلَ المصطلحاتُ والاستعمالاتُ في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٠٢)، واللفظُ له، ومسلم (٢٣٩٩)؛ مختصرًا.\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٨٦)، واللفظُ له، ومسلم (٢٣٦٦)؛ بنَحْوِه.","vol":"1","page":45},{"text":"الشريعةِ؛ حتى زعَمَ بعضُهم: أنَّ عمومَ سترِ المرأةِ لبَدَنِها مِن خصائصِ أُمَّهاتِ المؤمِنِين لا لعمومِ المسلماتِ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ أمهاتِ المؤمنينَ بقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]؛ لأنَّه فسَّرَ الحجابَ باللباسِ، وهذا مِن الجهلِ العَرِيضِ.\nوإذا ظَهَرَ أنَّ الحجابَ ليس شيئًا مِن أنواعِ اللباسِ في الآيةِ، نعلَمُ ضعفَ قولِ مَن يقولُ: إنَّ أمهاتِ المؤمنينَ اختَصَّهُنَّ اللهُ بشيءٍ مِن أحكامِ اللباسِ في موضِعٍ مِن مواضعِ البَدَنِ، ولفظُ الحجابِ -وإنْ جازَ استعمالُه في اللغةِ وعندَ بعضِ الفقهاءِ بمعنى اللباسِ- إلا أنَّه لا يجوزُ مطابقةُ استعمالِه لاستعمالِ القرآنِ.\nكما يجوزُ في اللغةِ وفي استعمالِ بعضِ الفقهاءِ استعمالُ «اللَّمْسِ» بمعنَى مسِّ الرجُلِ لجسدِ المرأةِ، ولكنْ وَضْعُ هذا الاستعمالِ على قولِه تعالى في الظِّهَارِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المرادَ به في القرآنِ الجماعُ، واللهُ أعلَمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الخِمَارُ: </span>جاء الخمارُ في القرآنِ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والخمارُ اسمُ","vol":"1","page":46},{"text":"مصدرٍ؛ مِن خَمَّرَ يُخَمِّرُ تخميرًا؛ يعني: غَطَّى، ومنه سُمِّي الخَمْرُ خمرًا؛ لأنَّه يُغَطِّي العقلَ، والخمارُ: لباسٌ تلبَسُهُ وتَشُدُّهُ المرأةُ في أعلى الرأسِ وما دونَه، ويُسَمَّى النَّصِيفَ، و<span data-type=\"title\" id=toc-35>يُستعمَلُ الخمارُ لتغطيةِ ثلاثةِ مواضعَ وشدِّها</span>، وكلُّ واحدٍ منها يُضْرَبُ عليه بالخمارِ:\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الأوَّل: الرأسُ</span>؛ لظاهِرِ الآية، فالرأسُ مرتكَزُ الخمارِ وقاعدَتُه، وفي بعضِ الأحاديثِ تُسَمَّى عمامةُ الرجلِ خمارًا؛ جاء ذلك مِن حديثِ المغيرةِ (١)، وثَوْبانَ (٢)، وبِلالٍ (٣)، وسَلْمانَ (٤)، وكانت أمُّ سَلَمةَ تَمْسَحُ على خمارِها (٥)؛ يعني: بَدَلَ شعرِ رأسِها، وصحَّ عن نافِعٍ مولَى ابنِ عُمَرَ ﵄، قال: «رأيتُ صَفِيَّةَ بنتَ أبي عُبَيْدٍ توضَّأَتْ -وأنا غلامٌ- فإذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، سَلَخَتِ الخمارَ» (٦).\n_________\n(١) أخرجه عبدُ الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (٧٤٠)، والدارقطني في «سننه» (١/ ١٩٢).\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨١ رقم ٢٢٤١٩)، والبزار (٤١٧٣).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٧٥).\n(٤) أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في «مصنفه» (٢٢٩ و١٨٨١ و٣٧٢٥٣)، وعنه ابن ماجه (٥٦٣)، والبزار (٢٥٠٥).\n(٥) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٢٢٤ و٢٥٠).\n(٦) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٥)، ومِن طريقِه عبد الرزاق =","vol":"1","page":47},{"text":"ونحوُهُ صحَّ عن ابنِ المسيَّبِ (١)، والنَّخَعِيِّ (٢).\nوصحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، قال: «إذا أرادَتْ أن تمسَحَ رأسَها، قال: تُدْخِلُ يدَيْها تحتَ الخمارِ، فتمسَحُ مُقَدَّمَ رأسِها؛ يُجزِئُ عنها» (٣).\nوصحَّ عنِ ابنِ سِيرِينَ: أنَّه كَرِهَ أن تُصَلِّيَ المرأةُ وأُذُنُها خارجةٌ مِن الخمارِ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الثاني: الصَّدْر</span>؛ لظاهِرِ قولِه: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ لأنَّ الجيوبَ: هي ما على الصدورِ مِن الثيابِ مما يدخُلُ منه الرأسُ عند لُبْسِهِ، والضَّرْبُ يأتي مِن أعلَى ويَنْزِلُ على جيبِ المرأةِ، وهو صَدْرُها، فالجيوبُ هي الصدورُ؛ ولذا جاء في الحديثِ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ) (٥)، وهو نهيٌ للمرأةِ أن تَشُقَّ جيبَها عندَ المصيبةِ.\n_________\n= في «مصنفه» (٥١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤٣).\n(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٥٠).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٤٧).\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٥٠٥١).\n(٥) أخرجه البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣) مِن حديثِ عبد الله بنِ مسعود ﵁.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الثالث: الوَجْه</span>؛ فإنَّ الخمارَ قُمَاشٌ طويلٌ ممتتَدٌّ مشدودٌ تُنزِلُه المرأةُ مِن قاعدتِه -وهي الرأسُ- على ما شاءت، ومنه الوجهُ، وصحَّ عن هثامٍ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ أُمِّ الهُذَيْلِ، قالتْ: «تُخَمَّرُ المرأةُ المَيِّتَةُ، كما تُخَمَّرُ الحَيَّةُ، وتُدَرَّعُ مِنَ الخمارِ قَدْرَ ذراعٍ تَسْدُلُهُ على وَجْهِها» (١).\nوقال الفرزدَقُ:\nنِسَاءٌ بِالمَضَايِقِ مَا يُوَارِي ... مَخَازِيَهُنَّ مُنْتَقَبُ الخِمَارِ (٢)\nوكذلك: فإنَّ الخمارَ يُسَمَّى نَصِيفًا عندَ العربِ، وفي لغةِ الشرعِ؛ ولذا جاء في «الصحيح» مِن حديثِ أَنَسٍ ﵁ مرفوعًا: (لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ، لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا -يعني: الخمارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٣)،\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (٦٢٢٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١١٢١٩). واللفظُ لعبدِ الرزاق.\n(٢) («ديوان الفرزدق» (ص ٣٠٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢٧٩٦ و٦٥٦٨)، وهو عند مسلم (١٨٨٠)؛ مختصرًا.","vol":"1","page":49},{"text":"وقد جاء في «المصنَّف» لابنِ أبي شَيْبةَ مِن مُرْسَلِ الحسَنِ تفسيرُ الخمارِ بالنَّصِيفِ صريحًا مِن قولِ النبيِّ ﷺ (١).\nوفي «المسند» لأحمدَ جاءَ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁ تفسيرُ النَّصِيفِ موقوفًا عليه (٢).\nوالنَّصِيفُ -وهو الخِمَارُ- تُطْلِقُه العربُ على ما يُغَطَّى به الوجهُ، وقد قال النابغةُ:\nسَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ يُرِدْ إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِاليَدِ (٣)\nويُستعمَلُ الخمارُ في هذه المعاني الثلاثةِ أو بعضِها، ولكنَّ أصلَ استعمالِ النساءِ للخمارِ على أنَّ له محيطًا ووسطًا يبدأُ مِن الرأسِ ويُحِيطُ به، وينزِلُ تبعًا على الكتفَيْنِ والوجهِ والصدرِ، كما قال ابنُ خزيمةَ في «الصحيح»: «الخِمَارُ الذي تَسْتُرُ به وجهَها؛ بل تَسْدُلُ الثوبَ مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٤).\nوإنْ كشفَتِ المرأةُ خمارَها عن وجهِها لمَحْرَمِها،\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي شيبةَ في «مصنَّفِه» (٣٥١٥٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٣ رقم ١٠٢٧٠).\n(٣) («ديوان النابغة الذُّبْيَاني» (ص ١٠٧).\n(٤) «صحيح ابن خزيمة» (٤/ ٢٠٣).","vol":"1","page":50},{"text":"بَقِيَ مُحِيطًا بوجهِها، وقد جاء في حديثِ مسلمِ بنِ أبي حُرَّةَ، قال: «لما حُصِرَ ابنُ الزُّبَيْرِ، دخَلَ على أُمِّهِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، فقَبَّلَها وقَبَّلَ ما بينَ الخمارِ إلى الوجهِ فوقَ الجَبْهَةِ»؛ رواه الحاكِمُ (١).\nوالأصلُ: أنَّ الخمارَ لا يبقَى على الرأسِ، بل يكونُ منه على ما دونَه؛ ففي «صحيح البخاري»: أنَّ عائشةَ ﵂ كانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَها -الذي نَذَرَتْه ألَّا تكلِّمَ عبدَ الله بنَ الزُّبَيْرِ- فتَبْكِي حتى تَبُلَّ دموعُها خمارَها (٢).\nقال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: <span data-type=\"title\" id=toc-39>«الجِلبابُ: </span>فوقَ الخمارِ، ودونَ الرِّداءِ، تستوثِقُ المرأةُ صدرَها ورأسَها» (٣).\nوالغالبُ: أنَّ المرأةَ عندَ تغطيتِها لوجهِها تأخُذُ الخمارَ مِن أسفَلِه الذي على صَدْرِها وترفَعُه على وجهِها، وبالنسبةِ للجلبابِ تُدْنِيه مِن فوقِ رأسِها وتَسْدُلُه أو تَضْرِبُ به على وجهِها، ويصِحُّ العكسُ، خاصَّةً إن كان الخمارُ واسعًا سدَلَتْ منه شيئًا مِن رأسِها على وجهِها.\n\nالجلبابُ: جاء ذِكْرُ الجلبابِ في قولِه تعالى:\n_________\n(١) أخرجه الحاكِمُ في «المستدرَك» (٤/ ٥٢٥ - ٥٢٦).\n(٢) «صحيح البخاري» (٦٠٧٣).\n(٣) «مستخرَج أبي نُعَيْم» (١٩٩٧).","vol":"1","page":51},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nوهو ما يكونُ مِن لباسٍ فَضْفَاضٍ فوقَ الخمارِ يستوعِبُ أعلى البَدَنِ ووسطَهُ، وهو دون الرداءِ، ويُسْدَلُ فيُغَطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي «الصحيحينِ» مِن حديثِ عائشةَ ﵂، قالتْ: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (١).\nوالجلبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ؛ لكنَّها غيرُ مفصَّلةٍ، ويسمَّى القِنَاعَ أو المُلاءَةَ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفَرْقُ بين الخمارِ والجلبابِ: </span>أنَّ الخمارَ يكونُ تحتَ الجلبابِ، والخمارُ تلبَسُه المرأةُ، وتشُدُّه على رأسِها وما دونَه، ويكونُ ملاصقًا للجسمِ مشدودًا، بخلافِ الجلبابِ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَه فضفاضٌ يُرخَى غالبًا، ولا يُشَدُّ لا على الوجهِ ولا على الصدرِ، بحيثُ يُبْرَزُ حجمُ العُضْوِ؛ ولذا ففي «صحيح مسلم» عن أُمِّ سُلَيْمٍ أنَّها خرجَتْ مستعجِلةً تَلُوثُ خِمَارَها (٢)؛ يعني: تُدِيرُه على رأسِها وتَشُدُّه، والخِمَارُ هو الذي تَصُرُّ بطَرَفِه بعضُ النساءِ الأوائلِ دنانيرَها لتماسُكِه وثباتِه عليها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١٤١ و٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(٢) «صحيح مسلم» (٢٦٠٣).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>التاريخُ والواقعُ وأثَرُه على الفِقْه:</span>\nاتَّسَعَ الإسلامُ وانتشَرَتْ نصوصُه وأدلَّتُه، على أُمَمٍ وشعوبٍ، متبايِنةِ العاداتِ، مختلِفَةِ المشارِبِ والأفهامِ، منها وَثَنِيَّةٌ، ومنها كتابيَّةٌ، ومنها ما لا دِينَ له، واختلفَتِ الألسُنُ حتى مِن العربِ: عربٌ عروبَتُهم قريبةٌ مِنِ استعمالاتِ القرآنِ، وعربٌ بعيدونَ عن استعمالِه، وبين ذلك شعوبٌ وقبائلُ، ويَغلِبُ على النفوسِ ربطُ المصطلحاتِ والألفاظِ بأقرَبِ استعمالٍ لغويٍّ أو عُرْفِيٍّ، فأثَّرَتِ اللغاتُ والعاداتُ والدياناتُ السابقةُ على فقهِ أصحابِها، وغالبًا أنَّ النفوسَ -وإن لم تَشْعُرْ -لا تُحِبُّ أنْ تخرجَ عما هي عليه مِن عرفٍ وعادةٍ وواقعٍ، فانتشَرَ القرآنُ والحديثُ على شعوبٍ يختلِفُون في مِقْدارِ العفافِ والسَّتْرِ، حتى بلَغَ في شعوبٍ عادَتُها تلثُّمُ رجالِها، وسفورُ نسائِها، وعكَسَتْ بعضُ المجتمعاتِ التشريعَ؛ فتتخَمَّرُ العجوزُ وتتغَطَّى، وتتبَرَّجُ بنتُها، حتى إذا كَبِرَتِ الشابَّةُ وقَعَدَتْ، تخمَّرَتْ، وبينَ ذلك أحوالٌ وعاداتٌ لا حَصْرَ لها.\nتتقَلَّبُ الشعوبُ وتتدرَّجُ في تغَيُّرِ عاداتِها، وتدورُ بها دائرةُ التغييرِ كدائرةِ الفَلَكِ، وتختلِفُ أزمانُ التغييرِ فيها بينَ عقودٍ، وبين قرونٍ، بحَسَبِ المؤثِّرَاتِ عليها، ولو قُدِّرَ للناظرِ","vol":"1","page":53},{"text":"أن يكونَ القرنُ الواحدُ للشعوبِ لديه ما ليومِ الواحدِ، فأخذَ ينظُرُ إليهم يَتقلَّبُونَ في لباسِهم وهيئاتِهم، ومآكِلِهم ومشارِبِهم، وألسنَتِهم ومساكِنِهم، لظهَر له أنَّ آخِرَ قَرْنِهم لا يعرِفُ ما كان عليه أوَّلُه، وكلٌّ يَظُنُّ أنَّه مُتَّصِلٌ بمَن سبَقَه، وهو يَتقلَّبُ ببُطْءٍ وهو لا يشعُرُ، ولولا أنَّ القرآنَ يَقُصُّ والتاريخَ يُكْتَبُ، لظَنَّ الناسُ اليومَ أنَّهم على ما كان عليه أبوهم آدَمُ.\nولهذا؛ فلا عبرةَ بما عليه الأُمَمُ والشعوبُ والدُّوَلُ، فإنَّ للواقِعِ المُشاهَدِ تأثيرًا على فقهِ الفقيهِ، فضلًا عن جهالةِ الجاهلِ، فيظُنُّ الجاهلُ أنَّه حينَما يفتَحُ عينَيْهِ على لباسِ أهلِه أو بلدِه، أنَّ هذا الأمرَ متسلسِلٌ على ما كانَ عليه الناسُ في زمَنِ النبوَّةِ، وربما يتأثَّرُ بعضُ الفقهاءِ والكُتَّابِ بالواقعِ، فيحمِلُه على ترجيحِ قولٍ على قولٍ، أو تغييرِ قِيَمِ الأقوالِ لِينًا وشِدَّةً، حتى رأيتُ أحدَ محقِّقِي أحدِ كتبِ السُّنَّةِ يُغَيِّرُ ما في المخطوطِ في تعليقِ أحدِ الأئمةِ السابقينَ على أحدِ الأحاديثِ النبويَّةِ مِنْ: «كشف وجهها حرامًا» إلى: «كشف رأسها حرامًا»، فحذَفَ الوجهَ، وأبدَلَه بالرأسِ، كما في كتابِ «شرح مُشْكِلِ الآثار» للطَّحَاوِيِّ (١)؛ ويدُلُّ على حسنِ قصدِ المحقِّقِ: أنَّه نبَّه في الحاشيةِ على\n_________\n(١) «شرح مشكل الآثار» (٥/ ٣٩٧).","vol":"1","page":54},{"text":"فِعْلِه، مع أنَّ الخمارَ يُلَفُّ به الرأسُ، ويُضْرَبُ به ما دونَه؛ كما تقدَّمَ بيانُه (١)، وقد ذكَرَ نَصَّ الطحاويِّ كما هو: أبو المَحَاسِنِ الحنفيُّ في كتابِه «المُعْتَصَر مِن المُخْتَصَر مِن مشكِلِ الآثار»، فقال: «وكان كشفُها وجهَها حرامًا» (٢)، وأبو المحاسِنِ مِن فقهاءِ الحنفيةِ في القرنِ الثامنِ.\nومِن هذا: ما في تعليقِ أحدِ أهلِ العلمِ على قولِ ابنِ حَجَرٍ في «الفَتْح»: «فاخْتَمَرْنَ بها؛ أي: غَطَّيْنَ وجوهَهُن» (٣)، قال: «وجوههنَّ: يحتَمِلُ أن يكونَ خطأً مِن الناسخِ، أو سبقَ قَلَمٍ مِن المؤلِّفِ؛ أرادَ أن يقولَ: «صُدُورَهُنَّ «، فسَبَقَه قَلَمُه» (٤)!\nومع شدَّةِ وَطْأَةِ الواقعِ والتغريبِ الإعلاميِّ والفكريِّ، وعَيْشِ كثيرٍ مِن المسلِمِين في بُلْدانِ الغربِ، أخذتْ نفوسُ كثيرٍ مِن الكُتَّابِ تَمِيلُ إلى محاكاةِ الواقعِ، وتتبُّعِ ما يوافِقُه مِن نصوصِ الوحيِ، وآثارِ السلَفِ والفقهاءِ، مِن المحكَمِ تارَةً، ومِن المتشابِهِ تاراتٍ؛ حتى بلَغَ الأمرُ ببعضِ الكُتَّابِ\n_________\n(١) انظر: «رد المحتار» (٢/ ٧٩)، و«حاشية الطحطاوي على الدر المختار» (١/ ١٩١).\n(٢) «المعتصر» (١/ ٢٦١).\n(٣) «فتح الباري» (٨/ ٤٩٠).\n(٤) انظر: «الرد المفحِم» للألباني (ص ٢٠).","vol":"1","page":55},{"text":"أن يُشكِّكَ بأصلِ مشروعيَّةِ تغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ بل مِنهم مَن يُشكِّكُ بأصلِ مشروعيةِ الحجابِ، وسترِ المرأةِ كلِّه، وجعَلَه عادةً لا عبادةً؛ لأنَّ للواقعِ المشاهَدِ في الإعلامِ أثرًا على أفهامِ العقلاء؛ فكيفَ بالسفهاءِ وأهلِ الأهواء؟!\nوطالِبُ الإنصافِ يجبُ عليه أن يَتجرَّدَ مِن تأثيرِ واقِعِه أيًّا كان، ويَفهَمَ القرآنَ بلسانِ أهلِ البيانِ، وتفسيرِ أقربِ الناسِ إلى نزولِه، الذين خالَطُوه عملًا ولسانًا مع سلامةِ قَلْبٍ، فنزلَ القرآنُ على لسانِهم واستعمالِهم، فتطابَقَت ألفاظُ القرآنِ على أفهامِهم، وهي تنزِلُ كتطابُقِ القدورِ وأغطيَتِها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>العربُ ولباسُ المرأةِ:</span>\nلم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أرشدَ إلى لباسِ قبيلةٍ أو أُمَّةٍ بعينِها، وإنما ثبَتَ ذلك عن الخليفةِ الراشدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁؛ فقد كتَبَ لِمَن في أَذْرَبِيجانَ مِن عُمَّالِه وأصحابِه: «عَلَيْكُمْ بِاللِّبْسَةِ المَعَدِّيَّةِ، وَإِيَّاكُمْ وَهَدْيَ العَجَمِ؛ فإِنَّ شَرَّ الهَدْيِ هَدْيُ العَجَمِ». أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ شَبَّةَ، وغيرُهما، بسندٍ صحيحٍ، وأصلُه في «المسنَد» لأحمد (١).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٣٦٦ و٣٣٥٩٣)، وأحمد (١/ ٤٣ رقم ٣٠١).","vol":"1","page":56},{"text":"ومرادُه: ما كان عليه قبائِلُ مَعَدِّ بنِ عَدْنانَ، وهم ذُرِّيَّةُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ، بلا خلافٍ، وقد ثبتَ مِن وجهٍ آخَرَ عن عمرَ ﵁ قولُه: «عَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ»؛ رواهُ ابنُ الجَعْدِ، بسندٍ صحيحٍ (١).\nوالمرادُ: تشبَّهُوا بلباسِ بني مَعَدِّ بنِ عدنانَ زِيًّا وخشونةً، ومِن المهمِّ معرفةُ ما كانتْ عليه أقربُ الناسِ إلى النبيِّ ﷺ نسبًا الذين عاش بينَهم؛ فإنَّ فهمَ الحالِ التي نزلَ عليها القرآنُ، مما يُعِينُ على فهمِ مقصودِه، وقد كانت طوائفُ مِن العجَمِ على ما كانت عليه مَعَدُّ بنُ عدنانَ، كعجَمِ أصبهانَ؛ كما قال الأصمعيُّ: عجَمُ أصبهانَ قريشُ العَجَمِ» (٢)؛ يعني: في هَدْيِها وأخلاقِها، ولباسِها وشِيَمِها.\nوقبائلُ مَعَدِّ بنِ عدنانَ هي بطونٌ مِن العربِ، وفروعُها الكُبرى: رَبِيعةُ ومُضَرُ، ومِن بطونِها الدُّنيا: قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ وأَسَدٌ وهُذَيْلٌ وتَمِيمٌ ومُزَيْنَةُ وضَبَّةُ وخُزَاعَةُ وهَوَازِنُ وسُلَيْمٌ وثَقِيفٌ ومازِنٌ وغَطَفانُ وباهِلَةُ وتَغْلِبُ وبنو حَنِيفةَ،\n_________\n(١) أخرجه أبو عوانةَ في «مستخرَجِه» (٨٥١٤)، والبَغَوِيُّ في «الجَعْدِيَّات» (٩٩٥)، وابن حِبانَ في «صحيحه» (٥٤٥٤).\n(٢) رواه عنه أبو طاهِرٍ السِّلَفِيُّ في كتاب «فضل الفُرْس». انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":57},{"text":"وقيل: قُضَاعَةُ وجُهَيْنَةُ، ونَهْدٌ وكَلْبٌ وخَوْلانُ وبَلِيٌّ ومُهْرةُ وغيرُهم، وفيهم اليومَ قبائلُ كثيرةٌ؛ كعُتَيْبةَ وعَنَزَةَ وبَنِي مُرَّة وبَنِي سُلَيْمٍ وبني هلالٍ ومُطَيْرٍ والدَّوَاسِرِ وسُبَيْعٍ والسُّهُولِ، وخَلْقٍ.\nوقد كانَ الأصلُ في نساءِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ، وكثيرٍ مِن قبائلِ العربِ، السَّتْرَ الغالبَ للبَدَنِ، سواءٌ منهم الوَثَنِيُّ أو الكتابيُّ، حتى يُقالَ في مَثَلِهم السائرِ: «العَوَانُ لا تُعَلَّمُ الخِمْرَةَ» (١)؛ يعني: هيئةَ الاختمارِ؛ لأنها معتادةٌ عليها مِن صِغَرِها، فلا تحتاجُ إلى تعليمٍ وهي كبيرةٌ، حتى كان كثيرٌ مِن نسائِهم لا تكشِفُ وجهَها إلا في الإحرامِ للنُّسُكِ، وهذا مما بَقِيَ فيهم مِن مناسكِ الحنيفيَّةِ، حتى لم يفرِّقُوا بينَ سفورِ المرأةِ لإحرامِها، وبينَ سفورِها عند الرجالِ ولو كانتْ مُحْرِمةً في الحجِّ، قال خُفَافُ بنُ نُدْبَةَ السُّلَمِيُّ:\nوأَبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِنًا ... ووَجْهًا متَى يَحْلِلْ لهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (٢)\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-46>كانوا يُفَرِّقُون بين الحُرَّةِ والأَمَةِ بكشفِ الوجهِ</span>،\n_________\n(١) انظر: «الأمثال» لأبي عُبيد (٢٦٥)، و«جمهرة الأمثال» للعسكري (٢/ ٣٨)، و«مجمع الأمثال» للميداني (١/ ١٩).\n(٢) انظر: «الأصمعيات» (ص ٢٢).","vol":"1","page":58},{"text":"والحرائرُ لا يكشفْنَ إلا عندَ الشدائدِ والحروبِ عندَ خوفِ السَّبْيِ والأسْرِ؛ ليَرَاهُنَّ العدوُّ فيَتْرُكَهُنَّ زُهدًا بهن؛ قال سَبْرَةُ بنُ عمرٍو الفَقْعَسِيُّ:\nوَنِسْوَتُكُمْ فِي الرَّوْع بادٍ وُجُوهُها ... يُخَلْنَ إِمَاءً وَالْإمَاءُ حَرَائِرُ (١)\n\nوقد كانَتْ<span data-type=\"title\" id=toc-47> تُسْتَرُ نساءُ نصارى العربِ</span>؛ فيقولُ شاعرُهم الأخطَلُ التَّغْلَبِيُّ:\nأَنِفْتُ لِبِيضٍ يَجْتَلِيهِنَّ ثابِتٌ ... بِدَوْغَانَ، يَهْفُو قَزُّهَا وحَرِيرُهَا\nإذَا أَعْرَضَتْ بَيْضَاءُ قالَ لها: اسْفِرِي ... وكانتْ حَصَانًا لا يُنَالُ سُفُورُهَا (٢)\nوتسمِّي العربُ ما يغطَّى به الوجهُ بأسماءٍ، منها: (الغُدْفَة) (٣)، و(الوَصَاوِص) (٤)، و(النَّصِيف) (٥)،\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٤٢).\n(٢) «ديوان الأخطل» (ص ٤٦٨).\n(٣) انظر: «المحيط في اللغة» (٥/ ٤٢).\n(٤) انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (٥/ ٥١٥).\n(٥) انظر «غريب الحديث» لأبي عبيد (١/ ٣٧٩)، و«جمهرة اللغة» (٢/ ٨٩٢).","vol":"1","page":59},{"text":"و(النِّقَاب) (١)، و(البُرْقُع) (٢)، و(القِنَاع) (٣)، و(المَيْسَنانيّ) (٤)، وغيرُ هذا مما تقدَّمَ دخولُه فيما يُغَطَّى به الوجهُ مما سبق؛ كالخمارِ والجلبابِ، وغيرِهما.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-49>معنَى السفورِ عندَ العربِ: </span>هو كشفُ المرأةِ لوجهِها، وليس المرادُ بذلك كَشْفَها لشعرِها أو نحرِها؛ لأنه لا يعرَفُ عندَ غالبِ العربِ والعجَمِ كشفُ المرأةِ لشعرِها؛ قال تَوْبَةُ بنُ الحُمَيِّرِ:\nوكُنْتُ إذَا ما جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... فقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُهَا (٥)\n\nوقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرِين -كمُقاتِلِ بنِ حَيَّانَ-: أنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-50> تبرُّجَ الجاهليةِ الأولَى </span>-قبلَ وُجودِ العربِ- الذي نَهَى اللهُ عنه في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛\n_________\n(١) انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (٥/ ٥١٤).\n(٢) انظر: «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٩٤).\n(٣) انظر: «جمهرة اللغة» (٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣).\n(٤) انظر: «المحكم والمحيط الأعظم» (٨/ ٥٣٤).\n(٥) نسَبَه له ابنُ قتيبةَ في «الشعر والشعراء» (١/ ٤٤٥)، والأزهريُّ في «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٩٤). وهو في «العين» للخليلِ بن أحمدَ (٢/ ٢٩٨) غيرَ منسوبٍ، وفيه: «زُرْتُ»، بدلَ: «جِئْتُ».","vol":"1","page":60},{"text":"أنَّهُنَّ كُنَّ يُلْقِينَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه (١)، ومع ذلك نهى اللهُ عنه، وشدَّد عليه، وذكَرَه مثالًا، لفعلِ سُوء.\nوقد جاء عن بعضِ السلفِ -كابنِ عَبَّاسٍ ﵄ وغيرِه-: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى كان بين نُوحٍ وإدرسَ (٢)، ولو كان هناك تبرُّجٌ عامٌّ في التاريخِ بعدَه أسوَأُ منه، لذَكَرَهُ اللهُ مثالًا.\nوالأُمَمُ تتقلَّبُ بين الرجوعِ إلى الفطرةِ وبينَ الانسياقِ لإبليسَ، وكُلَّمَا ابتَعَدَتْ أعادَها اللهُ بالوحيِ، وسَتْرُ النساءِ شِرْعةٌ وفطرةٌ للأنبياءِ والصالحينَ في كلِّ زمَنٍ، وقد صحَّ عن عُمَرَ بنِ الخطابِ ﵁ أنَّه فسَّرَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: ٢٥]؛ بتغطيةِ وجهِها بثوبِها؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبة (٣).