{"ً":{"ٌ":17680,"ٍ":"الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/gsfslaa/","files":["gsfsla_1.pdf","gsfsla_2.pdf","gsfsla_3.pdf","gsfsla_4.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الجامع في أحكام صفة الصلاة من الخروج إليها حتى الانصراف منها [قسم من الكتاب الأم «أحكام الصلاة»]\nالمؤلف: أبو عمر دبيان بن محمد الدبيان\nالناشر: (بدون)\nالطبعة: الأولى، ١٤٤١ هـ\nعدد الأجزاء: ٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":2576,"ٕ":19,"ٖ":1770155981,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الكتاب","level":1,"page":1},{"title":"الباب الأول في صفة الصلاة","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول في الأحكام المرتبطة بالخروج إلى الصلاة","level":2,"page":3},{"title":"المبحث الأول في استحباب الخروج متطهرا بنية الصلاة","level":3,"page":3},{"title":"المبحث الثاني لا يستحب دعاء خاص للخروج إلى الصلاة","level":3,"page":12},{"title":"المبحث الثالث في الوقت الذي يجب الذهاب فيه للصلاة","level":3,"page":22},{"title":"المبحث الرابع في الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار","level":3,"page":26},{"title":"المبحث الخامس في كراهة التشبيك بين الأصابع إذا خرج إلى الصلاة","level":3,"page":42},{"title":"المبحث السادس في استحباب كثرة الخطا في الذهاب للصلاة","level":3,"page":61},{"title":"الفرع الأول في اختيار المسجد الأبعد طلبا لكثرة الخطا","level":4,"page":61},{"title":"الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا","level":4,"page":78},{"title":"الباب الثاني في الأحكام المرتبطة بدخول المسجد","level":1,"page":92},{"title":"الفصل الأول في استحباب تقديم اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج","level":2,"page":92},{"title":"الفصل الثاني في استحباب الذكر الوارد لدخول المسجد","level":2,"page":99},{"title":"المبحث الأول في استحباب الاستعاذه","level":3,"page":99},{"title":"المبحث الثاني في استحباب التسمية والدعاء بالمغفرة والصلاة على النبي ﷺ لدخول المسجد","level":3,"page":102},{"title":"المبحث الثالث في صلاة ركعتين قبل الجلوس","level":3,"page":112},{"title":"المبحث الرابع لا تشرع التحية لمن أدخل يده أو رأسه فقط","level":3,"page":115},{"title":"المبحث الخامس في تكرار تحية المسجد بتكرار الدخول","level":3,"page":117},{"title":"المبحث السادس في مشروعية تحية المسجد للمرور بلا مكث","level":3,"page":121},{"title":"المبحث السابع في فوات تحية المسجد بالجلوس","level":3,"page":124},{"title":"المبحث الثامن في حكم تحية المسجد","level":3,"page":129},{"title":"المبحث التاسع في منزلة تحية المسجد من السنن","level":3,"page":148},{"title":"المبحث العاشر تحية المسجد لمن صلى ركعتي الفجر في البيت","level":3,"page":154},{"title":"المبحث الحادي عشر اختصاص التحية بالمسجد","level":3,"page":175},{"title":"المبحث الثاني عشر صلاة تحية المسجد في وقت النهي","level":3,"page":188},{"title":"المبحث الثالث عشر في اشتراط النية لتحية المسجد","level":3,"page":214},{"title":"المبحث الرابع عشر في حصول تحية المسجد في أقل من ركعتين","level":3,"page":217},{"title":"المبحث الخامس عشر في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب","level":3,"page":220},{"title":"المبحث السادس عشر في تحية المسجد إذا أقيمت الصلاة","level":3,"page":231},{"title":"الفرع الأول في ابتداء النافلة بعد إقامة الصلاة","level":4,"page":231},{"title":"الفرع الثاني إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة","level":4,"page":257},{"title":"الباب الثالث في الأحكام التي تسبق تكبيرة الإحرام","level":1,"page":275},{"title":"الفصل الأول في قيام المأموم والإمام ليس في المسجد","level":2,"page":275},{"title":"الفصل الثاني في وقت قيام المأموم للصلاة والإمام في المسجد","level":2,"page":282},{"title":"الفصل الثالث في وقت تكبير الإمام بالصلاة","level":2,"page":289},{"title":"الفصل الرابع في تسوية الصفوف","level":2,"page":295},{"title":"الباب الرابع في أحكام تكبيرة الإحرام","level":1,"page":310},{"title":"توطئه","level":2,"page":310},{"title":"الفصل الأول في حكم تكبيرة الإحرام","level":2,"page":311},{"title":"الفصل الثاني في شروط تكبيرة الإحرام","level":2,"page":324},{"title":"الشرط الأول أن تقع تكبيرة الإحرام مقارنة للنية حقيقة أو حكما","level":3,"page":324},{"title":"الشرط الثاني أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائما فيما يشترط فيه القيام","level":3,"page":327},{"title":"المبحث الأول في انقلاب الصلاة نفلا إذا بطلت فرضا","level":4,"page":338},{"title":"المبحث الثاني إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ولم يكبر للركوع","level":4,"page":342},{"title":"الشرط الثالث أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها","level":3,"page":352},{"title":"مبحث في تنكيس التكبير","level":4,"page":383},{"title":"الشرط الرابع أن يكون التكبير متواليا","level":3,"page":385},{"title":"الشرط الخامس في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب","level":3,"page":388},{"title":"الشرط السادس أن تكون التحريمة بالعربية من القادر عليها","level":3,"page":392},{"title":"الشرط السابع سلامة التكبير من اللحن المغير للمعنى","level":3,"page":397},{"title":"الشرط الثامن في اشتراط القدرة على التكبير","level":3,"page":415},{"title":"الباب الخامس أحكام القيام في الصلاة","level":1,"page":418},{"title":"الفصل الأول حكم القيام","level":2,"page":418},{"title":"الفصل الثاني في منزلة القيام بالصلاة","level":2,"page":421},{"title":"الفصل الثالث في قدر القيام","level":2,"page":426},{"title":"الفصل الرابع في صفة القيام","level":2,"page":430},{"title":"الفصل الخامس في استناد المصلي في القيام","level":2,"page":434},{"title":"الفصل السادس في سقوط القيام عن المصلي","level":2,"page":439},{"title":"المبحث الأول لا يجب القيام في صلاة النافلة","level":3,"page":439},{"title":"المبحث الثاني افتتح النافلة قائما فأراد الجلوس من غير عذر","level":3,"page":443},{"title":"المبحث الثالث يسقط القيام بالعجز","level":3,"page":448},{"title":"المبحث الرابع ضابط العجز المسقط للقيام","level":3,"page":451},{"title":"المبحث الخامس سقوط القيام بالخوف","level":3,"page":457},{"title":"المبحث السادس في سقوط القيام من أجل المحافظة على الطهارة","level":3,"page":460},{"title":"المبحث السابع في المراوحة بين القدمين في الصلاة","level":3,"page":462},{"title":"المبحث الثامن في الصاق إحدى القدمين بالأخرى حال القيام","level":3,"page":470},{"title":"الفصل السابع في موضع النظر أثناء الصلاة","level":2,"page":476},{"title":"المبحث الأول في النظر إلى السماء أثناء الصلاة","level":3,"page":476},{"title":"المبحث الثاني في موضوع نظر المصلي في اثناء الصلاة","level":3,"page":484},{"title":"المبحث الثالث في موضوع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس","level":3,"page":499},{"title":"الفصل الثامن في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام","level":2,"page":510},{"title":"المبحث الأول في مشروعية رفع اليدين","level":3,"page":510},{"title":"المبحث الثاني في صفة رفع اليدين","level":3,"page":517},{"title":"الفرع الأول في صفة رفع الأصابع","level":4,"page":517},{"title":"الفرع الثاني في صفة رفع الكفين","level":4,"page":523},{"title":"الفرع الثالث في منتهى الرفع","level":4,"page":527},{"title":"الفرع الرابع في رفع المرأة يديها في الصلاة","level":4,"page":567},{"title":"الفرع الخامس في ابتداء وقت الرفع وانتهائه","level":4,"page":571},{"title":"الفرع السادس في وضع اليدين بعد الفراغ من تكبيرة الإحرام","level":4,"page":599},{"title":"مسألة في حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى","level":5,"page":599},{"title":"الفرع السابع في مكان وضع اليدين","level":4,"page":613},{"title":"الفرع الثامن في وقت القبض","level":4,"page":629},{"title":"الفرع التاسع في صفة وضع اليدين","level":4,"page":632},{"title":"الفصل التاسع في سكتات الصلاة","level":2,"page":661},{"title":"المبحث الأول في سكوت الإمام لدعاء الاستفتاح","level":3,"page":661},{"title":"الفرع الأول في حكم الاستفتاح","level":4,"page":661},{"title":"الفرع الثاني في قول المصلي (وأنا أول المسلمين) إذا استفتح بحديث علي ﵁","level":4,"page":705},{"title":"الفرع الثالث في استحباب الاستفتاح للمأموم","level":4,"page":714},{"title":"الفرع الرابع في استفتاح المأموم فيما يجهر به الإمام","level":4,"page":717},{"title":"الفرع الخامس في الأفضل من صيغ الاستفتاح","level":4,"page":722},{"title":"الفرع السادس السنة الاستفتاح الإسرار به","level":4,"page":732},{"title":"الفرع السابع في مشروعية سجود السهو لترك الاستفتاح","level":4,"page":735},{"title":"الفرع الثامن في فوات الاستفتاح","level":4,"page":740},{"title":"المطلب الأول في فوات الاستفتاح إذا شرع بالتعوذ","level":5,"page":740},{"title":"المطلب الثاني في استفتاح المسبوق إذا أدرك الإمام قائما في غير الركعة الأولى","level":5,"page":742},{"title":"المبحث الثاني في استحباب سكتة لطيفة بين الفاتحة والتأمين","level":3,"page":744},{"title":"المبحث الثالث في سكوت الإمام بعد الفراغ من التأمين","level":3,"page":746},{"title":"المبحث الرابع في حكم السكتة بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع","level":3,"page":764},{"title":"الباب السادس القراءة في الصلاة","level":1,"page":771},{"title":"الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها","level":2,"page":771},{"title":"المبحث الأول في حكم الاستعاذة","level":3,"page":771},{"title":"المبحث الثاني في صفة الاستعاذه","level":3,"page":788},{"title":"المبحث الثالث في محل الاستعاذه","level":3,"page":796},{"title":"المبحث الرابع في الجهر بالاستعاذة","level":3,"page":802},{"title":"المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة","level":3,"page":806},{"title":"المبحث السادس في مشروعية البسملة في الصلاة","level":3,"page":815},{"title":"الفرع الأول في قرآنية البسملة","level":4,"page":815},{"title":"الفرع الثاني في قراءة البسملة في الصلاة","level":4,"page":832},{"title":"الفرع الثالث في الجهر بالبسملة","level":4,"page":847},{"title":"المبحث السابع في قراءة الفاتحة في الصلاة","level":3,"page":884},{"title":"الفرع الأول في حكم قراءتها","level":4,"page":884},{"title":"الفرع الثاني","level":4,"page":903},{"title":"الفرع الثالث","level":4,"page":907},{"title":"الفرع الرابع في تكرار الفاتحة في كل ركعة","level":4,"page":921},{"title":"الفرع الخامس في قراءة المأموم فاتحة الكتاب","level":4,"page":924},{"title":"الفرع السادس في شروط قراءة الفاتحة","level":4,"page":1040},{"title":"المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة بتشديداتها","level":5,"page":1040},{"title":"المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة","level":5,"page":1048},{"title":"المسألة الثالثة في تنكيس القراءة","level":5,"page":1059},{"title":"الفرع السابع في العجز عن قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن","level":4,"page":1108},{"title":"المسألة الأولى إذا لم يحسن القراءة من القرآن مطلقا","level":5,"page":1108},{"title":"مطلب في تعين بدل القرآن بجمل معينة","level":6,"page":1116},{"title":"المسألة الثانية في المصلي إذا لم يعرف إلا بعض الفاتحة فقط","level":5,"page":1121},{"title":"المسألة الثالثة في المصلي إذا كان معه بعض الفاتحة وغيرها من القرآن","level":5,"page":1129},{"title":"المسألة الرابعة في المصلي يعجز عن الفاتحة ويعرف غيرها من القرآن","level":5,"page":1134},{"title":"المسألة الخامسة في مقدار ما يجزئ عن الفاتحة من القرءان","level":5,"page":1138},{"title":"المسألة السادسة في اشتراط أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى","level":5,"page":1142},{"title":"المسألة السابعة إذا عجز عن القرآن والذكر","level":5,"page":1147},{"title":"الفرع الثامن في التأمين على دعاء الفاتحة","level":4,"page":1154},{"title":"المسألة الأولى في معنى التأمين","level":5,"page":1154},{"title":"المسألة الثانية في فضل التأمين","level":5,"page":1157},{"title":"المسألة الثالثة في حكم التأمين","level":5,"page":1164},{"title":"المطلب الأول في حكم التأمين خارج الصلاة","level":6,"page":1164},{"title":"المطلب الثاني في التأمين داخل الصلاة","level":6,"page":1167},{"title":"البند الأول في تأمين المنفرد والإمام","level":7,"page":1167},{"title":"البند الثاني في تأمين المأموم","level":7,"page":1190},{"title":"المقصد الأول في تأمين المأموم في السرية","level":8,"page":1190},{"title":"المقصد الثاني في تأمين المأموم في الجهرية","level":8,"page":1193},{"title":"الغصن الأول في تأمين المأموم على قراءة نفسه وعلى قراءة إمامه","level":9,"page":1193},{"title":"الغصن الثاني في تأمين المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه","level":9,"page":1196},{"title":"الغصن الثالث في تأمين المأموم إذا ترك إمامه التأمين","level":9,"page":1198},{"title":"المسألة الرابعة في صفة التأمين","level":5,"page":1202},{"title":"المطلب الأول في صفة تأمين الإمام","level":6,"page":1202},{"title":"المطلب الثاني في صفة تأمين المأموم","level":6,"page":1214},{"title":"المطلب الثالث في صفة تأمين المنفرد","level":6,"page":1220},{"title":"المسألة الخامسة في موافقة المأموم للإمام في التأمين","level":5,"page":1223},{"title":"المسألة السادسة في فوات التأمين","level":5,"page":1231},{"title":"المسألة السابعة في حكم الزيادة على التأمين","level":5,"page":1233},{"title":"الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بقراءة ما زاد على الفاتحة","level":2,"page":1237},{"title":"المبحث الأول في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة للإمام والمنفرد","level":3,"page":1237},{"title":"الشرط الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة،","level":4,"page":1254},{"title":"المبحث الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة","level":3,"page":1257},{"title":"الفرع الأول في قراءته ما زاد على الجهرية","level":4,"page":1257},{"title":"الفرع الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في السرية","level":4,"page":1263},{"title":"المبحث الثالث في قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة","level":3,"page":1269},{"title":"المبحث الرابع في أقل ما تحصل به السنة من القراءة بعد الفاتحة","level":3,"page":1289},{"title":"المبحث الخامس في قراءة السورة قبل الفاتحة","level":3,"page":1296},{"title":"المبحث السادس","level":3,"page":1300},{"title":"فرع في مقدار التفاوت بين الركعة الأولى والثانية في القراءة","level":4,"page":1308},{"title":"المبحث السابع في إطالة الركعة الثانية على الأولى","level":3,"page":1311},{"title":"المبحث الثامن في القراءة من أواسط السور وأواخرها","level":3,"page":1319},{"title":"المبحث التاسع في قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة","level":3,"page":1332},{"title":"المبحث العاشر في تكرار السورة الواحدة في ركعتين","level":3,"page":1347},{"title":"الفصل الثالث في مقدار القراءة في الصلوات الخمس","level":2,"page":1356},{"title":"المبحث الأول في تقسيم سور القرآن إلى طوال ومئين ومثان ومفصل","level":3,"page":1356},{"title":"المبحث الثاني في تحديد بداية المفصل","level":3,"page":1364},{"title":"المبحث الثالث في تحديد طوال المفصل وأوسطه وقصاره","level":3,"page":1371},{"title":"المبحث الرابع في مقدار القراءة المستحبة في صلاة الصبح","level":3,"page":1374},{"title":"فرع في استحباب قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة","level":4,"page":1423},{"title":"المبحث الخامس في مقدار القراءة في صلاة الظهر","level":3,"page":1436},{"title":"المبحث السادس في مقدار القراءة في صلاة العصر","level":3,"page":1447},{"title":"المبحث السابع في مقدار القراءة في صلاة المغرب","level":3,"page":1453},{"title":"المبحث الثامن قدر القراءة من بالمغرب من السور الطوال","level":3,"page":1461},{"title":"المبحث التاسع قدر القراءة في صلاة العشاء","level":3,"page":1474},{"title":"الفصل الرابع في الأحكام العامة المتعلقة بالقراءة","level":2,"page":1482},{"title":"المبحث الأول الجهر والإسرار في الصلاة","level":3,"page":1482},{"title":"الفرع الأول الجهر والإسرار بالصلاة المؤداة","level":4,"page":1482},{"title":"الفرع الثاني في الإسرار في الصلاة الفائتة","level":4,"page":1496},{"title":"الفرع الثالث حكم الجهر والإسرار في موضعه","level":4,"page":1502},{"title":"المسألة الأولى حكم الجهر والإسرار بالقراءة للإمام","level":5,"page":1502},{"title":"المسألة الثانية حكم الجهر والإسرار بالقراءة للمنفرد","level":5,"page":1516},{"title":"المسألة الثالثة حكم الجهر بالقراءة للمأموم","level":5,"page":1521},{"title":"المسألة الرابعة حكم جهر المرأة بالقراءة","level":5,"page":1523},{"title":"الفرع الرابع في أقل الجهر وأعلاه","level":4,"page":1530},{"title":"المسألة الأولى في أقل الجهر","level":5,"page":1530},{"title":"المسألة الثانية في أعلى الجهر","level":5,"page":1532},{"title":"الفرع الخامس في جهر بعض المصلين على بعض","level":4,"page":1534},{"title":"الفرع السادس الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية","level":4,"page":1537},{"title":"المبحث الثاني في السؤال عند آية الوعد والتعوذ عند آية الوعيد","level":3,"page":1552},{"title":"المبحث الثالث في حكم قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة","level":3,"page":1556},{"title":"المبحث الرابع في القراءة الشاذة","level":3,"page":1577},{"title":"الفرع الأول في تعريف القراءة الشاذة","level":4,"page":1577},{"title":"الفرع الثاني الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف","level":4,"page":1596},{"title":"الفرع الثالث في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام","level":4,"page":1616},{"title":"الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة","level":4,"page":1625},{"title":"المبحث الخامس في القراءة من المصحف","level":3,"page":1629},{"title":"الفرع الأول القراءة من المصحف خارج الصلاة","level":4,"page":1629},{"title":"الفرع الثاني في القراءة من المصحف بالصلاة","level":4,"page":1639},{"title":"الباب السابع في أحكام الركوع","level":1,"page":1654},{"title":"الفصل الأول في حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع","level":2,"page":1654},{"title":"الفصل الثاني في حكم الركوع","level":2,"page":1673},{"title":"الفصل الثالث في رفع اليدين مع تكبيرات الانتقال يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين","level":2,"page":1676},{"title":"المبحث الأول يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين","level":3,"page":1676},{"title":"المبحث الثاني في وقت ابتداء التكبير","level":3,"page":1718},{"title":"المبحث الثالث في مد تكبيرات الانتقال لتستوعب جميع المحل","level":3,"page":1725},{"title":"الفصل الرابع في صفة الركوع","level":2,"page":1729},{"title":"المبحث الأول في الصفة المجزئة","level":3,"page":1729},{"title":"المبحث الثاني في صفة الركوع الكامل","level":3,"page":1733},{"title":"الفرع الأول في وضع اليدين على الركبتين","level":4,"page":1733},{"title":"الفرع الثاني إذا نوى بالانحناء غير الركوع","level":4,"page":1752},{"title":"المبحث الثالث في مد الظهر ومجافاة المرفقين عن الجنبين","level":3,"page":1754},{"title":"المبحث الرابع وجوب الطمأنينة في الصلاة","level":3,"page":1766},{"title":"الفصل الخامس في أذكار الركوع والسجود","level":2,"page":1796},{"title":"المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود","level":3,"page":1796},{"title":"المبحث الثاني صيغة التسبيح في الركوع والسجود","level":3,"page":1823},{"title":"المبحث الثالث في زيادة (وبحمده) مع التسبيح","level":3,"page":1833},{"title":"المبحث الرابع أقل ما تحصل به سنة التسبيح","level":3,"page":1846},{"title":"المبحث الخامس أعلى الكمال في تسبيح الركوع والسجود","level":3,"page":1851},{"title":"المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح","level":3,"page":1860},{"title":"المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود","level":3,"page":1864},{"title":"المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود","level":3,"page":1886},{"title":"الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع","level":1,"page":1896},{"title":"الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود","level":2,"page":1896},{"title":"الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد","level":2,"page":1909},{"title":"المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد","level":3,"page":1909},{"title":"المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام","level":3,"page":1912},{"title":"المبحث الثالث حكم التحميد للإمام","level":3,"page":1923},{"title":"المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم","level":3,"page":1936},{"title":"المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد","level":3,"page":1945},{"title":"الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع","level":2,"page":1950},{"title":"المبحث الأول في مشروعية الرفع","level":3,"page":1950},{"title":"المبحث الثاني في صفة رفع اليدين","level":3,"page":1952},{"title":"المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين","level":3,"page":1965},{"title":"الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة","level":1,"page":1967},{"title":"الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود","level":2,"page":1967},{"title":"الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد","level":2,"page":1978},{"title":"الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع","level":2,"page":1994},{"title":"الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه","level":2,"page":2008},{"title":"الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع","level":2,"page":2026},{"title":"الباب العشر في أحكام السجود","level":1,"page":2033},{"title":"تمهيد","level":2,"page":2033},{"title":"المبحث الأول في تعريف السجود","level":3,"page":2033},{"title":"المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة","level":3,"page":2035},{"title":"الفرع الأول في فضل السجود","level":4,"page":2035},{"title":"الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام","level":4,"page":2038},{"title":"الفصل الأول في حكم السجود","level":2,"page":2051},{"title":"الفصل الثاني في صفة السجود","level":2,"page":2055},{"title":"المبحث الأول في صفة التجزئة","level":3,"page":2055},{"title":"الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود","level":4,"page":2057},{"title":"الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها","level":4,"page":2061},{"title":"المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة","level":5,"page":2061},{"title":"المسألة الثانية حكم السجود على الأنف","level":5,"page":2068},{"title":"المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين","level":5,"page":2088},{"title":"المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود","level":5,"page":2098},{"title":"المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة","level":3,"page":2103},{"title":"الفرع الأول في السنن القولية","level":4,"page":2103},{"title":"المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود","level":5,"page":2103},{"title":"المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود","level":5,"page":2105},{"title":"المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود","level":5,"page":2107},{"title":"مطلب في بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة","level":6,"page":2111},{"title":"الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية","level":4,"page":2114},{"title":"المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود","level":5,"page":2114},{"title":"المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه","level":5,"page":2137},{"title":"المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود","level":5,"page":2140},{"title":"المسألة الرابعة في استحباب ضم أصابع يديه في السجود وتوجهها إلى القبلة","level":5,"page":2150},{"title":"المسألة الخامسة في الهيئة المستحبة في سجود القدمين","level":5,"page":2157},{"title":"المسألة السادسة في استحباب المجافاة في السجود","level":5,"page":2163},{"title":"المطلب الأول في استحباب مجافاة العضدين عن الجنبين","level":6,"page":2163},{"title":"المطلب الثاني في استحباب مجافاة الفخذين عن البطن","level":6,"page":2170},{"title":"المطلب الثالث في مجافاة المرأة","level":6,"page":2180},{"title":"المطلب الرابع في المجافاة بين الفخذين وكذا الركبتين","level":6,"page":2186},{"title":"المطلب الخامس في المجافاة بين القدمين","level":6,"page":2189},{"title":"الفصل الثالث في تعذر السجود على أحد الأعضاء السبعة","level":2,"page":2194},{"title":"المبحث الأول إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي","level":3,"page":2194},{"title":"المبحث الثاني إذا تعذر السجود بالجبهة وقدر على الباقي","level":3,"page":2196},{"title":"المبحث الثالث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي","level":3,"page":2200},{"title":"الفصل الرابع في السجود على الحائل","level":2,"page":2204},{"title":"المبحث الأول في السجود على حائل منفصل عن المصلى","level":3,"page":2204},{"title":"المبحث الثاني في السجود على حائل متصل بالمصلي","level":3,"page":2212},{"title":"الفرع الأول في السجود على عضو من أعضاء المصلي","level":4,"page":2212},{"title":"الفرع الثاني في السجود على حائل متصل ليس من أعضاء المصلي","level":4,"page":2214},{"title":"المسألة الأولى في مباشرة الأرض بالقدمين والركبتين في السجود","level":5,"page":2214},{"title":"المسألة الثانية في مباشرة الأرض باليدين حال السجود","level":5,"page":2216},{"title":"المسألة الثالثة في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود","level":5,"page":2224},{"title":"الباب الحادي عشر في الرفع من السجود","level":1,"page":2234},{"title":"الفصل الأول في مشروعية التكبير للرفع من السجود","level":2,"page":2234},{"title":"الفصل الثاني في وقت ابتداء التكبير للرفع من السجود","level":2,"page":2236},{"title":"الفصل الثالث في رفع اليدين مع الرفع من السجود","level":2,"page":2238},{"title":"الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود","level":2,"page":2241},{"title":"الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود","level":1,"page":2244},{"title":"الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين","level":2,"page":2244},{"title":"الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة","level":2,"page":2248},{"title":"الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة","level":2,"page":2257},{"title":"الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته","level":2,"page":2267},{"title":"الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين","level":2,"page":2280},{"title":"الفصل السادس في وجوب السجده الثانية في الصلاة","level":2,"page":2285},{"title":"الباب الثالث عشر في النهوض للركعة الثانية","level":1,"page":2287},{"title":"الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام","level":2,"page":2287},{"title":"الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية","level":2,"page":2300},{"title":"الباب الرابع عشر في الفروق بين الركعة الأولى وسائر الركعات","level":1,"page":2315},{"title":"الفصل الأول في تكبيرة الإحرام","level":2,"page":2315},{"title":"الفصل الثاني لا يشرع الاستفتاح في الركعة الثانية","level":2,"page":2318},{"title":"الفصل الثالث لا يستعيذ في الركعة الثانية إذا استعاذ في الركعة الأولى","level":2,"page":2321},{"title":"الفصل الرابع لا يجدد النية للركعة الثانية","level":2,"page":2323},{"title":"الفصل الخامس في أطالة الركعة الأولى على سائر الركعات","level":2,"page":2325},{"title":"الباب الخامس عشر في الأحكام الخاصة بالتشهد","level":1,"page":2327},{"title":"الفصل الأول في حكم التشهد الأول والجلوس له","level":2,"page":2327},{"title":"الفصل الثاني حكم التشهد الأخير","level":2,"page":2342},{"title":"الفصل الثالث في ألفاظ التشهد","level":2,"page":2361},{"title":"الفصل الرابع في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد","level":2,"page":2367},{"title":"المبحث الأول في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول","level":3,"page":2367},{"title":"المبحث الثاني في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الثاني","level":3,"page":2385},{"title":"الفصل الخامس في صفة الكفين في التشهد","level":2,"page":2406},{"title":"الفصل السادس في تحريك السبابة بالتشهد","level":2,"page":2415},{"title":"الفصل السابع الدعاء في التشهد","level":2,"page":2423},{"title":"المبحث الأول في التعوذ بالله من أربع","level":3,"page":2423},{"title":"المبحث الثاني في صفة الدعاء في الصلاة","level":3,"page":2441},{"title":"الباب السادس عشر التسليم في الصلاة","level":1,"page":2446},{"title":"الفصل الأول حكم التسليم","level":2,"page":2446},{"title":"الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم","level":2,"page":2469}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644,"1,647":645,"1,648":646,"1,649":647,"1,650":648,"1,651":649,"1,652":650,"1,653":651,"1,654":652,"1,655":653,"1,656":654,"1,657":655,"1,658":656,"1,659":657,"1,660":658,"1,661":659,"1,662":660,"2,5":661,"2,6":662,"2,7":663,"2,8":664,"2,9":665,"2,10":666,"2,11":667,"2,12":668,"2,13":669,"2,14":670,"2,15":671,"2,16":672,"2,17":673,"2,18":674,"2,19":675,"2,20":676,"2,21":677,"2,22":678,"2,23":679,"2,24":680,"2,25":681,"2,26":682,"2,27":683,"2,28":684,"2,29":685,"2,30":686,"2,31":687,"2,32":688,"2,33":689,"2,34":690,"2,35":691,"2,36":692,"2,37":693,"2,38":694,"2,39":695,"2,40":696,"2,41":697,"2,42":698,"2,43":699,"2,44":700,"2,45":701,"2,46":702,"2,47":703,"2,48":704,"2,49":705,"2,50":706,"2,51":707,"2,52":708,"2,53":709,"2,54":710,"2,55":711,"2,56":712,"2,57":713,"2,58":714,"2,59":715,"2,60":716,"2,61":717,"2,62":718,"2,63":719,"2,64":720,"2,65":721,"2,66":722,"2,67":723,"2,68":724,"2,69":725,"2,70":726,"2,71":727,"2,72":728,"2,73":729,"2,74":730,"2,75":731,"2,76":732,"2,77":733,"2,78":734,"2,79":735,"2,80":736,"2,81":737,"2,82":738,"2,83":739,"2,84":740,"2,85":741,"2,86":742,"2,87":743,"2,88":744,"2,89":745,"2,90":746,"2,91":747,"2,92":748,"2,93":749,"2,94":750,"2,95":751,"2,96":752,"2,97":753,"2,98":754,"2,99":755,"2,100":756,"2,101":757,"2,102":758,"2,103":759,"2,104":760,"2,105":761,"2,106":762,"2,107":763,"2,108":764,"2,109":765,"2,110":766,"2,111":767,"2,112":768,"2,113":769,"2,114":770,"2,115":771,"2,116":772,"2,117":773,"2,118":774,"2,119":775,"2,120":776,"2,121":777,"2,122":778,"2,123":779,"2,124":780,"2,125":781,"2,126":782,"2,127":783,"2,128":784,"2,129":785,"2,130":786,"2,131":787,"2,132":788,"2,133":789,"2,134":790,"2,135":791,"2,136":792,"2,137":793,"2,138":794,"2,139":795,"2,140":796,"2,141":797,"2,142":798,"2,143":799,"2,144":800,"2,145":801,"2,146":802,"2,147":803,"2,148":804,"2,149":805,"2,150":806,"2,151":807,"2,152":808,"2,153":809,"2,154":810,"2,155":811,"2,156":812,"2,157":813,"2,158":814,"2,159":815,"2,160":816,"2,161":817,"2,162":818,"2,163":819,"2,164":820,"2,165":821,"2,166":822,"2,167":823,"2,168":824,"2,169":825,"2,170":826,"2,171":827,"2,172":828,"2,173":829,"2,174":830,"2,175":831,"2,176":832,"2,177":833,"2,178":834,"2,179":835,"2,180":836,"2,181":837,"2,182":838,"2,183":839,"2,184":840,"2,185":841,"2,186":842,"2,187":843,"2,188":844,"2,189":845,"2,190":846,"2,191":847,"2,192":848,"2,193":849,"2,194":850,"2,195":851,"2,196":852,"2,197":853,"2,198":854,"2,199":855,"2,200":856,"2,201":857,"2,202":858,"2,203":859,"2,204":860,"2,205":861,"2,206":862,"2,207":863,"2,208":864,"2,209":865,"2,210":866,"2,211":867,"2,212":868,"2,213":869,"2,214":870,"2,215":871,"2,216":872,"2,217":873,"2,218":874,"2,219":875,"2,220":876,"2,221":877,"2,222":878,"2,223":879,"2,224":880,"2,225":881,"2,226":882,"2,227":883,"2,228":884,"2,229":885,"2,230":886,"2,231":887,"2,232":888,"2,233":889,"2,234":890,"2,235":891,"2,236":892,"2,237":893,"2,238":894,"2,239":895,"2,240":896,"2,241":897,"2,242":898,"2,243":899,"2,244":900,"2,245":901,"2,246":902,"2,247":903,"2,248":904,"2,249":905,"2,250":906,"2,251":907,"2,252":908,"2,253":909,"2,254":910,"2,255":911,"2,256":912,"2,257":913,"2,258":914,"2,259":915,"2,260":916,"2,261":917,"2,262":918,"2,263":919,"2,264":920,"2,265":921,"2,266":922,"2,267":923,"2,268":924,"2,269":925,"2,270":926,"2,271":927,"2,272":928,"2,273":929,"2,274":930,"2,275":931,"2,276":932,"2,277":933,"2,278":934,"2,279":935,"2,280":936,"2,281":937,"2,282":938,"2,283":939,"2,284":940,"2,285":941,"2,286":942,"2,287":943,"2,288":944,"2,289":945,"2,290":946,"2,291":947,"2,292":948,"2,293":949,"2,294":950,"2,295":951,"2,296":952,"2,297":953,"2,298":954,"2,299":955,"2,300":956,"2,301":957,"2,302":958,"2,303":959,"2,304":960,"2,305":961,"2,306":962,"2,307":963,"2,308":964,"2,309":965,"2,310":966,"2,311":967,"2,312":968,"2,313":969,"2,314":970,"2,315":971,"2,316":972,"2,317":973,"2,318":974,"2,319":975,"2,320":976,"2,321":977,"2,322":978,"2,323":979,"2,324":980,"2,325":981,"2,326":982,"2,327":983,"2,328":984,"2,329":985,"2,330":986,"2,331":987,"2,332":988,"2,333":989,"2,334":990,"2,335":991,"2,336":992,"2,337":993,"2,338":994,"2,339":995,"2,340":996,"2,341":997,"2,342":998,"2,343":999,"2,344":1000,"2,345":1001,"2,346":1002,"2,347":1003,"2,348":1004,"2,349":1005,"2,350":1006,"2,351":1007,"2,352":1008,"2,353":1009,"2,354":1010,"2,355":1011,"2,356":1012,"2,357":1013,"2,358":1014,"2,359":1015,"2,360":1016,"2,361":1017,"2,362":1018,"2,363":1019,"2,364":1020,"2,365":1021,"2,366":1022,"2,367":1023,"2,368":1024,"2,369":1025,"2,370":1026,"2,371":1027,"2,372":1028,"2,373":1029,"2,374":1030,"2,375":1031,"2,376":1032,"2,377":1033,"2,378":1034,"2,379":1035,"2,380":1036,"2,381":1037,"2,382":1038,"2,383":1039,"2,384":1040,"2,385":1041,"2,386":1042,"2,387":1043,"2,388":1044,"2,389":1045,"2,390":1046,"2,391":1047,"2,392":1048,"2,393":1049,"2,394":1050,"2,395":1051,"2,396":1052,"2,397":1053,"2,398":1054,"2,399":1055,"2,400":1056,"2,401":1057,"2,402":1058,"2,403":1059,"2,404":1060,"2,405":1061,"2,406":1062,"2,407":1063,"2,408":1064,"2,409":1065,"2,410":1066,"2,411":1067,"2,412":1068,"2,413":1069,"2,414":1070,"2,415":1071,"2,416":1072,"2,417":1073,"2,418":1074,"2,419":1075,"2,420":1076,"2,421":1077,"2,422":1078,"2,423":1079,"2,424":1080,"2,425":1081,"2,426":1082,"2,427":1083,"2,428":1084,"2,429":1085,"2,430":1086,"2,431":1087,"2,432":1088,"2,433":1089,"2,434":1090,"2,435":1091,"2,436":1092,"2,437":1093,"2,438":1094,"2,439":1095,"2,440":1096,"2,441":1097,"2,442":1098,"2,443":1099,"2,444":1100,"2,445":1101,"2,446":1102,"2,447":1103,"2,448":1104,"2,449":1105,"2,450":1106,"2,451":1107,"2,452":1108,"2,453":1109,"2,454":1110,"2,455":1111,"2,456":1112,"2,457":1113,"2,458":1114,"2,459":1115,"2,460":1116,"2,461":1117,"2,462":1118,"2,463":1119,"2,464":1120,"2,465":1121,"2,466":1122,"2,467":1123,"2,468":1124,"2,469":1125,"2,470":1126,"2,471":1127,"2,472":1128,"2,473":1129,"2,474":1130,"2,475":1131,"2,476":1132,"2,477":1133,"2,478":1134,"2,479":1135,"2,480":1136,"2,481":1137,"2,482":1138,"2,483":1139,"2,484":1140,"2,485":1141,"2,486":1142,"2,487":1143,"2,488":1144,"2,489":1145,"2,490":1146,"2,491":1147,"2,492":1148,"2,493":1149,"2,494":1150,"2,495":1151,"2,496":1152,"2,497":1153,"2,498":1154,"2,499":1155,"2,500":1156,"2,501":1157,"2,502":1158,"2,503":1159,"2,504":1160,"2,505":1161,"2,506":1162,"2,507":1163,"2,508":1164,"2,509":1165,"2,510":1166,"2,511":1167,"2,512":1168,"2,513":1169,"2,514":1170,"2,515":1171,"2,516":1172,"2,517":1173,"2,518":1174,"2,519":1175,"2,520":1176,"2,521":1177,"2,522":1178,"2,523":1179,"2,524":1180,"2,525":1181,"2,526":1182,"2,527":1183,"2,528":1184,"2,529":1185,"2,530":1186,"2,531":1187,"2,532":1188,"2,533":1189,"2,534":1190,"2,535":1191,"2,536":1192,"2,537":1193,"2,538":1194,"2,539":1195,"2,540":1196,"2,541":1197,"2,542":1198,"2,543":1199,"2,544":1200,"2,545":1201,"2,546":1202,"2,547":1203,"2,548":1204,"2,549":1205,"2,550":1206,"2,551":1207,"2,552":1208,"2,553":1209,"2,554":1210,"2,555":1211,"2,556":1212,"2,557":1213,"2,558":1214,"2,559":1215,"2,560":1216,"2,561":1217,"2,562":1218,"2,563":1219,"2,564":1220,"2,565":1221,"2,566":1222,"2,567":1223,"2,568":1224,"2,569":1225,"2,570":1226,"2,571":1227,"2,572":1228,"2,573":1229,"2,574":1230,"2,575":1231,"2,576":1232,"2,577":1233,"2,578":1234,"2,579":1235,"2,580":1236,"2,581":1237,"2,582":1238,"2,583":1239,"2,584":1240,"2,585":1241,"2,586":1242,"2,587":1243,"2,588":1244,"2,589":1245,"2,590":1246,"2,591":1247,"2,592":1248,"2,593":1249,"2,594":1250,"2,595":1251,"2,596":1252,"2,597":1253,"2,598":1254,"2,599":1255,"2,600":1256,"3,5":1257,"3,6":1258,"3,7":1259,"3,8":1260,"3,9":1261,"3,10":1262,"3,11":1263,"3,12":1264,"3,13":1265,"3,14":1266,"3,15":1267,"3,16":1268,"3,17":1269,"3,18":1270,"3,19":1271,"3,20":1272,"3,21":1273,"3,22":1274,"3,23":1275,"3,24":1276,"3,25":1277,"3,26":1278,"3,27":1279,"3,28":1280,"3,29":1281,"3,30":1282,"3,31":1283,"3,32":1284,"3,33":1285,"3,34":1286,"3,35":1287,"3,36":1288,"3,37":1289,"3,38":1290,"3,39":1291,"3,40":1292,"3,41":1293,"3,42":1294,"3,43":1295,"3,44":1296,"3,45":1297,"3,46":1298,"3,47":1299,"3,48":1300,"3,49":1301,"3,50":1302,"3,51":1303,"3,52":1304,"3,53":1305,"3,54":1306,"3,55":1307,"3,56":1308,"3,57":1309,"3,58":1310,"3,59":1311,"3,60":1312,"3,61":1313,"3,62":1314,"3,63":1315,"3,64":1316,"3,65":1317,"3,66":1318,"3,67":1319,"3,68":1320,"3,69":1321,"3,70":1322,"3,71":1323,"3,72":1324,"3,73":1325,"3,74":1326,"3,75":1327,"3,76":1328,"3,77":1329,"3,78":1330,"3,79":1331,"3,80":1332,"3,81":1333,"3,82":1334,"3,83":1335,"3,84":1336,"3,85":1337,"3,86":1338,"3,87":1339,"3,88":1340,"3,89":1341,"3,90":1342,"3,91":1343,"3,92":1344,"3,93":1345,"3,94":1346,"3,95":1347,"3,96":1348,"3,97":1349,"3,98":1350,"3,99":1351,"3,100":1352,"3,101":1353,"3,102":1354,"3,103":1355,"3,104":1356,"3,105":1357,"3,106":1358,"3,107":1359,"3,108":1360,"3,109":1361,"3,110":1362,"3,111":1363,"3,112":1364,"3,113":1365,"3,114":1366,"3,115":1367,"3,116":1368,"3,117":1369,"3,118":1370,"3,119":1371,"3,120":1372,"3,121":1373,"3,122":1374,"3,123":1375,"3,124":1376,"3,125":1377,"3,126":1378,"3,127":1379,"3,128":1380,"3,129":1381,"3,130":1382,"3,131":1383,"3,132":1384,"3,133":1385,"3,134":1386,"3,135":1387,"3,136":1388,"3,137":1389,"3,138":1390,"3,139":1391,"3,140":1392,"3,141":1393,"3,142":1394,"3,143":1395,"3,144":1396,"3,145":1397,"3,146":1398,"3,147":1399,"3,148":1400,"3,149":1401,"3,150":1402,"3,151":1403,"3,152":1404,"3,153":1405,"3,154":1406,"3,155":1407,"3,156":1408,"3,157":1409,"3,158":1410,"3,159":1411,"3,160":1412,"3,161":1413,"3,162":1414,"3,163":1415,"3,164":1416,"3,165":1417,"3,166":1418,"3,167":1419,"3,168":1420,"3,169":1421,"3,170":1422,"3,171":1423,"3,172":1424,"3,173":1425,"3,174":1426,"3,175":1427,"3,176":1428,"3,177":1429,"3,178":1430,"3,179":1431,"3,180":1432,"3,181":1433,"3,182":1434,"3,183":1435,"3,184":1436,"3,185":1437,"3,186":1438,"3,187":1439,"3,188":1440,"3,189":1441,"3,190":1442,"3,191":1443,"3,192":1444,"3,193":1445,"3,194":1446,"3,195":1447,"3,196":1448,"3,197":1449,"3,198":1450,"3,199":1451,"3,200":1452,"3,201":1453,"3,202":1454,"3,203":1455,"3,204":1456,"3,205":1457,"3,206":1458,"3,207":1459,"3,208":1460,"3,209":1461,"3,210":1462,"3,211":1463,"3,212":1464,"3,213":1465,"3,214":1466,"3,215":1467,"3,216":1468,"3,217":1469,"3,218":1470,"3,219":1471,"3,220":1472,"3,221":1473,"3,222":1474,"3,223":1475,"3,224":1476,"3,225":1477,"3,226":1478,"3,227":1479,"3,228":1480,"3,229":1481,"3,230":1482,"3,231":1483,"3,232":1484,"3,233":1485,"3,234":1486,"3,235":1487,"3,236":1488,"3,237":1489,"3,238":1490,"3,239":1491,"3,240":1492,"3,241":1493,"3,242":1494,"3,243":1495,"3,244":1496,"3,245":1497,"3,246":1498,"3,247":1499,"3,248":1500,"3,249":1501,"3,250":1502,"3,251":1503,"3,252":1504,"3,253":1505,"3,254":1506,"3,255":1507,"3,256":1508,"3,257":1509,"3,258":1510,"3,259":1511,"3,260":1512,"3,261":1513,"3,262":1514,"3,263":1515,"3,264":1516,"3,265":1517,"3,266":1518,"3,267":1519,"3,268":1520,"3,269":1521,"3,270":1522,"3,271":1523,"3,272":1524,"3,273":1525,"3,274":1526,"3,275":1527,"3,276":1528,"3,277":1529,"3,278":1530,"3,279":1531,"3,280":1532,"3,281":1533,"3,282":1534,"3,283":1535,"3,284":1536,"3,285":1537,"3,286":1538,"3,287":1539,"3,288":1540,"3,289":1541,"3,290":1542,"3,291":1543,"3,292":1544,"3,293":1545,"3,294":1546,"3,295":1547,"3,296":1548,"3,297":1549,"3,298":1550,"3,299":1551,"3,300":1552,"3,301":1553,"3,302":1554,"3,303":1555,"3,304":1556,"3,305":1557,"3,306":1558,"3,307":1559,"3,308":1560,"3,309":1561,"3,310":1562,"3,311":1563,"3,312":1564,"3,313":1565,"3,314":1566,"3,315":1567,"3,316":1568,"3,317":1569,"3,318":1570,"3,319":1571,"3,320":1572,"3,321":1573,"3,322":1574,"3,323":1575,"3,324":1576,"3,325":1577,"3,326":1578,"3,327":1579,"3,328":1580,"3,329":1581,"3,330":1582,"3,331":1583,"3,332":1584,"3,333":1585,"3,334":1586,"3,335":1587,"3,336":1588,"3,337":1589,"3,338":1590,"3,339":1591,"3,340":1592,"3,341":1593,"3,342":1594,"3,343":1595,"3,344":1596,"3,345":1597,"3,346":1598,"3,347":1599,"3,348":1600,"3,349":1601,"3,350":1602,"3,351":1603,"3,352":1604,"3,353":1605,"3,354":1606,"3,355":1607,"3,356":1608,"3,357":1609,"3,358":1610,"3,359":1611,"3,360":1612,"3,361":1613,"3,362":1614,"3,363":1615,"3,364":1616,"3,365":1617,"3,366":1618,"3,367":1619,"3,368":1620,"3,369":1621,"3,370":1622,"3,371":1623,"3,372":1624,"3,373":1625,"3,374":1626,"3,375":1627,"3,376":1628,"3,377":1629,"3,378":1630,"3,379":1631,"3,380":1632,"3,381":1633,"3,382":1634,"3,383":1635,"3,384":1636,"3,385":1637,"3,386":1638,"3,387":1639,"3,388":1640,"3,389":1641,"3,390":1642,"3,391":1643,"3,392":1644,"3,393":1645,"3,394":1646,"3,395":1647,"3,396":1648,"3,397":1649,"3,398":1650,"3,399":1651,"3,400":1652,"3,401":1653,"3,402":1654,"3,403":1655,"3,404":1656,"3,405":1657,"3,406":1658,"3,407":1659,"3,408":1660,"3,409":1661,"3,410":1662,"3,411":1663,"3,412":1664,"3,413":1665,"3,414":1666,"3,415":1667,"3,416":1668,"3,417":1669,"3,418":1670,"3,419":1671,"3,420":1672,"3,421":1673,"3,422":1674,"3,423":1675,"3,424":1676,"3,425":1677,"3,426":1678,"3,427":1679,"3,428":1680,"3,429":1681,"3,430":1682,"3,431":1683,"3,432":1684,"3,433":1685,"3,434":1686,"3,435":1687,"3,436":1688,"3,437":1689,"3,438":1690,"3,439":1691,"3,440":1692,"3,441":1693,"3,442":1694,"3,443":1695,"3,444":1696,"3,445":1697,"3,446":1698,"3,447":1699,"3,448":1700,"3,449":1701,"3,450":1702,"3,451":1703,"3,452":1704,"3,453":1705,"3,454":1706,"3,455":1707,"3,456":1708,"3,457":1709,"3,458":1710,"3,459":1711,"3,460":1712,"3,461":1713,"3,462":1714,"3,463":1715,"3,464":1716,"3,465":1717,"3,466":1718,"3,467":1719,"3,468":1720,"3,469":1721,"3,470":1722,"3,471":1723,"3,472":1724,"3,473":1725,"3,474":1726,"3,475":1727,"3,476":1728,"3,477":1729,"3,478":1730,"3,479":1731,"3,480":1732,"3,481":1733,"3,482":1734,"3,483":1735,"3,484":1736,"3,485":1737,"3,486":1738,"3,487":1739,"3,488":1740,"3,489":1741,"3,490":1742,"3,491":1743,"3,492":1744,"3,493":1745,"3,494":1746,"3,495":1747,"3,496":1748,"3,497":1749,"3,498":1750,"3,499":1751,"3,500":1752,"3,501":1753,"3,502":1754,"3,503":1755,"3,504":1756,"3,505":1757,"3,506":1758,"3,507":1759,"3,508":1760,"3,509":1761,"3,510":1762,"3,511":1763,"3,512":1764,"3,513":1765,"3,514":1766,"3,515":1767,"3,516":1768,"3,517":1769,"3,518":1770,"3,519":1771,"3,520":1772,"3,521":1773,"3,522":1774,"3,523":1775,"3,524":1776,"3,525":1777,"3,526":1778,"3,527":1779,"3,528":1780,"3,529":1781,"3,530":1782,"3,531":1783,"3,532":1784,"3,533":1785,"3,534":1786,"3,535":1787,"3,536":1788,"3,537":1789,"3,538":1790,"3,539":1791,"3,540":1792,"3,541":1793,"3,542":1794,"3,543":1795,"3,544":1796,"3,545":1797,"3,546":1798,"3,547":1799,"3,548":1800,"3,549":1801,"3,550":1802,"3,551":1803,"3,552":1804,"3,553":1805,"3,554":1806,"3,555":1807,"3,556":1808,"3,557":1809,"3,558":1810,"3,559":1811,"3,560":1812,"3,561":1813,"3,562":1814,"3,563":1815,"3,564":1816,"3,565":1817,"3,566":1818,"3,567":1819,"3,568":1820,"3,569":1821,"3,570":1822,"3,571":1823,"3,572":1824,"3,573":1825,"3,574":1826,"3,575":1827,"3,576":1828,"3,577":1829,"3,578":1830,"3,579":1831,"3,580":1832,"3,581":1833,"3,582":1834,"3,583":1835,"3,584":1836,"3,585":1837,"3,586":1838,"3,587":1839,"3,588":1840,"3,589":1841,"3,590":1842,"3,591":1843,"3,592":1844,"3,593":1845,"3,594":1846,"3,595":1847,"3,596":1848,"3,597":1849,"3,598":1850,"3,599":1851,"3,600":1852,"3,601":1853,"3,602":1854,"3,603":1855,"3,604":1856,"3,605":1857,"3,606":1858,"3,607":1859,"4,5":1860,"4,6":1861,"4,7":1862,"4,8":1863,"4,9":1864,"4,10":1865,"4,11":1866,"4,12":1867,"4,13":1868,"4,14":1869,"4,15":1870,"4,16":1871,"4,17":1872,"4,18":1873,"4,19":1874,"4,20":1875,"4,21":1876,"4,22":1877,"4,23":1878,"4,24":1879,"4,25":1880,"4,26":1881,"4,27":1882,"4,28":1883,"4,29":1884,"4,30":1885,"4,31":1886,"4,32":1887,"4,33":1888,"4,34":1889,"4,35":1890,"4,36":1891,"4,37":1892,"4,38":1893,"4,39":1894,"4,40":1895,"4,41":1896,"4,42":1897,"4,43":1898,"4,44":1899,"4,45":1900,"4,46":1901,"4,47":1902,"4,48":1903,"4,49":1904,"4,50":1905,"4,51":1906,"4,52":1907,"4,53":1908,"4,54":1909,"4,55":1910,"4,56":1911,"4,57":1912,"4,58":1913,"4,59":1914,"4,60":1915,"4,61":1916,"4,62":1917,"4,63":1918,"4,64":1919,"4,65":1920,"4,66":1921,"4,67":1922,"4,68":1923,"4,69":1924,"4,70":1925,"4,71":1926,"4,72":1927,"4,73":1928,"4,74":1929,"4,75":1930,"4,76":1931,"4,77":1932,"4,78":1933,"4,79":1934,"4,80":1935,"4,81":1936,"4,82":1937,"4,83":1938,"4,84":1939,"4,85":1940,"4,86":1941,"4,87":1942,"4,88":1943,"4,89":1944,"4,90":1945,"4,91":1946,"4,92":1947,"4,93":1948,"4,94":1949,"4,95":1950,"4,96":1951,"4,97":1952,"4,98":1953,"4,99":1954,"4,100":1955,"4,101":1956,"4,102":1957,"4,103":1958,"4,104":1959,"4,105":1960,"4,106":1961,"4,107":1962,"4,108":1963,"4,109":1964,"4,110":1965,"4,111":1966,"4,112":1967,"4,113":1968,"4,114":1969,"4,115":1970,"4,116":1971,"4,117":1972,"4,118":1973,"4,119":1974,"4,120":1975,"4,121":1976,"4,122":1977,"4,123":1978,"4,124":1979,"4,125":1980,"4,126":1981,"4,127":1982,"4,128":1983,"4,129":1984,"4,130":1985,"4,131":1986,"4,132":1987,"4,133":1988,"4,134":1989,"4,135":1990,"4,136":1991,"4,137":1992,"4,138":1993,"4,139":1994,"4,140":1995,"4,141":1996,"4,142":1997,"4,143":1998,"4,144":1999,"4,145":2000,"4,146":2001,"4,147":2002,"4,148":2003,"4,149":2004,"4,150":2005,"4,151":2006,"4,152":2007,"4,153":2008,"4,154":2009,"4,155":2010,"4,156":2011,"4,157":2012,"4,158":2013,"4,159":2014,"4,160":2015,"4,161":2016,"4,162":2017,"4,163":2018,"4,164":2019,"4,165":2020,"4,166":2021,"4,167":2022,"4,168":2023,"4,169":2024,"4,170":2025,"4,171":2026,"4,172":2027,"4,173":2028,"4,174":2029,"4,175":2030,"4,176":2031,"4,177":2032,"4,178":2033,"4,179":2034,"4,180":2035,"4,181":2036,"4,182":2037,"4,183":2038,"4,184":2039,"4,185":2040,"4,186":2041,"4,187":2042,"4,188":2043,"4,189":2044,"4,190":2045,"4,191":2046,"4,192":2047,"4,193":2048,"4,194":2049,"4,195":2050,"4,196":2051,"4,197":2052,"4,198":2053,"4,199":2054,"4,200":2055,"4,201":2056,"4,202":2057,"4,203":2058,"4,204":2059,"4,205":2060,"4,206":2061,"4,207":2062,"4,208":2063,"4,209":2064,"4,210":2065,"4,211":2066,"4,212":2067,"4,213":2068,"4,214":2069,"4,215":2070,"4,216":2071,"4,217":2072,"4,218":2073,"4,219":2074,"4,220":2075,"4,221":2076,"4,222":2077,"4,223":2078,"4,224":2079,"4,225":2080,"4,226":2081,"4,227":2082,"4,228":2083,"4,229":2084,"4,230":2085,"4,231":2086,"4,232":2087,"4,233":2088,"4,234":2089,"4,235":2090,"4,236":2091,"4,237":2092,"4,238":2093,"4,239":2094,"4,240":2095,"4,241":2096,"4,242":2097,"4,243":2098,"4,244":2099,"4,245":2100,"4,246":2101,"4,247":2102,"4,248":2103,"4,249":2104,"4,250":2105,"4,251":2106,"4,252":2107,"4,253":2108,"4,254":2109,"4,255":2110,"4,256":2111,"4,257":2112,"4,258":2113,"4,259":2114,"4,260":2115,"4,261":2116,"4,262":2117,"4,263":2118,"4,264":2119,"4,265":2120,"4,266":2121,"4,267":2122,"4,268":2123,"4,269":2124,"4,270":2125,"4,271":2126,"4,272":2127,"4,273":2128,"4,274":2129,"4,275":2130,"4,276":2131,"4,277":2132,"4,278":2133,"4,279":2134,"4,280":2135,"4,281":2136,"4,282":2137,"4,283":2138,"4,284":2139,"4,285":2140,"4,286":2141,"4,287":2142,"4,288":2143,"4,289":2144,"4,290":2145,"4,291":2146,"4,292":2147,"4,293":2148,"4,294":2149,"4,295":2150,"4,296":2151,"4,297":2152,"4,298":2153,"4,299":2154,"4,300":2155,"4,301":2156,"4,302":2157,"4,303":2158,"4,304":2159,"4,305":2160,"4,306":2161,"4,307":2162,"4,308":2163,"4,309":2164,"4,310":2165,"4,311":2166,"4,312":2167,"4,313":2168,"4,314":2169,"4,315":2170,"4,316":2171,"4,317":2172,"4,318":2173,"4,319":2174,"4,320":2175,"4,321":2176,"4,322":2177,"4,323":2178,"4,324":2179,"4,325":2180,"4,326":2181,"4,327":2182,"4,328":2183,"4,329":2184,"4,330":2185,"4,331":2186,"4,332":2187,"4,333":2188,"4,334":2189,"4,335":2190,"4,336":2191,"4,337":2192,"4,338":2193,"4,339":2194,"4,340":2195,"4,341":2196,"4,342":2197,"4,343":2198,"4,344":2199,"4,345":2200,"4,346":2201,"4,347":2202,"4,348":2203,"4,349":2204,"4,350":2205,"4,351":2206,"4,352":2207,"4,353":2208,"4,354":2209,"4,355":2210,"4,356":2211,"4,357":2212,"4,358":2213,"4,359":2214,"4,360":2215,"4,361":2216,"4,362":2217,"4,363":2218,"4,364":2219,"4,365":2220,"4,366":2221,"4,367":2222,"4,368":2223,"4,369":2224,"4,370":2225,"4,371":2226,"4,372":2227,"4,373":2228,"4,374":2229,"4,375":2230,"4,376":2231,"4,377":2232,"4,378":2233,"4,379":2234,"4,380":2235,"4,381":2236,"4,382":2237,"4,383":2238,"4,384":2239,"4,385":2240,"4,386":2241,"4,387":2242,"4,388":2243,"4,389":2244,"4,390":2245,"4,391":2246,"4,392":2247,"4,393":2248,"4,394":2249,"4,395":2250,"4,396":2251,"4,397":2252,"4,398":2253,"4,399":2254,"4,400":2255,"4,401":2256,"4,402":2257,"4,403":2258,"4,404":2259,"4,405":2260,"4,406":2261,"4,407":2262,"4,408":2263,"4,409":2264,"4,410":2265,"4,411":2266,"4,412":2267,"4,413":2268,"4,414":2269,"4,415":2270,"4,416":2271,"4,417":2272,"4,418":2273,"4,419":2274,"4,420":2275,"4,421":2276,"4,422":2277,"4,423":2278,"4,424":2279,"4,425":2280,"4,426":2281,"4,427":2282,"4,428":2283,"4,429":2284,"4,430":2285,"4,431":2286,"4,432":2287,"4,433":2288,"4,434":2289,"4,435":2290,"4,436":2291,"4,437":2292,"4,438":2293,"4,439":2294,"4,440":2295,"4,441":2296,"4,442":2297,"4,443":2298,"4,444":2299,"4,445":2300,"4,446":2301,"4,447":2302,"4,448":2303,"4,449":2304,"4,450":2305,"4,451":2306,"4,452":2307,"4,453":2308,"4,454":2309,"4,455":2310,"4,456":2311,"4,457":2312,"4,458":2313,"4,459":2314,"4,460":2315,"4,461":2316,"4,462":2317,"4,463":2318,"4,464":2319,"4,465":2320,"4,466":2321,"4,467":2322,"4,468":2323,"4,469":2324,"4,470":2325,"4,471":2326,"4,472":2327,"4,473":2328,"4,474":2329,"4,475":2330,"4,476":2331,"4,477":2332,"4,478":2333,"4,479":2334,"4,480":2335,"4,481":2336,"4,482":2337,"4,483":2338,"4,484":2339,"4,485":2340,"4,486":2341,"4,487":2342,"4,488":2343,"4,489":2344,"4,490":2345,"4,491":2346,"4,492":2347,"4,493":2348,"4,494":2349,"4,495":2350,"4,496":2351,"4,497":2352,"4,498":2353,"4,499":2354,"4,500":2355,"4,501":2356,"4,502":2357,"4,503":2358,"4,504":2359,"4,505":2360,"4,506":2361,"4,507":2362,"4,508":2363,"4,509":2364,"4,510":2365,"4,511":2366,"4,512":2367,"4,513":2368,"4,514":2369,"4,515":2370,"4,516":2371,"4,517":2372,"4,518":2373,"4,519":2374,"4,520":2375,"4,521":2376,"4,522":2377,"4,523":2378,"4,524":2379,"4,525":2380,"4,526":2381,"4,527":2382,"4,528":2383,"4,529":2384,"4,530":2385,"4,531":2386,"4,532":2387,"4,533":2388,"4,534":2389,"4,535":2390,"4,536":2391,"4,537":2392,"4,538":2393,"4,539":2394,"4,540":2395,"4,541":2396,"4,542":2397,"4,543":2398,"4,544":2399,"4,545":2400,"4,546":2401,"4,547":2402,"4,548":2403,"4,549":2404,"4,550":2405,"4,551":2406,"4,552":2407,"4,553":2408,"4,554":2409,"4,555":2410,"4,556":2411,"4,557":2412,"4,558":2413,"4,559":2414,"4,560":2415,"4,561":2416,"4,562":2417,"4,563":2418,"4,564":2419,"4,565":2420,"4,566":2421,"4,567":2422,"4,568":2423,"4,569":2424,"4,570":2425,"4,571":2426,"4,572":2427,"4,573":2428,"4,574":2429,"4,575":2430,"4,576":2431,"4,577":2432,"4,578":2433,"4,579":2434,"4,580":2435,"4,581":2436,"4,582":2437,"4,583":2438,"4,584":2439,"4,585":2440,"4,586":2441,"4,587":2442,"4,588":2443,"4,589":2444,"4,590":2445,"4,591":2446,"4,592":2447,"4,593":2448,"4,594":2449,"4,595":2450,"4,596":2451,"4,597":2452,"4,598":2453,"4,599":2454,"4,600":2455,"4,601":2456,"4,602":2457,"4,603":2458,"4,604":2459,"4,605":2460,"4,606":2461,"4,607":2462,"4,608":2463,"4,609":2464,"4,610":2465,"4,611":2466,"4,612":2467,"4,613":2468,"4,614":2469,"4,615":2470,"4,616":2471,"4,617":2472,"4,618":2473,"4,619":2474},"ٜ":{"1":[3,662],"2":[5,600],"3":[5,607],"4":[5,619]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4],"12":[5],"22":[6],"26":[7],"42":[8],"61":[9,10],"78":[11],"92":[12,13],"99":[14,15],"102":[16],"112":[17],"115":[18],"117":[19],"121":[20],"124":[21],"129":[22],"148":[23],"154":[24],"175":[25],"188":[26],"214":[27],"217":[28],"220":[29],"231":[30,31],"257":[32],"275":[33,34],"282":[35],"289":[36],"295":[37],"310":[38,39],"311":[40],"324":[41,42],"327":[43],"338":[44],"342":[45],"352":[46],"383":[47],"385":[48],"388":[49],"392":[50],"397":[51],"415":[52],"418":[53,54],"421":[55],"426":[56],"430":[57],"434":[58],"439":[59,60],"443":[61],"448":[62],"451":[63],"457":[64],"460":[65],"462":[66],"470":[67],"476":[68,69],"484":[70],"499":[71],"510":[72,73],"517":[74,75],"523":[76],"527":[77],"567":[78],"571":[79],"599":[80,81],"613":[82],"629":[83],"632":[84],"661":[85,86,87],"705":[88],"714":[89],"717":[90],"722":[91],"732":[92],"735":[93],"740":[94,95],"742":[96],"744":[97],"746":[98],"764":[99],"771":[100,101,102],"788":[103],"796":[104],"802":[105],"806":[106],"815":[107,108],"832":[109],"847":[110],"884":[111,112],"903":[113],"907":[114],"921":[115],"924":[116],"1040":[117,118],"1048":[119],"1059":[120],"1108":[121,122],"1116":[123],"1121":[124],"1129":[125],"1134":[126],"1138":[127],"1142":[128],"1147":[129],"1154":[130,131],"1157":[132],"1164":[133,134],"1167":[135,136],"1190":[137,138],"1193":[139,140],"1196":[141],"1198":[142],"1202":[143,144],"1214":[145],"1220":[146],"1223":[147],"1231":[148],"1233":[149],"1237":[150,151],"1254":[152],"1257":[153,154],"1263":[155],"1269":[156],"1289":[157],"1296":[158],"1300":[159],"1308":[160],"1311":[161],"1319":[162],"1332":[163],"1347":[164],"1356":[165,166],"1364":[167],"1371":[168],"1374":[169],"1423":[170],"1436":[171],"1447":[172],"1453":[173],"1461":[174],"1474":[175],"1482":[176,177,178],"1496":[179],"1502":[180,181],"1516":[182],"1521":[183],"1523":[184],"1530":[185,186],"1532":[187],"1534":[188],"1537":[189],"1552":[190],"1556":[191],"1577":[192,193],"1596":[194],"1616":[195],"1625":[196],"1629":[197,198],"1639":[199],"1654":[200,201],"1673":[202],"1676":[203,204],"1718":[205],"1725":[206],"1729":[207,208],"1733":[209,210],"1752":[211],"1754":[212],"1766":[213],"1796":[214,215],"1823":[216],"1833":[217],"1846":[218],"1851":[219],"1860":[220],"1864":[221],"1886":[222],"1896":[223,224],"1909":[225,226],"1912":[227],"1923":[228],"1936":[229],"1945":[230],"1950":[231,232],"1952":[233],"1965":[234],"1967":[235,236],"1978":[237],"1994":[238],"2008":[239],"2026":[240],"2033":[241,242,243],"2035":[244,245],"2038":[246],"2051":[247],"2055":[248,249],"2057":[250],"2061":[251,252],"2068":[253],"2088":[254],"2098":[255],"2103":[256,257,258],"2105":[259],"2107":[260],"2111":[261],"2114":[262,263],"2137":[264],"2140":[265],"2150":[266],"2157":[267],"2163":[268,269],"2170":[270],"2180":[271],"2186":[272],"2189":[273],"2194":[274,275],"2196":[276],"2200":[277],"2204":[278,279],"2212":[280,281],"2214":[282,283],"2216":[284],"2224":[285],"2234":[286,287],"2236":[288],"2238":[289],"2241":[290],"2244":[291,292],"2248":[293],"2257":[294],"2267":[295],"2280":[296],"2285":[297],"2287":[298,299],"2300":[300],"2315":[301,302],"2318":[303],"2321":[304],"2323":[305],"2325":[306],"2327":[307,308],"2342":[309],"2361":[310],"2367":[311,312],"2385":[313],"2406":[314],"2415":[315],"2423":[316,317],"2441":[318],"2446":[319,320],"2469":[321]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة الكتاب</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.\nفمنذ ما يقرب من ربع قرن تقريبًا، وأنا أعمل على هذا المشروع، حتى انقطعت له وقَصَرْتُ عليه عملي، مقدمًا له على غيره من درس، أو خطابة، أو موعظة، وفي كلٍ خير، إلا أني رأيت الكتاب أبقى، وشرطه أعلى، فهو وعاء لحفظ العلم، وتحرير المسائل، وضبط الأقوال، وتوثيقها من مصادرها، ومساحة رحبة لدراسة الأدلة ومناقشة دلالتها، وبيان صحيحها من ضعيفها، ومحاورة الأقوال والأفكار ليتمحص الأقوى منها حسب توفيق الله للعبد، ويكفي الكتاب بأنك تخاطب به الشاهد والغائب، فهو لا يحده زمان، ولا يحتويه مكان، يرثه الخلف عن السلف، فالكتاب أطول عمرًا من صاحبه، وما من صاحب درس، أو خطيب أو واعظ إلا ويستمد مادته من الكتاب، وقد اندرس علم أئمة كانوا ملء السمع والبصر في حياتهم، لأنهم لم يدونوا كتابًا في حياتهم، ولم يُسَخَّر لهم من يكتب علمهم، فانقطع عملهم، وخمل ذكرهم، ولولا بعض كتب التراجم ما كنت لتسمع بهم.\nوفي المقابل رب كتاب أدخل صاحبه في الخالدين وجعل له لسان صدق في الآخرين.\nولقد أثمر هذا الانقطاع أول ما أثمر كتاب الطهارة في عشرة مجلدات، ثم انتقلت منه إلى مشروع المعاملات المالية أصالة ومعاصرة في عشرين مجلدًا، ثم رجعت إلى مشروع الصلاة لاستكمال العبادات، وقسمت مشروع الصلاة إلى قسمين: أحكام","vol":"1","page":3},{"text":"الصلاة المكتوبة، وأحكام صلاة التطوع، وحين انتهيت من صفة الصلاة كنت قد أنجزت من مشروع أحكام الصلاة عشرة مجلدات، ليكون مجموع ما أنجز من المشروع حتى الآن بتوفيق الله سبحانه أربعين مجلدًا، ولله الحمد.\nولقد اقترح عليَّ بعض الإخوة طباعة صفة الصلاة مفردًا لما له من أهمية في بابه، ولأن بعض الناس قد لا يرغب في شراء كتاب الصلاة كاملًا، فلا نُحَمِّلُه شراءه كاملًا، ولا نحرمه من شراء ما يحتاج إليه.\nمن أجل هذا رغبت في إفراده، وسميته: الجامع في أحكام صفة الصلاة، وتركت تسلسل المسائل وأرقام الأحاديث والآثار كما هي في كتاب الأم.\nأسأل الله ﷾ أن يرزقني شكر نعمته، وأن يتقبله مني، وأن يجعل العمل خالصًا لوجهه، مقربًا إليه، زلفى إلى رضوانه، والنجاة من عذابه، والحمد لله رب العالمين.\n\nوكتبه\nأبو عمر دبيان بن محمد الدبيان\nالقصيم - بريدة","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول في صفة الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول في الأحكام المرتبطة بالخروج إلى الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول في استحباب الخروج متطهرًا بنية الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي.\n• فضائل العمل لا تثبت بالقياس.\n• الخروج إلى الصلاة متطهرًا وإحسان الطهور بنية الصلاة سنة متفق عليها.\n• الباعث إذا خلص لله كان أكمل، فنية الخروج إذا تمحضت خالصة لإرادة الصلاة كانت أكمل من الخروج لها ولغيرها ولو كانت نية مباحة.\n[م-٤٣٨] يسن الخروج إلى الصلاة متطهرًا، والإحسان في الطهارة بنية الصلاة. وهذه السنة متفق عليها (^١).\n• والأدلة على هذه السنن الثلاث:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٣٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت\n_________\n(^١). عمدة القارئ (٥/ ١٦٦)، شرح المشكاة للطيبي (٣/ ٩٣٤)، تفسير القرطبي (١٢/ ٢٧٦)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٦١)، إكمال المعلم (٢/ ٦٢٠)، معالم السنن (١/ ١٦١)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١١٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٢١).","vol":"1","page":5},{"text":"أبا صالح، يقول:\nسمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (^١).\nوفي رواية لهما: ثم أتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة (^٢).\nوفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة).\nفقوله: (وذلك أنه إذا توضأ) التقدير: وذلك لأنه إذا توضأ فتكون الجملة تعليلية للحكم السابق، فكان هذا الفضل مرتبًا على الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والخروج بنية الصلاة، والمشي إليها ليحصل له هذا الفضل من رفع الدرجات وتكفير السيئات وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه، فالأصل ألا يترتب هذا الفضل إلا لمن جمع هذه الأمور، والله أعلم (^٤).\nوقوله: (لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة) أي لا يحركه ولا ينهضه ولا يبعثه على الخروج إلا الصلاة، وفيه فضيلة أن تتمحض نية الخروج خالصة لإرادة الصلاة، لاستخدامه النفي والإثبات وهو دليل على الحصر، فلا يكون\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٦٤٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٢١١٩)، وصحيح مسلم (٢٣٢).\n(^٣). البخاري (٤٧٧) ..\n(^٤). انظر إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":6},{"text":"الباعث على نيته الصلاة وغاية أخرى معها من شغل وغيره، حتى ولو كانت هذه النية مباحة لا تؤثر في صحة الصلاة، فإن الباعث إذا خلص لله كان أكمل، وما كان أكمل استحق مزية فضل على غيره.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٣٣) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله يعني ابن عمرو (الرقي)، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم الأشجعي،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة) فجملة (تطهر، ومشى، ليقضي) فعل الشرط وما عطف عليه في حكمه، وجملة (كانت خطوتاه ..) جواب الشرط، وإذا رتب الفضل عن طريق الشرط لم يحصل إلا بحصول شرطه وهو تطهر في البيت، ثم خرج إلى المسجد ماشيًا بنية الصلاة.\nقوله: (ثم مشى) ظاهر الحديث أن هذا الجزاء للماشي دون الراكب، وأن الراكب لا يحصل له هذا الفضل، ففي حديث الصحيحين قال: (لم يُخْطُ خطوة) والخطوة خاصة بالماشي، وفي لفظ مسلم، (من تطهر في بيته ثم مشى).\nويؤيد ذلك ما جاء في نفي الركوب للخروج إلى الجمعة، وهو فرد من أفراد الخروج إلى المسجد.\n(ح-١٠٣٤) فقد روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني،\nعن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٦٦).","vol":"1","page":7},{"text":"فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (^١).\n[اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٩).\n(^٢). الحديث مداره على أبي الأشعث، عن أوس بن أوس الثقفي، ورواه عن أبي الأشعث جماعة، منهم على خلاف بينهم في ذكر (ومشى ولم يركب):\nفرواه سليمان بن موسى، وراشد بن داود الصنعاني، وأبو قلابة، والعلاء بن الحارث، وعثمان بن أبي سودة، ولم يذكر أحد منهم (ومشى ولم يركب).\n\nورواه يحيى بن الحارث، وجزم بأنه لم يسمع هذا الحرف من أبي الأشعث، فهؤلاء ستة رواة يتفقون على عدم ذكر هذا الحرف.\nورواه حسان بن عطية، عن أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب).\nوتابعه على هذا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر على اختلاف عليه في ذكرها.\nفرواه حسين بن علي الجعفي، عن ابن جابر، ولم يذكر هذا الحرف.\nورواه الوليد بن مسلم، وابن المبارك عن ابن جابر، بذكر (ومشى ولم يركب)، وإليك بيان مروياتهم فيما وقفت عليه من طرق الحديث، والله أعلم.\n\nالطريق الأول: يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث.\nرواه أحمد (٤/ ٩، ١٠) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٧٥)، والنسائي في الكبرى (١٧٢٠)، والطحاوي (١/ ٣٦٨)، والطبراني في الكبير (١/ ٢١٤) ح ٥٨٢، وفي مسند الشاميين (٩٠٢)، وابن خزيمة (١٧٦٧)، من طريق الثوري،\nوالترمذي (٦)، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٥٧٤) من طريق أبي جناب يحيى بن أبي حية.\nوالطبراني في الكبير (١/ ٢١٤) ح ٥٨٣ من طريق أبي الحكم الأعرج، ثلاثتهم (الثوري، وأبو جناب، وأبو الحكم الأعرج) عن عبد الله بن عيسى.\nورواه تمام في فوائده (٢) من طريق محمد بن شعيب.\nورواه النسائي في المجتبى (١٣٨١)، وفي الكبرى (١٦٩٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦٨)، والطبراني في مسند الشاميين (٣٤٠)، وتمام في فوائده (٣٤٨)، من طريق سعيد بن عبد العزيز.\nورواه النسائي أيضًا في المجتبى (١٣٩٨)، وفي الكبرى (١٧١٩) من طريق عمر يعني ابن عبد الواحد.\nوالدارمي (١٥٨٨) وتمام في فوائده (١٢٥٦)، من طريق صدقة بن خالد،\nخمستهم (عبد الله بن عيسى، ومحمد بن شعيب، وسعيد بن عبد العزيز، وعمر بن عبد الواحد، وصدقة) رووه عن يحيى بن الحارث الذماري، عن أبي الأشعث، وقد اتفق هؤلاء كلهم عن يحيى بن الحارث على عدم ذكر لفظ (مشى ولم يركب). =","vol":"1","page":8},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه أحمد (٤/ ١٠) من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني أبو الأشعث به ... فذكر الحديث، قال -أي ابن جابر- وزعم يحيى بن الحارث أنه حفظ عن أبي الأشعث، أنه قال له: بكل خطوة كأجر سنة: صيامها وقيامها. قال يحيى: ولم أسمعه يقول: مشى، ولم يركب.\nوهذا جزم بنفي سماع هذا الحرف من أبي الأشعث.\nوخالف كل هؤلاء الأوزاعي، فرواه عن يحيى بن الحارث به، وفيه: (ومشى ولم يركب) فرواه الطبراني في مسند الشاميين (٩٠١).\nوهذا وهم من الأوزاعي، دخل عليه روايته للحديث عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث بروايته للحديث عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث.\nكما أن فيه اختلافًا على سفيان:\nفرواه عبيد الله الأشجعي، ومحمد بن يوسف، وعمرو بن محمد الأحمر، ووكيع عن سفيان بلفظ: (كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها).\nورواه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، واختلف على أبي أحمد:\nفرواه أحمد عن أبي أحمد الزبيري بما يوافق رواية الجماعة.\nورواه أبو موسى الزمن في صحيح ابن خزيمة، عن أبي أحمد الزبيري، بلفظ: (كان له من الأجر أجر سنة صيامها وقيامها)، والمحفوظ أن هذا لفظ عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وحده، وكل من رواه عن أبي الأشعث رواه بلفظ (كان له بكل خطوة عمل سنة: صيامها وقيامها). وقد وقعت مذاكرة بين يحيى بن الحارث وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر حول هذا الحرف، سننقله إن شاء الله عند الكلام على طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والله أعلم.\n\nالطريق الثاني: حسان بن عطية، عن أبي الأشعث.\nرواه عبد ا لله بن المبارك كما في مسند أحمد (٤/ ٩، ١٠٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤٩٩٠)، وسنن أبي داود (٣٤٥)، وسنن ابن ماجه (١٠٨٧)، وفي الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٥٧٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢١٥) ح ٥٨٥، وصحيح ابن حبان (٢٧٨١)، وتمام في الفوائد (١٥٣٠، ١٥٣١)، والحاكم في المستدرك (١٠٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٤)، وفي الشعب له (٢٧٢٨)، وفي فضائل الوقت له أيضًا (٢٧٠)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٧).\nومحمد بن مصعب كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٩٨٦).\nوهقل بن زياد كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (١/ ٣٠٧) رواه من طريق عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي (الليث بن سعد)، عن هقل، ثلاثتهم (ابن المبارك، ومحمد بن مصعب، وهقل) عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث به. =","vol":"1","page":9},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وتابع عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الأوزاعي، فرواه عن حسان بن عطية، سمع أبا الأشعث الصنعاني، يحدث عن أوس بن أوس الثقفي به.\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٤٠٠).\n\nالطريق الثالث: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر.\nرواه الوليد بن مسلم، واختلف عليه:\nفرواه عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، عن الوليد بن مسلم، أنه سمع أبا الأشعث يحدث أنه سمع أوس بن أوس به، وفيه: (كان له بكل خطوة عمل سنة).\nرواه النسائي في المجتبى (١٣٨٤)، وفي السنن الكبرى (١٧٠٣، ١٧٠٧)، والطبراني في مسند الشاميين (٥٥٦).\nورواه محمود بن خالد، كما في السنن الكبرى للنسائي (١٧٠٧).\nوعلي بن المديني كما في المعجم الكبير (١/ ٢١٥) ح ٥٨٤، كلاهما عن الوليد بن مسلم به بنحوه، وفيه: (كان له به عمل سنة، قال ابن جابر: فذاكرني يحيى بن الحارث هذا، فقال: أنا سمعت أبا الأشعث يحدث بهذا الحديث، وقال: بكل قدم عمل سنة: صيامها وقيامها. قال ابن جابر: حفظ يحيى، ونسيت.\nزاد الطبراني: (قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو الأوزاعي، فقال: ثبت الحديث أن له بكل قدم عمل سنة).\nورواه حسين بن علي الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني به وفيه: (كان له بكل خطوة كأجر سنة: صيامها وقيامها).\nرواه أحمد (٤/ ٩، ١٠٤)، والنسائي في الكبرى (١٧٤١)، وابن خزيمة (١٧٥٨)، والحاكم (١٠٤٠)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٢١)، وفي فضائل الأوقات له (٢٦٩).\nوهذه الرواية موافقة لرواية عمرو بن عثمان عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر.\nفلفظ الجعفي عن ابن جابر، ولفظ عمرو بن عثمان عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، أكان ذلك رجوعًا من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر إلى رواية يحيى بن الحارث بعد أن ذاكره، أم كان هذا من الحفظ الأول قبل أن ينسى؟ محتمل، والله أعلم.\nوخالف يزيد بن يوسف الوليد بن مسلم، وحسين بن علي الجعفي، فرواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء الرحبي، عن أوس بن أوس، فزاد يزيد بن يوسف في الإسناد أبا أسماء الرحبي، وهذا الإسناد منكر، تفرد به يزيد بن يوسف، وهو ضعيف.\nرواه الطبراني في مسند الشاميين (٥٥٧)، وفي المعجم الكبير (١/ ٢١٥) ح ٥٨٦.\nورواه أحمد في المسند (٤/ ١٠)، قال: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثني أبو الأشعث، قال: حدثني أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ وذكر الجمعة، =","vol":"1","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقال: من غسل أو اغتسل، ثم غدا وابتكر، وخرج ولم يَمْش ولم يركب، ثم دنا من الإمام، فأنصت له، ولم يَلْغُ، كان له كأجر سنة: صيامها وقيامها، قال: وزعم يحيى بن الحارث أنه حفظ عن أبي الأشعث أنه قال له: بكل خطوة كأجر سنة: صيامها وقيامها. قال: يحيى: ولم أسمعه يقول: مشى ولم يركب.\nفإن كان عبد الرحمن الدمشقي هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكرر ذكره سهوًا، وإلا كانت رواية الوليد بن مسلم مقدمة على رواية ابن المبارك، لوجهين:\nأحدهما: أن الأشعث شامي وكذا الوليد بن مسلم، ورواية أهل البلد مقدمة على رواية الغريب.\nالثاني: أن الوليد بن مسلم، تابعه حسين بن علي الجعفي، ولم يتابع ابن المبارك، والله أعلم.\n\nالطريق الرابع: أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي الأشعث به، بلفظ: قال رسول الله ﷺ: (من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ودنا من الإمام وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها، وذلك على الله يسير).\nوقوله: (وذلك على الله يسير) هذا الحرف تفرد به أبو قلابة، ولعله مدرج من كلام الراوي.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٥٥٧٠)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢١٤) ح ٥٨١، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٨٨) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة به. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات.\n\nالطريق الخامس: سليمان بن موسى، عن أبي الأشعث.\nأخرجه الطبراني في الأوسط (١٧٥٣)، وفي مسند الشاميين (١٢٦٧) من طريق النعمان بن المنذر، عن سليمان بن موسى به، بلفظ: (من أدرك الجمعة، فغسل واغتسل، ثم غدا وابتكر، ثم دنا من الإمام، فأنصت واستمع، كان له في كل خطوة كعمل سنة: قيامها وصيامها).\nورجاله ثقات.\n\nالطريق السادس: راشد بن داود الصنعاني، عن أبي الأشعث.\nأخرجه أحمد (٤/ ١٠)، قال: حدثنا الحكم بن نافع، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد بن داود به.\nوهذا إسناد صحيح، وأحاديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام مستقيمة، وهذا معدود منها.\n\nالطريق السابع: العلاء بن الحارث عن أبي الأشعث.\nأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٤٠٠) من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، عن العلاء بن الحارث به.\n\nالطريق الثامن: عثمان بن أبي سودة (ثقة)، عن أبي الأشعث.\nرواه الدولابي في الكنى والأسماء (٩٢٠) من طريق الضحاك بن مخلد.\nورواه أيضًا (٩٢١) من طريق بقية بن الوليد، كلاهما عن ثور بن يزيد أبي خالد الحميري، عن عثمان به، بلفظ: من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا واقترب، وأنصت، كان له بكل خطوة صيام سنة وقيامها. وقد صرح بقية بالتحديث وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات.","vol":"1","page":11},{"text":"فإن كان نفي الركوب محفوظًا في الحديث كان ذلك مقصودًا للشارع.\n(ح-١٠٣٥) ويؤيد ذلك ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير،\nقال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ، فقال: إن لكم بكل خطوة درجة (^١).\nوإن كان لفظ (مشى ولم يركب) ليس محفوظًا من الحديث كان ترتيب الفضل لا يختص بالماشي ويكون وصف المشي لا مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب، فإن الغالب أن من يخرج إلى المسجد هم من يسمع النداء، ومثلهم لا يحتاج للركوب؛ ولأن المشي والركوب من باب الوسائل لا تقصد لذاتها، والغاية هي الوصول إلى المسجد للصلاة فيه جماعة، سواء أجاء ماشيًا أم راكبًا، ولو كان المشي مقصودًا لذاته لقيل باستحباب قَصْدِ المسجد الأبعد، وحديث أوس ظاهره الصحة، والأجر المرتب عليه مبالغ فيه جدًّا، فإن كل خطوة يكتب فيها أجر سنة صيامها وقيامها كثير على عمل يسير، وفضل الله واسع فإن كان أحد من الأئمة قد أعله بهذا قلت به بلا تردد، وإلا بقيت على اعتقاد صحة الحديث حتى يثبت العكس.\nوقد خالف حديث أوس حديث سلمان وحديث أبي هريرة، والأول في البخاري، والآخر في مسلم.\n(ح-١٠٣٦) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، قال: أخبرني أبي، عن ابن وديعة،\nعن سلمان الفارسي، قال: قال النبي ﷺ: لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٦٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٨٨٣).","vol":"1","page":12},{"text":"(ح-١٠٣٧) وروى مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا (^١).\nورواه مسلم من طريق سهيل، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام (^٢).\nفهذا الفضل قريب، وأما حديث أوس بن أوس فهو فضل مبالغ فيه لعمل يسير، فإذا كان شهود الجمعة نفسها، وهي المقصودة يكفر من الجمعة إلى التي تليها، فإذا اغتسل وأنصت، ولم يفرق بين اثنين زاد فضل ثلاثة أيام، فما الذي زاده العامل في حديث أوس حتى يكون له بكل خطوة عمل سنة بصيامها وقيامها، وكل ما زاده على ذلك ليس من الواجبات، وإنما هو من السنن، وليس بمقصود، وإنما هو من باب الوسائل كالذهاب ماشيًا إلى الجمعة، وحديث سلمان وأبي هريرة في الصحيح، وحديث أوس خارج الصحيح، وهو من وسائل الترجيح، وكنت قد ترددت في تضعيف الحديث طلبًا لإمام معتبر يضعفه لأني لا أحب معارضة الحديث بمجرد الفهم ما دام الإسناد ظاهره الصحة، ثم وجدت الإمام الترمذي قد حكم عليه بالحسن، فقال في سننه: حديث أوس بن أوس حديث حسن، وهذا ذهاب منه إلى تضعيف الحديث، فإن الحسن عند الترمذي هو كل حديث ليس في إسناده متهم (يعني أنه ليس شديد الضعف) ولا يكون شاذً، ويروى من غير وجه، وهذا يصدق على الحديث الضعيف إذا روي من أكثر من وجه، فلا يمكن حديث هذا حكم الترمذي فيه، وهو غريب الإسناد، غريب المتن لا يعرف هذا الفضل إلا من هذا الوجه، وينفرد بهذا الفضل المخالف لأحاديث الصحيحين، ويكون مقبولًا، والله أعلم.\nوفي الباب أحاديث أخرى، وقد تركتها اقتصارًا على أحاديث الصحيحين فإن فيها غنية.\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٧ - ٨٥٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٦ - ٨٥٧).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني لا يستحب دعاء خاص للخروج إلى الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يستحب دعاء خاص في الخروج إلى الصلاة.\n• الاستحباب حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي.\n• ما ورد من دعاء خاص في الخروج إلى الصلاة كحديث ابن عباس، وكذا ما ورد من أدعية للخروج من المنزل، وعمومها يدخل فيه الخروج إلى الصلاة لا يصح منها شيء يمكن الاعتماد عليه في الباب.\n• إذا لم يثبت الحديث فالأصل في العبادة عدم المشروعية.\n• فضائل العمل لا يثبت بالقياس.\n• إذا تردد في استحباب العبادة كان الاحتياط في جانب الترك حتى تثبت؛ لأن التارك لا يلحقه لوم؛ لعدم الوجوب بخلاف الفاعل فهو متردد بين السنة والبدعة.\n[م-٤٣٩] لا يستحب دعاء خاص في الخروج من المنزل للصلاة، وما ورد من حديث خاص في الخروج إلى الصلاة كحديث ابن عباس.\nوكذلك ما ورد من أدعية للخروج من المنزل، وعمومها يدخل فيه الخروج إلى الصلاة فلا يصح منها شيء يمكن أن يعتمد عليه في الباب.\n(ح-١٠٣٨) فقد روى مسلم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه،\nعن عبد الله بن عباس في قصة مبيته عند خالته ميمونة ليشاهد صلاة النبي ﷺ بالليل .... وذكر فيه .... فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي","vol":"1","page":14},{"text":"نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهم أعطني نورًا (^١).\n[رواه علي بن عبد الله بن عباس في دعاء الخروج، ورواه كريب عن ابن عباس في الدعاء في صلاة الليل، وهو المحفوظ] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٩١ - ٧٦٣).\n(^٢). حديث ابن عباس وبياته عند خالته ميمونة رواه جماعة من أصحاب ابن عباس مختصرًا ومطولًا مثل سعيد بن جبير، وعكرمة، وكريب، وعلي بن عبد الله، وأبي المتوكل (علي بن داود الناجي)، والشعبي، وعطاء، وأبي نضرة، وطلحة بن نافع، وغيرهم، إلا أن الذي روى عنه هذا الدعاء (اللهم اجعل في قلبي نورًا ....) اثنان من أصحابه، أبو كريب وروايته في الصحيحين، وفيها أن الدعاء كان في الصلاة، ورواه علي بن عبد الله بن عباس في مسلم وذكر أن الدعاء عند الخروج للصلاة، والمحفوظ رواية كريب مولى ابن عباس، وإليك بيان تخريج هذين الطريقين.\nالطريق الأول: كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس.\nرواه سلمة بن كهيل، عن كريب، واختلف على سلمة:\nفرواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل به، فذكر صفة صلاته، ونومه حتى نفخ، فآذنه بلال بالصلاة، فصلى، ولم يتوضأ، وفيه: (وكان يقول في دعائه اللهم اجعل في قلبي نورًا ....) فظاهره أنه من دعاء الصلاة؛ لأنه ذكر الدعاء مقرونًا بصفة صلاة الليل.\nرواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (١٨١ - ٧٦٣)، وأكتفي بذكر الصحيحين.\nورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل به، بنحوه، وفيه: (فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورًا ....) إلخ الحديث، وعلى أي الاحتمالين فالدعاء في الصلاة.\nرواه مسلم (١٨٧ - ٧٦٣)، وابن خزيمة (١٥٣٤)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٧٤٥) من طريق محمد بن جعفر. واختصره ابن خزيمة.\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (٢٢٧٤، ٧٩٢) من طريق حجاج بن محمد،\nورواه أبو داود الطيالسي (٢٨٢٩) ومن طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٨٦)، وابن حبان (١٤٤٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٧٩٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٧٤٥).\nوابن ماجه (٥٠٨) من طريق يحيى بن سعيد.\n\nوابن خزيمة (١٢٧) من طريق ابن أبي عدي، كلهم عن شعبة به، وبعضهم يختصره، وبعضهم يذكره بتمامه.\nورواه سعيد بن مسروق، عن سلمة بن كهيل به، وفيه: (كان يقول في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا .....) بالجزم أن الدعاء في السجود.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٢٣١)، والنسائي (١١٢١) بتمامه. =","vol":"1","page":15},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٠٣٩) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي الجهم، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية،\n_________\n= ورواه مسلم في صحيحه (١٨٨ - ٧٦٣) مختصرًا بعد سياقه لرواية شعبة، واقتصر على الفرق بينه وبين رواية شعبة فقال في رواية سعيد بن مسروق: (أعظم لي نورًا) وقال في رواية شعبة (واجعل لي أو اجعلني نورًا).\nوكذا رواه أبو عوانة مختصرًا في مستخرجه (٢٢٧٥).\nوأما رواية عقيل بن خالد، عن سلمة بن كهيل فرواه مسلم في صحيحه (١٨٩ - ٧٦٣) وفيه: (ودعا رسول الله ليلتئذ تسع عشرة كلمة ....) الحديث. فذكر الدعاء في الليل، ولو كان عند خروجه للمسجد لكان الدعاء في الصبح.\nفاتفقت رواية كريب في الصحيحين على أن الدعاء ليس في خروجه للصلاة، وقد وردت على أربعة ألفاظ: فرواية سفيان (فكان يقول في دعائه).\nوفي رواية سعيد بن مسروق: (فكان يقول في سجوده).\nوفي رواية شعبة: (فجعل يقول في صلاته أو في سجوده).\nوفي رواية عقيل: (ودعا رسول الله ليلتئذ).\nهذه رواية سلمة بن كهيل، عن أبي كريب، وقد رواه جماعة عن أبي كريب في الصحيحين ولم يذكروا الدعاء.\nفقد رواه مخرمة بن سليمان كما في صحيح البخاري (١٨٣، ٦٩٨، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢) مطولًا ومختصرًا على طريقة البخاري بتقطيع الحديث، ورواه مسلم (٧٦٣)، وأكتفي بالصحيحين.\nوعمرو بن دينار كما في صحيح البخاري (٧٢٦، ٨٥٩)، وصحيح مسلم (١٨٦ - ٧٦٣)، وأكتفي بذكر الصحيحين.\nوشريك بن عبد الله بن أبي نمر، كما في صحيح البخاري (٤٥٦٩، ٦٢١٥، ٧٤٥٢)، وصحيح مسلم (١٩٠ - ٧٦٣)، وأكتفي بالصحيحين.\nوعطاء كما في صحيح مسلم (١٩٢ - ٧٦٣)، أربعتهم (مخرمة، وعمرو بن دينار، وشريك، وعطاء) رووه عن أبي كريب به، من دون ذكر الدعاء.\n\nالطريق الثاني: علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه.\nرواه مسلم في صحيحه، وفيه: (فخرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا ...) وسياق مسلم له في صحيحه ليس تصحيحًا له؛ لأنه ذكره بعد رواية كريب المتفق عليها إيماءً إلى تعليله كما هي طريقة مسلم في الصحيح حيث يقدم الرواية المحفوظة، ثم يعقبها بالروايات المختلف عليها لبيان علتها، ويكتفي بإيرادها عن التصريح بعلتها؛ ويفهم هذا من طريقته في صحيحه.","vol":"1","page":16},{"text":"عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا، ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك (^١).\n[ضعيف موقوفًا ومرفوعًا] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٤٠) ما رواه أحمد من طريق سفيان (الثوري)، عن منصور، عن الشعبي،\nعن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته، قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك من أن نَزِلَّ أو نَضِلَّ، أو نَظْلِمَ أو نُظْلَمَ، أو نَجْهَلَ أو يُجْهَلَ علينا (^٣).\n_________\n(^١). سنن ابن ماجه (٧٧٨).\n(^٢). مداره على فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، واختلف على فضيل:\nفرواه أبو الجهم الفضل بن موفق (ضعيف) كما في سنن ابن ماجه (٧٧٨).\nوعبد الله بن صالح العجلي (ثقة) كما في الدعاء للطبراني (٤٢١)، وعمل اليوم والليلة لابن السني (٨٥).\nومحمد بن فضيل كما في أمالي ابن بشران (٧٥٣).\nويحيى بن أبي بكير (ثقة) كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٥٦)، والدعوات الكبير للبيهقي (٦٥) أربعتهم (أبو الجهم، وعبد الله بن صالح، ومحمد بن فضيل، وابن أبي بكير) رووه عن فضيل بن مرزوق به، وجزموا برفعه.\nورواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٣/ ٢١) أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، قال يزيد: فقلت لفضيل: رفعه؟ قال: أحسبه قد رفعه. وهنا لم يتيقن الرفع، وإنما ظنه ظَنًّا.\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٢٠٢) عن فضيل بن مرزوق، عن عطية به موقوفًا.\nوتابعه على هذا أبو نعيم فيما ذكره ابن أبي حاتم في العلل (٢٠٤٨).\nوقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: موقوف أشبه. اهـ\nفالمرفوع والموقوف مخرجه واحد، ومداره على عطية العوفي، وهو ضعيف.\n(^٣). المسند (٦/ ٣٠٦).","vol":"1","page":17},{"text":"[صححه الترمذي والحاكم، وأُعِلَّ بالانقطاع] (^١).\n_________\n(^١). الحديث رواه أحمد (٦/ ٣٠٦، ٣١٨) وابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٢٠١) وعبد بن حميد كما في المنتخب (١٥٣٦) والترمذي (٣٤٢٧)، والنسائي في المجتبى (٥٥٣٩) وفي الكبرى (٧٨٧٠، ٩٨٣٥)، والطبراني في الدعاء (٤١١)، والحاكم في المستدرك (١٩٠٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧٦)، من طريق سفيان الثوري.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي (١٧١٢)، وأحمد (٦/ ٣٢١)، وأبو داود (٥٠٩٤)، والنسائي في الكبرى (٩٨٣٤)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٢٠) ح ٧٢٦، وفي الدعاء (٤١٢)، عن شعبة.\nوابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٢٠٠)، وعنه ابن ماجه (٣٨٨٤) قال: حدثنا عبيدة بن حميد.\nوأخرجه الحميدي (٣٠٥)، والطبراني في الدعاء (٤١٣)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٢٥) عن فضيل بن عياض.\nوإسحاق في مسنده (١٨٨٩، ١٨٩٠)، والنسائي في المجتبى (٥٤٨٦)، وفي الكبرى (٧٨٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٤١١) عن جرير بن عبد الحميد.\nوأخرجه النسائي في الكبرى (٧٨٦٩)، والطبراني في الدعاء (٤١٤)، من طريق القاسم بن معن.\nوأخرجه الطبراني في الدعاء (٤١٦)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦٤) من طريق مسعر بن كدام، كلهم (الثوري، وشعبة، وعبيدة بن حميد، وفضيل بن عياض، وجرير بن عبد الحميد، والقاسم بن معن) عن منصور بن المعتمر، عن عامر الشعبي، عن أم سلمة.\nوتوبع منصور فيه:\nتابعه مجاهد، فرواه عن الشعبي، عن أم سلمة.\nأخرجه الطبراني في الدعاء (٤١٨) من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد به.\nوأخرجه البيهقي في السنن (٥/ ٤١١) من طريق عطاء، عن الشعبي به.\nوالحديث أُعِلَّ بعلتين:\n\nالأولى: الانقطاع بين الشعبي وأم سلمة، وقد اخُتِلَف في سماع الشعبي من أم سلمة.\nفذهب أبو داود والحاكم إلى القول بالسماع لإمكانه.\nقال أبو عبيد الآجري في سؤالاته (١٧١) «سمعت أبا داود، قال: الشعبي سمع من أم سلمة، وأم سلمة ماتت آخر أزواج النبي ﷺ وقيل: صفية ماتت آخرهن». اهـ\nوهو مقتضى تصحيح الترمذي له، فإنه قال عن الحديث: حسن صحيح.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وربما توهم متوهم أن الشعبي لم يسمع من أم سلمة، وليس كذلك، فإنه دخل على عائشة، وأم سلمة جميعًا، ثم أكثر من الرواية عنهما جميعًا.\nقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار متعقبًا قول الحاكم (١/ ١٥٩ - ١٦٠): هكذا قال، وقد خالف ذلك في علوم الحديث (ص: ١١١) له، فقال: لم يسمع الشعبي من عائشة». =","vol":"1","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإذا انتقض قول الحاكم في سماعه من عائشة انتقض في أم سلمة؛ لأنه مبني على دعوى أنه دخل على عائشة وأم سلمة جميعًا.\nوقد جزم علي بن المديني بأنه لم يسمع منها، قال في العلل نقلًا من تهذيب التهذيب (٥/ ٦٨): «لم يسمع من زيد بن ثابت، ولمَ يلْقَ أبا سعيد الخدري، ولا أم سلمة».\nونقل ذلك ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٦٠)، فقال: «لم يسمع الشعبي من أم سلمة، وعلى هذا فالحديث منقطع ..... فعلل من صححه سهَّل الأمر فيه؛ لكونه من الفضائل، ولا يقال: اكتفى بالمعاصرة؛ لأن محل ذلك أن لا يحصل الجزم بانتفاء التقاء المتعاصرين إذا كان النافي واسع الاطلاع مثل ابن المديني، والله أعلم».\nوقد اعتمد الحاكم في ثبوت السماع على أمرين:\nأن الشعبي دخل على عائشة وأم سلمة جميعًا، ثم أنه أكثر من الرواية عنهما جميعًا.\nفهل صح دخول الشعبي عليهما؟ وإن صح فهل يلزم منه سماع التحمل والرواية؟ فكم من رَاوٍ أثبت الأئمة لقياه لِرَاوٍ آخر، ونفوا عنه سماع التحمل والرواية، ولا أدل على ذلك من قول الحاكم نفسه عن عائشة: إنه لم يسمع منها في معرفة علوم الحديث.\nوإذا جاء إثبات اللقاء ونفيه من إمامين، فالأصل أن المثبت مقدم على النافي؛ لأن معه زيادة علم إلا أن في مسألتنا هذه ما يعكر على تقديم المثبت: أن المثبت بنى حكمه على إمكان اللقيا، وهذا ليس إثباتًا في الحقيقة، فلا يقدم على من جزم بعدم اللقيا، فالظاهر من حكم أبي داود أنه بنى حكمه على تأخر وفاة أم سلمة ﵂، وهذا لا يلزم منه إلا إمكان اللقيا، فلا يعارض به كلام ابن المديني وقد جزم بنفي اللقيا، والله أعلم.\nوقول الحاكم: ثم أكثر من الرواية عنهما لم يَصِلْ إلينا ما رواه عن أم سلمة إلا أربعة أحاديث، هذا أحدها.\nوالثاني: حديث كان النبي ﷺ يقول بعد الفجر: اللهم إني أسألك رزقًا طيبًا، وعلمًا نافعًا، وعملًا متقبلًا.\nوالثالث: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره، لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده، فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من هذا الدعاء، فقال: إني أمرت بها، فقال: إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخر السورة.\nوالرابع: حديث كان النبي ﷺ يصبح جنبًا، ويخرج إلى المسجد، ولا يفطر، ثم يصبح صائمًا.\n\nالعلة الثانية: وهي الاختلاف في إسناده.\nفقد رواه منصور، عن الشعبي، عن أم سلمة، ولم يختلف فيه على منصور.\nوتابعه مجاهد، وعطاء كما سبق.\nورواه زبيد اليامي، واختلف على زبيد اليامي فيه:\nفرواه الطبراني في الدعاء (٤١٧) من طريق أبي حذيفة، حدثنا سفيان الثوري، عن زبيد، ...\nعن الشعبي، عن أم سلمة كرواية الجماعة.\nوأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٨٣٦) وفي عمل اليوم والليلة (٨٨)، أخبرنا محمد بن بشار من حديث عبد الرحمن (بن مهدي)، عن سفيان، عن زبيد اليامي، عن الشعبي، عن النبي ﷺ، مرسلًا.\nورواه أبو بكر الهذلي، عن الشعبي، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٩) ح ١١، وفي الدعاء (٤١٩)، والهذلي ضعيف.\nورواه مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة مرفوعًا.\nأخرجه الطبراني في الدعاء (٤٢٠) من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثني أبي، عن مجالد به. وعمر بن إسماعيل بن مجالد متروك، وقال فيه ابن معين: كذاب.\nومجالد بن سعيد: ضعيف.\nوهذا الاختلاف على الشعبي لا يضر رواية منصور عنه؛ لأنه لم يختلف على منصور في روايته، ولهذا قال الدارقطني في العلل (١٥/ ٢٢٢) بعد أن ذكر الاختلاف فيه: والمحفوظ حديث منصور ومن تابعه.\nوقال الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ١٦٠): وهذه العلة -يعني الاختلاف في إسناده- غير قادحة، فإن منصورًا ثقة حافظ، ولم يختلف عليه فيه .... والهذلي ضعيف، ومجالد فيه لين، وزبيد وإن كان ثقة لكن اختلف عليه، فجاء عنه كرواية منصور بذكر أم سلمة، فما له علة سوى الانقطاع، فلعل من صححه سهل الأمر فيه لكونه من الفضائل ....».","vol":"1","page":19},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٠٤١) ما رواه أبو داود من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،\nعن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ، قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذ: هديت، وكفيت، ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ (^١).\n[إسناده ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٥٠٩٥).\n(^٢). الحديث رواه أبو داود (٥٠٩٥) والنسائي في السنن الكبرى (٩٨٣٧)، والطبراني في الدعاء (٤٠٧)، وابن حبان في صحيحه (٨٢٢)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧٨)، من طريق حجاج بن محمد. =","vol":"1","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والترمذي في السنن (٣٤٢٦)، وفي العلل الكبير (٦٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٤١١) من طريق يحيى بن سعيد، كلاهما عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك.\nقال الترمذي في السنن: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ\nوفي العلل الكبير (ص: ٣٦٢) قال الترمذي: سألت محمَّدًا، يعني ابن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث. فقال: حدثوني عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، بهذا الحديث، ولا أعرف لابن جريج عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة غير هذا الحديث، ولا أعرف له سماعًا منه. انظر ترتيب علل الترمذي الكبير (٦٧٣).\nوقال الدارقطني في العلل (١٢/ ١٣): «يرويه ابن جريج، واختلف عنه؛\nفرواه يحيى بن سعيد الأموي، وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة.\nورواه عبد المجيد بن أبي رواد، وهو أثبت الناس في ابن جريج، قال: حدثت عن إسحاق والصحيح أن ابن جريج لم يسمعه من إسحاق».\nوصححه ابن حبان، قال ابن حجر تعليقًا: خفيت عليه علته، ثم استشهد بكلام البخاري والدارقطني على انقطاع الحديث.\nوابن جريج مدلس فإذا رواه عنه عبد المجيد بن أبي رواد، وهو من أثبت الناس فيه، وبين أنه لم يسمعه من إسحاق فهو على الانقطاع.\nوله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (٣٨٨٦)، والطبراني في الدعاء (٤٠٩) من طريق ابن أبي فديك، عن هارون بن هارون، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إذا خرج الرجل من باب بيته، أو من باب داره، كان معه ملكان موكلان به، فإذا قال: باسم الله قالا: هديت، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله قالا: وقيت، وإذا قال: توكلت على الله قالا: كفيت، قال: فيلقاه قريناه فيقولان: ماذا تريدان من رجل قد هدي وكفي ووقي؟\nوسنده ضعيف، في إسناده هارون بن هارون.\nقال البخاري: لا يتابع في حديثه.\nوقال النسائي: ضعيف.\nوقد ساق له ابن عدي، في الكامل (٨/ ٤٣٧) جملة من منكراته، وقال: ولهارون بن هارون غير ما ذكرت، وأحاديثه عن الأعرج، وعن مجاهد، وعن غيرهما، مما لا يتابعه الثقات عليه.\nوروى البخاري في الأدب المفرد (١١٩٧)، وابن ماجه (٣٨٨٥) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن حسين بن عطاء بن يسار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه كان إذا خرج من بيته قال: باسم الله، التكلان على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. =","vol":"1","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا رفعه منكر، تفرد به عبد الله بن حسين بن عطاء، وهو ضعيف، وقد خالفه من هو أوثق منه، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٢٠٤) من طريق شعبة،\nورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٨٩) من طريق جرير،\nوابن أبي الدنيا في التوكل على الله (٢١) من طريق أبي الأحوص، ثلاثتهم عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب الأحبار، قال: إذا خرج من بيته، فقال: باسم الله، توكلت على الله، ولا قوة إلا بالله بلغت الشياطين بعضهم بعضًا، قالوا: هذا عبد قد هدي، وحفظ، وكفي، فلا سبيل لكم عليه، فيتصدعون عنه.\nوهذا من قول كعب الأحبار.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٨٢٧) عن معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن كعب من قوله، ليس فيه (عبد الله بن ضمرة)، ولفظه: إذا خرج الرجل من بيته، فقال: باسم الله، قال له الملك: هديت. وإذا قال: توكلت على الله. قال له الملك: كفيت. وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله: قال الملك: وقيت. قال: فتتفرق الشياطين، فتقول: لا سبيل لكم إليه، إنه قد هدي، وكفي، ووقي.\nقال البرذعي كما في سؤالاته (٤٥٣): «قلت لأبي زرعة الرازي: عبد الله بن حسين بن عطاء بن يسار؟ قال: ضعيف، حدث عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ التكلان على الله، وإنما هو عن سهيل، عن أبيه، عن السلولي، عن كعب». اهـ\nورواه عون بن عبد الله بن عتبة، واختلف عليه:\nفرواه المسعودي، عن عون، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه، وسنده منقطع.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨٠) رقم: ٨٨٨٩، وعنه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٢٥١)، حدثنا أبو مسلم (الكشي)، حدثنا عبد الله (هو ابن رجاء)، حدثنا المسعودي، عن عون، قال: كان عبد الله إذا خرج من بيته، قال: باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال محمد بن كعب القرظي: هذا في القرآن: اركبوا فيها باسم الله [هود: ٤١]، وقال: على الله توكلنا [الأعراف: ٨٩].\nوعبد الله بن رجاء ممن سمع من المسعودي قبل اختلاطه، انظر الكواكب النيرات (ص: ٢٩٤).\nوالمسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود وثقه أحمد، قال يحيى ابن معين: أحاديثه عن الأعمش مقلوبة ... وأحاديثه عن عون وعن القاسم صحاح.\nوهذا من حديثه عن عون.\nوفي التقريب: صدوق.\nفهذا الإسناد إلى عون إسناد حسن أو صحيح، ويبقى علة الانقطاع بين عون وعمه عبد الله بن مسعود ﵁.\nورواه داود بن أبي هند، عن عون، عن النبي ﷺ مرسلًا. =","vol":"1","page":22},{"text":"• الراجح:\nأنه لا يصح في الباب شيء، والأصل عدم التعبد حتى يصح في المسألة سنة، ومن يتساهل في باب الفضائل فإنه يرى أنه لا مانع من التعبد ببعض هذه الأذكار مما ضعفه ليس شديدًا، وفي التعبد بما صَحَّ غنية عن التماس الأحاديث الضعيفة، ولأن الاحتياط للعبادة إذا لم تكن واجبة، هو في الترك؛ لأن الأصل في العبادات الحضر، ولأن التارك لا تثريب عليه، بخلاف الفاعل فإن الناس منقسمون في حقه إلى قسمين: أحد يصحح فعله، والآخر يبدع فعله، فكون المتعبد يلزم طريقة لا يُلَامُ عليها على كل الأقوال أسلم، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n= رواه المحاملي في الدعاء (٢) حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر، حدثنا داود، عن عون بن عبد الله بن عتبة، أن النبي ﷺ قال: ... وذكر نحوه، وهذا مرسل.\nوأخرجه مرسلًا ابن صَصَرَى في أماليه كما في كنز العمال (١٧٥٣٢).\nونسبه السيوطي له في الجامع الكبير، وقال: حَسَّنه عن عون بن عبد الله بن عتبة مرسلًا (١٨٤٧).\nفمن يحسن بالمجموع مطلقًا سوف يحسنه خاصة أن الحديث في الفضائل، ومن يرى أن الضعيف لا يسند الضعيف إذا لم يكن المخرج واحدًا فسوف يتوقى الحذر من الذهاب لتحسين الحديث، وأميل إلى الثاني، والله أعلم.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الثالث في الوقت الذي يجب الذهاب فيه للصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• سماع النداء يوجب الإجابة على الصحيح،، قال: أتسمع النداء، قال: نعم، قال: فأجب، فعلق الأمر بالإجابة على سماع النداء، والمعتبر إمكان السماع.\n• إجابة النداء واجب موسع إلى حين سماع الإقامة إلا في الجمعة فإن السعي يجب بمجرد سماع النداء الثاني.\n• قال ﷺ: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، منطوقه وجوب السعي بسماع الإقامة، ومفهومه: لا يجب السعي قبل سماع الإقامة.\n[م-٤٤٠] يستحب التبكير للصلاة من حين سماع النداء.\nوأما وجوب السعي: فإن كان لصلاة الجمعة وجب السعي إليها عند سماع النداء، والمعتبر إمكان السماع. وإنما وجب بمجرد النداء من أجل سماع الذكر (الخطبة)، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في صلاة الجمعة (^١).\nوإن كان الذهاب للصلوات الخمس وجب السعي إليها بسماع الإقامة.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].\nفأمر بالسعي عند سماع النداء، والأمر يقتضي الوجوب.\n_________\n(^١). انظر المنتقى للباجي (١/ ١٩٥)، الفواكه الدواني (١/ ٢٦٢)، فتح الباري لابن رجب (٨/ ١٥٨)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣٨٦)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٧٨)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٥٩٦)، تيسير البيان لأحكام القرآن (٣/ ١٥٥)، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك (ص: ١٧٥)، المغني (٢/ ٢١٨).","vol":"1","page":24},{"text":"قال الجمهور: والمراد بالنداء النداء الثاني؛ لأنه الأذان الذي كان على عهده وعهد أبي بكر وعمر، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (^١).\nوقال الحنفية، وهو رواية عن أحمد: المراد به الأذان الأول الذي على المنارة (^٢).\nوقيل: يجب السعي للجمعة بدخول الوقت، وإن لم يؤذن لها أحد، وهو قول في مذهب الحنفية (^٣).\n• حجة الحنفية:\nأن المصلي لو انتظر الأذان الذي عند المنبر لفاته سماع الخطبة، وربما يُفَوِّت الجمعة إذا كان بيته بعيدًا من الجامع (^٤).\nوالأول أرجح؛\n(ح-١٠٤٢) لما رواه البخاري من طريق الزهري،\nعن السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكثر الناس زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (^٥).\nفالأذان الثاني الذي كان على عهد النبي ﷺ هو الإقامة سميت أذانًا من باب التغليب، كما قال ﷺ: بين كل أذانين صلاة (^٦). أي بين كل أذان وإقامة.\nوقيل: المراد: «معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: إذا قرب\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ٢٢٣)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٤٤٧)، تفسير القرطبي (١٨/ ١٠٠)، تفسير ابن جزي (٢/ ٣٧٤)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٥٠٣)، المجموع (٤/ ٥٠٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٨٠)، مغني المحتاج (١/ ٥٦٦)، كشاف القناع (٢/ ٤٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٠)، مطالب أولي النهى (٣/ ٤٩)، الإنصاف (٤/ ٣٢٣).\n(^٢). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٧١)، البحر الرائق (٢/ ١٦٨)، مرقاة المفاتيح (٣/ ١٠٤٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨١)، تبيين الحقائق (١/ ٢٢٣)، الإنصاف (٤/ ٣٢٣).\n(^٣). تبيين الحقائق (١/ ٢٢٣).\n(^٤). مجمع الأنهر (١/ ١٧١).\n(^٥). صحيح البخاري (٩١٢).\n(^٦). صحيح البخاري (٦٢٧)، وصحيح مسلم (٣٨٣).","vol":"1","page":25},{"text":"وقت النداء لها بمقدار ما يدركها كل ساعٍ إليها، فاسعوا، وليس على تقدير أنه لا يجب السعي إليها إلا حين ينادى لها، والعرب قد تضع البلوغ بمعنى المقاربة كقوله: (إن ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) (^١)، أي: قارب الصباح.\nومثله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].\nيريد إذا قاربن البلوغ؛ لأنه إذا بلغت آخر أجلها لم يكن له إمساكها.\nوفى إجماع العلماء على أن من كان في طرف المصر العظيم، وإن لم يسمع النداء يلزمه السعي دليل واضح أنه لم يرد بالسعي حين النداء خاصة، وإنما أريد قربه» (^٢).\n• وأما الدليل على وجوب السعي للصلوات الخمس عند سماع الإقامة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (^٣).\nفرتب الشارع وجوب السعي إلى الصلاة على سماع الإقامة، ولا يجب عليه السعي إلى الصلاة قبل ذلك إلا في صلاة الجمعة حيث أوجب السعي بسماع النداء.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٤٤) ما رواه البخاري من حديث جابر ﵁، كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة .... وفيه: والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر ... الحديث (^٤).\nفإذا كان الناس تارة يعجلون الحضور، وتارة يتأخرون في الحضور فإن هذا\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦١٧).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٩٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٦٣٦)،.\n(^٤). البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٦٤٦).","vol":"1","page":26},{"text":"دليل على أن الحضور لا يجب بمجرد سماع النداء، فسماع النداء يوجب على المصلي الحضور؛ لحديث: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال فأجب، وهو واجب موسع، ويضيق إذا سمع الإقامة، لأمره بالمشي عند سماع الإقامة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الرابع في الخروج إلى الصلاة بسكينة ووقار</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأصل في المشي إلى العبادة أن يكون بسكينة ووقار، إلا ما ورد فيه النص كالرَّمَلِ في موضعه، والإسراع بين العلمين في السعي.\nقال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] وإذا كان هذا في المشي المباح فالمشي إلى العبادة أولى.\n• التزام السكينة والوقار في السعي للصلاة سبب في التزامه بالصلاة، فالاستعجال في السعي يؤثر على قراءة المصلي وخشوعه، أو يحدث جلبة فيؤثر على خشوع عموم المصلين.\n• إدراك الركعة ليس بأفضل من الالتزام بالسنة، والنص العام لا يقيده إلا نص مثله.\n• إذا اجتمع الأمر والنهي بقوله ﷺ: (وعليكم السكينة ولا تسرعوا) فإن ذلك لا يعني إلا توكيد الالتزام بهذا الأدب، وإلا فالأمر بالشيء نهي عن ضده.\n• أَمَرَ الشرع بالمشي، ونَهَى عن الإسراع عند سمع الإقامة، وليس سماع الإقامة شرطًا للنهي، وإنما خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الاستعجال إنما يقع عند سماع الإقامة خوف فوات إدراك التكبيرة أو الركعة.\n[م-٤٤١] اختلف العلماء في حكم الإسراع لمن سمع الإقامة، وخشي فوات الركعة:\nفقيل: يستحب السكينة والوقار مطلقًا، سواء أكانت الصلاةُ الجمعةَ أم غيرها، وسواء أخاف فوات تكبيرة الإحرام أم لا، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية","vol":"1","page":28},{"text":"عن أحمد (^١).\nوخالف المالكية، فقالوا: الإسراع بلا خَبَب جائز، ولا ينافي الوقار والسكينة، وتكره الهرولة، ولو خاف فوات الجمعة، فإن خاف فوات الوقت وجبت الهرولة (^٢).\nوقيل: يكره الإسراع الشديد مطلقًا، ويكره الإسراع اليسير إلا إذا خاف فوات تكبيرة الإحرام، وطمع في إدراكها، وهذا منصوص الإمام أحمد، وهو المشهور من مذهبه (^٣).\nقال أحمد في رواية مهنَّا: ولا بأس، إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا، ما لم يكن عجلة تقبح؛ جاء عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يعجلون شيئًا إذا تخوفوا فوت التكبيرة الأولى، وطمعوا في إدراكها (^٤).\nوقال إسحاق بن راهويه: إذا خاف فوات الركعة الأولى سعى (^٥).\nفخص ذلك بفوات الركعة، لا فوات تكبيرة الإحرام.\nوقال ابن تيمية في شرح العمدة: إذا خشي أن تفوته الجماعة، أو الجمعة فلا يكره له الإسراع (^٦).\nوظاهر قوله: إذا خشي أن تفوته الجماعة أن ذلك مقيد بتعذر جماعة ثانية، قال في الإنصاف: «وقد ظهر مما تقدم أنه يعجل لإدراك الركعة الأخيرة، لكن هل تقيد\n_________\n(^١). الحجة على أهل المدينة (١/ ٢١٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، شرح مشكل الآثار (١٤/ ١٩٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٩٩)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٥٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٧٨)، المجموع (٤/ ١٠٥)، كفاية النبيه (٤/ ٣٧٧)، الفروع (٢/ ١٥٨).\nجاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٦٠٠) قلت: هل يسعى إلى الصلاة؟ قال: لا على حديث أبي هريرة. قال إسحاق: بلى، إذا خاف فوت التكبيرة الأولى. وانظر مسائل ابن هانئ (٢٦٨).\n(^٢). المنتقى للباجي (١/ ١٣٢)، الاستذكار (١/ ٣٨٢)، شرح التلقين (٢/ ٧٢٥، ٧٢٦)، مواهب الجليل (٢/ ١١٤)، الخرشي (٢/ ٣٣)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٣٤)،.\n(^٣). المغني لابن قدامة (١/ ٣٢٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢)، كشاف القناع (١/ ٣٢٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٤)، الإنصاف (٢/ ٤٠)، العدة شرح العمدة (ص: ٧٥).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٩٣)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٢٨).\n(^٥). الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٤٧)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٦٠١).\n(^٦). شرح العمدة، كتاب الصلاة (ص: ٥٩٨)، الإنصاف (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":29},{"text":"المسألتان بتعذر الجماعة؟ فيه تردد» (^١).\nهذا مجموع الأقوال في المسألة، وملخصها كالتالي:\nفالإسراع الشديد مكروه مطلقًا عند الجمهور، ولو خاف فوات الجمعة والجماعة.\nواستثنى المالكية إذا خاف فوات الوقت فإنه يجب، ولا أظن المسألة هذه محل خلاف مع غيرهم.\nوقال بعض الحنابلة: لا يكره الإسراع الشديد إذا خاف فوات الجمعة، أو الجماعة.\nوأما الإسراع اليسير:\nفقيل: يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن أحمد.\nوقيل: لا يكره مطلقًا، وهو مذهب المالكية.\nوقيل: يكره إلا إذا طمع في إدراك التكبيرة الأولى (تكبيرة الإحرام)، وهو مذهب الحنابلة.\nوقيل: يكره إلا إذا طمع في إدراك الركعة الأولى، وهو قول إسحاق.\n• سبب الخلاف:\nالاختلاف في الإسراع اليسير، هل ينافي السكينة والوقار المأمور بهما في الحديث الصحيح: (وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا).\nولأن سبب توجيه النهي كان مرتبطًا بإسراع حدثت معه جلبة دعت النبي ﷺ ليسأل، ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، فقال: لا تفعلوا ... وذكر الحديث، فمن لم ينظر إلى خصوص السبب، قال العبرة بعموم اللفظ.\nومن يرى أن السبب وصف مؤثر ارتبط بسببه توجيه النهي، فيقيد الحكم بالحال التي توجَّه فيها النهي؛ لأنه المتيقن، وغيره لا يساويه، فلا يلحق به.\nكما أن قوله ﷺ: (فما أدركتم فصلوا ...) هذا الشرط يبين أن النهي عن الإسراع متوجه لمن يدرك الصلاة، ويخشى أن يفوته بعضها، وأما إذا خاف فوات الصلاة جملة، فهل يشمله النهي؟ فالنهي عن الإسراع مكروه، فهل الحاجة إلى إدراك الصلاة ترفع الكراهة؟ لأن فوات الجمعة أو الجماعة لا يجبر، ولأن فضيلة\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":30},{"text":"إدراك الجمعة أو الجماعة تربو على تحصيل أجر ترك المكروه؛ فالمفسدة في ارتكاب المكروه مغمورة في فضل تحصيل الواجب إلا أن يقال: ترك النهي مقدم على فعل المأمور؛ لحديث: إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه (^١).\nومن قال: يغتفر الإسراع اليسير لإدراك تكبيرة الإحرام أو لإدراك الركعة استشهد ببعض الآثار عن الصحابة، وهي معارضة بآثار أخرى بعدم الإسراع مطلقًا، سنأتي على تخريجها إن شاء الله تعالى.\n• دليل من قال: يكره الإسراع مطلقًا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٤٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شيبان، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه، قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة؟ قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٤٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (^٣).\nوجه الاستدلال:\n• اشتمل حديث أبي هريرة على ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: الأمر بالمشي إلى الصلاة، وهو ينافي السعي، ولأن الأمر\n_________\n(^١). البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (١٣٠ - ١٣٣٧).\n(^٢). البخاري (٦٣٥)، وصحيح مسلم (١٥٥ - ٦٠٣).\n(^٣). صحيح البخاري (٦٣٦)،.","vol":"1","page":31},{"text":"بالشيء نهي عن ضده.\nالأمر الثاني: الأمر بالسكينة والوقار، والسكينة محلها طمأنينة القلب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤].\nوالوقار: يتعلق بحركة الجوارح، فالرجل الوقور تدل هيئته وحركاته على وقاره، فأراد الله للماشي للصلاة أن يكون مخبره ومنظره متحليًا بالطمأنينة وترك العجلة.\nالأمر الثالث: النهي عن الإسراع، بقوله: (ولا تسرعوا) فلم يكتف الشارع بالأمر بالمشي، بل أضاف إلى ذلك التصريح بالنهي عن ضده، وهو الإسراع، وهو مطلق يشمل الإسراع الشديد واليسير، ولا ينتهك النهي لتحصيل المأمور؛ لأن النهي أشد؛ لحديث إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. متفق عليه (^١).\nوكان كل ذلك عند سماع الإقامة التي هي مظنة فوات التكبيرة الأولى، بل قد تفوته بعض الركعات، فدل الحديث على أنه لا يجوز الإسراع ولو كان يسيرًا، ولو خشي منه فوات الصلاة أو بعضها.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٤٧) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة (^٢).\nورواه مالك في الموطأ، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، وإسحاق بن عبد الله أنهما أخبراه، أنهما سمعا أبا هريرة به (^٣).\nوروى مالك، عن نعيم بن عبد الله المدني المجمر،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة مادام يعمد إلى الصلاة. وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه\n_________\n(^١). البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (١٣٠ - ١٣٣٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٦٠٢).\n(^٣). موطأ مالك (١/ ٦٨).","vol":"1","page":32},{"text":"حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا (^١).\n[صحيح موقوف، ومثله لا يقال بالرأي].\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث نهي عن الإسراع، ثم أكد ذلك ببيان العلة فقال ﷺ: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة)، فأشار بهذا إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة من ترك العجلة، ولزوم الخشوع، وسكون الأعضاء، وهو رد على من قال: إن الإسراع الذي لا ينافي السكينة والوقار لا بأس به.\nوفائدة أخرى من التعليل وهو أن المصلي إذا لم يدرك من الصلاة شيئًا فقد حصل له مقصوده؛ لكونه في صلاة منذ عمد إلى الصلاة.\n• ونوقش:\nبأن حديث أبي هريرة في الصحيحين وفي غيرهما رواه عنه أصحابه دون زيادة (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة).\nوقد انفرد بهذا الحرف مرفوعًا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، والعلاء وثقه أحمد، وتجنب البخاري تخريج حديثه في صحيحه، وقال يحيى بن معين: ليس بذاك، لم يزل الناس يتوقون حديثه. وفي التقريب: صدوق ربما وهم.\nوخالفه نعيم بن عبد الله المجمر، فرواه عن أبي هريرة موقوفًا (^٢)،\nفأخشى\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ٣٣).\n(^٢). رواه عن أبي هريرة جماعة منهم:\nالأول: سعيد بن المسيب، كما في صحيح البخاري (٦٣٦، ٩٠٨)، وصحيح مسلم (٦٠٢)، وأكتفي بهما.\nالثاني: أبو سلمة كما في صحيح البخاري (٦٣٦، ٩٠٨)، وصحيح مسلم (٦٠٢)، وأكتفي بهما.\nالثالث: محمد بن سيرين، كما في صحيح مسلم (١٥٤ - ٦٠٢)، وأكتفي بالصحيح.\nالرابع: همام بن منبه، كما في صحيح مسلم (١٥٣ - ٦٠٢)، وأكتفي بالصحيح.\nالخامس: عطاء بن أبي رباح كما في مصنف عبد الرزاق (٣٢٧٠)، عن ابن جريج، عن عطاء به.\n\nالسادس: أبو رافع (نفيع بن رافع الصائغ)، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٨٩)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٤٦). ...\nالسابع: أبو صالح السمان، كما في المعجم الأوسط (٩٨٣) من طريق عمرو بن أبي سلمة (الدمشقي) حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه به، وزهير بن محمد تُكُلِّمَ في رواية أهل الشام عنه، وهذا منها.\nالثامن: الحسن البصري، كما في فوائد تمام (١٠٨٢)، وجزء أبي الطاهر للدارقطني (٩٥)، كلهم رووه عن أبي هريرة، ولم يذكر أحد منهم قوله: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة).\nوخالفهم العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، فرواه عن أبيه وإسحاق، عن أبي هريرة، بزيادة هذا الحرف. والعلاء لا يمكن الوثوق بما تفرد به مخالفًا لغيره.","vol":"1","page":33},{"text":"ألا يكون هذا الحرف محفوظًا، ولو كان محفوظًا فأين أصحاب أبي هريرة من أصحاب الطبقة الأولى عنه؟\n• ويجاب من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nأن التعليل سواء أثبت أم لم يثبت فهو لا يرجع بالرد على أصل الحديث المتفق عليه، والمشتمل على الأمر بالمشي إلى الصلاة، والنهي عن الإسراع، ولزوم السكينة والوقار، وهذا كافٍ في ثبوت الحكم؛ وذلك لأن التعليل في الشرع لا يساق لثبوت الحكم في الأصل وهو المقصود هنا، بل لتعديته إذا وجدت العلة في الفرع.\nالوجه الثاني:\nأن هذه اللفظة ليس فيها ما يخالف قواعد الشريعة، فالشرع الذي جعل منتظر الصلاة في حكم المصلي كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين (^١)، لا يبعد أن يجعل العامد إلى الصلاة في حكم المصلي بجامع أن كليهما قصد إلى الصلاة، هذا بانتظارها، وهذا بالذهاب إليها، والجواب الأول أقوى.\nالوجه الثالث:\nأن هذا الحكم مما لا يقال بالرأي، فإذا ثبت موقوفًا من طريقٍ صحيحٍ عن أبي هريرة، فإن له حكم الرفع، والله أعلم.\n_________\n(^١). روى البخاري (٦٤٧) بلفظ: ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة.\nولفظ مسلم (٢٧٢ - ٦٤٩) فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه.\nرواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، سمعت أبا صالح يقول: سمعت أبا هريرة.","vol":"1","page":34},{"text":"الدليل الثالث:\nالنهي عن الإسراع مطلق، والنصوص المطلقة لا يقيدها إلا نص مثلها، أو إجماع.\nالدليل الرابع:\nقال الحافظ ابن حجر: «عدم الإسراع أيضًا يستلزم كثرة الخطا، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه أحاديث كحديث جابر عند مسلم، أن بكل خطوة درجة» (^١).\n• ويناقش:\nفي قول الحافظ: كثرة الخطا معنى مقصود لذاته فيه نظر، فهل كثرة الخطا مقصودة لذاتها، أم هي وسيلة، ولذلك لا يتقصد المصلي المسجد الأبعد إلا أن يقع اتفاقًا، والله أعلم.\n• دليل من قال: يجوز الإسراع بلا هرولة.\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر الله بالسعي إلى الجمعة، ونهى عن السعي إلى الصلاة، فكان السعي الذي أمرنا الله به هو غير السعي الذي نهانا عنه، فيجمع بينهما: أن المنهي عنه، هو السعي الشديد المنافي للوقار والسكينة، والمأمور به هو الإسراع بلا هرولة جمعًا بين الآية والحديث، فكان اسم السعي واقعًا على فعلين: أحدهما مأمور به، والآخر منهي عنه، والله أعلم.\n• ونوقش:\nبأن السعي يطلق تارة ويراد به الإسراع إلى الشيء كقوله ﷺ فلا تأتوها وأنتم تسعونَ، وكالسعي بين العلمين إذا طاف بين الصفا والمروة.\nوتارة يطلق السعي، ويراد به مطلق العمل سواء، أكان بإسراع أم بغيره فمن ذهب إلى الصلاة فقد سعى إليها.\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ١١٨).","vol":"1","page":35},{"text":"قال الطبري إمام المفسرين: والسعي في كلام العرب: العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله: أي يعمل فيما يعود عليهم نفعه (^١).\nفمعنى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. فامضوا إلى ذكر الله، وحكي عن عمر وابن مسعود أنهما كان يقرآن: فامضوا إلى ذكر الله (^٢).\nوهو معنى قول علمائنا: السعي إلى الجمعة واجب على كل من تلزمه الجمعة، لا يقصدون منه وجوب الإسراع إليها، وإنما يريدون مطلق الذهاب إليها (^٣).\nومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩].\nوقال سبحانه: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسِ* بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥].\nوقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ... [الليل: ٤].\nوقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢].\nفالسعي إلى الجمعة إن كان بلا إسراع فهو المشي إليها، وهو المأمور به، وإن بلغ السعي إلى الصلاة حد الإسراع فهو المنهي عنه.\nالدليل الثاني:\n(ث-٢٤٩) روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى الصلاة (^٤).\n• وأجيب:\nبأن رأي ابن عمر معارض بما روي عن أنس وزيد بن ثابت، وأبي ذر وغيرهم.\n(ث-٢٥٠) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا جعفر بن حيان\n_________\n(^١). تفسير الطبري ط هجر (٣/ ٥٨١).\n(^٢). تفسير الطبري (٢٢/ ٦٣٨)، تفسير البغوي (٥/ ٨٤)، تفسير الإمام الشافعي (٣/ ١٣٥٨)، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٥/ ١٧١)، تفسير السمعاني (٥/ ٤٣٤)، تفسير القرطبي (١٨/ ١٠٢).\n(^٣). انظر المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٤٤٩)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٩٥)، تفسير القرطبي (١٨/ ١٠٦)، فتح الباري لابن رجب (٨/ ١٥٦).\n(^٤). الموطأ (١/ ٧٢).","vol":"1","page":36},{"text":"أبو الأشهب، عن ثابت البناني،\nعن أنس بن مالك، قال: خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فأسرعت المشي فحبسني (^١).\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن ثابت، قال: أخذ بيدي أنس، فجعل يمشي رويدًا إلى الصلاة، ثم التفت إلي، فقال: هكذا كان يصنع زيد بن ثابت ليكثر خطاه (^٢).\n[صحيح].\n(ث-٢٥١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا غندر، عن شعبة، عن داود بن فراهيج، قال: حدثني مولاي سفيان بن زياد أنه كان ينطلق إلى المسجد، وهو يستعجل، قال:\nلحقني الزبير بن العوام، فقال: اقصد في مشيك، فإنك في صلاة، لن تخطو إلا رفع الله لك بها درجة، وحط عنك بها خطيئة (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nالدليل الثالث:\nأن المطلوب هو لزوم السكينة والوقار، والإسراع الخفيف لا ينافيهما، بخلاف الإسراع الشديد فإن القلب والنفس إذا ثار فقد فارق السكينة، وفي مفارقتها تفارق جوارحه الحلم والوقار.\n• ويناقش:\nهذا التوجيه يصح لو كان النصُّ أَمَرَ بلزوم السكينة والوقار، أمَّا وقد أمر الحديث بالمشي، ولزوم السكينة والوقار، ونهى عن السرعة فلم يترك النص مجالًا للنظر.\n_________\n(^١). المصنف (٧٤٠٦).\n(^٢). المصنف (٧٤١١).\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٧٤٠٧).\n(^٤). في إسناده سفيان بن زياد، لم يَرْوِ عنه سوى داود بن فراهيج، وذكره ابن حبان في الثقات، ففيه جهالة، والله أعلم.","vol":"1","page":37},{"text":"• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الوقت:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\nوجه الاستدلال:\nأن الشارع جعل إدراك الوقت مقدمًا على تأخير الصلاة بالطمأنينة، فيصلي الخائف من خروج الوقت، ولو كان راجلًا أو راكبًا، فإذا خاف على خروج الوقت وكان الإسراع سببًا في إدراك الصلاة في وقتها كان عليه الإسراع.\nالدليل الثاني:\nأن النهي عن الإسراع مكروه، وفوات الوقت محرم، فيغتفر ارتكاب المكروه دفعًا للمحرم.\nولأن الوقت إذا فات لا يمكن جبره.\n• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الجمعة والجماعة:\nالدليل الأول:\nقوله ﷺ: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا ...)\nرتب الشارع وجوب السعي إلى الصلاة عند سماع الإقامة، ولا يجب عليه السعي إلى الصلاة قبل ذلك إلا في صلاة الجمعة حيث أوجب السعي بسماع النداء، وهذا يدل على أن السعي للصلاة بسماع الإقامة بالسكينة والوقار مع القطع بإدراك الصلاة، ولو فات بعضها، وإلا لوجب السعي قبل سماع الإقامة، كما لو كان مكانه بعيدًا بحيث لو سعى عند سماع الإقامة لم يدرك الصلاة، فهذا يجب عليه أن يسعى قبل سماع الإقامة مع التزام السكينة والوقار، فإذا قصر وخشي من فوات الجمعة، والجمعة لا تقضى إذا فاتت، أو خاف فوات الجماعة، ولم يطمع في إدراك جماعة أخرى لم يكن داخلًا في حديث: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، لأن هذا الخطاب متوجه لرجل يدرك الصلاة إذا سعى إليها بسكينة ووقار عند سماع الإقامة.\nالدليل الثاني:\nقوله ﷺ: (فما أدركتم فصلوا ...) هذا الشرط يبين أن النهي عن الإسراع","vol":"1","page":38},{"text":"متوجه لمن يمكنه إدراك الصلاة، ويخشى أن يفوته بعضها، فيقال له: لا تسرع، فما أدركت فَصَلِّ، وما فاتك فَأَتِمَّهُ. وأما إذا خشي أن تفوته الجمعة، أو تفوته الجماعة، ولا يمكنه تدارك جماعة أخرى فإنه لا يدخل في النهي.\n• ويناقش:\nبأن قوله: (ما أدركتم فصلوا ... وما فاتكم فأتموا)، لفظ (ما) في الجملتين من أسماء الشرط، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، فـ (ما أدركنا) عام يصدق على القليل والكثير، حتى لو أدرك الإمام في التشهد، فيقال له: امش وعليك السكينة والوقار فما أدركت فصل، وما فاتك فأتمه، ومن أدرك الإمام في التشهد فقد فاتته الجمعة والجماعة، فمن خص النهي عن الإسراع لمن يدرك ركعة من الصلاة فأكثر، فإن خشي أن يدرك أقل من ركعة كان مأمورًا بالإسراع من أجل إدراك الجمعة والجماعة فقد خص النص العام بلا مخصص.\n• ويرد هذا الجواب:\nأن قوله: (أدركتم) وقوله: (فاتكم) هذه حقائق شرعية، وليست حقائق لغوية، فالإدراك ليس هو مجرد اللحاق، فمن لحق الإمام بالتشهد فلم يدرك شيئًا من الصلاة، لأن الإدراك أطلق في مقابل الفوات، فأنت مأمور بالصلاة فيما أدركته منها، ومأمور بالإتمام لما فاتك شرعًا منها، وشرط إدراك الصلاة هو إدراك ركعة فأكثر، ولهذا من لحق بالإمام يوم الجمعة في التشهد لم يدرك الجمعة، وكذا الجماعة على الصحيح، فيكون الخطاب متوجهًا بالسكينة والوقار لرجل يصدق عليه أنه أدرك بعض الصلاة، وفاته بعضها، فيقال: ما أدركته فصله، فإذا فاتني الركوع فهذه الركعة لم أدركها، فلست مأمورًا بالدخول معه في السجود؛ لأني مأمور بصلاة ما أدركته مع الإمام شرعًا، وهذه الركعة قد فاتت، فالإدراك والفوات متقابلان، فيؤمر بصلاة ما أدركه، ولا يدركه إلا بإدراك الركوع، وإتمام ما فاته، فإذا خشي أن تفوته الصلاة لو لزم السكينة والوقار لم يكن مخاطبًا بقوله: فما أدركتم، وما فاتكم، فله أن يسرع، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٤٨) ما رواه أحمد، من طريق إسحاق الفزاري، عن ابن جريج قال:","vol":"1","page":39},{"text":"حدثني منبوذ، رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم حتى ينحدر للمغرب، قال: فقال أبو رافع: فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مر بالبقيع فقال: أف لك، أف لك، مرتين، فكَبُر في ذَرْعِي، وتأخرت، وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ امش، قال: قلت: أحدثتُ حَدَثًا يا رسول الله؟ قال: وما ذاك؟، قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيًا على بني فلان، فغلَّ نمرة، فدُرِّع الآن مثلَها من نار (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالشاهد من الحديث:\nقوله في الحديث: (فبينا رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب) فالمغرب\n_________\n(^١). المسند (٦/ ٣٩٢).\n(^٢). أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٢) والنسائي (٨٦٣)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٢٣) رقم: ٩٦٢، والبيهقي في الشعب (٤١٢٤)، من طريق أبي إسحاق الفزاري.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٢) والنسائي في المجتبى (٨٦٢)، وفي الكبرى (٩٣٧) وابن خزيمة في صحيحه (٢٣٣٧)، والروياني في مسنده (٧٢٥)، والبيهقي في الشعب (٤٠٢٤)، من طريق ابن وهب، كلاهما (أبو إسحاق وابن وهب) عن ابن جريج به.\nومنبوذ المدني مولى أبي رافع، لم يوثقه أحد، وقال ابن حجر في التقريب: مقبول يعني حيث توبع، وإلا فلين، وليس له رواية إلا هذا الحديث، وقد روى عنه اثنان: أبو إسحاق الفزاري، وابن وهب، وذكر المزي محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ممن روى عنه، ولم يذكر المزي ابن وهب مع أن روايته في النسائي، ولم يوثقه أحد، ففيه جهالة.\nوشيخه الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع المدني، ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب مقبول، ففيه جهالة أيضًا.\nوجاء الحديث من طريق آخر ضعيف، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٣٠)، وعنه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٨٤) حدثنا المقدام بن داود، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن كثير بن زيد، عن المطلب، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ به بنحوه.\nوشيخ الطبراني المقدم بن داود: ضعيف، وقد اتهم.\nوالمطلب عن أبي رافع مرسل، لم يسمع منه.\nفمن أراد أن يحسن الحديث بالطريقين فهو سبيل يسلكه بعض المحققين، والله أعلم.","vol":"1","page":40},{"text":"وقتها إذا وجبت الشمس، وهذا بالإجماع سواء أقلنا: إن لها وقتًا واحدًا، فيكون وقت سقوط الشمس هو وقت الوجوب، أو قلنا: إن لها وقتًا ممتدًّا إلى غياب الشفق، فيكون وقت سقوط الشمس وقتها المستحب، فدل على أن السرعة لا بأس بها إذا خشي فوات وقت الصلاة.\nالدليل الرابع:\nأن المكروه إذا دعت إليه حاجة رفعت الكراهة، وأي حاجة أعظم من فضيلة إدراك الجمعة والجماعة، فإن المصلحة في إدراكهما تربو على مصلحة ترك المكروه؛ فالمفسدة في ارتكاب المكروه مغمورة في فضل تحصيل العبادة الواجبة.\n• دليل من قال: يسرع لإدراك تكبيرة الإحرام:\nالدليل الأول:\n(ث-٢٥٢) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق أبي عوانة، عن ليث بن أبي سليم، عن رجل، من طَىْء، عن أبيه،\nأن ابن مسعود، خرج إلى المسجد، فجعل يهرول، فقيل له: أتفعل هذا وأنت تنهى عنه؟ قال: إنما بادرت حد الصلاة التكبيرة الأولى (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفهذا ابن مسعود الذي كان ينهى عن الإسراع لا يرى أن الإسراع لإدراك التكبيرة الأولى داخل في النهي، وهو أعلم بمعنى ما سمعوه من النبي ﷺ.\n• ويناقش:\nبأن الأثر ضعيف، ولا يخصص بمثله الحديث المتفق عليه في الأمر بالمشي، والنهي عن الإسراع، ولو فرض صحة الأثر، فالموقوف لا يعارض به المرفوع، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nفي حديث أبي قتادة نهى النبي ﷺ عن الإسراع في حق أناس قد سمع جلبتهم،\n_________\n(^١). المعجم الكبير (٩/ ٢٥٤) رقم: ٩٢٥٩.\n(^٢). في إسناده ليث بن أبي سليم، ضعيف، وفيه أيضًا رجل مبهم.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٤٧) من طريق أبي الأحوص، قال: حدثنا ليث به.","vol":"1","page":41},{"text":"وهو في الصلاة، وهذا لا يكون إلا بعد فوات تكبيرة الإحرام.\nوفي حديث أبي هريرة: إذا سمعتم الإقامة فامشوا، والغالب على من مشى بعد سماع الإقامة أن تفوته التكبيرة الأولى، خاصة إذا لم يكن قريبًا من المسجد.\nفكان النهي في هذين الحديثين متوجهًا في حق من فاتته تكبيرة الإحرام، ويخشى أن تفوته الركعة، لا في حق من طمع في إدراك تكبيرة الإحرام.\nوفرق بين هذا الموضع وبين من يطمع في إدراك تكبيرة الافتتاح فقد جاء فضل عظيم فيمن يدرك حد الصلاة، وإدراك الحد: أن يدرك أولها، بأن يدرك الصلاة قبل تكبيرة الإمام؛ ليكون خلف الإمام إذا كبر للافتتاح، وهذا القدر لا ينجبر إذا فات؛ فإذا فاته حد الصلاة، فإنه قد أيس من إدراك الحد فإذا كان هذا المقصود العظيم الذي لا ينجبر فواته يحصل بإسراع يسير لم يكره ذلك بخلاف ما إذا فاتته الركعة فإنه يمكن أن يقضي ما فاته، فيكون داخلًا في عموم النهي عن الإسراع، بل هو المقصود من النهي؛ لأن الفوات إنما يكون بفوات الركعة؛ لأنه ﷺ قال لأبي بكرة لما أسرع لإدراك الركوع: زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ.\nوإذا جاز الإسراع لإدراك تكبيرة الافتتاح جاز الإسراع لإدراك الجمعة والجماعة إذا خشي فواتهما.\n• ويناقش:\nإذا كان السعي إلى الصلاة لا يجب إلا عند سماع الإقامة، فإن إدراك تكبيرة الافتتاح ليس واجبًا على المصلي، بل مندوب، وإذا تزاحم المندوب والمكروه، والأول ملحق بالأوامر، والثاني ملحق بالنواهي كان مراعاة النهي أولى من مراعاة الأمر.\n(ح-١٠٤٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (^١).\n• دليل من قال: يسرع إذا خاف فوات الركعة:\nهذا القول لا أعلم له دليلًا، بل هو مصادم لصريح النص في قوله: (ولا\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (١٣٣٧).","vol":"1","page":42},{"text":"تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا).\nإلا أن يكون قد بنى فقهه هذا على القول بأن الإسراع المنهي عنه هو الإسراع الشديد، وأما اليسير الذي لا ينافي السكينة والوقار فليس داخلًا في النهي، فإن كان بنى قوله على ذلك، فليس له أن يشترط في جواز الإسراع اليسير خوف فوات الركعة؛ لأن اليسير إذا لم يكن داخلًا في النهي كان له أن يسرع مطلقًا، ولو لإدراك قراءة الركعة، أو تكبيرة الافتتاح، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن السعي إلى الصلاة يجب عند سماع الإقامة بشرط أن يدرك الصلاة، فإذا كان لا يدرك الصلاة لو سعى عند سماع الإقامة فيجب أن يسعى قبل سماعه الإقامة، فإذا تقرر هذا يكون الأمر بالسكينة والوقار وعدم الإسراع ليس في حق رجل يخشى أن تفوته الجمعة، أو تفوته الجماعة ولا بدل لها، بل كان موجهًا لرجل قُطِع بأنه يدرك بعض الصلاة، ويفوته بعضها، ولهذا قيل له: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، والأمر بالإتمام نص صريح بأنه قد أدرك بعض الصلاة إدراكًا شرعيًّا، فإذا خشي أن تفوته الصلاة فلا بأس بالإسراع إليها، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الخامس في كراهة التشبيك بين الأصابع إذا خرج إلى الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• أحاديث النهي عن تشبيك الأصابع إذا خرج إلى الصلاة لا يصح منهاحديث.\n• تشبيك الأصابع فعله النبي ﷺ خارج الصلاة، فدل على أن التشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله.\n• قياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة صفة في العبادة، والأصل فيه المنع، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحلُّ.\n• القول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر والنواهي، ولو كره التشبيك خارج الصلاة لكره الالتفات والكلام خارجها.\n• وضع اليدين في جميع أحوال الصلاة له صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، بخلاف التشبيك خارج الصلاة.\n[م-٤٤٢] اختلف العلماء في كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى الصلاة.\nفقيل: لا يكره في غير الصلاة، وهو مذهب المالكية، وقال الحلبي من الحنفية: لم أقف عليه لمشايخنا يعني خارج الصلاة (^١).\nواختار الإمام البخاري عدم الكراهة في صحيحه، فبوب في الصحيح: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ثم ساق ثلاثة أحاديث يفهم منها الجواز مطلقًا.\nقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المساجد، وما به بأس، وإنما\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ٢٢)، النهر الفائق (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":44},{"text":"يكره في الصلاة (^١).\nوقيل: يكره، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nواختلف في حكمة النهي عن التشبيك:\nفقيل: لكونه من الشيطان كما في حديث أبي سعيد مرفوعًا: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان ... رواه أحمد، وسيأتي تخريجه في الأدلة إن شاء الله تعالى.\nوقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو من مَظَانِّ الحدث.\nوقيل: لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر (^٣).\nوقيل: لأنه من العبث، وقيل: ينافي الخشوع.\nوقيل: لأن الساعي إلى الصلاة في حكم المصلي.\nوقيل: لأن التشبيك صلاة المغضوب عليهم (^٤).\nقال الخطابي في معالم السنن: «قد يفعله بعض الناس عبثًا وبعضهم ليفرقع أصابعه عندما يجد من التمدد فيها، وربما قعد الإنسان فشبك بين أصابعه واحتبى بيديه، يريد به الاستراحة، وربما استجلب به النوم فيكون ذلك سببًا لانتقاض طهره فقيل لمن تطهر وخرج متوجهًّا إلى الصلاة لا تشبك بين أصابعك؛ لأن جميع\n_________\n(^١). النوادر والزيادات (١/ ٥٣٤).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤١)، البحر الرائق (٢/ ٢٢)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٨٧)، النوادر والزيادات (١/ ٥٣٤)، النوادر والزيادات (١/ ٣٦٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٥١)، والتاج والإكليل (٢/ ٢٦١)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، الخرشي (١/ ٢٩٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٤)، التوضيح لخليل (١/ ٣٩٥)، شرح زروق على الرسالة (٢/ ١٠٨٠)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٤٧٨)، المجموع (٤/ ١٠٥)، مغني المحتاج (١/ ٥٦٦)، نهاية المحتاج (٢/ ٦٢، ٣٤٢)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٥٠٠)، المغني (٢/ ٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢)، الفروع (٢/ ١٥٨)، الإقناع (١/ ١١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٢٤).\n(^٣). فتح الباري (١/ ٥٦٧)، معالم السنن (١/ ١٦٢)، شرح السنة للبغوي (٣/ ٢٩٤).\n(^٤). المغني (٢/ ٨)، المبدع (١/ ٤٢٧)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٣٦٥)، التنوير شرح الجامع الصغير (٢/ ٨)، المقاصد الحسنة (ص: ٢٥٦)، إرشاد الخلق إلى دين الحق (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":45},{"text":"ما ذكرناه من هذه الوجوه على اختلافها لا يلائم شيء منها الصلاة، ولا يشاكل حال المصلي» (^١).\n• دليل من قال: لا يشبك بين أصابعه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٥٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا داود بن قيس، عن سعد بن إسحاق بن فلان بن كعب بن عجرة، أن أبا ثمامة الحناط، حدثه\nأن كعب بن عجرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فلا يشبك بين يديه، فإنه في الصلاة (^٢).\n[ضعيف، والمعروف أن قوله: فلا يشبك من قول الراوي مدرجًا في الحديث] (^٣).\n_________\n(^١). معالم السنن (١/ ١٦٢).\n(^٢). المسند (٤/ ٢٤١).\n(^٣). الحديث له طرق كثيرة،\nالطريق الأول: سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة،\nوقد اختلف على سعد بن إسحاق، فقيل:\nعنه، عن أبي ثمامة الحناط، عن كعب بن عجرة.\nوقيل: عنه، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي ثمامة، عن كعب بن عجرة.\nوقيل: عنه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي ثمامة، عن كعب بن عجرة، ويشبه أن يكون الصواب: عن سعد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن كعب بن عجرة، وإليك بيان الاختلاف والراجح من هذه الطرق:\n\nفالحديث رواه داود بن قيس واختلف على داود بن قيس:\n\nفرواه إسماعيل بن عمر الواسطي كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤١)،\nوأبو عامر العقدي كما في سنن أبي داود (٥٦٢)، وصحيح ابن حبان (٢٠٣٦)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٣٦٩).\nوعبد الله بن وهب كما في جامعه (٤٤٧)، وفي المعرفة للبيهقي (٤/ ٤٠٠).\nوعثمان بن عمر بن فارس كما في سنن الدارمي (١٤٤٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٥).","vol":"1","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nوعثمان بن الهيثم المؤذن، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٥١) رقم: ٣٣٢، ومعجم ابن الأعرابي (١٤٦٦)، ومعجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٣٧٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٥).\nخمستهم رووه عن داود بن قيس، قال: حدثني سعد بن إسحاق، حدثني أبو ثمامة الحناط، أن كعب بن عجرة مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فلا يشبك بين يديه، فإنه في الصلاة.\nوخالفهم ابن المبارك كما في التاريخ الكبير للبخاري (٩/ ١٧) رقم: ١٣٣،\nوداود بن نافع كما في مشكل الآثار (٥٥٦٩)،\nوخالد بن نزار كما في المعجم الأوسط (٨٨٣٠)، ثلاثتهم عن داود بن قيس، حدثني أبو ثمامة الحناط، عن كعب بن عجرة به، دون ذكر سعد بن إسحاق بين داود بن قيس، وبين أبي ثمامة الحناط، وقد صرح داود بن قيس بالسماع من أبي ثمامة من رواية ابن المبارك، عنه، فأخشى أن يكون هذا من تصرف الرواة.\nوأرى أن رواية داود بن قيس بذكر سعد بن إسحاق أولى بالصواب إلا أن سَعْدًا لا يروي الحديث عن أبي ثمامة مباشرة.\nفقد رواه أنس بن عياض (ثقة)، كما في مشكل الآثار للطحاوي (٥٥٦٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٥٢)، رقم ٣٣٣، صحيح ابن خزيمة (٤٤٢)، وفي الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (٣/ ١٩).\nوعبد العزيز بن محمد الدراوردي (صدوق يخطئ إذا حَدَّثَ من حفظه) كما في مشكل الآثار (٥٥٦٥)، كلاهما، عن سعد بن إسحاق، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي ثمامة، قال: لقيت كعب بن عجرة، وأنا أريد الجمعة، وقد شبكت بين أصابعي، لما دنوت ضرب يدي، ففرق بين أصابعي، وقال: إنا نهينا أن يشبك أحدنا بين أصابعه في الصلاة. قلت: إني لست في صلاة، فقال: أليس قد توضأت، وأنت تريد الجمعة؟ قلت: بلى، قال: فأنت في صلاة.\nورواه أبو خالد الأحمر (صدوق)، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٨٢٦)،\nوعيسى بن يونس (ثقة مأمون) كما ذكر ذلك البيهقي في سننه (٣/ ٣٢٦) كلاهما عن سعد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي ثمامة القماح، قال: لقيت كعبًا، وأنا بالبلاط، قد أدخلت بعض أصابعي في بعض، فضرب يديَّ ضربًا شديدًا، وقال: نهينا أن نشبِّك بين أصابعنا في الصلاة، قال: قلت له: يرحمك الله! تراني في صلاة؟ فقال: من توضأ فعمد إلى المسجد فهو في صلاة.\nوهذا لفظ أبي خالد الأحمر، والبيهقي لم يذكر لفظ عيسى بن يونس.\nفوافق أبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس أنس بن عياض والدراوردي، على مسألتين إحداهما إسنادية، والأخرى لفظية، واختلفوا في مسألة واحدة:\nأما الموافقة الإسنادية: وهو أن سعدًا لا يرويه مباشرة عن أبي ثمامة وإنما بينهما واسطة، وهذا يضعف رواية داود بن قيس عن سعد بن إسحاق، عن أبي ثمامة.\nوأما الموافقة اللفظية: فهو أن المرفوع في الحديث هو النهي عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة، وأما النهي عن التشبيك في أثناء المشي للصلاة، فهو من فهم كعب بن عجرة وفقهه، ... =","vol":"1","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nحيث جعل الماشي للصلاة حين كان له أجر المصلي حكمًا رأى اجتهادًا منه أنه يلزمه حكم المصلي، وهذا موضع اجتهاد، وليس نصًّا مرفوعًا للنبي ﷺ، ولا يلزم من إعطاء الساعي للصلاة حكم المصلي أن يلزمه ما يلزم المصلي من كل وجه، فهو يباح له الكلام، والضحك، والمشي، والانصراف عن القبلة، فالصلاة تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فقبل أن يكبر لا يلزمه ما يلزم المصلي، وإن قضي أنه في صلاة من حيث الأجر والمثوبة، فلو كان له حكم المصلي من كل وجه لمنع من كل ما يمنع منه المصلي، ولا قائل به.\nوأما المخالفة: فهو أن أبا خالد وعيسى بن يونس روياه عن سعد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، وقال أنس والدراوردي عن سعد، عن أبي سعيد.\nوقد رواه الضحاك بن عثمان (مدني صدوق) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٦) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي ثمامة البزي، قال: خرجت وأنا أريد الصلاة، فصحبت كعب بن عجرة، فنظر إلي، وأنا أشبك بين أصابعي، فقال: لا تشبك بين أصابعك، فإن رسول الله ﷺ نهى أن نشبك بين أصابعنا في الصلاة فقلت: إني لست في صلاة، قال: أليس قد توضأت، وخرجت تريد الصلاة؟ قلت: بلى، قال: فأنت في صلاة.\nوالإسناد إلى الضحاك بن عثمان إسناد صحيح، وهذه متابعة على ذكر سعيد بن أبي سعيد، عن أبي ثمامة.\nفما هو الراجح؟ فإن قيل: رواية أنس بن عياض والدراوردي أرجح لكونهما مدنيين، وأبو سعيد المقبري مدني، بخلاف أبي خالد الأحمر وعيسى بن يونس فهما كوفيان، وأهل البلد أدعى للضبط.\nفالجواب: أن الضحاك بن عثمان مدني أيضًا. وقد تفرد سعد بن إسحاق بذكر الحديث من رواية أبي سعيد المقبري على اختلاف عليه، وقد رواه جماعة: منهم، ابن أبي ذئب، وابن عجلان، فقالوا فيه: عن سعيد بن أبي سعيد\nوإن كان في رواية ابن عجلان اضطراب كثير، ولا شك أن اتفاق الضحاك بن عثمان، وأبي خالد الأحمر، وعيسى بن يونس، وابن أبي ذئب، وابن عجلان على ذكر سعيد بن أبي سعيد، ولم يذكر أحد منهم أبا سعيد المقبري إلا ما جاء في رواية سعد بن إسحاق على اختلاف عليه في ذلك يضعف رواية أنس بن عياض، الدراوردي، والله أعلم.\nوعلى أي الاحتمالات ذهبت فإن طريق سعد بن إسحاق علته أبو ثمامة الحناط، وقد قال فيه الدارقطني: لا يعرف، متروك.\nوقال الذهبي في المهذب (٣/ ١١٦٠): مجهول، لا يعرف إلا بهذا الحديث، وفيه نكارة.\nالطريق الثاني: رواه ابن عجلان، واختلف عليه فيه:\nفقيل: عنه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن كعب بن عجرة.\nأخرجه أحمد (٤/ ٢٤٢) قال: حدثنا قران بن تمام أبو تمام الأسدي.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٢٤٣) من طريق شريك بن عبد الله. =","vol":"1","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nوعبد الرزاق (٣٣٣٤)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٥٢) رقم: ٣٣٤،\nوكذا الدارمي (١٤١٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٥٦٧)، والطوسي في مستخرجه (٣٦١، ٣٦٢)، عن الثوري.\nورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٥٣) من طريق خالد بن الحارث،\nوابن ماجه (٩٦٧) من طريق أبي بكر بن عياش.\nوابن خزيمة (٤٤٤) من طريق أبي خالد الأحمر، ولم يذكر لفظه، ستتهم (قران، وشريك، وسفيان، وخالد بن الحارث، وابن عياش، وأبو خالد)، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن كعب بن عجرة.\nولفظ الثوري، وقران أبي تمام الأسدي، والحارث (إذا توضأت، فعمدت إلى المسجد، فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة) قال: قران: أراه قال: فإنك في صلاة.\nفكان الحديث في النهي عن تشبيك الأصابع في أثناء الذهاب إلى الصلاة.\nولفظ شريك: (دخل علي رسول الله ﷺ المسجد، وقد شبكت بين أصابعي، فقال لي: يا كعب، إذا كنت في المسجد فلا تشبك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة).\nفكان الحديث في التشبيك بين الأصابع في المسجد حال انتظار الصلاة.\nولفظ أبي بكر بن عياش: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول الله ﷺ بين أصابعه).\nفجعل القصة حدثت لرجل، وليست لكعب، وفي تشبيك بين الأصابع في الصلاة، لا في السعي إليها، ولا في انتظار الصلاة. وابن عياش قد تغير حفظه.\nوشريك وابن عياش لا يقارنان بالثوري، وخالد بن الحارث، لكن علته اضطراب ابن عجلان فيه كما سيتكشف لك عند استكمال طرق ابن عجلان. ...\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن رجل، عن كعب.\nأخرجه الترمذي (٣٨٦)، والطوسي في مستخرجه (٣٦٢)، من طريق الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن رجل، عن كعب بن عجرة، أن رسول الله ﷺ، قال: إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه، فإنه في صلاة.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن رجل من آل كعب بن عجرة، عن كعب.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٥٣) رقم: ٣٣٥ من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط (ثقة)، ومحمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن رجل من آل كعب بن عجرة، عن كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ، قال: يا كعب، إذا خرجت من منزلك تريد الصلاة، فلا تشبك بين أصابعك.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٥٦٨) من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، قال: حدثنا بعض آل كعب بن عجرة، أن كعب بن عجرة ... =","vol":"1","page":49},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=كان يحدث، أن رسول الله ﷺ، قال: من شبك أصابعه في المسجد، وهو يصلي، فليتوضأ.\nولم يتابع ابن إسحاق على هذا اللفظ، فهو لفظ منكر، والله أعلم.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن بعض بني كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن بعض بني كعب بن عجرة أن النبي ﷺ مرسلًا.\nرواه ابن جريج، واختلف على ابن جريج فيه:\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٣٣)، عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن بعض بني كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ قال: إذا توضأت فأحسنت وضوءك، ثم عمدت إلى المسجد، فإنك في صلاة، فلا تشبك بين أصابعك. وهذا ظاهره مرسل.\nوخالف عبد الرزاق محمد بن بكر البرساني (ثقة)، فرواه أحمد (٤/ ٢٤٢) عنه، أخبرنا ابن جريج، أخبرني محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن بعض بني كعب بن عجرة، عن كعب، أن النبي ﷺ قال: ... وذكره بمثل لفظ عبد الرزاق، إلا أنه وصله إلى كعب.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن رجل مصدق، عن أبي هريرة.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٣٢) عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن رجل مصدق، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم يخرج يريد الصلاة فلا يزال في صلاته حتى يرجع، فلا تقولوا هكذا. ثم شبك في الأصابع، إحدى أصابع يديه في الأخرى.\nفجعله من مسند أبي هريرة.\nوقيل: عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nأخرجه ابن خزيمة (٤٤٠)، وابن حبان (٢١٤٩)، والحاكم (٧٤٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، أخبرنا سعيد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال لكعب بن عجرة: إذا توضأت، ثم دخلت المسجد، فلا تشبكن بين أصابعك.\nفجعل الحديث من مسند أبي هريرة، وجعل النهي عن التشبيك بعد دخول المسجد، ومفهوم الشرط أنه قبل دخول المسجد لا مانع من التشبيك.\nتابع إسماعيل بن أمية ابن عجلان من رواية يحيى بن سعيد القطان، عنه.\nفقد رواه الدارمي (١٤٤٦)، وابن خزيمة (٤٣٩)، من طريق إسماعيل بن أمية (ثقة)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من توضأ، ثم خرج يريد الصلاة، فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته، فلا تقولوا: هكذا». يعنى يشبك بين أصابعه\nقال الدارقطني في العلل (١١/ ١٣٧): «وأما إسماعيل بن أمية، فرواه عبد الوارث بن سعيد، ويحيى بن سليم، ومحمد بن مسلم الطائفيان، والحارث بن عبيدة، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ... =","vol":"1","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=واختلف على إسماعيل بن عياش، فرواه الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد المقبري، عن شيخ من أهل المدينة، عن أبي هريرة.\nوكذلك رواه روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، عن المقبري، عن شيخ، عن أبي هريرة، وهو الصواب عن إسماعيل بن أمية».\nوقيل: عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nأخرجه ابن خزيمة (١/ ٢٢٩)، والحاكم (٧٤٦)، من طريق شريك.\nوالطبراني في الأوسط (٨٣٨) من طريق الدراوردي، كلاهما عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة به، ولفظ شريك: (إذا توضأت، ثم دخلت المسجد، فلا تشبكن بين أصابعك).\nولفظ الدراوردي: (إذا توضأ أحدكم للصلاة، فلا يشبك بين أصابعه).\nقال الترمذي في السنن (٣٨٦): «.... حديث شريك غير محفوظ».\nوقال الطبراني في الأوسط: لم يروه بهذا السند إلا الدراوردي، ورواه الناس عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن كعب بن عجرة.\nوقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٤٠): «وفيه عتيق بن يعقوب، ولم أَرَ من ذكره، وبقية رجاله رجال الصحيح». اهـ\nقلت: قال البرقاني: سمعت الدارقطني يقول: عتيق بن يعقوب الزبيري، مديني ثقة. سؤالات البرقاني (٣٩٥)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٥٢٧).\nوقيل: عن ابن عجلان، عن ابن المسيب، إلا أنه لم يبلغ به النبي ﷺ.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٣٥)، عن ابن جريج، عن ابن عجلان، عن ابن المسيب إلا أنه لم يبلغ به النبي ﷺ.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٨٢٥) عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن يزيد ابن خصيفة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبِّكنَّ أصابعه. وهذا مرسل.\nويزيد بن خصيفة وثقه ابن معين وأحمد وأبو حاتم والنسائي. ...\nورواه ابن خزيمة (٤٤٥) من طريق خالد يعني ابن حيان الرقي (صدوق يخطئ)، عن ابن عجلان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد.\nقال ابن خزيمة: هذا إسناد مقلوب.\nوقال أيضًا: «وأما ابن عجلان فقد وهم في الإسناد، وخلط فيه، فمرة يقول: عن أبي هريرة، ومرة يرسله، ومرة يقول: عن سعيد، عن كعب». اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (١١/ ١٣٧): «وقول يحيى القطان، عن ابن عجلان أشبهها بالصواب». يعني كون الحديث من مسند أبي هريرة، والقصة لكعب بن عجرة.\nولعل القول باضطراب حديث ابن عجلان أقرب، فإن رواية ابن عجلان لهذه الطرق الكثيرة المختلفة تشي باضطرابه فيه اضطرابًا شديدًا، وقد تكلم الإمام أحمد وغيره في أحاديث ... =","vol":"1","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nابن عجلان، عن سعيد المقبري، قال أحمد: كان ثقة، إنما اضطرب عليه أحاديث المقبري.\n\nالطريق الثالث: رواية ابن أبي ذئب للحديث:\nرواه ابن أبي ذئب، واختلف عليه:\nفقيل: عنه، عن سعيد المقبري، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن عجرة.\nوقيل: عنه، عن سعيد، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن جده كعب.\nوقيل: عنه، عن المقبري، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن كعب.\nوقيل: عنه، عن سعيد المقبري، عن مولى لبني سالم، عن أبيه، عن كعب، وثلاث الطرق الأخيرة الاختلاف بينها لفظي، فقوله: (عن كعب) أو قوله: (عن جده كعب) لا فرق بينهما، وكذا قوله: (عن رجل من بني سالم) أو قال: (عن مولى لبني سالم) فالمعنى واحد، فإن مولى القوم منهم، فيكون الخلاف محصورًا بين طريقين (عن جده، عن كعب)، أو هو (عن جده كعب)، والثاني هو المتعين إذا قلنا: إن الرجل المبهم هو سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، والمعروف أن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة يرويه عن أبي ثمامة الحناط، وليس عن أبيه، فإن أباه رجل مجهول، لا يعرف.\nقال ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٢٧): «ابن أبي ذئب قد بين أن المقبري سعيد بن أبي سعيد إنما رواه عن رجل من بني سالم، وهو عندي سعد بن إسحاق، إلا أنه غلط على سعد بن إسحاق، فقال: عن أبيه، عن جده كعب، وداود بن قيس، وأنس بن عياض جميعًا قد اتفقا على أن الخبر إنما هو عن أبي ثمامة».\nإذا عرفت هذا، إليك بيانها بالتفصيل:\nفرواه أحمد (٤/ ٢٤٢) عن حجاج بن محمد،\nوابن خزيمة (٤٤٣) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٥٥٦٦)، من طريق الحسين بن محمد المروذي، ثلاثتهم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن عجرة.\nوتابع أبو معشر نجيحُ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنَ أبي ذئبٍ.\nفأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٣١)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٥٣) رقم: ٣٣٧، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن عجرة.\nونجيح ضعيف، قال علي بن المديني: كان يحدث عن المقبري بأحاديث منكرة.