\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (١١/ ١٥٢).\n(٢) أخرجه ابنُ جرير في «تفسيره» (١٩/ ٩٨ - ٩٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٤٨) - وعنه البيهقي في «شُعَب الإيمان» (٥٠٦٨) - مِن حديثِ ابن عباس ﵄. وانظر: «فتح الباري» (٨/ ٥٢٠).\n(٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٣٢٥٠٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":61},{"text":"معنى كلمةِ (العَوْرةِ):\nتَسْتعمِلُ العربُ الكلمةَ على وضعٍ، ثم تَتوسَّعُ في إطلاقِها على ما يُشارِكُها مِن المعاني ولو مِن بعضِ الوجوهِ لا كُلِّها؛ كلفظةِ (المَسِّ)، وهي مباشَرَةُ الشيئَيْنِ بعضِهما لبعضٍ والتِصاقُهما؛ كقولِه تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، ثم تُوسِّعَ في إطلاقِه حتى للمعنويَّاتِ؛ كقولِه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢]، وعلى تلبُّسِ الجِنِّيِّ بالإنسيِّ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وتُطلَقُ أيضًا على الجِماعِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وإن كان القَدْرُ المشترَكُ بينَها واحدًا ولوِ اختلَفَ المعنَى بينها وتباعَدَ جِدًّا.\nومِن ذلك: مصطلَحُ (العورةِ)؛ فأصلُ إطلاقِهِ على النقصِ والخَلَل، ولما كان صاحبُ النقصِ يَكْرَهُ أن يُرى وينكشِفَ نَقْصُه، دخَلَ في معنى (العَوْرةِ) كُلُّ ما يَشْترِكُ في كراهةِ رؤيَتِهِ عقلًا أو شرعًا أو عُرْفًا:\nففي العُرْفِ: لا يُحِبُّ الناسُ أن تُرى بيوتُهم مِن الداخلِ إلا بإذنِهم؛ فقال اللهُ على لسانِ المنافِقِين: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]؛ أي: تُدخَلُ ونحنُ نَكرَهُ،","vol":"1","page":62},{"text":"ولا أحَدَ يَمنَعُ، فتسمَّى البيوتُ المفتوحةُ عورةً وإنْ كانتِ البيوتُ لا عيبَ فيها ولا نقصَ، ويُطلَقُ على الجهةِ التي يَكْرَهُ الإنسانُ أن يُدخَلَ عليه منها: عورةٌ؛ كبابِ البيتِ، ونافِذَتِه، وثُقْبِ البابِ، وجهةِ الحيِّ والمدينةِ التي لا حارِسَ عليها مِن عدوٍّ أو سارِقٍ؛ قال لَبِيدٌ:\nحَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ ... وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا (١)\nوفي الشرعِ: أُطْلِقَ على معانٍ تعبديَّةٍ؛ كعَوْرةِ الصلاةِ؛ فيقولون: «المرأةُ كُلُّها عَوْرةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها»؛ لأنَّ الشارعَ يَكْرَهُ كشفَها في الصلاةِ، ولو كانت المرأةُ وحدَها ببيتِها، ولما كان اللهُ يَكْرَهُ أن يَكْشِفَ الرجالُ والنساءُ مواضعَ معيَّنةً مِن أبدانِهم، سُمِّيتْ عورةً، ولما كانَتِ المرأةُ العفيفةُ تكرَهُ أن ينظُرَ إلى شيءٍ مِن جسمِها رجلٌ غيرُ زوجِها غريزةً وشَهْوةً، سُمِّيَ المنظورُ إليه عورةً.\nفقد يكونُ العضوُ الواحدُ في حالٍ عورةً، وفي حالٍ ليس بعورةٍ؛ كوجهِ الأَمَةِ، ووجهِ الحُرَّةِ، ووجهِ الشابَّةِ، ووجهِ العجوزِ، بل يختلِفُ بحسبِ الناظِرِ؛ إن كان ذكَرًا\n_________\n(١) «ديوان لبيد» (ص ١١٤).","vol":"1","page":63},{"text":"طفلًا لم يُصبِحْ ما ينظُرُ له عورةً، وإنْ كان بالغًا أصبَحَ عورةً؛ لهذا قال اللهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١].\n\nوقد اتَّخَذَ بعضُ مَن لا يَفهَمُ لغةَ العربِ ولا مصطلحاتِ الشرعِ مصطلحَ العورةِ مدخلًا للتقليلِ مِن حجابِ المرأةِ وسَتْرِها لوجهِها والسخريةِ به؛ ل<span data-type=\"title\" id=toc-53>اشتراكِ لفظِ العورةِ بين السَّوْءَتَيْنِ والوجهِ</span>؛ وهذا كحالِ مَن لا يُفرِّقُ بين إطلاقاتِ مصطلَحِ: (المَسِّ)؛ فلا يُفرِّقُ بين مَسِّ المُصحَفِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وبين جماعِ الزوجَيْنِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣ و٤].\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>عورة الصلاةِ، وعورةُ السترِ والنظَرِ، وخلطُ كثيرٍ من الكُتَّاب بينهما:</span>\nجعَلَ اللهُ لبعضِ العباداتِ أحكامًا في اللباسِ تختصُّ بها، وذلك للرجالِ والنساءِ في الصلاةِ والحجِّ؛ فشرَعَ اللهُ للمرأةِ لباسًا على وصفٍ، وللرجالِ لباسًا على وصفٍ:\nأمَّا الصلاةُ: ففي الرجالِ جاءت أحاديثُ، منها ما في «الصحيحَيْنِ»، قال ﷺ: (لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ","vol":"1","page":64},{"text":"الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ) (١)، واختُلِفَ في الحدِّ الذي تبطُلُ صلاةُ الرجلِ بكشفِه له، والجمهورُ: أنَّ عَوْرَتَهُ ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ، وفي النساءِ جاءتْ أحاديثُ أيضًا، ومنها ما في «السُّنَن»، قال ﷺ: (لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ) (٢).\nوللصلاةِ أحكامٌ خاصَّةٌ بها في لباسِ الجنسَيْنِ، وللحجِّ أحكامٌ خاصَّةٌ به في لباسِ الجنسَيْنِ أيضًا، سواءٌ كان أحدُ الجنسينِ وحدَهُ أو كان مع غيرِه، يجبُ عليه أن يستُرَ ما أُمِرَ بسترِه، وكلُّ حكمٍ في اللباسِ ورَدَ به نصٌّ خارجَ الصلاةِ والحجِّ، فهو مستقِلٌّ لا يرتبِطُ بهما.\nوكثيرٌ مِن الكُتَّابِ ينقُلُ أقوالَ الفقهاءِ عندَ كلامِهم على لباسِ المرأةِ في الصلاةِ: «المَرْأَةُ عَوْرةٌ إلا وَجْهَها وكَفَّيْها»، ويجعلُها في أحكامِ النظرِ، ولا يفرِّقُ بين عورةِ الصلاةِ والسَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، والمرأةُ يجبُ عليها أن تستُرَ كلَّ شيءٍ في صلاتِها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، ولو كانت\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦)؛ من حديثِ أبي هريرة ﵁.\n(٢) أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)؛ مِن حديثِ عائشة ﵂.","vol":"1","page":65},{"text":"في بيتِها وحدَها، وإنْ شهِدَها أحدٌ مِن مَحارِمِها أو زَوْجُها، وأظهَرَتْ شعرَها وصَلَّتْ، بطَلَتْ صلاتُها، وليس لها أن تقولَ: «إنَّه لا يراني إلا زَوْجِي» مثلًا؛ فإنَّ سَتْرَها لبدنِها إلا وجهَها وكَفَّيْها حينئذٍ للصلاةِ، لا لمَن يراها ولو كان زوجَها؛ فهذه عَوْرةُ صلاةٍ، لا عَوْرةُ نَظَرٍ، وهكذا فإنَّه نَصَّ بعضُ الفقهاءِ أنَّ المميِّزةَ الصغيرةَ تُسْتَرُ للصلاةِ كالبالغةِ، مع أنَّ الصغيرةَ تخرُجُ للرجالِ الأجانبِ، ولا عورةَ نظرٍ عليها.\nبل نَصَّ الفقهاءُ مِن المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إن كانت في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تستُرُ وجهَها؛ نصَّ عليه الخطيبُ الشِّرْبِينِيُّ مِن الشافعيةِ؛ فقال: «إلا أنْ تكونَ بحضرةِ أجنبيٍّ ... فلا يجوزُ لها رفعُ النِّقَاب» (١)، ومِن المالكيةِ اللَّخْمِيُّ، ومِن الحنابلةِ ابنُ تيميَّةَ وغيرُه، وأشار إليه الطحطاويُّ وغيرُه مِن الحنفيةِ.\nوعدمُ التفريقِ بين سياقاتِ الأئمَّةِ في عورةِ الصلاةِ وعورةِ النظرِ مِن أكثرِ ما يخطِئُ به النَّقَلةُ؛ فيأخُذُون كلامَ الفقهاءِ في عورةِ الصلاةِ، ويَضَعُونه في عورةِ النظرِ،\n_________\n(١) انظر: «الإقناع، في حلِّ ألفاظ أبي شُجَاع» (١/ ١٢٤).","vol":"1","page":66},{"text":"ولا ينظُرُون للسياقِ، وربما نَظَرَ بعضُهم لِمَا صحَّ أن نساءَ الصحابةِ يُصَلِّينَ خلفَ الرجالِ مع رسولِ اللهِ ﷺ في المساجدِ، ويَتصوَّرُ لازمًا ذهنيًّا أنَّ الرجالَ يرونَ النساءَ بعدَ الصلاةِ؛ وهذا خطأٌ مِن وجهَيْنِ:\nالأوَّلُ: أنَّ الصحابةَ تكونُ وجوهُهم إلى القِبْلةِ، وأنْ سلَّموا، انتهتِ الصلاةُ، وكان النبيُّ ﷺ ينهَى الصحابةَ أن يتحرَّكُوا حتى تخرُجَ النساءُ؛ ففي البخاريِّ، عن أُمِّ سَلَمةَ ﵂، قالت: «إنَّ النساءَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنَ المكتوبةِ، قُمْنَ، وثبتَ رسولُ الله ﷺ ومَن صَلَّى مِن الرجالِ ما شاء اللهُ، فإذا قام رسولُ اللهِ ﷺ، قام الرجالُ» (١).\nالثاني: يجوزُ للمرأةِ إنْ صلَّت عندَ الرجالِ تغطيةُ وجهِها؛ لأنَّ كشفَ وجهِ المرأةِ وكَفَّيْها في الصلاةِ ليس مِن واجباتِ الصلاةِ بالإجماعِ، ولكنَّ تغطيةَ غيرِ الوجهِ والكفينِ واجبٌ؛ فيجبُ التفريقُ بين ما يجبُ سترُه وما يجوزُ كَشْفُه؛ فللمرأةِ أن تُغطِّيَ وجهَها في الصلاةِ بسببِ مرورِ رجلٍ أو غُبَارٍ أو رِيحٍ كريهةٍ ولا تبطُلُ صلاتُها.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨٦٦).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>نِقَابُ المرأةِ في الحَجِّ:</span>\nيَربِطُ كثيرٌ مِن الكُتَّابِ بين مسألتينِ مُنفكَّتَيْنِ:\nالأُولَى: تحريمُ النقابِ على المُحْرِمةِ.\nالثانية: تغطيةُ وجهِها عند الرجالِ الأجانبِ في الحجِّ.\nويجبُ أن يُعلَمَ أنَّ اللهَ حرَّم حالَ الإحرامِ على الرجلِ لباسًا، وعلى المرأةِ لباسًا، أمَّا الرجُلُ: فحرَّم عليه اللباسَ المفصَّلَ على جسمِه أو عضوٍ مِن أعضائِه؛ كالثيابِ، والسراويلِ، والخُفَّيْنِ، والجَوْرَبَيْنِ، وشِبْهِها، وأمَّا المرأةُ: فحرَّم عليها مِن اللباسِ نوعَيْنِ: النِّقابَ، والقُفَّازَ، وتحريمُ لباسٍ معيَّنٍ لا يعني كشفَ العضوِ؛ فالحكمُ يتعلَّقُ باللباسِ لا بما تحتَه؛ فالرجلُ يغطِّي كلَّ الأعضاءِ التي نُهِيَ عن استعمالِ لباسٍ مخصَّصٍ لها، فيغطِّي قَدَمَه؛ ولكنْ لا يَلبَسُ الخُفَّ، ويغطِّي جسدَه كلَّه أعلاه وأسفَلَه إلا رأسَه؛ لكنْ لا يلبَسُ القميصَ والسِّرْوالَ والفانيلةَ، ولا يُقال له: اكشِفْ كلَّ عضوٍ مِن جسدِكَ حرَّم اللهُ عليكَ أن تلبَسَ عليه شيئًا مفصَّلًا.\nفتلك مسألتانِ منفصلتانِ، فلو غطَّتِ المرأةُ كفَّيْها بثوبٍ، لم تَأثَمْ، ولو لَبِسَتْ قُفَّازًا، أثِمَت، فالحكمُ لِلِّباسِ","vol":"1","page":68},{"text":"لا للعُضْو، ويبقى حكمُ سترِ أعضاءِ الرجلِ والمرأةِ بغيرِ أنواعِ اللباسِ المنهِيِّ عنها بحسبِ حكمِها قبلَ الإحرامِ؛ فما وجَبَ سَتْرُه، يجبُ سترُه عند قيامِ موجِبِه، وما يُستحَبُّ سترُه، فيبقى على حكمِه لا يُغَيِّرُ منه الإحرامُ شيئًا، ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عن تغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ وإنما النهيُ كان عن النقابِ بعينِه.\nوالقولُ بأنَّ: تحريمَ النقابِ على المرأةِ المُحْرِمةِ في الحجِّ؛ يعني: وجوبَ كشفِها لوجهِها، يلزَمُ مِنه أنَّ الرجلَ يجبُ عليه أن يكشِفَ ما تحتَ اللباسِ الذي نهاه اللهُ عن لبسِه، فحديثُهما واحدٌ، وفي سياقٍ واحدٍ؛ ففي «الصحيحَيْنِ»، عن عبد الله بنِ عُمَرَ ﵄، قال: قامَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ مِن الثيابِ في الإحرامِ؛ فقال النبيُّ ﷺ: (لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ؛ إِلَّا أنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٣٤)، ومسلم (١١٧٧).","vol":"1","page":69},{"text":"ولذا؛ فإنَّ فقهاءَ الصحابةِ يفرِّقون بين تخصيصِ النقابِ بالنهيِ؛ كونَه مفصَّلًا على الوجهِ، وبين تغطيةِ العضوِ وهو الوَجهُ؛ فقد صَحَّ عن عطاءٍ، عن أبي الشَّعْثاءِ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ أنَّه قال: «تُدْلِى الجلبابَ إلى وجهِها، ولا تضرِبُ به، قلتُ: وما «لا تَضْرِبُ به»؟ فأشارَ لي، كما تَجلْبَبُ المرأةُ، ثمَّ أشارَ لي: ما على خَدِّها مِن الجلبابِ، قال: تَعْطِفُه، وتَضْرِبُ به على وجهِها؛ كما هو مسدولٌ على وجهِها» (١).\nويؤكِّدُه ما روى طاوسٌ، قال: «لِتُدْلِ المرأةُ المُحْرِمةُ ثوبَها على وجهِها، ولا تَنتَقِبْ» (٢).\nوقد حكى الإجماعَ على أنَّ المرأةَ تغطِّي وجهَها عن نظرِ الرجالِ وهي مُحْرِمةٌ: ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ قُدَامةَ، وغيرُهما:\nقال ابنُ عبدِ البَرِّ: «أجمَعُوا على أنَّ المرأةَ تَلْبَسُ\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في «مسنده» (١/ ٣٠٣ رقم ٧٨٨)، وفي «الأُم» (٣/ ٣٧٠ - ٣٧١)، وأبو داود في «مسائل الإمام أحمد» (٧٣٢). ولم يذكُرِ الشافعيُّ: «أبا الشعثاء».\n(٢) أخرجه الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٧١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٤٥٤٠).","vol":"1","page":70},{"text":"المَخِيطَ كُلَّه، والخِفَافَ، وأنَّ لها أنْ تُغطِّيَ رأسَها، وتستُرَ شَعْرَها؛ إلا وجهَها، فتَسْدُلُ عليه الثوبَ سَدْلًا خفيفًا تُسْتَرُ به عن نظرِ الرجالِ» (١)، وقال ابنُ قُدَامةَ: «لا نَعْلَمُ فيه خلافًا» (٢).\nولا تشترَطُ المجافاةُ عند سدلِ المُحْرِمةِ ثوبَها على وجهِها، بحيثُ لا يلتصِقُ بوجهِها كالتصاقِ النِّقابِ؛ فلم يَشتَرِطْهُ مالكٌ وأحمدُ في قولٍ (٣)؛ خلافًا لمَذهبِ الشافعيِّ (٤).\nوعلى هذا عملُ نساءِ الصحابةِ في الحجِّ؛ يَتْرُكْنَ النقابَ، ويَتخَمَّرْنَ أو يَتجلبَبْنَ بغيرِه، فقد صحَّ عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ، قالت: «كُنَّا نُخمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِماتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ (٥).\nوقد كانتِ العربُ في بعضِ أنساكِها في الحجِّ على\n_________\n(١) انظر: «التمهيد» (١٥/ ١٠٨)، و«الاستذكار» (١١/ ٢٨ - ٢٩).\n(٢) انظر: «المغني» (٥/ ١٥٤).\n(٣) انظر: «المدونة» (١/ ٤٦٣)، و«المغني» (٥/ ١٥٥).\n(٤) انظر: «الأم» (٣/ ٣٧٠ و٥٧١).\n(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٣٢٨)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» (٢٢٥٥).","vol":"1","page":71},{"text":"ما كان عليه إبراهيمُ، ومَن بعدَه مِن الأنبياءِ ﵈، وقد كانُوا في الجاهليةِ تَكْشِفُ النساءُ وجوهَهُنَّ في الحجِّ؛ ظَنًّا منهم أنَّ الحكمَ عامٌّ للنقابِ وغيرِه، عند الرجالِ الأجانبِ وغيرِهم؛ قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ السُّلَمِيُّ، وهو شاعرٌ جاهليٌّ يَصِفُ حالَ امرأةٍ مُحْرِمةٍ:\nوأبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِنًا ... ووَجْهًا مَتَى يَحْلِلْ لهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (١)\nوبَقِيَ الظنُّ عند بعضِ نساءِ العربِ كذلك بعدَ الإسلام، حتى إنَّ منهنَّ مَن كانت تجدُ حَرَجًا على نُسُكِها مِن تغطيةِ وجهِها في حَجِّها خوفًا على أجرِها؛ وذلك مِن بقايا فهمِ الجاهليةِ، وكانت عائشةُ ﵂ تُسأَلُ عن ذلك وتُبَيِّنُ الأَمرَ؛ فقد روى إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، عن أُمِّهِ وأُخْتِه أنَّهما دخلَتَا على عائشةَ يومَ التَّرْوِيَةِ، فسألَتْها امرأةٌ: أَيَحِلُّ لي أنْ أغطِّيَ وجهِي وأنا مُحْرِمةٌ؟ فرفعَتْ خمارَها عن صدرِها، حتى جعلَتْه فوقَ رأسِها؛ أخرَجَه ابنُ سعدٍ في «الطبقات» (٢).\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٥٨).\n(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ٤٥٦).","vol":"1","page":72},{"text":"وقد كانت عائشةُ ﵂ تُبيِّنُ التفريقَ بينَ النقابِ والتغطيةِ بغيرِه، وأنَّ التغطيةَ جائزةٌ ولو كانتِ المرأَةُ وحدَها؛ كما في البخاريِّ معلَّقًا، وأسنَدَه ابنُ حزمٍ والبيهقيُّ، قالت: «لا تَنْتقِبْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها»، وعندَ البيهقيِّ: «إن شاءَتْ» (١).\nوعلى هذا يَنُصُّ الفقهاءُ في كتبِهم عندَ ذكرِ المرأةِ ولباسِها حالَ إحرامِها، فيقولون عباراتٍ تُزِيلُ اللبسَ فيقولون: «ولها أن تغطِّيَ وجهَها»، وربَّما قال بعضُهم: «ويجوزُ لها أنْ تُغَطِّيَ وجهَها عند الرجالِ».\nويبيِّنُ بعضُ الفقهاءِ المرادَ كالعِمْرَانِيِّ الشافعيِّ كما في «البَيَان»؛ قال بعدَ تقريرِ ذلك: «ولَسْنَا نريدُ بذلك أنَّها\n_________\n(١) علقه البخاري (٢/ ١٣٧). فقال: «ولَبِسَتْ عائشةُ ﵂ الثيابَ المُعصْفَرَةَ وهي مُحرِمةٌ، وقالت: لا تَلَثَّمْ ولا تَتبَرْقَعْ، ولا تلبَسْ ثوبًا بوَرْسٍ ولا زعفَرَانٍ»، ووصَلَه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٧/ ٩١)؛ فقال: وروينا عن وكيعٍ ... سُئِلَت عائشةُ أمُّ المؤمِنِين: ما تلبَسُ المحرِمَةُ؟ فقالت: «لا تنتَقِبْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها»، ووصلَه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤٧/ ٥)؛ بلفظِ: «المحرِمَةُ تَلْبَسُ مِن الثيابِ ما شاءتْ؛ إلا ثوبًا مَسَّه وَرْسٌ أو زَغفَرانٌ، ولا تتبَرْقَعْ ولا تَلَثَّمْ، وتَسْدُلُ الثوبَ على وجهِها إنْ شاءَت».","vol":"1","page":73},{"text":"تبرُزُ للناس» (١).\nويزعُمُ بعضُ الكُتَّابِ أنَّ الأئمةَ يقولونَ بجوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها عند الرجالِ، ولا يُوجِبونَهُ، وهذا فَهْمٌ خاطِئٌ لا وجهَ له؛ لأنَّ التعبيرَ عند إرادةِ رفعِ الحرجِ أو الحظرِ يكونُ هكذا في لغةِ القرآنِ ولسانِ العرب؛ كما في قولِه تعالى عنِ السعيِ بين الصَّفَا والمروةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنَّ الناسَ كانت تَجِدُ حرجًا مِن السعيِ بينَ الصفا والمروةِ؛ لأنَّهم كانُوا يَضَعُونَ أصنامًا على الجَبَلَيْنِ فيسعَوْنَ بينهما، فأصبحت عالقةً في أذهانِهم فيتحَرَّجُون مِن السعيِ؛ فقال اللهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، والطوافُ بهما واجبٌ أو ركنٌ في الحجِّ والعمرةِ، والآيةُ وكذا كلامُ الفقهاءِ لرفعِ الحرَجِ المتوهَّمِ؛ لا لإثباتِ أصلِ الحكمِ.\nوأخذُ الأحكامِ مِن غيرِ فهمِ سياقاتِها خطأٌ كبيرٌ، وكثيرًا ما يأخُذُ بعضُ الكُتَّابِ أحكامَ غطاءِ المرأةِ لوجهِها مِن المناسكِ أو مِن حجابِ الصلاةِ، فينشَأُ الخطأُ،\n_________\n(١) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٤/ ١٥٤).","vol":"1","page":74},{"text":"وينشرونَهُ بصيغَتِهِ على غيرِ مرادِه، ولو أُجْرِيَ هذا الأسلوبُ على جميعِ الأحكامِ وبُتِرَتْ مِن سياقاتِها، لهُدِمَتْ كثيرٌ مِن الثوابتِ والأحكامِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>ما لا يُختلَفُ فيه مِن لباسِ المرأةِ:</span>\nلا يَخْتلِفُ العلماء في جميعِ المذاهبِ: أنَّ المرأةَ يجبُ عليها ألَّا تَلْبَسَ لباسًا ملتصِقًا يَصِفُ جسمَها، ولا أنْ تلبَسَ شَفَّافًا يُبْدِي لونَ أو هيئةَ ما يجبُ عليها سَتْرُه مِن بَدَنِها، وهُنَّ المقصوداتُ بقولِه ﷺ في أحدِ الصنفَيْنِ مِن أهلِ النارِ: (نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) (١)؛ يعني: لا هي كاسيةٌ ولا هي عارِيَةٌ؛ لشُفُوفِ لباسِها ووَصْفِه، وفي» المسنَد» عن أسامةَ بنِ زَيْدٍ ﵄، قال: كَسَانِي رسولُ اللهِ ﷺ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً مما أهدَاها له دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ، فكَسَوْتُها امرأتي، فقال: ما لَكَ لم تَلْبَسِ القُبْطِيَّةَ؛ قلتُ: كسوتُها امرأتي، فقال: (مُرْها فلْتَجْعَلْ تحتَها غِلَالَةً؛ فإنِّي أخافُ أن تَصِفَ حجمَ عِظامِها) (٢).\nوقد أجمَعَ الصحابةُ والتابعونَ على النهيِ عنه؛ فقد\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢١٢٨)؛ من حديثِ أبي هريرة ﵁.\n(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٢٠٥ رقم ٢١٧٨٦ و٢١٧٨٨).","vol":"1","page":75},{"text":"جاءَ عن عمرَ ﵁ مِن وجوهٍ؛ أنَّه كان ينهى النساءَ عن لُبْسِ ما يَصِفُ وَيشِفُّ؛ رواه جماعةٌ كعبدِ اللهِ بنِ خُبَيْبٍ الجُهَنِيِّ، وعبدِ الله بنِ أبي سَلَمَةَ، وأبي يزيدَ المُزَنِيِّ، وأبي صالِحٍ، ومسلمٍ البَطِينِ، وسُليمانَ بنِ مُسهِرٍ؛ كلُّهم يرويه عن عُمَرَ (١)، ورواه نافعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ (٢)، وعكرمةُ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ (٣).\nوقد روى مالكٌ في «الموطَّأ»، عن علقمةَ بنِ أبي علقمةَ، عن أُمِّه؛ أنَّها قالَتْ: «دخلتْ حفصةُ بنتُ عبدِ الرحمنِ على عائشةَ أُمِّ المؤمِنِين، وعلى حفصةَ خمارٌ رقيقٌ، فشقَّقَتْهُ عائشةُ وكَسَتْها خمارًا كثيفًا» (٤)؛ واللِّبَاسُ مالٌ مُحترَمٌ لا يُتلَفُ إلا للنهيِ عنه وتحريمِه.\nوروى ابنُ أبي شيبةَ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: «لا بأسَ بالحَرِيرِ والدِّيبَاجِ للنساءِ؛ إنما يُكْرَهُ لهنَّ ما يَصِفُ\n_________\n(١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٩٢٥٣ و١٢١٤٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٢٥٢٨٨ و٢٥٢٨٩)، و«تاريخ المدينة» لابنِ شَبَّةَ (٣/ ٧٩٣)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٢/ ٢٣٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٩١).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٩٠).\n(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢/ ٩١٣).","vol":"1","page":76},{"text":"أو يَشِفُّ» (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-66>يجبُ ألَّا يكونَ لباسُ المرأةِ عندَ الرجالِ مطيَّبًا</span>؛ ففي «الصحيح» عن زينبَ، قالتْ: قال لنا رسولُ الله ﷺ: (إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ المسجِدَ، فلا تَمَسَّ طِيبًا) (٢)؛ وهذا في قُرْبِها مِن الرجالِ في المساجِدِ؛ مواضِعِ العبادةِ، وخُلُوِّ القلبِ؛ فكيفَ بغيرِها؟!\nو<span data-type=\"title\" id=toc-67>يحرُمُ أن يكونَ لباسُ المرأةِ مشابِهًا لِلِباسِ الرجالِ</span>؛ ففي «الصحيح»، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِن الرجالِ بالنساءِ، والمتشَبِّهَاتِ مِن النساءِ بالرجالِ» (٣).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-68>يجبُ ألَّا يكونَ لباسُ المرأةِ مختصًّا بلباسِ غيرِ المسلماتِ</span>، فتُشابِهَهُنَّ؛ فإنَّ التشبُّهَ بالكفارِ في اللباسِ نُهِيَ عنه الرجالُ والنساءُ؛ ففي «الصحيح»، عنِ ابنِ عمرٍو، قال: رأى رسولُ اللهِ ﷺ عليَّ ثوبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فقال: (إنَّ هذه مِن ثيابِ الكفارِ؛ فلا تَلْبَسْها)، قلتُ: أَغْسِلُها؟ قال:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٢٨٦).\n(٢) أخرجه مسلم (٤٤٣)؛ مِن حديثِ زينبَ امرأةِ عبدِ الله.\n(٣) أخرجه البخاري (٥٨٨٥).","vol":"1","page":77},{"text":"(لا؛ أَحْرِقْها) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>تحريرُ محلِّ النزاعِ فيما يجبُ أن يُستَرَ مِن بدنِ المرأةِ:</span>\nيَشرَعُ اللهُ في الدِّينِ عباداتٍ وأحكامًا، ويَحُدُّ حدودًا، تَخْتلِفُ مَنازلُها ومَوازينُها حتى في العبادةِ الواحدةِ؛ كالصلاةِ والصدقةِ والنُّسُكِ؛ فيها الفَرْضُ، وفيها النَّفْلُ، ومنها المُتَّفَقُ عليه، ومنها المختَلَفُ فيه.