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٩/ ١٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب به، إلا أنه قال: عن أبيه، عن جده كعب بن عجرة، بدلًا من قوله: عن جده، عن كعب.\nورواه يحيى بن أبي بكير كما في أمالي ابن بشران (١٣٠٨)،\nوشبابة بن سوَّار المدائني، كما في مسند ابن أبي شيبة في مسنده (٥١١) كلاهما =","vol":"1","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ابن أبي ذئب، (قال ابن أبي بكير: عن سعيد المقبري، وقال شبابة: عن المقبري) عن رجل من بني سالم، عن أبيه، عن كعب بن عجرة، بإسقاط الجد.\nقال الطحاوي: «والمقبري هذا الذي روى عنه ابن أبي ذئب هذا الحديث هو سعيد؛ لأنه لم يَرْوٍ عن أبيه شيئًا». اهـ\nورواه أبو داود الطيالسي (١١٥٩)، ومن طريقه أخرجه البيهقي (٣/ ٣٢٥) عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن مولى لبني سالم، عن أبيه، عن كعب بن عجرة.\nفتابع أبو داود الطيالسي ابن أبي بكير وابن سوَّار على إسقاط الجد، إلا أنه قال: عن مولى لبني سالم، بدلًا من قولهما: (عن رجل من بني سالم).\nولفظهم (لا يتطهر رجل في بيته ثم يخرج لا يريد إلا الصلاة إلا كان في صلاة حتى يقضي صلاته، ولا يخالف أحدكم بين أصابع يديه في الصلاة).\nالطريق الرابع: عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة.\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٢٦) من طريق الحسن بن علي، حدثنا عمرو بن قسيط، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أن النبي ﷺ، قال له: يا كعب إذا توضأت، فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد، فلا تشبكن بين أصابعك؛ فإنك في صلاة.\nوفي إسناده الحسن بن علي الرقي،\nقال فيه ابن حبان: يروي عن مخلد بن يزيد الحراني وغيره من الثقات ما ليس من حديث الأثبات، على قلة الرواية؛ لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، إلا على سبيل القدح فيه. المجروحين (١/ ٢٣٤).\nوقال الدارقطني: ضعيف، كما في سؤالات الحاكم (٧٩)، وتاريخ بغداد (٧/ ٣٨٥)، المغني في الضعفاء (١٤٣٤).\nوقال ابن يونس: لم يكن بذاك، يعرف، وينكر. ميزان الاعتدال (١/ ٥١٠).\nوفي إسناده أيضًا عمرو بن قسيط، ضعيف أيضًا.\nذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٨٦)، وقال: روى عنه الناس.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٦/ ٢٥٦)، «هو دون عمرو بن عثمان، خرج إلى أرمينية، فلما قدم كان قد توفى عبد الله بن جعفر الرقي فبعث إلى أهل بيت عندهم، فأخذ منهم كتب عبيد الله بن عمرو». وانظر خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص: ٢٩٢).\nقال صاحب فضل الرحيم الودود (٦/ ٣٩٠): «هذا جرح شديد من أبي حاتم، فإن عمرو بن عثمان بن سيار الرقي ضعيف، قال فيه أبو حاتم: (يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرقة، يحدث الناس من حفظه بأحاديث منكرة، ...)، فإذا كان هذا هو حال عمرو بن عثمان الرقي عند أبي حاتم، فما حال من هو دونه: عمرو بن قسيط، فهو على أحسن أحواله قد يكون سمع =","vol":"1","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nبعض حديثه عن عبيد الله بن عمرو الرقي، والباقي أخذه وجادة، وعبد الله بن جعفر بن غيلان الرقي: ثقة، لكن ما أدرانا ما حدث لكتابه بعد وفاته، مع أنه تغير قبل وفاته بسنتين، ومعلوم ما يدخل الوجادة من التصحيف والتحريف وغير ذلك، وأيًّا كان فإن هذا قدح شديد من أبي حاتم في الرجل، وهو جرح مفسر، فهو مقدم على مجرد التعديل بمن لا يروي إلا عن ثقة في الغالب، والله أعلم».\nوقال البيهقي في السنن بعد أن ساقه (٣/ ٣٢٦): «هذا إسناد صحيح؛ إن كان الحسن بن علي الرقي حفظه، ولم أجد له فيما رواه من ذلك بعد متابعًا، والله أعلم».\nأنى يكون إسناده صحيحًا؟ والحسن بن علي في إسناده، وقول البيهقي: إن كان الحسن بن علي حفظه، هذا الشرط لا يفهم منه تضعيف الحسن بن علي، وإنما الذي أوجب للبيهقي هذا الشرط تفرده به، وهي علة عنده، والثقة إذا تفرد بإسناد تعتبر علة عند المتقدمين ما لم يكن معروفًا بكثرة الرواية ومشهورًا بالطلب، وقد توبع الحسن بن علي إلا أنه تابعه من هو مثله أو أضعف.\nفقد رواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٥٧٠)، وابن حبان (٢١٥٠)، وابن الأعرابي في المعجم (٢٠٢١) من طريق سليمان بن عبيد الله، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، أن النبي ﷺ قال له: يا كعب بن عجرة، إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد، فلا تشبك بين أصابعك، فإنك في صلاة.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا، فيه سليمان بن عبيد الله الرقي،\nذكره الذهبي في المغني في الضعفاء (٢٦٠٤)، ونقل عن ابن معين أنه قال فيه: ليس بشيء.\nوقال العقيلي: سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الرقي الحطاب، عن عبيد الله بن عمرو، لا يتابع عليه.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: صدوق، ما رأيت إلا خيرًا.\nقال الطحاوي: ولا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسن من هذا الحديث. اهـ وقوله: أحسن ما في الباب، ليس تحسينًا مطلقًا.\nهذه طرق حديث كعب بن عجرة، والاختلاف في أسانيده، وهي تكشف عن اضطراب شديد، وأرجحها طريق أبي ثمامة الحناط، عن كعب، وأبو ثمامة ضعيف، والراجح في لفظ أبي ثمامة أن الحديث اشتمل على نص مرفوع، وهو النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة، ونص موقوف على كعب بن عجرة، وهو أن النهي عن التشبيك في الصلاة يشمل الساعي للصلاة؛ لأنه في حكم المصلي، وفقه الراوي فيه مجال للاجتهاد، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري (٣/ ٤٢٣) «عن حديث كعب بن عجرة: في إسناده اختلاف كثير، واضطراب».","vol":"1","page":54},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٠٥١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن ابن موهب، عن عمه،\nعن مولى لأبي سعيد الخدري، أنه كان مع أبي سعيد وهو مع رسول الله ﷺ، قال: فدخل النبي ﷺ فرأى رجلا جالسًا وسط المسجد، مشبكًا بين أصابعه، يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي ﷺ، فلم يفطن، قال: فالتفت إلى أبي سعيد فقال: إذا صلى أحدكم، فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاة، ما دام في المسجد حتى يخرج منه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٥٤).\n(^٢). الحديث رواه أحمد (٣/ ٥٤)، وابن أبي شيبة (٤٨٢٤) حدثنا وكيع، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمه (عبيد الله بن عبد الله)، عن مولى لأبي سعيد.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٢) حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن موهب، قال: حدثني عمي يعني عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن مولى لأبي سعيد الخدري، قال: بينما أنا مع أبي سعيد الخدري، مع رسول الله ﷺ، إذ دخلنا المسجد، فإذا رجل جالس في وسط المسجد محتبيًا، مشبكًا أصابعه بعضها في بعض، فأشار إليه رسول الله ﷺ، فلم يفطن الرجل لإشارة رسول الله ﷺ، فالتفت إلى أبي سعيد، فقال: إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد، حتى يخرج منه.\nوقوله: عبيد الله بن عبد الله بن موهب: حدثني عمي، يعني عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، مقلوب، والصواب عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عمه عبيد الله بن عبد الله كما في رواية وكيع.\nوعبيد الله بن عبد الرحمن: ضعيف،\n\nوعمه عبيد الله بن عبد الله قال أحمد: لا يعرف، وقال الشافعي: لا نعرفه، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال كما في تهذيب التهذيب، وحكم بجهالة حاله ابن الملقن في البدر المنير (٥/ ٦٥).\nوقال الترمذي: ضعيف، تكلم فيه شعبة.\nوقال ابن حبان: روى عنه ابنه يحيى، ويحيى لا شيء، وأبوه ثقة، وإنما وقعت المناكير في حديثه من قبل ابنه. الثقات (٥/ ٧٢).\nوعندما يقول ابن حبان في راوٍ بأنه ثقة، فهو أعلى درجة من الرواة الذين يذكرهم في الثقات، ...\nولا يصرح بتوثيقهم بناء على أن الأصل في الراوي العدالة، ولهذا ربما ذكر الراوي في الثقات، وقال: لا أعرفه، ويكتفي بتوثيقه بعدم ثبوت ما يجرحه، فالمستور عنده ثقة.\nوقال الحاكم في المستدرك بإثر ح (١٠٩٤) أبو يحيى التيمي صدوق، إنما المجروح يحيى ابنه.\nوقال الجوزجاني: لا يعرف، وأحاديثه مقاربة من حديث أهل الصدق. أحوال الرجال (٢٣١).\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٩): وثقه ابن معين في رواية، وقد ضعف.\nوصحح له ابن خزيمة في صحيحه.\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٢١)، وسكت عنه.\nوقال ابن حجر في الفتح (١/ ٥٦٦) «وفي إسناده ضعيف، ومجهول».\nيقصد بالمجهول عبيد الله بن عبد الله، لكن قال في التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وإلا فلين.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٣/ ٤٢٢): «في إسناده عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، ضعفه ابن معين».\nوأورد الحديث الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥)، وقال: رواه أحمد بإسناد حسن، وهو سهو منه فقد ضعف حديثًا في مجمع الزوائد (١/ ١٦٧)، قال: رواه أحمد، وفيه عبيد الله بن عبد الله بن موهب، قال أحمد: لا يعرف.\nوعلى تقدير أنه مجهول، فإن مجاهيل التابعين ليسوا كمجاهيل غيرهم، فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"1","page":55},{"text":"قال ابن رشد في البيان والتحصيل بعد أن ذكر هذه الأحاديث: «لم يصح عند مالك ﵀ من هذا كله إلا النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة خاصة، فأخذ بذلك، ولم يَرَ بما سواه بأسًا» (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديثين، وإن كانا ضعيفين، إلا أن أحدهما شاهد للآخر، فينجبر ضعف أحدهما بالآخر، وفي مجموعهما ما يدل على كراهة تشبيك الأصابع في أثناء الخروج إلى المسجد.\n• ويجاب عن هذا بأجوبة منها:\nالجواب الأول: أن تفرد الضعفاء بهذا الحديث علة توجب رده، فلو كان هذا الحكم صحيحًا لما تفرد به ضعيف، أو مجهول، ولقد كان أئمة النقد في الحديث يتوقفون في قبول حديث الثقة والصدوق إذا لم يكن مبرزًا في الحفظ، أو مكثرًا عن\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (١/ ٣٦٤).","vol":"1","page":56},{"text":"الراوي مُخْتَصًا به، فما ظنك بتفرد الضعفاء والمجاهيل.\nيقول ابن رجب: «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين، فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يَرْوِ الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس لذلك ضابط يضبطه» (^١).\nالجواب الثاني: أن حديث كعب بن عجرة حديث مضطرب، فلو كان راويه ثقة، واضطرب فيه كان الحديث ضعيفًا، أما إذا كان الراوي ضعيفًا، واضطرب فيه فإن هذا يزيده وهنًا، وحديث كعب من هذا الضرب، وقد حصل الاضطراب في سنده، وفي متنه، ففي إسناده تارة يصله، وتارة يرسله، وتارة يجعله من مسند كعب، وتارة من مسند أبي هريرة، وتارة من مراسيل ابن المسيب، أو من مراسيل بعض أبناء كعب.\nوالاضطراب في متنه تارة يجعل الحديث في النهي عن التشبيك في الصلاة، وتارة يجعل النهي في حق الماشي للصلاة، وثالثةً يجعل النهي في منتظر الصلاة، ومثل هذا اضطراب شديد، كما أن الاعتبار مشروط بألا يعارضه ما هو أصح منه، فلو عارض الحديث الصحيح ما هو أصح منه قدم الأصح على الصحيح، فأولى أن يقدم الصحيح على الحديث المضطرب وحديث المجهول.\nالجواب الثالث: أن المعروف في حديث كعب أن النص المرفوع منه في النهي عن تشبيك الأصابع في الصلاة، وأما التشبيك في أثناء السعي للصلاة فهو ما فهمه الصحابي باجتهاده بإعطاء حكم الساعي للصلاة حكم المصلي، ومثل هذا يدخله الاجتهاد، والله أعلم.\n• دليل من قال: لا يكره تشبيك الأصابع:\nالدليل الأول:\nالكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.\n_________\n(^١). شرع علل الترمذي ت همام بن عبد الرحيم (٢/ ٥٨٢).","vol":"1","page":57},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٠٥٢) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين،\nعن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه ... الحديث، والحديث رواه مسلم، واللفظ للبخاري (^١).\nوجه الاستدلال:\nدل حديث أبي هريرة على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز.\n• وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:\nالجواب الأول:\nأن هذا وقع بعد ما ظن فراغه من الصلاة، والنهي عن التشبيك إنما ورد في الصلاة، ومن كان في حكم المصلي كالمنتظر والساعي لها.\nالجواب الثاني:\nأن هذا خاص بالنبي ﷺ، لما تقرر في الأصول أن قوله ﷺ مقدم على فعله عند التعارض.\nوهذا التوجيه مُعَارَضٌ بأن الأصل التأسي وعدم الخصوصية إلا بدليل.\nالجواب الثالث:\nأن يكون فعله مبينًا أن النهي ليس للتحريم، وإنما للكراهة.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بريد بن أبي بردة، عن جده أبي بردة،\nعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك أصابعه (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٨٢)، وصحيح مسلم (٥٧٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٠٢٦)، ومسلم (٢٥٨٥).","vol":"1","page":58},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٠٥٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو بن حزم،\nعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: يوشك أن يغربل الناس غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله، إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون عامتكم.\nحدثناه قتيبة بن سعيد بإسناده ومعناه، إلا أنه قال: وتبقى حثالة من الناس، وتدعون أمر عامتكم (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٢٢١).\n(^٢). حديث عبد الله بن عمرو روي من طرق عنه.\nالطريق الأول: عمارة بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عمرو.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٢١)، والحاكم (٨٣٤٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٧٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ١٠) رقم: ٥، و(١٤/ ٩) رقم: ١٤٥٨٩، من طريق يعقوب بن عبد الرحمن به.\nوأخرجه أبو داود (٣٤٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧)، والطحاوي في المشكل (١١٧٦، ١١٨٠)، ونعيم بن حماد في الفتن (٦٩٣)، وأبو عمرو الداني في الفتن (٢٥٣)، من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما (يعقوب، وعبد العزيز) عن أبي حازم، عن عمارة بن عمرو بن حزم، فذكره.\nفي رواية ابن ماجه: (عمارة بن حزم)، وإسناده صحيح.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nالطريق الثاني: عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عمرو.\nأخرجه ابن المبارك في مسنده (٢٥٧)،\n\nوابن أبي شيبة (٣٧١١٥)، وأحمد (٢/ ٢١٢)، وأبو داود (٤٣٤٣)، والطبراني في الدعاء (١٩٦٣)، وفي الكبير (١٣/ ٩)، رقم: ٤، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٨١)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٣٤٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٣٥٩)، من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين.\nوأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٩٩٦٢) من طريق مخلد بن يزيد. =","vol":"1","page":59},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوابن السني في اليوم والليلة (٤٣٩) من طريق يونس بن بكير،\nوالحاكم (٧٧٥٨، ٧٧٥٨) من طريق محمد بن عبيد الطنافسي.\nوأخرجه أيضًا (٨٦٠٠) من طريق عبيد الله بن موسى، ستتهم رووه عن يونس بن أبي إسحاق، عن هلال بن خباب، حدثني عكرمة، حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول النبي ﷺ إذ ذَكَر الفتنة أو ذكرت عنده، فقال: إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفَّت أماناتهم وكانوا هكذا -فشبك بين أنامله- فقمت إليه فقلت: فكيف أفعل عند ذلك يا نبي الله جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، وذر ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، وذر عنك أمر العامة.\nوهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا يونس بن أبي إسحاق فإنه صدوق.\nوخالفهم المعافي بن عمران الموصلي كما في الفتن للداني (١٧٧)، فرواه عن يونس بن أبي إسحاق، عن هلال بن خباب، عن عكرمة مرسلًا.\nكما خالفهم وكيع كما في التمهيد لابن عبد البر (٢٤/ ٣١٥، ٣١٦) فرواه عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن هلال به، فجعل بين يونس وبين هلال أباه، وقد تفرد به وكيع، ورواية الجماعة أصح.\nالطريق الثالث: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٢٠) عن حسين بن محمد المروذي، حدثنا محمد بن مطرف، عن أبي حازم عن عمرو بن شعيب به.\nوالإسناد إلى عمرو بن شعيب إسناد صحيح، كلهم ثقات، والراجح في هذه السلسلة أنها من قبيل الحسن ما لم يتفرد، أو يخالف.\nالطريق الرابع: الحسن البصري، عن عبد الله بن عمرو، وله علتان:\nإحداهما: الانقطاع، فالحسن لم يسمع من عبد الله من عمرو.\nوالثانية: الاختلاف على الحسن،\nفقد رواه يونس بن عبيد (ثقة) مقدم في الحسن على قتادة كما في المسند (٢/ ١٦٢)،\nوإسماعيل بن مسلم (ثقة) كما في المعجم الكبير (١٣/ ١١) رقم: ٩، وفي إسناده: إبراهيم بن محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فيه جهالة.\nوكثير بن زياد البرساني (ثقة) كما في المعجم الكبير (١٣/ ١٣) رقم: ١٣، والأوسط (٢٠٨٦).\nومبارك بن فضالة (صدوق يدلس ويسوي) كما في الفتن لأبي عمرو الداني (٢٥٦)، أربعتهم عن الحسن، عن ابن عمرو به، بلفظ: قال: قال لي رسول الله ﷺ كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس؟ قال: قلت: يا رسول الله، كيف ذلك؟ قال: إذا مرجت عهودهم، وأماناتهم وكانوا هكذا -وشبك بين أصابعه- قال: قلت: ما أصنع عند ذاك يا رسول الله؟ قال: اتق الله ﷿، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك، وإياك وعوامهم. =","vol":"1","page":60},{"text":"وجه الاستدلال:\nفي هذا الحديث والذي قبله ثبت أن النبي ﷺ شبك بين أصابعه، وهو مطلق، فدل على أن التشبيك في نفسه لا محذور من فعله فينهى عنه من أجله، وقياس خارج الصلاة على داخل الصلاة لا يصح؛ لأن التشبيك داخل الصلاة فيه محذوران:\nأحدهما: أنه صفة في العبادة، والأصل في العبادات المنع، وجوازه يحتاج إلى دليل، بخلاف فعله خارج الصلاة، فليس فعله على وجه التعبد، والأصل الحل.\nالثاني: أن وضع اليدين في الصلاة في جميع أحوالها لها صفات مشروعة، فالتشبيك في الصلاة يمنع من اتباع السنة في وضع اليد، فوضع اليد حال القيام في الصلاة بأن توضع اليد اليمنى على اليسرى، وفي حال الركوع بأن توضع اليد على الركبتين، وقل مثل فذلك في بقية أحوال الصلاة بخلاف التشبيك خارج الصلاة.\nوالقول بأن قاصد الصلاة في صلاة: أي في الأجر والمثوبة، وليس في الأوامر\n_________\n=\nوخالفهم قتادة، كما في مصنف عبد الرزاق (٢٠٧٤١)، وسقط قتادة من إسناد عبد الرزاق، واستدرك من شرح السنة للبغوي (٤٢٢١)، وانظر: المسند المصنف المعلل (١٧/ ٥١٨).\nوالربيع بن صبيح البصري (صدوق سيئ الحفظ)، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٣/ ١١) رقم: ١٠، والفتن لأبي عمرو الداني (١١٨، ٢٥٤).\nخالد بن دينار النيلي (صدوق)، كما في المعجم الكبير (١٣/ ١٢) رقم: ١٢،\nومعاوية بن عبد الكريم الضال (صدوق) كما في المعجم الكبير (١٣/ ١٣) رقم: ١٤،\nوأبو الأشهب جعفر بن حيان (ثقة) كما في مسند الحارث، بغية الباحث (٧٧٢).\nوجرير بن حازم البصري (ثقة في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه) كما في مسند الحارث، بغية الباحث (٧٧٣)، ستتهم رووه عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقد قال الأئمة في مرسلات الحسن البصري: شبه الريح.\nالطريق الخامس: عقبة بن أوس، عن ابن عمرو.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٣/ ١١) رقم: ٨، من طريق عبيد الله بن عمرو بن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ ... وذكر مثله.\nوهذا إسناد صحيح إن كان عقبة بن أوس سمع من عبد الله بن عمرو.\nجاء في سؤالات ابن الجنيد (ص: ٣١٨): قلت ليحيى بن معين: تعلم محمد بن سيرين يدخل بينه وبين عقبة بن أوس أحدًا، أو عقبة بن أوس يدخل بينه وبين عبد الله بن عمرو أحدًا؟ فقال: لا أعلمه، وعقبة بن أوس يقال له أيضًا: يعقوب بن أوس. قال ابن الغلابي: يزعمون أن عقبة بن أوس السدوسي لم يسمع من عبد الله بن عمرو، إنما يقول: قال عبد الله بن عمرو. اهـ","vol":"1","page":61},{"text":"والنواهي، فالالتفات مكروه في الصلاة ولا يكره خارج الصلاة، ولو كان في طريقه للمسجد.\n• ونوقش هذا:\nقال الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن المنير: «المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل، وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس» (^١).\nوفي هذا الكلام نظر، فالتشبيك لا يعد عبثًا إلا إذا عُدَّ وضع اليد اليمنى على اليسرى عبثًا، لأن الصورة واحدة، وعلى التسليم فإن التشبيك قد يفعله بقصد التدفئة، وقد يفعله من ينتظر الصلاة في حال الاحتباء في الجلوس.\n• الراجح:\nأن التشبيك لا يكره في حال الذهاب إلى الصلاة، ولا في حال الانتظار، وسوف نبحث حكم التشبيك في الصلاة في مكروهات الصلاة، بَلَّغَنَا الله ذلك بمنه وعونه وتوفيقه.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري (١/ ٥٦٦).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث السادس في استحباب كثرة الخطا في الذهاب للصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفرع الأول في اختيار المسجد الأبعد طلبَا لكثرة الخطا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• المشي إن كان إلى العبادة كان وسيلة، وإن كان فيها فهو مقصود كالمشي في الطواف والسعي، وهذا أفضل من الركوب بالاتفاق، وقيل: المشي واجب.\n• إقامة الصلاة جماعة في المسجد غاية مقصودة، والمشي والركوب وسيلة إلى ذلك.\n• الوسائل نوعان: وسيلة لغيرها، وهي مقصود بنفسها كالوضوء، ووسيلة ليست مقصودة بذاتها، كإمرار المُحْرِم الأقرع الموسى على رأسه للتحلل، والمشي إلى الصلاة أشبه بالنوع الثاني؛ لأن المشي وحده ليس قربة.\n• الأصل في المشي الإباحة، فإن كان إلى عبادة كان مطلوبًا، وإن كان إلى مباح كان مباحًا، وإن كان إلى حرام كان حرامًا، فليس المشي مقصودًا في نفسه.\n• مقاصد التشريع تحقيق المصالح ودفع المفاسد، فإن تبع ذلك مشقة فهي ليست مقصودة؛ وإن أثيب عليها؛ لأن المشقة من أسباب الترخص، لا التكليف.\n• التفاوت في الأجر مبني على تفاوت المصالح، لا على تفاوت المشاق.\n• ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عظم الأجر، فلا يتقصد الحج ماشيًا، وكذا سائر العبادات، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل، فإن قصد المشقة فقد خالف قصد الشارع؛ لأن الشارع لم يقصد بالتكليف المشقة.\n• لما كان بعد الدار عن المسجد مظنة لترك الجماعة كانت كتابة الخطا ترغيبًا في تحصيلها، ولا يعني هذا أن بُعْدَ الدار مقصودٌ لذاته من أجل تكثير الخطا.","vol":"1","page":63},{"text":"[م-٤٤٣] اختلف العلماء في قصد المسجد الأبعد\nفقيل: لا يقصد في سكناه المكان الأبعد عن المسجد من أجل الخطا، ولا أبعد الطريقين إلى المسجد، ولا طلب المسجد الأبعد إذا كان في الحي مسجد أقرب، فإن وقع ذلك اتفاقًا كتب للمصلي خطواته، وهذا مذهب المالكية، واختيار جماعة من المحققين كالشاطبي والعز بن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم (^١).\nوكره الحسن البصري قصد الأبعد، وسئل أبو عبد الله بن أبي لبابة فيما حكاه ابن بطال عن الذي يدع مسجده، ويصلي في المسجد الجامع للفضل، وكثرة الناس، فقال: لا يدع مسجده، وإنما فضل الجامع في صلاة الجمعة فقط» (^٢).\nوإذا كان هذا في تطلب أمر مقصود، وهو كثرة الجماعة، فكيف يقال: في فيمن تطلب كثرة الخطا، وهو غير مقصود لذاته، ولا يعد قربة في نفسه.\nوقال ابن رجب: واعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل (^٣).\nوجاء في مرقاة المفاتيح: لا دلالة في الحديث على فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة منه، كما ذكره ابن حجر، فإنه لا فضيلة للبعد في ذاته، بل في تحمل المشقة المترتبة عليه، ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد، ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة، وإنما رغب في الحديث على كثرة الخطا تسلية لمن بعدت داره» (^٤).\nوقيل: المسجد الأبعد أفضل من القريب، وصرح به ابن العماد من الحنفية واختاره ابن سيد الناس، قال بعضهم: إلا أن تتعطل الصلاة أو الجماعة بذهابه إلى البعيد (^٥).\n_________\n(^١). إكمال المعلم (٢/ ٦٤٣)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٢)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٥٦)، مرقاة المفاتيح (١/ ٣٤٤)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢).\n(^٢). إكمال المعلم (٢/ ٦٤٣)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٢)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٣٧).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢).\n(^٤). مرقاة المفاتيح (١/ ٣٤٤).\n(^٥). مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٩٣)، فيض القدير (٣/ ١٠٩)، التنوير شرح الجامع الصغير (٤/ ٤٨٢)،\nالعدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (١/ ٣٤٧)، الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (٢/ ٣٠٦).","vol":"1","page":64},{"text":"• دليل من يستحب قصد المسجد الأبعد تكثيرًا للخُطَا:\nالدليل الأول:\nكثرة الخطا إلى المساجد سبب لزيادة الأجر، قال ابن رجب: دلت الأحاديث على أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجره، وهذا مما تواترت به السنن (^١).\nوفيه أحاديث كثيرة، وبعضها في الصحيحين، من ذلك:\n(ح-١٠٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة،\nعن أبي موسى، قال: قال النبي ﷺ: أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم، فأبعدهم ممشى ... الحديث (^٢).\n(ح-١٠٥٦) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه،\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، ... وفيه: وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة (^٣).\n(ح-١٠٥٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق زكرياء بن إسحاق، حدثنا أبو الزبير، قال:\nسمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا، فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ، فقال: إن لكم بكل خطوة درجة (^٤).\nومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الوارث، قال: حدثني الجريري، عن أبي نضرة،\nعن جابر بن عبد الله قال: خَلَتْ البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٥١)، وصحيح مسلم (٦٦٢).\n(^٣). صحيح البخاري (٢٨٩١)، وصحيح مسلم (١٠٠٩).\n(^٤). صحيح مسلم (٦٦٤).","vol":"1","page":65},{"text":"أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد! قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: يا بني سلمة، دِيَارَكم تكتب آثاركم، دِيَارَكم تكتب آثاركم (^١).\nفقوله: (دياركم) أي الزموا دياركم، منصوبة على الإغراء.\n• وأجيب عن هذه الأحاديث:\nقال الشاطبي: لا دليل فيها على قصد نفس المشقة ... ففي البخاري ما يفسره، فإنه زاد فيه: وكره أن تُعْرَى المدينة قبل ذلك، لئلا تَخْلُوَ ناحيتهم من حراستها» (^٢).\n(ح-١٠٥٨) فقد روى البخاري من طريق الفزاري، عن حميد الطويل،\nعن أنس ﵁، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله ﷺ، أن تعرى المدينة وقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم، فأقاموا (^٣).\nوقوله: (تُعْرَى المدينة) قال ابن رجب: والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه قوله تعالى ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] (^٤).\n• ورد هذا الجواب:\nبأنه لا يمنع أن تكون هذه علة أخرى في الأمر بإبقائهم في ديارهم، ولا تعارض العلة السابقة، والحكم قد يركب من أكثر من علة.\n• ويجاب عن هذا الرد:\nهذا القول لا يغني شيئًا؛ لأن الكلام على اعتبار البعد عن المسجد مقصودًا لذاته، فإذا كان تابعًا فلا إشكال، فالقرب من المسجد والبعد عنه بحسب المصالح المتعلقة بذلك، لا يقصد من أجل الخُطَا، فبقاء بني سلمة بعيدًا عن المسجد كان أفضل لما يترتب عليه من مصالح، وقد يتحقق لأحد من الناس من القرب من المسجد مصالح أعظم من فوات كثرة الخطا، كيسر المحافظة على التكبيرة\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٦٥).\n(^٢). الموافقات (٢/ ٢٢٥).\n(^٣). صحيح البخاري (١٨٨٧).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٠).","vol":"1","page":66},{"text":"الأولى، ومحافظة الصغار والشباب على صلاة الجماعة، والتزامهم بحلقات التحفيظ، وكل هذه من المقاصد بخلاف الخطا التي هي من الوسائل، وعلى كل حال لا يقصد البعد إذا تيسر القرب من أجل الخُطَا، فمن وقع بيته بعيدًا عن المسجد، فاحتسب خُطَاه كان له بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ترغيبًا له في تحصيل الجماعة؛ لأن البعد مظنة الترك، فإذا أحب النبي ﷺ بقاء بني سلمة في أماكنهم لئلا تعرى المدينة، كانت آثارهم إلى المسجد مكتوبة تبعًا، لا قصدًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٥٩) ما رواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،\nعن أُبَيِّ بن كعب، قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: قد جمع الله لك ذلك كله (^١).\nوجه الاستدلال:\nفهذا الصحابي قد تقصد المشقة، وكان بإمكانه تخفيف ذلك بشراء دابة تحمله، وقد أقره النبي ﷺ.\n• ويجاب:\nكون الرجل أبعد رجلًا إلى المسجد لا يعني أن بيته بعيد جدًّا، فالمدينة كلها على وقت النبي ﷺ كانت حول المسجد، فالقرب والبعد نسبي، ولهذا كان التكليف بوجوب الجماعة على من سمع النداء، وهو حينئذٍ بلا مكبر، ووجوب السعي إليها بسماع الإقامة، وكان كثير من الصحابة يسمع الإقامة وهو في بيته وإذا كان هذا غالب المصلين لم يكن أبعد رجل منهم في حاجة شديدة إلى الركوب، ولهذا السبب كانت النصوص دائمًا تأتي بالمشي إلى الصلاة، وليس بالركوب إليها، لعلاقة المسافة بين المنادِي والمنادَى، وبين المصلي وموضع صلاته.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٦٣).","vol":"1","page":67},{"text":"كحديث الصحيحين إذا سمعتم الإقامة فامشوا.\nوإذا كان لا يشرع التعرض للرمضاء طلبًا للأجر، ولا قصد الظلمة في المشي إذا تيسرت الإضاءة، فكذلك إذا دعت حاجة إلى الركوب وتيسر فإنه لا يترك طلبًا للأجر، ولهذا كان النبي ﷺ يذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا؛ لأن الركوب إلى قباء حاجة، فلو كان المشي مقصودًا لفضله النبي ﷺ على الركوب.\nالجواب الثاني:\nأن الصحابي ﵁ لم يترك ركوب الحمار طلبًا للأجر، وإنما قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد ... فلو كان عند الصحابي ﵁ دابة، ثم ترك ركوبها طلبًا للمشقة ليعظم الأجر لأمكن الاستدلال فيه على مسألتنا، فالوسائل التي يتوصل بها إلى العبادة لا يقصد المكلف الأشق منها مع إمكان تحصيل المقصود بلا مشقة، وإلا لقيل: يستحب الوضوء بالماء البارد مع وجود الماء الساخن، لفضل إسباغ الوضوء على المكاره، ولقيل: يستحب ترك وسائل التكييف إذا صام؛ ليزداد مشقة بسبب الحر، فيثاب عليها، فالمشقة ليست مصلحة حتى تكون مقصودة.\nالجواب الثالث:\nتفضيل المشي على الركوب يجعل المشي في نفسه عبادة مقصودة، والمشي في نفسه لا يشرف إلا لكونه يتوصل به إلى مطلوب، والأصل في المشي الإباحة فإن كان المشي إلى عبادة أثيب عليه؛ لا لكونه عبادة في نفسه، وإنما لشرف العبادة نفسها، وإن كان المشي إلى مباح كان مباحًا، أو إلى مكروه كان مكروهًا، وإن كان إلى محرم حرم تبعًا، ولا يتعبد بالمشي وحده؛ لأنه ليس عبادة، وإنما يتوصل به إلى غيره، فيأخذ حكم ما يتوصل به.\nولهذا ورد الثواب بمطلق الذهاب بصرف النظر عن الوسيلة.\n(ح-١٠٦٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار.\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله","vol":"1","page":68},{"text":"له نزله من الجنة كلما غدا أو راح (^١).\nوكونه يثاب على المشي لا يجعله عبادة مقصودة.\n(ح-١٠٦١) فقد روى البخاري من طريق عبد الله (بن المبارك)، أخبرنا حميد.\nعن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (^٢).\nفهل السير للجهاد مقصود لذاته، لكون المجاهد يثاب على سعيه إليه.\nالجواب الرابع:\nأن إقرار الرسول ﷺ على فعله هذا جاء بعد أن سأله عن الباعث إلى ذلك، كما في المسند، قال له النبي ﷺ: ما أردت بقولك ما يسرني أن منزلي أو داري إلى جنب المسجد؟ قال: أردت أن يكتب إقبالي إذا أقبلت، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال له النبي ﷺ: أعطاك الله ذلك كله.\nفإذا كان المباح إذا قصد به قربة تحول إلى قربة وأثيب على نيته، فما ظنك في وسائل الطاعة إذا نوى بها القربة، ولا يعني هذا تفضيل البعد على القرب، ولا كون المشي يتحول إلى عبادة مقصودة في ذاته، فالثواب أوسع من كون الفعل مطلوبًا أم لا.\n(ح-١٠٦٢) فقد روى البخاري من حديث عائشة، أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال: أخبروه أن الله يحبه (^٣).\nفأثيب على هذه النية، وإن كانت فعله من قبيل المباح، لا من قبيل المطلوب؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل هذه الصفة، ولم يرغب في فعلها مع كمال محبته لصفة الرحمن.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٦٣) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٦٢)، وصحيح مسلم (٦٦٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٢٣).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٧٥).","vol":"1","page":69},{"text":"أبا صالح، يقول:\nسمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ: صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (^١).\nوفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحَطَّ عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (^٢).\n(ث-٢٥٣) وروى مالك، عن نعيم بن عبد الله المدني المجمر،\nأنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة مادام يعمد إلى الصلاة. وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ؛ فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا (^٣).\n[صحيح موقوف]\nومثله لا يقال بالرأي؛ لأن الفضائل لا تدرك بالقياس.\n• ويجاب بجوابين:\nالجواب الأول:\nبأن هذا الأجر مقيد بأمرين: أن يخرج من بيته على طهر قد أحسنه، وأكمله، وأن لايخرج إلا إلى الصلاة في المسجد، فلو خرج لحاجة له، وكان المسجد في طريقه فدخل المسجد، فصلى، ولم يكن خروجه لذلك لم يحصل له هذا الأجر الخاص، فلم يكن هذا مرتبًا على مطلق المشي إلى الصلاة (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٦٤٩).\n(^٢). البخاري (٤٧٧) ..\n(^٣). الموطأ (١/ ٣٣).\n(^٤). انظر فتح الباري (٦/ ٣٢).","vol":"1","page":70},{"text":"الجواب الثاني:\nليس الخلاف في أن كثرة الخطا سبب في زيادة الأجر، ولكن البحث في كثرة الخطا، أهي مقصودة للشارع بحيث يتجاوز المسجد الأقرب إلى الأبعد طلبًا في كثرة الخُطَا، ويسلك أبعد الطريقين إلى المسجد، أم المقصود هو الصلاة جماعةً؟ فإن اتفق وكان المكان بعيدًا أُجِرَ على ذلك، ولكن لا يطلب الأبعد مع وجود الأقرب؛ لأن المشي ليس مقصودًا في نفسه، ولا هو قربة في ذاته.\nفالمقطوع به من نصوص الشريعة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى أن المشقة ليست مقصودة في التكاليف.\nالدليل الرابع:\nقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠].\n• ويجاب:\nبأن الغاية من الجهاد إعلاء كلمة الله، والنَّصَبُ والمخمصةُ والظمأُ ليس مقصودًا، فإذا وقع ذلك تبعًا أُجِر عليها المجاهد، فليس في الآية ما يدل على أن المشقة مقصودة بالتكليف، ولكن من الطبيعي أن الجهاد لا يتأتى إلا بالمشقة.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَاّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [البقرة: ١٢٦].\nفليس الخير المقصود من فرض القتال هو طلب المشقة.\nقال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧].\nفإحقاق الحق وقطع دابر الكفر هو المقصود من الجهاد، وليس طلب الشوكة لذاتها.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٠٦٤) ما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن أم المؤمنين، ح وعن القاسم،","vol":"1","page":71},{"text":"عن أم المؤمنين، قالت: قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأُصْدِرُ بنسكٍ واحدٍ؟ قال: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأَهِلِّي منه، ثم ألقينا عند كذا وكذا -قال: أظنه قال: غدًا- ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك (^١).\nورواه البخاري من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا ابن عون، عن القاسم بن محمد (ح).\nوعن ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، قالا: قالت عائشة ... وذكراه مرسلًا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الشارع جعل الأجر على قدر النصب، مما يدل على أن المشقة مقصودة.\n• ويجاب بجوابين:\nأحدهما: أن المراد به على قدر النصب الذي لا تتأتى العبادة إلا به، وليس معنى هذا أن يتقصد المكلف المشقة ليعظم له الأجر، فالمشقة ليست مقصودة.\nالجواب الثاني:\nأن قوله: (ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك).\nقوله: على قدر نصبك أو نفقتك يحتمل أن (أو) للشك هل قال هذا، أو قال ذاك، ويحتمل أنها التنويع، كما في قوله تعالى: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].\nفإن كانت للشك هل قال الرسول ﷺ: على قدر نصبك أو على قدر نفقتك، فليس الحديث نصًّا لاحتمال أن يكون الراجح فيه أنه قال: أو على قدر نفقتك، والنفقة معتبرة في الأجر.\nوقد رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني في السنن، والحاكم في المستدرك من طريق مهران بن أبي عمر، عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود،\nعن عائشة، أن النبي ﷺ قال لها في عمرتها: إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك.\nإلا أن هذا الإسناد ضعيف، تفرد به مهران بن أبي عمر، وقد تكلم في\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢١١).\n(^٢). صحيح البخاري (١٧٨٧).","vol":"1","page":72},{"text":"روايته، عن الثوري (^١).\nالدليل السادس:\nتفضيل المشي على الركوب، وما ذلك إلا لأن الخطا مقصودة في ذاتها.\nمن ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي بن كعب، وقد تقدم إسناده وتمام لفظه، وقد ترك شراء الدابة، وعلل ذلك بقوله، (إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: قد جمع الله لك ذلك كله).\nفهذا الصحابي كان مُسْتَقِرًّاعنده أن مشيه إلى المسجد أعظم لأجره من ركوبه إليه وقد أقره النبي ﷺ على ذلك.\n(ح-١٠٦٥) ومن ذلك روى أحمد من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني،\nعن أوس بن أوس الثقفي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى، ولم يركب، فدنا من الإمام، فاستمع، ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها (^٢).\n[اختلف على أبي الأشعث بذكر (ومشى ولم يركب)، والأكثر على عدم ذكرها].\n(ح-١٠٦٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث،\nعن علي قال: من السنة أن تأتي المصلى يوم العيد ماشيًا (^٣).\n_________\n(^١). رواه الطبراني في الأوسط (٨٢٨)، والدارقطني (٢٧٣١) وعنه الحاكم (١٧٣٤) من طريق أبي علي الحسين ابن إدريس الحلواني، حدثنا مهران بن أبي عمر به.\nومهران قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة صالح الحديث.\nوقال يحيى بن معين: كان شيخًا مسلمًا، كتبت عنه، وكان عنده غلط كثير في حديث سفيان.\nوقال العقيلي: روى عن الثوري أحاديث لا يتابع عليها.\nوقال البخاري: في حديثه اضطراب.\n(^٢). المسند (٤/ ٩).\n(^٣). المصنف (٥٦٦٧).","vol":"1","page":73},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n(^١). الحديث رواه عبد الرزاق في المصنف (٥٦٦٧، ٥٧٠٧) عن الثوري، رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥٦٠٦)، والترمذي (٥٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٥٤)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٩٨)، عن شريك.\nوابن ماجه (١٢٩٦) من طريق زهير بن معاوية، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور به.\nقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. اهـ والحسن عند الترمذي الضعيف إذا روي من غير وجه.\nوالحارث الأعور مجروح، ورواياته المرفوعة عن علي ﵁ عامتها غير محفوظة، ولم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث.\nوله شواهد ضعيفة، منها:\nالشاهد الأول: حديث سعد القَرَظ.\nرواه ابن ماجه (١٢٩٤).\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٩٨) من طريق أبي يحيى الحراني، كلاهما (ابن ماجه والحراني) عن هشام بن عمار،\nورواه الحاكم في المستدرك (٦٥٥٤) من طريق عبد الله بن الزبير الحميدي، كلاهما (هشام بن عمار، والحميدي) عن عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد، حدثني أبي عن أبيه، عن جده (وقال البيهقي: حدثني أبي عن آبائه) أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا.\nوهذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن بن سعد ضعيف، وأبوه مجهول.\nالشاهد الثاني: حديث ابن عمر.\nأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن أبيه وعبيد الله (عمه)، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ص يخرج إلى العيد ماشيًا، ويرجع ماشيًا.\nوهذا ضعيف جدًّا، عبد الرحمن بن عبد الله العمري متروك، قال أحمد: ليس يسوى حديثه شيئًا، خرقنا حديثه، سمعت منه، ثم تركناه. العلل (١٥٠٨).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٩٨) من طريق حسان بن حسان البصري (قال الدارقطني: ليس بالقوي، وفي التقريب صدوق يخطئ، وقال أبو حاتم: شيخ منكر الحديث) حدثنا عبد الله بن جعفر (فيه جهالة)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.\n\nقال البيهقي: قوله: «ماشيًا غريب، لم أكتبه من حديث ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وليس بالقوي».\nالشاهد الثالث: حديث أبي رافع.\nرواه ابن ماجه (١٢٩٧، ١٣٠٠)، والبزار في مسنده (٣٨٨٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٣١٨)، رقم: ٩٤٣، من طريق مندل، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ كان يأتي العيد ماشيًا، ويرجع في غير الطريق الذي ابتدأ فيه.\nفي إسناده مندل ضعفه أحمد وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وشيخه محمد بن عبيد الله بن ...\nأبي رافع، قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك، وله معضلات، وقال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث جدًّا ذاهب.\nالشاهد الرابع: عن سعيد بن المسيب، قال: سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال.\nرواه سحنون في المدونة (١/ ٢٤٨) عن ابن وهب.\nوالفريابي في أحكام العيدين (١٨، ٢٦) عن قتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وسنده صحيح.","vol":"1","page":74},{"text":"قال الترمذي: هذا حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا.\nوالحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه.\nولا يمكن الجزم بأن الرسول ﷺ ترك الركوب في الذهاب إلى العيد مع داعي الحاجة إليه، فالمدينة في عهد النبي ﷺ كانت صغيرة، بقدر مساحة مسجده ﵊ في وقتنا الحاضر، حتى لو صاح أحد بأعلى المدينة لسمعه من كان في أقصاها، وقد كان البقيع خارج المدينة ومساكنها والذي هو اليوم أصبح ملاصقًا لساحات المسجد من جهته الشرقية.\nوعلى التنزل أن هناك حاجة إلى الركوب وأن النبي ﷺ آثر المشي فلم يتعين أن ذلك من أجل الخطا، فقد يكون لمعنى آخر، لأن ذهاب الناس بدوابهم وسياراتهم إلى مصلياتهم منافٍ للخشوع والتذلل، وله عناء ومؤونة أكثر من الذهاب ماشيًا مع قرب المصلى.\nوقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يذهب إلى قباء يوم السبت ليصلي فيه ماشيًا وراكبًا، مما يدل على عدم تفضيل أحدهما على الآخر من أجل الخطا (^١).\n(ح-١٠٦٧) وقد روى أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء،\nعن جابر، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صَلِّ هاهنا، فسأله، فقال: «صَلِّ\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١٩٣)، وصحيح مسلم (١٣٩٩).","vol":"1","page":75},{"text":"هاهنا»، فسأله، فقال: شأنك (^١).\n[حسن] (^٢).\nفلو كان الذهاب إلى الصلاة مقصودًا بالعبادة لوجب الوفاء بالنذر، فلما سقط دل على أن المشي والركوب كلاهما في الفضل سواء، وإن كتب أجر المشي فلأنه أشق، والمشقة إذا عرضت للعبادة كتبت، ولا يقصدها المكلف بالفعل طلبًا للمشقة.\nيقول ابن تيمية: «مما ينبغي أن يُعْرَف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحَمْلِها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشقَّ كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا، ولكن الأجر على قدر منفعة العمل، ومصلحته وفائدته ... إلى أن قال: هذا في كل عبادة لا تقصد لذاتها، مثل الجوع، والسهر، والمشي» (^٣).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٣٦٣).\n(^٢). الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٣) حدثنا عفان.\nوابن أبي شيبة في المصنف (١٢٤٣٩) وأبو يعلى (٢٢٢٤)، وابن الجارود في المنتقى (٩٤٥)، عن يزيد بن هارون،\nوعبد بن حميد (١٠٠٩) حدثنا محمد بن الفضل.\nوالدارمي (٢٣٨٤) والحاكم في المستدرك (٧٨٣٩) عن حجاج بن منهال.\nوأبو داود (٣٣٠٥)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل.\n\nوأبو يعلى (٢١١٦) حدثنا إبراهيم بن الحجاج بن زيد،\nوأبو عوانة في مستخرجه (٥٨٨٣)، من طريق سليمان بن حرب.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٢٥) من طريق الخصيب بن ناصح،\nوالحاكم في المستدرك (٧٨٣٩) من طريق مسلم بن إبراهيم، تسعتهم عن حماد بن سلمة به.\nوتوبع حماد بن سلمة، فقد رواه البيهقي في السنن (١٠/ ١٤١) من طريق أبي الأزهر، حدثنا قريش بن أنس. (ح)\nوأخرجه أيضًا (١٠/ ١٤١) من طريق بكار بن الحصيب، كلاهما (قريش بن أنس، وبكار) عن حبيب، به. والإسناد إلى حبيب صحيح، فخرج حماد بن سلمة من عهدته.\nوخالفهم إبراهيم بن يزيد (متروك) فرواه عن عطاء، قال: جاء الشريد إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس ... وذكر الحديث مرسلًا. وهذا إسناد منكر، والمعروف رواية حماد بن سلمة، ومن تابعه.\n(^٣). مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٨١، ٢٨٣).","vol":"1","page":76},{"text":"فاعتبر ابن تيمية أن المشي ليس مقصودًا لذاته حتى يذهب إلى الأبعد مع تيسر الأقرب.\n• حجة من قال: لا يقصد الأبعد مع وجود الأقرب لكثرة الخطا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٦٨) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\nعن عائشة ﵂، أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ... (^١).\nفما يقع من المشاق في العبادة سواء أكان في الغايات أم في الوسائل لا يقصدها المكلف من حيث كونها مشقة، بل يقصدها لجلب المصالح في الأوامر، ودفع المفاسد في النواهي، فإن وقعت المشقة عرضًا، أو كانت العبادة لا تتأتى إلا بها أثيب عليها، فإذا تحققت المصلحة بلا مشقة كان ذلك أحب للشارع.\nيقول العز بن عبد السلام: «لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب ﷾، وليس عين المشاق تعظيمًا، ولا توقيرًا» (^٢).\nواستدل الشاطبي بأن الشارع لا يقصد المشقة بالتكليف بأدلة منها:\nأحدها: النصوص الدالة على إرادة التخفيف والتيسير،\nقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nوقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nولو كان الشارع يقصد المشقة بالتكليف ما كان اليسر والتخفيف من مقاصد الشريعة.\nالثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة ضرورة، كرخص القصر، والفطر والجمع، كل ذلك دليل على أن المشقة من أسباب التخفيف، وليست من أسباب التكليف (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٥٦٠)، وصحيح مسلم (٧٧ - ٢٣٢٧).\n(^٢). قواعد الأحكام في مصالح الأنام (١/ ٣٦).\n(^٣). انظر الموافقات (٢/ ٢١١، ٢١٢).","vol":"1","page":77},{"text":"فإذا تبين أن المشقة ليست مطلوبة لذاتها، فإنه لا يصح قصدها بالتقرب بها إلى الله فالمقصود من المشي إلى الصلاة تحصيل الجماعة في المسجد، والمشي وسيلة إلى ذلك، فإن كان يحصل على مقصوده من طريق أقرب لم يقصد الطريق الأبعد، وإن كان المشي يشق عليه، ويمكنه الركوب لم يترك الركوب طلبًا لكثرة الخطا، فقصد المسجد الأبعد مع تيسر الأقرب من أجل كثرة الخطا تكلف لا يأمر به الشرع.\nيقول شيخنا ابن عثيمين ﵀: «الإنسان إذا عمل عبادة شاقة بأمر الله كان أجرها أعظم، ومن ثم كان الأبعد من المسجد أعظم أجرًا من الأدنى من المسجد؛ لأنه أكثر عملًا، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب المشقة في العبادات التي يسرها الله، هذا من التنطع في الدين، لكن إذا كلفك الله بعبادة، وشقت عليك، صار هذا أعظم، أما أن تتطلب المشقة كما يفعل بعض الجهال في أيام الشتاء مثلًا يذهب، فيتوضأ بالماء البارد، يقول: لأن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا، نقول: يا أخي ما هذا أراد الرسول ﷺ، إنما أراد الرسول ﷺ، أن الإنسان إذا توضأ بماء بارد في أيام الشتاء كان أعظم أجرًا، ولكنه لم يقل: اقْصِدْ الماء البارد. فإذا مَنَّ الله عليك بالماء الساخن تستطيع أن تسبغ الوضوء فيه إسباغًا كاملًا، فهذا أفضل» (^١).\nفإذا كان لا يقصد الماء البارد طلبًا للأجر، لم يقصد المسجد الأبعد تكثيرًا للخُطَا طلبًا للأجر.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٦٩) روى البخاري في صحيحه من طريق وهيب (بن خالد)، حدثنا أيوب، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ: مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه (^٢).\n_________\n(^١). شرح رياض الصالحين (٥/ ٢٦٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٧٠٤).","vol":"1","page":78},{"text":"فأمره الرسول ﷺ بالوفاء بالصوم؛ لأنه عبادة مقصودة، ونهاه عن قصد المشقة مما ليس مقصودًا بذاته، ولا وسيلة يتوصل بها إلى المقصود، فأمره بالكلام، وبترك القيام في الشمس.\n• الراجح:\nأنه لا يشرع تَقَصُّدُ الأبعد من أجل الخطا، ذلك أن المشي بنفسه ليس عبادة، فلم نتعبد بالمشي مجردًا، لكن لما كان يتوصل به إلى عبادة كان مطلوبًا لا لذاته، والغاية هو الصلاة جماعة، فإن قصد الأبعد لأمر مقصود، كإحسان الصلاة بزيادة الطمأنينة وتجويد القراءة، وكثرة الجماعة، أو وجود حلق التعليم، والوعظ أجر على خطاه بذهابه إلى المسجد.\n\n* * *","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفرع الثاني في استحباب مقاربة الخطا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• النصوص تأمر بالمشي إلى الصلاة عند سماع الإقامة، وتنهى عن السرعة.\n• الأمر بالمشي إلى الصلاة لا يفهم منه إلا المشي المعتاد، بأن يمشي على طبيعته دون أن يتكلف هيئة معينة.\n• لم يَأْتِ حديث صحيح مرفوع في مقاربة الخطا، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، والأصل عدم المشروعية.\n• الوعد بالثواب على الخُطَا إذا مشى إلى الصلاة ترغيب للبعيد في تحصيل الجماعة، ولا يفهم منه الأمر بمقاربة الخطا؛ لأن الخُطَا ليس مقصودًا في ذاته حتى يتقصد المصلي صفة فيه لم تأتِ بها النصوص.\n• استحباب صفة في المشي يحتاج إلى توقيف، ولو كان مشروعًا لظهر وانتشر بين الصحابة لتكراره في اليوم خمس مرات.\n[م-٤٤٤] خلصنا في المبحث السابق عند الكلام على مسألة اختيار المسجد الأبعد من أجل كثرة الخُطَا، أن الأرجح للمصلي ألا يقصد المسجد الأبعد من أجل كثرة الخطا، ولا يختار أبعد الطريقين إلى المسجد طلبًا لكثرة الخطا.\nوأن المشي إلى المسجد لا فضيلة في نفسه، ولا يفضل على الركوب؛ ولا يتقصد المشي؛ لكونه أشق، فطلب المشقة في العبادة ليس مطلوبًا، والثواب على الخطا في الذهاب إلى الصلاة جاء بناء على الغالب، فغالب المسلمين مساجدهم قريبة من بيوتهم، فلا يحتاجون بالذهاب إلى المسجد إلى الركوب، كما","vol":"1","page":80},{"text":"أن كتابة الخطا يقصد منها ترغيب البعيد عن المسجد في تحصيل صلاة الجماعة، لا أن المشي مقصود في نفسه، ولا أن المسجد الأبعد مقصود من أجل كثرة الخُطَا.\n[م-٤٤٥] إذا كان ذلك واضحًا من خلال البحث السابق، فهنا مسألة تعرض لها بعض المذاهب، في مشروعية مقاربة الخطا من أجل تكثير الخطا.\nفإذا كان لا يشرع على الصحيح قصد المكان الأبعد لتكثير الخطا، فهل يشرع مقاربة الخطا بقصد تكثير الخطا؟\nفمن نظر إلى أن المسافة هي المسافة، وأنه لن يدخله مشقة زائدة في مقاربة الخطا لم يمنع من مقاربة الخطا، خاصة أن مقاربة الخطا تحول بين المصلي وبين الإسراع في السعي إلى الصلاة، وهو من السنن المؤكدة.\nومن نظر إلى أن الصفة المأمور بها في الذهاب إلى الصلاة جاءت مفصلة بالسنة، فالنصوص تأمر بالمشي عند سماع الإقامة بسكينة ووقار، وتنهى عن السرعة، والأمر بالمشي إلى الصلاة لا يفهم منه إلا المشي المعتاد، بأن يمشي على طبيعته دون أن يتكلف هيئة معينة، ولم يَأْتِ حديث صحيح مرفوع في مقاربة الخطا، وما كان ربك نسيًّا، والأصل عدم المشروعية، والوعد بالثواب على الخُطَا إذا مشى إلى الصلاة لا يفهم منه الأمر بمقاربة الخطا، لأن المشيَ ليس مقصودًا في ذاته حتى يتقصد المصلي صفة فيه لم تَأْتِ بها النصوص.\nمن فهم هذا من النصوص لم يَرْ مشروعية مقاربة الخطا، وكونه قد ثبت عن زيد بن ثابت مقاربته لخطاه، فهذا فهم من الصحابي لم يثبت عن غيره، وهو اجتهاد يدخله الخطأ والصواب، فلو كان مثل هذا مشروعًا لعرف هذا إما في النصوص المرفوعة، ولم يثبت منها شيء، وإما في ظهوره وانتشاره من عمل الصحابة، خاصة أنه يتكرر في اليوم خمس مرات، ولم يَصحَّ إلا عن زيد بن ثابت ﵁، إذا عرفت هذا نأتي إلى ذكر من قال بالاستحباب، ومناقشة أدلته.\nاستحب الحنابلة مقاربة الخطا في المشي إلى الصلاة؛ لتكثر حسناته، وقال به بعض أهل العلم (^١).\n_________\n(^١). طرح التثريب (٢/ ٣٥٨)، المغني (١/ ٣٢٨)، الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري ...\n(٢/ ٣٠٦)، فتح الباري لابن رجب (٢/ ٣٥٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٣٤)، المغني (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":81},{"text":"قال الطبري: «تفضل المقاربة بين الخطا في المشي إلى الصلاة على الإسراع إليها» (^١).\nوقال ابن خزيمة في صحيحه: «باب فضل المشي إلى الجمعة، وترك الركوب، واستحباب مقاربة الخطا لتكثر الخطا، فيكثر الأجر» (^٢).\nولم يستحب الجمهور المقاربة بين الخطا، فلم يتعرضوا لها في كتبهم، مع نص بعضهم على استحباب المشي إلى الصلاة وتفضيله على الركوب.\nواختاره شيخنا ابن عثيمين، قال في تعليقه على الكافي لابن قدامة: «أما قوله ﵀: (ويقارب بين خطاه) ففي هذا نظر؛ لأن المقاربة بين الخطا أمر يقصد، ولو كان من الأمور المشروعة لبينه النبي ﷺ» (^٣).\n• أدلة الحنابلة على استحباب مقاربة الخطا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٧٠) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟، قالوا بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.\nوجه الاستدلال:\nفرتب الأجر على كثرة الخطا، كثرة الخطا تحصل بأمور منها مقاربة الخطا، فإذا قَلَّت الخطا قَلَّ الأجر.\n•ونوقش:\nكثرة الخطا الذي رتب عليها هذا الفضل، أهو كناية عن بعد الدار، وكثرة التردد\n_________\n(^١). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٢).\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (٣/ ١٣٥).\n(^٣). الكافي لابن قدامة (٢/ ٢٢٢).","vol":"1","page":82},{"text":"على المسجد حتى حصل له كثرة الخطا، أم المعنى أن يَدِبَّ إلى المسجد دبيبًا ولو خرج عن المشي المعتاد؛ ليحصل على كثرة الخطا؟\nلا أظن الحديث سيق حَثًّا على مقاربة الخطا لتكثر الحسنات، فالخطا وسيلة غير مقصودة، وإنما كسب المشي فضيلته لكونه وسيلة إلى الصلاة، وكذا كل وسيلة توصلك إلى الصلاة فقد حصل المقصود، وتؤجر عليها، وحين كان المشي هو الغالب؛ لأن المساجد تقع عادة قريبة من البيوت جاء الأمر بالسعي إلى الصلاة بلفظ المشي، والحديث لا يفهم منه على أنه يعطي المشي مزية على غيره، لأننا لم نتعبد بالمشي المجرد، فالمشي ليس كالوضوء وسيلة لغيره وعبادة في نفسه، فلو تعبد المسلم بمجرد المشي لعُدَّ مبتدعًا، والوضوء مع أنه وسيلة يطلب وحده، ولو دون صلاة، هذا هو الفرق بين المشي والوضوء، بين الوسيلة إذا كانت مقصودة، وبين الوسيلة إذا كانت لا تقصد لذاتها، فالأجر المرتب على المشي إنما هو ترغيب للبعيد في تحصيل الجماعة باحتساب آثاره، وترغيب للقريب بكثرة التردد على المسجد في سائر الأوقات؛ لتكثر خطاه إلى الصلاة، وما خرج مخرج الغالب لا يعتبر قيدًا، فلو ركب الرجل إلى مسجده لكتبت آثاره في الطريق إلى المسجد.\nوقد نقل الأبي عن العز بن عبد السلام قوله: «لا يمر إلى المسجد من أبعد طريقيه ليكثر الخطا؛ لأن الغرض الحصول في المسجد، وهو يحصل بالقريبة، قال: والحديث إنما هو تنشيط لمن بعدت داره ألا يكسل، ومن نحو ما ذكر ألا يؤثر أبعد المسجدين منه بالصلاة فيه» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٧١) روى ابن أبي شيبة في مسنده، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني،\nعن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، قال: أقيمت الصلاة فخرج رسول الله ﷺ يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، وقال: أتعرف لم فعلت؟ لتكثر\n_________\n(^١). شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٥٥٦).","vol":"1","page":83},{"text":"عدد خطانا في طلب الصلاة (^١).\n[منكر مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف] (^٢).\n•ونوقش:\nإذا لم يصح مرفوعًا فقد صح موقوفًا على زيد بن ثابت، وهذا كافٍ في الاستحباب.\n_________\n(^١). مسند ابن أبي شيبة (١٣٣).\n(^٢). الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (١٣٣)، وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ١١٧) رقم: ٤٧٩٨، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٥٣)، وابن شاهين في الترغيب (٥٢)، عن عبيد الله بن موسى.\nوالبخاري في الأدب المفرد (٤٥٨) حدثنا موسى (بن إسماعيل)،\nوأبو داود الطيالسي كما في مسنده (٦٠٦)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٨٨) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٩١٩)، عن محمد بن ثابت البناني (ضعيف).\nوالعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢١٩)، من طريق مسلم بن إبراهيم، كلهم رووه عن الضحاك بن نبراس، عن ثابت، به مرفوعًا.\nوهذا فيه علتان:\nالأولى: الضحاك بن نبراس، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: لين الحديث.\nوفي التقريب: لين الحديث.\nالعلة الثانية: مخالفة الضحاك لمن هوى أقوى منه،\nفقد رواه الطبراني (٥/ ١١٧) رقم: ٤٧٩٦ من طريق السري بن يحيى (ثقة ثبت)،\nوعبد الرزاق في المصنف (١٩٨٣)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٣٤٠٨) عن جعفر بن سليمان (صدوق يتشيع).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٤١١) من طريق حميد الطويل (ثقة)،\nورواه أيضًا (٧٤٠٦) من طريق جعفر بن حيان أبي الأشهب (ثقة).\nورواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢١٩) من طريق حماد بن سلمة، خمستهم رووه عن ثابت به موقوفًا على زيد بن ثابت، وهو المعروف.\nورواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١٢٩) حدثنا داود بن المحبر، حدثنا محمد ابن سعيد، عن أبان، عن أنس قال: خرجت وأنا أريد المسجد فإذا أنا بزيد بن ثابت، فوضع يده على منكبي يتوكأ علي، قال: فذهبت أخطو خطو الشباب، فقال لي زيد يعني ابن ثابت: قارب بين خطوك، فإن رسول الله ﷺ قال: من مشى إلى المسجد كان له بكل خطوة عشر حسنات.\nوهذا ضعيف جدًّا، في إسناده داود بن المحبر، وأبان بن أبي عياش، ومحمد بن سعيد.","vol":"1","page":84},{"text":"•ويجاب:\nمن أراد الاستئناس برأي زيد بن ثابت فقد رشد، ومن اهتدى بفهم صحابي فقد خرج الفاعل بذلك من ضيق البدعة إلى فضاء الصواب والخطأ، وقد تلقى أنس هذا الفقه من زيد وعمل به، وألقاه أنس إلى تلميذه ثابت، وعمل الصحابي يمكن الاهتداء به إذا كانت السنة لم تبين صفة المشي إلى الصلاة كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني، أما من يرى أن السنة قد جاءت مفصلة صفة المشي فلا يأخذ بفهم الصحابي إذا كان يراه مخالفًا للسنة، ومخالفًا للنظر، ولذلك حين أمرت السنة بالمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ونهت عن السرعة لم يأخذ بعض المحققين باجتهادات بعض الصحابة بأنه لا بأس بالسرعة إذا لم تكن شديدة، سواء أَسْتُحْسِنَ هذا لإدراك التكبيرة الأولى، أم لإدراك الركعة، أُم لإدراك الجماعة، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٥٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا المسعودي، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، قال:\nقال عبد الله: لقد رأيتنا وإنَّا لنقارب الخطا إلى الصلاة (^١).\n[صحيح واختلف في ذكر زيادة (وإنا لنقارب الخطا) والأثر في مسلم وليست فيه هذه الزيادة ويشبه أن تكون محفوظة] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٧٤٠٥).\n(^٢). الأثر صحيح عن ابن مسعود، ويشبه أن يكون مقاربة الخطا محفوظًا في أثر ابن مسعود ﵁، والحديث مداره على أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁.\nوقد رواه خمسة عن أبي الأحوص: علي بن الأقمر، وعبد الملك بن عمير، وإبراهيم بن مسلم الهجري، وأبو إسحاق، وأبو بكر بن عياش.\nأما عبد الملك بن عمير، فلم يختلف عليه في عدم ذكر مقاربة الخطا، وروايته في مسلم.\nورواه البقية على اختلاف عليهم:\nففي رواية علي بن الأقمر: رواها عنه أبو عميس، والمسعودي -على تقدير أن أبا عميس ليس هو المسعودي- وشريك.\n\nفأما أبو عميس فلم يختلف عليه في عدم ذكرها، وروايته في مسلم. =","vol":"1","page":85},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوأما شريك فروي عنه على الوجهين.\nوأما المسعودي على تقدير أنه ليس أبا عميس، فرواه عنه الطيالسي، وعاصم بن علي، وليس فيه مقاربة الخطا.\nورواه ابن المبارك عن المسعودي وقد ذكر مقاربة الخطا، وليس له إلا طريق واحد عند النسائي، لهذا لم يختلف عليه في ذكر هذا الحرف.\nورواه وكيع وأبو قطن عن المسعودي على اختلاف عليهم:\nفرواه هارون بن عباد، وسلم بن جنادة، عن وكيع، دون ذكر هذا الحرف، وخالفهم ابن أبي شيبة، فرواه عن وكيع، وذكر مقاربة الخطا مقتصرًا عليه في روايته.\nورواه أحمد عن أبي قطن عن المسعودي دون ذكر هذا الحرف، ورواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق أبي قطن بذكر الخطا.\nوأما رواية إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، فاختلف فيه على الهجري في ذكرها.\nفذكرها كل من الثوري وزائدة بن قدامة وروح بن القاسم، ولعل من لم يذكرها، وهم البقية تركوها إما اقتصارًا أو اختصارًا، والله أعلم.\nوأما رواية أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، فرواها عنه مسعر عن أبي إسحاق وليس فيه (مقاربة الخطا).\nورواه يونس بن أبي إسحاق، وفيه ذكر مقاربة الخطا. ...\nوأما رواية أبي بكر بن عياش، فلم أقف لها إلا على طريق واحد عند ابن أبي شيبة، وفيه مقاربة الخطا إلا أنه أخطأ في لفظها، فقد ساقها بلفظ: (وكان يؤمر بمقاربة الخطا) فظاهرها أن ذلك مرفوع، والله أعلم. وإليك بيان ما أجملته، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.\nفالأثر كما ذكرت لك مداره على أبي الأحوص، عن عبد الله، ورواه عن أبي الأحوص جماعة.\nالطريق الأول: علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص.\nورواه عن علي بن الأقمر اثنان: شريك بن عبد الله النخعي، والمسعودي وأحسبه (أبا عميس الثقة).\nأما رواية المسعودي، عن علي بن الأقمر، فرواه عنه جماعة على النحو التالي:\nأما رواية المسعودي عن علي بن الأقمر فرواه عنه جماعة على النحو التالي:\n(١): أبو نعيم الفضل بن دكين، عن أبي عميس المسعودي.\nرواه مسلم (٢٥٧ - ٦٥٤)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٥٣)، وأحمد (١/ ٤١٤، ٤١٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١١٨) رقم: ٨٦٠٣، وأبو عوانة في مستخرجه (١٢٦٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٨٣)، وفي الشعب (٢٦٠٥)، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي عميس، عن علي بن الأقمر به، بطوله وليس فيه ذكر مقاربة الخطا، ولفظه:\nعن عبد الله، قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من =","vol":"1","page":86},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.\nوفي جميع طرق أبي نعيم، يرويه عن أبي عميس بكنيته، لم يقل في طريق واحد منها (المسعودي).\n(٢) عبد الله بن المبارك، عن المسعودي.\nرواه النسائي في المجتبى (٨٤٩)، وفي الكبرى (٩٢٤) من طريق ابن المبارك بذكر هذه الزيادة.\n(٣) أبو داود الطيالسي، عن المسعودي.\nرواه أبو داود في مسنده (٣١١) حدثنا المسعودي به، وذكره بتمامه، وليس فيه (نقارب الخطا).\n(٤): عاصم بن علي، عن المسعودي.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١١٩) رقم: ٨٦٠٤، وليس فيه (نقارب الخطا).\n(٥) أبو قطن عمرو بن الهيثم، عن المسعودي، واختلف على أبي قطن:\nفرواه ابن الأعرابي في المعجم (٨٠) أخبرنا أبو يحيى، أخبرنا أبو قطن عن المسعودي به، وفيه (حتى لقد كنا نقارب في الخطا).\nورواه أحمد (١/ ٤٥٥) حدثنا أبو قطن، عن المسعودي به، ولم يذكر هذا الحرف مع أنه ذكر الأثر بطوله. وفي الطريقين قال: (عن المسعودي).\n(٦) وكيع، عن المسعودي، واختلف عليه في ذكر هذا الحرف.\nفرواه أبو داود (٥٥٠) عن هارون بن عباد الأزدي، عن وكيع، عن المسعودي وذكره بطوله دون هذه الزيادة.\nوتابعه سلم بن جنادة في صحيح ابن خزيمة (١٤٨٣) عن وكيع به، دون ذكر هذه الزيادة.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٤٠٥) عن وكيع عن المسعودي مختصرًا بالاقتصار على قوله: (لقد رأيتنا وإن كنا لنقارب الخطا إلى الصلاة).\nهذا ما وفقت عليه من طريق المسعودي، والكلام عليه في مسألتين:\nالمسألة الأولى: من المراد بالمسعودي؟ أهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، فهذا الرجل صدوق، وقد تغير بآخرة، وعاصم بن علي والطيالسي ممن سمع منه بعد اختلاطه، ووكيع ممن سمع منه قبل اختلاطه، أم هو أخوه أبو عميس الثقة: عتبة بن عبد الله؟\nفأبو نعيم الفضل بن دكين وحده قال: عن أبي عميس.\nوقال ابن المبارك، ووكيع، وعاصم بن علي، وأبو داود الطيالسي، وعمرو بن الهيثم كلهم قالوا عن المسعودي، والمشهور إطلاق المسعودي على عبد الرحمن، وأما أخوه فهو مشهور بكنيته، وكلاهما يقال له المسعودي.\nقال صاحب فضل الرحيم الودود «اختلف صنيع المزي، فصنيعه في التهذيب على أنه الأول، =","vol":"1","page":87},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوفي الأطراف (٧/ ١٢٤/٩٥٠٢) على أنه الثاني؛ حيث ذكر طرف الحديث عند مسلم من طريق الفضل بن دكين، وعند أبي داود من طريق وكيع، وعند النسائي من طريق ابن المبارك، ثم قال: (ثلاثتهم عن أبي عميس، عنه به)، ولم يتعقبه العراقي في الإطراف بأوهام الأطراف، ولا ابن حجر في النكت الظراف».\nووكيع وأبو نعيم يرويان عن الأخوين جميعًا عن عبد الرحمن، وعن عتبة.\nورواية ابن المبارك وعاصم بن علي وعمرو بن الهيثم معروفة عن عبد الرحمن، وينظر هل لهم رواية عن أبي عميس؟ فإن كان لهم رواية فيحتمل أنهم شخص واحد، كناه أبو نعيم، ونسبه البقية بلا كنية، وإن لم يكن لهم رواية فيعتبر الحديث من رواية الأخوين عن أبي الأحوص، ويتنبه للاختلاف بينهما في لفظه: فأبو عميس يرويه دون ذكر مقاربة الخطا، بخلاف عبد الرحمن، وأبو عميس أوثق من أخيه، وقد عدهما الألباني شخصين في تخريجه لسنن أبي داود الأم.\nالمسألة الثانية: الاختلاف في ذكر مقاربة الخطا، فرواه ثلاثة من الرواة دون ذكر هذا الحرف: أبو نعيم، والطيالسي، وعاصم بن علي عن المسعودي، ورواية أبي نعيم في مسلم.\nورواه ثلاثة من الرواة بذكر هذا الحرف، على اختلاف عليهم في ذكر هذا الحرف.\nفرواه ابن المبارك عن المسعودي بتمامه وطوله بذكر مقاربة الخطا، وروايته عند النسائي.\nورواه وكيع وأبو قطن عن المسعودي على اختلاف عليهم:\nفرواه هارون بن عباد، وسلم بن جنادة، عن وكيع، عن المسعودي به، دون ذكر هذا الحرف، وخالفهم ابن أبي شيبة، فرواه عن وكيع به، وذكر مقاربة الخطا مقتصرًا عليه في روايته.\nورواه أحمد عن أبي قطن عن المسعودي دون ذكر هذا الحرف، ورواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق أبي قطن بذكر الخطا.\nهذا ملخص تخريج طريق المسعودي، والإشكال الذي فيه.\nوأما رواية شريك بن عبد الله النخعي، عن علي بن الأقمر.\nفرواها أحمد (١/ ٤١٩) حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، حدثنا علي بن الأقمر به، بلفظ:\nلقد رأيتنا، وما تقام الصلاة حتى تكامل بنا الصفوف، فمن سره أن يلقى الله ﷿ غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله ﷿ قد شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى.\nوليس فيه زيادة (وإن كنا لنقارب بين الخطا)، ولعل يحيى بن آدم اختصره.\nورواه الطبراني في المعجم (٩/ ١١٩)، والشاشي في مسنده (٧٠٧)، حدثنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أخبرنا شريك به، بلفظ: عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حين ينادى بهن؛ فإنهن من سنن الهدى، وإن الله قد شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، ولو أن هذا المصلي في المسجد يخلف في بيته كما يخلف هذا المصلي في بيته لتركتم سنة نبيكم ﵇، =","vol":"1","page":88},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لضللتم، ولقد أتى علينا زمان، وما يتخلف عنها إلا منافق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، ولقد رأيتنا وإن الصفوف لتتكامل بنا قبل أن تقام الصلاة، وما من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، يأتي المسجد لا ينهزه إلا ذلك، فيصلي فيه إلا كتب الله له بكل خطوة حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، حتى إن كنا لنقارب بين الخطا. هذا لفظ الشاشي، ولفظ الطبراني نحوه.\nوإسناده صحيح إلى شريك، وأما شريك فإنه سَيِّئُ الحفظ، إلا أن هذا الأثر لم يتفرد به، وقد ذكر في روايته زيادة: (حتى إن كنا لنقارب بين الخطا)، وهذه متابعة أخرى لرواية الأقمر من رواية ابن المبارك، ومن تابعه عنه.\nورواه الشاشي أيضًا (٧٠٦) قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مطر، أخبرنا طلق بن غنام، أخبرنا شريك به بلفظ محمد بن سعيد الأصبهاني.\nوشيخ الشاشي أحمد بن إبراهيم بن مطر لم يَرْوِ عنه إلا الشاشي، ولم أقف له على ترجمة، ففيه جهالة، ويغني عنه الطريق السابق.\nهذا ما يخص تخريج طريق علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، ولم ينفرد به، فقد توبع كما سنراه من استكمال التخريج.\nالطريق الثاني: عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص.\nرواه مسلم (٢٥٦ - ٦٥٤)، وابن أبي شيبة في المسند (٤٢٩)، وأبو يعلى مختصرًا ومطولًا، (٥٠٠٣، ٥٠٢٣)، وأبو عوانة (١٢٦٣)، والطبراني في الكبير مختصرًا (٩/ ١٢٠) رقم: ٨٦٠٨، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٤٦١). وابن حبان (٢١٠٠) من طريق زكريا ابن أبي زائدة، حدثنا عبد الملك به مطولًا ومختصرًا وليس فيه مقاربة الخطا.\nالطريق الثالث: إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص.\nرواه ابن ماجه (٧٧٧) والنسوي في الأربعين (٢٣)، من طريق محمد بن جعفر.\nوالطبراني في الكبير (٩/ ١١٦) رقم: ٨٥٩٧، من طريق محمد بن منهال.\nوالطبراني في الكبير (٩/ ١١٦) رقم: ٨٥٩٧، والشاشي في مسنده (٧٠٨)، من طريق عمرو بن حكام.\nوأبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٦٠) من طريق أبي داود الطيالسي، ثلاثتهم، عن شعبة، عن إبراهيم بن مسلم به.\nوفي لفظ عمرو بن حكام (حتى إن كنا لنقارب بين الخطا)، وقد قرن الطبراني رواية عمرو بن حكام برواية حجاج بن منهال، وفيه ذكر مقارنة الخطا، فهل كان هذا هو لفظ عمرو بن حكام؟ خاصة أن محمد بن جعفر من أوثق أصحاب شعبة ولم يذكر هذا اللفظ في رواية شعبة، كما لم يذكره الطيالسي، أم أن هذا أيضًا لفظ حجاج، الله أعلم.\nورواه عبد الرزاق (١٩٧٩) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١١٦)، رقم: ٨٥٩٦، =","vol":"1","page":89},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوالعدني في الإيمان (٢٥)، كلاهما (عبد الرزاق والعدني)، عن الثوري.\nوفي رواية عبد الرزاق (حتى إن كنا لنقارب في الخطا).\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١١٨) رقم: ٨٦٠١، من طريق زهير بن معاوية (ثقة)، وليس فيه مقاربة الخطا.\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ١١٨)، رقم: ٨٦٠٢، من طريق خلاد الصفار (ثقة).\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ١١٧) رقم: ٨٥٩٨، من طريق روح بن القاسم، وفيه: (وإن كنا لنقارب بين الخطا).\nوإسناده ضعيف، فشيخ الطبراني إسحاق بن داود الصواف فيه جهالة، وعبد الله بن بزيع ضعيف، تكلم فيه ابن عدي والبيهقي والدارقطني.\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ١١٧)، رقم: ٨٥٩٩، من طريق يزيد بن عطاء (ضعيف).\nورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢٦٠٦) من طريق زائدة بن قدامة (ثقة)، وفيه: (وإن كنا لنقارب بين الخطا).\nورواه ابن عبد البر في التمهيد مطولًا، (١٨/ ٣٣٦)، وفي جامع بيان العلم وفضله مختصرًا (٢/ ١٢٠٧) من طريق جعفر بن عون (ثقة)، كلهم (شعبة، والثوري، وزهير، وروح، وزائدة، وابن عون، ويزيد بن عطاء) سبعتهم رووه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص به.\nوخالفهم أبو معاوية، فرواه عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ولفظه: (من سره أن يلقى الله ﷿ غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حيث ينادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله ﷿ شرع لنبيكم سنن الهدى، وما منكم إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وقال رسول الله ﷺ: ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد، فيخطو خطوة، إلا رفع بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو كتبت له بها حسنة حتى إن كنا لنقارب بين الخطا، وإن فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده، بخمس وعشرين درجة).\nرواه أحمد (١/ ٣٨٢) حدثنا أبو معاوية به.\nورواه ابن شاهين في فضائل الأعمال من طريق ابن أبي شيبة، أخبر نا أبو معاوية به، مقتصرًا على المرفوع بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ: ما منكم من رجل يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد فيخطو خطوة، إلا كتب الله ﷿ له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة.\nوانفرد أبو معاوية في روايته ابن مهاجر بأمرين: =","vol":"1","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالأمر الأول: أنه رفع قوله: (ما من رجل يتوضأ، فيحسن الوضوء، ثم يأتي مسجدًا من المساجد، فيخطو خطوة، إلا رفع بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة، أو كتبت له بها حسنة) ورواه غيره من قول ابن مسعود، وهو المحفوظ.\nالأمر الثاني: أنه ألحق الحديث المرفوع في مضاعفة أجر صلاة الجماعة بالأثر الموقوف، (وإن فضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته وحده، بخمس وعشرين درجة).\nوهذا القدر محفوظ من حديث أبي الأحوص مرفوعًا، إلا أنه روي مفصولًا عن الأثر الموقوف، فألحق أبو معاوية الحديث المرفوع بالأثر الموقوف، وأبو معاوية في غير حديث الأعمش مضطرب الحديث. وقد يكون الوهم من شيخه إبراهيم ابن مسلم ففي حفظه شيء.\nوقد فصله زائدة بن قدامة، فرواه عن إبراهيم، عن أبى الأحوص، عن عبد الله، عن النبي: إن صلاة الرجل فى جماعة تزيد على الصلاة وحده خمسًا وعشرين درجة.\nأخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (٦٩٩).\nوحديث ابن مسعود في فضل الجماعة على صلاة الفذ روي مرفوعًا وموقوفًا، والمرفوع محفوظ وسيأتينا إن شاء الله عند الكلام على فضل صلاة الجماعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.\nوأما موضع الشاهد، وهو قوله: (وإن كنا لنقارب بين الخطا)، فقد اختلف فيه على الهجري في ذكرها.\nفذكرها كل من الثوري وزائدة بن قدامة وروح بن القاسم، ولعل من لم يذكرها، وهم البقية تركوها إما اقتصارًا أو اختصارًا، والله أعلم.\nالطريق الرابع: أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص.\nرواه مسعر عن أبي إسحاق كما في مسند الشاشي (٦٩٤)، وليس فيه (مقاربة الخطا).\nورواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه كما في المعجم الكبير (٩/ ١٢٠) رقم: ٨٦٠٧، وفيه (حتى إن كنا لنقارب بين الخطا).\nالطريق الخامس: أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٣٩٦) حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: صلاة الرجل في جماعة أفضل من صلاته في سوقه، أو وحده بضعًا وعشرين درجة، قال: وكان يؤمر أن يقارب بين الخطا.\nوفي طبعة دار القبلة ت عوامة (٨٤٨٢) أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين. وليس فيه (حدثنا).\nوانفرد أبو بكر بن عياش في قوله: (وكان يؤمر أن يقارب بين الخطا) فظاهره الرفع، وكل من ذكر مقاربة الخطا ذكره بلفظ: (وإن كنا لنقارب بين الخطا).\nوأبو بكر بن عياش يخطئ إذا حدث من حفظه، وقد تغير بآخرة، قال مهنا: سألت أحمد: أبو بكر بن عياش أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل، قلت: لم؟ قال: لأن أبا بكر كثير الخطأ جدًّا، قلت: كان في كتبه خطأ؟ قال: لا، كان إذا حدث من حفظه.\nهذا ما وقفت عليه من طرق أثر ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":91},{"text":"وجه الاستدلال:\nظاهر الأثر أن هذا عمل الصحابة، أو عمل كثير منهم، فيؤخذ منه استحباب مقاربة الخطا لتكثير الحسنات.\n• دليل من قال: لا تستحب مقاربة الخطا:\n(ح-١٠٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (^١).\nوجه الاستدلال:\nاشتمل الحديث على الأمر بالمشي، وعلى بيان صفته، وذلك بالنهي عن السرعة، ولزوم السكينة والوقار، فأين مقاربة الخطا من هذا الحديث الذي سيق لبيان صفة المشي إلى الصلاة فلو كان مشروعًا لجاء التأكيد على لزومه.\nوالأجر على الخطا في الذهاب إلى الصلاة لم يُسَقْ في بيان صفة المشي حتى يفهم منه مشروعية مقاربة الخطا، وإنما ذكر الحديث في معرض ثواب الخطا إلى الصلاة، فمن أراد أن يأخذ صفة المشي إلى الصلاة فليأخذ ذلك من الأحاديث التي سيقت لبيان صفة المشي، وليس من أحاديث ثواب المشي، ولهذا أخطأ الحنفية عندما عارضوا الأحاديث الصريحة في ابتداء وقت العصر من القول بالمثل إلى القول بالمثلين استدلالًا بالحديث الذي ضرب فيه المثل في تفاوت الثواب بين اليهود، والنصارى والمسلمين برجل استأجر أجيرًا، فعمل اليهود إلى الظهر بقيراط، ثم انقطعوا، ثم عمل النصارى إلى العصر بقيراط، ثم انقطعوا، ثم عمل المسلمون إلى المغرب فأخذوا قيراطين، وأتموا العمل، فاحتج اليهود والنصارى فقالوا: عملوا أَقَلُّ، وأخذوا أكثر منا، فالحنفية التقطوا من الإشارة بقوله ﷺ (عملوا أقل منا) على أن العصر أَقَلُّ وقتًا من الظهر، وتركوا صريح أحاديث التوقيت، والتي تنص على\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣٦)،.","vol":"1","page":92},{"text":"ابتداء وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثله، فكذلك هنا، لا تؤخذ صفة المشي إلى الصلاة من أحاديث ثواب المشي، وتترك السنة الواردة في صفة المشي، والله أعلم.\nوإذا كان الحديث يأمر بالمشي إلى الصلاة فلا يفهم منه إلا المشي المعتاد، دون أن يتكلف هيئة معينة.\n• الراجح:\nأَحَبُّ إلى نفسي أن يذهب الإنسان على طريقته بالمشي إلى الصلاة، على ما جاء في حديث أبي هريرة (فامشوا، وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا)، هذه صفة المشي مبينة في السنة المرفوعة، ولا أدفع أثر ابن مسعود في مقاربة الخطا إلى الصلاة لمن أحب هذا، إلا أن الأول مرفوع، والمقاربة لم تَأْتِ في نص مرفوع، واستفيدت من ثواب المشي، وليس من صفة المشي، والمشي بذاته ليس عبادة، والمقصود هو الصلاة جماعة في المسجد، والوسائل إذا لم تكن مقصودة لم يَتَحَرَّهَا العبد، وكيف وصل إلى المسجد فقد حصل المقصود، والحنابلة يفضلون المشي في العبادات كلها على الركوب مطلقًا حتى في الحج إلا الوقوف في عرفة، علمًا أن النبي ﷺ حج راكبًا، وطاف ماشيًا وراكبًا، وكذلك سعى ماشيًا وراكبًا، وكان يذهب إلى قباء ماشيًا وراكبًا، ليصلي فيه، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الباب الثاني في الأحكام المرتبطة بدخول المسجد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الأول في استحباب تقديم اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يصح حديث مرفوع في استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند الخروج.\n• العمدة في استحباب تقديم اليمنى دخولًا واليسرى خروجًا إما على اتفاق الفقهاء، وإما على القياس على لبس النعل وخلعه، والأول أظهر في الاستدلال.\n• استحباب تقديم اليمين في شأن الإنسان لا يؤخذ منه عموم استحباب تقديم اليمين في كل شيء، فقد رأى النبي ﷺ أنه يتسوك في المنام، فأراد أن يناول الأصغر فقيل له: كَبِّر، وهو السنة في تقديم الشراب والسلام والطيب والكلام ونحوها، ثم يقدم من كان أيمن الكبير، فالأيمن إنما امتاز لجلوسه عن يمين الفاضل، فالفضل إنما فاض عليه من الكبير.\n• يستحب تقديم اليمين في شأن الإنسان كله من العبادات والعادات في كل فعل يكون من باب التكريم، كالوضوء واللبس والإعطاء، واليسرى في عكس ذلك كإماطة الأذى، وخلع النعل وما لا يمكن إلحاقه فالأصل فيه اليمين.\n[م-٤٤٦] اعتبر الحنفية تقديم الرجل اليمنى سنة (^١)، ولا يخفى عليك الفرق\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٤٤٧)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٣٢١)، البحر الرائق (٢/ ٣٥٠، ٣٥١)، مجمع الأنهر (٢/ ٢٧٠).","vol":"1","page":94},{"text":"عند الحنفية بين السنة والمستحب (^١).\nوقال الجمهور: يندب له تقديم اليمنى دخولًا، واليسرى خروجًا (^٢).\nوذكر الجمهور أن القاعدة أن ما اشتركت فيه الجارحتان: اليدان أو الرجلان وكان من باب الكرامة قدمت اليمين، وعكسه تقدم اليسرى، كالدخول للحمام، وخلع النعل.\nويقدم الأشرف على الشريف كما لو كان باب بيته داخل المسجد، فالحكم للمسجد دخولًا وخروجًا، وأما الكعبة والمسجد فالحكم للكعبة في الدخول، وكذا المسجدان المتلاصقان يقدم اليمين في الأشد حرمة، فإن استويا خير، ويقدم اليمين في الموضع الذي اختاره للصلاة من الصحراء، واليسرى للموضع الذي اختاره لقضاء الحاجة (^٣).\n_________\n(^١). السنة عند الحنفية أعلى رتبة من المندوب، فالسنة يثاب فاعلها، ويستوجب اللومَ، والكراهةَ والإساءةَ تاركُها، بخلاف النوافل، فإنه لا لوم على تركه.\nوالسنة عند المالكية وبعض الشافعية: على ما واظب عليه النبي ﷺ، ولم يكن واجبًا، كصلاة الكسوف، والعيدين، والوتر، والمستحب ما فعله ولم يواظب عليه، أو أمر به ورغب في فعله، ولم يفعله.\nوأما الشافعية والحنابلة فيجعلونها ألفاظًا مترادفة، يراجع في هذا كتب الأصول للوقوف على مصطلحات المذاهب في السنة.\n(^٢). الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٩٣)، الشرح الكبير (١/ ١٠٨)، الشامل في الفقه (١/ ٥٥)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ١٩٢)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ١٤١)، أسهل المدارك (١/ ٧١)، المجموع (١/ ٣٨٤).\n(^٣). الشرح الصغير (١/ ٩٣)، شرح زروق على متن الرسالة (٢/ ١٠٥٦)، تحفة المحتاج (١/ ١٥٨، ١٥٩)، نهاية المحتاج (١/ ١٣١)، كفاية النبيه (١/ ٤٣٠)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (١/ ٢٧٤)، شرح العمدة لابن تيمية -كتاب الصلاة (ص: ٦١٠).\nقال النووي في المجموع شرح المهذب (١/ ٣٨٤): «قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم كالوضوء، والغسل، ولبس الثوب، والنعل، والخف، والسراويل، ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود والأخذ والعطاء وغير ذلك مما هو في معناه ...\nويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك كالامتخاط والاستنجاء ودخول الخلاء والخروج من المسجد وخلع الخف والسراويل والثوب والنعل وفعل المستقذرات وأشباه ذلك».","vol":"1","page":95},{"text":"قال ابن تيمية: «قد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، ونتف الإبط، وكاللباس، والانتعال والترجل، ودخول المسجد والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك.\nوتقدم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعل، والخروج من المسجد، والذي يختص بإحداهما إن كان بالكرامة كان باليمين، كالأكل والشرب والمصافحة، ومناولة الكتب، وتناولها، ونحو ذلك.\nوإن كان ضد ذلك كان باليسرى، كالاستجمار، ومس الذكر، والاستنثار، والامتخاط، ونحو ذلك. اهـ» (^١).\nولو قيل: إن الأمور ثلاثة:\nما كان ظاهرًا أنه من باب التكريم، فتقدم فيه اليمنى.\nوما كان ظاهرًا أنه من باب الأذى، فتقدم فيه اليسرى.\nوما لا يمكن إلحاقه في أحد منهما، فالأصل فيه اليمين.\n• أدلة الفقهاء على الاستحباب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٧٣) أخرجه الحاكم من طريق أبي الوليد الطيالسي، حدثنا شداد أبو طلحة، قال: سمعت معاوية بن قرة يحدث عن أنس بن مالك،\nأنه كان يقول: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى.\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢١/ ١٠٨).\n(^٢). رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢١٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٤٤٢).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بشداد بن سعيد أبي طلحة\nالراسبي ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وصححه النووي في المجموع (٢/ ٤١٩).\nوالحق أن شَدَّادًا لم يحتجَّ به مسلم، وإنما أخرج له حديثًا واحدًا في المتابعات، وقال البيهقي في السنن الكبرى: «تفرد به شداد بن سعيد، أبو طلحة الراسبي، وليس بالقوي».\nوسئل الدارقطني عنه، فقال: يعتبر به. انظر فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٩٢).\nوقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم.\nوضعفه عبد الصمد بن عبد الوارث، وقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع عليه.\nوقال أحمد: شيخ ثقة، ووثقه ابن معين والنسائي، فتوثيق هؤلاء مع جرح البيهقي وأبي أحمد الحاكم والدارقطني، وعبد الصمد، والعقيلي ينزل به عن مرتبة التوثيق إلا أن يكون صدوقًا في حفظه شيء، وانفراده بحديث لا يرويه غيره علة في الحديث، وهو ما أعله به البيهقي، والله أعلم.","vol":"1","page":96},{"text":"والعجب أن مثل هذا الحكم الذي يتكرر في اليوم خمس مرات لا يحفظ فيه حديث صحيح مرفوع، مما يضطر الفقيه إلا الاستدلال بالعمومات.\nالدليل الثاني:\n(ث-٢٥٥) قال البخاري في صحيحه: باب التيمن في دخول المسجد وغيره، ثم ساق البخاري أثرًا معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: كان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (^١).\nلم أقف على سنده، ولكن صنيع البخاري يدل على أنه صحيح عنده، حيث علقه عن ابن عمر مباشرة جازمًا به.\nوقال ابن حجر: قوله: «(وكان ابن عمر) ... لم أره موصولًا عنه» (^٢).\nهذا هو عمدة الباب، والبخاري ثقة في نقله، ويظهر أن ضياع هذا الأثر لم يكن في عصرنا فقط، بل كان قديمًا حتى أعوز ابن حجر الوصول إليه.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٠٧٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أشعث بن سليم، قال: سمعت أبي، عن مسروق،\nعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١/ ٩٣).\n(^٢). فتح الباري (١/ ٥٢٣).","vol":"1","page":97},{"text":"في شأنه كله. ورواه مسلم بنحوه (^١).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨).\nوالحديث مداره على الأشعث بن سليم، سمعت أبي يحدث عن مسروق، عن عائشة مرفوعًا.\nوقد رواه جماعة عن الأشعث بن سليم على اختلاف في ألفاظهم، من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص.\nفأحدها: لفظ البخاري الذي قدمناه في الباب: (كان النبي يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره في شأنه كله).\nاللفظ الثاني: ما رواه أحمد (٦/ ٩٤) من طريق بهز.\nوالبخاري (٤٢٦) من طريق سليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة به، بلفظ:\n(كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله).\nوهو عند مسلم (٦٧ - ٢٦٨) دون قوله: (ما استطاع) مع تقديم وتأخير.\nاللفظ الثالث: بزيادة: الواو في قوله: (وفي شأنه كله)، بلفظ: (كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله).\nقال الحافظ في الفتح (١٦٨): «للأثر من الرواة بغير واو، وفي رواية أبي الوقت بإثبات الواو، وهي التي اعتمدها صاحب العمدة». اهـ\nوهل بين هذه الألفاظ من اختلاف؟\n\nفالجواب: أما على إثبات الواو، فإن الحديث ظاهره، أن التيامن سنة في جميع الأشياء، لا يختص بشيء دون شيء، ولفظ: (كل) صريح في العموم، خاصة وأنه جاء توكيدًا بكلمة: (شأنه) المفردة المضافة الدالة على العموم بذاته، فكيف بعد توكيده بكلمة: (كل) إلا أن هذا العموم قد خص منه ما جاء في حديث عائشة أيضًا: (كانت يد رسول ﷺ اليمنى لطهوره ولحاجته، وكانت اليسرى لخلائه، وما كان من أذى) فهذا نص أن الأذى والخلاء له اليسرى.\nوأما على الرواية دون واو فليس فيها هذا العموم، قال صاحب الفتح (١٦٨): وأما على إسقاطها فقوله: (في شأنه كله) متعلق بـ يعجبه، لا بالتيمن. أي يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله. إلخ أي لا يترك ذلك سفرًا ولا حضرًا ولا في فراغه، ولا شغله، ونحو ذلك».\nوجاء في بعض ألفاظ الحديث من دون قوله: (في شأنه كله) فقد رواه أحمد (٦/ ١٤٧) عن محمد ابن جعفر، ورواه أيضًا (٦/ ٢٠٢) عن يحيى بن سعيد القطان.\nوأخرجه البخاري (٥٩٢٦) عن أبي الوليد، ومن طريق عبد الله بن المبارك (٥٣٨٠) كلهم عن شعبة به دون قوله (في شأنه كله).\nورواه مسلم (٢٦٨) والترمذي (٦٠٨) من طريق أبي الأحوص عن أشعث به. دون ذكرها، والراجح والله أعلم أنها محفوظة، لأن محمد بن جعفر، وعبدان قد صرحا في آخر الحديث عن شعبة بأن أشعث كان قد قال بواسط: (في شأنه كله) فبين شعبة أن كلمة (في شأنه كله) ثبتت في ...\nالسماع القديم، والسماع القديم مقدم على غيره.","vol":"1","page":98},{"text":"وقد احتج به البخاري على استحباب تقديم اليمين في دخول المسجد.\nوقال العيني: عمومه يدل على البداءة باليمين في دخول المسجد (^١).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٠٧٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع (^٢).\nقال ابن رجب: «فالدخول إلى المسجد من أشرف الأعمال، فينبغي تقديم الرجل اليمنى فيه كتقديمها في الانتعال، والخروج منه بالعكس، فينبغي تأخير اليمنى فيه، كتأخيرها في خلع النعلين» (^٣).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٠٧٦) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه، وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء. رواه مسلم، ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (^٤).\nفالحديث ظاهر في إكرام اليمين، واختصاص اليسرى بالأذى.\nالدليل السادس:\n(ح-١٠٧٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن أبي معشر، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة أنها قالت:\nكانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره ولطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى.\n_________\n(^١). عمدة القارئ (٤/ ١٧١).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) إلا قوله: لتكن اليمنى أولهما تنزع .. إلخ.\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٩١).\n(^٤). مسلم (٢٦٧)، ولفظ البخاري (١٥٤): (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه).","vol":"1","page":99},{"text":"قال أحمد: وحدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة نحوه.\n[الراجح في إسناده الانقطاع] (^١).\nالدليل السابع:\n(ح-١٠٧٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن المسيب،\nعن حفصة زوج النبي ﷺ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وكانت يمينه لطعامه وطهوره وصلاته وثيابه، وكانت شماله لما سوى ذلك، وكان يصوم الاثنين والخميس (^٢).\n[إسناده مضطرب] (^٣).\nهذه أدلة المسألة، والأفضل تقديم اليمين في الدخول إلى المسجد واليسرى في الخروج، والتعبير بالأفضل أولى -والله أعلم- من الجزم بأن ذلك سنة كما فعل الحنفية؛ لأن السنة تحتاج إلى دليل صحيح خاص في المسألة، خاصة مع كثرة تكراره يوميًا، فلو كان مقصودًا لتوافرت الدواعي على نقله، ولنقل إلينا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سبق بحثه في كتابي موسوعة الطهارة - ط الثالثة (٧/ ٥٥) رقم: ١٢٨٠.\n(^٢). المسند (٦/ ٢٨٧).\n(^٣). سبق بحثه في كتابي موسوعة الطهارة، ط الثالثة (٧/ ٥٧) رقم: ١٢٨١.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الثاني في استحباب الذكر الوارد لدخول المسجد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول في استحباب الاستعاذه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• العبادات توقيفية، والأصل فيها الحضر، ولا تفعل إلا بإذن من الشارع.\n• لا يصح حديث في مشروعية الاستعاذة لدخول المسجد.\n• لا يشرع التعوذ لكل قربة، فالتعوذ للأذان وللدخول في الصلاة من البدع.\n• دخول المسجد الحرام كدخول غيره، لا تشرع لدخوله الاستعاذة.\n[م-٤٤٧] استحب المالكية، والشافعية، والحنابلة الاستعاذة لدخول المسجد، وقد وردت صيغة الاستعاذة لدخول المسجد فيما ورد: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم (^١).\nواستحبَّ بعض الحنفية الاستعاذة لدخول المسجد الحرام والخروج منه (^٢).\nوقال ابن مفلح: استحب شيخنا -يعني ابن تيمية- التعوذ أول كل قربة (^٣).\nوفيه نظر؛ فإن من العبادات ما يعتبر التعوذ لفعلها بدعة، كالتعوذ عند الأذان\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١٢/ ٢٧٣)، القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٤)، المجموع (٢/ ١٧٩)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٦)، الإقناع (١/ ١١١)، كشاف القناع (١/ ٣٢٦)،.\n(^٢). منحة الخالق على البحر الرائق (٢/ ٣٥٠).\n(^٣). الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":101},{"text":"وقبل الدخول في الصلاة.\nونص الشافعية والحنابلة على ندب الاستعاذة عند الخروج (^١).\n• واستدلوا على مشروعية الاستعاذة:\n(ح-١٠٧٩) بما رواه أبو داود، قال: حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت. له:\nبلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ: أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. قال: أقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم (^٢).\n[انفرد به إسماعيل بن بشر، عن ابن مهدي، ولا يحتمل تفرده] (^٣).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٤)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٦)، الإقناع (١/ ١١١)، كشاف القناع (١/ ٣٢٦).\n(^٢). سنن أبي داود (٤٦٦).\n(^٣). لم يروه عن ابن مهدي إلا إسماعيل بن بشر، وهو لا يعرف بالرواية عن ابن مهدي، وقد وقفت له على ثلاثة أحاديث يرويها عن ابن مهدي، هذا أحدها.\nوالآخر: حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون.\nوالثالث: حديث العجوة من الجنة.\nوانفراده بهذا الحديث لا يحتمل منه، أين أصحاب ابن مهدي عن هذا الحديث لو كان هذا من صحيح حديثه؟\nوإسماعيل بن بشر قد أخرج له ابن خزيمة في صحيحه، وقال عنه أبو داود: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مسلمة بن القاسم في كتاب الصلة: ثقة.\nوباقي إسناده ثقات.\nقال النووي في الخلاصة (١/ ٣١٤): «حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد».\nوقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٢٧٧): «هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح إلا إسماعيل وعقبة»، والله أعلم.","vol":"1","page":102},{"text":"• الراجح:\nأن هذا اللفظ لا يثبت، وإذا لم يثبت لم تشرع الاستعاذة لدخول المسجد، وهناك ذكر محفوظ لدخول المسجد أصح من هذا اللفظ، وهو في صحيح مسلم، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.\n\n* * *","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني في استحباب التسمية والدعاء بالمغفرة والصلاة على النبي ﷺ لدخول المسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا تشرع لدخول المسجد، ومنه المسجد الحرام الاستعاذة، ولا التسمية، ولا الدعاء بالمغفرة، ولا الصلاة على النبي ﷺ، وما ورد في ذلك ففيه ضعف.\n• الصحيح في أذكار دخول المسجد ما ورد في صحيح مسلم: يقول للدخول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وللخروج: اللهم إني أسألك من فضلك.\n• كل زيادة على رواية مسلم فإنها معلولة على الصحيح.\n• التسمية منها ما هو واجب كالتسمية على الذبيحة، ومنها ما هو سنة كالتسمية لقراءة القرآن، ومنها ما هو بدعة كالتسمية للأذان، ومنه التسمية لدخول المسجد؛ لأن التسمية لم تثبت بحديث تقوم فيه الحجة.\n[م-٤٤٨] ورد ت مجموعة أحاديث في دعاء الدخول إلى المسجد، وبعضها يزيد على بعض، وأصح ما ورد في الباب حديث أبي حميد أو أبي أسيد.\n(ح-١٠٨٠) فقد روى مسلم في صحيحه، من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد،\nعن أبي حميد أو عن أبي أسيد، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل اللهم إني","vol":"1","page":104},{"text":"أسألك من فضلك (^١).\n[رواه سليمان بن بلال، عن ربيعة دون ذكر الأمر بالسلام على النبي ﷺ، ورواه الدراوردي وعمارة بن غُزيَّة وزادا الأمر بالسلام على النبي ﷺ، ورواية مسلم أرجح] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٨ - ٧١٣).\n(^٢). الحديث رواه سليمان بن بلال، والدراوردي، وعمارة بن غزية، عن ربيعة بن عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد أو عن أبي أسيد.\n\nواختلفوا فيه في مسألتين:\nإحداهما: رواه بعضهم بالشك كما هي رواية مسلم. (عن أبي حميد، أو عن أبي أسيد)، ولا يؤثر ذلك في صحة الحديث فإن كُلًّا منهما صحابي، سواء أكان عن أحدهما، أم كان عنهما جميعًا.\nالمسألة الثانية: رواه سليمان بن بلال دون ذكر الأمر بالسلام على النبي ﷺ، ورواه الدراوردي وعمارة بن غزية بزيادة الأمر بالسلام على النبي ﷺ، وإليك بيان طرق الحديث.\nالطريق الأول: رواه سليمان بن بلال، عن ربيعة بن عبد الرحمن، واختلف عليه.\nفرواه يحيى بن يحيى كما في صحيح مسلم (٦٨ - ٧١٣)،\nوعبد الله بن مسلمة كما في سنن الدارمي (٢٧٣٣)،\nوابن أبي مريم كما في مستخرج أبي عوانة (١٢٣٥)، كلهم عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن به، بالشك: عن أبي حميد أو أبي أسيد، ولفظه: إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك.\nورواه أبو عامر العقدي كما في مسند أحمد (٣/ ٤٩٧)، والمجتبى من سنن النسائي (٧٢٩)، وفي الكبرى (٨١٠، ٩٩٣٤)، وابن حبان (٢٠٤٩)، حدثنا سليمان بن بلال به، وفيه: سمعت أبا حميد وأبا أسيد، بالعطف، وليس بالشك، ولم يختلف على سليمان بن بلال أن اللفظ ليس فيه الأمر بالسلام على النبي ﷺ.\nقال مسلم بإثره: سمعت يحيى بن يحيى يقول: كتبت هذا الحديث من كتاب سليمان بن بلال، قال: بلغني أن يحيى الحماني يقول: وأبي أسيد. اهـ\nوهذا يعني أن يحيى الحماني قد تابع أبا عامر العقدي بروايته بواو العطف.\nالطريق الثاني: الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن.\nرواه الدراوردي واختلف عليه:\nفرواه محمد بن عثمان الدمشقي كما في سنن أبي داود (٤٦٥)، ومن طريقه البيهقي في الدعوات الكبير (٦٦). =","vol":"1","page":105},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nويحيى بن حسان كما في سنن الدارمي (١٤٣٤)،\nوأبو الجماهر محمد بن عثمان بن عبد الرحمن، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦١٩)، ثلاثتهم عن الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن به، بالشك (عن أبي حميد أو أبي أسيد) ولفظه: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك.\nفزاد ذكر الأمر بالتسليم.\nورواه عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، كما في مستخرج أبي عوانة (١٢٣٦)، قال: حدثنا عبد العزيز (يعني الدراوردي)، عن ربيعة به، فجعله من مسند أبي حميد الساعدي وحده، ولفظه: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وسهل لنا أبواب رزقك. ولم يذكر فيه التسمية، وانفرد بمسألتين: الأولى: ذكر زيادة (وسهل لنا أبواب رزقك)، والثانية: جعل الحديث من السنن الفعلية، والمحفوظ أنه من السنن القولية، فهذه رواية شاذة.\nالطريق الثالث: عمارة بن غزية، عن ربيعة.\nرواه ابن حبان في صحيحه (٢٠٤٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٥٦) والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦١٩)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٧٦)، من طريق بشر بن المفضل،\nوالطبراني في الدعاء (٤٢٦) من طريق يحيى بن عبد الله بن سالم، كلاهما قال: حدثنا عمارة بن غزية، عن ربيعة به، وقال: عن أبي حميد أو أبي أسيد بالشك، وذكر زيادة الأمر بالسلام.\nوهذه متابعة لطريق عبد العزيز الدراوردي بذكر زيادة الأمر بالسلام على النبي ﷺ.\nورواه إسماعيل بن عياش كما في سنن ابن ماجه (٧٧٢)، عن عمارة بن غزية، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فذكر زيادة التسليم، وجعله من مسند أبي حميد الساعدي وحده.\nوهذا إسناد ضعيف، من رواية ابن عياش عن الحجازيين، وهي ضعيفة.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٦٨٢) عن إبراهيم بن محمد، عن عمارة بن غزية به، إلا أنه جعله من مسند أبي حميد الساعدي وحده، ولم يذكر الأمر بالسلام على النبي ﷺ بلفظ مسلم. وإبراهيم بن محمد متروك.\nفالقدر المتفق عليه في الحديث: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) في الدخول، وقول (اللهم افتح لي أبواب فضلك في الخروج) وهي رواية مسلم.\nوهذه رواية سليمان بن بلال وهو ثقة، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ولم يختلف عليه في لفظه.\nورواه عمارة بن غزية والدراوردي وهما صدوقان بذكر الأمر بالسلام على النبي ﷺ، فهل الحكم لرواية سليمان بن بلال عليهما باعتباره أضبط منهما، فهو ثقة، وهما صدوقان، وهو أكثر منهما رواية عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعلى هذا تعتبر زيادة (فليسلم على النبي ﷺ) زيادة شاذة، أو يكون الأمر بالسلام زيادة ثقة باعتبار أنهما اثنان، فالعدد يجبر خفة الضبط لديهما، هذا محل اجتهاد، وإن كنت أميل إلى تقديم رواية سليمان بن بلال عليهما، والله أعلم.\nوقد قال البيهقي في السنن (٢/ ٦١٩): لفظ التسليم فيه محفوظ.","vol":"1","page":106},{"text":"وقد استحب ابن حبيب من المالكية زيادة والسلام على الرسول ﷺ والحفظ من الشيطان الرجيم (^١).\nواستحب النووي من الشافعية، والحنابلة في المشهور أن يقول إذا دخل المسجد: باسم الله، والحمد لله، اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد وسلِّم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وفي الخروج يقوله، لكن يقول: اللهم إني أسألك من فضلك (^٢).\nفزادوا على الدعاء الوارد التسمية، والحمد، والصلاة، على النبي وآله، والدعاء بالمغفرة.\nوفي رواية عن أحمد أنه يستحب أن يقول: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ويقوله إذا خرج، إلا أنه يقول أبواب فضلك، قال ابن مفلح: نص عليه يعني الإمام أحمد (^٣).\nوكل زيادة على رواية مسلم فإنها لا تثبت، فلا تشرع للدخول إلى المسجد ومنه المسجد الحرام الاستعاذة، ولا التسمية، ولا الدعاء بالمغفرة، ولا الصلاة على النبي ﷺ، والثابت عنه ﷺ في الدخول قول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وفي الخروج اللهم إن أسألك من فضلك، هذا القدر هو المتفق عليه بين جميع الروايات، وهي الرواية التي اختارها مسلم في صحيحه، والله أعلم.\n• دليل استحباب التسمية والحمد والدعاء بالمغفرة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٨١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا\n_________\n(^١). جاء في النوادر والزيادات (٢/ ٣٣٦): «قال ابن حبيب: ويقول إذا دخل مسجد رسول الله ﷺ: باسم الله، وسلام على رسول الله ﵊، وافتح لي أبواب رحمتك، وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم». وانظر التبصرة للخمي (٣/ ١١٧٦)، الجامع لمسائل المدونة (٤/ ٣٩٠).\n(^٢). تبيين الحقائق (٢/ ١٥)، مجمع الأنهر (١/ ٣١٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ١٤٦)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٤)، الفروع (٢/ ١٥٨).\n(^٣). الفروع (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":107},{"text":"ليث يعني ابن أبي سليم، عن عبد الله بن حسن، عن أمه، فاطمة ابنة حسين،\nعن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، وقال: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج، صلى على محمد وسلم، ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك. قال إسماعيل: فلقيت عبد الله بن حسن فسألته عن هذا الحديث، فقال: كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج قال: رب افتح لي باب فضلك (^١).\nورواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا ليث به مرفوعًا:\nكان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك (^٢).\nورواه إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا جرير عن ليث بن أبي سليم به، بلفظ:\nكان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: الحمد لله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج من المسجد قال: الحمد لله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٦/ ٢٨٢).\n(^٢). مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٨٣).\n(^٣). مسند إسحاق بن راهويه (٢٠٩٩).\n(^٤). الحديث مداره على عبد الله بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدتها بنت النبي ﷺ مرفوعًا.\nوله علتان: الأولى: الانقطاع، فإن فاطمة الصغرى لم تسمع من جدتها فاطمة بنت المصطفى ﷺ؛ لأن فاطمة بنت النبي ﷺ عاشت بعد النبي ﷺ أشهرًا.\nالعلة الثانية: الاختلاف في لفظه، فالحديث يرويه جماعة عن عبد الله بن الحسن، منهم:\n\nالأول: ليث بن أبي سليم (ضعيف)، عن عبد الله بن الحسن، ولفظه قد ذكرته في صدر الكتاب، ولم يذكر فيه البسملة، ولا الحمد، واقتصر على الصلاة والسلام على محمد دون ذكر الآل، والدعاء بالمغفرة، وفتح أبواب الرحمة، وإذا خرج قاله، وقال: وافتح لي أبواب فضلك بدلًا من =","vol":"1","page":108},{"text":"الدليل الثاني:\n_________\n=\nقوله: وافتح لي أبواب رحمتك.\nأخرجه أحمد (٦/ ٢٨٢، ٢٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤١٢)، والترمذي (٣١٤)، وأبو يعلى (٦٨٢٢)، عن إسماعيل بن علية،\nوأخرجه أحمد (٦/ ٢٨٣)، والطبراني في الكبير (١/ ١٢٧) ح ٦٧، والدولابي في الذرية الطاهرة (١٩٥)، من طريق الحسن بن صالح.\nوأخرجه إسحاق (٢٠٩٩) من طريق جرير،\nوأخرجه أبو بشر الدولابي في الذرية الطاهرة (١٩٥) من طريق هريم (يعني ابن سفيان: ثقة) مقرونًا بالحسن بن صالح،\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٤٢٤) رقم: ١٠٤٤، وفي الدعاء (٤٢٤) من طريق عبد الوارث بن سعيد، كلهم (ابن علية، والحسن بن صالح، وجرير، وهريم، وعبد الوارث) رووه عن ليث به بذكر الصلاة على النبي ﷺ، والدعاء بالمغفرة، وفتح أبواب الرحمة.\nوخالف كل هؤلاء أبو معاوية (ثقة في حديث الأعمش ويهم في حديث غيره)، فأخرجه أحمد (٦/ ٢٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤١٢، ٢٩٧٦٤)، وعنه ابن ماجه (٧٧١) مقرونًا مع ابن علية، فرواه عن ليث به، إلا أنه زاد قوله: (باسم الله)، وهي زيادة منكرة.\nالثاني: إسماعيل بن علية، عن عبد الله بن الحسن.\nسبق لنا أن إسماعيل قد رواه عن ليث، عن عبد الله بن الحسن، فذكر الصلاة على النبي ﷺ في دخول المسجد، والدعاء بالمغفرة.\nقال أحمد: قال إسماعيل بن علية: فلقيت عبد الله بن حسن، فسألته عن هذا الحديث، فقال: كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج، قال: رب افتح لي باب فضلك.\nرواه أحمد (٦/ ٢٨٢، ٢٨٣)، والترمذي (٣١٥).\nفوافق لفظه لفظ رواية مسلم من مسند أبي حميد أو أبي أسيد، فلم يذكر التسمية فيه، ولا الصلاة على النبي ﷺ، ولا الدعاء بالمغفرة، ورجاله كلهم ثقات لولا الانقطاع بين فاطمة الصغرى، وفاطمة الكبرى.\nالراوي الثالث: قيس بن الربيع (صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه)، عن عبد الله بن الحسن.\nرواه إسحاق الدبري عن عبد الرزاق عن قيس بن الربيع، كما في مصنف عبد الرزاق (١٦٦٤) بمثل لفظ ابن علية ومن معه، بذكر الصلاة على النبي، والدعاء بالمغفرة.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٤٢٣) رقم: ١٠٤٣، وفي الدعاء (٤٢٣) عن إسحاق بن إبراهيم (راوي المصنف) عن عبد الرزاق، عن قيس به، ولم يذكر الصلاة، واقتصر على لفظ: (اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج قال مثلها، إلا أنه يقول: (أبواب فضلك)، فزاد الدعاء بالمغفرة.\nالرابع: سعير بن الخمس (صدوق)، عن عبد الله بن الحسن. =","vol":"1","page":109},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nأخرجه أبو طاهر المخلص في المخلصيات (٢٧٩٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٧)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٥٦) بلفظ: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد حمد الله وسمى وصلى على النبي ﷺ وقال: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج حمد الله وسمى وصلى على النبي ﷺ وقال: اللهم افتح لي أبواب فضلك).\nالخامس: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الله بن الحسن.\nواختلف على الدراوردي فيه:\nفرواه موسى بن داود الضبي (ثقة) كما في الذرية الطاهرة للدولابي (١٩٦) عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد الله بن الحسن به، بلفظ، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والحمد لله، وصلى الله على رسول الله وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وسهل لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال مثل ذلك إلا أنه يقول: اللهم اغفر لي ذنوبي وسهل لي أبواب فضلك.\nفجعله من السنة الفعلية.\nورواه قتيبة بن سعيد (ثقة) عن عبد العزيز بن محمد به، بلفظ: (أن النبي ﷺ قال لفاطمة إذا دخلت المسجد، فقولي: باسم الله، والحمد لله، اللهم صَلِّ على محمد وسلم، اللهم اغفر لي، وسهل لي أبواب رحمتك. فجعله من السنة القولية ... وذكر بقية الحديث.\nرواه أبو العباس السراج كما في جلاء الأفهام (ص: ٩٢) حدثنا أبو رجاء، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، هو ابن محمد به، ومن طريق السراج أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧٠/ ١٣).\nورواه يحيى بن عبد الحميد الحماني (حافظ متهم بسرقة الحديث) كما في فضل الصلاة على النبي ﷺ للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق الأزدي البصري (٨٢)، وعلل الدارقطني (١٥/ ١٩١)، رواه عن الدراوردي به بلفظ: قال لي رسول الله ﷺ إذا دخلت المسجد، فقولي: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، واغفر لنا، وسهل لنا أبواب رحمتك، فإذا فرغتِ، فقولي مثل ذلك، غير أن تقولي: وسهل لنا أبواب فضلك. فلم تذكر الحمد كما في رواية قتيبة بن سعيد، واتفق الحماني وقتيبة على جعل الحديث من السنن القولية خلافًا لرواية موسى بن داود عن الدراوردي، حيث جعل الحديث من فعل النبي ﷺ، لا من قوله، والله أعلم.\nالسادس: روح بن القاسم، عن عبد الله بن الحسن.\nأخرجه الطبراني في الدعاء (٤٢٥) من طريق ابن وهب، أخبرني أبو سعيد التميمي، عن روح ابن القاسم عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخلت المسجد فصلِّ على النبي ﷺ، وقل: اللهم اغفر لي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت فقل: اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك.\nفأسقط من إسناده فاطمة الكبرى، أخطأ فيه أبو سعيد: شبيب بن سعيد الحبطي البصري، حدث عنه ابن وهب بالمناكير.\nهذه أهم طرق الحديث، ولعل المعروف منها رواية إسماعيل بن علية، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة، عن فاطمة بنت محمد، رواه أحمد والترمذي، وهي موافقة لرواية مسلم، فليس فيها التسمية، ولا الحمد، ولا الصلاة على النبي ﷺ، ولا الدعاء بالمغفرة، واقتصر على قوله: كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج قال: رب افتح لي باب فضلك، ورجالها ثقات لولا الانقطاع بين الفاطمتين، ﵄.","vol":"1","page":110},{"text":"(ح-١٠٨٢) ما رواه النسائي في الكبرى من طريق الضحاك قال: حدثني سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم باعدني من الشيطان (^١).\n[معلول أعله النسائي ورجح أنه من رواية كعب الأحبار من قوله] (^٢).\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٩٨٣٨).\n(^٢). اختلف فيه على سعيد المقبري، ...\nفرواه النسائي في السنن الكبرى (٩٨٣٨)، وفي عمل اليوم والليلة (٩٠)، وابن ماجه (٧٧٣)، والبزار في مسنده (٨٥٢٣)، وابن خزيمة (٤٥٢، ٢٧٠٦)، وابن حبان (٢٠٤٧)، والطبراني في الدعاء (٤٢٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٨٦)، والحاكم في المستدرك (٧٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٢٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٠)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٤٤)، من طريق أبي بكر الحنفي،\nورواه ابن أبي عاصم في الصلاة على النبي ﷺ (٧٩) من طريق حميد بن الأسود، كلاهما عن الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nقلت: الضحاك احتج به مسلم وحده من غير حديثه عن سعيد المقبري، أما حديثه عن سعيد المقبري فلم يخرج له من أصحاب السنن إلا ابن ماجه خرج له حديثين هذا أحدهما، وخرج له أحمد في المسند، وخرج له ابن خزيمة هذا الحديث وحده، وخرج له ابن حبان هذا الحديث وحديثًا آخر، فأحاديثه قليلة عن سعيد المقبري.\nوقد خولف الضحاك بن عثمان:\nفأخرجه عبد الرزاق (١٦٧١) عن ابن عيينة.\nوالنسائي في الكبرى (٩٨٣٩)، وفي اليوم والليلة (٩١) من طريق الليث، كلاهما عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن كعب الأحبار قال: يا أبا هريرة احفظ مني اثنتين أوصيك بهما: إذا دخلت المسجد. =\n=وتابع ابن عجلان أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن (ضعيف، حدث عن المقبري بأحاديث","vol":"1","page":111},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٠٨٣) ما رواه ابن السني من طريق إبراهيم بن محمد البختري -شيخ صالح بغدادي- حدثنا عيسى بن يونس، عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله، اللهم صَلِّ على محمد. وإذا خرج قال: باسم الله، اللهم صَلِّ على محمد (^١).\n[منكر، تفرد به البختري، عن عيسى بن يونس، ولا يعرف].\n_________\n= منكرة) كما في مصنف عبد الرزاق (١٦٧٠)، فرواه عن سعيد المقبري به.\nفوافق ابن أبي ذئب ابن عجلان وأبا معشر على أن الأثر من قول كعب الأحبار، وهذا يجعل رواية الضحاك بن عثمان ظاهرة الشذوذ.\nوخالفهم ابن أبي ذئب، فزاد في إسناده كيسان المقبري والد سعيد المقبري بين سعيد وأبي هريرة، والقول قول ابن أبي ذئب.\nرواه النسائي في السنن الكبرى (٩٨٤٠) من طريق ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم خير من يوم الجمعة، ثم قدم علينا كعب فقال أبو هريرة: وذكر رسول الله ﷺ ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها مؤمن يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه قال كعب: صدق والذي أكرمه، وإني قائل لك اثنتين فلا تنسهما: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ وقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرجت فسلم على النبي ﷺ وقل: اللهم احفظني من الشيطان.\nوابن أبي ذئب مقدم على الضحاك وابن عجلان، قال ابن محرز: سمعت عليًّا يعني ابن المديني: ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب وليث بن سعد وابن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يسندون أحاديث حسان، كان ابن عجلان يخطئ فيها. تاريخ ابن معين رواية ابن محرز (٢/ ٢٠٧).\nوقال ابن معين أثبت الناس في سعيد ابن أبي ذئب. تهذيب التهذيب (٤/ ٤٠).\nقال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا من محمد بن عجلان ومن الضحاك بن عثمان في سعيد المقبري، وحديثه أولى عندنا بالصواب وبالله التوفيق، وابن عجلان اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبري، ما رواه سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة، وسعيد، عن أخيه، عن أبي هريرة، وغيرهما من مشايخ سعيد، فجعلها ابن عجلان كلها عن سعيد عن أبي هريرة، وابن عجلان ثقة والله أعلم\nفيكون الصواب في حديث أبي هريرة أنه مقطوع من قول كعب الأحبار، وهوتابعي.\n(^١). عمل اليوم والليلة لابن السني (٨٨).","vol":"1","page":112},{"text":"فتبين أن الأحاديث التي فيها التسمية، أو الحمد، أو الدعاء بالمغفرة لدخول المسجد لا يثبت منها شيء.\nوالتعبد بالتسمية يحتاج إلى دليل صحيح، فإن الأفعال على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما كانت التسمية فيه مشروعة، سواءً أكانت واجبة، أم كانت سنة، وسواءً أكان من العبادات كالذبيحة، وقراءة القرآن، أم كانت من المباحات، كالأكل والشرب والجماع، فالتسمية لهذه مجمع على مشروعيتها.\nوالقسم الثاني: ما كانت التسمية غير مشروعة كالتسمية للدخول في الصلاة، وللأذان، وللإحرام بالحج والعمرة ولإرادة الدعاء، ونحوها، فهذه لا تشرع فيها التسمية، ويلحق به الدخول في المسجد على الصحيح؛ لأن التسمية لم تثبت بحديث تقوم فيه الحجة.\nوالقسم الثالث: كَرِه بعض الفقهاء التسمية في ابتداء الفعل المحرم، وعللوا الكراهة بأن الغرض من البسملة التبرك في الفعل المشتمل عليه، والحرام لا يراد كثرته، ولا بركته (^١)، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). الفروق للقرافي (١/ ١٣٢)، حاشية السيوطي على النسائي (١/ ٦١).","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثالث في صلاة ركعتين قبل الجلوس</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يصح في إطلاق تحية المسجد على الركعتين حديث مرفوع، وهي تسمية اصطلاحية، وليست شرعية.\n• إضافة التحية للمسجد من باب إضافة الشيء إلى سببه.\n• من السنن ما يشرع للمكان كتحية المسجد، ومنها ما يشرع للزمان كصلاة الضحى.\n• تحية المسجد وتركها توقيفي، فالخطيب يوم الجمعة يجلس وقت الأذان بلا تحية بخلاف المصلي يدخل، والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي على الصحيح.\n• لما كانت المساجد لله اختصت بالتعظيم لتتميز بيوت الله عن بيوتنا وأسواقنا.\n• تعظيم المساجد بالتحية طاعة لله وامتثالًا لأمره، لا يعني أن الصلاة لها، فلا معنى لقول بعض الفقهاء: المراد تحية رب المسجد، فلو قصد سنة البقعة لم تصح، فالطواف بالبيت، وتقبيل الحجر، عبادة لله، واتباع لأمره، وليس عبادة للبيت، ولا للحجر، ولا ينافي ذلك تعظيم هذه المشاعر.\n• لكل شيء عظيم تحية، فتحية المسجد ركعتان، وتحية الحرم الإحرام، وتحية البيت الطواف، وتحية منى الرمي، وكل هذا متلقى من الشرع، ولا سبيل للاستحسان.\n[م-٤٤٩] يشرع للرجل إذا دخل المسجد ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهي مشروعة بإجماع المسلمين (^١).\nقال النووي في المجموع: «أجمع العلماء على استحباب تحية المسجد» (^٢).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٥/ ٥٢٤).\n(^٢). المجموع (٤/ ٥٢).","vol":"1","page":114},{"text":"ومستند الإجماع حديث أبي قتادة:\n(ح-١٠٨٤) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،\nعن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس.\nهكذا رواه مالك بلفظ: الأمر، وهو في الموطأ (^١).\nورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (^٢).\nويجزئ عن ذلك كل صلاة صلاها عند دخوله المسجد فرضًا كانت أم سنة، فإنها تقوم مقام التحية، ولو بلا نية (^٣).\nوجاء تسميتها تحية المسجد في حديث ضعيف جدًّا:\n(ح-١٠٨٥) فقد روى ابن حبان من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، قال: حدثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني،\nعن أبي ذر، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ، جالس وحده، قال: يا أبا ذر إن للمسجد تحية، وإن تحيته ركعتان، فقم فاركعهما، قال: فقمت فركعتهما ... وذكر حديثًا طويلًا (^٤).\n[ضعيف جدًّا] (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).\n(^٣). البحر الرائق (٢/ ٣٨).\n(^٤). صحيح ابن حبان (٣٦١).\n(^٥). ومن طريق إبراهيم بن هشام الغساني أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦)، في إسناده إبراهيم ابن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال الذهبي: متروك.\nورواه الحاكم في المستدرك (٤١٦٦) من طريق يحيى بن سعيد السعدي البصري، حدثنا عبد الملك بن جريج، عن عبيد بن عمير الليثي، عن أبي ذر ﵁، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فاغتنمت خلوته، فقال لي: يا أبا ذر، إن للمسجد تحية،\nقلت: وما تحيته يا رسول الله؟ قال: ركعتان، فركعتهما .... قال الذهبي: السعدي ليس بثقة.","vol":"1","page":115},{"text":"وإضافة التحية إلى المسجد من باب إضافة الشيء إلى سببه، قد قال الزركشي وابن العماد: هذه الإضافة غير حقيقية؛ إذ المراد تحية لرب المسجد تعظيمًا له، لا للبقعة، فلو قصد سنة البقعة لم تصح ....\nقال في الإيعاب: «لأن البقعة من حيث هي بقعة لا تقصد بالعبادة شرعًا، وإنما تقصد لإيقاع العبادة فيها لله تعالى» (^١). اهـ\nقلت: وهذا ليس خاصًّا بتحية المسجد؛ فإن سجود التلاوة سجود لله، وليس للتلاوة، والطواف بالبيت وتقبيل الحجر، والسجود عليه على القول بمشروعيته عبادة لله، واتباع لأمره، وليس عبادة للبيت، ولا للحجر، وقد قال عمر ﵁ كلمته الخالدة: والله إني لأعلم أنك حجر، لا تنفع، ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك.\nويحف عبادة تحية المسجد أحكام كثيرة سآتي على أهمها إن شاء الله تعالى. في المباحث التالية، أسأل الله وحده العون والتوفيق.\n\n* * *\n_________\n(^١). حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الرابع لا تشرع التحية لمن أدخل يده أو رأسه فقط</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الجزء لا يأخذ حكم الكل إذا كان الكل مقصودًا للشارع.\n• إذا علق الحكم بالكل لم يتعلق الحكم بالبعض.\n• دخول بعض البدن للمسجد لا يعتبر دخولًا للمسجد، وخروج بعضه من المسجد لا يعتبر خروجًا منه.\n• من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا لم يحنث بدخول بعض جسده؛ لأن الحكم معلق بالكل، ولو اعتكف في مسجد، فأخرج يده لم يبطل اعتكافه.\n• قال ﷺ: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فعلق حكم المسح على إدخالهما طاهرتين، فلو غسل اليمنى لم يلبس الخف حتى يغسل اليسرى.\n[م-٤٥٠] يشترط لمشروعية تحية المسجد دخول الرجل المسجد، فإن أدخل يده أو رأسه أو رجله فقط فلا شيء عليه. نص المالكية على هذا الشرط (^١).\nولا أظن أن هذا الشرط محل خلاف؛ لظاهر حديث أبي قتادة السلمي: (إذا دخل أحدكم المسجد ...) فإن هذا لا يصدق على من أدخل يده، أو رأسه، فلا يسمى داخلًا لا في اللغة، ولا في الشرع (^٢).\n(ح-١٠٨٦) وقد روى مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن ثابت\n_________\n(^١). شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٧٥).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).","vol":"1","page":117},{"text":"ابن عبيد، عن القاسم بن محمد،\nعن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث:\nفسر القاضي عياض معنى الحديث: أن النبي ﷺ قال لها ذلك وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي ﷺ أمرها أن تخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها، وهي حائض، لقول النبي ﷺ: إن حيضتك ليست في يدك، فإنما خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى، وهذا أحد تفسيرات الحديث (^٢).\nوقال الخطابي في معالم السنن: «وفي الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد، وأن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا فإنه لا يحنث بإدخال يده، أو بعض جسده فيه، ما لم يدخله بجميع بدنه» (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٩٨).\n(^٢). انظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (٢/ ١٣١)، شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٢١٠).\n(^٣). معالم السنن (١/ ٨٣).","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الخامس في تكرار تحية المسجد بتكرار الدخول</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأمر المعلق على شرط كقوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس ..) (إذا سمعتم المؤذن فقولوا ...) أكلما دخل يقتضي التكرار؛ لكون هذا الشرط علة للفعل، فإذا تكررت العلة تكرر الحكم المعلق عليها أم لا؟\n• أتعتبر الشروط اللغوية أسبابًا، فيتكرر الحكم بتكرر أسبابه ما لم تتداخل أم لا؟\n• المشقة تجلب التيسير.\n• إذا سقط قضاء الصلاة دون قضاء الصوم عن الحائض، فلا معنى للتفريق إلا مراعاة المشقة في تكرر الصلاة دون الصوم، فَلأن تسقط تحية المسجد للتكرار من باب أولى، ورد بأن هذا من باب تخصيص العموم بالقياس، وفيه نزاع عند الأصوليين.\n• سها رسول الله ﷺ في صلاته، ثم خرج إلى بيته، فكُلِّم في ذلك، فعاد، وبنى على صلاته، وكأنه لم يخرج، فإذا كان الخروج اليسير لم يمنع من بناء آخر الصلاة على أولها فكذلك إذا خرج وعاد عن قرب لم يطلب منه تحية المسجد.\n[م-٤٥١] اختلف الفقهاء في الرجل يتكرر دخوله للمسجد، أيصلي تحية المسجد في كل مرة، أم يكفيه صلاته للمرة الأولى؟\nفقيل: إذا تكرر دخوله يكفيه لكل يوم مرة واحدة، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (٢/ ١٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٩٤)، غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر (٤/ ٥٧)، البحر الرائق (٢/ ٣٨).","vol":"1","page":119},{"text":"وقيل: تسقط عنه تحية المسجد، اختاره بعض المالكية، والمحاملي من الشافعية، وابن عقيل من الحنابلة (^١).\nقال المازري: «قال بعض أصحابنا: إن من تكرر دخوله إلى المسجد، فإنه تسقط عنه تحية المسجد» (^٢).\nوهذا القول ليس بعيدًا عن قول الحنفية.\nوقيل: تكفيه الأولى إن قرب رجوعه عرفًا، وإلا كررها، وهذا مذهب المالكية (^٣).\nوقيل: إن خرج ليعود فإنه لا يركع، وإلا ركع، حكاه ابن ناجي في شرح الرسالة (^٤).\nوقيل: تستحب التحية لكل مرة، وهو قول في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وقواه النووي، وهو أصح الوجهين في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية، واستثنى الحنابلة قَيِّم المسجد، فلا يكررها (^٥).\nقال النووي في المجموع: «لو تكرر دخوله المسجد في الساعة الواحدة مرارًا، قال صاحب التتمة: تستحب التحية لكل مرة، وقال المحاملي في اللباب: أرجو أن تجزيه التحية مرة واحدة، والأول أقوى وأقرب إلى ظاهر الحديث» (^٦).\n• دليل من قال: تسقط عنه تحية المسجد:\nمن ذهب إلى ذلك قاسه على القول بسقوط الإحرام على من تكرر دخوله\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ٥٢)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٣٨)، الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٩/ ٢٩٩)، الإنصاف للمرداوي (٢/ ٣٠٨)، وانظر الموسوعة الكويتية (١٠/ ٣٠٥).\n(^٢). المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٤٨).\n(^٣). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣١٣)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٩٣)، المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٤٨).\n(^٤). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٩).\n(^٥). شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦٩)، المجموع (٤/ ٥٢)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٣٨)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٦٧)، حاشية الجمل (١/ ٤٨٧)، حاشية البجيرمي (١/ ٢٨٠)، الإنصاف (٢/ ١٩٥)، حاشية الروض المربع (٢/ ٢٣٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٥٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٨٤)، الفروع (٢/ ٣٠٧).\n(^٦). المجموع (٤/ ٥٢).","vol":"1","page":120},{"text":"إلى مكة من حطَّابٍ وصيَّادٍ وفكَّاهٍ، وكذلك أسقط بعض الفقهاء سجود التلاوة عن القراء والمقرئين، وأسقطوا الوضوء لمس المصحف عن المتعلمين (^١).\nوالقول بوجوب الإحرام على من مر بالميقات مسألة خلافية، والأصح فيها أنه لا يجب، وعلى افتراض صحته فإن هذا الدليل يرجع إلى مسألة أصولية متنازع فيها، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس.\n• دليل من قال: تتكرر التحية بتكرر الدخول:\nالأمر إذا جاء مقيدًا بصفة، أو شرط فإنه يفيد التكرار:\nفالقيد بالصفة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فكلما حصلت سرقة وجب القطع ما لم يكن تكرارها قبل القطع.\nوالمقيد بالشرط كقوله ﷺ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول.\nفأمر بالإجابة عند سماع النداء، فالحكم يتكرر بتكرر السماع، لتكرار علته، والله أعلم، ومثله الأمر بتحية المسجد جاء مقيدًا بالشرط: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (^٢).\nفيتكرر الأمر بالتحية بتكرر الدخول.\n• دليل من قال: تسقط عنه تحية المسجد إن قرب رجوعه عرفًا:\n(ح-١٠٨٧) يمكن أن يستدل له بما رواه مسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،\nعن عمران بن حصين أنَّ رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخِرْبَاق، وكان في يديه طول فقال: يا رسول الله! فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم. فصلى ركعة، ثم سلَّمَ، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّمَ (^٣).\n_________\n(^١). المعلم بفوائد المسلمين (١/ ٤٤٨)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٣٤٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).\n(^٣). صحيح مسلم (٥٧٤).","vol":"1","page":121},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن خروج النبي ﷺ من المسجد، ثم رجوعه إلى صلاته لم يمنع من البناء على صلاته، وكأنه لم يخرج من المسجد؛ لقرب رجوعه، فكذلك إذا خرج، وعاد عن قرب لم يطلب منه إعادة تحية المسجد.\nالدليل الثاني:\nخرج النبي ﷺ مع زوجه صفية ليقلبها إلى بيتها، وهو معتكف، وإذا كان الخروج القريب لا يقطع الاعتكاف، فكذلك من خرج من المسجد وعاد إليه من قريب فكأنه لم يخرج.\n(ح-١٠٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن علي بن حسين،\nعن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ... (^١).\nوهذا القول هو الراجح، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٢٨١)، صحيح مسلم (٢١٧٥).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث السادس في مشروعية تحية المسجد للمرور بلا مكث</span>\nالمدخل في المسألة:\n• استخدام المسجد للعبور حال نادرة، والمساجد لم تُبْنَ لهذا، فلا تقصد بالعموم.\n• قاصد المسجد إما أن يدخل في الصلاة وهذا لا تحية عليه، أو يمكث فيه فيكون مخاطَبًا بالصلاة، سواء أجلس، أم مكث قائمًا، أم نام ولم يجلس، أم دخل مجتازًا.\n• شرعت تحية المسجد تعظيمًا له، فكان اعتبارها حق الدخول أظهر في تعظيم المسجد من اعتبارها حق الجلوس فيه.\n• قوله: ﷺ (فلا يجلس) خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له.\n• الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا مفهوم له إجماعًا.\n• ذكر الجلوس إن كان مقصودًا فهو للمبادرة بها، وعدم تأخيرها، والانشغال عنها، لا شرطًا للأمر بها.\n• لا يفهم من قوله: (فلا يجلس) وجوب التحريمة لها قائمًا؛ لصحة النافلة جالسًا، فيتأكد أن الجلوس خرج مخرج الغالب.\n[م-٤٥٢] اختلفوا في المار في المسجد، هل يصلي تحية المسجد؟\nفقيل: لا يصلي، وهو مذهب المالكية، ونص عليه أحمد، وبه قال إسحاق (^١).\nجاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: قلت له: تكره أن يمر الرجل\n_________\n(^١). التوضيح لخليل (٢/ ٩٩)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٩)، شرح الخرشي (٢/ ٥)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٤)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٧٥)، الدر الثمين والمورد المعين (ص:٣٣٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٩٨)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩٧)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٩٤)، منح الجليل (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":123},{"text":"في المسجد، ولا يصلي فيه؟\nقال: أما مارًّا فلا أكرهه، ولكن لا يجلس حتى يصلي، ولا يتخذه طريقًا، قال إسحاق: كما قال» (^١).\nوحجتهم: حديث أبي قتادة: فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.\nوقيل:\nيصلي، ولو كان مارًّا، لأن ذكر الجلوس في الحديث خرج مخرج الغالب، وبه قال ابن العماد من الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nقال البهوتي: «وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لكل من دخله: أي المسجد، قصد الجلوس به أو لا؛ لعموم الأخبار» (^٣).\nوالقائلون في سقوط تحية المسجد، اختلفوا في سبب ذلك، أهو من أجل المشقة، أم أنه غير مخاطب بها؛ لأنها يخاطب بها من يريد الجلوس؟ قولان للفقهاء، أصحهما عند المالكية الثاني.\nوعلى القول الثاني لو صلى المار في المسجد ركعتين، كانت نفلًا مطلقًا، وهذا التفريق بين النفل المطلق وتحية المسجد يصح عند من يعتبر تحية المسجد من النفل المؤكد، وهي مسألة خلافية يحسن أن أقصدها بالبحث على وجه مستقل، أسأل الله وحده العون والتوفيق.\n• وسبب الخلاف:\nأن تحية المسجد من صلاة ذوات الأسباب، واختلفوا في السبب، أهو الدخول في المسجد، أم الجلوس فيه؟\nفمن قال: إن السبب الجلوس في المسجد رأى أن النهي عن الجلوس حتى يصلي ركعتين في حديث أبي قتادة وصف مقصود، وأن حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) له منطوق، ومفهوم.\n_________\n(^١). مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٧٣٩).\n(^٢). الفتاوى الفقهية لابن جحر الهيتمي (١/ ١٨٤)، الفروع (٣/ ١٨٣)، الإقناع (١/ ١٩٨)، كشاف القناع (٢/ ٤٦)، مرعاة المفاتيح (٢/ ٤١٢).\n(^٣). كشاف القناع (٢/ ٤٦).","vol":"1","page":124},{"text":"فالمنطوق: النهي عن الجلوس حتى يصلي ركعتين.\nومفهومه: أن من لا يريد الجلوس فلا يؤمر بالصلاة، فكانت تحية المسجد حق الجلوس فيه، لا مجرد الدخول.\nومن قال: إن تحية المسجد سببها الدخول في المسجد (^١)، وأن قيد الجلوس خرج مخرج الغالب؛ باعتبار أن من يدخل المسجد مجتازًا حال نادرة، والمساجد لم تُبْنَ لهذا، فالغالب على من يدخل المسجد: إما أن يصلي مباشرة، وهذا تسقط عنه تحية المسجد، وإما أن يجلس، فجاء ذكر الجلوس وصفًا طرديًّا في حديث أبي قتادة، لا مفهوم له؛ لأن المفهوم إذا خرج مخرج الغالب فليس بحجة إجماعًا، فكانت الركعتان حق الدخول للمسجد تعظيمًا له، سواء أجلس في المسجد أم اجتاز، فإذا دخل كان مأمورًا بصلاة ركعتين.\nوقد تفرع على اختلافهم هذا الاختلاف في فوات تحية المسجد بالجلوس، وسوف أفرد لها بحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى.\n\n* * *\n_________\n(^١). جاء في مغني المحتاج (١/ ٤٥٦): «ظاهر كلامه كغيره أنه لا فرق في سنها بين مريد الجلوس وغيره، ولا بين المتطهر وغيره إذا تطهر في المسجد، لكن قيده الشيخ نصر بمريد الجلوس، ويؤيده الخبر المذكور. قال الزركشي: لكن الظاهر أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب، وهذا هو الظاهر، فإن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول تعظيمًا للبقعة، وإقامةً للشعار كما يسن لداخل مكة الإحرام سواء أراد الإقامة بها أم لا». وانظر فتح العزيز (٣/ ١١٠).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث السابع في فوات تحية المسجد بالجلوس</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السقوط بالفوات يحتاج إلى دليل، والأصل عدم السقوط ما زال في المسجد.\n• حديث جابر في تحية المسجد جاء بصيغة الأمر بفعلها كما في رواية الصحيحين، وفي صيغة النهي عن الجلوس قبل ذلك، كما في رواية البخاري.\n• المأمورات الشرعية لا تسقط بالترك حتى تفعل، والمنهيات إذا فعلت فكأنها لم تفعل؛ لأنها ملغاة شرعًا، وإذا كان الجلوس في حكم الملغى شرعًا فلا يزال يخاطَبُ بها حتى يصلِّيَهَا.\n• تحية المسجد شرعت لتعظيم المسجد وحرمته، ففي أي وقت صلاها حصل المقصود.\n[م-٤٥٣] اختلف الفقهاء في فوات تحية المسجد بالجلوس على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول:\nلا تفوت تحية المسجد بالجلوس، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وظاهر إطلاق بعض الشافعية (^١).\nقال الخرشي: «يكره جلوسه قبل التحية، ولا تسقط به» (^٢).\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ٣٨)، مراقي الفلاح (ص: ١٤٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٩٤)، شرح ابن ناجي على متن الرسالة (١/ ١٦٩)، شرح الخرشي (٢/ ٥)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٣).\nقال في الفواكه الدواني (١/ ٢٠٣): «وكونهما -أي الركعتين- قبل الجلوس على جهة الندب، فلو جلس لا يفوتان ولو طال زمان الجلوس».\n(^٢). شرح خليل للخرشي (٢/ ٥).","vol":"1","page":126},{"text":"• وجه هذا القول:\nأن تحية المسجد شرعت لتعظيم المسجد وحرمته، ففي أي وقت صلاها حصل المقصود.\nولو دخل المسجد يريد أن يعمل عملًا أو يتحدث مع أحد، فظل واقفًا فإنه مخاطب بتحية المسجد؛ لأنه لا مفهوم لقوله: (فلا يجلس).\nولو جلس، وأراد أن يصلي تحية المسجد جالسًا، صحت منه تحية المسجد، فلا مفهوم لقوله في الحديث: (فلا يجلس) (^١).\nولأن الاحتجاج بقيد الجلوس في الحديث (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) من الاحتجاج بالمفهوم، وليس بحجة عند الحنفية مطلقًا، كما أنه ليس بحجة إجماعًا إذا خرج مخرج الغالب.\nويستدل لهذا القول بحديث جابر في قصة سليك الغطفاني فإنه جلس قبل أن يصلي، فأمره النبي ﷺ بالقيام، والصلاة ركعتين، والحديث في مسلم، وإن كان الحنفية لا يرون صلاة تحية المسجد، والإمام يخطب، ويجيبون عن حديث جابر بأجوبة سوف نتعرض لها بالبحث إن شاء الله تعالى في فصل مستقل.\nوأجاب من قال: إن تحية المسجد سببها الجلوس عن حديث جابر حيث أمر الرسول ﷺ سليكًا الغطفاني بتحية المسجد بعدما جلس بأن الجالس كان جاهلًا والفاصل قصيرًا، فلو جلس، وطال الفصل لم يؤمر بها، وقد فاتت.\n• ويرد عليهم:\nبأن حديث جابر ليس فيه ما يدل على هذا، ولا فيه ما ينفيه، والأصل أن الإنسان إذا كان مخاطبًا بالعبادة فإنه يؤمر بها حتى يفعلها، وحديث تحية المسجد فيه أمر ونهي، أمر بصلاة ركعتين، ونهي عن الجلوس قبل ذلك،\nفرواه البخاري ومسلم بلفظ: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (^٢).\n_________\n(^١). وخالف الشافعية، فقالوا: يجب أن يحرم بتحية المسجد قائمًا؛ لأنه لو جلس عامدًا قبل الإحرام بها فاتت، انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٣٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا أمر بالصلاة.\nوفي رواية للبخاري: فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (^١).\nوهذا نهي عن الجلوس، والمأمورات لا تسقط بالترك حتى تفعل، والجلوس قبل الصلاة منهي عنه، والمنهيات إذا فعلت فكأنها لم تفعل؛ لأنها ملغاة شرعًا فلا يزال يخاطب بها حتى يصليها، وأما إذا تعمد الترك فالخلاف في فعله مبني على حكم تحية المسجد، فالجمهور على الكراهة، وقيل: يحرم، وسوف أبحثها إن شاء الله في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.\nوطول الفصل مؤثر في التفريق بين أجزاء العبادة الواحدة مما ينبني بعضها على بعض كالصلاة والوضوء، فإذا طال الفصل لم يمكن البناء، وأما العبادة إذا لم يفعلها أصلًا فيبقى مخاطبًا بها حتى يفعلها.\nالقول الثاني:\nقال النووي والعراقي: «أطلق أصحابنا فواتها بالجلوس» (^٢).\nوقال الزركشي في القواعد: «وكذلك تحية المسجد تفوت بالجلوس ناسيًا مع أنها من المأمورات» (^٣).\n• وجه هذا القول:\nيرى أصحاب هذا القول أن تحية المسجد من النوافل المؤقتة، ووقتها فعلها قبل أن يجلس؛ لظاهر حديث أبي قتادة، (فلا يجلس حتى يصلي)، فإذا جلس كانت تحية المسجد من جنس النوافل التي تفوت بفوات وقتها، فلا تقضى؛ لعدم الدليل على القضاء، وقاسه بعض الشافعية على فرع عندهم في فروع الحج في مسألة الإحرام لدخول الحرم، فإنهم قالوا: إن من دخله بغير إحرام لا يقضيه، بل فاته بمجرد الدخول كما تفوت التحية بالجلوس.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).\n(^٢). المجموع (٤/ ٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٣٣٣)، تحفة المحتاج (٤/ ٦٨)، نهاية المحتاج (٣/ ٢٧٧)، طرح التثريب (٣/ ١٨٩)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٦٤).\n(^٣). المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":128},{"text":"• وأجيب:\nلا نسلم أن تحية المسجد مؤقتة، بل هي مرتبطة بسبب، وسببها دخول المسجد، فما زال موجودًا في المسجد فالسبب قائم، فإذا خرج، ولم يُصَلِّ فات وقتها، خاصة إذا رجحنا أن ذكر الجلوس لا مفهوم له، وعلى التسليم بأن تحية المسجد مؤقتة قبل الجلوس فما المانع أن يكون وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، وقد يقال: فعلها قبل الجلوس أداء، وبعده قضاء (^١).\n(ح-١٠٨٩) وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق ابن وهب، قال: حدثني أسامة، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني، قال:\nسمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا عند رسول الله ﷺ يومًا، فقال: أدخلت المسجد؟ قلت: نعم، فقال: أصليت فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب فاركع ركعتين (^٢).\n[تفرد به أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم، والراوي عنه ابن وهب، قال ابن عدي: يروي عنه ابن وهب نسخة صالحة] (^٣).\nالقول الثالث:\nقال النووي: «إن جلس في المسجد قبل التحية جهلًا بها، أو سهوًا شرع له فعلها، ما لم يُطِلْ الفصل، فإن طال الفصل فقد فاتت، ولا يشرع له قضاؤها، وهذا هو المختار» (^٤).\nواستدلال هذا القول كاستدلال من قال تفوت بالجلوس، لأن كلا القولين بناه\n_________\n(^١). جاء في فتح الباري لابن حجر (١/ ٥٣٨) نقلًا عن المحب الطبري: «يحتمل أن يقال: وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء، وبعده قضاء».\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (١٨٢٨).\n(^٣). الكامل لابن عدي (٢/ ٧٨).\nوقد روى عمرو بن دينار عن جابر في قصة الرجل الذي دخل المسجد، والإمام يخطب، فقال له النبي ﷺ: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين، ولم يذكر اسم الرجل.\nورواه أبو الزبير وأبو سفيان، ومجاهد عن جابر، وذكروا أن الرجل هو سليك الغطفاني. فأخشى أن يكون أسامة بن زيد الليثي لم يحفظ الحديث، والله أعلم.\n(^٤). المجموع (٤/ ٥٣)، طرح التثريب (٣/ ١٨٩).","vol":"1","page":129},{"text":"على أن تحية المسجد مؤقتة بوقت، ووقت فعلها قبل أن يجلس، فإذا جلس فقد فاتت، إلا أن هذا القول رأى أن الفاصل إذا كان يسيرًا أمكن تداركه في العبادة، كما أن التفريق بين أعضاء الوضوء لا يؤثر فيه الفارق اليسير، والبناء على الصلاة إذا انصرف الإمام يظن تمام صلاته، ثم نُبِّه على سهوه كان له أن يبني إذا كان الفاصل يسيرًا، وحتى يخرجوا من إلزام حديث جابر في أمر النبي ﷺ سليكًا أن يصلي تحية المسجد بعد أن جلس.\n• الراجح:\nالخلاف قوي، ويحتمل أن يكون سبب تحية المسجد الجلوس، لقوله: (فلا يجلس) ويحتمل أن يكون سببها دخول المسجد لقوله: (إذا دخل أحدكم المسجد ..)، ويكون ذكر الجلوس إن كان مقصودًا فهو للمبادرة بها، وعدم تأخيرها والانشغال عنها، لا شرطًا للأمر بها، وقد يقال: ذكر الجلوس وصف أغلبي لا مفهوم له، ولو قيل: إن تحية المسجد سببها المكث في المسجد، فمن مكث في المسجد، ولو قائمًا فعليه أن يصلي ركعتين، باعتبار أن الجلوس فرد من أفراد المكث في المسجد، فيلحق به ما كان في معناه، وليس المجتاز في معنى المكث، فالمجتاز مروه يسير، ونكون نظرنا إلى لفظ الجلوس في حديث أبي قتادة لا من حيث اللفظ، ولكن من حيث المعنى، فالجلوس مكث، والقيام الطويل مكث، وكلاهما يستدعي تحية المسجد، بخلاف المجتاز، فليس في معناهما، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثامن في حكم تحية المسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• قال النووي: أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث» (^١)،\nولو كانت التحية واجبة لوجب الوضوء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب\n• قاعدة الأصل في الأمر الوجوب قاعدة أغلبية، وليست كلية.\n• لا يعلم أحد قال بوجوب تحية المسجد، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين قبل داود الظاهري، وكل حكم فقهي عَارٍ من اجتهاد القرون المفضلة فهو مدخول إلا أن تكون المسألة نازلة.\n• عمل السلف له أثر قوي في فهم دلالة النص، وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة.\n• الأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ الاستماع واجبًا في حق الداخل.\n[م-٤٥٤] اختلف العلماء في حكم تحية المسجد\nفقيل: ليست واجبة وهو قول الأئمة الأربعة، واختاره ابن حزم من الظاهرية (^٢).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٩٢).\n\nوقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٩٦): «وقد اختلف السلف في جلوس المُحدث في المسجد فروي عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً، وعن على بن أبى طالب مثله، وروى ذلك عن عطاء، والنخعي، وسعيد بن جبير. وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء سعيدُ بن المسيب، والحسن البصري وقالا: يمر مارًّا ولا يجلس فيه». وانظر: التوضيح لابن الملقن (٥/ ٥٢٨)،\n(^٢). تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، مراقي الفلاح (ص: ١٤٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح\n(ص: ٣٩٤)، الدر المختار (ص: ٩٢)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨)، البحر الرائق (٢/ ٣٨) حاشية الدسوقي (١/ ٣١٣)، الخرشي (٢/ ٥)، منح الجليل (١/ ٣٤٠)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٤٩٣)، الذخيرة للقرافي (١٠/ ٢١٩)، المنتقى للباجي (١/ ٢٨٥)، إكمال المعلم (٣/ ٤٩)، التمهيد (٢٠/ ١٠٠)، التلقين (١/ ٣٦٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٦)، المجموع (٤/ ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٥٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٥/ ٥٢٤)، الإقناع (١/ ١١١)، المغني (٢/ ٩٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٧٠)، الفروع (٣/ ١٨١)، كشاف القناع (١/ ٣٢٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":131},{"text":"وقيل: تجب تحية المسجد، وهو قول داود الظاهري (^١).\n• دليل من قال بالوجوب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٠٩٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،\nعن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس (^٢).\nورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (^٣).\nوجه الاستدلال:\nدلالة الصيغة، حيث جاء الأمر بتحية المسجد، والأمر المطلق للوجوب في أصح أقوال أهل العلم، وجاء النهي عن الجلوس قبل ذلك، والأصل في النهي التحريم.\nقال ابن دقيق العيد: «ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم ومن أزالهما عن الظاهر فهو محتاج إلى الدليل» (^٤).\n_________\n(^١). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٠٠): «وليس ذلك بواجب عند أحد على ما قال مالك ﵀ إلا أهل الظاهر، فإنهم يوجبونها، والفقهاء بأجمعهم لا يوجبونها». وانظر المعلم شرح مسلم (٣/ ٤٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).\n(^٤). إحكام الأحكام (١/ ٢٨٨).","vol":"1","page":132},{"text":"• أجاب الجمهور بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nاختلف أهل الأصول في دلالة الأمر المجرد عن القرائن، أتفيد الوجوب، أم الندب، أم تفيد القدر المشترك بينهما، وهو مطلق الطلب؟ والأكثر على أنه للوجوب، لحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) (^١)، على أن هذا الحديث وجدت فيه قرينة أنه قصد بالأمر الوجوب، وهو ترك الإلزام خوفًا من المشقة؛ إذ الندب لا مشقة فيه، وعلى التسليم بأن الصيغة للوجوب فإنه يتساهل في الصوارف فيصرف الأمر من الوجوب إلى الندب لأدنى صارف لأنك تجد أوامر في الشريعة قد صرفت عن الوجوب للندب ولا يعرف لها صارف إلا ما ينقدح في نظر المجتهد وفهمه، فحديث: (يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك) (^٢)، فالتسمية للأكل عند جمهور الفقهاء ليست للوجوب، والصارف ليست قرينة لفظية منعت القول بالوجوب، كما لو نقل ترك التسمية أحيانًا، أو أقر النبي ﷺ أحدًا على ترك التسمية، وإنما ظهر للمجتهد بأن هذا الأمر يتعلق بالآداب.\nومثله حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) (^٣)، فإن الأمر بالغمس ليس للوجوب، بل ولا للندب، وإنما هو للإرشاد، والصارف ليس قرينة لفظية، وإنما كون الأمر يتعلق بالصحة، وقل مثل ذلك لأحاديث كثيرة صرفت من الوجوب للندب لقرينة معنوية ظهرت لفهم المجتهد، وهذا ما جعل الشاطبي ﵀ يقول: إن دلالة الأمر والنهي وُكِلَت إلى أنظار المكلفين ليجتهدوا فيها (^٤).\nكما أن هذه الأحاديث هي ما جعلت شيخنا ابن عثيمين ﵀ وهو الذي يقرر في دروسه طيلة حياته التعليمية الممتدة لأكثر من أربعين سنة بأن الأمر للوجوب، ليرجع في آخر حياته، ويقول في شرحه لقواعد الأصول ومعاقد الفصول بأن الأمر\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٨٧)، وصحيح مسلم (٢٥٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٣٧٦)، وصحيح مسلم (٢٠٢٢).\n(^٣). صحيح البخاري (٣٣٢٠).\n(^٤). الموافقات (٣/ ٤٠١).","vol":"1","page":133},{"text":"إذا لم يكن هناك قرينة تدل على الوجوب فهو للندب؛ لأن الأصل عدم التأثيم بتركه.\nوإن كنت أميل إلى قول الجمهور، وأن الأصل في الأمر للوجوب إلا أن هذه القاعدة أغلبية، وليست كلية، فلا يعترض عليها بوجود بعض الأوامر خرجت عن هذه القاعدة، لأن هذا سبيل القواعد، وخروج بعض القواعد عن هذه القاعدة لا يسقطها، وعلى المجتهد ألا يتشدد في الصوارف، فكل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر عن الوجوب قد تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب إذا كان على ذلك فهم أكثر الأمة، خاصة المتقدمون منهم، ومن أقوى الصوارف تلمس عمل السلف وفهمهم لهذه الصيغة، فالاستدلال بمجرد صيغة الأمر والنهي لا يمكن الاستناد إليها مجردة من فهم السلف، وعملهم، إلا لو كانت صيغة الأمر لا تأتي إلا للوجوب، أما إذا كانت صيغة الأمر تأتي للوجوب وللندب، ولو كان الوجوب أرجح من الندب، فإن فهم السلف وأقوالهم إذا لم يجعلوها للوجوب فهي قرينة صارفة عن الوجوب إلى غيره، فالقول بالوجوب لا يعلم أحد قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعي التابعين، بل لا يعلم القول به قبل داود الظاهري، فكان محجوجًا بالإجماع قبله، ولو جاز خرق الإجماع بالخلاف الحادث بعده لم يستقم للأمة إجماع، ولم يكن حجة.\nفإن قيل: داود الظاهري معاصر للإمام أحمد، ومن تلاميذ إسحاق بن راهويه، وإذا قبلنا ما يتفرد به الإمام أحمد، فليقبل ما يتفرد به الإمام داود الظاهري، خاصة أن ظاهر الحديث، والقواعد لا تدفع قول الإمام داود.\nفالجواب: المقارنة بين الإمام أحمد وداود ليست منصفة، فإن الإمام أحمد لا يقول بقول إلا له إمام، ومفرداته هي مفردات اصطلاحية من جهة مقارنتها بالأئمة الأربعة، ودائرة الفقه أوسع من الأئمة الأربعة، لهذا غالب مفردات الإمام أحمد تجدها متفقة مع أقوال كثير من أهل الحديث، بل قد تجد مفردات الإمام أحمد متفقة مع روايات غير مشهورة عن بعض الأئمة الأربعة، لأن الاصطلاح في التفرد: هو ما خالف فيه إمام من الأئمة الأربعة المعتمد في مذاهب بقية الأئمة الأربعة، حتى ولو اتفق مع روايات أخرى لهم غير مشهورة، ومشهور المذهب","vol":"1","page":134},{"text":"هو فرز اصطلاحي لما نصره أصحاب ذلك المذهب، وقد يكون هو الراجح وقد لا يكون، كما أن للإمام أحمد عناية بآثار الصحابة والتابعين ما ليس للإمام داود، فكان الإمام داود عليه رحمة الله يتعامل مع النص في معزل عن فهم السابقين، وهذه سمة بارزة في منهج الظاهرية، والعمل له أثر قوي في فهم دلالة النص وتخصيصه، أو حمله على أحد معانيه المشتركة، وقد يكون للكلمة دلالة شرعية قدمها الفقهاء على دلالتها اللغوية، والنزعة الظاهرية هي ما جعلت بعض مشايخنا يتعامل مع حديث (أعفوا اللحى) في معزل عن فهم السابقين فوقع كثير منهم فيما يقع فيه بعض أهل الظاهر، ففهموا من النص تحريم الأخذ من اللحية مطلقًا، ولم يقل به أحد من السلف، وقد فهم الصحابة من حديث الإعفاء المنع من الحلق، وليس تحريم الأخذ، فآثرت فهم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين على فهم علمائنا من أهل بلدتنا، وإن أساء فهمي بعض أصحابنا وتكلموا في حقي، وخرجوا من الخلاف الفقهي إلى الإفراط في الجرح، وقد عذرتهم لعلمي أن الباعث عند كثير منهم غيرتهم وإن أخطئوا الاجتهاد حسب فهمي، وبعد أن هدأت العاصفة، وأفاق بعضهم من الصدمة رجع كثير من أهل الفتوى من الأقران إلى القول بجواز الأخذ من اللحية، فالحمد لله على توفيقه، والله أعلم.\nوقد يقال: بأن الإجماع لو انعقد لم يخرق بأي خلاف، لا من داود، ولا من غيره، ولكن أين حكاية الإجماع قبل داود، فالإجماع القطعي لا يمكن الجزم به، والظاهر لي أن الإجماع في هذه المسألة هو من قبيل الإجماع السكوتي، وهو حجة على الصحيح، إلا أنه ليس قطعيًّا، ولا يعتبر من يخالفه مخالفًا للإجماع؛ لأن دلالته على الإجماع ظنية، وهو حسبي في الاحتجاج على سنية تحية المسجد، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nالصارف عن الوجوب عند ابن حزم، قول النبي ﷺ لضمام بن ثعلبة حين سأله عما يجب عليه من الصلاة، فقال له النبي ﷺ: الصلوات الخمس، فقال: هل علي يرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.\nفنفى وجوب ما زاد على الخمس، وأثبته تطوعًا، وتحية المسجد زائدة على","vol":"1","page":135},{"text":"الخمس، وقد استدل به الجمهور في الرد على قول أبي حنيفة بوجوب الوتر.\nقال ابن حزم: «ولولا البرهان الذي ذكرنا قبل بأن لا فرض إلا الخمس، لكانت هاتان الركعتان فرضًا، ولكنهما في غاية التأكيد، لا شيء من السنن أوكد منهما» (^١).\nوسوف أسوق حديث طلحة بإسناده ولفظه في أدلة القول الثاني، ومناقشة سلامة الاستدلال به إن شاء الله تعالى.\nالدليل الثاني على الوجوب:\n(ح-١٠٩١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،\nعن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (^٢).\n(ح-١٠٩٢) وروى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،\nأن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (^٣).\nفإذا منع المصلي لحرمة الخطبة عن الاشتغال عنها، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم أمر بتحية المسجد والإمام يخطب حتى قطع النبي ﷺ خطبته لأجل سؤاله وأمره بالصلاة، فلا يترك واجب الاستماع والإنصات إلا لما هو أوجب منه.\n• ويناقش هذا الاستدلال:\nبأننا لا نسلم أن الإنصات كان واجبًا على الداخل لصلاة الجمعة قبل صلاته تحية المسجد، فالأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ واجبًا.\nبيان ذلك أَنْ نسأل: متى يجب على المصلي سماع الخطبة، أيجب بمجرد\n_________\n(^١). المحلى (٣/ ٢٧٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٩٣٠)، وصحيح مسلم (٥٤ - ٨٧٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٩٣٤)، وصحيح مسلم (١١ - ٨٥١).","vol":"1","page":136},{"text":"الاستماع، ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟\nفحديث جابر في قصة سليك الغطفاني يبين أنه لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد، وبالتالي لا يصح أن يقال: الواجب لا يترك إلا لواجب؛ لأن ذلك مقيد بما إذا شُرِعا في محل واحد، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم.\n• دليل الجمهور على سنية تحية المسجد:\nالدليل الأول:\nنقل بعض أهل العلم الإجماع على أن تحية المسجد ليست واجبة، فقد حكى الإجماع على سنيتها الحلبي من الحنفية (^١).\nوقال ابن تيمية: «أجمع فقهاء المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم على أن صلاة تحية المسجد ليست بفرض، ولا واجب، وأنها من النوافل، ولا يسن لها الجماعة» (^٢).\nيقصد ابن تيمية بالظاهرية ابن حزم، وأما إمام المذهب داود، فقد قال بوجوبها.\nوقال النووي: «هي سنة بإجماع المسلمين» (^٣).\nوقال ابن حجر: «اتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب» (^٤).\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ٣٨).\n(^٢). نقل ذلك صاحب كتاب الأقوال المرضية في صلاة التحية (ص: ١٦)، وأحال على مجموع الفتاوى (٢٣/ ٤١٣)، وقد أعياني الوقوف على هذا الكلام لابن تيمية في كتبه، واستعنت ببعض الأصدقاء، وبالحاسب، وفي كتاب موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية ولم أقف على هذا النص، فلعل في المسألة خطأ ما في أثناء تبييض مسودة الكتاب، فالله أعلم.\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢٢٦).\n(^٤). فتح الباري (١/ ٥٣٧).","vol":"1","page":137},{"text":"• ويناقش:\nقد بينت في المناقشة السابقة بأن داود الظاهري قد قال بالوجوب، ولم أقف على أحد حكى الإجماع في المسألة قبل خلاف داود، فيحمل الإجماع المنقول على أن المراد به الإجماع السكوتي، وذلك بأن يقول عالم أو أكثر قولًا ثم ينتشر، ويمر عليه وقت طويل لا يعلم له مخالف، فإذا انقرض عصر أولئك كان حجة في حق من بعدهم، ودلالته ظنية، لأن الساكت لا ينسب له قول، وسكوته يحتمل أنه كان راضيًا موافقًا، ويحتمل أنه نظر، ولم يظهر له شيء، ويحتمل أنه يريد وقتًا لاستفراغ الوسع، ولم يَتَسَنَّ له، ويحتمل أنه سكت غير موافق لكونه يرى المسألة من مسائل الاجتهاد، فلم ينشط لإعلان المخالفة، لهذا لم يعتبر السكوت دليلًا على الإجماع القطعي.\nفإذا تتبعنا من كان يأذن في الجلوس في المسجد بلا صلاة قبل الإمام داود قولًا أو فعلًا وجدنا هذا منقولًا في طبقة الصحابة، فقد نقل عن ابن عمر وغيره أنه كان يجلس دون أن يصلي.\n(ث-٢٥٦) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عبد الله ابن سعيد بن أبي هند، عن نافع،\nأن ابن عمر كان يمر في المسجد، ولا يصلي فيه (^١).\n[صحيح].\nفإن قيل: هذا في المار، فالجواب:\n(ح-١٠٩٣) أن ابن أبي شيبة قد روى في المصنف، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي،\nعن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي ﷺ يدخلون المسجد، ثم يخرجون ولا يصلون، ورأيت ابن عمر يفعله (^٢).\n_________\n(^١). المصنف ت الدكتور عوامة (٣٤٤٨).\n(^٢). المصنف ت الدكتور عوامة (٣٤٤٧).","vol":"1","page":138},{"text":"[إسناد حسن، والحديث صحيح] (^١).\nفهذا ظاهره أن الخروج لم يكن عقب الدخول، وإلا لعطف بالفاء.\n(ث-٢٥٧) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، عن وكيع، عن هشام بن سعد،\nعن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل\n_________\n(^١). اختلف فيه على الدراوردي:\nفرواه سعيد بن منصور في التفسير من سننه (٦٤٦)، عن الدراوردي، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد، وهم مجنبون، إذا توضئوا وضوء الصلاة.\nورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف ت الدكتور عوامة (٣٤٤٧)، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب النبي ﷺ يدخلون المسجد، ثم يخرجون، ولا يصلون، قال: ورأيت ابن عمر يفعله.\nوهنا الدراوردي رواه مباشرة عن زيد بن أسلم، دون ذكر هشام بن سعد، ولم يذكر عطاء بن يسار في إسناده.\nوالدراوردي معروف بالرواية عن زيد بن أسلم، وقد أخرج مسلم في صحيحه من روايته عن زيد بن أسلم، وأما رواية الدراوردي عن هشام بن سعد فلم أجدها إلا في سنن سعيد بن منصور، حيث ذكر له هذا الأثر، وأثرًا آخر عن سعيد بن المسيب، فهل هذا الاختلاف في الأثر بسبب الدراوردي؟ فقد تفرد بذكر عطاء بن يسار، وأما ذكر هشام بن سعد فهو محفوظ من رواية غير الدراوردي، فالأقرب أن الأثر من رواية هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ليس فيه عطاء،\nفقد رواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة تحقيق عوامة (١٥٦٧) عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان الرجل منهم يجنب، ثم يتوضأ، ثم يدخل المسجد فيجلس فيه. اهـ\nفهنا سقط من الإسناد عطاء بن يسار.\n\nووكيع أثبت من الدراوردي ولا مقارنة، وقد ذكره عن زيد ولم يذكر فيه عطاء بن يسار، وقد توبع وكيع، ولم يتابع الدراوردي على ذكر عطاء بن يسار.\nقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣١٣) روى حنبل بن إسحاق صاحب أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث.\nوهنا تابع أبو نعيم وكيعًا في عدم ذكر عطاء.\nقال ابن كثير: إسناده على شرط مسلم. يقصد أن مسلمًا أخرج في صحيحه روااة هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، وقد قال الحاكم في هشام بن سعد: روى له مسلم في الشواهد.