\nويجبُ قبلَ الكلامِ على تفصيلِ مسائلِ الحجابِ، وسَتْرِ المرأةِ بلباسِها، أنْ نذكُرَ ما أجمَعَ عليه العلماءُ مِن أحكامِ الحجابِ واللباسِ، حتى لا يتسلَّلَ أحدٌ إلى مواضعِ الخلافِ وهو لا يحترِمُ الإجماعَ، فالتسليمُ بالقطعيَّاتِ قبلَ بحثِ الظَّنِّيَّاتِ، ومِن هذا تأكَّدَتْ معرفةُ محلِّ النزاعِ في مسألةِ لباسِ المرأةِ وحجابِها عند الأجانبِ؛ فنقولُ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>أجمَعَ العلماءُ أنَّ حجابَ المرأةِ بمفهومِه العامِّ: شريعةٌ ودِينٌ</span>، وأنَّه ثابتٌ قطعيٌّ متواترٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ومَن أنكَرَ شريعةَ لباسِ المرأةِ وحجابِها، وقال: إنَّ لباسَها عادةٌ تُبْدِي ما تشاءُ وتستُرُ ما تشاءُ، فهو منكِرٌ لقطعِيٍّ معلومٍ\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٠٧٧).","vol":"1","page":78},{"text":"مِن الدينِ بالضرورةِ؛ كمنكِرِ الصلاةِ، والزكاةِ، والحَجِّ.\nوأجمَعَ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أنَّ تغطيةَ وجهِ المرأةِ الحُرَّةِ الشابَّةِ عندَ خوفِ الفتنةِ بها، واجبٌ؛ خاصَّةً عندَ مَن يُطْلِقُونَ أبصارَهم إليها، ولا تَحْترِزُ منهم إلا بتغطيةِ وجهِها؛ حكى الإجماعَ على هذا جماعةٌ؛ كابنِ رَسْلانَ، وا لجُوَيْنِيِّ (١)، وغيرِهما، قال ابنُ رَسْلانَ الشافعيُّ: «ويدلُّ على تقييدِه بالحاجةِ -يعني: النظرَ- اتفاقُ المسلمينَ على منعِ النساءِ أنْ يَخْرُجْنَ سافراتِ الوجوهِ؛ لا سِيَّما عندَ كثرةِ الفُسَّاقِ» (٢).\nوأجمَعَ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أنَّ تغطيةَ المرأةِ الحرةِ الشابَّةِ لوجهِها شريعةٌ ربانيَّةٌ لذاتِه؛ وإنما خلافُهم في التاركةِ له- في غيرِ فتنةٍ -هل هي تاركةٌ لفرضٍ تأثَمُ به، أو لمستَحَبٍّ وفضيلةٍ؟\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-73>أجمَعُوا: أنَّ المرأةَ العجوزَ لها أن تكشِفَ وجهَها؛ بشرطِ ألَّا تتبَرَّجَ بزينةٍ على وجهِها</span>، وأنَّ تغطيةَ المرأةِ العجوزِ لوجهِها خيرٌ لها مِن كشفِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠].\n_________\n(١) «نهاية المطلب» (١٢/ ٣١).\n(٢) نقله عن العظيم آبادي في «عون المعبود» (١١/ ١٦٢).","vol":"1","page":79},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-74>أجمَعَ العلماءُ: أنَّ عورةَ الأَمَةِ ليست كعورةِ الحُرَّةِ</span>، وأنَّ ما يجبُ على الحرةِ مِن السَّتْرِ، لا يجبُ كُلُّه على الأمَةِ، حكى الإجماعَ جماعةٌ؛ كابنِ عبدِ البَرِّ، وغيرِه (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-75>أجمَعَ العلماءُ: على التفريقِ بين عورةِ السَّتْرِ وعورةِ النظرِ</span>، وإنِ اختلَفُوا في حدودِ كلٍّ منهما، فعورةُ السترِ: عورةٌ في ذاتِها؛ ولذا تُسْتَرُ لذاتِها، وعورةُ النظرِ: تُسْتَرُ لأجلِ الناظرِ لها ولو لم تكن عورةً في ذاتِها.\nومَن لم يُفَرِّقْ بين عورةِ الأَمَةِ وعورةِ الحُرَّةِ، وبين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ، اختَلَّ أصلُه؛ فاختلَّتْ تفريعاتُه تبغًا، ولم يَحْمِلْ كلامَ الفقهاءِ على ما أرادُوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>توظيفُ الخلافِ واستغلالُهُ لِهَدْمِ الأصولِ وخرقِ الإجماعِ:</span>\nبعضُ الذين يكتُبُون حولَ الخلافيَّاتِ لا يُؤْمِنُونَ بالقطعِيَّاتِ والإجماعاتِ، ومَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ ويُعظِّمُه، فدخولُه إلى الخلافِ هدىً، ولا يجوزُ للفقيهِ إدخالُه مِن\n_________\n(١) انظر: «الاستذكار» (٢٧/ ٢٩٠).","vol":"1","page":80},{"text":"باب (سَعَةِ الخلافِ)؛ فهؤلاءِ كاللُّصُوصِ يَطرُقون الأبوابَ لتُفَتَحَ، ويَطْرُقون البابَ بأَدَبٍ؛ وذلك لأنَّ فتحَ البابِ عندَهم أهوَنُ مِن كَسْرِه، ولأنَّ كسرَهُ شاقٌّ، ومَن نظرَ إلى طريقةِ مَن لا يؤمِنُ بالإجماعِ، ويتظاهَرُ بطلبِ الإنصافِ عند الخلاف، يجدُ أنَّه يدخُلُ مِن أبوابِ الخلافِ ليصِلَ إلى ما وراءَه؛ فمِن الجَدَلِ مُناظَرةُ مَن يُحِلُّ الخمرَ في مسألةِ حِلِّ النَّبِيذِ، ومناظرةُ مَن يُحِلُّ المخدِّرَاتِ في مسألةِ حِلِّ الدُّخَانِ.\nوقد كثُرَ الكُتَّابُ اليومَ، وحَمَل القلمَ كلُّ أحَدٍ، واختَلَطَتْ على العامَّةِ وأكثرِ الخاصَّةِ مقاصدُ الكُتَّابِ في بحثِ المسائلِ الخلافيةِ وأهدافُهم وغاياتُهم.\nومِمَّا يجبُ التأكيدُ عليه: أنَّ مِن وسائلِ معرفةِ المُتَتَرِّسِينَ بالخلافِ والمستَغِلِّينَ له؛ لإخلاءِ الطريقِ وإفساحِه لضربِ الأصولِ وخَرْقِ الإجماع: أنْ يُنظَرَ في سيرةِ الكاتبِ وموقِفِه مِن الإجماعِ والقطعياتِ.\nفمَن يبحَثُ باندفاعٍ وحماسٍ عن حِلِّ شربِ الدُّخَانِ والنبيذِ، وهو يُحِلُّ المخدِّراتِ أو الخمرَ أو يسكُتُ عنها وهي منتشرةٌ؛ فذلك دليلٌ على أنَّ له غايةً وراءَ الخلافِ!\nومِن ذلك: مَن يبحَثُ باندفاعٍ عن جوازِ كشفِ","vol":"1","page":81},{"text":"المرأةِ لوَجْهِها، وهو يُجالِسُ العارياتِ بلا نَكِيرٍ، أو يرى السُّفُورَ يَنْتشِرُ والحِشْمةَ تَنْحسِر، ويندفعُ بحماسٍ للتهوينِ مِن الفضيلةِ ويسكُتُ عن الرذيلةِ بحُجَّةِ الخلافِ؛ فهؤلاءِ يسلُكُون طرائقَ المنافقينَ السابقِينَ الذين يستغِلُّونَ مسائلَ الفروعِ وسيلةً لهدمِ الأصولِ وضربِها.\nفقد كان المُنافِقُونَ يَتكاسَلُونَ عنِ الصلاةِ جماعةً مع النبيِّ ﷺ، ولا يذكُرُون اللهَ إلا قليلًا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]، ومع كَسَلِهم عن الفضائلِ، اندَفَعُوا لبناءِ مسجدٍ في المدينةِ، ورفَعُوا فيه الأذانَ بمواقيتِه، وأقامُوا الصلاةَ، وهذا العملُ فضيلةٌ في ذاتِهِ لو فعَلَهُ غيرُهم مِن أهلِ الحرصِ على الأصولِ وتعظيمِها، ولكنَّ النبيَّ ﷺ لم يَفصِلْ فضيلةَ بناءِ المسجدِ عن سياقاتِهِ وحالِ مَن بناهُ وسيرتِهم ومَواقِفِهم المُشابِهةِ، ولم ينظُرْ إليه نظرةً فرعيَّةً كمسجدَيْنِ متجاوِرَيْنِ في بلدٍ تحكُمُ قربَهما المصلحةُ؛ وإنما رآه مسجِدَ ضِرَارٍ، مع أنَّ في المدينةِ مساجدَ أُخرى أَذِنَ النبيُّ ﷺ ببنائِها وصلَّى هو فيها، ولكنَّ المنافقينَ اتَّخَذوا فعلَهم للفضيلةِ بابًا لغايةٍ أُخرى مِن الرذيلةِ، وهي شقُّ صفِّ النبيِّ ﷺ ومَن حولَه، فنَظَرَ النبيُّ ﷺ إلى","vol":"1","page":82},{"text":"الغاياتِ لا إلى الجزئياتِ، فحَوَّلَ الأمرَ مِن فضيلةٍ ظاهرةٍ تخدَعُ العامَّةَ، إلى شرٍّ، وأنزلَ اللهُ عليه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ وهذا في مسجدٍ وبيتٍ لله!\nوكذلك في مسائلِ خلافِ الفروعِ؛ يُدخَلُ فيها كثيرًا مِن هذا البابِ، فسِيرَةُ القائمينَ والكُتَّابِ تحكُمُ أفعالَهم، وتغيِّرُ تعامُلَ العالِمِ معها؛ فإنَّ العلماءَ ما زالُوا يبحثونَ مسائلَ الفقهِ، ويتداوَلُون الأدلَّةَ في الكتبِ؛ في العباداتِ، والنِّكاحِ، والمعامَلاتِ، والحجابِ، والحدودِ، ويتناظَرُون، ويَرُدُّ بعضُهم على بعضٍ بإجلالٍ وتوقيرٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يبحَثُ الفروعَ، ويعرِفُ موقفَ الآخَرِ مِن الأصولِ، وحَمِيّتَهُ لها.\nوفي مسائلِ الحجاب ولباسِ المرأةِ، ظهَرَتْ كتاباتٌ لباحِثِين -عندما يُرَوِّجُ الإعلامُ والمنافقون أنَّ الحجابَ عادةٌ لا عبادة، وأنَّ تغطيةَ الوجهِ تقليدٌ لا دينٌ- كتَبُوا أن تغطيةَ الوجهِ ليست بواجبةٍ، ويتغافلُ -عن جهلٍ أو هوىً- عن أنَّ العلماءَ يجعلُون تغطيةَ الوجهِ مِنَ الدِّين، وهؤلاءِ يَفصِلُونها مِن الدينِ كلِّه؛ كمَن يُورِدُ أقوالَ بعضِ العلماءِ:","vol":"1","page":83},{"text":"أنَّ صلاةَ العيدَيْنِ ليستْ بواجبةٍ، في سياقِ مَن ينفِيها مِن الدينِ كلِّه، أو مَن يسوقُ أقوالَ بعضِ العلماءِ: أنَّ زكاةَ الفِطْرِ ليستْ بواجبةٍ، في مَسَاقِ مَن يقولُ: إنها عادةٌ وتقليدٌ؛ فهؤلاءِ الباحثون لم يضرِبُوا الحقَّ؛ وإنَّما أعطَوُا الضارِبَ مِطْرَقةً!\nوربما ينقُلُ أحدُهم كلامَ الشافعيِّ في عَوْرةِ المرأةِ للصلاةِ، وأنَّه ليس منها الوجهُ والكَفَّانِ؛ ليَرمِيَها بيَدِ مَن يرى السفورَ مطلقًا، ثم يَرْمِيَها الآخَرُ حُجَّةً لمَن تبرُزُ في وسائلِ الإعلامِ سافرةً، مع أنَّ الشافعيَّ يمنَعُ المرأةَ أن تصعَدَ على الصَّفَا والمروةِ؛ حتى لا يَرَى شخصَها الناسُ وهي في حَرَمِ الله!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الخلافُ وحقُّ الاختيارِ:</span>\nيتوهَّمُ كثيرٌ مِن الناسِ أنَّ مجرَّدَ اختلافِ العلماءِ في مسألةٍ مِن المسائلِ، يبيحُ للمسلمِ أنْ يختارَ منها ما يَشْتَهِيه، وهذا -بإجماعِ أهلِ العلم المختلِفِين أنفُسِهم- خطأٌ؛ ونصَّ على هذا المعنى أئمَّةٌ؛ كَأحمدَ (١)، والبخاريِّ (٢)، والمُزَنِيِّ\n_________\n(١) «فتاوى ابن تيمية» (٢٠/ ٢١٢).\n(٢) «صحيح البخاري» (٦/ ٢٦٨١).","vol":"1","page":84},{"text":"صاحبِ الشافعيِّ (١)، وابنِ حزمٍ (٢)، وابنِ عبدِ البَرِّ، والشاطبيِّ (٣)، وأبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ (٤)، والخَطَّابِيِّ، وابنِ تيمِيَّةَ (٥)، وغيرِهم:\nقال ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيد»: «وقد أجمعَ المسلمونَ أنَّ الخلافَ ليس بحُجَّةٍ، وأنَّ عندَه يلزَمُ طلبُ الدليلِ والحُجَّةِ؛ لِيَتبيَّنَ الحقُّ منه (٦)، وقال في «الجامع»: «الاختلافُ ليس بحُجَّةٍ عند أحدٍ علمتُهُ مِن فقهاءِ الأُمَّةِ؛ إلا مَن لا بَصَرَ له، ولا معرفةَ عندَه، ولا حُجَّةَ في قولِه» (٧).\nوقال الخطابِيُّ: «ليس الاختلافُ حجةً، وبيانُ السُّنَّةِ حجةٌ على المختلِفَيْن» (٨).\n_________\n(١) نقَلَ كلامَه ابنُ عبدِ البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٢٢)\n(٢) انظر: «الإحكام» (٥/ ٦٤ - ٧٠).\n(٣) انظر: «الموافقات» (٥/ ٩٢ - ٩٧).\n(٤) «تلبيس إبليس» (ص ٨١)، و«نواسخ القرآن» (ص ٨٣١).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٤٧٢ - ٤٧٣).\n(٦) «التمهيد» (١/ ١٦٥).\n(٧) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٢٢).\n(٨) انظر: «أعلام الحديث» (٣/ ٢٠٩).","vol":"1","page":85},{"text":"ومَن زعمَ أنه لا يأخُذُ إلا بمسائلِ الإجماعِ، فليَعْلَمْ أنَّ مِن مسائلِ الإجماعِ: أنَّ الخلافَ لا يُسَوِّغُ تركَ الدليلِ البَيِّنِ تقليدًا لفقيهٍ، وقد نصَّ على هذا الأئمةُ الأربعةُ؛ وذلك أنَّ هذا يجعَلُ مجرَّدَ ورودِ الخلافِ، كورودِ الدليلِ على الإباحةِ؛ كما لو جاء دليلٌ خاصٌ على أنَّ شيئًا مَّا مباحٌ أو حرامٌ! وهذا فهمٌ خطيرٌ للخلافِ؛ فأقوالُ الفقهاءِ في ذاتِها ليستْ في مقامِ الأدلَّةِ.\nوقد بلغَ ببعضِ الناسِ أنْ يجعلَ مِن وجودِ الخلافِ مسوِّغًا لتركِ الدليلِ البَيِّنِ، فجعَلُوه أقوى مِن الدليلِ، فعُكِسَتِ القاعدةُ الشرعيةُ؛ فبدلًا مِن أن يكونَ القرآنُ والسُّنَّةُ حاكمَيْنِ عندَ الاختلافِ، جُعِلَ الاختلافُ حاكمًا عليهما! قال اللهُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال اللهُ لنبيِّهِ ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]؛ فلم يجعلْهُ يحكُمُ بما يرى مع وجودِ النصِّ، مع أنَّه نبيٌّ مؤيَّدٌ، ولَمَّا ذكَرَ اللهُ الاختلافَ، لم يأمُرِ العلماءَ والناسَ بالاختيارِ كما يُريدون؛ وإنَّما رجَعَهُمْ إلى النَّصِّ؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].","vol":"1","page":86},{"text":"واللهُ لم يَرْجِعِ الناسَ إلى الخلافِ؛ لأنَّ كلَّ خلافٍ فهو حادثٌ بعدَ النبيِّ ﷺ، وليس مِن الدِّينِ، ولكنَّ اللهَ يَعْذِرُ أقوامًا غاب عنهم الدليلُ واجتهَدُوا، ولا يَعْذِرُ آخَرِينَ تساهَلُوا؛ فالتوسِعةُ مِن الله ليست على ذاتِ الخلافِ، وإنَّما على اجتهادِ المجتهدِ وأثرِه عليه، ولو كانتِ التوسعةُ في ذاتِ الخلاف بعينِه، لكان الأوْلَى للفقهاءِ أن يبحَثُوا عن مسوِّغاتٍ للخروجِ من الإجماعِ؛ ليحدُثَ خلافٌ؛ ليكونَ توسعةً ورحمةً؛ وهذا خطأٌ وضلالٌ.\nواللهُ تعالى أخبَرَ بوجودِ الاختلافِ قَدَرًا، وعَذَرَ المجتهِدَ المستفرغَ لوُسْعِهِ رحمةً منه، لكنْ متى لاحَ له الدليلُ، وجبَ له أن يَرْجِعَ، ففَهْمُه مهزوزٌ، والدليلُ ثابتٌ، وفي زمنِ الفقهاءِ السابقينَ في القرنِ الثاني والثالثِ لم تُجْمَعِ الأحاديثُ والآثارُ في الكتبِ جمعًا محكَمًا، كما هو عند المتأخِّرِين، فكان الفقيهُ إذا أفتى بقولٍ خطأٍ وهو مأجورٌ، تتابَعَ المتأخِّرُون على تقليدِه، وقد ظهَرَ لهم دليلٌ غابَ عنه، فيُعذَرُ الفقيهُ المجتهدُ المتقدِّمُ؛ لغيابِ دليلٍ عنه، وربما لا يُعْذَرُ المقلِّدُ؛ لأنَّ الفقيهَ المتقدِّمَ اجتَهَدَ، والمقلِّدَ المتأخِّرَ ترَكَ الدليلَ، وأخذ ما يشتَهِي ويهوَى فقطْ؛ ولهذا تجدُ كثيرًا مِن الناس يقلِّدُ كلَّ فقيهٍ بما يشتهي حتى تجتمعَ فيه الشهوةُ في صورةِ فقهٍ!","vol":"1","page":87},{"text":"وقد يخطئُ الفقيهُ، ويُصِيبُ فقيةٌ آخَرُ؛ فمَن ظهَرَ له دليلٌ، وجبَ عليه أنْ يأخُذَ به؛ لأنَّ اللهَ يسأَلُ الناسَ يومَ القيامةِ عن اتِّباع المرسَلِين؛ لا تقليدِ الفقهاءِ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، واللهُ أنزَلَ الكتابَ؛ لِينزعَ به الخلافَ: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-87>العقلُ يدلُّ على أنَّ تتبُّعَ الرُّخَصِ يُمْرِضُ الأبدانَ والأديانَ</span>؛ فتتبُّعُ رُخَصِ العلماءِ يُفْسِدُ الدِّينَ، وتتبُّعُ رخصِ الأطباءِ يُفْسِدُ البدَنَ.\nومَن يجعَلُ الشهوةَ والرغبةَ مُرَجِّحًا للاختيار، كمَن يجعَلُ حلاوةَ طعمِ دواءِ الطبيبِ مرجِّحًا لصلاحِ علاجِه، وكثيرًا ما يحتاطُ الناسُ لأبدانِهم وليسوا أطبَّاءَ، ويتساهَلُون في احتياطِهم لأديانِهم؛ بحُجَّةِ أنَّهم مقلِّدُون وليسوا فقهاءَ!\nويظهَرُ الهَوَى في تقليدِ الفقهاءِ عندَ كثيرٍ مِن الناسِ، مع أنَّهم يزعُمُون التحرِّيَ وتتبُّعَ الأرجَحِ؛ بينما لا يقَعُون إلا على الرخَصِ والتساهُلِ مِن أقوالِ الفقهاءِ؛ وهنا يظهَرُ الفرقُ بين الباحثِ عن الحقِّ، وبين الباحثِ عمَّا يوافِقُ هَوَاه.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>القرآن لا تتعارَضُ آياته، بل تتوافقُ وتتعاضد:</span>\nمِن المُهِمَّاتِ المسلَّماتِ: أنَّ القرآنَ يصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويؤكِّدُ بعضُه بعضًا، ويفسِّرُ بعضُه بعضًا، لا يتعارَضُ إلا بنسخٍ مِن الوَحْيِ، وقد أنزلَ اللهُ آياتٍ في الحجابِ والسَّتْرِ كُلُّهُنَّ مُحْكَماتٌ بلا خلافٍ، ومَن أراد فَهْمَ معنىً مِن معانِيه، فيجِبُ عليه أنْ يجمَعَ آياتِ البابِ الواحدِ للموضوعِ الواحد، وينظُرَ فيها؛ فإنَّها تُزِيلُ ما يلتبِسُ عليه منها؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]؛ صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولُه: «يُشبِهُ بعضُه بعضًا، ويصدِّقُ بعضُه بعضًا، ويَدُلُّ بعضُه على بعضٍ» (١).\nوكثيرٌ ممن ينظُرُ في أحكامِ حجابِ المرأةِ وسترِها في القرآنِ والحديثِ، ينظُرُ إلى موضِعٍ مشتَبِهٍ، ويَحمِلُه على ما يفهَمُه، ولو قرَنَ به الموضِعَ الآخَرَ مِن الوحيِ، لفَهِمَ كلامَ اللهِ وكلامَ نَبِيِّه وحُكْمَهما، وتَصوَّرَ لهما معنىً سويًّا لا لَبْسَ فيه ولا قصورَ، خاصةً مع انتشارِ عُجْمةِ اللِّسان، وبُعْدِها عن لغةِ القرآن، حتى عندَ العربِ فضلًا عن العجَمِ المتعَرِّبِين، ومع بُعدِ العهدِ عن مُصطَلَحاتِ الصدرِ الأوَّلِ، وحدوثِ\n_________\n(١) أخرجه ابنُ جرير في «تفسيره» (٢٠/ ١٩١).","vol":"1","page":89},{"text":"مصطلحاتٍ جديدةٍ، لم يفهَمْ أكثرُ الناسِ معنَى استعمالِ القرآنِ لـ (الحِجَاب)، و(الجِلْبَاب)، و(الخِمَار)، وهذه ألفاظٌ قرآنيةٌ كان يعرِفُها أدنَى العربِ، نساءً ورجالًا، وقد حَلَّ محلَّها مصطلحاتٌ جديدةٌ واستعمالاتٌ لِلِباسِ المرأةِ، فوقَعَ الخلطُ عندَ العامَّةِ وكثيرٍ مِن الخاصَّةِ في هذا البابِ.\nومِن وجوهِ الفَهْمِ لمعنى الألفاظِ والمصطلحاتِ: أنْ تَعْرِفَ ما يَحُدُّها مِن جميعِ جهاتِها مِن المعاني التي لا تدخُلُ فيها، حتى تعرِفَ المعنى الذي تريدُه، ولا تدخُلَ في حدودِ معانٍ لا تريدُها؛ فالعقلُ يدلُّ على أنَّ الإنسانَ يعرِفُ حدودَ أرضِه مِن حدودِ أرضِ جيرانِه مِن جهاتِه الأربعِ؛ ولذا فلن يفهَمَ الناظِرُ المتأخِّرُ أحكامَ حجابِ المرأةِ الشابَّةِ وسترِها مِن آيِ سورةِ (النُّور)، وآيِ سورةِ) الأحزاب)؛ حتى يعرِفَ حكمَ حجاب المرأةِ العجوزِ مِن سورةِ (النُّور)، ويُحكِمَ الفهمَ بالنظرِ إلى أحاديثِ النبيِّ ﷺ، وآثارِ الصحابةِ في الباب، وجمعِها في سياقٍ واحدٍ؛ فبذلك يصحُّ الفَهْمُ، ويتجلَّى الحُكْمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>أقوالُ الصحابةِ في حجابِ المرأةِ وسترِها، وأسبابُ الخطأِ فيها:</span>\nلا بُدَّ للناظِرِ مِن جمعِ أقوالِ الصحابةِ في الآياتِ","vol":"1","page":90},{"text":"جميعًا، وقَرْنِ القولِ بالآخَرِ، ومعرفةِ مواضِعِ كُلِّ قولٍ، حتى يَصِحَّ الفهمُ، ويستوِيَ الحكمُ على معنىً تَبْرَأُ به الذِّمَّةُ؛ فإنَّ الأصلَ في أقوالِ الصحابةِ المتعدِّدِين، الاتفاقُ في تفسيرِ القرآنِ، فاختلافُهم تنوُّعٌ لا تضادٌ؛ فكيفَ بالصحابيِّ الواحدِ يتعدَّدُ قولُه في الآيةِ الواحدةِ أوِ الآيتَيْنِ وموضوعُهما واحدٌ؟! فهو أوْلَى بالاتفاقِ؛ روى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن سُفْيانَ؛ أنَّه قال: «ليس في تفسيرِ القرآنِ اختلافٌ؛ إنما هو كلامٌ جامعٌ يرادُ به هذا وهذا» (١).\nوقد نصَّ على هذا المعنَى ابنُ قتيبةَ في «تأويلِ مشكِلِ القراآن» (٢)، ومحمَّدُ بنُ نصرٍ المروزِيُّ في «السُّنَّة» (٣)، والشاطبيُّ في «الموافَقَات» (٤)، وابنُ تيميَّةَ في مواضِعَ (٥).\nومَن أراد فهمَ أقوالِ الصحابةِ والتابعينَ في مسألةٍ واحدةٍ، فليَجْمَعْ أقوالَهم كلَّها في ذاتِ المسألةِ،\n_________\n(١) أخرجه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سننه» (١٠٦١ /التفسير).\n(٢) «تأويل مشكل القرآن (ص ٤٠).\n(٣) «السنة» (ص ٤١ - ٤٣).\n(٤) «الموافقات» (٥/ ٢١٠ - ٢١٧).\n(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٦٠ - ١٦٣)، و(٦/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و(١٣/ ٣٣٣ و٣٤٠ - ٣٤٤ و٣٨١ - ٣٨٤)، و(١٩/ ١٣٩ - ١٤١).","vol":"1","page":91},{"text":"وما يُشابِهُها، وما يقرُبُ منها مما هو في معناها العامِّ، فللصحابةِ أقوالٌ في لباسِ المرأةِ؛ في الأَمَةِ والحُرَّةِ، وللشابَّةِ وللعجوزِ، وعند المحارِمِ وعند الأجانبِ، وعند الصغيرِ وعند الكبيرِ، ولها أحكامٌ في اللِّباسِ مخصوصةٌ في العباداتِ؛ كالصلاةِ والحجِّ، ولها أحكامٌ ليست مِن اللباسِ؛ وإنما تُحِيطُ بمعناه؛ كأحكامِ خروجِها لصلاةِ الجماعةِ، والعيدَيْنِ، فمَن جمَعَ هذه الأقوالَ في كلِّ بابٍ، ثم توسَّعَ فيها، عرَفَ مرادَه مِن عمومِ لفظِهِ في مواضعَ، ومِن خصوصِهِ في مواضعَ أخرى، وزال إشكالُه إن وُجِد.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-92>مِن أسبابِ الأخطاءِ في فهمِ أقوالِ الصحابةِ في حجابِ المرأةِ وسَتْرِها </span>أمورٌ:\nالأوَّلُ: أخذُ قولِ الصحابيِّ أو التابعيِّ في موضِعٍ مشتَبِهٍ، وتركُ المحكَمِ البيِّنِ في مواضعَ أُخرى في ذات المعنى، التي تُبيِّنُ له المرادَ وتفسِّرُ له المعنى المقصودَ في هذا الموضعِ وغيرِه، وقد رأيتُ مَن ينقُلُ عن بعضِ السلفِ، فيأخُذُ قولًا مجملًا لبعضِ السلفِ أنَّ زِينةَ المرأةِ الظاهرةَ هي الوجهُ والكَفَّانِ، ويحمِلُهُ على ظهورِه لعمومِ الناس، فأخَذَ القولَ المخصوصَ وعَمَّمَهُ بذِهْنِه على مَن يريدُ هو، وترَكَ أقوالًا له صريحةً أنه لا يجوزُ للمرأةِ أن","vol":"1","page":92},{"text":"تُبْدِيَ وجهَها وكَفَّيْها للأجانبِ، وإنما للمحارِمِ؛ بل له أقوالٌ أًخرى يمنَعُ المرأةَ مِن الخروجِ حتى للصلواتِ والعيدَيْنِ، فيأخُذُ هذا ما يُرِيدُ بعمومِه، ويرى ما لا يُرِيدُ ويَدَعُه؛ وهذا شبيهٌ بمَن يأخُذُ عمومَ قولِه تعالى في المشرِكِين: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]، ويترُكُ ما يُفَسِّرُ له المعنى، ولمَن يتوَجَّهُ.\nوعند الوقوفِ على آيةٍ، فلا بُدَّ مِن جمعِ ما يُشابِهُها في الحكمِ الخاصِّ، وما يُقارِبُها في الحكمِ العامِّ؛ فمَن أراد أن يَفهَمَ مرادَ المفسِّرِ مِن حجابِ الشابَّةِ وسَتْرِها، فليَنْظُرْ إلى قولِه في آيةِ لباسِ العجوزِ، فما أسقَطَه المفسِّرُ مِن الصحابةِ والتابعينَ عن العجوزِ، هو الذي يُبْقِيه في حجابِ الشابَّةِ، ويفسِّرُ بها المعنى في آيةِ لباسِها، ثم ينظُرُ ما يؤكِّدُ هذا المعنى في قولِ ذاتِ الصحابيِّ في الأحكامِ المقارِبةِ لآياتِ السترِ؛ كأحاديثِ الخروجِ للمساجدِ، والعيدَيْنِ، والحجِّ، ونحوِ ذلك، فمَن يأمُرُ المُحرِمةَ أن تغطِّيَ وجهَها عند الرجالِ، كيف يُجْعَلُ قولُه للمرأةِ أن تبدِيَ وجهَها وكفَّيْها للأجانبِ وهي غيرُ مُحرِمةٍ؟! فيأمُرُها أن تفعَلَ محظورًا في حَجِّها، ثم يأمُرُها أن تترُكَ فاضلًا في غيرِه!","vol":"1","page":93},{"text":"الثاني: فصلُ قولِ الصحابيِّ في تفسيرِ القرآنِ عن مجموعِ أقوالِ الصحابةِ، وعدمُ جمعِها وتأليفِ بعضِها إلى بعضٍ لتُفْهَمَ، والأصلُ في أقوالِهم الاتفاقُ، وتفسيرُ بعضِها بعضًا.\nالثالث: فصلُ قولِ الصحابيِّ عن أقوالِ تلامذَتِهِ وفتاواهم مِن التابِعِين، الذين لا يخرُجُون غالبًا عن قولِه؛ فإنَّ أقوالَ التابِعِين تفسِّرُ أقوالَ شيوخِهم مِن الصحابةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>جمعُ الآياتِ الواردةِ في حجابِ المرأةِ وسَتْرِها، وبيانُ المرادِ منها:</span>\nجاء في القرآنِ في حجابِ المرأةِ وسترِها صريحًا خمسةُ مواضعَ، وذِكْرُها في سياقٍ واحدٍ مِن الامتثالِ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزُّمَر: ٢٣]؛ أي: يؤكِّدُ بعضُه بعضًا، ويُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، والمرادُ: أنَّ اللهَ يذكُرُ حكمَهُ في أكثَرَ مِن موضعٍ مكرَّرًا؛ وهذا يزيدُ في إحكامِه، ويرفَعُ اللبسَ الواردَ عليه بعباراتٍ وحروفٍ في موضعٍ ليست في الآخَرِ؛ وأما الآياتُ الصريحةُ في حجابِ المرأةِ وسترِها، فهي:\nالآيةُ الأُولَى: قولُه تعالى للمؤمِنِين بشأنِ نساءِ","vol":"1","page":94},{"text":"النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nتقدَّم الكلامُ على معنى الحجابِ في القرآنِ، وفي استعمالِ السَّلَفِ، ولا خلافَ عندَهم أنَّ المرادَ بالحجابِ في الآيةِ هو الفاصِلُ بين شيئَيْنِ مِن جدارٍ أو خشَبٍ أو سِتَارةٍ أو غيرِها، ومِن ذلك قولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وليس المرادُ بالآيةِ: اللباسَ الذي تَلْبَسُهُ النساءُ.\nوهذا الاصطلاحُ استعمَلَه الفقهاءُ المتأخِّرُون حتى شاعَ، حتى فسَّرَ بعضُهم القرآنَ باصطلاحِ الفقهاءِ، وجعلَ الحجابَ -وهو اللباسُ الساتِرُ- جلبابًا وخمارًا خاصًّا بأمهاتِ المؤمِيين! فابتدَعَ شيئًا لم يَقُلْ به أحدٌ مِن السَّلَفِ؛ إذْ إنَّهم يفرِّقُون بين حَجْبِ الشخوصِ، وسترِ الأبدانِ بثيابٍ؛ فاللهُ نهى المؤمِنِين عنِ النظَرِ إلى أزواجِ النبيِّ ﷺ، ولو كُنَّ متستِّراتٍ لا تُرَى أظفارُهُنَّ، وأمَرَهُنَّ وأمرَهُم عندَ المحادَثَةِ أن يكونَ مِن وراءِ حائطٍ أو سِتَارٍ، حتى إنَّهن إنْ رَكِبْنَ الإبلِ وُضِعْنَ في هَوْدَجٍ، ثم حُمِلْن عليها.\nوإنَّما شدَّدَ اللهُ على نساءِ النبيِّ ﷺ تعظيمًا للنبيِّ ﷺ، وبقيَّةُ النساءِ يدخُلْنَ في هذا الحكمِ، لكنْ حكمُهُنَّ أخَفُّ؛","vol":"1","page":95},{"text":"لأنَّ التَّبِعةَ عليهنَّ وعلى أزواجِهِنَّ أيسَرُ، وهذه الآيةُ تدلُّ على تحريمِ الاختلاطِ ومجالسةِ الجنسَيْنِ بعضِهما لبعضٍ بلا ضرورةٍ؛ لأنَّه ذكرَ علةً مشتَرَكَة لكلِّ النساءِ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وقال بعمومِ هذه الآيةِ ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهما (١).\nوهذه الآيةُ جاءت في حكمِ الاحتجابِ عن الرجالِ في البيوتِ، ومثلُه التعليمُ والعمَلُ؛ لأنَّه يطولُ الحديثُ والقعودُ، فكانت آيةُ الحجابِ [الأحزاب: ٥٣] مبيِّنةً لحكمٍ، وآيةُ الجلابيبِ [الأحزاب: ٥٩] مبيِّنَةً لحكمٍ آخَرَ؛ وهو اللباسُ عند إرادةِ الخروجِ إلى الطُّرُقاتِ، والسُّوقِ، والمساجِدِ، وغيرِها.\nالآيةُ الثانيةُ: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].\nأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ وصدَّر الأمرَ بها لنساءِ النبيِّ ﷺ؛\n_________\n(١) «تفسير الطبري» (١٩/ ١٦٦)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٨/ ٢٣٦).","vol":"1","page":96},{"text":"لمكانةِ بيتِ النبوَّةِ في المسلِمِين وعلوِّ منزلَتِهم، وكونِهم قدوةً للناسِ في الدِّينِ، وهذه الآيةُ كسابقَتِها في التشديدِ على أزواجِ النبيِّ ﷺ، ودخولِ غيرِهِنَّ، مع أنَّ غيرَهُنَّ أخفُّ وأيسرُ، واستَثْنَى خروجَ الحاجاتِ؛ فما نهاهُنَّ اللهُ عن الكلامِ مع الرجالِ لورودِ الحاجةِ؛ ولكنْ نَهَاهُنَّ عن الخضوعِ بالقولِ.\nوهذه الآيةُ تدلُّ على مباعَدةِ مواضعِ النساءِ عن الرجالِ؛ كما صحَّ عن مجاهِدِ بنِ جَبْرٍ في تفسيرِه لتبرُّجِ الجاهليةِ: «كانَتِ المرأةُ تخرُجُ تَمْشِي بين يدي الرجالِ، فذلك تبرُّجُ الجاهليةِ (١)، وقد ذكَرَ مقاتِلُ بنُ حَيَّانَ: أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ أنهنَّ كُنَّ يضَعْنَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه (٢).\nورُوِيَ عن بعضِ السلفِ -كابنِ عباسٍ ﵄- أنَّ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى كان بين نُوحٍ وإدريسَ (٣)، وقال عكرمةُ: هي زَمَنَ ولادةِ إبراهيمَ (٤)، ورُوِيَ أنَّها بعدَ ذلك (٥).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١١٦)، وابنُ سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ١٨٩).\n(٢) سبق تخريجه (ص ٦٠).\n(٣) سبق تخريجه (ص ٦١).\n(٤) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (١٠/ ١٨٩ و١٩٠).\n(٥) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٩/ ٩٧ - ٩٨).","vol":"1","page":97},{"text":"ولو كان بعدَ نوحٍ تبرُّجٌ عامٌّ أشدُّ مِن هذا، لذكَرَهُ اللهُ مثالًا لسوئِه.\nوقد قال بعمومِ هذه الآيةِ على نساءِ النبيِّ ﷺ وغيرِهن جماعةٌ؛ كالجَصَّاصِ، وابنِ كثيرٍ (١)، وغيرِهما؛ ويدلُّ على ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُبايِعُ النساءَ على عدمِ التبرُّجِ تبرُّجَ الجاهليةِ الأُولَى؛ كما صحَّ في «المسنَد» لَمَّا بايَعَتْهُ أُمَيْمةُ بنتُ رُقَيْقةَ كان مما قال لها: (وَلَا تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (٢)؛ وله شاهِدٌ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄؛ أخرَجَه الطبرانيُّ (٣).\nولكنْ كُلَّما كان الرجُلُ أكثَرَ قدوةً مِن غيرِه في الناسِ مِن العلماءِ والمصلِحِين والأُمَراءِ، وجَبَ أن تكونَ نساؤهم أكثَرَ سَتْرًا؛ لأنَّ الناسَ تقتَدِي بكُبَرائِها، فيأخُذُون أجورَ مَن تَبِعَهم بخيرٍ، ويأخُذُون إثمَ مَن تَبِعَهم بسوءٍ وشَرّ\nالآيةُ الثالثةُ: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» (٥/ ٢٥٩)، و«تفسير ابن كثير» (١١/ ١٥٠)\n(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢/ ١٩٦ رقم ٦٨٥٠)، وابن جرير في «تفسيره» (٢٢/ ٥٩٧).\n(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٦٤ رقم ١١٦٨٨).","vol":"1","page":98},{"text":"يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].\nوهذه الآيةُ وا لآيتانِ بعدَها [النور: ٣١، ٦٠] هي أصرَحُ الآياتِ وأوضَحُهُنَّ في حجابِ نساءِ المؤمِنِينَ عامَّةً؛ فهي لـ (نساءِ النبيِّ ﷺ)، و(بناتِه)، و(نساءِ المؤمِنِين)، أمَرَهُنَّ اللهُ أنْ يُدْنِين عليهن مِن جلابِيبِهِنَّ، وقد تقدَّمَ تعريفُ الجلابيبِ، وأنَّها ما يكونُ مِن لباسٍ فَضْفاضٍ فوقَ الخمارِ يستوعِبُ أعلَى البدنِ ووَسَطَه، ويُسْدَلُ فيُغَطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي «الصحيحين»، مِن حديثِ عائشةَ ﵂، قالت: «فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» (١).\nوالجِلْبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ، لكنَّها غيرُ مفصَّلةٍ، وهو القِنَاعُ والمُلَاءةُ، والجِلْبابُ ليس غطاءً خاصًّا بالوجهِ وحدَه، ولكنَّه للوجهِ وغيرِه؛ ولذا قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ يعني: تأخُذُ شيئًا مِن جلبابِها وتُنْزِلُه على وجهِها، والإدناءُ مِنَ الدُّنُوِّ وهو القُرْبُ، ويكونُ مِن مكانٍ عالٍ أو مُوَازٍ، والدُّنُوُّ نزولٌ؛ فيُسَمَّى أسفلُ الشيءِ وأقرَبُه: أدناهُ، ويقالُ للنازلِ الهابطِ بالنسبةِ للعالي: أدْنَى ودَانٍ؛ كما في قولِه: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٥٢).","vol":"1","page":99},{"text":"والأمرُ في الآيةِ هو لتغطيةِ المرأةِ وجهَها، فالجلبابُ في الأعلَى، فأُمِرَتْ أن تُنزِلَهُ على وجهِها وتُرْخِيَه عليه؛ قال الزمخشريُّ: «يقالُ إذا زَلَّ الثوبُ عن وجهِ المرأةِ: أَدْنِي ثوبَكِ على وجهِكِ» (١).\nويدلُّ على أنَّ الإدناءَ في الآيةِ يتضَمَّنُ القربَ مِن عُلُوٍّ: قولُ ابنِ عباسٍ ﵄: «يُدْلِينَ عليهنَّ مِن جلابِيبِهِنَّ»؛ كما عندَ الشافعيِّ والبيهقِيِّ (٢)؛ ففسَّرَ (الإدناءَ) بـ (الإدلاءِ)، والإدلاءُ يكونُ مِن الشيءِ العالي؛ ومنه قولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٥ - ٩]، وهو قُرْبُ جبريلَ مِن النبيِّ ﷺ، فكان عاليًا ثم دَنَا فتدَلَّى إليه، ومنه سُمِّيَ الدَّلْوُ دَلْوًا؛ لأنَّه يُدْلَى به مِن عُلْوٍ إلى أسفَلِ البِئْرِ.\nوقد فَسَّرَ إدناءَ الجلابيبِ بتغطيةِ الوجهِ في هذه الآيةِ وغيرِها مِن السُّنَّةِ والأثَرِ جماعةٌ مِن الصحابةِ؛ صحَّ عن\n_________\n(١) انظر: «تفسير الزمخشري» (٣/ ٥٦٠).\n(٢) أخرجه الشافعي في «الأم» (٣/ ٣٧٠)، وفي «مسنده» (١/ ٣٠٣ رقم ٧٨٨)، ومِن طريقِه البيهقيُّ في «معرفة السنن» (٧/ ١٤١ - ١٤٢).","vol":"1","page":100},{"text":"ابنِ عباسٍ ﵄، وعائشةَ ﵂، ومِن التابِعِين: عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، ومحمَّدِ بنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ صحَّ عنه خلافُ هذا المعنى.\nأما ما جاء عنِ ابنِ عباسٍ، فقولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عينًا واحدةً»، أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتِمٍ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (١)؛ وهي صحيفةٌ قوَّاها أحمدُ، واحتج بها البخاريُّ (٢).\nوأما ما جاء عن عائشةَ، فقولُها: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٣)؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سُنَنِه» بسندٍ صحيحٍ.\nوأما ما جاء عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، فما رواه ابنُ عونٍ،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ١٨١)، وابن أبي حاتم، كما في «الدر المنثور» (١٢/ ١٤١)، مِن طريقِ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس.\n(٢) انظر: «فتح الباري» (٨/ ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(٣) أخرجه سعيدُ بن منصور في «سننه»، كما في «فتح الباري» (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":101},{"text":"عن محمَّدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ السَّلْمانيَّ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]؛ فغَطَّى وجهَهُ ورأسَهُ وأبرَزَ عينَه اليُسْرَى؛ وبهذا فسَّرَه ابنُ سيرينَ وابنُ عَوْنٍ؛ رواه ابنُ جريرٍ (١).\nوعلى هذا كان عَمَلُ نساءِ الصحابةِ جميعًا في الصدرِ الأوَّلِ، كما في «الصحيحين»، مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سِيرِينَ، عن أُمِّ عَطِيَّةَ وغيرِها: أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ بحضورِ النساءِ للعيدَيْنِ، سُئِلَ: أعَلَى إحدانا بأس إذا لم يكنْ لها جِلْبابٌ ألَّا تَخْرُجَ؟ قال: (لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (٢).\nويستَشْكِلُ بعضُهم ما جاء في الآيةِ الرابعةِ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ١٨١ و١٨٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٤)، ومسلم (٨٩٠).","vol":"1","page":102},{"text":"بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\nومَن لم يَعْرِفْ أزمنةَ نزولِ آياتِ الحجابِ، ولم يَجْمَعْ أقوالَ الصحابةِ في آياتِ الحجابِ والسَّتْرِ بعضَها إلى بعضٍ، وينظُرْ في مذاهِبِهم فيما تعلَّقَ ببابِ لباسِ المرأةِ وسترِها وحجابِها -: أشكَلَ عليه ذلك، وضَرَبَ بعضَها ببعضٍ، على ما تقدَّمَ بيانُه؛ فآياتُ الحجابِ في سورةِ النُّورِ والأحزابِ لم تَنْزِلْ دَفْعَةً واحدةً، وأقوالُ الصحابةِ في التفسيرِ تتنوَّعُ حسَبَ الحالاتِ والمواضِعِ ولا تتعارَضُ، ومِن بابِ أَوْلَى أقوالُ الصحابيِّ في المسألةِ الواحدةِ، كما تقدَّمَ.\nفاللهُ تعالى ذكَرَ في الآيةِ الزِّينةَ، وجعلَها إجمالًا على نوعَيْن:\nالأوَّل: الزِّينةُ الباطِنةُ، التي يكونُ الأصلُ فيها عدمَ الظهورِ، وهذا في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثم أتبَعَها بالاستثناءِ.\nالثاني: الزينةُ الظاهرةُ، التي تظهَرُ لمن خَصَّهُم اللهُ بها، بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وبعضُ الناظِرِين لتفسيرِ السلفِ لقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يَحْمِلُ تفسيرَهم أنَّهنَّ يُظْهِرْنَهُ للأجانبِ غيرِ","vol":"1","page":103},{"text":"المحارِمِ، فيَنْقُلُون عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابِعِين قولَهم في: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنَّه: الكَفُّ والوَجْهُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، وابنِ عُمَرَ ﵄، والضَّحَّاكِ، أو: الكُحْلُ والخِضَابُ والخَاتَمُ؛ كما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ، ومجاهِدٍ، وابنِ جُبَيْرٍ، أو: الكُحْلُ والخاتَمُ؛ كما رُوِيَ عن أنَسٍ ﵁، أو: الخِضَابُ والكُحْلُ؛ كما رويَ عن عطاءٍ، أو: الكُحْلُ؛ كما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ، وقتادةَ، أو: الوجهُ والثيابُ؛ كما رُوِيَ عن الحسَنِ، وقتادةَ، أو: الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ؛ كما جاء عن عِكْرِمةَ، أو: الكُحْلُ والثيابُ؛ كما جاء عن الشَّعْبيِّ؛ وما سبقَ أصَحُّ ما جاء عن الصحابةِ والتابِعِين مِن تفسيرِ آيةِ الزِّينةِ (١).\nوكلامُ هؤلاءِ السلفِ كلُّه في الزينةِ الظاهرةِ للمحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وليستْ للأجانِبِ، ولمَّا كثُرَ السُّفُورُ والتعرِّي اليومَ يَسْتثقِلُ بعضُ الناسِ هذا الفهمَ، وهذا مِن أثرِ الواقعِ على النفوسِ؛ فإنَّ الصحابةَ والتابعينَ كانُوا على\n_________\n(١) انظر هذه الآثارَ في: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٥٦)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٧٢٨١ - ١٧٣٠٠)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٨ - ٢٦١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨/ ٢٥٧٤ - ٢٥٧٥).","vol":"1","page":104},{"text":"قَدْرٍ شديدٍ مِن العفافِ والسترِ، حتَّى إنَّهم قَلَّما يَسْأَلُون عما تُبْدِيه الحُرَّةُ للرجلِ الأجنبيِّ.\nويوضِّحُ أنَّ مرادَ الصحابةِ والتابِعِينَ بكشفِ الزينةِ الظاهرةِ: للمحارمِ لا الأجانبِ، نصوصُهم الأُخْرَى ونصوصُ غيرِهم الصريحةُ في ذلك؛ فهي لا تَتَّفِقُ وتجتَمِعُ إلا على هذا المعنى؛ وذلك مِن أربعةِ أوجُهٍ:\nالوجهُ الأوَّلُ: أنَّ جميعَ مَن صحَّ عنه تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ في آيةِ النُّورِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قد صَحَّ عنه ما يؤيِّدُ حملَ تفسيرِهِ على تخصيصِهِ للمحارِمِ صريحًا أو قرينةً قويةً في موضِعٍ آخَرَ:\n- أما عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ: فصحَّ عنه أنَّه قال: «الزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ، وكُحْلُ العينِ، وخِضَابُ الكفِّ، والخاتَمُ، فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها»، ثم قال صريحًا:\n﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾، والزينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ الناسِ: قُرْطَاها، وقِلَادَتُها، وسوارَاها، فأمَّا","vol":"1","page":105},{"text":"خَلْخَالُها، ومِعْضَدَتُها، ونحرُها، وشعرُها، فلا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه البيهقيُّ عن عليٍّ، عنِ ابنِ عباسٍ، وهو صحيحٌ (١).\nوصحَّ عنِ ابنِ عباسٍ أيضًا لَمَّا ذكَرَ المَحارِمَ: «الزِّينةُ التي تُبْدِيها لهؤلاءِ: قُرْطَاها وقِلَادَتُها، وسِوَارَاها، وأما خَلْخَالَاها ومِعْضَدَاها ونَحْرُها وشعرُها، فإنَّها لا تُبْدِيه إلا لزَوْجِها»؛ أخرَجَه ابنُ جَرِيرٍ عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، وعلى هذا اتَّسَقَ جميعُ تفسيرِ ابنِ عباسٍ وأقوالِه في كلِّ أبوابِ الفِقْه؛ كالحَجِّ، وآيَةِ الأحزابِ، وفي آيَةِ القواعِدِ -العجائِزِ-: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] قال: «الجلابِيب» (٣)، وهي التي على الشابَّةِ، كما صَحَّ عنِ ابنِ عباسٍ قولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أن يُغَطِّينَ وجوهَهن مِنْ فوقِ\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٥٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٤).\n(٢) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٦٤ و٢٦٧).\n(٣) أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص ٣٠٧)، وابن جريرٍ في «تفسيره» (١٧/ ٣٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٣).","vol":"1","page":106},{"text":"رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، وُيبْدِينَ عَيْنًا واحدةً» (١)، وصحَّ عنه أيضًا قولُه: «تُدْلِي الجلبابَ على وجهِها» (٢).\nوجميعُ أصحابِ ابنِ عباسٍ ﵄ الذين رُوِيَ عنهم ما يشابِهُ قولَه، لم يكونُوا يَسْأَلُونَ عن غيرِ المَحارِمِ، والسؤالُ عنهم غيرُ واردٍ؛ لوضوحِه وجَلَائِه، وقد كانُوا على نوعٍ مِن العفافِ والسَّتْرِ شديدٍ، فيُطْلِقُونَ إطلاقاتٍ لا يَفهَمُها مَن تأثَّرَ بواقعِ السفورِ والتعرِّي، حتى أصبحَ مِن النساءِ مَن تلبَسُ عندَ الأجانبِ ما لا تلبَسُهُ نساءُ السلفِ عندَ أَبِيها وأَخِيها وابْنِها، ومَن جمَعَ أقوالَ أُولئِكَ السلَفِ المفسِّرِينَ للزِّينةِ مِن أبوابِ السترِ والعوراتِ، ظهَرَ له مرادُهم جليًّا:\n- فأمَّا سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فصَحَّ عنه: أنَّ تخفيفَ اللهِ عن القواعِدِ -العجائزِ- هو وضعُ الجلابيبِ فقط، قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: «لا تتَبَرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ؛ أَن يُرَى ما عليها مِن الزِّينةِ» (٣)، والجلابيبُ: هي ما يستُرُ الوجوهَ كما تقدَّمَ بيانُه، فإنْ كانَتْ هذه هي الرخصةَ عند سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ للعجوزِ، فهي ليست رخصةً للشابَّةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ:\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١٠١).\n(٢) سبق تخريجه (ص ٧٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤٢).","vol":"1","page":107},{"text":"أنَّه لا يحِلُّ للعجوزِ إظهارُ شعرِها؛ حَكَى الإجماعَ: الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ (١).\n- وأمَّا عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، فقد صحَّ عنه تفضيلُه سترَ الشعرِ عن المحارِمِ، فقد قال في الرجُلِ يرى مِن النساءِ -مِمَّا يحرُمُ عليه نكاحُهُنَّ- رؤوسَهُنَّ: «يَستَتِرْنَ أحبُّ إليَّ، وإنْ رأى فلا بأسَ»؛ أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ، وهو صحيحٌ (٢).\nثمَّ إنَّه قد صَحَّ عن عطاءٍ ما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في العجوزِ؛ أنَّها تضَعُ جلبابَها، والجلبابُ: ما على الوجهِ.\n- وأمَّا مجاهِدُ بنُ جَبْرٍ، فصحَّ عنه أنَّه لا يرى وضعَ الخمارِ عند المرأةِ الكافرةِ؛ فكيف يُحمَلُ قولُه في الزِّينةِ الظاهرةِ: «الخَاتَمُ والخضابُ والكُحْلُ» أنَّها للرجالِ الأجانبِ مشرِكِين ومسلِمِين؟! فقد روَى لَيْثٌ عن مجاهِدٍ قال: «لا تَضَعِ المسلمةُ خمارَها عندَ مُشرِكَةٍ،\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٩٦)، و«المحلى» لابن حزم (١٠/ ٣٢).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٦).","vol":"1","page":108},{"text":"ولا تَقْبَلْها (١)؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ فليس مِن نسائِهِنَّ»؛ رواه البيهقيُّ عنه (٢)، وروايةُ ليثٍ عن مجاهِدٍ كتابٌ ونُسْخةٌ؛ ذكَرَه ابنُ حِبَّانَ (٣).\nوقد صَحَّ عن مجاهِدٍ -كما صَحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعطاءٍ- في العجوزِ، وأنَّ اللهَ رخَّص لها بوضعِ جلبابِها (٤)، وهذه خَصِيصةُ العَجُوزِ عندَه عن الشابَّةِ.\n- وأما قولُ عامِرٍ الشَّعْبيِّ: «الكُحْلُ والثِّيَابُ»، وقولُ عكرمةَ مولَى ابنِ عباسٍ: «الوَجْهُ وثُغْرَةُ النَّحْرِ»، فقد صحَّ عنهما أنَّهما كانا يَنْهَيَانِ أن تضَعَ المرأةُ خمارَها عند عَمِّها وخالِها، خلافًا لجمهورِ العلماءِ؛ فكيفَ يُحمَلُ قولُه في: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّ المرأةَ تُبْدِي وجهَها ونَحْرَهَا وكُحْلَها للأجانبِ الأبعَدِينَ، وهما\n_________\n(١) يُقال: قَبِلَتِ القابِلةُ المرأةَ تَقْبَلُها قِبالةً وقِبالًا: تَلقَّتِ الولَدَ مِن بطنِ أمِّه عند الوِلادة. «تاج العروس» (٣٠/ ٢٠٩).\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور ف «سننه» (١٥٧٦ /التفسير)، ومِن طريقِه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٥).\n(٣) انظر: «الثقات» (٧/ ٣٣١).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٦١٧ /التفسير)، وابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٣٦١ و٣٦٣ و٣٦٤). وهو في «تفسير مجاهد» (٢/ ٤٤٤).","vol":"1","page":109},{"text":"يُشَدِّدَانِ في المحارِمِ غيرِ المَذْكُورِينَ في الآيةِ؟! فقد رَوَى داودُ، عن الشعبيِّ وعكرمةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾، حتى فَرَغَ منها؛ قالا: «لم يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لأنَّهما يَنْعَتانِ لأبنائِهما، وقالا: لا تَضَعْ خمارَها عندَ العَمِّ والخَالِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنْذِرِ (١).\nويَعْضُدُ هذا ما رواه جابِرٌ عن عامِرٍ الشَّعْبيِّ؛ أنَّه كَرِهَ أن ينظُرَ إلى شعرِ كلِّ ذي مَحْرَمٍ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٢).\nثمَّ إنَّه قد صحَّ عن الشعبيِّ ما صحَّ عنِ ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ في العجوزِ (٣).\n- وأمَّا الحسَنُ البَصْرِيُّ: فإنَّه لا يَرَى أن يَرَى الأخُ أُخْتَه بلا خمارٍ على رأسِها؛ فقد صحَّ عن هشامٍ، عن\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) (١٧٥٨٠)، ومِن طريقِه ابنُ المنذِر؛ كما في «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٢٢٠)، وابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ١٧٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٩).\n(٣) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٣٦٣).","vol":"1","page":110},{"text":"الحسَنِ؛ في المرأةِ تضَعُ خمارَها عندَ أَخِيها؟ قال: «واللهِ ما لها ذَاكَ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ، وهو صحيحٌ (١)؛ وهذا دليلٌ أنه يقصِدُ المحارِمَ، وما كانوا يَسْأَلُونَ ولا يَقْصِدُونَ غيرَهم لشِدَّةِ وَرَعِهم.\nوقد صحَّ عنِ الحسَنِ البصريِّ، مثلُ ما صحَّ عند ابنِ جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ والشعبيِّ في العجوزِ، وأنَّ اللهَ خَصَّها بوضعِ الجلبابِ (٢).\n- وأمَّا الضَّحَّاكُ، فيدلُّ على أنَّه يتكلَّمُ عن المحارِمِ: ما رواه مُزَاحِمٌ عنه أنَّه قال: «لو دخَلْتُ على أُمِّي، لقُلْتُ: غَطِّي رأسَكِ»؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٣).\n- وأمَّا قتادةُ، فصَحَّ عنه ما صَحَّ عند ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والشعبيِّ والحسَنِ في العجوزِ (٤).\nوعلى هذا المعنى لم يخرُجْ واحدٌ مِن أصحابِ ابنِ عباسٍ وغيرِهم مِن التابِعِين؛ فقد صحَّ عن عكرمةَ\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٦٨).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٦٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١ - ٢٦٤٢)\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٧٤ و١٧٥٧٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤٠).","vol":"1","page":111},{"text":"وأبي صالحٍ: «أنَّ الزِّينةَ الظاهرةَ: ما فوقَ الدِّرْعِ» (١)، والدِّرْعُ: ثوبُ البيتِ لا ثوبُ الخروجِ كما هو معروفٌ؛ لأنَّ الدِّرْعَ يظهَرُ معه الشعرُ والنَّحْرُ، وهو محرَّمُ الكشفِ للأجانبِ بالإجماعِ.\nوصح تفسيرُ الزينةِ الظاهرةِ أيضًا بالدِّرْعِ عن إبراهيمَ النخعيِّ (٢).\nوصحَّ عن طاوسٍ: ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يَرَى عورةً مِن ذاتِ مَحْرمٍ، قال: وكان يَكْرَهُ أنْ تَسلَخَ خمارَها عندَه؛ رواه عبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عنِ ابنِ طاوسٍ، عن أَبِيه، وهو صحيحٌ (٣).