\nوقد قال أبو داود: هو أثبت الناس في زيد بن أسلم، فيكون الإسناد صحيحًا، والمحفوظ فيه هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ليس فيه عطاء بن يسار.","vol":"1","page":139},{"text":"المسجد فيجلس فيه (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوالوضوء لتخفيف الحدث، وليس شرطًا للجلوس على الصحيح، ولو كانت تحية المسجد واجبة لوجب لذلك رفع الحدث؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا يخرجون من ذلك بالقول بأن تحية المسجد لا تجب إلا على المتطهر فقط دون المحدث، فإنه لا يعلم أن تكون الصلاة واجبة ثم تسقط لتعمد ترك الطهارة مع القدرة عليها، فإنها لو وجبت الصلاة لوجبت لها الطهارة كسائر الصلوات الواجبة، فقولكم هذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب.\nجاء في شرح البخاري لابن رجب: «قال أحمد: قد يدخل الرجل على غير وضوء، ويدخل في الأوقات التي لا يُصَلَّى فيها، قال ابن رجب: يشير إلى أنه لو وجبت الصلاة عند دخول المسجد لوجب على الداخل إليه أن يتوضأ، وهذا مما لم يوجبه أحد من المسلمين» (^٣). والله أعلم.\nوأما بعد الصحابة، فقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد، قال: روى حماد بن زيد، عن الجريري، عن جابر بن زيد قال إذا دخلت مسجدًا فَصَلِّ فيه، فإن لم تُصَلِّ فيه فاذكر الله، فكأنك صليت فيه (^٤).\nونقل ابن عبد البر في التمهيد عن ابن أبي ذئب أنه دخل المسجد، فجلس، ولم يُصَلِّ (^٥).\nوقال ابن عبد البر: «روى أبو مصعب الزهري، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر العمري، عن أخيه عبيد الله بن عمر، قال: رأيت القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي فيه» (^٦).\n_________\n(^١). المصنف ت عوامة (١٥٦٧).\n(^٢). سبق تخريجه في الأثر الذي قبله.\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٧١، ٢٧٢).\n(^٤). التمهيد (٢٠/ ١٠٦).\n(^٥). التمهيد (٢٠/ ١٠٦)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٧١).\n(^٦). التمهيد (٢٠/ ١٠٥، ١٠٦)، الاستذكار (٢/ ٣٠٥)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٧١).","vol":"1","page":140},{"text":"والعمري المكبر، وإن كان في حفظه شيء، إلا أنه ينقل كلامًا عن أخيه بما شاهده، فأظن تطرق الوهم لمثله بعيد، وليس من عادة الناس رد ما ينقله الأخ عن أخيه بحجة ضعف حفظه، والله أعلم.\nوصرح الإمام مالك في الموطأ بأن تحية المسجد فعل حسن، وهذا التقدير يشعر بأنها أقل رتبة من السنن، قال مالك بعد أن روى حديث الأمر بالصلاة قبل الجلوس، قال: وذلك حسن، وليس بواجب (^١).\nوقال المروذي: «رأيت أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- كثيرًا يدخل المسجد، يقعد، ولا يصلي، ثم يخرج، ولا يصلي في أوقات الصلوات» (^٢).\nوقال حرب: «وسئل إسحاق عن الرجل يدخل المسجد، فيجلس، ولا يصلي ركعتين قال: لا بأس» (^٣).\nولا يعلم لابن عمر ﵄، ومن ذكر معه كجابر بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، وابن أبي ذئب، وأحمد، وإسحاق، لا يعلم لهؤلاء مخالف، وهو مذهب الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، فكان إجماعًا سكوتيًّا، ثم جاء بعد ذلك الإمام داود الظاهري فاجتهد رأيه في المسألة، فقال قولًا مخالفًا لمن سبقه معتمدًا على دلالة الصيغة، فخالف داود الإجماع السكوتي، فأما أن يكون هناك من نقل الإجماع القطعي قبل مخالفة داود فيصعب الجزم به، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٠٩٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني ابن صالح، عن أبي الزاهرية، قال:\nكنت جالسًا مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال: اجلس، فقد آذيت، وآنيت (^٤).\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ١٦٢)، وانظر: التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ١٠٠)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١٣٥).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٧٣).\n(^٣). مسائل حرب نَقلًا من الجامع لعلوم الإمام أحمد (٢١/ ٢٠٤)، فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٧١).\n(^٤). المسند (٤/ ١٩٠).","vol":"1","page":141},{"text":"[إسناده جيد إن كان حفظه معاوية بن صالح، فقد تفرد به عن أبي الزاهرية] (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمره بالجلوس، ولم يسأله هل صلى تحية المسجد، ولم يأمره بها، فدل على أنها ليست واجبة.\n• ونوقش هذا الدليل من وجهين:\nالوجه الأول:\nلدينا حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، حيث أمره النبي ﷺ بالصلاة بعد\n_________\n(^١). الحديث مداره على معاوية بن صالح (الحضرمي الحمصي)، عن أبي الزاهرية (حدير بن كريب الحضرمي الحمصي)، عن بسر بن عبد الله.\nوقد رواه عن معاوية بن صالح جماعة، منهم:\nعبد الرحمن بن مهدي، كما في مسند أحمد (٤/ ١٩٠)، وصحيح ابن خزيمة (١٨١١)، وصحيح ابن حبان (٢٧٩٠)، ومستدرك الحاكم (١٠٦١)، والمعرفة للبيهقي (٤/ ٤٠٢).\nوعبد الله بن وهب، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٣٩٩)، والمنتقى لابن الجارود (٢٩٤)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣٦٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٦)،\nوأسد بن موسى كما في مسند الشاميين للطبراني (١٩٥٣)، والأوسط لابن المنذر (٤/ ٨٤)،\nوزيد بن الحباب، كما في مسند أحمد (٤/ ١٨٨)، ومسند البزار (٣٥٠٦)،\nوبشر بن السري، كما في سنن أبي داود (١١٨)، كلهم رووه عن معاوية بن صالح به.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nوقال النووي في الخلاصة: رواه أبو داود والنسائي بإسنادين صحيحين، وإسناد أبي داود على شرط مسلم.\nوليس له علة إلا تفرد معاوية بن صالح، وقد قال عنه ابن عدي: .... ما أرى بحديثه بأسًا، وهو عندي صدوق؛ إلا أنه يقع في أحاديثه إفرادات. اهـ\nوقد تكلم فيه بعضهم، وله غرائب وأوهام خاصة فيما يتفرد به عن غير أهل الشام، وهذا حديثه من أهل بلده، وروى له مسلم، وأكثرها في المتابعات.\nورواه الحسن البصري، واختلف على الحسن فيه:\nفأخرجه ابن ماجه (١١١٥) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جابر به، بمثله.\nوأخرجه أبو عبيد في الغريب (١/ ٧٤، ٧٥)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٤/ ٤٠٣) عن هشيم، حدثنا منصور ويونس، عن الحسن مرسلًا، ليس فيه جابر، وهو أصح، ومراسيل الحسن، قال فيها الأئمة: شبه الريح؛ لأنه كان يأخذ عن كل أحد.","vol":"1","page":142},{"text":"أن جلس، ودلالته نصية.\nولدينا حديث عبد الله بن بسر، ظاهره أنه ﷺ أمره بالجلوس دون أن يصلي تحية المسجد لقوله: (اجلس فقد آذيت)، وإنما جعلت دلالته من قبيل الظاهر؛ لأن ظاهره يحتمل: أنه أمره بالجلوس، ولم يأمره بتحية المسجد؛، ويحتمل أنه أراد من قوله: (اجلس): أي لا تتخَطَّ، أو أن المراد: اجلس بشرط الجلوس المفهوم من قوله: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ولم يقصد النبي ﷺ من أمره بالجلوس ترك التحية، وإذا تعارضت دلالتان: إحداهما نصية، والأخرى ظاهرة، قدم النص على الظاهر إذا لم يمكن الجمع؛ لأن النص لا يحتمل إلا معنى واحدًا، بخلاف الظاهر، فإنه يفيد معنى مع احتمال غيره، فإذا كان أحد المعنيين للظاهر يتفق مع دلالة نص حديث جابر، وجب صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر إلى المعنى الآخر المتفق مع دلالة النص؛ لأننا بذلك نكون أعملنا كلا الدليلين، بخلاف الترجيح فإنه إعمال لأحدهما، وإهمال للآخر، وهو ما يسميه أهل الأصول بالتأويل الصحيح بخلاف التأويل الفاسد الذي يظنه المؤول دليلًا، وليس بدليل في نفس الأمر.\nالوجه الثاني:\nحديث أبي قتادة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)\nيفيد وجوب تحية المسجد مطلقًا على كل داخل للمسجد، من غير فرق بين الجمعة وغيرها.\nوحديث عبد الله بن بسر: (اجلس فقد آذيت) يفيد ظاهره سقوط تحية المسجد عن الرجل إذا دخل والإمام يخطب، فيبقى وجوب حديث أبي قتادة على عمومه لا يخص منه إلا الداخل يوم الجمعة، والإمام يخطب.\nفإذا تعاملنا مع النصوص من حيث العموم والخصوص، وقلنا: الخاص مقدم على العام، فهو يقتضي تخصيصه، لا إبطال العام بالخاص، فلم يصح نقض دلالة الوجوب بهذا الخاص.\nفيبقى علينا الجواب عن معارضة الخاص من حديث عبد الله بن بسر بالخاص من حديث جابر في قصة سليك الغطفاني، ولا شك أن حديث جابر مقدم على حديث","vol":"1","page":143},{"text":"عبد الله بن بسر لثلاثة أمور:\nالأمر الأول:\nأن حديث جابر الخاص يتفق مع دلالة العام من حديث أبي قتادة، بخلاف حديث عبد الله بن بسر، والخاص المتفق مع دلالة العام مقدم على الخاص المخالف للعام.\nالأمر الثاني:\nأن حديث جابر جاء في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن جابر، وهذا إسناد كالشمس.\nوجاء عند مسلم من طريق أبي الزبير وأبي سفيان عن جابر، فلا يقوى حديث عبد الله بن بسر على معارضته، وهو حديث غريب تفرد به معاوية بن صالح، وهو خفيف الضبط، وجاء من خارج الصحيحين.\nوبهذه المناقشة الأصولية ظهر لنا أنه لا يصح الاستدلال بحديث عبد الله بن بسر على معارضة دلالة الوجوب في حديث أبي قتادة؛ لكونه خَاصًّا بالجمعة، وحديث أبي قتادة عام في الجمعة وغيرها، ولا على تخصيصه بسقوط التحية يوم الجمعة من الوجوب لمعارضته حديث جابر، والله أعلم\nالأمر الثالث:\nأن حديث عبد الله بن بسر على البراءة الأصلية، وحديث جابر ناقل عنها، وشاغل للذمة، وعند التعارض يقدم الناقل عن البراءة الأصلية؛ لاحتمال تأخره؛ لأن الشريعة كانت تنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم علينا نعمته، والله أعلم.\nالدليل الثالث على استحباب تحية المسجد:\n(ح-١٠٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه،\nأنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل","vol":"1","page":144},{"text":"عَلَيَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال رسول الله ﷺ: «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ: أفلح إن صدق (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (هل علي غيرها، قال: لا إلا أن تطوع) نص في أن الزيادة على الخمس لا يكون إلا تطوعًا، وقوله: (أفلح إن صدق) صريح أنه لا يأثم إذا ترك غير الخمس.\n• ونوقش هذا الجواب من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول:\nلا يصح الاحتجاج بالحديث على سقوط ما وجب بأدلة أخرى؛ لأنه يلزم من ذلك حصر جميع الواجبات الشرعية بالخمس المذكورة في الحديث، واللازم باطل؛ للإجماع بأن واجبات الشريعة أضعاف ما ورد في جواب الأعرابي، فالشريعة كانت تنزل تكاليفها متدرجة بما تقتضيه الحكمة الإلهية، وبحسب حاجات الناس.\n• ويناقش:\nبأن إيجاب صلاة أخرى غير الصلوات الخمس، ممكن عقلًا، ولا يوجد ما يمنع منه شرعًا، ولكن لا نسلم أن هناك صلاة وجبت زيادة على الخمس بعد ذلك، لا تحية المسجد، ولا صلاة الوتر، ولا غيرهما، فقد بعث الرسول ﷺ معاذًا إلى اليمن بوجوب الصلوات الخمس، لا غير، وكان ذلك في آخر حياته، وتوفي النبي ﷺ، ومعاذ في اليمن، وقدم منها في خلافة أبي بكر ﵁ (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٦)، ورواه مسلم (١١).\n(^٢). انظر ترجمته في السير (١/ ٤٤٣ - ٤٦٨)، والإصابة (٦/ ١٣٦ - ١٣٨).\n\nوقد روى مالك في الموطأ من رواية أبي مصعب الزهري (٦٨١)، عن طاوس اليماني أن معاذ ابن جبل الأنصاري أخذ من ثلاثين بَقَرَةً تبيعًا ومن أربعين بقرة مسنة ... قال في آخره: فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل، وطاوس لم يسمع من معاذ. ورواه أبو داود في المراسيل (١٠٨)، وانظر علل الدارقطني (٩٨٤)، والمسند المصنف المعلل (٢٤/ ٤٦٦).","vol":"1","page":145},{"text":"(ح-١٠٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسماعيل بن أمية، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد،\nعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا ﵁ على اليمن، قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم (^١).\nقال ابن حبان في صحيحه: «كان بعث المصطفى ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن قبل خروجه من الدنيا بأيام يسيرة، وأمره ﷺ أن يخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، ولو كان الوتر فرضًا، أو شيئًا زاده الله جل وعلا للناس على صلواتهم كما زعم .... لأمر المصطفى ﷺ معاذ بن جبل أن يخبرهم أن الله جل وعلا فرض عليهم ....» (^٢).\nوكلام ابن حبان يتوجه أيضًا لمن ادعى وجوب تحية المسجد زيادة على الخمس صلوات.\nالوجه الثاني:\nأن الجواب من النبي ﷺ كان متوجهًا للصلوات الخمس اليومية الدائمة، وهذا لا ينافي وجوب غيرها، مما لا يدور يوميًّا كصلاة الجنازة مثلًا، ووجوب ركعتي الطواف والعيد على القول بوجوبهما.\n• ونوقش:\nبأن صلاة الجنازة لا يأثم بتركها، ولا تجب عليه إن قام بها غيره، فالنبي ﷺ أخبره بما يجب عليه على الأعيان، وأما القول بوجوب ركعتي الطواف فهو قول مرجوح، ومثله القول بوجوب صلاة العيد، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الخلاف في وجوبهما في موضعه من البحث، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.\nالوجه الثالث:\nالحديث ينفي وجوب الواجبات ابتداء، لا الواجبات التي وجبت بسبب من\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٤٥٨)، وصحيح مسلم (٣١ - ١٩).\n(^٢). صحيح ابن حبان (٦/ ١٧٧).","vol":"1","page":146},{"text":"فعل المكلف كتحية المسجد والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف، فالداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد بالدخول.\n• ويناقش:\nالقول بأن الداخل هو الذي تسبب في مخاطبته بالصلاة مُسَلَّم، وأما الذي لا يسلَّم، ويعتبر دعوى في محل النزاع القول بأن الداخل هو الذي أوجب على نفسه تحية المسجد، فهل كان الخلاف إلا في دعوى الوجوب، فأين الدليل على وجوبها؟\nالدليل الرابع:\n(ح-١٠٩٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أخبره،\nعن أبي واقد الليثي، قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، فأما أحدهما، فرأى فرجة في الحلقة، فجلس وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم: فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر: فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر: فأعرض فأعرض الله عنه (^١).\nوجه الاستدلال:\nظاهر الحديث أن من جلس في الحلقة لم يُصَلِّ تحية المسجد، فدل على عدم وجوبها.\nفإن قيل: إن الحديث لم يتعرض لتحية المسجد لا في نفي ولا إثبات، وسكوت الراوي لا يمنع من احتمال الفعل، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم.\n• ورد هذا:\nأن احتمال صلاة النفر الثلاثة لتحية المسجد مجرد احتمال، والأصل عدمه حتى ينقل.\n• وأجيب على هذا الرد:\nكون النفر الثلاثة لم يصلوا تحية المسجد هذا جاء على وفق البراءة الأصلية، وخبر أبي قتادة المتفق على صحته بالأمر بالصلاة إذا دخل المسجد ناقل عنها، وأكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن البراءة على الخبر المقرر لها، ولأن الأخذ بالناقل\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٧٤)، ورواه مسلم (٢١٧٦).","vol":"1","page":147},{"text":"فيه احتياط وخروج من عهدة الطلب، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\nقال النووي: «يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، وسواء أَقَعَدَ لغرض شرعي كانتظار الصلاة، أو اعتكاف ... أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك، وقال المتولي: إن كان لغير غرض كره» (^١).\nوقال أيضًا: «أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للمحدث» (^٢).\nوإطلاق الجواز أي المقابل للتحريم، وإلا فالكراهة قد قيل بها من بعض السلف، فلو كانت تحية المسجد واجبة لاشترطت الطهارة لدخول المسجد؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، واختلفوا في دخول الجنب، فمنهم من منعه كالحنفية، والمالكية، ومنهم من أجاز المرور دون المكث كالشافعية، ومنهم من أجاز اللبث فيه إذا توضأ كالحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من المفردات (^٣).\nقال الكوسج في مسائله لأحمد: يقعد في المسجد على غير طهارة؟\nقال: أما غير طهارة فلا بأس، وأما الجنب فإذا توضأ، قال إسحاق: كما قال ... (^٤).\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن القول باستحباب تحية المسجد أقوى من القول بوجوبها، وكون بعض الأدلة التي استدل بها الجمهور لا تسلم من المعارضة القوية، لا يعني ضعف القول بالاستحباب، فإنه يكفي أن يَسْلم للقول الراجح دليل واحد لا معارض له، وليس\n_________\n(^١). المجموع (٢/ ١٧٣).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ١٩٢).\nوقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٢/ ٩٦): «وقد اختلف السلف في جلوس المُحدث في المسجد فروي عن أبى الدرداء أنه خرج من المسجد فبال، ثم دخل وتحدث مع أصحابه ولم يمس ماءً، وعن على بن أبى طالب مثله، وروي ذلك عن عطاء، والنخعي، وسعيد بن جبير. وكره أن يتعمد الجلوس في المسجد على غير وضوء سعيدُ بن المسيب، والحسن البصري وقالا: يمر مَارًّا ولا يجلس فيه». وانظر: التوضيح لابن الملقن (٥/ ٥٢٨)،\n(^٣). فتح القدير لابن الهمام (١/ ١٦٥)، الفتاوى الهندية (١/ ٣٨)، التاج والإكليل (١/ ٤٦٣)، شرح الخرشي (١/ ١٧٤)، الإنصاف (١/ ٢٤٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٨٢)، كشاف القناع (٢/ ٣٦٨).\n(^٤). مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٧٤٠).","vol":"1","page":148},{"text":"من شرط القول الراجح أن تكون جميع أدلته سالمة من الاعتراض، وحسبي لضعف القول بالوجوب أن هذا الفقه عارٍ عن فقه الصحابة، وفقه التابعين، وفقه تابعيهم بإحسان، ولا يعرف هذا إلا بعد إدبار القرون الثلاثة المفضلة، فلو كانت واجبة لكان أولى من يقول بهذا الحكم من كان تعلقهم في المسجد أكثر من تعلقهم في بيوتهم، وأسواقهم، ولا تنزع الحكم من دليله حتى يكون محاطًا بنور من فهم الأئمة، ولا ترع سمعك لمن يقول لك: أقول لك قال رسول الله ﷺ وتقول: قال فلان وفلان، فإنما هذا رجل يدعوك لتقدم فهمه هو لكلام الرسول ﷺ على فهم أمة من السلف، هم أعلم بدلالات النصوص، ومعاني الألفاظ وأحكم في معرفة مقاصد الشريعة، وإن طالب العلم أوثق لدينه، وأحكم لفقهه أن يقدم فهم الأئمة للأدلة على فهمه هو، أو فهم متأخر لم يتجاوز في نظره لحكم النص على دلالة النص اللغوية، ولم يكلف نفسه النظر إلى عمل الصحابة، وهم أهل اللسان، وفهم الأئمة من أصحاب القرون المفضلة، وهم أهل الفقه والاستنباط، وإن اللغة العربية هي إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخص أو أعم من المعنى اللغوي، كما ذكرته لك عند الخلاف في معنى اشتمال الصماء، وكما أكدته لك عند كلامي على جراءة بعض المعاصرين في تحريم الأخذ من اللحية احتجاجًا بدلالة (أعفوا اللحى) اللغوية، وكما حصل انحراف المرجئة في تفسير الإيمان استنادًا إلى الحقيقة اللغوية، وليس هذا خاصًا في العبادات، فالربا لا يمكن فهمه استنادًا إلى اللغة، فهناك زيادة محرمة، وهناك زيادة مباحة، واللغة لا تفرق بين هذا وذاك، وكل البدع والتأويلات\nالفاسدة جاءت من خلال هذا المسلك، فلا تجد بدعة ولا تأويلًا فاسدًا إلا وتجد أن أهلها أتوا من اعتمادهم على ظواهر بعض النصوص أو بعض العمومات، ولم يستوفوا أدوات فهم النص من خلال تناول النص بفهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم بإحسان، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث التاسع في منزلة تحية المسجد من السنن</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل صلاة تكفيها نية الصلاة فقط فهي من النفل المطلق.\n• النفل المعين لا يكفيه نية الصلاة فقط، فهو يشتمل على نيتين: نية الصلاة وكونها وترًا أو راتبة.\n• النفل المعين أعلى من النفل المطلق.\n• النفل المعين بعضه أفضل من بعض، فراتبة الفجر أفضل من باقي السنن الرواتب؛ لكونها تصلى حضرًا وسفرًا، وتسقط بقية الرواتب في السفر.\n• إذا نوى تحية المسجد لم تُغْنِهِ عن السنة الراتبة، وإذا نوى نفلًا مطلقًا أغناه ذلك عن تحية المسجد، فلو كانت تحية المسجد سنة مؤكدة ما قام الأدنى مقام الأعلى.\n[م-٤٥٥] هذه المسألة تتنزل على قول من يرى أن تحية المسجد ليست واجبة، وأما من قال بوجوبها فلا مدخل لقوله في هذه المسألة:\nوقد اختلف العلماء في اعتبار تحية المسجد من السنن المؤكدة على قولين:\nفقيل: من النفل المؤكد، وعليه أكثر الحنفية، والصاوي من المالكية.\nفقد صرح بعض الحنفية بأن تحية المسجد من السنن (^١)، وهي أعلى من المستحب عندهم، بل قال ابن نجيم في البحر الرائق: «وقد حُكِيَ الإجماعُ على سنيتها» (^٢).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ١٥٧)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، مراقي الفلاح (ص: ١٤٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٩٤)، الدر المختار (ص: ٩٢)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨)، البحر الرائق (٢/ ٣٨).\n(^٢). البحر الرائق (٢/ ٣٨)، وانظر حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨).","vol":"1","page":150},{"text":"وعَدَّ ابن حزم تحية المسجد من النفل المؤكد، قال في المحلى: «ولولا البرهان الذي ذكرنا قبل بأن لا فرض إلا الخمس لكانت هاتان الركعتان فرضًا، ولكنها في غاية التأكيد» (^١).\nواختاره جماعة من المالكية، كأشهب، والصاوي وابن عاشر وغيرهم (^٢).\nقال القاضي عياض: «وعدها بعض أصحابنا في السنن» (^٣)، إشارة منه إلى أن المذهب على خلافهم، وسيأتي النقل عن مذهب المالكية في القول الثاني.\nوقيل: تحية المسجد ليست من النفل المؤكد، فقد عدها صاحب الخلاصة من الحنفية من المستحبات.\nوقال ابن نجيم: «ومن المندوبات تحية المسجد» (^٤).\nوالمندوب عند الحنفية أقل رتبة من السنن.\nقال ابن عابدين: «والمختار عدم الفرق بين المستحب والمندوب» (^٥).\n_________\n(^١). المحلى (٣/ ٢٧٧).\n(^٢). قال الدردير في الشرح الصغير (١/ ٤٠٥): «(وندب تحية المسجد) فعلق الصاوي في حاشيته، فقال: المناسب: وتأكد تحية المسجد؛ لأن تحية المسجد من جملة المتأكد، وإلا لم يكن لذكره بعد النفل معنى ...». وسيأتيك أن المالكية يقسمون التطوع إلى سنة، وفضيلة، ونافلة. وانظر قول ابن عاشر في حاشية الدسوقي (١/ ٣١٣)، فقد نقله، ولم يتعقبه، وانظر المنتقى للباجي (١/ ٢٢٦)، الذخيرة للقرافي (١٠/ ٢١٩).\n(^٣). إكمال المعلم (٣/ ٤٩).\n(^٤). البحر الرائق (٢/ ٥٥)، وقد ذكر الحنفية في ترتيب الاصطلاح عندهم أن المندوب شرع لإكمال السنة، والسنة لإكمال الواجب، والواجب لإكمال الفرض، فكان الترتيب عندهم الفرض وهو الأعلى، يليه الواجب، فالسنة، فالمندوب، والسنة على نوعين:\nسنن مؤكدة: وهي قريبة من الواجب، يضلل تاركها؛ لأن تركها استخفاف بالدين، كالجماعة، والأذان والإقامة، ولم يذكروا منها تحية المسجد.\nوسنن غير مؤكدة، وتركها لا يوجب ذلك.\nوالنفل ومنه المندوب والمستحب يثاب فاعله، ولا يسيء تاركه، ففرق الحنفية بين المسنون والمندوب، وهو تفريق اصطلاحي، لكنه يجعل النفل ومنه المندوب والمستحب من النفل غير المؤكد. انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٠٣).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":151},{"text":"واعتبر المالكية تحية المسجد من الفضائل، وهي دون السنن المؤكدة، وأعلى من النافلة، وهو اصطلاح خاص (^١).\nجاء في شرح الزرقاني على خليل نقلًا عن علي الأجهوري والمرموز له بـ (عج): «ولم أَرَ التصريح به» (^٢)، يقصد كون التحية من النفل المؤكد.\nوقال ابن دقيق العيد: «ظاهر مذهب مالك أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين النوافل والسنن والفضائل» (^٣).\nوإن كان ابن دقيق ليس من المالكية وإنما نقلت كلامه تأييدًا لما فهمته من مذهب المالكية، ليس إلا.\nوأما الشافعية فهم وإن لم يعتبروا تحية المسجد من النفل المطلق، فهم لم يدخلوها في النفل المؤكد (^٤).\n_________\n(^١). اصطلح المالكية على تقسيم الصلوات غير الواجبة إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: السنن وهي عندهم من النفل المؤكد: وهي: كل عبادة داوم النبي ﷺ على فعلها، أو أمر بفعلها، ولم يدل دليل على وجوبها، أو حض على فعلها، ورغب فيها، وأشاد بها وأشهرها، أو فعلها في جماعة، وهي: الوتر، وصلاة العيد، والكسوف، والاستسقاء.\nواختلفوا في إلحاق ركعتي الفجر، والأصح إلحاقها بالسنن المؤكدة، انظر منح الجليل (١/ ٢٨٢)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٦٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٣) و(٢/ ٨)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٣٠١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٧٥).\nالقسم الثاني: يقابل السنن النوافل: وهو ما قرر الشارع أن في فعله ثوابًا من غير أن يأمر النبي ﷺ به، أو يرغب فيه، كالتطوع المطلق غير المرتبط بوقت، ولا سبب، أو رغب فيه، ولم يداوم على فعله، ومثله كالنافلة قبل الظهر وبعده، وقبل العصر، وبعد المغرب، وقبل العشاء وبعده، وصلاة الضحى.\nالقسم الثالث: ما توسط بين هذين الطرفين، فأطلقوا عليه فضيلة، وهي خمس صلوات: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود التلاوة. ولست في معرض انتقاد هذا التقسيم؛ لأن المهم هنا هو تحرير مذهب المالكية.\nانظر شرح التلقين للمازري (١/ ٣٥٩، ٣٦٤، ٣٦٧)، المقدمات الممهدات (١/ ٦٤، ١٦٦)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٣٠)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٠١).\n(^٢). حاشية العدوي على الخرشي (٢/ ٥)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٤٩٤).\n(^٣). إحكام الأحكام (١/ ٢٨٧).\n(^٤). جاء في فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٦٨): «أفضل النفل صلاة عيد، ثم الكسوف، ثم خسوف، ثم استسقاء، ثم وتر، ثم ركعتا فجر، ثم باقي الرواتب، ثم التراويح، ثم الضحى، ثم ما يتعلق كركعتي الطواف والإحرام والتحية، ثم سنة الوضوء على ما يأتي، ثم النفل المطلق».\nفجعل النفل المطلق أقل النوافل، وقبله: سنة الوضوء، وقبلهما: (تحية المسجد وركعتا الإحرام والطواف) وهذه الثلاث على درجة سواء في الفضل، وكل هذه النوافل أقل من صلاة العيد والكسوف والاستسقاء، والوتر وركعتي الفجر وبقية الرواتب، والتراويح والضحى، فلا يمكن اعتبار تحية المسجد وسنة الوضوء من النفل المؤكد، وهي في هذا الترتيب بين النوافل. وانظر تحفة المحتاج (٢/ ٢٤٢)، مغني المحتاج (١/ ٤٥٩)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٢٤٨)، حاشية الجمل (١/ ٤٨٢).","vol":"1","page":152},{"text":"فالشافعية قسموا التطوع إلى سنن: وهي العيدان، والكسوف، والاستسقاء.\nوراتبة مؤكدة: وهي عشر ركعات، وهي: ركعتا الفجر، وركعتان قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء.\nونوافل مؤكدة: وهي ثلاث: صلاة الليل، وصلاة الضحى، وصلاة التراويح (^١).\nوليس منها تحية المسجد.\n• دليل من قال: تحية المسجد من النوافل المؤكدة:\n(ح-١٠٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،\nعن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (^٢).\n(ح-١٠٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،\nأن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (^٣).\nفإذا منع المصلي لحرمة الخطبة عن الاشتغال عنها، ولو بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم أمر بتحية المسجد والإمام يخطب فلا معنى لهذا إلا لتوكيد\n_________\n(^١). التذكرة في الفقه الشافعي لابن الملقن (١/ ٢٥)، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: ٨٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٩٣٠)، وصحيح مسلم (٥٤ - ٨٧٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٩٣٤)، وصحيح مسلم (١١ - ٨٥١).","vol":"1","page":153},{"text":"تحية المسجد.\nوكون تحية المسجد تتداخل مع بعض العبادات فلا يعني ذلك أنها ليست من النفل المؤكد، فهذا طواف الوادع يسقط بطواف الإفاضة إذا أخره الحاج على الصحيح، مع أن طواف الوادع طواف واجب خلافًا للمالكية، وغسل الجمعة يتداخل مع غسل الجنابة، مع أن القول بوجوب غسل الجمعة قول قوي جدًّا.\n• ويناقش:\nبأن التداخل بين العبادات باب أوسع من الحكم بأن هذه سنة مؤكدة، أو واجبة، ويدخل الأدنى بالأعلى، بشرط أن يكون الأدنى ليس مقصودًا لذاته، وليس العكس، فلو اغتسل بنية الجمعة ولم يَنْوِ رفع الحدث لم يرتفع حدثه، بخلاف العكس، فإذا نوى تحية المسجد لم تغنه عن السنة الراتبة، وإذا نوى نفلًا مطلقًا أغناه ذلك عن تحية المسجد، فإن كانت تحية المسجد سنة مؤكدة كيف قام الأدنى مقام الأعلى؟\n• وأما الجواب عن الاشتغال بالنفل المطلق عن سماع الخطبة:\nفأقول بهذه المسألة برأيي، والله أعلم بالصواب، قبل الجواب على هذه المسألة يجب أن نحرر: متى يجب على المصلي سماع الخطبة أيجب بمجرد الاستماع ولو كان خارج المسجد، أم يجب الاستماع بمجرد دخوله المسجد قبل أن يجلس، أم لا يجب الاستماع حتى يصلي تحية المسجد؟\nفإن قيل بالأخير فلا يصح أن يقال: اشتغل بسنة عن واجب، ونظير هذا الرجل يدرك الإمام قائمًا في الصلاة، ويغلب على ظنه أن القيام الباقي قد لا يسع إلا مقدار الفاتحة، ومع ذلك له أن يستفتح قبل الفاتحة، والاشتغال بالاستفتاح اشتغال بسنة عن ركن أو واجب، ولا تثريب عليه إذا فاتت في أحد قولي أهل العلم؛ لأن هذا هو الترتيب المأمور به في الصلاة، مع أنه لو ترك الاستفتاح متعمدًا لم تبطل صلاته في أصح قولي أهل العلم، والله أعلم.\n• وجه قول من قال: تحية المسجد ليست من النفل المؤكد:\nالصلاة جنس يدخل تحتها أنواع، فالفرض والنفل المؤكد كالسنن الراتبة مركبة من نيتين: نية الصلاة، ونية كونها راتبة أو وترًا.","vol":"1","page":154},{"text":"والنفل المطلق يحصل بنية مطلق الصلاة، فليس له صفةٌ زائدةٌ على أصل الصلاة فلا يحتاج إلى التعيين، فلو كانت تحية المسجد نفلًا مؤكدًا لاشترطت لها نية خاصة، كالرواتب، فلو نوى نفلًا مطلقًا أغناه عن تحية المسجد، ولو نوى تحية المسجد لن تغنيه عن راتبة الظهر، فلما كان الداخل للمسجد يكفيه للجلوس مطلق الصلاة دل على أنها من النفل المطلق.\nوالسنن المؤكدة في الغالب تطلب لذاتها، لهذا كانت أعلى رتبة من النفل المطلق، والله أعلم.\nوركعتا الإحرام وركعتا الطواف ودخول المسجد من العبادات التابعة لغيرها، لهذا لا تكون بمنزلة الرواتب، أو الوتر، بل وليست بمنزلة التهجد، وإن كان نفلًا مطلقًا؛ لأن هذه العبادة يتطلع لها الشارع لذاتها، ويقصدها المصلي بالصلاة، بخلاف تحية المسجد فإنه لا يقصدها المصلي، فلو دخل المسجد بعد طلوع الفجر كان عليه أن يصلي راتبة الفجر، لا تحية المسجد.\n• الراجح:\nالقولان فيهما قوة، والقول بأن تحية المسجد من النفل المطلق أقوى، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث العاشر تحية المسجد لمن صلى ركعتي الفجر في البيت</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يصح حديث في النهي عن النفل المطلق بطلوع الفجر، وأحاديث لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر لا يثبت منها شيء.\n• قال: ﷺ لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، مفهومه: أن ما قبل صلاة الفجر لا ينهى عن الصلاة فيه.\n• المنطوق إذا عارض المفهوم مقدم بشرط أن تكون الأحاديث صحيحة، فإذا كان منطوق هذه الأحاديث أباطيلَ ومناكيرَ، وغرائبَ وأفرادًا فلا يعارض بها مفهوم الأحاديث المقطوع بصحتها في الصحيحين وغيرهما، والتي بلغت حد التواتر.\n• كان بعض الصحابة يقضي حزبه إذا فاته من الليل بعد طلوع الفجر، وقبل الصلاة.\n• على القول بأن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر إلا في ركعتي الفجر، فإن تحية المسجد من ذوات الأسباب، فلا تدخل في النهي.\n[م-٤٥٦] اختلف العلماء في الرجل يصلي راتبة الفجر في بيته، فيدخل المسجد، أيصلي تحية المسجد أم لا؟\nفقيل: لا يركع، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وأحد القولين عن الإمام مالك، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي (^١).\n_________\n(^١). انظر في مذهب الحنفية: الأصل (١/ ١٥٧)، المبسوط (١/ ١٥٠)، الهداية في شرح البداية (١/ ٤٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٣٩)، عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للعيني (٥/ ١٤١)، مجمع الأنهر (١/ ٧٤).\nوقال بعض الحنفية: لو صلى ركعتين، وهو يظن أن الفجر لم يطلع فإنه يجزئه عن ركعتي\nالفجر، ولا ينبغي أن يعيد. انظر الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٧٠)،\nوانظر قول الإمام مالك في شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٧٠).\n\nوقد ذكر العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٨٨) ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية، أحدها: كالجمهور، يدخل وقت النهي في طلوع الفجر. والثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح، وهو أشهرها، قال النووي: وهو الصحيح، والثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر.، فقبل أن يصلي سنة الفجر له أن يتطوع بما شاء.","vol":"1","page":156},{"text":"قال ابن نجيم: «لو نوى تطوعًا كان عن سنة الفجر» (^١).\nوقيل: يركع، وهو أحد القولين عن مالك، ورجحه ابن عبد البر، وهو وجه في مذهب الشافعي، وعليه عامة أصحابه (^٢).\nوقيل: يركع تحية المسجد، ولو لم يركع سنة الفجر، فيصلي أولًا تحية، المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر، اختاره ابن عبد السلام من المالكية، وهذا القول أضعفها، والله أعلم (^٣).\n• سبب الخلاف:\nيرجع الاختلاف في هذه المسألة إلى الاختلاف في مسألة أخرى:\nفقد اختلفوا في وقت النهي، أهو متعلق بطلوع الفجر، أم أن النهي لا يبدأ حتى يصلي الصبح؟ لمفهوم حديث أبي سعيد: لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (^٤).\nفإن مفهومه: أن قبل صلاة الفجر لا ينهى عن الصلاة\nفمن قال: إن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر إلا في ركعتي الفجر، وكان لا يرى صلاة ذوات الأسباب، قال: تحرم النوافل بطلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهو\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٢٦٦).\n(^٢). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٧٠)، التمهيد (٢٠/ ١٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٤١٦)، طرح التثريب (٢/ ١٨٨)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٠)،\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٤١٦)، الفواكه الدواني (١/ ٢٠٣)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩٧).\n(^٤). صحيح البخاري (٥٨٦)، وصحيح مسلم (٢٨٨ - ٨٢٧).","vol":"1","page":157},{"text":"مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن الإمام أحمد، وهي المشهور من مذهبه (^١).\nقال ابن رجب: «وهذا قول جمهور العلماء ... وهو مذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه» (^٢).\nقال الترمذي في سننه: «وهو ما اجتمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر» (^٣).\nإلا أن مالكًا أذن في صلاة الوتر في حق من فاته وتره من الليل، بأن يصليه بعد طلوع الفجر، وقبل الفريضة (^٤).\nقال مالك في الموطأ: «وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر» (^٥).\nقال الباجي في المنتقى: «من أدرك الوتر قبل صلاة الصبح وبعد الفجر فقد أدرك وقته، إلا أنه وقت ضرورة، لا وقت اختيار» (^٦).\nوقد سبق بحث هذه المسألة في قضاء النوافل، ولله الحمد.\nومن رأى من العلماء أن طلوع الفجر ليس من أوقات النهي، أو كان يراه من أوقات النهي، ولكن يرى جواز ذوات الأسباب في أوقات النهي لم يمنع من صلاة تحية المسجد إذا صلى ركعتي الفجر بالبيت، وهذا هو الأقوى، وهو المشهور عند عامة أصحاب الشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية، والله أعلم (^٧).\n_________\n(^١). المبسوط للسرخسي (١/ ١٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ٨٧)، شرح البخاري لابن بطال (٣/ ١٥٣)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٩٤)، الكافي لابن عبد البر (١/ ١٩٥)، الخرشي (١/ ٢٢٣)، والتاج والإكليل (٢/ ٦٠)، الفواكه الدواني (١/ ٢٠٣)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٩/ ١٥٢)،\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٩).\n(^٣). سنن الترمذي (٢/ ٢٧٨).\n(^٤). التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٩٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٢٤)، الشرح الصغير للدردير (١/ ٢٤٣)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٣٢، ٣٣).\n(^٥). موطأ مالك (١/ ١٢٧).\n(^٦). المنتقى للباجي (١/ ٢٢٥).\n(^٧). شرح البخاري لابن بطال (٣/ ١٥٤)، التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ١٠٢).","vol":"1","page":158},{"text":"وقيل: لا يدخل وقت الكراهة حتى يصلي سنة الصبح، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية (^١).\n• دليل من قال: النهي يبدأ بعد صلاة الصبح:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٠٠) ما رواه مسلم من طريق يونس، أن ابن شهاب، أخبره، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي،\nأنه سمع أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (^٢).\nورواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به، بلفظ: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس) (^٣).\nفقوله: (لا صلاة بعد الفجر) له منطوق ومفهوم:\nفمنطوقه: النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، لأن النفي في معنى النهي، والتقدير: لا تصلوا.\nومفهومه: أن الصلاة قبل صلاة الفجر مأذون فيها، وهذا ما فهمه بعض الصحابة حيث كان يقضي حزبه إذا فاته من الليل بعد طلوع الفجر، وقبل الصلاة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٠١) وروى البخاري من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (^٤).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٣).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٨٨ - ٨٢٧).\n(^٣). صحيح البخاري (٥٨٦).\n(^٤). البخاري (٥٨٨).","vol":"1","page":159},{"text":"ورواه مسلم بهذا اللفظ من طريق الأعرج عن أبي هريرة (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٠٢) روى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية،\nعن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. هذا لفظ البخاري.\nورواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (لا صلاة بعد الصبح) أي بعد صلاة الصبح؛ لأنه لا بد من أداء صلاة الصبح وصلاة العصر، فتعين أن يكون المراد: لا صلاة بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، ولأن الإجماع منعقد أن النهي في العصر لا يبدأ من دخول وقت العصر، حتى يصلي العصر، ولو أراد بقوله: (بعد الصبح) أي بعد طلوع الصبح لاستثنى ركعتي الفجر والفرض، فلما لم يذكر ذلك في الأحاديث علم أنه أراد فعل الصلاة كما جاء مفسرًا في الأحاديث الصحيحة،\nفالأوقات المنهي عن الصلاة فيها على قسمين:\nمنها: ما يتعلق النهي فيه بالفعل، بمعنى أنه إن تأخر الفعل لم يُنْهَ عن الصلاة قبله، وإن تقدم في أول الوقت نُهِيَ عن الصلاة، وذلك في صلاة الصبح وصلاة العصر.\nوبناء عليه قد يختلف وقت الكراهة في الطول والقصر، ولحديث أبي هريرة: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة\n_________\n(^١). مسلم (٨٢٥).\n(^٢). البخاري (٥٨١).\nورواه مسلم (٨٢٦) من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة به.\nوأراد البخاري من هذا الطريق تصريح قتادة بالسماع، ورواية شعبة له، فإنه لا يحمل عن قتادة إلا ما صرح به بالسماع.","vol":"1","page":160},{"text":"من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.\nومنها: ما يتعلق النهي فيها بالوقت، لا بالفعل، كوقت طلوع الشمس إلى الارتفاع، ووقت شروعها في الغروب إلى أن تغرب، ووقت استوائها حتى تميل.\n• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد في وقت النهي:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٠٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن زيد ابن محمد، قال: سمعت نافعًا، يحدث عن ابن عمر،\nعن حفصة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر، لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين (^١).\nوجه الاستدلال:\nبأن الترك من النبي ﷺ سنة كالفعل، فما تركه النبي ﷺ كانت السنة تركه.\n• وأجيب:\nقال النووي في شرح مسلم: «ليس في هذا الحديث دليل ظاهر على الكراهة، إنما فيه الإخبار بأنه كان ﷺ لا يصلي غير ركعتي السنة ولم يَنْهَ عن غيرها» (^٢).\nوالنفل المطلق مأذون في فعله في كل وقت إلا ما جاءت السنة الصحيحة الصريحة في النهي عن الصلاة فيه، وليس منها طلوع الفجر، لمفهوم: لا صلاة بعد صلاة الفجر، فإن مفهومه الإذن بالصلاة قبل صلاة الفجر، وعلى التسليم بأن هذا وقت نهي فإنه لا يدخل فيه ما كان له سبب، ومنه تحية المسجد، وقد خصصت بحثًا خاصًّا في صلاة ذوات الأسباب في وقت النهي، وذكرت اختلاف العلماء، وأن الصحيح مذهب الشافعية في صحة صلاة ذوات الأسباب، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا قدامة بن موسى، حدثنا أيوب بن حصين التميمي، عن أبي علقمة، مولى عبد الله بن عباس،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٨٨ - ٧٢٣).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٣).","vol":"1","page":161},{"text":"عن يسار، مولى عبد الله بن عمر قال: رآني ابن عمر، وأنا أصلي بعدما طلع الفجر، فقال: يا يسار كم صليت؟ قلت: لا أدري، قال: لا دريت، إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، أن لا صلاة بعد الصبح إلا سجدتان (^١).\n[ضعيف جِدًّا، وروي عن ابن عمر موقوفًا، ولا يصح] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ١٠٤).\n(^٢). اختلف فيه على قدامة بن موسى:\nفقيل: عن وهيب، عن قدامة، عن أيوب بن حصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر مرفوعًا.\nأخرجه أحمد (٢/ ١٠٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦١) عن عفان.\nوالبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦١) من طريق أحمد بن إسحاق.\nوأبو يعلى (٥٦٠٨) حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي.\nوأبو داود في السنن (١٢٧٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦١)، و(٨/ ٤٢١) والدارقطني في السنن (١٥٥٠) عن مسلم بن إبراهيم.\nوالبيهقي (٢/ ٦٥٣) من طريق العلاء بن عبد الجبار، كلهم (عفان، وأحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن الحجاج، ومسلم بن إبراهيم والعلاء) خمستهم، عن وهيب به.\nوتابع وهيبًا حميد بن الأسود كما في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٦١).\nكما تابع وهيبًا أيضًا سليمان بن بلال، إلا أن سليمان قد اختلف عليه:\n\nفرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٥٣) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن قدامة بن موسى، عن أيوب بن الحصين بمثل رواية وهيب بن خالد.\nوخالف عبد الله بن وهب أبو بكر بن أبي أويس كما في التاريخ الكبير (١/ ٦١): فرواه عن سليمان، عن عبد الملك بن قدامة، عن قدامة بن موسى، عن عبد الله بن دينار، عن أبي علقمة مولى ابن عباس، وكان قاضيًا بإفريقية، قال: حدثني مولى عبد الله بن الصلت بعد الفجر، فقال ابن عمر: يا يسار كما صليت؟\nوالصواب رواية ابن وهب، لمتابعته رواية خالد بن وهيب وحميد بن الأسود.\nقال البيهقي في السنن (٢/ ٦٥٣): «أقام إسناده عبد الله بن وهب، عن سليمان بن بلال، ورواه أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، فخلط في إسناده، والصحيح رواية ابن وهب، فقد رواه وهيب بن خالد، عن قدامة، عن أيوب بن حصين التميمي، عن علقمة مولى ابن عباس، عن يسار مولى ابن عمر نحوه».\nوهذا الإسناد ضعيف، في إسناده أيوب بن حصين، لم يَرْوِ عنه إلا قدامة بن موسى، فهو =","vol":"1","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مجهول، قال الدارقطني كما في الميزان (١/ ١٣٩): مجهول، وكذا قال الحافظ ابن حجر، وقال الذهبي: لا يعرف، أما أبو علقمة مولى بن عباس فهو ثقة كان على قضاء أفريقية، وكذا يسار مولى ابن عمر ثقة.\nوقيل: عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ، قال: لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين.\nأخرجه الترمذي (٤١٩) وابن ماجه (٢٣٥)، والدارقطني (١٥٤٩)، والمروزي في قيام الليل كما في مختصره (ص: ١٩١)، حدثنا أحمد بن عبدة الضبي.\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٥٣)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٥/ ٨٣) من طريق قتيبة بن سعيد،\nوابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٠١) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، ثلاثتهم عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن قدامة بن موسى به.\nفهنا الدراوردي وافق وهيبًا وحميدًا وسليمان في إسناده إلا أنه خالفهم في اسم شيخ قدامة، فقالوا: أيوب بن حصين التيمي، وقال الدراوردي: محمد بن الحصين التيمي. والدراوردي خفيف الضبط، صدوق سَيِّئ الحفظ إذا حدث من حفظه، وأما كتابه فصحيح.\nوقيل: عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة مولى ابن عباس، قال: رأى ابن عمر يسارًا مولى ابن عمر ... فصار من رواية أبي علقمة، عن ابن عمر.\nذكره البخاري معلقًا في التاريخ الكبير (٨/ ٤٢١)، فوافق الدراوردي في ذكر محمد بن الحصين، وخالف في إسناده جميع من سبق، فإنهم يروونه عن أبي علقمة، عن يسار، عن ابن عمر ﵄، ورواه عن أبي علقمة أن ابن عمر رأى يسارًا.\nوقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٥): «محمد بن حصين التميمي، وقال بعضهم: أيوب بن حصين، ومحمد بن حصين: أصح».\nوقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٢٩): «يرويه قدامة بن موسى، واختلف عنه؛\nفرواه الدراوردي، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة، مولى ابن عباس، عن يسار، مولى ابن عمر، عن ابن عمر.\nوتابعه عمر بن علي المقدمي.\nوخالفهم سليمان بن بلال، ووهيب، فروياه عن قدامة بن موسى، عن أيوب بن الحصين، عن أبي علقمة، عن يسار، عن ابن عمر .... .ويشبه أن يكون القول قول سليمان بن بلال ووهيب، لأنهما ثبتان».\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٣٨٠): فقد اختلف قول ابن أبي حاتم وقول الدارقطني، والله أعلم بالصواب». وانظر البدر المنير (٣/ ٢٩٢).\nقلت: هذا الاختلاف غير مؤثر، لأن شيخ ابن قدامة مجهول، أكان أيوب بن الحصين، أم كان =","vol":"1","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= محمد بن الحصين، والاختلاف في اسمه، لا في عينه، لاتفاقهم على اسم أبيه. والله أعلم.\nوقد رواه يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن محمد بن أبي أيوب، عن أبي علقمة، عن عبد الله بن عمر أنه رأى مولى له -يقال له يسار- يصلي بعد الفجر فنهاه ... وذكر نحوه.\nأخرجه أبو يعلى (٥٧٤٥) من طريق عبد الله بن وهب.\nوالطبراني في الكبير (١٢/ ٣٤١) ح ١٣٢٩١، وفي الأوسط (١٨١)، من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن محمد بن أبي أيوب به.\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن محمد بن أبي أيوب إلا عبيد الله بن زحر، تفرد به يحيى بن أيوب\nوهذا إسناد منقطع، ليس فيه يسار مولى ابن عمر، ويحيى بن أيوب ليس بالقوي، وعبيد الله بن زحر ضعيف، ومحمد بن أبي أيوب لا يعرف وقد حمله ابن حجر على محمد بن الحصين، قال ابن حجر في التهذيب (٩/ ١٢٢): «وروى يحيى بن أيوب المصري عن عبيد الله بن زحر عن محمد بن أبي أيوب المخزومي عن أبي علقمة، فإن كان هو فيستفاد رواية عبيد الله بن زحر عنه، ويرجح أن اسمه محمد، وأما أبوه فهو حصين، وكنيته أبو أيوب، فلعل من سماه أيوب وقع له غير مسمى فسماه بكنية أبيه».\nوقيل: عن قدامة بن موسى، أخبرني رجل من بني حنظلة، عن أبي علقمة، عن يسار بن نمير، مولى عبد الله بن عمر، قال: رآني ابن عمر ... وذكر نحوه.\nرواه عبد الله بن عمر الطرسوسي في مسنده (٣٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٦٥٣) من طريق عثمان بن عمر بن فارس، عن قدامة بن موسى.\nوذكره البخاري معلقًا في صحيحه (١/ ٦١).\nفأبهم عثمان بن عمر شيخ قدامة بن موسى، ووافق الجماعة في جعله من رواية يسار، عن ابن عمر.\nوقيل: عن قدامة بن موسى، عن شيخ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين.\nأخرجه أحمد (٢/ ٢٣) عن وكيع، عن قدامة به.\nوعلقه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٦٢)، قال: وقال وكيع، عن قدامة، عن شيخ به.\nوقيل: عن قدامة، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، عن ابن عمر.\nذكره البخاري معلقًا في التاريخ الكبير (١/ ٦٢).\nفتبين من هذا الإسناد أن فيه اختلافًا كثيرًا، فإن أمكن الترجيح، والقول بتقديم رواية وهيب بن خالد، وحميد، وسليمان بن بلال، والدراوردي، فإن الإسناد في هذه الطرق ضعيف لجهالة شيخ قدامة بن موسى، سواء أقيل في اسمه: أيوب أم محمد بن حصين، وإلا فهو مضطرب، والله أعلم.\nقال الترمذي: «حديث ابن عمر: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى، وروى عنه غير واحد». =","vol":"1","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٠٢): «في هذا الإسناد مجهولون لا تقوم بهم حجة».\nوضعفه الأشبيلي في الأحكام الكبرى (٢/ ٣٩٤).\nوله طرق أخرى عن ابن عمر، بعضها موقوف، وبعضها مرفوع، ولا يصح منها شيء، من ذلك:\nالطريق الأول: موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٧٦٠) عن أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٠٢): «وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ... وذكر الحديث، قال: وأظن أبا بكر هذا هو ابن أبي سبرة وهو أيضًا ضعيف لا يحتج به».\nقلت: أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، رجل متروك، واتهم بالوضع.\nالطريق الثاني: رواه محمد بن النيل الفهري، واختلف عليه:\nفرواه الليث بن سعد، قال: حدثنا محمد بن النيل الفهري، عن عبد الله بن عمر، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، والناس يصلون بعد طلوع الفجر، فقال: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٢٩) ح ١٤١٣٢، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٥١) من طريق عبد الله بن صالح (كاتب الليث)،\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٨١٨) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد به.\nومحمد بن النيل الفهري، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١٠٨) وسكت عليه، وقال: روى عن ابن عمر، وأدخل يحيى بن أيوب بينه وبين ابن عمر أبا بكر بن يزيد بن سرجس. اهـ ولم يوثقه إلا ابن حبان ذكره في الثقات (٥/ ٣٧٩)، فهو مجهول، وليس له إلا هذا الحديث.\nوخالفه سعيد بن أبي مريم، فقال: حدثنا يحيى بن أيوب: حدثنا محمد بن النيل؛ أن أبا بكر بن يزيد بن سرجس حدثه؛ أن عبد الله بن عمر رأى مولًى له -يقال له: يسار- يصلي بعد طلوع الفجر، فقال: ما هذه الصلاة؟ قال: شيء بقي عليَّ من حزبي، فقال ابن عمر: خرج علينا رسول الله ﷺ بعد صلاة الفجر، فقال: إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتين، فليبلغ الشاهد الغائب.\nأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٥١)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٣٣٠) ح ١٤١٣٣، وأبوبكر بن يزيد بن سرجس مجهول.\nالطريق الثالث: ما رواه الطبراني في الأوسط (٧١٨٩) من طريق عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد الفجر إلا الركعتين قبل صلاة الفجر.\nوإسناده ضعيف جِدًّا، عبد الله بن خراش متروك.\nالطريق الرابع: رواه حجاج بن أرطاة، واختلف عليه فيه:\nفرواه هشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٣٧٠)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٩٩)، قال: أخبرنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا صلاة بعد ركعتي الفجر حتى يصلي الفجر.\nوحجاج متفق على ضعفه، ومدلس، وأين أصحاب نافع عن هذا الأثر؟\nورواه أبو خالد الأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٣٦٩)، عن حجاج، عن أبي محمد اليماني، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس، قالا: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.\nوهذا التخليط من حجاج، والله أعلم.\nالطريق الخامس: عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن حاطب، سمع أبا سعيد، قال: شهدت عروة بن الزبير وابن عمر يتحدثان عند المقام، فجاء أعرابي فصلى يركع ويسجد، فناداه ابن عمر: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين، فصلِّ بعد ذلك ما بدا لك.\nأخرجه البخاري في باب الكنى من التاريخ الكبير (٩/ ٣٥)، وأبو سعيد مجهول.\nفهذه الكثرة من طرق الحديث لا تغر الباحث، خاصة أنها قد تفرد بها المجاهيل والمتروكون، وأما الموقوف فقد تفرد به حجاج على اختلاف عليه في إسناده، وهو لو لم يُخْتلف عليه لم يشد به الإسناد الضعيف جدًّا، فكيف وقد اختلف على حجاج، والله أعلم.","vol":"1","page":165},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١١٠٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر (^١).\n[ضعيف تفرد به ابن زياد الأفريقي على اختلاف عليه في إسناده] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٤٧٥٧).\n(^٢). رواه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، واختلف عليه فيه:\nفرواه الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٤٧٥٧)، والمعجم الكبيرللطبراني (١٤/ ٥٥) ح ١٤٦٤٨، والدارقطني في السنن (٩٦٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٥٤).\nوعبد الله بن وهب كما في مُوَطَّئِهِ (٣٤٥)، وجامعه (٣٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٥٤)،\nوعيسى بن يونس في قيام الليل كما في مختصره (ص: ١٩١)،\nوعبد الله بن يزيد المقرئ في مسند البزار كما في كشف الأستار (٧٠٣)، ومسند ابن أبي عمر العدني كما في المطالب العالية (٢٩٤).\nوأبو معاوية محمد بن خازم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٣٦٨)، وفي مسنده، كما في إتحاف الخيرة (٨٦١)، والمطالب العالية (٢٩٤)،\nويعلى بن عبيد كما في المنتخب من مسنده (٣٣٣).\nوالأعمش كما في تاريخ أصبهان (١/ ٣٨٦)، كلهم (الثوري، وابن وهب، وعيسى، والمقرئ، وابن خازم، ويعلى، والأعمش) سبعتهم رووه عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، ...\nعن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\nخالفهم جعفر بن عون كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ٣٩٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٥٤) فرواه عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: لا صلاة بعد أن يصلى الفجر إلا ركعتين. هذا لفظ البيهقي.\nولفظ الأوسط: لا صلاة بعد أن مضى الفجر إلا ركعتي الفجر.\n\nوجعفر بن عون صدوق، وقد خالف من هم أوثق منه، وأكثر عددًا، إلا أن ضعف الحديث ليس منه، بل من الأفريقي، والأكثر على ضعفه، قال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٥٤): «وهو بخلاف رواية الثوري، وابن وهب في المتن والوقوف، والثوري أحفظ من غيره إلا أن عبد الرحمن الأفريقي غير محتج به».\nوقد جاء الحديث من طريق أخرى، رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتين.\nرواه الطبراني في الأوسط (١٥٢١)، وفي مسند الشاميين (٢٧٧٨) من طريق رواد بن الجراح، عن سعيد بن بشير، عن مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب به.\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن مطر إلا سعيد، تفرد به رواد. اهـ\nقلت: الثلاثة ضعاف، فسعيد بن بشير، وشيخه مطر الوراق ضعيفان، ورواد اختلط بآخرة فترك حديثه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الناس.","vol":"1","page":166},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١١٠٦) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن حرملة،\nعن ابن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي الفجر (^١).\n[روي مرسلًا، وموصولًا، ومقطوعًا من قول سعيد، وهو الأرجح] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٤٧٥٦).\n(^٢). في إسناده عبد الرحمن بن حرملة، قال عن نفسه: كنت سيئ الحفظ، فسألت سعيد بن المسيب، فرخص لي في الكتاب. تاريخ ابن أبي خيثمة (٣٠٩٨)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٢٣).\nوقال على يعني ابن المديني: قال يحيى يعني القطان: محمد بن عمرو أعلى من سهيل بن أبى صالح، وهو عندي فوق عبد الرحمن بن حرملة.\nقال على: فقلت ليحبى: ما رأيت من عبد الرحمن بن حرملة؟\nقال: لو شئت أن ألقنه لفعلت، قال: كان يُلقَّن؟ قال: نعم. العلل الصغير للترمذي (ص: ٧٤٤)، الضعفاء الكبير للعقيلي (٢/ ٣٢٨).\nروى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة، وفي التقريب: صدوق ربما أخطأ. =","vol":"1","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nقد اختلف على ابن أبي حرملة:\nفقد رواه سفيان الثوري كما في المصنف (٤٧٥٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٥٤).\nوالأوزاعي كما في مجموع مصنفات أبي العباس الأصم (٩٠)، كلاهما عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.\nورواه عبد الرزاق في مصنف (٤٧٥٥)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٥٤) من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين) كلاهما عن الثوري، عن أبي رياح، عن ابن المسيب، أنه رأى رجلًا يكرر الركوع بعد طلوع الفجر فنهاه، فقال: يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة.\nوأبو رياح، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٧٢)، وأنه روى عن سعيد بن المسيب، وروى عنه الثوري حديثين، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا، فهو مجهول.\n\nورواه أبو معاوية محمد بن خازم، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، قال: رآني سعيد بن المسيب، وأنا أصلي بعض ما فاتني من الليل بعدما طلع الفجر، فقال: أما علمت أن الصلاة تكره هذه الساعة إلا ركعتين قبل صلاة الفجر؟\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٣٧١) حدثنا أبو معاوية به.\nوأبو معاوية ثقة في الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، وهذا الأثر مقطوع على سعيد بن المسيب، وإسناده أقوى من إسناد ابن حرملة.\nوخالفهم إسماعيل بن عمرو البجلي، فرواه عن الثوري، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين.\nأخرجه الطبراني في حديثه لأهل البصرة بانتقاء ابن مردويه (١٤٠)، قال: حدثنا الفضل بن أحمد الأصبهاني: حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي به.\nوالفضل بن أحمد الأصبهاني، قال أبو الشيخ: حدث عن إسماعيل بن عمرو بأحاديث كثيرة كان يسرقها، ويضعها على إسماعيل بن عمرو، فاتفق أبو إسحاق وأبو أحمد ومشايخنا على ترك حديثه، وأنه كذاب. طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٥٧٠).\nوإسماعيل بن عمرو البجلي، صاحب غرائب ومناكير عن الثوري وغيره. انظر لسان الميزان (٢/ ١٥٥).\nوجاء الحديث من مسند أبي هريرة من غير طريق حرملة:\nفقد رواه الطبراني في الأوسط (٨١٦) من طريق أحمد بن عبد الصمد الأنصاري،\nوابن عدي في الكامل (١/ ٤٩٠) من طريق علي بن عمرو الأنصاري، كلاهما عن إسماعيل بن قيس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا طلع الفجر، فلا صلاة إلا ركعتي الفجر.\nقال الطبراني: لم ير هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، إلا إسماعيل بن قيس، تفرد به أحمد ابن عبد الصمد. اهـ.\nوقال ابن عدي عن إسماعيل بن قيس: عامة ما يرويه مناكير.\nوقال البخاري والدارقطني: منكر الحديث. التاريخ الكبير (١/ ٣٧٠)، لسان الميزان (٢/ ١٦٠).\nوقال أبو حاتم: مدني ضعيف الحديث، منكر الحديث، يحدث بالمناكير، لا أعلم له حديثًا. قائمًا. الجرح والتعديل (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":168},{"text":"• وأجاب أصحاب هذا القول عن أدلة أصحاب القول الأول:\nأن الاستدلال بأحاديث: لا صلاة بعد صلاة الصبح استدلال بالمفهوم.\nوحديث: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر استدلال بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.\n• ويجاب عن ذلك من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن المنطوق مقدم إذا عارض المفهوم بشرط أن تكون الأحاديث صحيحة، فإذا كان منطوق هذه الأحاديث أباطيل ومناكير، وغرائب وأفرادًا فلا يعارض بها مفهوم الأحاديث المقطوع بصحتها في الصحيحين وغيرهما، والتي بلغت حد التواتر.\nالوجه الثاني:\nلا نسلم أن التعارض بين منطوق ومفهوم، بل جاء الإذن بالصلاة إلى صلاة الصبح منطوقًا من حديث عمرو بن عبسة، ومن حديث عبد الله بن مغفل.\n(ح-١١٠٧) فقد روى أبو داود في سننه، قال: حدثنا الربيع بن نافع: حدثنا محمد بن المهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة،\nعن عمرو بن عبَسَة السُّلمي؛ أنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الليلِ أسمعُ؟ قال: جوف الليل الآخر، فصلِّ ما شئتَ، فإن الصلاةَ مشهودةٌ مكتوبةٌ، حتى تُصَلِّيَ الصبح ... وذكر الحديث، هذا لفظ أبي داود (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (١٢٧٧).\n(^٢). حديث عمرو بن عبسة له طرق كثيرة، من هذه الطرق:\nالطريق الأول: عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي.\nأخرجه أبو داود (١٢٧٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٣٨)، والطبراني =","vol":"1","page":169},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في الأوسط (٤٢٢)، ومسند الشاميين (١٤١٠)، وابن خزيمة (٢٦٠)، والحاكم (٥٨٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٦٨)، وفي السنن الصغير له (١/ ٣٢٤) من طريق العباس بن سالم، عن أبي سلام به. وهذا إسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات.\nوتابع يحيى بن أبي عمرو السيباني، العباس بن سالم.\nأخرجه أحمد (٤/ ١١١) حدثنا أبو اليمان.\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٣٠) حدثنا الحوطي،\n\nوالطبراني في الدعاء (١٢٩)، وفي مسند الشاميين (٨٦٣) والآجري في الشريعة (٩٧٧) وأبو نعيم في الدلائل (١٩٨) من طريق إبراهيم بن العلاء الحمصي،\nوالخطابي في غريب الحديث (١/ ١٣٤) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك،\nوابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٥١) من طريق إبراهيم بن مروان الدمشقي، كلهم عن إسماعيل ابن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي سلام الدمشقي، وعمرو بن عبد الله السيباني، أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة السلمي به.\nوهذا إسناد صحيح، وابن عياش روايته عن أهل الشام مستقيمة، وهذا منها،\nورواية أحمد والآجري وأبو نعيم والخطابي لم يذكروا الحديث بتمامه، فليس فيه موضع الشاهد، وقد رواه تَامًّا كل من الطبراني وابن عبد البر، وقد وهم فيه ابن عياش في ذكر ابتداء وقت النهي في الصبح والعصر، فقد جاء فيه: (والصلاة مشهودة متقبلة حتى تطلع الشمس، فإذا رأيتها خرجت كالجحفة فاقصرعندها) وقال في العصر: (فإذا فاء الفيء فصلِّ فإن الصلاة مشهودة حتى تغرب الشمس).\nويستفاد من رواية إسماعيل بن عياش التصريح بسماع أبي سلام الدمشقي من أبي أمامة.\nوقول ابن أبي حاتم في المراسيل (٨١٣): «ممطور أبو سلام الأعرج الحبشي، الدمشقي، روى عن ثوبان، والنعمان بن بشير، وأبي أمامة، وعمرو بن عبسة مرسل».\nفقوله: (مرسل) ترجع إلى عمرو بن عبسة، لا إلى جميعهم، بدليل ما نقله ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن أبيه (٨/ ٤٣١): «روى عن ثوبان، والنعمان بن بشير، وأبي أمامة، وسُلمى مولى رسول الله ﷺ: وروى عن عمرو بن عبسة مرسل».\nوخالف عبد الله بن العلاء العباس بن سالم ويحيى بن عمرو السيباني، فرواه عن أبي سلام الأسود، سمعت عمرو بن عبسة مرفوعًا بإسقاط أبي أمامة.\nرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٢٦، ١٣٢٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٨٠٣، ٨٠٦)، وفي الدعاء (١٣٤) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء، حدثنا أبو سلام الأسود، قال: سمعت عمرو بن عبسة.\nوأبو سلام لم يسمع من عمرو بن عبسة، أفاده أبو حاتم كما في العلل لابنه (٣/ ٣٣٠)، وذكروه مختصرًا ولم يذكروا فيه أوقات النهي، والمحفوظ رواية العباس بن سالم ويحيى بن =","vol":"1","page":170},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي عمرو السيباني بذكر أبي أمامة واسطة بين أبي سلام وعمرو بن عبسة.\nالطريق الثاني: عن أبي يحيى سليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبي طلحة نعيم بن زياد، قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي، يقول: سمعت عمرو بن عبسة به.\nأخرجه الترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي في المجتبى (١٤٧، ٥٧٢)، وفي الكبرى (١٥٥٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٧)، والطبراني في الدعاء (١٢٨)، وابن خزيمة في صحيحه (١١٤٧)، والحاكم في المستدرك (١١٦٢، ٤٤١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٦) من طريق معاوية بن صالح، قال: أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت عمرو بن عبسة، يقول: قلت: يا رسول الله، هل من ساعة أقرب من الأخرى أو هل ساعة يتقى ذكرها؟، قال: نعم إن أقرب ما يكون العبد من الرب جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار؛ فإنها ساعة تفتح أبواب جهنم، وتسجر فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس فإنها تغيب بين قرني الشيطان، وهي ساعة صلاة الكفار. هذا لفظ النسائي، واختصره الباقون.\nومعاوية بن صالح احتج به مسلم دون البخاري، وله أوهام، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يرضاه، وكان ابن مهدي يحدث عنه، ولينه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. ومن أوهامه في هذا الحديث قوله: (أقرب ما يكون العبد من الرب جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة إلى طلوع الشمس) وقوله: (دع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس) فإن المحفوظ في هذا الحديث: (فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي الصبح).\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٣): «وهو حديث صحيح، وطرقه كثيرة حسان شامية، إلا أن قوله في هذا الحديث: ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس، قد خالفه فيه غيره في هذا الحديث، فقال: ثم الصلاة مشهودة متقبلة حتى يصلي العصر، وهذا أشبه بالسنن المأثورة في ذلك».\nواختلف على سليم بن عامر،\nفرواه عنه معاوية بن صالح كما سبق، عن سليم بن عامر وغيره، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، وهو المحفوظ.\nورواه حريز بن عثمان، حدثنا سليم بن عامر، عن عمرو بن عبسة به، بإسقاط أبي أمامة.\nرواه أحمد (٤/ ٣٨٥)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٢٩٧)، وابن الأعرابي في معجمه (١٢٢)، وابن بطة في الإبانة (١٧٢) وفيه: (إن الله ﷿ يتدلى في جوف الليل الآخر فيغفر إلا ما كان =","vol":"1","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من الشرك والبغي، فالصلاة مشهودة محضورة، فصلِّ حتى تطلع الشمس .... فإذا فاء الفيء، فصلِّ، فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلي الشمس للغروب ....).\nهذا لفظ أحمد، وسليم بن عامر لم يدرك عمرو بن عبسة، قاله ابن أبي حاتم في المراسيل (٣١٠)، فهو إسناد منقطع، وقوله: (صَلِّ حتى تطلع الشمس) و(حتى تدلي الشمس للغروب) وهم، لا أدري ممن هذا الوهم، مخالف لرواية أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، فإنه قال: (صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح) وقال في العصر: (فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة حتى تصلي العصر)، هذا هو الموافق للأحاديث المتواترة في النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر.\nالطريق الثالث: عن شداد بن عبد الله أبي عمار - وكان قد أدرك نفرًا من أصحاب النبي ﷺ- قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة ... وذكر حديثًا طويلًا عن عمرو بن عبسة، وفيه مما هو موضع الشاهد: ... قلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظلُّ بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار ... وذكر بقية الحديث.\nرواه مسلم (٢٩٤ - ٨٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٣٧) من طريق النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة به.\nورواه أحمد (٤/ ١١١) قال: حدثنا غندر،\nوأخرجه أيضًا (٤/ ١١٢) حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ،\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٢٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٧، ٦٦٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (١٨٧٧)، وابن خزيمة (١٦٥)، والسراج في مسنده (١٥١٨)، وفي حديثه (٢٢٧٩)، والدارقطني (٣٧٨)، والحاكم في مستدركه (٤٤٢٠)، من طريق أبي الوليد الطيالسي.\nوأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٩٧٧) من طريق يزيد بن عبد الله بن يزيد بن ميمون بن مهران، كلهم (غندر، وعبد الله بن يزيد، وأبو الوليد الطيالسي، ويزيد بن عبد الله) رووه عن عكرمة بن عمار، عن شداد وحده، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة.\nورواية مسلم هذه ومن وافقه تبين أن المحفوظ في إسناده ذكر أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة، كما هي رواية أبي سلام، عن أبي أمامة، كما تبين وهم من أغفل ذكر وقت النهي بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، وجعل الأمر بالصلاة ممتدًّا إلى طلوع الشمس، وإلى غروبها، وأن المحفوظ في النهي عن الصلاة مقتصر على ما بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر. =","vol":"1","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الرابع: عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة.\nأخرجه أحمد (٤/ ١١١) من طريق حماد بن سلمة، يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، قال: أتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله من أسلم معك؟ فقال: حر وعبد يعني أبا بكر وبلالًا، فقلت: يا رسول الله علمني مما تعلم وأجهل، هل من الساعات ساعة أفضل من الأخرى؟ قال: جوف الليل الآخر أفضل، فإنها مشهودة متقبلة حتى تصلي الفجر، ثم انهه حتى تطلع الشمس ما دامت كالحجفة حتى تنتشر، فإنها تطلع بين قرني شيطان، ويسجد لها الكفار، ثم تصلي، فإنها مشهودة متقبلة حتى يستوي العمود على ظله، ثم انهه، فإنها ساعة تسجر فيها الجحيم، فإذا زالت فَصَلِّ، فإنها مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم انهه حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، ويسجد لها الكفار، وكان عمرو بن عبسة، يقول: أنا ربع الإسلام.\nوالحديث رواه حماد بن سلمة كما في مسند أحمد (٤/ ١١١، ١١٤)، والدعاء للطبراني (١٣١)،\nوأخرجه شعبة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٣)، وفي مسنده (٧٥٥)، ومسند أحمد (٤/ ١١٣)، وسنن ابن ماجه (٢٨٣، ١٢٥١،) والمجتبى من سنن النسائي (٥٨٤)، وفي السنن الكبرى له (١٥٧٣)، وابن ماجه (٢٨٣، ١٢٥١، ١٣٦٤)، والطبراني في الدعاء (١٣٢)، كلاهما (حماد بن سلمة، وشعبة) عن يعلى بن عطاء به.\nوهذا إسناد ضعيف، يزيد بن طلق لم يَرْوِ عنه غير يعلى بن عطاء، ولم يوثقه غير ابن حبان، فهو مجهول، وقد جهله الحافظ في التقريب، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف.\nوابن البيلماني ضعيف، قال صالح جزرة: حديثه منكر، ولا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا سُرَّق. اهـ انظر تهذيب التهذيب (٢/ ٤٩٣).\nوقال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٥/ ٢١٦): هو لين. وقال الدارقطني: ضعيف، لا تقوم به حجة. تهذيب التهذيب (٢/ ٤٩٣). ...\nالطريق الخامس: عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة، وذكر حديثًا طويلًا، وفيه: ... ثم الصلاة مكتوبة مشهودة حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا الركعتين حتى تصلي الفجر، فإذا صليت صلاة الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس .... فإذا مالت فالصلاة مكتوبة مشهودة حتى تغرب الشمس ....).\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٥٧)، وأحمد (٤/ ٣٨٥)، وابن ماجه (٢٧٩٤)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٣٠٠)، وأمالي بن بشران الجزء الأول (٥٦٦)، عن حجاج بن دينار، عن محمد بن ذكوان الطاحي (ضعيف)، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن عبسة به. =","vol":"1","page":173},{"text":"(ح-١١٠٨) ورواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة به: وفيه: ... صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان ... الحديث (^١).\nفحديث عمرو بن عبسة منطوقه: الأمر بالصلاة من جوف الليل حتى يصلي الصبح، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عمر وابن عمرو: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، والتعارض بينهما في المنطوق.\nومن صحح حديث ابن عمر وابن عمرو إنما صححهما بالمجموع، وإلا فكل\n_________\n= ورواه ابن نصر في الصلاة (٦٤٤) من طريق محمد بن ذكوان، عن عبيد بن عمير، عن عمرو بن عبسة. ...\nولحديث شهر علل كثيرة، منها: أنه لم يسمع من عمرو بن عبسة، إنما يحدث به عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة، انظر المراسيل لابن أبي حاتم (٣٢٤)، ومنها ضعف ابن ذكوان، ومنها وهمه في ذكر وقت النهي بطلوع الفجر، فإن هذا لا يعرف من حديث عمرو بن عبسة، بل المحفوظ خلافه، وقد رواه شهر بن حوشب من غير هذا الطريق مقتصرًا فيه على فضل الطهور إلا أني أعرضت عن تخريجه لأن موضع الشاهد، وهو بيان وقت النهي لم يذكره على كثرة اضطراب شهر في إسناده ومتنه.\nالطريق السادس: عن أبي إدريس الخولاني، عن عمرو بن عبسة.\nروى الطبراني في الأوسط (٦٩٦٤)، وفي الدعاء (١٣٠) حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد، حدثني أبي، عن جدي، ثنا علي ابن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، أن أبا إدريس الخولاني أخبره، أن عمرو ابن عبسة أخبره أنه سأل رسول الله ﷺ، أي الليل خير الدعاء؟ فقال رسول الله ﷺ: «جوف الليل الآخر، ثم قال: «صَلِّ ما شئت حتى تصلي صلاة الصبح، ثم اقتصر حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع في قرن الشيطان، وحينئذٍ يسجد الكفار لها ثم صَلِّ إذا شئت، حتى إذا انتصف النهار فاقتصر، فإن جهنم تسجر حينئذٍ، فإذا فاء الفيء فَصَلِّ ما شئت حتى تصلي العصر، ثم اقتصر، فإن الشمس تغرب في قرن الشيطان، وحينئذٍ يسجد الكفار لها.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة خلف بن عبد العزيز بن عثمان بن جبلة بن أبي رواد، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٧١)، وسكت عليه.\nوتفرده بهذا الإسناد لا يقبل منه، فهو غريب من حديث أبي قلابة، ومن حديث يحيى بن أبي كثير، وهذان لهما طلاب يعتنون بمروياتهما، والله أعلم.\nهذا ما تيسر من طرق الحديث، والله أعلم. راجع فضل الرحيم الودود (١٤/ ٢١٦).\n\n(^١). صحيح مسلم (٢٩٤ - ٨٣٢).","vol":"1","page":174},{"text":"أسانيدها تدور على مجاهيل ومناكير وغرائب وأفراد، وتفرد مثل هؤلاء بالحديث لا يزيده إلا ضعفًا، فكيف إذا انضم إلى ذلك موافقة منطوق حديث عمرو بن عبسة لمفهوم الأحاديث المتواترة والتي تقول: لا صلاة بعد صلاة الصبح، فإن مفهومها أن الصلاة قبل صلاة الصبح مأذون فيها، والله أعلم، كما أن منطوق حديث عمرو بن عبسة موافق لمنطوق حديث عبد الله بن مغفل: بين كل أذانين صلاة، وهو في الصحيحين (^١).\nالوجه الثالث:\nأن وقت النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر معلق على فعل الصلاة لا على الوقت؛ ولهذا كان الوقت وقتًا للفريضة ولو ضاق الوقت عن فعلها، لحديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ولأن الحكمة من النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر أن الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها، وهذا لا يكون من طلوع الفجر، ولم يعلل النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر؛ لأن النهي عنه سدٌّ لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلو فتح الباب للتطوع بعد صلاة الصبح لم يؤمن التمادي فيها إلى حين طلوع الشمس وغروبها، فالمقصود بالنهي أصالةً هو وقت الطلوع والغروب لما في السجود حينئذٍ من مشابهة سجود الكفار في الصورة، وهذا لا يصدق على الوقت ما قبل صلاة الصبح والعصر، ولقوله ﵊: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها (^٢).\n(ح-١١٠٩) وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع،\nكان ابن عمر يقول: أما أنا فإني أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، وأما أنا فلا أنهى أحدًا أن يصلي ليلًا أو نهارًا لا يتحرَّى طلوع الشمس ولا غروبها،\n_________\n(^١). رواه البخاري (٦٢٧) ومسلم (٣٠٤ - ٨٣٨) من طريق كهمس بن الحسن،.\nورواه البخاري (٦٢٤) ومسلم (٨٣٨) من طريق الجريري، كلاهما (كهمس، والجريري) عن عبد الله بن بريدة به.\n(^٢). انظر: الاستذكار (١/ ١١٣)، التمهيد (١٣/ ٣١)، التوضيح لخليل (١/ ٢٨٣)، جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٩)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٥٢)، طرح التثريب (٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":175},{"text":"فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك، وقال: إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس، فلا يتحرَّ أحد طلوع الشمس ولا غروبها (^١).\n• الراجح:\nأن وقت طلوع الفجر ليس وقتًا للنهي، وأن النفل فيه مباح، ولا تستحب الصلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر؛ لأن النبي ﷺ ما كان يصلي فيه غير راتبة الفجر، فإذا صلى الصبح حرمت النفل المطلق حتى ترتفع الشمس، وأن من صلى راتبة الفجر في بيته، فدخل المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، حتى ولو قيل: إن الوقت من أوقات النهي؛ لأن هذه الصلاة من ذوات الأسباب، وسيأتينا إن شاء الله بحث مستقل عن حكم صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، والله أعلم.\nوأما قول ابن عبد السلام من المالكية وأنه يصلي تحية المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر، فهذا قول ضعيف، فإن تحية المسجد ليست مقصودة بذاتها، ولا يشرع لمن دخل المسجد، وهو لم يُصَلِّ راتبة الفجر أن يصلي تحية المسجد، ثم يصلي راتبة الفجر؛ لأن هذا العمل لا أصل له، والمقصود ألا يجلس حتى يصلي، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٣٩٦٨).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الحادي عشر اختصاص التحية بالمسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تحية المسجد عبادة مختصة بالمسجد، ومصلى العيد ليس مسجدًا.\n• قال الزهري: ما علمنا أحدًا كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد، ولا بعده.\n• كان النبي ﷺ ينحر ويذبح في مصلى العيد، ولو كان مسجدًا لم يذبح فيه.\n• إذا كان الاعتكاف لا يشرع في مصلى العيد لم تشرع تحية المسجد لدخوله؛ وإنما الاعتكاف لم يصح؛ لأنه عبادة مختصة بالمسجد، لا بالمصلى.\n[م-٤٥٧] لو اتخذ الرجل مصلى في بيته فدخله، أو دخل مصلى في مقر عمله، ولم يكن مسجدًا لم تشرع له تحية المسجد.\nقال العدوي في حاشيته: «هل المراد ما يطلق عليه اسم مسجد لغة، فيشمل ما يتخذه من لا مسجد لهم من بيت، أو غيره، ومن اتخذ مسجدًا له في بيته، أو المسجد المعروف؟ وهو الظاهر» (^١).\nوهل يصلي تحية المسجد في مصلى العيد؟\nفي هذا خلاف بين العلماء مرده إلى مسألتين:\nإحداهما: مصلى العيد، أهو مسجد أم مصلى؟\nالثانية: اختلافهم في التنفل قبل صلاة العيد، أهو ممنوع، أم مستحب، أم جائز.\nفقيل: ليس له حكم المسجد، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). حاشية العدوي على شرح الخرشي (٢/ ٥).\n(^٢). جاء في البحر الرائق (١/ ٢٠٥): «يمنع الْحُيَّضُ من دخول المسجد ... وخرج بالمسجد غيره ...\nكمصلى العيد والجنائز والمدرسة والرباط فلا يمنعان من دخولها، ولهذا قال في الخلاصة: المتخذ لصلاة الجنازة والعيد الأصح أنه ليس له حكم المسجد ...».\nوما قيل في كتب الحنفية بأن لمصلى العيد حكم المسجد فيقصدون به في حق جواز الاقتداء، وإن لم تكن الصفوف متصلة، بخلاف المرور، ودخول الحائض ونحوها فليس له حكم المسجد.\nقال ابن عابدين في حاشيته (٤/ ٣٥٦): «أما مصلى العيد لا يكون مسجدًا مطلقًا، وإنما يعطى له حكم المسجد في صحة الاقتداء بالإمام، وإن كان منفصلًا عن الصفوف، وفيما سوى ذلك فليس له حكم المسجد. وقال بعضهم: يكون مسجدًا حال أداء الصلاة، لا غير». وانظر البحر الرائق (١/ ٢٠٥)، النهر الفائق (١/ ١٣١)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٨)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٤٢١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٤١٧)، مجمع الأنهر (١/ ١٢٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩١).\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، شرح الخرشي (٢/ ١٠٥)، الشرح الكبير (١/ ٤٠١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٣١)، منح الجليل (١/ ٤٦٨)، المنتقى للباجي (١/ ٣٢٠)،.\nوانظر في مذهب الشافعية: التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٣٧٨)، نهاية المحتاج (٢/ ١١٩)، تحفة المحتاج (٣/ ٥٠)، حاشيتي قليبوبي وعميرة (١/ ٢٤٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٤٧٥)، كفاية النبيه لابن الرفعة (٣/ ٣٥٩)، الإعلام بفوائد الأحكام (٣/ ٣٣٧)، المجموع (٥/ ٢٢)، المهذب (١/ ٢٢٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٩٧)، أسنى المطالب (١/ ٢٨١)،\n\nالهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ١١٤)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٢/ ٤٣١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٤٢)، المغني لابن قدامة (٢/ ٢٨٧)، المبدع شرح المقنع (٢/ ١٩١)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٢٦).","vol":"1","page":177},{"text":"قال ابن عبد البر في الكافي: «ولا يتنفل في المصلى قبل الصلاة، ولا بعدها، إلا أن تصلى في المسجد» (^١).\nوقال ابن رجب: «صرح أصحابنا بأن مصلى العيد ليس حكمه حكم المسجد، ولا في يوم العيد، حتى قالوا: لو وصل إلى المصلى يوم العيد، والإمام يخطب فيه بعد الصلاة فإنه يجلس من غير صلاة؛ لأنه لا تحية له» (^٢).\nوقال ابن الرفعة في كفاية النبيه: «أطلق الأصحاب في باب صلاة العيد القول\n_________\n(^١). الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٦٣).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":178},{"text":"بأنه لا تحية له، موجهين ذلك بأن التحية للمسجد، وليس مصلى العيد مسجدًا» (^١).\nوقال ابن الملقن: «مصلى العيد لا تحية له على الأصح» (^٢).\nواختار متأخرو الحنابلة بأن مصلى العيد مسجد إذا أُوقِفَ على الصلاة (^٣).\nقال صاحب المنتهى: «ومصلى العيد مسجد، لا مصلى الجنائز» (^٤).\nومع قولهم بأنه مسجد، إلا أن الحنابلة في المشهور لا يرون التنفل قبل صلاة العيد، ومنه تحية المسجد، وقد نص على ذلك الإمام أحمد (^٥).\nواختار شيخنا محمد بن عثيمين «أنه يصلي تحية المسجد في مصلى العيد؛ لأنه مسجد» (^٦).\nوقيل: إن المصلى يكون له حكم المسجد في يوم العيدين خاصة، في حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات، حكاه ابن رجب في شرح البخاري، ولعل هذا القول هو أضعفها (^٧).\n_________\n(^١). كفاية النبيه (٣/ ٣٥٩).\n(^٢). الإعلام بفوائد الأحكام (٣/ ٣٣٧).\n(^٣). قال في الإنصاف (١/ ٢٤٦): «ومنها مصلى العيد مسجد على الصحيح من المذهب، قال في الفروع: هذا هو الصحيح ..». وانظر مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ١٧٤)، قال ابن رجب في شرحه للبخاري (٢/ ١٤١): «قد قيل: بأن مصلى العيدين مسجد، فلا يجوز للحائض المكث فيه، وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا، منهم ابن أبي موسى في شرح الخرقي، وهو أيضًا أحد الوجهين للشافعية».\nثم قال أيضًا: «وقيل: إن المصلى يكون له حكم المساجد في يوم العيدين خاصة، في حال اجتماع الناس فيه دون غيره من الأوقات ...» إلخ كلامه ﵀.\n(^٤). مصنف عبد الرزاق (٥٦١٥).\n(^٥). الحنابلة لا يرون التنفل قبل صلاة العيد، ولو كان في قضاء الفوائت الواجبة، فإذا كان لا يقضي الواجب قبل الصلاة، فمن باب أولى لا يصلي تحية المسجد.\n\nجاء في مطالب أولي النهى (١/ ٧٩٨): «وكره أيضًا قضاء فائتة قبل صلاة عيد بموضعها، وبعدها قبل مفارقته المصلى، إمامًا كان أو مأمومًا بصحراء، أو مسجد، نص عليه لئلا يقتدى به». وانظر كشاف القناع (٢/ ٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٢٧).\n(^٦). مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٦/ ٢٥٢) رقم الفتوى ١٣٧٣.\n(^٧). فتح الباري شرح البخاري لابن رجب (٢/ ١٤١).","vol":"1","page":179},{"text":"• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد في المصلى:\nالدليل الأول:\n(ح-١١١٠) روى الفريابي في أحكام العيدين من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: لا صلاة يوم العيد، قبلها، ولا بعدها (^١).\n[انفرد به الطائفي عن عمرو بن شعيب، وفيه ضعف] (^٢).\n_________\n(^١). أحكام العيدين للفريابي (ص: ٢٢٨).\n(^٢). رواه الطائفي، عن عمرو بن شعيب، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه مروان بن معاوية كما في أحكام العيدين للفريابي، بلفظ: لا صلاة يوم العيد قبلها، ولا بعدها. وساقه على أنه سنة قولية، وبصيغة النفي المراد بها النهي، وجعله حكمًا عامًّا لجميع المصلين.\nوتابعه أبو داود الطيالسي كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ٢٦٦) فرواه عن الطائفي، بلفظ: الصلاة قبل العيد، ليس قبله، ولا بعده صلاة.\nوخالفهما وكيع، فرواه أحمد (٢/ ١٨٠)، عنه، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، سمعه من عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة، ولم يُصَلِّ قبلها، ولا بعدها.\nفزاد فيه تكبيرات الصلاة وعددها، وجعله سنة فعلية، ولفظ: (أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ قبل العيد، ولا بعدها) محفوظ من حديث ابن عباس، وهو خاص بالإمام، وأما المأموم فمسكوت عنه، وأرى أن هذا اللفظ هو المعروف من حديث الطائفي، والخطأ فيه من الطائفي، فإن في حفظه شيئًا.\n\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥٦٩٤) عن وكيع، واقتصر على عدد تكبيرات العيد.\nورواه جمع عن الطائفي مقتصرين فيه على عدد تكبيرات العيد، ولم يذكروا الصلاة قبل العيد ولا بعدها، ومنهم:\nعبد الرزاق في المصنف (٥٦٧٧)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ٢٧٩).\nوالمعتمر بن سليمان كما في سنن أبي داود (١١٥١)، والسنن الكبرى للنسائي (١٨١٧)، وسنن الدارقطني (١٧٢٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٤٠٤).\nوسليمان بن حيان كما في سنن أبي داود (١١٥٢)، وخالف في عدد التكبيرات.\nوعبد الله بن المبارك، كما في سنن ابن ماجه (١٢٧٨).\nوأبو نعيم كما في المنتقى لابن الجارود (٢٦٢)، وسنن الدارقطني (١٧٣٠).\nوأبو أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، كما في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٤٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٤٠٣)، ستتهم رووه عن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، في عدد تكبيرات صلاة العيد.","vol":"1","page":180},{"text":"الدليل الثاني:\n(ث-٢٥٨) الأصل عدم المشروعية، روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن معمر،\nعن الزهري، قال: ما علمنا أحدًا كان يصلي قبل خروج الإمام يوم العيد، ولا بعده (^١).\n[صحيح عن الزهري].\nوهذا اللفظ يشي بالإجماع في عصر الزهري، وأقله إجماع أهل المدينة.\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٥٩) روى الفريابي من طريق صفوان بن عيسى، حدثنا يزيد بن أبي عبيد،\nقال: صليت مع سلمة بن الأكوع في مسجد رسول الله ﷺ صلاة الصبح، ثم خرج، فخرجت معه حتى أتينا المصلى، فجلس، وجلست حتى جاء الإمام، فصلى، ولم يُصَلِّ قبلها، ولا بعدها، ثم رجع (^٢).\n[صحيح].\n(ث-٢٦٠) وروى الفريابي في أحكام العيدين، حدثنا وهب بن بقية، أنبأ خالد، عن مطرف،\nعن عامر، قال: كنت إلى جنب شريح في يوم عيد، فما رأيته صلى قبلها، ولا بعدها، قال: وأتيت المدينة فما رأيت أحدًا من الفقهاء صلى قبلها، ولا بعدها (^٣).\n[صحيح].\n_________\n(^١). المصنف (٥٦٢١).\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٥٧٤٤) حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: كان لا يصلي قبل العيد، ولا بعده. وسنده صحيح.\nورواه أيضًا (٥٧٤٧) حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أنه كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها. وسنده صحيح.\n(^٢). أحكام العيدين للفريابي (ص: ٢٣٣).\n(^٣). أحكام العيدين للفريابي (١٨٠)، وخالد هو الطحان، ومطرف هو ابن طريف، وعامر هو الشعبي.\nقال الشيخ ابن باز: السنة لمن أتى مصلى العيد لصلاة العيد أن يجلس، ولا يصلي تحية المسجد؛ لأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ فيما نعلم إلا إذا كانت الصلاة في المسجد فإنه يصلي تحية المسجد","vol":"1","page":181},{"text":"• ويجاب عنه:\nبأن الترمذي قال في سننه: «قد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، والقول الأول أصح» (^١).\nيعني أن ترك الصلاة أصح، ولم يذكر الترمذي أسماء الصحابة الذين يرون الصلاة قبل العيد.\n(ث-٢٦١) وقد روى عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، قال: رأيت أنس ابن مالك، والحسن، وأخاه سعيدًا وجابر بن زيد أبا الشعثاء، يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام.\n[صحيح] (^٢).\nوهذا الأثر يثبت أن الصحابي أنسًا وبعض التابعين كانوا يتنفلون قبل صلاة العيد، إلا أن هذا لم يتعين في تحية المسجد، فيحتمل أن هذا من قبيل تحية المسجد أو من سنة الضحى، لأن وقتها يدخل بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويحتمل أنهم كانوا يتنفلون نفلًا مطلقًا؛ لأن الوقت ليس من أوقات النهي، والمؤكد أن صلاة العيد ليس لها سنة قبلية، فبقي الاحتمال أن يكون نفلًا مطلقًا، أو من سنة الضحى، أو من تحية المسجد، فالجزم بأن هذا دليل على تحية المسجد غير مجزوم به، فلا يكون حجة، والله أعلم.\n(ث-٢٦٢) وروى مالك في الموطأ رواية أبي مصعب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان يصلي يوم الفطر قبل الصلاة وبعدها في المسجد (^٣).\nوهذا الأثر عن عروة بن الزبير يوهم أن عروة كان يصلي قبل صلاة الفطر في المسجد، إلا أن أبا بكر الفريابي قد أبان أن عروة كان يصلي في المسجد، ثم يأتي\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ٤١٧).\n(^٢). مصنف عبد الرزاق (٥٦٣٩). ...\nورواه البيهقي في السنن (٣/ ٤٢٥) من طريق معاذ بن معاذ، حدثنا سليمان التيمي قال:\nرأيت أنس بن مالك، والحسن بن أبي الحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن أبي الحسن يصلون قبل الإمام في العيد.\n(^٣). الموطأ (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":182},{"text":"المصلى فلا يصلي فيه، فكان فعله متسقًا مع عمل أهل المدينة فلم يكونوا يصلون قبل صلاة العيد.\n(ث-٢٦٣) فقد روى أبو بكر الفريابي من طريق حماد بن زيد، عن هشام، قال: كان أبي يخرج يوم العيد، فيمر بمسجد رسول الله ﷺ، فيصلي فيه، ثم يأتي المصلى، فلا يصلي فيه .... (^١).\n[صحيح].\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٦٤) روى مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر لم يكن يصلي يوم الفطر، قبل الصلاة، ولا بعدها.\nورواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع به. (^٢).\n[صحيح].\n(ث-٢٦٥) وروى عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، وقتادة،\nأن ابن مسعود كان يصلي بعدها أربع ركعات أو ثمانيًا، وكان لا يصلي قبلها (^٣).\n[قتادة وابن سيرين لم يسمعا من ابن مسعود].\nوقوله: (لا يصلي قبلها) يشمل حتى تحية المسجد.\nالدليل الرابع:\n(ث-٢٦٦) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال،\nعن ثعلبة بن زهدم، أن عليًّا استخلف أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس، إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام (^٤).\n[صحيح دون قوله: ليس من السنة] (^٥).\n_________\n(^١). أحكام العيدين (١٧٥).\n(^٢). الموطأ (١/ ١٨١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٥٧٤٢).\n(^٣). مصنف عبد الرزاق (٥٦٢١).\n(^٤). سنن النسائي (١٥٦١).\n(^٥). عبد الرحمن: هو ابن مهدي، وسفيان: هو الثوري، والأشعث: هو ابن أبي الشعثاء: ...\nسليم بن أسود المحاربي.\nورواه النسائي في الكبرى بالإسناد نفسه (١٧٧٣).\nورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١١٧٧) من طريق شعبة، عن الأشعث، عن الأسود ابن هلال، عن رجل من بني تميم اسمه ثعلبة بن زهدم قال: خرج أبو مسعود يوم عيد فطر، أو أضحى، فرأى ناسًا يصلون قبل الصلاة، فهتف بصوته فقال: يا أيها الناس، إنه لا صلاة في هذا اليوم حتى يصلي الإمام.\nولم يقل: ليس من السنة.\nقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٩٨): يرويه الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم، كذلك قاله أبو داود، وأبو حذيفة عنه.\nورواه وكيع وغيره فلم يقولوا: ليس من السنة.\nورواه رقبة بن مصقلة، وحسين بن عمران، عن أشعث مرسلًا، عن أبي مسعود.\nوالثوري ضبط إسناده. اهـ فرجح الدارقطني الوصل على الإرسال «العلل» (١٠٦٧).\n\nوانظر علل ابن أبي حاتم (٥٧٢).","vol":"1","page":183},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١١١١) ما رواه البخاري من طريق كثير بن فرقد، عن نافع،\nعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان ينحر، أو يذبح بالمصلى (^١).\nوجه الاستدلال:\nلو كان المصلى مسجدًا ما جاز الذبح فيه.\nالدليل السادس:\n(ح-١١١٢) ما رواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن،\nعن جابر، أن رجلًا من أسلم أتى النبي ﷺ، وهو في المسجد، فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه، فقال: هل بك جنون؟ هل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به أن يرجم بالمصلى .. (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن المراد بالمصلى هنا هو مصلى الجنائز، إلا أن وجه الاستدلال أن ما يسمى\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٩٨٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٢٧٠)، ورواه مسلم (١٦٩١).","vol":"1","page":184},{"text":"مصلى لو كان مسجدًا ما أقيم فيه الرجم، إلا أن يقال: بالفرق بين مصلى الجنائز ومصلى العيد، والمشهور عند متأخري الحنابلة أن مصلى العيد مسجد بخلاف الجنائز.\n•وتعقب:\nقال ابن حجر: المراد «أن الرجم وقع عنده لا فيه كما تقدم في البلاط وأن في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رجم اليهوديين عند باب المسجد» (^١).\n•ويجاب:\nبأن تأويل ابن حجر خلاف الظاهر، فالرسول ﷺ أمر أن يرجم بالمصلى، فالتأويل أن المراد قرب المصلى يحتاج إلى دليل لأنه خلاف الظاهر، وقد استدل ابن حجر على تأويله بأن النبي ﷺ رجم اليهوديين عند باب المسجد، وفي رواية في البلاط، والبلاط عند باب المسجد، فأين التأويل، فالعندية صريحة بالقرب، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر أن عمر رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، أي تباع قرب الباب، فإذا قال في البلاط صح أيضًا لأن البلاط عند الباب، بخلاف (أمر أن يرجم بالمصلى) فهذا لا يحتمل إلا الظرفية فحملها على القرب يحتاج إلى دليل، فلو أنه جاء في الحديث أنهما رجما بالمسجد، ثم تبين أنهما رجما قرب الباب في البلاط لصح تأويل ابن حجر، فكانت واقعة الرجم بالقصتين دليلًا على التفريق بين المصلى والمسجد، ففي المسجد كان الرجم عند الباب في البلاط، وفي قصة ماعز كان الرجم بالمصلى، وحمل إحدى القصتين على الأخرى لا يساعد عليه اللفظ، وهذا ما فهمه الإمام البخاري حيث ترجم في صحيحه: باب الرجم بالمصلى، وكذلك فهم القاضي عياض.\nوقال ابن التين وابن بطال: «والرجم في المصلى كالرجم في سائر المواضع» (^٢).\nفأخذوا الحديث على ظاهره.\nالدليل السابع:\nأن صلاة تحية المسجد توهم بعض العامة بأن لصلاة العيد سنة قبلية، والعيد\n_________\n(^١). فتح الباري (١٢/ ١٣٠).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٨/ ٤٣٩)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣١/ ١٨٣).","vol":"1","page":185},{"text":"لا سنة لها، لا قبل الصلاة، ولا بعدها على الصحيح خلافًا لمن قاسها على الجمعة.\nالدليل الثامن:\nإذا كان الاعتكاف لا يشرع في مسجد العيد لم تشرع تحية المسجد لدخوله؛ وإنما الاعتكاف لم يصح؛ لأنه عبادة مختصة بالمسجد، لا بالمصلى.\n• دليل من قال: مصلى العيد مسجد:\n(ح-١١١٣) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن إبراهيم، عن محمد بن سيرين،\nعن أم عطية، قالت: أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم، ويعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب؟ قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمر الحيض، أن يعتزلن المصلى، والمراد به مكان الصلاة، فهذا نص في منع الحائض من الدخول، ولو لم يكن مسجدًا لم تمنع.\n• وأجيب عن الحديث:\nليس لهم دليل إلا هذا الحديث، وليس صريحًا في الباب، لأنه بالرجوع إلى ألفاظ الحديث في الصحيحين دون غيرهما يتبين أن المراد باعتزال المصلى اعتزال الصلاة، وإطلاق المسجد وإرادة الصلاة معروف في اللغة.\nقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\nفأطلق المسجد، وأراد الصلاة في أحد قولي أهل العلم.\nولما رواه مسلم من طريق هشام، عن حفصة بنت سيرين:\nعن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين. قالت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: لتلبسها أختها من جلبابها (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٥١)، رواه مسلم (٨٩٠).\n(^٢). صحيح مسلم (١٢/ ٨٩٠) الحديث رواه محمد بن سيرين وحفصة بنت سيرين عن أم عطية: ... فقد رواه أيوب كما في البخاري (٣٢٤، ٩٧٤) ومسلم (١٠/ ٨٩٠).\nويزيد بن إبراهيم كما عند البخاري (٣٥١).\nوابن عون كما في البخاري (٩٨١)، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين عن أم عطية بالأمر باعتزال المصلى. لم يختلف على محمد في ذكر المصلى.\nوروته حفصة عن أم عطية، واختلف على حفصة في لفظه. فرواه عنها أيوب كما في البخاري (٩٨٠) بالأمر باعتزال المصلى كما هي رواية محمد بن سيرين.\nورواه عاصم الأحول عنها، كما في البخاري (٩٧)، ومسلم (٨٩٠) وفيه: (أن يكُنَّ خلف الناس).\n\nورواه هشام، عن حفصة بالأمر باعتزال الصلاة كما في رواية مسلم (٨٩٠) والله أعلم.","vol":"1","page":186},{"text":"فقال: (يعتزلن الصلاة)، فعلم أن المراد باعتزال المصلى اعتزال الصلاة نفسها.\nولأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بالفلاة من الأرض، وليس بالمسجد، فإذا طلب منهن اعتزال المصلى علم أن المراد من ذلك الصلاة.\nوحتى لا يقطع الحيَّض صفوف الطاهرات، طلب منهن أن يَكُنَّ خلف الصفوف.\nفقد رواه البخاري، من طريق عاصم الأحول عن حفصة،\nعن أم عطية قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيض فيكُنَّ خلف الناس، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.\nهذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم عدا قوله: (يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) (^١).\nوكون الحيض خلف الناس لا يلزم منه أن يكنَّ خارج المصلى، وقد استعمل الرسول ﷺ لفظ المصلى، وهو أخص من المسجد، فكل مسجد مصلى، وليس كل مصلى مسجدًا، ولو كان مسجدًا لقال: ليعتزلن المسجد.\nوحتى لو سمي مصلى العيد مسجدًا، فإن هذا لا يعني أنه يأخذ أحكام المسجد، فإذا كان لا يشرع فيه الاعتكاف لم يمنع منه الجنب والحائض على الصحيح؛ لأن كل مكان اتخذ موضعًا للسجود يصح أن يقال له: مسجد، ولذلك قد يتخذ الإنسان مسجدًا في بيته يخصصه لصلاته، وقد يتخذ العاملون مسجدًا في عملهم، يصلون فيه، وليس لهذه البقع حكم المسجد، وإن سميت مسجدًا من حيث اللغة.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٩٧١) ومسلم (١١/ ٨٩٠).","vol":"1","page":187},{"text":"(ح-١١١٤) جاء في البخاري من حديث عتبان بن مالك، أنه قال للنبي ﷺ: إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت، فصليت في بيتي مكانًا حتى أتخذه مسجدًا، فقال: أفعل إن شاء الله .... الحديث (^١).\nفأطلق المسجد على المصلى.\nوجاء في حديث جابر المتفق عليه: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا.\nرواه البخاري ومسلم من طريق هشيم بن بشير، عن أبي الحكم (سيار)، عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر (^٢).\n• الراجح:\nأن مصلى العيد ليس مسجدًا، فلا يُصلَّى فيه تحية المسجد، لا في وقت النهي، ولا في غيره.\nفإن صُليَتْ صلاة العيد في المسجد، فهل يُصلَّى تحية المسجد؟\nفقيل: يصلى تحية المسجد مطلقًا، وبه قال الشافعية.\nوقال لا يُصَلَّى مطلقًا، وبه قال الحنفية والحنابلة، وقولهم مبني على كراهة التنفل قبل صلاة العيد، سواء أكان في المصلى أم في المسجد، حتى كره الحنابلة قضاء الفوائت الواجبة في مصلى العيد (^٣).\nوقال المالكية: يصلي إن كان في غير وقت النهي، واختاره أبو الفرج من الحنابلة، قال ابن مفلح في الفروع: وهو أظهر، ورجحه في النكت (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٤٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٣٣٥)، وصحيح مسلم (٥٢١).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٩٧)، المبسوط (١/ ١٥٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١٠٨)، المحيط البرهاني (٢/ ١١٢)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٣٧٨)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٧٦٦)، المغني (٢/ ٢٨٧)، حاشية المحرر (١/ ١٦٣)، المبدع (٢/ ١٩١)، الإنصاف (٢/ ٤٣١)، كشاف القناع (٢/ ٥٦)، حاشية الروض (٢/ ٥١٤).\nوقال في الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٠١): «ويكره التنفل في موضعها قبلها وبعدها، وقضاء فائتة قبل مفارقته، إمامًا كان أو مأمومًا في صحراء فعلت أو في مسجد».\n(^٤). المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١٣٦)، تفسير الموطأ للقنازعي (١/ ٢٢٠)، التفريع ...\n(١/ ٨٢)، مواهب الجليل (٢/ ١٩٨، ١٩٩)، الكافي (١/ ٢٢٦)، القوانين الفقهية (ص: ٥٣). الإنصاف (٢/ ٤٣٢).","vol":"1","page":188},{"text":"وأقواها مذهب الشافعية، وأنه يصلي مطلقًا، لأن تحية المسجد إذا كانت تصلى، والإمام في خطبة الجمعة مع وجوب الإنصات لها، فكونها تصلى تحية المسجد قبل الشروع في صلاة العيد من باب أولى، والله أعلم.\nوقد أفردت البحث إن شاء الله تعالى في حكم تحية المسجد في وقت النهي في المبحث التالي، أسأل المولى ﷿ عونه وتوفيقه.\n\n* * *","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثاني عشر صلاة تحية المسجد في وقت النهي</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• يكره النفل المطلق في أوقات النهي.\n• الأمر الشرعي في عبادة لا يتناول المكروه منها؛ لأن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين.\n• أذن الرسول ﷺ بالصلاة لمن صلى الفجر في رحله ثم جاء إلى المسجد، فدل على أن هناك نفلًا مأذونًا في فعله في أوقات النهي.\n• قضى الرسول ﷺ راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فدل على أن النهي عن الصلاة في أوقات النهي خاص بنوع من النفل.\n• الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافل إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق.\n• العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات.\n[م-٤٥٨] اتفقوا على مشروعية تحية المسجد في وقت جواز النافلة، واختلفوا في مشروعيتها في وقت النهي (^١).\n_________\n(^١). وقت النهي عند جماهير العلماء ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: وقت موسع، وهذا يختص في وقتين: الأول بعد صلاة العصر، حتى تغرب الشمس.\nوالثاني: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.\nالقسم الثاني: ثلاثة أوقات مضيقة لقصرها، والنهي فيها أشد:\nالأول: حين تطلع الشمس حتى ترتفع قيد رمح،\nالثاني: حين استواء الشمس في وسط السماء ويعرف ذلك بوقوف الظل عن التناقص حتى تميل أدنى ميل، فيدخل وقت الظهر.\nالثالث: حين تميل الشمس للغروب حتى تغرب، فهذه خمسة أوقات لا يتطوع فيها المسلم نفلًا ...\nمطلقًا، في قول جماهير العلماء.\nوهناك وقت سادس الخلاف فيه أقوى من الخلاف في الأوقات الخمسة: وهو إذا طلع الفجر فلا يتطوع بغير ركعتي الفجر، والحديث الوارد في النهي معلول.\n\nهذه أوقات النهي، ولم يتفق العلماء فيها إلا على وقتين: النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الخلاف بين الفقهاء في أوقات النهي في موضعها إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده العون والتوفيق، ولكن أحببت هنا أن أضع التصور الذهني في أوقات النهي عند بحث تحية المسجد في أوقات النهي، والله الموفق.","vol":"1","page":190},{"text":"فقيل: لا يصلي، وهو مذهب الجمهور على خلاف بينهم، أهو على سبيل التحريم، وبه قال الحنفية والحنابلة، أم على سبيل الكراهة وبه قال المالكية (^١).\nوقال الشافعية: تجوز تحية المسجد إن دخل المسجد لحاجة في وقت النهي، وكذلك تجوز صلاة النوافل ذوات الأسباب، كصلاة ركعتي الطواف، وسنة\n_________\n(^١). الحنفية يطلقون الكراهة، ويقصدون بها كراهة التحريم تبعًا لاصطلاح خاص بهم: أن ما ثبت النهي عنه نهيًا جازمًا بدليل ظني، فهو مكروه كراهة تحريم، وما نهي عنه نهيًا جازمًا بدليل قطعي فهو المحرم، فالفارق عندهم بين الحرام والمكروه تحريمًا: أن الحرام ثابت بدليل قطعي، والمكروه ثابت بدليل ظني، فكان نسبة المكروه إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، وإن كان حكمهما واحدًا، وهو تفريق اصطلاحي انظر فتح القدير لابن الهمام (١٠/ ٤).\nوالتحريم عند الحنفية لا يعني عدم الصحة، فلو شرع في النافلة جازت مع عدم الحل، لأنه بالشروع وجبت عليه عندهم، جاء في الدر المختار (١/ ٣٧٤): «وكره نفل قصدًا ولو تحية مسجد» قال ابن عابدين تعليقًا في حاشيته (١/ ٣٧٤): «والكراهة هنا تحريمية أيضًا كما صرح به في الحلية، ولذا عبر في الخانية والخلاصة بعدم الجواز، والمراد: عدم الحل، لا عدم الصحة كما لا يخفى».\nوقال في مراقي الفلاح (والأوقات الثلاثة -يعني أوقات النهي-يكره فيها النافلة كراهة تحريم، ولو كان لها سبب، كالمنذور، وركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد ...».\nوانظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٩٧)، البحر الرائق (١/ ٢٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ٨٦)، تحفة الفقهاء (١/ ١٠٧)، بداية المجتهد (١/ ١١٠)، منح الجليل (١/ ١٩١)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٧٥، ٢٧٦)، شرح التلقين (٢/ ٨٠٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٣١٤)، شرح الخرشي (٢/ ٥)، المجموع (٤/ ١٦٨، ١٧٠)، المهذب (١/ ١٧٥)، نهاية المطلب (٢/ ٣٣٩)، الإقناع (١/ ١٥٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٥٨)، كشاف القناع (١/ ٤٥٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٩٤)، الفروع (٢/ ٤١٣)، حاشية الروض المربع (٢/ ٢٥١).","vol":"1","page":191},{"text":"الوضوء، وصلاة الكسوف، ونحوها، وهو رواية عن أحمد، واختارها ابن تيمية (^١).\nفإن دخل المسجد لا لحاجة في الدخول، ولكن ليصلي تحية المسجد، فللشافعية وجهان: أقيسهما الكراهة؛\n(ح-١١١٥)، لما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ، قال: «لا يَتحرَّ أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (^٢).\nوهذا تحرَّى بصلاته طلوع الشمس وغروبها، والتحري التعمد\nوالثاني: يجوز؛ لعموم خبر أبي قتادة، (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).\nولأن سبب الصلاة الدخول، وقد وجد (^٣).\nوقيل: لا يجوز النفل المطلق إلا في ركعتي الطواف؛ لأنها تابعة لما لا يمنع منه النهي، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر؛ لأن حكم النهي فيه أخف، وإعادة جماعة مع إمام الحي إذا أقيمت وهو في المسجد، بعد الفجر والعصر خاصة، للنص الخاص (^٤).\nهذه مجمل الأقوال، فتعال معي إلى ذكر حججها وبراهينها.\n• دليل من قال: تجوز تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب في وقت النهي:\nالدليل الأول:\n(ح-١١١٦) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،\nعن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٢)، طرح التثريب (٣/ ١٩٠)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٧٤)، روضة الطالبين (١/ ١٩٣)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٣/ ١٩١).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٥)، وصحيح مسلم (٢٨٩ - ٨٢٨).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ١٩٣)، كفاية الأخيار (ص: ١٢٨)، تحفة المحتاج (١/ ٤٤٣)، البيان للعمراني (٢/ ٣٥٦)، فتح العزيز (٣/ ١١٠، ١١١)، المجموع (٤/ ١٦٨)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٦١)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٦٠)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٠)، المغني لابن قدامة (٢/ ٩٠).\n(^٤). المغني (٢/ ٩٠)، المحرر (١/ ٨٦)، الفروع (٢/ ٤١٣، ٤١٤).","vol":"1","page":192},{"text":"رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناس بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (^١).\n_________\n(^١). الحديث مداره على يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، وجابر وأبوه صحابيان، وقد رواه عن يعلى بن عطاء جماعة كثيرة.\nفرواه أبو عوانة كما في مسند أحمد (٤/ ١٦١)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٤).\nوشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٣٤٣)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وسنن الدارمي (١٤٠٧)، وسنن أبي داود (٥٧٥، ٥٧٦)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٦٣)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٣٩٣٤)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وسنن أبي داود (٦١٤)، والسنن الكبرى للنسائي (١٢٥٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، وصحيح ابن حبان (١٥٦٤)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\nوهشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (٣٩٣٤)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٢) ح: ٦٠٩، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\nوهشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٦٤٢)، ومسند أحمد (٤/ ١٦٠)، وسنن الترمذي (٢١٩)، والنسائي في المجتبى (٨٥٨)، وفي الكبرى (٩٣٣)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٤٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٧٩، ١٦٣٨)، وصحيح ابن حبان (١٥٦٥، ٢٣٩٥)، وسنن الدارقطني (١٥٣٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٢٧).\nوشريك كما في مسند أحمد (٤/ ١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣)،\n\nوحماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٣) رقم: ٦١٢، كلهم رووه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه.\nقال الترمذي: حديث يزيد بن الأسود حسن صحيح.\nوصححه ابن خزيمة، وابن حبان فأخرجاه في صحيحيهما، وصححه الحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي كما في الأحكام الوسطى (١/ ٢٨٣)، وابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤١٢).\nقال الحافظ في التلخيص: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول.\nقال البيهقي: «وإنما قال ذلك -والله أعلم- لأن يزيد بن الأسود ليس له رَاوٍ غير ابنه جابر بن يزيد، ولا لجابر بن يزيد رَاوٍ غير يعلى بن عطاء، وكان يحيى بن معين وجماعة من الأئمة يوثقون يعلى بن عطاء، وهذا الحديث له شواهد قد تقدم ذكرها، فالاحتجاج به وبشواهده: ...\nصحيح، والله أعلم».\nقلت: يعلى من رجال مسلم، وأما جابر بن يزيد فقال المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٤٦٥): له صحبة، فإن صح فكفى بها تزكية، وإن لم يصح فقد وثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق.\nوقال أحمد كما في علل الحديث: لم يسمع هشيم هذِه الكلمة من يعلى بن عطاء -يعني: أن النبي صلى بهم الغداة فانحرف.\nوقال مرة: رواه هشيم وسمعه من يعلى، ولكنه لم يسمع منه: انحرف فكان هشيم إذا قيل له: انحرف؛ قال: نعم، ولم أسمعه. اهـ","vol":"1","page":193},{"text":"[صحيح] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن خزيمة: «والنبي ﷺ في هذا الخبر قد أمر من صلى الفجر في رحله أن يصلي مع الإمام، وأَعْلَم أن صلاته تكون مع الإمام نافلة، فلو كان النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس نهيًا عامًّا لا نهيًا خاصًّا، لم يجز لمن صلى الفجر في الرحل أن يصلي مع الإمام فيجعلها تطوعًا» (^٢).\nوإذا صح أن بعض النوافل مأذونٌ في فعلها في أوقات النهي، وبعضها منهيٌّ عنه، كان لابد أن يكون المأذون فيه يفارق الممنوع منه؛ لأن الشارع حكيم، لا يفرق بين المتماثلات، ولا وجه للتفريق بين النوافل إلا أن يقال: إن المأذون فيه هو ما كان له سبب، والممنوع منه هو النفل المطلق مما ليس له سبب، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١١٧) روى البخاري ومسلم من طريق عمرو (يعني ابن الحارث)، عن بكير، عن كريب،\nعن أم سلمة أن رسول الله ﷺ دخل بيتها، فصلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما، فقال: يا بنت أبي أمية، سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان (^٣).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٢/ ٢٦٢).\n(^٢). المرجع السابق.\n(^٣). صحيح البخاري (١٢٣٣)، وصحيح مسلم (٨٣٤).","vol":"1","page":194},{"text":"قال ابن خزيمة: «لو كان نهيه -يعني النبي ﷺ- عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس عن جميع التطوع لما جاز أن يقضي ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فيقضيهما بعد العصر ...» (^١).\nوقال النووي: فيه دليل على أن «الصلاة التي لها سبب لا تكره في وقت النهي، وإنما يكره ما لا سبب لها، وهذا الحديث هو عمدة أصحابنا في المسألة، وليس لنا أصح دلالة منه، ودلالته ظاهرة» (^٢).\n• وأجيب على هذا الدليل بجوابين:\nالجواب الأول:\nأنه قد ورد ما يدل على اختصاص النبي ﷺ بقضاء الركعتين:\n(ح-١١١٨) فقد روى أبو داود في سننه من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، مولى عائشة،\nأنها حدثته أن رسول الله ﷺ كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال (^٣).\nوأجيب بأن الحديث ضعيف (^٤).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٢/ ٢٦٠، ٢٦٣).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٢١).\n(^٣). سنن أبي داود (١٢٨٠).\n(^٤). اختلف فيه على ذكوان، مولى عائشة،\nفرواه ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ذكوان، بلفظ: كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال.\nوهذا اللفظ ليس محفوظًا، ولا أدري من أين الوهم، هل هو من محمد بن عمرو بن عطاء، أو من تلميذه ابن إسحاق.\nوقد رواه الأزرق بن قيس، عن ذكوان مولى عائشة، عن عائشة، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ صلَّى في بيتها ركعتين بعد العصر، فقلت: يا رسول الله ما هاتان الركعتان؟ فقال: كنت أصليهما بعد الظهر فجاءني مال فشغلني فصليتهما الآن،\nفقد رواه حجاج بن منهال (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٢٤٨) ح ٥٠١.\nوهدبة بن خالد (ثقة) كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٣٠٨٤)، ...\nوأبو الوليد الطيالسي (ثقة) كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٠٢).\nوسليمان بن حرب (ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٨٣)،\nوعبد الملك بن إبراهيم الجدي (صدوق)، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٤٢)، خمستهم (حجاج، وهدبة، وسليمان، والطيالسي، وعبد الملك) كلهم رووه عن حماد بن سلمة (صدوق، وإذا روى عن حميد وثابت فهو ثقة)، عن الأزرق بن قيس (ثقة)، عن ذكوان (ثقة)، عن عائشة، عن أم سلمة.\nهذا هو المحفوظ من رواية ذكوان، وهو موافق لما رواه كريب مولى ابن عباس، عن أم سلمة، وروايته في صحيح البخاري (١٢٣٣)، وصحيح مسلم (٨٣٤).","vol":"1","page":195},{"text":"وورد النهي عن قضائها إذا فاتت.\n(ح-١١١٩) فقد روى أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان،\nعن أم سلمة، قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها، فقال: قدم علي مال، فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر، فصليتهما الآن. فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا (^١).\n[قولها: (أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا) تفرد به يزيد بن هارون، فليس محفوظًا] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٦/ ٢٩٣).\n(^٢). الحديث أعل بعلتين:\nإحداهما: الاختلاف في سماع ذكوان من أم سلمة.\nالعلة الثانية: الاختلاف على حماد بن سلمة في زيادة هذا الحرف.\nفرواه أحمد (٦/ ٢٩٣)، وأبو يعلى (٧٠٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠٦)، وابن حبان (٢٦٥٣) عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة، فأسقط (عائشة) من الإسناد، وزاد هذا الحرف فيه، (أفنقضيهما ...). وهي زيادة شاذة، لم يقل أحد هذا الحرف غير يزيد بن هارون.\nورواه حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، وسليمان بن حرب، وأبو الوليد الطيالسي، وعبد الملك بن إبراهيم الجدي خمستهم رووه عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن عائشة، عن أم سلمة، وليس فيه حرف (أفنقضيهما إذا فاتتنا، قال: لا). وهذا هو المحفوظ من الحديث، وقد سبق تخريجه في الحديث السابق، وانظر ح (٦٤٠).","vol":"1","page":196},{"text":"الجواب الثاني:\nبأن الرسول ﷺ قد نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وقد رواه جمع من أصحابه في الصحيحين وفي غيرهما وهي أحاديث متواترة، ومطلق هذه الأحاديث وعمومها يشمل قضاء راتبة الظهر، وهي أحاديث قولية وعمومها مراد؛ ومتكاثرة، لهذا كانت مقدمة على السنة الفعلية في قضاء النبي ﷺ راتبة الظهر بعد العصر؛ لأن الفعل لا عموم له؛ لاحتمال الخصوصية، كما أنها أصح من قضاء راتبة الفجر بعد الصبح، فإن الحديث الوارد فيها معلول، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n•ونوقش هذا:\nأما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن عائشة فإنه حديث ضعيف كما علمت، وعلى فرض صحته فإنه محمول على أحد أمرين:\nالأول: أن مراد عائشة الصلاة التي ليس لها سبب، فليس في كلام عائشة ما يدل على أنه نهى عن قضاء راتبة الظهر بعد العصر، فيكون موافقًا لحديث كريب عن أم سلمة في الصحيحين وفيه: ... ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين؟ فأراك تصليهما ... (^١).\nالثاني: أن يكون مقصود عائشة أن النبي ﷺ كان يداوم على هاتين الركعتين بعد العصر، فهذا هو الذي اختص به ﷺ؛ لثبوت نهي النبي ﷺ أمته عن الصلاة بعد العصر، لا قضاء السنة الراتبة بعد العصر، فإن هذا له ولأمته.\nقال ابن قدامة: «وقول عائشة: إنه كان ينهى عنها، معناه -والله أعلم- أنه نهى عنها لغير هذا السبب، وأنه كان يفعلها على الدوام، وينهى عن ذلك» (^٢).\n(ح-١١٢٠) فقد روى مسلم من طريق محمد بن حرملة، قال: أخبرني أبو سلمة،\nأنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسول الله ﷺ يصليهما بعد العصر، فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٣٧٠)، وصحيح مسلم (٨٣٤).\n(^٢). المغني (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":197},{"text":"فصلاهما بعد العصر، وكان إذا صلى صلاة أثبتها (^١).\nوأما معارضة قضاء النبي ﷺ لراتبة الظهر بعد العصر بما يروى عن ذكوان، عن أم سلمة فهو حديث شاذ ومنقطع، والضعيف لا يقوى على معارضة الصحيح.\nوأما سلوككم سبيل الترجيح بين أحاديث المنع والجواز؛ لكون أحاديث المنع أكثر، ومتواترة، ومن السنن القولية، وعمومها مراد بخلاف الفعل فإنه لا عموم له، فهذا جيد لو أنه قد تعذر الجمع بين هذه الأحاديث، فإن من القواعد أنه لا يصار إلى الترجيح إلا عند تعذر الجمع؛ وذلك أن الترجيح يؤدي إلى إعمال أحد الدليلين وإبطال المرجوح مع صحته، بخلاف الجمع فإنه إعمال لجميع الأدلة فكان أولى، والجمع أن يقال: إن النهي متوجه للنفل المطلق، والجواز متوجه لذوات الأسباب، ودعوى احتمال أن يكون القضاء مختصًّا بالنبي ﷺ قول ضعيف؛ لأن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال، فالأصل التأسي بالنبي ﷺ حتى يأتي دليل صحيح صريح بأن هذا الفعل خاص بالنبي ﷺ، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، عن عبد الله بن باباه،\nعن جبير بن مطعم، يبلغ به النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، لا تمنعُنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة من ليل أو نهار.\n[صحيح لغيره] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٩٨ - ٨٣٥).\n(^٢). هذا إسناد حسن من أجل أبي الزبير، ولكنه قد توبع، والحديث مداره على عبد الله بن باباه، ويقال: ابن بابيه، ويقال: ابن بابي، عن جبير بن مطعم، ويرويه عن عبد الله بن باباه: أبو الزبير المكي، وعبد الله بن أبي نجيح.\nأما رواية أبي الزبير، فقد اختلف عليه:\nفقيل: عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.\nوهذا هو المعروف من رواية أبي الزبير، رواه عن أبي الزبير كل من ابن عيينة، وابن جريج، وعمرو بن الحارث.\nوقيل: عن أبي الزبير، عن جابر. =","vol":"1","page":198},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.\nوقيل: عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس.\nوله شاهد من حديث ابن عمر، ومن حديث عبد الرحمن بن سابط.\nإذا تصورت وجوه الاختلاف في الجملة، فانتقل معي من الإجمال إلى التفصيل:\n\nالطريق الأول: عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم.\nرواه سفيان بن عيينة كما في مسند أحمد (٤/ ٨٠)، والحميدي (٥٧١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٤٤٢)، وسنن الدارمي (١٩٦٧)، وسنن ابن ماجه (١٢٥٤)، وسنن أبي داود (١٨٩٤)، وسنن الترمذي (٨٦٨)، والنسائي في المجتبى (٥٨٥، ٢٩٢٤)، وفي الكبرى (١٥٧٤، ٣٩٣٢)، ومسند أبي يعلى (٧٣٩٦، ٧٤١٥)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٨٠، ٢٧٤٧)، وصحيح ابن حبان (١٥٥٢، ١٥٥٤)، وسنن الدارقطني (١٥٦٦)، ومستدرك الحاكم (١٦٤٣).\nوابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٩٠٠٤)، ومسند الإمام أحمد (٤/ ٨٠، ٨٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٨٠).\nوعمرو بن الحارث كما في أخبار مكة للفاكهي (٤٨٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٤٢) رقم: ١٦٠١، وصحيح ابن حبان (١٥٥٣)، ثلاثتهم (سفيان، وابن جريج، وعمرو بن الحارث) عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.\nقال ابن جريج، في رواية عبد الرزاق، وأحمد،\nوسفيان بن عيينة في رواية ابن ماجه: «عبد الله بن بابيه».\nولم ينفرد به أبو الزبير، بل تابعه عبد الله بن أبي نجيح:\nفقد أخرجه أحمد (٤/ ٨٢) من طريق إبراهيم بن سعد،\nورواه أحمد أيضًا (٤/ ٨٣)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٤٢) ح ١٦٠٢، عن محمد بن عبيد،\nورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٠٦) من طريق زهير،\nورواه البزار في مسنده (٣٤٥٢) من طريق جرير.\nورواه البزار (٣٤٥٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٧٨) من طريق يعلى بن عبيد، خمستهم (إبراهيم بن سعد، ومحمد بن عبيد، ويعلى بن عبيد، وزهير بن معاوية) عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه به.\nوهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه صدوق، وقد صرح بالتحديث.\nفيكون الحديث بمجموع طريقي أبي الزبير وابن أبي نجيح صحيحًا.\nقال الترمذي: حديث جبير حديث حسن صحيح. وقد رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه أيضًا.\nوعبد الله بن أبي نجيح ثقة، وثقه يحيى بن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وأحمد، انظر: الجرح =","vol":"1","page":199},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والتعديل (٥/ ٢٠٣)، تهذيب الكمال (١٦/ ٢١٧)، تهذيب التهذيب (٢/ ٤٤٤).\nوهذا هو المعروف من حديث أبي الزبير.\nالطريق الثاني: عن أبي الزبير، عن جابر.\nرواه عن أبي الزبير راويان: أيوب، ومعقل بن عبيد الله:\nأما رواية أيوب: فقد اختلف عليه فيها، والراجح فيها عن أبي الزبير، عن النبي ﷺ مرسلًا:\nفقد رواه عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، واختلف على عبد الوهاب:\nفرواه الدارقطني في سننه (١٥٦٩) من طريق حفص بن عمرو الربالي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أبي الزبير، وأظنه عن جابر. فلم يجزم.\nورواه محمد بن المثنى كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (١١١١)، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، فجعله جزمًا من مسند جابر ﵁.\nقال البزار: هكذا حدثناه أبو موسى (محمد بن المثنى) في سنة ثمانٍ وأربعين في دار بني عمير، ثم إنه حدَّث به مرة أخرى، فقال: حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي الزبير، ولم يقل عن جابر، وهو الصواب، من حديث أيوب، وإنما كان سبقه لسانه عندنا، إنما يعرف، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم».\nقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٤٣٣): «اختلف عن أيوب؛\nفرواه سفيان بن وكيع، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ.\nورواه محمد بن المثنى، عن الثقفي، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن النبي ﷺ، مرسلًا.\nوالصحيح من حديث أيوب المرسل».\nوكون الصحيح من حديث أيوب الإرسال، هذا مقيد في الاختلاف على أيوب، وأما الصحيح من رواية غيره فالوصل من مسند جبير بن مطعم.\nوأما رواية معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير:\nفرواها الدارقطني في سننه (١٥٦٨)، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن سعيد الرهاوي، حدثنا أبو عوانة أحمد بن أبي معشر، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر.\nوشيخ الدارقطني ترجمه الخطيب في تاريخه (٧/ ٢٧٠)، وقال: روى عنه محمد بن المظفر، والدارقطني، وابن شاهين، وإسماعيل بن سعيد بن سويد، وغيرهم. اهـ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ففيه جهالة.\nوأحمد بن أبي معشر، لعله أبو عروبة الحراني الحسين بن محمد بن أبي معشر السلمي الجزري فهو حراني وشيخه حراني. انظر تراجم رجال الدارقطني (ص: ١٢٤)، قال عنه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٣٧): كان عارفًا بالحديث والرجال، شفاني حين سألته عن قوم من رواتهم، فذكرت ذلك في ذكر أساميهم. اهـ =","vol":"1","page":200},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوعبد الرحمن بن عمرو الحراني، قال فيه أبو زرعة: شيخ كما في الجرح والتعديل (٥/ ٢٦٧)، ووثقه الطبراني كما في المعجم الصغير (١١٣٤)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٨٠)، فالإسناد ضعيف.\nقال الحافظ في التلخيص الحبير ط العلمية (١/ ٤٨١): «رواه الدارقطني من وجهين آخرين عن نافع بن جبير عن أبيه، ومن طريقين آخرين عن جابر، وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير لا عن جابر».\nالطريق الثالث: عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.\nرواه الدارقطني في سننه (١٥٦٧) من طريق بهلول بن حسان، عن الجراح بن منهال، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبيه.\nوالجراح مجروح، قال أبو حاتم الرازي والنسائي والدارقطني: متروك، زاد أبو حاتم: ذاهب الحديث، لا يكتب حديثه.\nوبهلول بن حسان لم أقف على كلام عنه إلا ما قاله حفيده بهلول بن إسحاق: كان جدي البهلول بن حسان قد طلب الأخبار واللغة والشعر وأيام الناس وعلوم العرب، فعلم من ذلك شيئًا كثيرًا، وروى منه رواية واسعة، ثم طلب الحديث والفقه والتفسير والسير، وأكثر من ذلك، ثم تزهد إلى أن مات بالأنبار في سنة أربعٍ ومائتين. انظر تاريخ بغداد (٧/ ١٠٨)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية (٥٧٨).\nولا يلزم من سعة الرواية الثقة والضبط، بل إن اشتغاله بالعلوم الأخرى كالفقه والتفسير والسير لا يكاد يجتمع مع قوة الضبط وأين الرجل الذي يجمع الله له الحديث على طريقة رسم المحدثين والتفقه على طريقة الفقهاء، إلا أن يكون ذلك لأفراد كالإمام مالك وأحمد، وأما غيرهم فهيهات هيهات، ولذلك لا يؤثر فقه عن أئمة من أئمة الدنيا في الحديث كشعبة، وابن معين والقطان وأضرابهم، فالله المستعان.\nورواه الدارقطني من طريق عطاء، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن أبيه، ولا يصح منها شيء.\nفقد رواه الدارقطني في السنن (١٥٧٢) من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، حدثني عطاء، حدثني نافع بن جبير، أنه سمع جبيرًا يقول ... وذكر الحديث.\nوعبد الوهاب بن مجاهد: قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد والدارقطني: ليس بشيء، ضعيف.\nوقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث.\nكما رواه الدارقطني في السنن (١٥٧٠) من طريق يحيى بن عبد الله بن الضحاك، حدثنا عمر بن قيس، عن عكرمة بن خالدٍ، عن نافع بن جبير به، وعمر بن قيس متروك، ويحيى بن عبد الله ضعيف.\nكما رواه البزار في مسنده البحر الزخار (٣٤٥٠)، والطبراني (٢/ ١٣٤) ح ١٥٦٧ والدارقطني =","vol":"1","page":201},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في سننه (١٥٧٣) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير به، وإسماعيل بن مسلم ضعيف.\nالطريق الرابع: عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس.\nرواه الطبراني في المعجم الأوسط (٦٣٣٥) من طريق محمد بن مسلم المكي، حدثنا ثمامة بن عبيدة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: يا بني عبد مناف، إن وليتم من أمر الدنيا فلا تمنعُنَّ أحدًا يطوف بالبيت، أو يصلي، أي حين كان.\nلم يَروْ هذا الحديث عن علي بن عبد الله بن عباس إلا أبو الزبير، تفرد به ثمامة بن عبيدة ...\nومن طريق محمد بن مسلم المكي أخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٣).\nقال أبو نعيم: تفرد به ثمامة عن أبي الزبير.\nوثمامة بن عَبِيدة السلمي كذبه ابن المديني كما في اللسان (٢/ ٤٠٠)، وقد خولف في الإسناد، فثقات أصحاب أبي الزبير جعلوه من مسند جبير بن مطعم.\nوقد جاء حديث ابن عباس من غير طريق أبي الزبير،\nفروي عن مجاهد، عن ابن عباس.\nوروي عن عطاء بن أبي رباح، فقيل: عن عطاء، عن ابن عباس.\nوقيل: عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nأما رواية مجاهد، عن ابن عباس:\nفرواه الدارقطني في السنن (١٥٧٥) من طريق ابن الوليد العدني: حدثنا رجاء أبو سعيد، حدثنا مجاهد عن ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد المطلب أو: يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا يطوف بالبيت ويصلي، فإنه لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلا بمكة عند هذا البيت، يطوفون ويصلون.\nقال الأرنؤوط في تحقيقه لسنن الدارقطني (٢/ ٣٠٣): «في أصولنا الخطية: ابن الوليد العدني، وفي إتحاف المهرة (٨/ ١٢)، وتنقيح التحقيق (١/ ٤٨٣): أبو الوليد العدني، وما أثبتناه هو الصواب، وهو عبد الله بن الوليد العدني، فهو من هذه الطبقة، ثم هو وشيخه رجاء مكيان، والله أعلم».\nفإن كان عبد الله بن الوليد فهو صدوق، ويكنى أبا محمد، وإن كان أبا الوليد العدني فهو مجهول، وقد قال الشيخ الضياء كما في تنقيح التحقيق (٢/ ٣٧٣): «أبو الوليد العدني لم أَرَ له ذكرًا في الكنى لأبي أحمد الحاكم». اهـ\nوعلى كل حال فالإسناد ضعيف، تفرد به عن مجاهد رجاء بن الحارث أبو سعيد: قال البخاري: حديثه ليس بالقائم، وكذا قال العقيلي، وذكر له حديثًا، وقال: لا يتابع عليه، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه ليس بمحفوظ.\nوضعفه ابن معين في رواية، وفي رواية أخرى: قال: ليس به بأس. =","vol":"1","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال الحافظ في الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١٠٩): «هذا لو صح لكان صريحًا في المسألة، إلا أن رجاء ضعيف، وقد خولف عن مجاهد».\nوأما طريق عطاء بن أبي رباح:\nفرواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (٣٨٧) عن أبي نعيم الفضل بن دكين.\nوأخرجه الفاكهي (٤٨٩) من طريق الفضل بن موسى المروزي، كلاهما حدثنا طلحة بن عمرو المكي، عن عطاء، عن ابن عباس.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لضعف طلحة بن عمرو.\nورواه محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٨٦)، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن يزيد بن مَرْدَانُبَة عن عطاء، عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال: يا بني عبد مناف إن وليتم هذا الأمر؛ فلا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار.\nومحمد بن خزيمة: هو أبو عمرو، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث.\nوقال ابن يونس: قدم مصر ... وكان ثقة.\nوقال مسلمة بن قاسم: بصري ثقة. كما في الثقات لابن قُطْلُوْبَغَا (٨/ ٢٦٧).\nوخالف عبد الله بن أحمد بن حنبل محمد بن خزيمة كما في المعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٥٩) ح ١١٣٥٩، قال: حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: حدثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ: حدثني عطاء، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، إن وليتم هذا الأمر بعدي، فلا تمنعُنَّ أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار.\nفذكر فيه عبد الله بن أحمد بن حنبل إبراهيم بن ميمون الصائغ مكان ابن مردانبة، وهو المحفوظ فإن الصائغ أكثر مروياته عن عطاء بن أبي رباح، وقفت له على ستة عشر حديثًا عن عطاء بن أبي رباح، قال فيه أحمد: ما أقرب حديثه، ووثقه ابن معين، واستشهد به البخاري، وقال النسائي: ثقة، وفي موضع آخر: قال: لا بأس به، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وفي التقريب: صدوق،.\nورواية عبد الله بن أحمد أرجح من رواية محمد بن خزيمة بن راشد البصري، فعبد الله بن أحمد أضبط وأحفظ من محمد بن خزيمة، وإبراهيم بن ميمون الصائغ معروف بالرواية عن عطاء، وحسان بن إبراهيم مذكور في تلاميذ إبراهيم الصائغ، بخلاف ابن مردانبة فلم أقف له على رواية عن عطاء إلا هذه الرواية عند الطحاوي، كما لم أقف على رواية لحسان بن إبراهيم عن ابن مردانبة إلا ما كان من هذه الرواية، وفيها هذه المخالفة، فتبين أن رواية عبد الله بن أحمد أرجح، وكان يمكن الذهاب لتصحيح الحديث من رواية الصائغ، عن عطاء، عن ابن عباس =","vol":"1","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لولا أن ابن جريج قد خالف إبراهيم الصائغ، فرواه عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا، وابن جريج صاحب عطاء، وهو أوثق من الصائغ.\nفقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٩٠٠٣)،\nوعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (صدوق يخطئ)\nومسلم بن خالد الزنجي (صدوق كثير الأوهام) كما في الأم (١/ ١٣١)، والمعرفة للبيهقي (٣/ ٤٣٢) ثلاثتهم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن النبي ﷺ.\nوخالف الثلاثة سليم بن مسلم الخشاب، فرواه الطبراني في المعجم الأوسط (٤٩٧) من طريقه، قال: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، إن وليتم هذا الأمر، فلا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أن يصلي أي ساعة شاء، من ليل أو نهار.\nوهو في المعجم الصغير (٥٥).\nوالخشاب رجل متروك، قال أبو القاسم الطبراني: ... لم يروه عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس؛ إلا سليم بن مسلم. اهـ\nوله شاهد من حديث ابن عمر:\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٥٦٦)، وفي الكبير (١٢/ ٤١٠) ح ١٣٥١١، عن محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عمران بن محمد، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: يا بني عبد مناف لا أعرفنكم ما منعتم أحدًا يطوف بالبيت أن يصلي أي ساعة شاء من ليل أو نهار.\nقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\nقلت: لم يروه إلا الطبراني، وهو محل لذكر الغرائب.\nوفي إسناده عمران بن محمد بن أبي ليلى لم يوثقه أحد إلا ابن حبان، ففيه جهالة.\nوأبوه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سَيِّئُ الحفظ.\nوشيخه عبد الكريم لم ينسب، فيحتمل أنه الجزري، وهو ثقة، ويحتمل أنه ابن أبي المخارق، وهو ضعيف، فالحديث لا يصح من مسند ابن عمر ﵄.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٢٩): «رواه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الكريم عن مجاهد، فإن كان هو الجزري فهو ثقة، وإن كان ابن أبي المخارق، فهو ضعيف، والله أعلم».\nالشاهد الثاني: عبد الرحمن بن سابط.\nرواه مسدد في مسنده (١٢٠٠)، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ثنا الحسن بن يزيد أبو يونس، هو القوي، قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: لما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة يمشي ثم التفت إلى البيت فقال: والله ما أعلم بيتًا وضعه الله تعالى في الأرض أحب إلي =","vol":"1","page":204},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١١٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا سعد بن سعيد، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي،\nعن قيس بن عمرو، قال: رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ: أصلاة الصبح مرتين؟ فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، قال: فسكت رسول الله ﷺ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nالحديث وإن كان ضعيفًا فإن القياس يدل على جواز قضائها، وذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى راتبة الظهر بعد صلاة العصر، فلم يمنع وقت النهي من قضاء فائتة الظهر، وإذا صح ذلك في راتبة الظهر، كانت راتبة الفجر أولى بالقضاء منها، لسببين:\n_________\n= منك، ولا بلدة أحب إلي منك، وما خرجت عنك رغبة، ولكن أخرجني الذين كفروا، ثم نادى يا بني عبد مناف، لا يحل لعبد أن يمنع عبدًا يطوف بهذا البيت أي ساعة شاء من ليل أو نهار.\nورواته ثقات إلا أنه مرسل، ابن سابط لم يدرك النبي ﷺ.\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث، وأصحها طريق عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم، وقد صححه الترمذي كما نقلت لك سابقًا، وقال البيهقي كما في السنن الكبرى (٢/ ٦٤٧): «أقام ابن عيينة إسناده، ومن خالفه في إسناده لا يقاومه، فرواية ابن عيينة أولى أن تكون محفوظة والله أعلم».\nوقال في المعرفة (٣/ ٤٣٢): هذا إسناد موصول، وقد أكده الشافعي برواية عطاء، وإن كانت مرسلة. اهـ\nوصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم.\nوقال الحاكم: على شرط مسلم. قلت: عبد الله بن باباه وإن سمع من جبير بن مطعم إلا أن مسلمًا لم يخرج روايته عن جبير بن مطعم.\nوقال ابن الملقن كما في البدر المنير (٣/ ٢٧٩): «هذا الحديث صحيح رواه الأئمة: الشافعي وأحمد في «مسنديهما» وأصحاب السنن الأربعة من حديث جبير بن مطعم ﵁ بالأسانيد الصحيحة»، والله أعلم.\n(^١). المسند (٥/ ٤٤٧).\n(^٢). سبق تخريجه، المجلد الثالث من أحكام الصلاة المكتوبة لم يطبع بعد (ح ٦٢٧).","vol":"1","page":205},{"text":"أحدهما: محافظة النبي ﷺ على ركعتي الفجر حضرًا وسفرًا، بخلاف راتبة الظهر، فإنها تسقط بالسفر، فكانت أولى بالقضاء.\nالثاني: إذا صح قضاء راتبة الظهر بعد خروج وقتها ودخول العصر فَلَأَنْ يصح قضاء راتبة الفجر قبل خروج وقت الصبح من باب أولى، ذلك أن الفجر لا يخرج وقتها إلا بعد طلوع الشمس.\nالدليل الخامس:\n(ح-١١٢٣) ما رواه البخاري حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا همام، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: من نسي صلاة فَلْيُصَلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\nقال موسى: قال همام: سمعته يقول بعد: وأقم الصلاة للذكرى.\nورواه مسلم من طريق هداب بن خالد، حدثنا همام به، بلفظ: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^١).\nورواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، والمثنى بن سعيد، عن قتادة به، بلفظ: من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. هذا لفظ سعيد.\nولفظ المثنى: إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (^٢).\nفدل حديث أنس على جواز قضاء الفائتة في وقت النهي.\nفهذه الأدلة إما أن نقصرها على سببها الخاص، فنقول: دل الدليل على جواز قضاء الفائتة لحديث أنس، وعلى جواز إعادة الجماعة في وقت النهي لحديث يزيد ابن الأسود، وعلى جواز ركعتي الطواف لحديث جبير بن مطعم، وعلى جواز قضاء\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٥٩٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٦٨٤).","vol":"1","page":206},{"text":"السنن الراتبة لحديث أم سلمة، وأما غيرها من ذوات الأسباب فلم يرد دليل خاص يدل على جوازها حتى نخرجها من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وهذه نزعة ظاهرية، وإن قال بذلك بعض الحنابلة.\nوإما أن نقول: هذه الأحاديث دليل على جواز غيرها من ذوات الأسباب؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، وأن النهي العام عن الصلوات في أوقات النهي خاص في النفل المطلق، والجواز خاص بما له سبب، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n• حجة من قال: لا يتطوع في أوقات النهي، ومنها تحية المسجد:\nاستدل الجمهور بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وإطلاقها يشمل تحية المسجد وغيرها من ذوات الأسباب، من ذلك:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٢٤) ما رواه مسلم من طريق موسى بن علي، عن أبيه، قال:\nسمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٢٥) روى البخاري من طريق صالح بن كيسان.\nومسلم من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي،\nأنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. هذا لفظ البخاري (^٢).\n(ح-١١٢٦) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٨٣١).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٦)، وصحيح مسلم (٨٢٧).","vol":"1","page":207},{"text":"العالية،\nعن ابن عباس، قال: شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. هذا لفظ البخاري.\nورواه البخاري من طريق شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس، قال: حدثني ناس بهذا (^١).\nورواه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة به.\nوأراد البخاري من هذا الطريق تصريح قتادة بالسماع، ورواية شعبة له، فإنه لا يحمل عن قتادة إلا ما صرح به بالسماع.\n(ح-١١٢٧) وروى البخاري من طريق عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن صلاتين: بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (^٢).\nورواه مسلم بهذا اللفظ من طريق الأعرج عن أبي هريرة (^٣).\nفقوله في حديث أبي سعيد (لا صلاة بعد الصبح) لفظ: (صلاة) نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة، سواء أكانت نفلًا مطلقًا أم كانت من ذوات الأسباب.\nوقوله في حديث عمر ﵁: (نهى عن الصلاة ...) فإن (أل) في الصلاة للعموم، فيدل بعمومه على ما دل عليه عموم حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٢٨) ما رواه مسلم من طريق شداد بن عبد الله، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة،\nعن عمرو بن عبسة السلمي، فذكر قصة إسلامه من حديث طويل،\n_________\n(^١). البخاري (٥٨١)، ومسلم (٨٢٦).\n(^٢). البخاري (٥٨٨).\n(^٣). مسلم (٨٢٥).","vol":"1","page":208},{"text":"وفيه: ... فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صَلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنها حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار .... الحديث (^١).\nوقد اشتمل حديث عمرو بن عبسة على أوقات النهي الخمسة.\nالدليل الرابع:\n(ح-١١٢٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (^٢).\nورواه البخاري من طريق عبدة، عن هشام به، بلفظ: إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان، لا أدري أي ذلك، قال هشام (^٣).\nورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام به، بلفظ: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني الشيطان (^٤).\nوجه الاستدلال من هذه الأحاديث:\nأن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات مطلق، فلا تصح الصلاة بعد صلاة\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٩٤ - ٨٣٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٥)، وصحيح مسلم (٢٨٩ - ٨٢٨).\n(^٣). صحيح البخاري (٣٢٧٣).\n(^٤). صحيح مسلم (٢٩٠ - ٨٢٨).","vol":"1","page":209},{"text":"الصبح ولا بعد صلاة العصر، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، ولا عند غروبها حتى تغيب، ولا عند قائم الظهيرة، لقوله: (لاصلاة) فلفظ: (صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، ومنها ذوات الأسباب.\n• ونوقش هذا الاستدلال:\nأن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي عامة، لا صلاة بعد العصر ولا صلاة بعد الصبح، وأحاديث جواز ركعتي الطواف، وقضاء السنن الراتبة، وقضاء الفائتة، وإعادة الجماعة، وتحية المسجد أحاديث في صلوات مخصوصة، والخاص مقدم على العام.\n• وناقش الجمهور هذا الاستدلال:\nفقالوا: إن بين هذه الأحاديث عمومًّا وخصوصًّا من وجه:\nفالنهي عن الصلوات في أوقات النهي: عام في الصلوات، خاص في الوقت.\nوأحاديث الجواز: عامة في الوقت، خاصة في الصلاة،\nفحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) عام في الوقت، خاص في تحية المسجد.\nوحديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) فقوله: (إذا ذكرها): عام في الوقت، خاص بالفائتة المفروضة.\nوحديث: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى في أية ساعة شاء) فهو عام في الوقت، خاص في ركعتي الطواف.\nفكان كل واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر.\nوقولكم: الخاص مقدم على العام هذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟\nفالجمهور قالوا عموم الوقت في قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد) يُخَصُّ منه أوقات النهي؛ لأن الخاص مقدم على العام، وكذا قالوا في بقية الأحاديث.\nوالشافعية عكسوا، فقالوا: عموم النهي عن الصلوات في قوله: (لا صلاة بعد العصر) يُخَصَّ منه تحية المسجد؛ لأن الخاص مقدم على العام.","vol":"1","page":210},{"text":"فتبين أن تخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس، فيطلب مرجح لأحدهما من خارجهما؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عندما تتعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:\nوإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر\nفقال الجمهور: المرجح عندنا، أن أحاديث النهي عن الصلوات في أوقات النهي تَحْضُر الصلاة، وأحاديث تحية المسجد وركعتي الطواف وغيرها من ذوات الأسباب تبيح الصلاة، ومن طرق الترجيح التي عليها أكثر أهل الأصول: تقديم ما يفيد المنع على ما يفيد الإباحة، حتى صاغ بعض الفقهاء القاعدة التي تقول: إذا اجتمع المبيح والحاضر قدم جانب الحضر.\n• جواب الشافعية ومن يرى مذهبهم:\nأما الجواب عن تقديم المبيح على الحاضر، فقالوا:\nإن التعارض ليس في كلها بين مبيح وحاضر:\nفقد يكون التعارض بين حاضر وحاضر: فالنهي عن الصلاة في أوقات محدودة معارض بالنهي عن الجلوس في المسجد قبل أن يصلي ركعتين.\nوفي قضاء الفوائت يكون التعارض ليس بين مبيح ومانع، فيقدم المانع، وإنما التعارض بين أمرين: أحدهما موجب ملزم، والآخر مانع حاضر، فيقدم الموجب الملزم على المانع الحاضر؛ لأن فيه احتياطًا للعبادة وإبراءً الذمة، ولهذا لم يتفق الجمهور مع الحنفية على هذه المسألة ممن منع الصلاة في أوقات النهي.\nوأما وجه ترجيح الشافعية تخصيص عموم (لا صلاة بعد العصر ...) وأمثاله بخصوص الأمر بتحية المسجد، وركعتي الطواف، وغيرها من ذوات الأسباب فقدموا ثلاثة أسباب للترجيح، منها:\nالمرجح الأول:\nأن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن العام المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام إذا تواردت عليه المخصصات.","vol":"1","page":211},{"text":"قال محمد الأمين الشنقيطي: «وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي» (^١).\nقال البيضاوي في نهاية السول: «العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته» (^٢).\nوقال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «يرجح العام الباقي على عمومه على العام المخصوص» (^٣).\nفالعام في النهي عن جميع الصلوات في أوقات النهي خُصَّ منه ما يلي:\n١ - قضاء الفوائت، فالفرائض قد خصت من عموم النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ لأن الفرائض مطلوب أن يصليها في أي وقت، ولا نهي عنها؛ لقوله: (فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)، وهذا الحكم لا يختلف فيه الحنابلة والمالكية مع الشافعية، وإنما يخالف فيه الحنفية فقط، فيقدمون النهي عن الصلاة في أوقات النهي على قضاء الفوائت، وهو قول في غاية الضعف؛ ولو كانت مراعاة أوقات النهي مقدمة على مراعاة الفرائض لما صحت العصر الحاضرة وقت اصفرار الشمس؛ لدخول وقت النهي، والحنفية يصححون الصلاة في هذا الوقت، فدل على أن مراعاة الفرائض مقدم على مراعاة أوقات النهي، من غير فرق بين أداء وقضاء.\n٢ - إعادة الصلاة مع الجماعة إذا أقيمت الصلاة، وهو في المسجد.\nفالنص ورد في صلاة الصبح، ومع ذلك أمر الرسول ﷺ الرجلين بالصلاة مع الجماعة مع أنهما صليا في رحالهما، وقد دخل وقت النهي في حقهما، وجعل النبي ﷺ سبحتهما نافلة، وسبق ذكره في معرض الأدلة، وهو نص في مورد النزاع، وحديث صحيح، لا سبيل لرده، ولا يصح حمل الحديث على أنه واقعة عين؛ لأنه أعطاهما حكمًا عامًّا، فقال لهما ﵊: (إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلِّها معه، فإنها له نافلة).\n_________\n(^١). مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: ٣٨٤).\n(^٢). نهاية السول في شرح منهاج الأصول (ص: ٣٨٥)، وانظر التحبير شرح التحرير (٨/ ١٤٧٧).\n(^٣). شرح مختصر الروضة (٣/ ٧١٥).","vol":"1","page":212},{"text":"ولا سبيل في إدخال هذا النص في القول: بينهما عموم وخصوص من وجه، فإن هذا يقال: لو كان الحديث سنَّة قوليةً، أما والحديث سنة فعلية، وقعت في وقت النهي، وأمرهما النبي ﷺ بالصلاة بعد صلاة الصبح مع كونها نافلة في حقهما، فوجب التسليم لهذا النص، ولا معنى لتخصيص الحكم في الصلاة المعادة فقط، مع حكم النبي ﷺ بأن الصلاة المعادة نافلة إلا القول: بأن النوافل منها ما يجوز في وقت النهي، ومنها ما لا يجوز، فالجائز من النافلة هو ما كان له سبب، والممنوع من النافلة: هو المطلق مما لا سبب له.\n٣ - مما يؤيد إخراج تحية المسجد من عموم النهي أن النبي ﷺ أمر بها حال الخطبة، والنهي عن الصلاة في وقت الخطبة أشد نهيًا منها في أوقات النهي؛ لأن السامع منهي عن النفل المطلق بإجماع، ومنها عن الصلاة على الجنازة، وعن الطواف بالبيت، بل ومنهي عن كل ما يشغله عن الاستماع، ولو كان من قبيل إنكار المنكر، فدل على أن النهي هنا أوكد وأضيق منه بعد الفجر، فإذا أمر بتحية المسجد وقت الخطبة، ففعلها في سائر أوقات النهي من باب أولى (^١).\nوقل مثل ذلك في سائر أحاديث الجواز، فهذه المخصصات أضعفت العموم الوارد في أحاديث النهي، كحديث: (لا صلاة بعد العصر .. ولا صلاة بعد الصبح) ونحوها.\nبينما العموم في حديث: (فليصلها إذا ذكرها)\nوعموم حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد) فلم يدخله تخصيص، والعام الذي لم يدخله التخصيص مقدم على العام الذي دخله التخصيص.\nالمرجح الثاني:\nأن المنهي عنه هو تحري الصلاة في أوقات النهي لحديث ابن عمر: (لا يَتَحَرَّ أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها). متفق عليه\nوتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، وهذا لا يصدق إلا على النفل المطلق، وأما ذوات الأسباب، فإنها صليت تبعًا لأسبابها، ولم يقصد\n_________\n(^١). انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":213},{"text":"المصلي الصلاة، فالطواف ليس ممنوعًا في وقت النهي، فإذا طاف صلى ركعتين تبعًا للطواف، فالقصد كان متوجهًا للطواف، وليس للصلاة، وإذا دخل المسجد في وقت النهي فصلى ركعتين فالقصد كان متوجهًا لدخول المسجد، ودخول المسجد ليس داخلًا في وقت النهي، وقل مثل ذلك في بقية ذوات الأسباب، والله أعلم.\nالمرجح الثالث:\nأن القائلين بمنع النفل مطلقًا قد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي، وتركوا بعض الأدلة الدالة على جواز ذوات الأسباب.\nبخلاف القائلين بمنع النفل المطلق، وجواز النفل من ذوات الأسباب، فقد أخذوا بأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي وحملوها على النفل المطلق، وأخذوا بأحاديث الجواز، وحملوها على ذوات الأسباب، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والجمع بين الأدلة المتعارضة هو المتعين، ولا سبيل للترجيح إلا إذا تعذر الجمع، ولم يتعذر هنا.\n• الراجح:\nهذه المسألة من مسائل الخلاف القوية، والأدلة فيها متجاذبة، وإن كانت الكفة تميل قليلًا إلى مذهب الشافعية، إلا أن مذهب الجمهور غير مدفوع من النظر، وإن كان الخلاف في بعض المسائل أضعف من بعض، فالقول بمنع قضاء الفوائت في وقت النهي قول ضعيف جدًّا، والقول بمنع تحية المسجد وقت الخطبة قول ضعيف، وقد وافق الحنابلة الشافعية في القول بالجواز، وسوف أفردها بالبحث، والصلاة على الجنازة بعد العصر والصبح أخف من الصلاة عليها وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، أوحين يقوم قائم الظهيرة، ذلك أن الأوقات الثلاثة يسيرة جدًّا، والنهي فيها معلل بعلل تقشعر منها الأبدان، فالنهي عن الصلاة حين تطلع الشمس أو حين تغرب معلل بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ، بينما النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر لم يُنَصَّ على علة النهي، وإن كان له حكمة بلا شك، فيكون النهي فيهما أخف من غيرهما، وقد","vol":"1","page":214},{"text":"يكون النهي عنهما من باب سد الذرائع حتى لا يتهاون الناس في الصلاة فيتمادون إلى تحري الصلاة عند اصفرار الشمس، أو عند شروقها وغروبها، ولهذا جاء في مسائل أبي داود: سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس فقال: إذا تدلَّت الشمس للغروب فلا يصلَّى عليها. قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة قال: يصلَّى عليها ما لم تدلَّ للغروب (^١).\nولأن هناك فرقًا بين هذه الأوقات الثلاثة وبين النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فالأوقات الضيقة ابتداء الوقت وانتهاؤه معلوم من قبل الشارع، وليس من فعل المكلف، والنهي عن الصلاة بعد العصر ابتداؤه معلق بفعل الصلاة، فكان المكلف هو من يحدد ابتداء وقت النهي، فالتنفل إذا دخل العصر جائز ما لم يصلِّ العصر، وكذلك يقال في الصبح على الصحيح مما يجعل الشأن في الصلاة فيه أخف، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). مسائل أحمد رواية أبي داود (١٠٣٣).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثالث عشر في اشتراط النية لتحية المسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد فإنها تسقط بالراتبة وبالفريضة، وبغيرها من الصلوات إذا فعلها قبل أن يجلس، ومثله الجمع بين طواف الوداع والإفاضة على الصحيح.\n• لا تشترط نية تحية المسجد للجلوس، وهل تشترط النية للثواب؟\n• قال ﷺ: (وإنما لكل امرئ ما نوى) مفهومه: أن الشيء إذا لم يَنْوِهِ فليس له ثواب، فلا ثواب إلا بنية.\n• الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه.\n[م-٤٥٩] إذا صلى ركعتين مطلقًا كان له أن يجلس، ولا يشترط أن ينوي بالركعتين تحية المسجد، لأن تحية المسجد من النوافل المطلقة، فإذا صلى ركعتين نفلًا مطلقًا، أو راتبة، أو صلاة فريضة مؤداة، أو مقضية، أو منذورة أجزأه ذلك؛ لتحقق الامتثال حيث يصدق عليه أنه لم يجلس حتى صلى، ولحصول تعظيم المسجد (^١).\nقال النووي: ولا خلاف في هذا (^٢).\n[م-٤٦٠] وهل يحصل ثوابها ولو لم ينوها؟ في ذلك قولان، هما وجهان في\n_________\n(^١). درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١٦)، نور الإيضاح (ص: ٨٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٩٤)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨)، الدر المختار (ص: ٩٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، المجموع (٤/ ٥٢).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٢)، وانظر أسنى المطالب (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":216},{"text":"مذهب الشافعية:\nقال الخطيب في مغني المحتاج: «ويحصل فضلها، ولو لم تُنْوَ كما صرح به ابن الوردي في بهجته» (^١).\n•وجه هذا القول:\nبأن الامتثال قد تحقق فلم يجلس حتى صلى، ولأن الثواب أوسع من النية، فقد يثاب الإنسان على عمل غيره إذا كان سببًا فيه، ولو لم يَنْوِهِ، والمسلم قد لا يستحضر النية، لا زهدًا في الثواب، ولكن قد يذهل عنها.\nوقيل: لا يحصل الثواب إلا بالنية؛ لقوله ﷺ: (وإنما لكل امرئ ما نوى) (^٢).\nفهذا الرجل لم يَنْوِ إلا الراتبة، أو الفريضة، فليس له إلا ما نوى، ولم يَنْوِ في عمله أن يستبيح الجلوس، ولا ثواب إلا بنية.\n[م-٤٦١] ولو نوى الفريضة وتحية المسجد، أو الراتبة وتحية المسجد.\nقال النووي: حصلا جميعًا بلا خلاف .... فالمراد بها ألا ينتهك المسجد بالجلوس بغير صلاة (^٣).\nوقيل: إذا نوى تحية المسجد والفريضة لا يكون داخلًا في الصلاة، واختاره محمد بن الحسن الشيباني؛ لأن الفرض مع النفل جنسان مختلفان، لا رجحان لأحدهما على الآخر في التحريمة، فمتى نواهما تعارضت النيتان، فلغيتا (^٤).\nوقال بعض المالكية: إذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ثم صلى راتبة الوقت، وقد استظهره ابن عبد السلام بحجة أن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين، وهو قول ضعيف جدًّا، ومخالف للمعتمد من مذهب المالكية (^٥).\n• ويتعقب:\nبأن القول: إن العبادة الواحدة لا تقوم مقام اثنتين إنما يصح هذا إذا كانت\n_________\n(^١). مغني المحتاج (١/ ٤٥٦).\n(^٢). أسنى المطالب (١/ ٢٠٤).\n(^٣). المجموع (٤/ ٥٢).\n(^٤). حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨).\n(^٥). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":217},{"text":"كل واحدة من العبادتين مقصودة للشارع بذاتها، كالتشريك بين الظهر والعصر، وبين الفرض وراتبته، وبين الراتبة القبلية والبعدية، وأما العبادات التي لا تقصد لذاتها، كتحية المسجد فإنها تسقط بالراتبة وبالفريضة، وبغيرها من الصلوات إذا فعلها قبل أن يجلس، ومثله الجمع بين طواف الوداع والإفاضة على الصحيح، وكذلك طواف العمرة يغني عن طواف القدوم، ولا تغني تحية المسجد عن الراتبة؛ لأن الراتبة أعلى منها، وهي مقصودة لذاتها، بل لا يستحب إذا دخل المسجد أن يخص تحية المسجد بنية، وراتبة الصلاة بنية مستقلة، فإذا صلى الراتبة أغناه ذلك عن تحية المسجد، وإنما جاء الإشكال عند بعض الفقهاء المتأخرين من غلبة اسم تحية المسجد على هاتين الركعتين قبل الجلوس، حتى ظن أنها مقصودة بهذه النية، لا يقوم غيرها مقامها، وهي تسمية اصطلاحية، واللبس غالبًا ما يأتي من التسميات غير الشرعية.\n\n* * *","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الرابع عشر في حصول تحية المسجد في أقل من ركعتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يعرف نفل مطلق يتكون من ركعة واحدة.\n• التطوع بركعة واحدة لا يتصور إلا في الوتر، شريطة أن يقع ذلك في الليل، على خلاف بين الفقهاء في صحة الإيتار بركعة.\n• قال ﷺ (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) مفهومه: أن من صلى أقل من ركعتين فلا يجلس.\n• المفهوم حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية بشرط أن يكون المفهوم مقصودًا، فإن خرج مخرج الغالب لم يكن المفهوم حجة بالإجماع.\n• لا يفهم من قوله: (فلا يجلس) وجوب التحريمة لها قائمًا؛ لصحة النافلة جالسًا، فالجلوس خرج مخرج الغالب.\n• عدد الركعتين في تحية المسجد لا مفهوم لأكثره، فلو صلى أربع ركعات كان له الجلوس.\n[م-٤٦٢] ذهب الشافعية في الأصح: أن تحية المسجد لا تحصل بأقل من ركعتين، فلو صلى على جنازة، أو سجد لتلاوة، أو شكر، أو جاء بعد العشاء فأوتر بركعة لم تحصل التحية؛ لظاهر حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) (^١).\nوقد سبق لك الخلاف في سجدة التلاوة والشكر، أتعد صلاة، فتشترط لهما ما تشترط للصلاة من طهارة ونحوها، أم لا تعتبر صلاة، وهو الصحيح؛ لأن الصلاة\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٤/ ٥٢)، نهاية المحتاج (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":219},{"text":"تطلق على ما كان تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، فلا تغني سجدة التلاوة والشكر عن تحية المسجد؟\nوقيل: تحصل بأقل من ركعتين، كما لو أوتر بركعة، وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (^١).\n• وحجة هذا القول:\nأن حديث أبي قتادة: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، له منطوق، ومفهوم:\nفالمنطوق: أن من صلى ركعتين جلس.\nومفهومه: أن من صلى أقل من ركعتين فلا يجلس.\nوالمفهوم حجة عند الجمهور خلافًا للحنفية بشرط أن يكون المفهوم مقصودًا، فإن خرج مخرج الغالب لم يكن المفهوم حجة بالإجماع (^٢).\nوضابطه: أن يكون الوصف الذي خرج مخرج الغالب موجودًا في أكثر صورها، ولا شك أن أغلب النفل المطلق يكون على صورة ركعتين، فهو في صلاة الليل نصًّا: لقوله ﷺ (صلاة الليل مثنى مثنى)، وكذلك النفل في النهار يأتي أغلبه على صورة ركعتين كالسنن الرواتب، وسنة الضحى، وركعتي الاستخارة، وسنة الوضوء، وغيرها من النفل المطلق، ولا يعرف نفل مطلق من ركعة واحدة، وأما حديث: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فزيادة (والنهار) غير محفوظة.\nفإذا كان النفل المطلق كله أو أغلبه على صورة ركعتين كان القول بأن ذكر الركعتين في تحية المسجد خرج مخرج الغالب فيه قوة، فلا يكون مفهومه حجة.\nفإن قيل: إن الرسول ﷺ أمر من دخل يوم الجمعة، والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، ولو كانت تجزئ ركعة واحدة لاقتصر على الأمر بها مراعاة لسماع الخطبة.\nفالجواب: أن التطوع بركعة واحدة لا يتصور إلا في الوتر شرط أن يقع في الليل، على خلاف بين الفقهاء في صحة الإيتار بركعة، فليس متصورًا أن يقع التطوع\n_________\n(^١). طرح التثريب (٣/ ١٨٧)، فتح المنعم شرح صحيح مسلم (٣/ ٤٨٥)، مغني المحتاج (١/ ٤٥٦).\n(^٢). الفروق للقرافي (٢/ ٣٨).","vol":"1","page":220},{"text":"بركعة واحدة في النهار، فالمسألة متصورة في رجل دخل المسجد بعد العشاء، فأوتر بركعة، أيحصل المقصود بذلك، فيجلس، أم لا بد من الركعتين؟\n[م-٤٦٣] لو صلى أكثر من ركعتين بنية تحية المسجد، فإن كان في الليل فقد أخطأ؛ لأن تحية المسجد على الصحيح من النفل المطلق، وصلاة الليل مثنى مثنى.\nوإن كان ذلك في النهار، فذهب أكثر أهل العلم إلى حصول تحية المسجد؛ لأن عدد الركعتين في تحية المسجد لا مفهوم لأكثره، وحكاه في فيض القدير اتفاقًا (^١).\nقال بعض الحنفية: وصلاة أربع ركعات أفضل من ركعتين إن صلى الأربع بسلام واحد، فإن حصلت الزيادة على الركعتين بعد السلام فلا تنعقد الثانية تحية (^٢).\nوقال الشافعية: الزيادة غير مطلوبة، وإن أثيب فاعلها (^٣)، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). فيض القدير (١/ ٣٣٧).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (٢/ ١٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٩٤)،.\n(^٣). تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الخامس عشر في صلاة تحية المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إذا خرج إمام الجمعة على الناس وهو يصلي أتمها خفيفة بلا خلاف.\n• دخول الإمام يمنع التنفل ممن صلى تحية المسجد، وحكي إجماعًا.\n• قول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس) يشمل بعمومه كل مسجد، سواء أكان ذلك في الجمعة أم في غيرها، وسواء أكان الإمام يخطب أم لا، وسواء أكان الوقت وقت نهي أم لا، والعام على عمومه حتى يَرِدَ من النصوص ما يخصصه.\n• تواطأ العام والخاص على الأمر بتحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.\n• الأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يَبْقَ الاستماع واجبًا في حق الداخل.\n[م-٤٦٤] قبل عرض الخلاف أبين محل الوفاق في المسألة.\nفيجوز استدامة تحية المسجد بلا خلاف، فلو خرج الإمام، وهو في تحية المسجد لم يقطعها، بل يتمها خفيفة، وحكي الإجماع على ذلك.\nقال النووي: «فإن خرج الإمام، وهو في صلاة استحب له أن يخففها بلا خلاف ولا تبطل ...» (^١).\nإذا أدرك الإمام في آخر الخطبة، وخشي إن صلى تحية المسجد أن تفوته تكبيرة الإحرام، أو تفوته الركعة الأولى لم يصلها في أصح القولين.\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ٥٥١)، وانظر: التوضيح لخليل (٢/ ٦٤).","vol":"1","page":222},{"text":"قال النووي: «وإن دخل والإمام في آخر الخطبة، وغلب على ظنه أنه إن صلى التحية فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام، لم يُصَلِّ التحية، بل يقف حتى تقام الصلاة ولا يقعد؛ لئلا يكون جالسًا في المسجد قبل التحية، وإن أمكنه الصلاة، وإدراك تكبيرة الإحرام صلى التحية، قال النووي: هكذا فصله المحققون» (^١).\nدخول الإمام يمنع التنفل ممن صلى تحية المسجد، وقد ساق الماوردي والنووي الإجماع على التحريم.\nوإن دخل الرجل، والإمام يخطب، فاختلف العلماء هل يصلي تحية المسجد؟\nفقيل: لا تشرع تحية المسجد حال الخطبة، وهو مذهب الحنفية، والأصح في مذهب المالكية وبه قال الثوري، والليث (^٢).\nجاء في التجريد للقدوري: «قال أصحابنا: إذا دخل الرجل، والإمام يخطب يوم الجمعة لم يصل تحية المسجد» (^٣).\nقال خليل: «لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على الأصح» (^٤).\nوقال المازري: «قال مالك: تسقط تحية المسجد على الداخل، والإمام يخطب» (^٥).\nوخالف في ذلك الشافعي، وأحمد، وداود، فقالوا: إذا دخل، والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين، وبه قال أئمة فقهاء أهل الحديث (^٦).\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ٥٥١).\n(^٢). بدائع الصنائع (٢/ ٢٦٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٨٤)، البحر الرائق (١/ ٢٦٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٧٦)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ١٣٠)، التجريد للقدوري (٢/ ٩٤٢).\nوانظر قول الثوري والليث في شرح التلقين (٢/ ١٠٠٩).\n(^٣). التجريد (٢/ ٩٤٢).\n(^٤). التوضيح لخليل (٢/ ٦٤)، التبصرة للخمي (٣/ ٥٨١)، مواهب الجليل (٢/ ١٧٩)، شرح التلقين (٢/ ١٠١٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٨٨)، منح الجليل (١/ ٤٤٨)، بداية المجتهد (١/ ١٧٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٣٤٦)، إرشاد السالك (١/ ٢٦)، البيان والتحصيل (١/ ٣٦٧).\nوقال المالكية: لو أحرم بها بعد خروج الإمام ناسيًا أو جاهلًا لم يقطعها، بخلاف لو أحرم بها متعمدًا، فإنه يقطعها.\n(^٥). المعلم بفوائد المسلم (١/ ٤٧٠).\n(^٦). الأم (١/ ٢٢٧)، مختصر المزني (٨/ ١٢١)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٢٩)، نهاية المطلب ...\n(٢/ ٥٥٦)، البيان للعمراني (٢/ ٥٩٦)، المجموع (٤/ ٥٥١)، كفاية الأخيار (ص: ١٤٧).","vol":"1","page":223},{"text":"قال ابن الملقن الشافعي: «يكره له تركها، وبه قال الحسن البصري، ومكحول، وعبد الله بن يزيد، وابن عيينة، وأبو ثور، والحميدي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود وآخرون» (^١).\n• دليل من قال: لا يجلس حتى يصلي ركعتين:\nاستدلوا بدليل عام، ودليل خاص:\nأما الدليل العام:\n(ح-١١٣٠) فهو فيما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،\nعن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس.\nهكذا رواه مالك بلفظ: الأمر، وهو في الموطأ (^٢).\nورواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، بلفظ النهي: قال النبي ﷺ: إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين (^٣).\nوتوبع عامر بن عبد الله بن الزبير على سياقه بلفظ النهي:\n(ح-١١٣١) فقد رواه مسلم من طريق محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرو ابن سليم بن خلدة الأنصاري،\nعن أبي قتادة -صاحب رسول الله ﷺ قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله ﷺ: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا، والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين (^٤).\nفقول النبي ﷺ (إذا دخل أحدكم المسجد) يشمل بعمومه كل مسجد، سواء\n_________\n(^١). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٥٨٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٤)، وصحيح مسلم (٦٩ - ٧١٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).\n(^٤). صحيح مسلم (٧٠ - ٧١٤).","vol":"1","page":224},{"text":"أكان ذلك في الجمعة أم في غيرها، وسواء أكان الإمام يخطب أم لا، وسواء أكان الوقت وقت نهي أم لا، والعام على عمومه حتى يرد من النصوص ما يخصصه.\nوأما الدليل الخاص:\n(ح-١١٣٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار،\nعن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين (^١).\n• وأجيب:\nتأول الحنفية والمالكية بأن الحديث واقعة عين خاص بهذا الرجل، لا عموم لها.\n• ورد هذا الجواب:\nبأن البخاري قد رواه من طريق آدم، قال: أخبرنا شعبة، عن عمرو بن دينار به، بلفظ: (إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب، أو قد خرج ..) (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٩٣٠)، وصحيح مسلم (٥٤ - ٨٧٥).\n(^٢). اختلف فيه على شعبة في قوله: (أو قد خرج)\nفرواه آدم كما في صحيح البخاري (٢/ ٥٧)،\nوعلي بن الجعد كما في مسنده (١٥٩٩)، وسنن الدارقطني (١٦١٣).\nوأسد بن موسى كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ١٦٢) ح ٦٧٠١،\nوهاشم بن القاسم كما في سنن الدارمي (١٥٩٢)، أربعتهم، رووه عن شعبة بلفظ: (والإمام يخطب أو قد خرج).\nوخالفهم، محمد بن جعفر، كما في صحيح مسلم (٥٧ - ٨٧٥)، ومسند أحمد (٣/ ٣٦٩)، فرواه عن شعبة به، بلفظ: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام).\nوتابعه على هذا خالد بن الحارث، فرواه كما في المجتبى من سنن النسائي (١٣٩٥)، وفي الكبرى له (١٧١٥)، عن شعبة، بلفظ: إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام ...). قال شعبة: يوم الجمعة. فجعل لفظ: (يوم الجمعة) من قول شعبة، والباقي كلفظ محمد بن جعفر.\nورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١٨٠١)، وأبو عوانة في مستخرجه، ط الجامعة (٢٧٣٥).\nوالنضر بن شميل كما في سنن الدارقطني (١٦١٤).\nوأبو زيد الهروي (ثقة) رواه الدارقطني في سننه (١٦١٥) من طريق يحيى بن عياش القطان (فيه جهالة) حدثنا أبو زيد الهروي،\nووهب بن جرير كما في سنن الدارقطني (١٦١٦)، فرووه عن شعبة به، بلفظ: إذا جاء أحدكم ...\nوالإمام يخطب)، فقالوا: والإمام يخطب بدل من قولهم: وقد خرج الإمام.","vol":"1","page":225},{"text":"وهذا لفظ عام، وهو نص في موضع النزاع.\n• وأجاب الحنفية والمالكية بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nبأن الحديث قد رواه حماد بن زيد، وابن عيينة، وابن جريج، وأيوب، وورقاء، وحبيب بن يحيى، كلهم عن عمرو بن دينار، بلفظ: (أن رجلًا دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ: صليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) (^١).\nوخالف شعبة كل هؤلاء، فجعله حكمًا عامًّا، فقال: إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب فَلْيُصَلِّ ركعتين.\n_________\n(^١). الحديث رواه عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله:\nورواه جماعة عن عمرو بن دينار:\nالأول: حماد بن زيد، رواه البخاري (٩٣٠) ومسلم (٥٤ - ٨٧٥)، وأكتفي بالصحيحين، ولفظه: جاء رجل، والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين.\nالثاني: سفيان بن عيينة، رواه البخاري (٩٣١)، ومسلم (٥٥ - ٨٧٥) بنحو حديث حماد، وأكتفي بالصحيحين.\nالثالث: أيوب، عن عمرو بن دينار.\nأخرجه مسلم (٥٤ - ٨٧٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٩٦٤)، وابن خزيمة (١٨٣٣)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٦٣) ح ٦٧٠٦.\nالرابع: ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار.\nأخرجه مسلم (٥٦ - ٨٧٥)، وعبد الرزاق (٥٥١٣)، وأحمد (٣/ ٣٦٩، ٣٨٠)، والشافعي في السنن (١٧)، والنسائي في المجتبى (١٤٠٠). وفي الكبرى (١٧١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٦٢) ح ٦٧٠٠، وابن خزيمة (١٨٣٣، ١٨٣٤)، وابن المنذر في الأوسط (٤/ ٩٣/١٨٤٠).\nالخامس: ورقاء بن عمر، رواه أبو عوانة كما في إتحاف المهرة (٣٠٢١).\nالسادس: محمد بن مسلم الطائفي، كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ١٦٢) ح ٦٧٠٢، والكتاب الثالث عشر من المشيخة البغدادية لأبي طاهر السِّلَفيِّ (٣٢).\nالسابع: غالب بين عبيد الله، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٦٤١٣)،\nالثامن: روح بن القاسم، كما في صحيح ابن خزيمة (١٨٣٣)، وسنن الدارقطني (١٦١٧)","vol":"1","page":226},{"text":"فهذا لفظ شاذ، انفرد به شعبة عن عمرو بن دينار، وأصحاب عمرو بن دينار لا يذكرون ما يذكره شعبة.\nالجواب الثاني:\nأن دخول الرجل كان وقت قعود النبي ﷺ على المنبر،\n(ح-١١٣٣) واستدلوا بما رواه مسلم من طريقين عن الليث، عن أبي الزبير،\nعن جابر، أنه قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (والنبي ﷺ قاعد على المنبر)، فلو كان دخوله في أثناء الخطبة لم يكن النبي ﷺ قاعدًا.\nوقد ترجم له النسائي في السنن الكبرى: الصلاة قبل الخطبة.\n• ونوقش هذا:\nبأن أبا سفيان طلحة بن نافع، وعمرو بن دينار روياه عن جابر، ولم يذكرا أن النبي ﷺ كان قاعدًا، بل نصًّا على أن النبي ﷺ كان يخطب، وهما أرجح من أبي الزبير.\nوقد تقدمت رواية عمرو بن دينار، وأما رواية طلحة بن نافع.\nفقد رواها مسلم من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر بن عبد الله، قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: يا سليك، قم فاركع ركعتين، وتجوز بهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما (^٢).\n• دليل من قال: لا يصلي تحية المسجد إذا حضر الإمام:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٨ - ٨٧٥).\n(^٢). صحيح مسلم (٥٩ - ٨٧٥)، وقد زاد بعضهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وليس بمحفوظ.","vol":"1","page":227},{"text":"وجه الاستدلال:\nجاءت آثار عن السلف بأن الآية نزلت في شأن الخطبة (^١)، وآثار أخرى أنها نزلت في شأن الصلاة (^٢)،\nوثالثة أنها نزلت فيهما معًا، فتحمل الآية عليهما (^٣).\n_________\n(^١). روى ابن أبي شيبة في المصنف تحت باب (في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال ابن أبي شيبة (٨٣٧٦): حدثنا هشيم، عن العوام، عن مجاهد، قال: في خطبة الإمام يوم الجمعة.\nومن طريق هشيم أخرجه سعيد بن منصور في سننه في كتاب التفسير (٩٧٦).\nوإسناده صحيح، والعَوَّام هو ابن حوشب ثقة.\n(^٢). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٨٣٨٠) حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: هذا في الصلاة.\nورواه ابن أبي حاتم في التفسير (٨٧٢٨) حدثنا أبو سعيد الأشج،\nوالطبري في تفسيره ت شاكر (١٥٥٨٢) حدثنا حفص بن غياث،\nوأخرجه أيضًا (١٥٦٠١) حدثنا أبو خالد الأحمر،\nوابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٩) من طريق بكر بن خنيس،\nوأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٧٧) من طريق عبد العزيز بن مسلم.\nوأخرجه أيضًا (٢٦٧) من طريق علي بن مسهر، ستتهم، عن الهجري به.\nوفي إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري رفع أحاديث أوقفها غيره، قال شعبة: كان رَفَّاعًا، وقد ضعفه أحمد وابن معين، والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث، وذكره الدولابي والعقيلي في الضعفاء.\nوروى ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٧٢٦)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٣٤٧)، والدارقطني في سننه (١٢٣٩)، وتمام في فوائده (١٥٦)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٧٩) من طريق عبد الله بن عامر، حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن هذه الآية ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قال: نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة.\nوضعفه الدارقطني بعبد الله بن عامر.\nقال ابن رجب في الفتح (٩/ ٢٩٣): يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم الذي أخرجه البخاري ... وقد أخبرهم أنهم كانوا يتكلمون حتى نزلت (وقوموا لله قانتين). اهـ\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٤٠٥٦)، عن الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: هذا في الصلاة. وإسناده صحيح، وأبو هاشم: هو إسماعيل بن كثير المكي، انظر القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢٦٠).\n(^٣). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٨٣٨٢)، حدثنا غندر، عن شعبة، عن منصور، قال: سمعت =","vol":"1","page":228},{"text":"وسميت الخطبة قرآنًا؛ لاشتمالها عليه، ولا يقال: إنه يجمع بين الصلاة والاستماع؛ لأن الاشتغال بالصلاة، والقراءة فيها تنفي الاستماع (^١).\nوقد نقل ابن رجب في شرح البخاري عن الإمام أحمد أنه قال: أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة (^٢).\nوقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.\nوقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله (^٣).\n•ويجاب بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nلعل مراد الإمام أحمد أن الأقوال في نزول الآية عند السلف بعضهم قال: نزلت في الصلاة، وبعضهم قال: نزلت في الخطبة، فإحداث قول ثالث يخالف اتفاقهم، ولا يقصد أن الإجماع حصل على الصلاة والخطبة، يبين ذلك عبارة ابن المنذر في الأوسط بعد أن ساق الآثار في نزول الآية عن ابن عباس وأبي هريرة أنها نزلت في الصلاة، قال: «وقال آخرون: في الخطبة، وقد ذكرت أسانيدها في غير هذا الموضع، فقال بعض من يقول بهذا القول: لولا أنهم اتفقوا على أن الآية نزلت في الصلاة، أو في الصلاة والخطبة لوجب بظاهر الكتاب على كل من سمع قارئًا يقرأ أن يستمع لقراءته؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ\n_________\n= إبراهيم بن أبي حرة، أنه سمع مجاهدًا قال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة.\nومن طريق شعبة أخرجه سعيد بن منصور في سننه، كتاب التفسير (٩٧٧)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٦٣، ٢٦٤)، وسنده صحيح، وإبراهيم بن أبي حرة وثقه ابن معين وأحمد، وأبو حاتم، وزاد الأخير: لا بأس به.\n\n(^١). انظر التجريد للقدوري (٢/ ٩٤٢).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٨/ ٢٦٩) و(٨/ ٢٨٠).\n(^٣). الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٥)، المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٨).","vol":"1","page":229},{"text":"تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فلما أجمعوا على إسقاط وجوب الاستماع عن كل سامع قارئًا يقرأ إلا عن السامع لقراءة الإمام، وهو خلفه، والسامع لخطبة الإمام خرج ذلك عن عموم الكتاب وظاهره بالاتفاق» (^١).\nفحكى الاختلاف هل نزلت في الصلاة أو في الصلاة والخطبة، وجعل الاتفاق هو في إسقاط وجوب الاستماع لمن سمع قارئًا، ولم يكن إمامًا، ولا خطيبًا، وأما وجوب الاستماع للإمام إذا قرأ، أو الخطيب إذا قرأ فهو محل نزاع، وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في سقوط الفاتحة عن المأموم إذا قرأ الإمام، فالخلاف في سقوط استماع الخطيب حال تحية المسجد من باب أولى، هذا معنى حكاية الاتفاق والاختلاف، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nبأن الآية عامة، تشمل الصلاة، وتشمل كل من كان يستمع الخطبة، وحديث جابر خاص في حق رجل دخل والإمام يخطب، والخاص مقدم على العام عند أهل الأصول؛ لأن العام ظني الدلالة على عموم أفراده؛ لكونه مظنة التخصيص، والخاص قطعي الدلالة؛ لأنه لا يحتمل ذلك، فإن كان في الخطبة قرآن يجب الاستماع له فهو مخصوص بالسنة الصحيحة، ولا مانع من تخصيص عموم القرآن وتقييد مطلقه بالسنة، كما أوجب بعض الفقهاء قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية، ولو قرأ الإمام تقييدًا للآية بحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٣٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب،\nأن أبا هريرة، أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن العربي: «إذا منعه بحرمة الخطبة عن الأمر بالمعروف، والنهي عن\n_________\n(^١). الأوسط (٣/ ١٠٥).\n(^٢). صحيح البخاري (٩٣٤)، وصحيح مسلم (١١ - ٨٥١).","vol":"1","page":230},{"text":"المنكر، وهو فرض، فأولى وأحرى أن يمنعه عن تحية المسجد، وهي فضل» (^١).\n• وأجيب:\nتحية المسجد في وجوبها نزاع، وعلى التسليم بأنها سنة فلا يمنع أن تقدم السنة على الواجب إذا كانت السنة يسيرة جدًّا لا يؤدي تقديمها إلى فوات الواجب، وقد ينازع في وقت وجوب سماع الخطبة، أيجب الاستماع بمجرد سماعها ولو قبل دخول المسجد، أم يجب الاستماع بعد الدخول وقبل تحية المسجد، أم لا يجب الاستماع إلا بعد أن يصلي تحية المسجد، وكلها احتمالات، والأمر بوجوب الإنصات للخطبة عام، خص منه الداخل حتى يصلي تحية المسجد، وإذا خص من الوجوب لم يبق الاستماع واجبًا في حق الداخل.\nوأما حديث النهي عن إنكار المنكر فالمراد من الحديث الحض على الإنصات وترك الكلام، ولو فتح الباب للمصلين لينصح بعضهم بعضًا لربما أفسدوا على الإمام خطبته بظهور اللغو بين المصلين في أثناء الخطبة، بخلاف تحية المسجد فهي لا تؤثر على سماع الناس الخطبة، وقد أمر المصلي بتخفيفها، لهذا فالصحيح أن حديث الأمر بصلاة تحية المسجد مقيد لإطلاق هذا الحديث.\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني ابن صالح، عن أبي الزاهرية، قال:\nكنت جالسًا مع عبد الله بن بسر يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسِول الله ﷺ يخطب، فقال: اجلس، فقد آذيت، وآنيت (^٢).\n[إسناده جيد إن كان حفظه معاوية بن صالح، فقد تفرد به عن أبي الزاهرية] (^٣).\n• وقد رده ابن حزم من أربعة وجوه:\nأحدها: أنه لا يصح، لأنه من طريق معاوية بن صالح، لم يَرْوِهِ غيره، وهو ضعيف.\n_________\n(^١). القبس (١/ ٣٥١).\n(^٢). المسند (٤/ ١٩٠).\n(^٣). سبق تخريجه في مسألة حكم تحية المسجد.","vol":"1","page":231},{"text":"الوجه الثاني: أن الحديث لو صح ليس فيه أنه لم يكن ركعهما.\nالوجه الثالث: لو سلمنا صحة الخبر، وأنه لم يكن ركع لكان ممكنًا أن يكون قبل أمر النبي ﷺ من جاء، والإمام يخطب بالركوع، وممكنًا أن يكون بعده، ومع عدم القطع لا يكون لهم فيه حجة، ولا عليهم.\nالوجه الرابع: أنه لو صح الخبر، وصح فيه أنه لم يكن ركع، وصح أن ذلك كان بعد أمره ﵇ من جاء والإمام يخطب بأن يركع، وكل ذلك لا يصح منه شيء، لما كانت لهم فيه حجة، لأننا لم نقل: إنهما فرض، وإنما قلنا: إنهما سنة يكره تركها، وليس فيه نهي عن صلاتهما، فبطل تعلقهم بهذا الخبر جملة وتفصيلًا (^١).\nوكلام ابن حزم متين، ويضاف إليه أن ظاهر حديث معاوية بن صالح، معارض لحديث عمرو بن دينار، وأبي الزبير، عن جابر، والأول في الصحيحين، والثاني في صحيح مسلم، حيث أقام النبي ﷺ الرجل بعد أن جلس ليصلي تحية المسجد، فلا يترك الصريح البين لحديث يتطرق له جملة من الاحتمالات، أقلها أن أمر النبي ﷺ له بالجلوس أراد به منعه من تخطي الرقاب، ولم يرد به إسقاط تحية المسجد، ولم يذكرها لكونها معلومة لهم، فاستغنى بعلمهم لها عن ذكرها، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر المحلى (٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث السادس عشر في تحية المسجد إذا أقيمت الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفرع الأول في ابتداء النافلة بعد إقامة الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تحية المسجد لا تصلى بالاتفاق بعد إقامة الصلاة.\n• قوله ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) قوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل نافلة.\n• العام على عمومه، فلا صلاة خارج المسجد، ولا داخله، ولا ركعتي الفجر ولا غيرها.\n• علة المنع عن التطوع بعد إقامة الصلاة الاشتغال بالنافلة عن الفريضة.\nقوله ﷺ: (فلا صلاة) نفي بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم.\n• هل يراد بقوله: (فلا صلاة) نفي الصحة؟ لأن نفي الوجود غير ممتنع بإقامة الصلاة؛ ولأن النهي يقتضي الفساد؟\n• لم يأمر النبي ﷺ المتنفل بقطع الصلاة، فأنكر عليه، وتركه يتم النافلة.\n• التحريم لا ينافي الصحة؛ لكون النهي لا يعود لذات النافلة، وإنما لحضور الفريضة.\n• السعي للصلاة يجب بمجرد سماع النداء إن كان للجمعة، وبالإقامة إن كان لغيرها.\n• أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر، فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصر أنه لا يقطع صلاته، ويكملها، لقوله ﷺ: (إلا المكتوبة).\n[م-٤٦٥] إذا أقيمت الصلاة فإن الإقامة تمنع من ابتداء صلاة تحية المسجد بعد الإقامة، وهذا بالإجماع لما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: إذا أقيمت الصلاة","vol":"1","page":233},{"text":"فلا صلاة إلا المكتوبة (^١).\nقال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أنه لا يشتغل عنها -أي عن الفريضة- بتحية المسجد» (^٢).\n[م-٤٦٦] واختلفوا في جواز الشروع في راتبة الفجر بعد إقامة الصلاة:\nفاتفق أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي على أن له أن يصلي ابتداءً ركعتي الفجر، ولو كان الإمام يصلي الفرض، إلا أن منهم من اشترط ألا تفوته الركعة الأولى، وهذا قول مالك، والثوري (^٣).\nومن الأئمة من اشترط ألا تفوته الركعة الثانية، وهذا قول الإمام أبي حنفية والأوزاعي. ومنهم من اشترط صلاتها خارج المسجد، وهذا قول الإمام مالك والإمام أبي حنيفة (^٤)،\nومنهم من لم يشترطه كالأوزاعي (^٥)،\n_________\n(^١). سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في أدلة القول الأول.\n(^٢). مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٦٤)، وتتمة كلام ابن تيمية: ولكن تنازعوا في سنة الفجر، والصواب أنه إذا سمع الإقامة فلا يصلي السنة، لا في بيته، ولا في غير بيته، بل يقضيها إن شاء بعد الفرض». وانظر الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٨٥).\n(^٣). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٦)، الاستذكار (٢/ ١٣٠)، التمهيد (٢٢/ ٧٠)، المنتقى للباجي (١/ ٢٢٧)، تفسير القرطبي (١/ ١٦٧)، إكمال المعلم (٣/ ٤٣)، بداية المجتهد (١/ ٢١٥).\n(^٤). قال أبو حنيفة: يصلي سنة الفجر خارج المسجد، إذا لم يخش أن تفوته الركعة الثانية، فإن خشي فواتها دخل وصلى مع الإمام، ولا رواية عنه في داخل المسجد، انظر الجامع الصغير (ص: ٩٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨٦)، الهداية (١/ ٧١).\n\nولم يشترط محمد بن الحسن أن تكون الركعتان خارج المسجد، انظر الأصل (١/ ١٦٥). ثم توسع بها الحنفية داخل المسجد، قال صاحب فيض الباري (٢/ ٢٥١): «أول من وسع بها في المسجد هو الطحاوي، فذهب إلى جوازها في ناحية المسجد بشرط الفصل بينها وبين المكتوبة، حتى لا يعد واصلًا بينها وبين المكتوبة، وهو مثار النهي عنده».\nلهذا جاء من بعده على هذا التفصيل: إن لم يكن هناك موضع للصلاة خارج المسجد، صلاها في المسجد خلف سارية من سواري المسجد، ويكره أن يصليها مخالطًا للصف، مخالفًا للجماعة، أو يصلي خلف الصف من غير حائل. انظر الهداية شرح البداية (١/ ٧١)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٤٢)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٥٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٤٧٥)، البحر الرائق (٢/ ٨٠)، مراقي الفلاح (ص: ١٧٥).\n(^٥). الاستذكار (٢/ ١٣١)، التمهيد لابن عبد البر (٢٢/ ٧٠).","vol":"1","page":234},{"text":"والثوري (^١).\nقال ابن المنذر: «وممن كان يرى أن يصلي ركعتي الفجر، والإمام في الصلاة: مسروق، ومكحول، والحسن البصري، ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان ...» (^٢).\nوقال الشافعية والحنابلة وابن حزم من الظاهرية: إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي ابتداء مطلقًا، لا داخل المسجد، ولا خارجه، وسواء أفرغ المؤذن من الإقامة أم كان في أثنائها، وبه قال إسحاق وابن المبارك، وأبو ثور وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وابن سيرين (^٣).\n• وسبب الخلاف:\nاختلافهم في مفهوم قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة):\nفمن حمل هذا على عمومه لم يُجِزْ صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة، لا خارج المسجد ولا داخله، وعلة المنع عندهم النهي عن الاشتغال بالنافلة عن الفريضة.\nومن فرق بين من كان داخل المسجد ومن كان خارجه، رأى أن من كان خارج المسجد لم يلزمه حكم الإمام، بخلاف من كان داخل المسجد فقد لزمه حكم الإمام، فَعِلَّةُ المنع عندهم الاختلاف على الإمام في اجتماع صلاتين معًا في موضع واحد، ويكون هذا من باب تخصيص عموم قوله: (فلا صلاة إلا المكتوبة) بالعلة (^٤).\nويدخل عليهم في ذلك أن مقتضى تعليلهم يقضي بجواز النافلة مطلقًا خارج المسجد، فلا معنى لتخصيصهم الجواز في ركعتي الفجر.\n_________\n(^١). الاستذكار (٢/ ١٣١)، التمهيد (٢٢/ ٧٠).\n(^٢). الأوسط لابن المنذر طبعة الفلاح (٥/ ٢٣٥).\n(^٣). المجموع (٤/ ٥٦، ٢١٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٢)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٠٦)، شرح السنة للبغوي (٣/ ٣٦٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٥)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٦٠)، أعلام الموقعين ت مشهور (٤/ ٢٢٥)، التحقيق لابن الجوزي (١/ ٤٤٩)، ونص الحنابلة وابن حزم من الظاهرية أن النافلة لا تنعقد، انظر: كشاف القناع (١/ ٤٥٩)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٨٢٠)، الكافي (١/ ٢٩٠)، المغني (١/ ٣٣٠)، المحرر (١/ ٤٠)، المحلى، مسألة (٣٠٧).\n(^٤). بداية المجتهد (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":235},{"text":"• دليل من قال: لا يصلي بعد إقامة الصلاة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٣٦) ما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. ورواه مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار به.\nورواه مسلم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به.\nقال حماد: ثم لقيت عَمْرًا، فحدثني به ولم يرفعه (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) لفظ: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة نافلة لقوله: (إلا المكتوبة)، فيشمل المكتوبة التي أقيمت، ويشمل ما لو كان المصلي يقضي مكتوبة كانت عليه، وشرع في قضائها، فلا يخرج منها بالإقامة، وأما رواية (فلا صلاة إلا التي أقيمت) فهذا اللفظ ضعيف (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٧١٠).\n(^٢). رواه أحمد (٢/ ٣٥٢)، قال: حدثنا حسن، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا عياش بن عباس القتباني، عن أبي تميم الزهري، عن أبي هريرة، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت.\nفي إسناده ابن لهيعة ضعيف مطلقًا، قبل احتراق كتبه، وبعده على الصحيح، وأبو تميم الزهري، لم يَرْوِ عنه غير عياش بن عباس، قال الحسيني في تعجيل المنفعة (١٢٤٢): مجهول.\nورواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، واختلف عليه فيه:\nفرواه الطحاوي في مشكل الآثار (٤١٢٨) حدثنا فهد، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عياش القتباني، عن أبيه، عن أبي تميم به. كرواية ابن لهيعة.\nورواه مطلب بن شعيب كما في الأوسط للطبراني (٨٦٥٤) (صدوق).\n\nورواه فهد بن سليمان بن يحيى كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٢)، (وثقه ابن يونس)، كلاهما (مطلب وفهد) روياه عن عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن عبد الله بن عياش بن عباس القتباني، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة به، فخالف في إسناده، وجعله من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوأبو صالح كاتب الليث متكلم فيه.","vol":"1","page":236},{"text":"قال ابن بطال: «أجمعوا أن من عليه صلاة الظهر فدخل في المسجد ليصليها فأقيمت عليه العصر أنه لا يقطع صلاته ويكملها» (^١).\nوهو نفي بمعنى النهي، فيكون معنى الحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا تُصَلِّ إلا المكتوبة، والأصل فيه التحريم، وهل يراد به نفي الصحة؟ لأن نفي الوجود غير ممتنع بإقامة الصلاة، ولأن النهي يقتضي الفساد، ولعموم قوله ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد، أم أن التحريم لا يمنع من الصحة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر المتنفل بقطع الصلاة، فأنكر عليه، وتركه يتم النافلة؟ قولان هما وجهان في مذهب الحنابلة، وقال المالكية: تحرم، وتصح (^٢).\nوقيل: النهي للكراهة، ويكون النفي (لا صلاة) أي كاملة، ورجحه ابن حجر.\nقال ابن حجر: «قوله (فلا صلاة) أي صحيحة، أو كاملة، والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال» (^٣).\nيقصد ابن حجر قصة الرجل الذي كان يصلي بعد ما أقيمت الصلاة، فأنكر عليه النبي ﷺ، وكون النبي ﷺ لم يقطع عليه صلاته، يحتمل ما ذكره ابن حجر، وأن النبي ﷺ لما تركه ليتم صلاته كان ذلك دليلًا على كراهة الفعل.\nويحتمل أن النبي ﷺ تركه؛ لأنه دخل بالصلاة جاهلًا، ولا تكليف قبل العلم.\nواحتمال ثالث لم يتطرق إليه ابن حجر، أن تكون الصلاة صحيحة مع التحريم، والله أعلم.\nوأما حديث ابن عباس بأن النبي ﷺ جذبه فلا يصح، وسوف يأتي تخريجه إن\n_________\n(^١). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٨٨)، وانظر التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٤٦٦).\n(^٢). جاء في لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٤٢٨): «يحرم ابتداؤها، كما صرح به ابن عرفة وغيره، وإذا فعل أساء، وأجزأته، وصرح بذلك في التوضيح، والقباب، والبرزلي، والأبي، وحملت الكراهة في ابن الحاجب كالمدونة على التحريم لخبر: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». وانظر: مواهب الجليل (٢/ ٨٩)، الحاوي للفتاوى (١/ ٤١٠)، الفروع (٢/ ٢٣)، السيل الجرار (ص: ١٦٢، ١٦٣).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":237},{"text":"شاء الله تعالى في الأدلة.\n• ونوقش الاستدلال بالحديث:\nبأن الحديث مداره على عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وكان عمرو بن دينار تارة يرفعه، وتارة يوقفه، ولو كان الاختلاف من الرواة عن عمرو بن دينار لأمكن الترجيح بين الرواة، فيحكم للأكثر والأحفظ، أما إذا كان مرد الاختلاف من الرجل الذي عليه مدار الحديث، فهو دليل على عدم ضبطه، فيكون ذلك علة في الحديث، فليس قبول المرفوع منه بأولى من قبول الموقوف عنه، والمتيقن الوقف، والموقوف ليس بحجة، وقد قال حماد بن زيد كما في صحيح مسلم بأنه سمعه من أيوب، عن عمرو دينار مرفوعًا، ثم سمعه من عمرو نفسه موقوفًا، فهذه شهادة من حماد أن مصدر الاختلاف جاء من عمرو بن دينار، وليس من الرواة عنه، وقد تجنب البخاري تخريجه في صحيحه، قال الحافظ ابن رجب: وإنما لم يخرجه البخاري؛ لتوقفه، أو لترجيحه وقفه (^١).\nقال أبو زرعة: الموقوف أصح (^٢).\n_________\n(^١). قال البخاري في صحيحه (١/ ١٣٣): باب: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، ثم أخرج حديث عبد الله بن بحينة آلصبح أربعًا؟ ولم يخرج حديث أبي هريرة.\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ١٤٩): «... اختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقيل إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يخرجه ...».\nوقال ابن رجب في فتح الباري (٦/ ٥٥): قد اختلف في رفعه ووقفه، واختلف الأئمة في الترجيح، فرجح الترمذي رفعه، وكذلك خرجه مسلم في صحيحه، وإليه ميلُ الإمام أحمد، ورجح أبو زرعة وقفه، وتوقف فيه يحيى بن معين، وإنما لم يخرجه البخاري لتوقفه، أو لترجيحه وقفه. والله أعلم.\n\nقلت: لا يظهر لي أن مسلمًا رجح رفعه بمجرد ذكره في صحيحه إلا لو اقتصر على الرواية المرفوعة، أما وقد أتبعها برواية الوقف، فقد تكون إشارة إلى تعليله، كعادته في صحيحه، فنَفَس مسلم في الإعلال هي إيماءات وإشارات شأنه شأن الأئمة المتقدمين، وأما المتأخرون فقد أولعوا في البسط والإسهاب ولا تدري سبب ذلك، أهي المشكلة من الكاتب أم من المتلقي حيث يضطر الكاتب إلى بسط الكلام ليفهم عنه.\n(^٢). علل الحديث تحقيق مجموعة من الباحثين بإشراف فضيلة الشيخ سعد الحميد والدكتور خالد ...\nالجريسي (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":238},{"text":"فإن قيل: لعل الرفع كان هو الأول، فيقدم الحفظ القديم، فقد روى الخليلي بإسناده عن حماد بن زيد، قال: قال علي بن الحكم: حدثنا عمرو فرفعه، ثم شك في الرفع، فجعل لا يجاوز أبا هريرة (^١).\nفالجواب: أن السراج في حديثه والبيهقي في سننه رويا بإسنادهما عن زكريا بن عدي عن حماد بن زيد أنه قال: قال علي بن الحكم: حدث بهذا عمرو مرة فرفعه، فقال له رجل: إنك لم تكن ترفعه قال: بلى، قال: لا والله، قال: فسكت (^٢).\nفقد تشير هذه الرواية إلى أن الرفع طارئ على رواية الوقف، والله أعلم، والذي لا سبيل إلى الشك فيه أن الاختلاف جاء من عمرو بن دينار نفسه، لا من الرواة عنه، فالذهاب إلى الترجيح بين من رواه مرفوعًا ومن رواه موقوفًا إنما يكون سديدًا لو كان هذا الاختلاف جاء من الرواة عن عمرو، فيكون الترجيح في الموازنة بينهما عددًا وحفظًا، أما إذا كان الاختلاف من شيخهم فكيف تكون العهدة عليهم؟ ولهذا لم يرجح الدارقطني في علله بين روايتي الوقف والرفع، وكذلك فعل يحيى بن معين، فقال: «يرفعه قوم، ويوقفه قوم، جميع الذين رووه ليس بهم بأس» (^٣).\nوكان ابن عيينة لا يرويه إلا موقوفًا، ولما قيل له: إنهم يروونه مرفوعًا، قال: اسكت قد عرفت ذلك، فلم يعبأ بالرواية المرفوعة حين رأى أن الاختلاف ليس من الرواة، وإنما من شيخه عمرو بن دينار، وسوف أوثق لك النقل عن ابن عيينة في تخريج الحديث إن شاء الله تعالى.\nولو قيل بالترجيح بين الرواة مع أني لا أذهب إليه فإن حماد بن زيد وابن عيينة، وابن جريج قد رووه عن عمرو بن دينار موقوفًا، وهم من أثبت أصحاب\n_________\n(^١). الإرشاد في معرفة علماء الحديث (٢/ ٤٩٩).\n(^٢). حديث السراج (٢١١٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧٩).\n(^٣). قال أبو خالد الدقاق (ص:٣٦١): «سمعت يحيى يقول: حديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) يرفعه قوم، ويوقفه قوم، جميع الذين رووه ليس بهم بأس». اهـ.","vol":"1","page":239},{"text":"عمرو بن دينار، يضاف إليهم الإمام الثوري، فلا يعدل بهؤلاء أحد من الرواة مهما يكثر عددهم، وقد اختلف على أيوب، وحماد بن سلمة، والأخير كثير الخطأ في روايته عن عمرو بن دينار كما سوف أوثق لك ذلك بالتخريج.\nوإليك تخريج أهم الطرق إلى عمرو بن دينار، والله أعلم (^١).\n_________\n(^١). الحديث مداره على عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، وقد روي عن عمرو بن دينار موقوفًا ومرفوعًا، وسوف أختار من هذه الطرق أهمها وأصحها إن شاء الله تعالى، وأُعْرِضُ عن الطرق الضعيفة جدًّا أو المشهورة بالضعف؛ لأن ذكرها لا يضيف شيئًا.\nالطرق التي جاءت عن عمرو بن دينار بالوقف.\nالطريق الأول: حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار به موقوفًا.\nرواه مسلم في صحيحه (٧١٠) والبزار في مسنده (٨٧٣٦)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٩٩)، من طريق يزيد بن هارون،\nورواه البزار في مسنده (٨٧٣٦) من طريق محمد بن عبد الملك القرشي (ثقة).\nوالخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٩٩) من طريق أبي الربيع الزهراني (سليمان بن داود ثقة)،\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٦٧٩) من طريق زكريا بن عدي،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (١٠/ ٣١٦) من طريق حميد بن مسعدة،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٢)، وفي مشكل الآثار (١٠/ ٣١٥) من طريق أبي عمرو الضرير، ستتهم عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا.\n\nوفي رواية أبي عمرو الضرير قد قرن رواية حماد بن زيد مع حماد بن سلمة، والمحفوظ من رواية حماد بن سلمة رواية الرفع، كما سيأتي بيان ذلك عند الكلام على طريقه إن شاء الله تعالى.\nوخالف هؤلاء إبراهيم بن الحجاج السامي (ثقة)، فرواه عن الحمادين: حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به مرفوعًا.\nرواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٥٢)، وتمام في فوائده (٧٤٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٩٢) و(٣٨/ ٣٢٣).\nوأظنه حمل رواية حماد بن زيد على رواية حماد بن سلمة، والمحفوظ من رواية حماد بن زيد ما رواه أصحابه عنه كما تقدم موقوفًا، والمحفوظ من رواية حماد بن سلمة أنه يرويه مرفوعًا، وسيأتي تخريجها إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nالطريق الثاني: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به موقوفًا.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٨٤٠).\nوالبيهقي في المعرفة (٤/ ٢١، ٢٢) من طريق الشافعي. =","vol":"1","page":240},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والترمذي في العلل الكبير (١٣٠) حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي.\nوالبزار في مسنده البحر الزخار (٨٧٤٠) حدثنا أحمد بن عبدة.\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٤١٣٠)، والبيهقي في المعرفة (٤/ ٢٢) من طريق سعيد بن منصور.\nوالطحاوي في مشكل الآثار (١٠/ ٣١٥) من طريق عبد الغني بن أبي عقيل، كلهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به موقوفًا.\nوخالفهم أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي كما في معجم ابن عساكر (١/ ٣٨٢)، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوقال الدارقطني في العلل (١١/ ٨٩): «واختلف عن ابن عيينة؛ فرواه أبو الأشعث أحمد بن المقدام، وسعيد بن منصور، والعلاء بن هلال، عن ابن عيينة، مرفوعًا، ووقفه غيرهم عن ابن عيينة».\nوقد تقدم لك أن سعيد بن منصور ممن رواه عن ابن عيينة موقوفًا، ولم أقف على رواية سعيد بن منصور المرفوعة. كما لم أقف على رواية العلاء بن هلال، وهو منكر الحديث، فذكرها لا يضيف شيئًا، فلم يخالف من أصحاب ابن عيينة ثقة إلا أبو الأشعث، وقد خالف جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة من الطبقة الأولى لهذا المحفوظ عن سفيان رواية الوقف.\nقال الحميدي كما في المعرفة والتاريخ (٢/ ٨٠٩) «قيل لسفيان في حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) إنهم يروونه مرفوعًا. فقال: اسكت قد عرفت ذلك.\nقال أبو بكر (أي الحميدي): وربما قال سفيان: يرى عمرو أنه مرفوع، وربما لم يقله».\nفواضح أن ابن عيينة لا يعبأ بالرواية المرفوعة حين رأى شيخه عمرو بن دينار يرفعه مرة، ويوقفه أخرى.\nالطريق الثالث: ابن جريج، عن عمرو بن دينار.\nرواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (٣٩٨٧) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٠) عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن عطاء بن يسار أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.\nوعبد الرزاق من أثبت الناس في ابن جريج، وقد خالفه أبو عاصم الضحاك بن مخلد رواه أبو داود في سننه (١٢٦٦) حدثنا الحسن بن علي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج به مرفوعًا.\nفالضحاك بن مخلد من أصحاب ابن جريج إلا أن الحديث لم يَرْوِهِ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد إلا الحسن بن علي بن محمد الخلال، ولا عن الحسن إلا أبو داود، والحسن بن علي قد غمزه أحمد، ولعل ذلك بسبب المذهب، وقد وثقه أبو داود والنسائي وجماعة.\nجاء في إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ص: ٩٩) نقلًا عن صاحب الزهرة: روى عنه البخاري ثلاثة وثلاثين حديثًا، ومسلم سبعة وسبعين حديثًا. اهـ ولم يتعقبه.\nوالحق أن البخاري روى له حديثًا واحدًا في الحج (لولا أن معي الهدي لأحللت)،\nوروى له مسلم، وأكثرها إن لم يكن كلها في المتابعات والشواهد، وهو وإن كان ثقة ومعروفًا =","vol":"1","page":241},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بالرواية عن أبي عاصم إلا أن مسلمًا لم يخرج للحسن بن علي من روايته عن أبي عاصم إلا حديثين في المتابعات، فلا أراه يقدم على رواية عبد الرزاق، وهو من أثبت الناس في ابن جريج، وقد أخرج البخاري من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج سبعة عشر حديثًا جلها من المتفق عليه، وأكثر مسلم من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج، والله أعلم.\nالطريق الرابع: الثوري، عن عمرو بن دينار.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٩٨٧) ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٠) عن الثوري، عن عمرو بن دينار به موقوفًا، وقرنه عبد الرزاق برواية ابن جريج السابق تخريجها.\nوخالف إسحاق الأزرق عبد الرزاق، إلا أن له فيه إسنادين، فرواه مرة عن الثوري عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nورواه الأزرق بإسناد آخر فقال: عن سفيان، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا، فجعل واسطة بين سفيان وبين عمرو بن دينار.\nوإسحاق الأزرق قال أحمد: الأزرق كثير الخطأ عن سفيان، العلل (١٤٦٨)، وإذا كان كثير الخطأ عن سفيان فلا يمكن معارضة رواية عبد الرزاق بروايتة، على أن الحمل ربما لا يكون من الأزرق، بل ممن رواه عنه وإليك بيان الطريقين عن إسحاق بن يوسف الأزرق.\nفأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٥/ ٤٠٧) من طريق محمد بن محمد بن سليمان، قال: حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، حدثنا سفيان الثوري به.\nوفي إسناده أبو بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، وإن كان حافظًا إلا أنه كثير الخطأ، كثير التدليس، كثير التصحيف، متهم بسرقة الحديث قال الدارقطني: مدلس مخلط يسمع من بعض رفاقه ثم يُسْقِطُ مَنْ بينه وبين شيخه، وربما كانوا اثنين وثلاثة، وهو كثير الخطأ.\nوقال أبو بكر الإسماعيلي: لا أتهمه في قصد الكذب، ولكنه خبيث التدليس، ومُصَحِّفٌ أيضًا، أو قال: كثير التصحيف. انظر: سؤالات السهمي (٨٩، ١٣٢)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨٥)، ميزان الاعتدال (٤/ ٢٦)،\nوقد خولف الباغندي، فرواه الخطيب في تاريخه (٥/ ٤٠٧) من طريق محمد بن محمد بن يزيد أبي أحمد المطرز، حدثنا أحمد بن هشام بن بهرام، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار به، فزاد واسطة بين الثوري وعمرو بن دينار، ولا يثبت أيضًا هذا، فإن أبا أحمد المطرز قال الدارقطني: ليس بالقوي، كان يحفظ. اهـ\nفالمحفوظ من رواية الثوري ما رواه عبد الرزاق عنه موقوفًا، لهذا اعتمدت رواية الثوري في جملة من رواه عن عمرو بن دينار موقوفًا، ولم أهتم لرواية إسحاق بن يوسف الأزرق؛ لأنه كثير الخطأ عن سفيان، مختلف عليه في إسناده، وفي الرواة إليه من هو متكلم فيه، والله أعلم.\nهذه أربعة طرق رويت عن عمرو بن دينار بالوقف، وليس الحمل عليهم في ذلك، بل الحمل على شيخهم عمرو بن دينار، فإنه تارة يرويه موقوفًا، وتارة يرويه مرفوعًا. =","vol":"1","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما الطرق التي جاءت عن عمرو بن دينار بالرفع، فمنها:\nالطريق الأول: ورقاء بن عمر اليشكري، عن عمرو بن دينار.\nرواه مسلم (٦٣ - ٧١٠)، وأحمد (٢/ ٤٥٥)، وأبو داود (١٢٦٦)، والنسائي في المجتبى (٨٦٦)، وفي السنن الكبرى (٩٤٠)، والدارمي (١٤٨٩)، والبزار (٨٧٤١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤١٢٤)، وابن خزيمة في صحيحه (١١٢٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٣٥٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٥٩٨)، وفي حلية الأولياء (٩/ ٢٢٢)، وابن بشران في أماليه (١٢٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٧٨)، من طريق شعبة،\nوأخرجه مسلم (٧١٠)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٥٩٩) من طريق شبابة بن سوار،\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٣١) وأبو عوانة في مستخرجه (١٣٥٦) عن أبي النضر (هاشم بن القاسم).\nوأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٤١٢٣) من طريق محمد بن سابق.\nوأخرجه الطبراني في الصغير (٢١)، وفي الأوسط (٢٢٨٥)، وفي مسند الشاميين (٩٣)، وتمام في فوائده (١/ ١٢٥)، والخليلي في الإرشاد (٢/ ٤٦٤) من طريق بقية بن الوليد، خمستهم (شعبة، وشبابة، وهاشم، ومحمد، وبقية) رووه عن ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار به، مرفوعًا.\nالطريق الثاني: زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار.\nواختلف على زكريا بن إسحاق،\nفرواه روح بن عبادة كما في صحيح مسلم (٦٤ - ٧١٠)، ومسند أحمد (٢/ ٥١٧)، وسنن الترمذي (٤٢١)، وسنن ابن ماجه (١١٥١)، وصحيح ابن خزيمة (١١٢٣)، ومستخرج أبي عوانة (١٣٥٦)، ومستخرج أبي نعيم (٢/ ٣٠٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧٨).\nوأزهر بن القاسم كما في مسند أحمد (٢/ ٥٣١)، ومسند إسحاق (٣٧٣)، وسنن ابن ماجه (١١٥١)،\nوعبد الرزاق بن همام كما في سنن أبي داود (١٢٦٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧٨).\nوعبد الله بن المبارك كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٦٥)، وفي السنن الكبرى له (٩٣٩)، وصحيح ابن حبان (٢١٩٣).\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى كما في مسند البزار (٨٧٤٥)، كلهم رووه عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nخالفهم أبو عاصم الضحاك بن مخلد، فرواه عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة به مرفوعًا.\nأخرجه الدارمي في السنن (١٤٨٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤١٢٢)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٣٧١)، وابن الأعرابي في المعجم (٣٨٩)، فذكر سليمان بن يسار مكان عطاء بن يسار، وهي رواية شاذة، وهم فيه أبو عاصم. =","vol":"1","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالطريق الثالث: أيوب، عن عمرو بن دينار.\nرواه أيوب واختلف عليه فيه:\nفرواه حماد بن زيد كما في صحيح مسلم (٧١٠)، وسنن أبي داود (١٢٦٦)، وسنن ابن ماجه (١١٥١)، ومسند البزار (٨٧٣٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٣٥٦)، ومستخرج أبي نعيم (١٦٠١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧٨)، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nومعمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق (٣٩٨٩)، ومسند البزار (٨٧٣٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٣٥٦)، كلاهما عن أيوب، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوفي رواية معمر عن أيوب كلام.\nوقال الدارقطني في العلل (١١/ ٨٣): «وتابعه (يعني تابع حماد بن زيد) معمر، وأبو حمزة السكري، وداود بن الزبرقان، رووه عن أيوب مرفوعًا».\nوخالفهما عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ثقة) كما في مسند البزار (٨٧٣٨).\nوكذلك عبد الوارث بن سعيد (ثقة)، أخرجه البزار في مسنده (٨٧٣٧)، قال: حدثنا أحمد بن مالك القسري، حدثنا عبد الوارث، كلاهما روياه عن أيوب، عن عمرو بن دينار به موقوفًا على أبي هريرة.\nوإسناد عبد الوهاب رجاله ثقات، وأما إسناد عبد الوارث فلم يَرْوِهِ عنه إلا أحمد بن مالك القسري، ولا عن القسري إلا البزار، والقسري ليس له ذكر في كتب الرواية إلا ما جاء في هذا الحديث، من رواية البزار عنه، وليس له ذكر في كتب التراجم، فلا أظنه محفوظًا من حديث عبد الوارث.\nورواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، واختلف على إسماعيل:\nفرواه الفتح بن هشام الترجماني (فيه جهالة) كما في حديث السراج (٢١١٩)،\nومحمد بن قدامة (ثقة) كما في صحيح ابن حبان (٢٤٧٠)، كلاهما عن إسماعيل، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوخالفهما أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤٨٤١)، فرواه عن ابن علية، عن أيوب به موقوفًا، فتبين أن رواية أيوب وقع فيها اختلاف في الرفع والوقف، ولعل رواية الرفع أرجح، لهذا ذكرتها في قسم من رواه عن عمرو بن دينار مرفوعًا.\nتنبيه: سقط من صحيح ابن حبان (محمد بن قدامة) سواء في النسخة التي حققها الأرنؤوط (٦/ ٢٢٢)، أو في النسخة التي حققها الألباني والمسماة التعليقات الحسان (٤/ ٢٠٤)، فصار الإسناد هكذا: أخبرنا محمد بن سفيان الصفار بالمصيصة، قال: حدثنا ابن علية، والصواب أن بين الصفار وابن علية محمد بن قدامة بن أعين، والتصحيح من إتحاف المهرة (١٥/ ٤٠٢).\nالطريق الرابع: حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار.\nرواه حماد بن سلمة، واختلف عليه فيه:\nفرواه مسلم بن إبراهيم (ثقة) كما في سنن أبي داود (١٢٦٦)، والدارمي (١٤٩١)، ومسند =","vol":"1","page":244},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالبزار (٨٧٤٧)، وحديث السراج (٢١٢١)، ومستخرج أبي عوانة (١٣٥٦)، ومعجم ابن الأعرابي (١١٢١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧٨).\nوموسى بن إسماعيل (ثقة) كما في معرفة السنن والآثار للبيهقي (٤/ ١٧)،\nومؤمل بن إسماعيل كما في مسند أبي يعلى (٦٣٧٩)، وفي المعجم له (٥٦)، ثلاثتهم رووه عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nومؤمل بن إسماعيل وإن كان كثير الخطأ إلا أن هذا قد أُمِن منه بالمتابعة.\nخالفهم أبو عمرو الضرير، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٧٢)، وفي مشكل الآثار (١٠/ ٣١٥) فرواه عن حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة موقوفًا.\nوقد أشرت إلى هذا الطريق من قبل، وقلت: إن أبا عمرو الضرير قد حمل رواية حماد بن سلمة، على رواية حماد بن زيد، والمحفوظ أن رواية ابن سلمة مرفوعة، ورواية ابن زيد موقوفة.\nوقد يكون الخطأ ليس من أبي عمرو الضرير، فقد يكون الحمل على حماد بن سلمة، فقد قال الإمام مسلم في كتابه التمييز (ص: ٢١٨) «وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، كحديثه عن قتادة، وأيوب، ويونس وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار وأشباههم فإنه يخطئ في أحاديثهم كثيرًا». ونقله ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي.\nوقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٧٨٣): «ومع هذا فقد خَرَّجَ مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة .... ولم يخرج حديثه عن عمرو بن دينار».\nوقد فعل العكس إبراهيم بن الحجاج السامي، حيث رواه عن الحمادين، ابن سلمة وابن زيد، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوأظنه دخل عليه رواية حماد بن زيد الموقوفة برواية حماد بن سلمة المرفوعة، والله أعلم.\nرواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٥٢)، وتمام في فوائده (٧٤٤)، وابن شاهين في فوائده (١٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٣٩٢) و(٣٨/ ٣٢٣).\nالطريق الخامس: أبان بن يزيد العطَّار (ثقة)، عن عمرو بن دينار.\nأخرجه أبو عوانة في مستخرجه (١٣٥٨)، وابن المقرئ في معجمه (١٢٩٠)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٦١)، من طريق مسلم بن إبراهيم.\nوأخرجه ابن المقرئ في معجمه (٤٨) من طريق موسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nالطريق السادس: محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار.\nرواه أبو يعلى في مسنده (٦٣٨٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤١٣١)، والطبراني في الأوسط (٨١٧٠)، وأبو طاهر السلفي في الكتاب الثاني والعشرين من المشيخة البغدادية (٥١)، وأبو بكر المراغي في مشيخته (ص: ٤٦٤) من طريق داود بن عمرو الضبي، عن =","vol":"1","page":245},{"text":"الدليل الثاني:\nيجب السعي إلى الصلاة لمن كان خارج المسجد، إن كان للجمعة فبمجرد سماع النداء، لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] حتى حرم البيع، وإن كان للصلوات الخمس فعند سماع الإقامة.\n(ح-١١٣٧) لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما\n_________\n=\nمحمد الطائفي، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوما يخشى من خطأ الطائفي يزول بالمتابعة.\nالطريق السابع: أبو بكر مرزوق مولى طلحة بن عبد الرحمن الباهلي، عن عمرو بن دينار.\nرواه أبو عوانة في مستخرجه (١٣٥٦) من طريق أبي علي الحنفي، حدثنا مرزوق أبو بكر، عن عمرو بن دينار به مرفوعًا.\nوثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، وقال ابن خزيمة أنا بريء من عهدته، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق، ولو قال: الحافظ صدوق يخطئ لكان أقرب إعمالًا لكلام ابن حبان وابن خزيمة، وما يخشى من خطئه قد زال بالمتابعات، فالحديث لا يشك باحث أن عمرو بن دينار قد حدث به، وإنما الخوف من تردد عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، والوقف هو المتيقن إذا اختلف راوي الحديث الذي عليه مداره، ولا سبيل إلى توهيم جماعة عن عمرو بن دينار رووه عنه موقوفًا، ما دام أن الرواة قد شهدوا على عمرو أن التردد جاء من قبله، فتارة يرويه مرفوعًا، وتارة موقوفًا، وأثبت الناس في عمرو بن دينار حماد بن زيد وابن عيينة، وابن جريج، وهؤلاء الثلاثة رووه عنه موقوفًا، يضاف إليهم الإمام الثوري، والله أعلم.\nهذه أهم الطرق إلى عمرو بن دينار، وأعرضت عن الطرق الضعيفة جدًّا وكذا المشهورة بالضعف؛ لأنها لن تضيف شيئًا للبحث، فالحديث ثابت عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، والله أعلم.\nوقد اختلف العلماء في الترجيح:\nفمنهم من رجح الوقف كأبي زرعة حيث قال: الموقوف أصح، وتبعه الطحاوي في شرح معاني الآثار.\nورجح الترمذي والنووي الرفع.\nومنهم من لم يرجح كابن معين، والله أعلم.","vol":"1","page":246},{"text":"فاتكم فأتموا (^١).\nوإن كان المصلي حين الإقامة داخل المسجد كان مأمورًا أن يقوم إليها، ويتابع إمامه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا ... الحديث، وهو من الأحاديث المتواترة (^٢).\nفمن تنفل بعد سماع الإقامة فقد خالف الأمر الشرعي من وجوب السعي إلى الصلاة إن كان خارج المسجد، أو من وجوب القيام إليها ومتابعة إمامه إن كان داخل المسجد، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٣٨) ما رواه الشيخان من طريق سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم،\nعن ابن بحينة، قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ هذا لفظ مسلم (^٣).\nوفي رواية لمسلم: يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعًا (^٤).\n• ونوقش:\nقال الطحاوي: «يجوز أن يكون رسول الله ﷺ إنما كره ذلك؛ لأنه صلى الركعتين، ثم وصلهما بصلاة الصبح من غير أن يكون تقدم أو تكلم ... فالذي كرهه رسول الله ﷺ في حديث ابن بحينة هو وصله إياها بالفريضة في مكان واحد لم يفصل بينهما بشيء، وليس لأنه كره له أن يصليها في المسجد إذا كان فرغ منها تقدم إلى الصفوف، فصلى الفريضة مع الناس» (^٥).\n(ح-١١٣٩) ثم استدل على ذلك بما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال:\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣٦)، صحيح مسلم (٦٠٢).\n(^٢). رواه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٧٥ - ٤١٠) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوروياه من طرق أخرى عن أبي هريرة، وله شواهد في الصحيح وغيره، والقصد الاستشهاد، لا جمع أحاديث الأحكام.\n(^٣). صحيح البخاري (٦٦٣)، وصحيح مسلم (٦٦ - ٧١١).\n(^٤). صحيح مسلم (٦٥ - ٧١١).\n(^٥). شرح معاني الآثار للطحاوي مع تصرف يسير (١/ ٣٧٢، ٣٧٣).","vol":"1","page":247},{"text":"أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصِلْهَا بصلاة حتى تكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، ألا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج (^١).\n• وتعقب:\nقال ابن عبد البر: «ليس هذا عندي بشيء؛ لأن النهي إنما ورد أن تُصَلِّيَا معًا» (^٢).\nقلت: مع بعد كلام الطحاوي ﵀ فإن قوله: (ألا توصل صلاة بصلاة) ليس يراد منه العموم، بدليل أن وصل الفريضة بالفريضة كما في الصلاة المجموعة لا تدخل في النهي، وكذلك وصل النافلة بالنافلة كما في صلاة التراويح لا تدخل فيه أيضًا، وكذلك لا يدخل فيه وصل الفريضة بالنافلة كما لو صلى الراتبة القبلية ثم أقيمت الصلاة، فقام يصلي الفريضة في مكانه لم يدخل في النهي، وإنما حديث معاوية في وصل النافلة بالفريضة، وهي مسألة خلافية بين الصحابة ﵃، ومن أخذ بحديث معاوية فلا يتجاوز فيه سببه، وهو النهي إما عن وصل النافلة بالفريضة حتى لا يدخل الفريضة ما ليس منها ومسألتنا عكسها، وإما في الصلاة بعد الجمعة خاصة، وإما في وصل الإمام دون المأموم، هذه هي الأقوال في المسألة» (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٧٣ - ٨٨٣).\n(^٢). الاستذكار (٢/ ١٣١).\n(^٣). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٦٠١٢) حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن عطاء، أن ابن عباس وابن الزبير، وأبا سعيد وابن عمر كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول من مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وإسناده صحيح.\nفالمسألة في وصل النافلة بالفريضة، وليس العكس.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٥٤٢٦)، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: حدثنا عطاء، قال: رأيت ابن عمر صلى الجمعة، ثم تنحى من مكانه، فصلى ركعتين فيهما خفة، ثم تنحى من مكانه ذلك فصلى أربعًا هي أطول من تَيْنِك. ...\nوهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات.\nوروى أبو داود في السنن (١١٢٧) والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٤١) من طريق أبي الربيع (سليمان بن داود) ومحمد بن عبيد، عن حماد ابن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه رأى رجلًا يصلي بعد الجمعة ركعتين في مقامه، فدفعه، وقال: تصلي الجمعة أربعًا؟ وأبو الربيع من أصحاب حماد بن زيد، وسنده صحيح وباقي رجال الإسناد كلهم ثقات.\n\nوقد يقال: إن هذا خاص في الجمعة، فقد روى البخاري في صحيحه (٨٤٨) من طريق أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٣٩٢٢، ٣٩٢٣) من طريق عبيد الله بن عمر، وأخيه عبد الله ابن عمر المكبر، عن نافع بنحوه.\nوفيه قول آخر: أن هذا خاص بالإمام، قال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٠٣): «قال أحمد: لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، كذا قال علي بن أبي طالب. قال أحمد: ومن صلى وراء الإمام فلا بأس أن يتطوع مكانه، فعل ذلك ابن عمر، وبهذا قال إسحاق». اهـ\nوقال البخاري (١/ ١٦٩): ويذكر عن أبي هريرة رفعه: لا يتطوع الإمام في مكانه، ولم يصح.\nوأثر علي بن أبي طالب الذي ذكره ابن قدامة لا يصح، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في مظانها من البحث إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":248},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١١٤٠) رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، عن عاصم الأحول،\nعن عبد الله بن سرجس، قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ، فلما سلم رسول الله ﷺ، قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ (^١).\nالدليل الخامس:\nركعتا الفجر كغيرها من السنن القبلية لها وقت يبدأ وينتهي،\nقال ابن حزم: «ووقت ركعتي الفجر من حين طلوع الفجر الثاني إلى أن تقام صلاة الصبح، هذا ما لا خلاف فيه من أحد من الأمة» (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٧ - ٧١٢).\n(^٢). المحلى، مسألة (٣٠٧).","vol":"1","page":249},{"text":"ولأن الإقامة مختصة بعين الفريضة، فصار ذلك الوقت وقتها المقدر، لا يسع لغيرها، فلا يفعل فيه غيرها، ولا تزاحم النافلة فريضة.\nالدليل السادس:\n(ح-١١٤١) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة،\nعن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (^١).\nورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله ﷺ بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا (^٢).\n[المحفوظ أنه مرسل] (^٣).\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (٢٨٥٩).\n(^٢). مسند أحمد (١/ ٢٣٨).\n(^٣). اختلف فيه على ابن أبي مليكة،\nفرواه صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز)، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به مرفوعًا.\nرواه أبو داود الطيالسي (٢٨٥٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٧٨).\nوابن أبي شيبة (٦٤٣٢)، وأحمد (١/ ٢٣٨) حدثنا يزيد بن هارون.\nوأحمد (١/ ٣٥٥)، وأبو يعلى (٢٥٧٥)، وابن خزيمة (١١٢٤)، والحاكم في المستدرك (١١٥٤) عن وكيع،\nوابن خزيمة (١١٢٤) من طريق النضر بن شميل.\n\nوابن حبان (٢٤٦٩) من طريق عثمان بن عمر،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٤١١٥) من طريق عيسى بن يونس.\nوالطبراني في الكبير (١١/ ١١٧) ح ١١٢٢٧، من طريق موسى بن خلف العمي، كلهم رووه عن صالح بن رستم (أبي عامر الخزاز) به.\nوصالح بن رستم كثير الخطأ، وقد خالفه من هو أقوى منه:\nفرواه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي كما في مسند إسحاق بن راهويه، مسند ابن عباس (٨٣٨).\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٤٠٠٥) عن معمر، كلاهما (عبد الوهاب، ومعمر) روياه عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن النبي رأى رجلًا يصلي، والمؤذن يقيم للصبح، فقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ هذا لفظ معمر، ومعمر في روايته عن أيوب كلام، لكن تقوى بمتابعة عبد الوهاب، فالصواب أنه مرسل، والله أعلم.","vol":"1","page":250},{"text":"الدليل السابع:\n(ح-١١٤٢) ما رواه البخاري من طريق عطاء،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِلَيِّ عبدي بشيء أحب إِلَيِّ مما افترضته عليه ... الحديث، رواه البخاري (^١).\nفإدراك المصلي لما فاته من الفريضة أحب إلى الله من صلاته النافلة، فمن الغبن أن يشتغل العبد بالمفضول عن الفاضل، وإذا ترك العبد النافلة لا زهدًا فيها، وإنما رغبة بالفريضة، وامتثالًا لأمر الله كتبت له؛ لأنه تركها لعذر، وبإمكانه أن يقضي النافلة بعد فراغه من الفريضة، دون أن يجعل النافلة تزاحم الفريضة في وقتها، والأجر الفاضل في راتبة الفجر لم يعلق على إدراكها في وقتها، والله أعلم.\n• دليل من قال: يصلي الراتبة خارج المسجد ما لم يَخْشَ فوات الركعة الثانية:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (^٢).\n•ونوقش:\nمقتضى الاستدلال جواز فعل ذلك مع سائر النوافل، فلا معنى لتخصيص الجواز بركعتي الفجر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو جاز ترك تأخير الدخول مع الإمام في الفريضة من القادر عليها إذا كان يدرك منها ركعة، لجاز تأخير الصلاة حتى لا يبقى من وقتها إلا مقدار ركعة، لحديث أبي هريرة المتفق عليه: من أدرك\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٥٠٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٠)، وصحيح مسلم (١٦١ - ٦٠٧).","vol":"1","page":251},{"text":"ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، فإذا كان لا يجوز تأخير الصلاة إلى أن يبقى من وقتها مقدار ركعة، فكذلك لا يجوز تأخير الفريضة عن الدخول مع الإمام مع القدرة، ولو أدرك منها ركعة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٤٤) ما رواه ابن خزيمة، قال: حدثنا علي بن حجر السعدي بخبر غريب غريب قال: ثنا محمد بن عمار يعني الأنصاري، عن شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر،\nعن أنس قال: خرج النبي ﷺ حين أقيمت الصلاة، فرأى ناسًا يصلون ركعتين بالعجلة، فقال: أصلاتان معًا؟ فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة)، فمفهومه أن صلاة الركعتين خارج المسجد لا يدخل في النهي.\n• وأجيب:\n[بأن الحديث اختلف في وصله وإرساله، كما اختلف في قوله: (فنهى أن يصلى في المسجد) والراجح أنها ليست محفوظة] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (١١٢٦).\n(^٢). اختلف فيه على شريك بن عبد الله بن أبي نمر:\nفقيل: عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس.\nرواه علي بن حجر السعدي، عن محمد بن عمارة بن حفص الأنصاري (لا بأس به) عن شريك به، واختلف على علي بن حجر:\nفرواه ابن خزيمة في صحيحه، ومن طريقه الضياء في الأحاديث المختارة (٢١٨٢)، فزاد فيه: (فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة) ومفهومه: أن من صلاهما خارج المسجد ...\nلا يدخل في النهي.\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٨٥): قال لي ابن حجر، حدثنا محمد بن عمار =","vol":"1","page":252},{"text":"الدليل الثالث:\n(ث-٢٦٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، قال:\nجاء ابن مسعود، والإمام يصلي الصبح، فصلى ركعتين إلى سارية، ولم يكن صلى ركعتي الفجر (^١).\n_________\n= الأنصاري به، فذكره، بلفظ: أقيمت الصلاة، فرأى النبي ﷺ أناسًا يصلون، فقال: أصلاتان؟\nوليس فيه: (فنهى أن يصلى في المسجد إذا أقيمت الصلاة).\nكما رواه إبراهيم بن طهمان، عن شريك، عن أنس به، وليس فيه لفظ: (فنهى أن يُصَلَّى في المسجد إذا أقيمت الصلاة).\nأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١١٢٦)، وابن أبي حاتم في العلل (٣٦٩)، والضياء في المختارة (٢١٨٣).\nوقيل: عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة.\nرواه الدراوردي، واختلف عليه فيه:\n\nفرواه إبراهيم بن حمزة الزبيري (صدوق)، كما في حديث السراج (٢١٢٠)، ومشكل الآثار (٤١١٧) عن عبد العزيز بن محمد (يعني الدراوردي صدوق سيئ الحفظ) حدثنا شريك به، بلفظ: أن النبي ﷺ خرج حين أقيمت الصلاة، صلاة الصبح، فرأى ناسًا يصلون، فقال: أصلاتان معًا؟.\nورواه قتيبة بن سعيد، عن الدراوردي، عن شريك، عن أبي سلمة مرسلًا، وهو المحفوظ.\nذكره الدارقطني في العلل (١٠/ ٣٠٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٦٨)، وقتيبة مقدم على إبراهيم بن حمزة الزبيري، وليس فيه: (فنهى أن يصليا في المسجد إذا أقيمت الصلاة).\nوقيل: عن شريك، عن أبي سلمة مرسلًا.\nرواه مالك في الموطأ رواية يحيى الليثي (١/ ١٢٨)، ورواية أبي مصعب الزهري (٣١٩)، ورواية محمد بن الحسن (٩٦).\nوالثوري كما في مسند مسدد، انظر إتحاف الخيرة (٩٢٩)، والمطالب العالية (٢٤٨).\nوإسماعيل بن جعفر، كما في حديثه (٤٠٩)، والتاريخ الأوسط للبخاري (٢٣٠١)، والتأريخ الكبير (١/ ١٨٦)، ثلاثتهم رووه عن شريك، عن أبي سلمة مرسلًا، وهو المحفوظ، وليس فيه (فنهى أن يصليا في المسجد).\n\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٤١٢١)، وسقط من المطبوع شيخ عبد الرزاق (الثوري) واستدركته من\nالمعجم الكبير للطبراني.","vol":"1","page":253},{"text":"[منقطع] (^١).\n_________\n(^١). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٧) ح ٩٣٨٥.\nوأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣١) من طريق عبد الله، عن سفيان به، وهذه متابعة لعبد الرزاق.\nواختلف فيه على أبي إسحاق:\nفقيل: عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، قال: جاء ابن مسعود. وهذا منقطع، لأن عبد الله بن أبي موسى لم يسمع من ابن مسعود.\nرواه هكذا الثوري كما تقدم.\nوتابعه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (٤١٢٢)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٧) ح ٩٣٨٦.\nوخالفهما زهير بن معاوية، فرواه عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، عن أبيه.\nرواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٧) ح: ٩٣٨٧، من طريق معاوية بن عمرو، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن أبي موسى، عن أبيه، قال: أقيمت الصلاة، فتقدم عبد الله إلى المسجد، فصلى ركعتين، ثم دخل المسجد.\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (١٠/ ٣١٩ - ٣٢٠) من طريق عبد الرحمن بن زياد، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، حدثنا عبد الله بن موسى، عن أبيه حين دعاهم سعيد بن العاص دعا أبا موسى وحذيفة وعبد الله بن مسعود قبل أن يصلي الغداة، فسألهم كيف تصلى صلاة العيد؟ فأجابه عبد الله بما أجابه فيه، ثم خرجوا من عنده، وقد أقيمت الصلاة، فجلس عبد الله إلى أسطوانة من المسجد، فصلى الركعتين، ثم دخل المسجد.\nوقيل: عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب.\n\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦٤١٥)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣١)، قال: حدثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، أن ابن مسعود وأبا موسى خرجا من عند سعيد بن العاص، فأقيمت الصلاة، فركع ابن مسعود ركعتين، ثم دخل مع القوم في الصلاة، وأما أبو موسى فدخل في الصف.\nوهذه الرواية وإن كان رجالها ثقات إلا أنه قد انفرد بها مطرف مخالفًا رواية الجماعة فلا أظنها محفوظة.\nوأما رواية زهير فقد روى عن أبي إسحاق بعد تغيره، فالمحفوظ رواية الثوري لأنه من أثبت الناس في أبي إسحاق، ومن أقدم الناس سماعًا منه، فهو مقدم فيه على غيره وقد تابعه على هذا معمر بن راشد، إلا أن روايتهما فيها عبد الله بن أبي موسى والظاهر أنه أحد أبناء أبي موسى الأشعري، ولم أقف على سماعه من ابن مسعود ﵁، فيكون الراجح فيها الانقطاع، والله أعلم.\nوقد رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٥) حدثنا أبو بشر الرقي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يفعل ذلك.\nأبو بشر الرقي: هو عبد الملك بن مروان الأهوازي، لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، وروى عنه بعض المصريين منهم الطحاوي، ولم أقف على أحد وثقه، ففيه جهالة، وأبو معاوية له أوهام إذا روى عن غير الأعمش. فالإسناد ضعيف.","vol":"1","page":254},{"text":"الدليل الرابع:\n(ث-٢٦٨) ما رواه ابن المنذر في الأوسط من طريق أبي نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة (^١)، عن نافع، قال:\nكان ابن عمر يصلي الركعتين في بيته وهو يسمع الإقامة، ثم يأتي المسجد فيصلي (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١). في المطبوع (سفيان بن عقبة) والتصويب من طبعة دار الفلاح.\n(^٢). الأوسط (٥/ ٢٣٢).\n(^٣). رجاله ثقات، وهذا أصح طريق روي فيه الأثر عن ابن عمر فيما وقفت عليه.\nورواه الطحاوي (١/ ٣٧٥)، قال: حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، ﵄، أنه جاء والإمام يصلي الصبح ولم يكن صلى الركعتين قبل صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ﵂، ثم إنه صلى مع الإمام.\nوهذا إسناد حسن، رجاله ثقات إلا شيخ الطحاوي علي بن شيبة فإنه صدوق، والله أعلم.\nورواه الطحاوي (١/ ٣٧٥)، قال: حدثنا محمد بن خزيمة، وفهد قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمد بن كعب، قال: خرج عبد الله بن عمر ﵄ من بيته فأقيمت صلاة الصبح فركع ركعتين قبل أن يدخل المسجد وهو في الطريق ثم دخل المسجد فصلى الصبح مع الناس.\nومحمد بن خزيمة بن راشد وإن كان فيه جهالة فقد زال بمتابعة فهد بن سليمان، لكن في إسناده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، والله أعلم.\nورواه الطحاوي (١/ ٣٧٥) حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، قال: سمعت نافعًا يقول: أيقظت ابن عمر ﵄ لصلاة الفجر، وقد أقيمت الصلاة، فقام فصلى الركعتين.\nوهذا إسناد صحيح إن شاء الله تعالى، فهد هو ابن سليمان أبو محمد الكوفي الدَّلال، نزيل مصر، قال فيه ابن يونس: كان دلَّالًا في البز، وكان ثقة ثبتًا، وبقية رجاله ثقات معروفون.\n\nوروى ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٣٢) من طريق عبد الكريم المعلم، عن مجاهد، أن ابن عمر دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة، والناس في الصلاة، فدخل بيت حفصة، فصلى\nركعتين، ثم خرج إلى المسجد، فصلى.\nوعبد الكريم المعلم هو ابن أبي المخارق ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":255},{"text":"• ونوقش:\nبأن الاستدلال بفعل الصحابي يقبل بشرط ألا يلزم من قبوله طرح النص المرفوع فإنه لا حجة في موقوف يلزم منه ترك النص المرفوع، أما إذا كان قول الصحابي هو في تفسير النص، وذلك بتقييد مطلق، أو تخصيص عام، ولم يأتِ ما يخالفه من الصحابة فيكون قول الصحابي داخلًا في بيان دلالة النص، والصحابي أولى الناس بتفسير النصوص الشرعية، وقوله في فهم النص مقدم على قول غيره، وقد حفظ إنكار الرسول ﷺ على من شرع في النافلة بعد الإقامة، فلا يعارض هذا باجتهاد الصحابي، كما أنه مخالف لحديث: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا)، والله أعلم.\n• دليل من قال: يصلي الراتبة خارج المسجد ما لم يَخْشَ فوات الركعة الأولى:\nيرى المالكية أن المصلي إن كان معذورًا أدرك الجماعة بإدراك ركعة كاملة من الصلاة، لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.\nوإن كان غير معذور، بأن فوَّت ركعة من الصلاة اختيارًا وتفريطًا لم يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك ركعات الصلاة كلها (^١).\nوعلى هذا التفصيل بَنَوْا فِقْهَ هذه المسألة: فإذا وجد المصلي الناس في الصلاة فإن خشي أن تفوته الركعة الأولى لم يُصَلِّ ركعتي الفجر من أجل إدراك فضل الجماعة؛ لأنه إن صلى في هذه الحالة حتى فاتته الركعة الأولى لم يدرك فضل الجماعة؛ لأن فواتها كان باختياره وتفريطه، وإن أمكن المصلي أن يصلي ركعتي الفجر وهي من السنن المؤكدة التي كان رسول الله ﷺ يواظب عليها، ولم تفته الركعة الأولى فقد جمع بين إدراك السنة وبين إدراك فضيلة الجماعة، وهذا أولى\n_________\n(^١). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٠٢)، بداية المجتهد (١/ ٢١٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٢٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٠)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٤٤).\nقال في لوامع الدرر في هتك أسرار المختصر (٢/ ٤١٨): «قيد الحفيد حصول الفضل بركعة بما إذا فاته ما قبلها اضطرارًا، فإن فاته ولو ركعة اختيارًا لم يحصل له فضلها».","vol":"1","page":256},{"text":"من تفويت إحداهما بإدراك الأخرى، واشترطنا أن يكون ذلك خارج المسجد حتى لا تلزمه أحكام الإمام.\n• ويناقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nبأن حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) عام يشمل من كان يدرك الركعة الأولى ويشمل غيره، والعلماء على وجوب العمل بالعام حتى يرد ما يخصصه، ولم يرد ما يخصص العام.\nوحديث إدراك الركعة بإدراك الركوع، لم يذكر في بيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).\nوحديث ابن بحينة (آلصبح أربعًا)؟\nوحديث عبد الله بن سرجس (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا) فهي أحاديث خاصة سيقت لبيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي بأن الدلالة الصريحة مقدمة على الدلالة غير الصريحة، والمعنى المقصود بالحكم مقدم على معنى غير مقصود بالحكم، والخاص مقدم على العام، وهذا معروف في أصول الفقه.\nالوجه الثاني:\nإذا كان لا يجوز تأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة، وإن كان مدركًا للوقت، لحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فكذلك لا يجوز ترك الدخول في الصلاة مع قدرته على ذلك احتجاجًا بإدراك الركعة بإدراك الركوع.\nالوجه الثالث:\nأن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، ويلزم منه ترك قراءة الفاتحة مع القدرة، وهو ركن أو واجب، فإدراك الركعة بإدراك الركوع يكون في حق من لم","vol":"1","page":257},{"text":"يتمكن من إدراك القيام، والله أعلم.\n• الراجح:\nكل خير يحرص المصلي على تحصيله في النافلة بعد إقامة الصلاة لا يعدل ما فاته من الفريضة، فالنافلة لا ينبغي لها أن تزاحم الفريضة، لهذا أرى أن مذهب السادة الحنفية أضعف الأقوال، يليه مذهب المالكية، وأقواها مذهب الشافعية والحنابلة، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الفرع الثاني إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، انظر الأمثلة في البحث.\n• إذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.\n• الصحيح أن النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أُهْدِيَ لنا حيسٌ، فقال ﷺ: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا.\n• العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة؟ وبأي شيء يدرك فضل الجماعة؟ أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله ﷺ: إذا كبر فكبروا؟ الراجح الثاني.\n• الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.\n[م-٤٦٧] إذا أقيمت الصلاة، وهو يصلي تحية المسجد، أو الراتبة، أيقطعها أم يتمها خفيفة؟\nفقيل: يتمها مطلقًا، ولو خشي فوات الجماعة، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وبه قال بعض المالكية (^١).\nوقيل: يقطعها مطلقًا، ولو كان في التشهد، وإليه ذهب بعض الظاهرية (^٢)،\n_________\n(^١). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٣)، تفسير القرطبي (١/ ١٦٦، ١٦٧)، المغني (١/ ٣٣٠)، الفروع (٢/ ٢٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٩٠)، المحرر (١/ ٤٠)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٤٥٦)، الإنصاف (٢/ ٢٢٠).\n(^٢). المحلى (٢/ ١٤٦)، فتح الباري (٢/ ١٥١)، إكمال المعلم (٣/ ٤٣).","vol":"1","page":259},{"text":"هذان قولان متقابلان.\nوقيل: إن خشي أن تفوته ركعة قطعها بسلام أو بفعل منافٍ، وإن كان يمكنه أن يتمها قبل أن يركع الإمام أتمها، ولو بقراءة أم القرآن وحدها، وهذا قول مالك (^١).\nوقيل: يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة، على اختلافٍ بينهم بماذا تفوت الجماعة.\nفقيل: إذا أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ وعليه إذا ظن أنه يدرك من التشهد الأخير مقدار تكبيرة الإحرام أتم النافلة، وإلا قطعها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، وعليه يقال: إذا كان يدرك من صلاة الجماعة مقدار ركعة أتمها، وإلا قطعها.\n_________\n(^١). مختصر خليل (ص: ٤٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٥)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٤٣)، التاج والإكليل (٢/ ٤١١)، شرح الخرشي (٢/ ٢٠)، منح الجليل (١/ ٣٥٧).\nوقال المالكية: إن قطعها بغير سلام أو بفعل منافٍ أعاد المكتوبة؛ لأنه على إحرام الأول، ولقوله ﵇: لا صلاتان معًا، ولقوله ﷺ: وتحليلها التسليم. والله أعلم.\nوالصحيح أن قطع الصلاة لا يتوقف على فعل منافٍ، ولا سلام، فإذا خرج من النافلة بالنية بطلت الصلاة، وعلى قول من يرى أن الصلاة تبطل بمجرد الإقامة لا يحتاج حتى إلى نية الخروج من النافلة، والله أعلم.\n(^٢). واختلف الشافعية والحنابلة في حكم القطع إذا خشي فوات الجماعة، فقال الشافعية: يقطعها وجوبًا في الجمعة، وندبًا في غيرها. وقال الحنابلة: يقطعها وجوبًا مطلقًا؛ لوجوب الجماعة عندهم، انظر: مغني المحتاج (١/ ٥٠٠)، المهذب للشيرازي (١/ ١٧٨)، المجموع شرح المهذب (٤/ ٢٠٨)، أسنى المطالب (١/ ٢٣١)، البيان للعمراني (٢/ ٣٧٦)، حاشية الجمل (١/ ٥٥٦)، المغني (١/ ٣٣٠)، الفروع (٢/ ٢٤)، الإنصاف (٢/ ٢٢١)، المحرر (١/ ٤٠)، المبدع (٢/ ٥٥)، عمدة الحازم في الزوائد على مختصر ابن القاسم (ص: ٩٣).\n\nجاء في الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٤٥٧): «ظاهر كلام المصنف ﵀ أنه أراد فوات جميع الصلاة، وقال صاحب النهاية فيها: المراد بالفوات: فوات الركعة الأولى، وكل متجه». اهـ\nوقال في المبدع (٢/ ٥٥): «وظاهره أنه أراد فوات جميعها، وَخَصَّ صاحب النهاية بفوات الركعة الأولى».\nوقال في الإنصاف (٢/ ٢٢١): «ومن كبر قبل سلام إمامه فقد أدرك الجماعة، هذا المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وهو المعمول به في المذهب ...».","vol":"1","page":260},{"text":"قال في الإنصاف: «وقيل: لا يدركها إلا بركعة، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، واختاره الشيخ تقي الدين، وذكره رواية عن أحمد، وقال: اختاره جماعة من أصحابنا» (^١).\nواختار شيخنا ابن عثيمين ﵀: أنه إن صلى منها ركعة كاملة أتمها خفيفة، وإلا قطعها (^٢).\nواختار شيخ شيخنا ابن باز عليه رحمة الله: أنه إن بقي من النافلة مقدار ركعة كاملة قطعها، وإن بقي من النافلة أَقَلُّ من ركعة أتمَّها، وبه قال المباركفوري ﵀ (^٣).\nهذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في مسألتين:\nالمسألة الأولى: الاختلاف في وجوب إتمام النفل بعد الشروع فيه.\nالمسألة الثانية: اختلافهم في العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة، وبأي شيء يدرك فضل الجماعة، أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله ﷺ: إذا كبر فكبروا، ولأن الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.\nإذا علم ذلك ننتقل منه إلى ذكر الأدلة:\n• دليل من قال: يتمها مطلقًا ولو خشي فوات الجماعة:\nهذه المسألة بناها الحنفية على مسألة أخرى، وهي وجوب إتمام النافلة بالشروع فيها، وهي مسألة خلافية (^٤).\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٢٢٢).\n(^٢). مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١٥/ ١٠١).\n(^٣). فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (١٢/ ٣٩١)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٥٠١).\n(^٤). اختلف الفقهاء في وجوب إتمام نفل الصلاة بالشروع فيه بعد اتفاق الأئمة الأربعة على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة؛ لوجوب المضي في فاسده.\nفقال الحنفية: يجب الإتمام بالشروع فيه، ولو أفسده وجب قضاؤه مطلقًا، سواء أبطله لعذر أم لغير عذر، قياسًا على نفل الحج والعمرة.\n\nوقال الشافعية والحنابلة: لا يجب إتمام النفل مطلقًا؛ لأنه لا يجب المضي في فاسده. ...\nوقال المالكية: إن قطع النفل بعذر لم يجب الإتمام، وإن قطعه بلا عذر وجب إتمام نفل يبنى آخره على أوله، كالصلاة، والصوم والاعتكاف وطواف التطوع، وائتمام المقتدي.\nانظر بدائع الصنائع (١/ ١٦٤)، البحر الرائق (٢/ ٦١)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٢)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٣١)، البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٨٤)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤١٢)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (١/ ٤١٠)، نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٤٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٤٦).","vol":"1","page":261},{"text":"قال في بدائع الصنائع: «النفل يصير واجبًا عندنا بالشروع، ويلتحق بالواجبات الأصلية في حق الأحكام» (^١).\n• واستدل الحنفية على مذهبهم بدليلين:\nالدليل الأول:\nالقياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، [البقرة: ١٩٦]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما مقيس عليهما.\nولأن الواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.\nوما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، والشروع بالنفل، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.\n• ونوقش هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nالصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز قطع النافلة بعد الشروع فيها، ولا يجب عليه إتمامها بعد الشروع فيها إلا نفل الحج والعمرة، لوجوب المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما من العبادات فلا يجب المضي فيها إذا فسدت.\n(ح-١١٤٥) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة،\nعن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":262},{"text":"الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (^١).\nالوجه الثاني:\nلا يصح القياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة، لأن النسك له أحكام ينفرد بها عن سائر العبادات، فلا يقاس عليه غيره، من ذلك وجوب المضي في فاسده، وجواز قلب نية الحج فيه إلى عمرة بعد الفراغ من طواف القدوم والسعي، وجواز إبهام نية إحرامه كما لو قال: أحرمت بما أحرم به فلان، ولا يدري ما ذا أحرم به فلان، إلى غيرها من الأحكام التي تخص المناسك.\nالدليل الثاني:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فكل ما يبطل العمل فالمسلم منهيٌّ عنه، وقوله: ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ نكرة مضافة فيشمل جميع الأعمال واجبًا كان أم نفلًا، وقطع النافلة إبطال لها، والأصل في النهي التحريم.\n• ونوقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الآية القرآنية عامة، وأحاديث النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام.\nالوجه الثاني:\nأن إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، وإليك بعض صوره.\nالصورة الأولى: إبطال العمل من أصله وذلك يكون إما بالردة والعياذ بالله إذا مات عليها الإنسان، أو بالرياء (الشرك الأصغر).\nوقد دل على الأول قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، [البقرة: ٢١٧].\n(ح-١١٤٦) ودل على الثاني: ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب، عن أبيه،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٧٠ - ١١٥٤).","vol":"1","page":263},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه (^١).\nالصورة الثانية: إبطال ثواب العمل، وإنْ كان العمل صحيحًا، وذلك يكون بالحرمان من ثوابه لكثرة المعاصي، فالعمل صحيح؛ لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعاصي إذا ما قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأنَّ الإثم قد أحبط الانتفاع بالثواب، وذهب بالأجر.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].\nفالصدقة، وإن كانت صحيحة متقبلة، فإن إثم المن والأذى إذا ما قورن بأجر الصدقة ذهب بالأجر.\n(ح-١١٤٧) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:\nكان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي ﷺ قال: إذا أَبَقَ العبد لم تقبل له صلاة (^٢).\n[سبق تخريجه] (^٣).\n(ح-١١٤٨) ومنه ما رواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن صفية،\nعن بعض أزواج النبي ﷺ، قال: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة (^٤).\nفنفي القبول هنا لا يلزم منه إبطال العمل، وعدم صحته، بل الصلاة صحيحة، ونفي القبول متوجه إلى نفي الثواب لعظم الذنب.\nالصورة الثالثة: إبطال مباح وذلك بالخروج من النفل قبل إتمامه لسبب من\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٦ - ٢٩٨٥).\n(^٢). صحيح مسلم (٧٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٧١٦)، انظر الاختلاف في وقفه ورفعه في المجلد الثالث من الجامع في أحكام الصلاة المكتوبة، لم يطبع بعد (ح ٧١٦).\n(^٤). صحيح مسلم (٢٢٣٠).","vol":"1","page":264},{"text":"الأسباب، فهذا إذا لم يكن من نفل الحج أو العمرة فيجوز، لحديث عائشة السابق (... أهدي لنا حيس، فقال ﷺ لعائشة: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، رواه مسلم (^١).\nومثله إذا أحدث الرجل باختياره، وهو على طهارة، فإنه لا يحرم عليه إبطال الوضوء؛ لأن إخراج الريح فيه مصلحة للبدن.\nوإذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.\nالصورة الرابعة: إبطال واجب، كأن يقضي الشارع بإبطال العمل، كما لو صام اليوم الثلاثين ظانًّا أنه من رمضان، ثم جاء خبر برؤية الهلال في أثناء اليوم، فإن الصيام يبطل.\nالصورة الخامسة: إبطال مكروه، وهو إبطال النفل بعد الشروع فيه بلا سبب، ولا مصلحة، فهذا لا يمنع منه، ولكنه خلاف الأولى.\nفهذه صور خمس يختلف فيها حكم إبطال العمل من صورة إلى أخرى، فكان النهي عن إبطال العمل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، أي لا تبطلوها بمعصية الله ورسوله؛ لأن الآية أمرت بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، ونهت عن المعصية المؤدية إلى إبطال العمل.\nجاء في تفسير الطبري بإسناده عن قتادة، قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سيئ فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها (^٢).\nالوجه الثالث:\nلو سلمنا أن الآية يقصد بها العموم، وأن المسلم منهي عن إبطال النافلة بعد الشروع فيها، فإن النهي يتوجه لمن تعمد إبطال عمله بلا عذرٍ، ولا مسوغٍ شرعيٍّ، ولا يدخل في الآية من عرض له في صلاته ما أوجب له قطع نافلته، فهذا لم يبطلها، بل أبطلها الشرع، وكما تبطل الصلاة بالحدث تبطل بحضور الفريضة، ومن امتثل\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٧٠ - ١١٥٤).\n(^٢). تفسير الطبري ط هجر (٢١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":265},{"text":"الأمر الشرعي بالخروج من النافلة لم يبطل عمله؛، بل يرجو المصلي من الله أن يكتب له أجرها كاملًا لحديث أنس ﵁: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، رواه البخاري (^١).\n• دليل من قال: يقطعها مطلقًا:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٤٩) ما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.\nورواه مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار به.\nورواه مسلم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به.\nقال حماد: ثم لقيت عَمْرًا، فحدثني به ولم يرفعه (^٢).\nوجه الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة ...) عام يشمل ابتداء النافلة بعد الإقامة، ويشمل إتمامها بعد الإقامة، لا فرق بين النافلة التي دخل فيها قبل الإقامة والنافلة التي لم يدخل فيها إلا بعد الإقامة، ومن حصر النفي على ابتداء الصلاة فقد خصص العام بلا مخصص.\nوقوله (لا صلاة إلا المكتوبة) نفي بمعنى النهي، والنفي إن حملناه على الوجود فالمراد به الوجود الشرعي، فإذا وجدت صورة الصلاة فهي باطلة، فيؤول إلى نفي الصحة، ولا يراد به نفي الكمال إلا بقرينة.\nالوجه الثاني:\nأن العلة في النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة هو التفرغ للفريضة، ليشرع\n_________\n(^١). رواه البخاري (٤٤٢٣) من طريق عبد الله بن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁.\n(^٢). صحيح مسلم (٧١٠).","vol":"1","page":266},{"text":"فيها عقب شروع الإمام، ولا ينشغل عن الفريضة بالنافلة، فإذا كانت هذه هي العلة لم يكن هناك فرق بين ابتداء النافلة وبين إتمامها؛ لأن كلًّا منهما قد تشاغل بالتطوع عن الفرض، وفاته قدر من صلاة الفريضة.\n• ونوقش هذا الاستدلال من وجهين أيضًا:\nالوجه الأول:\nبأن الحديث سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه، وقد تردد فيه راويه عمرو بن دينار، فمرة يرويه مرفوعًا، ومرة يرويه موقوفًا، والموقوف هو المتيقن، فلا يحكم برفعه مع تردد راويه، ولا مجال للترجيح بين الرواةٍ والشَّكُّ إنما جاء من الرجل الذي عليه مدار الحديث، فالعهدة عليه، لا من الرواة عنه، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nأن قوله: (لا صلاة ...) يحتمل أن يكون النفي للكمال، وليس للصحة، وإلى ذلك مال ابن حجر وجماعة من أهل العلم.\nقال ابن حجر: «قوله (فلا صلاة) أي صحيحة، أو كاملة، والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفي الكمال» (^١).\nوقد أجبت على هذا الاحتمال في المسألة السابقة، فارجع إليه دفعًا للتكرار، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٥٠) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة،\nعن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (^٢).\nورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ١٤٩)، وانظر مواهب الجليل (٢/ ٨٩)، الكوكب الوهاج في شرح صحيح مسلم (٩/ ٢٨٧).\n(^٢). مسند أبي داود الطيالسي (٢٨٥٩).","vol":"1","page":267},{"text":"(أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله ﷺ بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟ (^١).\n[المحفوظ أنه مرسل] (^٢).\nالدليل الثالث:\nالصلاة من الواجبات الموسعة، لكن الوقت يتعين لفعلها بأحد أمرين:\nالأول: أن يضيق الوقت حتى لا يبقى إلا مقدار فعلها، فيتعين الوقت لفعل الفريضة،\nالثاني: أن يتعين الوقت لفعلها بفعل العبد، بأن يُدعى الناس إلى فعلها جماعة فإذا توجه الأمر إلى الناس بالإقبال على الصلاة وذلك بقول المؤذن في الإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح تعين الوقت للفعل، لقوله ﷺ (إذا سمعتم الإقامة فامشوا ...)، وهذا لمن كان خارج المسجد.\nولقوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ... فإذا كبر فكبروا، وهذا لمن كان داخل المسجد، وقوله: (فكبروا) الفاء دالة على الترتيب والتعقيب بلا تأخير، فلا يجوز الإعراض عن إجابة المؤذن، ولا التأخر عن متابعة الإمام بالاشتغال عنها بالتطوع، فإذا تعين الوقت للفريضة بطل التطوع.\nالدليل الرابع:\n(ح-١١٥١) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،\nعن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناسَ؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا\n_________\n(^١). مسند أحمد (١/ ٢٣٨).\n(^٢). سبق تخريجه في المسألة السابقة، ولله الحمد.","vol":"1","page":268},{"text":"في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ١٦١).\n(^٢). الحديث مداره على يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، وجابر وأبوه صحابيان، وقد رواه عن يعلى بن عطاء جماعة كثيرة.\nفرواه أبو عوانة كما في مسند أحمد (٤/ ١٦١)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٤).\nوشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٣٤٣)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وسنن الدارمي (١٤٠٧)، وسنن أبي داود (٥٧٥، ٥٧٦)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٦٣)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٣٩٣٤)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وسنن أبي داود (٦١٤)، والسنن الكبرى للنسائي (١٢٥٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، وصحيح ابن حبان (١٥٦٤)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\nوهشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (٣٩٣٤)، ومسند أحمد (٤/ ١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٢) ح: ٦٠٩، وسنن الدارقطني (١٥٣٣).\n\nوهشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٦٤٢)، ومسند أحمد (٤/ ١٦٠)، وسنن الترمذي (٢١٩)، والنسائي في المجتبى (٨٥٨)، وفي الكبرى (٩٣٣)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٤٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٧٩، ١٦٣٨)، وصحيح ابن حبان (١٥٦٥، ٢٣٩٥)، وسنن الدارقطني (١٥٣٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٢٧).\nوشريك كما في مسند أحمد (٤/ ١٦١)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٣٨)، وسنن الدارقطني (١٥٣٣)،\nوحماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣٣) رقم: ٦١٢، كلهم رووه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه.\nقال الترمذي: حديث يزيد بن الأسود حسن صحيح.\nوصححه ابن خزيمة، وابن حبان فأخرجاه في صحيحيهما، وصححه الحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي كما في الأحكام الوسطى (١/ ٢٨٣)، وابن الملقن في البدر المنير (٤/ ٤١٢).\nقال الحافظ في التلخيص: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول.\nقال البيهقي: «وإنما قال ذلك -والله أعلم- لأن يزيد بن الأسود ليس له راوٍ غير ابنه جابر بن يزيد، ولا لجابر بن يزيد راوٍ غير يعلى بن عطاء، وكان يحيى بن معين وجماعة من الأئمة يوثقون يعلى بن عطاء، وهذا الحديث له شواهد قد تقدم ذكرها، فالاحتجاج به وبشواهده صحيح، والله أعلم».\nقلت: يعلى من رجال مسلم، وأما جابر بن يزيد فقال المزي في تهذيب الكمال (٤/ ٤٦٥): له صحبة، فإن صح فكفى بها تزكية، وإن لم تَصِحَّ فقد وثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق.\nوقال أحمد كما في علل الحديث: لم يسمع هشيم هذِه الكلمة من يعلى بن عطاء -يعني: أن النبي صلى بهم الغداة فانحرف. ... وقال مرة: رواه هشيم وسمعه من يَعْلَي، ولكنه لم يسمع منه: انحرف فكان هشيم إذا قيل له: انحرف؛ قال: نعم، ولم أسمعه. اهـ","vol":"1","page":269},{"text":"وجه الاستدلال:\nإذا كان من صلى الفرض إذا دخل المسجد، وشهد حضور الصلاة كان مأمورًا بإعادتها والدخول مع الإمام، وعدم الاختلاف عليه، فكيف بمن لم يُصَلِّ الفرض؟ فمن باب أولى أن يكون مأمورًا بالدخول فيها مباشرة، والخروج من النافلة، وعدم الاختلاف على الإمام.\nالدليل الخامس:\n(ح-١١٥٢) ما رواه البخاري من طريق عطاء،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أَحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه ... الحديث، رواه البخاري (^١).\n• دليل من قال: إذا خشي فوات الركعة الأولى قطعها، وإلا أتمها:\nالمالكية حملوا النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة من أجل إدراك فضيلة الجماعة، وكيف يدرك فضل الجماعة؟\nنقل حفيد ابن رشد من المالكية أن المصلي إن كان معذورًا أدرك الجماعة بإدراك ركعة كاملة من الصلاة، لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.\nوإن كان غير معذور، بأن فوَّت ركعة من الصلاة اختيارًا وتفريطًا لم يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك ركعات الصلاة كلها (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٥٠٢).\n(^٢). جاء في مواهب الجليل (٢/ ٨٣): «قال الحفيد -يعني حفيد ابن رشد-: مذهب مالك أنه لا يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك الركعة ... وأما إذا فاته ذلك عن اختيار وتفريط، فلا يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك الصلاة كلها».\nوفي شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ٧): «إن فاته ولو ركعة اختيارًا لم يحصل له ...\nفضلها، ومقتضى الشاذلي اعتماده».\nوانظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٠٢)، بداية المجتهد (١/ ٢١٦)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٢٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٠).\nونقل ابن عرفة عن ابن يونس وابن رشد أن فضلها يحصل ويدرك بجزء قبل سلام الإمام انظر منح الجليل (١/ ٣٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٠)، حاشية الصاوي (١/ ٤٢٦).","vol":"1","page":270},{"text":"وعلى هذا التفصيل بنوا فقه هذه المسألة: فإذا أقيمت الصلاة، فإن خشي أن تفوته الركعة الأولى قطعها من أجل إدراك فضل الجماعة؛ لأنه إن تمادى في النافلة حتى فاتته الركعة الأولى لم يدرك فضل الجماعة؛ لأنه ترك ذلك باختياره وتفريطه، وإن أمكن المصلي إتمام النافلة وإدراك الركعة الأولى فهذا أكمل لتحقيقه المصلحتين: إتمام النافلة وإدراك فضل الجماعة.\n• ونوقش هذا:\nبأن حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) عام يشمل من كان يدرك الركعة الأولى ويشمل غيره، والعلماء على وجوب العمل بالعام حتى يرد ما يخصصه، ولم يرد ما يخصص العام.\nوحديث إدراك الركعة بإدراك الركوع، لم يذكر في بيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).\nوحديث ابن بحينة (آلصبح أربعًا)؟\nوحديث عبد الله بن سرجس (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ (^١)، وهي أحاديث خاصة سيقت لبيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي بأن الدلالة الصريحة مقدمة على الدلالة غير الصريحة، والمعنى المقصود بالحكم مقدم على معنى غير مقصود بالحكم، والخاص مقدم على العام، وهذا معروف في أصول الفقه.\nولأن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من آكد أركان الصلاة، فإدراك الركعة بإدراك الركوع يكون في حق من لم يتمكن من إدراك القيام، والله أعلم.\n_________\n(^١). سبق تخريجها بأسانيدها في المسألة السابقة.","vol":"1","page":271},{"text":"ولا يسلَّم بصحة ما ذكره حفيد ابن رشد: أن من فوَّت الركعة الأولى اختيارًا مع القدرة على تحصيلها فقد فوَّت فضل الجماعة، فالجماعة على الصحيح تدرك بإدراك ركعة مطلقًا، والعذر يرفع الإثم بخلاف المفرط، فإنه مستحق للإثم، وإنْ أدرك فضل الجماعة، والله أعلم (^١).\nجاء في حاشية الدسوقي نقلًا عن الأَقْفَهْسِيِّ: أن ظاهر الرسالة حصول الفضل -يعني وإن ترك الركعة الأولى بلا عذر- وأنه ينظر: هل ما قاله الحفيد موافق للمذهب أو لا، واللَّقَانيُّ كما في خش (حاشيته على الخرشي) قال: إن كلام الحفيد مخالف لظاهر الروايات اهـ نقلًا من مج (محمد الأمير) (^٢).\n• دليل من قال: إذا خشي فوات الجماعة قطعها:\nأصحاب هذا القول يرون أن الحكمة في النهي عن إتمام النافلة بعد إقامة الصلاة من أجل تحصيل فضل الجماعة، لهذا رأوا أنه إن أمكنه تحصيل فضل الجماعة فإنه يتم النافلة على اختلافهم فيما تدرك به الجماعة، فمنهم من قال: تدرك بإدراك ركعة قياسًا على إدراك الوقت والجمعة، وعليه يذهب إلى أنه إن خشي أن يدرك من الجماعة أقل من ركعة قطعها، وإلا أتمها، ومن قال تدرك بإدراك جزء من التشهد قبل سلام الإمام راعى ذلك أيضًا، وجوَّز التمادي في النافلة إن غلب على ظنه إدراك الإمام قبل السلام؛ لإحرازه الفضيلتين فضيلة الجماعة وإتمام النافلة.\n• ونوقش هذا بما نوقشت به الأقوال السابقة:\nوأن حديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) عام، يشمل من يدرك فضيلة الجماعة وغيره، وتخصيص النهي في الحديث بمن تفوته الجماعة تخصيص له بلا مخصص.\nبل الأظهر أن النفي من أجل متابعة الإمام وعدم الاختلاف عليه، كما في\n_________\n(^١). جاء في الفواكه الدواني (١/ ٢٠٧): «ظاهره أيضًا حصول الفضل، ولو فاتته بقية الصلاة مع الإمام اختيارًا خلافًا لتقييد حفيد ابن رشد بما إذا فاته باقي الصلاة اضطرارًا، ويدل لما قلناه أن إدراك ركعة من الاختياري بمنزلة إدراك جميع الصلاة في نفي الإثم، ولو أخر اختيارًا، وأيضًا لم يقل أحد: إن من فاته بعض الصلاة مع الإمام اختيارًا يعيد لتحصيل فضل الجماعة هذا ما ظهر لنا».\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٠)، وانظر ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":272},{"text":"حديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا ... الحديث، وهو من الأحاديث المقطوع بصحتها (^١).\nفكان المصلي مأمورًا بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام المستفاد من (الفاء) في قوله: (إذا كبر فكبروا)، لا يتأخر عنه، ولا يشتغل عنه بالتطوع.\n• دليل من قال: إن صلى منها ركعة كاملة أتمها وإلا قطعها:\n(ح-١١٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (^٢).\nوجه الاستدلال:\nهذا المتنفل قبل الإقامة قد شرع في النافلة في وقت يؤذن له بالتطوع.\nوقت النافلة ينتهي بإقامة الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة خرج وقتها، لكنه حين أدرك منها ركعة كاملة بسجدتيها فقد أدرك وقتها، فليتمها خفيفة، ويغتفر وقوع الركعة الثانية خارج وقتها، كما أنه إذا أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك وقتها، وإن وقعت الركعة الثانية خارج الوقت. أما إذا كان لم يُصَلِّ ركعة كاملة بأن أقام، وهو في الركعة الأولى، فليقطعها؛ لعموم (فلا صلاة إلا المكتوبة).\n• ويناقش من أربعة وجوه:\nالوجه الأول: أنني لا أعلم أحدًا قال به من المتقدمين إلا أن يقال: إنه قول ملفق من قولين:\nفإن قيل: لعله يندرج في مذهب المالكية القائلين بأنه إذا خشي فوات الركعة قطعها، فإن من صلى ركعة كاملة بسجدتيها قبل الإقامة سيدرك الإمام بالركعة الأولى، ولابد؛ لأن وقت الإقامة وتسوية الصفوف يستغرق وقتًا يمكنه أن يتم فيه الركعة الثانية.\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٧٥ - ٤١٠) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوروياه من طرق أخرى عن أبي هريرة.\n(^٢). صحيح البخاري (٥٨٠)، وصحيح مسلم (١٦١ - ٦٠٧).","vol":"1","page":273},{"text":"فالجواب: لعله كذلك، إلا أن قول شيخنا أخص من مذهب المالكية، فإن شيخنا يأمره بقطع النافلة إذا لم يُصَلِّ منها ركعة كاملة، ولو غلب على ظنه أنه يلحق الإمام بالركعة الأولى كما لو عُلِمَ من حال الإمام أنه يطيل القراءة.\nالوجه الثاني:\nأن حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، هذا الحديث عام، يشمل الفرض والنفل المؤقت، ويشمل إدراك الركعة الأولى، لإدراك الوقت، ويشمل إدراك الركعة الثانية؛ لإدراك الجمعة والجماعة.\nوحديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) خاص في النافلة إذا أقيمت الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي أن الخاص مقدم على العام، ومستثنى من حكمه هذا على التسليم بأن النافلة داخلة في هذا العام، وهو أمر مشكوك فيه، والله أعلم.\nالوجه الثالث:\nوجود الفارق بين النفل قبل الإقامة وبين غيرها فحديث من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو قبل سلام الإمام فقد أدرك الصلاة لا يزاحم عبادة أخرى، بخلاف الحكم في النافلة فإن صلاته الركعة الثانية من النافلة سوف يزاحم الفريضة، وقد يفوت عليه القيام في الركعة الأولى، وقراءة الفاتحة فيها، ومراعاة الفريضة أولى، فإن النافلة لا تزاحم الفريضة، وبإقامة الصلاة تعين الوقت للفريضة.\nالوجه الرابع:\nأن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة قد يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، وقد يلزم منه ترك قراءة الفاتحة مع القدرة، وهو ركن أو واجب، وسقوطها عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطها عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.\n• دليل من قال: إن بقي من النافلة أقل من ركعة أتمها، وإلا قطعها:\nأقل ما يطلق عليه صلاة ركعة كاملة كما في صلاة الوتر، فإذا أقيمت الصلاة، وقد بقي عليه ركعة كاملة من النافلة قطعها؛ لأن من صلى ركعة كاملة بعد إقامة الصلاة صدق عليه أنه صلَّى بعد إقامة الصلاة، والرسول ﷺ يقول: إذا أقيمت","vol":"1","page":274},{"text":"الصلاة فلا صلاة ... ومن بقي عليه أقل من ركعة كالسجود والتحيات فإنه يتمها، ولو أقيمت الصلاة؛ لأن مقدار ما يصليه بعد إقامة الصلاة لا يصدق عليه أنه صلاة، لو استقل، فكأنه ما صلَّى (^١).\nوقد يستدل للشيخ ابن باز عليه رحمة الله بأن الأكثر يعطى حكم الكل، وهي قاعدة أغلبية في الشريعة.\n• ويناقش:\nهذا القول فيه قوة إن كان محفوظًا، إلا أنه يشترط ألا يفوته من الفريضة ما هو واجب لها كإدراك الفاتحة في الركعة الأولى، فإن في إدراكها إدراكًا لها وإدراكًا للقيام وكلاهما واجبان للصلاة لمن أدركهما، وسقوطهما عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطهما عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.\nكما أن إعطاء الكثير حكم الكل يشترط فيه ألا يوجد نص في المنع منه، فقوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة)، نفي بمعنى النهي، ولم يقيد ذلك بشرط أن يكون قد صلى أكثر النفل، والله أعلم.\n• الراجح:\nفي الترجيح في هذه المسألة ينبغي ألا يغيب عن طالب العلم القواعد الأصولية التي يمكن أن يتمسك بها وهو يرجح أحد الأقوال، فمن هذه القواعد:\nأن النهي في النافلة إذا أقيمت الصلاة مطلق، يشمل ابتداء النفل ويشمل إتمامه، فمن خص النهي بابتداء النفل فقد خص العام في قوله: (فلا صلاة) وقيد النهي في قوله: (آلصبح أربعًا)؟ بلا مخصص، ولا مقيد، والنصوص الشرعية لا يخصصها إلا نص من الشارع، أو إجماع.\nومنها: أن تقييد النهي بما إذا خشي أن تفوته الركعة الأولى، أو إذا خشي أن يفوته فضل الجماعة، أو تخصيص النهي بمن صلى قدرًا يسيرًا لم يبلغ ركعة كاملة، أو بمن بقي عليه من النافلة ركعة فأكثر، كل ذلك تقييد للنصوص الشرعية بكلام المجتهدين، وكلام المجتهد لا يخصص النص الشرعي، بل إن اختلافهم على هذا\n_________\n(^١). فتاوى نور على الدرب عناية الشويعر (١٢/ ٣٩٣).","vol":"1","page":275},{"text":"النحو دليل على أن هذا التقييد لم يُبْنَ على نص من عند الشارع.\nومنها: إذا ثبت النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة فإن الأصل في النهي التحريم، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بقرينة، والقول بأن النبي ﷺ لم يأمره بقطع النافلة لا يكفي لصرف النهي عن التحريم؛ لأن التحريم لا ينافي الصحة، فقد تكون الصلاة صحيحة مع التحريم؛ لأن النهي لا يعود لذات النافلة، وإنما لحضور الفريضة، وقد أنكر عليه النبي ﷺ تنفله، وهذه قاعدة أخرى: في التفريق بين النهي إذا عاد إلى ذات الشيء وإذا عاد إلى أمر خارج.\nوقد يقال: إن النبي ﷺ لم يأمره بقطعها؛ لأن التكليف مع العلم، وقد دخل الصحابي في النافلة جاهلًا فتركه النبي ﷺ يتم النافلة، والأول أقوى.\nومنها: أن الوقت إذا تعين للفريضة لا يجوز الاشتغال عنه بالنافلة؛ والوقت يتعين بأحد أمرين: إما أن يضيق الوقت المتسع حتى لا يبقى من الوقت إلا مقدار الفريضة، فهذا لا يجوز له الاشتغال بالنافلة عن الفريضة بالإجماع.\nالأمر الثاني: أن تقام الفريضة، والرجل في المسجد، فإن الوقت تعين بتعيين المكلف، فلا يجوز إذا تعين الوقت للفرض أن يزاحم بالنفل.\nومنها: إذا كان النهي عن النافلة إنما هو لأجل الفريضة، فإذا كان الاشتغال بالنافلة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، ويلزم منه ترك قراءة الفاتحة في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو ركن أو واجب فإن النافلة يجب أن يقطعها لِحَقِّ الفريضة، وإذا كان سيدرك من الفريضة مثل هذا القدر، فقطعُها أحبُّ إليَّ تعظيمًا لنهي الشارع، وإن أتمها فأرجو أنه لا حرج عليه.\nولا يصح أن يقال: إن هذا قول جديد، فإن هذا جزء من قَوْلَيْ المسألة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الباب الثالث في الأحكام التي تسبق تكبيرة الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الأول في قيام المأموم والإمام ليس في المسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• شُرعت الإقامة لاستنهاض الحاضرين لفعل الصلاة.\n• من قام أول الإقامة، أو في أثنائها، أو بعدها وقبل تكبيرة الإحرام فقد أجاب الدعوة.\n• جمل الإقامة من أولها إلى آخرها دعوة للقيام للصلاة، فلا يَتَحَرَّ المصلي القيام عند جملة معينة من جمل الإقامة لعدم الدليل.\n• هل تعتبر المبادرة في القيام من المسارعة في فعل الطاعة، والابتعاد عن التشبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾؟ [النساء: ١٤٢].\n[م-٤٦٨] اختلف العلماء في موضع القيام من الإقامة إذا أقيمت الصلاة، والإمام ليس في المسجد:\nفقيل: إذا أقيمت الصلاة، والإمام ليس في المسجد لم يقوموا حتى يروه، وبه قال الحنفية والشافعية، والحنابلة، وداود الظاهري، قال ابن حجر: هذا قول الجمهور (^١).\nجاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود: «قلت لأحمد: إن كان الإمام لم يَأْتِ بعد؟ قال: لا يقومون حتى يروه» (^٢).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ١٨)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٧٨)، المبسوط (١/ ٣٩)، عمدة القارئ (٥/ ١٥٤)، الاستذكار (١/ ٣٩٢)، التمهيد (٩/ ١٩٠)، فتح الباري (٢/ ١٢٠)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٥).\n(^٢). مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٥).","vol":"1","page":277},{"text":"وقيل: يقومون عند قوله: (قد قامت الصلاة)، سواء أرأوا الإمام أم لم يروه، وسواء أكان الإمام في المسجد، أم قريبًا منه أم لا، وهو رواية عن أحمد (^١).\nوقال مالك في الموطأ: «وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد» (^٢).\nوظاهر قول مالك أنه لا فرق سواء أكان الإمام في المسجد أم لا.\n• وحجة الجمهور:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٥٤) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة (^٣).\nوفي رواية لمسلم: حتى تروني قد خرجت (^٤).\nفالحديث نهي عن القيام قبل رؤيته ﵊، وتسويغ للقيام عند رؤيته، وهو مطلق، غير مقيد بشيء من ألفاظ الإقامة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٥٥) روى أبو داود، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أخبرنا\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٣٨)، الفروع (٢/ ٢٨).\nوقال الأثرم نقلًا من الاستذكار (١/ ٣٩٣): «قلت لأحمد بن حنبل في حديث أبي قتادة عن النبي ﵇ (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني): أتذهب إليه؟\nقال: أنا أذهب إلى حديث أبي هريرة، قال خرج علينا رسول الله وقد أقمنا الصفوف، فأقبل يمشي حتى أتى مقامه فذكر أنه لم يغتسل، إسناده جيد، ورواه الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ولا أدفع حديث أبي قتادة».\n(^٢). الموطأ (٢/ ٧٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٦٣٨)، وصحيح مسلم (٦٠٤).\n(^٤). صحيح مسلم (٦٠٤).","vol":"1","page":278},{"text":"أبو عاصم، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،\nعن سالم أبي النضر، قال: كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد، إذا رآهم قليلًا جلس لم يُصَلِّ، وإذا رآهم جماعة صلى (^١).\n[مرسل، وقد خولف في لفظه] (^٢).\nوإذا كانت الصلاة قد تقام ولا تعقبها الصلاة، لم يقم الناس بمجرد الإقامة حتى يروا الإمام قد تقدم للصلاة، ولهذا أمر النبي ﷺ أصحابه ألا يقوموا بمجرد سماع الإقامة حتى يروا النبي ﷺ.\nالدليل الثالث:\nأن بلالًا لم يكن يقيم الصلاة حتى يرى النبي ﷺ.\n(ح-١١٥٦) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثنا سماك بن حرب،\nعن جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه (^٣).\nورؤية بلال للإمام بمنزلة رؤية بقية المصلين؛ لقوله ﷺ: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ولا يلزم منها رؤية الجميع.\nالدليل الرابع:\nولأن الموالاة بين الإقامة والصلاة ليست شرطًا.\n(ح-١١٥٧) فقد روى البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،\nعن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (^٤).\nقال ابن رجب: «وظاهر هذه الرواية يدل على أنه صلى بالإقامة السابقة، واكتفى بها» (^٥).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٥٤٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر ح (١١٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٦٠٦).\n(^٤). صحيح البخاري (٦٤٢)، مسلم (٣٧٦).\n(^٥). فتح الباري (٥/ ٤٤٠).","vol":"1","page":279},{"text":"ويدل نومهم أنهم كانوا ينتظرونه جلوسًا بعد أن أقيمت الصلاة؛ إذ لو كانوا قيامًا ينتظرون الصلاة ما ناموا.\nوقد تقدم بحث مسألة الموالاة بين الأذان والإقامة، فارجع إليها بوركت.\nوقد يقال: إن هذا أمر عارض، عرض لحاجة، لا يؤخذ منه حكم على سبيل الدوام.\n• حجة من قال: يقوم الناس إذا أقيمت الصلاة ولو لم يروا الإمام:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٥٨) بما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ، فتقدم ... الحديث (^١).\nورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ..... الحديث (^٢).\n• وأجيب عن هذا:\nأما الجواب عن تعارض حديث أبي هريرة: (أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته)، وبين حديث جابر بن سمرة (أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ).\nفيجمع بينهما بما قاله القرطبي: بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي ﷺ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم النبي ﷺ في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.\nقال الحافظ ابن حجر: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤٠).\n(^٢). صحيح مسلم (٦٠٦).\n(^٣). رواه عبد الرزاق في المصنف (١٩٤٢)، ...\nورواه أبو داود في المراسيل (٩٠) من طريق ابن وهب، كلاهما (عبد الرزاق، وابن وهب) عن ابن جريج به. وهذا وإن كان رجاله ثقات إلا أنه مرسل، ومراسيل الزهري فيها كلام.","vol":"1","page":280},{"text":"وأما الجواب عن تعارض حديث أبي هريرة لحديث أبي قتادة:\nفيقال في الجواب: إن السبيل إما الجمع وإما الترجيح، وإذا أمكن الجمع بلا تكلف لا يصار إلى الترجيح:\nفالترجيح أن يقال: إن قوله: (لا تقوموا حتى تروني) سنة قولية، والسنة القولية مقدمة على السنة الفعلية؛ لأن الفعل يحتمل احتمالات كثيرة بخلاف القول.\nولأن قوله: (لا تقوموا) ورد بصيغة النهي، وحديث أبي هريرة حكاية فعل، والفعل لا عموم له، ولا يلزم تكراره، وله وجوه كثيرة من الاحتمالات، وقد قال ﷺ: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) (^١).\nوأما وجه الجمع، فيقال:\nيحتمل أنهم في أول الأمر كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة قبل رؤية النبي ﷺ على ما جاء في حديث أبي هريرة، بناء على الإباحة الأصلية، ثم جاء النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة فقال لهم: (لا تقوموا حتى تروني) على وجه الرفق بهم؛ لاحتمال أن يتأخر عنهم، فيطول عليهم الانتظار، فيكون النهي ناقلًا عن الإباحة إلى كراهة القيام.\nويحتمل أن حديث أبي هريرة جاء لبيان الجواز، وأن النهي عن القيام حتى يروه ليس على سبيل الإلزام والحتم، بل على وجه الرفق به؛ لئلا ينتظروه قيامًا، فمن قام قبل رؤيته لا يعتبر عاصيًا باعتبار أن هذا من الآداب (^٢).\nالدليل الثاني:\nأن المؤذن يقول في إقامته (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)، وهذه الجملة هي الجملة الوحيدة التي لا توجد في جمل الأذان، ومنها سميت الإقامة\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٥/ ٤١٤)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٦٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤/ ٧٠٦)، فتح الباري (٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":281},{"text":"بالإقامة، وهو إعلام من المؤذن بقرب إقامتها، وقد عبر بالماضي لتحقق وقوعه، فتأخير القيام إلى الصلاة بعد سماع الإقامة يؤدي إلى وجود فاصل طويل بين الإقامة والصلاة، كما أنه يخالف ما أخبر به المؤذن، ولأن الإقامة تراد للدخول في الصلاة، لهذا اشترط الجمهور أن تكون متصلة بها.\n• ويناقش:\nأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، وقد يقال: إن الإقامة إعلام بقرب الدخول في الصلاة، فلا ينافيها وجود الفاصل، وهي عبادة مستقلة، قائمة بذاتها، ليست جزءًا من الصلاة، وصحة الصلاة ليست متوقفة على فعلها، وإن شرعت لها، وفعلها قبل الصلاة كافٍ في الامتثال، سواء أكانت متصلة أم منفصلة، والله أعلم.\nوالقول بأن المولاة بين الإقامة والصلاة شرط هذا غير مسلم، والأدلة الصحيحة الصريحة على خلافه، وإنما تؤخذ الشروط من نصوص الشارع، فإذا لم يوجد ما يدل على الشرطية فالأصل عدم الاشتراط، كيف وقد وجد ما يدل على نفي الشرطية، كما في حديث أنس، وأبي هريرة، وقد بحثت مسألة الموالاة، فارجع إليها في موضعها، ولله الحمد.\n• الراجح:\nالأصل أن الإقامة تكون بإذن الإمام، وأن المؤذن لا يقيم إلا بإذنه.\n(ث-٢٦٩) فقد روى عبد الرزاق عن الثوري، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال: علي ﵁: المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة (^١).\n[صحيح].\n(ح-١١٥٩) وروى البخاري من طريق أبي حازم بن دينار،\nعن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي\n_________\n(^١). المصنف (١٨٣٦).","vol":"1","page":282},{"text":"للناس فأقيم؟ قال: نعم ... الحديث وهو قطعة من حديث طويل (^١).\nفإذا كان وقت إقامة الصلاة إلى الإمام لم يقم الصلاة إلا بإذنه مع وجوده، وإذا حانت الصلاة، وهو غائب، انتظر قليلًا فإن حضر، وإلا أقام المؤذن الصلاة للناس، وقيامهم بحسب نشاطهم وخفتهم، وصلى المؤذن بالناس إن كان أهلًا لذلك، أو قدم من يصلي بهم، كما قدم الصحابة ﵃ عبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، ولم ينتظروا قدومه، وقد أقرهم النبي ﷺ وقال لهم: أحسنتم، وقدم بلال أبا بكر حين ذهب النبي ﷺ إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٨٤).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفصل الثاني في وقت قيام المأموم للصلاة والإمام في المسجد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• شرعت الإقامة لاستنهاض الحاضرين لفعل الصلاة.\n• جمل الإقامة من أولها إلى آخرها دعوة للقيام للصلاة.\n• تحري القيام للصلاة عند جملة معينة دون غيرها من جمل الإقامة؛ لا دليل عليه.\n• لم يأت في الشرع نص صريح في توقيت القيام، والأصل عدم التوقيت.\n• قال مالك: لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد.\n• من قام أول الإقامة، أو في أثنائها، أو بعدها وقبل تكبيرة الإحرام فقد أجاب الدعوة.\n• هل تعتبر المبادرة في القيام من المسارعة في فعل الطاعة، والابتعاد عن التشبه بمن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾؟ [النساء: ١٤٢].\n[م-٤٦٩] اختلف العلماء في موضع قيام المأموم من الإقامة إذا كان الإمام في المسجد:\nفقيل: يقوم إذا قال المؤذن: الله أكبر، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وجماعة من السلف (^١).\nوقيل: يقوم إذا قال المؤذن حي على الفلاح، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١). التمهيد (٩/ ١٩٢)، الاستذكار (١/ ٣٩١)، الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٦٦)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥٥٧)، فتح الباري لابن رجب (٥/ ٤١٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٧٩).\n(^٢). اتفق على هذا القول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، انظر: المبسوط (١/ ٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٠)، المحيط البرهاني (١/ ٣٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٨).\nقال محمد بن الحسن كما في الأصل (١/ ١٨): «إذا كان الإمام معهم في المسجد فإني أحب\nلهم أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح ....».","vol":"1","page":284},{"text":"وقيل: يقوم إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة، وهذا مذهب الحنابلة، وبه قال زفر والحسن بن زياد من الحنفية (^١).\nوقيل: يستحب ألا يقوم أحد حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو مذهب الشافعي (^٢).\nوقيل: لا حد لذلك، فإن شاء قام في أولها، أو في أثنائها، أو في آخرها، أو بعد الفراغ منها، فلا يحد القيام بحد، وإنما ذلك على قدر طاقة الناس، ويختلف ذلك باختلافهم قوة وضعفًا، وهذا مذهب المالكية (^٣).\nقال ابن يونس في الجامع «قال مالك: وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة حد، ولا وقت، وذلك على قدر طاقة الناس؛ لأن فيهم القوي والضعيف» (^٤).\n• دليل من قال: يقوم إلى الصلاة إذا شرع في الإقامة:\nالإقامة إعلام بإقامة الصلاة، وهي دعوة بِرٍّ وفلاح، والمبادرة بالقيام تدخل في المسارعة بفعل الخيرات، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nقال عمر بن عبد العزيز: «إذا سمعت النداء بالإقامة فكن أول من أجاب» (^٥).\nوقد ذم الله المنافقين بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢].\n• دليل الحنفية على أن وقت القيام إذا قال: حي على الفلاح:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٦٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،\n_________\n(^١). مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٥)، ورواية ابنه أبي الفضل (٢/ ٤٨٠)، ومسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٠٣)، الإنصاف (٢/ ٣٨، ٣٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢)، كشاف القناع (١/ ٣٢٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٤)، المغني (١/ ٣٣٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٠).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٠٣)، المهذب (١/ ١٣٤)، البيان للعمراني (٢/ ١٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٢٢)، مغني المحتاج (١/ ٥٠٠)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٠٦).\n(^٣). التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣١)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٣٧)، الشرح الكبير (١/ ٢٠٠)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٥٦)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٢٩١)، الذخيرة (٢/ ٧٨)،.\n(^٤). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٦٤).\n(^٥). الاستذكار (١/ ٣٩١).","vol":"1","page":285},{"text":"عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (^١).\n[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nلو كان النبي ﷺ لا يكبر إلا بعد فراغ بلال من الإقامة ما خاف بلال أن يسبق بفاتحة الكتاب فضلًا أن يسبق بآمين، فدل على أن النبي ﷺ كان يكبر في حال الإقامة.\n• وأجيب:\nبأنه مرسل، والمرسل ليس بحجة.\n• ورد الحنفية:\nبأن المرسل حجة عندنا، وعند الجمهور.\nالدليل الثاني:\nأن قول المؤذن: (حي على الفلاح) دعاء إلى ما به فلاحهم، وأَمْرٌ بالمسارعة إليه، فلا بد من الإجابة إلى ذلك، ولن تحصل الإجابة إلا بالفعل وهو القيام إليها،\nفإن قيل: كان ينبغي أن يقوموا عند قوله: (حي على الصلاة) فإنه دعاء إليها أيضًا.\nفالجواب: إنما منعهم عن القيام كي لا يكون قوله: (حي على الفلاح) لغوًا؛ لأن من وجدت منه المبادرة إلى شيء فدعاؤه إليه بعد تحصيله إياه لغو من الكلام.\nالدليل الثالث:\nولأن قوله: (قد قامت الصلاة) إخبار عن قيام الصلاة، لا عن القيام إليها، وقوله: (قد قامت الصلاة) محمول على الحقيقة: وذلك يعني وجود فعلها، والكلام إذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على غيره، ولا تقوم الصلاة إلا إذا سبق ذلك القيام إليها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا قاموا عند قوله: حي على الفلاح.\n• دليل من قال: لا توقيت في القيام:\nالدليل الأول:\nلم يَأْتِ في الشرع نص صريح في التوقيت، والأصل عدم التوقيت.\n_________\n(^١). المسند (٦/ ١٢).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر ح (١٧٤).","vol":"1","page":286},{"text":"قال مالك: لم أسمع في ذلك بحد يقام له، إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد (^١).\nوعلى هذا ينبغي أن ينتهي آخرهم قيامًا عند الفراغ من الإقامة واستواء الصفوف، ليدخل في الصلاة مباشرة بعد فراغ الإمام من تكبيرة الإحرام.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٦١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النهي عن القيام استعملت معه (حتى) الغائية، فالنهي عن القيام ينتهي عند رؤية الإمام فهو نص في تسويغ القيام للصلاة عند رؤية الإمام، وهو مطلق، لم يقيد بشيء من ألفاظ الإقامة، فإذا رأى المأموم الإمام أذن له بالقيام، فإن شاء قام في أول الإقامة، وإن شاء في وسطها، وإن شاء في آخرها، ومن المعلوم أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام.\n(ح-١١٦٢) لحديث جابر بن سمرة، قال: كان بلال يؤذن إذا دحضت، فلا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه.\nرواه مسلم من طريق زهير، حدثنا سماك بن حرب، عن جابر (^٣).\nورؤية بلال للإمام بمنزلة رؤية بقية المصلين؛ لقوله ﷺ: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، ولا يلزم منها رؤية الجميع.\n• دليل من قال: لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة:\nقالوا: إذا كان الدخول في الصلاة لا يشرع قبل الفراغ من الإقامة، فلا معنى للقيام قبل ذلك، ولا يعارضه قوله ﷺ: لا تقوموا حتى تروني، لأنه ﷺ كان يخرج\n_________\n(^١). الموطأ (٢/ ٧٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣٨)، وصحيح مسلم (٦٠٤).\n(^٣). صحيح مسلم (٦٠٦).","vol":"1","page":287},{"text":"عقب الإقامة، هكذا قالوا.\n• ويناقش:\nبأنه وإن لم يكن وقتًا للدخول في الصلاة، فهو وقت للاستعداد لها، وتسوية الصفوف حتى إذا فرغ المؤذن تكون الصفوف كلها أو أكثرها قد تعدلت.\n• دليل من قال: يستحب له القيام عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٦٣) روى البزار في مسنده، قال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا حجاج بن فروخ، عن العوام بن حوشب،\nعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة نهض رسول الله ﷺ بالتكبير.\nقال البزار: لا نعلمه إلا عن ابن أبي أوفى بهذا الإسناد (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ث-٢٧٠) روى ابن المنذر في الأوسط، قال: وحدثونا عن الحسن بن\n_________\n(^١). مسند البزار (٣٣٧١)، وانظر كشف الأستار (٥٢٠).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥) من طريقين عن حجاج بن فروخ به.\n(^٢). في إسناده حجاج بن فروخ، قال أبو حاتم: مجهول، وضعفه النسائي، وقال الدارقطني: متروك، وذكر هذا الحديث لأحمد، فأنكره أحمد، وقال: العوام لم يَلْقَ ابن أبي أوفى. انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٤١٩).\nوقال البيهقي: هذا لا يرويه إلا حجاج بن فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه.\n\nوجاء في سؤالات ابن الجنيد لابن معين (٧٩٦): «قلت ليحيى: الحجاج بن فروخ؟ قال: لا أعرفه. قلت يروي عن العوام بن حوشب، عن ابن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ، إذا قال بلال: قد قامت الصلاة، نهض، فكبر. قال: لا أعرفه، من حدثكم عنه؟ قلت: عاصم بن علي، قال: عاصم بن علي ليس بشيء». اهـ\nوقال ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٧٠): «لا يثبت حديث ابن أبي أوفى ... لأن الذي رواه الحجاج بن فروخ، وهو شيخ مجهول، والعوام بن حوشب لم يسمع من ابن أبي أوفى».\nوحكم عليه ابن حزم في المحلى بالوضع (٣/ ٣٣).\nوقال الذهبي في الميزان (١/ ٤٦٤): هذا حديث منكر جدًّا.","vol":"1","page":288},{"text":"عيسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال:\nأخبرنا أبو يعلى، قال: رأيت أنس بن مالك إذا قيل: قد قامت الصلاة وثب (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن ابن المنذر أبهم شيوخه الذين حدثوه عن الحسن بن عيسى].\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٧١) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد،\nعن حسين بن علي بن أبي طالب قال: ورأيته في حوض زمزم الذي يسقى الحاج فيه، والحوض يومئذٍ بين الركن وزمزم، فأقام المؤذن بالصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قام حسين، وذلك بعد وفاة معاوية، وأهل مكة لا إمام لهم، فقال له: اجلس حتى يصف الناس فيقول: قد قامت الصلاة (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nإلا أنه ليس بصريح، فقد يكون سعى لقرب الفراغ من الإقامة، فلن يبلغ الصف إلا وقد فرغ المؤذن من الإقامة.\nالدليل الرابع:\n(ث-٢٧٢) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن عبيد الله،\nعن عطية قال: كنا جلوسًا عند ابن عمر فلما أخذ المؤذن في الإقامة قمنا، فقال ابن عمر: اجلسوا فإذا قال: قد قامت الصلاة فقوموا (^٤).\n[ضعيف جدًّا] (^٥).\n_________\n(^١). الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٦٦).\n(^٢). المصنف (١٩٣٧).\n(^٣). رواه عبد الرزاق (١٩٣٨).\n(^٤). مصنف عبد الرزاق (١/ ٥٠٦).\n(^٥). في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، رجل متروك، كل بلاء فيه.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٤١٠٠)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٦٦)، عن ابن عيينة، قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن حسين بن علي بنحو أثر ابن عمر.\nوفي بعضها (عبد الله بن أبي يزيد) والصواب: أنه بلفظ التصغير: عبيد الله بن أبي يزيد المكي، مولى قارظ بين شيبة الكناني، حليف لبني زهرة، وليس صريحًا أنه عنى لفظ (قد قامت الصلاة)، فيحتمل أنه عنى الإقامة كلها.","vol":"1","page":289},{"text":"ولأن قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فتستحب المبادرة إلى القيام امتثالًا للأمر، وتحصيلًا للمقصود (^١).\n• الراجح:\nأقرب الأقوال هو قول المالكية، وأن الأمر واسع، ولا يُتَحَرَّ القيامُ عند لفظ معين من الإقامة لعدم ثبوت الدليل بذلك، وإنما الإقامة كلها من أولها إلى آخرها دعوة لاستنهاض الحاضرين للقيام إلى الصلاة، ودعوة لمن كان خارج المسجد للمشي إليها بسكينة ووقار، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٣٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الثالث في وقت تكبير الإمام بالصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يكبر الإمام قبل الفراغ من الإقامة وتسوية الصفوف.\n• سنة الصلاة الفعلية المنقولة بالتواتر أن الإقامة تقام، ليقوم الناس إلى صلاتهم ويتداعى لها من كان خارج المسجد، حتى إذا فرغ المؤذن من الإقامة فإذا الناس قد تأهبوا قيامًا إلى صلاتهم، حتى إذا سوِّيت الصفوف، كبر الإمام.\n• حرف (قد) في قوله: (قد قامت الصلاة) للتقريب، أي قرب قيامها، وتأتي للتحقيق كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١].\n[م-٤٧٠] قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الأفضل أن يكبر عند قوله: قد قامت الصلاة، فإن كبر بعد فراغ المؤذن جاز (^١).\n«قال أبو إسحاق: كان أصحاب عبد الله يكبرون إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وكان إبراهيم النخعي، وسويد بن غفلة وإسماعيل بن أبي خالد: يكبرون كذلك» (^٢).\nوقال أبو يوسف وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة (^٣).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٣٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٤)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٠)، المحيط البرهاني (١/ ٣٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٨).\n(^٢). الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٤/ ١٦٨).\n(^٣). عمدة القارئ شرح البخاري (٥/ ١٥٣)، المدونة (١/ ١٦٠)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥٥٧)، مواهب الجليل (١/ ٤٦٩)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٢٥٦)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٢٩١)، الذخيرة (٢/ ٧٨)، الأوسط (٤/ ١٦٩)، المجموع (٣/ ٢٥٣)، فتح العزيز (٤/ ٣٨٠)، روضة الطالبين (١/ ٣٦٩)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٢٧)، حلية العلماء للقفال (٢/ ٦٩)، تنقيح التحقيق (٢/ ١٢٣)، المغني (١/ ٣٣٢) مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٦٢٦)، المبدع (١/ ٣٧٦)، الإنصاف (٢/ ٣٨، ٣٩)، كشاف القناع (١/ ٣٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٢، ١٨٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٢)، الروض المربع (ص: ٨٧).","vol":"1","page":291},{"text":"جاء في المدونة «قال مالك: إذا فرغ المؤذن من الإقامة انتظر الإمام قليلًا قدر ما تستوي الصفوف، ثم يكبر، ويبتدئ القراءة ...» (^١).\nوجاء في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله: «سألت أبي عن الإمام يكبر إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، أو حتى يفرغ من الإقامة؟\nقال حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ: (لا تقوموا حتى تروني).\nوقد روي عن عمر أنه كان يبعث إلى الصفوف، فإذا استوت كبر، وحديث (لا تسبقني بآمين) وأرجو ألا يضيق ذلك» (^٢).\nوقال ابن مفلح في المبدع: «ولا يحرم الإمام حتى تفرغ الإقامة، نص عليه، وهو قَوْلُ جُلِّ أئمة الأمصار» (^٣).\n• دليل من قال: يكبر عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٦٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،\nعن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (^٤).\n[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (^٥).\nوجه الاستدلال:\nفي هذا الحديث دليل أن رسول الله ﷺ كان يكبر للإحرام ويقرأ، وبلال\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٠).\n(^٢). مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٦١).\n(^٣). المبدع شرح المقنع (١/ ٣٧٦).\n(^٤). المسند (٦/ ١٢).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر ح (١٧٤).","vol":"1","page":292},{"text":"ما زال في إقامة الصلاة.\n• ويجاب بأكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن الراجح فيه أنه مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح، وعلى القول بالاحتجاج به كما هو مذهب الحنفية فإنه يشترط للاحتجاج به ألا يخالف ما هو أصح منه، وقد عارض هذا المرسل حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث أنس في البخاري، وسوف نأتي على ذكرها في أدلة الجمهور إن شاء الله تعالى.\nالوجه الثاني:\nقال ابن حزم: إذا كان الإمام يكبر بعد أن يقول المؤذن قد قامت الصلاة، فلم يَبْقَ على المقيم شيء إلا أن يقول: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، فمن المحال الممتنع الذي لا يُشْكِلُ أن يكون الإمام يتم قراءة أم القرآن قبل أن يتم المقيم قول الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم يكبر.\nفكيف يكون هذا دليلًا على أن الإمام يكبر إذا قال المقيم (قد قامت الصلاة)، بل لو كبر الإمام مع ابتداء المقيم الإقامة لما أتمَّ (أم القرآن) أصلًا إلا بعد إتمام المقيم الإقامة، وبعد أن يكبر للإحرام، فكيف بثلاث كلمات؟\nفإن قيل: ما معنى قول بلال، وأبي هريرة: لا تسبقني بآمين؟ قلنا: معناه بَيِّنٌ في غاية البيان، لأن النبي ﷺ أخبر أن الإمام إذا قال: (آمين) قالت الملائكة: آمين، فإن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فأراد بلال من رسول الله ﷺ أن يتمهل في قول: (آمين) فيجتمع معه في قولها، رجاءً لموافقة تأمين الملائكة (^١).\nوقد يدفع هذا بقول من يقول: إن بلالًا كان يقيم في موضع أذانه، ثم يأتي إلى الصلاة، وقد أجبت عن هذا في مباحث الأذان، فانظره مشكورًا.\nالدليل الثاني:\nقوله: (قد قامت الصلاة) إخبار عن قيام الصلاة، لا عن القيام إليها، وقيامها\n_________\n(^١). انظر المحلى (٣/ ٣٢).","vol":"1","page":293},{"text":"يعني وجودها، وحتى يكون الخبر موافقًا للواقع يستحب له أن يكبر إذا قال: (قد قامت الصلاة).\nقال السرخسي: «فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام والقوم جميعًا في قول أبي حنيفة ومحمد» (^١).\nولأن قوله: (قد قامت الصلاة) محمول على الحقيقة: وذلك يعني وجود فعلها، والكلام إذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على غيره، ولا تقوم الصلاة إلا إذا كبر بعد قوله: (قد قامت الصلاة).\n• ويناقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nلو صح تخريجكم لكان عليه أن يكبر قبل شروع المؤذن بقوله: (قد قامت الصلاة)، حتى إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كان الخبر مطابقًا للواقع، أما إذا كبروا بعد قوله: (قد قامت الصلاة) لم يكن الخبر محمولًا على الحقيقة.\nالوجه الثاني:\nلو كان الخبر محمولًا على الحقيقة لكان التكبير قبل الفراغ من جملة (قد قامت الصلاة) من باب الوجوب، وليس من باب الأفضلية حتى لا يقع الخبر كاذبًا، وأنتم جعلتم الأمر من باب الأفضلية.\nالوجه الثالث:\nأن (قد) تدخل على الماضي والمضارع، فإذا دخلت على الفعل الماضي جاءت للتقريب، فهي تقرب الفعل من الحال، ومنه قول المؤذن (قد قامت الصلاة).\nوقد تأتي للتحقيق كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾. [المجادلة: ١].\nفمعنى قوله: (قد قامت الصلاة) أي قرب قيامها، كما تقول: قامت الحرب: أي أوشكت أن تقوم، وكما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].\n• دليل من قال: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٦٥) روى البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٣٩).","vol":"1","page":294},{"text":"عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم (^١).\nفلو كان يكبر عند قوله (قد قامت الصلاة) ما كانت المناجاة بعد الإقامة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٦٦) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله ﷺ، فتقدم ... الحديث (^٢).\nورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله ﷺ ..... الحديث (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٦٧) ما رواه البخاري من طريق زائدة بن قدامة، قال: حدثنا حميد الطويل،\nحدثنا أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري (^٤).\nفدلت السنة على أن النبي ﷺ كان يأمر بتسوية الصفوف بعد الإقامة.\n(ث-٢٧٣) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،\nأن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبروه أن قد استوت كبر (^٥).\n[صحيح عن عمر، وهذا إسناد منقطع، نافع لم يسمع من عمر] (^٦).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤٢)، مسلم (٣٧٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٤٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٦٠٦).\n(^٤). صحيح البخاري (٧١٩).\n(^٥). الموطأ (١/ ١٥٨).\n(^٦). اختلف فيه على نافع: ...\nفرواه مالك في الموطأ كما في حديث الباب، وعنه الشافعي كما في المعرفة للبيهقي (٢/ ٣٣٠).\nورواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٢٤٣٧)،\nوعبد الرزاق في المصنف (٢٤٣٨)، ثلاثتهم (مالك، وابن جريج، وعبد الرزاق)، عن نافع، عن عمر، ونافع لم يسمع من عمر.\nورواه البيهقي في السنن (٢/ ٣٤) من طريق محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك به. ومحمد بن إبراهيم متروك.\nوخالفهم أيوب، فرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٤٣٩) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان عمر لا يكبر حتى تعتدل الصفوف، يوكل بذلك رجالًا.\n\nفوصله أيوب، إلا أنه من رواية معمر عنه، ورواية معمر عن أهل البصرة فيها كلام.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٣٧) حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: ما رأيت أحدًا كان أشدَّ تعاهدًا للصف من عمر أن كان يستقبل القبلة حتى إذا قلنا: قد كبر، التفت، فنظر إلى المناكب والأقدام، وإن كان يبعث رجالًا يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف. فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وقد قال شعبة: عاصم أحب إلي من قتادة في أبي عثمان النهدي؛ لأنه أحفظهما.","vol":"1","page":295},{"text":"• الراجح:\nالمجزوم به من سنة الرسول ﷺ أن الدخول في الصلاة يأتي بعد الفراغ من الإقامة، وتسوية الصفوف، والحنفية لا يرون الجهر بالتأمين، لا من الإمام ولا من المأموم، فكيف يقول بلال: لا تسبقني بآمين، والسبق إنما يحاط به إذا كان الرسول ﷺ يجهر بالتأمين، والجهر به من الإمام والمأموم هو السنة المحفوظة من صفة صلاة النبي ﷺ، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الرابع في تسوية الصفوف</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• ضابط تسوية الصفوف: اعتدالها على سمت واحد، وسد الْفُرَجِ، وإتمام الأول فالأول.\n• الأمر بتسوية الصفوف ثابت بالسنة المتواترة، وعمل الخلفاء الراشدين.\n• تسوية الصفوف من وظيفة الإمام، فكان النبي ﷺ يُقَوِّم الصف ويعدله بقوله وفعله وكان بعض الخلفاء يوكل بالناس من يسوِّي صفوفهم، وعلى آحاد المصلين أن يأمر بذلك؛ لأنه من الأمر بالمعروف والتعاون على البر.\n• التقصير في بعض العبادات سبب لاختلاف القلوب وتنافرها وتباينها، لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهم، فإما التسوية وإما المخالفة، •اختلاف صفوف المسلمين في الظاهر يقود لاختلاف البواطن.\n• الوعيد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه، ظاهره يدل على تحريم ما توعد عليه.\n• تسوية الصف من تمام الصلاة، وتمام الشيء يكون واجبًا ومستحبًّا.\n• التام: تارة يراد به ما يقابل الناقص، وتارة يراد به الكمال: وهو الزيادة على مطلق التمام، والأول واجب، والثاني مستحب.\n[م-٤٧١] أجمع العلماء على مشروعية تعديل الصفوف (^١)،\nقال ابن عبد البر: «وأما تسوية الصفوف في الصلاة فالآثار فيها متواترة من\n_________\n(^١). انظر الاستذكار (٢/ ٢٨، ٢٨٨)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١١٥)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٤/ ٦٠٧).","vol":"1","page":297},{"text":"طرق شتى صحاح كلها ثابتة في أمر رسول الله ﷺ تسوية الصفوف، وعمل الخلفاء الراشدين بذلك بعده، وهذا ما لا خلاف فيما بين العلماء فيه» (^١).\nواختلفوا في وجوبه:\nفقيل: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^٢).\nوقيل: واجب، وهو قول الظاهرية، واختيار البخاري، حيث ترجم له في صحيحه بقوله: باب إثم من لم يتم الصفوف، واختيار ابن تيمية، وبعض المتأخرين (^٣).\nقال ابن حزم: «فرض على المأمومين تعديل الصفوف، الأول فالأول، والتراص، والمحاذاة بالمناكب والأرجل» (^٤).\nومن صلى ولم يُسَوِّ الصف، فصلاته صحيحة (^٥).\nوقال ابن حزم: صلاته باطلة.\nوقال ابن مفلح في الفروع: «يحتمل أنه يمنع الصحة، ويحتمل: لا؛ لقوله ﵇: سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة متفق عليه، وتمام الشيء يكون واجبًا ومُسْتحبًّا ....» (^٦).\n_________\n(^١). الاستذكار (٢/ ٢٨٨).\n(^٢). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٥٩)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٦)، المنتقى للباجي (١/ ٢٧٩)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٤٤)، إكمال المعلم (٢/ ٣٤٦)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١١٦)، الذخيرة (٢/ ٧٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢١١)، شرح التلقين (٢/ ٧٠٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٤)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٢٥٦)، منح الجليل (١/ ٢٠٦)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٥٩٢، ٥٩٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٧)، البيان للعمراني (٢/ ٣٨٣)، المجموع (٤/ ٢٢٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٢٧)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٢٨١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٢)، المغني (١/ ٣٣٣)، الفروع (٢/ ١٦٢)، المبدع (١/ ٣٧٧)، الإنصاف (٢/ ٣٩).\n(^٣). المحلى (٢/ ٣٧٢)، مرعاة المفاتيح (٤/ ١، ٢)، الفروع (٢/ ١٦٢)، الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣١).\n(^٤). المحلى (٢/ ٣٧٢).\n(^٥). قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٢١٠): «ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يُسَوِّ صحيحة لاختلاف الجهتين .... وأفرط بن حزم فجزم بالبطلان».\n(^٦). الفروع (٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":298},{"text":"• دليل من قال: تسوية الصفوف سنة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٦٨) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، يحدث،\nعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف، من تمام الصلاة (^١).\nورواه أحمد وغيره عن وكيع، عن شعبة به، بلفظ: (أقيموا صفوفكم، فإن من حسن الصلاة إقامة الصف) (^٢).\nورواه أحمد من طريق همام، عن قتادة به، بلفظ: (إن من حسن الصلاة إقامة الصف) (^٣).\nالمحفوظ من حديث أنس أنه بلفظ: (فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) وأما لفظ (من حسن الصلاة إقامة الصف) فهو محفوظ من حديث أبي هريرة (^٤).\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٦٩) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: .... وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة (^٥).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nقال ابن دقيق العيد: عن قوله ﷺ في الحديث: (من تمام الصلاة) قد يؤخذ منه\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٣٣).\n(^٢). رواه أحمد (٣/ ٢٧٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٢٨)، وابن خزيمة (١٥٤٣)، والحاكم في المستدرك (٧٨٧) عن وكيع به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنما اتفقا على غير هذا اللفظ، وهو أن تسوية الصف من تمام الصلاة. اهـ\n(^٣). انظر تخريجه وافيًا إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.\n(^٤). سوف أخرج حديث أنس بألفاظه عند الكلام على أدلة القول الثاني، إن شاء الله تعالى.\n(^٥). صحيح البخاري (٧٢٢)، وصحيح مسلم (١٢٦ - ٤٣٥).","vol":"1","page":299},{"text":"أنه مستحب غير واجب، لأنه لم يقل: إنه من أركانها، ولا من واجباتها، ولأن تمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح، وقد يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به (^١).\nوقال ابن بطال عن قوله: (إقامة الصف من حسن الصلاة): «هذا الحديث يدل على أن إقامة الصفوف سنة مندوب إليها، وليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا لم يقل ﵇: فإن إقامة الصفوف من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب» (^٢).\nقلت: قوله: (من تمام الصلاة) تمام الشيء يحتمل أنه أراد التمام المنافي للنقص، فتكون التسوية على هذا واجبة، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإتمامهما: تأدية كل ما فيهما من الوقوف، والطواف، وغير ذلك. وقوله: ﷺ: (وما فاتكم فأتموا) متفق عليه، وسبق تخريجه.\nويحتمل أنه أراد تمامها: أي البلوغ بها رتبة الكمال، كما يقال: تم الشيء إذا كمل، فتكون التسوية مستحبة، إلا أنه لما قال في حديث أبي هريرة (إقامة الصف من حسن الصلاة) ترجح الثاني، وهو أنه قصد بالإتمام الكمال.\nوأهل اللغة يرون أن التمام والكمال مترادفان.\nوذكر بعض أهل اللغة أن بينهما فرقًا:\nفالتمام: الإتيان بما نقص، والكمال: الزيادة على التمام، فإذا قلت: رجل تام الخَلْق لا يفهم السامع العربي إلا أنه لا نقص في أعضائه.\nوإذا قلت: رجل كامل، يفهم منه أنه خَصَّه بمعنى زائد على التمام، كالحسن والفضل، فالكمال: تمام وزيادة.\nوقد يطلق كل منهما على الآخر تجوزًا، وعليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (^٣).\n_________\n(^١). انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢١٧).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٤٧).\n(^٣). انظر: تاج العروس (٣١/ ٣٣٢).","vol":"1","page":300},{"text":"الدليل الثالث:\nحكي الإجماع على أن تسوية الصفوف مستحبة (^١).\nوناقش دعوى الإجماع ابن مفلح، وابن حجر، مما يدل على ثبوت حكاية الإجماع.\nقال ابن مفلح في الفروع: «ومن ذكر الإجماع على أنه مستحب فمراده ثبوت استحبابه، لا نفي وجوبه» (^٢).\nوقد يسلم هذا التأويل لو كان هناك من ينازع في ثبوت القول بالاستحباب، فيرد عليه بأنه مجمع على ثبوته، أما وهو قول عامة الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة، بل لم يُحْكَ غيرُه في القرون المفضلة لم تكن هناك حاجة إلى هذه الطريقة لإثبات القول بالاستحباب.\nوقال الحافظ في الفتح: «نازع -يعني ابن حزم- من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب» (^٣).\nوقد رجعت إلى كتاب ابن حزم، فوجدته قد ذكر هذا الكلام في معرض استدلاله لقوله، لا في معرض حكاية الإجماع وردها بتلك الآثار، فلعل ابن حجر أخذه من كون ابن حزم حين أثبت وجود القول بالوجوب وذلك من فهمه لضرب عمر وبلال ﵄ أقدام من لم يسو الصف لزم منه خرق دعوى من حكى الإجماع، وأثر عمر وبلال سوف أذكرهما إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني، وأناقش ثبوتهما، ودلالتهما على إثبات القول بالوجوب.\n• دليل من قال: التسوية واجبة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٧٠) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث،\n_________\n(^١). فيض القدير شرح الجامع الصغير (٢/ ٧٦).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٦٣).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢١٠)، وانظر المحلى بالآثار (٢/ ٣٧٩)، عون المعبود (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":301},{"text":"عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف، من تمام الصلاة (^١).\nوجه الاستدلال بالحديث من وجهين:\nالأول: أن النبي ﷺ أمر بتسوية الصفوف، والأصل في الأمر الوجوب.\nالثاني: أن التام في أصل الوضع هو ما يقابل الناقص، يقال: ولد تام الخلق: أي غير ناقص، والنقص من الصلاة لا يجوز، فكذلك تسوية الصفوف.\n• ويناقش:\nبأن القرينة الصارفة عن الوجوب إلى الاستحباب قوله في حديث أبي هريرة (إقامة الصف من حسن الصلاة).\nوأن التمام يأتي بمعنى الكمال، ويأتي بمعنى إتمامها عن النقص، وحديث أبي هريرة قرينة أنه أراد الأول، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٧١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت سالم بن أبي الجعد، قال:\nسمعت النعمان بن بشير، يقول: قال النبي ﷺ: لَتُسَوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nورود الوعيد على تركه، وأنه سبب لاختلاف الجهات الدال على اختلاف القلوب وتنافرها دليل على أنه واجب؛ إذ المستحب لا عقوبة في تركه.\n• وأجيب:\nهذا الدليل من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، وقد حاول ابن بطال أن يجيب عن هذا الدليل، فقال: «لما كان تسوية الصفوف من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها، دل ذلك أن تاركها يستحق الذم والعتب» (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٣٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٧١٧)، وصحيح مسلم (٤٣٦).\n(^٣). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٤٧).","vol":"1","page":302},{"text":"• وتعقب:\nبأنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا (^١)، وأن يترتب عليه عقاب كالمتوَعَّدِ به من ترك تسوية الصفوف.\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٧٤) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار الأنصاري،\nعن أنس بن مالك، أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن إنكار أنس ﵁ على ترك إقامة الصفوف دليل الوجوب؛ لأن الإنكار لا يقع إلا على ترك واجب.\n• ورد هذا الاستدلال:\nبأن الإنكار قد يقع على ترك السنن المؤكدة، أو على ارتكاب المكروه.\nالدليل الرابع:\n(ح-١١٧٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة (^٣).\nوجه الاستدلال:\nإذا كانت تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، كانت التسوية واجبة؛ لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب فهو واجبٌ.\n• ونوقش هذا:\nبأن أبا الوليد الطيالسي انفرد بهذا اللفظ عن شعبة، وأصحاب شعبة يروونه\n_________\n(^١). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢١٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٢٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٢٣).","vol":"1","page":303},{"text":"بلفظ: (فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) (^١).\n_________\n(^١). ورد هذا الحديث عن أنس بثلاثة ألفاظ،\nفالحديث رواه شعبة، عن قتادة، عن أنس، وقد روي عن أنس بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: (فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة).\nرواه أبو الوليد، عن شعبة، واختلف عليه:\nفرواه البخاري (٧٢٣)، عن أبي الوليد، عن شعبة، بلفظ: (.... من إقامة الصلاة).\nوخالف البخاري أبو داود في سننه (٦٦٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤١).\nوأبو خليفة الفضل بن حباب كما في صحيح ابن حبان (٢١٧٤)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥٤/ ٩٤).\nوعثمان بن سعيد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٤١)، ثلاثتهم رووه عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة به، كلفظ الجماعة: (تسوية الصفوف من تمام الصلاة).\nاللفظ الثاني: رواه أصحاب شعبة، عنه بلفظ: (فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة)، منهم.\n\nالأول: محمد بن جعفر غندر، وهو من أثبت أصحاب شعبة، كما في صحيح مسلم (١٢٤ - ٤٣٣)، ومسند أحمد (٣/ ١٧٧، ٢٧٤)، ومسند أبي يعلى (٢٩٩٧)، ومسند البزار (٧١٠٩، ٧١٥٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٤٣)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٩٦٨)، والفوائد لأبي الشيخ (٩).\nالثاني: يحيى بن سعيد القطان، كما في سنن ابن ماجه (٩٩٣)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٤٣).\nالثالث: عبد الرحمن بن مهدي، كما في مسند أبي يعلى (٣١٣٧)، ومسند السراج (٧٤٠، ٧٤٢)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (١/ ١٦٩، ١٧٠).\nالرابع: خالد بن الحارث، كما في صحيح ابن حبان (٢١٧١)،\nالخامس: بهز بن أسد، كما في مسند أحمد (٣/ ٢٩١)، ومسند أبي يعلى (٣٢١٢)،\nالسادس: عفان بن مسلم، كما في مسند أحمد (٣/ ٢٥٤)، وشرح السنة للبغوي (٣/ ٣٦٨).\nالسابع: حجاج بن محمد كما في مسند أحمد (٣/ ٢٧٤)،\nالثامن: سليمان بن حرب، كما في سنن أبي داود (٦٦٨)، ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٤١)،\nالتاسع: يزيد بن زريع، كما في مسند أبي يعلى (٣١٣٧)،\nالعاشر: علي بن نصر الجهضمي، كما في سنن ابن ماجه (٩٩٣)،\nالحادي عشر: أبو داود الطيالسي، كما في مسنده (٢٠٩٤)، ومن طريقه أبو يعلى (٣٢١٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٣٧٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٩٦٨).\nالثاني عشر: أبو النضر هاشم بن القاسم، كما في سنن الدارمي (١٢٩٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٣٧٣).\nالثالث عشر: سعيد بن عامر الضبعي، كما في سنن الدارمي (١٢٩٨).\nالرابع عشر: بشر بن عمر الزهراني كما في سنن ابن ماجه (٩٩٣).\nالخامس عشر: بَدَل بن المُحَبَّر، كما في معجم ابن الأعرابي (٩٧).\nالسادس عشر: أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، كما في مسند أبي يعلى (٣٠٥٥)، =","vol":"1","page":304},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nالسابع عشر: حَبَّان بن هلال، كما في مسند السراج (٧٤٣).\nالثامن عشر: شعيب بن حرب، كما في تاريخ بغداد (١١/ ٢٢٧).\nالتاسع عشر: أسد بن موسى، كما في مستخرج أبي عوانة (١٣٧٢).\nالعشرون: عمر بن مرزوق، كما في مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٩٦٨).\nالحادي والعشرون: عبد الملك بن إبراهيم الجدي، كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٧٧)، كلهم رووه عن شعبة، عن قتادة عن أنس مرفوعًا بلفظ: «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة»، إلا عفان فإنه فإن روايته في مسند أحمد عن شعبة به موقوفًا. قال عبد الله بن أحمد: أظنه (عن النبي ﷺ)، وأنا أحسب أني قد أسقطته.