\n- وأمَّا عبدُ الله بنُ عُمَرَ، فإنَّه قد صحَّ عنه أنَّه جعَلَ ما استَثْناه اللهُ للعجوزِ أن تكشِفَه هو جِلْبَابَها (٤)، ويتَّفِقُ العلماءُ أنْ لا خَصِيصةَ للعجوزِ في ذلك، فبَقِيَ جلبابُ الوجوهِ على الشابَّةِ، ولا يليقُ بفقهِ الصحابةِ ولا بعقولِهم\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٣٨٣).\n(٢) أخرجه ابنُ أبي حاتم (١٠/ ١٠٩)، والطحاويُّ في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٣٢)؛ بسندٍ صحيحٍ.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٣١).\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٦١٦ /التفسير)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١).","vol":"1","page":112},{"text":"وفهمِهم، أنْ تُضرَبَ أقوالُهم بعضُها ببعضٍ في البابِ البَيِّنِ الواضِحِ؛ كحجابِ المرأةِ ولباسِها.\nوعلى هذا الجمعِ بوَّب البيهقيُّ في «سننه» فقد ترجَمَ على تفسيرِ ابنِ عباسٍ ﵄ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فقال: «باب: ما تُبْدِي المرأةُ مِن زينَتِها للمَذْكُورِين في الآيةِ مِن محارِمِها»، ثم أورَدَ قولَ ابنِ عباسٍ الذي فيه: «والزِّينةُ الظاهرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العينِ وخِضَابُ الكَفِّ والخاتَمُ؛ فهذا تُظْهِرُه في بيتِها لمن دخَلَ عليها» (١).\nونصَّ على هذا ابنُ عبدِ البرِّ؛ فجعَلَ كشفَ الزينةِ وإظهارَها للمحارمِ لا للأجانبِ، فقال: «إنَّ ذَوِي المحارِمِ مِن النَّسَبِ والرضاعِ لا يُحتجَبُ منهم ولا يُستتَرُ عنهم إلا العَوْراتُ، والمرأةُ فيما عدَا وجهَها وكَفَّيْها عورةٌ» (٢).\nومَن نظَرَ إلى تفسيرِ بقيةِ الصحابةِ في ذلك، وجَدَ أنه يتطابَقُ مع هذا المعنى ويوافِقُه؛ كما صحَّ عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁؛ أنَّ الزينةَ الظاهرةَ: الثيابُ (٣)، وعلى هذا\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١٠٥ - ١٠٦).\n(٢) انظر: «التمهيد» (٨/ ٢٣٦).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٥٦)، وسعيد بن منصور=","vol":"1","page":113},{"text":"جميعُ أصحابِه وغيرُهم مِن العراقِيِّين؛ كأبي الأحوَصِ والنَّخَعِيِّ والحسَنِ وابنِ سِيرِينَ وغيرِهم (١)، وقال به مجاهدٌ (٢)، ومرادُه بالثيابِ: التي تكونُ تحتَ الجلبابِ مما على الثيابِ الداخليةِ مِن زخرفةٍ وزينةٍ، فالجلبابُ يستُرُ زينةَ الملابسِ التي تحتَه ممّا يُلبَسُ في البيوتِ عادةً، فللمحارمِ رؤيةُ ذلك؛ لأنَّ الزينةَ تكونُ بالثيابِ كما في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ يعني: زينةَ ثيابِكم؛ وبهذا فسَّرَ أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ قولَ ابنِ مسعودٍ ﵁؛ فقد تَلَا هذه الآيةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لَمَّا روى تفسيرَ ابنِ مسعودٍ، عن أبي الأحوَصِ، عنه (٣).\n_________\n= في «سننه» (١٥٦٩ /التفسير)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٢٨٢ و١٧٢٩٦)، وابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٢٥٦ و٢٥٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٣ و٢٥٧٤)، وغيرهم.\n(١) انظر: «سنن سعيد بن منصور» (١٥٧١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (١٧٢٨٥ و١٧٢٨٩ و١٧٢٩٣)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٧).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٧٤).\n(٣) انظر: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٥٦)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٥٧).","vol":"1","page":114},{"text":"الوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيةِ أبوابِ السترِ والنظَرِ، دالٌ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عنِ ابنِ شهابٍ الزُّهْرِيِّ قولُه: «لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخمارِ، إذا كان ذا مَحْرَمٍ، فأمَّا أنْ تسلَخَ خمارَها عندَه، فلا» (١).\nوقال الزهريُّ أيضًا في المرأةِ تسلَخُ خمارَها عند ذي مَحْرَمٍ: «أمَّا أنْ يَرَى الشيءَ مِن دونِ الخمارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تسلَخَ الخمارَ، فلا»؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ عن مَعْمَرٍ، عنه، وهو صحيحٌ (٢).\nومَن جَمَعَ أقوالَ السلَفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حجمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدركَ أنهم يَدُورون في دائرةٍ أُخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يحمِلُه كثيرٌ مِن الكُتَّابِ عنهم؛ فإنَّهم لا يريدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَه للأجانبِ الأبعَدِين، وهم لا يختَلِفُون في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِين، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرُون الوجهَ اختصارًا لإجازةِ زينَتِه تبغًا مِن الكُحْلِ والقُرْطِ، ويذكُرُون\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٢٩).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٨٣٠).","vol":"1","page":115},{"text":"اليَدَ اختصارًا ليدخُلَ فيها زينَتُها مِن الخاتَمِ والخضابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُون الوجهَ بذاتِه، ولا اليدَ بذاتِها؛ ومَن نظَرَ في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقينًا.\nومِن المهمِّ بيانُه: أنَّ تفسيرَ الصحابةِ للزِّينةِ الظاهرةِ مِن بابِ شِدَّةِ العفافِ وغايةِ الاحتشامِ، والسترِ الذي هم عليه؛ ولا يظهر أنَّهم يُحَرِّمون على المرأةِ أن تُبْدِيَ شعرَها ويديها عندَ محارمِها، فهذا الذي خففت به الشريعةُ، وهو الذي نعتقِدُ، ولكنَّ المرادَ مِن بيانِ أقوالِهم ووضعِها في مواضعِها وسياقاتِها التي أوْرَدُوها فيها: أنَّ المعاصِرِين لمَّا بعَّدَ الزمانُ والواقعُ بينهم وبين ذلك الجيلِ، وضَعُوا أقوالَهم في غيرِ موضعِها، ولم تتصَوَّرْها نفوسُهم إلا كذلك؛ فكانت أقوالُ السلفِ في بيانِ الحكم احتياطًا، ثم وُضِعَت في غير موضعِها تفريطًا.\nالوجهُ الثالثُ: أنَّ اللهَ رخَّصَ في الآيةِ الخامسةِ مِن آياتِ الحجابِ للقواعِدِ أنْ يضَعْنَ ثيابَهُنَّ فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].\nواتَّفق المفسِّرُون مِن الصحابةِ والتابعينَ أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللهُ بوضعِها للعجوزِ هي الجلابيبُ؛ جاء بسنَدٍ","vol":"1","page":116},{"text":"صحيحٍ ذلك عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عُمَرَ ﵃ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسَنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم (١)، وهؤلاءِ كُلُّهم لهم تفسيرٌ للزينةِ الظاهرةِ كما تقدَّمَ، واتَّفَقُوا هنا على أنَّ ما تختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ: هي ما تختَصُّ بسترِ الوجهِ مِن بَشَرَةِ الجِسْمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخمارِ؛ ويدلُّ على أنَّ الجلابيبَ: ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ: جملةٌ مِن تفسيرِ أفصَحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحيِ، وهمُ الصحابةُ والتابِعُون:\nمنها: قولُ عائشةَ ﵂: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها»؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ بسنَدٍ صحيحٍ (٢)، وقولُها في «الصحيحَيْن»: «فخَمَّرْتُ وَجْهِي بجِلْبَابِي» (٣).\nومنها: قولُ ابنِ عباسٍ ﵄: «تُدْلِي الجلبابَ إلى وجهِها»؛ أخرَجَه أبو داودَ في «المسائِلِ» بسندٍ صحيحٍ، وتقدَّمَ\n_________\n(١) انظر: «تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٦٣)، و«تفسير ابن جرير» (١٧/ ٣٦٠ - ٣٦٠)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (٨/ ٢٦٣٩ - ٢٦٤٢).\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٠١).\n(٣) سبق تخريجه (ص ٥٢).","vol":"1","page":117},{"text":"بطُولِه (١)، وقولُه: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خرَجْنَ مِن بيوتِهِن في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رُؤُوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عَيْنًا واحدةً»؛ رواه ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٢).\nومنها: ما رواه عاصِمٌ الأحوَلُ، قال: كُنَّا ندخُلُ على حفصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنقَّبت به، فنقولُ لها: رحمَكِ اللهُ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجِلبابُ، قال: فتقولُ لنا: أيُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]؛ فتقولُ: هو إثباتُ الجلبابِ (٣).\nوإذا اتَّفق الصحابةُ على أنَّ رخصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زِينةٍ، فماذا يُحِلُّون للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانِبِ؟!\nوقد حكَى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تكشِفَ شَعْرَها للأجانِبِ مهما بلَغَ\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٧٠).\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٠١).\n(٣) أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (١٦١٨ /التفسير)، وسعدان بنُ نصرٍ في «جزئه» (٦٠)؛ ومن طريقِ سعدانَ أخرجَه البيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٣).","vol":"1","page":118},{"text":"سِنُّها، حكى الإجماعَ الجَصَّاصُ وابنُ حزمٍ وغيرُهما (١)، فشعرُ العجوزِ عورةٌ للأجانِبِ، كشعرِ الشابَّةِ؛ بلا خلافٍ.\nوإذا كان تفسيرُ ابنِ عُمَرَ وابنِ عباسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعكرمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهِدٍ وقتادةَ لآيَةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ، ويرادُ بها: الأجانبُ، فما الفائدةُ مِن نزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بوضعِ الجلبابِ؟!\nالوجهُ الرابعُ: أنَّ اللهَ نَهَى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثم استَثْنَى؛ فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثم أرادَ أن يبيِّنَ المعنِيِّينَ بإظهارِ الزينةِ لهم، مُفصِّلًا لمراتِبِهم بحسبِ قُرْبِهم؛ فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [لنور: ٣١]، وقد يَسْتشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَه شيءٌ، وإنما ذُكِرَ مع غيرِه مِنَ المحارِمِ مِن بابِ حصرِ المعنِيِّينَ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الخطابَ للأَبْعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدأَ به للخَصُوصِيَّةِ،\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٩٦)، و«المحلى» (١٠/ ٣٢).","vol":"1","page":119},{"text":"فالمفسِّرُونَ يَعْلَمُونَ اختلافَ مراتِبِ المذكُورِين؛ روى ابنُ وَهْبٍ عن ابنِ زيدٍ: قال: «والزَّوْجُ له فَضْلٌ، والآباءُ مِن وراءِ الرجلِ لهم فَضْلٌ، قال: والآخَرُونَ يتفاضَلُون، قال: وهذا كلُّه يجمَعُه ما ظهَرَ مِن الزينةِ»؛ أخرجَه ابنُ جريرٍ (١).\nفقولُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلَمَ: «وهذا يجمَعُه ما ظهَرَ مِن الزِّينَةِ»؛ يعني: أنَّ المذكُورِين همُ المَحَارِمُ وهم المَعْنِيُّون بقولِه قبلَ ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وليس الأجانبَ، فذُكِرُوا للبيانِ والإيضاحِ، والزوجُ له فضلٌ على الجميعِ وخَصُوصيةٌ؛ كما قالَه ابنُ زيدٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>التَّدَرُّجُ في فرضِ الحجابِ:</span>\nيَذْهَبُ بعضُ المفسِّرينَ إلى أنَّ الحجابَ لم يُفْرَضْ جملةً واحدةً؛ وإنما جاء متدرِّجًا، فأوَّلُ ما نزلَ وذُكِرَ فيه عمومُ المؤمناتِ: آياتُ النُّورِ، ثم آياتُ سورةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاءِ ابنُ جريرٍ الطبريُّ، وأبو بكرٍ الجَصَّاصُ، وابنُ تيميَّةَ، وغيرُهم، وهؤلاءِ يتفِقون مع غيرِهم في الغايةِ والنهايةِ التي استقَرَّ عليها الحُكْمُ، وإنِ اختلَفُوا مع غيرِهم في المراحِلِ، وكثيرٌ ممن ينظُرُ في كتبِ المفسِّرِين، ينظُرُ في\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٩/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"1","page":120},{"text":"سورةِ النورِ فيراهم ينقُلُون كلامَ السلفِ في الزينةِ الظاهرةِ بإجمالٍ، ثم يُعَلِّقُ أولئك الأئمةُ في سورةِ النور، ويَنُصُّون على جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها وكَفَّيْها، ولو نظَرُوا في كلامِهم في سورةِ الأحزابِ، لوجَدُوا أنَّهم يمنَعُون، وليس هذا اضطرابًا، ولا قولَيْن؛ فالمؤلِّفُ واحدٌ، والكتابُ واحدٌ، وإنَّما لأنَّهم يَرَوْنَ تقدُّمَ آيةِ الحجابِ مِن سورةِ النورِ على آيةِ الحجابِ مِن سورةِ الأحزابِ، فيُفَسِّرُون كلَّ موضِع بحسبِ ما فَهِمُوه في موضِعِه، ويجعَلُون فرضَ الحجابِ متدرِّجًا.\nومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ مِن السُّوَرِ عندَ الأئمةِ، لم يفهَمْ مقاصدَ القرآنِ وأحكامَ المفسِّرِينَ مِن السلَفِ، قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ في سورةِ الأحزابِ: «لا يتشَبَّهْنَ بالإماءِ في لباسِهِنَّ إذا هُنَّ خرَجْنَ مِن بيوتِهنَّ لحاجَتِهِنَّ، فكشَفْنَ شعورَهن ووجوهَهُن، ولكنْ لِيُدْنِينَ عليهن مِن جلابيبهن» (١)، وذكَرَ تفسيرَ السلفِ لتغطيةِ الوجهِ بالجلابيبِ، وهكذا فسَّر آيةَ القواعدِ في سورةِ الأحزابِ (٢)، وقولُه في سورةِ النُّورِ بأنَّ المرأةَ تُبْدِي وجهَها (٣)، يحكِي\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٩/ ١٨١).\n(٢) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٧/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(٣) انظر: «تفسير ابن جرير» (١٧/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"1","page":121},{"text":"المرحلةَ الأُولَى مِن فرضِ الحجابِ، وآيةُ الأحزابِ بعدَها.\nوابنُ جريرٍ إمامٌ بصيرٌ ينقُلُ أقوالَ السلفِ في الموضِعِ ويبيِّنُه، ولو كانتِ الآيةُ في حكمٍ سابقٍ، ثم تَبِعَتْه آياتٌ تزيدُ عليه في الحكمِ، فإنه يذكُرُ عندَ كلِّ آياتٍ حكمَها، وهذا له نظائِرُ كثيرةٌ في تفسيرِه.\nوهكذا الإمامُ الجَصَّاصُ ذكَرَ معنَى ما ذكَرَه ابنُ جريرٍ في آيةِ النُّورِ؛ لأنَّها سابِقَةٌ (١)، ثم في آيَةِ الأحزابِ المتأخِّرَةِ، قال: «في هذه الآيَةِ دلالةٌ على أنَّ المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بِسَتْرِ وجهِها عنِ الأجنَبِيِّين، وإظهارِ السترِ والعفافِ عند الخُرُوجِ «(٢).\nوهكذا كثيرٌ مِن المفسِّرِين، يفسِّرون آيةَ النُّورِ على حالٍ سابقةٍ كما جاء عند ابنِ جَرِيرٍ، ثم يَنُصُّون صراحةً على مَنْعِ المرأةِ مِن كشفِ وجهِها عندَ آيةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاءِ المفسِّرين: أبو اللَّيْثِ نَصْرٌ السَّمَرْقَنْدِيُّ الحنفيُّ في «تفسيره» (٣)، وأبو عبدِ الله بنُ أبي زَمَنِين (٤)، والثعلبيُّ (٥)،\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» (٥/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٢) انظر: «أحكام القرآن» (٥/ ٢٤٥).\n(٣) انظر: «تفسير السمرقندي» (٢/ ٥٠٨)، و(٣/ ٦٩).\n(٤) انظر: «تفسير ابن أبي زمنين» (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١)، و(٣/ ٤١٢).\n(٥) انظر: «تفسير الثعلبي» (٧/ ٨٧)، و(٨/ ٦٤).","vol":"1","page":122},{"text":"والكِيَا الهَرَّاسِيُّ (١)، والزمخشريُّ (٢)، والعِزُّ بنُ عبدِ السلام (٣)، والبَيْضَاوِيُّ (٤)، والنَّسَفيُّ (٥)، وابنُ جُزَيٍّ (٦)، والسُّيُوطيُّ (٧)، والبِقَاعيُّ (٨)، وأبو السُّعُودِ (٩)، وغيرُهم.\nوكثيرٌ ممَّن ينقُلُ أقوالَهم السابقةَ في إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ، يُهْمِلُ أقوالَهم المحكَمةَ في سورةِ الأحزابِ، وقد نزلَتْ بعدَ ذلك!\nوسواءٌ قِيلَ: إنَّ الحجابَ نزلَ متدرِّجًا، أم نزَلَ مرةً واحدةً وتنوَّعَتْ نصوصُ القرآنِ في الخطابِ؛ فالغايةُ واحدةٌ، وهو ما ظهَرَ في جميعِ الآياتِ وتجلَّى صريحًا في سورةِ الأحزابِ.\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» (٤/ ٣١٢)، و(٤/ ٣٥٠).\n(٢) انظر: «تفسير الزمخشري» (٣/ ٢٣١)، و(٣/ ٥٦٠).\n(٣) انظر: «تفسير العز بن عبد السلام» (٢/ ٣٩٨)، و(٢/ ٥٩٠).\n(٤) انظر: «تفسير البيضاوي» (٤/ ١٠٤)، و(٤/ ٢٣٨).\n(٥) انظر: «تفسير النسفي» (٢/ ٥٠٠)، و(٣/ ٤٥).\n(٦) انظر: «تفسير ابن جزي» (٢/ ٦٧)، و(٩/ ١٥٩).\n(٧) انظر: «الإكليل» (ص ١٩٢)، و(ص ٢١٤ /العلمية).\n(٨) انظر «نظم الدرر» (١٣/ ٢٥٩)، و(١٥/ ٤١١).\n(٩) انظر: «إرشاد العقل السليم» (٦/ ١٧٠)، و(٧/ ١١٥).","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>حجابُ الصحابيَّاتِ والتابعيَّاتِ:</span>\nمَن تتبَّعَ حالَ الصحابيَّاتِ والتابعيَّاتِ، وجَدَ أنَّ حجابَهُنَّ وسَتْرَهُنَّ لا يختلِفُ في السترِ التامِّ للمرأةِ، وأنَّ عملَهُنَّ كلِّهن على تغطيةِ الوجوهِ، ولا أعلَمُ صحابيةً ولا تابعيةً حُرَّةً شابَّةً معروفةَ الحالِ تكشِفُ وجهَها، وإنْ نُقِلَ فيُنْقَلُ عن مجهولةِ الحالِ، فلا يبيِّنُ النصُّ المنقولُ حالَها؛ عجوزًا أم شابَّةً، حُرَّةً أم أمَةً، وقد كان عملُهُنَّ على تغطيةِ الوجهِ، وقد جاء ذلك في أحاديثَ كثيرةٍ:\nمنها: ما ثبتَ في «الصحيحين»، مِن حديثِ حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أمِّ عَطِيَّةَ وغيرِها: أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا أمَرَ بحضورِ النساءِ للعيدَيْنِ، سُئِلَ: أعَلَى إحدانا بأسٌ إذا لم يكن لها جِلْبابٌ ألَّا تخرُجَ؟ قال: (لِتُلْبِسْها صاحبَتُها مِن جلبابِها، ولْتَشْهَدِ الخَيْرَ ودَعْوَةَ المُسْلِمِينَ) (١).\nوالجلابيبُ: ما تُغَطَّى بها الوجوهُ؛ على ما سبق بيانُه مِن تفسيرِ الصحابةِ.\nومنها: ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ؛ أنَّ عائشةَ ﵂ لَمَّا جاءَها صَفْوانُ بنُ المُعَطَّلِ، قالت: «فخَمَّرْتُ وجهِي\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١٠٢).","vol":"1","page":124},{"text":"بجِلْبَابِي» (١)، وما رواه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سننه» بسنَدٍ صحيحٍ عن الأسوَدِ، عن عائشةَ ﵂، قالتْ في المُحْرِمةِ: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها» (٢).\nومنها: ما رواه أبو داودَ في «مسائِلِه لأحمدَ» بسندٍ صحيحٍ، عن أبي الشعثاءِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قال: «تُدْلِي الجلبابَ إلى وَجْهِها، ولا تَضْرِبُ به»، قلتُ: وما «لا تَضْرِبُ به»؟ فأشارَ لي، كما تَجَلْبَبُ المرأةُ، ثم أشار لي: ما على خَدِّها مِن الجلبابِ، قال: تَعْطِفُه، وتضرِبُ به على وجهِها؛ كما هو مسدولٌ على وجهِها (٣).\nومنها: ما رواه مالكٌ في «الموطَّأ»، مِن حديثِ فاطمةَ بنتِ المنذِرِ؛ أنَّها قالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِماتٌ، ونحنُ مع أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (٤)؛ وفاطمةُ تَحْكِي عملَ النساءِ صحابياتٍ وتابعياتٍ وهُنَّ مُحْرِماتٌ.\nومنها: ما رواه سعيدٌ وابنُ المنذِرِ والبيهقيُّ بسندٍ صحيحٍ، عن عاصِمٍ الأحوَلِ، قال: كُنَّا نَدْخُلُ على حفصةَ\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٥٢).\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٠١).\n(٣) سبق تخريجه (ص ٧٠).\n(٤) سبق تخريجه (ص ٧١).","vol":"1","page":125},{"text":"بنتِ سِيرِينَ، وقد جعلَتِ الجلبابَ هكذا، وتنقَّبَتْ به، فنقولُ لها: رحمَكِ اللهُ! قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجِلْبَابُ، قال: فتقولُ لنا: أيُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]؛ فتقولُ: هو إثباتُ الجِلْبَابِ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>زِينةُ الوجهِ للعجوزِ، وزينةُ الوجهِ للشابَّة:</span>\nرخَّصَ اللهُ للقاعِدِ مِن النساءِ وَضْعَ جلبابِها وكَشْفَ وجهِها؛ ولكنَّه منَعَها مِن الزينةِ، ثمَّ فضَّلَ لهنَّ عدمَ وضعِ الجلبابِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، فجعَلَ شرطَ وضعِ الجلبابِ عدمَ الزينةِ، والمرادُ بالزينةِ: المكتسَبةُ، وهي إمَّا ذهَبٌ، وإمَّا أصباغٌ على الوجهِ، وقد صحَّ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، قال: «هي المرأةُ لا جُناحَ عليها أنْ تَجْلِسَ في بيتِها بدِرْعٍ وخِمَارٍ، وتضَعَ عنها\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ١١٨).","vol":"1","page":126},{"text":"الجلبابَ ما لم تتبَرَّجْ لِمَا يكرَهُه اللهُ، وهو قولُه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾؛ أخرَجَه البيهقِيُّ (١).\nوقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «لا تتبَرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ؛ أن يُرَى ما عليها مِن الزِّينةِ» (٢).\nفإذا حرَّم اللهُ التزيُّنَ عندَ كشفِ العجوزِ لوجهِها، وجعلَ شرطَ الرخصةِ بالكشفِ للعجوزِ عدمَ تبرُّجِها بزينةٍ، فمِن بابِ أولَى تحريمُ الكشفِ على الشابَّةِ ولو بدونِ زينةٍ، وغريبٌ أنْ يقولَ قائلٌ بجوازِ تزيُّنِ الشابَّةِ عندَ كشفِها، واللهُ يُحَرِّمُه على العجائزِ وجعلَه شرطًا لكشفِها خاصَّةً لكِبَرِها، فلم يقلْ بذلك أحدٌ مِن المفسِّرِين مِن السلفِ ولا الفقهاءِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>عورةُ السَّتْرِ وعورةُ النظرِ:</span>\nيفرِّقُ العلماءُ بينَ عورةِ السَّتْرِ وعورةِ النظرِ، ومَن لم يَفْهَمْ هذينِ المصطلحَيْنِ، أشكَلَ عليه كلامُ العلماءِ مِن المفسِّرِين والفقهاءِ، وهذا سببُ خطأِ أكثَرِ الباحثِين\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٧/ ٣٦٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٦٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٩٣).\n(٢) سبق تخريجه (ص ١٠٧).","vol":"1","page":127},{"text":"والكُتَّابِ اليومَ في فَهْمِ كلامِ العلماءِ؛ فالعلماءُ يُطْلِقُون عورةَ المرأةِ أمامَ الأجانبِ بإطلاقَيْنِ:\nالأوَّلُ: عورةُ السترِ؛ فيقولُ الجمهورُ: «المرأةُ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها»، ويقولُ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: «المرأةُ كلُّها عورةٌ»، ونحوَ هذه العبارةِ.