\nوقد أخرجه البغوي في شرح السنة (٣/ ٣٦٨) من طريق الحسين بن الفضل البجلي، عن عفان به، مرفوعًا من دون شك.\nفالذي يبدو للباحث أن لفظ (فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة) قد انفرد بهذا اللفظ أبو الوليد الطيالسي على اختلاف عليه في لفظه، وقد خالفه أمة من الحفاظ، ولو خالف محمد بن جعفر وابن مهدي ويحيى بن سعيد القطان لكفى بالحكم على روايته بالشذوذ، فكيف وقد خالف معه أكثر من عشرين حافظًا، والله أعلم.\nوخالف كل هؤلاء وكيع،\nفرواه أحمد (٣/ ٢٧٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٢٨)، وابن خزيمة (١٥٤٣)، والحاكم في المستدرك (٧٨٧) عن وكيع، عن شعبة عن قتادة به، بلفظ: (أقيموا صفوفكم، فإن من حسن الصلاة إقامة الصف).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وإنما اتفقا على غير هذا اللفظ، وهو أن تسوية الصف من تمام الصلاة. اهـ\nقلت: بل هو لفظ شاذ من حديث أنس، وإن كان محفوظًا من حديث أبي هريرة، واللفظ هذا جاء من رواية همام، عن قتادة، وشعبة مقدم على همام، انظر اللفظ الثالث.\nاللفظ الثالث: (فإن إقامة الصف من حسن الصلاة).\nأخرجه أحمد (٣/ ١٢٢)، حدثنا يزيد بن هارون، عن همام، عن قتادة، عن أنس.\nوتابع همامًا مسعر بن كدام، أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٧٥، ٥٢٧١) وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٩) و(٨/ ٣٠١) من طريق محمد بن أبي عمر العدني، قال: حدثنا بشر بن السري، قال: حدثنا مسعر (بن كدام) عن قتادة، بلفظ: (أقيموا صفوفكم، فإن من حسن الصلاة إقامة الصف).\nقال الطبراني: لم يروه عن مسعر إلا بشر بن السري، ولا رواه عن بشر إلا ابن أبي عمر.\nوقال أبو نعيم: تفرد به بشر بن السرى عن مسعر.\nوقال مرة أخرى: غريب من حديث مسعر، تفرد به: بشر.\nقلت: أشار الطبراني إلى علته، وهو تفرد ابن أبي عمر العدني، وهو صدوق فيه غفلة، والله أعلم.\nوخالفهما شعبة، فرواه عن قتادة، بلفظ: (فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة) وهو المحفوظ من حديث قتادة عن أنس.\nوشعبة مقدم على همام في قتادة، فحديث أنس المحفوظ أنه بلفظ: (فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة)، ولفظ (فإن إقامة الصف من حسن الصلاة) محفوظ من حديث أبي هريرة. رواه البخاري (٧٢٢)، ومسلم (١٢٦ - ٤٣٥) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ... والله أعلم.","vol":"1","page":305},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١١٧٣) ما رواه مسلم، من طرق عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر،\nعن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ... قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا (^١).\nفاختلاف الصف سبب لاختلاف القلوب، والعقاب لا يكون إلا على واجب.\nالدليل السادس:\n(ث-٢٧٥) روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،\nعن عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ غداة طُعِنَ، فكنت في الصف الثاني، وما يمنعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته، كان ﵁ يستقبل الصف إذا أقيمت الصلاة، فإن رأى إنسانًا متقدمًا أو متأخرًا أصابه بالدرة، فذلك الذي منعني أن أكون في الصف الأول .... وذكر بقية الأثر (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nقال ابن حزم: «روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي، قال: كنت فيمن ضرب عمر بن الخطاب قدمه لإقامة الصف» (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢٢ - ٤٣٢).\n(^٢). المطالب العالية (٣٨٩٨).\n(^٣). رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥١) من طريق يحيى بن أبي بكير به.\nورواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٣٤٠) أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل به.\n(^٤). المحلى بالآثار (٢/ ٣٧٨).","vol":"1","page":306},{"text":"(ث-٢٧٦) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمران الجعفي،\nعن سويد بن غفلة قال: كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا (^١).\n[الصحيح أنه عن الأعمش، عن عمران] (^٢).\nقال ابن حزم: «فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض» (^٣).\n• ونوقش:\nبأن التعزير قد يكون على ترك السنن المؤكدة، أو على ارتكاب المكروه.\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٤٣٥).\n(^٢). رواه مسدد في مسنده عن الثوري، ولم يذكر الأعمش، كما في المطالب العالية (٣٩٨)، وإتحاف الخيرة المهرة (١٢١١)، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عمار، عن عمران، عن سويد بن غفلة.\n\nوفي إتحاف الخيرة المهرة، قال: عثمان بدلًا من عمار، فعندنا ثلاثة ألفاظ: (عمارة) كما في مصنف عبد الرزاق، والمحلى لابن حزم (٢/ ٣٧٩).\nو(عمار) كما في مسند مسدد من المطالب العالية، و(عثمان) كما في مسند مسدد من إتحاف الخيرة، ولا أدري من هو؟ ولم أقف على ترجمة لعمارة أو عمار بن عمران، ولم أجد من الرواة عن عمران أحدًا يحمل أحد هذه الأسماء الثلاثة، وإنما وجدت الأعمش قد ذكر من الرواة عن عمران، والله أعلم.\nوقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٣٤) حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن عمران، عن سويد، عن بلال، قال: كان يسوي مناكبنا وأقدامنا في الصلاة. وهذا إسناد صحيح، ولم يذكر الضرب.\nوهذا الإسناد مخالف لإسناد عبد الرزاق، حيث جعل بين الأعمش وعمران عمارة.\nورواه الطبراني في الصغير (٢/ ٨١) من طريق أحمد بن أبي الحواري، حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن بلال رضي الله عه قال: كان النبي ﷺ يسوي مناكبنا في الصلاة.\nفجعله مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nقال الطبراني: لم يروه عن الأعمش إلا ابن نمير، تفرد به أحمد بن أبي الحواري، ولا يروى عن بلال إلا بهذا الإسناد. اهـ\nقلت: أحمد بن عبد الله بن ميمون بن أبي الحواري، ثقة، فقد يكون البلاء من شيخ الطبراني محمد بن علي بن خلف الدمشقي، حدث عنه جمع، ولم يوثق، ففيه جهالة.\n(^٣). المحلى بالآثار (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":307},{"text":"(ث-٢٧٧) فقد روى البخاري معلقًا عن روح، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، أن موسى بن أنس أخبره،\n\nأن سيرين سأل أنسًا المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر ﵁، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] فكاتبه (^١).\n[لم أقف على سماع موسى بن أنس من عمر، وقد صح الأثر من مسند أنس] (^٢).\nقال مالك بن أنس: الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أن أحدًا من الأئمة أكره رجلًا على أن يكاتب عبده .... (^٣).\nولأن الكتابة إما بيع أو عتق وكلاهما لا يجب، فهو كقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فجمع بين الأمر بالكتابة، والنهي عن السآمة منها صغيرًا أو كبيرًا.\nوإذا صح أن عمر ضرب بالدرة على ترك ما هو مستحب لم يكن ضربه على\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣/ ١٥١).\n(^٢). لم يذكر المزي من شيوخ موسى بن أنس بن مالك عمر بن الخطاب.\nقال الحافظ: وَصَله إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) قال: حدثنا علي بن المديني، حدثنا رَوْح بن عُبادة، بهذا. ...\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥٧٨) عن ابن جريج، قال: أخبرني مخبر، أن موسى بن أنس بن مالك، أخبره أن سيرين سأل أنس بن مالك ... وذكر الأثر.\nوفيه جهالة شيخ ابن جريج.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (١٥٥٧٧) عن معمر، عن قتادة، قال: سأل سيرين أبو محمد أنس بن مالك ... وذكر الأثر.\nوهذه الرواية لها علتان: إحداهما: رواية معمر عن قتادة فيها كلام،\nوالثانية: أن هذا الأثر مقطوع من كلام قتادة، وهو لم يشهد القصة.\nورواه الطبري في تفسيره ت شاكر (١٩/ ١٦٧) من طريق محمد بن بكر.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٣٨) من طريق يحيى بن أبي طالب، أنبأ يزيد بن هارون، كلاهما (محمد بن بكر، ويزيد بن هارون) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: أرادني سيرين على المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب ... وذكر نحو الأثر.\nوهذا الإسناد متصل، وقد توبع فيه يحيى بن أبي طالب، فصح هذا الأثر، والله أعلم.\n(^٣). الموطأ (٢/ ٧٨٨).","vol":"1","page":308},{"text":"ترك التسوية بالصف دليلًا على الوجوب، والله أعلم.\nالدليل السابع:\nأن تسوية الصفوف، والتقارب فيما بينها مانع من دخول الشياطين بين المصلين، وأن عدم ذلك سبب لدخولها، فتتسلط عليهم بشدة الوسوسة، وقطع مثل ذلك عن الصلاة لا يستبعد وجوبه.\n(ح-١١٧٤) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، وعفان، قالا: حدثنا أبان، عن قتادة، عن أنس، قال أسود:\nحدثنا أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف، وقال عفان: إني لأرى الشيطان يدخل (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٢٦٠).\n(^٢). والحديث أخرجه أحمد أيضًا (٣/ ٢٨٣)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤٣٣) عن عفان.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٢٦٠) والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤٣٤) عن أسود بن عامر.\nوالنسائي في المجتبى (٨١٥). وفي الكبرى (٨٩١) من طريق أبي هشام (المغيرة بن سلمة)، ثلاثتهم عن أبان، عن قتادة به.\nورواه مسلم بن إبراهيم، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود كما في سننه (٦٦٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤٢).\nومحمد بن معمر كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٤٥)، وابن حبان (٦٣٣٩).\n\nويوسف بن موسى كما في مسند السراج (٧٤١)، والأحاديث المختارة للمقدسي (٢٤٣٢).\nويوسف بن يعقوب الأزدي كما في الأحاديث المختارة (٢٤٣٦)،\nوعلي بن عبد العزيز كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٧٨).\nوأبو عبد الله عبيد بن الحسن كما في تاريخ أصبهان لأبي نعيم (٢/ ١٠٢)، ستتهم رووه عن مسلم بن إبراهيم، عن أبان، عن قتادة بمثل رواية الجماعة.\nوخالفهم محمد بن الأزهر كما في صحيح ابن حبان (٢١٦٦) فرواه عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان، وشعبة، قالا: حدثنا قتادة، عن أنس: أن رسول الله قال: رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأكتاف، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف».\nوخالف الجماعة في حرفين، الأول: زيادة شعبة في الإسناد، ...\nوالثاني: ذكر الأكتاف وقال الجماعة: الأعناق، والمحفوظ رواية الجماعة، والله أعلم.","vol":"1","page":309},{"text":"• دليل من أبطل الصلاة بترك التسوية:\nالدليل الأول:\nالأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالتسوية نهي عن الإخلال بها، والنهي يقتضي الفساد في أصح القولين عند أهل الأصول.\nولقول الرسول ﷺ كما في حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nرواه مسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعًا (^١).\nالدليل الثاني:\nإذا صح أن التسوية واجبة، فإن تَعَمُّد ترك الواجب في الصلاة يبطلها في أحد قولي أهل العلم.\n• وأجيب:\nبأن التسوية هي واجب للصلاة مع مصلٍّ آخر، فليست التسوية جزءً امن واجبات الصلاة نفسها، فالجهة منفكة، فالأمر بالصلاة من حيث هي صلاة ليست التسوية جزءًا منها، وإنما الخلاف في ترك واجبٍ من واجبات الصلاة نفسها، أتبطل الصلاة بتركه أم لا؟ فالحنفية والمالكية يرون أن ترك واجبات الصلاة لا يبطلها في الجملة، بل ينقص أجرها، خلافًا للحنابلة القائلين ببطلان الصلاة إذا تعمد ترك الواجب فيها، وسبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد، ورجحت قول الحنفية والمالكية.\n• دليل من قال: لا تبطل الصلاة بترك التسوية:\nأما من قال بأن التسوية سنة فظاهر، وأما من رأى وجوب التسوية، وأن الإخلال بذلك لا يبطل الصلاة، فاستدل على قوله:\n(ث-٢٧٨) بما رواه أنس بن مالك، أنه قدم المدينة فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ؟ قال: ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.\nرواه البخاري من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار الأنصاري، عن أنس (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٢٤).","vol":"1","page":310},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن أنسًا ﵁ لم يأمرهم بإعادة الصلاة، وهذا دليل على أحد أمرين: إما أن يقال: إن التسوية سنة كما هو قول أكثر أهل العلم، أو يقال: إن الإخلال بالتسوية لا يبطل الصلاة.\n• الراجح:\nالقول بالوجوب من حيث دلالة النص قوي، إلا أن القول به لا يؤثر عن أحد من المتقدمين، فلا يعلم القول به قبل البخاري، وبعض طلبة العلم قد لا يبالي بهذا الشرط، فيذهب إلى الفهم من النص في معزل عن فهم السلف، وإذا لم يؤثر القول إلا عن الظاهرية، أو بعد القرون المفضلة فإني لا أنشط للذهاب إليه، وإن كنت لا أدفعه من حيث العمل، وقد قال ابن جريج لعطاء بن أبي رباح في مكاتبة العبد حين أمر الله تعالى في القرآن بمكاتبة العبد: أواجب عليَّ إذا علمت مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا؟ قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا (^١).\nوإذا كان هذا يقال لعطاء، وهو قد أدرك خلقًا كثيرًا من الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف بالإمام البخاري عليه رحمة الله، فالسلف كانوا حريصين إلى تلمس إمام متقدم يكون سلفًا لهم خاصة من طبقة الصحابة والتابعين فيما لم يحفظ اختلاف بينهم، فإن اختلفوا كان الأمر واسعًا، فيتحرى أقربهما إلى الحق، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). تفسير الطبري ت شاكر (١٩/ ١٦٧).","vol":"1","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الباب الرابع في أحكام تكبيرة الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>توطئه</span>\nتكبيرة الإحرام سميت بهذا الاسم من قوله ﷺ: تحريمها التكبير.\nوسميت بذلك؛ لأنه يحرم بها على المصلي ما كان حلالًا له قبلها من مفسدات الصلاة كالكلام، والأكل، والشرب.\nوالتحريم ليس نفس التكبير، وإنما هو سبب في ذلك، ولهذا سميت: تكبيرة الإحرام، أي: الإحرام بالصلاة.\nومن قول العرب: أصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وأنجد وأتهم إذا دخل نجدًا وتهامة، وكذلك أحرم إذا دخل في حرمات الصلاة أو الحج والداخل يسمى محرمًا فيهما فهذه الهمزة للدخول في الشيء المذكور معها (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٧)، التنوير شرح الجامع الصغير (٩/ ٥٦١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٤).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الأول في حكم تكبيرة الإحرام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• النية وحدها لا تكفي للدخول في الصلاة.\n• جميع تكبيرات الصلاة ليست من أركان الصلاة إلا تكبيرة الإحرام.\n• كل تكبير لا ينفصل عن الصلاة فهو جزء منها.\n• إذا قيل: التحريمة شرط لم تكن جزءًا من الصلاة، لأن شرط العبادة يتقدم عليها كالطهارة، وستر العورة، وإذا قيل: هي ركن كانت جزءًا من الصلاة.\n• شروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة ولا عدمها، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة، فدل على أنها ليست بشرط.\n• لا يعرف القول بأن تكبيرة الإحرام سنة مطلقًا إلا عن إبراهيم بن عُليَّة وشيخه أبي بكر الأصم، وهما ليسا من أهل السنة.\n• لا يدخل المصلي في الفريضة إلا بثلاثة أمور، اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، فالأول النية، والثاني التحريمة، والثالث استقبال القبلة.\n[م-٤٧٢] اختلف العلماء في حكم تكبيرة الإحرام:\nفقال الحنفية: التحريمة شرط، وهو الأصح عند الحنفية، ووجه عند الشافعية (^١).\nوقال المالكية والشافعية والحنابلة: تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة، وركن\n_________\n(^١). قال في بدائع الصنائع (١/ ١١٤): «أما التحريمة فليست بركن عند المحققين من أصحابنا، بل هي شرط».\nوانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٣٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":313},{"text":"من أركانها على كل مُصَلٍّ فرضًا أو نفلًا، ولو مأمومًا، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وأهل الظاهر (^١).\nقال النووي: «تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، لا تصح إلا بها، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجمهور السلف والخلف ...» (^٢).\nوقال أبو بكر الأصم وتلميذه إبراهيم بن علية: «تكبيرة الإحرام سنة، وله أن يدخل في الصلاة بالنية» (^٣).\nونسب هذا القول إلى سعيد بن المسيب، والزهري والحسن، والحكم، والأوزاعي (^٤).\n_________\n(^١). انظر في مذهب المالكية: عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١١٥)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٦)، قبس في شرح الموطأ (ص: ٢١٥)، مواهب الجليل (١/ ٥١٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٦)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٥).\nوفي مذهب الشافعية: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦)، المجموع (٣/ ٢٨٩)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٦/ ٦٢٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٤).\n\nوفي مذهب الحنابلة زاد المسافر لغلام الخلال (٢/ ١٤٧)، الإنصاف (٢/ ٤١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٢)، المغني (١/ ٣٣٤).\nوانظر قول محمد بن الحسن:\nوقول ابن حزم في المحلى، مسألة (٣٥٦).\n(^٢). المجموع (٣/ ٢٨٩، ٢٩٠).\n(^٣). المقصود بابن علية: هو الابن وليس الأب، وكثير من الباحثين المعاصرين يخلط بينهما، والأب من أهل الحديث، ومن شيوخ الإمام أحمد، وأما إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية وشيخه أبو بكر الأصم عبد الرحمن بن كيسان فهما محسوبان من الخلف في المعتقد، ومن المعتزلة، ولهم شذوذات فقهية، قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢١٧): «نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة».\nوانظر بدائع الصنائع (١/ ١٣٠)، المبسوط للسرخسي (١/ ١١)، المجموع (٣/ ٢٩٠)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٦/ ٦٢٢)، وشرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٠٠)، البدر التمام شرح بلوغ المرام (٣/ ٩).\n(^٤). اختلف العلماء في صحة نسبة هذا القول إلى هؤلاء إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن هذا القول لم يقل به أحد من علماء السلف إلا الزهري. وبهذا قال ابن المنذر، =","vol":"1","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوابن العربي في القبس.\nقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٧): «وقد روينا عن الزهري قولًا ثالثًا: أنه سئل عن الرجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه، فقال: يجزئه. قال أبو بكر: ولا أعلم أحدًا قال به غيره».\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٢٩٠): «وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن الزهري أنه قال تنعقد الصلاة بمجرد النية بلا تكبير قال ابن المنذر ولم يقل به غير الزهري». وانظر القبس شرح الموطأ (ص: ٢١٥، ٢١٦).\n\nالقول الثاني: يرى أنه لم يثبت التصريح عن هؤلاء الأعلام بأن تكبيرة الإحرام سنة، أو أن الصلاة تنعقد بمجرد النية، وإنما الثابت عنهم القول بأن من أدرك الإمام راكعًا فإنه تجزئه تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام، إذا ترك تكبيرة الإحرام ساهيًا، وهذه مسألة أخرى لا تنافي القول بوجوب تكبيرة الإحرام، وتبحث ضمن مسألة تداخل العبادات، وهي مسألة خلافية.\nروى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٦٧) حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، أنه قال في الرجل إذا نسي حين يكبر أن يفتتح الصلاة فإنه يكبر إذا ذكر، فإذا لم يذكر حتى يصلي مضت صلاته، وتجزيه تكبيرة الركوع.\nوسنده صحيح، وهو في الرجل الناسي وليس المتعمد، وفي إجزاء تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام، وليس فيه التصريح بأن تكبيرة الإحرام سنة.\nوقال ابن رشد الجد في المقدمات (١/ ١٧١): «قول سعيد بن المسيب وابن شهاب فيمن نسي تكبيرة الإحرام مع الإمام، وكبر للركوع: إنها تجزئه من تكبيرة الإحرام، وإن لم يَنْوِ بها تكبيرة الإحرام، لا يدل أن تكبيرة الإحرام عندهما ليست بفرض، خلاف ما ذهب إليه بعض المتأولين من المتأخرين ...».\nوقال أيضًا (١/ ١٧٢): «لو كانت عندهما سنة لحملها الإمام عن المأموم، كبر للركوع أو لم يكبر، كما يحمل عنه القراءة، وجميع سنن الصلاة».\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢١٧): لم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة».\nوجاء في المدونة عن مالك قوله (١/ ١٦٢): «سمعت أن سعيد بن المسيب قال: تجزئ الرجل إذا نسيَ تكبيرةَ الافتتاحِ تكبيرةُ الركوعِ».\nوقال ابن رشد نقلًا من التاج والإكليل (٢/ ٤٧٦): «لو كبر للركوع، وهو ذاكر للإحرام متعمدًا لما أجزأته صلاته بالإجماع، قال ابن يونس: إنما تجزئ عن تكبيرة الإحرام تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيًا».\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٣٤): «التكبير ركن في الصلاة لا تنعقد إلا به ... وقال سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة، والحكم، والأوزاعي: من نسي تكبيرة الافتتاح =","vol":"1","page":315},{"text":"وقيل: ركن في حق المنفرد والإمام، سنة في حق المأموم، وهو أحد القولين عن مالك نص عليه في المدونة (^١).\n• والفرق بين الشرط والركن:\nإذا قيل: التحريمة شرط لم تكن جزءًا من الصلاة، لأن الشرط يتقدم عليها كالطهارة، وستر العورة.\nوإذا قيل: هي ركن كانت جزءًا من الصلاة؛ فإذا وجد صار شارعًا فيها، بخلاف الشرط.\n• وثمرة الخلاف:\nتظهر ثمرة الخلاف بين القول بالركنية والشرطية في بعض أحكام الصلاة، من ذلك:\nلو شرع بالتكبير قبل ظهور زوال الشمس، ثم زالت الشمس قبل فراغه من\n_________\n=\nأجزأته تكبيرة الركوع».\nفكان الكلام في الناسي، وقد يدخل على مذهبهم: أن الواجب إذا كان من باب المأمورات، فسقط بالنسيان كان ذلك دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب، لولا أن هذا الفعل كان فيه ما يقوم مقامه، وهو تكبيرة الركوع، وهذا إنما يجزئ إذا اجتمعا في محل واحد، كما لو أدرك الإمام راكعًا، والنقاش ليس في ترجيح القول، وإنما في فهم قولهم، وترجيحه أو رده هذا باب آخر.\nالقول الثالث: يرى صحة نسبة القول بأن تكبيرة الإحرام سنة إلى جميع هؤلاء.\nقال القرطبي في تفسيره (١/ ١٧٥): «قال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة».\nوقال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٢٦٤): «روي عن الزهري وابن المسيب، والحسن، والحكم، والأوزاعي، وقتادة في أن التكبير للإحرام سنة، وأنه يجزئ الدخول في الصلاة بالنية».\nونقل النووي كلام القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم (٤/ ٩٦)، وقال: «ولا أظن هذا يصح عن هؤلاء الأعلام مع هذه الأحاديث الصحيحة ...».\nوالذي يظهر لي أنه لا تصح نسبة القول لغير ابن علية وشيخه ابن الأصم، والله أعلم، ولا يلزم من تداخل تكبيرة الإحرام بتكبيرة الركوع أن تكون تكبيرة الإحرام سنة؛ لأن طواف الوداع واجب في الحج على الصحيح، ويدخل مع طواف الإفاضة إذا أخره، وتدخل الطهارة من الحدث الأصغر بالطهارة من الحدث الأكبر، وإن كان الأصغر يشترط فيه الترتيب بخلاف الأكبر، وإن كان الراجح سقوط الأدنى بالأعلى، فيسقط التكبير للركوع اكتفاء بتكبيرة الإحرام، وليس العكس، والله أعلم.\n\n(^١). المدونة (١/ ١٦١، ١٦٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٢)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢١٧).","vol":"1","page":316},{"text":"التكبير لم تصح عند الجمهور خلافًا للحنفية.\nوكذلك لو كبر من في يده نجاسة، ثم ألقاها في أثناء تكبيرة الإحرام لم تصح صلاته عند الجمهور خلافًا للحنفية.\nولوكان منحرفًا عن القبلة في أول شروعه بتكبيرة الإحرام، فاستقبلها قبل الفراغ منها لم تصح عند الجمهور خلافًا للحنفية.\nولو كان مكشوف العورة، فستر عورته عند فراغه من تكبيرة الإحرام بعمل يسير صحت صلاته عند الحنفية خلافًا للجمهور.\nوبعض الحنفية يوافق الجمهور في هذه الأحكام، ويرى أنها شرط للقيام، وليس للافتتاح.\n• دليل الجمهور على أن تكبيرة الإحرام ركن:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٧٥) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،\nعن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها ...) فقوله: (فيها) ثم ذكر التسبيح والتكبير والقراءة، فدل على أن هذه الأشياء تفعل في الصلاة، فكانت منها.\nوإذا كان التسبيح والقراءة من الصلاة بالإجماع فكذلك التكبير.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٣ - ٥٣٧).","vol":"1","page":317},{"text":"و(أل في التكبير) للعموم، فيشمل تكبيرة الإحرام كما يشمل تكبيرات الانتقال فمن أخرج تكبيرة الإحرام من عموم التكبير فعليه الدليل.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٧٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن أبا موسى ﵁، قال: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، فذكر من الأقوال التي تقال في الصلاة: (إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين).\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٧٧) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،\nعن علي، عن النبي - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله ﷺ: (تحريمها التكبير) ومنه سميت التكبيرة الأولى: تكبيرة الإحرام، أي الإحرام بالصلاة، فما أدخلك في الصلاة لا يمكن أن يكون خارجًا عنها، ولولا أنه جزء من الصلاة لما حَرُم به عليك ما كان مباحًا قبلها، فشروط الصلاة جميعها، لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، ولا عدمها، فالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).\n(^٢). سنن الترمذي (٣).","vol":"1","page":318},{"text":"لا يلزم من وجودها وجود الصلاة، بخلاف تكبيرة الإحرام فإنه يلزم من وجودها دخولك في الصلاة، فالعبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان.\n• وتعقب:\nبأن الركن هو الداخل في الماهية، والمصلي لا يدخل في الصلاة إلا بفراغه من تكبيرة الإحرام.\nويجاب:\nبأنه يدخل في الصلاة بمجرد شروعه في تكبيرة الإحرام، فماهية الصلاة تتكون من أقوال وأفعال، فالأقوال تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، والسلام، والأفعال: قيام وركوع، وسجود، وجلوس، فتكبيرة الافتتاح كالباب يلج منه المصلي إلى صلاته، وإذا كان باب الدار منها فكذلك تكبيرة الإحرام.\nالدليل الرابع:\nأن تكبيرة الإحرام يشترط لها ما يشترط للصلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال للقبلة في الفرض، وهذه أمارة الركنية، ولأنه لا يجوز أداء صلاة بتحريمة صلاة أخرى، ولولا أنها من الأركان لجاز كسائر الشروط.\n• ورد الحنفية:\nأكثر الحنفية قالوا: إن مراعاة شروط الصلاة لتكبيرة الإحرام من الطهارة، والاستقبال، ليس لكونها ركنًا في الصلاة، بل لاتصالها بالقيام الذي هو ركن الصلاة، فلم تجب هذه الشروط للتحريمة أصلًا، فلو أحرم حاملًا للنجاسة، فألقاها عند فراغه منها، أو كان مكشوف العورة فسترها عند فراغه من التكبير بعمل يسير، أو شرع في التكبير قبل ظهور الزوال مثلًا، ثم ظهر عند فراغه منها، أو منحرفًا عن القبلة فاستقبلها عند الفراغ منها، فكل ذلك جائز (^١).\n• ويجاب على هذا الرد:\nبأن هذا استدلال في محل النزاع، فأين الدليل على جواز الشروع بالتحريمة\n_________\n(^١). انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":319},{"text":"حاملًا للنجاسة، إذا ألقاها قبل الفراغ منها، وكذا يقال في بقية الفروع المذكورة.\n• دليل من قال: تكبيرة الإحرام شرط:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].\n• وجه الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الله ﷾ عطف الصلاة على الذكر، والذكر الذي تعقبه الصلاة بلا فاصل ليس إلا التحريمة، فاقتضى ذلك أن يكون تكبير الإحرام خارج الصلاة.\nالوجه الثاني:\nأن مقتضى العطف المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه؛ إذ الشيء لا يعطف على نفسه (^١).\n• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الذكر هنا المقصود به نية الصلاة، قال ابن العربي: «الذكر حقيقته إنما هو في القلب؛ لأنه محل النسيان، الذي هو ضده، والضدان إما يتضادان في المحل الواجب، فأوجب الله بهذه الآية النية في الصلاة خصوصًا» (^٢).\n• ويناقش:\nلو كان المراد بالذكر النية، لكان يغني عنه قوله: وذكر ربه فصلى، فلما خص الذكر باسم من أسماء الله، لم يصح حمله على نية القلب، لكنه لم يتعين أن يكون هذا الذكر هو تكبيرة الإحرام، فقد يكون المراد بالذكر هو الإقامة، فإنها تسبق الصلاة مقترنة بها، وهي مشتملة على ذكر الله، بتعظيمه، وتوحيده، في أول الإقامة وآخرها، والشهادة للنبي ﷺ بالرسالة والدعوة إلى الصلاة والفلاح.\n_________\n(^١). انظر: بدائع الصنائع (١/ ١١٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٣).\n(^٢). أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٣٨٠).","vol":"1","page":320},{"text":"الوجه الثاني:\nلو سُلِّم أن الذكر هنا تكبيرة الإحرام، فالعطف لا ينافي الركنية؛ لأنه حينئذٍ يكون من باب عطف الكل على الجزء، وهو نظير عطف العام على الخاص، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني من القرآن العظيم، ولم يقتض العطف المغايرة.\nومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، والسجود من العبادة.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]، والأمثلة كثيرة.\nالدليل الثاني:\nحديث علي المتقدم: عن النبي - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأنه أضاف التحريم إلى الصلاة، والمضاف غير المضاف إليه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.\n• وأجيب:\nبأن الإضافة ضربان: أحدهما: تقتضي المغايرة، كثوب زيد، والثاني: تقتضي الجزئية، كقولك: رأس زيد، وصحن الدار، فوجب حمله على الثاني لما ذكر من أدلة القول السابق (^٢).\nالدليل الثالث:\nأن المصلي لا يدخل في الصلاة إلا بعد إتمام تكبيرة الإحرام، فقبل الفراغ من التكبير لا يعتبر داخلًا في الصلاة، فبالفراغ لا يصير منها؛ لتقدمه على دخوله في الصلاة.\n• ويناقش:\nبأن المصلي يدخل في الصلاة من أول حرف من حروف تكبيرة الافتتاح\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٣).\n(^٢). انظر: المجموع (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":321},{"text":"على الصحيح، وعلى التنزل فإنه يبطل بالشروع بالسلام، فقبل الفراغ منه لا يكون خارج الصلاة، ثم بالفراغ من السلام يكون خارج الصلاة، مع أنه منها، والكافر لا يدخل في الإسلام إلا إذا نطق الشهادتين، فقبل الفراغ من الشهادتين لا يدخل في الإسلام، وإذا فرغ منهما دخل فيه، وهما من أركان الإسلام، والحنفية يرون أن المُحْرِم لا يدخل بالنسك بمجرد نية التلبس حتى يلبي، فقبل الفراغ من التلبية لا يدخل في الإحرام عندهم، وإذا فرغ من التلبية مقارنًا لنية التلبس بالإحرام دخل في النسك، ومع ذلك يرون التلبية جزءًا من المناسك، وركنًا في الإحرام.\n• دليل من قال: تنعقد الصلاة بالنية:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٧٨) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^١).\nفجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والتكبير ليس بمرئي، فالمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال (^٢).\n• ويناقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، أي صلوا كما علمتم من صلاتي، وهي تشمل الأقوال والأفعال.\nالوجه الثاني:\nأن المصلي لا يصلي إلا بنية، والنية غير مرئية، فبطل التمسك بظاهر الحديث.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٣٢)،.","vol":"1","page":322},{"text":"الوجه الثالث:\nقد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغلبيًا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبًا،\n(ح-١١٧٩) جاء في حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (^١).\nرواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فإذا فعلوا ذلك) أي فعلوا ما تقدم من الشهادتين والصلاة والزكاة، وبعضها أفعال، وبعضها أقوال، لكنه أدخل كل ذلك في مسمى الفعل تغليبًا، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nالقياس على الصيام فكما يصح الصوم بالنية تصح الصلاة بالنية.\n• ونوقش:\nبأن الصيام مجرد نية مخصوصة، فلو أمسك عن الطعام بلا نية، أو بنية الحمية لم ينعقد صيامه، ولو نوى الخروج من الصيام بالنية فسد صومه، بخلاف الصلاة فهو عبادة قائمة على مجموع الأقوال والأفعال من أولها إلى آخرها، ولو نوى ارتكاب مفسد لم تفسد صلاته حتى يرتكبه، والله أعلم.\n• وجه من قال: تكبيرة الإحرام ركن في حق المنفرد والإمام دون المأموم:\nأما الإمام مالك فذكر أنه قال بهذا جمعًا بين قول سعيد بن المسيب أنها تجزئ عنه، وبين قول ربيعة الرأي: لا تجزئ عنه، فهو مبني على مراعاة الخلاف، والذي هو\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢٥)، وصحيح مسلم (٣٦ - ٢٢).","vol":"1","page":323},{"text":"من أصول الإمام مالك عليه رحمة الله، فهذا الرجل قد عقد ركعة من صلاة مختلف فيها، فيكره أن يبطل صلاته فذهب إلى أنه يتمادى ويعيدها مراعاة للقول الآخر (^١).\nقال ابن عبد البر في الاستذكار: «إنه راعى فيه قول من قال: إن الإحرام ليس بواجب، وإنه لو تمادى في صلاته أجزأته، إلا أن مالكًا يرى عليه الإعادة بعد ذلك للأخذ بالأوثق والاحتياط لأداء فرضه ....» (^٢).\nوأما أصحابه فاختلفوا في الاستدلال له، واضطربوا.\nفاختار ابن بطال بأنه قال ذلك قياسًا على تكبيرات الانتقال، قال ابن بطال في شرح البخاري: وحجة الذين رأوا أن تكبيرة الإحرام سنة: إجماعهم أن من ترك التكبير كله ما عدا الإحرام أن صلاته تامة، قالوا: وكذلك تكبيرة الإحرام مثل تكبير سائر الصلوات في القياس؛ لأن التكبير معناه كله واحد في أنه إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة.\n• ويناقش:\nبأنه لو صح القياس لجرى ذلك في حق الإمام والمنفرد، فإن سائر التكبيرات في حقهما سنة عند الجمهور، فلماذا التفريق بين المأموم وغيره؟\nولعله لو خرِّج قول مالك استنادًا إلى أن الإمام كما يحمل عن المأموم القراءة، والسهو، يحمل عنه تكبيرة الإحرام إذا نسيها، لكان هذا القول أقرب إلى القياس إلا أنه يشكل عليه ما قاله ابن عبد البر، من أن أصحاب مالك لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه (^٣)، والله أعلم.\nوقد وجدت كلامًا لابن رجب يؤيد ما ذكرته،\nقال في شرحه للبخاري: والتفريق بينهما -أي بين الإمام والمنفرد وبين\n_________\n(^١). قال الباجي في المنتقى (١/ ١٤٥): «وجه الرواية الثانية ما احتج به مالك من أنها صلاة مختلف فيها؛ لأن ابن شهاب يرى أنها مجزئة عنه، وربيعة يقول: لا تجزيء عنه، فقد عقد ركعة من صلاة مختلف فيها، فيكره أن يبطل صلاته ....».\n(^٢). الاستذكار (١/ ٤٢٣، ٤٢٤).\n(^٣). انظر: الاستذكار (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":324},{"text":"المأموم- له مأخذان:\nأحدهما: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد.\nقال حنبل: سألت أبا عبد الله عن قول: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح وكبر للركوع رأيت ذلك مجزئًا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيًا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة.\nفصرح بالمأخذ، وهو تحمل الإمام عنه تكبيرة الإحرام في حال السهو.\nذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال صاحب كتاب الشافي، وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب.\nوالمذهب عندهم: أنه لا يجزئه، كما لا يجزئ الإمام والمنفرد، وقد نقله غير واحد عن أحمد ......\nالمأخذ الثاني: .... أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، فإنها تجزئه، وتنعقد صلاته عند جمهور العلماء ...» (^١).\n• الراجح:\nأرى أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، لا يدخل إلى الصلاة إلا بها، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٤، ٣١٧).","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الثاني في شروط تكبيرة الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الشرط الأول أن تقع تكبيرة الإحرام مقارنة للنية حقيقة أو حكمًا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لو عرا أول الصلاة عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.\n• إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].\n• صحح الشارع بعض العبادات مع وجود فاصل طويل بين النية والعمل كالصيام والزكاة والكفارة ولم يَأْتِ عنه ما يدل على أن الحكم خاص بهذه العبادات حتى يمتنع القياس.\n• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالنية إذا عقدها المصلي فهو على نيته كالمقارن؛ حتى يقطعها أو يأتي بما ينافيها، والذهول عن النية ليس قطعًا لها بل يبقى مستصحبًا حكمها.\n[م-٤٧٣] العلماء متفقون على أنه لو كبر قبل نية الصلاة لم تصح تكبيرته.\nومتفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير، ثم استصحب ذكرها إلى أن كبر تكبيرة الإحرام، فإن صلاته تنعقد.\nقال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء» (^١).\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":326},{"text":"[م-٤٧٤] واختلفوا فيما إذا تقدمت النية على تكبيرة الإحرام، وعزبت عنه ذهنه حين تكبيرة الافتتاح، أتنعقد صلاته أم لا؟\nفقال الحنفية: مقارنة النية لتكبيرة الإحرام تستحب، وليست بشرط، فيجوز تقدم النية ولو قبل دخول الوقت، لكن يشترط عدم المنافي لها، من أكل أو شرب، أو كلام، وإن لم يفهم، أو تنحنح بلا عذر؛ لأن هذه الأشياء تبطل الصلاة، فتبطل النية، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا (^١).\nوقيل: يجوز تقدم النية إن كان الفاصل يسيرًا، اختاره ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٣، ٤١٦)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، فتح القدير (١/ ٢٦٦) البحر الرائق (١/ ٢٩٢)، شرح عمدة الفقه لابن تيمية (١/ ٥٨٧، ٥٨٨)، الفروع (١/ ١٧٣) و(٢/ ١٣٧).\nجاء في البحر الرائق (١/ ٢٩٢): «فعن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف».\nوقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٢٩١): «والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي».\nوجاء في البحر الرائق أيضًا (١/ ٢٩١): «وفي منية المصلي والأحوط أن ينوي مقارنًا للتكبير ومخالطًا له كما هو مذهب الشافعي. اهـ وبه قال الطحاوي، لكن عندنا هذا الاحتياط مستحب وليس بشرط، وعند الشافعي شرط».\n(^٢). قال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص: ١٩): «فإن تأخرت عن محلها أو تقدمت بكثير بطلت، وإن تقدمت بيسير فقولان». اهـ وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٩٦). وجاء في التوضيح (١/ ٣١٦): «النية إن اقترنت فلا إشكال في الإجزاء، وإن تأخرت عن تكبيرة الإحرام فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن تقدمت بكثير لم يجزئ اتفاقًا، وبيسير قولان .... ثم رجح خليل جواز التقدم بيسير، فقال: «مَن تأمل عمل السلف، ومقتضى إطلاقات متقدمي أصحابنا يرى هذا القول هو الظاهر؛ إذ لم ينقل لنا عنهم أنه لابد من المقارنة، فدل على أنهم سامحوا في التقديم اليسير». وانظر المقدمات الممهدات (١/ ١٥٦)، البيان والتحصيل (١/ ١٤٢)، والكافي ... لابن عبد البر (ص: ٣٩). ...\nوقال في الفروع (١/ ١٤٣) «ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة. اهـ ويفهم منه أنه لا يجوز تقديمها بزمن كثير».\nوانظر الكافي لابن قدامة (٢/ ٢٤١)، المغني (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":327},{"text":"قال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه» (^١).\nوقيل: يشترط أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم (^٢).\nوقيل: يجوز تقدم النية على الصلاة بشرط أن يكون الوقت قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة (^٣).\nوقد تكلمت على أدلة الأقوال في مباحث النية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n* * *\n_________\n(^١). المغني (١/ ٢٧٩)، وذكر صاحب كشاف القناع شروطًا لجواز تقدم النية، بأن يكون العمل يسيرًا، ولم يفسخ النية، مع بقاء إسلامه بحيث لا يرتد، فإن الردة تبطل النية، انظر كشاف القناع (١/ ٣١٦).\n(^٢). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب لخليل (١/ ٣١٦)، التفريع لابن الجلاب (١/ ٢٢٦)، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (١/ ٩٧)، المجموع (٣/ ٢٤٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٢)، البيان للعمراني (٢/ ١٦٠)، فتح العزيز (٣/ ٢٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٤)، المحلى، مسألة (٣٥٤).\nوقال الزركشي في كتابه المنثور في القواعد (١/ ١٠٤): كل عبادة تجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم والزكاة والكفارة. اهـ.\n(^٣). قال البهوتي في كشاف القناع (١/ ٣١٦): وعلم مما تقدم: أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء أو الراتبة ولو بيسير لم يُعْتَد بها، للخلاف في كونها ركنًا للصلاة، وهو لا يتقدم كبقية الأركان، وأول من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية: الخرقي، وتبعه على ذلك ابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى وولده أبو الحسين وصاحب الرعاية والمستوعب، والحاويين وجزم به في الوجيز وغيره، ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب، فإما لإهمالهم أو بناء منهم على الغالب قال في الإنصاف: وظاهر كلام غيرهم، أي: غير من تقدم الجواز، لكن لم أَرَ الجواز صريحًا. اهـ وانظر شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الشرط الثاني أن يأتي بتكبيرة الإحرام قائمَا فيما يشترط فيه القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.\n• ما كان القيام شرطًا في صحة الصلاة كان القيام شرطًا في صحة التحريمة.\n• تصح تكبيرة الإحرام من القاعد في صلاة النفل؛ لأن القيام ليس شرطًا في صحته.\n• متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا.\n• لو كبَّر للتحريمة، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبَّر قبل الخروج عن حد القيام صحت.\n[م-٤٧٥] يشترط للإمام والفذ والمأموم غير المسبوق أن يأتي بتكبيرة الإحرام في صلاة الفرض قائمًا مع القدرة، فإن ابتدأها غير قائم، أو أتمها غير قائم لم تصح فرضًا بلا خلاف (^١).\nفخرج بشرط الفرض: صلاة النفل، فتصح تكبيرة الإحرام من القاعد، ولو كان قادرًا على القيام.\nوخرج بشرط القدرة العاجز؛ لسقوط فرض القيام بالعجز، ومثله الخائف.\nوقولنا: (قائمًا) قال الجمهور: أي في حد القيام قبل أن يصل إلى حد الركوع،\n_________\n(^١). قال في النهر الفائق شرح كنز الدقائق (١/ ١٩٤): «واعلم أنه يشترط في التحريمة كونه قائمًا». وانظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٢)، مراقي الفلاح (ص: ٨٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢١٨).\nوقال الخرشي في شرحه لخليل (١/ ٢٦٤): القيام لتكبيرة الإحرام في الفرض للقادر غير المسبوق، فلا يجزئ إيقاعها جالسًا، أو منحنيًا». وانظر: الاستذكار (١/ ٩٧)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٤)، إكمال المعلم (٢/ ٥٦١).","vol":"1","page":329},{"text":"فلا يضر الانحناء اليسير خلافًا للمالكية، فإن ظاهر إطلاقهم لا يجزئ إيقاع تكبيرة الإحرام منحنيًا مطلقًا من المنفرد والإمام والمأموم غير المسبوق (^١).\nقال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقًا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسًا أو منحنيًا، أو مستندًا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته» (^٢).\n[م-٤٧٦] واختلفوا في المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، هل يشترط القيام لتكبيرة الإحرام؟ على قولين:\nفقيل: القيام شرط كالمنفرد والإمام، فلا بد من وقوع جميع تكبيرة الإحرام في حد القيام، وقبل الوصول إلى حد الركوع، فكل ما قبل حد الركوع فهو من جملة القيام، فلو وقعت تكبيرة الإحرام، أو جزء منها في حد الركوع لم تجزئه، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، على خلاف بينهم في حد القيام (^٣).\n_________\n(^١). قال في الفواكه الدواني (١/ ١٧٦): وتجب تكبيرة الإحرام على المأموم كما تجب على الإمام والفذ إلا القيام لها، فإنه يجب في حق الإمام، والفذ، والمأموم غير المسبوق ....».\n(^٢). الثمر الداني (ص: ١٠٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١).\n(^٣). انظر في مذهب الشافعية: المجموع (٣/ ٢٩٧) و(٤/ ٢١٤)، نهاية المطلب (٢/ ١٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٦٥). ...\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٣٦٣)، المبدع (٢/ ٤٩)، الإنصاف (٢/ ٢٢٤).\nوجاء في المدونة (١/ ١٦١): «قال مالك فيمن دخل مع الإمام في صلاته فنسي تكبيرة الافتتاح، قال: إن كان كبر للركوع ينوي بذلك تكبيرة الافتتاح أجزأته صلاته».\nوقد اختلف أصحاب مالك في تأويل ما قاله مالك في المدونة، فقال ابن يونس وعبد الحق وصاحب المقدمات: إنما يصح هذا إذا كبر للركوع وهو قائم.\nويشكل على هذا قول مالك في المدونة (١/ ١٦٢): ولا ينبغي للرجل أن يبتدئ في صلاته بالركوع، وذلك يجزئ من خلف الإمام. فمفهومه: أن للمأموم أن يبتدئ صلاته بالركوع.\nوقال الباجي وابن بشير: يصح وإن لم يكبر إلا وهو راكع؛ لأن التكبير للركوع إنما يكون في حال الانحطاط، فعلى التأويل الأول: يجب القيام لتكبيرة الإحرام على المسبوق، وهو المشهور. وعلى الثاني يسقط عنه. هكذا ساق الدسوقي ثمرة الخلاف في حاشيته (١/ ٢٣١)، وانظر: التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٤٨)، التبصرة للخمي (١/ ٢٦٠).\nوقال ابن عطاء الله كما في التوضيح لخليل (١/ ٤٨٢): «إذا لم يكبر، وهو راكع، ولم يحصل شيء من تكبيره حال القيام فلا إشكال أنه لا يعتد بهذه الركعة».\n\nفجعل ابن عطاء الله الخلاف في انعقاد الصلاة، لا في نفي الاعتداد بالركعة، قال الحطاب في مواهب الجليل (٢/ ١٣٣): ظاهره -يعني كلام ابن عطاء الله- أن الخلاف في انعقاد الصلاة بذلك التكبير الذي في حال الركوع باقٍ، وإنما نفى الاعتداد بالركعة نفسها، وهو ظاهر. اهـ\nوقد أثبت الخلاف القرافي قال في الذخيرة نقلًا عن صاحب الطراز (٢/ ١٧١): «ولو ذكر، وهو راكع، فكبر للإحرام، فقد أخطأ، ويلغي تلك الركعة، ويقضيها بعد سلام الإمام.\nوقال ابن المواز: تجزئه، قال: وكذلك إذا ذكر، وهو ساجد، فكبر للإحرام. وأنكره بعض الأصحاب بناء على أن من شرط الإحرام القيام، قال: والذي قاله محمد ظاهر، فإنهِ ﵇ لم يشترط مع الإحرام قيامًا، وإنما القيام ركن في الركعة، فإذا لم تبطل لفواته لا تبطل لذهابه من الإحرام».","vol":"1","page":330},{"text":"فقيل: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع بحيث لو مد يديه وكان معتدل الخلقة لا تنال يداه ركبتيه، فإن مست يداه ركبتيه فقد خرج من حد القيام إلى حد الركوع، فلا تجزئه تكبيرة الإحرام، وبه قال الحنفية والحنابلة في المعتمد، وهو وجه عند الشافعية (^١).\nقال النووي نقلًا عن أبي محمد في التبصرة: «إن وقع بعض تكبيرته في حال ركوعه لم تنعقد فرضًا، وإن وقع بعضها في انحنائه، وتمت قبل بلوغه حد الراكعين انعقدت صلاته فرضًا؛ لأن ما قبل حد الركوع من جملة القيام، ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام: أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام ... هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف» (^٢).\nقال ابن قدامة: «عليه أن يأتي بالتكبيرة منتصبًا، فإن أتى بها بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، إلا في النافلة» (^٣).\n_________\n(^١). قال في الجوهرة النيرة (١/ ٥٠): «وحد القيام: أن يكون بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه». وانظر: البحر الرائق (١/ ٣٠٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٤، ٤٥٢، ٤٨٠)، النهر الفائق (١/ ١٩٤)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٦).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٩٧).\n(^٣). المغني (١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":331},{"text":"وقال الشافعية واختاره المجد من الحنابلة: الحد الفاصل بين حد القيام وحد الركوع أنه متى انحنى، فكان إلى القيام أقرب منه إلى الركوع فهو في حد القيام، فإن كان إلى الركوع أقرب لم يكن قائمًا، ولا تصح تكبيرته (^١).\nقال النووي: «والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا ولا تصح تكبيرته» (^٢).\nوقال الخطيب: «الانحناء السالب: أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لوكان أقرب إلى القيام، أو استوى الأمران صح، وهو كذلك» (^٣).\nفالخلاف بين الشافعية وبين الحنفية والحنابلة: إنما هو في حد القيام، وليس في أصل القول، فهم متفقون أنه لو كبَّر، وهو في حد الركوع لا تقبل تكبيرته، ولو كبَّر، قبل الخروج عن حد القيام صحت، والخلاف وقع بينهم في توصيف حد القيام وحد الركوع.\nوقد يقال: إن الخلاف بين القولين خلاف لفظي، فإنه متى نالت يداه ركبتيه، فإنه إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، وقبل ذلك فهو أقرب إلى القيام منه إلى الركوع، فيلتقي القولان، والله أعلم.\n• وجه قول الشافعية:\nأن حد القيام يفارق حد الركوع، والانحناء هو بينهما، فما كان أقرب إلى أحدهما ألحق به، فإن كان إلى الانتصاب أقرب اعتبر قائمًا، وإلا اعتبر راكعًا، فإن استوى الأمران فالأصل أنه لم ينتقل من القيام.\nالقول الثاني:\nتنعقد صلاة المأموم إذا كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الافتتاح، فإن كبر في حال\n_________\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، المجموع (٣/ ٢٩٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٥٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٣٠)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٦). .\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٩٧).\n(^٣). مغني المحتاج (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":332},{"text":"القيام وأتمها فيه صحت بلا خلاف، وإن ابتدأها في القيام، وأتمها حال انحطاطه بلا فصل بين أجزائه، ناويًا بها الإحرام ففيها قولان في مذهب مالك: الإجزاء بناء على أنه لا يجب على المسبوق أن يقف قدر تكبيرة الإحرام، وعدمه: بناء على وجوب ذلك (^١).\nوإن ابتدأها حال الانحطاط وأتمها فيه أو بعده، أو لم يكبر إلا وهو راكع، ولم يحصل شيء من تكبيره حال القيام، فلا يعتد بهذه الركعة، قاله ابن عطاء الله، والأصح انعقاد صلاته.\nوإن نوى بها تكبيرة الركوع ناسيًا تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١). قال خليل في مختصره (ص: ٣١): «فرائض الصلاة: تكبيرة الإحرام، وقيام لها إلا لمسبوق فتأويلان».\nقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٣١) شارحًا عبارة خليل: «فلا يجزي إيقاعها -يعني التحريمة- جالسًا أو منحنيًا (إلا لمسبوق) ابتدأها حال قيامه، وأتمها حال الانحطاط، أو بعده بلا فصل كثير (فتأويلان) في الاعتداد بالركعة وعدمه ..».\nقال الدسوقي في حاشيته معلقًا على قوله: (فتأويلان) (١/ ٢٣١): «عج ومن تبعه (يقصد علي الأجهوري) جعلوا ثمرة هذين التأويلين ترجع للاعتداد بالركعة وعدمه مع الجزم بصحة الصلاة، وهو الذي يفهم مما في التوضيح عن ابن المواز ونحوه للمازري عنه.\nوأما ح (يقصد: الحطاب) فجعل ثمرة التأويلين ترجع لصحة الصلاة وبطلانها، وهو الذي يتبادر من المؤلف، وكثير من الأئمة كأبي الحسن وغيره، لكن ما ذكره عج أقوى».\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣١، ٣٤٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٠٦)، الخرشي (١/ ٢٦٤)، منح الجليل (١/ ٢٤٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٤، ١٤٥)، النوادر والزيادات (١/ ٣٤٤، ٣٤٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٨١)، المقدمات الممهدات (١/ ١٧٣)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٨٥)، مواهب الجليل (٢/ ١٣٢، ١٣٣)، التمهيد لابن عبد البر (٧/ ٧٤)، مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة (١/ ٢٣١).\nوقد جمع وجوه الاختلاف محمد بن أحمد ميارة في الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٩١)، فقال: إذا دخل المسبوق فوجد الإمام راكعًا فدخل معه، ولم يخص الإحرام بتكبيرة فله خمسة أوجه:\nالأول: أن يدخل من غير تكبير أصلًا: أي لم يكبر، لا للركوع ولا للافتتاح حتى ركع الإمام ركعة، وركعها معه، ثم ذكر فإنه يبتدئ التكبير، ويكون الآن داخلًا في الصلاة، ويقضي ركعة بعد الإمام، ولا يعلم في هذا الوجه خلاف، إلا ماحكي عن مالك، أن الإمام يحمل عن ...\nالمأموم تكبيرة الإحرام كالفاتحة، وهي رواية شاذة.\nالوجه الثاني: أن يكبر للركوع ناويًا بها الإحرام، قال في التهذيب: وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام، قال: كبر للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام، قال: أجزأته، وأشار بعض الشيوخ إلى تخريج هذه المسألة على من نوى بغسله الجنابة والجمعة، وهذا إذا أوقع التكبير في حال قيامه، واختلف: إذا كبر في حال انحطاطه، ونوى بذلك الإحرام على قولين بالإجزاء وعدمه، فالإجزاء: مبني على أنه لا يجب على المأموم أن يقف قدر تكبيرة الإحرام.\nوعدمه: على وجوب ذلك عليه، أما إن لم يكبر، إلا وهو راكع، ولم يحصل شيء من تكبيره في حال القيام فلا إشكال أنه لا يعتد بهذه الركعة قاله ابن عطاء الله.\n\nالوجه الثالث: أن يكبر للركوع غير ناوٍ لتكبيرة الإحرام، ناسيًا لها، فمذهب المدونة وهو المشهور أنه يتمادى مع الإمام، ولا يقطع، ويعيد صلاته احتياطًا؛ لأنها تجزئه عند ابن المسيب وابن شهاب، ولا تجزئه عند ربيعة، وهل تماديه وجوبًا أو استحبابًا قولان، وكذلك اختلف في الإعادة، هل على الوجوب، أو الندب، قولان ... وهل من شروط تماديه أن يكون كبر في حال القيام، أم لا؟ قولان. أما لو كبر للركوع وهو ذاكر للإحرام متعمدًا لما أجزأته صلاته بإجماع، قاله في المقدمات.\nالوجه الرابع: إذا كبر ونوى الإحرام والركوع معًا، فقال في النكت: تجزئه كما لو اغتسل غسلًا واحدًا للجنابة والجمعة.\nالوجه الخامس: أن يكبر ولا ينوي تكبيرة الإحرام، ولا الركوع، فقال ابن رشد في الأجوبة: صلاته مجزئة؛ لأن التكبيرة التي كبرها تنضم مع النية التي قام بها إلى الصلاة؛ إذ يجوز تقديم النية قبل الإحرام بيسير». اهـ","vol":"1","page":333},{"text":"قال ابن يونس: «إنما يصح ذلك لو كبر للركوع في حال قيامه، وأما لو كبر ذاكرًا، وهو راكع فلا تجزئه تلكم الركعة، نوى بتكبيرة الركوعِ الإحرامَ أم لا؛ لأن قيامه الأول كان في غير صلاة عند ربيعة، وفرض المأموم من القيام قدر تكبيرة الإحرام، فقد أسقطه، ودخل الصلاة بالركوع».\nقال ابن المواز: وإن ذكر، وهو راكع، ولم يكن كبَّر لركعته فليتم، ويحرم، وإن كبر راكعًا فَلْيَقْضِ ركعة بعد سلام الإمام؛ لأنه ترك أن يكبر للإحرام قائمًا عامدًا، وإنما يجزئ فيها تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيًا، فوجب أن يقضى تلك الركعة باتفاق» (^١).\n_________\n(^١). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٧٠).","vol":"1","page":334},{"text":"فتحصل من الخلاف بين أصحاب مالك:\nإن لم يحصل شيء من التكبير حال القيام فلا يعتد بهذه الركعة، وأما انعقاد الصلاة فعلى قولين: أحدهما لا تنعقد، وفاقًا للجمهور.\nوالثاني: تنعقد الصلاة، ويقضي تلك الركعة.\nوأما إذا ابتدأ التكبير حال القيام، وأتمه حال الهوي أو بعده إلى الركوع فالخلاف فيها على قولين أيضًا، أحدهما: لا تنعقد الصلاة فرضًا، وفاقًا للجمهور.\nوالثاني: تنعقد، ويعتد بتلك الركعة.\n• دليل الجمهور على اشتراط القيام مطلقًا لتكبيرة الإحرام:\nالدليل الأول:\nأن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.\nقال ابن نجيم: «... لأن الافتتاح لا يصح إلا في حالة القيام» (^١).\nالدليل الثاني:\nأن التداخل بين تكبيرة الافتتاح وبين تكبيرة الركوع إذا قيل به، فإنما هو في دخول الأدنى تحت الأعلى، وليس العكس، فتكبيرة الافتتاح أعلى من تكبيرة الركوع، فهي ركن أو شرط، بخلاف تكبيرة الركوع فهي عند الجمهور من السنن، وعند الحنابلة من الواجبات، وعلى القولين فهي أدنى من تكبيرة الافتتاح، وهذا لا يجعل تكبيرة الركوع تقوم مقام الافتتاح؛ لأن الأدنى لا يقوم مقام الأعلى، فإذا نوى سنة مطلقة لم تتدخل معها الراتبة؛ لكون الراتبة أعلى منها، وإذا نوى الراتبة لم تتدخل معها الفريضة؛ لكون الفريضة أعلى من الراتبة، وإذا اشترطنا لسقوط تكبيرة الركوع أن يكبر بنية التحريمة، فإنما تصح التكبيرة إذا فعلت في محلها، وهو حد\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":335},{"text":"القيام، لا إذا فعلت في غير محلها، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.\n• وجه قول المالكية المخالف لقول الجمهور:\nأما وجه الصحة إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح،\nفمن أصحاب مالك من أرجع المسألة إلى مسألة خلافية: بماذا يدخل في الصلاة؟\nفقال: تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة على الصحيح، ويدخل بالصلاة بأول حرف من تكبيرة الإحرام، فإذا افتتح التكبير قائمًا فلا يضره أن يتم التكبير منحنيًا أو راكعًا.\nبخلاف من جعل تكبيرة الإحرام سببًا للدخول في الصلاة، فإنه لا يدخله في الصلاة حتى يتحقق سبب الدخول، لذا رأى وجوب أن يتمها قائمًا (^١).\nوأما من ابتدأ التكبير حال الركوع أو بعده فقد بطلت تلك الركعة اتفاقًا.\nوأما تأويل صحة الصلاة على أحد القولين فمحل خلاف:\nفقيل: لما حصل القيام في الركعة التالية للأولى، فكأن الإحرام حصل حال قيامها، فتكون أول صلاته (^٢).\nوهذا التأويل لو كان صحيحًا لم يكن هناك فرق بين الإمام والمنفرد وبين المأموم.\nوقيل في تأويل الصحة: الفرق هو أن المأموم يتحمل الإمام عنه تكبيرة الافتتاح كما يتحمل عنه قراءة الفاتحة، وهي ركن، وهذا الذي أوجب الفرق بين المنفرد والإمام وبين المأموم.\nوهذا القول وإن كان أقوى من غيره إلا أنه لا يسلم من النظر: لأن حمل الإمام فرع عن صحة صلاة المأموم، وحين كبر المأموم للإحرام في غير محله لم تصح صلاته، فكيف يتصور فساد الركعة لفساد التحريمة، ولا يتصور فساد الصلاة لفساد التحريمة.\nومنهم من وجَّه الصحة: بأن الإمام والفذ والمأموم غير المسبوق لا يمكنهم ابتداء الصلاة بالركوع، فوجب عليهم أن تكون تكبيرة الإحرام كلها حال القيام، بخلاف المسبوق، فإن له أن يبتدئ صلاته من الركوع، كما لو أدرك الإمام راكعًا، فإذا سقط القيام عن المسبوق سقط عنه اشتراط إتمام تكبيرة الإحرام حال القيام، كما سقطت عنه قراءة الفاتحة، وهي فرض، فيكفيه أن يبتدئ التكبيرة حال القيام،\n_________\n(^١). انظر الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٩)، وانظر: لوامع الدرر في هتك أسرار المختصر (٢/ ٦٠).\n(^٢). انظر لوامع الدرر في هتك أسرار المختصر (٢/ ٦٠).","vol":"1","page":336},{"text":"ولا يضره إتمامها في أثناء الهُوِيِّ، أو بعده، فاشتراط أن يقول جميع تكبيرة الإحرام قائمًا يؤدي إلى وجوب قدر من القيام عليه، وقد سقط عنه (^١).\nوأما وجه القول بالتمادي والإعادة إذا نوى بها تكبيرة الركوع:\nفقد صرح الإمام مالك في المدونة أنه ذهب إلى هذا من أجل مراعاة الخلاف بين قول ربيعة الرأي وقول سعيد بن المسيب.\nفالأمر بالإعادة جاء مراعاة لقول ربيعة: إنها لا تجزئه.\nوالأمر بالتمادي جاء مراعاة لقول ابن المسيب: إنها تجزئه لئلا يبطل عملًا اخْتُلِفَ في إجزائه (^٢).\nوقد بين أصحاب الإمام مالك وجه قول كل واحد منهما:\nفوجه قول ابن المسيب: أن الإحرام من الأقوال، فوجب أن يحمله الإمام، أصله قراءة أم القرآن، ولأن الأقوال أخف من الأفعال.\nووجه قول ربيعة: أن الإحرام فرض، كالركوع والسجود والسلام، فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام، والفرق بين الإحرام وقراءة القرآن: أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضًا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة القرآن، وبقي ما سواها من فرائض الصلاة على أصله (^٣).\nقال ابن رشد في المقدمات: «وقد روى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه استحب للمأموم إذا لم يكبر للإحرام، ولا للركوع إعادة الصلاة، ولم يوجب ذلك، وقال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وهو شذوذ في المذهب» (^٤).\nوقال القاضي عياض: «رواية ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ\n_________\n(^١). انظر: التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة للقاضي عياض (١/ ١٤٨)، وما بعدها.\n(^٢). قال مالك كما في المدونة (١/ ١٦٢): المدونة (١/ ١٦٢): «أحب له في قول سعيد: أن يمضي؛ لأني أرجو أن يجزئ عنه، وأحب له في قول ربيعة أن يعيد احتياطًا».\nوانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٠٠).\nرحم الله الإمام مالكًا كم كان يراعي خلاف العلماء في عصره.\n(^٣). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٦٩)، وانظر اختلاف أقوال مالك وأصحابه لابن عبد البر (ص: ١١٨).\n(^٤). المقدمات الممهدات (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":337},{"text":"فيها عن المأموم، وكله خلاف المشهور» (^١).\nولعل الإمام مالكًا لم يتبين له الصواب من الخلاف، فاعتبر الاحتياط من الجهتين، فلم يخرجه من الصلاة، وفي نفس الوقت أمره بالإعادة.\nوقد روى أشهب عن مالك، أنه إذا نسي تكبيرة الإحرام خلف الإمام حتى صلى بعض صلاته، قال: أرى الاحتياط إعادة الصلاة، ولا أدري أذلك عليه أم لا؟ (^٢).\nفرواية ابن وهب وأشهب عن مالك تشعرك بأن الإمام لم يكن يجزم بالصواب من قولي ربيعة وسعيد بن المسيب.\nوإذا علمت أن قول سعيد بن المسيب هو في الناسي دون المتعمد، ضاق الخلاف بين قول الإمام مالك والجمهور.\nقال ابن رشد في المقدمات: ولو كبر للركوع، وهو ذاكر للإحرام متعمدًا لما أجزأته صلاته بإجماع (^٣).\nوقد سبق لك أن من قال: إن سعيد بن المسيب والزهري يقولان: إن تكبيرة الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، قال ابن يونس في الجامع: ليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها الإمام والفذ والمأموم، ولم يُبْطِل نسيانُها على أحد منهم صلاته (^٤).\nوقد انتقد ابن عبد البر ﵀ اختلاف أصحاب الإمام مالك في هذه المسألة، قال في الاستذكار: «وقد اضطرب أصحابه في هذه المسألة اضطرابًا كثيرًا ينقض بعضه ما قد أصلوه في إيجاب تكبيرة الإحرام، ولم يختلفوا في وجوبها على المنفرد والإمام كما لم يختلفوا أن الإمام لا يحمل فرضًا من فروض الصلاة عمن خلفه، فقف على هذا كله من أصولهم يتبيَّن لك وجه الصواب إن شاء الله» (^٥).\n_________\n(^١). التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٤٩).\n(^٢). اختلاف أقوال مالك وأصحابه لابن عبد البر (ص: ١١٨).\n(^٣). المقدمات (١/ ١٧٢).\n(^٤). الجامع لابن يونس (٢/ ٤٦٩).\n(^٥). الاستذكار (١/ ٤٢٤).","vol":"1","page":338},{"text":"• الراجح:\nالقول باشتراط أن يفتتح التكبيرة قائمًا أقوى من قول من يرى أن تكبيرة الافتتاح يمكن أن يقولها حال الركوع، وأضعف الأقوال من قال: لو كبر بنية الركوع أغنى عن التحريمة، ويبقى الاجتهاد في الترجيح: أيدخل في الصلاة بمجرد شروعه بتكبيرة الافتتاح قائمًا، ولو وقع بعضها في أثناء الهوي، أم لا بد أن يتم تكبيرة الافتتاح حال القيام، ولا يصح له الانتقال إلا بعد إتمامها، وهل يقسم الهوي إلى ثلاثة أقسام: ما كان إلى القيام أقرب فهو في حكم القائم، وما كان إلى الركوع أقرب فهو في حكم الراكع، وما بينهما، هذا الذي لم يتبين لي القطع به، والأحوط ألا ينتقل إلا بعد إتمام التكبيرة، خروجًا من خلاف العلماء، والمسألة ليست بالسهلة، فشأن الصلاة عظيم، ولا يغامر الإنسان في ركن الإسلام العملي الأعظم، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الأول في انقلاب الصلاة نفلَا إذا بطلت فرضًا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• قال ﷺ: وإنما لكل امرئ ما نوى\n• هل بطلان الفريضة بطلان للتحريمة مطلقًا، أو بطلان لوصف الفرض فقط؟\n• إبطال الصلاة فرضًا لا يلزم منه إبطال مطلق الصلاة.\n• الصلاة مركبة من شيئين: نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال الفرض لا يستلزم إبطال نية مطلق الصلاة.\n• إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم.\n• إذا كان المصلي معتديًا في إبطال الفرض لم ينقلب إلى نفل مطلق.\n[م-٤٧٧] إذا قلنا: يشترط للمسبوق أن يوقع تكبيرة الإحرام حال القيام، فأوقعها حال الهوي لم تنعقد فرضًا عند الجمهور، فهل تنقلب نفلًا؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقال الحنفية: لا تنقلب نفلًا إذا كبر حال الهوي وهو إلى الركوع أقرب، حتى لو كان المسبوق يصلي التراويح جماعة، فأوقعها وهو راكع، لم تنعقد نفلًا، وحكاه ابن قدامة احتمالًا، وجزم بحكايته قولًا المرداوي في الإنصاف، أما لو كبر، وهو قاعد انقلبت نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف (^١).\nقال ابن عابدين نقلًا من شرح الشيخ إسماعيل عن الحجة: «إذا كبر في التطوع حالة الركوع للافتتاح لا يجوز، وإن كان التطوع يجوز قاعدًا». اهـ\nعلق ابن عابدين قائلًا: «والفرق بينه وبين ما لو كبر للتطوع قاعدًا: أن القعود\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، المغني (١/ ٣٣٥)، الإنصاف (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":340},{"text":"الجائز خَلَفٌ عن القيام من كل وجه، أما الركوع فله حكم القيام من وجه دون وجه، ولذا لما قرأ فيه لم يجز» (^١).\nفبين ابن عابدين أن المتطوع إذا صلى جالسًا كان الجلوس بدلًا عن القيام، فكان عليه أن يأتي بتكبيرة الإحرام جالسًا، فإذا أتى بها وهو راكع، لم تنعقد؛ لأن الواجب أن يأتي بتكبيرة الإحرام إما في حال القيام، وهو الأصل، وإما في بدله، وهو الجلوس.\nوقال ابن قدامة: «عليه أن يأتي بالتكبير قائمًا، فإن انحنى إلى الركوع بحيث يصير راكعًا قبل إنهاء التكبير، لم تنعقد صلاته، إلا أن تكون نافلةً؛ لسقوط القيام فيها. ويحتمل أن لا تنعقد أيضًا؛ لأن صفة الركوع غير صفة القعود، ولم يَأْتِ التكبير قائمًا ولا قاعدًا، ولو كان ممن تصح صلاته قاعدًا، كان عليه الإتيان بالتكبير قبل وجود الركوع منه» (^٢).\nوقال محمد بن الحسن: إذا بطلت الفريضة لم تنقلب نفلًا مطلقًا، حتى لو كبر للفريضة قاعدًا، بطلت الفريضة، ولم تنقلب نافلة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٣).\n• وجه قول محمد بن الحسن:\nأن المصلي كبر للتحريمة بنية الفريضة، فإذا بطل الفرض لكونه كبر للتحريمة قاعدًا بطلت الفريضة، ولم تصح نفلًا؛ لأن المنوي هو الفرض، والنفل لم يَنْوِهِ، فإذا لم يحصل المنوي فكونه لا يحصل غير المنوي من باب أولى، وقد قال ﷺ: وإنما لكل امرئ ما نوى.\nولأن التحريمة انعقدت للفريضة فإذا فسدت لم تَبْقَ تحريمة لفساد ما انعقدت عليه، فبطلت الصلاة ضرورة.\nوقال الحنابلة: تنقلب الفريضة نفلًا حكمًا إذا كان في الوقت متسع لها وللفريضة، وهو قول في مذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١).\n(^٢). المغني (١/ ٣٣٥).\n(^٣). الأصل (١/ ١٥٣)، الإنصاف (٢/ ٤٢).\n(^٤). انظر في مذهب الحنابلة: الإقناع (١/ ١١٣)، الإنصاف (٢/ ٤٢)، الفروع (٢/ ١٦٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤)، كشاف القناع (١/ ٣٣٠)، حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (١/ ٢٧٩).\nوانظر قول الشافعية في نهاية المطلب (٢/ ١٢٧)، المجموع (٣/ ٢٨٧).","vol":"1","page":341},{"text":"• وجه انقلاب الصلاة إلى نافلة مطلقًا:\nالقيام شرط لصحة تكبيرة الإحرام في كل صلاة يكون القيام شرطًا في صحتها، فالقيام ركن في صلاة الفريضة، فيكون شرطًا في صحة تكبيرة الإحرام.\nوأما النافلة فالقيام لما لم يكن شرطًا في صحتها، صحت النافلة من القاعد، ولو من غير عذر، ولم يكن القيام شرطًا في تكبيرة الإحرام، فيصح أن يوقع تكبيرة الإحرام وهو جالس، هذا من حيث حكم اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام، والفرق بين الفرض والنفل.\nفإذا أوقع تكبيرة الإحرام في حال الهوي، ونوى بها الفرض لم تصح الصلاة فرضًا عند الجمهور كما سبق بحثه في المسألة السابقة، ولما كان القيام ليس ركنًا في النافلة انقلبت نفلًا، وإبطال الصلاة فرضًا لا يلزم منه إبطال مطلق الصلاة؛ فتنقلب الصلاة إلى نفل حكمًا، وإن لم يَنْوِ النافلة؛ لأن الصلاة مركبة من شيئين: نية الصلاة، ونية الفرضية، وإبطال الفرض لا يستلزم إبطال نية مطلق الصلاة؛ لأن إبطال الأخص لا يستلزم إبطال الأعم، فكان له أن يتم الصلاة نفلًا إذا كان الوقت يتسع للنافلة والفريضة، فإن ضاق الوقت حتى لا يتسع إلا للفريضة وجب الخروج من النافلة، والشروع في الفريضة.\nوقياسًا على الرجل إذا أحرم بالفرض قبل وقته جاهلًا، فالأصح انعقاده نفلًا حكمًا، مع أنه لم يَنْوِ النفل، وهو قول الأئمة الأربعة خلافًا لمحمد بن الحسن، وقد سبق بحث هذه المسألة عند الكلام على مباحث النية (^١).\nهذا هو توجيه الحكم بصحتها نفلًا عند الحنابلة، وهم يطردون هذا الحكم في كل صلاة لا تصح فرضًا فإنها تنقلب نفلًا حكمًا إذا كان في الوقت سعة.\nوقال الشافعية: تنعقد نفلًا إذا لم يكن عالمًا بالتحريم، فإن علم بالتحريم لم تنعقد، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^٢).\n_________\n(^١). الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٦٤)، مغني المحتاج (١/ ٥٣٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٥٨)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٣)، الإقناع (١/ ١٠٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٧)، كشاف القناع (١/ ٣١٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٠١)، حاشية الخلوتي (١/ ٢٧٨).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٢٨)، المجموع (٣/ ٢٨٧، ٢٩٦)، الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (١/ ٣٦٧)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٤).","vol":"1","page":342},{"text":"قال السيوطي: «إذا أتى بتكبيرة الإحرام أو بعضها في الركوع جاهلًا فالأصح الانعقاد نفلًا» (^١).\nوقال النووي في المجموع: «لو وجد المسبوقُ الإمامَ راكعًا فأتى بتكبيرة الإحرام أو بعضها في الركوع لا ينعقد فرضًا بلا خلاف، فإن كان عالمًا بتحريمه، فالأصح بطلانها، والثاني تنعقد نفلًا، وإن علم تحريمها» (^٢).\n• وجه البطلان إذا كان عالمًا بالتحريم:\nالأصح عند الشافعية أن قلب الصلاة من فريضة إلى نافلة لا يصح، جاز ذلك في حالات ضيقة، إما لمصلحة الصلاة، وإما لعذر، فالأول كما لو قلب الفذ فرضه نفلًا من أجل إدراك جماعة قامت في المسجد.\nوالثاني: كما لو صلى يظن دخول الوقت، فبان أن الوقت لم يدخل، ومنه هذه المسألة فإنهم يعتبرون الجهل عذرًا في عدم بطلان أصل الصلاة وإن لم تصح نية الفريضة، أما إذا كبر، وهو يركع، مع علمه أن فعله محرم، فقد عصى الله فلا عذر له، ولم يكن ذلك لمصلحة الصلاة، فمثل ذلك يبطل أصل الصلاة، فلا تنقلب نفلًا.\n• الراجح:\nمذهب الحنفية هو الأضعف، ويبقى الترجيح بين قولي الشافعية والحنابلة، فالشافعية رأوا أن ارتكاب المنهي عنه داخل الصلاة يبطل مطلق الصلاة، والحنابلة على خلاف قواعدهم من اعتبارهم النهي يقتضي الفساد، فأبطلوا الفرض لفوات محل تكبيرة الإحرام، وصححوها نافلة، وأنا أميل إلى قول الشافعية، وقول الحنابلة غير مدفوع، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٦٤).\n(^٢). المجموع (٣/ ٢٨٧).","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثاني إذا كبر المسبوق تكبيرة واحدة ولم يكبر للركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إذا أدرك المسبوق الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة حال القيام، ونوى بها التحريمة، ولم يكبر للركوع، انعقدت صلاته بلا تردد.\n• إذا كبر للركوع ناسيًا التحريمة لم تنعقد صلاته في الأصح.\n• التكبير فيما عدا الإحرام سنة على الصحيح من قولي أهل العلم.\n• حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته لم يذكر سوى تكبيرة الافتتاح.\n• إذا نوى بتكبيرة واحدة الافتتاح والركوع صحت صلاته؛ لأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، فلم يؤثر التشريك بينهما.\n• إذا كانت تكبيرة الافتتاح تقوم مقام تكبيرة الركوع من دون نية فكذلك إذا نواهما معًا، فلا تنافي بين النيتين\n[م-٤٧٨] تكلمنا في المسألة السابقة في الخلاف في اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام بين الجمهور والمالكية، وتعرضنا للخلاف بين أصحاب الإمام مالك، وأريد أن أستوفي صور هذه المسألة من خلال هذا المبحث إن شاء الله تعالى.\n• الصورة الأولى: أن ينوي بها تكبيرة الإحرام.\nإذا اقتصر المسبوق على تكبيرة واحدة حال القيام، ونوى بها تكبيرة الإحرام، فإن صلاته تنعقد، وبه قال الأئمة الأربعة (^١)، قال ابن عبد البر: وعلى هذا مذهب\n_________\n(^١). قال في مراقي الفلاح (ص: ٨٣): «مدرك الإمام في الركوع لا يحتاج إلى تكبير مرتين خلافًا لبعضهم». وانظر البحر الرائق (١/ ٣٠٨)، الاستذكار (١/ ٦٣)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٧)، مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة (ص: ٣٧)، المنح ...\nالشافيات بشرح مفردات الإمام أحمد (١/ ٢٢١)، المغني (١/ ٣٦٣)، المحرر (١/ ٩٦)، الفروع مع تصحيح الفروع (٢/ ٤٣٤)، المبدع (٢/ ٥٦)، الإنصاف (٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":344},{"text":"الفقهاء بالحجاز، والعراق، والشام (^١).\nوقال المرداوي: «نص عليه أحمد، وعليه أكثر أصحابه» (^٢).\nوقال ابن رجب: «تجزئه صلاته بغير توقف» (^٣).\nوقيل: يجب عليه تكبيرتان: للإحرام والركوع، وهذا القول رواية عن أحمد صححها ابن عقيل، وبه قال ابن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان (^٤).\nوقيل: إن تركها عمدًا بطلت صلاته، وإن تركها سهوًا صحت، وسجد له في الأقيس، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: تجزئ تكبيرة واحدة، وإن لم يَنْوِ بها تكبيرة الافتتاح، حكاه ابن رشد في بداية المجتهد (^٦).\n• وسبب الخلاف:\nأن العلماء متفقون على أن تكبيرة الإحرام فرض، ومختلفون في حكم تكبيرات الانتقال: فمن قال: إن التكبير للركوع سنة رأى صحة الصلاة ولو تركه عمدًا.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار: «قد أوضحنا أن التكبير فيما عدا الإحرام سنة، فدل ذلك على أن من قال من العلماء: يكبر الداخل تكبيرتين، إحداهما: للافتتاح. والأخرى: للركوع أراد الكمال، والإتيان بالفرض والسنة، ومن اقتصر على تكبيرة الافتتاح فقد اقتصر على ما أجزأه» (^٧).\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٦٣).\n(^٢). انظر: الإنصاف (٢/ ٢٢٤).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٧).\n(^٤). التمهيد لابن عبد البر (٧/ ٧٥)، البناية شرح الهداية (٢/ ٢٢٦)، الاستذكار (١/ ٤٢٣)، بداية المجتهد (١/ ١٩٦)، المغني (١/ ٣٦٣)، المبدع (٢/ ٥٦)، الإنصاف (٢/ ٢٢٤).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٢٤٤).\n(^٦). بداية المجتهد (١/ ١٩٦)، وانظر حاشية القول الثاني في المسألة السابقة.\n(^٧). الاستذكار (١/ ٤٢٣).","vol":"1","page":345},{"text":"(ث-٢٧٩) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وزيد بن ثابت، قالا: إذا أدرك الرجل القوم ركوعًا فإنه يجزئه تكبيرة واحدة (^١).\n[وسنده صحيح] (^٢).\nولا يعلم لهما مخالف من الصحابة.\nومن رأى أن تكبيرات الانتقال واجبة، فاختلفوا:\nفمنهم من أوجب عليه تكبيرتين بناء على أنهما عبادتان واجبتان مقصودتان، لا تغني إحداهما عن الأخرى، ومحلهما مختلف، فالأولى محلها القيام، والثانية محلها في أثناء الانتقال، فلم يتداخلا.\nوهذا القول يسلم لو صح القول بأن تكبيرات الانتقال واجبة، والجمهور يذهب على أنها سنة، معتمدين على أن حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته لم يذكر سوى تكبيرة الافتتاح؛ ولم يذكر تكبيرات الانتقال، ولو كانت فرضًا لذكرها كما ذكر تكبيرة الافتتاح، وسوف يأتينا بحث حكم تكبيرات الانتقال، والخلاف فيها إن شاء الله تعالى.\nومنهم من اشترط للصحة أن يكون تركه سهوًا، لهذا قال بجبره بالسجود بناء\n_________\n(^١). المصنف (٢٥٠٥).\n(^٢). ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٠).\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٥٥) عن معمر، عن الزهري به. وسقط من إسناد المصنف سالم بن عبد الله بن عمر.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٠) من طريق سعيد بن منصور، حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن ابن شهاب، قال: كان ابن عمر وزيد بن ثابت إذا أتيا الإمام، وهو راكع كبرا تكبيرة واحدة، ويركعان بها. وابن شهاب لم يسمع من ابن عمر ولا من زيد بن ثابت.\nجاء في مسائل ابن هانئ (٢٣٠): قلت: أدرك الإمام راكعًا، أتجزئه التكبيرة الأولى من افتتاح الصلاة؟ قال: نعم، ينوي بها الافتتاح، قول ابن عمر، وزيد بن ثابت.\nوسألته عن الرجل يجيء والإمام راكع، أتجزئه التكبيرة التي يركع بها دون تكبيرة الافتتاح؟\n\nقال: نعم، إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، أذهب إلى حديث ابن عمر، وزيد بن ثابت.\nقرأت على أبي عبد اللَّه: عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم: أن عبد اللَّه بن عمر، وزيد بن ثابت قالا: إذا أدرك الرجل القوم ركوعًا فإنه يجزئه تكبيرة.","vol":"1","page":346},{"text":"على قاعدة: أن ترك أي واجب في الصلاة سهوًا يجبره سجود السهو بخلاف ترك الركن فإنه لا بد من الإتيان به لصحة الصلاة.\nومنهم من رأى أن تكبيرة الافتتاح تكفي، وإن كانت تكبيرة الركوع واجبة على قاعدة تداخل العبادات، فهذا المسبوق كان عليه تكبيرتان متواليتان بلا فاصل، إحداهما للإحرام، والأخرى للركوع، وجنسهما واحد، فأجزأ الركن عن الواجب، وقاسوه على تداخل بعض العبادات، كما لو أخر طواف الزيارة أغنى ذلك عن طواف الوداع، مع وجوب طواف الوداع خلافًا للمالكية، وكما أن غسل الجنابة يغني عن غسل الجمعة على القول بوجوب غسل الجمعة، وأن السنة الراتبة تغني عن تحية المسجد على القول بوجوب تحية المسجد، كما هو قول داود الظاهري.\n• الراجح:\nالقول بأنه تكفيه تكبيرة واحدة هو القول الأقرب، والله أعلم.\n• الصورة الثانية: أن يأتي المسبوق بالتكبيرة قائمًا، وينوي بها الركوع.\nفهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:\nقال الحنفية: إذا نوى بتلك التكبيرة الواحدة الركوع ولم ينو الافتتاح، انعقدت صلاته، ولغت نيته، وبه قال جماعة من السلف (^١).\n• وجه قول الحنفية:\nلما كانت التحريمة هي المفروضة عليه؛ لكونها شرطًا انصرفت إلى الفرض؛ لأن المحل له، وهو أقوى.\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٤٨٣)، البحر الرائق (١/ ٣٠٨) و(٢/ ٨٢)، مراقي الفلاح (ص:١٧٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٤٥٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٨٤)، النهر الفائق (١/ ٣١٣)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٤).\nجاء في فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٤): يمكن حمل ما نقل عن السلف أو عن بعضهم في المأموم خاصة ... ويدل عليه: ما خرجه حرب بإسناده، عن خليد، عن الحسن وقتادة، قالا: إن نسيت تكبيرة الاستفتاح، وكبرت للركوع، وأنت مع الإمام،","vol":"1","page":347},{"text":"قال ابن عابدين: «ولأن الشرط يلزم حصوله، لا تحصيله» (^١).\nوقد بينت لك أن التحريمة من الأركان، وليست من الشروط، والله أعلم.\nوقال الشافعية والحنابلة: لا تنعقد صلاته، وهو قول في مذهب المالكية، وبه قال إسحاق (^٢).\nقال ابن رجب: «لا تجزئه عند الأكثرين» (^٣).\n• وجه هذا القول:\nأن النبي ﷺ قال: تحريمها التكبير، وهذا لم يحرم بالصلاة، ولأن تكبيرة الافتتاح ركن، ولم يَأْتِ بها.\nوقال المالكية: إذا كبر للركوع ولم يَنْوِ تكبيرة الإحرام، فإن كان متعمدًا ذاكرًا لم تنعقد صلاته وحكى ابن رشد الإجماع عليه في المقدمات (^٤).\nوإن كان ناسيًا لها، فمذهب المدونة وهو المشهور أنه يتمادى مع الإمام، ولا يقطع، ويعيد صلاته احتياطًا؛ لأنها تجزئه عند ابن المسيب وابن شهاب، ولا تجزئه عند ربيعة.\nوهل تماديه وإعادته وجوبًا أم استحبابًا؟ قولان، وسبق التعرض لأدلة هذا القول عند الكلام على اشتراط القيام لتكبيرة الإحرام، فأغنى ذلك عن إعادة أدلته (^٥).\n_________\n(^١). انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٥).\n(^٢). قال النووي في المجموع (٤/ ٢١٤): «لو اقتصر ... على تكبيرة واحدة وأتى بها بكمالها، في حال القيام، فله أربعة أحوال .... الثاني: أن ينوي تكبيرة الركوع، فلا تنعقد صلاته». وانظر: روضة الطالبين (١/ ٣٧٤)، حاشية الشرواني (٢/ ٣٦٥)، وحاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج (٢/ ٣٦٦)، منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي (ص: ٢٢)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٧٠)، حاشية الجمل (١/ ٥٨٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٢١)، المبدع (٢/ ٥٧)، الروض المربع مع حاشية ابن قاسم (٢/ ٢٧٦).\nوانظر قول إسحاق في مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة (ص: ٣٨).\n(^٣). فتح الباري (٦/ ٣١٧).\n(^٤). المقدمات الممهدات (١/ ١٧٢).\n(^٥). الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ٣٤٨)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٥)، النوادر والزيادات (١/ ٣٤٤، ٣٤٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٨١)، المقدمات ...\nالممهدات (١/ ١٧٣)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٨٥)، مواهب الجليل (٢/ ١٣٢، ١٣٣)، منح الجليل (١/ ٢٤٢)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٢٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ٥٣).","vol":"1","page":348},{"text":"قال ابن رجب: «فإن كان ساهيًا عن تكبيرة الإحرام فقال مالك في الموطأ تجزئه، وهو رواية حنبل، عن أحمد» (^١).\nوقال الحسن وقتادة والأوزاعي وغيرهم: «من نسي تكبيرة الاستفتاح، وكبر للركوع، وهو مع الإمام، فقد مضت صلاته» (^٢).\nففرقوا بين المنفرد والمأموم، وبين المتعمد والناسي، والتفريق له مأخذان:\nأحدهما: أن المأموم إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبر تكبيرة واحدة، فإنه تجزئه، وتنعقد صلاته، يعني: وقد نوى بتكبيرة الركوع الدخول في الصلاة.\nالمأخذ الثاني: أن الإمام يتحمل عن المأموم التكبير، كما يتحمل عنه القراءة، وقد صرح بهذا المأخذ الإمام أحمد في رواية حنبل.\nقال حنبل: سألت أبا عبد الله عن قوله: إذا سها المأموم عن تكبيرة الافتتاح، وكبر للركوع، رأيت ذلك مجزئًا عنه؟ فقال أبو عبد الله: يجزئه إن كان ساهيًا؛ لأن صلاة الإمام له صلاة.\nذكر هذه الرواية أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي، قال ابن رجب: وهذه رواية غريبة عن أحمد، لم يذكرها الأصحاب، والمذهب عندهم أنه لا يجزئه.\nونقل إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، فيمن ترك تكبيرة الافتتاح في الصلاة قال: إن تركها عمدًا لم تجزئه صلاته.\nومفهومه: أنه إن تركها سهوًا أجزأته. قال ابن رجب: وينبغي حمل ذلك على المأموم خاصة كما نقل حنبل\nوهذا المأخذ هو مأخذ من فرق بين الإمام والمنفرد وبين المأموم، ولو كان مأخذه: أن صلاته انعقدت بالتكبيرة في الركعة الثانية لم يكن بين الإمام والمأموم\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٧).\n(^٢). انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٤)، مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة (ص: ٣٦)،.","vol":"1","page":349},{"text":"فرق، وهو أيضًا مأخذ مالك وأصحابه (^١).\nومذهب الشافعية والحنابلة أقوى؛ لأن المصلي لا يدخل في صلاته بلا تحريمة، وحين نوى الركوع فقد دخل بالصلاة بلا تكبيرة الافتتاح فلم تنعقد، والله أعلم.\n• الصورة الثالثة: أن يكبر قائمًا، وينوي بها تكبيرة الافتتاح والركوع.\nاختلف العلماء فيها:\nفقيل: تصح صلاته، حكي عن أبي حنيفة، وهو مذهب المالكية، واختاره أبو ثور، وحكي رواية عن أحمد اختارها ابن شاقلا (^٢).\n• وجه القول بالصحة:\nالوجه الأول:\nأن نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح، فلم يؤثر التشريك بينهما بالنية،\nالوجه الثاني:\nإذا كانت تكبيرة الافتتاح تغني عن الافتتاح وعن تكبيرة الركوع إذا لم يَنْوِهِ، فكذلك إذا نواهما معًا، قياسًا على الرجل إذا أخر طواف الزيارة ونوى به الزيارة والوداع.\nوقيل: لا تنعقد صلاته، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق (^٣).\n_________\n(^١). انظر فتح الباري لابن رجب بتصرف وتقديم وتأخير (٦/ ٣١٤، ٣١٧).\n(^٢). سبق لنا أن قول الحنفية في الرجل المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا فكبر قائمًا ونوى بهذه التكبيرة الركوع ولم ينو تكبيرة الافتتاح، لغت نيته وصحت صلاته، فمن باب أولى أن تكون صلاته صحيحة إذا نوى تكبيرة الافتتاح مع تكبيرة الركوع، انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣١٣)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٨٤)، وفتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٨).\n\nوانظر في مذهب المالكية: مواهب الجليل (٢/ ١٣٣)، شرح الخرشي (٢/ ٤٨)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٤٨).\n(^٣). الأم (١/ ١٢٢)، البيان للعمراني (٢/ ١٧١)، المجموع (٤/ ٢١٤)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٦٥)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ٢٩٢)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ١٦٩).\nوقال في الروض المربع (ص: ١٢٦): «فإن نواهما بتكبيرة، أو نوى به الركوع لم يجزئه».\nوانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، الإنصاف (٢/ ٢٢٤)،\nمطالب أولي النهى (١/ ٦٢١)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٨).\nقال ابن رجب في القواعد (ص: ٢٤): «لو أدرك الإمام راكعًا فكبر تكبيرة ينوي بها تكبيرة الإحرام والركوع فهل يجزئه؟\nعلى وجهين حكاهما أبو الخطاب وغيره، واختار القاضي عدم الإجزاء؛ للتشريك بين الركن وغيره، وأخذه من نص أحمد ﵀ فيمن رفع رأسه من الركوع وعطس فقال: الحمد لله، ربنا ولك الحمد، ينوي به الواجب وسنة الحمد للعاطس أن لا يجزئه.\nواختار ابن شاقلا الإجزاء وشبهه بمن أخرج في الفطرة أكثر من صاع، ولا يصح هذا التشبيه ومن الأصحاب من قال: إن قلنا تكبيرة الركوع سنة أجزأته، وحصلت السنة بالنية تبعًا للواجب، وإن قلنا: واجبة لم يصح التشريك، وفيه ضعف. وهذه المسألة تدل على أن تكبيرة الركوع تجزئ في حال القيام خلاف ما يقوله المتأخرون».","vol":"1","page":350},{"text":"قال في الإنصاف: «لو نوى بالتكبيرة الواحدة تكبيرة الإحرام والركوع لم تنعقد الصلاة على الصحيح من المذهب ...» (^١).\nوجه بطلان الفرض:\nالوجه الأول:\nأن التشريك بين فرض وسنة مقصودة لا يصح، أشبه التشريك بين نية الظهر وسنته، لا الظهر والتحية، فإن التحية غير مقصودة.\n•ويناقش:\nبأن هذا معارض بأنه لو نوى بالتكبيرة الافتتاح قامت مقام تكبيرة الافتتاح والركوع، فإذا كانت التكبيرة الواحدة تقوم مقام التكبيرتين دون نية الانتقال فكذلك إذا نوى تكبيرة الانتقال، فلا تنافي بين النيتين، ولا يلزم من نية إحداهما بطلان الأخرى.\nالوجه الثاني:\nأن محل تكبيرة الافتتاح غير محل تكبيرة الركوع، فإن محل تكبيرة الافتتاح حالة القيام، ومحل تكبيرة الركوع عند الهُوِيِّ منه، فلما اختلف محلاهما لا يمكنه الجمع بينهما في النية.\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":351},{"text":"•ويناقش:\nالتكبيرتان في حق المسبوق الذي أدرك إمامه راكعًا هما تكبيرتان متتاليتان بلا فاصل من جنس واحد، فإذا كانت تكبيرة الافتتاح تغني عن تكبيرة الانتقال لم تكن نية التشريك بينهما متنافية، غاية ما فيه أن تكبيرة الانتقال إن كانت سنة كان التشريك بينهما لنيل الثواب؛ لأنه لا ثواب إلا بنية، وإن كانت واجبة وسقطت لدخول إحداهما في الأخرى كانت نيتهما أوكد كالجمع بين طواف الزيارة والوداع، والجمع بين غسل الجنابة والجمعة على القول بوجوب غسل الجمعة.\n• الصورة الرابعة: إذا أطلق النية، فلم يَنْوِ شيئًا.\nاختلف العلماء فيها على قولين:\nالقول الأول:\nتجزئه، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\nقال أحمد في رواية الكوسج وابنه صالح فيمن جاء، والإمام راكع، قال: كبر تكبيرة واحدة. قيل له: ينوي بها الافتتاح؟\nقال: نوى أو لم يَنْوِ، ما نعلم أحدًا قال: ينوي، أليس جاء، وهو يريد الصلاة (^٢)؟\nقال ابن رجب عن قول أحمد: «ما علمنا أحدًا قال: ينوي بها الافتتاح: يشير إلى الصحابة والتابعين» (^٣).\n_________\n(^١). مواهب الجليل (٢/ ١٣٢)، شرح الخرشي (٢/ ٤٨)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٤٨)، منح الجليل (١/ ٣٨٩)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٢٦).\nوقال النووي في المجموع (٤/ ٢١٤): «.... الحال الرابعة: أن لا ينوي واحدة منهما، بل يطلق التكبير، فالصحيح المنصوص في الأم، وقطع به الجمهور: لا تنعقد.\nوالثاني: تنعقد فرضًا؛ لقرينة الافتتاح، ومال إليه إمام الحرمين ...». وانظر: مغني المحتاج (١/ ٥١٤)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٤٤).\n(^٢). مسائل أحمد رواية الكوسج (٢/ ٥١٨)، الشرح الكبير على المقنع (٢/ ٩)، مختصر الإنصاف والشرح الكبير (ص: ١٢٢).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٨).","vol":"1","page":352},{"text":"• وجه هذا القول:\nأن نية الصلاة موجودة معه بخروجه إلى الصلاة، فلا يكبر للصلاة إلا بتلك النية، فذهوله عن النية لا يلغي استصحاب حكمها، فالنية تقدمت عند القيام للصلاة، وانضمت تلك النية للتكبير الذي أوقعه عند الركوع، وشأن تكبيرة الركوع أن لا تقارن النية، وإنما هذا شأن تكبيرة الإحرام، ولا يكبر للركوع إلا من دخل في الصلاة، فأما من لم يكن دخل فيها فإنما يكبر لدخوله في الصلاة أولًا، ولا يضر عدم استحضاره لهذه النية عند التكبيرة؛ لأن تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير جائز، والله أعلم.\nالقول الثاني:\nلا تجزئه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ونقله ابن منصور وغير واحد عن أحمد، وجعله القاضي أبو يعلى في جامعه الكبير هو المذهب رواية واحدة، وتأول ما خالف ذلك عن أحمد (^١).\n• وجه هذا القول:\nتعارضت قرينة الافتتاح بقرينة الهُوِيِّ، فلا بد من قصد صارف إلى إحداهما، فلا تجزئ حتى ينوي بها الافتتاح، فقد اجتمع في هذا المحل تكبيرتان: إحداهما ركن، والأخرى ليست كذلك، فاحتاج الركن إلى تمييزه بالنية، بخلاف تكبير الإمام أو المنفرد، أو المأموم الذي أدرك الإمام قبل الركوع، فإنه لم يجتمع في حقه تكبيرتان في وقت واحد، فلو كبر ولم يَنْوِ شيئًا لم يجتمع في حقه تكبيرتان، فلا حاجة إلى تمييزها بالنية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ٢١٤)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ١٦٠)، أسنى المطالب (١/ ٢٣٠)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٨٠)، مغني المحتاج (١/ ٥١٤)، نهاية المحتاج (٢/ ٢٤٤)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣١٨).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الشرط الثالث أن تكون التحية بلفظ الله أكبر لا يجزئ غيرها</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل ذكر مقيد لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.\n• تبديل قوله (الله أكبر) أو الزيادة عليه؛ لا يجوز؛ لأن التبديل تحريف، والزيادة استدراك، وكلاهما لا يجوز.\n• قال ﷺ: تحريمها التكبير و(أل) في التكبير إن كانت للعموم ففيه إجمال، والمجمل يرد إلى المبين من فعله ﵊، ولم ينقل من فعله إلا لفظ (الله أكبر)، فتعين. وإن كانت للعهد، فلا عموم فيها، وتعين لفظ (الله أكبر) حيث لم يعهد في السنة غيره.\n• أمر النبي ﷺ بالتكبير، وأمره للوجوب، وفعله ﵊ بيان لمجمل الأمر بالتكبير، وبيان الواجب واجب، ولا يختلف الكافة أن النبي ﷺ كان يستفتح الصلاة بلفظ: الله أكبر، لم يُخِلَّ بذلك مرة واحدة.\n[م-٤٧٩] اتفق الفقهاء على انعقاد الصلاة بلفظ: الله أكبر (^١)، واختلفوا هل تنعقد بغيره؟\nفقال مالك وأحمد: لا تنعقد بغيره، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن الهمام من الحنفية، وعلى هذا عوام أهل العلم قديمًا وحديثًا (^٢).\n_________\n(^١). قال في المجموع (٣/ ٢٩٢): «فإن قال الله أكبر انعقدت صلاته بالإجماع». وانظر البيان والتحصيل (٢/ ١٠٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٣).\n(^٢). انظر في مذهب مالك: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٣)، المذهب في ضبط مسائل ...\nالمذهب (١/ ٢٥٢)، إكمال المعلم (٢/ ٢٦٤)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٤٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣٢)، مواهب الجليل (١/ ٥١٤)، زاد المسافر لغلام الخلال (٢/ ١٤٦)، الفروع (٢/ ١٦٣)، المبدع (١/ ٣٧٧)، الإنصاف (٢/ ٤١)، الإقناع (١/ ١١٣).\nوكره الحنابلة الزيادة على قول الله أكبر، مثل: الله أكبر كبيرًا، أو الله أكبر وأعظم.\nوانظر قول الشافعي في القديم في شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦).\nوانظر قول ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٢٨٤، ٢٨٥).\nقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٣٣): «وعلى هذا عوام أهل العلم في القديم والحديث».","vol":"1","page":354},{"text":"وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وإبراهيم النخعي، والحكم: تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله، كالتكبير، والتهليل، والتحميد، مثل قول: الله الكبير، الله الأجَلُّ، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة، نحو أن يقول: الرحمن أعظم، الرحيم أَجَلُّ، وسواء أكان يحسن التكبير أم لا، والأصح عند الحنفية أن انعقاد الصلاة بغير الله أكبر مكروه كراهة تحريم، فيجب لفظ: (الله أكبر)، وإن انعقدت الصلاة بغيره (^١).\nفإن قال: الله فقط انعقدت الصلاة عند أبي حنيفة؛ لأن في هذا الاسم معنى التعظيم؛ لأنه مشتق من التَألُّهِ وهو التعبد خلافًا لمحمد بن الحسن؛ القائل بأن تمام التعظيم لا يكون إلا بذكر الاسم مع الصفة.\nولو قال: بسم الله الرحمن الرحيم لا يصير شارعًا؛ لأنه للتبرك، ولو قال: اللهم\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٣٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٩).\nوهل يكره الشروع بغير التكبير؟ قال صاحب الذخيرة: أنه يكره في الأصح، والمراد كراهة تحريم. وقال السرخسي: الأصح أنه لا يكره.\n\nقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٢٣): «الثابت بالنص ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم، ولفظ التكبير ثبت بالخبر، فيجب العمل به حتى يكره افتتاح الصلاة بغيره لمن يحسنه، كما قلنا في قراءة القرآن مع الفاتحة، وفي الركوع والسجود مع التعديل، ذكره في الكافي وهذا يفيد الوجوب، وهو الأشبه للمواظبة التي لم تقترن بترك، فعلى هذا ما ذكره في التحفة، والذخيرة، والنهاية، من أن الأصح أنه يكره الافتتاح بغير الله أكبر عند أبي حنيفة، فالمراد كراهة التحريم؛ لأنها في رتبة الواجب من جهة الترك، فعلى هذا يضعف ما صححه السرخسي من أن الأصح أنه لا يكره». وانظر تبيين الحقائق (١/ ١٠٩).\nوأما قول النخعي فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٦١)، ورجاله ثقات.\nوأما قول الحكم فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٦٢)، وفي إسناده ابن أبي ليلى، سيئ الحفظ.","vol":"1","page":355},{"text":"اغفر لي، أو استغفر الله أو حوقل، لا يصير شارعًا؛ لأنه دعاء (^١).\nوقال الشافعية: يجزئ الله أكبر، أو الله الأكبر، ولا يجزئ غيرهما، فلا يجزئ الله الكبير؛ لفوات مدلول أفعل التفضيل، وكذا لو قال: الرحمن أكبر أو الرب أكبر، وإذا أدخل بين كلمتي التكبير بشيء من صفات الله تعالى وثنائه، وكان يسيرًا لا يصير به التكبير مفصولًا، كقوله: الله ﷿ أكبر صح، فإن طال كقوله: الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له أكبر لم يجزئ (^٢).\nوقال أبو يوسف: لا يكون شارعًا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، كالله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير، زاد السرخسي: والله كبير، إلا إذا كان لا يعلم أو لا يحسن التكبير (^٣).\nوقال ابن حزم: يجزئ بكل اسم من أسماء الله تعالى ذكر بالتكبير نحو الرحمن أكبر، والأكبر الله، والكبير الله (^٤).\nهذه مجمل الأقوال في المسألة أوسعها مذهب الحنفية، فلا يشترطون من الأسماء لفظ الجلالة (الله)، ولا من التعظيم لفظ التكبير.\nيقابله مذهبا مالك وأحمد اللذان قصرا الصيغة على لفظ: (الله أكبر).\nوما بين ذلك ثلاثة أقوال:\nمذهب الشافعية حيث قصروا الصيغة على لفظين: الله أكبر، أو الله الأكبر.\nيليه مذهب أبي يوسف حيث قصر الصيغة في أسماء الله على لفظ الجلالة (الله) وعلى مشتقات التكبير، فكان أوسع من مذهب الشافعية حيث لم يشترط في التكبير أفعل التفضيل كما اشترطه الشافعية.\nيلي ذلك اختيار ابن حزم حيث وسع الصيغة في أسماء الله، فأجزأ عنده أي اسم من أسماء الله بشرط أن يذكر معه التكبير، فوسع دائرة الأسماء مع مشتقات التكبير.\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ١٣٦)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥١).\n(^٢). الأم (١/ ١٢٢)، المجموع (٣/ ٣٠٢)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٣)، البيان للعمراني (٢/ ١٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٦٢).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ١٣٠)، المبسوط (١/ ٣٥، ٣٦).\n(^٤). المحلى، مسألة (٣٥٧).","vol":"1","page":356},{"text":"• سبب الخلاف:\nاختلافهم في قوله ﷺ: تحريمها التكبير، وقوله ﷺ: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقول عائشة: (كان يستفتح الصلاة بالتكبير)، وغيرها من الأحاديث أهي من الخطاب المجمل المبيَّن بالسنة الفعلية بلفظ: (الله أكبر)، فيأخذ الفعل المبيِّن حكم الأمر المجمل، فيجب لفظ (الله أكبر) ولو ورد بصيغة الفعل، أم أن الأمر بالتكبير من الألفاظ المبيَّنة وليس فيها إجمال، إنما فيها عموم، فكل صيغة من صيغ التكبير يمكن أن تنعقد بها الصلاة، وكون السنة الموروثة جاءت بلفظ (الله أكبر) فهذا فرد من أفراد العام يوافق العام في لفظه، ولا يقتضي تخصيص الحكم به، والفعل بمجرده لا يدل على وجوب هذه الصيغة، وإن دل على أفضيلة هذا اللفظ؛ لتفضيل النبي ﷺ له، أم أن المقصود من التكبير هو التعظيم، فينوب عن التكبير كل ما فيه تعظيم لله ﷾، وهذا أضعفها، والله أعلم.\nهذا هو محل الخلاف الفقهي الذي بنيت عليه هذه المسألة، إذا وقفت على ذلك نأتي لبيان أدلة كل فريق، أسأل الله وحده العون والتوفيق.\n• دليل من قال: لا تنعقد إلا بلفظ: الله أكبر:\nذكر أصحاب هذا القول نوعين من الأدلة، أدلة ذكر فيها الأمر بالتكبير، أو أنه كان يستفتح بالتكبير.\nونوع آخر من الأدلة تبين أن المراد بالتكبير المجمل في الأدلة هو لفظ: الله أكبر، لا غير، وإليك ما وقفت عليه من الأدلة:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة،","vol":"1","page":357},{"text":"فكبر ... وذكر بقية الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ أمره بالتكبير، والأصل في الأمر الوجوب، والتكبير مجمل، وقد بينته السنة بلفظ: (الله أكبر) وبيان الواجب واجب مثله.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٨١) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ... ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ، والحديث رواه مسلم (^٢).\nوله شاهد من حديث مالك بن الحويرث في الصحيحين (^٣)، وحديث وائل بن حجر في مسلم (^٤).\nالدليل الثالث:\n(ح-١١٨٢) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .... الحديث (^٥).\n[أعل بالإرسال لأن أبا الجوزاء لم يسمعه من عائشة] (^٦).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). رواه البخاري (٧٣٩)، ورواه مسلم (٣٩٠) من طريق سالم، عن ابن عمر.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٧)، وصحيح مسلم (٣٩١).\n(^٤). صحيح مسلم (٤٠١).\n(^٥). صحيح مسلم (٤٩٨).\n(^٦). الحديث مداره على بديل بن ميسرة، واختلف عليه:\nفقيل: عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة.\n\nرواه حسين المعلم كما في صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨)، وجامع ابن وهب (٣٥٧)، وعبد الرزاق (٢٥٤٠، ٢٦٠٢، ٢٨٧٣، ٢٩٣٨، ٣٠١٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤١٣١، ٢٣٨٢، ٢٥٨٦)، ومسند إسحاق بن راهويه (١٣٣١)، ومسند أحمد (٦/ ٣١، ١٩٤)، =","vol":"1","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nومسند أبي يعلى (٤٦٦٧)، ومسند السراج (٣٥٣)، وسنن أبي داود (٧٨٣)، وسنن ابن ماجه (٨١٢، ٨٦٩، ٨٩٣). وصحيح ابن خزيمة (٦٩٩)، وصحيح ابن حبان (١٧٦٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٥، ١٥٩٥، ١٨٠٢، ١٨٩١) ومستخرج أبي نعيم (١١٠٠، ١١٠١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٣، ١٢١، ١٩٢، ١٧٤، ٢٤٥).\nوأبان بن يزيد العطار، كما في مسند أحمد (٦/ ١١٠).\nوسعيد بن أبي عروبة كما في مسند أحمد (٦/ ١٧١)، وسنن الدارمي (١٢٧٢)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٠٣)، وأبي نعيم في مستخرجه (١١٠١).\nوشعبة، رواه أحمد في مسنده (٦/ ٢٨١) حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا شعبة، عن بديل به، لم يروه عن شعبة إلا أسباط.\nوعبد الرحمن بن بديل، كما في مسند الطيالسي (١٦٥١)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٧٦١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٣، ٨٢)،\nكل هؤلاء رووه، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة.\nجاء في الإنصاف لابن عبد البر (ص: ١٧٦): «رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يختلف في ذلك، إلا أنهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال».\nوقال في التمهيد (٢٠/ ٢٠٥): «اسم أبي الجوزاء: أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل».\nقال رشيد الدين العطار في كتابه غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة (ص: ٣٣٨) نقلًا عن شيخه أبي الحسين يحيى بن علي: «وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة معلوم، لا يختلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀ كما نص عليه في مقدمة كتابه الصحيح إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يَلْقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فحينئذٍ يكون الحديث مرسلًا، والله أعلم».\nقلت: قد قامت البينة على أن الحديث هذا بعينه لم يسمعه من عائشة، فقد رواه إبراهيم بن طهمان، عن بديل، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت إلى عائشة، كما في الطريق التالي.\nوقيل: عن بديل، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت إلى عائشة.\nأخرجه أبو بكر جعفر الفريابي في كتاب الصلاة، قال: حدثنا مزاحم بن سعيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث انظر تهذيب التهذيب (١/ ٣٨٤).\nونقله رشيد العطار مسندًا إلى أبي جعفر الفريابي ثم قال (ص: ٣٤١): وهذا الحديث مخرج في كتاب الصلاة لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل =","vol":"1","page":359},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١١٨٣) ما رواه مسلم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين .... الحديث (^١).\nورواه البزار في مسنده، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، قال: أخبرنا يوسف بن أبي سلمة الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج به، بلفظ: كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... الحديث (^٢).\nلم يروه بلفظ: (الله أكبر) عن الماجشون إلا ابنه يوسف، ولا عن يوسف\n_________\n= النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنًا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة يؤيد ما ذكره ابن عبد البر، والله أعلم».\nولما كان الواسطة مجهولًا كان ذلك علة في الحديث، والله أعلم.\nوالقول بأن أبا الجوزاء قد أرسل رسولًا يثق به وبنقله لا يغني شيئًا، فإنه لو قال: حدثني الثقة لم يكن ذلك ليرفع علته؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، ضعيفًا عند غيره، كما هو مقرر في المصطلح، والله أعلم.\nوقيل: عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة.\nرواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١١٩) من طريق فضيل بن عبد الوهاب (ثقة).\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٢٤) من طريق أبي الربيع (سليمان بن داود ثقة) كلاهما عن حماد بن زيد، حدثنا بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة.\nوفي تاريخ أصبهان، قال حماد: حفظي عن ابن شقيق.\nقال الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٩٧): «والقول: قول من قال: عن أبي الجوزاء، واسمه: أوس بن عبد الله الربعي».\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).\n(^٢). مسند البزار (٥٣٦).","vol":"1","page":360},{"text":"إلا محمد بن عبد الملك، تفرد عنه أبو بكر البزار، والبزار ممن لا يحتمل تفرده، ولا مخالفته، وقد رواه مسلم وغيره من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون به، بلفظ: إذا استفتح الصلاة كبَّر، وهو المحفوظ (^١).\nالدليل الخامس:\n(ح-١١٨٤) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن\n_________\n(^١). وإنما جعلت الحَمْلَ على أبي بكر البزار لسببين:\nالأول: أنه أضعف رجل في الإسناد، وكان من عادة أهل الحديث أن ينظروا في أضعف رجل في الإسناد فيجعل الحمل عليه.\nقال الحاكم كما في سؤالاته (٢٣) عن الدارقطني أنه قال: يخطئ في الإسناد والمتن، حدث بالمسند بمصر حفظًا، ينظر في كتب الناس، ويحدث من حفظه، ولم تكن معه كتب، فأخطأ في أحاديث كثيرة، يتكلمون فيه، جرحه أبو عبد الرحمن النسائي.\nوقال السهمي في سؤالاته (١١٦): سألت الدارقطني عنه، فقال: ثقة يخطئ كثيرًا، ويتكل على حفظه.\nوانظر ميزان الاعتدال (١/ ١٢٤).\nالثاني: أن الحفاظ قد رووا الحديث عن يوسف الماجشون، ولم يذكر أحد منهم جملة التكبير في روايته.\n\nفقد رواه الإمام الترمذي في سننه (٣٤٢١) عن محمد بن عبد الملك شيخ البزار به، ولم يذكر التكبير جملة، لا بلفظ الفعل، ولا بلفظ الاسم، والترمذي مقدم على البزار، وهذا يؤكد أن العهدة على البزار.\nكما رواه مسلم في صحيحه (٢٠١ - ٧٧١) والطبراني في الدعاء (٤٩٤)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٧٦١)، والبيهقي في السنن الصغرى (١/ ١٤٤)، وفي السنن الكبرى (٢/ ٤٨)، عن محمد بن أبي بكر المقدمي،\nورواه أبو نعيم في مستخرجه (١٧٦١) من طريق عبيد الله بن عمر (القواريري ثقة ثبت)، كلاهما (المقدمي، وعبيد الله) عن يوسف الماجشون به، بعدم ذكر التكبير، فأخشى أن يكون دخل على البزار رواية عبد العزيز بن أبي سلمة عن عمه الماجشون على رواية يوسف بن الماجشون، عن أبيه، فالتكبير محفوظ من رواية عبد العزيز بلفظ الفعل، وهي رواية مسلم، ثم رواها البزار بالمعنى، فقال: الله أكبر، فالمحفوظ لفظ: (إذا قام إلى الصلاة كبَّر).\nقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦١٧): تفسير (كَبَّر) أنه قال: الله أكبر، وهو شيء عزيز الوجود، لا يكاد يوجد تعيين لفظ التكبير في هذا ....».\nوقال ابن حزم في المحلى (٣/ ٣٢) مسألة: ٣٧٥: «وقد ادعى بعضهم أن في الحديث: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، قال ابن حزم: وهذا باطل، ما عرف قط، ولو وجدناه صحيحًا لقلنا به».","vol":"1","page":361},{"text":"عقيل، عن محمد بن الحنفية،\nعن علي، عن النبي - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفي الحديث دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار.\nوجه ذلك: أن التعيين مستفاد من حصر المبتدأ في الخبر، وهذا معلوم في باب القصر والحصر في علم البيان، وليس هذا من قبيل المفهوم؛ لئلا يقول الحنفية: هذا من المفهوم، ونحن لا نقول به.\nفالحديث لو فرض أنه قال: (التكبير تحريمها) لم يلزم انحصار التحريم في التكبير، فلما قدم ما ينبغي تأخيره علم قطعًا أن ذلك لقصد الحصر، وهذا بمثابة قول القائل: زيد صديقي، فلا يتضمن حصر الصداقة في زيد، فإذا قال: صديقي زيد تضمن ذلك حصر الصداقة في زيد؛ لأن قوله: (صديقي) عام، فإذا أخبر عنه بخاصٍ، وهو زيد، كان ذلك حصرًا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر، وهو زيد؛ إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز.\nوبناء عليه يكون قوله: (تحريمها التكبير) يعني: لا غيره، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير.\nولأن قوله: (تحريمها) نكرة مضاف إلى معرفة وهو الضمير العائد إلى الصلاة، فيكون عامًّا كقولك: «وإن تعدوا نعمة الله»، فنعمة نكرة مضافة إلى معرفة فكانت عامة، ولهذا قال: لا تحصوها، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير.\nفإذا اتفقنا على حصر التحريم في التكبير وحده، فهل المراد بالتكبير مطلق التكبير؛ لأن التكبير له صيغ، وهو مصدر، وقد دخلت عليه (أل) والأصل فيه العموم؟\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٣).\n(^٢). سبق تخريجه في كتابي موسوعة الطهارة، الطبعة الثالثة، المجلد التاسع، رقم (١٨٥٩).","vol":"1","page":362},{"text":"• فالجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن نعتبر أن التكبير وقع فيه شيء من الإجمال، والموقف الشرعي من المجمل أن نطلب له مبيِّنًا، فنرجع إلى فعل النبي ﷺ، فما لازم عليه يعتبر مبيِّنًا لهذا النص، وقد لزم النبي ﷺ في صلاته لفظ (الله أكبر) ونُقل لنا هذا نقلًا متواترًا نقله الصحابة إلى التابعين، ونقله التابعون إلى من بعدهم جيلًا عن جيل.\nالوجه الثاني: أن يقال: إن اللام في (التكبير) للعهد، أي التكبير المعهود الذي نقلته الأمة نقلًا ضروريًا خلفًا عن سلف، عن نبيها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقول غيره، ولا مرة واحدة، فهذا هو المراد بلا شك في قوله: (وتحريمها التكبير)، فهو كاللام في قوله: (مفتاح الصلاة الطهور) فليس المراد به كل طهور، بل الطهور الذي واظب عليه النبي ﷺ وشرعه لأمته، وكان فعله له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه، فمن جوز الله الأكبر، أو الله الكبير فإنه وإن سمي تكبيرًا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-١١٨٥) ما رواه ابن ماجه من طريق أبي أسامة قال: حدثني عبد الحميد ابن جعفر قال: حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي يقول: كان رسول الله ﷺ: إذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر.\n[إسناده حسن والحديث صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). انظر تهذيب سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٦٢)، الإعلام بفوائد الأحكام (٣/ ٢٧)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٥١٨)، كفاية النبيه (٣/ ٧٤).\n(^٢). الحديث مداره على محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ويرويه اثنان عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nالطريق الأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوروايته في صحيح البخاري بلفظ: (رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... الحديث)، ولم يذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\n\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء. =","vol":"1","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه جماعة عن عبد الحميد، منهم:\nالأول: أبو أسامة، حماد بن أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن ماجه (٨٠٣) حدثنا علي بن محمد الطنافسي،\nوابن حبان (١٨٧٠) من طريق عمرو بن عبد الله الأودي،\nورواه البيهقي (٢/ ١٦٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم، وأبو كريب أربعتهم عن أبي أسامة، حدثنا عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر. هذه رواية ابن ماجه مختصرة، وساق ابن حبان الحديث بتمامه، واختصره البيهقي.\nفذكر أبو أسامة عن عبد الحميد تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر) ولم ينفرد بذلك، بل تابعه يحيى بن سعيد القطان، من رواية الفلاس، ومحمد بن بشار عنه، كما سيتضح لك ذلك من خلال تخريج الطريق الثاني إن شاء الله تعالى.\nالطريق الثاني: يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر.\nواختلف عليه في ذكر التكبير:\nفرواه ابن حبان في صحيحه (١٨٦٥) من طريق عمرو بن علي الفلاس، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر به، وفيه: (..... كان رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... وذكر الحديث. وهذه متابعة لأبي أسامة في ذكر التكبير بلفظ: (الله أكبر).\nولم يتفرد بهذا الفلاس عن يحيى بن سعيد، وإن كان تفرده لا يضر، فقد تابعه محمد بن بشار، من رواية ابن ماجه عنه.\nفقد رواه ابن ماجه (٨٦٢)، عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، به، وفيه: (.... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... الحديث).\nورواه الترمذي (٣٠٤) حدثنا محمد بن بشار مقرونًا برواية محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد القطان به، وفيه: (.... كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... وذكر الحديث) فذكر لفظ التكبير للركوع، ولم يذكر التكبير للإحرام.\nورواه ابن خزيمة (٥٨٧، ٦٥١، ٦٨٥) أخبرنا محمد بن بشار، فاختصره بما لا يوقف على لفظه في موضع الشاهد.\nورواه أحمد (٥/ ٤٢٤) حدثنا يحيى بن سعيد به،، ولم يذكر التكبير، ولفظه مطابق لرواية الترمذي عن محمد بن بشار، فهؤلاء ثلاثة، أحمد ومحمد بن بشار من رواية الترمذي عنه، ومحمد بن المثنى رووه عن يحيى بن سعيد، ولم يذكروا فيه تكبيرة الإحرام، ولا يشك باحث أن تكبيرة الإحرام محفوظة في الحديث، إلا أن بعضهم رواها بلفظ الفعل (كبَّر) وبعضهم =","vol":"1","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nذكرها بلفظ: (الله أكبر).\nورواه البزار في مسنده (٣٧١١) حدثنا يحيى بن حكيم (ثقة)، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان به، وفيه: (.... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ثم كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه ثم، قال: الله أكبر ... الحديث).\nورواه أبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) عن مسدد وأبي عاصم الضحاك بن مخلد، كلاهما عن يحيى ابن سعيد، وقدم أبو داود لفظ أبي عاصم. وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\nورواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد القطان مقطعًا بما لا يوقف على موضع الشاهد منه، فرواه في المجتبى (١١٠١، ١٠٣٩، ١١٨١)، وفي الكبرى (٦٣١، ٦٩٢، ١١٠٥، ١١٨٦)،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٨) من طريق القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ... ولم يذكر لفظه.\nورواه الطوسي في مستخرجه (٢٨٦) من طريق علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد به، وفيه: (... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال: الله أكبر، وركع) فلم يذكر تكبيرة الإحرام.\nرواه أبو داود في السنن مقرونًا (٧٣٠) وابن المنذر في الأوسط مفرقًا (٣/ ١٥٤، ١٥٥، ١٧١، ١٩٨) من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد به.\nالطريق الثالث: أبو عاصم: الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه أبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) حدثنا أحمد بن حنبل،\nوالدارمي (١٣٩٦)،\nوابن ماجه (١٠٦١)، والترمذي (٣٠٥) وابن خزيمة (٥٨٨، ٦٢٥)، وابن حبان (١٨٦٧)، عن محمد بن بشار،\nوابن الجارود في المنتقى (١٩٢) وابن خزيمة (٥٨٨) وابن حبان (١٨٧٦) عن محمد بن يحيى،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣) حدثنا أبو بكرة (بكار بن قتيبة)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧) من طريق أبي الحسن محمد بن سنان القزاز البصري ببغداد، ستتهم (أحمد، والدارمي، وابن بشار، ومحمد بن يحيى وبكار، وابن سنان) رووه عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر به، فذكر تكبير الإحرام بصيغة الفعل.\nلفظ أحمد والدارمي وبكار وابن سنان (.... إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر ...)\nولفظ ابن بشار في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان (... إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ... الحديث)، واختصره الترمذي وابن خزيمة.\nولفظ محمد بن يحيى عند ابن الجارود في المنتقى (.... إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر ...)، وهذه موافقة لرواية أحمد والدارمي وبكار وابن سنان.=","vol":"1","page":365},{"text":"الدليل السابع:\n(ح-١١٨٦) ما رواه النسائي من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، وذكر آخر قبله عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج،\n_________\n=\nولفظ محمد بن يحيى عند ابن حبان: (... كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ...)، واختصره ابن خزيمة.\nورواه الترمذي (٣٠٥) حدثنا الحسن بن علي الحلواني، وغير واحد، عن أبي عاصم به، وذكره مختصرًا.\nفواضح أن أبا عاصم يروي التكبير بصيغة الفعل، لا يختلفون عليه في ذلك.\nالطريق الرابع: عبد الملك بن الصباح المسمعي.\nرواه ابن خزيمة (٦٧٧) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر المدني به، وفيه: (.... إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، ثم كبر ....)، فذكر التكبير بصيغة الفعل كرواية أبي عاصم الضحاك بن مخلد.\nالطريق الخامس: هشيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٨) حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الحميد به، وفيه: (... رأيته إذا كبر عند فاتحة الصلاة رفع يديه ....). فذكر التكبير بصيغة الفعل.\nورواه البزار في مسنده (٣٧١٠) حدثنا الحسن بن عرفة،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٨) من طريق يحيى بن يحيى، كلاهما عن هشيم بن بشير به.\nفصار الحديث يرويه الضحاك بن مخلد، وعبد الملك بن الصباح وهشيم بن بشير بذكر تكبيرة الافتتاح بصيغة الفعل (ثم يكبر)، لا يختلف عليهم في ذلك.\nورواه أبو أسامة حماد بن أسامة بذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nورواه يحيى بن سعيد القطان، واختلف عليه:\nفرواه أحمد ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار من رواية الترمذي عنه لم يذكر تكبيرة الإحرام.\nورواه عمرو بن علي الفلاس ويحيى بن حكيم، ومحمد بن بشار من رواية ابن ماجه عنه، بذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nوالحديث رجاله ثقات إلا عبد الحميد بن جعفر، فإنه صدوق ربما وهم، وتكلم فيه الطحاوي بلا حجة، وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي.\nواختلف النقل عن يحيى بن سعيد القطان، فمرة نقل أنه كان يوثقه، ونقل أنه كان يضعفه، ولم يتفرد به كما ذكرت سابقًا فقد توبع عند البخاري، انظر الطريق الأول، والله أعلم.","vol":"1","page":366},{"text":"عن محمد بن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعًا، قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلمًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك، ثم يقرأ (^١).\n[ضعيف جدًّا، المعروف أنه من مسند علي ﵁] (^٢).\nالدليل الثامن:\n(ح-١١٨٧) ما رواه الطبراني في الكبير، من طريق حجاج، ثنا حماد، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،\nعن عمه، أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلى فأمره رسول الله ﷺ، فأعاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: يا رسول الله ما ألوت بعد مرتين أو ثلاث أن أتم صلاتي، فقال رسول الله ﷺ: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله تعالى ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن ... الحديث (^٣).\n[انفرد حماد بن سلمة بذكر لفظ: (الله أكبر) ولم يقم إسناده] (^٤).\n_________\n(^١). سنن النسائي (١٠٥٢).\n(^٢). هذا حديث معلول، يرويه شعيب عن ابن المنكدر على أربعة أوجه:\nفتارة يجعله من مسند جابر ﵁، وتارة يجعله من رواية الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، وأخرى يجعله من رواية الأعرج، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، ووجه رابع من مسند علي بن أبي طالب ﵁، وهو المعروف، والحمل فيه على شعيب دخل عليه حديثه عن إسحاق بن أبي فروة المتروك بحديثه عن ابن المنكدر، وقد تكلم العلماء في أحاديث شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر.\nوقد خرجته مستوفى في المجلد الثامن وبينت طرقه عند تخريج أثر عمر: أنه كان يستفتح صلاته بقوله: (سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إليه غيرك)، فانظره هناك منعًا من التكرار.\n(^٣). المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٨) ح ٤٥٢٦.\n(^٤). حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع. =","vol":"1","page":367},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nفأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.\n\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منها حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكرها حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\nإذا تبين لك هذا أُخَيَّ فتعال نستعرض طرقه وألفاظه، أسأل الله لي ولك الإعانة والتسديد.\nالطريق الأول: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة ابن رافع، رواه عن إسحاق اثنان:\nأحدهما: حماد بن سلمة عن إسحاق، وقد اضطرب حماد في إسناده:\nفقال مرة: عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، ولم يقل فيه: عن أبيه.\nأخرجه أبو داود (٨٥٧)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه قال فيه: فقال =","vol":"1","page":368},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالنبي ﷺ: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله جلَّ وعزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته.\nورواه ابن بشران في أماليه (٤٦٠)، من طريق إبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة به.\nورواه الطبراني في الكبير (٥/ ٣٨) ح ٤٥٢٦، من طريق حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة به، فتبين أنه يرويه عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد ثلاثة:\nموسى بن إسماعيل وإبراهيم بن الحجاج، وذكرا تكبيرة الإحرام بصيغة الفعل، وهو المحفوظ الموافق لرواية كل من ذكر تكبيرة الإحرام من حديث رفاعة، كما أنه هو الموافق لرواية حديث أبي هريرة في الصحيحين.\nوانفرد حجاج بن منهال عن حماد بذكر تكبيرة الإحرام بلفظ (الله أكبر)\nولم يقل أحد غير حماد بن سلمة من رواية حجاج بن منهال عنه التكبير بلفظ: (الله أكبر).\nهذا بيان الاختلاف من جهة اللفظ، وأما الاختلاف من جهة الإسناد، فإن المعروف أن الحديث من رواية علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة، عن أبيه، عن عمه رفاعة (أي عم يحيى بن خلاد)، فجعله حماد من رواية علي بن يحيى، عن عم أبيه مخالفًا لرواية همام بن يحيى، عن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، وإذا اختلف همام وحماد بن سلمة في إسحاق فالقول قول همام.\nكيف وقد وافق همامًا كل من محمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، في روايتهم عن علي بن يحيى بن خلاد.\nفاجتمع في ذكر (الله أكبر) بهذه الصيغة شذوذان: شذوذ في الإسناد، وشذوذ في المتن.\nنعم تابع حماد بن سلمة على هذا الإسناد محمد بن عمرو، كما سيأتي تخريجه عند الكلام على طريقه، والراجح رواية الجماعة، كما أن حماد بن سلمة قد اضطرب في إسناده، فقيل عنه هكذا.\nوقيل: عن حماد بن سلمة، عن علي بن يحيى بن خلاد، أراه عن أبيه، عن عمه أن رجلًا.\nأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٧) عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به. مختصرًا، ولم يجزم بكونه عن أبيه، ولعل قوله: (أراه عن أبيه) بالشك تصرف من الرواة لا من حماد، إما من هدبة، أو من المصنف، فيكون الصواب من هذه الرواية موافقتها لرواية الجماعة عن حماد بعدم ذكر يحيى بن خلاد؛ لأن الشك مطروح في مقابل الجزم.\nوقيل: حماد بن سلمة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه أن رجلًا ..، فأرسله عن أبيه يحيى بن خلاد.\nأخرجه الحاكم (٨٨٢) من طريق عفان، عن حماد بن سلمة به واختصر الحديث، فلم يذكر موضع الشاهد، وعفان من أثبت أصحاب حماد، إلا أن الحمل على حماد بن سلمة لم يضبط إسناده\nقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٠): لم يقمه. يعني: إسناد حماد. =","vol":"1","page":369},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٨٢): وهم حماد. اهـ\nوقد سبق لي أن بينت لك أن حديث حماد على ثلاثة أقسام:\nالأول: صحيح بلا خلاف إذا روى عن شيوخ يعتبر مقدمًا فيهم، كروايته عن ثابت فهو من أثبت الناس فيه باتفاق أهل الحديث، وكذا روايته عن خاله حميد الطويل، وعمار بن أبي عمار.\nالقسم الثاني: ضعيف إذا روى عن شيوخ قد تكلم العلماء في روايته عنهم، مثل قيس بن سعد وزياد الأعلم. ...\nالقسم الثالث: من لم يتكلم في روايته عنهم، فالأصل أن حديثه مقبول ما لم يخالف غيره من الثقات، أو يختلف عليه فيه، جاء في الجرح والتعديل (٣/ ١٤١): سئل أحمد بن حنبل عن حماد بن سلمة، فقال: صالح. اهـ\nوقد تغير حفظ حماد بن سلمة بآخرة، انظر: الجرح والتعديل (٩/ ٦٦).\nوإذا أردت كلام أئمة الجرح على صحة هذا التقسيم فارجع إلى مسألة تحول المنفرد إلى الائتمام بالنية فقد ذكرت هناك الكلام على أحاديث حماد بالتفصيل، واستشهدت بكلام أئمة الجرح والتعديل، والله أعلم.\nالثاني ممن رواه عن إسحاق همام بن يحيى، وقد خالف فيه حماد بن سلمة في إسناده:\nأخرجه أبو داود (٨٥٨)، والنسائي في المجتبى (١١٣٦)، وفي الكبرى (٧٢٦)، وابن ماجه (٤٦٠)، والدارمي (١٣٢٩)، والبزار في مسنده كما في البحر الزخار (٣٧٢٧)، وابن الجارود في المنتقى (١٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥) والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) رقم: ٤٥٢٥ والدارقطني في سننه (١/ ٩٥)، والحاكم (٨٨٤) والبيهقي في السنن (١/ ٧٣) و(٢/ ٤٨٧) كلهم أخرجوه من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بذكر الوضوء مفصلًا، ولم يتابع أحد همامًا على ذكر الوضوء بالتفصيل، وهذا لفظه:\nعن رفاعة بن رافع ﵁ أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فدخل المسجد فصلى فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم فقال له رسول الله ﷺ: وعليك ارجع فصله فإنك لم تُصَلِّ، قال فرجع فصلى، قال: فجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله ﷺ وعلى القوم، فقال رسول الله ﷺ: وعليك ارجع فصله فإنك لم تُصَلِّ، وذكر ذلك إما مرتين وإما ثلاثًا، فقال الرجل: ما أدري ما عبت عليَّ من صلاتي فقال رسول الله ﷺ: إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسر، ثم يكبر، فيركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، يستوي قائمًا حتى يأخذ كل عظم =","vol":"1","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nمأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر، فيسجد، فيمكن جبهته. قال همام: وربما قال: فيمكن وجهه من الأرض حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي، ثم يكبر، فيرفع رأسه ويستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك. اللفظ لابن الجارود.\nفيلاحظ الباحث زيادات زادها حديث رافع على حديث أبي هريرة، وهذه الزيادات لم يتفق عليها كل من روى الحديث عن عليِّ بن يحيى بن خلاد:\nفطريق إسحاق بن عبد الله انفرد بزيادات لم تَأْتِ في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.\nفزاد همام بن يحيى وحماد بن سلمة عن إسحاق من ذلك: ...\n(١) لفظ (لا تتم صلاة أحدكم ...) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي بن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ...) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (... إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... وفي رواية: فأسبغ الوضوء).\n(٢) ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليَّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وسوف يأتينا بحث حكم دعاء الاستفتاح إن شاء الله تعالى.\n(٣) تكبيرات الانتقال لم تذكر إلا في طريق إسحاق، ولم يذكر في حديث أبي هريرة.\n(٤) قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.\nهذه الزيادات اتفق عليها كل من همام وحماد عن إسحاق، وانفرد همام عن حماد بزيادة:\n(١) تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٢) تمكين الوجه والجبهة في السجود.\nوسبق لك أن حماد بن سلمة انفرد بذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nوكل ما زاداه على حديث أبي هريرة مما انفردا به عن باقي الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن تكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليَّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، والله أعلم.\nالطريق الثاني: محمد بن إسحاق، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة به.\nأخرجه أبو داود (٨٦٠)، وابن خزيمة (٥٩٧، ٦٣٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٩) ح: ٤٥٢٨، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٣، ١٣٤) وهذا الإسناد موافق لرواية الأكثر، ولم يذكر محمد بن=","vol":"1","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إسحاق الوضوء في لفظه، وقد اختصره أبو داود وابن خزيمة، وأما الطبراني فقد ذكره بتمامه.\nكما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٣) من طريق محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد، حدثني زريق، عن أبيه، عن عمه رفاعة، واختصر الحديث، وهو خطأ فزريق نسب لعلي بن يحيى بن خلاد، وانظر إتحاف المهرة (٤/ ٥١٢).\nولفظه عند الطبراني: بينما نحن عند رسول الله ﷺ أقبل رجلٌ من الأنصار بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة فصلى، ثم أقبل فسلم عليه، فقال: وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ، قال: يا رسول الله! قد جهدت فبين لي، قال: إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، ثم إذا أنت ركعت فأثبت يديك على ركبتيك حتى يطمئن كل عظم منك، ثم إذا رفعت رأسك فاعتدل حتى يرجع كل عظم منك، ثم إذا سجدت فاطمئن حتى يعتدل كل عظم منك، ثم إذا رفعت رأسك فأثبت حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم مثل ذلك؛ فإذا جلست في وسط صلاتك فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك.\nوقد انفرد محمد بن إسحاق عن سائر الرواة بالآتي:\n(١) الافتراش في وسط الصلاة عند التشهد الأول.\n(٢) ذكر التشهد الأول.\nوباقي الألفاظ موافق لرواية الجماعة، كما أنه موافق في المعنى لحديث أبي هريرة، والله أعلم.\nالطريق الثالث: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، بإسقاط يحيى بن خلاد.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٤٠) ح ٤٥٢٩، من طريق عبد الوهاب الثقفي.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢٦) حدثنا عباد بن العوام، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى، عن رفاعة، بإسقاط يحيى بن خلاد.\nورواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو: واختلف على يزيد فيه:\nفرواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٤٠) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. ولم يقل: عن أبيه فأسقط (يحيى بن خلاد).\nورواه ابن حبان (١٧٨٧) من طريق أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون به إلا أنه قال: عن علي ابن يحيى بن خلاد أحسبه عن أبيه. فلم يجزم بكونه عن أبيه.\nوخالفه خالد بن عبد الله الواسطي، فرواه أبو داود (٨٥٩) من طريقه، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، كرواية إسحاق من رواية همام عنه، بذكر (يحيى بن خلاد) والد علي بن يحيى، جازمًا. ولم يذكر الوضوء.\nفأخشى أن يكون إسناد خالد بن عبد الله بذكر (عن أبيه) مزيدة في الإسناد، وليست منه خاصة أن تحفة الأشراف (٣/ ١٦٩) ح ٣٦٠٤، ذكر إسناده ونص على أنه لم يقل (عن أبيه) كرواية يزيد بن هارون، وكذلك نسخة سنن أبي داود في شرح عون المعبود (٨٤٤)، والمسند الجامع =","vol":"1","page":372},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n(٣٧٣٠)، والله أعلم.\nوقد رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٢) والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧)، من طريق وهب بن بقية، عن خالد، وليس فيه عن أبيه.\nهذا من حيث الاختلاف في إسناده،\nوأما لفظه: فجاء فيه: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك، فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، وإذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة. هذا لفظ أحمد، عن يزيد بن هارون.\nوقد انفرد محمد بن عمرو عن سائر الرواة بالآتي:\n(١) ذكر القراءة بأم القرآن، ولم يذكر الفاتحة كل من رواه عن علي بن يحيى، كما لم يذكر ذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٢) قوله: امدد ظهرك.\nالطريق الرابع: داود بن قيس الفراء، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه به.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٧٣٩)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧٩)، والنسائي في المجتبى (١٣١٤)، وفي الكبرى (١٢٣٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٥) ح ٤٥٢٠، والحاكم في المستدرك (٨٨٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢٢، ٥٢٣).\nولفظه: كنت مع رسول الله ﷺ جَالِسًا في المسجد، فدخل رجل فصلى ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، وقد كان النبي ﷺ يرمقه في صلاته، فردَّ ﵇، ثم قال له: ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، فردَّ ﵇، ثم قال: ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، حتى كان عند الثالثة أو الرابعة، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت وحرصت فأرني وعلمني، قال: إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئنَّ قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع، فإذا أتممتَ صلاتك على هذا فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك. هذا لفظ النسائي.\nوليس في ألفاظ داود ما يتفرد به عن الجماعة، ولا ما يزيد فيه على حديث أبي هريرة، والله أعلم.\nالطريق الخامس: محمد بن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nواختلف على محمد بن عجلان،\nفأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٤٠) وأبو يعلى الموصلي (٦٦٢٣)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٣١)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٣، والبزار في مسنده (٣٧٢٦)، وابن حبان (١٧٨٧) عن يحيى بن سعيد.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٣١٣) والطبراني في الكبير (٤٥٢٢) من طريق الليث بن سعد. =","vol":"1","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٣٦) ح ٤٥٢١، من طريق سليمان بن بلال.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٥٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٦) والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٤، من طريق أبي خالد الأحمر.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٠٥٣) وفي الكبرى (٦٤٤)، والآجري في الأربعين حديثًا (٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢١) من طريق بكر بن مضر.\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٢٩)، من طريق حاتم بن إسماعيل،\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٧٤) والنسائي في الكبرى (١٢٣٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٢، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢١)، وفي الشعب (٢٨٦٢)، من طريق الليث،\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٥) من طريق حجاج بن رشدين، عن حيوة، سبعتهم (القطان، وابن بلال، والأحمر، وابن مضر، وحاتم، والليث، وحيوة) رووه عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رافع. وهذا هو المحفوظ كرواية الأكثر عن علي بن يحيى بن خلاد.\nورواية ابن عجلان ليس فيها ما يتفرد به عن رواية الجماعة، ولا ما يخالف فيه حديث أبي هريرة.\nوخالفهم النضر بن عبد الجبار (ثقة)، فرواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٥٩٤) من طريقه، قال: أخبرنا ابن لهيعة والليث، عن محمد بن عجلان، عن من أخبره عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، وساقه مختصرًا.\nفزاد في الإسناد رجلًا مبهمًا بين ابن عجلان وبين علي بن يحيى بن خلاد. ... وأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٢) من طريق بكير بن الأشج، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، ولم يقل: عن أبيه.\nوالمحفوظ أن علي بن يحيى بن خلاد يرويه عن أبيه، عن رفاعة.\nالطريق السادس: شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٤٣) وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢) من طريق يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى، عن عمه رفاعة بن رافع به، بإسقاط كلمة (أبيه)، واختصر الحديث.\nوخالف الوحاظي إسماعيل بن أبي أويس كما في المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٦) ح ٤٥٢١، فرواه عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن علي بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن عمه، وهذا هو المعروف من رواية سليمان بن بلال، أنه يرويه عن ابن عجلان، وأنه من رواية علي بن يحيى، عن أبيه، عن عمه.\nوقد أثبت أبو حاتم كما في العلل لابنه رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر لكن جعلها عن علي ابن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة. انظر العلل (٢/ ٦٨) رقم: ٢٢١.\nولم أقف عليها، والله أعلم. =","vol":"1","page":374},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالطريق السابع: عن عبد الله بن عون، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٤٠) ح ٤٥٣٠، من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا شريك، عن عبد الله بن عون به، بإسقاط كلمة عن أبيه، ولفظه: إذا توجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك، فإذا رفعت فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن سجودك، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى وافعل مثل ذلك في كل ركعة وسجدة.\nلم يروه عن عبد الله بن عون إلا شريك، وأين أصحاب ابن عون، وتفرد بإخراجه الطبراني، وهو محل الغرائب والمنكرات، فلا أظنه يثبت عنه.\nالطريق الثامن: يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة.\nأخرجه الطيالسي (١٣٨٢)، وأبو داود (٨٦١)، والنسائي في المجتبى (٦٦٧)، وفي الكبرى (١٦٣١)، وابن خزيمة (٥٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٤)، والبيهقي (٢/ ٣٨٠) من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد به.\nولفظه: أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد يومًا -قال رفاعة: ونحن معه- إذ جاء رجلٌ كالبدوي فصلى فأخفَّ صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: وعليك، فارجع فصلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ، فردَّ عليه، وقال: وعليك، ارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ففعل ذلك مرتين، أو ثلاثًا، كل ذلك يأتي النبي ﷺ فيسلم عليه، ويقول: وعليك، فارجع فصلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، فخاف الناس، وكبُر عليهم أن يكون من أخفَّ صلاته لم يصلِّ، فقال له الرجل في آخر ذلك: فأرني، وعلمني؛ فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ به، وإلا فاحمدِ اللهَ وكبِّرْه وهلِّلْه، ثم اركع فاطمئنَّ راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد فاعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئنَّ جالسًا، ثم قم، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منها شيئًا انتُقص من صلاتك.\nوفي أحاديث إسماعيل بن جعفر (٤٤١): (ثم تشهد، فأقم، ثم كبر).\nورواه الترمذي (٣٠٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن جده رفاعة، ولم يذكر عن أبيه، وهو وهم. ...\nويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، لم يرو عنه إلا إسماعيل بن جعفر، ولم يوثقه إلا ابن حبان، إلا أن ذلك لا يضر لكثرة المتابعين له عن علي بن يحيى، والله أعلم.\nوقد تفرد ببعض الحروف من ذلك:\n(١) قوله: (فإن كان معك قرآنٌ فاقرأ به، وإلا فاحمدِ اللهَ وكبِّرْه وهلِّلْه)، تفرد به يحيى بن علي بن يحيى من الرواة، ولم ترد في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٢) زيادة: (ثم تشهد، فأقم) إن كان المقصود به الأذان والإقامة، فذكر ذلك لم يَأْتِ إلا في هذا الطريق. =","vol":"1","page":375},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nفتبين لنا في خلاصة هذا البحث، أمور منها:\nالأول: أن المحفوظ في إسناده: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة، وكل من خالف ذلك زيادة أو نقصًا في إسناده فهو إما شاذ أو منكر، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر فتح الباري (ح ٧٩٩)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه.\nالثاني: أن بعض الرواة تتفق روايتهم مع رواية أبي هريرة، وهذا هو المحفوظ من حديث رافع، كرواية داود بن قيس، ورواية ابن عجلان، ولكن لا يمكن قبول ما ينفرد به بعضهم عن بعض، ويكون مخالفًا لحديث أبي هريرة؛ لأن قبول ذلك يعني ما يلي:\n(١) ذكر دعاء الاستفتاح، وقد تفرد به إسحاق بن عبد الله، ولم يذكر في حديث الصحيحين، وجاء بلفظ يدل على وجوبه في الصلاة، والقول بوجوبه ضعيف.\n(٢) تكبيرات الانتقال، وقد تفرد بذكرها إسحاق ولم تذكر في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته، وقد جاء في حديث رفاعة بلفظ يدل على وجوبها في الصلاة، وهو خلاف قول الجمهور.\n(٣) مد الظهر عند الركوع، وضع اليدين على الركبتين، وليس ذلك في حديث أبي هريرة، وقد جاء ذلك بلفظ يدل على وجوب ذلك في الصلاة.\n(٤) الافتراش بين السجدتين.\n(٥) الافتراش في وسط الصلاة عند التشهد.\n(٦) ذكر الأذان والإقامة في بعض طرقه، وليس ذلك مذكورًا في حديث أبي هريرة.\nفإن قيل: إن ذكر هذه الأمور لا يجعلها واجبة.\nفالجواب من وجهين:\nالجواب الأول: يرى فريق من العلماء أن حديث المسيء صلاته اقتصر على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، وهو كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ لها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، كما كان الناس يتكلمون في الصلاة، ثم حدث المنع بعد ذلك، وكما كان التطبيق مشروعًا حال الركوع، ثم نسخ، إنما يصح الاعتراض لو أن حديث أبي هريرة ذكر شيئًا من السنن، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين فهو من الواجبات المجمع عليها، ولم يذكر سنة واحدة، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء أن الحديث اقتصر على فرائض الصلاة دون سننها،. انظر إحكام الأحكام (١/ ٢٥٧)، الاستذكار (١/ ٤١١)، التمهيد (٧/ ٨٥)، التوشيح شرح الجامع الصحيح (٢/ ٧٦٩)، فتح الباري (٢/ ٢٧٩)، العدة شرح العمدة لابن العطار (١/ ٤٩٨). =","vol":"1","page":376},{"text":"• دليل من قال: يجزئ الله أكبر أو الله الأكبر فقط:\nاستدل الشافعية بأدلة القول السابق من وجوب تعيين لفظ الجلالة (الله) ومن وجوب التكبير بصيغة أفعل التفضيل (أكبر)؛ لأن التكبير يغلب عليه التعبد، فيجب الاتباع على ما ورد، ويمتنع قياس غير المنصوص على المنصوص، إلا أنهم يرون أن زيادة الألف اللام على لفظ (أكبر) لا يغير المقصود من أفعل التفضيل (أكبر)، ولا تحيل المعنى، فكانت الصلاة قد انعقدت بكلمة (أكبر) والحرفان المزيدان\n_________\n=\nوخالف هذا حديث رفاعة، فذكر الفرائض والسنن على نحو لم يتفق الرواة ممن روى الحديث على ذكرها، فجمع مخالفتين: ذكر السنن، والاختلاف على ذكرها.\nالجواب الثاني: أن حديث رفاعة جاء بلفظ يدل على وجوب هذه الأفعال، قال: إنها لا تتم صلاةُ أحدٍ من الناس حتى يضع الوضوء مواضعه، ويفعل كذا ويفعل كذا.\nفإن قيل: إن نفي التمام يحمل على نفي الكمال، انتقض هذا بالوضوء، وتكبيرة الإحرام، وقراءة ما تيسر، والركوع والسجود وغيرها، ولا يصح أن يقال: يحمل النفي في بعضه على نفي التمام الدال على انتقاص الصلاة، وبعضه على نفي الكمال مع كون اللفظ واحدًا، فإما أن تكون دلالته على الوجوب في الكل، أو على الاستحباب في الكل هذا من جهة.\nومن جهة أخرى فإن هذه زيادات انفرد بها بعض الرواة عن بعض، ولم يتفقوا عليها في حديث رفاعة، والتفرد علة في الجملة، والمخالفة لحديث أبي هريرة علة أخرى، والحكم للأصح في الباب، والقصة واحدة، فلو كان دعاء الاستفتاح محفوظًا، وتكبيرات الانتقال محفوظة، والافتراش، والأذان والإقامة أترى حديث الصحيحين يقصر عن كل ذلك، ولا يأتي ذكرها في جميع طرقه، ويدرك ذلك حديث رفاعة المختلف في إسناده وألفاظه؟ فمخالفة حديث أبي هريرة عندي علة أخرى، فذلك الذي يجعل في النفس شيئًا من قبوله من جهة الصناعة الحديثية، مع ما فيه من مخالفة لما عليه جماهير الفقهاء من حيث دلالتها الفقهية، والله أعلم.\nقال البيهقي: ليس في هذا الباب حديث أصح من حديث أبي هريرة.\nوقال ابن التركماني: وقد أخرج أبو داود والنسائي هذا الحديث، وفيه أيضًا أمر بأشياء ليست بفرض بالإجماع يظهر ذلك لمن نظر في روايتهما.\nوقال أيضًا: وهذا الحديث اضطرب سندًا ومتنًا كما بينه البيهقي في هذا الباب.\nوصححه الحاكم في المستدرك، وابن حجر في فتح الباري.\nوكنت خرجت الحديث في كتابي موسوعة الطهارة، وقد وعدتكم في استكمال تخريجه في كتاب الصلاة، وهذا وقت إنجاز وعدي لكم، والحمد لله على توفيقه. انظر لمراجعة بعض طرق هذا الحديث: أطراف المسند (٢/ ٣٤٤)، تحفة الأشراف (٣٦٠٤)، إتحاف المهرة (٤٥٨٢).","vol":"1","page":377},{"text":"كأنه لم يَأْتِ بهما، فالإتيان بهما بمثابة زيادة المد، لا يغير المقصود، فهو كما لو قال: الله أكبر كبيرًا، فالصلاة قد انعقدت بلفظ (الله أكبر) وتكون زيادة (كبيرًا) ذكرًا لا يمنع من الانعقاد بعد أن اشتمل اللفظ على الوارد المنصوص، وإن كانت الزيادة لا تستحب، بخلاف الله الكبير؛ لفوات أفعل التفضيل، أو الرحمن أكبر؛ لانطوائها على تبديل للمنصوص.\n• ونوقش هذا القول من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن جميع الأذكار المقيدة توقيفية، مبنية على التعبد المحض، لا يجوز إحداث زيادة فيها، لا قبلها، ولا بعدها، ولا بينها، طويلة كانت الزيادة أم قصيرة، كما لا يجوز تبديلها بأفضل منها، بصرف النظر عن المعنى، وسيأتي التدليل على ذلك من السنة عند مناقشة الحنفية.\nالوجه الثاني:\nلا نسلم أنه لا فرق بين لفظ (الله أكبر) ولفظ (الله الأكبر) من حيث المعنى.\nيقول ابن القيم: «وأما حجة أصحاب الشافعي على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين؛ فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ، ونقص في المعنى.\nوبيانه: أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق تضمن من عموم الفضل وإطلاقه عليه ما لم يتضمنه المعرَّف.\nفإذا قيل: الله أكبر: كان معناه من كل شيء.\nوأما إذا قيل الله الأكبر، فإنه يتقيد معناه، ويتخصص، ولا يستعمل هذا إلا في مفضل عليه معين، كما إذا قيل: من أفضل أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل، هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال.\nفإن أداة التعريف لا يمكن أن يؤتى بها إلا مع (من)، وأما دون (من) فلا يؤتى بالأداة فإذا حذف المفضل عليه مع الأداة أفاد التعميم، وهذا لا يتأتى مع اللام» (^١).\n_________\n(^١). تهذيب سنن أبي داود مطبوع مع عون المعبود (١/ ٦٣).","vol":"1","page":378},{"text":"• دليل من قال: لا يصح إلا بألفاظ التكبير الأربعة أكبر الأكبر كبير الكبير:\nأما وجوب التكبير فلقوله ﷺ: (وتحريمها التكبير) فعلم أنه لا تحريم بغيره.\nولأن التكبير مشتق من الكبرياء، والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم، يقال: هذا أكبر القوم: أي أعظمهم منزلة، وأشرفهم قدرًا، فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه؛ لانعدام المساواة في المعنى.\nوأما جواز التكبير بتلك الألفاظ الأربعة: فلأن صيغة أفعل تقتضي الزيادة بعد مشاركة غيره إياه في الصفة، وفي صفات الله لا يمكن، فكان أفعل في حق الله بمعنى فعيل؛ إذ لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء في كلامهم أفعل بمعنى فعيل، قال الشاعر:\nإن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول.\nأي عزيز طويل.\nوقال تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]: أي الشقي.\nوقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧]: أي التقي.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]: أي هيِّن؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء، بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد، ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (^١).\n• ونوقش:\nالاستدلال بحديث: (تحريمها التكبير) على جواز مشتقات التكبير لا يصح، لأن التكبير إن كان مجملًا فالسنة بينته، وإن كانت (أل) للعهد فالمعهود من فعله الذي لم يخل به ولا مرة واحدة: (الله أكبر).\nوأما الجواب عن قولهم: (أكبر) في حق الله بمعنى (الكبير) فالصحيح أن أفعل التفضيل على بابه، وأن المقصود أكبر من كل شيء، فإذا فات أفعل التفضيل فات معنى التعظيم المطلق، ويجوز المفاضلة بين الخير المطلق والشر المطلق، قال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].\nويقول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) ولا خير في النوم وقت الصلاة.\n_________\n(^١). انظر تبيين الحقائق (١/ ١١٠)، فتح القدير (١/ ٢٨٤)، المحيط البرهاني (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":379},{"text":"ولو سلمنا أن أفعل التفضيل ليس على بابه، فنحن متعبدون باللفظ، لا يغني عنه غيره، حتى ولو ادُّعِيَ أنه أكمل منه؛ لأن ألفاظ الأذكار المقيدة توقيفيه، لا يجوز تبديلها إلى غيرها، ولا الزيادة عليها، فالتبديل تحريف، والزيادة استدراك على الشارع، وكلاهما لا يجوزان شرعًا، والله أعلم، وسوف أسوق الدليل عند مناقشة ذلك.\n• دليل من قال: تنعقد بكل الأسماء والصفات المقصود منها تعظيم الله:\nالدليل الأول:\nالأصل في نصوص الشارع أنها معللة، معقولة المعنى، والتقييد بالتكبير يلغي العلة، فالتكبير صح لأن فيه تعظيمًا لله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] أي عظمنه.\nوقال سبحانه ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]: أي عظم، ولأنه ذكر فيه تعظيم فأجزأ كالتكبير ولأنه ذكر فلم يختص بلفظ كالخطبة.\n• ونوقش:\nكون التكبير في اللغة هو التعظيم، هذا صحيح، ولكن لا نسلم أنه يجوز تغيير المنصوص عليه إلى غيره، فالأذكار على نوعين:\nمطلق: والأصل فيه الإباحة.\nومقيد: والأصل فيه المنع، والاقتصار فيه على ما ورد.\n(ح-١١٨٨) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:\nحدثني البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (^١).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١١)، وصحيح مسلم (٢٧١٠).","vol":"1","page":380},{"text":"فمنع الرسول ﷺ من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي.\nقال ابن رشد في معرض رده على أبي حنيفة: «أما أبو حنيفة فساوى في الإحرام بين التكبير، والتسبيح، والتهليل، والتحميد، ومعانيها مفترقة؛ ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال: «من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر.\nفلو كانت معانيها متفقة، لقال من سبح دبر كل صلاة، أو كبر، أو هلل، أو حمد، مائة، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر» (^١).\nفإذا سلم ذلك، فإن جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفية، وزمنًا، وسببًا.\nفالموافقة في الجنس: بحيث لا يجوز الدخول بالصلاة بأي ذكر من الأذكار سوى قول الله أكبر.\nوالموافقة في القدر: بحيث لا يزاد في التحريمة ولا ينقص منها.\nوالموافقة في الكيفية: بحيث لا يقدم بعض جمله على بعض، فإذا قدم أو أخر وإن كان موافقًا في القدر فقد خالف في الكيفية.\nوالموافقة في الزمن: وهذا معلوم فالتكبير إيذان بالشروع في الصلاة.\nوالموافقة في السبب: فالأذكار المقيدة مرتبطة بأسبابها فسبب التحريمة الشروع بالصلاة، فلا تكبير لسجود التلاوة ولا لسجود الشكر، لأن السجود وحده ليس بصلاة على الصحيح، وهكذا سائر الأذكار المقيدة فإنها مرتبطة بأسبابها، فالأذان ذكر مقيد يختص بالصلوات الخمس ومنها الجمعة، فلا يجوز الأذان لغير الصلوات الخمس، فلا يؤذن لصلاة التراويح، أو العيد، أو غيرهما من الصلوات، وقل مثل ذلك في سائر الأذكار المقيدة.\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":381},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال الجصاص: الفاء للتعقيب، وليس ذكر يكون عقيبه الصلاة بلا فصل إلا ذكر الافتتاح، فقد تضمنت الآية جواز الافتتاح بجميع ما كان ذكرًا لله تعالى» (^١).\nولأن قوله: ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ نكرة مضافة إلى معرفة فتعم جميع الأسماء، كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] (فنعمة) نكرة مضافة إلى معرفة، فعمت بقوله تعالى: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾.\nولا يجوز تقييد العام بلفظ (الله أكبر) لسببين:\nالأول: أن قوله: (الله أكبر) لفظ موافق للعام في الحكم، وقد قال أهل الأصول: ذكر فرد من أفراد العام بالذكر يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا، فتخصيص الخاص بالذكر لا يمنع شمول العام لغيره، والتخصيص إنما يكون لو جاءت التحريمة بلفظ يخالف العام فيقتضي إخراجه من حكم العام خلافًا لأبي ثور حيث قال: تخصيصه بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما عداه؛ إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك (^٢).\nورد عليه بقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nفذكر الصلاة الوسطى ليس تخصيصًا لها بالمحافظة، وهذا بَيِّنٌ.\nالسبب الثاني: أنه لا يجوز تقييده باللفظ المشتق من الكبرياء؛ لأنها أخبار آحاد، فلا يقيد بها عموم القرآن (^٣).\n• ونوقش:\nبأن الآية عطفت الصلاة على الذكر، فدل أن الذكر في الآية قبل الصلاة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالمقصود من الآية كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فهذا الذكر لاسم الله تعالى هو القصد إليه بالنية في أدائها ﷿.\nورد الحنفية: بأن تكبيرة الإحرام عندنا ليست من الصلاة.\n• وأجيب على ردهم:\nبأن الصحيح أن تكبيرة الافتتاح جزء من الصلاة وركن من أركانها كما سبق\n_________\n(^١). شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٦).\n(^٢). مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (٣/ ٣٨٦)، نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٢٥٩).\n(^٣). شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٥).","vol":"1","page":382},{"text":"بيانه في المسألة السابقة، ولأنه يشترط لصحة تكبيرة الإحرام في الفرض ما يشترط للصلاة من الإتيان بها على طهارة، واستقبال القبلة، وأن يكون ساترًا للعورة، وأن يكون قائمًا فلو أتى بها قاعدًا لم تنعقد فرضًا، فكل ذلك يدل على أن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة؛ لأنها أخذت جميع أحكام الصلاة.\nالدليل الثالث:\nقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\nفظهر أنه لا فرق بين قولك: الله أكبر، أو قولك الرحمن أكبر.\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n• ونوقش:\nبأن الآيتين في الدعاء، والحنفية لا يجيزون افتتاح الصلاة بألفاظ الدعاء، ولو تضمنت التعظيم، فيكف يصح القياس على ما لا يصح افتتاح الصلاة به عندهم.\nالدليل الرابع:\n(ح-١١٨٩) ما رواه الشيخان من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث،\nعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، فجعل الإتيان بالشهادتين غاية المقاتلة، فلو قال: لا إله إلا الرحمن، أو العزيز كان مسلمًا، فإذا جاز ذلك في الإيمان ففي فروعه أولى.\n• ونوقش:\nبأن هذا قياس في مقابل النص، فهو فاسد الاعتبار.\nوبأن المراد من الشهادتين الإخبار عن اعتقاده، وذلك يحصل بكل لسان، وأما\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢٥)، وصحيح مسلم (٣٦ - ٢٢).","vol":"1","page":383},{"text":"التكبير فتعبد الشرع بلفظ، فوجب اتباعه مع القدرة (^١).\n• الراجح:\nالراجح الذي لا ينبغي غيره هو أن الصلاة لا تنعقد بغير (الله أكبر) وأن الزيادة عليها قبلها أو في أثنائها يبطلها، وأما الزيادة عليها بعدها وإن أجازه الشافعية وكرهه الحنابلة فإن الصحيح أنه لا يجوز، وإن انعقدت به الصلاة، باعتبار الزائد ملغى، كما لو قال: الله أكبر كبيرًا، فاستبدال تكبيرة الإحرام بغيرها يدخل في تحريف المشروع، والزيادة عليها استدراك على الشارع، ومثله لا يجوز، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). انظر المجموع (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>مبحث في تنكيس التكبير</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا.\n• لا يجوز الدخول بالصلاة بأي ذكر من الأذكار سوى قول الله أكبر.\n• لا يجوز الزيادة في التحريمة ولا النقص منها، ولا استبدالها، ولا تقديم بعض جملها على بعض.\n• من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\n• قال ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي.\n[م-٤٨٠] اختلف العلماء في تنكيس التكبير\nفقيل: يجب الترتيب، فإن نكسه لم يصح التكبير، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والأصح في مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nقال إمام الحرمين: «في المسألة وجهان: أصحهما المنع، فإنه وإن أتى بالتكبير،\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦١)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣١)، التلقين (١/ ٤٢)، البيان والتحصيل (٢/ ١٠٢)، وقد منع المالكية من تنكيس الأذان، والإقامة، والباب واحد، انظر القوانين الفقهية (ص: ٣٧)، حاشية الدسوقي (١/ ١٩٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٤)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦)، كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣١١)، المغني (١/ ٣٣٤)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٥٠٦)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٢٦٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٣)، كشاف القناع (١/ ٣٣٠)، المبدع (١/ ٣٧٨)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٣٨).","vol":"1","page":385},{"text":"فهو في التقديم والتأخير خالف الاتباع مخالفة واضحة» (^١).\nوقال ابن قدامة: «ولا يصح التكبير إلا مرتبًا، فإن نكسه لم يصح؛ لأنه لا يكون تكبيرًا» (^٢).\n• وجه هذا القول:\nأن التكبير عبادة وردت على صفة معينة فلا يجوز تغييرها، لحديث: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nوقال الماوردي: «لو قال: أكبر الله لم يجزه؛ لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا» (^٣).\nوقيل: لا يضر، وهو وجه في مذهبي الشافعية والحنابلة (^٤).\n• وجه القول بالجواز:\nأن تقديم الخبر على المبتدأ جائز، كذا ذكره الخطيب في مغني المحتاج، والرملي في نهاية المحتاج (^٥).\nوالراجح القول الأول.\n\n* * *\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٣٠).\n(^٢). المغني (١/ ٣٣٤)، وانظر القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٢٦٩).\n(^٣). الحاوي الكبير (٢/ ٩٥).\n(^٤). نهاية المطلب (٢/ ١٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٢٦٩)، الإنصاف (٢/ ٤١).\n(^٥). مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠).","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الشرط الرابع أن يكون التكبير متواليًا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السكوت الطويل إذا فصل بين المبتدأ والخبر قطع ارتباط بعضهما ببعض.\n• إذا قطع الخبر عن المبتدأ لم يكن الكلام مفيدًا.\n• الفاصل اليسير لا يضر؛ لأن الاتصال ما زال باقيًا حكمًا.\n• السكوت اليسير لا ينفك عنه المصلي لعارض من تنفسٍ وسعالٍ، فلا يشعر بقطع الكلام.\n• تقدير اليسير والطويل بالعرف.\n[م-٤٨١] في الشرط السابق بينت حكم الترتيب بين الله وأكبر، وفي هذا الشرط أبين صفة أخرى وهو حكم الموالاة بينهما.\nفقد ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في التكبير أن يكون متواليًا من غير فصل طويل بين الله وأكبر (^١).\nقال العدوي في حاشيته: «عدم وقفة طويلة بين كلمتيه، فلا تضر يسيرة» (^٢).\nوقال في منتهى الإرادات: «ويكون التكبير مرتبًا متواليًا» (^٣).\n_________\n(^١). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، منح الجليل (١/ ٢٤٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٦)، الشرح الصغير (١/ ٣٠٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٨)، المجموع (٣/ ٢٩٢)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٤٤)، كشاف القناع (١/ ٣٣٠)،.\n(^٢). حاشية العدوي على شرح الخرشي (١/ ٢٦٥).\n(^٣). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":387},{"text":"والعبرة في الطول والقصر بالعرف (^١).\nوقال المتولي الشافعي: «والشرط ألا يزيد الفصل بينهما على القدر الذي يتنفس فيه» (^٢).\n• وجه القول باشتراط الموالاة:\nأن تكبيرة الإحرام مكونة من مبتدأ وخبر، والمبتدأ محكوم عليه، والخبر حكم على المبتدأ، فجزءا الجملة يكونان جملة مفيدة، والسكوت الطويل إذا فصل بين المبتدأ والخبر يقطع ارتباط بعضهما ببعض.\nقال ابن مالك: والخبرُ الجزُء المتمُّ الفائدة ... كاللهُ بَرٌّ والأيادي شاهدة\nفإذا قطع الخبر عن المبتدأ لم يكن الكلام مفيدًا، والفاصل اليسير لا يضر؛ لأن الاتصال ما زال باقيًا حكمًا، ولأن السكوت اليسير قد يكون لتنفس وسعال، فلا يشعر بقطع الكلام.\nقال في مطالب أولي النهى: «ويتجه اشتراط التوالي بين هذين الاسمين الجليلين، ولو حكمًا» (^٣).\nفالتوالي قسمان: حقيقي، وهذا ظاهر.\nوحكمي: هو التوالي مع الفاصل اليسير، والذي يصح أن يبنى الكلام بعضه على بعض، ويفهم منه السامع جملة مفيدة، والله أعلم.\nجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع: «وعدم وقفة طويلة بين كلمتيه كما قيده الزركشي في شرح التنبيه، ومقتضاه: أن اليسيرة لا تضر، وبه صرح في الحاوي الصغير وأقره عليه ابن الملقن في شرحه» (^٤).\nوقيل: تضر السكتة بين كلمتي التكبير، ولو كانت يسيرة، اختاره بعض الشافعية.\nجاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج: «قوله: (ولا يضر وقفة يسيرة\n_________\n(^١). أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠).\n(^٢). حاشية الرملي على أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، وانظر: تحفة المحتاج (٢/ ١٤).\n(^٣). مطالب أولي النهى (١/ ٤١٨).\n(^٤). الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٣١).","vol":"1","page":388},{"text":"إلخ) خلافًا لظاهر قول شيخنا: وتضر الوقفة الطويلة بينهما، وكذا اليسيرة على المعتمد. اهـ» (^١).\nوهو قول ضعيف جدًّا، ولا ينفك أحد من سكتة يسيرة بسبب تنفس أو سعال، أو نحوهما، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ١٤).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الشرط الخامس في اشتراط إسماع المصلي نفسه تكبيرة الإحرام والذكر الواجب</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.\n• الواجب النطق، والإسماع قدر زائد على النطق.\n• النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.\n[م-٤٨٢] اتفق العلماء على أنه يشترط أن يحرك لسانه وشفتيه بالحروف، وينطق بها، فلو أجراها على قلبه من دون تحريك لسانه، لم تنعقد صلاته.\nواختلفوا في اشتراط إسماع المصلي نفسه بتكبيرة الإحرام والأقوال والقراءة الواجبة:\nفقيل: يشترط أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا عارض عنده من لغط ونحوه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٢، ٤٧٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٧)، البحر الرائق (١/ ٣٥٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٠)، مراقي الفلاح (ص: ٨٤)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)، فتح العزيز (٢/ ٢٦٨)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، المجموع (٣/ ٢٩٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٣٥)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، الإنصاف (٢/ ٤٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٥)، كشاف القناع (١/ ٣٣٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨١)، الكافي (١/ ٢٤٣).\nوالحنابلة - عفا الله عنهم - فرقوا بين الصلاة والطلاق، فقالوا في الصلاة لا بد أن يسمع نفسه، وقالوا: إذا طلق في لسانه طلقت، فقد نقل ابن هانئ عن أحمد: إذا طلق في نفسه لا يلزمه ما لم يتلفظ به، أو يحرك لسانه، قال في الفروع: وظاهره ولو لم يسمعه. ...\nانظر: الفروع (٩/ ٥١)، الإنصاف (٨/ ٤٩٨)، مسائل عبد الله بن أحمد (١٣٣٢)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٩٢)، مسائل حرب الكرماني (١/ ٤٧٧).","vol":"1","page":390},{"text":"وقيل: لا يشترط، بل يكفيه أن يحرك لسانه بالحروف وإن لم يسمع نفسه، اختاره الكرخي من الحنفية، وظاهر قول محمد بن الحسن، والمذهب عند المالكية، ورجحه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (^١).\n• دليل من قال: لا يشترط:\nالدليل الأول:\nلا يوجد دليل من لغة، أو عرف، أو شرع على وجوب تسميع المصلي نفسه، والأصل عدم الاشتراط.\nالدليل الثاني:\n(ح-١١٩٠) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك .... وذكر الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (اقرأ بها في نفسك) أي في سرك، وليس المراد: اقرأ بها في قلبك؛ لأن هذا لا يجزئ بالإجماع، ولا يعتبر هذا قراءة؛ ولهذا اتفقوا على أن الجُنُبَ لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا للقرآن.\n_________\n(^١). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٧٧)، المنتقى للباجي (١/ ١٥٧)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٥)، مختصر خليل (ص: ٣١)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، حاشية الصاوي (١/ ٣٠٩)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٧)، الفروع (٢/ ١٦٦)، كشاف القناع (١/ ٣٣٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٢٣)، الإنصاف (٢/ ٤٤).\nقال ابن قاسم في حاشيته (٢/ ١٩): واختار الشيخ -يعني ابن تيمية- الاكتفاء بالحروف، وإن لم يسمعها، وهو وجه في المذهب، وقدمه في الفروع، ومال إليه في الإنصاف، واختاره الكرخي وغيره».\n(^٢). صحيح مسلم (٣٩٥).","vol":"1","page":391},{"text":"قال الباجي في المنتقى: «القراءة في النفس: هي بتحريك اللسان بالتكلم، وإن لم يسمع نفسه سرًّا» (^١).\nالدليل الثالث:\nأن الواجب هو النطق بالتكبير والقراءة، وكذا كل قول واجب، والإسماع قدر زائد على النطق؛ لأن النطق محله اللسان، وأما سماع ذلك فهو فعل الأذن، ولا علاقة للأذنين في القراءة.\n• دليل من قال: يشترط أن يسمع نفسه:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nقال الرازي: «﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: المراد منه: أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطًا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (^٢).\nفالمراد أن يكون الصوت فوق الإسرار ودون الجهر، وأقله إسماع النفس.\n• ويناقش:\nأما قوله: قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nفليست الآية في قراءة الصلاة، لأن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ بأن يذكره، في قلبه، وأن يذكره أيضًا في لسانه، وذكر القلب وإن كان مطلوبًا خارج الصلاة وذلك بأن يستحضر معاني أسماء الله وآياته وآلائه ليكمل للعبد خوف الله وخشيته والإنابة إليه إلا أنه في الصلاة لا يكفي، فلو ذكر المصلي ربه في صلاته في قلبه فقط، فقرأ القرآن في نفسه، وقال التكبيرات والأذكار الواجبة في نفسه ولم يحرك بها لسانه لم يسقط الواجب عنه بالإجماع، فتبين أن الآية ليست في الصلاة.\n_________\n(^١). الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني (١/ ٤)، المحيط البرهاني من الفقه النعماني (١/ ٢٩٦)، المنتقى (١/ ١٥٧)، أعلام الموقعين - تحقيق مشهور (٥/ ٣٥١).\n(^٢). تفسير الرازي (١٥/ ٤٤٤)، وانظر تفسير القرطبي (٧/ ٣٥٥).","vol":"1","page":392},{"text":"وأما الاستدلال بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (^١).\nفلا تدل على تحريم الإخفات إلا إذا دلت على تحريم الجهر بالصلاة، فإذا كان الجهر بالصلاة ليس محرمًا، لم يكن الإخفات محرمًا إذا حرك لسانه بالقراءة والذكر الواجب، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nأن المصلي إذا لم يسمع نفسه ولم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ، وإذا كان لا بد من الصوت، فالصوت ما يتأتى سماعه، وأقرب السامعين إليه نفسه، فإذا لم يسمع نفسه لم يحصل علم ولا ظن بحصول شرط الصلاة.\n• ويناقش:\nبأن القول: بأنه إذا لم يكن لقراءته صوت لم يصدق عليه أنه قرأ هذه دعوى في محل النزاع، فأين البينة على هذه الدعوى؟\nوالدعاوَى ما لم تقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياءُ.\n• الراجح:\nأن تحريك اللسان بالتكبير وكذا كل ذكر واجب يكفي ولو لم يسمع نفسه، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). تفسير الرازي (١٥/ ٤٤٤)، وانظر تفسير القرطبي (٧/ ٣٥٥).","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الشرط السادس أن تكون التحريمة بالعربية من القادر عليها</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.\nومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق، فتصح بكل لسان.\nومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز ترجمته مع القدرة عليه (^١).\n• العجز عن أذكار الصلاة يوجب الانتقال إلى أبدالها.\n[م-٤٨٣] اختلف العلماء في التكبير بغير العربية:\nفقيل: يصح مطلقًا، ولو كان يحسن العربية، وهو قول الإمام أبي حنيفة (^٢).\nوقيل: لا يصح مطلقًا، وتسقط تكبيرة الإحرام بالعجز، ويدخل في الصلاة بالنية، وبه قال أكثر المالكية، وهو قول عند الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١). انظر: قواعد ابن رجب، القاعدة العاشرة (ص: ١٣).\n(^٢). الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: ٩٤)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٣١)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٤)، التجريد للقدوري (١/ ٤٧٢)، الفتاوى الهندية (١/ ٦٩).\n(^٣). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٨)، منح الجليل (١/ ٢٧٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٨٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٠٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٥)، المغني (١/ ٣٣٥)، الفروع (٢/ ١٦٤)، الإنصاف (٢/ ٤٢).","vol":"1","page":394},{"text":"وقال المالكية في المعتمد: إن قدر على بعض تكبيرة الإحرام، أتى به إن كان له معنى، كلفظ الجلالة، أو على صفةٍ من صفاته، وأطلق بعض المالكية القول بأنه إذا لم يقدر سقط (^١).\nوقيل: لا يصح إن كان يحسن العربية، وإن كان لا يحسنها وجب عليه أن يتعلمه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا خشي أن يفوته الوقت كبر بلغته، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقال في الإنصاف: «فإن لم يحسنها لزمه تعلمها بلا نزاع ... فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته، وكذا إن عجز، وهذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم» (^٣).\nقال خليل من المالكية: «وكره ... بعجمية لقادر» (^٤).\nقال الخرشي: «ومفهومه الجواز للعاجز» (^٥).\nوالتعبير بالجواز لا يدل على وجوب المرادف للعربية من لغة أخرى.\nوقال في الفواكه الدواني: «والمعتمد عدم بطلان الصلاة بشيء من ذلك كما يؤخذ من كلام خليل؛ فإنه قال في مكروهات الصلاة: أو بعجمية لقادر» (^٦).\nوالقول بعدم البطلان لا يدل على وجوب المرادف في حال العجز.\n• دليل من قال بالجواز مطلقًا:\nالدليل الأول:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥].\n_________\n(^١). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٦)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٥٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٥).\n(^٢). المبسوط للسرخسي (١/ ٣٦)، الأم للشافعي (١/ ١٢٢)، المهذب للشافعي (١/ ١٣٥)، المجموع (٣/ ٢٩٣)، الإنصاف (٢/ ٤٢)، الإقناع (١/ ١١٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤)، كشاف القناع (١/ ٣٣١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٩).\n(^٣). الإنصاف للمرداوي (٢/ ٤٢).\n(^٤). خليل (ص: ٣٣).\n(^٥). شرح الخرشي (١/ ٢٩٢).\n(^٦). الفواكه الدواني (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":395},{"text":"فالذكر مطلق، والمعتبر فيه تعظيم الله ﷾، وهذا حاصل بكل لسان.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الأذكار المقيدة يقصد لفظها، كما بينت ذلك في المبحث السابق، لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت، وقد سبق تخريجه في المبحث السابق، فإذا كان لا يصح استبداله بمرادف عربي مع القدرة، لم يصح استبداله بمرادف أعجمي من باب أولى.\nالوجه الثاني:\nأن المطلوب هو لفظ التكبير من القادر عليه دون معناه، لقول النبي ﷺ: تحريمها التكبير؛ يعني: لا غيره، حيث حصر المبتدأ في الخبر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير، فإذا كان لا يجوز استبداله بغيره ولو بلفظ عربي آخر، فمن باب أولى أن لا يجوز بسائر اللغات، وقد شرحت لك في المبحث السابق دلالة الحصر بالأمثلة، فارجع إليه إن شئت.\nالدليل الثاني:\nالقياس على الإيمان، فلو آمن بغير العربية جاز إجماعًا لحصول المقصود، وقياسًا على التلبية في الحج والتسمية في الذبح يجوز بغير العربية بالإجماع فكذا هنا (^١).\n• ويناقش:\nهذه الأشياء قد اختلف العلماء في صحتها بغير العربية، وعلى القول بصحتها فلا يصح القياس عليها، ذلك أن الصلاة شرعت على وصف لا يعقل معناه، لا في وقتها، ولا في عددها، ولا في هيئتها، ولا في تنوع أذكارها، فغَلَب عليها جانب التعبد، فلزم الإتيان بها على الصفة المشروعة، بخلاف الدخول في الإسلام فالمقصود من لفظها الإخبار عن تصديق القلب، وهذا المعنى يستوي فيه اللفظ العربي بغيره.\nكما أن القياس على الذبح لا يصح أيضًا؛ لأنه قياس في مقابل النص، ولأن المطلوب في الذبح ذكر اسم الله عليه، والنصوص مطلقة، ولم يطلب صيغة معينة\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١١٠).","vol":"1","page":396},{"text":"فأي اسم من أسماء الله تعالى ذكر فقد تحقق المقصود.\nقال ﷺ: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر.\nرواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج (^١).\n• دليل من قال: لا يصح بغير العربية مطلقًا:\nالدليل الأول:\nالواجبات في اللغة العربية على قسمين:\n١ - واجبات تسقط بالعجز، قال ﷺ: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب.\n٢ - وواجبات إذا عجز الإنسان عنها انتقل إلى بدلها، كالتيمم بدل عن الوضوء، ومثلها بعض الكفارات التي على الترتيب، ولا يصار إلى البدل إلا بدليل، وتكبيرة الإحرام باللغة العربية واجب، فإذا عجز عنه سقط، لأن القول بوجوب بدل عنه يحتاج إلى توقيف، ولا يوجد نص من الشارع يوجب البدل، والأصل عدم وجوب البدل.\nالدليل الثاني:\nأن المطلوب هو لفظ التكبير دون معناه، لقول النبي ﷺ: تحريمها التكبير.\nالدليل الثالث:\nالقياس على من عجز عن قراءة القرآن بالعربية، فإنه لا يعبر عنها بغيرها.\nالدليل الرابع:\nالقياس على الأخرس، فكما أن الأخرس عاجز عن النطق، فيسقط عنه، فكذلك الأعجمي عاجز عن نطق التكبير بالعربية، فيسقط عنه.\n• ونوقش:\nبأن قياس الذكر على القرآن قياس مع الفارق؛ لأن القرآن معجز بلفظه، فلا تجوز ترجمته بلغة أخرى بخلاف أذكار الصلاة فإنها لا إعجاز فيها، كما أن قياس العاجز عن العربية بالأخرس قياس مع الفارق، فإن الأخرس ليس معه آلة\n_________\n(^١). البخاري (٢٥٠٧)، وصحيح مسلم (٢٠ - ١٩٦٨).","vol":"1","page":397},{"text":"النطق، بخلاف العاجز عن العربية، فهو قادر بلغته.\n• دليل من قال: يجوز بشرط العجز عن العربية:\nالدليل الأول:\nالألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.\nومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق؛ فيجوز بكل لسان؛ لأن العبرة بالعقود بمعناها دون لفظها.\nومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز الترجمة مع القدرة على اللفظ، فإذا عجز جازت الترجمة؛ لأن هذه الألفاظ لا إعجاز فيها، فلا يمنع من ترجمتها (^١).\nالدليل الثاني:\nبأن الأمر بالصلاة لإقامة ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فكونه يذكر الله تعالى بلغته خير من الوقوف والركوع والسجود بلا ذكر، فإن الذكر سبب للخشوع، والخشوع من الصلاة كالروح من الجسد، فإذا خلت الصلاة من ذكر الله تعالى صارت حركات بلا روح، وإذا كان من يعجز عن الفاتحة وهو كلام الله المعجز والمنزل بلسان عربي مبين ينتقل إلى التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير بمقدار الفاتحة، فالتكبير الذي هو من كلام الناس من باب أولى أنه إذا عجز عنه باللغة العربية انتقل إلى بدله من لغته، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.\n• الراجح:\nأرجح الأقوال القول بالتفصيل، وأن القادر على نطق الأذكار باللغة العربية لا يجوز له ترجمتها، بخلاف العاجز، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). انظر: قواعد ابن رجب، القاعدة العاشرة (ص: ١٣).","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الشرط السابع سلامة التكبير من اللحن المغير للمعنى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل لحن يغير المعنى، ويوهم محذورًا فهو محرم، ويفسد الصلاة.\n• كل إشباع يخرج عن الحد الطبيعي، ولا يغير المعنى، إذا ارتكبه قاصدًا عالمًا فهو مكروه.\n• الخطأ النحوي في غير كتاب الله من تحريك الساكن، أو تسكين المتحرك إذا لم يغير المعنى، لم يفسد الصلاة.\n[م-٤٨٤] اللحن في النطق إما أن يكون لحنًا في بنية الكلمة أو في إعرابها، وسوف نعرض لبعض الصور من اللحن الذي يقع فيه الناس، وتعرض له الفقهاء في أحكامهم.\nالقسم الأول: صور من اللحن الواقع في بنية الكلمة، من ذلك:\nالصورة الأولى: أن يمد همزة لفظ الجلالة كما لو قال: آلله أكبر، فصارت الجملة بصورة الاستفهام، فتغير المعنى.\nوقد نَصَّ الحنفية وبعض المالكية، والشافعية والحنابلة على أن الصلاة لا تنعقد (^١).\nوقال بعض المالكية: إن قصده بطلت (^٢).\nبل قال أكثر الحنفية إن تعمده كفر (^٣).\n_________\n(^١). الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٧)، الإقناع (١/ ١١٣)، كشاف القناع (١/ ٣٣٠)، الفروع (٢/ ١٦٣).\n(^٢). حاشية حجازي العدوي على ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٤٠).\n(^٣). قال في مجمع الأنهر (١/ ٩١): «وإن تعمد كفر، كما في أكثر الكتب». وانظر: تبيين الحقائق (١/ ١١٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٩٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٣).\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ١٧٦): «ويحذر من مد همزة الله حتى يصير مستفهمًا، ومن مد باء أكبر .... فإن جميع ذلك مبطل للتكبير». وحذر من ذلك الدسوقي في حاشيته، ولم يتعرض لإبطال الصلاة (١/ ٢٣٣)، وكذا فعل الصاوي في حاشيته (١/ ٣٠٧)، والزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٤)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":399},{"text":"وقال بعضهم: خيف عليه من الكفر (^١).\nونقل في العناية: أنه إن فعل ذلك عمدًا كان كفرًا؛ لشكه في كبريائه، وإن لم يتعمده أفسد صلاته، ثم تعقب ذلك بقوله: وفيه نظر؛ لأن الهمزة يجوز أن تكون للتقرير، فلا يكون هناك كفر، ولا فساد (^٢).\nوانتقده في المعراج، بأن الهمزة لا تكون للتقرير إلا في كلام منفي، لا في كلام مثبت، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] قال في النهر الفائق: كذا قيل (^٣).\nفكأنه لم يرتَضِهِ، وتعقب ابن نجيم، كلام صاحب العناية فقال في البحر الرائق: «وفيه نظر؛ لأن ابن هشام في المغني قال: والرابع التقرير، ومعناه: حملك المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته، أو نفيه، ويجب أن يليها الشيء الذي يقرر به، تقول في التقرير بالفعل: أضربت زيدًا؟ أو بالفاعل: أأنت ضربت زيدًا؟ أو بالمفعول: أزيدًا ضربت؟ كما يجب ذلك في المستفهم عنه اهـ.\nوليس (الله أكبر) من هذا القبيل؛ إذ ليس هنا مخاطب كما لا يخفى» (^٤).\nوقد كشف نقل ابن نجيم عن ابن هشام أن التقرير كما يكون في النفي يكون في الإثبات.\nوقال زروق في شرح الرسالة: «ومواضع اللحن ... منها مد ألف الله من اسم الجلالة ... وهو قريب من الكفر» (^٥).\n_________\n(^١). انظر البحر الرائق (١/ ٣٣٢).\n(^٢). انظر العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٧).\n(^٣). النهر الفائق (١/ ٢١٢).\n(^٤). البحر الرائق (١/ ٣٣٢)، وانظر النهر الفائق (١/ ٢١٢).\n(^٥). شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":400},{"text":"وقال ابن المنير نقلًا من مواهب الجليل: «ويحذر أن يمد بين الهمزة واللام من اسم الله فيوهم الاستفهام، وأن يمد بين الباء والراء فيتغير المعنى ... هذا كله لحن ويخاف منه بطلان الصلاة» (^١).\n• والراجح:\nأنه إن تعمد هذا اللحن مع العلم بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا فأرجو أن تكون صلاته صحيحة، والله أعلم.\nالصورة الثانية: إشباع حركة الهاء من لفظ الجلالة (الله).\nقال الحنفية: إشباع حركة الهاء من الجلالة، خطأ لغة، ولا تفسد به الصلاة، وبه قال بعض المالكية (^٢).\nجاء في مراقي الفلاح: «وإشباع حركة الهاء من الجلالة خطأ لغة ولا تفسد به الصلاة وكذا تسكينها» (^٣).\nوقال ابن المنير المالكي: «ويحذر أن يشبع الهاء حتى تتولد الواو ... فهذا كله لحن، ويخاف منه بطلان الصلاة» (^٤).\nونص الشافعية على أن إشباع الضمة إذا تولد منه واو بين الكلمتين أنه لا يجزئ (^٥).\nوعلل بعض الشافعية المنع بأن لفظ الجلالة إذا أشبعت حركة الهاء حتى تولد منها واو، صار لفظ الجلالة جمع لاهٍ (^٦).\nوقال في نهاية المحتاج: «لأن ذلك لا يسمى تكبيرًا» (^٧).\n_________\n(^١). مواهب الجليل ط دار الرضوان (٢/ ٢٠٦)، وط دار الفكر فيها تصحيف.\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٣٢)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٦).\n(^٣). مراقي الفلاح (ص: ٨٥)، وانظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٣).\n(^٤). مواهب الجليل ط دار الرضوان (٢/ ٢٠٦)، وط دار الفكر فيها تصحيف.\n(^٥). فتح العزيز (٣/ ٢٦٨)، المجموع (٣/ ٢٩٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)، فتاوى الرملي (١/ ١٣٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)، كفاية الأخيار (ص: ١٠٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٤).\n(^٦). تحفة المحتاج (٢/ ١٤).\n(^٧). نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠).","vol":"1","page":401},{"text":"ونص صاحب كفاية الأخيار أن الإشباع زيادة تخل بالمعنى، فقال: «ومنها: أن لا يزيد ما يخل بالمعنى بأن يمد الهمزة من الله لأنه يخرج به إلى الاستفهام .... أو يزيد في إشباع الهاء فتتولد واو، سواء كانت ساكنة أو متحركة» (^١).\nواشترط الرملي للتحريم شروطًا منها العلم والقصد، والقدرة، وهي شروط في كل محرم، جاء في فتاوى الرملي: «سئل عمن يشبع هاء الله حتى تتولد منها واو فهل ذلك حرام أو لا؟\nفأجاب: نعم يحرم عليه إن أتى به قاصدًا به الله -﷾، أو مسندًا إليه ما لا يصح إسناده إليه تعالى عالمًا بتحريمه قادرًا على الصواب، بل إن فعله عنادًا كَفَر؛ لتغييره معنى الاسم الكريم، ففي العزيز في الكلام على تكبيرة الإحرام، ولو زاد واوًا بين الكلمتين ساكنة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزيه» (^٢).\n•والراجح:\nأن القول بإبطال الصلاة شديد، ويحتاج إلى نص، والأصل الصحة، ولكن القول بالكراهة إذا تقصد ذلك غير مدفوع، لما ذكره الشافعية من تعليلات، والله أعلم.\nالصورة الثالثة: مد لام لفظ الجلالة (الله)، فإن كان بمقدار حركتين فهو الصواب؛ لأن ذلك مقدار المد الطبيعي.\nوأما قصره عن المد الطبيعي، فذكر النفراوي من المالكية أن من قصر عن هذا المقدار لا يصير محرمًا؛ لأنه لا يصير ذاكرًا إلا به.\nوقال الشافعية: «ويندب ... أن لا يقصر بحيث لا يفهم، وأن لا يطول بالتمطيط» (^٣).\nواستحب الحنفية والشافعية الإسراع بالتكبير: أي لا يمده (^٤).\n_________\n(^١). كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: ١٠٣).\n(^٢). فتاوى الرملي (١/ ١٣٠).\n(^٣). حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٦٢).\n(^٤). كنز الدقائق (ص: ١٦٣)، تبيين الحقائق (١/ ١١٤)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦١).","vol":"1","page":402},{"text":"• واستدلوا على ذلك بدليلين:\nالدليل الأول:\n(ح-١١٩١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أنه صلى خلف النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير (^١).\n[منكر تفرد به الحسن بن عمران وخالف الأحاديث المتواترة في إتمام التكبير] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٤٠٧).\n(^٢). الحديث مداره على شعبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة،، واختلف على أبي داود الطيالسي:\nفقيل: عن أبي دواد الطيالسي، عن شعبة، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، بذكر ابن أبزى مبهمًا.\n\nرواه يونس بن حبيب، كما في مسند الطيالسي (١٣٨٣)، ومن طريق يونس أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣٨٦١)، والمزي في تهذيب الكمال (٦/ ٢٩١).\nومحمد بن المثنى كما في سنن أبي داود (٨٣٧)، والإغراب للنسائي ج الرابع من حديث شعبة وسفيان (٤٢)، كلاهما (يونس وابن المثنى) عن الطيالسي، عن شعبة به.\nورواه محمد بن بشار (بندار) واختلف عليه:\nفرواه عنه البخاري كما في التاريخ الكبير (٢/ ٣٠١)، وأبو داود السجستاني كما في السنن (٨٣٧)، عن محمد بن بشار، عن الطيالسي كرواية يونس بن حبيب ومحمد بن موسى بإبهام ابن أبزى.\nوخالفهما: محمد بن عبد السلام (ثقة)، كما في التمهيد لابن عبد البر (٧/ ٨٤) فرواه عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، قال: سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى يحدث عن أبيه، أنه صلى خلف النبي ﷺ فلم يكن يتم التكبير، كان لا يكبر إذا خفض.\nوهذه الرواية ليست معارضة لرواية البخاري وأبي داود، وإنما فيها كشف المبهم، وقد جاء ذلك في غير طريق محمد بن بشار كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في الطريق التالي.\nورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٢٤٩٧)، وعنه ابن أبي غرزة في مسند عابس الغفاري (٤٣).\nومحمود بن غيلان كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٣٠٠)، والإغراب للنسائي ج الرابع من حديث شعبة وسفيان (٤٢).\nوأبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي كما في معجم الصحابة للبغوي (١٩٢٩)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٣/ ٣٣٦)، ثلاثتهم، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحسن بن =","vol":"1","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nعمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه به.\nوانظر تهذيب الكمال للمزي (٦/ ٢٩١).\nوتابع أبا داود الطيالسي في ذكر الحديث من رواية سعيِد بن عبدِ الرحمنِ بن أبزى سليمانُ بن حرب، أخرجه ابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٤٩)، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله (هو الكجي ثقة)، أخبرنا سليمان بن حرب به، بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ فكان لا يتم الركوع. كذا قال: والصواب: لا يتم التكبير.\nفكان أبو داود الطيالسي تارة يبهم ابن أبزى وتارة يسميه سعيدًا.\nهذا وجه الاختلاف على أبي داود الطيالسي.\nوقد خالف جماعة أبا داود الطيالسي، على اختلاف عليهم في لفظه، فرووه عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، فجعلوه من رواية عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبزى، وليس من رواية أخيه سعيد بن عبد الرحمن.\nرواه روح بن عبادة كما في مسند أحمد (٣/ ٤٠٦)،\nوعمرو بن مرزوق كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠)، كلاهما عن شعبة، به، بذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، بلفظ: أنه صلى مع رسول الله ﷺ فكان لا يتم التكبير زاد أحمد من رواية روح: يعني إذا خفض، وإذا رفع.\nقال البيهقي (٢/ ١٠٠): «وفي حديث عمرو، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ وكان لا يتم التكبير، فقد يكون كبر، ولم يسمع، وقد يكون ترك مرة ليبين الجواز، والله أعلم».\nوتابعهما أبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد بذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، وخالفهما في لفظه على اختلاف عليه هو أيضًا:\nفرواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٤٦٢)، عن الضحاك بن مخلد به، بلفظ: فكان إذا خفض لا يكبر قال يعني: إذا سجد.\nورواه علي بن نصر كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٣٠٠)، عن أبي عاصم، ولفظه: أنه صلى خلف النبي ﷺ بمنى، وكبر النبي ﷺ إذا خفض ورفع.\nوالأول أقرب إلى لفظ الجماعة.\nكما تابعهم يحيى بن حماد، فرواه عن شعبة، واختلف على يحيى:\nفرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠) حدثنا ابن أبي عمران (وثقه ابن يونس)، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا يحيى بن حماد، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه أنه صلى مع رسول الله ﷺ فكان لا يتم التكبير.\nوابن الأعرابي في معجمه (٣٥٤)، أخبرنا محمد، حدثنا يحيى بن حماد به، بإبهام ابن أبزى، ورواية الطحاوي في إتحاف المهرة (١٠/ ٥٨٥) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، فليتأمل. =","vol":"1","page":404},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه أحمد (٣/ ٤٠٧)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٠) من طريق محمد بن سليمان، كلاهما عن يحيى بن حماد، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى به.\nفصار يحيى بن حماد يرويه على الوجهين، تارة بإبهام ابن أبزى، وتارة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، ولو كان الترجيح بين الرواة عن يحيى بن حماد لم أعدل بالإمام أحمد أحدًا، ولكن قد يكون الحمل من الحسن بن عمران، فهو علة الحديث.\nفصار الاختلاف في إسناد الحديث كالتالي:\nيرويه روح بن عبادة، وعمرو بن مرزوق، وأبو عاصم النبيل عن شعبة، فقالوا: عن عبد الله بن أبزى، لا يختلف عليهم في إسناده، إلا عمرو بن مرزوق فقد ذكر المزي في تهذيب الكمال (٦/ ٢٩١) أنه قال: عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، فإن كان ذلك محفوظًا فتكون رواية عمرو بن مرزوق على الوجهين الإبهام مرة، ومرة بذكر عبد الله بن أبزى.\nورواه يحيى بن حماد عن شعبة على الوجهين أيضًا: فقال مرة: عن ابن عبد الرحمن بن أبزى بالإبهام، وقال في أخرى: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى.\nورواه سليمان بن حرب عن شعبة، فقال: عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.\nورواه الطيالسي عن شعبة، على الوجهين: فقال مرة عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، وسماه في أخرى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.\nوسعيد وعبد الله أخوان؛ سئل عنهما أحمد، فقال: كلاهما عندي حسن الحديث، كما في تهذيب التهذيب، والحديث مع اضطراب إسناده قد تفرد به الحسن بن عمران، ولا يحتمل تفرده، فلم يوثقه إلا ابن حبان، وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٢٧): شيخ. وحكم بجهالته كل من الطبري والبزار وابن رجب، والنووي انظر شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٠٥)، وابن رجب في الفتح (٧/ ١٣٧)، والمجموع (٣/ ٣٩٨).\nوقال البخاري كما في التاريخ الكبير (٢/ ٣٠١): وهذا لا يصح.\nوقال أيضًا في التاريخ الكبير (٢/ ٣٠٠): قال أبو داود يعني الطيالسي: هذا عندنا لا يصح. اهـ\nوقال النسائي: هذا حديث منكر.\nونكارته بمخالفته الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، وهي آثار شبه متواترة، سأتعرض لها عند الكلام على سنة التكبير في الصلاة إن شاء الله تعالى.\nقال الطحاوي في شرح معاني الآثار تعقيبًا (١/ ٢٢٢): «الآثار المروية عن رسول الله ﷺ في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها من بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعلي ﵃، وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا، لا ينكر ذلك منكِرٌ ولا يدفعه دافع».\nأنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) (٥/ ٣٤٣٠).\nوقال الحافظ في نتائج الأفكار (٢/ ٥٩): «هذا حديث غريب أخرجه أحمد والترمذي من رواية شعبة، والحسن مختلف فيه، وابن عبد الرحمن، قيل: هو سعيد، وقيل: عبد الله، وكلاهما ثقة ...».\nوقال في الإصابة (٦/ ٢٥٨): سنده حسن. اهـ وكلام الحافظ في النتائج أقرب.","vol":"1","page":405},{"text":"فسر الحنفية قوله: (لا يتم التكبير): أي لا يمده (^١).\nوقال أبو داود: معناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر.\nفجعل الإتمام في مقابل النقص: أي ينقص التكبير، وهذا ما أحدثه بعض حكام بني أمية، وهذا التفسير ورد في بعض طرق الحديث، وعلى كل حال الحديث لا يصح، ولو صح فهو مخالف للسنة من الجهر بالتكبير في كل مواضعه من الصلاة.\nالدليل الثاني:\nقال الرافعي في شرح الوجيز: «روي أنه ﷺ قال: التكبير جزم، والتسليم جزم» (^٢).\nوفسر ابن نجيم: التكبير جزم: أي بلا مد، وذلك بحذفه من غير تطويل (^٣).\nقال الحافظ في التلخيص: «لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي» (^٤).\nقلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك.\n(ث-٢٨٠) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: ... قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد (^٥).\n[ضعيف جدًّا فيه يحيى بن العلاء متهم] (^٦).\nوأما الزيادة عن المد الطبيعي:\nفقيل: تكره، ولا تفسد به الصلاة، وهو المختار عند الحنفية، ومذهب الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١١٤)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، فتح الباري (٢/ ٢٦٩).\n(^٢). فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ٢٨٣).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣٢٢).\n(^٤). تلخيص الحبير (١/ ٤٠٦).\n(^٥). المصنف (٢٥٥٣).\n(^٦). تكلمت عليه في الأذان، انظر الأثر (٣٨).\n(^٧). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٩)، النهر الفائق (١/ ٢١٣)، منحة الخالق\nحاشية على البحر الرائق (١/ ٣٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٠).\nوذلك أن لفظ الجلالة (الله) بها ألف أصلية منطوقة مدية بعد اللام، وقبل الهاء: أي بينهما، ويجب النطق بها، ولا تسقط، فاللام ممدوة بألف، وهي منطوقة رغم أنها غير ثابتة خطًّا، ونطقها هكذا: (اللَّاه).\n\nوالإشباع معناه: مد الحركة القصيرة زيادة عن مقدار حركتين فتتحول إلى حركة طويلة، وتمطيط الحرف زائد عن حدِّه.","vol":"1","page":406},{"text":"قال في النهر الفائق: «أما مد لام الاسم فحسن ما لم يخرج عن حَدِّه، كذا في (الشرح)، وَحَدُّهُ: أن لا يبالغ فيحدث من ذلك الإشباع ألف بين اللام والهاء، فإن فعل كره، ولا تفسد على المختار، كذا في (شرح المنية)» (^١).\nوقال في الفروع: «ولا يضر لو خلل الألف بين اللام والهاء؛ لأنه إشباع، وحذفها أولى؛ لأنه يكره تمطيطه» (^٢).\nقال الحطاب في مواهب الجليل: «ويبقى شيء لم أَرَ من نبه عليه، وهو: إشباع مد ألف الجلالة التي بين اللام والهاء فإنه ليس ثم سبب لفظي يقتضي إشباع مدها في الوصل ...» (^٣).\nوقال الشافعية: يضر المد إن خرج إلى حد لا يراه أحد من القراء، مع علمه بالحكم (^٤).\nقال الرملي في نهاية المحتاج: «ولو زاد في المد على الألف التي بين اللام والهاء إلى حد لا يراه أحد من القراء وهو عالم بالحال فيما يظهر ضر» (^٥).\nقال الشبراملسي في حاشيته: «(قوله: لا يراه أحد من القراء) أي في قراءة غير متواترة؛ إذ لا يخرجه ذلك عن كونه لغة، وغاية مقدار ما نقل عنهم على ما نقله ابن حجر سبع ألفات، وتقدر كل ألف بحركتين، وهو على التقريب، ويعتبر ذلك بتحريك الأصابع متوالية متقارنة للنطق بالمد» (^٦).\n_________\n(^١). النهر الفائق (١/ ٢١٣)، وانظر: منحة الخالق على البحر الرائق (١/ ٣٣٢).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٦٣).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٤٣٨).\n(^٤). نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٦)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ١٤)، المجموع (٣/ ٢٩٢).\n(^٥). نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠).\n(^٦). حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (١/ ٤٦٠).","vol":"1","page":407},{"text":"الصورة الرابعة: مد همزة أكبر، حتى تكون بصورة الاستفهام (آكبر).\nفقيل: خطأ يفسد الصلاة، ولا يصير شارعًا في الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة (^١).\nجاء في حاشية ابن عابدين: «إن كان المد في أكبر، فإن كان في أوله فهو خطأ مفسد، وإن تعمده، قيل يكفر للشك، وقيل لا. ولا ينبغي أن يختلف في أنه لا يصح الشروع به» (^٢).\nوعده المالكية من اللحن في الأذان (^٣).\nوقال في شرح المقدمة الحضرمية: «قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذورًا، بل كثير منه كفر من العالم العامد، كمد همزة أكبر» (^٤).\nوقال ابن مفلح: «ولا تنعقد إن مَدَّ همزة الله، أو أكبر» (^٥).\nوالقول في مد همزة أكبر كالقول في مد همزة الله حيث تكون صورتها صورة الاستفهام، والله أعلم.\nالصورة الخامسة: مد آخر (أكبر) بحيث ينطقها بلفظ: (أكبار).\nنص الحنفية وأكثر المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن مد باء أكبر يبطل الصلاة (^٦).\n_________\n(^١). الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣٢)، مجمع الأنهر (١/ ٩١)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٩)، العناية شرح الهداية (١٢٩٧)، تبيين الحقائق (١/ ١١٤)، تحفة المحتاج (١/ ٤٧٣)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (١/ ٤٧٨)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤)، كشاف القناع (١/ ٣٣٠)، مطالب أولي النهى (١/ ٤١٩)، الفروع لابن مفلح (٢/ ١٦٣).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٠).\n(^٣). شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٠٧).\n(^٤). شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٨٦).\n(^٥). الفروع (٢/ ١٦٣).\n(^٦). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٧٠)، البحر الرائق (١/ ٣٨٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٦)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٠٧)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٤٠)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٦١)، مواهب الجليل (٣/ ٣٣٦)، المجموع (٣/ ٢٩٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٩)،\n\nفتاوى الرملي (١/ ٣١٥)، تحفة الحبيب على شرح الخطيب (٢/ ١٤٨)، كفاية الأخيار (ص: ١٠٣)، إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى (١/ ٢٠٧)، حاشية الروض لابن قاسم (٣/ ١٠)، المنور في راجح المحرر (ص: ١٦٦)، مطالب أولي النهى (٢/ ٢٣٢)، كشاف القناع (٢/ ٤٧١).","vol":"1","page":408},{"text":"قال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله حتى يصير مستفهمًا، ومن مد باء أكبر، ومن تشديد رائه ... فإن جميع ذلك مبطل للتكبير» (^١).\nواعتبره ابن المنير المالكي لحنًا يخاف منه إبطال الصلاة (^٢).\nوذكر الفقهاء في تعليل الإبطال أن المعنى يفسد، فإن أكبار بفتح الهمزة جمع كبر، وهو الطبل، وإن قال (إكبار) بكسر الهمزة فقد ذكر بعضهم أنه اسم من أسماء الحيض (^٣).\nقال ابن جرير في تفسيره: «زعم بعض الرواة: أن بعض الناس أنشده في: أكبرن بمعنى حضن بيتًا، لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بمعروف عند الرواة وذلك قوله:\nنأتي النساء على أطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكْبَرْن إكبارًا\nوزعم أن معناه: إذا حضن» (^٤).\n(ث-٢٨١) بما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره، من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه،\nعن جده في قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]، قال: حضن.\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١). الفواكه الدواني (١/ ١٧٦).\n(^٢). مواهب الجليل (١/ ٥١٥).\n(^٣). حاشية الجمل (١/ ٣٣٦)، شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ١٤٨)، الحاوي الكبير (١/ ٣٧٩)، المجموع (٢/ ٣٤٢).\n(^٤). تفسير الطبري (١٢/ ٢٠٥).\n(^٥). هذا الأثر أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١١٥٥١) من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه، عن جده، وعبد الصمد، ذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، حديثه غير محفوظ، ولا يعرف إلا به. الضعفاء الكبير (٣/ ٨٤).\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر شيئًا. الجرح والتعديل (٦/ ٥٠). ...\nوقال الذهبي: حدث عن أبيه، بحديث: «أكرموا الشهود»، وهذا منكر، وما عبد الصمد بحجة. الميزان (٢/ ٦٢٠).\nوترجم له الخطيب، وأطال في سيرته. تاريخ بغداد (١١/ ٣٧).","vol":"1","page":409},{"text":"وجاء في اللسان: «وأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١].\nفأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه.\nوروي عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة.\nقال أبو منصور: إن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض، فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت: أي حاضت، فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي.\nوروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلًا من طيء، فقلت له: يا أخا طيء ألك زوجة؟ قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في ابنة عم لي. قال: وما سنها؟ قال: قد أكبرت، أو كَبِرت. قال: وما أكبرت؟ قال: حاضت.\nقال أبو منصور: فلغة طيء تصحح أن إكبار المرأة أول حيضها، إلا أن هاء الكناية في قوله تعالى: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ تنفي هذا المعنى، فالصحيح أنهن لما رأين يوسف راعهن جماله، فأعظمنه.\nوروى الأزهري بسنده عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١]، قال: حضن.\nفإن صحت الرواية عن ابن عباس (^١)، جعلنا الهاء في قوله: ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ هاء وقفة لا هاء الكناية، والله أعلم بما أراد (^٢).\nالصورة السادسة: في إبدال همزة (أكبر) واوًا.\nذهب المالكية إلى أنه لا يضر إبدال الهمزة واوًا مطلقًا (^٣).\n_________\n(^١). وسبق أنه لا يصح انظر: رقم (١٥٤٠).\n(^٢). اللسان (٥/ ١٢٦).\n(^٣). قال في حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣): «لا يضر إبدال الهمزة واوًا، ولو لغير العامة». وانظر: مواهب الجليل (١/ ٥١٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٥)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٤)، شرح الزرقاني (١/ ٣٤٤)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":410},{"text":"جاء في القوانين لابن جزي: «ومن قال: الله وكبر بإبدال الهمزة واوًا جاز» (^١).\nوجهه: أن الهمزة إذا جاءت بعد ضم جاز أن تقلب واوًا في لغة عند العرب، ويعرف ذلك من له علم بالقراءات فإن أبا جعفر وَوَرْشًا من القراء يبدلان الهمزة واوًا.\nوقال ابن حجر الهيتمي من الشافعية: لا يصح على الأوجه (^٢).\nوانتقد الهيتمي القائلين بالجواز اعتمادًا على اللغة، فإن العبادات تفعل على الرسم الوارد دون النظر إلى المعنى، فألفاظ الأذكار مبنية على التوقيف، والاتباع، ولم يحفظ في إبدالها سنة، والله أعلم.\nوقد يناقش بهذا أن المسألة ليس فيها إبدال، فالتكبير هو التكبير، وإذا كان هذا يتسع له القرآن وتحتمله بعض القراءات، فغيره أولى.\nوخص بعض الشافعية المنع من العالم، دون الجاهل (^٣)، وليس هذا قولًا جديدًا؛ غايته أنه اعتبر الجهل عذرًا.\nوخص بعضهم الجواز بالعامة معللًا ذلك بأن العامة مظنة الخطأ في مثل هذا، فيتسامح في حقهم بخلاف العلماء (^٤).\nوهذا لا يستند على حجة، فإن أحكام الشريعة لا تفرق بين العامة والخاصة، لأن الحكم بإفساد الصلاة إن كان وضعيًّا لم يفرَّق فيه بين المكلف وغيره، وإن كان تكليفيًّا فالعامة مكلفون كالخاصة.\nوالصحيح الجواز، وعدم الإبطال.\nالصورة السابعة: إذا زاد بين كلمتي التكبير واوًا بأن ينطقها هكذا (الله وأكبر).\nفقيل: لا يصح التكبير، وبه قال الشافعية وبعض المالكية (^٥).\n_________\n(^١). القوانين الفقهية (ص: ٤٣).\n(^٢). الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ١٤٧).\n(^٣). حاشية الجمل (١/ ٣٣٦).\n(^٤). قال الدسوقي في حاشيته (١/ ٢٣٣): «لا يضر إبدال الهمزة واوًا، ولو لغير العامة». فقوله: (ولو لغير العامة) إشارة إلى الخلاف في غير العامة. وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٨)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٤)، التوضيح شرح خليل (١/ ٣٣٣)، الخرشي (١/ ٢٦٥).\n(^٥). فتح العزيز (٣/ ٢٦٨)، المجموع (٣/ ٢٩٢)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، مغني المحتاج\n(١/ ٣٤٤)، فتاوى الخليلي على المذهب الشافعي (١/ ٩٧)، مواهب الجليل (١/ ٥١٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٦).","vol":"1","page":411},{"text":"والفرق بين هذه المسألة والمسألة التي قبلها أن التي قبلها قلب الهمزة واوًا، بحيث تحل الواو محل الهمزة، وأما هذه المسألة فهي في زيادة واو مع النطق بالهمزة.\nقال في الفواكه الدواني: «ويحذر من مد همزة الله ... وزيادة واو مع همزة أكبر، فإن جميع ذلك مبطل للتكبير» (^١).\nوعلل المنع بأن هذه الزيادة تغير المعنى؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى حينئذٍ تكبيرًا، ولأن الجملة مبتدأ وخبر، ودخول الواو بينهما يجعل الجملة من باب عطف الخبر على المبتدأ، فيفسد المعنى.\nوقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر -خلافًا للشافعية- زيادة واو قبل همزة أكبر كما للفيشي على العشماوية» (^٢).\nقال الدسوقي: «وقد تعقب ذلك بعضهم بقوله الظاهر أنه مضر؛ إذ لا يعطف الخبر على المبتدأ، على أن اللفظ متعبد به، ونحوه نقل عن المسناوي» (^٣).\nومذهب الشافعية أقوى، والله أعلم.\nالصورة الثامنة: لو شدد الباء من أكبر.\nجاء في مغني المحتاج: ولو شدد الباء من أكبر، ففي فتاوى ابن رزين: أنها لا تنعقد، ووجهه واضح؛ لأنه لا يمكن تشديدها إلا بتحريك الكاف؛ لأن الباء المدغمة ساكنة، والكاف ساكنة، ولا يمكن النطق بهما، وإذا حركت تغير المعنى؛ لأنه يصير (أَكَبَّر) (^٤).\nولأنه زاد في تكبيرة الإحرام حرفًا، ومن شروط صحة التكبيرة أن يأتي بها في حروفها كما هي من غير زيادة، ولا نقص.\n_________\n(^١). الفواكه الدواني (١/ ١٧٦).\n(^٢). شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٤)، وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، حاشية الصاوي (١/ ٣٠٦).\n(^٣). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣).\n(^٤). مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، وانظر: أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٩١).","vol":"1","page":412},{"text":"الصورة التاسعة: لو كرر الراء من أكبر.\nتكرار الراء له معنيان:\nأحدهما: التكرار عن طريق التشديد: وذلك أن الحرف المشدد وإن كان في صورة الكتابة حرفًا واحدًا إلا أنَّهُ في النطق حرفان من جنس واحد، أولهما ساكن.\nالمعنى الثاني: تكرار الراء وذلك بما يقتضيه مخرج الراء، فإن حرف الراء بطبيعته حرف مكرر، حتى قال سيبويه عن الراء: حرف شديد جرى فيه الصوت لتكرره ... ولو لم يكرر لم يجر فيه الصوت. قال ابن الجزري تعليقًا على كلام سيبويه: ظاهر كلام سيبويه أن التكرير صفة ذاتية في الراء وإلى ذلك ذهب المحققون ... ويتحفظون من إظهار تكريرها ... ويعدون ذلك عيبًا في القراءة» (^١).\nفإذا شدد الراء بالمعنى الأول فقد زاد حرفًا في تكبيرة الإحرام، وقد اختلف قول الفقهاء في حكمه إذا فعل.\nفقيل: لا يضر، وبه قال المالكية والشافعية (^٢).\nولعل هذا القول مخرج على لغة عند بعض العرب في جواز تشديد الحرف الأخير عند الوقف فكانوا يقولون: جعفرٌّ ونفعلُّ بالتشديد وقفًا (^٣).\nواختار بعض الشافعية البطلان.\nفقد نقل بعض الشافعية عن فتاوى ابن رزين أنه قال: لو شدد الراء بطلت صلاته، فتعقبوه بأن الوجه خلافه (^٤).\nوقال ابن المنير المالكي عن تشديد الراء: «لحن ويخاف منه بطلان الصلاة» (^٥).\nوإذا كانت أذكار العبادة توقيفية فالزيادة فيها مضرة بالصلاة خاصة مع القدرة على\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ٢٠٤).\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٧)، ضوء الشموع في شرح المجموع (١/ ٣٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤).\n(^٣). البحر المحيط في التفسير (١٠/ ٤٩)، تفسير الألوسي (١٤/ ٩٤).\n(^٤). انظر: مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ١٣)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤).\n(^٥). انظر مواهب الجليل (١/ ٥١٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":413},{"text":"الصواب، وكون الحرف المزيد مشددًا لا يخفف الشأن، فإنه حرف زائد على القدر المشروع، فكانت القواعد تقتضي فساد التكبير مع القدرة على الصواب، وليس المحكم هو سلامة المعنى من التغيير، بل موافقة اللفظ المنطوق للفظ المنقول، والله أعلم.\nالصورة العاشرة: في إبدال الكاف من (أكبر) بالقاف.\nنص الحنابلة على أنه لو قال: الله أقبر لم تنعقد صلاته (^١).\nونسب الحنابلة للحنفية أن الصلاة تنعقد بذلك؛ لأن بعض العرب يبدل الكاف قافًا (^٢).\nولم أقف على ذلك من كتب الحنفية، فليتأمل.\nولو صح النقل عن الحنفية فإن الأذكار توقيفية مبناها على الاتباع، فليس له ترك الله أكبر مع القدرة عليه، والله أعلم.\nالقسم الثاني من اللحن: أن يقع اللحن في إعراب الكلمة، وله أمثلة:\nأحدها: قال بعض الشافعية: لو فتح الهاء أو كسرها من الله، أو فتح الراء أو كسرها من أكبر هل يضر أو لا؟\nفيه نظر، والأقرب عدم الضرر؛ لأن اللحن في القراءة إذا لم يغير المعنى لا يضر (^٣).\nالمثال الثاني: لا يضر ترك جزم الراء من أكبر.\nفقد اختلف العلماء في التكبير: هل يشترط في صحته جزم الراء على قولين:\nالقول الأول:\nأن الأصل جزم التكبير، ولو تركه لم يؤثر ذلك في صحته، وهو مذهب الجمهور، وأحد القولين في مذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٤)،كشاف القناع (١/ ٣٣٠).\n(^٢). الفروع لابن مفلح (٢/ ١٦٣)، كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣١١).\n(^٣). حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (١/ ٤٥٩)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ١٣)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٥)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ١٥).\n(^٤). قال في العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٧): «ويجزم الراء من التكبير لما رُوِيَ عن إبراهيم النخعي موقوفًا عليه ....». ثم ساق الأثر الذي نقلناه في صلب الكتاب.\nوانظر: الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٢)، شرح الزرقاني ...\nعلى مختصر خليل (١/ ٣٤٥)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٦٥)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٥)، تحفة المحتاج (٢/ ١٣).","vol":"1","page":414},{"text":"قال ابن عابدين: «ويجزم الراء: أي يُسَكِّنُهَا ... قال في الحلية: اعلم أن المسنون جزم التكبير، سواء كان للافتتاح أو في أثناء الصلاة، قالوا: لحديث إبراهيم النخعي موقوفًا عليه، ومرفوعًا: الأذان جزم، والإقامة جزم، والتكبير جزم. قال في الكافي: ... وأما الراء ففي المضمرات عن المحيط: إن شاء بالرفع أو بالجزم، وفي المبتغى: الأصل فيه الجزم؛ لقوله ﷺ: التكبير جزم، والتسميع جزم» (^١).\nوأثر النخعي لا يصح لا موقوفًا، ولا مرفوعًا، ولو صح لم يرد به الجزم الاصطلاحي، وقد بينت ذلك فيما سبق، ولكن فائدة هذا النص الذي نقله لنا ابن عابدين هو في حكم تسكين لفظ (أكبر) عند الحنفية فإذا كان سنة لم يكن الإخلال به مفسدًا لصحة التكبير، والله أعلم.\nوقال عبد الباقي الزرقاني المالكي: «ولا يضر عدم جزم الراء من أكبر، وخبر التكبير جزم، قال الحافظ ابن حجر: لا أصل له، وإنما هو قول النخعي» (^٢).\nوقال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: «ويسن جزم الراء، وإيجابه غلط، وحديث التكبير جزم: لا أصل له، وبفرض صحته فالمراد به عدم مده كما حملوا عليه الخبر الصحيح: السلام جزم على أن الجزم المقابل للرفع اصطلاح حادث فكيف تحمل عليه الألفاظ الشرعية» (^٣).\nالقول الثاني:\nيشترط جزم الراء في (أكبر) وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.\nجاء في النجم الوهاج في شرح المنهاج: «ويشترط جزم الراء لقوله ﷺ: التكبير جزم، فلو ضم الراء من (أكبر) لم تصح صلاته، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه. ولأنه ﷺ: قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وهو ﷺ لم ينطق التكبير إلا مجزومًا» (^٤).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨١).\n(^٢). شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٤٥).\n(^٣). تحفة المحتاج (٢/ ١٣).\n(^٤). النجم الوهاج (٢/ ٩١).","vol":"1","page":415},{"text":"جاء في فتاوى الرملي: «سئل، هل المعتمد عدم انعقاد صلاة من لم يجزم الرَّاء من تكبيرة الإحرام، بأن رفعها، كما قاله ابن يونس في شرح التنبيه، والقمولي في الجواهر، والزركشي في شرح التنبيه، والدميري في شرح المنهاج، وقال جلال الدين البكري: إنه الصواب؟\nفأجاب: بأن الصواب انعقاد صلاته، كما صرح به جماعة، وهو ظاهر؛ إذ قوله: (أكبر) خبر للجلالة الكريمة، وما استند إليه القائلون بالأول من خبر: (التكبير جزم) فمعناه: الجزم بِالْمَنْوِيِّ؛ ليخرج به التردد فيه» (^١).\nوالراجح: أنه الرفع من قبيل مخالفة الأولى ولو رفعها صحت صلاته، والله أعلم.\nهذه بعض الأمثلة في اللحن سواء كان في بنية الكلمة أو في إعرابها، والراجح من كل ذلك وجوب التكبير للدخول في الصلاة، ولا يجزئ إلا صفة الله أكبر، وكل لحن في جملة التكبير إن كان مبعثه العجز، فإن التكليف مع القدرة، ولكن الشأن في صحة ذلك إذا لحن لحنًا يغير المعنى مع العلم والقدرة، فإن ذلك يؤثر في صحة التكبير.\nقال النفراوي: «ومما لا ينبغي الشك فيه عدم بطلان صلاة من لحن فيه أو في تكبيرة الإحرام لأن اللحن فيهما عجزًا عن الصواب ليس بأقبح من اللحن في الفاتحة عند العجز كما قدمنا، ولا التفات لمن قال غير ذلك؛ لأن النظر للقول، لا للقائل» (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). فتاوى الرملي (١/ ١٤١).\n(^٢). الفواكه الدواني (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الشرط الثامن في اشتراط القدرة على التكبير</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• شرط التكليف القدرة على الفعل، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n• جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز.\n• تحريك اللسان وسيلة، والنطق غاية، فإذا عجز عن الغاية سقطت وسيلته.\n• تحريك اللسان مع العجز عن النطق عبث يخشى منه بطلان الصلاة.\n[م-٤٨٥] اختلف العلماء في الأخرس كيف يحرم بالصلاة؟\nفقيل: يحرم بقلبه، ولا يلزمه تحريك لسانه، وهو الصحيح من مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية والمشهور عند الحنابلة، واختاره بعض الشافعية (^١).\nجاء في البحر الرائق نقلًا عن المحيط: «الأخرس والأمي افتتحا بالنية أجزأهما؛ لأنهما أتيا بأقصى ما في وسعهما، وفي شرح منية المصلي ولا يجب عليهما تحريك اللسان عندنا، وهو الصحيح» (^٢).\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٧٩)، البناية شرح الهداية (٢/ ١٧٦)، البحر الرائق (١/ ٣٠٧)، مراقي الفلاح (ص: ٨٤)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٦٥)، وانظر قولي الحنفية في تلبية الأخرس في حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٨٣)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٢/ ١١)، مختصر خليل (ص: ٣١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٠٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٦)، منح الجليل (١/ ٢٤٣)، نهاية المطلب (١/ ٣٠٧)، المنثور في القواعد الفقهية (١/ ٢٣٢)، كشاف القناع (١/ ٣٢٧)، الإنصاف (٢/ ٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٥).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":417},{"text":"ونفي الوجوب عند الحنفية لا يلزم منه نفي الاستحباب، وقد استحبوا في النسك أن يحرك الأخرس لسانه بالتلبية، والباب واحد، والقول بالاستحباب قول ضعيف، قال ابن تيمية: «لو قيل ببطلان الصلاة بذلك -يعني بتحريك اللسان- كان أقوى» (^١).\n• وجه القول بسقوط التكبير عنه:\nأن القدرة شرط في كل الواجبات، من عجز عن شيء سقط عنه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nولأنه أقرب إلى العبث.\nقال ابن قدامة: «لأن ذلك -يعني تحريك اللسان- إنما وجب على الناطق ضرورة القراءة، وإذا سقطت سقط ما هو من ضرورتها، كالجاهل الذي لا يحسن شيئًا من الذكر، ولأن تحريك لسانه بغير القراءة عبث مجرد، فلا يرد الشرع به» (^٢).\nوقيل: يلزمه تحريك لسانه، حكاه العراقيون عن نص الشافعي، قال ابن الرفعة: فإن عجز عن ذلك نواه بقلبه، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (^٣).\n• وجه قول الشافعية:\nأن الواجب النطق بالتكبير بتحريك اللسان، فإذا عجز عن أحدهما لم يسقط الآخر؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.\nقال الرملي: «إن كان مراد الشافعي والأصحاب بذلك من طرأ خرسه، أو خبل لسانه بعد معرفته القراءة وغيرها من الذكر الواجب فهو واضح؛ لأنه حينئذٍ يحرك لسانه وشفتيه ولهواته بالقراءة على مخارج الحروف، ويكون كناطق انقطع صوته فيتكلم بالقوة، ولا يسمع صوته، وإن أرادوا أعم من ذلك فهو بعيد، والظاهر أن\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٤٣).\n(^٢). الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٣).\n(^٣). كفاية النبيه (٣/ ٨٦)، نهاية المطلب للجويني (٢/ ١٤٩)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٥٩، ٣١٤)، أسنى المطالب (١/ ١٤٤)، الوسيط في المذهب (٢/ ١٠٥)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٨)، المجموع (٣/ ٢٩٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ١٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٣)، الإنصاف (٢/ ٤٣).","vol":"1","page":418},{"text":"مرادهم الأول، وإلا لأوجبوا تحريكه على الناطق الذي لا يحسن شيئًا؛ إذ لا يتقاعد حاله عن الأخرس خلقة، وعلى تقدير أن لا يريد الأئمة من طرأ خرسه فأقل الدرجات أن يقال: لا بد أن يسمع الأخرس القراءة والذكر بحيث يحفظهما بقلبه» (^١).\nوقيل بالتفريق بين تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال، فلا يحرك لسانه في تكبيرة الإحرام، ويحرك لسانه في سائر التكبيرات، نقله ابن عابدين في حاشيته على البحر الرائق، واستظهر خلافه (^٢).\n• وجه التفريق:\nأن تكبيرة الإحرام لها خلف، وهو النية بخلاف غيرها.\n• ويجاب:\nلو صح القول بتحريك اللسان لكان تحريكه في تكبيرة الإحرام أولى، فإن تكبيرة الإحرام فرض، وغيره سنة في قول أكثر أهل العلم، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). نهاية المحتاج (١/ ٤٦٣).\n(^٢). منحة الخالق حاشية على البحر الرائق (١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الباب الخامس أحكام القيام في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل الأول حكم القيام</span>\nمدخل إلى المسألة:\n• القيام ركن من أركان الصلاة المفروضة وجزء من حقيقتها للقادر غير المسبوق، كالركوع والسجود، والجلوس.\n• ركن الشيء: ما لا وجود لذلك الشيء إلا به، ويطلق على جزء الماهية، ولا يثبت إلا بالنص، فالجلوس للتشهد جزء من الصلاة، ويختلف حكم الأول عن الأخير.\n• الواجب القيام استقلالًا، فإن عجز ففرضه القيام متكئًا أو مستندًا، فإن عجز انتقل إلى الجلوس استقلالًا، فإن عجز ففرضه الجلوس مستندًا، فإن عجز صلى مضطجعًا.\n[م-٤٨٦] القيام ركن في صلاة الفريضة، والقعود بدل عنه في حق المعذور (^١).\nوقد دل على فرضية القيام النص والإجماع:\nأما النص: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾. [البقرة: ٢٣٨].\nوالأمر بالقيام للوجوب، ولا وجوب فيه خارج الصلاة، فتعين المراد بالقيام\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٧٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١)، المنتقى للباجي (١/ ٢٤١)، الوسيط في المذهب (٢/ ١٠١)، البيان للعمراني (٢/ ١٥٩)، الأم (١/ ٩٩)، الإنصاف (٢/ ١١١)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٤٢)، المبدع (١/ ٤٤١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":420},{"text":"داخل الصلاة.\nقال ابن نجيم: «المراد به القيام في الصلاة بإجماع المفسرين» (^١).\nوقال السعدي: «إن كان المراد بالقيام هنا الوقوف في صلاة الفرض فهو ركن، وإن أريدَ به القيامُ بأفعال الصلاة عمومًا دل على الأمر بإقامتها كلها، وأن تكون قائمة تامة غير ناقصة» (^٢).\nورجح شيخنا ابن عثيمين: «أن المراد بالقيام هنا: المكث على الشيء، والقيام على القدمين» (^٣).\nيقصد شيخنا أن القيام يشمل القيام على الصلاة بالمواظبة عليها، وكذلك القيام بالوقوف فيها، من الأول قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: أي مواظبًا ملازمًا (^٤).\n(ح-١١٩٢) ومن السنة: ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\nعن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٠٨).\n(^٢). انظر تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ص: ٧٤).\n(^٣). انظر: تفسير العثيمين (٣/ ١٧٨)، وذكر الطبري في تفسيره ت شاكر (٥/ ٢٣٤)، وفي معنى قانتين ذكر الطبري ثلاثة أقوال: منها: مطيعين، ومنها السكوت عن الكلام، ومنها الخشوع، قال الطبري: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾، قول من قال: تأويله مطيعين، وذلك أن أصل القنوت، الطاعة، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهى الله عنه من الكلام فيها». اهـ\nوقال السعدي: القنوت دوام الطاعة مع الخشوع. قلت: وهذا يستلزم ترك الكلام لمنافاته الخشوع. ويؤيد هذا الترجيح قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾: أي مطيعون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ فكان القنوت: عبارة عن دوام الطاعة مع التذلل والخشوع.\nوقال ابن كثير: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة؛ لمنافاته إياها.\n(^٤). تهذيب اللغة (٩/ ٢٦٨)، النهاية في غريب الحديث (٥/ ٢٢٠).","vol":"1","page":421},{"text":"جنب (^١).\nفالقيام لا يسقط فرضه في صلاة الفريضة إلا مع العجز عنه، فإذا لم يطق الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، ثم القعود كذلك لا يسقط فرضه إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عنه صلى على جنبه، لحديث عمران هذا.\nولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nوقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوأما الإجماع على أن القيام للصلاة فرض، فحكاه جمع من أهل العلم، منهم ابن نجيم الحنفي (^٢)، وابن العربي، وأبو الوليد الباجي من المالكية (^٣)، والخطيب من الشافعية (^٤)، وغيرهم.\nقال القرطبي: «أجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردًا كان أو إمامًا» (^٥).\nوقال ابن رشد: «من تركه مع القدرة عليه فلا صلاة له» (^٦).\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١١٧).\n(^٢). انظر البحر الرائق (١/ ٣٠٨).\n(^٣). انظر: المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٤٩)، البيان والتحصيل (١/ ٢٤٢)، المنتقى للباجي (١/ ٢٤١)، شرح البخاري لابن بطال (٣/ ١٠٤)،.\n(^٤). مغني المحتاج (١/ ٣٤٨).\n(^٥). تفسير القرطبي (٣/ ٢١٧).\n(^٦). البيان والتحصيل (٢/ ١٥٩).","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الثاني في منزلة القيام بالصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• القيام مقصود للقراءة، ومقصود بذاته، كالوضوء.\n• سقوط القراءة لا يسقط القيام إلا عن المسبوق.\n• القيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾، فأمر بالقيام في الصلاة. وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.\n• كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (^١)، ونهاهم أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم.\n• قال ﷺ: من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (^٢)، لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله.\n[م-٤٨٧] اختلف الفقهاء في القيام: أهو ركن مقصود لذاته، أم هو مقصود لغيره؟\n_________\n(^١). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٥٨)، وأحمد (٣/ ١٣٢، ١٥١، ٢٥٠)، والبخاري في الأدب (٩٤٦) والترمذي (٢٧٥٤)، وفي الشمائل (٣٣٥)، وأبو يعلى (٣٧٨٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٢٦) من طرق كثيرة، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس.\n(^٢). رواه أبو داود الطيالسي (١٠٥٣)، وابن أبي شيبة (٢٥٥٨٢)، وأحمد (٤/ ٩١، ٩٣، ١٠٠)، والبغوي في الجعديات (١٤٨٢)، وعبد بن حميد (٤١٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٧)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥١) ح ٨١٩، ٨٢٠، ٨٢١، ٨٢٢، وغيرهم من طرق كثيرة عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، قال: دخل معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فذكره.","vol":"1","page":423},{"text":"فقال الحنفية والمالكية: القيام ركن مقصود لغيره، على خلاف بينهم في المقصود بالقيام:\nفقال الحنفية: المقصود من القيام التوصل به إلى السجدة؛ لما فيه من نهاية التعظيم (^١).\nقال ابن نجيم: «القيام ليس بركن مقصود؛ ولهذا جاز تركه في النفل من غير عذر» (^٢).\nوقال في الهداية: «وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع والسجود، لم يلزمه القيام، ويصلي قاعدًا يومئ إيماء؛ لأن ركنية القيام للتوصل به إلى السجدة لما فيه من نهاية التعظيم» (^٣).\nوقال الكاساني: «ولأن السجود أصل، وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا كان السجود معتبرًا من دون القيام، كما في سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرًا بدون السجود، بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة» (^٤).\nوقال المالكية: المقصود من القيام القراءة؛ لأن القيام في حقه مقدر بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود، ويسقط ما زاد على ذلك بسقوط القراءة، ولذلك المسبوق يسقط عنه القيام لسقوط القراءة عنه (^٥).\nوقال خليل في مختصره: «وإن عجز عن فاتحة قائمًا جلس» (^٦).\nقال الدسوقي: «سواء كان يقدر على القيام من غير قراءة، أم لا؛ لأن القيام كان لها» (^٧).\nوقال الخرشي: «وأما المأموم فلا يجب عليه القيام لها، قال ابن يونس: لما جوزوا له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام» (^٨).\n_________\n(^١). فتح القدير (٢/ ٦)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٨٠)، البحر الرائق (٢/ ٥٩)، مختصر القدوري (ص: ٣٦).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٨٧).\n(^٣). الهداية شرح البداية (١/ ٧٧).\n(^٤). بدائع الصنائع (١/ ١٠٧).\n(^٥). مختصر خليل (ص: ٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١)، مواهب الجليل (٢/ ٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٩٥).\n(^٦). مختصر خليل (ص: ٣٤).\n(^٧). حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١).\n(^٨). شرح الخرشي (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":424},{"text":"• ويعترض به عليهم:\nبأن القيام بعد الركوع ركن، ولا قراءة فيه، وقد أوجب المالكية القيام للركوع إذا عجز عن الفاتحة وجلس، وهذا قيام بلا قراءة.\nولا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.\nيقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (^١).\nولأن الأصل في الصلاة الأفعال، والأذكار تبع لها.\nولأن القيام لو لم يكن مقصودًا في نفسه لم يلزم الأخرس؛ لأنه لا قراءة عليه.\nوقال الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية: القيام والقراءة كل منهما ركن مقصود بذاته (^٢).\nقال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام ... وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (^٣).\nقال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (^٤).\nوقال البهوتي في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله ﷺ: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (^٥).\n(ح-١١٩٣) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\n_________\n(^١). القواعد (ص: ١١).\n(^٢). نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، كشاف القناع (١/ ٣٤١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٤).\n(^٣). شرح الخرشي (١/ ٢٦٩).\n(^٤). نهاية المطلب (٢/ ٢١٣).\n(^٥). كشاف القناع (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":425},{"text":"عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (^١).\nفعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.\nولأن القيام إذا كان ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه.\nوقد ذكر ابن رجب في القواعد هذا القسم، وقسمه إلى أربعة أقسام.\nيقول ابن رجب في القاعدة الثامنة: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ هذا أقسام:\nالقسم الأول: أن يكون المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة، بل هو وسيلة محضة إليها كتحريك اللسان في القراءة في حق العاجز، وإمرار الموسى على الرأس في الحلق للأقرع، والختان، فهذا ليس بواجب ....\nوالقسم الثاني: ما وجب تبعًا لغيره وهو نوعان.\nأحدهما: ما كان وجوبه على وجه الاحتياط للعبادة؛ ليتحقق حصولها، كغسل المرفقين في الوضوء فإذا قطعت اليد من المرفق هل يجب غسل رأس المرفق الآخر أم لا؟ على وجهين: أشهرهما عند الأصحاب الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد ....\nوالثاني: ما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، مثل رمي الجمار والمبيت بمنى لمن لم يدرك الحج، فالمشهور أنه لا يلزمه ذلك؛ لأن ذلك كله من توابع الوقوف بعرفة، فلا يلزم من لم يقف بها ....\nوالقسم الثالث: ما هو جزء من العبادة وليس بعبادة في نفسه بانفراده، أو هو غير مأمور به لضرورة:\nفالأول: كصوم بعض اليوم لمن قدر عليه وعجز عن إتمامه فلا يلزمه بغير خلاف.\nوالثاني: كعتق بعض الرقبة في الكفارة، فلا يلزم القادر عليه إذا عجز عن التكميل؛ لأن الشارع قصده تكميل العتق مهما أمكن، ولهذا شرع السراية والسعاية\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١١٧).","vol":"1","page":426},{"text":"وقال: (ليس لله شريك) فلا يشرع عتق بعض الرقبة.\nوالقسم الرابع: ما هو جزء من العبادة وهو عبادة مشروعة في نفسه: فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بغير خلاف، ويتفرع عليه مسائل كثيرة:\nمنها: العاجز عن القراءة يلزمه القيام لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة لكنه أيضًا مقصود في نفسه وهو عبادة منفردة (^١).\n• الراجح:\nأن سقوط القراءة عن غير المسبوق لا يسقط القيام عنه، فكلاهما واجب عليه، والعجز عن أحدهما لا يسقط الآخر، وإذا اتفقنا على وجوب القيام مع القدرة على القراءة والسجود، فيستصحب الوجوب مع العجز عنهما حتى يقوم دليل على إسقاط القيام، ولم يقم دليل على سقوطه بالعجز عن القراءة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). القواعد الفقهية لابن رجب، القاعدة الثامنة (ص: ١٠).\nوقد تعقب شيخنا ابن عثيمين الحافظ ابن رجب في تعليقه على القواعد، فقال: «هذا الفرق فيه نظر؛ لأن القيام ليس جزءًا من القراءة، فالمصنف يقول: (من عجز عن القراءة يلزمه القيام) فيقال: ليس هذه عبادة واحدة، فالقيام شيء، والقراءة شيء آخر، هل القراءة جزء من القيام؟ لا، ولهذا تجب القراءة على القاعد الذي لا يقدر على القيام، وليس القيام جزءًا من القراءة».\nولعل هذا المثال يصلح للقسم الذي قبله وهو ما وجب تبعًا لغيره، وهو مقصود في نفسه.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الفصل الثالث في قدر القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• من وجبت عليه القراءة وجب عليه القيام بقدرها مع تكبيرة الإحرام.\n• كل من سقطت عنه القراءة كالمسبوق سقط عنه القيام إلا بقدر تكبيرة الإحرام.\n• العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة.\n• كون الشيء مقصودًا لغيره من وجه لا يمنع أن يكون مقصودًا بنفسه كالقيام في الصلاة، والوضوء.\n• الميسور لا يسقط بالمعسور.\n[م-٤٨٨] قدر الفقهاء قدر القيام بقدر تكبيرة الإحرام من المسبوق؛ لسقوط القراءة عنه.\nوأما غير المسبوق فبقدر تكبيرة الإحرام، والقراءة المفروضة على خلاف بينهم في قدرها.\nفقيل: الواجب من القيام قدر قيام قراءة الفاتحة، وبهذا قال الجمهور (^١).\nجاء في التاج والإكليل عن ابن يونس: «القيام للإمام والفذ قدر قراءة أم القرآن\n_________\n(^١). قال المازري في التلقين (١/ ٥٣٧): «الواجب من القيام قدر الإحرام، وقراءة أم القرآن». وانظر: الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٥)، مواهب الجليل (١/ ٤٠٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٨)، المجموع (٣/ ٢٧٢، ٣٧٩)، البيان للعمراني (٢/ ١٩٨)، الإقناع (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٣٨٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٤، ٤٩٤)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٥٤).","vol":"1","page":428},{"text":"من الفروض المتفق عليها» (^١).\nقال النووي: «الواجب من القيام قدر قيام قراءة الفاتحة، ولا يجب ما زاد» (^٢).\n(ح-١١٩٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،\nعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (^٣).\nوعلى قول من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة يكفيه تكبيرة الإحرام والقيام لها، وقد اختار الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية أنه يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة (^٤).\nلأن النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق بالامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى.\nورد بأن النبي ﷺ قال في حديث أبي هريرة: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار.\nوسوف يأتينا بحث المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.\nوقال أبو حنيفة: فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، وهو رواية عن الإمام أحمد، فيكون الواجب من القيام بقدر قراءتها (^٥).\n_________\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٢١٢).\n(^٢). المجموع (٣/ ٢٧٢)، يقصد النووي مع تكبيرة الإحرام، ولذلك قال ابن الرفعة في كفاية النبيه (٣/ ٢٥٨): «الواجب من القيام قدر قراءة الفاتحة، على النحو الذي يجزئه مع تكبيرة الإحرام».\n(^٣). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\n(^٤). مواهب الجليل (١/ ٤٠٧)، شرح التلقين (١/ ٥١٣)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٣٠٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٣)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٨)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٨).\n(^٥). عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: ثم نظر، وأما الآية إذا كانت من كملة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: ...\n\nمجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٧) المحيط البرهاني (١/ ٢٩٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٥، ٢٢٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٢): «وعنه: تكفي آية من غيرها (وهـ) -يعني وفاقًا لأبي حنفية- وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة». وانظر: المبدع (١/ ٣٨٥)، الإنصاف (٢/ ١١٢).","vol":"1","page":429},{"text":"لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nفأمر بقراءة ما تيسر، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف.\nوقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: «يجزئ عن قراءة الفاتحة آية طويلة كآية الكرسي والدين أو ثلاث آيات قصار، فإن نقص عن ثلاث قصار، أو آية طويلة فقد ارتكب كراهة التحريم؛ لتركه الواجب، وهو رواية عن الإمام أبي حنفية» (^١).\nلأن أدنى ما يسمى المرء به قارئًا في العرف أن يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.\nوقيل: يجزئ ما يصدق عليه اسم قرآن، ولو كان بعض آية إذا كان بقصد قراءة القرآن، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد في رواية: يقرأ ما تيسر (^٢).\nلأن الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره على أقلِّ ما يتناوله الاسم، حتى ولو قرأ بعض آية، إذا قرأ ذلك بقصد القراءة.\nوقيل: لا يكفي إلا سبع آيات من غيرها، وهو رواية عن أحمد، وهل يجب أن يكون في عدد حروفها؟ على وجهين في مذهب الحنابلة (^٣).\nقياسًا على عدد آيات الفاتحة، وسوف يأتينا بحث المسألة عند الكلام على حكم قراءة الفاتحة، ونبسط فيها الخلاف إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢٢١)، البحر الرائق (١/ ٣٣١) بدائع الصنائع (١/ ١١٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٨).\n(^٢). انظر مراجع الحنفية في القول الأول والثاني، وانظر رواية أحمد في: الإنصاف (٢/ ١١٢)، الفروع (٢/ ١٧٢)، المبدع (١/ ٣٨٥).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ١١٢)، الفروع (٢/ ١٧٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧، ٢٤٨).","vol":"1","page":430},{"text":"• الراجح:\nأما المسبوق فيكفيه من القيام قدر تكبيرة الإحرام، ويسقط القيام عنه للنص، وفي سقوط القيام عنه؛ أكان ذلك لسقوط القراءة، وذلك يعني أن القيام ليس مقصودًا بنفسه، أم أن سقوط القيام كان لتحمل الإمام ذلك عن المأموم، ولأن من أدرك أكثر الركعة فقد أدرك الركعة؟ في ذلك خلاف سيتوجه بحثه إن شاء الله تعالى في مبحثٍ مستقلٍّ.\nوأما المنفرد والإمام، فالقراءة في حقه ركن، ومحلها القيام، فإذا وقف للتحريم وقراءة أم القرآن، فقد قام بالواجب عليه، سواء أقلنا: إن القيام وجب لوجوب القراءة، أم قلنا: إن القيام ركن مقصود بنفسه، وسقوط القراءة عن العاجز لا يسقط القيام، فيجب عليه أن يقوم في الصلاة بقدر التحريمة، وقراءة الفاتحة.\n* * *","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل الرابع في صفة القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• ما قرب من الشيء فله حكمه.\n• متى انحنى بحيث يكون إلى القيام أقرب فهو في حكم القائم فإن كان إلى الركوع أقرب لم يكن قائمًا.\n• لو كبَّر للتحريمة، وهو في حد الركوع لم يدخل في الصلاة، ولو كبَّر، قبل الخروج عن حد القيام فقد شرع في صلاته.\n[م-٤٨٩] اختلف الفقهاء في صفة القيام:\nفقال الحنفية: أن يكون بحيث إذا مد يديه لا تنال يداه ركبتيه، وهو وجه ضعيف عند الشافعية (^١).\nقال النووي نقلًا عن أبي محمد في التبصرة: «ولا يضر الانحناء اليسير، قال: والحد الفاصل بين حد الركوع وحد القيام: أن تنال راحتاه ركبتيه لو مد يديه، فهذا حد الركوع وما قبله حد القيام ... هذا كلام الشيخ أبي محمد وهو وجه ضعيف ...» (^٢).\n• وجه هذا القول:\nأن المصلي إذا أمكنه أن يمس ركبتيه بيديه فقد خرج من حد القيام إلى الركوع.\nوفرق المالكية بين المسبوق وبين الإمام والمنفرد والمأموم غير المسبوق،\n_________\n(^١). قال في الجوهرة النيرة (١/ ٥٠): «وحد القيام: أن يكون بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه».\nوانظر: البحر الرائق (١/ ٣٠٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٤، ٤٥٢، ٤٨٠)، النهر الفائق (١/ ١٩٤). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٤).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٩٧)، فتح المنعم (٢/ ٤٧٥).","vol":"1","page":432},{"text":"فالمنفرد والإمام وغير المسبوق لا يصح منه القيام منحنيًا مطلقًا؛ لأن قراءة الفاتحة واجبة في حقه، فوجب القيام لوجوب القراءة.\nوأما المسبوق فقالوا: إذا ابتدأ تكبيرة الإحرام حال قيامه، وأتمها حال الانحطاط، أو بعده بلا فصل كثير (فتأويلان) في الاعتداد بالركعة وعدمه، والصلاة صحيحة، وقال بعضهم: القولان هما في صحة الصلاة وبطلانها (^١).\nفالذين قالوا: يعتد بالركعة، أو بالصلاة إذا كبر المسبوق منحنيًا: قالوا: إن القيام يجب للفاتحة، والمأموم لا تجب القراءة في حقه، قال ابن بشير: هذا مذهب المدونة (^٢).\nولأن الإمام يحمل عن المأموم تكبيرة الافتتاح، على ما روى ابن وهب عن مالك: أن تحريم الإمام يجزئ فيها عن المأموم، والقيام إنما يراد لتكبيرة الافتتاح (^٣).\nوالذين قالوا: لا يعتد بالركعة والصلاة صحيحة، قالوا: لا يكفي أن يبدأ تكبيرة الإحرام حال القيام، بل لابد أن يتمها، وهو قائم، فلما أتمها، وهو مُنْحَنٍ بطلت الركعة، وقامت الركعة الثانية مكان الأولى.\n_________\n(^١). قال الخرشي في شرحه (١/ ٢٦٤): «القيام لتكبيرة الإحرام في الفرض للقادر غير المسبوق، فلا يجزئ إيقاعها جالسًا، أو منحنيًا اتباعًا للعمل». اهـ فأبطل تكبيرة الإحرام منحنيًا للقادر، واستثنى النفل والمسبوق. وانظر: الشرح الصغير (١/ ٣٠٧).\nوقال خليل في مختصره (ص: ٣١): «فرائض الصلاة: تكبيرة الإحرام، وقيام لها إلا لمسبوق فتأويلان».\nقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٣١) شارحًا عبارة خليل: «فلا يجزي إيقاعها -يعني التحريمة- جالسًا أو منحنيًا (إلا لمسبوق) ابتدأها حال قيامه، وأتمها حال الانحطاط، أو بعده بلا فصل كثير (فتأويلان) في الاعتداد بالركعة وعدمه ..».\nقال الدسوقي في حاشيته معلقًا على قوله: (فتأويلان) (١/ ٢٣١): «عج ومن تبعه (يقصد علي الأجهوري- جعلوا ثمرة هذين التأويلين ترجع للاعتداد بالركعة وعدمه مع الجزم بصحة الصلاة، وهو الذي يفهم مما في التوضيح عن ابن المواز ونحوه للمازري عنه.\nوأما ح (يقصد: الحطاب) فجعل ثمرة التأويلين ترجع لصحة الصلاة وبطلانها، وهو الذي يتبادر من المؤلف، وكثير من الأئمة كأبي الحسن وغيره، لكن ما ذكره عج أقوى».\n(^٢). التاج والإكليل (٢/ ٢٠٦).\n(^٣). انظر: التنبيهات المستنبطة على كتب المدونة والمختلطة (١/ ١٩٦، ١٧٩).","vol":"1","page":433},{"text":"وأما تعليل الذين قالوا ببطلان الصلاة، قالوا: إن بطلان التحريمة يؤدي إلى بطلان الصلاة، وليس إلى بطلان الركعة؛ لأن دخوله في الصلاة مبني على صحة التحريمة، ولم تصح.\nوقال الشافعية: إن كان المنحني أقرب إلى القيام منه إلى الركوع، أو استوى الأمران صح القيام، وإن كان إلى الركوع أقرب منه إلى الانتصاب، فوجهان: أظهرهما أنه لا يصح قيامه (^١).\nقال النووي: «ولا أن يقف منحنيًا في حد الراكعين، فإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع، لكن كان إليه أقرب منه إلى الانتصاب، لم يصح على الأصح» (^٢).\nوقال الخطيب: «الانحناء السالب: أن يصير إلى الركوع أقرب كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لوكان أقرب إلى القيام، أو استوى الأمران صح، وهو كذلك» (^٣).\n• وجه قول الشافعية:\nأن حد القيام يفارق حد الركوع، والانحناء هو بينهما، فما كان أقرب إلى أحدهما ألحق به، فإن كان إلى الانتصاب أقرب اعتبر قائمًا، وإلا اعتبر راكعًا.\nوقد يقال: إن الخلاف بين الحنفية والأصح في مذهب الشافعية خلاف لفظي فإنه إذا كان إلى الركوع أقرب منه إلى القيام استطاع أن تمس يداه ركبتيه إذا كان معتدل الخلقة، والله أعلم.\nواختار الحنابلة في المعتمد: حد القيام ما لم يصل إلى الركوع المجزئ (^٤).\nوفي الركوع المجزئ قولان:\nأحدهما: أن ينحني بحيث يمكنه مس ركبتيه إذا كان الراكع من أوسط الناس،\n_________\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، المجموع (٣/ ٢٩٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٥٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٣٠).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٣٣).\n(^٣). مغني المحتاج (١/ ٣٤٩).\n(^٤). شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٦)، الإنصاف في معرفة الخلاف (٢/ ١١١)، الفروع (٢/ ٢٤٥)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإقناع (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":434},{"text":"وقدره من غيره. قال في الإنصاف: وهذا المذهب، وهو يوافق ما عليه الحنفية (^١).\nالثاني: قال المجد: ضابط الإجزاء الذي لا يختلف: أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، وهذا يوافق ما عليه الشافعية (^٢).\n• الراجح:\nتكبيرة الإحرام من المنحني، إن كان فعل ذلك بلا حاجة ولا مصلحة فهذا أشبه ما يكون بالمتلاعب، فأخشى أن يكون فعله محرمًا، وإن كبر منحنيًا لعذر أو حاجة، فما قرب من القيام ألحق به، وما قرب من الركوع ألحق به، اعتبارًا بقاعدة: ما قرب من الشيء فله حكمه، وإن كان بينهما فالأصل عدم الانتقال من القيام، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٥٩، ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٣).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٦).","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الخامس في استناد المصلي في القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• القيام الواجب ما اعتمد فيه المصلي على قدميه في وقوفه بالصلاة.\n• كل استناد لولاه لسقط المصلي، فإنه منافٍ للقيام الواجب.\n• الاستناد المنافي للقيام يبطل صلاة الفريضة؛ لأنه في حكم التارك للقيام.\n• الاستناد الذي إذا زال لا يسقط به المصلي منافٍ لكمال القيام، ولا يبطل الصلاة.\n• لا فرق في الحكم بين أن يقع الاستناد في القراءة الواجبة أو في القراءة المستحبة؛ لأن ما زاد على الواجب إن تميز، كإخراج صاعين منفردين في زكاة الفطر فهو ندب بالاتفاق، وإن لم يتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح؛ لأن ما لا يتجزأ فحكم بعضه حكم كله.\n[م-٤٨٩] إذا استند المصلي في الفرض، وهو قادر على القيام استقلالًا، أو على الجلوس استقلالًا إن كان عاجزًا عن القيام، فإن كان في حالٍ بحيث لو أزيل ما يستند إليه لم يسقط المصلي، وبقي قائمًا:\nفقيل: تصح صلاته مع الكراهة؛ لتنقيص كمال القيام، وهو قول الجمهور، واستحب له المالكية الإعادة في الوقت بناء على قواعد مذهبهم (^١).\nوقيل: لا تصح صلاته، وهو قول مرجوح في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يكره الاتكاء في النفل بلا عذر اختاره بعض الحنفية (^٣).\n_________\n(^١). المبسوط (٢/ ٢٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٦)، طرح التثريب (٥/ ١٠٠)، الإقناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٩).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، المجموع (٣/ ٢٥٩).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٤).","vol":"1","page":436},{"text":"(ح-١١٩٥) لما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب،\nعن أنس، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه؛ لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل، أو فتر فليقعد (^١).\nوالصحيح أن الكراهة متوجهة لعقد النافلة نفسها، لا الاستناد فيها.\nوالصحيح قول الجمهور؛\n(ح-١١٩٦) لما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي، أخبرنا أبي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: قدِمتُ الرَّقَّة، فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي ﷺ؟ قال: قلت: غنيمةٌ، فدُفِعنا إلى وابصة، قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دَلِّه، فإذا عليه قَلَنسُوَةٌ لاطِئةٌ ذاتُ أذنين، وبُرنُسُ خَزٍّ أغبرُ، وإذا هو معتمدٌ على عصًا في صلاته، فقلنا بعد أن سلَّمنا، فقال:\nحدثتني أم قيس بنت محصن؛ أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحملَ اللحمَ، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (^٢).\n[صحيح، وهذا إسناد ضعيف] (^٣).\nقال الشوكاني في النَّيْلِ: «وقد ذكر جماعة من العلماء أن من احتاج في قيامه إلى أن يتكئ على عصا أو عكاز، أو يستند إلى حائط، أو يميل على أحد جانبيه جاز له ذلك» (^٤).\n[م-٤٩٠] وإن كان بحيث لو أزيل ما اتكأ عليه سقط:\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢١٩ - ٧٨٤).\n(^٢). سنن أبي داود (٩٤٨).\n(^٣). ومن طريق عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٧٧) ح ٤٣٤. وفي إسناده عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد، مجهول، لكنه قد توبع، تابعه ثقة.\nفقد أخرجه الحاكم في المستدرك (٩٧٥)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٩) من طريق عبيد الله بن موسى، أنبأ شيبان بن عبد الرحمن به.\n(^٤). نيل الأوطار (٢/ ٣٩٠).","vol":"1","page":437},{"text":"فقيل: يكره وهو مذهب الحنفية، واختاره صاحب الطراز من المالكية (^١).\nوقال الشافعية في الأصح: يكره ما لم يكن معلقًا بحيث يمكنه رفع رجليه دون أن يسقط، فإن صلاته تبطل؛ لأنه غير قائم (^٢).\nوقيل: لا تصح صلاته، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (^٣).\nوقال المالكية: لا يستند في ما هو فرض عليه في صلاته، فلا يستند للإحرام ولا لقراءة الفاتحة في حق من تجب عليه القراءة، ولا يستند في الركوع، ولا في هُوِيِّ الركوع والقيام، فإن استند عمدًا أو جهلًا، لا سهوًا بطلت، ويجوز الاستناد في قراءة ما زاد على الفاتحة دون الجلوس؛ فإنه يخل بهيئتها (^٤).\n• وجه القول ببطلان الصلاة بالاستناد:\nبأن الاعتماد يخل بالقيام، وترك القيام في الفريضة لا يجوز إلا من عذر.\n• وجه القول بالكراهة:\nأن الصلاة صحيحة؛ لوجود أصل القيام، ويكره الاعتماد؛ لأنه ينقص من كمال القيام بلا حاجة.\nوقال صاحب الطراز من المالكية: «لأنه قيام في العادة، ولو حلف لا يقوم، فقام متكئًا حنث، وأما قوله في الكتاب: لا يعجبني، فمحمول على الكراهة» (^٥).\nقال الشافعية: إلا أن يكون بحيث إذا رفع رجليه لم يسقط، فإنه يكون\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، المبسوط (١/ ٢٠٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٤)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٢١)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢)، فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، المجموع (٣/ ٢٥٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، طرح التثريب (٥/ ١٠٠)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٦٠١).\n(^٣). فتح العزيز (٣/ ٢٨٤)، المجموع (٣/ ٢٥٩)، الفروع (٢/ ٢٧٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٩)، المبدع (١/ ٤٢٥)، الإقناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٩)، كشاف القناع (١/ ٣٧١).\n(^٤). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٥، ٢٥٨)، الشرح الصغير (١/ ٣٦٠)، شرح الخرشي مع حاشية العدوي (١/ ٢٦٩، ٢٩٦)، الفواكه الدواني (١/ ٢٤١)، مواهب الجليل (٢/ ٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣١).\n(^٥). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦١).","vol":"1","page":438},{"text":"معلقًا، لا قائمًا.\nوأما مذهب المالكية فإن بناء مذهبهم راجع إلى توصيف ما زاد من القيام على القدر الواجب:\nأيلحق بالفرض لاتصاله به، وعدم تميزه، ولكونه لو جلس فيه مع قدرته لم تصح صلاته، وعليه فلو استند فيه بطلت صلاته، أم أن الزائد على القدر الواجب يعتبر نفلًا، والخلل إذا وقع في القدر المستحب، لا يؤثر على صحة الصلاة؛ لأن المصلي لو اقتصر على القدر الواجب، وركع، تمت صلاته؟\nفي هذه المسألة قولان لأهل العلم هما وجهان في مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nقال ابن الرفعة: هل يكون جميع قيامه فرضًا، أو قدر الفاتحة فقط، فيه وجهان» (^٢).\nوقال ابن رجب: «من وجبت عليه عبادة، فأتى بما لو اقتصر على ما دونه لأجزأه، هل يوصف الكل بالوجوب، أو قدر الإجزاء منه؟\nإن كانت الزيادة متميزة منفصلة، فلا إشكال في أنها نفل بانفرادها، كإخراج صاعين منفردين في الفطرة ونحوها، وأما إن لم تكن متميزة ففيه وجهان مذكوران في أصول الفقه» (^٣).\nوالصواب في هذه المسألة: أن الزيادة على الواجب إن تميزت كصلاة التطوع بالنسبة إلى المكتوبات فهي ندب بالاتفاق.\nوإن لم تتميز فالكل في حكم الواجب على الصحيح من قولي أهل العلم.\n_________\n(^١). قال في أسنى المطالب (١/ ١٤٦): «ولو طول الركن على ما يتأدى به الواجب فالكل فرض». وقال الإسنوي في تخريج الفروع على الأصول (ص: ٩١): «اختلف كلام النووي في ذلك اختلافًا عجيبًا، أوضحته في المهمات وغيره، فصحح في باب صفة الصلاة من زوائد الروضة أن الجميع يقع واجبًا، وصحح في أبواب كثيرة أن الزائد يقع نفلًا». وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٥٣٢)، فتاوى الرملي (١/ ٤٢)، المجموع شرح المهذب (١/ ٤٠٣)، شرح المقدمة الحضرمية (ص: ٣٢٢)، انظر القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام، القاعدة الثامنة عشرة، (ص: ١٤٣)، موسوعة القواعد الفقهية محمد بورنو (١١/ ١١١٠).\n(^٢). كفاية النبيه (٣/ ٥٧٦).\n(^٣). قواعد ابن رجب، القاعدة الثالثة (ص: ٥).","vol":"1","page":439},{"text":"ومن ذلك مسألتنا، فإن قراءة ما زاد على الفاتحة متصلة لا تتميز، فالكل واجب، والخلل بالقدر المستحب يعود بالبطلان على القدر الواجب ما دام متصلًا.\n\n* * *","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل السادس في سقوط القيام عن المصلي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الأول لا يجب القيام في صلاة النافلة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• النفل أوسع من الفرض، ولهذا جاز النفل قاعدًا وراكبًا، إلى القبلة وغيرها، وجاز في صيام النفل بنية من النهار.\n• التخفيف في النفل تيسيرًا من أجل تحصيله وتكثيره وتطويله.\n• أجر القائم على الضعف من أجر القاعد إلا من عذر\n[م-٤٩١] يجوز للقادر على القيام أن يتنفل قاعدًا؛ لأن النفل أوسع من الفرض، وقد سومح في النفل لتطلع الشارع إلى تكثيره وتطويله (^١).\n(ح-١١٩٧) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،\nعن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع (^٢).\nقال ابن عبد البر: «وكان رسول الله ﷺ يتنفل جالسًا .... وهذا كله لا خلاف\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٧٥)، إكمال المعلم (٣/ ٧٢)، التمهيد (٢١/ ١٦٥)، المسالك شرح موطأ مالك (٢/ ٢٤٠)، المنتقى للباجي (١/ ٢٤٣)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٧٠)، كشاف القناع (١/ ٤٤١)، المغني (٢/ ١٠٦).\n(^٢). البخاري (١١٤٨)، ومسلم (١١١ - ٧٣١).","vol":"1","page":441},{"text":"فيه والحمد لله» (^١).\n• فإن تنفل قاعدًا من غير عذر كان أجره على النصف من أجر القائم.\n(ح-١١٩٨) لما روى البخاري من طريق روح بن عبادة، ومن طريق عبد الوارث، كلاهما عن حسين، عن عبد الله بن بريدة، قال:\nحدثني عمران بن حصين -وكان مبسورًا- قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: إن صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا، فله نصف أجر القاعد (^٢).\nفقوله: (فإن صلى قائمًا فهو أفضل) دليل على أن الحديث في ترك القيام مع القدرة عليه.\nفإن كان جلوسه لعذر كتب له أجره كاملًا، لقوله تعالى: ﴿لَاّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].\nفاستثنى الله من القاعدين أهل الأعذار فإن لهم مثل أجر المجاهد.\n(ح-١١٩٩) لما رواه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل،\nعن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (^٣).\n(ح-١٢٠٠) وروى البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة:\nسمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ: إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا (^٤).\n(ح-١٢٠١) وأما ما رواه أحمد من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن\n_________\n(^١). الاستذكار (٢/ ١٨٠).\n(^٢). صحيح البخاري (١١١٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٤٤٢٣).\n(^٤). صحيح البخاري (٢٩٩٦).","vol":"1","page":442},{"text":"أبي عروبة، عن حسين المعلم، قال: وقد سمعته من حسين، عن عبد الله بن بريدة،\nعن عمران بن حصين، قال: كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله ﷺ عن صلاتي قاعدًا؟ قال: صلاتك على النصف من صلاتك قائمًا، وصلاة الرجل مضطجعًا على النصف من صلاته قاعدًا (^١).\nفإن ظاهر رواية عبد الوهاب بن عطاء أن المريض كالصحيح له نصف الأجر إذا صلى قاعدًا، إلا أن الحديث مداره على حسين المعلم، وقد رواه جماعة عن حسين المعلم، وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان ويزيد بن زريع، وروح بن عبادة وعبد الوارث بن سعيد وجماعة فلم يذكروا ما ذكره عبد الوهاب بن عطاء، عن حسين المعلم، وكان قد سمعه من سعيد بن أبي عروبة عن حسين (^٢).\n_________\n(^١). مسند الإمام أحمد (٤/ ٤٣٣).\n(^٢). الحديث رواه عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن عروبة وقد سمعه عبد الوهاب من حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين بزيادة (كنت رجلًا ذا أسقام كثيرة ...)\nوخالف عبد الوهاب كل من:\nروح بن عبادة كما في صحيح البخاري (١١١٥).\nوعبد الوارث بن سعيد كما في صحيح البخاري (١١١٥، ١١٦)، ومسند أحمد (٤/ ٤٤٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩١، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٩١)، والطب النبوي لأبي نعيم الأصبهاني (٤٦١).\nويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٤٣٥)، وسنن أبي داود (٩٥١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩٢، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٩)، والحلية لأبي نعيم (٨/ ٣٩٠).\nوإسحاق بن يوسف الأزرق كما في مسند أحمد (٤/ ٤٤٢)، ومنتقى ابن الجارود (٢٣٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٩١).\nوعيسى بن يونس كما في سنن الترمذي (٣٧١)، وأحكام القرآن للطحاوي (٤٤٨)، ومشكل الآثار (١٦٩٤)، ومختصر قيام الليل للمروزي (ص: ١٩٨)، والسراج في حديثه انتقاء الشحامي (٢٥٥١).\nويزيد بن زريع كما في سنن ابن ماجه (١٢٣١)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤٩).\nوسفيان بن حبيب كما في السنن الكبرى للنسائي (١٣٦٦)، وفي المجتبى (١٦٦٠).\nوأبو خالد الأحمر كما في صحيح ابن خزيمة (١٢٣٦، ١٢٤٩)،\nوأبو أسامة حماد بن أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٦٣٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٨/ ٢٣٦) ح ٥٩٠، وصحيح ابن حبان (٢٥١٣)، وسنن الدارقطني (١٥٦١)،\nوبشر بن المفضل كما في مسند البزار (٣٥١٣).\n\nويزيد بن هارون كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٧، ٦٩١) كلهم أحد عشر راويًا ...\nرووه عن حسين المعلم، فلم يذكروا زيادة عبد الوهاب، فالحديث في صلاة النفل قاعدًا من غير المعذور.","vol":"1","page":443},{"text":"يستثنى النبي ﷺ، فإن صلاته قاعدًا بلا عذر كتطوعه قائمًا في الأجر، وعَدَّ الشافعية ذلك من خصائصه ﷺ.\n(ح-١٢٠٢) لما رواه مسلم من طريق جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى،\nعن عبد الله بن عمرو، قال: حدثت أن رسول الله ﷺ، قال: صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة، قال: فأتيته، فوجدته يصلي جالسًا، فوضعت يدي على رأسه، فقال: ما لك يا عبد الله بن عمرو؟ قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة، وأنت تصلي قاعدًا، قال: أجل، ولكني لست كأحد منكم (^١).\nقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هو عند أصحابنا من خصائصه ﷺ، فجُعلت نافلته قاعدًا مع القدرة على القيام كنافلته قائمًا، تشريفًا له ...\nوقال القاضي عياض -﵀-: معناه أن النبي ﷺ لَحِقَه مشقَّة من القيام لحطم الناس، وللسِّنِّ، فكان أجره تامًّا، بخلاف غيره، ممن لا عذر له.\nوردَّ عليه النوويُّ، فقال: «هذا ضعيف، أو باطل؛ لأن غيره ﷺ إن كان معذورًا، فثوابه أيضًا كامل، وإن كان قادرًا على القيام، فليس هو كالمعذور، فلا يبقى فيه تخصيص، فلا يحسن على هذا التقدير (لست كأحد منكم)» (^٢).\nقال الحافظ: وهذا ينبني على أن المتكلم داخل في عموم خطابه، وهو الصحيح (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢٠ - ٧٣٥).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٥).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٥٨٦).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثاني افتتح النافلة قائمَا فأراد الجلوس من غير عذر</span>\nالمدخل في المسألة:\n• ما كان مستحبًّا لا يكون واجبًا بالشروع فيه إلا نفل الحج والعمرة.\n•لا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا، والأصل عدم الوجوب.\n• قالت عائشة: أهدي لنا حيس، فقال ﷺ: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فإذا جاز إبطال الصيام بعد الشروع فيه، جاز الجلوس في النفل بعد الشروع فيه قائمًا من باب أولى.\n[م-٤٩٢] لا خلاف فيمن افتتح النافلة قاعدًا أن له أن يقوم فيها؛ لأنه انتقال من الأدنى للأعلى (^١)، واختلفوا فيمن افتتحها قائمًا، ثم أراد أن يقعد:\nفقال أبو حنيفة، وابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد: يجوز، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وعليه عامة العلماء (^٢).\nقال ابن عبد البر: قال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز أن يقعد فيها\n_________\n(^١). التمهيد (٢١/ ١٦٥)، مواهب الجليل (٢/ ٦).\n(^٢). البناية شرح الهداية (٢/ ٥٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٩٧)، شرح التلقين (٢/ ٨١٨)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤٦)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٣٢)، المنتقى للباجي (١/ ٢٣٤)، صحيح البخاري لابن بطال (١/ ١٠٧)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٨٨)، إكمال المعلم (٢/ ٣٨٥)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، فتح الباري (٣/ ٣٣)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٨/ ٥٤٠)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١١)، الكافي في فقه أحمد (١/ ٢٧٠)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٠٦)، كشاف القناع (١/ ٤٤١)، نيل الأوطار (٣/ ١٠١)، مرعاة المفاتيح (٤/ ١٣٦)، عون المعبود (٣/ ١٦٤).","vol":"1","page":445},{"text":"كما يجوز له أن يفتتحها قاعدًا (^١).\nقال النووي: «هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامة العلماء، وسواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام ...» (^٢).\nوقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وأشهب من المالكية: من افتتح النافلة قائمًا فليس له أن يجلس فيها إلا من عذر (^٣).\nوقيل: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، ذكره اللخمي (^٤).\nوقال ابن يونس في الجامع تعليقًا: لا يختلف في هذا قول ابن القاسم وأشهب؛ لأن من نوى شيئًا، ودخل فيه لزمه حكمه، وصار حكمه حكم من نذر شيئًا بلسانه، وإنما اختلفا إذا افتتحها قائمًا من غير نية.\nوحكي لنا عن أبي عمران أن ذلك لا يلزمه بالنية، والدخول فيه، بخلاف الاعتكاف وصوم اليوم؛ لأن هذا لا يتجزأ، فيلزمه بالدخول فيه. والقراءة في الصلاة تتجزأ، وله إذا افتتح القراءة في الصلاة مع أم القرآن بسورة طويلة أن لا يتمها، ففارق صوم اليوم والاعتكاف» (^٥).\n(ح-١٢٠٣) ويشهد لقول أبي عمران، ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة،\nأن أنس بن مالك، حدثه أن النبي ﷺ قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه (^٦).\n_________\n(^١). التمهيد (٢٢/ ١٢٢).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١١).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٩٧)، النوادر والزيادات (١/ ٥٢٩)، شرح التلقين (٢/ ٨١٨)، المنتقى للباجي (١/ ٢٣٤).\n\nوقال محمد ميارة المالكي في الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٩): ومن افتتح النافلة قائمًا، ثم شاء الجلوس فقولان لابن القاسم وأشهب، بخلاف العكس فيجوز اتفاقًا.\n(^٤). الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٩).\n(^٥). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٣٣).\n(^٦). صحيح البخاري (٧٠٩)، وصحيح مسلم (١٩٢ - ٤٧٠).","vol":"1","page":446},{"text":"• دليل الجمهور على جواز الجلوس لمن دخل في النفل قائمًا وبالعكس:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم الوجوب، فلا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا.\nالدليل الثاني:\nإذا كان النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أهدي لنا حيس، فقال ﷺ: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا (^١)، فكذلك لا يجب القيام بالنافلة بالشروع فيه من باب أولى (^٢).\nالدليل الثالث:\nولأنه إذا جاز له القيام بعدما دخل في الصلاة جالسًا بالاتفاق،\n(ح-١٢٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،\nعن عائشة، قالت: ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع (^٣).\n_________\n(^١). رواه مسلم (١٧٠ - ١١٥٤) من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂.\n(^٢). اختلف الفقهاء في وجوب إتمام نفل الصلاة بالشروع فيه بعد اتفاق الأئمة الأربعة على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة؛ لوجوب المضي في فاسده.\n\nفقال الحنفية: يجب الإتمام بالشروع فيه، ولو أفسده وجب قضاؤه مطلقًا، قياسًا على نفل الحج والعمرة.\nوقال الشافعية والحنابلة: لا يجب إتمام النفل مطلقًا؛ لأنه لا يجب المضي في فاسده.\nوقال المالكية: إن قطع النفل بعذر لم يجب الإتمام، وإن قطعه بلا عذر وجب إتمام نفل يبنى آخره على أوله، كالصلاة، والصوم والاعتكاف وطواف التطوع، وائتمام المقتدي.\nانظر بدائع الصنائع (١/ ١٦٤)، البحر الرائق (٢/ ٦١)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٢)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٣١)، البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٣٨٤)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤١٢)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (١/ ٤١٠)، نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٤٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٥٤٦).\n(^٣). البخاري (١١٤٨)، ومسلم (١١١ - ٧٣١).","vol":"1","page":447},{"text":"جاز له العكس، وهو أن يقعد بعدما دخل جالسًا.\n• دليل من قال: إذا دخل فيها قائمًا لم يجلس:\nالدليل الأول:\nالواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.\nوما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، وكالشروع بالنفل على صفة معينة، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.\nوقياسًا على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، [البقرة: ١٩٦]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما قياس عليهما.\nوقد سبق الرد على هذه المسألة في مسألة وجوب إتمام تحية المسجد بالشروع فيها، فانظره هناك.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٠٥) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق، قال:\nسألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ، عن تطوعه؟ وفيه: .... كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ، وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد، وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين (^١).\n• ويجاب:\nإذا جازت ثلاث صور بالنص جازت الصورة الرابعة بالقياس.\nفحديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة دل على جواز صورتين:\nالأولى: أن يصلي قائمًا في كل تطوعه.\nالثانية: أن يصلي قاعدًا في كل تطوعه.\nوأما الصورة الثالثة: فدل عليها حديث عروة، عن عائشة: أن يصلي قاعدًا في أول تطوعه، ثم يقوم فيقرأ بعض القراءة، ثم يركع ويسجد قائمًا.\nفهذه الصور الثلاث جاء النص بجوازها، ولم يختلف فيها.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٠٥ - ٧٣٠).","vol":"1","page":448},{"text":"وتبقى الصورة الرابعة: أن يكون قائمًا في أول صلاته، ثم يجلس، ودليل الجمهور على صحة هذه الصورة بالقياس على عكسها، فإذا صح بالنص أن يقعد ثم يقوم، صح منه أن يقوم ثم يقعد، ولا دليل على لزوم الصفة بالشروع فيها، فهذا النبي ﷺ يدخل في الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها، والإطالة صفة في الصلاة فإذا جاز له تغيير ما التزمه بنيته جاز له الجلوس بعد أن كان قائمًا، فما كان من أفعال الصلاة ليس واجبًا كالقيام في النفل لا يتحول إلى واجب بمجرد الشروع، قياسًا على جميع أفعال الصلاة التي ليست واجبة.\n\n* * *","vol":"1","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الثالث يسقط القيام بالعجز</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• جميع التكاليف مشروطة بالقدرة؛ إذ لا تكليف إلا بمقدور.\n• إذا أمكن العاجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا، أو متكئًا، كان هذا فرضه، فلا يجوز الانتقال عنه إلى القعود.\n• القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى القيام الواجب عليه من الجلوس.\n• العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلًا عن القيام، والإيماء بدلًا عن الركوع والسجود، وإن لم يكن له بدل سقط.\n• لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.\n• ما سقط من الأركان بسبب العجز أو الخوف فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.\n[م-٤٩٣] يسقط القيام بالعجز عنه، وقد دل على ذلك النص والإجماع.\nأما النص: فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nفالقدرة شرط في جميع التكاليف، فكل ما عجز عنه من شروط الصلاة وواجباتها فإنه يسقط بالعجز عنه حتى يصير إلى الإغماء، فيسقط جميع ذلك (^١).\nقال ابن تيمية: «فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزًا عن أحدهما سقط عنه\n_________\n(^١). انظر التمهيد لابن عبد البر (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":450},{"text":"ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (^١).\nوقال أيضًا: «الشريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة والقدرة» (^٢).\nومن السنة دليل عام وخاص:\n(ح-١٢٠٦) أما العام فلما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: .... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، ورواه مسلم (^٣).\n(ح-١٢٠٧) وأما الخاص فلما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\nعن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِ (^٤).\nفدل الحديث على أن القيام لا يسقط فرضه في صلاة الفريضة إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عن القيام استقلالًا، وأمكنه القيام مستندًا أو متكئًا فهذا فرضه، فلا يجوز الانتقال عنه مع القدرة عليه؛ لأن القيام معتمدًا على شيء أقرب إلى فرضه الواجب عليه من الجلوس.\nفإذا لم يطق الصلاة قائمًا مستندًا صلى قاعدًا استقلالًا؛ لحديث عمران السابق، ولأن الجلوس هيئة من هيئات الصلاة فلم يجز له تركه مع القدرة عليه كالقيام.\nفإن عجز عن الجلوس استقلالًا، ففرضه الجلوس مستندًا، ولا يسقط فرض القعود إلا بالعجز عنه، فإذا عجز عنه صلى على جنبه، وسوف يأتينا إن شاء الله صفة صلاة أهل الأعذار.\nوأما الدليل من الإجماع: فقال ابن بطال في شرح البخاري: «العلماء مجمعون\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢١/ ٦٣٤).\n(^٢). مجموع الفتاوى (٨/ ٤٣٨).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (١٣٠ - ١٣٣٧).\n(^٤). صحيح البخاري (١١١٧).","vol":"1","page":451},{"text":"أن فرض من لا يطيق القيام أن يُصَلِّيَ الفريضة جالسًا» (^١).\nوقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا» (^٢).\nوكذلك نقل الإجماع ابن حزم في المحلى، والخطيب في مغني المحتاج (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). شرح البخاري (٣/ ١٠٢).\n(^٢). المغني (٢/ ١٠٦).\n(^٣). مغني المحتاج (١/ ٣٤٨)، المحلى (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الرابع ضابط العجز المسقط للقيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• العجز عن القيام لا يراد به عدم الإمكان، وحكي إجماعًا.\n• كل ما لم يرد ضبطه في الشرع على وجه التحديد فالعمل به على وجه التقريب.\n• ما لم يرد ضبطه بالتحديد من قبل الشارع أريد منه التوسعة؛ لتفاوت الناس في تحمل المشاق، فكان المصلي هو المحكم لا ذات المشقة.\n• قاعدة: المشقة تجلب التيسير؛ من القواعد المتفق عليها في الجملة.\n• الضابط في المشقة: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة. انظر الأمثلة في البحث.\n• المشقة الخفيفة وما قرب منها لا تسقط القيام، والعجز عن القيام وما قرب منه يسقطه، والاجتهاد فيما بين ذلك من المشاق.\n• المشقة ليست علة لسقوط القيام، وإلا لسقط القيام عن الصحيح إذا شق عليه القيام، وإنما العلة هو المرض إذا كان مظنة لزيادة الألم، أو المرض، أو تأخر البرء، أو الذهول عن الخشوع والتدبر.\n• المشقة التي لا تنفك عن العبادة كالوضوء في البرد والصوم في الحر والمخاطرة في النفس بالجهاد لا توجب تخفيفًا في العبادة؛ لأنه فرض معها.\n• يشترط في الانتقال من القعود إلى الاضطجاع عذر أشق من الانتقال من القيام إلى القعود؛ لأن الاضطجاع منافٍ لتعظيم العبادات، بخلاف القعود فإنه مباح بلا عذر كما في التشهد، ولأن القعود أقل كلفة على المريض من القيام (^١).\n_________\n(^١). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٢)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ١٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨١).","vol":"1","page":453},{"text":"[م-٤٩٤] المصلي الذي لا يقدر على القيام فهذا لا خلاف أنه يصلي قاعدًا ضرورة، ولا يكلف بالقيام؛ لأنه تكليف بما لا يطاق.\nوأما المشقة الخفيفة التي لا يُخْشَى منها زيادةٌ في المرض، ولا تَأَخُّرٌ في البرء، ولا تلهي عن الخشوع في الصلاة، ولا عن تدبر الأذكار، فهذه لا تسقط القيام.\nوهناك مشقة بين هاتين المرتبتين، فما دنا من العليا أوجب التخفيف، وما قرب من الدنيا، كحمى خفيفة لم يوجبه، ولا يوجد ضابط يمكن الرجوع إليه إلا بالتقريب، وقد ذكر القرافي أن المشاق تختلف باختلاف رتب العبادات فما كان في نظر الشرع أهم يشترط في إسقاطه أشد المشاق أو أعمها، وما لم تعظم مرتبته في نظر الشرع تؤثر فيه المشاق الخفيفة.\nوقد أشار الشيخ العز بن عبد السلام إلى أن الأولى في ضبط مشاق العبادات: أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تخفيف تلك العبادة، فإن كانت مثلها، أو أزيد، ثبتت الرخصة، وإن كانت أدنى منها لم توجب التخفيف.\nولذلك اعتبر في مشقة المرض المبيح للفطر في الصوم: أن يلحقه مشقة في الحضر بسبب المرض كمشقة الصوم في السفر.\nوفي إباحة محظورات الإحرام: أن يحصل بتركها، مثل مشقة القمل الوارد فيه الرخصة.\nوفي إباحة ترك القيام إلى القعود: أن يحصل به ما يشوش الخشوع وتدبر الأذكار، ولا يشترط فيها الضرورة، ولا العجز عن صورة القيام اتفاقًا (^١).\nقال القرافي: لا تشترط الضرورة، ولا العجز عن إيقاع صورة القيام إجماعًا (^٢).\nفإذا كان العجز لا يراد به معناه اللغوي: أي عدم الإمكان، فمتى يسمى المصلي عاجزًا شرعًا عن القيام؟\n_________\n(^١). الفروق للقرافي (١/ ١١٩، ١٢١)، قواعد الأحكام (٢/ ١١، ١٢)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٨١)، وانظر: حاشية الجمل (١/ ٣٤٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨)، كفاية النبيه (٤/ ٩٢).\n(^٢). القرافي في الذخيرة (٢/ ١٦٢)، وحكاه ابن عبد السلام في القواعد (٢/ ١٢)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٧٢)،.","vol":"1","page":454},{"text":"اختلف العلماء في هذا:\nفقيل: إذا غلب على ظن المصلي زيادةٌ في مرضه، أو تَأَخُرٌ في برئه، أو تَعَرُّضٌ لمشقة شديدة بسبب المرض صلى جالسًا، وهذا هو ضابط العجز عند الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والأصح عند الحنابلة (^١).\nوقيدت (المشقة) بسبب المرض؛ لأن الصحيح إذا لحقته مشقة فادحة بسبب القيام لا يسقط عنه القيام؛ لأن المشقة مشقة حالية تنقضي بانقضاء الصلاة، فهي خفيفة، فإن كان مع المشقة مرض صلى جالسًا؛ لأن المشقة مع المرض يخشى منها حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر برء ونحوه (^٢).\n• واستدل الجمهور على مذهبهم:\nالدليل الأول:\nمن الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nوقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nومن القواعد المتفق عليها: أن المشقة تجلب التيسير.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٠٨) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب،\nعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا، فَصُرِعَ عنه فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاةً من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودًا ... (^٣).\nورواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري به، وفيه: ... فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا ... الحديث (^٤).\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ١٢١)، تبيين الحقائق (١/ ٢٠٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٦)، فتح القدير (٢/ ٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٤)، الموافقات (١/ ٣٣١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٥٨)، منح الجليل (١/ ٢٧٣)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٨)، الإنصاف (٢/ ٣٠٥)، المبدع (٢/ ١٠٨)، كشاف القناع (١/ ٤٩٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٠٦).\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٦).\n(^٣). صحيح البخاري (٦٨٩)، وصحيح مسلم (٨٠ - ٤١١).\n(^٤). صحيح البخاري (٨٠٥)، وصحيح مسلم (٧٧ - ٤١١).","vol":"1","page":455},{"text":"وجه الاستدلال:\nفقوله: (فحضرت الصلاة) أي حضر وقتها، وأل في (الصلاة) للعهد، لأنها هي التي تحضر بحضور وقتها، وتعقد لها الجماعة.\nقال ابن قدامة: «والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية، لكن لما شَقَّ عليه القيام سقط عنه» (^١).\nالدليل الثاني:\nقال الله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nوجه الاستدلال:\nفالمسافر أقوى على الصوم من المريض على القيام بالصلاة، والصوم أحد أركان الإسلام، فتقاس عليه الصلاة بجامع المشقة، وإن لم يتعذر عليه القيام.\nالدليل الثالث:\nولأنه لو تحمل الصلاة، فقام، فزاد مرضه بسبب ذلك أَثِمَ؛ لأن الإنسان ممنوع من إلحاق الضرر ببدنه.\nوقيل: ضابط العجز: أن يلحقه بالقيام مشقة تلهيه عن الخشوع وتدبر الأذكار، اختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية (^٢).\n• ورد هذا القول:\nبأن إذهاب الخشوع لا ينشأ إلا عن حصول مشقة شديدة، فلا فرق بين القولين (^٣).\n• واستدل أصحاب هذا القول:\nالدليل الأول:\nبأن مراعاة الخشوع وتحصيل التدبر في الصلاة مقصود من إقامة الصلاة،\nقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\n_________\n(^١). المغني (٢/ ١٠٨، ١٠٩)، وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٩٠).\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٢)، قواعد الأحكام بمصالح الأنام (٢/ ١٢)، المنثور في القواعد الفقهية (٣/ ١٧٢)، المجموع (٤/ ٣١٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨)، حاشية الجمل (١/ ٣٤٠).\n(^٣). انظر: مغني المحتاج (١/ ٣٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":456},{"text":"وقال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٠٩) ما رواه مسلم من طريق يعقوب بن مجاهد، عن ابن أبي عتيق،\nعن عائشة، قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (^١).\n(ح-١٢١٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري،\nعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: إذا حضر العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، وهذا لفظ مسلم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفمن أجْلِ كمال الخشوع قُدِّمَ الطعام على الصلاة، حتى ولو أقيمت الصلاة، فكيف إذا كان ألم المشقة مع القيام يذهب بأصل الخشوع أو أكثره.\nوقيل: لا يصلي قاعدًا إذا أمكنه القيام، وهو رواية عن أحمد، وحكاه الباجي في شرح الموطأ (^٣).\nوقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلى جالسًا (^٤).\n• ودليل هذا القول:\n(ح-١٢١١) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\nعن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (^٥).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٧ - ٥٦٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٧٢)، وصحيح مسلم (٦٤ - ٥٥٧).\n(^٣). قال الباجي في المنتقى (١/ ٢٤١): «فأما من تجوز له الفريضة قاعدًا فهو المقعد الذي لا يقدر على القيام، أو المريض الذي لا يستطيع بحال ....».\nوقال في الإنصاف (٢/ ٣٠٥): «وعنه -أي عن أحمد- لا يصلي قاعدًا إلا إذا عجز عن القيام».\n(^٤). الأوسط لابن المنذر (٤/ ٣٧٣)، المغني لابن قدامة (٢/ ١٠٦).\n(^٥). صحيح البخاري (١١١٧).","vol":"1","page":457},{"text":"فما دام قادرًا على القيام وإن كان بمشقة فالقيام واجب، وهذا القول أضعفها؛ لأن من قام في الصلاة، وهو يتوجع من القيام، ويذهله الألم عن إقامة حق الصلاة من خشوع وتدبر فهو لم يستطع شرعًا، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>المبحث الخامس سقوط القيام بالخوف</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• قال الشافعي: ليس لمصلي المكتوبة أن يصلي راكبًا إلا في خوف (^١).\n• تأخير الصلاة يوم الخندق نُسِخَ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وهو من نسخ السنة بالقرآن.\n• حذف المتعلق في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ليَعُمَّ، فيشمل الخوف حال القتال، ومن اللصوص، والسباع، ومن تفويت ما يخاف تفويته.\n• الخوف عجز شرعي رخصة من الشارع في إسقاط بعض الأركان، بمنزلة العجز الحسي.\n• الخوف لا يعتبر عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها فضلًا عن إسقاطها إلا أن تتعذر معه الصلاة.\n• العجز عن بعض الأركان، إن كان له بدل انتقل إليه، كالقعود بدلًا عن القيام، والإيماء بدلًا عن الركوع والسجود، وإن لم يكن له بدل سقط.\n• لا تؤخر الصلاة عن وقتها بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.\n• ما سقط من الأركان فقد انتفى التكليف به، فلا وجه للقول بإعادة الصلاة إذا قدر.\n[م-٤٩٥] ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخوف عذر يسقط به القيام في الصلاة، فإذا خاف على نفسه، أو على ماله من عدو، أو قصده سبع، أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فهرب منه فإنه يصلي بالإيماء ماشيًا أو راكبًا، أو قاعدًا،\n_________\n(^١). الرسالة للشافعي (ص: ١٢٥).","vol":"1","page":459},{"text":"واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت بناء على ما قعدوه في المذهب، وسبق مناقشتهم (^١).\nوقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الهارب من العدو ماشيًا، والراكب الذي يقاتل لا يصلي، فإن كان الراكب لا يقاتل ولم يتمكن من النزول صلى على دابته.\nوقال أبو يوسف: يصلون بالإيماء تشبهًا ثم يعيدون (^٢).\nوقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الراكب لا يصلي الفريضة على دابته، وإن كان في حال لا يمكنه فيها النزول (^٣).\nوسبق بحث الصلاة حال المسايفة عند الكلام على استقبال القبلة.\nوقد ذكر الماوردي أن الخوف يسقط به من فروض الصلاة ثلاثة أشياء:\nأحدها: القيام في الصلاة إذا لم يقدر عليه.\nالثاني: التوجه إلى القبلة إذا عجز عنه.\nالثالث: استيفاء الركوع والسجود، ويعدل عنه إلى الإيماء إذا لم يمكنه، فلو قدر على بعضها، وعجز عن بعضها لزمه ما قدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه (^٤).\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (٢/ ١٠٢)، المدونة (١/ ١٧٤) المنتقى للباجي (١/ ٣٢٥)، النوادر والزيادات (١/ ٢٤٩)، تفسير القرطبي (٣/ ٢٢٣)، التبصرة (١/ ٣١٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٤١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٠٣)، إرشاد السالك (١/ ١٤)، منهاج الطالبين (ص: ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٥٧٨)، روضة الطالبين (٢/ ٦٠)، تحفة المحتاج (٣/ ١٢)، نهاية المحتاج (٢/ ٣٦٨)، بداية المحتاج (١/ ٤٠٢)، مختصر الخرقي (ص: ٢١)، المغني (١/ ٣١٣)، شرح الزركشي (١/ ٥٢٥)، الإنصاف (٢/ ٣٥٩)، الإقناع (١/ ١٨٨)، منتهى الإرادات (١/ ٣٠٧).\n(^٢). الأصل للشيباني (١/ ٣٩٩)، المبسوط (١/ ١٢٣)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ١٠١)، اللباب في شرح الكتاب (١/ ١٢٤)، الهداية شرح البداية (١/ ٨٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٦).\n(^٣). شرح معاني الآثار (١/ ٣٢١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٢/ ١٢٨)، عمدة القارئ (٦/ ٢٥٨)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٥٣٨)، المسالك شرح موطأ مالك (٣/ ٢٧٧)، التوضيح شرح البخاري لابن الملقن (٨/ ٢٦).\n(^٤). الحاوي الكبير (٢/ ٧٢، ٧٣).","vol":"1","page":460},{"text":"والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\nأي: إن خفتم فصلوا الصلاة (رجالًا) أي: ماشين على أرجلكم.\n(أو ركبانًا) على الإبل وغيرها من المركوبات؛ لأن فرض الأرض يسقط بالخوف، فيصلي إيماء ماشيًا أو راكبًا.\nوحذف المتعلق ليعم، فيشمل الخوف من العدو حال القتال، والخوف من اللصوص وقطاع الطرق، والخوف من السباع، أو من سيل يغرقه، فكل أمر يخاف منه فهو مبيح لما تضمنته هذه الآية كالخوف من فوات ما يتضرر بفواته أو تفويته (^١).\nواختلف العلماء في إعادة الصلاة بعد ذهاب الخوف، وقد تكلمت على المسألة حين الكلام على شرط استقبال القبلة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر المنتقى للباجي (١/ ٣٢٥)، تفسير القرطبي (٣/ ٢٢٣)، تفسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ص:٧٤).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث السادس في سقوط القيام من أجل المحافظة على الطهارة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• شروط العبادة ليست أولى بالمراعاة من العبادة نفسها.\n• العبادة تتكون من مجموعة أركانها، فالعبادة غاية، والشروط بمنزلة الوسيلة إليها، والغايات مقدمة على الوسائل.\n• المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.\n• الطهارة إذا فعلت لا تبطل بالسلس كالمستحاضة؛ لبقاء حكمها.\n• الجلوس يفعله المصلي باختياره مع قدرته على القيام فيؤاخذ بذلك، والريح يخرج من المصلي مغلوبًا، فليس من كسبه، فلا يُؤَاخَذُ به.\n[م-٤٩٦] اختلف العلماء في مُصَلٍّ إنْ صلى قائمًا لم يتحكم بالريح، فتنتقض طهارته، وإنْ صلى جالسًا أمكن مقعدته، فحافظ على شرط الطهارة، أيراعي الركن فيصلي قائمًا، أم يراعي شرط الطهارة، فيصلي جالسًا؟\nللعلماء فيها قولان، هما قولان في مذهب المالكية.\nفقيل: يصلي قاعدًا، اختاره ابن عبد الحكم، وهو المعتمد في مذهب المالكية (^١).\nوجهه: أن المحافظة على الشرط أولى لأن الشرط يستمر من أول العبادة إلى آخرها، بخلاف الركن فهو جزء من العبادة في الجملة.\n_________\n(^١). شرح الخرشي (١/ ٢٩٥)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٧)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٩٠)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٦١٧).","vol":"1","page":462},{"text":"وقد يستدل له أيضًا: أن الركن له بدل، وهو القعود، فينتقل إليه، بخلاف الطهارة في السلس فإنها تسقط إلى غير بدل فالمحافظة عليها أولى.\nوقيل: يصلي قائمًا، اختاره سند من المالكية (^١).\nوجهه: أن القيام لا يسقط إلا بالخوف لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].\nأو بالعجز لحديث عمران (صَلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا)، رواه البخاري وسبق تخريجه، فإذا كان القيام مقدورًا بلا خوف فهو باقٍ على وجوبه، والطهارة إذا فعلها لا تبطل بالسلس؛ لبقاء حكمها.\nويمكن أن يستدل له أيضًا: أن الركن من ذات العبادة، والشرط خارج عنها، والمحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بأمر خارج عن العبادة.\nولأن الركن غاية؛ لكونه جزءًا من حقيقة الصلاة، والشرط وسيلة إليها، والغاية أولى بالمراعاة.\nوقد يقال: إن الاختيار بينهما ليس على سبيل الوجوب، فللمصلي أن يفعل منهما ما شاء، فكل واحد من الفعلين له ما يُسَوِّغُه، وإنما البحث في أيهما أفضل في المراعاة؛ لأن كل واحد منهما آكد من الآخر من وجه، فله أن يتخير بينهما، كما قال ذلك بعض الفقهاء في صلاة العريان إن جلس ستر نفسه، وإن قام حافظ على ركن العبادة، فقالوا: يتخير بينهما، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر المراجع السابقة.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث السابع في المراوحة بين القدمين في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأصل في القدمين أن تكونا على طبيعتهما حال القيام في الصلاة، بلا تفريج ولا إلصاق.\n• المراوحة بين القدمين في الصلاة لا ينافي القيام الواجب؛ لأن الاعتماد فيها على القدم، وليس على أمر خارج.\n• ما جاز فيه الاعتماد على كلتا القدمين جاز فيه الاعتماد على إحداهما؛ فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة.\n• المراوحة اليسيرة الأصل فيها الإباحة؛ لأنه ليس من عادة الناس في الصلاة إذا قاموا في الصلاة ألا يتحرك منهم شيء.\n• المراوحة تأخذ حكم الحركة في الصلاة، فتنزل عليها أحكامها.\n• المراوحة إذا أعانت على مشروع كانت مشروعة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.\n• المراوحة الكثيرة تستحب مع الحاجة وتكره بلا حاجة؛ لما فيها من الحركة، والتفريج بين القدمين، وإظهار الكسل، وعدم ترويض النفس على العبادة.\n• المراوحة في النفل مع طول القيام مستحبة ما لم يلحقه تعب لا يدفع بالمراوحة؛ لقوله ﷺ: لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه. رواه مسلم.\nتفسير المراوحة:\nجاء في تفسير المراوحة قولان:\nأحدهما: أن يعتمد على إحدى قدميه مرة، وعلى الأخرى مرة؛ مع وضع القدمين على الأرض دون رفع إحداهما، وهذا تعريف الحنفية، والشافعية","vol":"1","page":464},{"text":"والحنابلة، وأحد التفسيرين في مذهب المالكية (^١).\nالقول الثاني: قال خليل في التوضيح: ترويح الرجلين: أن يرفع واحدة، ويعتمد على الأخرى (^٢).\nوبعض المالكية جمع بين القولين، فعرَّف المراوحة: بأن يعتمد على واحدة، ويقدم الأخرى غير معتمد عليها، أو يرفعها، ويضعها على ساقه (^٣).\nوإذا تأملت وجدت أن كلا الفعلين يَصْدُق عليه أن فيه مراوحة بين قدميه؛ لكون الاعتماد يقوم على إحدى قدميه ويُرِيح الأخرى، سواء أكان ذلك برفعها، أم بتخفيف الاعتماد عليها، وإن لم يرفعها، وإن كانت المراوحة في الصورة الأولى أخف من الصورة الثانية؛ لأن الصورة الأولى كلتا قدميه على الأرض، فهو أقرب إلى القيام المعتدل.\n[م-٤٩٧] وقد اختلف الفقهاء في المراوحة:\nفقيل: المراوحة أفضل، وهو مذهب الحنفية، وقطع بعض الحنابلة باستحبابه مطلقًا (^٤).\nوقال أحمد في رواية حرب، «وقد سأله، الرجل يصف بين قدميه أحب إليك، أم يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة؟ قال: يراوح بين قدميه أحب إليَّّّ، يعتمد على هذه مرة، وعلى هذه مرة» (^٥).\n«وقال الأثر: «رأيت أبا عبد الله يفرِّج بين قدميه، ورأيته يراوح بينهما» (^٦).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٦٢)، نخب الأفكار شرح معاني الآثار (٤/ ٢١٤)، شرح الخرشي (١/ ٣٢٣)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٣)، المغني لابن قدامة (٢/ ٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٠)، مطالب أولى النهى (١/ ٤٨٠).\n(^٢). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٩٤).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٥٥٠).\n(^٤). مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٦٢)، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١/ ٧٧)، بدائع الفوائد (٣/ ٨٨)، المغني (٢/ ٧).\n(^٥). بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٨٨).\n(^٦). المغني (٢/ ٧)، وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٠)، وانظر الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ١٦٨).","vol":"1","page":465},{"text":"وقيل: تباح مطلقًا، وبه قال مالك والشافعي، وابن حزم (^١).\nقال خليل في التوضيح: «ظاهر المدونة جوازه مطلقًا» (^٢).\nوقال ابن المنذر في الإشراف: «كان مالك وأحمد، وإسحاق لا يرون بأسًا أن يراوح الرجل بين قدميه، وبه نقول» (^٣).\nوقيل: يكره إلا لطول قيام، اختاره ابن عبد السلام وابن فرحون من المالكية (^٤).\nومفهومه أن مع طول القيام تكون المراوحة مباحة.\nوقيل: تستحب المراوحة مع الحاجة كما لو طال القيام، وتكره كثرتها، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٥).\nومفهومه: أن المراوحة اليسيرة بلا حاجة مباحة؛ لأنهم لم يكرهوا إلا الكثيرة.\nفصارت المراوحة إما مستحبة مطلقًا كالحنفية أو مع طول القيام كما هو المعتمد عند الحنابلة.\nوإما تباح مطلقًا كما هو مذهب المالكية والشافعية، أو تباح مع طول القيام كما هو اختيار بعض المالكية.\n• دليل من قال: المراوحة سنة مطلقًا:\n(ح-١٢١٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان،\n_________\n(^١). نص الدسوقي في حاشيته (١/ ٢٥٤) بأن المصلي إذا لم يعتمد عليهما دائمًا، بأن راوح بينهما فلا كراهة، ونفي الكراهة يعني الإباحة. وانظر: التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٩١)، التوضيح لخليل (١/ ٣٩٤)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٦٧)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٢٤)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦٣)، حاشية الجمل (١/ ٤٤٠)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ٢٢٠، ٢٢١).\n(^٢). التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٩٤).\n(^٣). الإشراف على مذاهب العلماء (٢/ ٦٠).\n(^٤). مواهب الجليل (١/ ٥٥٠).\n(^٥). جاء في شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٠): «وسُنَّ لِمُصَلِّ تفرقته بين قدميه ومراوحته بين قدميه بأن يقر على إحداهما مرة، ثم على الأخرى أخرى، إذا طال قيامه».\nوانظر: مطالب أولي النهى (١/ ٤٨٠)، المغني (٢/ ٧)، الإنصاف (٢/ ٦٩)","vol":"1","page":466},{"text":"عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، قال:\nخرج عبد الله من داره إلى المسجد، وإذا رجل يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال عبد الله: أما هذا فقد أخطأ السنة، ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ (^١).\n[رجاله ثقات، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٧٠٦٢).\n(^٢). الحديث أُعِل بأكثر من علة،\nالعلة الأولى: أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٩): «حديث أبي عبيدة عن أبيه مرسل».\nوقال النسائي: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد.\nقلت: وإن لم يسمع من أبيه فإنه في حكم المسند عند المحققين من أهل العلم.\nجاء في شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٥٤٤): «قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت.\nقال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني: في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأتِ فيها بحديث منكر».\nقال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ١٧٤): «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة».\nوقال أيضًا (٨/ ٣٥٠): «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم».\nوقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه ... ولم يكن في أصحاب عبد الله من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل إنه لم يسمع من أبيه».\nالعلة الثانية: الاختلاف على المنهال بن عمرو في قوله: (خالف السنة)، وفي رواية: (أخطأ السنة)، وهما بمعنى.\n\nفقد رواه ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة: أن عبد الله رأى رجلًا يصلِّي قد صفَّ بين قدميه، فقال: خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل.\nفقوله: (خالف السنة) إطلاق السنة ينصرف إلى سنة النبي ﷺ، فيكون له حكم الرفع.\nرواه سفيان الثوري كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٠٦٢)، وفي المجتبى من سنن النسائي (٨٩٢)، والسنن الكبرى له (٩٦٨)\nورواه شعبة كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٩٣)، والسنن الكبرى له (٩٦٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٠) ح ٩٣٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٩)، ...\nكلاهما (سفيان وشعبة) عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو به.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٠٦)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٠) ح ٩٣٤٦، عن الثوري، عن رجل، عن المنهال به. وهذا الرجل هو ميسرة.\nورواية سفيان بلفظ: (خالف السنة) وقال شعبة: (أخطأ السنة). ...\nوخالف الأعمش ميسرة بن حبيب فرواه عن المنهال موقوفًا ليس فيه قوله: (خالف السنة)،\nرواه ابن أبي شيبة ف المصنف (٧٠٦١) حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن المنهال، عن أبي عبيدة، قال: رأى رجلًا يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل.\nوالأعمش مقدم على ميسرة بن حبيب، من جهتين من جهة أنه أكثر أخذًا للحديث عن المنهال بن عمرو من ميسرة. والثانية: أن الأعمش أعلم بحديث ابن مسعود من غيره.\nقال سفيان بن عاصم: سمعت القاسم أبا عبد الرحمن يقول: ما أحد أعلم بحديث ابن مسعود من الأعمش. انظر سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٣٣).\nوحفص بن غياث من المشهورين بالأخذ عن الأعمش، وقد احتج الشيخان، وأصحاب السنن بروايته عن الأعمش، إلا أن حفصًا تغير حفظه قليلًا بعد ما ولي القضاء.\nوسواء أقلنا: إن قوله: (خالف السنة) محفوظة أم لا، فهي متوجهة لإلصاق القدمين، وأما المراوحة فهي موقوفة على ابن مسعود، لا غير.","vol":"1","page":467},{"text":"• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن قوله: (فقد أخطأ السنة) إطلاق السنة المقصود به سنة النبي ﷺ، إلا أن هذا القدر المرفوع من الحديث متجه إلى إلصاق القدمين بعضهما ببعض، ولا شك أن هذا مخالف للسنة.\n(ث-٢٨٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، قال:\nكنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال: ألزق إحداهما بالأخرى! لقد رأيت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب النبي ﷺ ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط (^١).\n[حسن].\nوما يقابل صف القدمين ليس المراوحة، وإنما الوقوف الطبيعي على قدميه\n_________\n(^١). المصنف (٧٠٦٣).","vol":"1","page":468},{"text":"بلا تفريج ولا ضَمٍّ؛ لأن الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف.\n(ث-٢٨٣) وقد ذكر ابن القيم في البدائع، قال: روى حرب، قال: حدثنا أبو حفص، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: لا تقارب، ولا تباعد (^١).\n[صحيح] (^٢).\nولو كانت المراوحة هي السنة لنقلت إلينا من فعله ﷺ، وكان الصحابة حريصين على نقل سنته وما يفعله في الصلاة.\nولذلك نقلت لنا أم قيس بنت محصن؛ أن رسول الله ﷺ لما أسنَّ وحملَ اللحمَ، اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (^٣).\nفلوكان من سنته الفعلية الاعتماد على إحدى رجليه وإراحة الأخرى لنقل إلينا.\nوقوله: (ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ) هذا موقوف، وهل هو أحب إليه مطلقًا، وهذا يعني أنه أحب إليه حتى من الوقوف الطبيعي بلا تفريج ولا إلصاق أم أحب إليه من إلزاق القدمين بعضهما ببعض؟\nهذا محتمل؛ وإن كنت أميل إلى أنه أراد أحب إليَّ من إلزاق القدمين؛ لأنه لا يمكن أن يفضل المراوحة على الوقوف الطبيعي ثم لا تحفظ المراوحة من فعله ﷺ، فالظاهر أنه أحب إليه من إلزاق القدمين؛ لأن ضم القدمين فيه تكلف، بخلاف\n_________\n(^١). بدائع الفوائد (٣/ ٨٧).\n(^٢). رجاله ثقات، حرب: هو حرب بن إسماعيل بن خلف الكرماني من أصحاب الإمام أحمد، وهو ثقة، وأبو حفص: هو عمر بن علي الفلاس من شيوخ البخاري، وهو مشهور باسمه أكثر من كنيته، وربما كناه البخاري في التاريخ الكبير، وأبو عاصم: هو الضحاك بن مخلد.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٣٠٠) عن ابن جريج، أخبرني نافع، أن ابن عمر كان لا يفرسخ بينهما، ولا يمس إحداهما الأخرى، قال: بين ذلك. اهـ\nجاء في غريب الحديث للقاسم بن سلام (٤/ ١٢٣): قوله: (ما فيها فرسخ) يقول: ليس فيها فرجة، ولا إقلاع. وانظر تهذيب اللغة (٧/ ٢٦٩)، لسان العرب (٣/ ٤٤) ..\n(^٣). سنن أبي داود (٩٤٨)، وسبق تخريجه، انظر ح (١١٩٦).","vol":"1","page":469},{"text":"المراوحة، ولأن المراوحة ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي وسيلة عند الحاجة لمصلحة العبادة، ولطلب راحة المصلي.\nالوجه الثاني:\nأن القدر المرفوع منه قد اختلف فيه على المنهال بن عمرو:\nفرواه الأعمش عنه، موقوفًا.\nورواه ميسرة بن حبيب عن المنهال فذكر بعضه مرفوعًا، وبعضه موقوفًا.\nوالأعمش مقدم على ميسرة، وقد أوضحت لك ذلك من خلال تخريج الحديث، وإذا اختلف في الرفع والوقف، فالأصل عدم الرفع، مع أن القدر المرفوع هو في إلصاق القدم، وليس في المراوحة.\nالدليل الثاني:\nأن في المراوحة راحة للمصلي، فإذا ارتاح عاد ذلك بالمصلحة على الصلاة، من خشوع وتدبر، وإطالة للقيام، وهذه المصالح محل رعاية وعناية من الشارع، ولذلك كان الرسول ﷺ يرفع المشقة عن المصلي بالإبراد في الصلاة في شدة الحر، وينهى عن الصلاة بحضرة الطعام، ومدافعة الأخبثين.\n• وجه من قال: تباح المراوحة:\nالقيام المطلوب في الصلاة أن يقوم معتمدًا على قدميه غير مستند إلى أمر خارج، فما جاز فيه الاعتماد على كلتا قدميه جاز الاعتماد فيه على إحداهما، فلم يخرج المصلي بالمراوحة عن كونه معتمدًا على قدمه في الصلاة، غاية ما هنالك أنه اتَّكَأَ على إحدى قدميه أكثر من الأخرى، ومثل هذا لا يخرجه عن الإباحة.\n• وجه من قال: تستحب مع الحاجة وتكره كثرتها:\nأن المراوحة اليسيرة داخلة في الإباحة؛ لأنه ليس من عادة المصلي إذا كان قائمًا في الصلاة ألا يتحرك منه شيء.\nوأما كثرة المراوحة، فإن كانت لحاجة لكبرٍ، أو لمرضٍ أو لِضَعْفٍ، أو لطول قيامٍ كما في النافلة فهي مستحبة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.\nوما أعان على أمر مشروع فهو مشروع إلا أن ينهى عنه لذاته.","vol":"1","page":470},{"text":"وأما كثرة المراوحة فإنها مكروهة، لأنه لا يحتاج إليها في الفرائض لكون القيام فيها لا إطالة فيه، والإمام مأمور فيها بالتخفيف، وأن يقتدي بأضعف المصلين معه، وأكثر ما يقرأ فيه هو من طوال المفصل، وهذا لا يشق على الشاب الصحيح.\nوأما في النفل فإن المصلي مأمور بأن يصلي نشاطه، فكثرة المراوحة مؤشر على إرهاق وتعب لحق المصلي لا يندفع بالمراوحة، فيستحسن أن يجلس أو يستريح.\n(ح-١٢١٣) لما رواه مسلم من طريق ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب.\nعن أنس، قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه؛ لِيُصَلِّّّّّ أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد.\nوفي رواية له: فليقعد (^١).\nولأن كثرة المراوحة تجعل المصلي يكثر من التمايل في صلاته، قال الحنابلة: وفي ذلك تشبه باليهود.\nوهذا بعيد؛ لأنه لو كان فيها تشبه باليهود لنهي عنها، ولأن اليهود يكتفون بهز الرأس بلا انقطاع دون الجسد كما يفعل بعض الصوفية وبعض القراء عند قراءة القرآن، فلا شبه بين فعلهم وبين المراوحة المتقطعة.\nولأنها داخلة في حكم الحركة الكثيرة، لا تبطل الصلاة لتفرقها، ولكنها تكره فيها، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن المراوحة اليسيرة مباحة، والكثير منها إن كان لحاجة فهو دائر بين الاستحباب والإباحة، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢١٩ - ٧٨٤).","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>المبحث الثامن في الصاق إحدى القدمين بالأخرى حال القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لم يرد في التفريق والضم سنة مرفوعة، ولو كانت من سنة الصلاة لجاءت بها السنة الواضحة.\n• ثبت عن الصحابة تفريق القدمين وضمهما، فدل على أن الأمر واسع.\n• الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف.\n• ضم القدمين فيه مشقة وتكلف كالمبالغة في تفريجهما.\n[م-٤٩٨] كره الحنفية والشافعية إلصاق إحدى القدمين بالأخرى إذا قام في صلاته، واستحب الحنابلة التفريق بينهما (^١).\nقال الحنفية: ينبغي أن يكون بينهما مقدار أربع أصابع اليد، وبه قال بعض الشافعية (^٢).\nوقال أكثر الشافعية: يسن أن يفرق بين قدميه بشبر خلافًا لقول الأنوار: بأربع\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٤)، مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي (ص: ٥٦)، البناية شرح الهداية (٢/ ٢١٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، المجموع (٣/ ٢٦٦)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٢١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٧)، أسنى المطالب (١/ ١٤٦)، المغني (٢/ ٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٨٦)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٠)، كشاف القناع (١/ ٣٧٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٨٠)، شرح العمدة لابن تيمية - صفة الصلاة (ص: ٤٥).\nجاء في المجموع (٣/ ٢٦٦): «ويكره أن يلصق القدمين بل يستحب التفريق بينهما».\n(^٢). مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٤).","vol":"1","page":472},{"text":"أصابع (^١).\nوكره المتقدمون من المالكية إقران القدمين معًا في القيام، واقتصر عليه خليل في مختصره (^٢).\nواختلف المتأخرون في حقيقته:\nفقيل: ضم القدمين معًا سواء أَعْتَمَدَ عليهما معًا، أم راوح بينهما، فإذا فرق بينهما فلا كراهة، وهذا التفسير موافق لقول الجمهور.\nوقيل: المكروه التزام الاعتماد على القدمين معًا بصفة دائمة، سواء أكان ذلك مع تفريق القدمين أم كان ذلك مع ضمهما، بحيث يرى أن ذلك من سنة الصلاة، فإن فعل أحدهما (التفريق أو الضم) ولم يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة، أو لم يعتمد عليهما دائمًا، بأن كان متى شاء رَوَّح واحدة، وأقام على الأخرى فهذا جائز بلا كراهة، سواء أَفَرَّقَ بينهما أم ضمهما، فالأمر واسع، يفعل من ذلك ما يسهل عليه، وهذا القول تفرد به المالكية (^٣).\nقال اللخمي في التبصرة: «إلصاق القدم بالقدم في الصلاة، والتفريق بينهما في الصلاة واسع على قدر ما تيسر» (^٤).\nيقصد بذلك أنه لا يعتقد أن ذلك من سنة الصلاة التي ينبغي عليه التزامها.\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٢١)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٥)، أسنى المطالب (١/ ١٤٦).\n(^٢). ذكر خليل في مختصره (ص: ٣٤) من مكروهات الصلاة إقران القدمين. قال الزرقاني في شرحه (١/ ٣٨٧): «أشعر اقتصاره على كراهة إقرانهما بجواز تفريقهما على أن صاحب الطراز قال: تفريق القدمين: أي توسيعهما على خلاف المعتاد قِلَّةَ وقار، فيكره كإقرانهما، وإلصاقهما زيادة تنطع، فيكره».\nوقال في ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٦٧): «قوله: (وإقرانهما) بأن يجعل حظهما من القيام واحدًا دائمًا، وكذلك يكره تفريجهما على خلاف المعتاد على الظاهر».\n(^٣). حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٤)، منح الجليل (١/ ٢٧١)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠، ٥٥١)، الخرشي (١/ ٢٩٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٥).\n(^٤). تبصرة اللخمي (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":473},{"text":"• دليل من قال: يكره إلصاق القدمين:\nالدليل الأول:\n(ث-٢٨٤) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، قال:\nكنت مع أبي في المسجد، فرأى رجلًا يصلي صَافًّا بين قدميه، فقال: ألزق إحداهما بالأخرى! لقد رأيت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب النبي ﷺ ما رأيت أحدًا منهم فعل هذا قط (^١).\n[حسن].\nوهذا الدليل وإن كان عدميًّا فإنه يصلح دليلًا في العبادات على عدم المشروعية؛ لأن الأصل في العبادة المنع، فلو كانت هذا الفعل من صفات الصلاة لفعلها صحابة رسول الله ﷺ.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢١٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ميسرة عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، قال:\nخرج عبد الله من داره إلى المسجد، وإذا رجل يصلي صافًّا بين قدميه، فقال عبد الله: أما هذا فقد أخطأ السنة، ولو راوح بين قدميه كان أحب إليَّ (^٢).\n[رجاله ثقات، ورواية أبي عبيدة عن أبيه في حكم المتصل] (^٣).\nومن خالف السنة في العبادة فأقل ما يقال عن فعله: إنه مكروه؛ لأنه هو المتيقن، وقد يقع في الحرام، ولكن لا قائل بتحريم ضم القدمين.\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٨٥) روى حرب، قال: حدثنا أبو حفص، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن نافع،\n_________\n(^١). المصنف (٧٠٦٣).\n(^٢). المصنف (٧٠٦٢).\n(^٣). سبق تخريجه (١٢١٢).","vol":"1","page":474},{"text":"عن ابن عمر قال: لا تقارب، ولا تباعد (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل الرابع:\nأن الأصل فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فتكون المسافة بين القدمين كالمسافة بين المنكبين، فضم القدمين فيه مشقة وتكلف كالمبالغة في تفريجهما.\nولقد كان الصحابي يلزق منكبه بمنكب أخيه، وكعبه بكعبه، وهذه الصفة لا تجتمع مع ضم القدمين.\n(ح-١٢١٥) فقد روى البخاري من طريق زهير، عن حميد،\nعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (^٣).\n• دليل من قال: ذلك واسع يفعل ما سهل عليه:\nالدليل الأول:\nلم يرد في التفريق والضم سنة مرفوعة، ولو كانت من سنة الصلاة لجاءت بها السنة الواضحة. ثبت عن الصحابة تفريق القدمين وضمهما، فدل على أن الأمر واسع.\nالدليل الثاني:\nأن الآثار الواردة عن الصحابة يدل على أن الأمر واسع، فهذا ابن عمر صح عنه أنه قال: لا تقارب، ولا تباعد (^٤).\nوسبق تخريجه في المسألة السابقة.\n(ث-٢٨٦) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: رأيت ابن عمر يصلي صافًّا بين قدميه (^٥).\n_________\n(^١). بدائع الفوائد (٣/ ٨٧).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر ث (٢٨٣).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٢٥).\n(^٤). بدائع الفوائد (٣/ ٨٧).\n(^٥). المصنف (٧٠٧٤).","vol":"1","page":475},{"text":"[صحيح] (^١).\n(ث-٢٨٧) وروى أحمد كما في كتاب العلل لابنه، قال: قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا حسن بن صالح عن موسى بن أبي عائشة قال: رأيت بن الزبير قائمًا في الصلاة قد صف قدميه (^٢).\n[صحيح، وروي عن ابن الزبير مرفوعًا، ولا يصح] (^٣).\n•ونوقش هذا:\nبأن التفريق صريح الدلالة من جهتين بخلاف الصف.\n_________\n(^١). ورواه ابن البغوي في الجعديات (١٥٢٣) من طريق أبي عامر العقدي، وأبي داود (الطيالسي)، ووهب، قالوا: أخبرنا شعبة به.\n(^٢). العلل ومعرفة الرجال رواية عبد الله (١٦٢٣).\n(^٣). رجاله ثقات، وهو موقوف، ورواه ابن سعد كما في الجزء المتمم لطبقات ابن سعد (٥٣٠) أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا الحسن بن صالح به.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٢٥٣٩) من طريق سعيد بن يحيى بن الحسن بن عثمان ابن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرني جدي قال: رأيت عبد الله بن الزبير إذا صلى صف قدميه، وضمهما.\n\nوالحسن بن عثمان مجهول، لم يَرْوِ عنه إلا حفيده سعيد بن يحيى بن الحسن.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٠٧١)، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني من رأى ابن الزبير يصلي، قد صف بين قدميه.\nوالطريقان صالحان للمتابعات، وقد صح من رواية الحسن بن صالح، عن ابن أبي عائشة، فالمعروف من رواية ابن الزبير أنها حكاية فعل موقوفة.\nوقد روي مرفوعًا، رواه أبو داود (٧٥٤)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٦)، حدثنا نصر بن علي.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٤/ ٢٤٨) ح ١٤٨٨١، من طريق عمرو بن محمد الناقد، كلاهما روياه عن أبي أحمد الزبيري، قال: حدثنا العلاء بن صالح، عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: صف القدمين، ووضع اليد على اليد في الصلاة من السنة.\nوفي إسناده: زرعة بن عبد الرحمن، أو: زرعة أبو عبد الرحمن: روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، ففيه جهالة.\nوقد انفرد عن ابن عمر بذكر صف القدمين مرفوعًا، وهو مخالف لما رواه موسى بن أبي عائشة، وهو ثقة وقد تابعه الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، والله أعلم.","vol":"1","page":476},{"text":"الجهة الأولى:\nأن التفريق أثر قولي، والصف أثر فعلي، والقول أقوى من الفعل؛ لأن القول له ولغيره من الأمة، والفعل يحتمل أنه فعل ذلك ساهيًا، ويحتمل أنه يؤيد أن يبين أن الأمر واسع، ويحتمل غير ذلك.\nالجهة الثانية: أن دلالة القول على التفريق نصية، حيث قال: لا تقارب ولا تباعد. فهذا اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا.\nوأما صف القدم فليست دلالته نصية، فيحتمل أنه أراد إلصاق القدمين، ويحتمل أنه أراد مقاربة القدمين بلا إلصاق، ويحتمل أن معنى قوله: (صافًّا بين قدميه) أي مساويًا لهما، لم يقدم إحداهما على الأخرى أي بلا مراوحة.\nوالمحتمل يُرَدُّ إلى الصريح، ولا يقدم الظاهر على النص، هذا مقتضى القواعد الفقهية، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الفصل السابع في موضع النظر أثناء الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>المبحث الأول في النظر إلى السماء أثناء الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• النظر إلى السماء للتفكر والاعتبار خارج الصلاة مطلوب شرعًا، قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، والآيات في الباب كثيرة.\nوفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى: كان كثيرًا ما يرفع بصره إلى السماء (^١).\n• رفع البصر إلى السماء في الدعاء خارج الصلاة جائز في أصح قولي أهل العلم، وبه قال أكثرهم.\n• رفع البصر إلى السماء في الصلاة منهي عنه مطلقًا للدعاء وغيره؛ لعموم النهي الوارد، (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء ...).\n• رفع البصر في الصلاة ينافي خشوع البصر، وإن كان قد لا ينافي خشوع القلب، بل ربما كان هو الباعث عليه، والمطلوب مع خشوع القلب خشوع الجوارح.\n• قد يخشع البصر دون الجسد، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ الآية [المعارج: ٤٣، ٤٤]، فوصَفَ الأجسادَ بالحركة السريعة، والأبصارَ بالخشوع.\n• قد يخشع القلب دون الجسد كخشوع الطائف وقت الرَّمَلِ، ووقت السعي بين العلمين فيجتمع للعبد الابتهال بالدعاء والسعي والرمل بالطواف.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٥٣١).","vol":"1","page":478},{"text":"[م-٤٩٩] اتفق الأئمة الأربعة على كراهة النظر إلى السماء في أثناء الصلاة (^١).\n(ح-١٢١٦) لما رواه البخاري من طريق ابن أبي عَروبة، قال: حدثنا قتادة،\nأن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي ﷺ: ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم (^٢).\nورواه مسلم من مسند أبي هريرة بالنهي عن رفع البصر عند الدعاء في الصلاة (^٣).\nفحديث أنس نهى عن رفع البصر في الصلاة، وأطلق النهي، فشمل حال الدعاء، وحال القراءة، كما شمل حال القيام وحال الركوع، وفي كل حال من أحوال الصلاة.\nوحديث أبي هريرة: (نهى عن رفع البصر عند الدعاء في الصلاة)، خص النهي بحال الدعاء، ومثله لا يقتضي تخصيصًا؛ لأنه فرد من أفراد العام أو المطلق بحكم يوافق العام أو المطلق، والتخصيص إنما هو في إخراج أحد أفراد العام أو المطلق بحكم يخالف العام، وإذا نهي عنه عند الدعاء، فغيره أولى بالنهي.\nقال ابن بطال: «العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث، وعلى كراهية النظر إلى السماء في الصلاة» (^٤).\nوقال ابن الملقن: «والإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يكره\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٦٣)، البحر الرائق (٤/ ١١٩)، الفتاوى الهندية (١/ ١٠٦)، النهر الفائق (١/ ٢٨٠)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٦٠)، التبصرة للخمي (١/ ٢٩٥)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٣٩، ٤٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، المهذب في فقه الشافعي (١/ ١٦٨)، البيان للعمراني (٢/ ٣١٨)، المجموع (٣/ ٢٥١) و(٤/ ٩٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٦١)، نهاية المحتاج (٢/ ٥٧)، حاشية الجمل (٤/ ١٣٩)، مغني المحتاج (٣/ ٤٢)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٣٨)، مطالب أولي النهى (٣/ ٦٤)، كشاف القناع (٣/ ٦٣)، المبدع (١/ ٤٢٤)، الإقناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٥٠).\n(^٣). صحيح مسلم (١١٨ - ٤٢٩).\n(^٤). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٦٤).","vol":"1","page":479},{"text":"رفع بصره إلى السماء» (^١).\nوحكى الإجماع على الكراهة النووي والعيني والقسطلاني وغيرهم (^٢).\nوقال ابن رجب: «وفي الحديث دليل على كراهة رفع بصره إلى السماء في صلاته» (^٣).\nوقال ابن مفلح: «ويكره رفع بصره (و)» (^٤).\nورَمْزُ الواو يعني به وفاقًا للأئمة الأربعة، ولو كانت عنده من مسائل الإجماع لرمز لها بحرف (ع)، ومع ذلك فلم يذكر مع الكراهة قولًا آخر.\nولولا حكاية الإجماع لقيل: ظاهر الوعيد بالحديث يدل على أكثر من التحريم، لأن التهديد بالعقوبة مشعر بأنه من كبائر الذنوب.\nوقال ابن تيمية في شرح العمدة: «يكره كراهة شديدة» (^٥).\nولم يتجرأ على القول بالتحريم.\nوقال النووي: «فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك» (^٦).\nوعَبَّر بتأكيد النهي والوعيد الشديد، ولم يقترب إلى التصريح بالتحريم، وهذا سبيل أهل العلم في الحرص على الوقوف عند فهم السلف.\nولعل السبب في ذلك: أن النهي عن النظر إلى السماء إن كان من أجل أن فيه نوعًا من الالتفات في الصلاة، فالالتفات بجزء من البدن لا يحرم في الصلاة إجماعًا، ويجوز للحاجة.\nوإن كان النهي عنه من أجل منافاته للخشوع: فإن خشوع القلب مستحب في الصلاة، وفواته لا يبطل الصلاة في قول أكثر أهل العلم، وحكي إجماعًا.\n_________\n(^١). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٣٦).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٥٢)، عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري (٥/ ٣٠٨)، شرح القسطلاني (٢/ ٨٠).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٤٢).\n(^٤). الفروع (٢/ ٢٧٤).\n(^٥). شرح العمدة، صفة الصلاة (ص: ٧١).\n(^٦). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٥٢).","vol":"1","page":480},{"text":"وهناك مسائل مشابهة يرد الأمر بالوعيد، أو بنوع من العقوبة، ولم يتجاوز به العلماء المتقدمون الكراهة، كالأمر بتسوية الصفوف، فقد ورد الإخلال به وعيد شديد، قال ﷺكما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحينِ- لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالِفَنَّ الله بين وجوهكم (^١).\nوكالالتفات بالصلاة فإنه ذكر أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، رواه البخاري، ومع ذلك فالالتفات يجوز مع الحاجة، ويكره بلا حاجة.\nوينبني على القول بالكراهة أن النظر إلى السماء إن كان لحاجة فلا كراهة (^٢). واستدلوا له بما رواه البخاري من طريق الثوري،\nوقال البخاري: قال محمود، حدثنا أبو أسامة.\n(ث-٢٨٨) ورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ثلاثتهم عن هشام، عن فاطمة،\nعن أسماء، قالت: دخلت على عائشة ﵂، وهي تصلي قائمة والناس قيام، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت برأسها: أي نعم (^٣).\nورواه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن هشام به، وفيه: ... وأومأت برأسها إلى السماء (^٤).\n_________\n(^١). البخاري (٧١٧)، وصحيح مسلم (١٢٧ - ٤٣٦).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ١٦١)، مغني المحتاج (١/ ٤٢١)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٤٣).\n(^٣). البخاري (١٢٣٥، ٩٢٢)، مسلم (١١ - ٩٠٥).\n(^٤). رواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ١١٦) من طريق حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة به.","vol":"1","page":481},{"text":"وقد رواه البخاري من طريق مالك.\nوابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة،\nوالطبراني في الكبير من طريق الليث بن سعد، ثلاثتهم عن هشام، وفيه: ... فأشارت بيدها إلى السماء (^١).\nقال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري: «إنما يكره رفع البصر إلى السماء عبثًا، فأما لحاجة فيجوز، وقد أشارت عائشة لأختها أسماء إلى السماء في صلاة الكسوف، وقد نص أحمد على أن من تجشأ في صلاته، فإنه يرفع رأسه إلى السماء؛ لئلا يتأذى من إلى جانبه برائحة جشائه، وقد سبق عن عمر وابن سابط رفع الوجه إلى السماء عند تكبيرة الإحرام، وزاد ابن سابط: وإذا رفع رأسه» (^٢).\n• وذهب الأذرعي من الشافعية، وجماعة من المتأخرين كالصنعاني واللجنة الدائمة للإفتاء، إلى القول بتحريم النظر إلى السماء مع صحة الصلاة، وبه قال شيخنا ابن عثيمين ﵀ (^٣).\nقال الأذرعي: «والوجه تحريمه على العامد العالم بالنهي المستحضر له» (^٤).\nوانفرد بالقول بالتحريم من الشافعية شهاب الدين أحمد بن حمدان الأذرعي، وهو متأخر عاش في القرن الثامن الهجري، وتوفي سنة ٧٨٣ هـ ولم ينقله عنه إلا الخطيب في مغني المحتاج، وكل من كتب من الشافعية في الروايات والأوجه قبل الأذرعي كإمام الحرمين والغزالي والنووي والرافعي لم يشيروا إلى هذا القول.\nوقال الصنعاني: «فيه وعيد شديد على رفع البصر إلى السماء؛ لأنه ينافي الخشوع، فدل على تحريم رفع البصر إلى السماء حال الصلاة، ويأثم» (^٥).\nواحتجوا لقولهم: بأن الأصل في النهي التحريم.\nوقد اقترن بالنهي وعيد شديد لمن يفعله، وهذا يؤكد أن النهي للتحريم، وليس للكراهة.\nيقول شيخنا في تعليقه على الكافي لابن قدامة: «ومن غرائب الاستدلال أن\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٢٨٧)، من طريق مالك.\nوابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (٣٨٦٦٥) حدثنا أبو أسامة.\nورواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ١١٧) ح ٣١٥، من طريق عاصم بن علي، حدثنا الليث به.\nورواه الطبراني في الكبير (٣١٢) من طريق عارم أبي النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام ابن عروة به، وفيه: ... وأشارت بيدها ... إلخ.\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٤٣).\nوقال في الإقناع (١/ ٢٠٧): «ولا يكره رفع بصره حال التجشي في الصلاة جماعة، فيرفع وجهه لأن لا يؤذي من حوله بالرائحة».\n(^٣). فتاوى اللجنة الدائمة (٧/ ٢٢) و(٨/ ٣٦٧)، الشرح الممتع (٣/ ٢٢٧).\n(^٤). مغني المحتاج (١/ ٤٢١).\n(^٥). كتاب التنوير شرح الجامع الصغير (٩/ ٣٠٦).","vol":"1","page":482},{"text":"يحكم على هذا الفعل بأنه مكروه، ثم يستدل عليه بما يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب؛ لأن النبي ﷺ قال (ما بال أقوام)؟ وهذا الاستفهام للإنكار (يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)، هل يمكن أن يرد مثل هذا الوعيد، وهذا الإنكار على شيء مكروه؟ لا يمكن، ولهذا؛ الصحيح أن رفع البصر إلى السماء والإنسان يصلي حرام، بل من كبائر الذنوب؛ لماذا؛ لأن النبي ﷺ توعد عليه» (^١).\nوالقول بالكراهة هو مذهب الأئمة الأربعة، وحكاه إجماعًا طائفة من العلماء، فإن صح الإجماع المنقول فإنه يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعل العلماء حملوه على الكراهة اجتهادًا؛ لأنهم يرون النهي في الحديث معللًا، وأن علة النهي تدور عندهم: إما على الالتفات في الصلاة، أو على منافاته للخشوع، ولا تنافي بين العلتين فالالتفات بلا حاجة منافٍ لكمال الخشوع، وكلاهما لا يقتضي التحريم، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما أعلم إن العلة تعبدية، وسوف أتكلم عن علة النهي إن شاء الله تعالى بعد قليل.\nوقال ابن حزم: تبطل الصلاة بالنظر إلى السماء (^٢).\nوحكاه العبد لياني الحنبلي في الحاوي بصيغة التمريض، ونقله عنه المرداوي في الإنصاف.\nقال في الحاوي: «ويكره التفاته اليسير لغير حاجة، ورفع بصره إلى السماء، وقيل: تبطل به وحده» (^٣).\nوبنى حكمه على قاعدة: أن الأصل في النهي التحريم والفساد.\nولأنه قد نهي عنه في الصلاة بخصوصها، وفعل المحرم المنهي عنه في العبادة بخصوصها يقتضي بطلانها، ومع أن شيخنا ابن عثيمين ﵀ يذهب إلى القول\n_________\n(^١). تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (٢/ ١٢).\n(^٢). المحلى، مسألة (٣٨٦).\n(^٣). الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد (١/ ٣٦٧)، وانظر: الإنصاف (٢/ ٩١)، وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز - لعلي بن البهاء الحنبلي (٢/ ٩٢).","vol":"1","page":483},{"text":"بمقتضى هذه القاعدة، إلا أنه لم يقل بموجبها في هذه المسألة، فقال بالتحريم، وحكم بصحة الصلاة.\n• واختلفوا في علة النهي عن النظر إلى السماء:\nفقيل: لخروجه عن سمت القبلة (^١).\nقال القاضي عياض: «وفي رفع البصر إلى السماء إعراض عن القبلة، وخروج عن هيئة الصلاة» (^٢).\nوهذا بعيد؛ لأنه إذا كان لا يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى موضع سجوده، فَلِمَ يخرج عن سمت القبلة بالنظر إلى السماء؟ بل إن الالتفات بجزء من البدن لا يخرجه عن حكم التوجه للقبلة حتى يلتفت بكل بدنه.\nوقيل: لأنه ينافي الخشوع المأمور به في الصلاة، قاله ابن بطال من المالكية، وابن تيمية من الحنابلة (^٣).\nفمن خشوع البصر: أن لا ينظر العبد إلى جهة العلو تذللًا لله، فلله العلو المطلق علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، ومن كمال التعظيم عند مناجاة المعظم ألا ترفع بصرك إليه عند الوقوف بين يديه.\nولم يذكر العلماء علةً للنهي غير هاتين، الالتفات ومنافاة الخشوع، ولعل ذلك ما جعل الأئمة الأربعة لم يذهبوا إلى القول بتحريم رفع البصر إلى السماء؛ لأن النظر إلى السماء إن كان ينافي خشوع القلب، فالخشوع مستحبٌّ في قول أكثر العلماء، وحكي إجماعًا، وإن كان المقصود به خشوع الجوارح، ومنه البصر، فإن النظر في السماء إن عُدَّ ذلك من الحركة في الصلاة فإنه يدخل في الحركة اليسيرة التي لا تبلغ التحريم، مع أن احتساب ذلك من الحركة بعيد؛ لأن تنكيس الرأس إلى موضع السجود لا يعد من الحركة في صلاته، إلا أن يقال: لم يعد باعتباره مطلوبًا في صلاته في أحد قولي أهل العلم، وسوف يأتي بحث الخشوع إن شاء الله تعالى\n_________\n(^١). مرعاة المفاتيح (٣/ ٣٤٩).\n(^٢). إكمال المعلم (٢/ ٣٤١)، وانظر: فتح الباري (٢/ ٢٣٣).\n(^٣). شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٦٥)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٤).","vol":"1","page":484},{"text":"في مبحث مستقل، بلغنا الله ذلك بعونه وتوفيقه.\nوعلل بعض العلماء بأن ذلك فيه سوء أدب مع الله، وبه قال شيخنا ابن عثيمين (^١).\nيقول شيخنا: «لأن فيه سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن المصلي بين يدي الله، فينبغي أن يتأدب معه، وأن لا يرفع رأسه، بل يكون خاضعًا» (^٢).\nويشكل عليه أن سوء الأدب مع الله محرم داخل الصلاة وخارجها، ورفع البصر إلى السماء حال الدعاء خارج الصلاة جائز في قول أكثر أهل العلم.\nقال ابن تيمية: «ولا يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء لفعله، وهو قول مالك والشافعي، ولا يستحب» (^٣).\nوقد اعتبر شيخنا النظر في السماء في أثناء الصلاة منهيًّا عنه في الصلاة بخصوصها، وهذا يعني جوازه خارج الصلاة، مع أن شيخنا ﵀ يرى تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة مع القول بصحتها، وهذا مخالف لقواعده ﵀ من أن فعل المحرم داخل العبادة على وجه يختص النهي بها، فإن فعله يبطلها، فتأمل (^٤).\n•الراجح:\nإن صح الإجماع على الكراهة، فيجب أن يكون مكروهًا كراهة شديدة، وإن لم يصح الإجماع فالقول بالتحريم قول قوي جدًّا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). الإفصاح عن معاني الصحاح.\n(^٢). الشرح الممتع (٣/ ٢٢٧).\n(^٣). الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٨).\n(^٤). تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (٢/ ١٢).","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثاني في موضوع نظر المصلي في اثناء الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الخشوع: هو السكون في الصلاة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فجعل الخشوع في مقابل حركتها بالاهتزاز.\n• الخشوع يكون في القلب، وفي البصر بترك رفعه إلى السماء، وفي الجوارح بترك الحركة والالتفات من غير حاجة، والأول غاية والباقي علامات ووسائل لتحصيله.\n• نهى الشارع عن رفع البصر إلى السماء وسكت عن الباقي، وما كان ربك نسيًّا.\n• الأصل عدم المشروعية\n• مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص صحيح أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنها إلا بتوقيف.\n• لم يحفظ في النظر إلى موضع السجود دليل تقوم به الحجة، أيأتي ذكر آداب الدخول للخلاء وآداب الأكل والشرب والنوم، في أحاديث صحيحة، ثم لا يأتي في النظر إلى موضع السجود إلا حديث فرد مرسل؟\n• ضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل على ضعف الحكم نفسه، بخلاف الحكم الخاص والنادر.\n• قال ﷺ: ائتموا بي ولْيَأْتَمَّ بكم من بعدكم، واقتداء الصف الثاني بالأول اقتداء بالأفعال، لا بسماع التكبير، ويلزم منه النظر إلى الصف لا إلى موضع السجود.\n• نظر المصلي إلى قبلته لا ينافي كمال الخشوع، كما أن نظره إلى إمامه، ونظر الصف الثاني إلى الأول لا ينافيه.\n• ما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل.","vol":"1","page":486},{"text":"[م-٥٠٠] اختلف الفقهاء في الموضع الذي ينظر إليه المصلي إذا كان قائمًا:\nفقيل: ينظر المصلي إلى موضع سجوده، وبه قال الجمهور، قال الشافعية: وإن كان أعمى أو في ظلمة (^١).\nوقال مالك: يكون بصره إلى قبلته من غير أن يلتفت إلى شيء، أو ينكس بصره، ويكره أن يضع بصره موضع سجوده فقط، وهو من مفردات مذهب الإمام مالك ﵀ (^٢).\nوقال البخاري في صحيحه: باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة (^٣).\nومقصود البخاري مد البصر إلى الإمام (^٤).\nوقال في البويطي: وينظر المصلي في صلاته إلى موضع سجوده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا (^٥).\nوقيل: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره، حكاه ابن كثير في تفسيره، ولم يُسَمِّ من قال به (^٦).\nواستحب الماوردي والروياني وبعض الحنابلة النظر إلى الكعبة إذا صلى في المسجد الحرام، وحكاه المحب الطبري وجهًا، وضعفه البلقيني والإسنوي وغيرهما، والصحيح أن المسجد الحرام كغيره (^٧).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٨)، تحفة الفقهاء (١/ ١٤١)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٥)، البحر الرائق (١/ ٣٢١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٥)، الحاوي الكبير (٢/ ١٩١)، المجموع (٣/ ٣١٤)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٠)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٠)، كفاية النبيه (٣/ ٩٩)، التهذيب في فقه الشافعي (٢/ ١٣٧)، بداية المحتاج (١/ ٢٩٠)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٢)، الكافي (١/ ٢٤٤)، المغني (٢/ ٦، ٧)، المبدع (١/ ٣٨١)، الإنصاف (٢/ ٤٦)، الإقناع (١/ ١١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٦).\n(^٢). البيان والتحصيل (١/ ٢٢٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٨٦)،.\n(^٣). صحيح البخاري (١/ ١٥٠).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٣٨).\n(^٥). بحر المذهب للروياني (٢/ ٦٠).\n(^٦). تفسير ابن كثير، ت السلامة (١/ ٤٦١).\n(^٧). مغني المحتاج (١/ ٣٩٠)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٠)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٧٧)،\nحاشية اللبَّدي على نيل المآرب (١/ ٦١).","vol":"1","page":487},{"text":"وقال بعض الشافعية: من صلى على جنازة، فالمستحب أن ينظر إليها (^١).\n• دليل الجمهور على استحباب النظر إلى موضع السجود:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢١٧) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين،\nعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ [المؤمنون: ٢] فطأطأ رأسه (^٢).\n[الصحيح أنه مرسل] (^٣).\n_________\n(^١). نهاية المحتاج (١/ ٥٤٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٠).\n(^٢). المستدرك (٣٤٨٣).\n(^٣). ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠٢).\nالحديث مداره على ابن سيرين، ورواه عنه جماعة:\nالأول: أيوب، عن ابن سيرين.\nرواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، واختلف على إسماعيل:\nفرواه سعيد بن منصور كما في سنن البيهقي (٢/ ٤٠٢)،\nويعقوب بن إبراهيم (الدورقي) كما في تفسير الطبري، ت شاكر (٨/ ١٩)، كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن أيوب مرسلًا.\nورواه الواحدي في أسباب النزول، ت زغلول (٦٢٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٣)، وعنه البيهقي (٢/ ٤٠٢)، من طريق أحمد بن يعقوب الثقفي (فيه جهالة)، أخبرنا أبو شعيب الحراني (صدوق)، حدثني أبي (ثقة)، حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة موصولًا.\nوهذا إسناد منكر، ولعل الحمل فيه على أحمد بن يعقوب الثقفي، وقد أكثر عنه الحاكم، وترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام (٧/ ٧٣٥)، فقال فيه: الزاهد العابد، نسيب أبي العباس السراج، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فمثله لا يمكن احتمال مخالفته، فالمعروف ما رواه سعيد بن منصور والدورقي، عن ابن علية به، مرسلًا.\nقال البيهقي بعده (٢/ ٤٠٢): «ورواه حماد بن زيد، عن أيوب مرسلًا، وهذا هو المحفوظ».\nوقال الذهبي في تلخيص المستدرك: الصحيح مرسل.\nكما رواه عبد الرزاق في المصنف (٣٢٦٢)، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان =","vol":"1","page":488},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= النبي ﷺ يرفع رأسه إلى السماء .... وذكر الأثر.\nفصار طريق أيوب، رواه حماد بن زيد، ومعمر، عن أيوب مرسلًا.\nوكذا رواه سعيد بن منصور، ويعقوب بن إبراهيم، كلاهما عن ابن علية، عن أيوب مرسلًا.\nورواه أحمد بن يعقوب الثقفي عن أبي شعيب الحراني، عن أبيه، عن إسماعيل بن علية به موصولًا. وهذا الإسناد منكر.\nالثاني: عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، واختلف على ابن عون فيه:\nرواه جرير بن حازم، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة موصولًا.\nرواه الطبراني في الأوسط (٤٠٨٢) حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: أخبرنا حبرة بن لخم الإسكندراني (قال ابن يونس: ثقة من أصحاب عبد الله بن وهب)، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم به.\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عون إلا جرير، ولا عن جرير إلا ابن وهب، تفرد به حبرة. اهـ\nفأشار الطبراني إلى تفرد جرير عن ابن عون في رفعه، كما أشار إلى تفرد حبرة بن لخم، عن ابن وهب، وتفرد علي بن عبد العزيز عن حبرة، ولعل علي بن عبد العزيز هو أضعف من في الإسناد، قال فيه الدارقطني: ليس بذاك، تفرد بأشياء، وقال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ، وابن يونس أعلم به فهو من بلده، وعبارته وإن كانت عبارة توثيق إلا أنها لا تدل على متانة في الحفظ والفهم، فهو حسن بشرط ألا يتفرد ولا يخالف، وقد تفرد هنا وخالف، فالإسناد شاذ.\nوتابعه على رفعه سعيد أبو زيد الأنصاري إلا أن الإسناد إليه ضعيف جدًّا.\nرواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٠١) من طريق محمد بن يونس (متهم بالكذب) حدثنا سعيدبن أوس أبو زيد الأنصاري (إمام في النحو غلبت عليه اللغة والنوادر والغريب، صدوق له أوهام)، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موصولًا.\nفهذه المتابعة، لا تسمن ولا تغني.\nفما يتفرد به الطبراني في معاجمه حتى ولو كان ظاهره الصحة إذا تفرد به وكان غريب الإسناد، فهو من المنكرات التي لا يمكن الاعتماد عليها.\nقال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٦٢٤): «قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ، من رواية المجروحين والضعفاء حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًّا، والثابت مصدوفًا عنه مطرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه.\nوهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين الأعلام من أسلافنا الماضين.\nقال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حق. ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث، =","vol":"1","page":489},{"text":"• ونوقش:\nالأول: أن الحديث مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح كما هو مذهب\n_________\n=\nلا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني: وهي مجمع الغرائب والمناكير».\nقال المعلمي كما في النكت الجياد (٤/ ١٣٧): إنما قصدوا جمع غرائب الأحاديث، وأوهام الرواة، وراموا جمع ما لم يكن مخرجًا في كتب الصِّحاحِ والأُصُولِ المعروفة، وإنما كانت تلك الأحاديث متداولةً على ألسنةِ من لم يَكْتُبْ حديثَه المحدثون، فهجروها عمدًا ولم يخرجوها في كتبهم .... وقد أضلَّ هذا القسمُ قومًا مِمَّنْ لم يتدبروا ما سلف من مناهج الأئمة والمصنِّفين، فاغْترُّوا بكثرة الطُّرقِ الواردةِ في تلك المصنفاتِ، وحسِبُوا أنهم وقفوا على ما لم يقفْ عليه المتقدمون، فسمُّوا تلك الطرق (متابعاتٍ وشواهد) فجعلوا الغرائب والمناكير عواضِد يشدُّون بها ما اسْتقرَّ أهلُ النَّقْدِ على طرْحِهِ ووهنِهِ، ولم يفْطِنْ هؤلاءِ القومُ إلى أن عُصُور الرواية قد انقضتْ وتلك الأحاديثُ في عُيون النقاد غريبةٌ منكرةٌ مهجورةٌ، فلم ينصفْ هؤلاءِ أسلافهم ولم يقدرُوهم قدرهم، بل دلَّ صنيعهم على اعتقاد أنهم قصَّرُوا في تحصيلِ تِلْك الطرق، ولم يفطنوا إلى منهج أولئك المصنِّفين في أنهم ما أخرجوا تلك الطرق للاحتجاج ولا للاعتبار».\nوقد خالف جرير بن حازم وأبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري جمع من الرواة، رووه عن ابن عون مرسلًا، منهم:\nالأول: هشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٣٢٢)، وتفسير الطبري (١٧/ ٧)،\nالثاني: عيسى بن يونس كما في تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر (١٣٧)،\nالثالث: هشام بن حسان، كما في تعظيم قدر الصلاة (١٣٦).\nالرابع: أبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط (صدوق). أخرجه أبو داود في المراسيل كما في المراسيل لأبي داود (٤٥)، وانظر: تحفة الأشراف (١٣/ ٣٥٧).\nالخامس: يونس بن بكير (صدوق). أخرجه البيهقي (٢/ ٤٠١) من طريق أحمد بن عبد الجبار (قال الدارقطني: اختلف فيه شيوخنا، ولم يكن من أهل الحديث. اهـ وقال ابن حجر: ضعيف وسماعه للسيرة صحيح)، حدثنا يونس بن بكير، خمستهم (هشيم، وعيسى، وهشام، وأبو شهاب، ويونس بن بكير) رووه عن ابن عون، عن ابن سيرين مرسلًا، وهو المحفوظ.\nالثالث: خالد الحذاء، عن ابن سيرين:\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٣٢٦١)، عن سفيان الثوري،\nورواه الطبري في تفسيره، ت شاكر (١٩/ ٨) من طريق المعتمر بن سليمان، كلاهما عن خالد الحذاء به، مرسلًا.\nفتبين بهذا أن المعروف من الحديث أنه مرسل.","vol":"1","page":490},{"text":"الشافعية، ورواية عن أحمد، فإذا خالف المرسل ظاهر الأحاديث الموصولة كان طرحه متعينًا حتى عند من يحتج بالمرسل من الأئمة.\nالثاني: رفع البصر إلى السماء منهي عنه في حديث لا خلاف في صحته، ورفعه ينافي خشوع البصر، ولا يتوقف خشوع البصر على طأطأة الرأس، ولهذا روى عبد الرزاق مقرونًا بهذا الأثر، عن معمر، سمعت الزهري يقول في قوله: (خاشعون): قال: السكون في الصلاة، وقاله الثوري، عن منصور، عن مجاهد مثله (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢١٨) روى ابن ماجه، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، قال: حدثني مصعب بن عبد الله،\nعن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي ﷺ أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع قدميه، فتوفي رسول الله ﷺ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع جبينه، فتوفي أبو بكر، وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدُ بصرُ أحدِهم موضع القبلة، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة، فتلفَّت الناس يمينًّا وشمالًا.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nولو صح الحديث لكان فيه دليل على مشروعية النظر إلى القدمين حال القيام،\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٣٢٦٢).\n(^٢). سنن ابن ماجه (١٦٣٤).\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٤٥٦) حدثنا عبد الله بن الصقر السكري،\nورواه أيضًا (٩١٠٤) حدثنا مسعدة بن سعد، كلاهما حدثنا إبراهيم بن المنذر به، إلا أنهما قالا: عبد الله بن موسى بن عبد الله بن أمية المخزومي بدلًا من موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي، وسواء أكان عبد الله بن موسى، أم موسى بن عبد الله فهو مجهول، ومصعب بن عبد الله لم يَرْوِ عنه إلا مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، ففيه جهالة.\n\nومحمد بن إبراهيم بن المطلب مجهول أيضًا، مع نكارة متنه في مشروعية النظر إلى موضع القدمين.","vol":"1","page":491},{"text":"وليس إلى موضع السجود، ولا أعلم أحدًا قال به إلا في حال الركوع.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢١٩) ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق صدقة بن عبد الله، عن سليمان بن داود الخولاني قال: سمعت أبا قلابة الجرمي يقول:\nحدثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ في قيامه، وركوعه، وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين، يعني عمر بن عبد العزيز ﵁ قال سليمان: فرمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده. قال البيهقي: ... وذكر باقي الحديث وليس بالقوي (^١).\n[ضعيف إن لم يكن ضعيفًا جدًّا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٢٢٠) روى ابن عدي في الكامل من طريق بقية بن الوليد، قال: حدثني علي بن أبي علي القرشي، قال: حدثني ابن جريج، عن عطاء،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة لم ينظر إلا إلى موضع سجوده (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ٤٠٢).\n(^٢). ورواه بن عدي في الكامل (٤/ ٢٧٠)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٢/ ٣٠٤) و(٢٨/ ٢٩٤) من طريق صدقة بن عبد الله به.\nوفي إسناده صدقة بن عبد الله السمين الدمشقي، يكنى بأبي معاوية، ويقال: أبو محمد، قال أحمد: ليس بشيء، كما في العلل لابنه (١٥٠٦)، وقال أحمد كما في الجرح والتعديل (٤/ ٤٢٩): «ما كان من حديثه مرفوعًا فهو منكر، وما كان من حديثه مرسلًا عن مكحول فهو أسهل، وهو ضعيف جدًّا». اهـ وانظر التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢٩٦)، والتاريخ الصغير (١٧٤)، وقد ضعفه ابن معين والبخاري وأبو زرعة والنسائي، وتركه الدارقطني، وقال البوصيري: متفق على ضعفه\n(^٣). الكامل لابن عدي (٦/ ٣١٣).\n(^٤). لا يعرف هذا الحديث عن ابن جريج إلا من رواية علي بن أبي علي القرشي، تفرد به عنه، وهو مجهول.\n\nقال فيه أبو حاتم كما في العلل لابنه (٤٣٤): علي القرشي مجهول. ...\nوقال فيه ابن عدي: مجهول، ومنكر الحديث ... يحدث عنه بقية غير ما ذكرت.","vol":"1","page":492},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٢٢١) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى بن زيد بن عبد الجبار بن مالك اللخمي التِّنِّيسِيُّ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، ثنا زهير بن محمد المكي، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله،\nأن عائشة، كانت تقول: عجبًا للمرء المسلم إذا دخل الكعبة كيف يرفع بصره قِبَلَ السقف، يدع ذلك إجلالًا لله وإعظامًا، دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خَلَفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حتى خرج منها (^١).\n• ونوقش من وجوه:\nالوجه الأول: أن الحديث ضعيف (^٢).\nالوجه الثاني: لو صح الحديث فهو في دخول الكعبة وليس في الوقوف بالصلاة، ولعل ذلك كان في فتح مكة فكانت هذه الصفة عارضة شكرًا للرب وتواضعًا منه ﷺ للخلق كما فعل حين دخل مكة فاتحًا، ولم يكن ذلك سنة في كل دخول مكة.\n(ح-١٢٢٢) فقد روى الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن أبي بكر\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٣٠١٢).\n(^٢). والحديث رواه الحاكم في المستدرك (١٧٦١) وعنه البيهقي في السنن (٥/ ٢٥٨).\nوفيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: أن سالم بن عبد الله لم يسمع من عائشة، قاله البخاري، انظر: تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٢).\nالعلة الثانية: في إسناده أحمد بن عيسى الخشاب المصري، متفق على ضعفه.\nفقد كذبه مسلمة بن القاسم.\nوقال ابن طاهر المقدسي: كان يضع الحديث، قال الذهبي في شذرات الذهب (٤/ ٢٣٥): صدق ابن طاهر.\nوقال ابن يونس المصري كما في تاريخه (٤٦): كان مضطرب الحديث جدًّا.\nوقال الدارقطني: ليس بالقوي.\nالعلة الثالثة: في إسناده عمرو بن أبي سلمة التنيسي، ضعفه ابن معين، وقد تكلم الإمام أحمد في روايته عن زهير، وهذا منها، قال أحمد: روى عن زهير أحاديث بواطيل؛ كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلط، فقلبها عن زهير. إكمال تهذيب الكمال (١٠/ ١٨٣).\nقال ابن أبي حاتم: ... سمعت أبي يقول: هو حديث منكر. (علل الحديث) (٨٩٥).","vol":"1","page":493},{"text":"المقدمي، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت،\nعن أنس ﵁، أن النبي ﷺ دخل مكة، وذقنه على رحله متخشعًا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالوجه الثالث: أن هذا الاستدلال من باب قياس الصلاة على دخول الكعبة، فكيف يقاس الكثير المتكرر العام على النادر، فلو كان في المسألة دليل ما اضطر المستدل إلى مثل هذا القياس الغريب في الاستدلال.•• دليل المالكية على استحباب النظر إلى قبلته:\nالدليل الأول:\nلم يَأْتِ دليل صحيح يمكن الاعتماد عليه في استحباب النظر إلى موضع السجود، والأصل عدم المشروعية، فلو كان النظر إلى موضع السجود مشروعًا في الصلاة لجاءت الأدلة الصحيحة الواضحة خاصة أن مثل هذه العبادة تتكرر في اليوم عشرات المرات، ويحتاج إلى هذه الصفة عموم المصلين، فضعف الأدلة مع عموم الحكم وتكراره وتعلقه بأعظم العبادات العملية دليل على ضعف الحكم نفسه، أيأتي ذكر آداب الدخول للخلاء في الصحيحين، وكذا آداب الأكل والشرب والنوم، ثم لا يأتي في النظر في موضع السجود في الصلاة إلا حديث فرد مرسل؟ (^٣).\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nفأمر الله المصلي أن يستقبل جهة الكعبة بجملته، ونص على الوجه لكونه أشرف الأعضاء، والبصر من جملة وجهه، فمن نظر إلى السماء فقد التفت بوجهه\n_________\n(^١). المستدرك (٧٨٨٨).\n(^٢). ورواه البيهقي في الدلائل (٥/ ٦٨) عن الحاكم به.\nوفي إسناده عبد الله بن أبي بكر المقدمي، قال فيه أبو زرعة كما في الجرح والتعديل (٥/ ١٨): ليس بشيء، أدركته، ولم أكتب عنه.\nوضعفه ابن عدي في الكامل.\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٣٠١٢).","vol":"1","page":494},{"text":"إلى السماء عن القبلة، وكذلك من نكس رأسه إلى الأرض يكون قد التفت بوجهه عن القبلة إلى الأرض، مثله كما لو التفت بوجهه يمنة أو يسرة، لا يبطل الصلاة، ولكنه خلاف المشروع، فالمستحب أن يستقبل بوجهه وجسده الكعبة، فإن أقام رأسه وتكلف النظر ببعض بصره إلى الأرض ففي ذلك مشقة وحرج.\nويناقش:\nبأن النظر إلى موضع السجود ليس فيه التفات عن القبلة، بدليل الركوع والسجود، فإن وجه المصلي لا يكون إلى القبلة، ولم يخرجه ذلك عن التوجه إليها، فكذلك لو صح النظر إلى موضع السجود لم يخرجه ذلك أن يكون متوجهًا إلى القبلة، وإنما العمدة فيه أنه لم يرد في النظر إلى موضع السجود شيء يمكن الاعتماد عليه، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٢٣) ما رواه البخاري من طريق فليح، قال: حدثنا هلال بن علي،\nعن أنس بن مالك، قال: صلى لنا النبي ﷺ، ثم رقي المنبر، فأشار بيديه قِبَلَ قِبْلَةِ المسجد، ثم قال: لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار مُمَثَّلَتَيْنِ في قِبْلَةِ هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر ثلاثًا (^١).\nفدل الحديث على أن نظر النبي ﷺ في صلاته كان إلى قبلة هذا الجدار، وما صح من الإمام صح من المنفرد والمأموم، ولو كان النظر إلى قبلة الجدار ينافي الخشوع أو كماله لم ينظر إليه رسول الله ﷺ في صلاته، أو لَمُثِّل له ذلك في موضع سجوده بدلًا من أن يمثل له ذلك في قبلة الجدار.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٢٢٤) روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،\nعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ... الحديث (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١٣٠ - ٤٣٨).","vol":"1","page":495},{"text":"وجه الاستدلال:\nفقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فدل الحديث أن الصف الأول ينظر إلى الإمام ليقتدي بأفعاله، وينظر الصف الثاني إلى الصف الأول للغرض نفسه، فكل صف منهم إمام لمن وراءه، ويلزم منه أن يكون النظر إلى غير موضع السجود.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٢٢٥) ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق الزهري، عن عروة، قال:\nقالت عائشة: خسفت الشمس ... فذكرت صلاة النبي ﷺ ثم قالت قال النبي ﷺ: إنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، حتى يفرج عنكم، لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدته، حتى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفًا من الجنة، حين رأيتموني جعلت أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، حين رأيتموني تأخرت ... الحديث (^١).\nورواه مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر بنحوه، وفيه: ... ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلكم حين رأيتموني تأخرت، مخافة أن يصيبني من لفحها .... ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ... الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفي الحديث دليل على أن الصحابة كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ، وهو يصلي بهم، ويلزم منه أنهم لم ينظروا إلى موضع سجودهم، وإذا كان ذلك لا ينافي كمال الخشوع في حق المأموم فكذلك في حق غيره، وما ثبت في حق المأموم ثبت في حق المنفرد والإمام إلا بدليل،، والله أعلم.\nالدليل السادس:\n(ح-١٢٢٦) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٢١٢)، صحيح مسلم (٣ - ٩٠١).\n(^٢). صحيح مسلم (١٠ - ٩٠٤).","vol":"1","page":496},{"text":"عمير، عن أبي معمر، قال:\nقلت لخباب بن الأَرَتِّ: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته (^١).\nفدل الحديث على أن المأموم ينظر إلى إمامه، ولم يحفظ في الشرع التفريق بين نظر المأموم في صلاته، وبين نظر المنفرد والإمام، فالأصل أن ما ثبت لواحد منهما ثبت للباقي إلا بدليل.\nالدليل السابع:\n(ح-١٢٢٧) روى البخاري ومسلم من طريق أبي حازم بن دينار،\nعن سهل بن سعد، قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة من الأنصار، قد سماها سهل، فقال لها: مُرِي غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادًا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طَرْفَاءِ الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ، فأمر بها فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسول الله ﷺ صلى عليها، وكبر، وهو عليها، ثم ركع، وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي، واللفظ للبخاري (^٢).\nوفي رواية للبخاري: كبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه (^٣).\nولفظ مسلم: فكبر، وكبر الناس وراءه (^٤).\nفصلى رسول الله ﷺ على المنبر، وصلى الناس معه، ثم بين الحكمة من فعله، فقال: لتأتموا بي، فلو كان الناس يضعون أبصارهم موضع سجودهم، أكانوا ينظرون إليه، وهو أعلى منهم؟\n• مناقشة هذه الأدلة:\nحديث أنس في البخاري، وحديث أبي سعيد في مسلم، وحديث عائشة في\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٦١).\n(^٢). صحيح البخاري (٩١٧)، وصحيح مسلم (٥٤٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٣٧٧).\n(^٤). صحيح مسلم (٤٤ - ٥٤٤).","vol":"1","page":497},{"text":"الصحيحين، وحديث خباب في البخاري، وحديث سهل في الصحيحين، هذه القضايا التي حدثت للنبي ﷺ سواء ما كان منها في صلاة الكسوف، أو في صلاته على المنبر، أو في نقل خباب أنه عَلِمَ قراءة النبي ﷺ في الصلاة السرية من اضطراب لحية النبي ﷺ في صلاته، هذه الأدلة نتفق فيها أن الراوي ذكر هذه الأحاديث ولم يكن يقصد منها أن يبين موضع نظر المصلي في صلاته، فهذه الأحاديث دلالتها على مسألتنا ليست مقصودة بالحكم، فإذا حاول الفقيه أن يستنبط منها حكم هذه المسألة، وهي لم تُسَقْ لبيان مثل هذا الحكم، فإنه محل اجتهاد، فحتى يُسَلَّم هذا الاستدلال يشترط في هذه الأفعال الواردة في هذه الأحاديث أن يكون لها عموم في جميع الصلوات، وليست قضايا عينية فعلت في أحوال غير عادية، وقد قال الفقهاء: قضايا الأعيان لا عموم لها، كما أنها أفعال، والفعل عند أهل الأصول لا عموم له، بخلاف القول. لهذا دعني آخذ هذه الأحاديث حديثًا حديثًا:\nفصلاة النبي ﷺ على المنبر لم يكن ذلك من عادته ﷺ، فإذا علا المنبر ليصلي بأصحابه فمن المؤكد أن هذا يستدعي النظر إلى الإمام؛ لكون النبي ﷺ فعل ذلك على خلاف العادة، وبغرض التعليم كما جاء مصرحًا به في الحديث، والتعليم بالفعل يستدعي النظر إلى هذا الفعل، فإذا عُقِل الفعل لم يكن ثمَّت حاجة إلى النظر إلى الإمام في الصلاة، وبالتالي لا يمكن أن يؤخذ من هذا الفعل حكم عام في جميع أحوال الصلوات، وأن المشروع أن ينظر المأموم إلى إمامه في الصلاة كما أنه لا يمكن أن يؤخذ من هذا الحديث استحباب صلاة الإمام على المنبر في جميع الأحوال.\nوكذلك يقال عن فعله ﷺ في صلاة الكسوف من التقدم والتأخر، فإن النبي ﷺ كان يتأخر فيتأخر معه أصحابه، ثم يتقدم فيتقدم معه أصحابه كما جاء ذلك مبينًا في حديث جابر عند مسلم من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن جابر في صفة صلاة الكسوف، وفيه: .... ثم تأخر، وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهينا وفي رواية: حتى انتهى إلى النساء، ثم تقدم، وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه .... الحديث (^١).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٠ - ٩٠٤).","vol":"1","page":498},{"text":"فكان الذي خلف النبي ﷺ يرى لزامًا تأخر النبي ﷺ، فيتأخر الصف الأول لتأخر النبي ﷺ، ويتأخر الصف الثاني لتأخر الصف الأول، ولم يكن العلم بالتأخر والتقدم؛ لأن السنة النظر إلى قبلة المصلي، بل لأن التأخر سوف يأتي على موضع سجود المصلي إن قلنا: إنه هو موضع النظر بالنسبة إليه، ولم يكن هذا الفعل معهودًا في الصلاة، فلا يمكن القول بأن مثل هذا الحديث في هذا الحال الاستثنائي يمكن أن يؤخذ منه حكم عام في موضع نظر المصلي في جميع الصلوات؛ لأن الفعل لا عموم له، فكيف بالفعل العارض على خلاف المعتاد؟\nوأما حديث خباب فهو في بيان قراءة النبي ﷺ في الصلاة السرية، لكن حين سئل كيف عرف ذلك؟ قال: من اضطراب لحيته، فهذا الفعل من خباب غايته أن يدل على جواز النظر إلى الإمام إذا لم يكن فيه التفات برأسه، وهو محل اتفاق، ويجوز مع الالتفات بالرأس إذا كان لحاجة، أما أن يدل هذا الحديث على استحباب النظر إلى الإمام مطلقًا ففيه نظر، فإذا نظر المأموم لإمامه لغرض صحيح كمعرفة قراءة النبي ﷺ في الصلاة السرية، أو للتعلم من الإمام فلا حرج فيه، ولا يؤخذ منه استحباب النظر إلى الإمام مطلقًا في جميع الصلوات، والله أعلم.\nويبقى الحديث الذي ينظر في دلالته على هذه المسألة هو حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ... الحديث (^١).\nواقتداء الصف الثاني بالأول اقتداء بالأفعال، لا بسماع التكبير، ويلزم منه النظر إلى الصف لا إلى موضع السجود.\nفهذا الحديث سنة قولية، وحكمه عام في جميع الصلوات، ولم يُفْعَل لعارض.\nالدليل الثامن:\nأمر الله ﷾ المصلي بالقيام في صلاته ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ونهاه الشارع عن رفع البصر في الصلاة، وسكت الشارع من غير نسيان عن الباقي، وما سكت عنه فهو عفو، فكان مقتضى الامتثال فيما لم يرد فيه نص\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٣٠ - ٤٣٨).","vol":"1","page":499},{"text":"صحيح في صفته أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنها إلا بتوقيف، ولم يحفظ في النظر إلى موضع السجود دليل تقوم به الحجة.\n• الراجح:\nأرى أن مذهب الإمام مالك والبخاري أقوى من مذهب الجمهور؛ وقد تأيد بأصلين صحيحين:\nالأول: أن الأصل عدم استحباب النظر إلى موضع السجود حتى يثبت دليل يقتضي الاستحباب، ولا يوجد في الباب إلا مرسل الحسن البصري، ومثله لا يمكن أن يعارض به ظاهر الأدلة الصحيحة.\nوالثاني: أن ما لم يرد في صفته نص فإن المصلي يبقى على طبيعته، ولا يتكلف النظر إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه، ويلزم من هذا الضابط النظر إلى قبلته.\nوالنظر إلى موضع السجود ليس مكروهًا؛ لأنه لم يحفظ في الأدلة ما ينهى عنه، لكن هناك فرق بين اعتقاد مشروعيته واعتقاد إباحته، إذا تقرر هذا، نقول: موضع النظر في الصلاة أن ينظر إلى قبلته إن كان منفردًا أو إمامًا، وإن كان مأمومًا نظر إلى إمامه إن كان يمكنه ذلك بلا التفات، وإلا نظر إلى قبلته، هذا إذا كان في الصف الأول، فإن كان في غير الصف الأول نظر إلى الصف الذي قبله، على ما يقتضيه حديث أبي سعيد الخدري في مسلم، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثالث في موضوع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لم يرد في موضع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس نص خاص يمكن الاعتماد عليه.\n• الراجح فيما لم يرد في صفته نص ألا يتكلف المصلي في نظره إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه في هذه الأحوال.\n• موضع نظر المصلي في الجلوس لا يختلف عن النظر في موضع القيام؛ لأن الجلوس يقع بدلًا عن القيام في بعض الأحيان.\n• لم يصح دليل في النظر إلى السبابة وقت التشهد، والحديث الوارد معلول.\n[م-٥٠١] اختلف الفقهاء في موضع نظر المصلي في الركوع والجلوس والسجود.\nفقيل: ينظر في جميع صلاته إلى موضع سجوده.\nوهو ظاهر إطلاق محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة، وبه قال الإمام الثوري (^١).\n_________\n(^١). قال محمد بن الحسن الشياني في الأصل (١/ ٨): «يكون منتهى بصره إلى موضع سجوده». قال في البدائع (١/ ٢١٥): «أطلق محمد ﵀ قوله: ويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده». أي لم يفرق بين القيام وغيره، ومقتضى الإطلاق استحباب ذلك في جميع الصلاة، من قيام وركوع وجلوس.\nانظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٨)، المبسوط (١/ ٢٥)، المجموع (٣/ ٣١٤، ٤٥٥)، البيان للعمراني (٢/ ١٧٦)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٠)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٦٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٣٦).\nالمغني (٢/ ٦، ٧)، المبدع (١/ ٣٨١)، الإنصاف (٢/ ٤٦)، الإقناع (١/ ١١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٦، ١٨٧).","vol":"1","page":501},{"text":"وقال الشافعية: ينظر في جميع صلاته إلى موضع سجوده إلا في التشهد فلا يجاوز بصره إشارته، ووافقهم بعض الحنابلة، وكما استثنى الشافعية المصلي على جنازة، فينظر إليها (^١).\nقال المرداوي في الإنصاف: «الصحيح من المذهب: أن النظر إلى موضع سجوده مستحب في جميع حالات الصلاة، وعليه أكثر الأصحاب، وقال القاضي وتبعه طائفة من الأصحاب: ينظر إلى موضع سجوده إلا حال إشارته في التشهد فإنه ينظر إلى سبابته» (^٢).\nوقيل: ينظر في الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي الجلوس إلى موضع حجره، اختاره الطحاوي والكرخي وابن نجيم من الحنيفة، واستحبه بعض أصحاب الشافعية كالقاضي حسين، والبغوي والمتولي، كما استحبه بعض الحنابلة، وبه قال القاضي شريك (^٣).\nوقيل: ينظر في ركوعه إلى ركبتيه، حكاه ابن رجب (^٤).\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣١٤، ٤٥٥)، البيان للعمراني (٢/ ١٧٦)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٠)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٦٠)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٣٦).\n\nوانظر قول بعض الحنابلة في: المبدع (١/ ٣٨١)، الإنصاف (٢/ ٤٦)، كشاف القناع (١/ ٣٣٤).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٤٦).\n(^٣). قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٧٨): «هذه التفاصيل -يقصد اختلاف النظر باختلاف أحوال المصلي من قيام، وركوع وجلوس وسجود- من تصرفات المشايخ كالطحاوي، والكرخي، وغيرهما».\nوقال الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦٤٩): «ما ذكره أبو جعفر -يعني الطحاوي- من اختلاف نظره لاختلاف أحوال الصلاة لم أقرأه لأصحابنا، وإنما الذي أعرفه عنهم أن يكون منتهى بصره إلى موضع سجوده، والذي ذكره أبو جعفر حسن، يشبه أن يكون مذهبهم».\nوانظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢٥)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٤١)، البحر الرائق (١/ ٣٢١)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٨)، الاستذكار (١/ ٥٣٤)، التمهيد (١٧/ ٣٩٣)، تفسير القرطبي (٧/ ٣٢)، عمدة القارئ (٥/ ٣٠٦)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي للبغوي (٢/ ١٣٧)، المجموع (٣/ ٣١٤)، تفسير ابن كثير، ت السلامة (١/ ٤٦١)، التوضيح شرح الجامع الصحيح (٧/ ٣٢)، شرح البخاري لابن رجب (٦/ ٣٦٩)،كشاف القناع (١/ ٣٣٤).\n(^٤). شرح البخاري لابن رجب (٦/ ٣٧٠).","vol":"1","page":502},{"text":"• وجه قول من قال: ينظر إلى موضع سجوده:\nأدلتهم هي أدلة النظر إلى موضع السجود حال القيام، وقد تقدم ذكر أدلتهم في المسألة السابقة.\nولأن جمع النظر في موضع واحد أقرب إلى الخشوع، من إرسال الطَّرْف إلى مواضع مختلفة في القيام والركوع والجلوس، وموضع سجوده أشرف وأسهل.\nولأنه لا يوجد دليل على اختلاف موضع النظر بين القيام والركوع والجلوس.\n• دليل من قال: ينظر إلى السبابة في حال التشهد:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٢٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثني عامر بن عبد الله بن الزبير،\nعن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته (^١).\n[اختلف فيه على ابن عجلان في قوله: (لم يجاوز بصره إشارته) والحمل عليه، لا من الرواة عنه، وقد رواه عثمان بن حكيم وزياد بن سعد، وعمرو بن دينار عن عامر، ولم يذكروا فيه هذا اللفظ] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣).\n(^٢). في هذا الحديث علتان:\nالأولى: تفرد به ابن عجلان، عن عامر، وقد رواه عثمان بن حكيم، وزياد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومخرمة بن بكير، عن عامر، ولم يذكروا فيه: (لم يجاوز بصره إشارته)، وسوف نخرج رواياتهم إن شاء الله تعالى بعدما نستوفي تخريج رواية ابن عجلان محل الاستشهاد.\nالعلة الثانية: أن ابن عجلان قد اختلف عليه في ذكر هذا الحرف:\nفرواه يحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٣)، وسنن أبي داود (٩٩٠)، والسنن الكبرى للنسائي (١١٩٩)، وفي المجتبى (١٢٧٥)، ومسند أبي يعلى (٦٨٠٧)، ومسند البزار (٢٢٠٦)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٧)، وصحيح ابن خزيمة (٧١٨)، وصحيح ابن حبان (١٩٤٤)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠١٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٠) بذكر =","vol":"1","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قوله: (لم يجاوز بصره إشارته).\nورواه جماعة من الرواة، منهم الليث بن سعد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر، وسليمان بن بلال، وروح بن القاسم وغيرهم، فلم يذكروا ما ذكره يحيى بن سعيد القطان.\n\nويحيى بن سعيد القطان إمام حافظ، من أعلم الناس بحديث ابن عجلان، لكن البلاء من ابن عجلان نفسه، فهو خفيف الضبط وقد تكلم فيه، فإذا اختلف الثقات عنه كان الحمل عليه، وليس على هؤلاء الثقات، وكيف لا يكون الحمل عليه، وقد رواه غيره، عن عامر، ولم يذكروا ما ذكره ابن عجلان؟ وأبدأ أولًا بتخريج من رواه عن ابن عجلان ولم يذكر فيه قوله: (ولم يجاوز بصره إشارته)، ثم أثني بمن رواه عن عامر، ولم يذكر فيه هذا الحرف أيضًا:\nالأول: الليث بن سعد، عن ابن عجلان:\nرواه مسلم في صحيحه (١١٣ - ٥٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨).\nالثاني: ابن عيينة، عن ابن عجلان.\nرواه أحمد في المسند (٤/ ٣)، والحميدي في مسنده (٩٠٣)، وأبو يعلى في مسنده (٦٨٠٦)، والدارمي في السنن (١٣٧٧).\nالثالث: أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان.\nرواه ابن أبي شيبة (٨٤٤١)، وعنه مسلم في صحيحه (١١٣ - ٥٧٩)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٩٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٤/ ٢٠١) ح ١٤٨٢٤، وابن حبان في صحيحه (١٩٤٣)، والدارقطني في سننه (١٣٢٤)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٨١)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٨٨)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (١٢٨٣).\nالرابع: سليمان بن بلال، عن ابن عجلان.\nرواه الطبراني في الكبير (١٣/ ١٠١) ح ٢٤٠، وفي الدعاء له (٦٣٩)،\nالخامس: روح بن القاسم، عن ابن عجلان.\nرواه الطبراني في الكبير (١٣/ ١٠١) ح ٢٤١، و(١٤/ ٢٠٠، ٢٠١) ح ١٤٨٢٣، وفي الدعاء له (٦٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٧).\nالسادس: زيد بن حبان، عن ابن عجلان.\nرواه الطبراني في الدعاء (٦٣٩)، من طريق معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان به، ومعمر سمع من زيد قبل أن يتغير.\nفهؤلاء رووا الحديث عن ابن عجلان، ولم يذكر أحد منهم في الحديث بلفظ: (فلم يجاوز بصره إشارته)، وهو دليل على أن ابن عجلان لم يضبط هذا الحرف.\nوقد خالفه كما ذكرت عثمان بن حكيم، وزياد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومخرمة بن بكير، فرووه عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، وليس في حديث أحد منهم ذكر لهذا الحرف، وإليك تخريج مروياتهم: =","vol":"1","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما رواية عثمان بن حكيم، عن عامر:\nفرواها مسلم في صحيحه (١١٢ - ٥٧٩)، وأبو داود في السنن (٩٨٨)، والبزار (٢٢٠٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠٠١، ٢٠٠٢، ٢٠١٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٢٨٢)، والطبراني في الأوسط (٩٤٥٦)، وفي الكبير (١٤/ ٢٠٠) ح ١٤٨٢٢، وابن خزيمة في صحيحه (٦٩٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٧) من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عثمان بن حكيم، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه.\nقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن حكيم إلا عبد الواحد بن زياد».\nقلت: لا يضره ذلك، فعبد الواحد بن زياد ثقة.\nوأما رواية زياد بن سعد (ثقة ثبت)، فرواه عن عامر به، واختلف عليه فيه:\nفقيل: عن زياد بن سعد، عن ابن عجلان، عن عامر،\nرواه أبو داود (٩٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٧٠)، وفي الكبرى (١١٩٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٩٩) ح ٢٣٨، و(١٤/ ١٩٩) ح ١٤٨٢١، وفي الدعاء له (٦٣٨)، والبزار في مسنده (٢٢٠٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٦، ٢٠١٩)، من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني زياد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، أن النبي ﷺ وذكر الحديث، وليس فيه النظر إلى السبابة.\nقال البزار: (٦/ ١٦٦): «وهذا الحديث رواه غير واحد عن ابن عجلان، ورواه ابن جريج عن زياد بن سعد عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن النبي ﷺ، ولا نعلم .... روى حديث ابن جريج عن زياد بن سعد إلا الحجاج بن محمد عنه».\nخالف ابن جريج في إسناده سفيان بن عيينة، فرواه عن زياد بن سعد، ليس بينهما ابن عجلان:\nرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٨٨) حدثنا حامد بن يحيى (البلخي)، أخبرنا سفيان بن عيينة به،\nفهذا هو المحفوظ من رواية زياد بن سعد، أنه يرويه عن عامر بن عبد الله بن الزبير بلا واسطة، فلا أدري من أين أتى الخطأ في رواية ابن جريج أكان ذلك منه، أم من الراوي عنه حجاج بن محمد.\nوقد خالف حامد بن يحيى البلخي كل من:\nأبو خيثمة زهير بن حرب كما في مسند أبي يعلى الموصلي (٦٨٠٦)،\nوأبو الوليد الطيالسي، كما في سنن الدارمي (١٣٧٧)، كلاهما عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به.\nوالطريقان محفوظان عن ابن عيينة، فكان تارة يرويه عن زياد بن سعد، عن عامر، وتارة يرويه عن ابن عجلان، عن عامر.\nوقد جمعهما أثبت أصحاب ابن عيينة:\nفرواه أحمد بن حنبل (٤/ ٣)، قال: قرئ على سفيان وأنا شاهد: سمعتُ ابن عجلان وزياد بن =","vol":"1","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nسعد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ يدعو هكذا، وعقد ابن الزبير.\nورواه الحميدي في مسنده (٩٠٣) حدثنا سفيان، قال: حدثنا زياد بن سعد ومحمد بن عجلان؛ أنهما سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير، يحدث عن أبيه؛ أنه رأى رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة هكذا، وقبض الحميدي أصابعه الأربعة، وأشار بالسبابة.\nهذا ما يتعلق برواية زياد بن سعد، عن عامر، والذي يعنينا من هذا التخريج، أمران:\nالأول: أن المحفوظ من رواية زياد بن سعد أنه يرويه عن ابن عامر بلا وسطة، وأما رواية ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن ابن عجلان، عن ابن عامر فليست محفوظة.\nالثاني: مخالفة زياد بن سعد لابن عجلان في عدم ذكره النظر إلى السبابة وقت التشهد، وزياد بن سعد أثبت من ابن عجلان، وقد أعرضت عن بعض الحروف في رواية زياد بن سعد فلم أتكلم فيها حتى لا نخرج عن موضوع البحث، وسوف يأتي الكلام عليها عند الاستشهاد بها.\nوأما رواية عمرو بن دينار، عن عامر.\nفقد رواه أبو داود (٩٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٧٠)، وفي الكبرى (١١٩٤)، والطبراني في الكبير (١٣/ ٩٩) ح ٢٣٨، و(١٤/ ١٩٩) ح ١٤٨٢١، وفي الدعاء له (٦٣٨)، والبزار في مسنده (٢٢٠٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٩)، من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان عن عامر به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها.\nقال ابن جريج، وزاد عمرو بن دينار، قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك، ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى.\nورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٨٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٦) من طريق عمرو بن دينار وحده.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن عمرو، عن عامر، عن أبيه إلا الحجاج، عن ابن جريح.\nقلت: الحجاج بن محمد ثقة من أصحاب ابن جريج ومكثر عنه، والحجاج وابن جريج وعمرو بن دينار يحتمل تفردهم لكثرة مروياتهم، وجلالة قدرهم، فالغرابة لا تنافي الصحة من مثل هؤلاء إلا أن يخالفهم من هو أقوى منهم.\nومحل البحث حيث رواه عمرو بن دينار، فلم يذكر فيه النظر إلى السبابة.\nوأما رواية مخرمة بن بكير، عن عامر:\nفرواها النسائي في المجتبى (١١٦١)، وفي الكبرى (٧٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٩٠) من طريق ابن المبارك، قال: حدثنا مخرمة بن بكير، قال: أنبأنا عامر به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بأصبعه.\nفاجتمع أربعة حفاظ ممن رووه عن عامر: عثمان بن حكيم، وزياد بن سعد، وعمرو بن دينار، ومخرمة بن بكير، فلم يذكر منهم أحد قوله: (لم يجاوز بصره إشارته) وكل واحد من هؤلاء مقدم على ابن عجلان، كما أن أكثر الرواة عن ابن عجلان لم يذكروا فيه هذا الحرف، إلا ما كان من رواية يحيى بن سعيد القطان، لهذا أرى أن هذا الحرف غير محفوظ، والله أعلم.","vol":"1","page":506},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٢٩) ما رواه النسائي من طريق إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي،\nعن عبد الله بن عمر، أنه رأى رجلًا يحرك الحصى بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف، قال له عبد الله: لا تحرك الحصى وأنت في الصلاة؛ فإن ذلك من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع (^١).\n[تفرد بقوله: (ورمى ببصره إليها) إسماعيل بن جعفر] (^٢).\n_________\n(^١). المجتبى من سنن النسائي (١١٦٠)، وفي الكبرى (٧٥١).\n(^٢). الحديث مداره على مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، عن ابن عمر، واختلف على مسلم بن أبي مريم فيه:\nفرواه إسماعيل بن جعفر، عن مسلم بن أبي مريم بذكر قوله: (ورمى ببصره إليها).\nرواه النسائي في المجتبى (١١٦٠)، وفي الكبرى (٧٥١)، وابن خزيمة (٧١٩)، وابن حبان (١٩٤٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٧) من طريق علي بن حجر،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٠) من طريق أبي الربيع (سليمان بن داود)، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر به، وهو في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٤٤٣).\nوخالفه جمع من الرواة، فرووه عن مسلم بن أبي مريم من دون هذه الزيادة، منهم:\nالأول: مالك بن أنس، عن مسلم بن أبي مريم.\nأخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٤٢/٢٣٥)، ومن طريقه رواه مسلم (٥٨٠ - ١١٦)، وعبد الرزاق (٣٠٤٨)، والشافعي في الأم (١/ ١١٦)، وأحمد (٢/ ٦٥)، وأبو داود (٩٨٧)، والنسائي في المجتبى (١٢٦٧)، وفي الكبرى (١١٩١)، وابن حبان (١٩٤٢)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠٠٧، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩). وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٢٨٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢١٥/١٥٣٣)، والبيهقي في الخلافيات (١٧٧٥)، وفي السنن الكبرى (٢/ ١٨٦)، وفي المعرفة (٣/ ٥٢). =","vol":"1","page":507},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٢٣٠) روى أحمد في المسند، قال: حدثنا محمد بن عبد الله أبو أحمد الزبيري، حدثنا كثير بن زيد، عن نافع، قال:\nكان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بأصبعه، وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ لهي أشد على الشيطان من الحديد، يعني السبابة (^١).\n_________\n=\n\nالثاني: شعبة، عن مسلم بن أبي مريم.\nأخرجه أحمد (٢/ ٤٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١١).\nوقلب شعبة اسم الراوي فقال: عن عبد الرحمن بن علي، قال أبو عوانة: وهو غلط. اهـ\nوكذا قال أحمد كما في مسائل ابن هانئ (٢١٠).\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة كما في العلل لابنه (٢/ ١٧٠) ح ٢٩٢: «هذا وهم، وهِمَ فيه شعبة؛ إنما هو: علي بن عبد الرحمن المعاوي».\nالثالث: سفيان بن عيينة، عن مسلم بن أبي مريم.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٣٠٤٨)، ومسلم (٥٨٠) والحميدي في مسنده (٦٦٢)، وأحمد كما في مسائل ابن هانئ (٢١٠)، وأبو يعلى في مسنده (٥٧٦٧)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (١٢٨٨).\nالرابع: يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم،\nرواه أحمد كما في مسائل ابن هانئ (٢١٠)، والحميدي في مسنده (٦٦٣)، وأبو يعلى في مسنده (٥٧٦٧)، والنسائي في المجتبى (١٢٦٦)، وفي الكبرى (١١٩٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٧١٢)، عن سفيان: عن يحيى بن سعيد (الأنصاري) عن مسلم بن أبي مريم به. .\nالخامس: عبد العزيز بن محمد (الدراوردي) عن مسلم بن أبي مريم.\nأخرجه الحميدي في مسنده (٦٦٢).\nالسادس: وهيب بن خالد، عن مسلم بن أبي مريم.\nأخرجه أحمد (٢/ ٧٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠٠٨)،\nالسابع والثامن: ابن نمير، ويزيد بن هارون، عن مسلم بن أبي مريم.\nرواه أحمد عنهما كما في مسائل ابن هانئ (٢١٠).\nفهؤلاء ثمانية رواة، منهم أئمة، كمالك، وسفيان، وشعبة، رووه فلم يذكروا فيه (ورمى ببصره إليها)،مما يدل على وهم إسماعيل بن جعفر، والله أعلم.\n\n(^١). المسند (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":508},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١). فيه أكثر من علة:\nالأولى: تفرد به عن نافع كثير بن زيد، وليس له رواية عن نافع إلا هذا الحديث الذي لم يتابع عليه، ونافع له أصحاب يعتنون بحديثه، فلو كان هذا من حديثه لم يتفرد عنه مثل كثير بن زيد.\nوقال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن نافع إلا كثير بن زيد، ولا نعلم أسند كثير بن زيد عن نافع إلا هذا الحديث.\nوقد جاء في ترجمة كثير بن زيد الأسلمي،\nقال فيه أبو زرعة: صدوق فيه لين. الجرح والتعديل (٧/ ١٥٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: صالح، ليس بالقوي، يكتب حديثه.\nوقال يعقوب بن شيبة: ليس بذاك الساقط، وإلى الضعف ما هو. تهذيب الكمال (٢٤/ ١١٣).\nوقال النسائي: ضعيف. المرجع السابق.\nوقال أبو جعفر الطبري: كثير بن زيد عندهم ممن لا يحتج بنقله. تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٨).\nوقال أحمد: ما أرى به بأسًا. المرجع السابق.\nواختلف قول يحيى بن معين:\nفقال عبد الله بن شعيب الصابوني وأبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ليس بذاك، قال أبو بكر: وكان قال أولًا: ليس بشيء. تهذيب الكمال (٢٤/ ١١٣).\nوقال ابن معين في رواية معاوية بن صالح وغيره: صالح: تهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٨).\nوقال في رواية الدورقي، عن يحيى بن معين: ليس به بأس.\nوقال في رواية ابن أبي مريم: ثقة. ميزان الاعتدال (٣/ ٤٠٤).\nوقال ابن المديني: صالح، وليس بقوي. المرجع السابق.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ.\nالثانية: أنه قد اختلف عليه في إسناده ولفظه:\n\nفرواه أبو أحمد الزبيري (ثقة) عن كثير بن زيد، عن نافع، قال: كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأتبعها بَصَرَه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: لهي أشدُّ على الشيطان من الحديد، يعني: السبابة.\nأخرجه أحمد (٢/ ١١٩)،\nوالبزار (٥٩١٧)، وابن حبان كما في إتحاف المهرة (١١٣٤١) حدثنا إبراهيم بن سعد،\nوالطبراني في الدعاء (٦٤٢) من طريق محمد بن عبادة الواسطي.\nوأيضًا من طريق إسحاق بن راهويه،\nوابن منيع في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (١٣٧٢)،\nوأحمد بن الوليد الفحَّام كما في جزء من أمالي أبي جعفر بن البختري (١٣٧ - ٥)، ستتهم =","vol":"1","page":509},{"text":"• وجه من قال: ينظر إلى ظاهر قدميه في الركوع، وإلى حجره في الجلوس:\nالمطلوب ألا يتكلف النظر إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه في هذه الأحوال من غير كلفة، ومعلوم أن القائم متى لم يتكلف النظر إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه، كان منتهى بصره إلى موضع سجوده، وفي ركوعه يقع بصره\n_________\n=\n(أحمد، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن عبادة، وإسحاق، وابن منيع، والفحام) رووه عن أبي أحمد الزبيري به.\nوخالف أبا أحمد الزبيري: أبو عامر العقدي وعبد الكبير بن عبد المجيد (أبو بكر الحنفي) فروياه عن كثير بن زيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، ويده اليسرى على ركبته اليسرى، ويشير بإصبعه، ولا يحركها، ويقول: إنها مذَبَّةُ الشيطان، ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعله. هذا لفظ أبي عامر.\nولفظ أبي بكر الحنفي: كان ابن عمر إذا صلى وضع يديه على ركبتيه، وقال بإصبعه السبابة، يمدها يشير بها، ولا يحركها، وقال: قال رسول الله ﷺ: هي مذعرة الشيطان.\nأخرجه ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٤٨) وفي الصلاة كما في إتحاف المهرة (١١٣٤٠)، من طريق أبي عامر العقدي.\nوالدارقطني في الأفراد (٣٤٠١)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٩/ ٢١٩، ٢٢٠) من طريق أبي بكر الحنفي، كلاهما عن كثير بن زيد، عن مسلم بن أبي مريم، عن نافع به.\nقال الدارقطني: تفرد به كثير بن زيد عنه -يعني عن نافع- بهذا الإسناد، ولم يَرْوِهِ عنه غير أبي بكر الحنفي، وقال مالك وابن عيينة، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعافري (الصواب: المعاوي) عن ابن عمر نحو هذا».\nوإذا رجع الحديث إلى رواية مسلم بن أبي مريم، فإن المعروف من روايته ما رواه عنه مالك، وشعبة، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ووهيب بن خالد، وابن نمير، ويزيد بن هارون والدراوردي، ثمانيتهم رووه عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، عن ابن عمر، وليس في روايتهم (ورمى ببصره إليها)، وسبق تخريجه.\nقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٨): «يرويه مسلم بن أبي مريم، واختلف عنه:\nفرواه كثير بن زيد الأسلمي، عن مسلم بن أبي مريم، عن نافع عن ابن عمر، واختلف عن كثير: فقال أبو عامر العقدي: عن كثير، عن مسلم بن أبي مريم، عن نافع.\nوقال أبو أحمد الزبيري: عن كثير، عن نافع، لم يذكر بينهما مسلمًا.\nورواه مالك بن أنس، ويحيى بن أيوب، وإسماعيل بن جعفر، والدراوردي، وسفيان بن عيينة، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، عن ابن عمر ...... والصحيح من ذلك: ما رواه مالك بن أنس ومن تابعه».","vol":"1","page":510},{"text":"إلى قدميه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره» (^١).\n• الراجح:\nأنه لم يرد في موضع نظر المصلي حال الركوع والسجود والجلوس نص خاص يمكن الاعتماد عليه، والأقوال في المسألة إنما هي اجتهاد فيما هو الأكمل في حقه، وإلا فكل هذه الصفات التي ذكرها الفقهاء تدخل في الصفات المباحة، والراجح فيما لم يرد في صفته نص ألا يتكلف المصلي في نظره إلى غير الموضع الذي يقع بصره عليه في هذه الأحوال، فالنظر في موضع الجلوس لا يختلف عن النظر في موضع القيام؛ لأن الجلوس يقع بدلًا عن القيام في بعض الأحيان، انظر الراجح في موضع القيام في المسألة السابقة، وأما النظر في حال الركوع فإن من صفة الركوع المستحبة أن يمد ظهره، ويسوي بين ظهره ورأسه، فلا يرفع رأسه، ولا يصوبه، ولكن بين ذلك فإذا استوى ظهره مع رأسه على هذه الصفة فما وقع عليه بصره بلا تكلف فهو موضع نظره، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦٤٨).","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الفصل الثامن في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الأول في مشروعية رفع اليدين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• حكى ابن المنذر وابن قدامة والنووي الإجماع على استحباب رفع اليدين في الصلاة، وقال ابن رجب: كالمجمع عليه، وعبارته أدق.\n• مواضع رفع اليدين وإرسالهما في الصلاة توقيفي، لا مجال للرأي فيه.\n• الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها ليست على الوجوب، إلا أن تكون بيانًا لواجب.\n• حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) دليل على مشروعية ما فعله النبي ﷺ في صلاته وأما دليل الركنية أو الشرطية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى.•• وضوح السنة لم يعصم الأئمة من الخلاف، فليعذر طلبة العلم بعضهم بعضًا.\n[م-٥٠٢] رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام سنة للإمام والمنفرد والمأموم، وبه قال الجمهور (^١)، وهي أشهر الروايات عن الإمام مالك، رواها ابن القاسم عنه، وحكى جماعة الإجماع على مشروعيتها (^٢).\nوقيل: رفع اليدين فرض، وهو مذهب الظاهرية، حكاه القاضي عياض عن الإمام داود الظاهري، واختاره ابن حزم، وبه قال الحميدي والأوزاعي وابن خزيمة (^٣).\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (٢/ ٢٤٩)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٤).\n(^٢). حكى الإجماع ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٠٨)،.\n(^٣). إكمال المعلم (٢/ ٢٦١)، المحلى، مسألة (٣٥٨).","vol":"1","page":512},{"text":"قال ابن حزم: «رفع اليدين للتكبير مع الإحرام في أول الصلاة فرض، لا تجزئ الصلاة إلا به» (^١).\nوقيل: لا يرفع في أول الصلاة، ولا في شيء منها، وهو رواية عن مالك، ذكرها ابن شعبان وابن خويز منداد وابن القصار. قال القاضي عياض: وهي أضعف الروايات عنه (^٢).\nوقيل: سنة مطلقًا في حق المنفرد والإمام، وأما المأموم فهو تبع لإمامه، إن رفع الإمام رفع، وإلا ترك اتباعًا لإمامه، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة.\nقال ابن رجب: «قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) .... أدخل بعضهم متابعته في ترك بعض أفعال الصلاة المسنونة، كرفع اليدين، فقال: لا يرفع المأموم يديه إلا إذا رفع الإمام، وهو قول أبي بكر بن أبي شيبة، والجمهور على خلاف ذلك، وأن المأموم يتابع إمامه فيما يفعله، ويفعل ما تركه من السنن عمدًا أو سهوًا، كرفع اليدين، والاستفتاح، والتعوذ، والتسمية، وغير ذلك» (^٣).\nهذه مجمل الأقوال في المسألة، وخلاصتها:\nقيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: لا يشرع، وقيل: سنة مطلقًا في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فهو تبع لإمامه.\n_________\n(^١). المحلى، مسألة (٣٥٨).\n(^٢). جاء في الاستذكار (١/ ٤٠٨): «ذكر ابن خويز منداد، قال: اختلفت الرواية عن مالك في رفع اليدين في الصلاة، فمرة قال: يرفع في كل خفض ورفع، على حديث ابن عمر، ومرة قال: لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، ومرة قال: لا يرفع أصلًا، والذي عليه أصحابنا أن الرفع عند الإحرام لا غير». اهـ\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٣٤): وفي الرفع خمسة أقوال: أنه يرفع في تكبيرة الإحرام فقط، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا يرفع في شيء ...». وذكر بقية الأقوال. وانظر: التمهيد (٩/ ٢١٤)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٦١)، ومختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ١٩٩).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٠٨).","vol":"1","page":513},{"text":"• دليل من قال: يستحب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٣١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٣٢) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث (^٢).\nورواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أحدهم أبو قتادة بن ربعي، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تباعة، قال: بلى. قالوا: فاعرض قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر .... وذكر الحديث (^٣).\n[سبق تخريجه] (^٤).\nفهؤلاء عشرة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو حميد الساعدي لم ينكروا على أبي حميد ما ذكره من صفة صلاة النبي ﷺ، وأنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٣). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٤). انظر: رقم الحديث (١١٨٥).","vol":"1","page":514},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٢٣٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق الواسطي، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن خالد (يعني الحذاء)، عن أبي قلابة،\nأنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه»، وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا. هذا لفظ البخاري (^١).\nوفي رواية لمسلم: إذا صلى كبر، ثم رفع يديه ... الحديث. رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن عبد الله به (^٢).\nالدليل الرابع:\nقال ابن المنذر: «لم يختلف أهل العلم أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند افتتاح الصلاة» (^٣).\nقال ابن قدامة: «لا نعلم خلافًا في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة» (^٤).\nوقال النووي: «أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها» (^٥).\nوقال ابن رجب: «كالمجمع عليه» (^٦). وهي أدق ممن أطلق الإجماع.\n• ونوقش:\nانتقد العراقي حكاية الإجماع على الاستحباب من وجهين:\nأحدهما: أن بعض العلماء يقول بوجوبه، كالإمام داود وابن حزم من الظاهرية،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٣٩١).\n(^٣). الأوسط (٣/ ٧٢)، والإشراف (٢/ ٦).\n(^٤). المغني (١/ ٣٣٩).\n(^٥). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، وانظر المجموع (٣/ ٣٠٥)، فتح الباري (٢/ ٢١٨)، طرح التثريب (٢/ ٢٥٥).\n(^٦). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢١).","vol":"1","page":515},{"text":"وأبي الحسن السياري من أصحاب الشافعية، ورواية عن الأوزاعي والحميدي.\nالثاني: أن بعضهم لا يستحب الرفع عند تكبيرة الإحرام، وهو رواية عن مالك، حكاها عنه ابن شعبان، وابن خويز منداد، وابن القصار، ولهذا حكى ابن عبد البر الإجماع على جواز الرفع عند تكبيرة الإحرام، وكأنه عدل عن حكاية الإجماع على الاستحباب إلى الجواز لهذه القولة، قال العراقي: لكنها رواية شاذة، لا معول عليها (^١).\nوتضعيفها بالحكم عليها بالشذوذ لا يلغي إذا ثبتت هذه الرواية عن مالك أنها تخرق حكاية الإجماع على الاستحباب، وإن كان في الترجيح لا يلتفت إليها.\n• دليل من قال: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام فرض:\nاستدل ابن حزم بحديث مالك بن الحويرث،\n(ح-١٢٣٤) فقد روى البخاري من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه .... وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري (^٢).\nوروى مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال له ولمن معه: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^٣).\nوالأصل في الأمر الوجوب، وإذا وجب على مالك بن الحويرث ومن كان معه أن يصلوا كما رأوا النبي ﷺ يصلي، كان ذلك واجبًا أيضًا على جميع الأمة؛ لأن أمر النبي ﷺ لواحد من الأمة أمر للجميع إلا أن يدل دليل على اختصاصه به.\nولم يثبت عن النبي ﷺ أنه ترك الرفع في هذا الموضع، بل جميع الأحاديث متفقة على الرفع في هذا الموضع.\n• ويناقش:\nبأن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه\n_________\n(^١). انظر: طرح التثريب (٢/ ٢٥٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٧)، وصحيح مسلم (٣٩١)، وانظر تمام الحديث في أدلة القول الأول.\n(^٣). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).","vol":"1","page":516},{"text":"خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: لتأخذوا عني مناسككم، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما علمتموني أصلي.\nوإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.\n(ح-١٢٣٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nحدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركْنَا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (^١).\nومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوالٍ وهيئاتٍ، وصفاتٍ وأقوالٍ، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).","vol":"1","page":517},{"text":"• دليل من قال: يرفع إن رفع الإمام:\n(ح-١٢٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ... الحديث (^١).\nوهذا الاستدلال ليس بشيء؛ لأن رفع اليدين، وكذا سائر السنن الفعلية إذا تركها الإمام، وفعلها المأموم لم يكن هذا من الاختلاف عليه، فالحديث يراد منه ألا تتباين صلاة المأموم عن الإمام، بل تكون صلاته تبعًا لصلاة إمامه، فيجلس إذا جلس، ويقوم إذا قام، ولا يتقدم عليه، ولا يتأخر جدًّا عنه، أما رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، وكذا جلسة الاستراحة إذا تركها الإمام، وفعل ذلك المأموم لم يعد اختلافًا على الإمام، لم يؤثر ذلك في صحة صلاته، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٧٥ - ٤١٠).","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الثاني في صفة رفع اليدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الفرع الأول في صفة رفع الأصابع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• رفع اليدين في التكبير من هيئة الصلاة.\n• رفع الكف ومدها يستلزم مد الأصابع؛ لأنها جزء منها.\n• السنة في الأصابع إذا رفعت الأيدي أن تكون ممدودة.\n• مد الأصابع لا يقتضي ضمها، ولا تفريجها، فالضم والتفريج صفة زائدة على مطلق المد.\n• لا يتكلف ضمها كل الضم ولا تفريجها كل التفريج بل يتركها منشورةً على هيئتها.\n• كل شيء لم ترد فيه السنة واضحة فالأصل بقاؤه على طبيعته، ومنه ترك الضم والتفريج في مد الأصابع.\n[م-٥٠٣] اليد تطلق ويراد بها مجموع الأصابع والراحة، لهذا تكلم فقهاؤنا في صفة رفع اليدين من خلال ثلاث مسائل:\nالمسألة الأولى: السنة في الأصابع، أتكون مضمومة أم مفرقة؟\nالمسألة الثانية: السنة في الكفين، أيرفعهما قائمتين، أم يبسطهما؟\nالمسألة الثالثة: منتهى الرفع، أيكون إلى المنكبين، أم إلى فروع الأذنين، أم إلى الصدر؟ وسوف نأخذها مسألة مسألة إن شاء الله تعالى:\nأما المسألة الأولى: فقد اتفقوا على أن الأصابع تكون ممدودة، لا مقبوضة،","vol":"1","page":519},{"text":"وإنما اختلفوا في ضمها، أو تفريقها:\nفقيل: يترك أصابعه على حالها، فلا يضم كل الضم، ولا يفرج كل التفريج، وهذا مذهب الحنفية، ورجحه الغزالي من الشافعية (^١).\nقال الغزالي: «لا يتكلف الضم ولا التفريق بل يتركها منشورةً على هيئتها» (^٢).\n(ح-١٢٣٧) واستدلوا: بما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا يحيى بن حكيم، أخبرنا أبو عامر (العقدي)، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان قال:\nدخل علينا أبو هريرة مسجد بني زريق قال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يفعل بهن، تركهن الناس، كان إذا قام إلى الصلاة قال: هكذا، وأشار أبو عامر بيده، ولم يفرج بين أصابعه، ولم يضمها، وقال: هكذا أرانا ابن أبي ذئب، قال أبو بكر: وأشار لنا يحيى بن حكيم، ورفع يديه، ففرج بين أصابعه تفريجًا ليس بالواسع، ولم يضم بين أصابعه، ولا باعد بينها، رفع يديه فوق رأسه مدًّا، وكان يقف قبل القراءة هُنَيَّة يسأل الله تعالى من فضله، وكان يكبر في الصلاة كلما سجد ورفع (^٣).\n[شاذ بهذا اللفظ لم يذكر صفة تفريج الأصابع إلا أبو عامر العقدي، والمحفوظ من لفظه أنه كان يرفع يديه مدًّا] (^٤).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، المحيط البرهاني (١/ ٢٩١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٠)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٧)، النهر الفائق (١/ ٢٠١).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٠٧).\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٤٥٩).\n(^٤). الحديث مداره على ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة.\nرواه الطيالسي في مسنده (٢٤٩٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٢).\nويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٢/ ٤٣٤)، وسنن أبي داود (٧٥٣)، والنسائي في المجتبى (٨٨٣)، وفي الكبرى (٩٥٩)، وصحيح ابن خزيمة (٤٦٠)، ومستدرك الحاكم (٧٨١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٧٩).\nومحمد بن عبد الله بن الزبير كما في مسند أحمد (٢/ ٥٠٠).\nويزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٢/ ٤٣٤)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (٢٧٩)، ومستخرج الطوسي على الترمذي (٢٢٤)، والجزء الثاني من أمالي ابن بشران (١٢٩٥).\nوعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي كما في سنن الدارمي (١٢٧٣) والترمذي (٢٣٩). =","vol":"1","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوأسد بن موسى كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٩٥).\nوآدم بن أبي إياس، كما في معجم ابن الأعرابي (٢٢٤٤).\nومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك كما في صحيح ابن خزيمة (٤٦٠، ٤٧٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٧٤).\nوخلف بن الوليد كما في مستخرج الطوسي (٢٢٤)،\nوأبو عاصم الضحاك بن مخلد كما في مسند البزار (٨٤١٤)، ...\n\nكلهم (الطيالسي، والقطان، والزبيري، وآدم، وأسد، وعبيد الله بن عبد المجيد، ويزيد ابن هارون، وابن أبي فديك، وأبو عاصم، وخلف بن الوليد) رووه عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: أتانا أبو هريرة في مسجد بني زريق، قال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يعمل بهن، قد تركهن الناس: كان يرفع يديه مدًّا إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع ورفع، والسكوت قبل القراءة يسأل الله من فضله.\nوخالفهم كل من:\nأبي عامر العقدي، فرواه عن ابن أبي ذئب، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه إسحاق بن إبراهيم كما في صحيح ابن حبان (١٧٧٧)، عن أبي عامر العقدي، عن ابن أبي ذئب به، كلفظ الجماعة، كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، وكان يقف قبل القراءة هنيهة يسأل الله من فضله، وكان يكبر في الصلاة كلما ركع وسجد. ليس فيه أن ابن أبي ذئب أراهم التفريج بين الأصابع، أو أنه رفع يديه فوق رأسه، وهذا اللفظ هو المحفوظ.\nورواه ابن خزيمة (٤٥٩) أخبرنا يحيى بن حكيم،\nوالحاكم في المستدرك (٨٥٦) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٢)، من طريق إبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي عامر العقدي، وذكر فيه عن ابن أبي ذئب أنه أراهم التفريج بين الأصابع، ورفع اليد فوق الرأس، وهذا لفظه:.\nدخل علينا أبو هريرة مسجد بني زُرَيق، قال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يعمل بهن، تركهن الناس: كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، وأشار أبو عامر بيده، ولم يفرج بين أصابعه، ولم يضمَّها، وقال: هكذا أرانا ابن أبي ذئب.\nقال أبو بكر (ابن خزيمة): وأشار لنا يحيى بن حكيم، ورفع يديه، ففرج بين أصابعه تفريجًا ليس بالواسع، ولم يضم بين أصابعه، ولا باعد بينها، رفع يديه فوق رأسه مدًّا، وكان يقف قبل القراءة هنية يسأل الله تعالى من فضله، وكان يكبر في الصلاة كلما سجد ورفع.\nوقد استنكره ابن خزيمة، فقال في صحيحه: «هذه الشكَّة شكَّة سمجة بحال، ما أدري ممن هي؟ وهذه اللفظة إنما هي: رفع يديه مدًّا، ليس فيه شك ولا ارتياب أن يرفع المصلي يديه عند افتتاح الصلاة فوق رأسه.\nالثاني ممن خالف الجماعة في لفظه: يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب: =","vol":"1","page":521},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nرواه أبو سعيد الأشج كما في حديثه (٢)، وسنن الترمذي (٢٣٩)، وصحيح ابن خزيمة (٤٥٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٦٩)، ومستخرج الطوسي على الترمذي (٢٢٣)، ومستدرك الحاكم (٨٥٧).\nوقتيبة بن سعيد كما في سنن الترمذي (٢٣٩)، كلاهما عن يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.\nولفظ أبي سعيد الأشج: كان رسول الله ﷺ ينشر أصابعه في الصلاة نشرًا.\nويحيى بن اليمان كثير الغلط، فكيف إذا خولف، وقد قال يحيى بن معين والنسائي: ليس بالقوي، وضعفه يحيى في رواية، والله أعلم.\nوقد خطأ الترمذي يحيى بن اليمان، قال في سننه: (١/ ٣١٩): «وقد روى غير واحد هذا الحديث، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا، وهو أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ ابن اليمان في هذا الحديث».\nوأعلَّ روايته الإمام أبو حاتم الرازي، جاء في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٣٤) ح ٢٦٥: «سمعت أبي، وذكر حديث يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة نشر أصابعه نشرًا، قال أبي: وهم يحيى إنما أراد قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب».\nوضعفه أحمد كما نقله ابن القيم في بدائع الفوائد (٣/ ٨٨).\nوتابع يحيى بن اليمان شبابة بن سوار، وهو ثقة، فقد قال ابن أبي حاتم في العلل (٤٥٨): «سألت أبي عن حديث، رواه شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة، نشر أصابعه نشرًا.\nقال أبي: إنما روى على هذا اللفظ يحيى بن يمان، ووهم، وهذا باطل».\nواحتمل بعضهم رواية يحيى بن اليمان، وحملها على أنها من الرواية بالمعنى، فليست مخالفة لرواية الجماعة: (رفع يديه مدًّا)، فالمد والنشر معناهما واحد، ضد القبض والطي، وليس المراد بالنشر تفريج الأصابع.\nجاء في بدائع الفوائد (٣/ ٨٨): «قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل، سئل تذهب إلى نشر الأصابع إذا كبرت؟ قال: لا. قال أبو حفص: لعل أبا عبد الله أراد بالنشر الذي لم يذهب إليه التفريق الذي كان يقول به أولًا، والنشر الذي ذهب إليه آخرًا هو مد اليدين، وقد قال صالح: سألت أبي عن رفع اليدين في التكبيرة الأولى فقال: يا بني كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ إذا كبر نشر أصابعه فظننت أنه التفريق، فكنت أفرق أصابعي فسألت أهل العربية\nفقالوا: هو الضم، وهذا النشر ومد أبي أصابعه مدًّا مضمومة ...».","vol":"1","page":522},{"text":"وقيل: يفرق أصابعه، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\n• واستدلوا على مشروعية تفريق الأصابع:\n(ح-١٢٣٨) بما رواه الترمذي من طريق يحيى بن اليمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة نشر أصابعه.\n[ضعيف، رواه الجماعة عن ابن أبي ذئب بلفظ: يرفع يديه مدًّا، وهو المحفوظ] (^٢).\nوقال الحنابلة: يرفع أصابعه مضمومًا بعضها إلى بعض (^٣).\n(ح-١٢٣٩) واستدل الحنابلة بما رواه أحمد، من طريق ابن أبي ذئب المعنى، قال: حدثنا سعيد بن سمعان، قال:\nأتانا أبو هريرة في مسجد بني زريق، قال: ثلاث كان رسول الله ﷺ يعمل بهن، قد تركهن الناس: كان يرفع يديه مدًّا إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع ورفع، والسكوت قبل القراءة يسأل الله من فضله، قال يزيد: يدعو ويسأل الله من فضله.\n[صحيح] (^٤).\nومد الأيدي المقصود بالأيدي الكف، ومدها يستلزم مد الأصابع؛ لأنها جزء منها، وإذا مدت الأصابع انضم بعضها إلى بعض.\n• ويناقش:\nبأن مد الأصابع لا يقتضي ضمها، ولا تفريجها، فالضم والتفريج صفة زائدة على مطلق المد.\nوقيل: تكون أطراف الأصابع منحنية قليلًا، ذكر هذه الصفة القاضي عياض\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٠٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٨)، التنبيه في الفقه الشافعي (ص: ٣٠)، المهذب (١/ ١٣٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٣)، الإنصاف (٢/ ٤٤)، المبدع (١/ ٣٨٠).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر دليل القول الأول.\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٤٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩١)، الكافي (١/ ٢٤٣)، المبدع (١/ ٣٧٩)،.\n(^٤). سبق تخريجه، انظر دليل القول الأول.","vol":"1","page":523},{"text":"عن بعض المالكية في إكمال المعلم، ولم يذكر دليله (^١).\n• الراجح:\nأجد أن قول الحنفية هو الأقرب، وأنه يمد أصابعه مدًّا على طبيعتها، فلا يضمها كل الضم، ولا يفرقها كل التفريق بل يتركها على حالها، وهو اختيار الغزالي من الشافعية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٦٣)، وانظر عمدة القارئ شرح البخاري (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الفرع الثاني في صفة رفع الكفين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السنة رفع الكفين قائمتين حذو منكبيه، أو حذو أذنيه مع مد الأصابع.\n• لم يرد في السنة ما يكشف صفة بطون الكفين أيجعلها في اتجاه القبلة، أم يجعل بطن أحد الكفين إلى الآخر أم يجعل بطونهما حذاء خديه.\n• كل هذه الصفات الثلاث يصدق عليها أنه قد رفع كفيه إلى حذاء منكبيه، أو إلى فروع أذنيه.\n• إذا لم تتوجه السنة إلى كشف هذه الصفة تصريحًا، فإن الشرع يقصد بهذا توسعة الأمر على العباد؛ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\n• لا أعلم سنة في استحباب جعل باطن الكفين متجهًا إلى خلف المصلي، أو بسط الكفين بجعل ظهورهما إلى السماء، وقد انفرد بهذه الصفة بعض المالكية.\n• لا يشرع إلزاق الكفين بالمنكبين.\n• لا يشرع مس الإبهامين شحمة الأذنين.\n[م-٥٠٤] اختلف الفقهاء في صفة رفع الكفين، أيرفعهما قائمتين أم يبسطهما؟\nفقيل: يرفعهما قائمتين، على خلاف بينهم في صفة الرفع:\nفقيل: يستقبل ببطنيهما القبلة، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وظاهر اختيار العراقيين من المالكية (^١).\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٢٦)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٢)، البحر الرائق (١/ ٣٢٠)، التوضيح شرح مختصر خليل (١/ ٣٣٤)، شرح التلقين (١/ ٥٥٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٣)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨١)، جامع الأمهات (ص: ٩٣)، شرح النووي ...\nعلى صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، الإنصاف (٢/ ٤٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩١).","vol":"1","page":525},{"text":"وقيل: يجعل بطن كل كف إلى الأخرى، نقله العيني ومغلطاي عن كتاب الحاوي للماوردي، ولم أجده فيه في مظانه من الحاوي (^١).\nوقيل: يستقبل بكفيه خديه، حكاه بعض الحنفية (^٢).\nوقيل: يرفعهما قائمتين بطونهما إلى خلفه، وظهورهما إلى أمامه على صفة النابذ، قاله زرُّوق المالكي، وصرح المازري بتشهير هذه الكيفية، ورجحها اللَّقَانِيُّ والخرشي (^٣).\nوقيل: بل يبسطهما، واختلفوا في صفة البسط:\nفقيل: يبسط ظهورهما للسماء، وبطونهما إلى الأرض على صفة الراهب، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره سحنون من المالكية، ورجحه علي الأجهوري (^٤).\nوقيل: بل يبسط بطونهما إلى السماء، وظهورهما للأرض على صفة الراغب، قاله القاضي عياض من المالكية (^٥).\nقال خليل في التوضيح: «الظاهر رفعهما قائمتين لعدم التكليف» (^٦).\n_________\n(^١). شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص: ١٣٧٢)، عمدة القارئ للعيني (٥/ ٢٧١)، نخب الأفكار في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٠٠).\n(^٢). اللباب في شرح الكتاب (١/ ٦٦).\n(^٣). منح الجليل (١/ ٢٥٧)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٠)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١١٨)، إكمال المعلم (٢/ ٢٦٣).\n(^٤). الشرح الكبير (٢/ ٢٤٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢٣٩)، منح الجليل (١/ ٢٥٧)، شرح التلقين (١/ ٥٥٢)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٣٨).\nوقال المازري في شرح التلقين (٢/ ٥٥٢): «أما صفة الرفع فالذي عليه العراقيون من أصحابنا اختيار كون اليدين قائمتين يحاذي بكفيه منكبيه وبأصابعه أذنيه؛ لأن بهذا الشكل يتمكن من بناء الأحاديث المختلفة كما قدمناه، وهو الذي رأيت أشياخي يفعلونه. ولو لم يكن في اختياره إلا البعد عن التكلف لكان معنى يقتضي إيثاره ويُحَسِّنُ اختياره».\nولم يبين صفة الرفع، هل يستقبل براحتيه القبلة كما هو مذهب الحنفية، أويجعل بطن كفيه إلى خلفه، وقد كشفت كتب المتون عند المالكية أن من قال: يرفع كفيه قائمتين أن ذلك على صفة النابذ، والله أعلم.\n(^٥). التاج والإكليل (٢/ ٢٣٩)، منح الجليل (١/ ٢٥٧)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٣٨).\n(^٦). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":526},{"text":"ولا أعرف سنة محفوظة في بسط الكف، وقد انفرد بهذه الصفة بعض المالكية.\nقال ابن العربي في القبس «يقيمهما، ولا يبسطهما» (^١).\nوهذا ذهاب منه إلى موافقة الجمهور في رفع الكفين قائمتين.\nوقال الباجي في المنتقى: «وأما صفة الرفع فالذي عليه شيوخنا العراقيون أن تكون يداه قائمتين، تحاذي كفاه منكبيه، وأصابعه أذنيه.\nوروي عن سحنون أنهما تكونان منصوبتين: ظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى الأرض، قال القاضي أبو الوليد: والأول عندي أولى؛ لأنا نتمكن بذلك من الجمع بين الحديثين، ولأنه أبعد في التكلف، وأيسر في الرفع» (^٢).\nولم يذكر أنها على صفة النابذ، بطونهما إلى الخلف، وظهورهما إلى القبلة، كما لم يذكر ذلك المازري في شرح التلقين، ونقلت نصه قبل قليل في الحاشية.\nوإذا ترجح كونهما قائمتين حذو منكبيه، أو حذو أذنيه مع مد الأصابع، فإن ذلك لا يعني إلا كونهما قائمتين، أما كون بطون كفيه إلى القبلة، أو بطن أحد الكفين إلى الآخر أو بطونهما حذاء خديه، فالأمر سهل، فالأحاديث لم تتوجه إلى كشف هذه الصفة تصريحًا، وإذا لم تذكر هذه الصفة بنص حاسم فإن الشرع يقصد بهذا إلى توسعة الأمر على العباد؛ إذ لو كانت صريحة ما وسع مخالفتها، وكل هذه الصفات الثلاث يصدق عليها أنه قد رفع كفيه إلى حذاء منكبيه، أو إلى فروع أذنيه.\n(ح-١٢٤٠) وأما ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق عمير بن عمران، عن ابن جريج، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا استفتح أحدكم في الصلاة فليرفع يديه، وليستقبل بباطنهما القبلة، فإن الله أمامه (^٣).\n[فهو حديث ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). القبس شرح الموطأ (ص: ٢١٣)، وانظر المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٤٧).\n(^٢). المنتقى للباجي (١/ ١٤٣).\n(^٣). المعجم الأوسط (٧٨٠١).\n(^٤). فيه عمير بن عمران، قال ابن عدي: حدث بالبواطيل عن الثقات، وخاصة عن ابن جريج،\n\nوقال أيضًا: ولعمير بن عمران غير ما ذكرت ومقدار ما ذكرت مما رواه عن ابن جريج لا يرويها غيره عن ابن جريج والضعف بين على حديثه.","vol":"1","page":527},{"text":"ولما كانت هذه المسألة تتداخل مع مسألة منتهى الرفع فإني سوف أستكمل معكم إن شاء الله تعالى أدلة هذه المسألة مع المسألة التي تليها منعًا لتكرار الأدلة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.\n\n* * *","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الفرع الثالث في منتهى الرفع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره.\n• رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين.\n• رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب.\n• السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.\n[م-٥٠٥] اختلف العلماء في منتهى الرفع:\nفقيل: يرفع يديه بحيث تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، وقال بنحوه بعض المالكية، وبعض الحنابلة (^١).\n_________\n(^١). المبسوط للسرخسي (١/ ١١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، مختصر القدوري (ص: ٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٩٩)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٩)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (٢/ ١٧٤).\nقال النووي في روضة الطالبين (١/ ٢٣١): «المذهب: أنه يرفعهما بحيث تحاذي أطراف\nأصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وهذا معنى قول الشافعي والأصحاب -﵏- عنهم: يرفعهما حذو منكبيه».\n\nقال صاحب فيض الباري من الحنفية (٢/ ٣٣١): «وهذا يدل على أنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى، ومع ذلك لم يزل الخلاف ينقل فيه».\nوانظر: المجموع (٣/ ٣٠٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، تحفة المحتاج (٢/ ١٨)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٩، ١١٦)، التنبيه (ص: ٣٠)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٨).\nوانظر في قول المالكية: التاج والإكليل (٢/ ٢٣٩)، إكمال المعلم (٢/ ٢٦٢)، القبس شرح الموطأ (ص: ٢١٣)،.","vol":"1","page":529},{"text":"ولا يشرع مس الإبهامين شحمتي الأذنين (^١).\nقال السرخسي: «والمسنون عندنا أن يرفع يديه حتى يحاذي إبهاماه شحمتي أذنيه ورؤوس أصابعه فروع أذنيه» (^٢). يعني أعلاهما.\nوقيل: ويرفع كفيه حذو منكبيه، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، ونص عليه الشافعي في الأم، وحمله النووي والرافعي على مذهب الحنفية (^٣).\n_________\n(^١). وأما قول قاضي خان من الحنفية في فتاويه: ويرفع يديه حذاء أذنيه ويمس طرفا إبهاميه شحمتي أذنيه أصابعه، فيقصد به القرب التام لا حقيقة المس. انظر حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٠٩)، اللباب في شرح الكتاب (١/ ٦٦).\nجاء في البحر الرائق (١/ ٣٢٢): «والمراد بالمحاذاة أن يمس بإبهاميه شحمتي أذنيه؛ ليتيقن بمحاذاة يديه بأذنيه كما ذكره في النقاية».\nقال الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٨): «ومس الشحمتين لم يذكر في المتداولات إلا في قاضيخان والظهيرية كما في القهستاني وعلله صاحب النقاية بأنه لتحقيق المحاذاة فظهر منه أن المراد بالمس القرب التام لا حقيقته».\n(^٢). المبسوط (١/ ١١).\n(^٣). انظر في مذهب المالكية: النوادر والزيادات (١/ ١٧٠)، التلقين (١/ ٤٤)، بداية المجتهد (١/ ١٤٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢١)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٦)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٠)،\nوقال الشافعي في الأم (١/ ١٢٦): «فنأمر كل مُصَلِّ، إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا، رجلًا أو امرأة أن يرفع يديه إذا افتتح الصلاة .... حذو منكبيه».\nوانظر في مذهب الشافعية: مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٩٩، ١١٦)، التنبيه (ص: ٣٠)، المجموع (٣/ ٣٠٥). ...\nجاء في العزيز شرح الوجيز (٣/ ٢٦٩): «قال الغزالي: وسنن التكبير ثلاث: أن يرفع يديه مع التكبير إلى حذو المنكبين في قول، وإلى أن تحاذي رؤوس الأصابع أذنيه في قول، وإلى أن تحاذي أطراف أصابعه أذنيه، وإبهامه شحمة أذنيه، وكفاه منكبيه في قول».\n\nوأنكر عليه الرافعي والنووي. انظر روضة الطالبين (١/ ٢٣١).\nوفي مذهب الحنابلة ثلاث روايات: الرواية الأولى، أن الأفضل أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه، قال في الإنصاف (٢/ ٤٥): «وهو المذهب، قال الزركشي: هو المشهور ...».\nوقال ابن تيمية في شرح العمدة: وهذا اختيار أكثر أصحابنا.\nوستأتي بقية الروايات عن أحمد تبعًا لعرض الأقوال.","vol":"1","page":530},{"text":"ولا يشرع إلزاق الكفين بالمنكبين (^١).\nوقيل: يرفعهما حذو صدره، وهو نص سماع أشهب من المالكية، وروي عن أحمد (^٢).\nقال حرب الكرماني نقلًا من فتح الباري: «ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه، وربما رفعهما إلى منكبيه، وربما رفعهما إلى صدره، ورأيت الأمر عنده واسعًا» (^٣).\nوقيل: بالتخيير إن شاء رفع يديه حذو منكبيه، وإن شاء رفع يديه حذاء أذنيه، وهو رواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وهذا مذهب حسن، وأنا إلى حديث ابن عمر أميل (^٤).\nوالأولى أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة، وهو قول أهل الحديث بناء على قاعدة أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن تفعل على جميع الوجوه الواردة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها (^٥).\n_________\n(^١). قال حرب الكرماني في مسائله من أول كتاب الصلاة - ت الغامدي (ص: ١٠): «إنما يراد بالأذنين، أو المنكبين علامة لمنتهى اليدين، ولا يراد بذلك أن يلزق يديه بأذنيه، أو منكبيه». وقال أيضًا (ص: ٧): «سمعت إسحاق -مرة أخرى- في حديث النبي ﷺ: (أنه رفع يديه حذو أذنيه) يعني: قبال أذنيه مقابلهما، ليس أن يردهما حتى يلزقهما بمنكبيه أو بأذنيه، إنما هو قبالة الأذنين».\n(^٢). التاج والإكليل (٢/ ٢٣٩)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٠)، البيان والتحصيل (١/ ٤١٣)، بداية المجتهد (١/ ١٤٣).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٤٠).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٤٥)، طرح التثريب (٢/ ٢٥٨).\n(^٥). انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧)، مجموع الفتاوى والرسائل لشيخنا ابن عثيمين (١٣/ ٣٧٦)، رفع اليدين في الصلاة لابن القيم ت علي العمران (ص: ٢٩١).","vol":"1","page":531},{"text":"• دليل من قال: يرفع يديه حذاء أذنيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٤١) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم،\nعن مالك بن الحويرث: أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك (^١).\nتابعه شعبة في رواية، عن قتادة به، في قوله: (حتى يحاذي بهما أذنيه).\nورواه شعبة في رواية، وابن أبي عروبة، وهمام، عن قتادة به، وفيه: (إلى فروع أذنيه) (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٥ - ٣٩١)، ومن طريق أبي عوانة رواه الدارقطني في السنن (١١٢٣).\n(^٢). روي الحديث عن شعبة بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: حتى يبلغ بهما فروع أذنيه.\nرواه السراج في مسنده (٩٣) من طريق النضر (يعني ابن شميل) عن شعبة، عن قتادة به،\nورواه أبو داود في السنن (٧٤٥) حدثنا حفص بن عمر، عن شعبة به، وهذا اللفظ إحدى الروايتين عن حفص بن عمر.\nورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥ حدثنا محمد بن يحيى القزاز، حدثنا حفص بن عمر به مقرونًا بغيره، وفيه: (... حتى يحاذي بهما أذنيه)، ولعل هذا اللفظ لمن قرن معه، وليس له، والله أعلم.\nوتابع سعيد بن أبي عروبة وهمام شعبة في قوله: (فروع أذنيه).\nأما رواية سعيد فرواها أحمد (٣/ ٤٣٦)،\nومسلم (٢٦ - ٣٩١) والنسائي في المجتبى (١٠٨٥، ١٠٨٦)، وفي الكبرى (٦٧٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٧، ٥٨٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤) عن محمد بن المثنى، كلاهما (أحمد، ومحمد بن المثنى) عن محمد بن أبي عدي،\nورواه أحمد (٣/ ٤٣٧) حدثنا محمد بن جعفر،\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٦) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى.\nورواه أحمد (٥/ ٥٣)، والنسائي في المجتبى (٨٨١، ١٠٢٤)، وفي الكبرى (١٠٩٨) عن إسماعيل بن علية،\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١٢)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٤) عن عبد الله بن نمير، ولفظ الطحاوي قال: (فوق أذنيه) وهي رواية بالمعنى لفروع أذنيه. =","vol":"1","page":532},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٦٥)، والنسائي في المجتبى (١٠٥٦)، وفي الكبرى له (٦٤٧)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩)، من طريق يزيد بن زريع،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤) من طريق خالد بن الحارث، كلهم (ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وابن علية، وابن نمير، وابن زريع وخالد، وابن عبد الأعلى) رووه عن سعيد بن أبي عروبة به. بلفظ: (يحاذي بهما فروع أذنيه).\nوابن زريع من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، وقد سمع منه قبل الاختلاط، وخالد بن الحارث وابن علية ممن سمع من سعيد قبل اختلاطه، والله أعلم.\nكما رواه همام عن قتادة به، بلفظ: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حيال فروع أذنيه في الركوع والسجود.\nأخرجه أحمد (٥/ ٥٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩٠).\nاللفظ الثاني عن شعبة: (حتى يحاذي بهما أذنيه).\nرواه البخاري في رفع اليدين (٩٨)، وأبو عوانة (١٥٨٩) عن آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة به، وقال: حذاء أذنيه. هذا لفظ البخاري، وذكر أبو عوانة إسناده، ولم يذكر لفظه.\nورواه النسائي في المجتبى (٨٨٠) وفي الكبرى (٩٥٦) من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة به، وفيه: حيال أذنيه.\nورواه الدارمي (١٢٨٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٨٨) أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة به، وفيه: حتى يحاذي أذنيه.\nوهذه إحدى الروايتين عن أبي الوليد، والرواية الثانية عنه ذكر فيها رفع اليدين ولم يذكر منتهى الرفع، وستأتي باللفظ الثالث.\nورواه ابن حبان في صحيحه (١٨٦٣) من طريق سليمان بن حرب، حدثنا شعبة به، وفيه: حتى يحاذي بهما أذنيه.\nوهذه إحدى الروايتين عن سليمان بن حرب، والرواية الثانية ذكر فيها رفع اليدين ولم يذكر منتهى الرفع، وستأتي باللفظ الثالث.\nورواه أحمد (٥/ ٥٣) حدثنا يحيى بن سعيد (يعني: القطان)، عن شعبة، به، وفيه: يرفع يديه ... إلى أذنيه.\nوتابع شعبة في قوله: (حتى يحاذي بهما أذنيه) سعيد بن بشير.\nفقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٨، وفي مسند الشاميين للطبراني (٢٦٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٤٨)، من طريق عبد الحميد بن بكار السلمي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة به، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. ...\nاللفظ الثالث عن شعبة: ذكر رفع اليدين فقط، ولم يذكر صفته. رواه أبو داود الطيالسي (١٣٤٩)، ومن طريقه أبونعيم في معرفة الصحابة (٦٠٠٢)،\nورواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٧) حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، وسليمان بن حرب،\nورواه الدارقطني في السنن (١١٢٣) من طريق ابن مهدي، (الطيالسيان، وابن حرب، وابن مهدي) أربعتهم رووه عن شعبة، فذكروا رفع اليدين، ولم يذكروا صفته.\nعلمًا أن أبا الوليد وسليمان بن حرب لكلٍّ منهما رواية ثانية عن شعبة تقدم تخريجها، وذكرا فيها صفة الرفع.","vol":"1","page":533},{"text":"أي أعاليهما، وفرع كل شيء أعلاه.\nورواه أحمد من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة به، وفيه: (... حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه) (^١).\nوهذه الألفاظ الثلاثة هي بمعنى.\nورواه البخاري ومسلم من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد (يعني الحذاء) عن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر، ورفع يديه ... هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (كبر، ثم رفع يديه ...) ولم يذكر منتهى الرفع (^٢).\nومن حفظ فهو حجة على من لم يحفظ، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٤٢) ما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، أنهما حَدَّثَاه،\nعن أبيه وائل بن حجر، أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة\n_________\n(^١). رواه أحمد (٥/ ٥٣) حدثنا عبد الصمد وأبو عامر (يعني العقدي)،\nوابن ماجه (٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٤٦)، من طريق يزيد بن زريع،\nوأخرجه النسائي في المجتبى (١٠٨٧، ١١٤٣)، وفي السنن الكبرى (٦٧٨، ٧٣٣)، والسراج في حديثه (٢٤٩٤، ٢٥٦٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، من طريق معاذ بن هشام، أربعتهم (عبد الصمد، وأبو عامر، وابن زريع، ومعاذ) رووه عن هشام الدستوائي، عن قتادة به.\nوقد تفرد هشام بحرف، شذ فيه، وسوف نتعرض له إن شاء الله في موضعه من البحث.\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٧)، وصحيح مسلم (٢٤ - ٣٩١).","vol":"1","page":534},{"text":"كبر -وَصَفَ همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه .... وذكر الحديث (^١).\nقال البخاري كما في التاريخ الكبير: علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي، الكوفي، سمع أباه (^٢).\nوكل نقل يخالف هذا فهو من قبيل الوهم (^٣).\n(ح-١٢٤٣) ورواه أحمد من طريق سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ حين كبر، رفع يديه حذاء أذنيه، ثم حين ركع، ثم حين قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه .... الحديث (^٤).\nورواه ابن أبي شيبة والنسائي وابن الجارود، عن ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: قدمت المدينة، فقلت: لأنظرن إلى صلاة النبي ﷺ، قال: فكبر ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه (^٥).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).\n(^٢). التاريخ الكبير (٧/ ٢٨٤).\n(^٣). أمَّا ما ورد في علل الترمذي ترتيب أبي طالب القاضي (ص: ٢٠٠) سألت محمدًا عن علقمة ابن وائل: هل سمع من أبيه؟ فقال: إنه ولد بعد موته لستة أشهر.\nفهذا خطأ، والصواب أن هذا قاله في حق عبد الجبار بن وائل، لا في أخيه علقمة، جاء في التاريخ الكبير (٦/ ١٠٦): «عبد الجبار بن وائل الحضرمي، عن أخيه، عن أبيه، قال محمد بن حجر: ولد بعد أبيه لستة أشهر».\nوهو ما نقله الترمذي عن شيخه البخاري في السنن (١٤٥٣): سمعت محمدًا يقول: «عبد الجبار ابن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر».\nوقال الترمذي في سننه إثر ح (١٤٥٤): وعلقمة بن وائل بن حجر سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه.\n(^٤). المسند (٤/ ٣١٨).\n(^٥). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١٠).\nوالنسائي في المجتبى (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣) أخبرني أحمد بن ناصح،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٢) عن علي بن خشرم،\nوابن خزيمة (٤٧٧، ٦٤١) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج، أربعتهم (ابن أبي شيبة، وابن ناصح، وابن خشرم، والأشج) رووه عن ابن إدريس به، ...\nولفظ ابن خزيمة (رأيت إبهاميه بحذاء أذنيه).","vol":"1","page":535},{"text":"[صحيح] (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٤٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أسباط، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه (^٢).\nورواه أبو داود من طريق شريك، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود (^٣).\nورواه الحميدي في مسنده، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، قال سفيان: وقدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه، ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذٍ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه (^٤).\n[حسن إلا زيادة (ثم لا يعود) فإنه حدث بها يزيد بن أبي زياد بعد تغيره] (^٥).\n_________\n(^١). انظر تخريجه، والاختلاف فيه على عاصم في أدلة القول الثاني.\n(^٢). المسند (٤/ ٣٠٢).\n(^٣). سنن أبي داود (٧٥٠).\n(^٤). مسند الحميدي (٧٤١).\n(^٥). الحديث فيه علتان:\nالأولى: ضعيف يزيد بن أبي زياد، قال الحميدي شيخ البخاري: قلنا لقائل هذا: يعني للمحتجِّ بهذا، إنما رواه يزيد، ويزيد يزيد. اهـ انظر السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١١٠).\nوفي التحقيق لابن الجوزي (١/ ٣٣٥) قال علي بن المديني ويحيى بن معين: هو ضعيف الحديث، لا يحتج بحديثه، وقال ابن المبارك: ارم به. وقال النسائي: متروك الحديث». اهـ\nالعلة الثانية: الاختلاف على يزيد بن أبي زياد في لفظه.\nفالحديث رواه يزيد بن أبي زياد، وهو رجل ضعيف، رواها أصحابه القدماء قبل قدومه =","vol":"1","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالكوفة، وقبل تغير حفظه، كالثوري وشعبة، وهشيم، وأسباط وخالد بن عبد الله، وغيرهم، ولم يذكروا في حديثهم لفظ: (ثم لا يعود)، وإليك تخريج مروياتهم:\nالأول: سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد.\n\nرواه عبد الرزاق (٢٥٣٠) عنه، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر رفع يديه حتى يرى إبهاميه قريبًا من أذنيه.\nومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد (٤/ ٣٠٣)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٣٦٩).\nورواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٣٤)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٣٦٩) عن محمد بن يوسف الفريابي (ثقة)،\nوالدارقطني في السنن (١١٢٦) من طريق إبراهيم بن خالد (ثقة)،\nويعقوب بن سفيان (٣/ ٧٩ - ٨٠) من طريق قبيصة بن عقبة الكوفي،\nوالحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ٨٠) من طريق ابن المبارك، أربعتهم (الفريابي وإبراهيم وقبيصة وابن المبارك) رووه عن الثوري به.\nوخالفهم مؤمل بن إسماعيل (سيئ الحفظ) فرواه عن سفيان كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٩٦، ٢٢٤) وذكر فيه: (ثم لا يعود)، وهي زيادة منكرة.\nالثاني: شعبة بن الحجاج، عن يزيد بن أبي زياد.\nرواه أحمد (٤/ ٣٠٣)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: سمعت البراء يحدث، قومًا فيهم كعب بن عجرة قال: رأيت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة، رفع يديه.\nوأخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٠) من طريق محمد بن جعفر به.\nورواه الدارقطني في سننه (١١٢٧)، والمحاملي في أماليه رواية ابن البيع (٤٦٣)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٣٧٠) من طريق محمد بن بكر (البرساني صدوق له أوهام) حدثنا شعبة به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه أول تكبيرة)، والمحفوظ رواية محمد بن جعفر، فإنه من أثبت أصحاب شعبة.\nالثالث: هشيم بن بشير، عن يزيد بن أبي زياد:\nواختلف على هشيم فيه:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١١)،\nوأحمد في المسند (٤/ ٢٨٢)،\nوزكريا بن يحيى الواسطي كما في مسند أبي يعلى (١٦٥٨)،\nوحجاج بن منهال كما في الفصل للوصل (١/ ٣٧١)،\nوسعيد بن منصور كما في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٠) كلهم (ابن أبي شيبة، وأحمد، وزكريا، وابن منهال، وسعيد) رووه عن هشيم، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: رفع يديه حتى كادت =","vol":"1","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تحاذي أذنيه.\nواقتصر أحمد على رفع اليدين، ولم يذكر منتهى الرفع.\nوخالفهم إسحاق بن أبي إسرائيل، واختلف عليه:\nفرواه أبو يعلى (١٦٩١) حدثنا إسحاق، حدثنا هشيم به، وزاد: (ثم لم يعد)، وهي زيادة شاذة، لم يقل أحد هذا الحرف من حديث هشيم إلا إسحاق، وهو وإن كان ثقة إلا أنه قد خالف من هو أوثق منه.\nورواه أبو يعلى أيضًا (١٦٩٢) حدثنا إسحاق، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، قال: رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين استقبل الصلاة حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه، ثم لم يرفعهما.\nفكان إسحاق تارة يحدث به عن هشيم، وتارة يحدث به عن ابن إدريس، وفي كلا الإسنادين قد زاد في لفظه: (ثم لم يعد بعد)، وقد رأيت أن الثقات من رواية هشيم على رأسهم الإمام أحمد وابن أبي شيبة رووه عن هشيم، وليس فيه هذه الزيادة، كما أن ابن إدريس قد علقه أبو داود عنه، وذكره في جملة من لم يذكر هذه الزيادة، قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم، وخالد، وابن إدريس، عن يزيد، لم يذكروا: ثم لا يعود. اهـ\nالرابع: أسباط بن محمد، عن يزيد بن أبي زياد:\nرواه أحمد (٤/ ٣٠١، ٣٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٧٢).\nالخامس: خالد بن عبد الله الواسطي، وغيره من الحفاظ،\nرواه الدارقطني (١١٣١)، والروياني في مسنده (٣٤٩)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٧٣)، من طريق إسحاق بن شاهين،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٤) من طريق عمرو بن عون.\nويعقوب بن سفيان كما في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٠)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٣٧٢) من طريق أبي عمر النَّمِري، ثلاثتهم عن خالد بن عبد الله الطحان به، ولفظه: (أنه رأى النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه. قال الدارقطني: وهذا هو الصواب، وإنما لقن يزيد في آخر عمره: (ثم لم يعد) فتلقنه، وكان قد اختلط. اهـ\nالسادس: محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد،\nرواه الروياني في مسنده (٣٤٣) أخبرنا أبو سعيد الأشج،\nويعقوب بن سفيان كما في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨٠) من طريق علي بن المنذر، كلاهما عن ابن فضيل به، بلفظ: أنه رأى رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا عند منكبيه، فحاذى إبهاميه بأذنيه.\nالسابع: جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد:\nأخرجه المحاملي رواية ابن مهدي الفارسي (٣٤٢)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (٨/ ١٨٥) ح ٢٣٧٨، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه =","vol":"1","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nإلى أذنيه حتى يكون إبهاماه قريبًا من أذنيه.\nالثامن: سفيان بن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد.\nأخرجه الحميدي (٧٤١)، ومن طريقه البخاري في رفع اليدين (٣٣)، ويوسف بن يعقوب في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨١).\nوالشافعي في المسند (ص: ١٧٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٠)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٣٧٤).\nومحمد بن يوسف كما في رفع اليدين للبخاري (٣٤)،\nوعلي بن المديني كما في الفصل للوصل للخطيب (١/ ٣٧٤)، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (ص: ٨٠).\nوعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨١)، كلهم رووه عن ابن عيينة، عن يزيد بن أبي زياد، وقد سقت لك لفظ الحميدي عن سفيان في أصل الكتاب، وذكر سفيان أنه سمعه منه بمكة، وليس فيه (ثم لا يعود)، فلما قدم الكوفة، سمعه سفيان يحدث به، ويزيد فيه: (ثم لا يعود)، قال سفيان: فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه، أو ساء حفظه.\nوفي تصريح سفيان بن عيينة أنه سمعه من يزيد بن أبي زياد في الكوفة، وقد زاد فيه هذه الزيادة المنكرة تبين وهم علي بن عاصم فيما رواه الدارقطني في السنن (١١٣٢) من طريق عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي، أخبرنا علي بن عاصم، أخبرنا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، ثم لم يعد.\nقال علي بن عاصم: فلما قدمت الكوفة قيل لي: إن يزيد حيُّ، فأتيته، فحدثني بهذا الحديث، فقال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين قام إلى الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت له: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: ثم لم يعد؟ قال: لا أحفظ هذا، فعاودته، فقال: ما أحفظه.\nفهذه الرواية من علي بن عاصم توهم أن الزيادة ليست من يزيد بن أبي زياد، وإنما من الرواة عنه، خلاف ما قال الإمام سفيان بن عيينة أنه سمعه بالكوفة، وقد زاد هذه الزيادة.\nوعلي بن عاصم متكلم فيه، وفي حفظه، وقد فَصَّل القول فيه يعقوب بن شيبة تفصيلًا حسنًا فقال: «سمعت علي بن عاصم على اختلاف أصحابنا فيه، منهم من أنكر عليه كثرة الخطأ والغلط، ومنهم من أنكر عليه تماديه في ذلك، وتركه الرجوع عما يخالفه الناس فيه، ولجاجته فيه، وثباته على الخطأ، ومنهم من تكلم في سوء حفظه، واشتباه الأمر عليه في بعض ما حدَّث به من سوء حفظه، وتوانيه عن تصحيح ما كتب الورَّاقون له، ومنهم من قصته أغلظ من هذه القصص، وقد كان -رحمة الله علينا وعليه- من أهل الدين والصلاح، والخير البارع، شديد =","vol":"1","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التوقِّي، وللحديث آفاتٌ تفسده». انظر تهذيب الكمال (٢٠/ ٥٠٦، ٥٠٧).\nالتاسع: صالح بن عمر الواسطي، (ثقة)، عن يزيد بن أبي زياد.\nرواه أبو يعلى في مسنده (١٧٠١)، قال: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا صالح بن عمر، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، فذكرت ذلك لعدي بن ثابت، فقال: قد سمعت البراء يذكر ذلك.\nالعاشر: الجرح بن مليح والد وكيع (صدوق يهم)، عن يزيد بن أبي زياد.\nرواه أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٧٢) ح ٧١٥.\nالحادي عشر: زياد بن عبد الله البكائي (ثبت في المغازي وفي ابن إسحاق، مختلف فيه في غيره) عن يزيد بن أبي زياد.\nأخرجه الروياني في مسنده (٣٤٧).\nالثاني عشر: حمزة بن حبيب الزيات (صدوق ربما وهم)، عن يزيد بن أبي زياد.\nرواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٣٢٥).\nكل هؤلاء رووه عن يزيد بن أبي زياد دون أن يذكروا في حديثه أنه قال: (ثم لا يعود).\nوخالف هؤلاء شريك، وإسماعيل بن زكريا، وإسرائيل بن أبي إسحاق، فرووه عن يزيد بن أبي زياد، به، بذكر زيادة (ثم لا يعود)، وإليك تخريج مروياتهم. ...\nالأول: شريك (سيئ الحفظ)، عن يزيد بن أبي زياد:\nرواه أبو داود (٧٥٠)، وأبو يعلى الموصلي (١٦٩٠)، ومسند الروياني (٣٤٤)، والفصل للوصل المدرج للخطيب (١/ ٣٧٣)، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: (أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود)، فزاد فيه كلمة (ثم لا يعود).\nالثاني: إسماعيل بن زكريا (اختلف فيه قول الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقال النسائي: أرجو أنه لا بأس به، ووثقه أبو داود، وفي التقريب صدوق يخطئ قليلًا)، عن يزيد بن أبي زياد.\nرواه الدارقطني في السنن (١١٢٩)، بلفظ: (أنه رأى رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من صلاته).\nومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في التحقيق (٤٢٥).\nوليس الحمل على شريك ولا على إسماعيل في زيادة (ثم لا يعود)، فقد بيَّن سفيان بن عيينة، أنه سمع هذا الحديث قديمًا من يزيد بن أبي زياد في مكة، وليس فيه هذا الحرف، ثم سمعه منه بآخرة في الكوفة، بعد ما تغير وساء حفظه، وقد زاد فيه هذا الحرف، فخرج من عهدته شريك وإسماعيل بن زكريا، وإنما تكون المقارنة بين الرواة عن يزيد بن أبي زياد لوكنا لا ندري، أجاءت الزيادة من الراوي الذي عليه مدار الحديث أم من الرواة عنه، أما وقد تبين أن الاختلاف مصدره يزيد بن أبي زياد، فلو رواها عنه من رواها لم ينفع ذلك في تقوية هذه =","vol":"1","page":540},{"text":"الدليل الرابع:\nأن مع حديث مالك بن الحويرث وحديث وائل بن حجر زيادة على ما جاء في حديث ابن عمر، وأبي حميد الساعدي فيتعين الأخذ بالزائد.\n• أجاب الجمهور عن أدلة الحنفية:\nبأن أحاديث الرفع إلى المنكبين أرجح من حديث مالك بن الحويرث، ومن حديث وائل بن حجر، لأمور، منها:\nالأول: أن الرفع إلى المنكبين اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى عند أدلة القول الثاني، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره، بينما الرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، فقد تجنب البخاري إخراج الرفع إلى الأذنين في صحيحه.\nقال ابن عبد البر: «أثبت شيء في ذلك عند أهل العلم بالحديث حديث ابن عمر هذا، وفيه الرفع حذو المنكبين، وعليه جمهور الفقهاء بالأمصار، وأهل الحديث» (^١).\nفلا يشك من له معرفة بالأسانيد، أن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أصح من إسناد قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث (^٢).\n_________\n= الزيادة، وإذا لم تثمر المقارنة ترجيحًا بين الرواة عنه فقدت الغاية من المقارنة، والله أعلم.\nقال يحيى الذهلي كما في البدر المنير (٣/ ٤٨٨): سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهٍ، قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: (ثم لا يعود)، فلما لقن أخذه فكان يذكره فيه».\nخلاصة الحكم على الحديث: أنه حسن، وأن زيادة (ثم لا يعود) زيادة ضعيفة؛ لأنه حدث بها بعد تغيره، وزياد بن أبي زياد وإن تكلم فيه من قبل حفظه، فلعل ذلك كان لتغيره كما قال يعقوب بن سفيان، قال في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨١): «يزيد بن أبي زياد، وإن كان قد تكلم الناس فيه؛ لتغيره في آخر عمره، فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل منصور، والحكم والأعمش، فهو مقبول القول ثقة».\nوحديث الثقات عنه قبل تغيره ممن سمع منه هذا الحديث قبل قدومه الكوفة ليس بمنكر، فرفع اليدين حذاء الأذنين محفوظ من حديث مالك بن الحويرث، ووائل بن حجر، والله أعلم.\n(^١). التمهيد (٩/ ٢٢٩).\n(^٢). انظر المنتقى للباجي (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":541},{"text":"الثاني: أن الرواية إلى المنكبين لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، وقد اختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، فحديث مالك بن الحويرث رواه البخاري ومسلم من طريق أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، فذكر رفع اليدين ولم يذكر منتهى الرفع.\nورواه مسلم بلفظ: (حتى يحاذي بهما أذنيه) وفي رواية (إلى فروع أذنيه).\nوفي رواية ثالثة خارج الصحيح: (قريبًا من أذنيه).\nوأما حديث وائل بن حجر فأشهر الطرق إليه ثلاثة، علقمة بن وائل، عن أبيه، وهو أصحها، وحديثه في مسلم، وعبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهو منقطع، وعاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وله طرق كثيرة عن عاصم، إلا أن كثيرًا من طرقه فيها تفردات وزيادات شاذة، وسيأتي الإشارة إلى بعضها المتعلق بالمسألة في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى، وعلى كل حال لا يمكن مقارنة حديث وائل بن حجر بحديث ابن عمر ﵄، أو بحديث أبي حميد الساعدي.\nقال ابن رجب في الفتح: «فمنهم من رجح رواية من روى الرفع إلى المنكبين؛ لصحة الروايات بذلك، واختلاف ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، وهذه طريقة البخاري، وهي أيضًا ظاهر مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق عملًا بحديث ابن عمر، فإنه أصح أحاديث الباب، وهو أيضًا قول أكثر السلف، وروي عن عمر بن الخطاب» (^١).\nالثالث: أن الصحابة الذين رووا الرفع إلى المنكبين، أكثر عددًا، وأطول صحبة للنبي ﷺ، ومعروفون بالفتوى والفقه، وكلها من وسائل الترجيح، قال الشافعي: روى هذا الخبر بضعة عشر نفسًا من الصحابة (^٢).\nفقد روى الرفع إلى المنكبين ابن عمر، وهو في الصحيحين، ومن حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ، ولم ينكروا عليه ذلك، وهو في صحيح البخاري، وجاء من حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة، وهما في سنن\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٣٩).\n(^٢). انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":542},{"text":"أبي داود، فهؤلاء من فقهاء الصحابة، ومن كبارهم، وكان موضعهم من النبي ﷺ أقرب، وملازمتهم له أكثر، فيكونون أحفظ، وأضبط من غيرهم، ويعلم أن ما نقلوه هو الغالب على فعله ﷺ، لهذا كانت النصوص بالرفع إلى المنكبين راجحة بقوتها وصحتها على رواية الرفع إلى الأذنين، قاله إسحاق وابن المديني (^١).\n• دليل من قال: يرفع كفيه حذاء منكبيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٤٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٤٦) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي ﷺ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم\n_________\n(^١). انظر كتاب رفع اليدين في الصلاة لابن القيم (ص: ٢٩٠).\n(^٢). رواه البخاري (٧٣٥) من طريق مالك.\nورواه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق يونس بن يزيد.\nورواه البخاري (٧٣٨) من طريق شعيب بن أبي حمزة.\nورواه مسلم (٢١ - ٣٩٠) من طريق سفيان بن عيينة.\nورواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق عقيل بن خالد.\nورواه مسلم (٢٢ - ٣٩٠) من طريق ابن جريج، كلهم: (مالك، ويونس، وشعيب، وسفيان، وعقيل، وابن جريج) عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، وسوف أكشف إن شاء الله تعالى الفروق بين ألفاظ هذه الروايات عند الكلام على وقت التكبير، فانظره هناك.\n\nوتابع سالمًا نافع، إلا أنه لم ذكر رفع اليدين للتكبير، ولم يذكر منتهاه، فرواه البخاري (٧٣٩) من طريق عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة، كبر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ.","vol":"1","page":543},{"text":"لصلاة رسول الله ﷺ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٤٧) ما رواه النسائي من طريق سفيان (يعني ابن عيينة)، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر قال: أتيت رسول الله ﷺ فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى»، قال: ثم أتيتهم من قابل فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس (^٢).\n[المحفوظ من حديث وائل بن حجر أنه رفع يديه حذاء أذنيه] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٢). رواه النسائي في المجتبى (١١٥٩)، وفي الكبرى (٧٥٠).\n(^٣). الحديث رواه سفيان بن عيينة وعبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر، أن النبي ﷺ رفع يديه حاذى منكبيه.\nورواه أكثر من عشرين راويًا، على رأسهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص، وشعبة، وعبد الله بن إدريس، وابن فضيل، وزهير بن معاوية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبو عوانة الضحاك بن عبد الله، وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن مسلم، وغيرهم، رووه عن عاصم بن كليب به، بأنه رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، وهو المحفوظ من حديث وائل، ولعله دخل على ابن عيينة حديثه الذي رواه مسلم من طريقه، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وفيه أنه رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، بحديثه عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، والله أعلم.\n\nوإليك أخي القارئ الكريم تخريج أهم هذه الطرق بما يكشف لك حقيقة الشذوذ في رواية سفيان بن عيينة، وعبد الواحد بن زياد، والله أعلم.\nالطريق الأول: سفيان بن عيينة، عن عاصم بن كليب.\nرواه محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٥٩)، وفي الكبرى (٧٥٠)،\nوالشافعي في مسنده (ص: ١٧٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٨، ٤٣).\nوعلي بن شعيب كما في سنن الدارقطني (١١٢٠)، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به، وذكروا =","vol":"1","page":544},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nرفع اليدين حذو المنكبين.\nورواه الحميدي كما في مسنده (٩٠٩)،\nوقتيبة بن سعيد كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٦٢) وفي الكبرى له (٩٥٥)، كلاهما عن سفيان به، وذكروا رفع اليدين فقط دون صفته، بلفظ: (يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع ....) الحديث.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٥، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي ح،\nوحدثنا أحمد بن داود، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قالا، حدثنا سفيان به.\nبلفظ: رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حتى يحاذي أذنيه .... وذكر الحديث.\nولفظ الحميدي في مسنده ذكر رفع اليدين، ولم يذكر صفته، فلعل هذا لفظ إبراهيم بن بشار الرمادي، وقد وهم، فإن هذا اللفظ هو ثابت من رواية الجماعة عن عاصم، وليس من رواية سفيان بن عيينة، والله أعلم.\nورواه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي كما في صحيح ابن خزيمة (٤٥٧، ٧١٣)،\nوعبد الجبار بن العلاء كما في صحيح ابن خزيمة (٧١٣)، كلاهما عن سفيان به، مختصرًا.\nالطريق الثاني: عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب.\nتابع عبد الواحد بن زياد سفيان بن عيينة، فرواه عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه ... وذكر الحديث.\nأخرجه أحمد (٤/ ٣١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤، ١٦٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٠٣، ٢١٦)، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٤).\nوالمحفوظ من حديث وائل بن حجر أنه رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، كما هي رواية الجماعة عن عاصم، ولم يذكروا ما ذكره ابن عيينة، وعبد الواحد بن زياد، من هؤلاء:\nالطريق الثالث: سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٨) حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثني سفيان به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ حين كبر، رفع يديه حذاء أذنيه .... وذكر الحديث.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣) من طريق مؤمل (يعني: ابن إسماعيل)، قال: حدثنا سفيان به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه. ومؤمل سَبِّئُ الحفظ، لكنه قد توبع.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٦٨)، ومن طريقه أحمد في المسند (٤/ ٣١٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨١، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٠)، عن سفيان به، فذكر رفع اليدين حين كبر للصلاة، ولم يذكر صفة الرفع، ولفظ أحمد: =","vol":"1","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n(رأيت النبي ﷺ كبر، فرفع يديه حين كبر ...) ولفظ الباقي بنحوه.\nورواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٧) عن وكيع،\nورواه أيضًا (٤/ ٣١٨) حدثنا يحيى بن آدم وأبو نعيم (الفضل بن دكين).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩) وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣٧٠٩) من طريق أبي نعيم وحده.\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٣)، وفي الكبرى (١١٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٨، من طريق محمد بن يوسف الفريابي،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٠) من طريق الحسين بن حفص،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٥،من طريق علي بن قادم، ستتهم (وكيع، ويحيى، وأبو نعيم، والفريابي والحسين ابن حفص وعلي بن قادم) رووه عن سفيان به، واختصروه ولم يذكروا تكبيرة الافتتاح.\nالطريق الرابع: عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١٠)،\nوالنسائي في المجتبى (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣) أخبرني أحمد بن ناصح،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٢) وابن خزيمة عن علي بن خشرم،\nوابن خزيمة (٤٧٧، ٦٤١) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج، أربعتهم رووه عن ابن إدريس به،\nولفظ ابن أبي شيبة والنسائي وابن الجارود (رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه)،\nولفظ ابن خزيمة (رأيت إبهاميه بحذاء أذنيه).\nورواه مختصرًا دون ذكر تكبيرة الافتتاح كل من:\nالترمذي (٢٩٢)، عن أبي كريب،\nوابن ماجه (٨١٠، ٩١٢) حدثنا علي بن محمد،\nوابن خزيمة (٦٩٠، ٧١٣) عن عبد الله بن سعيد،\nكما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٢٦) حدثنا ابن إدريس به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ يرفع يديه كلما ركع، ورفع.\nكما رواه أيضًا (٢٦٦٦) بالإسناد نفسه، بلفظ: قلت: لأنظرن إلى صلاة النبي ﷺ»، قال: فسجد، فرأيت رأسه بين يديه على مثل مقداره حيث استفتح، يقول، قريبًا من أذنيه.\nكما قطع ابن أبي شيبة الحديث مستشهدًا به في مواضع من مصنفه، ولم يذكر تكبيرة الافتتاح، انظر: (٢٩٢٣، ٣٩٣٥، ٨٤٤٢، ٢٩٦٧٩).\nوأخرجه البخاري في قرة العين برفع اليدين (٧١)، وذكر التكبير، ولم يذكر صفته.\nهكذا رووه تامًّا ومختصرًا عن ابن إدريس: ابن أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن العلاء، وعلي بن محمد، وعلي بن خشرم، وعبد الله بن سعيد الأشج، وأحمد بن ناصح. =","vol":"1","page":546},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوخالفهم: سلم بن جنادة كما في صحيح ابن حبان (١٩٤٥) فزاد فيه: (ثم كبر، ورفع يديه، ثم سجد)، وليس ذلك بمحفوظ.\nالطريق الخامس: زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٨)، حدثنا عبد الصمد.\nوالنسائي في المجتبى (٨٨٩، ١٢٦٨) وفي الكبرى (٩٦٥، ١١٩٢)، من طريق عبد الله بن المبارك.\nوالدارمي (١٣٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٩)، عن معاوية بن عمرو،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، وابن المبارك، ومعاوية بن عمرو، وابن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي، وابن رجاء) عن عاصم بن كليب به، وفيه: (لأنظرن إلى رسول الله ﷺ، كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه ....) وذكر الحديث.\nوقد تفرد زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب ببعض الحروف، وشذ فيها عن رواية الجماعة، ليس هذا موضع بحثها، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى في صفة وضع اليمنى على اليسرى، وفي موضع تحريك الأصبع.\nالطريق السادس: شعبة، عن عاصم بن كليب.\nرواه شعبة، فذكر رفع الأيدي للتكبير، ولم يذكر صفة الرفع وبيان منتهاه:\nفقد رواه أحمد (٤/ ٣١٦) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٠)، عن هاشم بن القاسم،\nورواه أحمد (٤/ ٣١٦) وابن خزيمة في صحيحه (٦٩٧) عن محمد بن جعفر،\nورواه أحمد مختصرًا (٤/ ٣١٩) حدثنا أسود بن عامر،\nوالبخاري في رفع اليدين (٢٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، وفي الدعاء (٦٣٧)، عن مسلم بن إبراهيم،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوابن خزيمة (٦٩٨) من طريق وهب بن جرير،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١) من طريق النضر (يعني ابن شميل) سبعتهم، رووه عن شعبة، به، بلفظ: (أنه رأى النبي ﷺ صلى، فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع، رفع يديه وخوى في ركوعه، وخوى في سجوده، فلما قعد يتشهد وضع فخذه اليمنى على اليسرى، ووضع يده اليمنى وأشار بإصبعه السبابة، وحلق بالوسطى. هذا لفظ أحمد، والبقية بنحوه. =","vol":"1","page":547},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالطريق السابع: أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب.\nرواه أبو داود الطيالسي (١١١٣)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١)، حدثنا سلام بن سليم، قال: حدثنا عاصم بن كليب به، بلفظ: صليت خلف النبي ﷺ فقلت: لأحفظن صلاته، فافتتح الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى بلغ أذنيه، وأخذ شماله بيمينه ... وذكر الحديث.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣، ٢٣٠، ٢٥٩)، وابن المقرئ في الأربعين (٤٢) من طريق يوسف بن عدي،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨٠، من طريق أسد بن موسى،\nوالدارقطني (١١٣٤) من طريق صالح بن عمر، كلهم عن أبي الأحوص به.\nالطريق الثامن: بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه أبو داود (٧٢٦، ٩٥٧) حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، به، وفيه: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه ....) وذكر الحديث.\nومن طريق مسدد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧) ح ٨٦، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥)،\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٥)، وفي الكبرى (١١٨٩) أخبرنا إسماعيل بن مسعود.\nوابن ماجه (٨١٠، ٨٦٧) حدثنا بشر بن معاذ الضرير،\nوالبزار (٤٤٨٥) حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، كلهم (مسدد، وإسماعيل، وبشر بن معاذ، والقرشي) أربعتهم رووه عن بشر بن المفضل به.\nالطريقان التاسع والعاشر: خالد بن عبد الله الواسطي وعبيدة بن حميد.\nأخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٧) من طريق الحماني،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨) من طريق مسدد،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣) من طريق وهب بن بقية، ثلاثتهم (الحماني، ومسدد ووهب بن بقية) رووه عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم به، وقد اقتصر الطحاوي على ذكر إسناده دون لفظه، وساق لفظه البيهقي والخطيب، وذكرا فيه رفع اليدين حيال الأذنين.\nالطريق الحادي عشر: زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٨)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧)، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب، أن أباه أخبره، أن وائل بن حجر أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي، فقام فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ...\nقال زهير في آخره: قال عاصم، وحدثني عبد الجبار، عن بعض أهله، أن وائلًا قال: أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون: هكذا تحت الثياب. =","vol":"1","page":548},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوفي رواية زهير بيان أن قوله: (وأتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون هكذا تحت الثياب) أن هذه اللفظة ليس محفوظة من حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وإنما وقعت مدرجة فيه، قال الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٢٨): «قصة تحريك الناس أيديهم ورفعها من تحت الثياب في زمن البرد لم يسمعها عاصم عن أبيه، وإنما سمعها من عبد الجبار بن وائل بن حجر عن بعض أهله عن وائل بن حجر، بين ذلك زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، في روايتيهما حديث الصلاة بطوله عن عاصم بن كليب وميزا قصة تحريك الأيدي تحت الثياب وفصلاها من الحديث وذكرا إسناده».\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٤، من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن زهير بن معاوية به.\nالطريق الثاني عشر: أبو بدر شجاع بن الوليد، عن عاصم بن كليب.\nرواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٨)، من طريق موسى بن هارون أخبرنا حمدون بن عباد، أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد، أخبرنا عاصم بن كليب الجرمي أن أباه حدثه أنه سمع وائل بن حجر يقول: بَقَيْتُ رسول الله ﷺ قال: قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، وساق موسى الحديث بطوله نحو رواية زهير إلى أن قال: ثم رأيته يقول: هكذا، وأشار عاصم بالسبابة هكذا، ثم قال موسى: أخبرنا حمدون بن عباد، أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد، أخبرنا عاصم بن كليب قال: حدثني عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله أن وائل بن حجر قال: ثم أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب الشتاء فيها البرانس والأكسية قال: فرأيتهم يقولون هكذا بأيديهم من تحت الثياب. فوصف عاصم بن كليب رفع أيديهم.\nقال أبو عمران موسى بن هارون: اتفق زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد فرويا صفة الصلاة عن عاصم بن كليب أن أباه أخبره أن وائل بن حجر أخبره، ثم فصلا ذكر رفع الأيدي من تحت الثياب، فروياه عن عاصم بن كليب أنه حدثه به عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله، عن وائل ابن حجر، وهذه الرواية مضبوطة اتفق عليها زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد، فهما أثبت رواية له ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل ابن حجر ... اهـ والله أعلم.\nالثالث عشر: عبد العزيز بن مسلم، عن عاصم بن كليب به.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٧) حدثنا عبد الصمد،\nورواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٦، ٤٣٧) من طريق عبد الوحد بن غياث، كلاهما عن عبد العزيز بن مسلم به، ولفظ أحمد: رأيت رسول الله ﷺ ركع، فوضع يديه على ركبتيه. هذا لفظ أحمد. =","vol":"1","page":549},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nولفظ الخطيب: أتيت رسول الله ﷺ لأنظر كيف يصلي، فكبر، فرفع يديه حذاء أذنيه.\nالطريق الرابع عشر: جرير بن عبد الحميد، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه الدارقطني في السنن (١١٢٢) بلفظ: رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة يرفع يديه إلى أذنيه، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه.\nومن طريقه رواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥).\nالطريق الخامس عشر: أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨) من طريق الحجاج بن منهال.\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨) من طريق أسد بن موسى،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٢) من طريق عباس بن طالب، ثلاثتهم (أسد، وحجاج، وعباس) عن أبي عوانة به.\nالطريق السادس عشر: جعفر بن زياد الأحمر، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨) ح ٩٢، بلفظ: صليت مع النبي ﷺ، فلما سجد افترش اليسرى، ونصب اليمنى.\nالطريق السابع عشر: صالح بن عمر الواسطي، عن عاصم بن كليب.\nأخرجه الدارقطني في السنن (١١٣٤)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (٢٢٧)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣)، وفيه أنه رفع يديه حتى حاذى أذنيه.\nالطريق الثامن عشر: شريك بن عبد الله النخعي (سيئ الحفظ)، رواه واضطرب فيه، فمرة يرويه عن عاصم بن كليب، ومرة يرويه عن علقمة بن وائل، وثالثة يرويه عن أبي إسحاق، ورابعة يرويه عن سماك.\nفأما روايته عن عاصم بن كليب، فقد اضطرب فيها أيضًا على ثلاثة طرق.\nفقيل: عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.\nرواه عثمان بن أبي شيبة، عن شريك بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية.\nرواه أبو داود (٧٢٨) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤١، ٤٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٢٧).\nورواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٢) من طريق المعمري، كلاهما (أبو داود والمعمري) عن عثمان بن أبي شيبة، عن شريك به.\nورواه محمد بن سعيد الأصبهاني، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٩٦).\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٦، من طريق يحيى الحماني (حافظ متهم بسرقة الأحاديث)، كلاهما عن شريك به، ولفظ الطحاوي: (أتيت النبي ﷺ فرأيته يرفع يديه حذاء =","vol":"1","page":550},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أذنيه، إذا كبر، وإذا رفع، وإذا سجد، فذكر من هذا ما شاء الله، قال: ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره.\nواقتصر الطبراني على رفع الأيدي حذاء الأذنين حين افتتح الصلاة.\nورواه يحيى بن آدم كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٨)، قال: حدثنا شريك، به، بلفظ: (أنه سمع النبي ﷺ يقول في الصلاة آمين).\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤١) ح ١٠٢، من طريق يحيى بن أبي بكير، عن شريك، بلفظ: (أن النبي ﷺ جهر بآمين).\nهكذا رواه عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، والحماني، ويحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بكير، خمستهم رووه عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.\nوخالف هؤلاء كل من:\nزكريا بن يحيى زحمويه كما في المعجم الكبير للطبراني رواه (١٨/ ٣٣٦) ح ٨٦١.\nوسعيد (هو ابن منصور)، كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ٧٣).\nوإبراهيم بن عبد الله الهروي كما في طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ (٣/ ٥٦٧)، وتاريخ أصبهان لأبي نعيم (٢/ ١٣١).\nوالوركاني (محمد بن جعفر) ومحرز بن عون كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٣٣٠)، خمستهم رووه عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن خاله، بلفظ: أتيت النبي ﷺ في الشتاء، فوجدتهم يصلون في البرانس والأكسية، وأيديهم فيها.\nوخالف كل هؤلاء وكيع، فرواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وأبو داود (٧٢٩) عن وكيع، عن شريك عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، بلفظ: (أتيت النبي ﷺ في الشتاء، قال: فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم).\nهذه وجوه الاختلاف على شريك في روايته عن عاصم بن كليب، ورواه شريك من غير طريق عاصم بن كليب:\nفقيل: عن شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه.\nرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣) ح ١١، من طريق عمر بن محمد بن الحسن الأسدي، عن شريك به، بلفظ: (أنه سمع النبي ﷺ لما قال: ولا الضالين، قال: آمين).\nورواه الأسود بن عامر، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٤/ ٣١٨)،\nومحمد بن إسحاق الصغاني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٤) عن أسود بن عامر، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، بلفظ: (سمعت النبي ﷺ يجهر بآمين).\nوخالفهما أبو كريب، فرواه مسلم في التمييز (٣٨) عنه، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا =","vol":"1","page":551},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٢٤٨) ما رواه أبو داود من طريق سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الرحمن بن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من\n_________\n=\nشريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله يجهر بآمين.\nوالمحفوظ من رواية أبي إسحاق، أنه يرويه عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وسيأتينا إن شاء الله تخريجه في موضع لاحق، انظر ح (١٢٨٣)، وانظر معه ح (١٢٥١، ١٢٦٢).\nفواضح أن شريك بن عبد الله النخعي قد اضطرب في إسناده، ولفظه، فمرة يرويه عن عاصم ابن كليب، ومرة يقول عن أبيه عن وائل بن حجر، ومرة يقول عن أبيه عن خاله، وثالثة يقول عن عاصم بن كليب عن علقمة بن وائل عن أبيه.\nوأحيانًا يرويه عن غير عاصم بن كليب، فيرويه عن أبي إسحاق، عن علقمة،\nومرة عن سماك عن علقمة، فواضح شدة اضطراب شريك في إسناده، كما لم يسلم لفظه من زيادات شاذة، رأيت تأجيل البحث فيها حتى تأتي مناسبتها الفقهية إن شاء الله تعالى، ولو كان البحث حديثيًّا صرفًا لتعرضت لكل ألفاظه مرة واحدة، ولم أضطر إلى إعادة التخريج بحسب المناسبات الفقهية، أما والمشروع فقهي، فأنا أستشهد على كل مسألة بما تتطلبه من ألفاظ، وأحكم عليه حسب مناسبتها الفقهية، ولا أتعرض للفظ لم تكن المناسبة تستدعيه، فأرجو ملاحظة هذا في هذا الحديث وفي غيره، والله المستعان.\nهذه أشهر الطرق وأهمها والتي روت لنا حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وقد تركت بعض الطرق اقتصارًا واختصارًا، من ذلك طريق هريم بن سفيان، وعبيدة بن حميد، وأبي إسحاق السبيعي، وموسى بن أبي عائشة، وقيس بن الربيع، وعنبسة بن سعيد، وغيلان بن جامع، وموسى بن أبي كثير، وجعفر الأحمر.\nوما خرجته كافٍ لطالب العلم للجزم بشذوذ رواية سفيان بن عيينة وعبد الواحد بن زياد في لفظ: أنه رفع يديه إلى حذاء منكبيه، فهذا كما رأيت ليس محفوظًا من حديث وائل بن حجر، وإنما هو محفوظ من حديث ابن عمر، وحديث أبي حميد الساعدي، وسبق تخريجهما، وهذا مقصود البحث من جمع الطرق، والله أعلم.","vol":"1","page":552},{"text":"صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر (^١).\n[حديث علي بن أبي طالب حديث صحيح إلا ما تفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومنه رفع اليدين في مواضعها الأربعة] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٤٤).\n(^٢). الحديث مداره على الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.\nويرويه عن الأعرج اثنان:\nالأول: يعقوب بن أبي سلمة الماجشون (صدوق)، وروايته في صحيح مسلم، وليس فيها ذكر رفع اليدين مطلقًا، لا في الافتتاح، ولا في الركوع والرفع منه، ولا في القيام من الركعتين.\nوقد روى عنه هذا الحديث ابنه يوسف بن يعقوب كما في صحيح مسلم (٢٠١ - ٧٧١)، وسنن الترمذي (٣٤٢١، ٣٤٢٢)، والدعاء للطبراني (٤٩٤)، ومسند البزار (٥٣٦)، ومسند أبي يعلى (٥٧٥)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢٣)، وصحيح ابن حبان (١٩٦٦)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤١)، ومستخرج أبي نعيم (٢/ ٣٦٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨، ١٥٨)، والأسماء والصفات له (٦٩٧)، وفي الأربعين لابن المقرئ (٤٤).\n\nورواه عن يعقوب بن أبي سلمة أيضًا ابن أخيه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وروايته في مسلم أيضًا (٢٠٢ - ٧٧١)، ومسند أحمد (١/ ٩٤، ١٠٢، ١٠٣)، وفي فضائل الصحابة لأحمد (١١٨٨)، وسنن أبي داود (٧٦٠)، وسنن الترمذي (٣٤٢٢، ٢٦٦)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٥٠)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٩٣، ٦٤١)، وسنن الدارمي (١٢٧٤، ١٣٥٣)، والدعاء للطبراني (٤٩٣)، والمنتقى لابن الجارود (١٧٩)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٩٩)، ومشكل الآثار (١٥٥٨، ١٥٥٩، ١٥٦٠، ١٥٦٢، ١٥٦٣، ٥١٦٠، ٥٨٢٣، ٥٨٢٤)، وصحيح ابن خزيمة (٤٦٢، ٤٦٣، ٦١٢، ٧٤٣)، وصحيح ابن حبان (١٧٧٣، ١٩٠٣، ٢٠٢٥)، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٤٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٠٦، ١٨١٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨، ١٢٤، ١٣٥).\nوقد روياه عنه تامًّا ومختصرًا، وليس فيه هذا الحرف الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد، من ذكر رفع اليدين، والله أعلم.\nالثاني: عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج.\nويرويه عن عبد الله بن الفضل راويان:\nالراوي الأول: عبد العزيز بن عبد الله أبي سلمة الماجشون،\nأحيانًا يرويه عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل مقرونًا بروايته عن عمه الماجشون.\nأخرجه أحمد (١/ ٩٤)، قال: حدثنا أبو سعيد (يعني: مولى بني هاشم)، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل، والماجشون، عن الأعرج، عن عبيد الله بن =","vol":"1","page":553},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nرافع، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات، والأرض حنيفًا مسلمًا ... وذكر الحديث بنحو رواية مسلم.\nورواه ابن خزيمة (٤٦٣) والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ٢١٨) ح ١٥٦٠ و(٤/ ٢٢٢) ح ١٥٦٣، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩، ٢٣٣)، من طريق أحمد بن خالد الوهبي،\nوأبو عوانة في مستخرجه (١٨١٦) من طريق سريج بن النعمان،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ٢١٨) ح ١٥٦٠ و(٤/ ٢٢٢) ح ١٥٦٣، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩، ٢٣٣)، من طريق عبد الله بن صالح ثلاثتهم عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل وعن عمه الماجشون، عن الأعرج به.\nوأحيانًا يرويه عبد العزيز عن عبد الله بن الفضل وحده غير مقرون بروايته عن عمه الماجشون.\nأخرجه أحمد (١/ ٣٠١) حدثنا حجين (يعني ابن المثنى ثقة)،\nوأبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٦) من طريق سريج بن النعمان (ثقة)،\nوالطبراني في الدعاء (٤٩٥، ٥٢٧، ٥٥٠، ٥٨١) من طريق عبد الله بن رجاء (صدوق)، ثلاثتهم عن عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل وحده، عن الأعرج به.\nولم يذكر عبد العزيز بن أبي سلمة في روايته عن عبد الله بن الفضل لفظ رفع اليدين.\nالراوي الثاني: موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل:\nرواه عن موسى بن عقبة جماعة، منهم ابن جريج (ثقة فقيه)، وإبراهيم بن طهمان (ثقة يغرب)، وعبد الله بن جعفر المديني (ضعيف)، وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، (صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد)، ولم يذكر أحد منهم رفع اليدين في الحديث غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، وإذا اختلف ابن جريج مع ابن أبي الزناد قدم ابن جريج، ولا مقارنة، كيف وقد خالف معه إبراهيم بن طهمان، وهو أحفظ من أبي الزناد، وإليك تخريج مروياتهم.\nالأول: ابن جريج، عن موسى بن عقبة:\nرواه أحمد (١/ ١١٩)، وابن خزيمة (٦٠٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣)، عن روح بن عبادة (ثقة)،\nوالشافعي في المسند (٢١٦) أخبرنا مسلم بن خالد (هو الزنجي صدوق كثير الأوهام)، وعبد المجيد، (هو ابن عبد العزيز بن أبي رواد صدوق يخطئ) وغيرهما،\nوابن ماجه (١٠٥٤) من طريق يحيى بن سعيد الأموي (صدوق يغرب)،\nوأبو عوانة في مستخرجه (١٨٨٧)، وابن حبان (١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٧٤)، والدارقطني في السنن (١١٣٨، ١٢٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩، ١٢٤)، من طريق حجاج بن محمد (ثقة)،\nوالطبراني في الدعاء (٤٩٦، ٥٢٨، ٥٥١، ٥٨٢) من طريق هشام بن سليمان (صدوق يخطئ)، كلهم (روح، ومسلم بن خالد، وعبد المجيد، ويحيى، وحجاج، وهشام) رووه عن =","vol":"1","page":554},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nابن جريج، عن موسى بن عقبة، وليس فيه ذكر رفع اليدين.\nالثاني: إبراهيم بن طهمان (ثقة)، عن موسى بن عقبة.\nأخرجه ابن منده في التوحيد (٣٠٥) من طريق قطن بن إبراهيم (صدوق يخطئ)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦١) من طريق محمد بن عقيل بن خويلد (صدوق حدث من حفظه بأحاديث فأخطأ فيها)، كلاهما عن حفص بن عبد الله (صدوق)، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان به.\nالثالث والرابع: عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني (ضعيف) وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، عن موسى بن عقبة.\nأخرجه الطبراني في الدعاء مقرونًا بغيرهما (٤٩٦).\nالخامس: عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة:\nرواه أحمد (١/ ٩٣)، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن فلان بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ: أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه .... وذكر الحديث.\nومن طريق سليمان بن داود الهاشمي أخرجه أبو داود (٧٤٤)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٨٦٤)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٨٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٢)، والدارقطني في السنن (١١٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٧).\nتابع سليمان بن داود البغدادي كل من:\nعبد الله بن وهب المصري، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٦٤، ٥٨٤، ٦٧٣)، من طريقه قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض .... الحديث.\nومن طريق ابن وهب أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢١)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٥، ١٩٩، ٢٢٢، ٢٣٣)، والدارقطني في السنن (١١٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩، ١٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥٨، ١٦٠، ١٨٨).\nكما تابعه أيضًا إسماعيل بن أبي أويس، كما في قرة العينين برفع اليدين للبخاري (١، ٩)، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله =","vol":"1","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ: كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك.\nوقد ذهب بعض أهل العلم إلى تضعيف الحديث، منهم الطحاوي في مشكل الآثار، وقد استندوا في التضعيف على أمور، منها:\nالعلة الأول: تفرد عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومثله لا يحتمل تفرده، وقد تكلم فيه بعضهم.\nفقد جرحه النسائي جرحًا شديدًا، فقال: ليس بثقة، وقال أيضًا: لا يحتج بحديثه.\nوضعفه يحيى بن معين، وقال مرة: لا يحتج بحديثه، وقال ثالثة: ليس بشيء.\nوقال أحمد: مضطرب الحديث.\nوكان عبد الرحمن لا يحدث عن ابن أبي الزناد.\nويناقش هذا:\nبأن موسى بن سلمة، سأل مالكًا حين قدم المدينة ممن تأمرني أسمع منه، فقال: عليك بابن أبي الزناد. وتكلم فيه مالك، وحمل بعض أهل العلم أن اختلاف قول مالك يرجع إلى اختلاف حديثه بين ما رواه عنه أهل المدينة، وما رواه عنه أهل بغداد،، وقد قسم بعض العلماء حديثه إلى أقسام:\nالقسم الأول: ما يعتبر من صحيح حديثه، وهو ما رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة، قال ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرحمن بن أبي الزناد. تاريخ بغداد ت بشار (١١/ ٤٩٤).\nومنها ما رواه عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فقد ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة، قال المعلمي في التنكيل (٢/ ٣٤): «وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين ما حدَّث به بالمدينة وما حدَّث به ببغداد. وهذا ممكن بأن يكون أتقنَ ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا فلم يُؤَثِّرْ فيه تلقين البغداديين، وإنما أثَّر فيه فيما لم يكن يُتقِن حفظَه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه».\nالقسم الثاني: ما يُشَكُّ أنه من حديثه، وهو ما حدث عنه أهل العراق؛ إذ أفسده البغداديون حيث كانوا يلقنونه، ما ليس من حديثه، فيحدث به، إلا ما رواه عنه سليمان بن داود الهاشمي البغدادي، قاله ابن المديني، وسيأتي نقل كلامه، وحديثنا هذا من حديث سليمان بن داود عنه.\nالقسم الثالث: ما رواه عنه أهل المدينة، فهو جزمًا من حديثه، ولكن ليس في الصحة بما رواه عن هشام بن عروة، أو عن أبيه، وليس من الضعف بما رواه أهل العراق عنه، فينظر في كل حديث بما يقتضيه البحث، والأصل أنه من قبيل الحسن ما لم ينفرد بأصل أو يخالف.\nوهذا الحديث قد سمعه منه ابن وهب المصري في المدينة، وسمعه منه إسماعيل بن أبي أويس، وهو مدني، قال الحافظ ابن القيم في كتابه رفع اليدين في الصلاة ت العمران (ص: ١٢): «هذا الحديث صحيح؛ لأنه من رواية عبد الله بن وهب، وقد سمع منه بالمدينة».\nوقد أطلق بعض العلماء على أن ما رواه أهل المدينة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فهو =","vol":"1","page":556},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nصحيح، فهل أرادوا الصحة المطلقة، أو أرادوا أن ما رواه بالمدينة فهو من حديثه الذي لم يتلقَّنه، بخلاف ما رواه ببغداد حيث كان يُلقَّن ما ليس من حديثه فيتَلَقَّن، وكونه من حديثه فلا يعني أنه صحيح أو ضعيف، بل ينظر فيه بحسب ما يقتضيه البحث والنظر، أو يحمل القول بالصحة على أن ما رواه بالمدينة أصح مما رواه بالعراق، لا مطلق الصحة.\nقال علي بن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. تاريخ بغداد ت بشار (١١/ ٤٩٤)، وهذا من التضعيف المطلق.\nوقال أيضًا في الكتاب نفسه: حديثه بالمدينة حديث مقارب، وما حدث بالعراق فهو مضطرب، وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة. اهـ\nفلو أنه أراد الصحة المطلقة ما قال عنها مقاربة، كما أن هذا الحكم في الجملة.\nوقال عمرو بن علي: عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه ضعف، ما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد، كان عبد الرحمن بن مهدي يخط على حديثه. المرجع السابق.\nفانظر كيف ضعفه، ثم قال: ما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد، فلعل هذا هو ما يريد علي بن المديني حين قال: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون .... ولقنه البغداديون عن فقهائهم، وعدهم: فلان، وفلان، وفلان. المرجع السابق.\nوانظر كلام الشيخ أبي أنس الصبيحي في حاشيته على كتاب النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد (١/ ٤٣٦).\nالعلة الثانية عند من ضعف الحديث: المخالفة.\nفإن أحسن أحوال ابن أبي الزناد أن يكون حسن الحديث بشرط أن لا يتفرد، وأن لا يخالف، وقد تفرد بزيادة رفع اليدين في الحديث، وخالف فيها ابن أبي الزناد عبد الملك بن جريج، ولو خالف ابن أبي الزناد ابن جريج وحده لكفى في شذوذ روايته، كيف وقد خالف كل من روى الحديث عن الأعرج، أو رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج، أو رواه عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، لا يذكر أحد منهم هذا الحرف إلا ابن أبي الزناد، فكان مقتضى القواعد الحكم بشذوذ هذا الحرف ولو كان راويها ثقة، فكيف إذا كان خفيف الضبط.\nجاء في كتاب رفع اليدين لابن القيم ت علي العمران (ص: ١٤٧): «قال الطحاوي: حديث عبد الرحمن هذا لا اختلاف بين أهل العلم بالحديث أنه خطأ منه على موسى بن عقبة، وأن أصله الذي رواه الأثبات عن موسى بن عقبة -منهم ابن جريج- ليس فيه من ذكر الرفع شيء».\nالعلة الثالثة: أن هذا مخالف لما رواه كليب بن شهاب، عن علي بن أبي طالب، فقد روى الطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٥)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٥) من طريق أبي بكر النهشلي عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وكان، من أصحاب علي، عن علي، ﵁، مثله.\nفكان في هذا الحديث ما قد دل أن زيادة ابن أبي الزناد -إن كانت صحيحة- أعظم الحجتين بترك الرفع في الصلاة بعد تكبيرة الافتتاح؛ لأن عليًّا لا يفعل بعد النبي ﷺ من هذا خلاف =","vol":"1","page":557},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٢٤٩) ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن أيوب، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام،\nعن أبي هريرة، أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة جعل يديه\n_________\n=\nما كان رسول الله ﷺ يفعله فيه إلا بعد قيام الحجة عنده في ذلك على نسخ ما كان النبي ﷺ يفعله فيه، وبالله التوفيق».\nمناقشة العلتين:\nلعل من ذهب إلى كون الرفع محفوظًا في حديث ابن أبي الزناد اعتمد على أمور، منها:\nالأول: تصحيح الإمام أحمد والترمذي للحديث.\nجاء في نصب الراية (١/ ٤١٢): «قال ابن دقيق العيد في الإمام: ورأيت في (علل الخلال) عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قال: سئل أحمد عن حديث علي هذا، فقال: صحيح».\nونقل النص ابن الملقن في البدر المنير فنص على تصحيح الرفع، قال (٣/ ٤٦٦): «رأيت في علل الخلال أن أحمد سئل عن حديث علي بن أبي طالب في الرفع، فقال: صحيح».\nوهناك فرق بين نقل ابن دقيق العيد في الإمام، والناقل عنه الزيلعي في نصب الراية، وقد عرف بتحري الحرفية في النقل، حتى ذكر الرجل الذي سمع سؤال أحمد ونقل جوابه، وهو إسماعيل بن إسحاق الثقفي، وبين نقل ابن الملقن والذي واضح أنه نقله في المعنى، وأبهم ناقل السؤال والجواب، وكلاهما كان معتمدًا في نقله على علل الخلال، وبين النقلين فرق:\nفنقل ابن دقيق العيد كان السؤال عن حديث علي ﵁، فقال: صحيح. وهذا لا جدال فيه، وهو في صحيح مسلم، ولا يلزم منه تصحيح ما تفرد به ابن أبي الزناد.\nوبين نقل ابن الملقن والذي واضح أنه نقله في المعنى، وكان السؤال عن الرفع في حديث علي، فكان التصحيح متوجهًا إلى الحكم بتصحيح زيادة الرفع في حديث علي ﵁، وأشك في دقة نقل ابن الملقن لسببين:\nأحدهما: أنهما اعتمدا على مصدر واحد، وهو علل الخلال، فلا بد أن يكون أحدهما خطأً، والأخر صوابًا، ولو لم يذكر المصدر لاحتمل تعدد السؤال.