\nالثاني: عورةُ النظرِ؛ فيقولون: «لا يجوزُ أن ينظُرَ الرجلُ إلا لوجهِها وكَفَّيْها»، أو: «لا ينظُرُ إلى شيءٍ منها حتى وجهِها وكَفَّيْها».\nوالعورةُ الأُولَى عورةُ السترِ، هي التي يجبُ أن تُسْتَرَ لذاتِها؛ لا لأَجْلِ الناظرِ إليها فحَسْبُ، فمثلًا المرأةُ العجوزُ أو الشابَّةُ مهما كان صَدْرُها ونَحْرُها أو شعرُها أو ساقُها مشوَّهًا يسوءُ الناظرِينَ، ولا يجلِبُ أقوى غرائزِ الرجالِ؛ فإنَّه لا يجوزُ لها أن تكشِفَه؛ لأنَّه عورةٌ لذاتِه لا تعلُّقَ للفتنةِ به.\nوأمَّا العورةُ الثانيةُ عورةُ النظرِ، فالتي يَحْرُمُ كشفُها لسببٍ خارجٍ عنها، فمتى انتَفَى الأمرُ الخارجيُّ، لم يحرُمْ كشفُها، وهو نظرُ الرجالِ وفتنَتُهم به، ويتفقُ العلماءُ -ومنهم الأئمةُ الأربعةُ- على أنَّ الوجهَ والكفينِ مِن عورةِ النظرِ عندَ الفتنةِ، فيجبُ سترُه؛ لأنه عورةٌ بسببِ الرجلِ","vol":"1","page":128},{"text":"الناظرِ وفتنَتِه؛ لا عورةٌ في ذاتِهِ للمرأةِ المنظورِ إليها، فيُسْتَرُ لغيرِه لا لذاتِه، أمَّا اختلافُهُمْ فعند عدمِ الفتنةِ ووجودِ الرُّخْصةِ للرجلِ أن ينظُرَ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-106>مِن الفروعِ المُوجِبةِ للنظرِ مسائلُ كثيرةٌ</span>، منها:\nنظَرُ الرجلِ إلى المخطوبةِ، ونظرُ القاضي للتعرُّفِ على أحدِ الخصمَيْنِ إن كان امرأةً، أو إدلاءُ المرأةِ للشهادةِ على حقٍّ في بيعٍ أو شراءٍ أو خصومةٍ، حتى تُحْفَظَ الحقوقُ فلا تشتَبِهَ امرأةٌ بأُخرى؛ ولهذا يُطْلِقُ كثيرٌ مِن الفقهاءِ عباراتٍ في سياقِ حكمِ عورةِ النظرِ لا عورةِ السترِ، فيقولونَ في أحكامِ العقودِ والشهاداتِ والخصوماتِ: «يجوزُ أن ينظُرَ لوجهِها وكفَّيْها»، ورُبَّما قال بعضُهم: «ينظُرُ إلى وجهِها وكفَّيْها؛ لأنَّهما ليسا بعورةٍ»، أو يقولون: «لا يجبُ عليها سترُهما»، وكلامُهم في عورةِ النظرِ، وتعليلُهم في عورةِ السَّتْرِ؛ ولذا تجدُ الأئمةَ أنفُسَهُمْ عندَ كلامِهم على مسألةِ: كشفِ الوجهِ عندَ الأجانبِ، ومسألةِ: النظرِ بلا مُوجِبٍ، يُوجِبونَ تغطيةَ المرأةِ لوجهِها:\nومِن أمثلةِ ذلك: ما يُقَرِّرُه الحنفِيَّةُ؛ كما قال أبو جعفَرٍ الطَّحَاوِيُّ عندَ الكلامِ على عورةِ السترِ في «شرح معاني الآثار»: «فأُبِيحَ للناسِ أن ينظُرُوا إلى ما ليس بمحرَّمٍ عليهم","vol":"1","page":129},{"text":"مِن النساءِ؛ إلى وجوهِهِنَّ وأَكُفِّهِنَّ» (١)، وعندما يكونُ الكلامُ في سياقِ عورةِ النظرِ عندَ الحنفِيَّةِ فإنَّهم يُقَرِّرُون للمرأةِ حكمًا يتعلَّقُ بها وبمَنْ يَلِيها، قال مُفْتِي الحنفِيَّةِ بدِمَشْقَ علاءُ الدِّينِ الحصكَفِيُّ في «الدر المختار»: «وتُمْنَعُ المرأةُ الشابَّةُ مِن كشفِ وجهِها بينَ الرجالِ» (٢)، وقال الطَّحْطَاوِيُّ الحنفيُّ في «حاشيتِه»: «ومنعُ الشابَّةِ مِن كشفِ وجهِها لخوفِ الفتنةِ، لا لأنَّه عورةٌ» (٣). انتهى.\nومِن ذلك: ما صنَعَه النوويُّ في «المجموع» عندَ كلامِه على عورةِ السترِ، فقَدِ استَثْنَى الوجهَ والكَفَّيْنِ (٤)، قال الإمامُ الرمليُّ في «نهاية المُحْتَاج»: «وممَّنِ استَثْنَى الوجهَ والكفَّيْنِ: المصنِّفُ -النوويُّ- في «مجموعِه»؛ لكنَّه فَرَضَه في الحُرَّةِ، ووجوبُ سترِهما في الحياةِ ليس لكونِهما عورةً؛ بل لكونِ النظرِ إليهما يوقِعُ في الفتنةِ غالبًا» (٥). انتهى.\n_________\n(١) «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٣٢).\n(٢) «الدر المختار» (١/ ٤٣٨).\n(٣) انظر: «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (ص ٢٤١).\n(٤) انظر: «المجموع» (٣/ ١٧٤).\n(٥) انظر: «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٥٧).","vol":"1","page":130},{"text":"وقال البيهقيُّ في «معرفة السُّنَنِ والآثار»، لَمَّا ذكَرَ قولَ الشافعيِّ في جوازِ النظرِ لوجهِ المخطوبةِ وكَفِّها؛ لأنهما ليسَا بعورةٍ، قال: «وأمَّا النَّظَرُ -بغيرِ سببٍ مُبِيحٍ- لغيرِ مَحْرَمٍ، فالمنعُ منه ثابتٌ بآيةِ الحجابِ، ولا يجوزُ لهنَّ أن يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا للمذكُورِينَ في الآيةِ مِن ذَوِي المحارمِ» (١).\nوهكذا قال السُّبْكِيُّ: «الأقرَبُ إلى صنيعِ الأصحابِ: أنَّ وجهَها وكفَّيْها عورةٌ في النظرِ، لا في الصلاةِ» (٢). انتهى.\nولهذا كان مذهبُ مالكٍ تحريمَ كشفِ المرأةِ لوجهِها عند وجودِ مَن ينظُرُ إليها في طريقِها، وجوازَه عندَ عدمِ وجودِ الناظِرِ؛ لأنَّه يفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ قال ابنُ القَطَّانِ: «ويحتَمِلُ عندي أن يقالَ: إنَّ مذهبَ مالكٍ هو أنَّ نظَرَ الرجلِ إلى وجهِ المرأةِ الأجنبيَّةِ لا يجوزُ إلا مِن ضرورةٍ ... والجوازُ للبُدُوِّ وتحريمُه مُرَتَّبٌ عندَه -أي: مالكٍ- على جوازِ النظرِ، أو تحريمِه؛ فكلُّ موضعٍ له فيه جوازُ النظر، فيه إجازةُ البُدُوِّ» (٣). انتهى.\n_________\n(١) انظر: «معرفة السنن والآثار» (١٠/ ٢٣).\n(٢) نقله عن الخطيبُ الشربيني في «مغني المحتاج» (٤/ ٢٠٩).\n(٣) انظر: «النظر في أحكام النظر» (ص ٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":131},{"text":"فمَنْعُهُما للكشفِ لا يلزَمُ منه أنْ يكونَ الوجهُ والكفَّانِ عندَهما عورةً، وعدمُ كونِ الوجهِ والكفَّيْنِ عندَهما عورةً، لا يلزَمُ منه كشفُهما.\nوكثيرًا ما تُبتَرُ أقوالُ الأئمَّةِ الفقهاءِ مِن المذاهبِ الأربعةِ، فيُؤخَذُ كلامُهم في عورةِ السترِ، وُيوضَعُ في عورةِ النظرِ؛ للتدليلِ على جوازِ السفورِ والتبرُّجِ! وسببُ ذلك إمَّا جهلٌ أو هوىً.\nإشكالان:\nالإشكالُ الأوَّلُ: يَسْتشكِلُ بعضُ الكُتَّابِ الجمعَ بينَ إطلاقِ بعضِ الفقهاءِ بقولِهم: «ويجوزُ له أَن ينظُرَ إلى وجهِها وكَفَّيْها»، وبينَ إطلاقِهم: «يجبُ أنْ تَسْتُرَ وجهَها وكفَّيْها»؛ فيَرَوْنَ أنَّ جوازَ النظرِ لازمٌ للكشفِ، كما يَحْسَبُون أنَّ السترَ لازِمٌ لعدمِ النظرِ.\nالإشكالُ الثاني: يَسْتشكِلُ بعضُهم أمرَ اللهِ بغَضِّ البصَرِ، فهذا لازِمٌ لكشفِ الوجهِ؛ فكيفَ يؤمَرُ بغَضِّ البصرِ إلا لما هو موجودٌ؟!\nوهذا الإشكالُ شبيهٌ بما سبقَ، وإنَّما يَرِدُ غالبًا عندَ مَن لا يفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ ولبيانِ","vol":"1","page":132},{"text":"ذلك يقالُ: إنَّه يوجَدُ في الشريعةِ هنا حُكْمانِ:\nالأوَّلُ: يَتوجَّهُ إلى المرأةِ المنظورِ إليها: فالمرأةُ قد تكشِفُ وجهَها رُخْصةً لها؛ مثلُ الأَمَةِ، والقاعدِ العجوزِ، وعند القاضي للشهادةِ والخصومةِ إذا استشكَلَ أمرَها، وعندَ الخِطْبةِ، وكذلك في كشفِ الكافراتِ، وقد تَكْشِفُ الحُرَّةُ مخالِفةً للأمرِ الشرعيِّ، فما كلُّ أحدٍ يَمْتثِلُ الأمرَ، فحكمُ المرأةِ لها، وحكمُ الرجلِ له، فمَن فرَّطَ في شيءٍ، لا يلزَمُ سقوطُ الحكمِ فيه عن الآخَر، كمَنْ ترَكَ مالَه كالذَّهَبِ والفِضَّةِ في الطريقِ، فإنَّ هذا لا يُجِيزُ سرقَتَه؛ فيَجِبُ عليه أن يحفَظَ مالَه، ويجبُ على غيرِه عدمُ السرقةِ ولو كان المالُ سائبًا.\nالثاني: يتوَجَّهُ إلى الرجلِ الناظِرِ: فهو مأمورٌ بغضِّ البصَرِ عما يتعلَّقُ به كرجُلٍ ناظِرٍ، وهو ما يَفْتِنُ مِن الإماءِ، ومَن فُتِنَ بعجوزٍ، حَرُمَ عليه النظرُ إليها ولو جازَ في حقِّها الكشفُ، والنَّظَرُ للخِطْبَةِ، وعند الشهادةِ والحقوقِ، يكونُ للوجهِ والكفينِ فقطْ؛ فلا يجوزُ تعدِّيهما للشعرِ والنحرِ بأيِّ حالٍ.\n\nوقد<span data-type=\"title\" id=toc-108> كانتِ الإماءُ في الطُّرُقاتِ أكثرَ مِن الحرائِرِ</span>؛ ولهذا يكثُرُ الإطلاقُ: مسألةُ النظرِ للمرأةِ؛ فجوازُ كشفِ","vol":"1","page":133},{"text":"الأَمَةِ دَوْمًا، والحُرَّةِ أحيانًا، لا يعني جوازَ النظرِ إليها بكلِّ حالٍ، ولما تغيَّرَتِ الحالُ وكثُرَ خروجُ الحرائرِ كخروجِ الإماءِ في الطرقاتِ، اضطَرَبَتِ الأحكامُ، واستَثْقَلَها الناسُ في واقِعِهم.\nولذا؛ فالفقهاءُ يأمُرُون بتغطيةِ المرأةِ لوجهِها ولو لم يَقُلْ جمهورُهم بعورَتِه؛ لأنَّها لا تميِّزُ مَن ينظُرُ إليها ومدى فتنَتِه بها؛ لأنَّ الناظِرِين كثيرٌ، وهي واحدةٌ، وليس كلُّ الناسِ يغُضُّ بصَرَه، لكنْ لو قُدِّرَ أنَّ المرأةَ لا يراها إلا رجلٌ أجنبيٌّ واحدٌ لا يفتَتِنُ مثلُه بها كالكبيرِ العَجُوزِ، أو ذاهبِ الشهوةِ كالعِنِّينِ، جازَ لها كشفُ الوجهِ، وحرُمَ كشفُ شعرِها؛ لأنَّ الوجهَ عورةُ نظَرٍ، فزالَتِ العِلَّةُ، والشعرَ عورةُ سترٍ لا تتعلَّقُ بالفتنةِ؛ بل بمجَرَّدِ وجودِ البصرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>كلامُ الأئمَّةِ الأربعةِ في كشفِ المرأةِ لوجهِها:</span>\nلم يتكلَّمْ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ في مسألةِ كشفِ المرأةِ لوجهِها لذاتِه، ولا يُعرَفُ هذا في كتبِهم ولا في مسائلِ أصحابِهم المُقَرَّبِينَ منهم، وإنما يتكَلَّمُون في مسألةِ وجهِ المرأةِ وكفَّيْها عندَ تعلُّقِها بمسألةٍ أُخرى مِن العباداتِ أو المعاملاتِ؛ كالصلاةِ والحجِّ، والعُقُودِ","vol":"1","page":134},{"text":"والخِطْبَةِ؛ وذلك لأنَّ المسألةَ عندَهم ظاهرةٌ في أنَّ الأصلَ في النساءِ الحرائرِ السَّتْرُ والعفافُ وتغطيةُ الوجهِ، وكان كلامُهم كلُّه في الأبوابِ المستَثْناةِ من هذا الأصلِ المستقِرِّ؛ قال الإمامُ محمَّدُ بنُ عليٍّ المَوْزَعِيُّ الشافعيُّ في «تفسيرِه»: «والسلفُ كمالِكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ وغيرِهم لم يتكلَّمُوا إلا في عورةِ الصلاةِ»، ثم قال: «وما أظُنُّ أحدًا منهم يبيحُ للشابَّةِ أن تكشِفَ وجهَها لغيرِ حاجَةٍ، ولا يبيحُ للشابِّ أن ينظُرَ إليها لغيرِ حاجةٍ» (١). انتهى.\nولو كان الأصلُ في النساءِ السفورَ، لكان بحثُ المسألةِ عندَهم استقلالًا آكَدَ وأوجَبَ مِن بحثِها تبعًا، فهُمْ لم يَبْحَثُوها إلا عندَ الحاجةِ لضِدِّ الأصلِ وخلافِه، وهو الكشفُ في الصلاةِ، والنِّقابُ في الحجِّ، والمعاملاتِ والخصوماتِ والعقودِ وشِبْهِها؛ لأنَّها في هذه الأبوابِ تنتقِلُ المرأةُ عنِ الأصلِ؛ فاحتاجَ للتأكيدِ، وقد نُسِبَ إلى هؤلاءِ الأئمةِ أقوالٌ لا تُعْرَفُ عنهم، ولم ينطِقُوا بها، وأُلْزِمُوا بلوازِمَ لا تَلْزَمُهم، حتَّى نُسِبَ إليهم القولُ بإباحةِ كشفِ المرأةِ لوجهِها عندَ الأجانبِ؛ وُجِدَتِ الفتنةُ أو لم توجَدْ!\n_________\n(١) انظر: «تيسير البيان، لأحكام القرآن» (٢/ ١٠٠١).","vol":"1","page":135},{"text":"وهذا مِن الأقوالِ الباطلةِ التي لم يقولوا بها هُم ولا مَن سبَقَهم، ولا أحدٌ مِن تلامذَتِهم، ولا أحدٌ معتَبَر.\nومَن لم يعرِفْ مقاصدَ الأئمةِ وسياقاتِ كلامِهم ومواضِعَه، يَحْمِلْ أقوالَهم على غيرِ مرادِهم، وكلامُهم أو كلامُ بعضِهم يَرِدُ في مواضعَ مِن الفقهِ في غيرِ كشفِ الوجهِ لذاتِه، منها: عورةُ الصلاةِ، ونِقابُ المُحْرِمةِ، وحاجةُ النظرِ في العقودِ والشهاداتِ والخِطْبةِ وشبهِها:\n\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-110> مسألةُ عورةِ الصلاةِ: </span>فهي أكثرُ الأبوابِ التي يتكلَّمُون فيها، فيُطلِقُون أنَّ المرأةَ عورةٌ إلا وجهَها وكفَّيْها، وعورةُ الصلاةِ شيءٌ، وعورةُ النظرِ شيءٌ؛ فإنَّ المرأةَ لو كانتْ في بيتِها لا يراها أحدٌ وحَسَرَتْ شَعْرَها، بَطَلَتْ صلاتُها باتفاقِهم، ولو قالتْ: لا يراني أحدٌ، أو: ليس عندي إلا طِفْلٌ أو زَوْجِي، لم يُعتبَرْ بذلك؛ لأنَّ العورةَ للصلاةِ لا لهم؛ فإدخالُ عورةِ الصلاةِ في عورةِ النظرِ مِن أعظَمِ أخطاءِ الكُتَّابِ على الأئمةِ في هذا البابِ.\nوقد نَصَّ غيرُ واحدٍ مِن الفقهاءِ مِن المذاهبِ الأربعةِ: على أنَّ المرأةَ إن كانتْ في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تغطِّي وجهَها؛ نصَّ عليه الخطيبُ الشِّرْبِينيُّ مِن الشافعيةِ، وقال: «إلَّا أن تكونَ في مكانٍ وهناكَ","vol":"1","page":136},{"text":"أجانبُ لا يحتَرِزُون عن النظَرِ إليها، فلا يجوزُ لها رفعُ النِّقابِ» (١)، ومِن المالكيةِ اللَّخْمِيُّ، ومِن الحنابِلَةِ ابنُ تيمِيَّةَ وغيرُه، وأشار إليه الطَّحْطاوِيُّ وغيرُه مِن الحنفيةِ.\nوقد نسَبَ بعضُ الكُتَّابِ لأحمدَ روايةً: أنَّ كشفَ الوجهِ جائِزٌ؛ لروايةٍ عنه أنَّ وجهَ المرأةِ ليس بعورةٍ، نقلَها ابنُ قُدَامةَ، وكذا المَرْدَاويُّ في «الإنصاف» في عورةِ الصلاةِ، وهذا لا يقولُه مَن عرَفَ فِقْهَ أحمدَ وغيرِه مِن الأئمَّةِ في اصطلاحاتِهم وتفريقِهم بين الأبوابِ وأنواعِ العوراتِ.\nومِن ذلك: ما يشتهرُ نسبَتُهُ لمالِكٍ والشافعيِّ: في أنَّ المرأةَ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها، فكلامُ مالكٍ في «المُدَوَّنَةِ»، والشافعيِّ في «الأُمِّ» في أبوابِ الصلاةِ، وفيه: «وظهورُ قدمَيْها عَوْرةٌ» (٢)، فيأخُذُون ما يُكْشَفُ مِن عورةِ الصلاةِ، وهو الوجهُ والكفَّانِ، ليُكْشَفَ في غيرِ الصلاةِ، وَيتْرُكون قولَهم: «ظهورُ القدمَيْنِ عورةٌ»؛ فلا يُنْزِلُونه خارِجَ الصلاةِ؛ لأنَّه سترٌ! فكشفُ ظهرِ القدمَيْنِ شائعٌ عندَ مَن\n_________\n(١) «الإقناع، في حل ألفاظ أبي شجاع» (١/ ٢٨٥)، وانظر: «إعانة الطالبين» (١/ ١٣٥).\n(٢) انظر: «المدوَّنة» (١/ ١٨٥)، و«الأم» (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":137},{"text":"تُظْهِرُ الوجهَ والكفَّيْنِ اليومَ، ومع كونِ نقلِ عورةِ السترِ في الصلاةِ لعورةِ النظرِ أو السترِ خارجَ الصلاةِ ليس في محلِّه، إلَّا أنَّ هذا الانتقاءَ يدُلُّ على جهلٍ أو هوىً.\n\nوأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-111> مسألةُ نِقابِ المُحْرِمةِ: </span>فمحلُّ اتفاقٍ عندَهم، وهو كنَهْيِ الرجلِ عن لُبْسِ المَخِيطِ؛ سراويلَ وقُمُصٍ، وأخفافٍ وجوارِبَ، كما تقدَّمَ، وقد كان النهيُ عن لُبْسِ المحرِمةِ للنقابِ قبلَ الإسلامِ، وينقُلُ الأئمةُ الأربعةُ -مالِكٌ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ وأحمدُ- سترَ المرأةِ لوجهِها في الحجِّ بغيرِ النِّقَابِ بعبارةِ التجويزِ؛ لأنَّ الأصلَ الحَظْرُ والحَرَجُ، وهو أُسلوبُ القرآنِ في السعيِ بين الصَّفَا والمروةِ؛ قال اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنَّ الناسَ في الجاهليةِ قد وضعَتْ صنمَيْنِ على الصَّفَا والمَرْوَةِ يَطُوفُون لأَجْلِهما، ولا يَعْرِفُون طوافًا بين الصفا والمروةِ إلا لأجلِ ذلك، فوجَدُوا حَرَجًا عندَ تشريعِ السعيِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، مع أنَّ السعيَ واجِبٌ، وكثيرًا ما تُنقَلُ أقوالُ الأئمَّةِ في لباسِ المرأةِ في الحجِّ في بابِ: كشفِ المرأةِ لوجهِها، ولم يتطَرَّقُوا لأصلِ المسألةِ، وعباراتُ التجويزِ موجودةٌ حتى في كلامِ أحمدَ بنِ حَنْبلٍ الذي يصرِّحُ أنَّ","vol":"1","page":138},{"text":"المرأةَ عورةٌ كلُّها حتى ظُفْرُها (١)؛ يقولُ في سياقِ بيانِ حكمِ تغطيةِ المُحرِمَةِ لوجهِها بغيرِ نقابٍ: «لها أن تَسْدُلَ على وجهِها مِن فَوْقُ» (٢)، وعبارةُ أحمدَ كعبارةِ الأئمةِ؛ فهُم يتكلَّمُون على حكمٍ خاصٍّ لا على الحكمِ العامِّ في تغطيةِ الوجهِ عندَ الأجانبِ، وهذا له نظائرُ في الفقهِ كقولهم: «وللمسافِرِ أن يتيَمَّمَ إنْ فقَدَ الماءَ»، مع أنَّه يجِبُ عليه التيمُّمُ عندَ الصلاةِ إنْ عُدِمَ الماءُ.\nوالعرَبُ كانتْ تحرِّمُ تغطيةَ الوجهِ كلِّه على المرأةِ المُحْرِمةِ بنِقَابٍ وغيرِه؛ قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ السُّلَمِيُّ:\nوأَبْدَى شُهُورُ الحَجِّ مِنْهَا مَحَاسِنًا ... ووَجْهًا مَتَى يَحْلِلْ لَهُ الطِّيبُ يُشْرِقِ (٣)\nثم جاء الإسلامُ بإلغاءِ ذلك ودَفْعِ ما تجِدُه نفوسُهم مِن حَرَجٍ، حتى كانتْ عائشةُ تنبِّهُ النساءَ على هذا، حيثُ كُنَّ يَسْأَلْنَها عن دخولِ الغطاءِ في حكمِ النِّقَابِ؛\n_________\n(١) انظر: «أحكام النساء عن الإمام أحمد» (ص ٣١ - ٣٣)، و«الفروع» لابن مفلح (٢/ ٣٥).\n(٢) انظر: «المغني» لابن قدامه (٥/ ١٥٥).\n(٣) سبق تخريجه (ص ٥٨).","vol":"1","page":139},{"text":"فروَى ابنُ سعدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ، عن أُمِّهِ وأُخْتِه؛ أنَّهما دخلَتَا على عائشةَ ﵂ يومَ الترويةِ، فسألَتْها امرأةٌ: أيَحِلُّ لي أنْ أُغَطِّيَ وجهِي وأنا مُحْرِمَةٌ؟ فرفعَتْ خمارَها عن صدرِها حتى جعلَتْه فوقَ رأسِها (١).\nومِن أئمَّةِ الفقهِ مَن يدفَعُ اللَّبْسَ الذي قد يطرَأُ على هذه المسألةِ، مِن أنَّهم يجوِّزُون كشفَ المرأةِ لوجهِها في الحجِّ وبروزَها للناسِ حينما يَمْنَعُونَها مِن النِّقَابِ؛ قال العِمْرانيُّ الشافعيُّ في «البيان»: «ولسنا نُرِيدُ بذلك أنًّها تبرُزُ للناسِ» (٢).\n\nوأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-112> مسألةُ العقودِ والشهاداتِ والخِطبةِ، والحاجةِ إلى النظرِ فيها:</span>\nفالأئمةُ الثلاثةُ- مالكٌ وأبو حنيفة والشافعيُّ- يعدُّون الوجهَ والكفينِ عورةَ نظَرٍ، فيرَوْنَ تغطيتَها لهذه العِلَّةِ، وأحمدُ وجماعةٌ يرَوْنَ الوجهَ والكفينِ عورةَ سَتْرٍ؛ كالشعرِ والنحرِ للشابَّةِ والعجوزِ، ويظُنُّ مَن يقرَأُ مثلَ هذا الكلامِ: أنَّ الجمهورَ على جوازِ كشفِ الوجهِ، وتفرَّدَ أحمدُ بالمَنْعِ،\n_________\n(١) سبق تخريجه (ص ٧٢).\n(٢) «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٤/ ١٥٤).","vol":"1","page":140},{"text":"وهذا خطأٌ؛ بل هم مُتَّفِقُونَ على وجوبِ التغطيةِ؛ لكنَّهم يختَلِفُون في تعليلِ حكمةِ التغطيَةِ: هل لأنَّه عورةٌ فيُسْتَرَ لذاتِه، أو لأجلِ فتنةِ الناظِرِ فيُغَطَّى لأجلِ غيرِه؟ ويتفِقُون في الغايةِ وهي التغطيةُ، ويُرخِّصُ الجميعُ للقاضي أن ينظُرَ للشاهدةِ في الخصومةِ إنْ أنكَرَها خصمُها، أو عندَ عدمِ حفظِ الحقوقِ إلا بمعرفةِ حالِها، أو عندَ إرادةِ الرجلِ خِطْبةَ المرأةِ لنكاحِه بها، أو تعامُلِ الرجلِ مع الأَمَةِ في البيعِ عندَ خشيةِ فَوْتِ الحقِّ؛ فيَذكُرُ الأئمةُ جوازَ نظرِ الرجلِ إليها في هذه الأحوالِ وشبهِها، ويعلِّلُ الجمهورُ جوازَ ذلك بقولِهم:» لأنَّ وجهَها وكفَّيْها ليسا بعورةٍ»؛ فيحمِلُون قولَهم على عورةِ النظرِ، والأئمةُ يريدونَ: إنَّما جازَ ذلك لأنَّ الوجهَ ليس بعورةٍ يُسْتَرُ لذاتِه، وإنَّما لغيرِه، فقامتِ الحاجةُ في غيرِه للنظرِ إليه، فجازَ؛ لأنَّ الحاجةَ لا تجيزُ النظرَ إلى الشعرِ والنحرِ بأيِّ حالٍ؛ لأنَّهما عورةُ سَتْرٍ يُستَرانِ لذاتِهما، لا لأجلِ فتنةِ الناظرِ بهما، فلا يَحِلُّ كشفُ ذلك لا لعجوزٍ ولا لامرأةٍ ولو كانتْ قبيحةً مريضةً شوهاءَ.\nوعلى هذا حمَلَ البيهقيُّ قولَ الشافعيِّ في تفسيرِ قولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ الوجهَ والكفَّيْنِ، فنقَلَ البيهقيُّ كلامَ الشافعيِّ في النظرِ إلى المخطوبةِ؛","vol":"1","page":141},{"text":"قال الشافعيُّ: «ينظُرُ إلى وجهِها وكفَّيْها، ولا ينظُرُ إلى ما وراءَ ذلك»، ثم قال البيهقيُّ معلِّقًا وموضِّحًا لقولِ الشافعيِّ: «وهذا لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قيل عنِ ابنِ عباسٍ وغيره: هي الوجهُ والكفَّانِ ... وأما النظرُ -بغيرِ سببٍ مبيحٍ- لغيرِ مَحْرَمٍ، فالمنعُ منه ثابتٌ بآيةِ الحجابِ، ولا يجوزُ لهنَّ أن يُبْدِينَ زينَتَهُنَّ إلا للمذكُورِينَ في الآيةِ مِن ذَوِي المحارمِ» (١)، وفرَّقَ البيهقيُّ بين تجويزِ الشافعيِّ نظرَ الرجلِ للمخطوبةِ، واستدلالِه له بالآيةِ وقولِ ابنِ عباسٍ، وبينَ كشفِها لوجهِها وكفَّيْها، فمَنَعَهُ إلا للمحارمِ، ففرقٌ عندَ الشافعيِّ بين عورةِ النظرِ التي تجوزُ لحاجةٍ، وبينَ عورةِ السترِ التي لا تجوزُ مطلقًا، وسترُ المرأةِ لوجهِها عن النظرِ عند الجمهورِ لا لكونِه عَوْرةً.\nومِن الواجبِ التنبيهُ على أنَّ الفقهاءَ يفرِّقُونَ بين عورةِ الحُرَّةِ وعورةِ الأَمَةِ، وأنَّ الأَمَةَ يُبتَلَى بخروجِها وتعامُلِها في الأسواقِ، وكلامُ الفقهاءِ في الأخذِ والعطاءِ وحاجةِ الرجلِ إلى النظَرِ العابِرِ جُلُّه للإماءِ لا للحرائرِ،\n_________\n(١) انظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (١٠/ ٢٣).","vol":"1","page":142},{"text":"ولا يَتصوَّرُ الناسُ ذلك اليومَ؛ لانعدامِ الإماءِ، وكثرةِ خروجِ الحرائرِ كما تخرُجُ الإماءُ سابقًا، فيَحْمِلُون كلامَ الفقهاءِ في فقهِ الإماءِ ورُخَصِهِنَّ، على فقهِ الحرائِرِ.\nوالأئمةُ الثلاثةُ -مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ- يقولون بسَتْرِ المرأةِ الحُرَّةِ لوجهِها لأجلِ نظرِ الرجالِ، وإن لم يقولُوا بأنَّه عورةٌ كأحمَدَ، ومَن نَظَرَ في كلامِهِم وكلامِ أصحابِهم وسياقاتِه ومناسباتِه، وجدَ ذلك بيِّنًا:\n\nأما مالكُ بنُ أنَسٍ: فهو يرى أنَّ الوجهَ والكفَّيْنِ يُستَرَانِ لأجلِ النظرِ لا لكونِهما عورةً، وهذا ما يُقَرِّرُه عنه أصحابُه، فهو يقولُ بالغايةِ ويختلِفُ في التعليلِ، فهو يأمُرُ بتغطيةِ الوجهِ عندَ وجودِ الناظِرِ، وُيجيزُهُ عند عدَمِه؛ قال ابنُ القَطَّانِ: «ويحتَمِلُ عندي أنْ يقالَ: إنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-114> مذهَبَ مالِكٍ </span>هو أنَّ نظرَ الرجلِ إلى وجهِ المرأةِ الأجنبيَّةِ لا يجوزُ إلا مِن ضرورةٍ ... والجوازُ للبُدُوِّ، وتحريمُه مُرَتَّبٌ عندَه -أي: مالِكٍ- على جوازِ النظرِ، أو تحريمِه، فكلُّ موضعٍ له فيه جوازُ النظر، فيه إجازةُ البُدُوِّ» (١). انتهى.\nوهكذا يقولُ أبو العباسِ الوَنْشَرِيسِيُّ المالكيُّ في\n_________\n(١) انظر: «النظر، في أحكام النظر» (ص ٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":143},{"text":"«المِعْيَارِ المُعْرِب»: «عورةُ الصلاةِ، والعورةُ التي يجوزُ النظرُ إليها، نوعانِ مختلفانِ»، ثم قال: «فدلَّ جميعُ هذا على أنَّ للعورةِ بالنسبةِ إلى النظرِ حُكْمًا، وبالنسبةِ إلى الصلاةِ حكمًا آخَرَ؛ يدلُّ على طلَبِ سَتْرِ الوجهِ للحُرَّةِ: أنها لو صلَّتْ مُنتقِبةً، لم تُعِدْ» (١). انتهى.\nوأمَّا ما يَسْتَشْكِلُه البعضُ مِن تجويزِ مالكٍ لأكلِ المرأةِ مع غيرِ مَحْرَمِها (٢)؛ فإنَّما يقصِدُ أحوالًا لا يلزَمُ منها المحظورُ، ونساءُ العربِ تأكُلُ مع عبيدِها، وتأكُلُ مِن تحتِ جلبابِها، وهذا مشهورٌ، بل فسَّرَ الأزهريُّ قولَ مالكٍ، فقال: «معنى قولِ مالِكٍ في المُؤاكَلةِ: ذلك في الحِجَال» (٣)، جمع حَجَلَةٍ، وهو بيتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثيابِ (٤)، فجعَلَ المرأةَ عندَ أكلِها مع غيرِ مَحْرَمٍ، ساترةً لبدَنِها كلِّه؛ لا لوجْهِها فحَسْبُ.\nوقد يجوزُ في قولِ مالكٍ في المرأةِ المُتَجالَّةِ العجوزِ أو الحُرَّةِ مع عبدِها وخادمِها، وهو صريحُ قولِ مالكٍ؛ كما\n_________\n(١) انظر: «المعيار المعرب» (١/ ٣١٠).\n(٢) انظر: «الموطأ» (٢/ ٩٣٤).\n(٣) انظر: «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٦/ ٥٢٠).\n(٤) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ٣٤٦).","vol":"1","page":144},{"text":"نقلَه ابنُ العربيِّ، قال: «قال مالِكٌ: يجوزُ للوَغْدِ أن يأكُلَ مع سيِّدَتِه، ولا يجوزُ ذلك لذي المَنْظَرةِ» (١).\nوقال ابنُ عبدِ البَرِّ: «وقد وردَتِ الرُّخْصةُ في أكلِ المرأةِ مع عبدِها الوَغْدِ، ومع خادمِها المأمونِ» (٢)، ومالكٌ في «الموطَّأ» يَمْنَعُ مِن تسليمِ الرجلِ على المرأةِ الشابَّةِ (٣)، فكيف يمنَعُ مِن تسليمِ الرجلِ الأجنبيِّ على المرأةِ الشابَّةِ، ثم يُجِيزُ أكلَه معها؟! إلا أنَّه يقصِدُ المُتَجالَّةَ العجوزَ كما بيَّنَه ابنُ الجَهْمِ، وقد صرَّح مالكٌ بقولِه: «ولا تُترَكُ المرأةُ الشابَّةُ تجلِسُ إلى الصُّنَّاعِ، فأمَّا المرأةُ المتجالَّةُ، والخادمُ الدُّونُ التي لا تُتَّهَمُ على القعودِ، ولا يُتَّهَمُ مَن تَقعُدُ عندَه، فإِنِّي لا أرَى بأسًا بذلك» (٤).\nوكذلك يَسْتشكِلُ البعضُ ما يُنْقَلُ عن مالكٍ في مسألةِ الظِّهَارِ، وأنَّ الزوجةَ تكشِفُ وجهَها لزوجِها الذي ظاهَرَ منها، وقال مالكٌ: «وقد ينظُرُ غيرُه أيضًا إلى\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» (٣/ ٣٨٦ /العلمية).\n(٢) انظر: «الكافي في فقه أهل المدينة» (٢/ ١١٣٦).\n(٣) انظر: «الموطأ» (٢/ ٩٥٩).\n(٤) انظر: «مواهب الجليل» (٣/ ٤٠٥)، و«البيان والتحصيل» (٩/ ٣٣٥).","vol":"1","page":145},{"text":"وجهِها» (١)؛ يعني: أنَّها تكشِفُ له لأنَّه زوجُها ولو ظاهَرَ منها، والوجهُ يراه غيرُه ممن هو أبعَدُ منه، فلا يَخْتَصُّ الزوجُ بالوجهِ، وليس عورةَ سترٍ؛ وإنما عورةُ نظَرٍ، فقد يراها غيرُه؛ كعَبْدِها ومحارِمِها، وهم كثيرٌ، بلْ مِن السلَفِ مَن يرخِّصُ للعبدِ المملوكِ أن يرى شَعْرَ سَيِّدَتِه؛ روى ابنُ أبي شيبةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قال: «لا بأسَ أن ينظُرَ المملوكُ إلى شَعْرِ مولاتِه» (٢).\nوالزوجُ أَوْلَى مِن أولئكَ لزوجَتِه ولو ظاهَرَ منها، وهذا مرادُ مالكٍ، والإمامُ مالكٌ يشدِّدُ في الرؤيةِ للمخطوبةِ ألَّا تتجاوَزَ الوجهَ والكفَّيْنِ، ويُسْأَلُ عنِ الأمَةِ المشتراةِ: أَتَرَى ينظُرُ إلى كَفَّيْها؟ قال مالكٌ: «أرجو ألَّا يكونَ به بأسٌ» (٣).\nومَن عرَفَ مذهبَ مالكٍ في العَوْراتِ والنظرِ، في الحُرَّةِ والأَمَةِ، والحاجاتِ والضروراتِ، عرَفَ أنَّه لا يقصِدُ ما يَنْسُبُه إليه بعضُ الجَهَلَةِ مِن سفورِ المرأةِ أمامَ الرجالِ بكلِّ حالٍ.\n_________\n(١) انظر: «المدونة» (٢/ ٣٣٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٧٥٥٧).\n(٣) انظر: «البيان والتحصيل» (٧/ ٢٩٦).","vol":"1","page":146},{"text":"ويورِدُ بعضُهم كلامًا لمالِكٍ في الرجالِ يُيَمِّمُون المرأةَ الميتةَ بالتُّرَابِ (١)، وجعَلُوا ذلك لازمًا لكشفِ أعضاءِ التيمُّمِ، والمرأةُ قد تُيمَّمُ مِن غيرِ كشفٍ ولا مَسٍّ؛ وذلك أنَّ مالكًا يرى أنَّ المرأةَ لو ماتت وليس معها غيرُ ابنِها: أنَّه يُغَسِّلُها مِن وراءِ الثيابِ (٢)، وهذا وهو ابنُها وهي مَيِّتةٌ، واستيعابُ الأعضاءِ بالماءِ أشقُّ مِنِ استيعابِ عضوَيْنِ بالترابِ لم يَقْصِدِ الشارعُ استيعابَهما أصلًا.\nوحملُ كلامِ مالكٍ في مسألةِ النظرِ على كشفِ المرأةِ لوجهِها، خطأٌ يقعُ فيه من لم يحقِّقْ مذهَبَهُ في التفريقِ بين العورتَيْنِ.\nوالمالكيَّةُ يفرِّقُون بين عورةِ النظرِ وعورةِ السَّتْرِ، ومِنهم مَن يُطْلِقُ عورةَ النظَرِ والفتنةِ فيَجْعَلُ المرأةَ كُلَّها عورةً مِن هذا الوجهِ؛ قال القرطبيُّ: «وبما تضمَّنَتْهُ أصولُ الشريعةِ مِن أنَّ المرأةَ كلَّها عورةٌ؛ بدنَها وصوتَها، كما تقدَّمَ، فلا يجوزُ كشفُ ذلك إلا لحاجةٍ؛ كالشهادةِ عليها، أو داءٍ يكونُ ببدنِها، أو سؤالِها عما يَعْرِضُ وتَعيَّنَ\n_________\n(١) انظر: «المدونة» (١/ ٢٦١).\n(٢) انظر: «النوادر والزيادات» (١/ ٥٥١ - ٥٥٢)، و«البيان والتحصيل» (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":147},{"text":"عندَها» (١). انتهى.\nوأمَّا أبو حَنِيفةَ: فهو كمالِكٍ في هذا البابِ، يُفرِّقُ بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ، فلا يُوجِبُ سترَ الوجهِ والكفَّيْنِ لأنهما عورةٌ؛ وإنَّما يوجِبُ سَتْرَهما عندَ نظرِ الرجالِ الذين يُستَرُ عن مِثْلِهم، وقد رأيتُ مَن يحتجُّ بقولٍ لأبي حنيفةَ في سياقِ أحكامِ النظرِ، نقلَه محمدُ بنُ الحسنِ كما في «المبسوط»؛ حيثُ قال: «ولا بأسَ أن ينظُرَ إلى وجهِها والى كَفَّيْها، ولا ينظُرُ إلى شيءٍ غيرِ ذلك منها؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ» (٢).\n\nولمَّا اختَلَّ لدى الناقِلِ لمثلِ هذا الكلامِ الأصلُ، وهو عدمُ التفريقِ بين العورتَيْنِ والسياقَيْنِ، نسَبُوا إلى<span data-type=\"title\" id=toc-118> مذهبِ أبي حنيفةَ </span>ما لا يُريده، وأعلامُ الحنفيةِ يَعْلَمُون مرادَه ويُدْرِكُونَ التفريقَ، ويبيِّنون أنَّ الأصلَ التغطيةُ، وأنَّ إباحةَ النظرِ في أحوالٍ للرجلِ لا تُناقِضُ أصلَ السترِ مِن المرأةِ؛ فخطابُ المرأةِ غيرُ خطابِ الرجلِ؛ قال السَّرَخْسيُّ: «المرأةُ عورةٌ مِن قَرْنِها إلى قَدَمِها، ثم أُبِيحَ\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (١٧/ ٢٠٨).\n(٢) «المبسوط» لمحمد بن الحسن الشيباني (٣/ ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":148},{"text":"النظرُ إلى بعضِ المواضعِ منها؛ للحاجةِ والضرورةِ» (١)، وهو هنا يريدُ عورةَ النظرِ.\nولذا؛ لا تَجِدُ مَن يُبِيحُ مِن الحنفيَّةِ المحقِّقِين للمرأةِ كشفَ وجهِها إلا في سياقِ الحاجةِ إلى النظرِ إليها في العقودِ والحقوقِ، ويُفَرِّقُون بينَ أصلِ النظرِ، وبين الحاجةِ إليه، ويفَرِّقُون بين عورةِ السترِ وعورةِ النظرِ؛ قال الطحطاويُّ في «حاشيته»: «قولُه: «وجميعُ بدنِ الحُرَّةِ»؛ أي: جسَدِها، قولُه: «إلا وَجْهَها»، ومنعُ الشابَّةِ مِن كشفِهِ لخوفِ الفتنةِ، لا لأنَّه عورةٌ» (٢). انتهى.\nوهذا ما يقَرِّرُه علماءُ الحنفيةِ ومحقِّقُوها؛ كالجَصَّاصِ (٣)، وابنِ عابِدِين (٤)، وغيرِهما.\nوأمَّا الشافعيُّ: فلا يختلِفُ القولُ عنه بوجوبِ سترِ المرأةِ لوجهِها لأجلِ النظرِ كقولِ مالِكٍ وأبي حنيفةَ، وما نقلَه المُزَنِيُّ عنه في تفسيرِ الزينةِ الظاهرةِ: بالوجهِ والكَفَّيْن (٥)، فهو\n_________\n(١) انظر: «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ١٤٥).\n(٢) انظر: «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (ص ٢٤١).\n(٣) انظر: «أحكام القرآن» (٥/ ١٧٢ - ١٧٣ و٢٤٥).\n(٤) انظر: «رد المحتار» (٢/ ٧٩).\n(٥) انظر: «مختصر المزني» (ص ١٦٣).","vol":"1","page":149},{"text":"يريدُ عورةَ النظرِ، وذكَرَه في سياقِ عورةِ الصلاةِ؛ ولذا حمَلَ البيهقيُّ تفسيرَه ذلك على إبرازِ الوجهِ والكفَّيْنِ لنظَرِ المحارمِ لا لنظَرِ الأجانِبِ؛ كما في «السُّنَنِ الكُبْرى» (١)، وفسَّرَهُ بهذا المعنى الخطيبُ الشِّرْبِينيُّ والسُّبْكِيُّ وابنُ الرِّفْعةِ وغيرُهم.\nوقال إمامُ الحرمَيْنِ الجُوَيْنيُّ: «اتَّفق المسلمونَ على منعِ النِّساءِ مِن الخروجِ سافراتِ الوجوهِ؛ لأنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الفِتنةِ» (٢)، وقال أبو حامِدٍ الغزاليُّ لَمَّا ذكَرَ فتنةَ النظرِ بين المرأةِ والرجلِ في «الإحياء»: «لم يَزَلِ الرجالُ على مَمَرِّ الزمانِ مَكْشُوفي الوجوهِ، والنساءُ يَخْرُجْنَ مُنتَقِبَاتٍ» (٣)، وعدَّ أبو حامدٍ الغزاليُّ في» الإحياء» الكشفَ معصيةً (٤).\nوقد أيَّدَ النوويُّ في كتابِه «الروضةِ» الاتفاقَ الذي حكاهُ الجوينيُّ (٥)، قال الشِّهَابُ الرَّمْليُّ:» نقَلَ في «الروضةِ» وأصلِها هذا الاتفاقَ وأقرَّاه» (٦).\n_________\n(١) انظر: «السنن الكبرى» (٧/ ٨٥ و٩٤).\n(٢) «نهاية المطلب» (١٢/ ٣١).\n(٣) انظر: «إحياء علوم الدين» (٢/ ٤٧).\n(٤) انظر: «إحياء علوم الدين» (٢/ ٣١٣).\n(٥) انظر «روضة الطالبين» (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧).\n(٦) انظر: «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٣/ ١٠٩)، =","vol":"1","page":150},{"text":"وقد نَصَّ أبو العبَّاسِ بنُ الرِّفْعةِ على وجوبِ تغطيةِ المرأةِ لوجهِها في الصلاةِ؛ إنْ مَرَّ أمامَها الرجالُ، وقد قال ابنُ تيميَّةَ عنِ ابنِ الرِّفْعةِ: «رأيتُ شيخًا تتقاطَرُ فروعُ الشافعيةِ مِن لِحْيَتِه» (١).\nوقال السبكيُّ: «الأقرَبُ إلى صنيعِ الأصحابِ: أنَّ وجهَها وكفَّيْها عورةٌ في النظَرِ» (٢). انتهى.\nوفقهاءُ الشافعيةِ يفرِّقُون بين عورةِ الصلاةِ، وعورةِ السَّتْرِ، وعورةِ النظرِ، وأكثَرُ الخطأِ عليهم في نقلِ قولٍ لهم في موضِعٍ، وحملِه على موضِعٍ آخَرَ.\nقال ابنُ حجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: «ومَن تَحقَّقَتْ نظَرَ أجنبيٍّ لها، يلزَمُها سَتْرُ وجهِها عنه؛ وإلَّا كانَتْ مُعِينةً له على حرامٍ فتأثَمُ» (٣). انتهى.\nوقال الرَّمْليُّ الشافعيُّ: «استَثْنَى الوجهَ والكفَّيْنِ المصنِّفُ- النوويُّ- في» مجموعِه»، لكنَّه فرَضَه في الحُرَّةِ، ووجوبُ سترِهما في الحياةِ ليس لكونِهما عورةً؛\n_________\n= و«فتاوى الرملي» (٣/ ١٧٠).\n(١) انظر: «الدرر الكامنة» (١/ ٣٣٧).\n(٢) نقله عنه الخطيبُ الشربيني في «مغني المحتاج» (٤/ ٢٠٩).\n(٣) انظر: «تحفة المحتاج، في شرح المنهاج» (٧/ ١٩٣).","vol":"1","page":151},{"text":"بل لكونِ النظرِ إليهما يوقِعُ في الفتنةِ» (١). انتهى.\nوأئمَّةُ الفَتْوَى والتحقيقِ مِن الشافعيَّةِ يَنُصُّونَ على وجوب سَتْرِ المرأةِ لوجهِها، وإنِ اختلَفَ تعليلُهم للسترِ؛ فأقوامٌ يوجِبُون السترَ لذاتِه؛ كالشِّهابِ الرَّمْليِّ، والشَّمْسِ الرَّمْليِّ، والخطيبِ الشِّرْبِينيِّ، ومنهم مَن يُوجِبُه لمصلحةِ الناسِ ودفعِ الفتنةِ والفسادِ؛ كأبي زكَرِيَّا الأنصاريِّ، والشهابِ ابنِ حَجَرٍ.\nوالمعتَمَدُ عند الشافعيَّةِ: ما اتَّفَقَ عليه الرافعيُّ والنوويُّ؛ أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوَجْهِها واجبٌ لذاتِه؛ كما نقلَه الخطيبُ عنهما، ثم ما عليه الهَيْتَمِيُّ والرَّمْليُّ، وهو ما حكَيَاه في هذه المسألةِ بلا اختلافٍ أنَّ المرأةَ يجبُ أن تُغَطِّيَ وجهَها عندَ رؤيةِ الرجالِ لها.\nوقد منَعَ النوويُّ مِن كشفِ المسلمةِ لوجهِها وكفَّيْها عندَ المرأةِ الكافرةِ إلا أنْ تكونَ مملوكةً لها، وقال: «هذا هو الصحيحُ في مذهبِ الشافعيِّ»؛ كما نقَلَ ذلك عن النوويِّ تلميذُه ابنُ العَطَّارِ في «الفتاوى» (٢).\n_________\n(١) انظر: «نهاية المحتاج» (٢/ ٤٥٧).\n(٢) انظر: «فتاوى الإمام النووي» (ص ١٨٠).","vol":"1","page":152},{"text":"وقال النوويُّ في «المنهاج»: «ويحرُمُ نظَرُ فَحْلٍ بالغٍ إلى عورةِ حُرَّةٍ كبيرةٍ أجنبيَّةٍ، وكذا وجهِها وكَفَّيْها؛ عندَ خوفِ فِتْنَةٍ، وكذا عندَ الأَمْنِ؛ على الصحيحِ» (١). انتهى.\nوبعضُهم ينقُلُ كلامًا للنوويِّ في «المِنْهاج» نقلَه عن القاضي عِيَاضٍ: أنَّ تغطيةَ المرأةِ لوجهِها سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ (٢)، وينسُبُون للنوويِّ إقرارَه، وهذا غَلَطٌ عليه؛ فالنوويُّ يتشدَّدُ في كشفِ المسلمةِ للكافرةِ، وُيوجِبُ احتجابَها عنها؛ لكونِها ليست مِن نسائِها؛ كما في آيةِ الزينةِ وما بعدَها؛ فكيفَ بالرجالِ الأجانِبِ؟!\nوقولُ القاضي عياضٍ ضعَّفَه جماعةٌ مِن أئمةِ الشافعيةِ؛ كالخطيبِ الشِّرْبينيِّ (٣)، والشمسِ الرَّمْليِّ (٤)، وابنِ حَجَرٍ الهَيْتَميِّ (٥)، وغيرِهم.\nويُدْرِكُ فقهاءُ الشافعيةِ مقاصدَ الشافعيِّ وتفريقَه بين\n_________\n(١) انظر: «منهاج الطالبين» (ص ٢٠٤).\n(٢) انظر كلام القاضي عياضٍ في: «إكمال المعلم» (٧/ ٣٧)، وكلام النوويِّ في «شرح مسلم» (١٤/ ١٣٩).\n(٣) انظر: «مغني المحتاج» (٤/ ٢٠٩).\n(٤) انظر: «نهاية المحتاج» (٦/ ١٨٨).\n(٥) انظر: «تحفة المحتاج» (٧/ ١٩٣).","vol":"1","page":153},{"text":"عورةِ النظرِ وعورةِ السترِ؛ فلا ينسُبُون للشافعيِّ جوازَ كشفِ المرأةِ لوجهِها إلا في سياقاتِ عورةِ الصلاةِ والسترِ، وإنما ينسُبُون إليه وجوبَ تغطيَتِها لوجهِها في سياقِ عورةِ النظرِ -يعني: وجودَ الناظِرِينَ- قال الشِّهَابُ: «ومذهَبُ الشافعيِّ ﵀كما في «الروضةِ»، وغيرِه-: أنَّ جميعَ بدنِ المرأةِ عورةٌ حتى الوجهُ والكَفُّ مطلقًا، وقيلَ: يَحِلُّ النظرُ إلى الوجهِ والكفِّ إن لم يُخَفْ، وعلى الأَوَّلِ: هما عورةٌ إلا في الصلاةِ، فلا تبطُلُ صلاتُها بكشفِهما» (١). انتهى.\nوما يُنْسَبُ للشافعيِّ ومالِكٍ وأبي حنيفةَ: أنهم يجيزونَ كشفَ وجهِ المرأةِ عندَ الرجالِ الذين لا يجوزُ لهم النظرُ إليها، ولا يَغُضُّون أبصارَهم عنها، خطأٌ شاعَ عند المتأَخِّرِين، ولا يَسْتَطِيعونَ إثباتَه عنهم صريحًا؛ وسببُهُ عدمُ تتبُّعِ أقوالِهم في عورةِ السترِ؛ وعورةِ النظرِ، والتفريقِ بينهما.\nوأمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ: فالنصوصُ عنه كثيرةٌ، وهو يأمُرُ بتغطيةِ المرأةِ لوجهِها؛ لكونِه عورةً تستُرُه الحرةُ لذاتِه ولو لم تكنْ فيه فتنةٌ؛ قال أحمدُ: «كُلُّ شيءٍ مِن المرأةِ\n_________\n(١) انظر: «حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي» (٦/ ٣٧٢).","vol":"1","page":154},{"text":"عورةٌ حتى الظُّفْرُ، وقال: وظُفْرُ المرأةِ عورةٌ، وإذا خرجَتْ فلا يَبِينُ منها لا يَدُها ولا ظُفْرُها ولا خُفُّها؛ فإنَّ الخُفَّ يَصِفُ القَدَمَ» (١)؛ كما نقلَه عنه الخَلَّالُ.\nقال الشيخُ ابنُ تيميَّةَ في الوجهِ في الصلاةِ: «والتحقيقُ: أنَّه ليس بعورةٍ في الصلاةِ، وهو عورةٌ في بابِ النظرِ؛ إذا لم يَجُزِ النظرُ إليه» (٢)، وقال مبيِّنًا الفرقَ بين عورةِ النظرِ وعورةِ السترِ: «ليستِ العورةُ في الصلاةِ مرتبطةً بعورةِ النظرِ، لا طردًا ولا عكسًا» (٣). انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>تغطيةُ المرأةِ لوجهِها بينَ التشديدِ والتيسيرِ:</span>\nمَن نظَرَ في الأحاديثِ والآثارِ بعدَ فرضِ الحجابِ، وجَدَ أنَّ نساءَ المؤمِنِين والصحابياتِ والتابعياتِ ونساءَ الصَّدْرِ الأوَّلِ على تستُّرٍ دامٍّ؛ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ، فضلًا عن غيرِ ذلك مِن أبدانِهِنَّ، وينظُرْنَ إلى ذلك على أنَّه عبادةٌ ودينٌ، حتى كان مِنهُنَّ مَن يَتتَبَّعْنَ فضائلَ السترِ بعدَما فعَلْنَ واجباتِه، ويَحْتَسِبْنَ الأجرَ بالسترِ وهنَّ في بيوتِهِنَّ، ورُوِيَ\n_________\n(١) انظر: «أحكام النساء عن الإمام أحمد» (ص ٣١ - ٣٣).\n(٢) انظر: «الفتاوى الكبرى» (٥/ ٣٢٤).\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١١٥).","vol":"1","page":155},{"text":"عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، قال: «كانتْ أُمُّ سَلَمَةَ لا تضَعُ جلبابَها وهي في البيتِ؛ طلبًا للفَضْلِ» (١).\nوقد تقادَمَ الزمَنُ، واتَّسَعَتْ رقعةُ الإسلامِ، ودخَلَ فيه مِن العربِ والعجمِ مع رسوخِ عاداتِهم السابقةِ فيهم، فكانَ أئمةُ الإسلامِ والفاتحونَ يَنْشَغِلُون بتقريرِ التوحيدِ وأصولِ الدِّينِ فيهم، يتدَرَّجُون في البلاغِ، ولا يَبْنُون فرغًا إلا وقد بنَوْا أصلَه.\nومع قوَّةِ الإعلامِ وتسلُّطِ أيادٍ غيرِ أمينةٍ عليه؛ تُبْعِدُ الفضيلةَ وتُقَرِّبُ الرذيلةَ، شاعَ السفورُ في أكثرِ بلدانِ العالَمِ المسلِمِ، وفتَحَتْ أجيالٌ عيونَها على حالٍ، وتوطَّنُوا عليها، ثم نظَرُوا في الأحاديثِ والآثارِ وهَدْيِ نساءِ المؤمِنِين في الصَّدْرِ الأوَّلِ، فاستَثْقَلُوها؛ وذلك للبُعْدِ بينَ الحالَيْنِ.\n\nوخرجَتْ<span data-type=\"title\" id=toc-122> مدارسُ فقهيَّةٌ مهزومةٌ تُرِيدُ أنْ تطوِّعَ الآياتِ والأحاديثَ والآثارَ لهذا الواقعِ البعيدِ</span>، وتقرِّبَ الفجوةَ بين المسلِمِين ودينِهم، وانشغَلَتْ نفوسُهم بمحاولةِ تفصيلِ الإسلامِ على الواقعِ، لا تفصيلِ الواقعِ على الإسلامِ، ورُبَّما يكونُ بعضٌ منهم صادِقِين، واختلفَتْ هذه المَدْرسةُ\n_________\n(١) «جامع الأصول» (١٠/ ٦٤٧).","vol":"1","page":156},{"text":"في تبديلِها، ولكنَّها اتفقَتْ على شِدَّةِ التحرِّي والتتبُّعِ لنصوصٍ تؤيِّدُ الواقعَ، ناسخةً أو منسوخةً، عامَّةً أو خاصَّةً، مُطْلَقةً أو مُقَيَّدةً، صحيحةً أو ضعيفةً، مرفوعةً أو موقوفةً، يتتَبَّعُون حتى كُتُبَ التاريخِ والسِّيَرِ، وأذهانُهم مهتمَّةٌ بإيجادِ ما يوافقُ الواقعَ، فيَفْرَحُون بالنَّصِّ المُجمَلِ، ويَتعامَوْنَ عنِ المُحكَمِ!\nوكأنَّهم أرادُوا بدلًا مِن أنْ تُسْتَرَ عوراتُ النساءِ بالثيابِ أن يَسْتُرُوها بالنصوص؛ لتَهْدَأَ النفوس، حتى رأيتُ مَن يحتَجُّ بقولِه تعالى عن مَلِكةِ سَبَأٍ: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤] على جوازِ كشفِ ساقِ المرأةِ! وكلَّما ازدادَ الواقعُ بعدًا، ازدادُوا للنصوصِ بَتْرًا.\n\nويجبُ<span data-type=\"title\" id=toc-123> التفريقُ بين هذه المدرسةِ المهزومةِ وبين منهجِ الأنبياءِ في تقريبِ الحقِّ والتدرُّجِ فيه</span>، فإنْ كان الناسُ في بلدٍ بعيدِينَ عن الحَقِّ، فيجبُ دعوتُهم إلى أُصولِ الحقِّ، وتحذيرُهم مِن أُصولِ الباطلِ قبلَ فروعِه، فكلُّ ذنبٍ عظيمٍ، فله مِن جِنْسِه صغائِرُ حتى الكُفْرُ، فإنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ؛ لأنَّها مُسْكِرةٌ ومُفتِّرةٌ، فإنْ كانت مُنتشِرة في بلدٍ، فإنَّه يُبدَأُ بها ويُتغافَلُ عما كانَ مِن جنسِها مِن الصغائرِ كالدُّخَانِ ونحوِه؛ حتى يستقِرَّ الأصلُ فيُنتقَلَ إلى الفرعِ.","vol":"1","page":157},{"text":"وكذلك إنْ كانَ الزِّنَى ينتشِرُ في بلدٍ، فيُنْهَوْنَ عن الزنى ويُتغافَلُ عن وسائِلِه، حتى تَتوطَّنَ النفوسُ على تحريمِه، ثم يُتدرَّجُ في ترتيبِ الوسائلِ بحسبِ قُرْبِها مِن المقاصِدِ، فأقرَبُ وسائلِ الزنى: الخَلْوةُ، فيُشدَّدُ فيها، ثم يَلِيها الاختلاطُ في التعليمِ والعمَلِ، والتغافُلُ عن الوسائلِ لا يعني إباحتَها.\nوأن كان البلدُ في عُرْيٍ تُؤْمَرُ المُسلِماتُ بتغطيةِ عورةِ السترِ قبلَ عورةِ النظَرِ، حتى تَتوطَّنَ نفوسُهُنَّ، فيؤمَرْنَ بما دُونَه، وهكذا لا يؤمَرُ بفرعٍ لم يثبُتْ أصلُه، فالنبيُّ ﷺ كان يُثبِّتُ الأصولَ قبلَ فروعِها.\nوقد تَتبايَنُ البلدانُ في قربِها وبعدِها عنِ الإسلامِ، فيجبُ أن تَتبايَنَ البِدَايَاتُ فيها؛ فإنَّه يُبدَأُ في كلِّ بلدٍ بما انتَهَتْ إليه مِن القُرْبِ إلى الخَيْرِ، فتُدْعَى إلى ما بعدَه.\nوقد تَمْدَحُ في بلدٍ ما تَذُمُّه في آخَرَ، وإن كانَا في زمنٍ واحدٍ؛ فقد يكونُ أحدُ البلدانِ في عُرْيٍ، وبلدٌ أُخرى في احتشامٍ، فتَمْدَحُ المتعرِّيةَ إنْ غطَّتْ رأسَها ولو أبقَتْ وجهَها، وتَذُمُّ المحتشِمَةَ إنْ كشفَتْ وجهَها وإنْ غطَّتْ رأسَها؛ لأنَّ الأُولَى اقتربَتْ إلى الحقِّ فتُمدَحُ ولو لم تَصِلْ إلى الخيرِ التامِّ، والثانيةُ ابتعَدَتْ عند الخيرِ فتُذَمُّ ولو لم","vol":"1","page":158},{"text":"تصِلْ إلى الشَّرِّ التامِّ؛ ففَرْقٌ بين تأليفِ المُقْبِلِ وتحذيرِ المُدْبِرِ، فشاربُ الخمرِ والدُّخَانِ، إنْ ترَكَ الخمرَ وحدَه مُدِحَ، وتاركُ الخمرِ والدخانِ، إنْ شَرِبَ الدخانَ وحدَه ذُمَّ، ولو كانَا جميعًا عند المدحِ والذمِّ سواءً، ولكنَّ هذا مُقْبِلٌ فاستحَقَّ المَدْحَ، وهذا مُدْبِرٌ فاستحَقَّ الذَّمَّ.\nوإن كانتِ الفروعُ تَصُدُّ عن الأصولِ، سُكِتَ عنها، ولا يجوزُ صَدُّ الناسِ عن أصولِ دينِهم بها، فإنْ تمكَّنَ الناسُ مِن الأصولِ، قَبِلُوا الفروعَ وأذعَنُوا لها، وأن لم يتمكَّنُوا زادَتْهم الفروعُ صدًّا، وقد روَى ابنُ سعدٍ في «الطبقات»؛ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كَتَبَ وهو خليفةٌ إلى عامِلِه على خُرَاسانَ الجَرَّاحِ بنِ عبدِ الله الحَكَمِيَّ يأمُرُه أن يدعُوَ أهلَ الجزيةِ إلى الإسلامِ، فإنْ أسلَمُوا قَبِلَ إسلامَهم، ووضَعَ الجزيةَ عنهم، وكانَ لهم ما للمسلِمِين، وعليهم ما على المسلِمِين، فقال له رجلٌ مِن أشرافِ أهلِ خُرَاسانَ: إنَّه واللهِ ما يَدْعُوهم إلى الإسلامِ إلا أنْ توضَعَ عنهم الجزيةُ، فامتَحِنْهم بالخِتَانِ، فقال: أنا أرُدُّهم عن الإسلامِ بالختانِ؟ هم لو قد أسلَمُوا، فحَسُنَ إسلامُهم، كانُوا إلى الطُّهْرَةِ أسرَعَ، فأسلَمَ على يَدِه نحوٌ مِن أربعةِ آلافٍ (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبير» (٧/ ٣٧٥).","vol":"1","page":159},{"text":"أحاديثُ مُشْكِلةٌ في الحِجَابِ:\nلا يَخلُو بابٌ مِن أبوابِ أصولِ الدِّينِ ولا فروعِه مِن آياتٍ أو أحاديثَ مُشتبِهَةٍ، تُخالِفُ في ظاهرِها المحكَماتِ البيِّناتِ، فإنْ جازَ ذلك في الأصولِ، فإنَّه في أبوابِ الفروعِ مِن بابِ أَوْلَى، وفي أبوابِ حجابِ المرأةِ ولباسِها يُورِدُ بعضُ الكُتَّابِ أحاديثَ تُخالِفُ المُحكَمَ البَيِّنَ، منها الصحيحُ، ومنها الضعيفُ، ومنها ما لو وُضِعَ في موضِعِه ولم يُلْغَ به العامُّ، لاستقامَ للناظِرِ الحكمُ، ولكنِ استُعْمِلَ كثيرٌ مِن الأحاديثِ الظنيَّةِ في نقضِ القطعيَّةِ، والأحاديثِ المشتَبِهةِ في نقضِ المحكَمةِ، ومِن هذه الأحاديثِ المتعلِّقةِ بأبوابِ الحجابِ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>الأوَّلُ: قِصَّةُ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ:</span>\nوهو ما رواهُ أبو داودَ، عن عائشةَ ﵂؛ أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على رسولِ الله ﷺ وعليها ثيابٌ رِقَاقٌ، فأعرَضَ عنها رسولُ الله ﷺ، وقال: (يا أَسْمَاءُ! إِنَّ المَرْأةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ، لَمْ تَصْلُحْ أنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا)، وأشارَ إلى وجهِهِ وكَفَّيْه (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤١٠٤)، وقال: «هذا مرسَلٌ؛ خالدُ بنُ دُرَيْكٍ لم يُدْرِكْ عائشةَ».","vol":"1","page":160},{"text":"يرويه سعيدُ بنُ بَشِيرٍ، عن قتادةَ، عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ، عن عائشةَ.\nوخالدُ بنُ دُرَيْكٍ لم يَسْمَعْ مِن عائشةَ؛ قاله أبو داودَ، وأبو حاتمٍ (١).\nوسعيدُ بنُ بَشِيرٍ الأَزْدِيُّ، وإن كان صدوقًا في لسانِه؛ إلا أنَّه ضعيفٌ في حفظِه، وقد ضعَّفَه أحمدُ، وابنُ المدينيِّ، وأبو داودَ، والنَّسَائيُّ (٢)، وقال ابنُ مَعِينٍ: «ليس بشيءٍ» (٣)، ثم إنَّ له مُنكَراتٍ يحدِّثُ بها عن قتادةَ؛ قالَه ابنُ نُمَيْرٍ والساجِي (٤).\nوقد تفرَّدَ سعيدُ بنُ بَشِيرٍ بروايةِ هذا الحديثِ عن قتادةَ، واضطَرَبَ فيه؛ فمَرَّةً يجعَلُه عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ عن عائشةَ، ومَرَّةً أُخرى يجعَلُه عن خالِدِ بنِ دُرَيْكٍ عن\n_________\n(١) انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٤٦٣).\n(٢) انظر: «سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة» (٢٢٣)، و«العلل ومعرفة الرجال؛ رواية المروزي وغيره» (٤٩٥)، و«سؤالات الآجري» (٦٨٢ /البستوي)، و«الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٢٨٢)، و«الجرح والتعديل» (١/ ٣٥ و١٤٣ و٤/ ٦ - ٧).\n(٣) انظر: «تاريخ ابن معين؛ رواية الدُّورِي» (٤/ ٩٤).\n(٤) انظر: «الجرح والتعديل» (١/ ٣٢١ - ٣٢٢ و٤/ ٧)، و«إكمال تهذب الكمال» (٥/ ٢٦٤).","vol":"1","page":161},{"text":"أُمِّ سَلَمةَ (١).\nوخولِفَ فيه سعيدٌ؛ خالَفَه هِشَامٌ الدَّسْتَوائيُّ، وهو مِن أوثَقِ أصحابِ قتادةَ؛ فرواهُ عن قتادةَ مرسلًا: (إنَّ الجاريةَ إذا حاضَتْ لم يَصْلُحْ أن يُرَى منها إلا وجهُها ويَدَاها إلى المَفْصِل)؛ أخرجَه أبو داودَ في «المراسيلِ» (٢).\nوتابَعَه مَعْمَرٌ عن قتادةَ: بلَغَنِي عن النبيِّ ﷺ، فذكَرَ معناهُ؛ أخرجَه عبدُ الرَّزَّاقِ، وعنه الطَّبَرِيُّ (٣).\nوله طريقٌ آخَرُ: أخرَجَه الطبرانيُّ والبيهقيُّ، مِن حديثِ ابنِ لَهِيعةَ، عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله؛ أنَّه سَمِعَ إبراهيمَ بنَ عُبَيْدِ بنِ رفاعةَ الأنصارِيَّ يُخبِرُ عن أبيهِ أظُنُّه عن أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ؛ أنَّها قالتْ: دخَلَ رسولُ اللهِ ﷺ على عائشةَ بنتِ أبي بكرٍ ... فذكَرَ نحوَه (٤).\n_________\n(١) انظر: «الكامل» لابن عدي (٣/ ٣٧٣).\n(٢) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (٤٢٤).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ٥٦)، ومِن طريقِه ابن جريرٍ في «تفسيره» (١٧/ ٢٥٩).\n(٤) أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٤/ ١٤٢ - ١٤٣ رقم ٣٧٨)، و«الأوسط» (٨٣٩٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٧/ ٨٦). وقال البيهقيُّ: «إسنادُه ضعيفٌ».","vol":"1","page":162},{"text":"وابنُ لَهِيعةَ ضعيفُ الحديثِ (١)، وشيخُه عِيَاضٌ ضعيفٌ أيضًا؛ ضعَّفَه ابنُ مَعِينٍ (٢)، وقال البخاريُّ: «مُنْكَرُ الحديثِ» (٣)، وعُبَيْدُ بنُ رفاعةَ قليلُ الحديثِ ليس فيه توثيقٌ يستحِقُّ الذِّكْرَ.\nولا يُقْبَلُ مثلُ هذا الإسنادِ شاهدًا لغيرِه، فضلًا عن قيامِه بنَفْسِه!\nومِن وجوهِ نكارةِ الحديثِ: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ أكبَرُ مِن عائشةَ، وكذلك فإنَّها معروفةٌ بِسَتْرِها لوجهِها وكَفَّيْها عندَ الرجالِ، بسندٍ صحيحٍ، عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ، قالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِمَاتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ» (٤).\nإلا أنْ يكونَ حديثُها الأوَّلُ عن عَوْرَرتِها عندَ مَن يدخُلُ عليها مِن أهلِها ومحارِمِها، وليس الأجانِبَ، فقد صحَّ تستُّرُها عندَ الأجانبِ؛ فلا يُصَارُ إلى غيرِه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الثاني: حديثُ المرأةِ الخَثْعَميَّةِ:</span>\nوهو ما رواهُ الشيخانِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄،\n_________\n(١) انظر: «تهذب الكمال» (١٥/ ٤٨٧ - ٥٠٢».\n(٢) انظر: «تهذب التهذب» (٣/ ٣٥٣).\n(٣) انظر: «الضعفاء الكبير» للعقيلي (٣/ ٣٥٠).\n(٤) سبق تخريجه (ص ٧١).","vol":"1","page":163},{"text":"قال: كانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النبيِّ ﷺ، فجاءَتِ امرأةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، (وفي روايةٍ: وَضِيئَةٌ)، فجعَلَ الفضلُ ينظُرُ إليها وتنظُرُ إليهِ، (وفي روايةٍ: أعجَبَه حُسْنُها)، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَصْرِفُ وجهَ الفضلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فقالتْ: إنَّ فريضةَ اللهِ أدركَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يثبُتُ على الراحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: (نَعَمْ)؛ وذلك في حَجَّةِ الوداعِ (١).\nوبيان ما أشكَلَ فيه مِن وجوهٍ:\nأولًا: صحَّ أنَّ الخَثْعَميَّةَ جاريةٌ عُرِضَتْ على النبيِّ ﷺ في حَجِّهِ ليَرَاها فيتزَوَّجَها، كما جاءَ عنِ الفضلِ بنِ عبَّاسٍ، قال: كُنْتُ رِدْفَ رسولِ اللهِ ﷺ وأعرابِيٌّ معه ابنةٌ له حَسْناءُ، فجعَلَ يَعْرِضُها لرسولِ اللهِ ﷺ رجاءَ أنْ يتزَوَّجَها، قال: فجعَلْتُ ألتَفِتُ إليها، وجعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ يأخُذُ برَاسِي فيَلْوِيه، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حتى رمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ؛ أخرَجَه أبو يَعْلَى بسندٍ صحيحٍ (٢).\nوالنبيُّ ﷺ نَهَى عنِ الخِطْبَةِ في الحجِّ (٣)؛ لا العَرْضِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٥١٣ و١٨٥٤ و١٨٥٥ و٤٣٩٩ و٦٢٢٨)، ومسلم (١٣٣٤).\n(٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٦٧٣١).\n(٣) كما في حديث عثمانَ بنِ عَفَّان ﵁ عند مسلم (١٤٠٩).","vol":"1","page":164},{"text":"والنَّظَرِ لمَن نَوَى، وإنْ كانتْ جاريةً وقُصِدَ بها الأَمَةُ غاليًا؛ فالنبيُّ ﷺ يُعْتِقُ الأَمَةَ فيتزَوَّجُها؛ كما فعَلَ بِصَفِيَّةَ ومارِيةَ القِبْطِيَّةِ ﵄.\nثانيًا: جاء أنَّ الخَثْعَميَّةَ جاريةٌ شابَّةٌ؛ أخرَجَه الترمذيُّ بسندٍ صحيحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁، مرفوعًا (١)، والطحاويُّ بسندٍ صحيحٍ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ (٢)، وهذا الوصفُ: جاريةٌ شابَّةٌ، يُطلَقُ عادةً على الإماءِ، لا على الحرائِرِ، والأَمَةُ ليستْ مخاطَبةً بالجلبابِ وتغطيةِ الوجهِ كالحُرَّةِ، والى هذا أشار البخارِيُّ في «صحيحه»؛ حيثُ أورَدَه في سياقِ عورةِ النظَرِ، وعلى هذا بوَّبَ، وساقَ قبلَ هذا الحديثِ قولَه: «وكَرِهَ عطاءٌ النظَرَ إلى الجوارِي التي يُبَعْنَ بمَكَّةَ؛ إلا أنْ يُرِيدَ أن يَشْتَرِيَ»، ثم ذكَرَ حديثَ الخثعَميَّةِ بعدَه (٣).\nوتسمَّى الأَمَةُ جاريةً؛ لأنَّها تَسِيرُ غاديةً ورائحةً في خِدْمةِ أهلِها، كما تسمَّى السفينةُ: جاريةً؛ قال الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ومنه قولُه:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٨٨٥).\n(٢) أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٥٤٠).\n(٣) انظر: «صحيح البخاري» (٨/ ٥٠ - ٥١).","vol":"1","page":165},{"text":"﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشُّورَى: ٣٢]، وقولُه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]؛ لأنَّها تَجْرِي بخدمةِ الناسِ وحَمْلِهم ومَتَاعِهم.\nوقد تُطلِقُ العربُ الجاريةَ على الحُرَّةِ يُريدونَ الشابَّةَ، ولكنَّه في حديثِ الخثعمِيَّةِ قال: جاريةٌ شابَّةٌ، وَيندُرُ جدًّا الجمعُ بين اللفظَيْنِ للحُرَّةِ، ورُبَّما لا يوجَدُ في كلامِ النبيِّ ﷺ، ويَندُرُ جَرَيانُه على ألسنةِ الصحابةِ والتابِعِين، والأصلُ عند إطلاقِ لفظِ: «جارية» وحدَه أنَّها أَمَةٌ، وهذا الغالبُ في الأحاديثِ والآثارِ، وهو كثيرٌ شائعٌ، ولا يُنتقَلُ عنه إلا ببيِّنةٍ أو قرينةٍ، ومِن ذلك إطلاقُه على الحُرَّةِ معروفةِ الحُرِّيَّةِ للتدليلِ على صِغَرِها، كما أُطْلِقَ على عائشةَ في الإِفْكِ (١)، فإطلاقُ لفظِ «الجارية» على الأَمَةِ لا يَحْتاجُ إلى قرينةٍ وسياقٍ؛ لأنَّه الأصلُ، وإنما يُحْتَاجُ إلى القرينةِ والسياقِ في إخراجِه عنها وإنزالِه على الحُرَّة.\nثالثًا: المرأةُ تكونُ أَمَةً ولو كانتْ مِن نسبةٍ قَبَلِيَّةٍ لكونِها سَبِيَّةً؛ فقد بعَثَ النبيُّ ﷺ إلى خَثْعَمٍ سرايَا مِن أصحابِه، منها عامَ تسعةٍ، وجاؤوا منهم بسَبْيٍ رجالًا ونساءً، وقد ذكَرَ\n_________\n(١) انظر: «صحيح البخاري» (٢٦٣٧ و٢٦٦١ و٤١٤١ و٤٧٥٠ و٧٣٦٩)، و«صحيح مسلم» (١٢١١ و٢٧٧٠).","vol":"1","page":166},{"text":"ابنُ سعدٍ في «الطبقات» سَرِيَّةَ قُطْبةَ بنِ عامِرٍ إلى خَثْعَمٍ بناحيةِ بِيشَةَ قريبًا مِن تُرَبَةَ في صَفَرَ سنةَ تسعٍ، ثم قال: «وقتَلَ قُطْبَةُ بنُ عامِرٍ مَن قتَلَ -يعني: مِنْ خَثْعَمٍ- وساقُوا النَّعَمَ والشاءَ، والنساءَ إلى المدينةِ» (١). انتهى.\nوقد تكونُ الأَمَةُ والعَبْدُ أعرابًا؛ فإنَّ الأعرابيَّ: اسمٌ للأحرارِ والعبيدِ؛ لمَن كان في الباديةِ ولو كان أعجمِيًّا.\nرابعًا: أنَّ هذا الحديثَ لا أعلَمُ مَنِ استدَلَّ به مِن أهلِ القرونِ الثلاثةِ على مسألةِ كشفِ المرأةِ الحُرَّةِ لوجهِها؛ وإنما يُورِدُونَه في الحكمِ المتعلِّقِ بنظرِ الرجلِ لا كشفِ المرأةِ؛ لأنَّ حكمَ تغطيةِ الوجهِ خاصٌ بالحُرَّةِ، والنظَرُ المحَرَّمُ عامٌّ للجميعِ؛ للحرةِ والأَمَةِ.\nوأما فتوَى الخثعَمِيَّةِ عن حَجِّ جَدِّها، فلا يَتعارَضُ مع كونِها أَمَةً، وجَدُّها أو أبوها حُرٌّ، فالرِّقُّ معنىً يقومُ بالنَّفْسِ، بل قد يكونُ الابنُ حُرًّا والوالدُ عبدًا؛ فيَمُنُّ الابنُ على أَبِيه، فيُعْتِقُه، قال ﷺ: (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقِهُ)؛ أخرجه مسلم (٢).\nوحَجُّ العبدِ عنِ الحُرِّ، والصبيِّ عنِ البالِغِ، صحيحٌ\n_________\n(١) انظر: «الطبقات الكبير» (٢/ ١٤٨).\n(٢) أخرجه مسلم (١٥١٠)؛ من حديثِ أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":167},{"text":"بالاتِّفاقِ؛ وإنَّما الخلافُ في إجزائِه عن الفريضةِ، والعاجِزُ المُقعَدُ لا فريضةَ عليه؛ لسقوطِها بعجزِه، وإنْ حُجَّ عنه، فالأَجْرُ صحيحٌ له، وقد ذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى صِحَّةِ نيابةِ العبدِ عند الحُرِّ، وإجزاءِ ذلك عنه؛ فلم يَشْتَرِطُوا الحريةَ في النائبِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الثالثُ: حديثُ سُبَيْعةَ الأَسْلَميَّةِ:</span>\nوهو أنَّ سُبَيْعةَ بنتَ الحارثِ كانَتْ تحتَ سعدِ بنِ خَوْلةَ، فتوفِّي عنها في حَجَّةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنشَبْ أنْ وضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وفاتِه، فلمَّا تَعَلَّتْ مِن نفاسِها، تَجمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ، فقال لها: ما لي أراكِ تَجَمَّلْتِ للخُطَّابِ تَرْجِينَ النكاحَ؟! فإنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتى تَمُرَّ عليَكِ أربعةُ أشهُرٍ وعَشْرٌ، قالت سُبَيْعةُ: فلَمًَّا قال لي ذلك، جَمَعْتُ عليَّ ثيابي حينَ أَمْسَيْتُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فسأَلْتُه عن ذلك، فأفتاني بأنِّي قد حَلَلْتُ حينَ وضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَنِي بالتزوُّجِ إنْ بَدَا لي؛ أخرَجَ الحديثَ البخاريُّ ومسلمٌ (١).\nوبيانُ ما أشكَلَ فيه مِن وجوهٍ:\nأولًا: ليس في شيءٍ مِن الأحاديثِ أنَّها كانَتْ كاشفةً\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٩٩٠)، ومسلم (١٤٨٤).","vol":"1","page":168},{"text":"لوجهِها؛ وإنَّما رأى أبو السنابِلِ زينَتَها، واستنكَرَ ذلك؛ يَظُنُّها في عِدَّتِها، والمعتدَّةُ بوفاةِ زوجِها مُنِعَتْ مِن الخِضَابِ، وهو في الكفِّ، ومِنَ الكُحْلِ وهو في العَيْنِ لا يستُرُه النِّقَابُ، ومُنِعَتْ مِنَ الثيابِ المُزَعْفَرةِ والمُعَصْفَرةِ، ومنَعَ بعضُ الأئمةِ كمالِكٍ وغيرِه لُبْسَ المعتدَّةِ للذَّهَبِ ولو خاتَمًا، وكلُّ هذه زينةٌ تُرَى، ولا يلزمُ رؤيةُ الوَجهِ، والمتشابِهاتُ لا يجوزُ أن تكونَ أصولًا، يُبْنَى عليها أحكامٌ، ولا قاضيةً على ما هو أصرحُ منها وأحكَمُ واللهُ حَرَّمَ الزينةَ على العجوزِ أمامَ الرجالِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، فكيفَ تُجَازُ الزينةُ للشابَّةِ الحُرَّةِ بنَصٍّ مشتَبِهٍ، ولم يَقُلْ بجوازِ بروزِ الشابَّةِ بزينةِ وجهِها للأجانِبِ أحدٌ مِن الصحابةِ ولا التابِعِين.\nثانيًا: أنَّ زوجَ سُبَيْعةَ الأسلَميَّةِ مولىً وليس حُرًّا، وهكذا يَنُصُّ عليه أئمةُ السِّيَرِ؛ كابنِ إسحاقَ، وابنِ هِشَامٍ، والواقديِّ، وابنِ حِبَّانَ، وابنِ عبدِ البَرِّ، والبلاذُرِيِّ، وأبي الفَرَجِ بنِ الجَوْزِيِّ، ومحمَّدِ بنِ حَبِيبَ، وابنِ الأَثِيرِ (١)؛\n_________\n(١) انظر: «سيرة ابن إسحاق» (ص ١٥٧)، و«سيرة ابن هشام» (١/ ٣٢٩ و٣٦٩ و٦٨٥)، و«مغازي الواقدي» (١/ ١٥٦)، و«الثقات» (١/ ١٨٩ و٣/ ١٥١)، و«الاستيعاب» (ص ٢٨٤)، =","vol":"1","page":169},{"text":"ولكنَّهم يختَلِفُون في أصلِه: هل هو مِن كَلْبٍ، أو مِن مَذْحِجٍ، أو مولىً مِن موالي فارِس، وإنْ نسَبَه بعضُهم لبَنِي عامِرٍ؛ فإنَّ المولَى يُنْسَبُ لقومِه وَلَاءً؛ كما قال ﷺ: (مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ) (١)، وسعدُ بنُ خَوْلةَ مَوْلىً قديمٌ، فأمُّهُ مولاةٌ كذلك لسعدِ بنِ أبي السَّرْحِ، كما ذكَرَه البلاذُرِيُّ في «أنساب الأشراف» (٢)؛ ولذا جاءَ في «الصحيح» عن سُبَيْعةَ: «أنَّها كانتْ تحتَ سعدِ بنِ خَوْلةَ وهو في بَنِي عامِرٍ» (٣)، وهذا غالبًا يُطْلَقُ على الموالي والحُلَفَاءِ، لا على الحُرِّ، وأصيلِ النسَبِ، فالحُرُّ يقالُ فيه غالبًا: «مِن بني فلانٍ»، والمولَى والحَلِيَفُ يُقال فيه غالبًا: «في بَنِي فلانٍ».\nوالأصلُ أنَّ سُبَيْعةَ الأسلميةَ مولاةٌ كزَوْجِها، ونِسْبَتُها لأسلَمَ كنِسْبَةِ زوجِها سعدٍ لبَنِي عامِرٍ؛ فإنَّ العرَبَ لا تزوِّجُ الحرائرَ العبيدَ، وليس مِن عاداتِها ذلك، والخروجُ عن هذا الأصلِ نادِرٌ يَفْتقِرُ إلى بيِّنةٍ تنقُلُه، وكانتِ الحرةُ تَسْتثقِلُ\n_________\n= و«أنساب الأشراف» (١/ ٢٢٢)، و«تلقيح فهوم أهل الأثر» (ص ١٤٣)، و«المُحَبَّر» (ص ٢٧٦ و٢٨٨)، و«أسد الغابة» (٢/ ١٩١ - ١٩٢)\n(١) أخرجه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١٢)؛ من حديث أبي رافعٍ مولى النبي ﷺ.\n(٢) «أنساب الأشراف» (١/ ٢٢٢).\n(٣) «صحيح البخاري» (٣٩٩٠).","vol":"1","page":170},{"text":"زواجَها مِن المَوْلَى ولو كان مُعْتَقًا؛ وهو في الشرعِ جائزٌ؛ ولذا؛ رُوِيَ أنَّ زيدَ بنَ حارثةَ مولى الرسولِ ﷺ وعتيقَه لَمَّا أرادَ خِطْبةَ زينَبَ بنتِ جَحْشٍ، واستَشْفَعَ بالنبيِّ ﷺ، قال: (لا أُرَاهَا يَفْعَلُ؛ إِنَّهَا أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ نَسَبًا). وفي روايةٍ قالتْ: «فَإِنِّي خَيْرٌ مِنه حَسَبًا» (١).\nثالثًا: يدلُّ على كونِها أَمَةً أمورٌ:\nمنها: أنَّ النبيَّ ﷺ طَلَبَ أن تُؤْذِنَهُ إنْ خرَجَتْ مِن عِدَّتِها، ولم يُحِلْها إلى وَليِّها وأهلِها لترى شأنَها مِنهم.\nومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ هو الذي أنكَحَها؛ ففي البخاريِّ: «فأنكَحَها رسولُ اللهِ ﷺ» (٢)، وهذا لا يكونُ في الحرائِرِ؛ فإنَّ الحُرَّةَ يزوِّجُها عادةً أهلُها، وقد يُزَوِّجُ الأَمَةَ غيرُ مَوَالِيها؛ كأنْ تكونَ مَوْلاتُها امرأةً، أو كانَتْ شِرْكًا لرجالٍ كثيرٍ بإرثٍ أو غيرِه، فيزَوِّجُها الحاكِمُ.\nومنها: أنَّ أبا السنابِلِ دخَلَ عليها، ولا يُدْخَلُ على الحُرَّةِ، بخلافِ الأَمَةِ؛ لما في «الصحيحين»، مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ؛ قال ﷺ: (إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ) (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير (٢٠/ ٢٧٢).\n(٢) «صحيح البخاري» (٤٩٠٩).\n(٣) أخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢).","vol":"1","page":171},{"text":"رابعًا: أنَّ دخولَ أبي السنابِلِ عليها ورُؤْيَتَهُ لها رؤيةُ راغِبٍ بالخِطْبَةِ لها؛ وهذا جائِزٌ؛ ففي «البخاري»: «وكان أبو السنابِلِ فِيمَنْ خَطَبَها» (١)، ونظَرُ الرجلِ للمرأةِ التي يَرْغَبُ في نكاحِها في عدَّةِ بينونَتِها الكبرى -وفاةً كانَتْ أو طلاقًا- جائِزٌ، ولكنْ لا تُخْطَبُ ولا تُوَاعَدُ حتى تخرُجَ مِن العِدَّة.\nخامسًا: أنَّ دخولَ أبي السنابِلِ على سُبَيْعةَ كان في حُجْرَتِها كما جاء في «الصحيح»، ولم تكنْ بارِزةً بزينَتِها في الطُّرُقاتِ.\nوأمَّا عِدَّةُ وفاةِ الزوجِ فلا اعتبارَ فيها بالحَيْضِ، بالنَّصِّ والإجماعِ؛ وإنَّما بالأَشْهُرِ للحُرَّةِ والأَمَةِ (٢)، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ بَيَّنَ لسُبَيْعةَ بنَفْسِهِ عِدَّةَ الأشهُرِ للنساءِ حرائِرَ أو إماءً، وإنَّما بَيَّنَ لها انتهاءَ عِدَّتِها بالوَضْعِ، وإنما في الأحاديثِ قولُ غيرِه لها.\nويُجْمِعُ العلماءُ على أنَّ الأَمَةَ الحاملَ كالحُرَّةِ إنْ تُوُفِّي عنها زوجُها: أنَّها تعتَدُّ حتى تضَعَ حَمْلَها (٣). وإنْ كانَتْ غيرَ حاملٍ، فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ عدةَ الأَمَةِ\n_________\n(١) «صحيح البخاري» (٤٩٠٩).\n(٢) انظر: «المبدع» (٧/ ٧٥ - ٧٦).\n(٣) انظر: «المبدع» (٧/ ٧٢ - ٧٣).","vol":"1","page":172},{"text":"على النِّصْفِ مِن عدَّةِ الحُرَّةِ، وذهَبَ بعضُ السلفِ -كابنِ سيرينَ، ومكحولٍ؛ كما عزاهُ أحمدُ إليهما، وهو قولُ جماعةٍ مِن أهلِ الظاهِرِ- إلى أنَّ عدةَ الحرةِ كالأَمَةِ (١).\nوجعَلَ مالِكٌ وربيعةُ وأحمدُ -في روايةٍ- ومجاهِدٌ والحَسَنُ وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، الأَمَةَ المعتَدَّةَ بالأشهُرِ كالحُرَّةِ؛ تعتَدُّ ثلاثةَ أشهُرٍ (٢).\nولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الحُرَّةَ والأَمَةَ إن كانَتْ حاملًا: أنَّها تَبِينُ بوَضْعِ حَمْلِها.\nوأُمُّ الوَلَدِ لو مات سيِّدُها وزوجُها معًا ولم تَعْلَمِ الأوَّلَ منهما، فإنَّها تعتَدُّ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا كالحُرَّةِ؛ قاله غيرُ واحدٍ مِن الفقهاءِ مِن المالِكِيَّةِ وغيرِهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الرابع: حديثُ سَفْعاءِ الخَدَّيْنِ:</span>\nوهو حديثُ جابِرِ بنِ عبدِ الله ﵁، قال: شَهِدتُّ مع رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ يومَ العيدِ، فبدَأَ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ بغيرِ أَذَانٍ ولا إقامةٍ، ثم قامَ متَوَكِّئًا على بلالٍ، فأمَرَ بتقوَى اللهِ، وحَثَّ على طاعَتِه، ووعَظَ الناسَ وذَكَّرَهم، ثم مَضَى حتَّى أتى النساءَ، فوعَظَهُنَّ وذكَّرَهُنَّ، فقال: (تَصَدَّقْنَ؛\n_________\n(١) انظر: «المحلَّى» (١١/ ٣٠٨)، و«المبدع» (٧/ ٧٦).\n(٢) انظر: «المدونة» (٢/ ٨ - ٩)، و«المبدع» (٧/ ٨٣ - ٨٤).\n(٣) انظر: «المدونة» (٢/ ١٧)، و«الأم» (٦/ ٥٥٥).","vol":"1","page":173},{"text":"فإِنَّ أكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ)، فقامَتِ امرأةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فقالَتْ: لِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: (لِأنَّكُنَّ ثُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)، قال: فجعَلْنَ يتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثوبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِمِهِنَّ (١).\nوبيانُ ما أشكَلَ فيه مِن أوخُهٍ:\nأولًا: أنَّ المرأةَ المذكورةَ لا يُجزَمُ بكونِها حُرَّةً شابَّةً، وظاهِرُ الحديثِ: أنَّها مِن القواعدِ أو الإماءِ؛ فـ «السَّفْعَةُ» شُحُوبٌ وسوادٌ أو تغيُّرٌ، وغالبًا ما يُصِيبُ كِبارَ السِّنِّ أو الجوارِيَ؛ لكثرةِ بُرُوزِهِنَّ، وحديثُ «سَفْعَاءِ الخَدَّيْنِ» نظيرُ ما في «صحيح البخاري»، قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: رَأَى النبيُّ ﷺ في بيتِها جارِيَةً في وجهِها سَفْعَةٌ، فقال: (اسْتَرْقُوا لَهَا) (٢)، وكونُها كاشفةً لا يجعَلُ منها حُرَّةً؛ فقد كانتْ جاريةً.\nثانيًا: يَعْضُدُ أنَّ سَفَعَ الخَدَّيْنِ يكونُ في قواعدِ النساءِ، لا في المرأةِ الشابَّةِ الحسناءِ، ما في روايةِ أحمدَ والنَّسَائِيِّ في هذا الحديثِ، قال: «مِنْ سَفِلَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ» (٣)؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩٥٨ و٩٦١ و٩٧٨)، ومسلم (٨٨٥/ ٤).\n(٢) أخرجه البخاري (٥٧٣٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣١٨ رقم ١٤٤٢٠)، والنسائي (١٥٧٥).","vol":"1","page":174},{"text":"يعني: مِن أَقَلِّ النساءِ شأنًا، وكذلك ما رواه أحمدُ وأبو داودَ، مِن حديثِ عوفِ بنِ مالِكٍ الأشجَعِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ القِيَامَةِ -وأَوْمَأَ بالوُسْطَى والسَّبَّابَةِ- امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا، ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَها عَلَى يَتَامَاهَا؛ حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا) (١).\nوإنما ذكَرَ جابرٌ ﵁ قولَهُ: «سَفِلَة النِّساءِ»؛ ليبيِّنَ أنها ليستْ مما تَفتِنُ الناظرَ إليها.\nثالثًا: أنَّ الحديثَ لم يَرِدْ في جميعِ طُرُقِه وصفُ وجهِ المرأةِ، وإنَّما تفرَّد به عبدُ المَلِكِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ؛ أخرَجَه مسلِمٌ (٢)، وقد رواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن جابِرٍ، ولم يَذْكُرْ وَصْفَها (٣)، وقد جاءتِ القِصَّةُ مِن حديثِ جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ رواها ابنُ مسعودٍ (٤)، وابنُ عُمَرَ (٥)،\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩ رقم ٢٤٠٠٦)، وأبو داود (٥١٤٩).\n(٢) في «صحيحه» (٨٨٥/ ٤).\n(٣) كما عند البخاري (٩٦١ و٩٧٨)، ومسلم (٨٨٥/ ٣).\n(٤) أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩٢١٢ و٩٢١٣).\n(٥) أخرجه مسلم (٧٩).","vol":"1","page":176},{"text":"وابنُ عباسٍ (١)، وأبو هريرةَ (٢)، وأبو سعيدٍ (٣) ﵃، ولم يَذْكُرُوا سُفُورَها؛ ولذا قِيلَ بشُذوذِ هذه اللفظةِ في الحديثِ، وإن كانتْ محفوظةً فلا يُعْلَمُ كونُها قاعدًا أم أمَةً أم حُرَّةً، وفي المحكَمِ حُجَّةٌ وغُنْيَةٌ وكفايةٌ، والمُتشابِهاتُ لا يَتَّبِعُها إلَّا مَنْ في قلوبِهِمْ زَيْغٌ؛ كما قال اللهُ تعالى. والله أعلم.\nوبهذا ينتَهِي المقصودُ مِن هذه الرسالةِ، ولم تكن الغايةُ منها سَوْقَ الأدلةِ ولا سردَ أقوالِ الفقهاءِ وحَشْدَها، فإنَّ هذا البابَ لا حدَّ له ولا حَصْر، والمرادُ هو إعادةُ ما زُحْزِحَ مِن الأدلة والأقوالِ إلى مواضعِها، وبيانُ مُحْكَمِها مِن متشابِهِها؛ فإنَّ مِن الأدلةِ ما كان على موضعٍ عند العلماء يعرِفُون سياقَهُ ومنزلةَ دلالتِه بالنسبةِ لغيرِه، حتى جاء الزمنُ المتأخر فاستثير وحُمّل ما لا يحتمل، وجُعل منه أصلًا في الباب، واستُنبط منه ما جُعل تجديدًا للدين، وما هو إلا قول دخيل لا يُعرف في قولٍ ولا عملٍ سالف، والله أعلم وأحكَم، وهو الموفق للهدى والسداد، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩٨)، ومسلم (٨٨٤).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠ و٨٨٩).","vol":"1","page":177}]}