\nالثاني: أن الإمام أحمد لا يختار الرفع، فكيف يكون عنده صحيحًا، جاء في مسائل أبي داود (ص: ٥١): سمعت أحمد، «سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين؟ قال: أما أنا، فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي؟ قال: لا».\nوجاء في الاستذكار (١/ ٤١١): «قيل لأحمد بن حنبل نرفع عند القيام من اثنتين، وبين السجدتين قال لا، أنا أذهب إلى حديث سالم، عن أبيه، ولا أذهب إلى وائل بن حجر؛ لأنه مختلف في ألفاظه». =","vol":"1","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فلم يعرج على حديث علي بن أبي طالب؛ فكان هذا قرينة على أنه لا يراه من أحاديث المسألة.\nهذا ما يخص تصحيح الإمام أحمد ﵀.\nوقال الترمذي في السنن ت بشار (٥/ ٣٦٣): «هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند الشافعي وبعض أصحابنا .... سمعت أبا إسماعيل الترمذي محمد بن إسماعيل ابن يوسف يقول: سمعت سليمان بن داود الهاشمي يقول: وذكر هذا الحديث، فقال: هذا عندنا مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه».\nقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٩/ ٢٦٩): «يعني أن حديث علي هذا من أصح الأحاديث سندًا، وأقواها، مثل حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه».\nولا أظنه يقصد بأنه بمنزلته في الصحة، فإن من يشتغل بالأسانيد، وعنده أدنى معرفة يعرف الفرق بين ما قيل فيه: أصح إسناد في الدنيا: الزهري، عن سالم، عن أبيه، لا يمكن أن يقارن بأصح أسانيد ابن أبي الزناد، فضلًا عن إسناده في هذا الحديث المخالَف فيه، ولكن يقصد أنه بمنزلته في الدلالة على سنية رفع اليدين إلى المنكبين، فقد روى رفع اليدين إلى المنكبين: الزهري، عن سالم، عن ابن عمر في الصحيحين، وهذا واضح.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٦/ ٣٤٧): «وأما حديث علي فصححه الإمام أحمد والترمذي».\nوأما الجواب على معارضة حديث ابن أبي الزناد بما رواه أبو بكر النهشلي، فقد اعتبر البخاري حديث ابن أبي الزناد أصح من حديث أبي بكر النهشلي، انظر قرة العينين برفع اليدين في الصلاة (ص: ١٤)، وحكم الإمام البخاري مقدم على اجتهاد الطحاوي عليهما رحمة الله.\nوقد أنكر ابن القيم تقديم رواية النهشلي على رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال في كتابه رفع اليدين في الصلاة (ص: ٢٠٥): «فيا سبحان الله ما الذي جعل أبا بكر النهشلي أولى بقبول حديثه من عبد الرحمن بن أبي الزناد؟ ومعلوم عند كل من له علم بالحديث فضل ما بين النَّهشلي وعبد الرحمن بن أبي الزناد في العلم والحفظ والفضل».\nولو صح حديث النهشلي فهو موقوف على الإمام علي ﵁، فلا يعارض ما رواه مرفوعًا، ويمكن حمل حديث النهشلي على بيان جواز الترك أحيانًا، فهو رد على من قال: إن الرفع واجب، وليس دليلًا على رد حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال ابن القيم في رفع اليدين (ص: ٢٠٧): «حديث أبي بكر إذا صح ففيه الحجة على من يرى الرفع فرضًا في الصلاة مع إمكان منعه للاحتجاج به عليه؛ إذ الحجة عنده في روايته لا في رأيه ومذهبه».\nالثاني: أن هذا الحديث قد حدث به عبد الرحمن بن أبي الزناد من أصوله، وليس من حفظه، بدليل أنه قد رواه البخاري في رفع اليدين، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد قال الحافظ في هدي الساري (ص: ٣٩١): روِّينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أن إسماعيل أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح =","vol":"1","page":559},{"text":"حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك (^١).\n[أعل أبو حاتم الرازي والدارقطني ذكر رفع اليدين مع التكبير، والحديث رواه مسلم مقتصرًا على ذكر التكبير دون رفع اليدين] (^٢).\n_________\n=\nحديثه لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه».\nكما روى الحديث عنه سليمان بن داود الهاشمي، ولثناء ابن المديني عليه، قال المعلمي في التنكيل (٢/ ٣٥): «الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه، فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصح مما حدث به بالمدينة من حفظه». انظر آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي (١١/ ٥٦).\nالثالث: أن ابن وهب قد روى الحديث عن ابن أبي الزناد، وقد قال ابن خزيمة عندما خالف عبيد الله بن عبد المجيد ابن وهب في حديث من أحاديث ابن أبي الزناد، قال (٨٢٩): «ابن وهب أعلم بحديث المدينة من عبيد الله بن عبد المجيد».\nالرابع: أن هذا الحديث حدث به ابن أبي الزناد في المدينة وحدث به في بغداد، ولم يضطرب فيه مما يدل على أنه قد حفظه، قال المعلمي في التنكيل (٢/ ٣٥): «قد دلَّ كلامُ الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب. فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجه عنه على وتيرة واحدة دل ذلك على أنه من صحيح حديثه».\nوانظر تخريج الحديث في كتاب فضل الرحيم الودود لفضيلة الشيخ ياسر آل عيد (٧٤٤).\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٨).\n(^٢). اختلف فيه على ابن جريج:\nفرواه يحيى بن أيوب (متكلم في حفظه)، كما في سنن أبي داود (٧٣٨)، ومشكل الآثار للطحاوي (٥٨٣٦)، وصحيح ابن خزيمة (٦٩٤).\nوعثمان بن الحكم الجذامي (صدوق له أوهام) كما في صحيح ابن خزيمة (٦٩٥) روياه عن ابن جريج، عن ابن شهاب به، بذكر رفع اليدين مع التكبير، وأن الرفع إلى حذاء المنكبين، وذكر أيضًا رفع اليدين للسجود.\nوتابع ابن جريج من رواية يحيى بن أيوب وعثمان بن الحكم عنه، تابعه صالح بن أبي الأخضر (ضعيف) كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠) ح ٢٩١، فرواه عن ابن شهاب به بذكر رفع اليدين مع التكبير، إلا أنه لم يذكر قوله (حذاء المنكبين)، وذكر أيضًا رفع اليدين للسجود.\nقال أبو حاتم: «هذا خطأ؛ إنما يروى هذا الحديث: أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين».\nوقد قال يحيى بن معين ابن جريج ليس بشيء في الزهري، الجرح والتعديل (٥/ ٣٥٧).\nوقد لا يكون الحمل على ابن جريج، كيف وقد رواه جماعة عن ابن جريج فذكروا فيه التكبير =","vol":"1","page":560},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nدون الرفع، منهم:\nالأول: عبد الرزاق، عن ابن جريج.\n\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٤٩٦)، قال: أخبرنا ابن جريج: أخبرني ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن؛ أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صُلْبَه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبِّر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حين يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يقضيها، ويكبِّر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس، ثم يقول أبو هريرة: إني لأشبهكم صلاةً برسول الله ﷺ.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه، أحمد (٢/ ٢٧٠)، ومسلم (٢٨ - ٣٩٢)، وأبو عوانة في مستخرجه بتمامه (١٥٩٢)، ومختصرًا (١٥٨٣)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٦٤)، وأخرجه ابن خزيمة بتمامه (٥٧٨)، ومختصرًا (٦١١، ٦٢٤)، ورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٣).\nقال الدارقطني في العلل بعد أن ساق الاختلاف فيه، قال (٩/ ٢٦٠): «والصحيح: قول عبد الرزاق في التكبير دون الرفع».\nالثاني: عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج.\nأخرجه الترمذي مختصرًا (٢٥٤) من طريق علي بن الحسن، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يكبر وهو يهوي.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nالثالث: الضحاك بن مخلد (أبو عاصم النبيل).\nرواه البزار في مسنده بتمامه (٨٠٩٤)، قال: حدثنا زيد بن أخزم، أبو طالب الطائي،\nوأبو نعيم في مستخرجه مختصرًا (٨٦٤) من طريق محمد بن معمر، كلاهما عن أبي عاصم، قال: حدثنا ابن جريج به، ولفظ البزار: كان رسول الله ﷺ إذا قام كبر، وإذا ركع كبر، ثم يقول: سمع الله لمن حمده يرفع صلبه، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم كبر، ثم حين يسجد يكبر، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، حتى يقضى صلاته، ويكبر إذا قام من الثنتين. قال أبو هريرة: وأنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ.\nكما رواه عن الزهري غير ابن جريج، ولم يذكروا رفع اليدين، مما يجعل الباحث يجزم بشذوذ ذكر رفع اليدين في حديث أبي هريرة، ومنه رفعهما حذاء المنكبين، فقد رواه كل من:\nالأول: عقيل بن خالد، عن الزهري، عن أبي بكر بن الحارث، عن أبي هريرة كما في صحيح البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٢٩ - ٣٩٢)، وليس فيه قول أبي هريرة: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ)، وأكتفي بذكر الصحيحين عن غيرهما. =","vol":"1","page":561},{"text":"• أجاب الحنفية عن أدلة الرفع إلى المنكبين:\n(ح-١٢٥٠) بما رواه أبو داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية (^١).\nقال الطحاوي: «فأخبر وائل بن حجر في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم، إنما كان لأن أيديهم كانت حينئذٍ في ثيابهم، وأخبر أنهم كانوا يرفعون إذا كانت أيديهم ليست في ثيابهم، إلى حذو آذانهم، فأعملنا روايته كلها فجعلنا الرفع إذا كانت اليدان في الثياب لعلة البرد إلى منتهى ما يستطاع الرفع إليه، وهو المنكبان، وإذا كانتا باديتين، رفعهما إلى الأذنين» (^٢).\n_________\n=\nورواه جماعة عن الزهري، عن أبي بكر بن الحارث وأبي سلمة، عن أبي هريرة، فكان الزهري تارة يرويه عن أبي بكر بن الحارث وحده، وتارة يرويه عن أبي سلمة وحده، وتارة يقرنهما معًا، ومن هؤلاء:\nالثاني: معمر بن راشد، كما في مسند أحمد (٢/ ٢٧٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٥٦)، والسنن الكبرى (٧٤٦)، وسنن الدارمي (١٢٨٣)، وحديث السراج (٢٤٩١).\nالثالث: شعيب بن أبي حمزة، كما في صحيح البخاري (٨٠٣)، وسنن أبي داود (٨٣٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٢)، ومسند الشاميين للطبراني (٣١٣٥)، والسنن الكبرى للبيهقي وفي المعرفة له (٢/ ٤٠٣).\nالرابع: صالح بن كيسان، رواه السراج في حديثه على الوجهين: فرواه في (٢٤٩٢)، عن الزهري، عن أبي بكر بن الحارث وأبي سلمة، عن أبي هريرة.\nورواه أيضًا في حديثه (٢٤٩٣) من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، عن أبي بكر بن الحارث وحده، عن أبي هريرة.\nالخامس: النعمان بن راشد (كثير الخطأ عن الزهري)، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢١)، كل ذلك يؤكد لك شذوذ رواية رفع اليدين حذو المنكبين من حديث أبي هريرة، والله أعلم.\n\n(^١). رواه أبو داود (٧٢٨)، وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل في أدلة القول الأول، فانظره هناك.\n(^٢). شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":562},{"text":"• ورد هذا الجواب:\nبأن شريكًا سَيَّئُ الحفظ وقد سبق أن خرجت روايته عن عاصم، ولم يضطرب أحد في إسناد هذا الحديث كما اضطرب فيه شريك، فمرة يرويه عن عاصم بن كليب، ومرة يرويه عن علقمة بن وائل، وثالثة يرويه عن أبي إسحاق، ورابعة يرويه عن سماك، وروايته عن عاصم بن كليب قد اضطرب فيها على ثلاثة طرق (^١).\nقد وهم في هذا الحديث في لفظه وإسناده:\nأما الوهم في اللفظ: فقد تفرد شريك في ذكر رفع الأيدي من تحت الثياب إلى الصدر، وقد رواه زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب بلفظ: (ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد، فرأيت الناس عليهم الثياب تحرك أيديهم من تحت الثياب من البرد).\nورواه ابن عيينة عن عاصم بن كليب، بلفظ: (ثم أتيتهم في الشتاء، فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس هكذا).\nوتفرد شريك بذكر منتهى الرفع لا يقبل منه، فإنه سيئ الحفظ.\nوأما الوهم في الإسناد، فقد رواه ابن عيينة، وزائدة وشريك فذكروا رفع الأيدي من تحت الثياب من البرد، زاد شريك إلى صدورهم، رووا ذلك عن عاصم ابن كليب، عن أبيه، عن وائل،\nوزيادتهم هذه من الإدراج في الحديث، فإن عاصمًا لم يسمع هذا الجملة من أبيه، عن وائل، وإنما سمعها من عبد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل.\nقال الخطيب البغدادي: «اتفق زائدة بن قدامة الثقفي وسفيان بن عيينة الهلالي على رواية هذا الحديث بطوله، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.\nوقصة تحريك الناس أيديهم ورفعها من تحت الثياب في زمن البرد لم يسمعها عاصم عن أبيه، وإنما سمعها من عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر، بين ذلك زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد في روايتهما حديث الصلاة بطوله عن عاصم بن كليب وميزا قصة تحريك الأيدي تحت الثياب\n_________\n(^١). راجع تخريج حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل في أدلة القول الأول، ولله الحمد.","vol":"1","page":563},{"text":"وفصلاها من الحديث وذكرا إسناده (^١).\nوروى سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وأبو الأحوص سلام بن سليم والوضاح أبو عوانة وخالد بن عبد الله وصالح بن عمرو عبد الواحد بن زياد وجرير ابن عبد الحميد وبشر بن المفضل وعبيدة بن حميد وعبد العزيز بن مسلم، رووا الحديث كلهم وهم أحد عشر رجلًا عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، ولم يذكر أحد منهم قصة تحريك الأيدي تحت الثياب» (^٢).\n_________\n(^١). رواية زهير بن معاوية رواها أحمد (٤/ ٣١٨)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧)، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب، أن أباه أخبره، أن وائل بن حجر أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي، فقام فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ...\nقال زهير في آخره: قال عاصم، وحدثني عبد الجبار، عن بعض أهله، أن وائلًا قال: أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب فيها البرانس وفيها الأكسية، فرأيتهم يقولون: هكذا تحت الثياب. ... ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٤، من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن زهير بن معاوية به.\n\nوأما رواية أبي بدر شجاع بن الوليد، فرواها الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٨)، من طريق موسى بن هارون أخبرنا حمدون بن عباد، أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد، أخبرنا عاصم بن كليب الجرمي أن أباه حدثه أنه سمع وائل بن حجر يقول: بَقَيْتُ رسول الله ﷺ قال: قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، وساق موسى الحديث بطوله نحو رواية زهير إلى أن قال: ثم رأيته يقول: هكذا، وأشار عاصم بالسبابة هكذا، ثم قال موسى: أخبرنا حمدون بن عباد، أخبرنا أبو بدر شجاع بن الوليد، أخبرنا عاصم بن كليب قال: حدثني عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله أن وائل بن حجر قال: ثم أتيته مرة أخرى وعلى الناس ثياب الشتاء فيها البرانس والأكسية قال: فرأيتهم يقولون هكذا بأيديهم من تحت الثياب. فوصف عاصم بن كليب رفع أيديهم.\nقال أبو عمران موسى بن هارون: اتفق زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد فرويا صفة الصلاة عن عاصم بن كليب أن أباه أخبره أن وائل بن حجر أخبره، ثم فصلا ذكر رفع الأيدي من تحت الثياب، فروياه عن عاصم بن كليب أنه حدثه به عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله، عن وائل ابن حجر، وهذه الرواية مضبوطة اتفق عليها زهير بن معاوية وشجاع بن الوليد، فهما أثبت له رواية ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر ... اهـ والله أعلم.\n(^٢). سبق تخريج طرق حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، وقد جمعت طرقه عن أكثر من\nعشرين نفسًا رووا الحديث، ولم يقل أحد منهم ما ذكره ابن عيينة، وزائدة، وشريك، والله أعلم.","vol":"1","page":564},{"text":"وقال موسى بن هارون الحمال عن رواية شريك: «هذا حديث لا إسناده حفظ ولا متنه ضبط.\nفأما الإسناد فإنما رواه عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر.\nوأما قوله: (إلى نحورهم أو صدورهم) فلا أعلم أحدًا ذكره في حديث عاصم ابن كليب، وإنما هو قال: أتيتهم في الشتاء، وعليهم الأكسية البرانس، فجعلوا يرفعون أيديهم من تحت الثياب، وإنما هذا التخليط في الإسناد وفي المتن من شريك كان بآخرة قد ساء حفظه، ولم يكن ﵀ بأثبت الناس قبل أن يسوء حفظه» (^١).\n• دليل من قال: هو مخير يفعل هذا تارة ويفعل هذا تارة:\nهذا القول احتج بمجموع الأحاديث الواردة في الباب، فإن شاء رفع يديه إلى المنكبين، وإن شاء إلى فروع أذنيه؛ لصحة الأمرين عن رسول الله ﷺ، والاختلاف بين هذه الأحاديث إنما هو من اختلاف التنوع، وليس التضاد، فلا حاجة إلى نزعة الترجيح بينها مع صحتها، وإمكان الجمع بينها، ففي الترجيح أخذ بأحد الدليلين وطرح للآخر مع صحته، بخلاف الجمع فإنه إعمال لجميع الدليلين، ولهم في الجمع طريقان:\nالطريق الأول:\nيحمل حديث ابن عمر على الأفضل، ويحمل حديث مالك بن الحويرث، وحديث وائل بن حجر على الجواز (^٢).\nقال حرب الكرماني في مسائله: «سمعت إسحاق أيضًا يقول: إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه، ثم يكبر، فإن رفعهما إلى أذنيه فجائز، وحذو المنكبين أصح، وأكثر» (^٣).\n_________\n(^١). الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٤٣).\n(^٢). انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٦).\n(^٣). مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة ت الغامدي (ص: ٧).","vol":"1","page":565},{"text":"الطريق الثاني:\nأنه لا فرق بينهما في الفضل، وهو رواية عن أحمد، وهي اختيار الخرقي، وأبي حفص العكبري، وأبي علي بن أبي موسى وغيرهم من الحنابلة؛ لصحة الروايات بكل منهما، فهذا دليل على أن النبي ﷺ كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة (^١)، ويكون الاختلاف في هذا من قبيل تنوع صفة العبادة، كالتنوع الوارد في دعاء الاستفتاح، والتنوع الوارد في أنواع التشهد في الصلاة، ونحوها، ليس شيء منها مهجورًا.\nوالسنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي ﷺ من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي ﷺ، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.\n• ويجاب:\nبأن حمل الأحاديث الواردة على الاختلاف فيما بينها، وأن هذا من قبيل تعدد الصفة الواردة في العبادة ليس بأولى من حملها على أنها صفة واحدة، وأنه ليس بينها اختلاف؛ لأن الأصل عدم تعدد صفة العبادة إلا إذا تعذر الجمع، والجمع غير متعذر، فمن قال: يرفع يديه إلى فروع أذنيه أراد بذلك أطراف أصابعه، ومن قال: قريبًا من أذنيه أراد بذلك إبهاميه، بأن تحاذي شحمتي أذنيه، ومن قال: إلى منكبيه أراد بذلك راحتيه، وكلها يجمعها اسم الكف، فبعضهم نظر إلى أعلى الكف، وبعضهم نظر إلى وسطه، وبعضهم نظر إلى راحة الكف، وهذا ما ذهب إليه الحنفية، والشافعية (^٢).\nقال النووي: «المذهب: أنه يرفعهما بحيث تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وهذا معنى قول الشافعي والأصحاب -﵏- عنهم: يرفعهما حذو منكبيه» (^٣).\n_________\n(^١). شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ٥١).\n(^٢). انظر العزو إلى مذهبهم عند حكاية الأقوال، وانظر: زاد المعاد (١/ ١٩٤، ١٩٥)، وانظر أيضًا إلى الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٥١٥).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":566},{"text":"(ح-١٢٥١) لما رواه أحمد من طريق فطر، عن عبد الجبار بن وائل،\nعن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه حين افتتح الصلاة، حتى حاذت إبهامه شحمة أذنيه (^١).\nورواه أبو داود من طريق الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبد الجبار به، وقال: رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر (^٢).\n[منقطع، عبد الجبار لم يسمعه من أبيه] (^٣).\n• دليل من قال: يرفع يديه إلى صدره:\n(ح-١٢٥٢) لعل دليلهم ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي ﷺ حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية (^٤).\n[ضعيف، انفرد شريك بقوله: (إلى صدورهم)، وهو سيئ الحفظ] (^٥).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٢). سنن أبي داود (٧٢٤)، ورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩) ح ٦٣، من طريق الحسن بن عبيد الله بلفظ: (رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه).\n(^٣). رواه أحمد كما في إسناد الباب، (١/ ٣١٦)، حدثنا وكيع.\nورواه أبو داود (٧٣٧) من طريق عبد الله بن داود. ...\nوالنسائي في المجتبى (٨٨٢)، وفي الكبرى (٩٥٨) من طريق محمد بن بشر،\n\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٣) ح ٧٢، من طريق أبي نعيم، أربعتهم رووه عن فطر بن خليفة، عن عبد الجبار به.\nقال النسائي في السنن الكبرى (١/ ٤٥٩): عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح.\n(^٤). رواه أبو داود (٧٢٨)، وقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل في أدلة القول الأول، فانظره هناك.\n(^٥). سبق تخريجه، انظر ح (١٢٤٧).","vol":"1","page":567},{"text":"• الراجح:\nحمل الأحاديث على صفة واحدة خلاف الظاهر، فاليد إذا أطلقت لا يراد بها الأصابع فقط، ولا الراحة فقط، بل تطلق على مجموع الأصابع والكف، فإذا جاء في الحديث: (رفع يديه إلى أذنيه)، فلا يقال: المراد باليد أعلى الأصابع، وإذا قال: (رفع يديه إلى منكبيه)، لا يقال: المراد بها أسفل الكف دون الأصابع، فإطلاق اسم البعض على الكل يحتاج إلى دليل صحيح، وما ورد في ذلك تفرد به عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وهو منقطع.\nفيبقى الترجيح بين الصفتين: إما إلى المنكبين، وأحاديثه أصح، وأكثر، وإما إلى الأذنين، وهي صحيحة، وإن لم تكن بقوة أحاديث الرفع إلى المنكبين، ولا يسقط الصحيح؛ لثبوت الأصح إلا إذا كان العمل يوجب الأخذ بأحدهما دون الآخر، أما إذا أمكن القول بتعدد الصفة، فإنه لا يمكن رد الصحيح لوجود الأصح، بل يفعل المصلي هذا تارة، ويفعل ذلك تارة، ويكون هذا من توسعة الشريعة على المصلين، فلا يخرج من السنة من فعل أحدهما، أو فعل هذا تارة، وهذا تارة، وإن كان أحب إلى نفسي أن يكون رفعه إلى المنكبين أكثر ما يفعله المصلي في صلاته؛ لأنه جاء هذا النقل عن الصحابة الذين كانوا ملازمين للنبي ﷺ في حياته إلى أن لحق النبي ﵊ بالرفيق الأعلى، هذا ما ظهر لي، والله أعلم بالصواب.\n\n* * *","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الفرع الرابع في رفع المرأة يديها في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، إلا بدليل.\n• كل من شرع له التكبير شرع له الرفع؛ لأنه هيئة له.\n• قال ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي، وهذا خطاب عام للرجال والنساء.\n[م-٥٠٦] اختلف الفقهاء في رفع المرأة يديها في الصلاة:\nفقيل: هي كالرجل، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو المشهور من مذهبه، ورواه الحسن عن أبي حنيفة، وأما كتب ظاهر الرواية عند الحنفية فلم تذكر حكم المرأة (^١).\nلأن الأصل أن ما ثبت للرجال ثبت للنساء إلا بدليل، ولم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة.\n(ح-١٢٥٣) ولما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٢٦)، بدائع الصنائع (١/ ١٩٩)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، المدونة (١/ ١٦٥).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ١٢٦): «فنأمر كل مُصَلِّ، إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا، رجلًا أو امرأة أن يرفع يديه إذا افتتح الصلاة .... حذو منكبيه».\nوانظر: المجموع (٣/ ٣٠٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٨)، الكوكب الوهاج في شرح صحيح مسلم (٧/ ١١٠).\n\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (٢/ ٩٠)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٥٩٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٩٦)، المبدع (١/ ٤٢١)، رفع اليدين في الصلاة لابن القيم ت علي العمران (ص: ٢٩٥).","vol":"1","page":569},{"text":"ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^١).\nفهذا خطاب عام لجميع الرجال والنساء.\n(ث-٢٨٩) ولما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن عبد ربه بن زيتون، قال: رأيت أم الدرداء ترفع يديها حذو منكبيها حين تفتتح الصلاة، وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده رفعت يديها في الصلاة، وقالت: اللهم ربنا ولك الحمد (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nولأن من شرع له التكبير شرع له الرفع؛ لأنه هيئة له.\nولأن كفي المرأة عند الجمهور ليستا بعورة في الصلاة.\nوقيل: الرجل يرفع إلى الأذنين والمرأة إلى المنكبين، وهو أصح القولين في مذهب الحنفية (^٤).\nوجه التفريق بين الرجل والمرأة: أن ذلك أستر للمرأة، والقواعد العامة تدل على أن المرأة ينبغي لها الستر.\n• ويناقش:\nبأن هذه السبب كان قائمًا زمن التشريع، فلو كان يقتضي التفريق في هذه المسألة لأمر به الشارع، ولو أمر به لحفظ للأمة؛ لأن الشريعة قد تكفل الله بحفظها.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).\n(^٢). المصنف (٢٤٧٠).\n(^٣). ورواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٢٣، ٢٤)، فيه عبد ربه بن زيتون، فيه جهالة، روى عنه إسماعيل بن عياش، والأوزاعي، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكت عليه، وفي التقريب: مقبول، يعني حيث يتابع، وإلا فلين.\n(^٤). تبيين الحقائق (١/ ١٠٩)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٦)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، العناية شرح البداية (١/ ٢٨٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٠)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٨)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٤)، مجمع الأبحر (١/ ٩٢)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٣)، النهر الفائق (١/ ٢٠٤).","vol":"1","page":570},{"text":"وقيل: ترفع إلى ثدييها، وهو قول حماد، وإسحاق، وروي عن حفصة بنت سيرين أنها كانت تفعله (^١).\nجاء في مسائل حرب الكرماني: «وسألت إسحاق، قلت: المرأة كيف ترفع يديها في الصلاة؟ قال: ترفعهما إلى الثدي» (^٢).\n(ح-١٢٥٤) لما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، قال: حدثتني ميمونة بنت حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر، قالت:\nسمعت عمتي أم يحيى بنت عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن أبيها عبد الجبار، عن علقمة عمها.\nعن وائل بن حجر، قال: جئتُ النبي ﷺ، فقال: هذا وائل بن حجر، جاءكم؛ لم يجئكم رغبةً ولا رهبةً، جاء حُبًّا لله ولرسوله، وبسط له رداءه، وأجلسه إلى جنبه، وضمَّه إليه، وأصعد به المنبر، فخطب الناس، فقال لأصحابه: ارفقوا به؛ فإنه حديث عهد بالمُلك»، فقلت: إن أهلي قد غلبوني على الذي لي، قال: أنا أُعطِيكَه، وأعطيك ضِعْفَه فقال لي رسول الله ﷺ: يا وائل بن حجر إذا صليتَ فاجعل يديك حِذاء أُذُنَيْك، والمرأة تجعل يديها حِذاء ثدْيَيْها (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nوقيل: ترفع يديها في الصلاة دون الرجل، وهو رواية عن أحمد، وبه قال عطاء (^٥).\nقال النفرواي: وهذه الأقوال في رفع الرجل، وأما المرأة فدون ذلك إجماعًا (^٦).\nولا تصح حكاية الإجماع، ونص مالك في المدونة شاهد على ضعف حكاية الإجماع في المذهب المالكي ناهيك عن غيره.\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٤٠).\n(^٢). مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة -الغامدي (ص: ٢٥).\n(^٣). المعجم الكبير (٢٢/ ١٩، ٢٠) ح ٢٨.\n(^٤). في إسناده: أم يحيى بنت عبد الجبار، وميمونة بنت حجر بن عبد الجبار مجهولتان.\n(^٥). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٤٠).\n(^٦). الفواكه الدواني (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":571},{"text":"وقيل: لا يسن للمرأة أن ترفع يديها في الصلاة، وهو رواية عن أحمد (^١).\nقال ابن قدامة: «لأنه في معنى التجافي، ولا يشرع ذلك لها، بل تجمع نفسها في الركوع والسجود، وسائر صلاتها» (^٢).\nولما في ترك الرفع من المبالغة في الستر المطلوب للمرأة.\nوالراجح القول الأول؛ لأن النساء شقائق الرجال.\n\n* * *\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٩٠)، الشرح الكبير على المقنع (١/ ٥٩٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٩٦)، المبدع (١/ ٤٢١).\n(^٢). المغني (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفرع الخامس في ابتداء وقت الرفع وانتهائه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل حديث مخرجه واحد، وموضوعه واحد فإن الاختلاف في ألفاظه يقتضي الجمع بينها بلا تكلف، أو الترجيح، ولا يذهب إلى القول بثبوت الجميع بناء على تعدد صفات العبادة.\n• قول الراوي: (رفع يديه وكبر) الواو لمطلق الجمع، ولا دلالة فيها على ثبوت اقتران أحدهما بالآخر، ولا على نفيه.\n• قول الراوي: (كبر، ثم رفع) ورد من حديث مالك بن الحويرث من طريقين كلاهما شاذ، والشاذ لا يعتبر به؛ لأنه خطأ ووهم.\n• قول الراوي: (يرفع يديه ... إذا افتتح الصلاة) يحتمل: إذا أرد الافتتاح، كقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) أي: إذا أردت قراءته.\nويحتمل: إذا فرغ من الافتتاح، كما يفيده الفعل الماضي، ويحتمل المقارنة كما في قوله ﷺ (إذا أَمَّنَ الإمام فأمنوا): أي مع تأمينه، فيعتبر اللفظ من المجمل وكل لفظ مجمل يحمل على المبين من ألفاظه.\n[م-٥٠٧] اختلف الفقهاء في وقت الرفع وانتهائه:\nفقيل: يرفع يديه مع ابتداء التكبير، وينتهي مع انتهائه.\nاختاره أبو يوسف من الحنفية، وهو الأصح عند المالكية، ورجحه النووي في المجموع والتحقيق والتنقيح، وهو المنصوص عن الإمام الشافعي، وهو المذهب عند الحنابلة، وكره المالكية رفع اليدين قبل التكبير أو بعده (^١).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ١١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٦)، حاشية =","vol":"1","page":573},{"text":"وقيل: يرفع يديه ابتداء التكبير، ولا استحباب في انتهائه، ورجحه النووي في الروضة (^١).\nقال النووي في الروضة: «والخامس، وهو الأصح: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء» (^٢).\nوقيل: يرفع يديه أولًا فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر، وهو الأصح في مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال إسحاق (^٣)، وأما انتهاء الرفع، ففيه وجهان:\n_________\nالدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧١)، منح الجليل (١/ ٢٥٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢٣٩)، التنبيه (ص: ٣٠)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٩)، المجموع (٣/ ٣٠٧)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، حلية العلماء (٢/ ٨١)، البيان للعمراني (٢/ ٢٢٧).\nقال النووي في المجموع (٣/ ٣٠٧): «في وقت استحباب الرفع خمسة أوجه: أصحها ... أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه».\nوجاء في نهاية المحتاج (١/ ٤٦٤): «(والأصح) في زمن ذلك (رفعه مع ابتدائه) أي التكبير وانتهاؤه مع انتهائه: أي انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير، ويحطهما بعد ذلك كما في التحقيق والمجموع والتنقيح، خلافًا لما في الروضة، وأصلها من أنه تسن المعية في الابتداء دون الانتهاء، وإن جزم به الجوجري وصاحب الإسعاد والخلاف في الأفضل فقط».\nالإنصاف (٢/ ٤٤)، الفروع (٢/ ١٦٧)، الإقناع (١/ ١١٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٦)، كشاف القناع (١/ ٣٣٣)، المبدع (١/ ٣٧٩)، مسائل حرب الكرماني، من أول كتاب الصلاة (ص: ١٣)، شرح العمدة لابن تيمية -صفة الصلاة (ص: ٥٩).\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٤)، تحفة المحتاج (٢/ ١٨)، أسنى المطالب (١/ ١٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٤)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢٤).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٣١).\n(^٣). المبسوط (١/ ١١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٩).\nقال إسحاق نقلًا من فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢٤): «إن رفع يديه مع التكبير أجزأه، وأحب إلينا أن يرفع يديه، ثم يكبر، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد».","vol":"1","page":574},{"text":"فقيل: ينهيه مع انتهاء التكبير، وهو وجه عند الشافعية (^١).\nوقيل: ينهي الرفع بعد الفراغ من التكبير، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nوقيل: يكبر، ثم يرفع يديه، وهو قول للحنفية (^٣).\nوقيل: يخير إن شاء يرفع يديه مع التكبير، وينهيه معه، وإن شاء رفع يديه قبل التكبير، ويخفضهما بعده، وهو قول للحنابلة (^٤).\n• دليل من قال: الرفع مع التكبير ابتداءً وانتهاءً:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٥٥) ما رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرنا سالم بن عبد الله،\nأن عبد الله بن عمر ﵄، قال: رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله، وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود (^٥).\nورواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا\n_________\n(^١). قال النووي في المجموع (٣/ ٣٠٨): «والثاني: يرفع بلا تكبير مع إرسال اليدين، وينهيه مع انتهائه». وانظر: نهاية المطلب (٢/ ١٣٥)، فتح العزيز (٣/ ٢٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٦).\n(^٢). قال النووي في المجموع (٣/ ٣٠٨): «والثالث: يرفع بلا تكبير، ثم يكبر، ويداه قارتان، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وصححه البغوي». وانظر: فتح العزيز (٣/ ٢٧١)، روضة الطالبين (١/ ٢٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٦).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣٢٢).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٤٤)، الفروع ت فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٢/ ١٦٧)، المبدع (١/ ٣٧٩).\n(^٥). صحيح البخاري (٧٣٨).\nومن طريق شعيب أخرجه النسائي في المجتبى (٨٧٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٣١٥٠)، وابن المقرئ في معجمه (٤١٥)، والدارقطني في سننه (١١١٦).","vol":"1","page":575},{"text":"حذو منكبيه، أو قريبًا من ذلك ... الحديث (^١).\nورواه البخاري من طريق مالك، عن الزهري به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ... وذكره نحوه (^٢).\nورواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،\nأن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ... وقال في آخره: وحدث أن رسول الله ﷺ صنع هكذا (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله في الحديث: (رفع يديه حين يكبر)، فظاهر اللفظ أن الرفع كان وقت التكبير مقارنًا له.\nوقوله: (يرفع يديه ... إذا افتتح الصلاة) فقوله: (إذا افتتح الصلاة): أي إذا كبر، فحمله بعضهم على المقارنة: أي يرفع يديه إذا كبر للصلاة (^٤).\nوليس ذلك ظاهرًا، فقوله: (يرفع يديه ... إذا افتتح الصلاة) يحتمل: إذا أراد الافتتاح، كقوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ) أي: إذا أردت قراءته.\nويحتمل: إذا فرغ من الافتتاح، كما يفيده الفعل الماضي، ويحتمل المقارنة كما في قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا: أي مع تأمينه.\n• وأجيب:\nبأنه قد رواه يونس والزبيدي، وعقيل وابن جريج، وابن أخي الزهري، والنعمان بن راشد فقالوا: (كان يرفع يديه حتى إذا بلغت يداه حذاء منكبيه كبر) وهو الأصح في حديث ابن عمر، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى جمع الطرق وبيان الاختلاف في ألفاظ هذا الحديث، والجمع بينها في أدلة القول الثاني.\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٥١٧)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢)، والدارقطني في السنن (١١١٥)، بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا حذو منكبيه.\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٩).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٢٤).","vol":"1","page":576},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٥٦) ما رواه النسائي من طريق خالد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت نصر بن عاصم،\nعن مالك بن الحويرث، وكان من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع (^١).\nورواه البخاري ومسلم من طريق أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر، ورفع يديه .... الحديث (^٢).\nهكذا مُجْمَلًا.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٥٧) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر، ويفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد (^٣).\n[منكر، والمعروف من حديث أبي هريرة أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين] (^٤).\n_________\n(^١). سنن النسائي (٨٨٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٧).\n(^٣). المسند (٢/ ١٣٢).\n(^٤). أخرجه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٥٦)، من طريق ابن المبارك، بلفظ: (يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع).\nورواه أحمد (٢/ ١٣٢) حدثنا الحكم بن نافع،\nوابن ماجه (٨٦٠)، وتمام في فوائده (١٦٤١)، عن هشام بن عمار،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣) من طريق سعيد بن منصور،\nوأبو طاهر المخلص في المخلصيات (١٢٤٩) من طريق لوين،\nوالخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٥) من طريق الحسن بن عرفة، خمستهم، عن إسماعيل بن =","vol":"1","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nعياش به، وزادوا (وحين يسجد).\nورواه عثمان بن أبي شيبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن ماجه (٨٦٠) عن عثمان مقرونًا بهشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش به، فذكر فيه: (حين يسجد)، ولعل هذا لفظ هشام بن عمار.\nورواه الدارقطني في السنن (١١٣٦)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (١١٧٥، ٣٠٧٤)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (٥٤٢) عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا عثمان بن أبي شيبة به، ولم يذكر (حين يسجد).\nوهذا الإسناد مداره على إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف إذا روى عن غير أهل بلده، وهذا منها، فإن صالح بن كيسان مدني.\nوجاء في علل الدارقطني (١٠/ ٢٨٨): سئل عن حديث الأعرج، عن أبي هريرة، كان رسول الله ﷺ: يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد.\nفقال: يرويه صالح بن كيسان عنه، حدث به عنه إسماعيل بن عياش، واضطرب فيه؛\nفرواه عنه هشام بن عمار، ومحمد بن المبارك الصوري، وإبراهيم بن مهدي المصيصي، واتفقوا عنه على لفظ واحد فذكروا فيه الرفع عند الافتتاح، وعند الركوع والسجود، وعند القيام للفصل بين الركعتين.\n\nوخالفهم عبد الله بن المبارك، وأبو اليمان، وعبد الله بن عون الخراز، وداود بن عمرو، والحسن بن عرفة، وعمرو بن عثمان، ولوين، فرووه، عن إسماعيل، وقالوا فيه: حين يفتتح وحين يركع وحين يسجد.\nورواه عثمان بن أبي شيبة، والحارث بن سريج الخوارزمي، عن إسماعيل، فقالا فيه: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا رفع رأسه من الركوع واتبعاه عن صالح، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثله، وهو أشبه الأقاويل بالصواب، لأن الحديث محفوظ، عن ابن عمر بهذا اللفظ.\nورواه عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وقال فيه: إنه كان يكبر إذا رفع وإذا وضع، وفي الفصل بين الركعتين، ولم يذكر فيه رفع اليدين.\nورواه ابن إسحاق، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنه كان يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.\nوهذا يوافق قول عثمان بن أبي شيبة، والحارث بن سريج، عن إسماعيل غير أنه لم يرفعه.\nوقد رواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٢٩ - ٣٩٢) من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع ... وذكر بقية الحديث، وليس فيه رفع اليدين، وهو المعروف من حديث أبي هريرة، وقد سبق لي تخريج هذا الحديث من طريق ابن جريج، عن الزهري، والاختلاف عليه، وبيان الراجح في مسألة رفع اليدين فانظره هناك رعاني الله وإياك برحمته.","vol":"1","page":578},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٢٥٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن المسعودي، عن عبد الجبار ابن وائل، حدثني أهل بيتي،\nعن أبي، أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة، ويضع يمينه على يساره في الصلاة (^١).\n[في إسناده من أبهم، ورواه محمد بن جحادة فجوده إلا أنه لم يقل: مع التكبيرة] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٤/ ٣١٦).\n(^٢). رواه وكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)،\nويزيد بن زريع كما في سنن أبي داود (٧٢٥)،\nوأبوحفص عمرو بن علي الفلاس، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢) ح ٧٧، حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي (فيه جهالة)، حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، (لم يدرك المسعودي)، ثلاثتهم، عن المسعودي بلفظ: (أنه رفع يديه مع التكبيرة).\nووكيع ويزيد ممن روى عن المسعودي قبل اختلاطه. ...\nوتابعهم على هذا اللفظ أبو النظر: هاشم بن القاسم، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٠) إلا أنه زاد (ويسجد بين كفيه).\nورواه عمرو بن مرزوق عن المسعودي كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٢) ح ٧٦، بلفظ: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه إذا افتتح الصلاة، ووضع اليمنى على اليسرى، ويحبس كفيه. وابن مرزوق قد روى عن المسعودي قبل اختلاطه، ولم يذكره بلفظ: (يرفع يديه مع التكبيرة)، وهذا اللفظ قريب من لفظ محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nواختلف فيه على المسعودي في إسناده أيضًا:\nفرواه وكيع، ويزيد بن زريع، وعمرو بن مرزوق، وأبو النظر، وعمرو بن علي، كلهم رووه عن المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن وائل بن حجر.\nوخالفهم يزيد بن هارون (ممن روى عن المسعودي بعد اختلاطه) كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٢) ح ٧٥.\n\nوأسد بن موسى، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢) ح ٧٤، حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه) حدثنا أسد بن موسى، كلاهما (يزيد وأسد)، عن المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه. وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. =","vol":"1","page":579},{"text":"وجه الاستدلال:\nظاهر قوله: (مع التكبيرة) مقارنة الرفع للتكبيرة ابتداء وانتهاء.\n• ويجاب:\nبأن عمرو بن مرزوق قد رواه عن المسعودي به، بلفظ: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه إذا افتتح الصلاة، وهو بنحو رواية محمد بن جحادة، عن عبد الجبار، عن علقمة، عن أبيه، وقد بينت ذلك في التخريج.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٢٥٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن بن اليحصبي،\n_________\n=\nولفظ يزيد: أن رسول الله ﷺ كان يسجد بين كَفَّيْه.\nولفظ أسد بن موسى: لما قدم أبي على النبي ﷺ رآه يضع يده اليمنى على اليسرى، ورفع يديه مع كل تكبيرة.\nوالمحفوظ رواية وكيع ويزيد بن زريع ومن تابعهما، في ذكر واسطة بين عبد الجبار وأبيه، إلا أن المسعودي لم يعرف الواسطة بين عبد الجبار وأبيه، وقد رواه محمد بن جحادة، وحفظ الواسطة بينهما، ولم يذكره بلفظ: (يرفع يديه مع التكبيرة)، وهو المحفوظ.\nرواه مسلم (٥٤ - ٤٠١)، من طريق عفان، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، أنهما حدثاه،\nعن أبيه وائل بن حجر، أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه .... وذكر الحديث. وهو لفظ مجمل كما بينت في بعض ألفاظ حديث ابن عمر ﵄.\nورواه عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة،\nفرواه أبو داود (٧٢٣) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، وفيه: (صليت مع رسول الله ﷺ فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف ....). وذكر الحديث.\nورواه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٩) من طريق أبي معمر: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد به، بلفظ: (إذا دخل في الصلاة رفع يديه وكبر والتحف، ثم أدخل يديه في ثوبه، أخذ شماله بيمينه).\nوهذا اللفظ لمطلق الجمع بين الرفع والتكبير، فهل المقارنة مطابقة بحيث يكون التكبير مقارنًا للتكبير ابتداء وانتهاء، أم أن مقارنة التكبير للرفع تكون في آخر الرفع وقبل الفراغ منه كما تفيده رواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، وقد سبق تخريجها؟","vol":"1","page":580},{"text":"عن وائل بن حجر الحضرمي قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير (^١).\n[في إسناده اليحصبي مجهول] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٢). في إسناده: عبد الرحمن اليحصبي، أو: ابن اليحصبي فيه جهالة: روى عنه أبو البختري وعبد الأعلى ابن عامر، وذكره ابن حبان في الثقات، وكان قليل الرواية، ليس له إلا حديثان أو ثلاثة.\nوقد اختلف فيه على عمرو بن مرة،\nفرواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل بن حجر الحضرمي، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فكان يكبر إذا خفض وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير، ويسلم عن يمينه، وعن يساره. قال شعبة، فقال لي أبان بن تغلب: إن في ذا الحديث حتى يبدو وضح وجهه، فذكرت ذلك لعمرو: أفي الحديث: حتى يبدو وضح وجهه؟ فقال عمرو: نحو ذلك.\nرواه بعضهم عن شعبة بتمامه، منهم:\nأبو داود الطيالسي كما في مسنده (١١١٤)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٢) ح ١٠٤، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٤٨١).\nوغندر (محمد بن جعفر) كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٢)، ومسند أحمد (٤/ ٣١٦)،\nوسهل بن حماد كما في مسند الدارمي (١٢٨٧)،\nويحيى بن سعيد، كما في حديث السراج (٢٤٩٥).\nووهب بن جرير، كما في حديث السراج (٨٧٣)، ومسند السراج (١٢٢١).\nوحفص بن عمر الحوضي كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤١) ح ١٠٣.\n\nورواه يزيد بن هارون كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٠) بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ فلما كبر رفع يديه مع التكبير، وإذا ركع وإذا رفع، أو قال: سجد، ورأيته يسلم عن يمينه، وعن شماله. فالشك يظهر أنه من يزيد بن هارون.\nورواه بعضهم مختصرًا:\nفرواه وكيع مختصرًا كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه مع التكبير.\nورواه علي بن الجعد في مسنده (١٢٥) عن شعبة، بلفظ: (صليت مع رسول الله ﷺ فكان يسلم عن يمينه وعن شماله.\nورواه قيس بن الربيع كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٢) ح ١٠٥، بلفظ علي بن الجعد، وزاد: حتى يرى بياض خده. =","vol":"1","page":581},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nرواه الطبراني من طريقين عن قيس بن الربيع، في أحدهما يحيى الحماني، حافظ مجروح.\nعن يمينه وعن يساره.\nوخالف شعبة كُلٌّ من:\nالأول: حصين بن عبد الرحمن، فرواه عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر.\nرواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٢٢) حدثنا مسدد، حدثنا خالد (هو الطحان) حدثنا حصين، عن عمرو بن مرة، قال: دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يرفع يديه قبل الركوع وبعده.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٤) حدثنا أحمد بن داود،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٢) ح ٩، حدثنا معاذ بن المثنى، كلاهما عن مسدد به، وزادا في آخره: فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب وقال: رآه هو ولم يره ابن مسعود ﵁ ولا أصحابه.\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٢) ح ٨، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٥)، من طريق زائدة بن قدامة، عن حصين، ذكر عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ في رفع يديه للصلاة، قال حصين: فقال إبراهيم: ما أدري لعل وائلًا لم ير النبي ﷺ غير ذلك اليوم، فكيف حفظه؟ ولم يحفظه عبد الله وأصحابه وهو أعلم برسول الله ﷺ أمَّا عبد الله فإنما كان يرفع يديه افتتاحًا.\nورواه الدارقطني في السنن (١١٢١) من طريق هشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد، واللفظ لجرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد. فقال إبراهيم: ما أرى أباك رأى رسول الله ﷺ إلا ذلك اليوم الواحد، فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه، ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة.\nومن طريق جرير أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٥).\nورواه محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة (١/ ٩٦)، وفي زياداته على موطأ مالك (١٠٧) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم (أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة) أخبرنا حصين بن عبد الرحمن به.\nوقال البيهقي: «قال أبو بكر بن إسحاق الفقيه: هذه علة لا تسوى سماعها؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي ﷺ، ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة ﵃ لم يروا النبي ﷺ رفع يديه، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء كلهم على نسخه وتركه من التطبيق، ونسي كيفية قيام اثنين خلف =","vol":"1","page":582},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالإمام، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي ﷺ بعرفة .... وإذا جاز على عبد الله أن ينسى مثل هذا في الصلاة خاصة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين؟».\nوقال ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٩٤) بعد الحديث (١٨٧٤): «كان ابن مسعود ﵀ ممن يشبِّك يديه في الركوع، وزعم أنه كذلك رأى النبي ﷺ يفعله، وأجمع المسلمون قاطبةً من لدن المصطفى ﷺ إلى يومنا هذا على أن الفعل كان في أول الإسلام، ثم نسخه الأمر بوضع اليدين للمصلي في ركوعه، فإن جاز لابن مسعود في فضله وورعه وكثرة تعاهده أحكام الدين وتفَقُّده أسباب الصلاة خلف المصطفى ﷺ، وهو في الصف الأول إذ كان من أولي الأحلام والنهى أن يخفى عليه مثل هذا الشيء المستفيض الذي هو منسوخ بإجماع المسلمين، أو رآه فنسيه، جاز أن يكون رفع المصطفى ﷺ يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع مثل التشبيك في الركوع؛ أن يخفى عليه ذلك، أو ينساه بعد أن رآه».\nهذا وجه الاختلاف على عمرو بن مرة في إسناده، بين شعبة، وحصين بن عبد الرحمن ولكل مرجح،\nأما ما يرجح طريق شعبة، فأمران:\nالأول: كونه لم يأتِ به على الجادة المشهورة، ومثل هذا لا يأتي به إلا من حفظ إسناده.\nقال عبد الله بن أحمد في العلل (١٠٥٨): «سألت أبي عن حديث: هشيم، عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ: في الرفع؟ قال: رواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل، عن النبي ﷺ؛ خالف حصين شعبة.\nفقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول: قول شعبة، من أين يقع شعبة على أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟».\nقال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٨٤٣): «يشير إلى أن هذا إسناد غريب؛ لا يحفظه إلا حافظ، بخلاف علقمة بن وائل عن أبيه، فإنه طريق مشهور».\nالثاني: أنه قد رواه غير شعبة، فقد رواه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٢) ح ١٠٦ من طريق محمد بن كثير (هو العبدي)، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، قال: صليت خلف عبد الرحمن اليحصبي، فسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك، قال: قلت له: من أين أخذت هذا؟ قال: صليت خلف وائل بن حجر، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ففعل مثل ذلك حتى رأيت بياض خديه.\nوأخرجه ابن الأعرابي في المعجم (١٥١١) من طريق أبي غسان (مالك بن إسماعيل)، عن إسرائيل به.\nويرجح طريق حصين الحوار الذي دار بين علقمة وإبراهيم عن رواية أبيه، والمقارنة بين صحبة وائل وصحبة عبد الله بن مسعود، فإن نقل مثل هذا الحوار يبعد اختلاقه إلا أن يتعمد، وليس في الإسناد من يتهم بذلك، وقد يكون الطريقان محفوظين، والنظر في حال اليحصبي وهو مجهول، وحديث علقمة بن وائل عن أبيه محفوظ إسناده في صحيح مسلم، ويبقى النظر في متنه، فإن حديث وائل فيه زيادات كثيرة لا تثبت، من ذلك الرفع عند السجود، والله أعلم.","vol":"1","page":583},{"text":"الدليل السادس:\nأن الرفع شرع لإعلام الأصم الشروع في الصلاة، ولا يحصل هذا المقصود إلا بالقران (^١).\n• دليل من قال: يرفع يديه ثم يكبر قبل فراغ اليدين من الرفع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٦٠) ما رواه مسلم من ابن جريج، حدثني ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nأن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود (^٢).\n[رواه يونس والزبيدي، وعقيل وابن جريج، وابن أخي الزهري، والنعمان بن راشد فقالوا: (كان يرفع يديه حتى إذا حاذيا منكبيه كبر) وهو الأصح في حديث ابن عمر] (^٣).\n_________\n(^١). انظر بدائع الصنائع (١/ ١٩٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢ - ٣٩٠).\n(^٣). الحديث مداره على الزهري، عن سالم، عن ابن عمر،\nرواه جماعة من علية أصحابة، فبينوا أن الرفع قبل التكبير، منهم:\nالأول: يونس بن يزيد، عن الزهري به.\nرواه ابن وهب، عن يونس، كما في سنن الدارقطني (١١١٢) وذكر التكبير بعد الرفع.\nورواه عبد الله بن المبارك، عن يونس، واختلف على ابن المبارك:\nفرواه سلمة بن سليمان كما في صحيح مسلم (٢٣ - ٣٩٠)،\nوسويد بن نصر، كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٧٧، ١٠٥٩)، وفي الكبرى له (٩٥٣).\nوعلي بن إبراهيم البناني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠١)، والأباطيل والمناكير للجوزجاني (٢/ ٢٠)،\nوعبدان الأزرق كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠١)،\nوالحسن بن شقيق كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠١) كلهم رووه عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى =","vol":"1","page":584},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nتكونا حذو منكبيه، ثم كبر .... الحديث، وقدم الرفع على التكبير.\n\nوخالفهم محمد بن مقاتل، كما في صحيح البخاري (٧٣٦)، فرواه عن ابن المبارك به مجملًا، بلفظ: إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع .... والمجمل يحمل على المفصل.\nوخالف كل هؤلاء محمد بن عبيد الكوفي المحاربي (صدوق)، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٨٨)، والسنن الكبرى له (٦٧٩) فرواه عن عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، فجعل الحديث من رواية ابن المبارك عن معمر بدلًا من يونس بن يزيد، بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود).\nورواية الجماعة عن يونس أولى أن تكون هي المحفوظة.\nالثاني: عقيل، عن الزهري.\nرواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق حجين بن المثنى.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٥٨) من طريق يحيى ابن بكير،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٨)، والدارقطني في السنن (١١١٣) من طريق حجاج بن محمد، ثلاثتهم، عن الليث بن سعد،\nورواه الدارقطني في السنن (١١١٣) من طريق محمد بن عزيز (ضعيف، وتكلم في سماعه من عمه سلامة) عن سلامة بن روح، كلاهما (الليث، وسلامة) عن عقيل بن خالد، عن الزهري به، وذكر أنه يرفع، ثم يكبر.\nفلم يختلف على عقيل أن كان يرفع، ثم يكبر.\nالثالث: ابن جريج، عن الزهري.\nرواه مسلم (٢٢ - ٣٩٠)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٥١٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٤٥٦)، والسراج في حديثه (١٩٢٥)، وفي مسنده (٨٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٧)، والدارقطني في سننه (١١١٠)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١، ١٠٢)، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر .... الحديث.\nالرابع: الزبيدي (محمد بن الوليد) عن الزهري،\nرواه أبو داود (٧٢٢)، والطبراني في مسند الشاميين (١٧٧٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥٦١)، عن محمد بن المصفى الحمصي (صدوق).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤١١) من طريق يزيد بن عبد ربه الحمصي (ثقة أوثق من روى عن بقية). =","vol":"1","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٧٧٧) حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق (فيه جهالة، لم يؤثر كلام فيه للمتقدمين، وقال الذهبي: شيخ للطبراني غير معتمد)، حدثنا يحيى بن عثمان،\nوالسراج في حديثه (٢٢٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١١) من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج (ضعيف)، أربعتهم (محمد بن المصفى، ويزيد بن عبد ربه، ويحيى بن عثمان، وأبي عتبة) رووه عن بقية، عن الزبيدي به.\nوالزبيدي قال الأوزاعي: ما أحد من أصحاب الزهري أثبت من الزبيدي.\nوقال الزهري: قد احتوى هذا الزبيدي على ما بين جنبيَّ من العلم.\nوقال النسائي: حمصي ثقة.\nوقد تفرد به بقية عن الزبيدي، وكلاهما حمصي، وقد قال ابن عدي: إذا روى بقية عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط.\nوقال الخليلي في ترجمة الزبيدي كما في إكمال تهذيب الكمال (١٠/ ٣٨٢): «قد روى عنه الكبار، وهو حجة إذا كان من روى عنه ثقة، فإذا كان غير قوي مثل بقية وأقرانه فلا يتفق عليه».\nوقد أخرج مسلم في صحيحه (١٤٢٩) حديثًا من طريق بقية، حدثنا الزبيدي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: من دُعِيَ إلى عرس أو نحوه فليجب.\nقال الذهبي في الميزان (١/ ٣٣٦): وليس لبقية في الصحيح سواه، أخرجه شاهدًا. اهـ وانظر: ذكر الإمام أبي عبد الله بن منده (ص: ٧٢)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٤٦٨).\nوقد صحح البخاري حديثًا رواه بقية، عن الزبيدي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ.\nقال الترمذي في العلل ترتيب أبي طالب (٥٥) عن البخاري أنه قال: وحديث عبد الله بن عمرو في مس الذكر هو عندي صحيح.\nفخلاصة القول في حديث بقية أن حديثه مقبول:\nإذا روى عن ثقة، لأنه قد عيب عليه كثرة روايته عن المجاهيل، وكانت روايته عن أهل بلده، وأُمِن تدليسه، وهذه الشروط جميعها متوفرة هنا، فالحديث ثابت عن الزهري من غير رواية الزبيدي، رواه عنه كبار أصحابه، لذا يعتبر هذا الحديث من جيد حديث بقية، والله أعلم\nوالمعتمد من هذه الطرق: ما رواه ابن المصفى من رواية أبي دواد، ويزيد بن عبد ربه عند البيهقي، فهما طريقان صحيحان إلى بقية، والزبيدي من أثبت أصحاب الزهري، قد لزمه عشر سنين، وكان الزهري معجبًا به، والله أعلم.\nالخامس: ابن أخي الزهري، عن عمه.\nرواه أحمد (٢/ ١٣٣، ١٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٨)، والسراج في مسنده (٩٠)، وفي حديثه (١٥٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١٤، ١١١٧)، بلفظ: (كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى إذا كانتا حذو منكبيه كبر ....). =","vol":"1","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nهؤلاء الخمسة رووه عن الزهري، واتفقوا على تأخير التكبير عن رفع اليدين، ومنهم من يعتبر من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري.\nاللفظ الثاني عن الزهري: (أنه رفع يديه حين يكبر)، وظاهره مقارنة الرفع للتكبير ابتداء وانتهاء، رواه عنه:\nالأول: شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري.\nرواه البخاري في الصحيح (٧٣٨) وفي رفع اليدين كما في قرة العينين (٤٠)، والطبراني في مسند الشاميين (٣١٥٠)، والدارقطني في السنن (١١١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٠)، وابن بشران في فوائده ج الأول والثاني (٦٦٦) عن أبي اليمان،\nوأخرجه النسائي في المجتبى (٨٧٦)، والطبراني في مسند الشاميين (٣١٥٠)، والدارقطني في السنن (١١١٦)، من طريق علي بن عياش.\nوأخرجه النسائي في السنن (٨٧٦) من طريق عثمان بن سعيد،\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (٣١٥٠)، وابن المقرئ في معجمه (٤١٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة، أربعتهم رووه عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به.\nالثاني: معمر، عن الزهري.\nرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٥١٧)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢)، والدارقطني في السنن (١١١٥)، بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يكبر حتى يكونا حذو منكبيه).\nرواه أحمد (٢/ ٤٧)، وأبو يعلى (٥٥٦٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم،\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٨)، وفي الكبرى (٦٧٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك،\nورواه الروياني في مسنده (١٤٠٢) من طريق عبد الأعلى، ثلاثتهم عن معمر، عن الزهري به، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا دخل إلى الصلاة، وإذا ركع .... الحديث، فقوله: (إذا دخل إلى الصلاة) هو بمعنى رواية مالك وسفيان: (إذا افتتح الصلاة) فهو كناية عن التكبير.\nالثالث: الوليد بن محمد الموقري (متروك)، عن الزهري.\nأخرجه ابن المقرئ في معجمه (٩٥)، حدثنا أبو المغيث محمد بن عبد الله بن العباس الحَمَايي بحماة حمص مدينة من مدن حمص (قال فيه أبو أحمد الحاكم: فيه نظر)، حدثنا المسيب بن واضح (ضعفه الدارقطني، وكان النسائي حسن الرأي فيه، ويقول: الناس يؤذوننا فيه) حدثنا الوليد بن محمد الموقري (متروك) عن الزهري به، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر، حتى يحاذي بها حذو منكبيه، ثم إذا كبر رفع مثل ذلك.\nاللفظ الثالث: رواه جماعة عن الزهري، وروايتهم مجملة، لم تبين محل التكبير من الرفع، من هؤلاء:\nالأول: مالك، عن الزهري. =","vol":"1","page":587},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٧٥)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٥)، وفي رفع اليدين، كما في قرة العينين (١١)، وأحمد (٢/ ١٨، ٦٢)، والشافعي في المسند (ص: ٢١٢)، والدارمي (١٣٤٧)، والنسائي في المجتبى (٨٧٨، ١٠٥٧، ١٠٥٩)، وفي الكبرى (٦٤٨، ٦٥٠، ٩٥٤)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٨)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٥، ٢٢٣)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٠، ١٣٤)، بلفظ: (أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع .....). الحديث.\nالثاني: سفيان بن عيينة، عن الزهري، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وقبل أن يركع .... الحديث. وهو متفق مع لفظ مالك.\nرواه مسلم (٢١ - ٣٩٠)، وأحمد (٢/ ٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٠٩)، والحميدي (٦٢٦)، وأبو يعلى في مسنده (٥٤٨١، ٥٤٢٠)، وأبو داود (٧٢١)، والترمذي (٢٥٥)، والنسائي في المجتبى (١٠٢٥، ١١٤٤)، وفي الكبرى (٧٣٤، ١٠٩٩)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٧)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٥، ٢٢٢)، والبزار (٦٠٠٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٨٣)، وابن حبان (١٨٦٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٧)، والروياني في مسنده (١٤٠٢)، والطوسي في مستخرجه (٢٣٦)، وابن الأعرابي في معجمه (١٩٢٩)، والطبراني في المعجم الصغير (١١٦٨)، وتمام في فوائده (١١٣)، وغيرهم.\nالثالث: عبيد الله بن عمر، عن الزهري.\nرواه النسائي في المجتبى (١١٨٢)، وعنه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٠)،\nورواه ابن خزيمة في صحيحه (٦٩٣)، وعنه ابن حبان (١٨٧٧)، كلاهما (النسائي وابن خزيمة) روياه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان،\nورواه البزار في مسنده (٦٠٠٣)، والروياني في مسنده (١٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك ثلاثتهم (المعتمر، وابن المبارك، وعبد الوهاب) رووه عن عبيد الله بن عمر به، بلفظ: كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع .... الحديث. فقوله: إذا دخل في الصلاة بمعنى إذا افتتح الصلاة، وهما بمعنى: إذا كبر، وهو من الألفاظ المجملة كما ذكرت، فلم تبين وقت التكبير من الرفع.\nالرابع: إبراهيم بن سعد، عن الزهري، أخرجه الروياني في مسنده (١٤٠٢)، مقرونًا بغيره، وذكر أن اللفظ لغيره.\nالخامس: أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس (صدوق يهم)، عن الزهري، كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٨٠١)، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح التكبير في الصلاة =","vol":"1","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه .... الحديث.\nالسادس: أبو حمزة يونس بن خباب (صدوق يخطئ ورمي بالرفض)، عن الزهري.\nأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٢) إذا افتتح التكبير للصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه .... الحديث.\nالسابع: إبراهيم بن أبي عبلة، عن الزهري، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حتى جعلهما حذو منكبيه، ثم إذا كبر للركوع فعل مثل ذلك ... الحديث.\nرواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧٩) ح ١٣١١١، وفي مسند الشاميين (٦٩).\nهذا ما وقفت عليه من طريق إلى الزهري، وما فاتني من طرقه لن يخرج عن هذه الثلاثة، وقد تبين لي من خلال البحث أن حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قد روي عنه بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: بينوا أن التكبير يقارن الرفع، إلا أنها مقارنة مقيدة، وليست مطلقة، فيرفع أولًا حتى إذا بلغ رفع اليدين حذاء المنكبين كبر، فيقترن التكبير مع الرفع في آخر الرفع، وقبل الفراغ منه، وتتابع على هذا اللفظ جماعة من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، يونس، وعقيل، والزبيدي، وهؤلاء من أَجَلِّ من روى عن الزهري، وابن أخي الزهري وابن جريج. وتتابعهم على هذا الوصف الدقيق وسلوك الطريق الأصعب وغير المتبادر إلى النقل يدل على الضبط والاهتمام في دقة النقل.\nاللفظ الثاني: أنه رفع يديه حين يكبر.\nرواه شعيب، ومعمر من رواية عبد الرزاق عنه، ورواه ابن علية، وابن المبارك وعبد الأعلى عن معمر بلفظ مجمل.\nوهذه الرواية إن حملناها على مخالفة اللفظ الأول كان علينا الترجيح بينها وبين اللفظ الأول، وسيكون الترجح لصالح اللفظ الأول؛ لأن إطلاق المقارنة هو سلوك السبيل الأسهل في وصف الرفع والتكبير، فلا يقدم على من بلغ الدقة في الوصف حتى نقل اقتران التكبير مع الرفع حين تبلغ اليدان حذاء المنكبين، وهم أكثر عددًا.\nوإن حملناها على الاتفاق، فيقال: (رفع يديه حين يكبر) فـ (حين) ظرف فإذا اجتمع الرفع مع التكبير، ولو في آخر الرفع صدق عليه أنه كبر حين رفع يديه، ونكون بهذا جمعنا بين الروايتين.\nاللفظ الثالث: هو اللفظ المجمل، (كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة)، وإنما كان مجملًا؛ لأنه يحتمل: (إذا افتتح): إذا أراد الافتتاح، كقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) أي: إذا أردت قراءته.\nويحتمل: إذا افتتح: إذا فرغ من الافتتاح، كما يفيده الفعل الماضي.\nويحتمل المقارنة كما في قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا: أي معه.\nوالمجمل يحمل على المبين من الألفاظ، وبهذا تتفق الألفاظ الثلاثة وتتسق، وهو أولى من سلوك الترجيح، وطرح باقي الألفاظ، والله أعلم.\nوانظر علل الدارقطني (٦/ ٣٢٥).","vol":"1","page":589},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٦١) ما رواه أبو داود من طريق عبد الحميد -يعني ابن جعفر- أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا .... الحديث (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٠).\n(^٢). الحديث مداره على محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ويرويه اثنان عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nالأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوروايته في صحيح البخاري بلفظ: (رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... الحديث).\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوعبد الحميد صدوق ربما وهم، وتكلم فيه الطحاوي بلا حجة، وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي.\nواختلف النقل عن يحيى بن سعيد القطان، فمرة نقل أنه كان يوثقه، ونقل أنه كان يضعفه، ولم يتفرد به، وقد اختلف على عبد الحميد في لفظه في مسألتين:\nالأولى: في ذكر تكبيرة الإحرام، تارة يذكرها بصيغة الفعل (ثم يكبر) وتارة يذكرها بالجملة الاسمية (الله أكبر) وهذه سبق بحثها، فارجع إليها إن شئت.\nالمسألة الثانية: في محل التكبير من الرفع.\nفرواه أبو أسامة، حماد بن أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، بلفظ: كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر.\nرواه ابن ماجه (٨٠٣)، وابن حبان (١٨٧٠) والبيهقي (٢/ ١٦٧) هذه رواية ابن ماجه مختصرة، وساق ابن حبان الحديث بتمامه، واختصره البيهقي. =","vol":"1","page":590},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nكما رواه هشيم بن بشير عن عبد الحميد، بلفظ: (... رأيته إذا كبر عند فاتحة الصلاة رفع يديه ....). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٨)\nوالبزار في مسنده (٣٧١٠) حدثنا الحسن بن عرفة،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٨) من طريق يحيى بن يحيى، ثلاثتهم، عن هشيم ابن بشير به.\nورواه يحيى بن سعيد القطان، والضحاك بن مخلد، وعبد الملك بن الصباح المسمعي، رووه عن عبد الحميد بن جعفر، بلفظ: أنه يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، ثم يكبر، فيقترن التكبير في آخر الرفع بما يوافق رواية الزهري، عن سالم عن ابن عمر، ولعل هذا هو المحفوظ، وإليك تخريج روايتهم مفصلة.\nالأول: يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن حبان في صحيحه (١٨٦٥) من طريق عمرو بن علي الفلاس،\nورواه ابن ماجه (٨٦٢)، عن محمد بن بشار، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر به، ولفظ ابن حبان: (..... كان رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا قام إلى الصلاة، استقبل القبلة، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... الحديث.\nولفظ ابن ماجه (٨٦٢): (.... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... الحديث).\nورواه الترمذي (٣٠٤) حدثنا محمد بن بشار مقرونًا برواية محمد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد القطان به، وفيه: (.... كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... وذكر الحديث) فذكر لفظ التكبير للركوع متأخرًا عن الرفع، ولم يذكر التكبير للإحرام.\nورواه ابن خزيمة (٥٨٧، ٦٥١، ٦٨٥) أخبرنا محمد بن بشار مختصرًا.\nورواه أحمد (٥/ ٤٢٤) حدثنا يحيى بن سعيد به،، ولم يذكر التكبير، ولفظه مطابق لرواية الترمذي عن محمد بن بشار، فهؤلاء ثلاثة، أحمد ومحمد بن بشار من رواية الترمذي عنه، ومحمد بن المثنى رووه عن يحيى بن سعيد، ولم يذكروا فيه تكبيرة الإحرام، ولا يشك باحث أن تكبيرة الإحرام محفوظة في الحديث، إلا أن بعضهم رواها بلفظ الفعل (كبَّر) وبعضهم ذكرها بلفظ: (الله أكبر).\nورواه البزار في مسنده (٣٧١١) حدثنا يحيى بن حكيم (ثقة)، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان به، وفيه: (.... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ثم كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه ثم، قال: الله أكبر ... الحديث).\nورواه أبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) عن مسدد عن يحيى بن سعيد، وعن أبي عاصم الضحاك، كلاهما عن عبد الحميد، وقدم أبو داود لفظ أبي عاصم. وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى. =","vol":"1","page":591},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد القطان مقطعًا بما لا يوقف على موضع الشاهد منه، فرواه في المجتبى (١١٠١، ١٠٣٩، ١١٨١)، وفي الكبرى (٦٣١، ٦٩٢، ١١٠٥، ١١٨٦)،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٨) من طريق القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد ... ولم يذكر لفظه.\nورواه الطوسي في مستخرجه (٢٨٦) من طريق علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد به، وفيه: (... كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال: الله أكبر، وركع) فلم يذكر تكبيرة الإحرام.\nرواه أبو داود في السنن مقرونًا (٧٣٠) وابن المنذر في الأوسط مفرقًا (٣/ ١٥٤، ١٥٥، ١٧١، ١٩٨) من طريق مسدد، عن يحيى بن سعيد به.\nالطريق الثاني: أبو عاصم: الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه أبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) حدثنا أحمد بن حنبل،\nوالدارمي (١٣٩٦)،\nوابن ماجه (١٠٦١)، والترمذي (٣٠٥) وابن خزيمة (٥٨٨، ٦٢٥)، وابن حبان (١٨٦٧)، عن محمد بن بشار،\nوابن الجارود في المنتقى (١٩٢)، وابن خزيمة (٥٨٨) وابن حبان (١٨٧٦) عن محمد بن يحيى،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣) حدثنا أبو بكرة (بكار بن قتيبة)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧) من طريق أبي الحسن محمد بن سنان القزاز البصري ببغداد، ستتهم (أحمد، والدارمي، وابن بشار، ومحمد بن يحيى وبكار، وابن سنان) رووه عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر به،\nلفظ أحمد والدارمي وبكار وابن سنان (.... إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر ...)\nولفظ ابن بشار في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان (... إذا قام إلى الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ... الحديث)، واختصره الترمذي وابن خزيمة، وتقديم التكبير على رفع اليدين شاذ.\nولفظ محمد بن يحيى عند ابن الجارود في المنتقى (.... إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم كبر ...)، وهذه موافقة لرواية أحمد والدارمي وبكار وابن سنان.\nولفظ محمد بن يحيى عند ابن حبان: (... كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ...)، واختصره ابن خزيمة، وهذا اللفظ مجمل، ويحمل على المبين.\nورواه الترمذي (٣٠٥) حدثنا الحسن بن علي الحلواني، وغير واحد، عن أبي عاصم به، وذكره مختصرًا.\nالطريق الثالث: عبد الملك بن الصباح المسمعي.\nرواه ابن خزيمة (٦٧٧) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر المدني به، وفيه: (.... إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، ثم كبر ....)، فذكر التكبير بصيغة الفعل كرواية أبي عاصم الضحاك بن مخلد. والله أعلم.","vol":"1","page":592},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٢٦٢) ما رواه أبو داود من طريق الحسن بن عبيد الله النخعي، عن عبدالجبار بن وائل،\nعن أبيه، أنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر (^١).\n[عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وإنما سمعه من أخيه علقمة] (^٢).\n• دليل من قال: يكبر ثم يرفع يديه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٦٣) ما رواه مسلم، قال حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٢٤).\n(^٢). ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٨).\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩) ح ٦٣، من طريقين عن الحسن بن عبيد الله به، بلفظ: (كان إذا كبر في الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه).\nوفي الحديث علتان: إحداهما: قوله: (رفع يديه حيال منكبيه) فهذا شاذ، أو منكر؛ لأن المحفوظ من حديث وائل بن حجر أنه رفع يديه حذاء أذنيه، كما هي رواية الطبراني، وكما هي رواية علقمة بن وائل، عن أبيه، وسبق تخريجه.\nالعلة الثانية: الانقطاع؛ لأن عبد الجبار لم يسمع من أبيه، إلا أن هذه العلة غير مؤثرة؛ لأنه قد رواه محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أخيه علقمة، عن أبيه، وهو في صحيح مسلم، وسبق تخريجه، فعرفت الواسطة.\nورواية الحسن بن عبيد الله هذه تفسر رواية المسعودي عن عبد الجبار بن وائل، عن أهل بيته، عن أبيه، أنه كان يرفع يديه مع التكبيرة، وأن المقارنة ليست مطلقة، وإنما يقارن التكبير الرفع عندما يبلغ الرفع منتهاه وقبل الفراغ من الرفع، كرواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر من رواية جماعة من كبار أصحابه عنه، وسبق تخريجه، وكلما كانت الروايات متفقة فهذا أولى من إثبات الاختلاف بينها، والله أعلم.","vol":"1","page":593},{"text":"عبد الله، عن خالد،\nعن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث، إذا صلى كبر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه»، وحدث «أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا (^١).\n[رواه البخاري فقال: (كبر ورفع يديه) وهو المحفوظ] (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٦٤) ما رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، أخبرنا أبي، عن قتادة، عن نصر بن عاصم اللَّيْثي،\nعن مالك بن الحويرث ﵁ أن نبي الله ﷺ كان إذا دخل في الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى يجعلهما حيَال أذنيه، وربما قال: حذاء أذنيه ... الحديث.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤ - ٣٩١).\n(^٢). الحديث رواه خالد بن عبد الله الطحان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث:\nواختلف على خالد الطحان فيه:\nفرواه مسلم (٢٤ - ٣٩١)،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١) من طريق محمد بن نصر، وإبراهيم بن علي، ثلاثتهم عن يحيى بن يحيى، أخبرنا خالد بن عبد الله به، بلفظ: (أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه .... الحديث. فخرج الإمام مسلم من عهدته.\nورواه البخاري في صحيحه (٧٣٧)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٨٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٣) عن إسحاق الواسطي.\nوابن حبان (١٨٧٣) من طريق وهب بن بقية، كلاهما عن خالد بن عبد الله، عن خالد (أي الحذاء) به بلفظ: (إذا صلى كبر، ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه ....).\nويحيى بن يحيى وإن كان أرجح من حيث الحفظ من إسحاق بن شاهين ووهب بن بقية، ولكن ما يرجح رواية إسحاق وبقية أنهما من أهل بلد خالد بن عبد الله الطحان، وأهل بلده أدرى بالحديث من الغريب، والله أعلم.\nوذكر البيهقي سببًا آخر للترجيح، وهي موافقة رواية الأكثر، فقال في السنن الكبرى (٢/ ٤١): «رواه مسلم في الصحيح، عن يحيى بن يحيى، ورواه البخاري، عن إسحاق بن شاهين الواسطي، عن خالد بن عبد الله وقال: إذا صلى كبر ورفع يديه ورواية من دلت روايته على الرفع مع التكبير أثبت وأكثر، فهي أولى بالاتباع، وبالله التوفيق».","vol":"1","page":594},{"text":"[انفرد بقوله: (كبر ثم رفع يديه) معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي] (^١).\n_________\n(^١). حديث قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، رواه جماعة كثيرة عن قتادة، وبالرغم من أني سبق لي تخريج هذا الحديث، إلا أن التخريج السابق كانت عناية البحث متوجهة إلى مقدار منتهى رفع اليدين مما يستدعي إعادة البحث في هذه الجزئية، وهذا هو الفرق بين تخريج الحديث في معزل عن الاحتجاج الفقهي، وبين تخريجه في سياق الاحتجاج به في حكم مسألة فقهية، فلو فتحت النقاش في جميع أحكام الفقه ربما تعرضت لمسائل شتى لم يأتِ أوان بحثها، فأسأل الله ﷾ العون والتوفيق، وللقارئ الكريم الصبر والعذر.\nفقد رواه عن قتادة جماعة من أصحابه،\nالأول: هشام الدستوائي، عن قتادة به.\nرواه معاذ بن هشام، عن أبيه، واختلف فيه على معاذ:\nفرواه أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، كما في حديث السراج (٢٤٩٤، ٢٥٦٨)،\nوالحميدي كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٧)، كلاهما عن معاذ بن هشام، عن أبيه به، بلفظ: (كان إذا دخل في الصلاة كبر، ثم رفع يديه ....) زاد أبو قدامة: (... وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك. قال قتادة [لعل الصواب: قال أبو قدامة]: ولم أسمع أحدًا تابعه على السجود).\nورواه محمد بن المثنى كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٤٣، ١٠٨٧)، وشرح مشكل الآثار (٥٨٣٩) قال: حدثنا معاذ بن هشام به، بلفظ: (كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل).\n\nوهذا اللفظ موافق للفظ الجماعة، لأن قوله: (كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه) بمعنى من قال: كان إذا كبر رفع يديه، لأنه لا دخول في الصلاة من دون التكبير، وهو لفظ مجمل فيما يتعلق بموضع الرفع من التكبير، وفيه زيادة (رفع اليدين بالرفع من السجود).\nخالف معاذ بن هشام كل من:\nيزيد بن زريع، كما في سنن ابن ماجه (٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٤٦).\nوإسحاق بن إبراهيم كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، ومسند السراج (٩٤).\nوعبد الصمد، وأبو عامر (يعني العقدي)، كما في مسند أحمد (٥/ ٥٣)، أربعتهم رووه عن هشام الدستوائي، به، بلفظ: (كان إذا كبر رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه)،\nولفظ إسحاق (رأيت رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة رفع يديه)، وقوله: (استفتح الصلاة) بمعنى (كبر) واتفاقهم على لفظ واحد، وانفراد معاذ بن هشام عنهم في قوله: (ثم كبر) دليل على شذوذ هذا الحرف، كما لم يذكروا في حديثهم (رفع اليدين إذا رفع من السجود).\nولا شك أن يزيد بن زريع وإسحاق بن إبراهيم وأبا عامر العقدي وعبد الصمد بن عبد الوارث =","vol":"1","page":595},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالواحد منهم مقدم على معاذ بن هشام، فكيف إذا اجتمعوا على مخالفته.\nويتأكد شذوذ ما رواه معاذ بن هشام عن أبيه إذا علمنا أنه قد رواه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة، وغيرهم عن قتادة به، ولم يذكروا ما ذكره معاذ بن هشام عن أبيه من قوله: (ثم يكبر)، وإليك تفصيل مروياتهم.\nالأول: شعبة، عن قتادة،\nرواه أحمد (٥/ ٥٣) حدثنا يحيى بن سعيد (يعني: القطان)،\nوآدم بن إياس، كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٩٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥.\nوأبو الوليد الطيالسي، كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٧)، وسنن الدارمي (١٢٨٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٨)،\nوسليمان بن حرب كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٧)، وصحيح ابن حبان (١٨٦٠)، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥،\nوحفص بن عمر الحوضي كما في سنن أبي داود (٧٤٥)، والمعجم الكبير للطبراني مقرونًا بغيره (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥،\nوعاصم بن علي كما في المعجم الكبير للطبراني مقرونًا بغيره (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥،\nستتهم رووه عن شعبة، عن قتادة به، بلفظ: (كان إذا كبر رفع يديه ...)، وهي موافقة لرواية الجماعة عن هشام الدستوائي.\nولفظ يحيى بن سعيد القطان: (يرفع يديه إذا دخل في الصلاة) فقوله: إذا دخل في الصلاة: أي إذا كبر، فلا دخول للصلاة إلا بالتكبير، فهي رواية بالمعنى.\nورواه أبو داود الطيالسي (١٣٤٩)، ومن طريقه أبونعيم في معرفة الصحابة (٦٠٠٢) وابن مهدي كما في سنن الدارقطني (١١٢٣)،\nوالنضر بن شميل، كما في مسند السراج (٩٣)، ثلاثتهم (الطيالسي، وابن مهدي، وابن شميل) رووه عن شعبة، به بلفظ: (كان النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع) فقوله: (إذا افتتح الصلاة) أي: إذا كبر؛ لأنه كما أسلفت: لا افتتاح للصلاة من دون، التكبير فرجعت رواية أبي داود الطيالسي، وابن مهدي والنضر، إلى رواية الجماعة يحيى بن سعيد القطان، وآدم بن إياس وأبي الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر، وعاصم بن علي.\nولهذا كانت رواية أبي الوليد الطيالسي تارة يرويه بلفظ: (كان إذا كبر رفع يديه) كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٧).\nوتارة يرويه بلفظ: (كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه)، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٨) وهما بمعنى واحد. =","vol":"1","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nورواه النسائي في المجتبى (٨٨٠) وفي الكبرى (٩٥٦) من طريق خالد بن الحارث، عن شعبة به، بلفظ: (كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه)، ولم يقل ذلك أحد في روايته عن شعبة (حين يكبر) إلا خالد بن الحارث، وهي محمولة على رواية الجماعة.\nالثاني: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nرواها أحمد (٣/ ٤٣٦)،\nومسلم (٢٦ - ٣٩١) والنسائي في المجتبى (١٠٨٥، ١٠٨٦)، وفي الكبرى (٦٧٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٧، ٥٨٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤) عن محمد بن المثنى، كلاهما (الإمام أحمد، ومحمد بن المثنى) عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن شعبة، بلفظ: (رفع يديه في صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه). هذا لفظ النسائي، والبقية بنحوه.\nفقوله: (رفع يديه في صلاته) يقصد: إذا كبر للصلاة.\nورواه أحمد (٣/ ٤٣٧) حدثنا محمد بن جعفر، عن سعيد بن أبي عروبة به، بلفظ: (رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه). ولم يذكر رفع اليدين للتحريمة.\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٦) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد به، بلفظ: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه فذكر مثله، أي مثل رواية ابن أبي عدي، ولفظ ابن أبي عدي عند النسائي سبق ذكرها.\nورواه أحمد (٥/ ٥٣) حدثنا إسماعيل (يعني ابن علية) عن سعيد، بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى حاذتا فروع أذنيه)، ولم يذكر الرفع للسجود، وقوله: (إذا دخل في الصلاة) أي: إذا كبر.\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٢٤)، وفي الكبرى (١٠٩٨) أخبرنا علي بن حجر، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن سعيد به، بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه). وهذا موافق لرواية شعبة من رواية أكثر الرواة عنه، كما أن هذا اللفظ موافق لرواية هشام من غير رواية ابنه عنه.\nورواه النسائي في المجتبى (٨٨١)، وفي الكبرى (٩٥٧) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، به، بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في الصلاة رفع يديه).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف مختصرًا (٢٤١٢) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، حدثنا عبد الله بن نمير، عن ابن أبي عروبة به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ رفع يديه حتى يجاوز بهما فروع أذنيه). فلم يذكر التكبير.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٤) حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا\n=","vol":"1","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nعبد الله بن نمير به، بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع يرفع يديه حتى يحاذي بهما فوق أذنيه)، ولم يذكر التكبير للتحريمة، وقد اختصره.\nوبهذا اللفظ رواه يزيد بن زريع، كما في رفع اليدين للبخاري (٦٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٥٦)، وفي الكبرى له (٦٤٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣٩)\nوخالد بن الحارث كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٤)، إلا أنهما قالا: (فروع أذنيه) بدلًا من قوله: (فوق أذنيه).\nوابن زريع من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، وقد سمع منه قبل الاختلاط، وخالد بن الحارث وابن علية ممن سمع من سعيد أيضًا قبل اختلاطه، والله أعلم.\nالثالث: أبو عوانة، عن قتادة.\nرواه مسلم في صحيحه (٢٥ - ٣٩١) حدثني أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة به، بلفظ: (أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) وبهذا اللفظ قد رواه أكثر من روى الحديث عن قتادة، ولعل هذا هو المحفوظ من ألفاظه.\nومن طريق أبي عوانة رواه الدارقطني في السنن (١١٢٣).\nالرابع: همام، عن قتادة،\nرواه همام عن قتادة به، بلفظ: (أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حيال فروع أذنيه في الركوع والسجود).\nأخرجه أحمد (٥/ ٥٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩٠).\nالخامس: سعيد بن بشير، عن قتادة.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٨، وفي مسند الشاميين (٢٦٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٤٨)، من طريق عبد الحميد بن بكار السلمي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة به، بلفظ: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع).\nفأنت ترى أن شعبة، وابن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة، وسعيد بن بشير، كلهم رووه عن قتادة، ولم يقل منهم أحد (كبر ثم رفع يديه) إلا معاذ بن هشام عن أبيه هشام الدستوائي، وقد رواه عن هشام أربعة حفاظ كُلُّهم أو جُلُّهم مقدمون على معاذ بن هشام بالحفظ، فرواه يزيد بن زريع، وإسحاق بن إبراهيم وعبد الصمد، وأبو عامر (يعني العقدي)، أربعتهم رووه عن هشام الدستوائي، به، بلفظ: (كان إذا كبر رفع يديه حتى يجعلهما قريبًا من أذنيه)، فلا يشك باحث أن رواية معاذ بن هشام عن أبيه ليست محفوظة.\nكما أن القول برفع اليدين للسجود ليس محفوظًا من حديث قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، ولي وقفة في تخريجها إن شاء الله تعالى حين يأتي موضع بحثها من المسائل الفقهية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.","vol":"1","page":598},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (كبر ثم رفع يديه): دليل على تقدم التكبير على الرفع.\n• ويناقش:\nبأن المحفوظ في الحديث كما تبين من سياق التخريج: (كان إذا كبر رفع يديه ...) فقوله: إذا كبر ليس من النص الصريح، فيحتمل: (إذا كبر) إذا فرغ من التكبير، ويحتمل (إذا كبر) إذا أراد أن يكبر، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي إذا أردت قراءته، وكما في حديث أنس في الصحيحين: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث): أي إذا أراد أن يدخل.\n• دليل من قال: انتهاء الرفع يكون مع انتهاء التكبير:\nأن الرفع هيئة للتكبير، فينبغي أن يكون ابتداؤها مع ابتدائه، وانتهاؤها مع انتهائه (^١).\nولأن هذا هو مقتضى المعية الواردة في حديث وائل.\n• دليل من قال: انتهاء الرفع بعد التكبير:\n(ح-١٢٦٥) استدلوا بما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن سالم،\nعن عبد الله بن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبر وهما كذلك .... الحديث (^٢).\n[سبق تخريجه في أدلة القول الثاني].\n• دليل من قال: بالتخيير:\nهذا القول مبني على أساس أن هاتين الصفتين كلتاهما ثابتة عنده بالسنة، فكان\n_________\n(^١). الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٤٤).\n(^٢). سنن أبي داود (٧٢٢).","vol":"1","page":599},{"text":"مخيرًا، إن شاء رفع يديه مع التكبير، وأنهاه معه، وإن شاء رفع يديه قبل التكبير، وخفض يديه بعده.\n• الراجح:\nأن العمل على ما رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، وأنه كان يرفع يديه حتى تكون حذاء منكبيه، ثم يكبر، وهي لا تعارض رواية كان يرفع يديه حين يكبر، كما بينت لك في أثناء مناقشة الحديث، وأما رواية التكبير ثم الرفع، فهي رواية شاذة، والمسألة حول الأفضل، ولو رفع يديه مقارنًا للتكبير، وانتهى معه لم يكن في ذلك حرج، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الفرع السادس في وضع اليدين بعد الفراغ من تكبيرة الإحرام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>مسألة في حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• صفات العبادة توقيفية، لا تفعل إلا بهدي من الكتاب أو السنة، أو عمل الصحابة.\n• ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.\n• وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من سنن الصلاة، ولا يعرف في هذا خلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم.\n• ما روي عن الإمام مالك من القول بإرسالهما ليس بأولى مما روي عنه من القول بقبضهما، والثاني أولى لموافقته السنة، وهو نصه في الموطأ الذي قَلَّبَه أربعين عامًا، ورواه عنه أصحابه.\n• المثْبِتُ مقدم على النافي، ومن حفظ وسمع حجة على من لم يحفظ ولم يسمع؛ لأن مع أولئك زيادة علم.\n• وضع اليمنى على اليسرى من هيئة الصلاة، وليس نوعًا من الاعتماد على اليدين حتى يأخذ حكم الاستناد في الصلاة، والأصل في أعمال الصلاة المشروعية.\n[م-٥٠٨] من السنة إذا فرغ من الافتتاح أن يضع يده اليمنى على اليسرى، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن مالك، نص على ذلك في الموطأ، ورواها المدنيون من أصحابه، ورواها أيضًا عنه أشهب، وابن وهب وابن نافع، وبه قال أهل الظاهر،","vol":"1","page":601},{"text":"ولا أعلم أحدًا من السلف قال بوجوبه خلافًا للشوكاني (^١).\nوقيل: يقبض في النافلة دون الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، على خلاف بين أصحاب مالك، أيفعل ذلك مطلقًا، أم إذا طول، ويكره إن قصر؟ (^٢).\nوقيل: يرسل يديه في النوافل خاصة، حكي رواية عن أحمد، وهو عكس\n_________\n(^١). صرح الحنفية أن ذلك من سنن الصلاة، انظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٧)، التجريد للقدوري (١/ ٤٧٩)، البحر الرائق (١/ ٣٢٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، المبسوط (١/ ٢٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٩)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥١).\nوقال الإمام مالك في الموطأ (١/ ١٥٨): «باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة. ثم ساق حديث سهل بن سعد: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة».\n\nوقال ابن رشد في المقدمات الممهدات (١/ ١٦٤): «في ذكر مستحبات الصلاة ... وذكر منها: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، وقد كرهه مالك في المدونة، ومعنى كراهيته أن يعد من واجبات الصلاة».\nوجاء في حاشية البناني مع شرح الزرقاني (١/ ٣٧٨): «الاستحباب في الفرض والنفل هو قول مالك في رواية مطرف وابن الماجشون عنه في الواضحة، وقول المدنيين من أصحابنا، واختاره غير واحد من المحققين، منهم اللخمي، وابن عبد البر، وأبو بكر بن العربي، وابن رشد، وابن عبد السلام، وعده ابن رشد في مقدماته من فضائل الصلاة، وتبعه القاضي عياض في قواعده، ونسبه في الإكمال إلى الجمهور، وكذا نسبه لهم الحفيد ابن رشد» وانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٨)، الاستذكار (٢/ ٢٩١)، التمهيد (٢٠/ ٧٤)، المنتقى للباجي (١/ ٢٨٠، ٢٨١)، البيان والتحصيل (١٨/ ٧٢)، القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، التنبيه في الفقه الشافعي (ص: ٣٠)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، المجموع (٣/ ٣١٠)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٢)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٩١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، المغني (١/ ٣٤١)، شرح الزركشي (١/ ٥٤٢)، الإنصاف (٢/ ٤٦)، الإقناع (١/ ١١٤)، المحلى، مسألة (٤٤٨).\n(^٢). جاء في المدونة (١/ ١٦٩) عن ابن القاسم: «قال مالك في وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة: قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه». وانظر: شرح الخرشي (١/ ٢٨٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، البيان والتحصيل (١٨/ ٧١).","vol":"1","page":602},{"text":"ما نقله ابن القاسم عن مالك (^١).\nوقيل: يرسل يديه إلى جنبه مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن مالك، وبه قال الليث بن سعد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وغيرهم (^٢).\nواختلف أصحاب مالك في تأويل كراهة القبض في الفرض، أهو إذا فعله بقصد الاعتماد، وهذا التأويل لعبد الوهاب وهو المعتمد، أم كراهته خيفة اعتقاد وجوبه على العوام، وهذا التأويل للباجي وابن رشد، أم خيفة إظهار الخشوع، وليس بخاشع في الباطن، وهذا التأويل لعياض، وعليه فلا تختص الكراهة بالفرض؟ (^٣).\nوقيل: القبض مباح في الفرض والنفل، وهي رواية أشهب، وهو معنى ما ذهب إليه عطاء، والأوزاعي، وابن عبد البر من التخيير بين القبض والإرسال (^٤).\nووجود أربعة أقوال في مذهب المالكية من الاستحباب، إلى الكراهة، إلى الإباحة، إلى التفريق بين الفرض والنفل يرجع إلى خفة حكم القبض وأنه عندهم من الفضائل، فلا معنى لانتقاد المذهب بالقول بالإرسال مع قوله بالاستحباب، ونص عليه في الموطأ، وكأنه هو الذي ابتدع القول بالإرسال وحده.\n• دليل الجمهور على الاستحباب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٦٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٦٢).\n(^٢). الاستذكار (٢/ ٢٩١)، التمهيد (٢٠/ ٧٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/)، القبس شرح موطأ مالك (ص: ٣٤٧)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١١٩)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٨)، تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢١)، التوضيح لابن الملقن (٦/ ٦٤٠).\n(^٣). منح الجليل (١/ ٢٦٢).\n(^٤). هكذا في الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٩)، وفي التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠): «وفي رواية أشهب عن مالك: أن وضع اليد على الأخرى مستحب في الفريضة والنافلة».\n\nوانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٠٦)، الاستذكار (٢/ ٢٩١)، التوضيح لابن الملقن (٦/ ٦٤٠)، المجموع (٣/ ٣١٢)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":603},{"text":"عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.\nقال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ. قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي (^١).\nوإسماعيل: هو ابن أبي أويس.\n• جواب المخالفين:\nبأن أبا حازم لم يقطع بنسبته للنبي ﷺ؛ إذ لو كان مرفوعًا ما احتاج أبو حازم إلى قوله: لا أعلمه. وهذا كافٍ في ثبوت إعلاله.\n• وأجيب:\nبأن أبا حازم صدر الحديث بلفظ ليس صريحًا بالرفع وذلك حين قال: (كان الناس يُؤْمَرُونَ) فهو بمعنى (أُمِرنا) فهذه الصيغة ليست صريحة بالرفع، وإنما لها حكم الرفع على الصحيح؛ لأنه لا آمر للصحابة إلا المصطفى ﷺ إلا أن تأْتِيَ قرينة على أنه قصد غير النبي ﷺ.\nفأراد أبو حازم أن يصرح بالرفع فقال: (لا أعلمه إلا يَنْمِي)، فهذا رجوع منه إلى التصريح بالرفع بعد أن صدر الحديث بلفظ ليس من قبيل الصريح، وقد استخدم بذلك طريق الحصر، وهو أبلغ شيء في إفادة رفعه، وليس شَكًّا في رفعه.\nولهذا قال ابن حجر: «أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له: مرفوع، وإنما يقال: له حكم الرفع» (^٢).\nوقال النووي: وهذه العبارة صريحة في الرفع إلى رسول الله ﷺ.\nوقال ابن حجر: «ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: (يَنْمِيه)، فمراده يرفع ذلك إلى النبي ﷺ، ولو لم يقيده» (^٣).\nوقال البيهقي: لا خلاف في ذلك بين أهل النقل (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٠).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٢٤).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٢٥).\n(^٤). انظر مختصر خلافيات البيهقي (١/ ٤٩٦).","vol":"1","page":604},{"text":"وقال ابن حجر: «وقد ورد في سنن أبي داود، والنسائي، وصحيح ابن السكن شيء يستأنس به على تعيين الآمر والمأمور،\n(ح-١٢٦٧) فروي عن ابن مسعود قال: رآني النبي ﷺ واضعًا يدي اليسرى على يدي اليمنى، فنزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.\n[إسناده حسن] (^١).\n_________\n(^١). قاله في الفتح (٢/ ٢٢٤).\nقلت: تفرد به الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، وقد قال الحافظ في الحجاج بن أبي زينب كما في إتحاف المهرة (١٥/ ١٦٥): «الحجاج ضعيف».\nوقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٥٧): «رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم».\nولم يخرج مسلم رواية الحجاج بن أبي زينب عن أبي عثمان النهدي، كما لم يخرج مسلم له إلا حديثًا واحدًا (نعم الأدم الخل) وقد توبع عليه، ولم يختلف عليه فيه، فلا يصح القول بأنه على شرطه، والله أعلم.\nوالحديث له علتان:\nالأولى: تفرد به الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي.\nقال البزار في المسند (٥/ ٢٦٩): «هذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، إلا الحجاج بن أبي زينب، وهو رجل واسطي، روى عنه هشيم بن بشير، ويزيد بن هارون، ومحمد بن يزيد».\nوقال مهنأ: سألت أحمد عن الحجاج بن أبي زينب؟ فقال: منكر الحديث، يُحَدِّثُ عن أبي عثمان أن النبي ﷺ مر بابن مسعود، فذكره، قلت: وهذا منكر؟! قال: نعم. انظر شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص: ١٣٨٢).\nوروى عبد الله بن أحمد سألت أبي عن حجاج بن أبي زينب الواسطي، فقال: أبو يوسف الصقيل، أخشى أن يكون ضعيف الحديث. الجرح والتعديل (٣/ ١٦١).\nوقال ابن المديني: ضعيف.\n\nوقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: حجاج بن أبي زينب، ليس به بأس. الجرح والتعديل (٣/ ١٦١).\nواختلف قول الدارقطني، فقال في سؤالات البرقاني (١٠٧): ثقة.\nوقال في السنن كما في كتاب من تكلم فيه الدارقطني في السنن لابن زريق (٩٦): ليس بقوي، ولا حافظ. ...\nوالعلة الثانية: الاختلاف على حجاج في إسناده:\nفقيل: عنه، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود ﵁.\nرواه هشيم بن بشير كما في سنن أبي داود (٧٥٥)، والنسائي كما في المجتبى (٨٨٨)، =","vol":"1","page":605},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوفي الكبرى له (٩٦٤)، ومسند أبي يعلى (٥٠٤١)، وسنن ابن ماجه (٨١١)، وسنن الدارقطني (١١٠٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٤).\nومحمد بن يزيد الواسطي (ثقة ثبت) كما في مسند البزار (١٨٨٥)، وسنن الدارقطني (١١٠٧)، وتاريخ بغداد للخطيب ت بشار (١١/ ٣١٥)، كلاهما عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود.\nقال النسائي: غير هشيم أرسل هذا الحديث. اهـ وهذه إشارة إلى إعلال الحديث بالإرسال.\nوقال العقيلي (١/ ٢٨٣): «لا يتابع عليه، وهذا المتن قد روي بغير هذا الإسناد بإسناد صالح: في وضع اليمين على الشمال في الصلاة».\nوقيل: عن حجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي مرسلًا.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٤٣) حدثنا يزيد (يعني ابن هارون)، قال: أخبرنا الحجاج بن أبي زينب، قال: حدثني أبو عثمان: أن النبي ﷺ مر برجل يصلي، وقد وضع شماله على يمينه، فأخذ النبي ﷺ يمينه، ووضع على شماله.\nورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٣٠) من طريق الفضل بن سهل، حدثنا يزيد بن هارون به. ...\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٧٢): قال أبو عبد الرحمن (يعني النسائي): غير هشيم أرسل هذا الحديث، فتعقبه ابن عبد البر قائلًا: أرسله يزيد بن هارون عن الحجاج عن أبي عثمان، وهشيم أحفظ من الذي أرسله.\nوقد لا تكون المقارنة بين هشيم ويزيد، فكلاهما ثقة، وإنما الحمل على هذا الاختلاف من حجاج نفسه، فإنه أضعف رجل في الإسناد، والله أعلم.\nوقيل: عن حجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁.\nرواه محمد بن يزيد الكلاعي، واختلف عليه:\nفرواه البزار في مسنده (١٨٨٥) عن محمد بن العباس الضبعي\nوالخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (١١/ ٣١٥) من طريق عبد الله بن عمر الخطابي (ثقة).\nوعمار بن خالد من رواية ابن صاعد عنه، كما في سنن الدارقطني (١١٠٧)، والكامل لابن عدي (٢/ ٥٣٠).\nومن رواية أبي الحسن علي بن العباس المقانعي كما في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٨٢) (ثقة)، ثلاثتهم عن محمد بن يزيد الواسطي، عن حجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وسبق تخريجه.\nورواه عمار بن خالد من رواية بحشل كما في تاريخ واسط (٩٤)، عن محمد بن يزيد الكلاعي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان عن جابر.\nوتابعه على هذا الطريق محمد بن الحسن المزني الواسطي (ثقة)، فرواه عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر.\nأخرجه أحمد (٣/ ٣٨١)،\nوالطبراني في الأوسط (٧٨٥٧) من طريق وهب بن بقية.\nوالدارقطني في السنن (١١٠٦) من طريق يحيى بن معين، ثلاثتهم (أحمد، ووهب، وابن معين) عن محمد بن الحسن الواسطي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁، بلفظ: مر رسول الله ﷺ برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.\nوأظن أن هذا الاختلاف جاء من قبل الحجاج بن أبي زينب، حيث اضطرب فيه، فتارة يصله، وتارة يرسله، وتارة يجعله من مسند ابن مسعود، وتارة من مسند جابر ﵁، والله أعلم.","vol":"1","page":606},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٦٨) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه\nعن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ... الحديث (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٦٩) ما رواه ابن حبان، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، عن حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث،\nعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا (^٢).\n[لا يعرف لعمرو بن الحارث رواية عن عطاء، وهذا الإسناد وهم، أخطأ فيه حرملة بن يحيى في إسناده، وإنما هو حديث طلحة بن عمرو المتروك] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).\n(^٢). صحيح ابن حبان (١٧٧٠).\n(^٣). أخرجه ابن حبان (١٧٧٠)، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان (ثقة)،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٩٩) ح ١١٤٨٥، وفي الأوسط (١٨٨٤) حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة (متروك، متهم بالكذب)، كلاهما حدثنا حرملة بن يحيى به، =","vol":"1","page":607},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوظاهر إسناد ابن حبان الصحة، ولكنه في الحقيقة حديث معلول، لا يعرف هذا الحديث لعمرو بن الحارث، وإنما هذا حديث يعرف بطلحة بن عمرو المكي، وهو متروك، فأخطأ فيه حرملة بن يحيى، فجعله من حديث عمرو بن الحارث، فأوهم الصحة.\nقال الطبراني في الأوسط (١٨٨٤): «لم يَرِوْ هذا الحديث عن عمرو بن الحارث إلا ابن وهب، تفرد به حرملة بن يحيى».\nفأشار البزار إلى علته، وهو تفرد حرملة به وذلك بجعل الحديث من رواية عمرو بن الحارث.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٤٠١): «هذا حديث يعرف بطلحة بن عمرو المكى وهو ضعيف، واختلف عليه، فقيل عنه: هكذا، وقيل عنه: عن عطاء، عن أبى هريرة». اهـ\n\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٢٢٤): «أخشى أن يكون الوهم فيه من حرملة».\nوقال في الإتحاف (٧/ ٤٠٩): «المحفوظ: حديثه عن طلحة، وأما حديثه عن عمرو بن الحارث: فغريب جدًّا».\nوقال في المطالب (٤٨٦): «غريب؛ تفرد به طلحة بن عمرو المكي، وفيه ضعف ....». وانظر: نزهة الألباب في قول الترمذي (وفي الباب) (٢/ ٥٩١) و(٣/ ١٢٥٧).\nوقد استعنت بالحاسب لأقف على رواية لعمرو بن الحارث عن عطاء في كتب الرواية، فلم أجد له إلا هذه الرواية الشاذة، فلو كان عمرو بن الحارث معروفًا بالرواية عن الإمام عطاء بن أبي رباح لرواها أصحابه، ولم ينفرد بذلك حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وحرملة خفيف الضبط، ليس بالمتقن، وقد تكلم فيه بعضهم، مما يجزم الباحث أنها خطأ، والله أعلم.\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٦/ ٣٦٠): «وهذا إسناد في الظاهر على شرط مسلم، وزعم ابن حبان أن ابن وهب سمع هذا الحديث من عمرو بن الحارث وطلحة بن عمرو، كلاهما عن عطاء، وفي هذا إشارة إلى أن غير حرملة رواه عن ابن وهب، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، وهذا هو الأشبه، ولا يعرف هذا الحديث من رواية عمرو بن الحارث، قال البيهقي: إنما يعرف هذا بطلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس. ومرة: عن أبي هريرة، وطلحة ليس بالقوي. قال ابن رجب: وقد روي عن طلحة، عن عطاء مرسلًا، خرَّجه وكيع عنه كذلك».\nوأما حديث طلحة بن عمرو، فأخرجه الطيالسي في مسنده (٢٧٧٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٤٠١)، وفي فضائل الأوقات (١٣٩).\nوعبد بن حميد (٦٢٤) حدثنا محمد بن عبيد،\nوابن منيع كما في المطالب العالية (٤٨٦ - ٣) حدثنا أبو المغيرة،\nوالدارقطني (١٠٩٧) من طريق مخلد بن يزيد، أربعتهم رووه عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس.\nخالفهم أبو نعيم الفضل بن دكين كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣٨٥)، أخبرنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن النبي ﷺ مرسلًا. =","vol":"1","page":608},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوطلحة بن عمرو، قال فيه الحافظ في التقريب: متروك.\nوقد ورد لحديث ابن عباس إسناد آخر غريب،\nرواه الطبراني في الكبير (١١/ ٧) ح ١٠٨٥١، وفي الأوسط (٤٢٤٩) حدثنا العباس بن محمد الْمُجَاشِعِيُّ، حدثنا محمد بن أبي يعقوب الكرماني، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجِّل الإفطار، وأن نؤخِّر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا.\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عيينة إلا محمد بن أبي يعقوب.\nقلت: ومحمد بن أبي يعقوب روى عن سفيان بن عيينة ثلاثة أحاديث، منها هذا، ومنها حديث أنس (لا تقاطعوا ولا تدابروا ...) رواه ابن أبي موسى المديني في ذكر الإمام أبي عبد الله بن منده (١/ ٦٤) من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق الكرماني (ضعيف) حدثنا محمد بن أبي يعقوب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس.\nوالحديث في مسلم (٢٥٦١) من طريق سفيان بن عيينة.\nورواه البخاري (٦٠٧٦) ومسلم (٢٥٦١) من طريق مالك، وفي البخاري (٦٠٦٥)، من طريق شعيب.\nومنها حديث جبير بن مطعم (لا يدخل الجنة قاطع) رواه أبو عبد الله بن منده في أماليه (٨)، من طريق عبد الله بن يعقوب بن إسحاق (ضعيف)، أخبرنا محمد بن أبي يعقوب، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، أن أباه أخبره.\nوالحديث رواه مسلم (٢٥٥٧) من طريق سفيان بن عيينة.\nورواه البخاري (٥٩٨٤) من طريق عقيل، كلاهما عن الزهري به ..\nوحديثا محمد بن أبي يعقوب السابقان لم يتفرد بهما، بل هو موافق لرواية الثقات من أصحاب الزهري، وأما حديثه هذا فهو منكر، قد تفرد به عن ابن عيينة، قال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عيينة إلا محمد بن أبي يعقوب».\nولا يحتمل تفرده مع قلة أحاديثه عنه؛ إذ لوكان من حديث ابن عيينة، فأين أصحاب ابن عيينة عنه؟ وقد قال فيه أبو حاتم: مجهول، وقال الذهبي: صدوق مشهور.\nوقد يكون الحمل على شيخ الطبراني العباس بن محمد الْمُجَاشِعِيِّ، قال عنه ابن القطان: لا يعرف، وقال أبو الشيخ: شيخ ثقة، وكذا قال تلميذه أبو نعيم، وعلى كل حال فالحديث غريب من حديث سفيان، تفرد عنه به من لا يقبل تفرده، فلا يصح، والله أعلم، وقد ضعف الحديث البيهقي في السنن والنووي في المجموع، والله أعلم.\nوله شواهد لا يصح منها شيء، تركتها اقتصارًا واختصارًا.\nوقد قال البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٤٠١): «وروي عن عائشة ﵂ من قولها: وثلاثة من النبوة، فذكرهن، وهو أصح ما ورد فيه». =","vol":"1","page":609},{"text":"الدليل الرابع:\nأنه عمل الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يعرف عنهم خلاف في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.\nقال ابن عبد البر: «لم تختلف الآثار عن النبي ﷺ في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا إلا شيئًا روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه» (^١).\nوهناك أدلة أخرى سوف أستشهد بها عند ذكر صفة الوضع إن شاء الله تعالى.\n• دليل من قال: يرسل يديه.\nالدليل الأول:\nنقل أصحاب مالك أن مذهبه في الإرسال مبني على أنه لم يسمع فيه بشيء، والأصل عدم الاستحباب، فتبقى اليدان على وضعهما، وكذا العمل في كل شيء لم يرد فيه سنة، فإنه يكون على طبيعته (^٢).\n_________\n=\nقلت: ولا يصح عن عائشة ﵂، فقد أخرج أثر عائشة ﵂ البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٢)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٢)، والدارقطني (١٠٩٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥) من طريق محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة ﵂، قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.\nقال البخاري: لا يعرف لمحمد سماع من عائشة.\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٣١٣): محمد هذا مجهول، ثم نقل عن البخاري قوله بعدم السماع من عائشة.\nقال ابن عبد البر كما في الميزان (٥/ ٣٢): «قد قيل: إن محمد بن أبان هذا لم يَرْوِ عنه إلا يحيى بن أبي كثير، وإنه مجهول، والصحيح أنه مدني معروف، روى عنه الأوزاعي أيضًا، وله عن القاسم وعروة وعون بن عبد الله وهو شيخ يماني ثقة».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٥٠): «ومحمد بن أبان هذا هو: محمد بن أبان الأنصاري المديني؛ إلا أني أظن أنه لم يدرك عائشة، وأخشى أن يكون محمد بن أبان الذي يروي عن القاسم، عن عائشة عن النبي ﷺ: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، وقد جعلهما العقيلي رجلين، وكذلك جعلهما أبو حاتم رجلين ..... فسقط هذا الحديث أن يحتج به في هذا الباب؛ للاختلاف في متنه ومعناه».\n(^١). التمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٧٤).\n(^٢). انظر: التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠).","vol":"1","page":610},{"text":"• ويجاب:\nبأن من سمع وحفظ حجة على من لم يسمع.\nقال ابن العربي: قد سمعنا وروينا ... والصحيح أن ذلك يفعل في الفريضة» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ث-٢٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت عمرو بن دينار، قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nالدليل الثالث:\nقال ابن رشد: «أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته ﵊، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى» (^٤).\nلعل ابن رشد يقصد تلك الأحاديث التي نقلت لنا صفة رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام حذاء المنكبين أو حذاء الأذنين، ولم تتعرض لوضع اليدين على بعضهما كحديث ابن عمر، وحديث مالك بن الحويرث، وهما في الصحيحين، وسبق تخريجهما.\nومثل هذا الاستدلال ما قاله ابن بطال: «علم النبي ﵇ الأعرابيَّ الصلاةَ، ولم يأمره بوضع اليد على اليد» (^٥). يقصد به حديث المسيء في صلاته.\n• ويناقش:\nهذه الأحاديث قد توجهت لبيان رفع اليدين ومنتهى الرفع، ولم تتعرض لجميع أحكام الصلاة كالقراءة، وأذكار الركوع والسجود والتشهد، وسكوتها عن وضع اليدين على بعض ليس دليلًا على نفيه، ولا يوجد حديث واحد يقوم بكل أحكام\n_________\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠).\n(^٢). المصنف (٣٩٥٠).\n(^٣). رجاله ثقات، ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٥٦) قال: أخبرنا عفان بن مسلم به.\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٣) من طريق عثمان، قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم به.\n(^٤). بداية المجتهد (١/ ١٤٦).\n(^٥). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٩).","vol":"1","page":611},{"text":"الصلاة، وإنما جاءت متفرقة في أحاديث صحيحة، وهذا كافٍ في المشروعية.\nوأما حديث المسيء في صلاته فإن النبي ﷺ لم يذكر له في حديث أبي هريرة في الصحيحين إلا ما كان واجبًا للصلاة، وترك جميع سنن الصلاة فلم يذكرها، فكان ترك ذكر وضع اليدين في الصلاة متفقًا مع ما عليه جمهور الفقهاء من أن الحديث أصل في ذكر واجبات الصلاة، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\nقال ابن بطال نقلًا عن ابن القصار: «وجه قول من كره ذلك: أنه عمل في الصلاة، وربما شغل صاحبه، وربما دخله ضرب من الرياء» (^١).\n• ويناقش:\nلو كان القبض ليس مشروعًا في الصلاة لم يكره لمجرد القبض، فإن في القبض كَفًّا لليدين عن الحركة والعبث، فكان فعله فيه مصلحة تعود للصلاة، كيف، وهو من أعمال الصلاة المشروعة، نقله ابن عبد البر عن عموم الصحابة، والسلف.\nوأما تركه خشية الرياء فهو من أضعف التعليلات ذلك أن الأعمال المشروعة لا تعمل من أجل الناس، فذلك شرك، ولا تترك خشية الرياء، فإن ذلك من حبائل الشيطان، فلا يترك العبد عبادة الخالق خوفًا من المخلوق، ولو فتح هذا الباب لترك المسلم كثيرًا من العبادات والسنن؛ خوفًا من الرياء، وبعض هذا الخوف متوهم، وليس حقيقيًّا، فبعض الناس يَعدُّ ما يجده في نفسه من السرور بثناء الناس عليه من الرياء، وليس ذلك كذلك، وليس من الكسب المذموم إذا كان الباعث على العمل ليس طلب الحمد، فإن المذموم أن يحب العبد أن يحمد بما لم يفعل، كما قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾. [آل عمران: ١٨٨]، فمفهوم الآية أن من أحب أن يُحْمَد بما يفعل، ولم يكن الباعث على العمل طلب الحمد فليس ذلك مذمومًا، بل من عاجل بشرى المؤمن، أن يكون للعبد ذكر حسن عند المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِين﴾ [الشعراء: ٨٤]، والله أعلم.\n_________\n(^١). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٥٨).","vol":"1","page":612},{"text":"• التفريق بين الفرض والنفل:\nأن وضع اليمنى على اليسرى نوع من الاعتماد على اليدين، فهو شبيه بالاستناد في الصلاة، وهو مكروه في الفرض دون النفل؛ لأن النفل أوسع من الفرض، ولأنه قد يحتاج إليه في النفل؛ لطول القيام بخلاف الفرض.\nوقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك مخافة اجتماع الدم في رؤوس الأصابع (^١).\n(ث-٢٩١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن ابن عون،\nعن ابن سيرين، أنه سئل عن الرجل يمسك يمينه بشماله، قال: إنما فعل ذلك من أجل الدم (^٢).\n[صحيح].\n(ث-٢٩٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا عمر بن هارون،\nعن عبد الله بن يزيد، قال: ما رأيت ابن المسيب قابضًا بيمينه في الصلاة، وكان يرسلها.\n[صحيح].\n(ث-٢٩٣) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن العيزار، قال:\nكنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب، ففرق بينهما، ثم جاء.\n[صحيح].\n• واعترض عليهم:\nما أمر به الشارع ليفعل في الصلاة كان فعله عبادة، ومن هيئة الصلاة، وهو مقتضى الحكمة؛ لأن الشارع حكيم، ومنزه عن العبث، ولا يأمر بمثل ذلك إلا لحكمة، علم ذلك من علمه، وجهل ذلك من جهله، وكون بعض التابعين يحمله\n_________\n(^١). نقله الكاساني في بدائع الصنائع عنه (١/ ٢٠١).\n(^٢). المصنف (٣٩٥١).","vol":"1","page":613},{"text":"اجتهاده في تلمس الحكمة، فيرى أن ذلك كان من أجل الدم في الأصابع، أو لأنه أكمل في الانكسار وإظهار التذلل والخشوع لله، أو من أجل حبس اليد عن الحركة، أو لغير ذلك من الحكم لا ينافي المشروعية المطلقة، والتي هي محل البحث، فالحكمة لا تخصص النص بخلاف العلة، وأما كراهة القبض؛ لأن ذلك من باب الاعتماد فيأخذ حكم الاستناد المنهي عنه في الصلاة، فهذا غير صحيح، فلوكان ذلك من باب الاعتماد لم يؤمر به عموم الناس كما في حديث سهل بن سعد في البخاري، وعمومه يشمل الفرض والنفل، ولو سلمنا جدلًا أن القبض في الصلاة من باب الاستناد، فإن الأمر به من الشارع يدل على أن هذا النوع من الاستناد ليس منهيًّا عنه، فلا يأخذ حكم الاستناد إلى الجدار، وهو استناد إلى شيء خارج عن بدن المصلي، فالمعول عليه في الحكم هو ورود النص، سواء أكان المعنى مؤيدًا أم لا، وسواء أفهمنا حكمة وضع اليدين أم لا، فنحن مخاطبون أن نصلي كما رأيناه النبي ﷺ يصلي، ومن لم يره بعينه فقد علم ذلك من سنته.\nوقد قال أبو الوليد الباجي بأن وضع اليدين خشوعًا لله لم يمنعه الإمام مالك، وإنما منع في الفريضة وضع اليدين على سبيل الاعتماد (^١).\n•الراجح:\nأن وضع اليمنى على اليسرى من السنة المستفيضة في الصلاة، وأن الحكم عام في الفرض والنفل، فما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المنتقى للباجي (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الفرع السابع في مكان وضع اليدين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• وضع اليد اليمنى على الشمال ثابت في السنة الصحيحة، وأما وضعهما من البدن فلم يأتِ في الشريعة ما تقوم به الحجة.\n• إذا لم تأتِ سنة صحيحة في مكان وضع اليدين، فإن ذلك لم يكن عن غفلة، ولا نسيان، تعالى الله عن ذلك، وإنما قصد الشارع إلى التيسير والتوسعة، فحيث وضع يديه تحقق المراد.\n• المطلوب قبض الشمال باليمين، ولعل الحكمة في ذلك إظهار الخشوع، وحبس الكف عن الحركة، وهذا يتحقق سواء أوضعها تحت صدره، أم تحت سرته.\n• الأحاديث المنكرة والشاذة لا تصلح للاعتبار؛ لأنها على تقدير وهم وقع فيه الراوي مخالفًا رواية الأوثق أو الأكثر عددًا.\n[م-٥٠٩] ثبت لنا أن السنة وضع اليمنى على اليسرى حال الصلاة، وقد اختلفوا في مكان وضعهما:\nفقيل: يضع يديه تحت السرة، وتضع المرأة تحت الصدر، وهو مذهب الحنفية (^١).\nوقيل: يضع المصلي يديه تحت السرة مطلقًا، رجلًا كان أو امرأة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٢٠)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٤٩)، المبسوط (١/ ٢٤)، الجوهرة النيرة (١/ ٥١)، النهر الفائق (١/ ٢٠٧).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٦٣): «واختلف القائلون بالوضع: هل يضعهما على صدره، ...\nأو تحت سرته، أو يخير بين الأمرين؟ على ثلاثة أقوال، هي ثلاث روايات عن أحمد». وانظر: المغني لابن قدامة (١/ ٣٤١)، الفروع ت فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٢/ ١٦٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٢٠)، كشاف القناع (١/ ٣٣٣)، الإقناع (١/ ١١٤)،.","vol":"1","page":615},{"text":"وقيل: يضعهما على الصدر، وهو اختيار الإمام إسحاق (^١).\nوقيل: يضعهما تحت الصدر وفوق السرة، وبه قال عبد الوهاب البغدادي والقاضي عياض من المالكية، وهو مذهب الشافعية، ونسبه النووي للجمهور، وهو رواية عن أحمد (^٢).\nقال النووي: «وإذا وضع يديه حطهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهب الشافعي والأكثرين» (^٣).\nوقيل: يخير إن شاء تحت الصدر، أو تحت السرة، اختاره بعض المالكية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي وابن المنذر (^٤).\nقال أحمد كما في مسائل الكوسج: «قلت: أين يضع يمينه على شماله؟ قال:\n_________\n(^١). ذكر المروزي في المسائل (ص: ٢٢٢): «كان إسحاق يوتر بنا .... ويرفع يديه في القنوت، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه، أو تحت ثدييه».\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٩)، المنتقى للباجي (١/ ٢٨١)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠)، الخرشي (١/ ٢٨٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، منح الجليل (١/ ٢٦٢)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢١٦).\nقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١١٤): «يجعلهما تحت صدره فوق سرته، هذا مذهبنا المشهور، وبه قال الجمهور».\nوقال البيهقي في الخلافيات مسألة (٧٥): «والسنة أن يضع اليمنى على اليسرى تحت صدره، وفوق سرته، وقال أبو حنفية: يضعهما تحت السرة».\nوانظر في مذهب الشافعية: مختصر المزني (ص: ١٠٧)، المهذب (١/ ١٣٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٨)، حاشية الجمل (١/ ٤٠١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٠)، التنبيه (ص: ٣٠)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٦)، الوسيط (٢/ ١٠٠)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٩)، المجموع (٣/ ٣١٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٢)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٢).\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦).\n(^٤). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٩)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٦١)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١١٤).","vol":"1","page":616},{"text":"كل هذا عندي واسع» (^١).\nقال الترمذي بعد أن ذكر الاختلاف: وكل ذلك واسع عندهم.\n• دليل من فرق بين الرجل والمرأة:\nعلل الحنفية التفريق بين الرجل والمرأة بأنه أستر لها (^٢).\nويناقش:\nهذه المصلحة على التسليم بها، لو كانت مقدرة لأمر بها الشارع، فلما لم يُحْفَظْ نص عن الشارع في التفريق بين الرجل والمرأة علم أن هذه ليست مصلحة معتبرة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، والأصل: أن ما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل.\n• دليل من قال: يضعهما على صدره:\n(ح-١٢٧٠) ما رواه ابن خزيمة من طريق مؤمل، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله ﷺ، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره (^٣).\n[منكر، فيه مؤمل بن إسماعيل سَيِّئُ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه] (^٤).\n_________\n(^١). مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٥١).\n(^٢). انظر البحر الرائق (١/ ٣٢٠).\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٤٧٩).\n(^٤). رواه ابن خزيمة (٤٧٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٦) عن أبي موسى (محمد بن المثنى).\nورواه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٦) حدثنا أبو بكرة، كلاهما عن مؤمل به.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣) حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه)، فلم يذكر وضع اليدين على الصدر.\nوالحديث له علتان:\nإحداهما: تفرد مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، وهو سيئ الحفظ، فقد رواه عن سفيان كل من:\nعبد الله بن الوليد كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٨).\nووكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٧).\nوعبد الرزاق كما في مصنفه (٢/ ٦٨)، ومن طريقه أحمد في المسند (٤/ ٣١٧)، والطبراني","vol":"1","page":617},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٧١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سماك، عن قبيصة بن هلب،\n_________\nفي الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨١، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٠)\nويحيى بن آدم وأبو نعيم الفضل بن دكين قرنهما أحمد في مسنده (٤/ ٣١٨).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩) وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣٧٠٩) من طريق أبي نعيم وحده.\n\nوقتيبة بن سعيد كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٦٣)، وفي السنن الكبرى له (١١٨٧)،\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٦٤)، ومن السنن الكبرى له (١١٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٨.\nوالحسين بن حفص كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٠)،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٥، من طريق علي بن قادم، ثمانيتهم (عبد الله بن وليد، ووكيع، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم، وقتيبة، والفريابي والحسين بن حفص وعلي بن قادم) كلهم رووه عن سفيان، ولم يذكروا ما ذكره مؤمل بن إسماعيل.\nقال البيهقي في الخلافيات ت شركة الروضة (٢/ ٢٥٢): «رواه الجماعة عن الثوري لم يذكر واحد منهم (على صدره) غير مؤمل بن إسماعيل».\nوالثانية: اضطراب لفظه، فمرة قال: على صدره، ومرة قال: عند صدره، وثالثة: لم يذكر هذه الزيادة.\nكما رواه أكثر من عشرين راويًا عن عاصم بن كليب، لم يذكر أحد منهم وضع اليدين على الصدر، وقد سبق تخريج طرقهم، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\nوله طريق أخرى عن وائل ضعيفة أيضًا:\nرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٩) ح ١١٨، من طريق محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أمه أم يحيى، عن وائل ابن حجر قال: حضرت رسول الله ﷺ وقد أتي بإناء فيه ماء .... فذكر في حديث طويل صفة وضوء النبي ﷺ وصفة صلاته، وذكر فيه موضع الشاهد منه، وفيه: ثم وضع يمينه على يساره على صدره، ثم جهر بالحمد ... وذكر الحديث.\nوقد أخرجه البزار في مسنده كما في البحر الزخار (٤٤٨٨)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٣٤٢) مختصرًا، والبيهقي (٢/ ٤٦، ١٤٣) مختصرًا مفرقًا.\nقال ابن التركماني في الجوهر النقي: «محمد بن حجر قال الذهبي: له مناكير، وأم عبد الجبار هي أم يحيى لم أعرف حالها ولا اسمها».\nقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن وائل بن حجر بهذا الإسناد».\nومحمد بن حجر بن عبد الجبار: قال البخاري: «فيه نظر»، وهذا جرح شديد، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: «كوفي شيخ».","vol":"1","page":618},{"text":"عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته، قال، يضع هذه على صدره.\nوصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المفصل (^١).\n[زيادة (يضع هذه على صدره) وقوله: (فوق المفصل) ليست محفوظة] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٢٢٦).\n(^٢). الحديث أعلَّ بأكثر من علة:\nالأولى: الكلام في قبيصة بن هلب، قال فيه ابن المديني: والنسائي: مجهول، زاد ابن المديني: لم يَرْوِ عنه غير سماك.\nوقد أشار يعقوب بن شيبة بأن تفرد سماك بالرواية عن الراوي لا ترفع عنه الجهالة.\nقال ابن رجب في شرح العلل (١/ ٣٧٨): «قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين». انتهى.\nوقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال الترمذي: حسن ... اهـ\nوالحسن عند الإمام الترمذي ليس هو الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين إلا أن يحمل على الحسن لغيره، وقد كشف الترمذي عن اصطلاحه بقوله: «والحديث الحسن عندنا ما روي من غير وجه، ولم يكن شاذًّا، ولا في إسناده من يتهم بالكذب». انظر شرح علل الترمذي (٢/ ٦٠٦).\nفقوله: ما روي من غير وجه يقصد والله أعلم إما سندًا بحيث تتعدد طرقه بالمتابعات، وإما متنًا بحيث يأتي له شواهد أخرى تتفق معه، بحيث لا يتفرد الضعيف بأصل الحديث.\nوالحديث هذا يحمل على تعدد شواهده، لا طرقه، فإن الحديث لم يروه عن هلب إلا ابنه قبيصة، ولا عن قبيصة إلا سماك، ثم رواه جماعة من الثقات عن سماك.\n\nوقوله: (ولم يكن شاذًّا) أي مخالفًا لنقل الثقات، وهذا الشرط معتبر حتى في الحديث الصحيح، وهذا الشرط لا يصدق على قوله: (يضع هذه على صدره .... فوق المفصل) فإن فيها تفردًا حيث لم يَرْوِ هذا الحرف إلا يحيى بن سعيد القطان على اختلاف عليه في ذكرها، وكل من رواه عن سماك كشعبة وسفيان وعبد الرزاق وغيرهم لم يذكر هذا الحرف، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، لكن الترمذي إنما حسن لفظ: (كان رسولنا ﷺ يؤمنا، فيأخذ شماله بيمينه) ولم يخرج في سننه ما تفرد به يحيى بن سعيد القطان.\nوقوله: (ولا في إسناده من يتهم بالكذب) فهذا الشرط يصدق على رواية الضعيف إذا كان ضعفه من قبل حفظه، لا من قبل دينه؛ لأن المتهم مجروح الديانة، فتبين أن تحسين الترمذي =","vol":"1","page":619},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nلا يعني به الحسن الاصطلاحي المشهور عند المتأخرين.\nوقد صحح الحديث ابن عبد البر كما في الاستيعاب (٤/ ١٥٤٩)، وحسنه أبو علي الطوسي، والبغوي.\nالعلة الثانية: تفرد سماك بن حرب بهذا الحديث، حيث لا يعرف إلا من جهته.\nوقد يقال: إن التفرد الذي هو علة في الحديث أن يتفرد بأصل، أما وضع اليمين على الشمال فلم يتفرد، فإن هذا الحكم محفوظ من غير هذا الحديث، والله أعلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن سماكًا إنما تكلم في روايته عن عكرمة، وهذا الحديث ليس منها، وقد رواه عنه قدماء أصحابه.\nقال يعقوب بن شيبة: «روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع منه قديمًا - مثل شعبة وسفيان- فحديثهم عنه: صحيح مستقيم».\nالعلة الثالثة: وهي العلة المؤثرة في هذا الحديث، وهي الاختلاف فيه على يحيى القطان،\nفقد رواه الإمام أحمد (٥/ ٢٢٦) عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن سماك، عن قبيصة بن الهلب، عن أبيه، بزيادة (يضع هذه على صدره، وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المِفْصَل).\nورواه محمد بن بشار كما في مختصر الأحكام للطوسي (٢٣٤) أخبرنا يحيى به، بلفظ: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن شقيه عن يمينه، وعن يساره، ويضع يده اليمنى على اليسرى.\nفلم يذكر بندار زيادة (يضع هذه على صدره، وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المِفْصَل).\nوقد قال بندار: اختلفت إلى يحيى عشرين سنة. تاريخ الإسلام (٤/ ١٢٤٤).\nوقد رواه جماعة عن سفيان، فلم يذكروا ما ذكره يحيى بن سعيد القطان، منهم:\nالأول: عبد الرزاق في المصنف (٣٢٠٧)، ومن طريقه أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٥) ح ٤٢١.\nالثاني: وكيع، كما في مسند ابن أبي شيبة (٨٦٠)، ومصنفه أيضًا (٣٩٣٤)، كما في مسند أحمد (٥/ ٢٢٧)، وزوائد عبد الله بن أحمد على المسند (٥/ ٢٢٦، ٢٢٧)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٩٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٤).\nالثالث: عبد الرحمن بن مهدي، كما في سنن الدارقطني (١١٠٠).\nالرابع: محمد بن كثير كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٦٥) ح ٤٢١، ومعجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٩٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٦٥٦٤).\nالخامس: الحسين بن حفص كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤١٩)،\nالسادس: عبد الصمد بن حسان، كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٦٥٦٤)، ستتهم رووه عن الثوري، وليس فيه وضع اليدين على الصدر.\nكما رواه جماعة عن سماك، وليس فيه وضع اليدين على الصدر، منهم:\nالأول: شعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١١٨٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣١٠٩)، =","vol":"1","page":620},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٢٧٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أبو توبة: حدثنا الهيثم -يعني: ابن حميد-، عن ثور، عن سليمان بن موسى،\nعن طاوس، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُدُّ بهما على صدره، وهو في الصلاة (^١).\n[إسناده إلى طاوس حسن إلا أنه مرسل] (^٢).\n• وأجيب:\nبأن الشافعية لا يحتجون بالمرسل إلا بشروط لم تتوفر هنا.\nالدليل الرابع:\n(ث-٢٩٤) روى البخاري في التاريخ قال البخاري: قال موسى: حدثنا حماد\n_________\n= ومسند أحمد (٥/ ٢٢٧)، وزوائد عبد الله على المسند (٥/ ٢٢٦، ٢٢٧)، وسنن أبي داود (١٠٤١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٤٩٥)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٤) ح ٤١٦.\nالثاني: أبو الأحوص، كما في زوائد عبد الله على المسند (٥/ ٢٢٧)، وسنن الترمذي (٢٥٢)، وسنن ابن ماجه (٨٠٩، ٩٢٩)، والطبراني (٢٢/ ١٦٤، ١٦٥) ح ٤٢٠، ٤٢٤.\nالثالث: زائدة بن قدامة كما في مسند أحمد (٥/ ٢٢٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٦٤) ح ٤١٨، ومعجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٩٩).\nالرابع: زهير بن معاوية، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٦٤) ح ٤١٩، ومعجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٩٨).\nالخامس: أسباط بن النصر كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٦٤، ١٦٥) ح ٤١٧، ٤٢٢.\nالسادس: حفص بن جميع كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ١٦٥) ح ٤٢٣.\nالسابع: إسرائيل، كما في تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١١).\nالثامن: شريك، كما في مسند أحمد (٥/ ٢٢٧)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٧٣)، ومعجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٩٩)، ثمانيتهم رووه عن سماك، ولم يذكروا فيه وضع اليدين على الصدر، فلا شك أن هذا الحرف شاذ، والشاذ لا يعتبر به، لأنه على تقدير أنه خطأ.\n(^١). سنن أبي داود (٧٥٩).\n(^٢). أبو توبة: هو الربيع بن نافع الحلبي، وثور: هو ابن يزيد الحمصي، وإسناده إلى طاوس حسن، فإن رجاله كلهم ثقات إلا سليمان بن موسى فإنه صدوق، وأخرجه أبو داود في المراسيل (٣٣) بالإسناد نفسه.","vol":"1","page":621},{"text":"ابن سلمة، سمع عاصمًا الجَحدَرِيَّ، عن أبيه، عَنْ عقبة بن ظَبيان،\nعن عليٍّ، ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وضع يده اليمني على وسط ساعده على صدره (^١).\n[ضعيف، وذكر وضعهما على الصدر مختلف فيه على عاصم الجحدري] (^٢).\n_________\n(^١). التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧).\n(^٢). في إسناده أكثر من علة:\nالعلة الأولى: والد عاصم الجحدري، لم أقف له على ترجمة.\nالعلة الثانية: عقبة بن ظبيان، وقيل: عقبة بن ظهير: مجهول.\nالعلة الثالثة: الاختلاف الكثير في إسناده، فقد رواه عن عاصم الجحدري اثنان:\nالأول: حماد بن سلمة، وذكر وضع اليدين على الصدر على اختلاف عليه في إسناده.\nوالثاني: يزيد بن زياد بن أبي الجعد، ولم يذكر لفظة وضع اليدين على الصدر.\nأما الاختلاف على حماد بن سلمة:\nفقيل: عنه، عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي بن أبي طالب.\nوهذا الإسناد هو رواية الجماعة عن حماد، ولعله أرجحها.\nفقد رواه موسى بن إسماعيل كما في التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٤٣٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥).\n\nوحجاج بن منهال كما في تفسير الثعلبي (١٠/ ٣١٠)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٩١)،\nوأبو الوليد الطيالسي كما في موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (٢/ ٣٤٠)،\nويزيد بن هارون، ذكره الدارقطني في العلل (٤/ ٩٩).\nوأبو صالح الخراساني كما في تفسير الطبري ط دار هجر (٢٤/ ٦٩١)، خمستهم رووه عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي ﵁، قال في قول الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده الأيسر، ثم وضعهما على صدره. ولفظ أبي الوليد: وضع اليمنى على اليسرى تحت الثندوة.\nوقيل: عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن علي ﵁، بإسقاط عقبة بن ظبيان.\nأخرجه الطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤) من طريق أبي عمرو الضرير (حفص بن عاصم)، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، أن عاصمًا الجحدري أخبرهم، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال: وضع يده اليمنى على الساعد الأيسر، ثم وضعهما على صدره.\nفأخشى أن يكون سقط من إسناده عقبة بن ظبيان، فإن كان كذلك كان موافقًا لرواية الجماعة =","vol":"1","page":622},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوهو احتمال قوي، وإلا كان وجهًا آخر من وجوه الاختلاف على حماد بن سلمة، والله أعلم.\nوقيل: عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظبيان، وفي رواية (عقبة بن ظهير) عن أبيه، عن علي ﵁،\nفجعل واسطة بين عقبة وبين الإمام علي بن أبي طالب ﵁.\nأخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٠)، من طريق عبد الرحمن (يعني ابن مهدي)، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظبيان، عن أبيه، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال: وضع اليد على اليد في الصلاة. ولم يذكر وضعها على الصدر.\nوذكر الدارقطني رواية عبد الرحمن بن مهدي في العلل (٤/ ٩٩)، فقال: وقال عبد الرحمن ابن مهدي، عن حماد، عقبة بن صهبان.\nفجعل مخالفة ابن مهدي إنما هي في ذكر عقبة بن صهبان، بدلًا من عقبة بن ظبيان، ولم يشر إلى أنه خالف فجعل بين عقبة وعلي بن أبي طالب ﵁ واسطة، والله أعلم.\nولم يتفرد ابن مهدي بذكر الواسطة بين عقبة وبين علي بن أبي طالب، فقد تابعه مهران بن أبي عمر العطار.\nفقد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٠) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران (يعني ابن أبي عمر العطار صدوق سيئ الحفظ)، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن أبيه، عن علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قال: وضع يده اليمنى على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.\nإلا أنه قال: عقبة بن ظهير بدلًا من عقبة بن ظبيان.\nوقيل: عن عقبة بن صهبان (ثقة) عن علي ﵁ على اختلاف في إسناده.\nرواه حماد بن سلمة، واختلف عليه:\nفرواه الحاكم (٣٩٨٠)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥)، من طريق هشام بن علي، ومحمد بن أيوب، قالا: ثنا موسى بن إسماعيل،\nوالطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤) من طريق مؤمل بن إسماعيل، كلاهما (موسى، ومؤمل)، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن صهبان، عن علي ﵁، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال: هو وضعك يمينك على شمالك في الصلاة.\nبإسقاط أبي عاصم الجحدري.\nقال البيهقي: «كذا قال شيخنا: عاصم الجحدري عن عقبة بن صهبان، ورواه البخاري في التاريخ في ترجمة عقبة بن ظبيان، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، سمع عاصمًا الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن علي: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وضع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره».\nفهذا اختلاف على موسى بن إسماعيل، والبخاري مقدم على غيره، فكيف إذا رواه جماعة =","vol":"1","page":623},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nعن حماد موافقين لرواية موسى بن إسماعيل من رواية البخاري عنه.\nخالفهم شيبان بن فروخ (صدوق)، فرواه عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن صهبان، عن علي ﵁، بزيادة أبي عاصم الجحدري.\nأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٦) من طريق أبي حريش الكلابي، حدثنا شيبان به.\nوأبو حريش لقب، وكنيته أبو جعفر، واسمه: أحمد بن عيسى بن مخلد الكلابي، أخرج له البيهقي والبزار والطبراني، وأبو الشيخ الأصبهاني، ولم أقف له على توثيق.\nفإذا تأملت رواية عقبة بن صهبان، فقد جاءت من ثلاثة طرق:\nالطريق الأول: طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، وليس ذلك بمحفوظ، فقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، بما يوافق رواية الجماعة عن حماد، وذلك بجعل الحديث من رواية عقبة بن ظبيان، عن علي بن أبي طالب، وقد علمت ما في هذا الإسناد، وإذا كان هذا الإسناد وهمًا فلا يصلح للاعتبار، فيبقى لنا طريقان.\nطريق مؤمل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ.\nوطريق شيبان بن فروخ، هو صدوق، وقد خالف مؤملًا في إسناده، لذا أرى أن الحديث ليس محفوظًا من رواية عقبة بن صهبان، وإنما المعروف أنه من رواية عقبة بن ظبيان، وهو مجهول. والله أعلم.\nهذا بيان الاختلاف الواقع في رواية حماد بن سلمة.\nوأما طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد (صدوق).\nفرواه عبد الرزاق في التفسير (٣٧١٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٤١)، والنحاس في إعراب القرآن (٥/ ١٨٨)، والدارقطني في السنن (١٠٩٩)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٣٤٠)، عن وكيع.\nوالطبري في التفسير (٢٤/ ٦٩٠) من طريق محمد بن ربيعة،\nوالطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٤) من طريق عبد الله بن داود، ثلاثتهم رووه عن يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، عن علي ﵁، في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧)، وذكره البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥)، من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن أبي الجعد به، بلفظ: وضعها على الكرسوع.\nفخالف يزيد بن أبي الجعد حمادًا في إسناده، فقال: عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن ظهير، فجعله من رواية عقبة بن ظهير، بدلًا من عقبة بن ظبيان، وأسقط والد عاصم الجحدري.\nكما خالفه في لفظه، فلم يذكر وضع اليدين على الصدر.\nقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣١٣): «اختلف حماد بن سلمة ويزيد بن زياد بن أبي الجعد في هذا الحديث، فقال حماد: عن عاصم الجحدرى، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان، عن على في قوله ﷿ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، فقال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.","vol":"1","page":624},{"text":"• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الأثر ضعيف، وإسناده مضطرب.\nالوجه الثاني:\nأن المفسرين قد ذكروا في تفسير الآية ثمانية أقوال، والذي اختاره المحققون منهم أن النحر المقصود به إما مطلق الذبح بحيث يجعل صلاته وذبحه لله رب العالمين، أو المراد بالنحر: نحر البدن.\nيقول ابن جرير الطبري: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب: قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له» (^١).\nوقد نقل ابن جرير هذا القول أيضًا عن محمد بن كعب القرظي، وعطاء بن أبي رباح، ونقل عن ابن عباس وقتادة أن النحر: هو نحر البدن.\nوعلق ابن كثير على تفسير ابن جرير، فقال: «وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، وعطاء» (^٢).\nكما قال ﷾ في الآية الأخرى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].\n_________\n= وروى يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عاصم الجحدرى عن عقبة بن ظهير عن عليٍّ».\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (٦/ ٣١٣): عقبة بن ظبيان ويقال: عقبة بن ظهير، روى عن عليٍّ، روى عاصم الجحدري، عن أبيه، عنه.\nفإن كانا شخصين أو شخصًا واحدًا، فكلاهما مجهول.\nوله شاهد من حديث ابن عباس في تفسير الآية، ولا يصح أيضًا، وقد ضعفه أحمد كما في بدائع الفوائد (٣/ ٩١)، وليس فيه وضع اليدين على الصدر، محل الشاهد؛ لهذا لم أر تخريجه في هذه المسألة، وانظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد - علل الحديث (١٤/ ٢٣٤).\n\n(^١). تفسير الإمام الطبري (٢٤/ ٦٩٦).\n(^٢). تفسير ابن كثير ت سلامة (٨/ ٥٠٤).","vol":"1","page":625},{"text":"ورجح ابن كثير: أن المراد بالنحر: ذبح المناسك، ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد، ثم ينحر نسكه، ويقول: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له» (^١).\nتبين من خلال البحث ما يلي:\nأن حديث وائل بن حجر منكر، تفرد به مؤمل بن إسماعيل، وخالف من هو أوثق منه، والمنكر لا يصلح للاعتبار.\nوحديث هلب الطائي شاذ، والشاذ خطأ، لا يصلح للاعتبار.\nوطريق محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل الحضرمي مسلسل بالضعفاء.\nوأثر علي ﵁ ضعيف، ومضطرب سندًا ومتنًا.\nوأحسنها مرسل طاوس، فمن يحتجَّ بالمرسل مطلقًا، يستَقَمْ له الاحتجاج به، ومن لم يعتبرْ المرسل حجة مطلقًا -وهو الأقوى-أو يَرَهُ حجة بشرط أن يعتضد بمثله فلن يصلح له الاحتجاج بمرسل طاوس، فلا يثبت به حكمًا، والله أعلم.\nدليل من قال: يضعهما تحت الصدر:\nاستدل الشافعية بأدلة من قال: يضعهما على صدره، كحديث وائل بن حجر، وحديث هلب الطائي، وأثر علي، ومرسل طاوس، فحملوا قوله: (على صدره) أي على مقاربته، وذلك بأن تكون اليدان تحت الصدر فوق السرة، ولأن ما تحت الصدر القلب، وهو محل الخشوع، ولا يخفى أن هذه الآثار لا تطابق المدعى.\nلهذا قال الشوكاني في النَّيْلِ: «احتجت الشافعية لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه من حديث وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره.\nوهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر كما تقدم» (^٢).\n_________\n(^١). المرجع السابق (٨/ ٥٠٣).\n(^٢). نيل الأوطار (٢/ ٢٢٠).","vol":"1","page":626},{"text":"• دليل من قال: يضعهما فوق سرته:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٧٣) ما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند، من طريق يحيى بن أبي زائدة، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة،\nعن علي، قال: إن من السنة في الصلاة وضع الأكف، على الأكف تحت السرة (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (١/ ١١٠).\n(^٢). فيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: زياد بن زيد السوائي: قال أبو حاتم الرازي: مجهول، الجرح والتعديل (٣/ ٥٣٢)، وكذا قال ابن حجر، وقال الذهبي في الكاشف: لا يعرف.\nالعلة الثانية: أن مداره على عبد الرحمن بن إسحاق، قال البخاري: فيه نظر. وهذا جرح شديد من الإمام البخاري. تهذيب التهذيب (٢/ ٤٨٦).\nوقال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث.\nوقال البيهقي: متروك.\nالعلة الثالثة: اضطراب عبد الرحمن بن إسحاق فيه:\nفقيل: عنه، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، عن عليٍّ ﵁.\n\nوقيل: عنه، عن النعمان بن سعد، عن عليٍّ ﵁.\nوقيل: عنه، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، عن أبي هريرة، فجعله من مسند أبي هريرة.\nوإليك بيان هذه الوجوه الثلاثة:\nفقد رواه حفص بن غياث، واختلف على حفص:\nفرواه محمد بن محبوب (ثقة) كما في سنن أبي داود (٧٥٦)،\nونعيم بن حماد (صدوق يخطئ كثيرًا) كما في أحكام القرآن للطحاوي (٣٢٧)، كلاهما عن حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد بن زيد، عن أبي جحيفة، أن عليًّا ﵁، قال: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة.\nخالفهما أبو كريب محمد بن العلاء كما في سنن الدارقطني (١١٠٣)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٨).\nوأبو سعيد الأشج كما في الخلافيات للبيهقي ت فريق البحث بشركة الروضة (١٤٨٦)، فروياه عن حفص بن غياث، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁، أنه كان يقول: إن من سنة الصلاة وضع اليمين على الشمال تحت السرة. =","vol":"1","page":627},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوالحمل في هذا الاختلاف على عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وقد عرفت ما فيه.\nوقد رواه يحيى بن زائدة كما في زوائد عبد الله بن أحمد على المسند (١/ ١١٠)، وسنن الدارقطني (١١٠٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٧٧١).\nوأبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٤٥، ٣٩٩٨)، وسنن الدارقطني (١١٠٢)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٩٤)، كلاهما (أبو معاوية، ويحيى بن زائدة)، عن عبد الرحمن ابن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة، عن عليٍّ ﵁، بمثل رواية حفص بن غياث من رواية محمد بن محبوب، ونعيم بن حماد عنه.\nخالف كل هؤلاء عبد الواحد بن زياد (ثقة في حديثه عن الأعمش مقال)، فرواه عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة.\nرواه أبو داود (٧٥٨)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٦)، والدارقطني في السنن (١٠٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٤)، والبيهقي في الخلافيات (١٤٨٧)، من طريق عن عبد الواحد بن زياد به.\nوالحديث ذكره النووي في الخلاصة (١/ ٣٥٨، ٣٥٩) «من فصل الضعيف، وقال: اتفقوا على تضعيفه؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، منكر الحديث، مجمع على ضعفه».\nوقد روي عن علي بن أبي طالب بإسناد أمثل من هذا مخالفًا لرواية عبد الرحمن بن إسحاق.\nفقد رواه أبو داود (٧٥٧) من طريق أبي بدر (شجاع بن الوليد) عن أبي طالوت عبد السلام، عن ابن جرير الضبي، عن أبيه، قال: رأيت عليًّا يمسك شمالَه بيمينه على الرُّسغ فوق السرة.\nوابن جرير الضبي اسمه غزوان، روى عنه يحيى بن سعيد القطان كما في التمهيد (١٥/ ٣١١) بإسناد صحيح، وروى عنه أبو طالوت عبد السلام ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، ولا يعرف توثيقه عن غيره، ورواية ابن القطان عنه، وتخريج البخاري له معلقًا بصيغة الجزم ترفع عنه الجهالة، وفي التقريب: مقبول.\nوأبوه جرير الضبي روى عنه اثنان: ابنه وأبو الحكم، ذكر ذلك مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٣/ ١٨٩)، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف، وفي التقريب: مقبول.\nوالأثر قد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣١١٢) حدثنا وكيع،\nوالبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١١)، قال: قال لي أبو نعيم: كلاهما عن عبد السلام بن شداد به، بلفظ: أن عليًّا كان إذا سلم، لا يبالي انصرف على يمينه، أو على شماله.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥) من طريق مسلم بن إبراهيم: حدثنا عبد السلام بن أبي حازم: ثنا غزوان بن جرير، عن أبيه؛ أنه كان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب، قال: كان عليٌّ إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبه، فإذا سلَّم: سلَّم عن يمينه: سلام عليكم، ثم يلتفت عن شماله، فيحرِّك شفتيه، فلا ندري ما يقول، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعبد إلا إياه، ثم يقبل على القوم بوجهه، فلا يبالي عن يمينه انصرف، أو عن شماله. قال البيهقي: هذا إسناد حسن.\nوعلَّقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه من كتاب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، قبل ح (١١٩٨)، قال البخاري: ووضع عليٌّ كفَّه على رسغه الأيسر، إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبًا.\nوهذا ذهاب من البخاري إلى صحة هذا الأثر عن علي، وحسن الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٤٤٣)، إلا أن أبا بدر شجاع بن الوليد قد انفرد بذكر وضع اليد فوق السرة عند أبي داود، وهو صدوق له أوهام، وكل من رواه عن عبد السلام لم يذكر هذا الحرف فيه، فأخشى ألا يكون محفوظًا، والله أعلم.","vol":"1","page":628},{"text":"الدليل الثاني:\n(ث-٢٩٥) ما رواه أبو داود من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن ابن إسحاق الكوفي، عن سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، قال:\nقال أبو هريرة: أخْذُ الأكُفِّ على الأكُفِّ في الصلاة تحت السرة (^١).\n[منكر] (^٢).\n• دليل من قال بالتخيير:\nالثابت من السنة وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. اهـ\nوقد ثبت ذلك من حديث سهل بن سعد عند البخاري، وأما تعيين المحل الذي يكون فيه الوضع من البدن فلم يثبت فيه شيء، وإذا لم تكن السنة صحيحة صريحة تقوم بها الحجة فإن ذلك لم يكن عن غفلة، ولا نسيان -تعالى الله- وإنما أراد الشارع من ذلك التوسعة على العباد، فإن شاء وضعهما تحت الصدر فوق السرة، وإن شاء وضعهما تحت السرة.\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٥٨).\n(^٢). سبق تخريجه ولله الحمد ضمن طرق أثر عليٍّ ﵁، والاختلاف فيه على عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي.","vol":"1","page":629},{"text":"يقول ابن المنذر في الأوسط: «... ليس في المكان الذي يضع عليه اليد خبر يثبت عن النبي ﷺ، فإن شاء وضعهما تحت السرة، وإن شاء فوقها» (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). الأوسط (٣/ ٩٤).","vol":"1","page":630},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الفرع الثامن في وقت القبض</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• رفع اليدين في تكبيرة الإحرام ينتهي إلى القبض، وليس إلى الإرسال ثم القبض.\n• القبض في الصلاة سنة القيام وليس سنة القراءة.\n• لا يوجد من السنة ما يدل على وجود فاصل بين الرفع والقبض.\n[م-٥١٠] اختلف الفقهاء في وقت القبض:\nفقيل: ينتهي الرفع من التكبير إلى وضع يده اليمنى على اليسرى، فلا يرسل يديه، ثم يستأنف رفعهما، وبه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^١).\nقال ابن الصلاح في شرح مشكل الوسيط: «ثم حالة إرسال اليدين لا ينبغي أن يرسل يديه، ثم يستأنف رفعهما إلى الصدر، فإني سمعت واحدًا من المحدثين يقول: الخبر إنَّما ورد بأنَّه يرسل يديه إلى صدره» (^٢).\n• علل الحنفية ذلك:\nبأن وضع اليمنى على اليسرى سنة في القيام الذي فيه ذكر.\n(ح-١٢٧٤) يدل له ما رواه النسائي، عن موسى بن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري قالا: حدثنا علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا\n_________\n(^١). العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٧)، تبيين الحقائق (١/ ١١١)، المبسوط (١/ ٢٤)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦)، المجموع (٣/ ٣١١)، روضة الطالبين (١١٨/ ٢٣٢).\n(^٢). شرح مشكل الوسيط (٢/ ٩١).","vol":"1","page":631},{"text":"كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوقال محمد بن الحسن: يرسل يديه وقت دعاء الاستفتاح، فإذا شرع في القراءة وضع يده اليمنى على اليسرى (^٣).\nجاء في الجوهرة النيرة: «قال محمد: لا يضع ما لم يشرع في القراءة» (^٤).\n• وجه قول محمد:\nأن وضع اليد اليمنى على اليسرى هو سنة القراءة، لا سنة الثناء، وعليه فإنه يرسل عنده في حال الثناء، وفي حال القنوت، وفي صلاة الجنازة.\nوعند أبي حنيفة وأبي يوسف يقبض في الكل (^٥).\nقال في العناية: «وثمرته تظهر في المصلي بعد التكبير، فعندهما: لا يرسل حالة الثناء. وعند محمد: يرسل، فإذا أخذ في القراءة اعتمد» (^٦).\nوفي وجه للشافعية: يرسلهما، ثم يستأنف رفعهما، ولم يربطوا ذلك بالقراءة، وهو وجه في مقابل الأصح عندهم (^٧).\nقال النووي: «والأصح أنه إذا أرسلهما أرسلهما إرسالًا خفيفًا إلى تحت صدره فقط، ثم يضع اليمين على اليسار.\nوقيل يرسلهما إرسالًا بليغًا ثم يستأنف رفعهما إلى تحت صدره والله أعلم» (^٨).\n(ح-١٢٧٥) والأصح القول الأول، ويدل له ما رواه أبو داود من طريق بشر\n_________\n(^١). سنن النسائي (٨٨٧).\n(^٢). سبق تخريجه، وانظر تخريجه أيضًا في المسألة التي تلي هذه.\n(^٣). تبيين الحقائق (١/ ١١١)، المبسوط (١/ ٢٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص:٢٥٨).\n(^٤). الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥١).\n(^٥). انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٨).\n(^٦). العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٧).\n(^٧). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦)، المجموع (٣/ ٣١١)، روضة الطالبين (١١٨/ ٢٣٢).\n(^٨). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٦).","vol":"1","page":632},{"text":"ابن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي، قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه .... وذكر الحديث (^١).\nوقد تابع بشر بن المفضل كل من: عبد الله بن إدريس، وأبي الأحوص سلام ابن سليم، وعبد الواحد بن زياد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وزهير بن معاوية، وعبيدة بن حميد، كلهم رووهم عن عاصم به، بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه).\n[صحيح] (^٢).\nفالحديث ظاهره أنه يرفع يديه، ثم يأخذ شماله بيمينه، فلو كان يرسلهما قبل أن يأخذ شماله بيمينه لنقل ذلك في السنة.\nقال شيخنا محمد بن عثيمين ﵀: «بعض الناس يقول: الله أكبر، ثم يرسل يديه، ثم يرفعهما ويقبضهما، وهذا ليس له أصل، بل من حين أن ينزلهما مِن الرَّفْع يقبض الكُوعَ» (^٣).\nوقول شيخنا: ليس له أصل يعني من السنة، وإلا من أقوال الفقهاء فقد علمت أنه قول محمد بن الحسن، وقول في مذهب الشافعية، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٢٦، ٧٥٩)، ومن طريق بشر بن المفضل رواه النسائي (١٢٦٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٤٧)، وانظر تخريجه أيضًا في المسألة التي تلي هذه.\n(^٣). الشرح الممتع (٣/ ٣٥).","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الفرع التاسع في صفة وضع اليدين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إذا أمكن حمل الألفاظ المختلفة على صفة واحدة بلا تكلف فهو أولى من حمل الألفاظ على صفات متعددة؛ لأن الأصل عدم التعدد.\n• الحديث الواحد يأتي في رواية بالقبض وفي أخرى بالوضع مما يدل على أن من عبر بالوضع أراد به القبض.\n• وضع اليد اليمنى على اليسرى ربما أطلق في الأحاديث وأريد به ما يقابل الإرسال، لا ما يخالف القبض.\n• لو كان الوضع مخالفًا بالمعنى لصفة القبض لأوجب ذلك إعلال الأحاديث بالاضطراب؛ لاختلافها بين القبض والوضع، ولم ينقل عن عالم واحد أنه أعلَّ هذه الأحاديث؛ لاختلافها بذلك.\n• كل من قبض شماله بيمينه فإنه يصدق على أنه وضع يده عليها.\n• لو كان هذا الاختلاف بين القبض والوضع مقصودًا لنقل عن الصحابة ﵃ عند اختيار أحدهما نَفْيُ الآخر، ولتوقفوا عندهما إما بالتخيير، وإما بالترجيح، وإما بالإرشاد إلى فعل هذا مرة، وهذا مرة.\n[م-٥١١] قبل الكلام على صفة وضع اليدين يستحسن أن نُعَرِّف بعض الألفاظ ليسهل الفهم.\nفالرسغ: هو المفصل بين الكف والساعد، ومنه تقطع يد السارق، وله طرفان هما عظمان في مفصل الكف، فالذي يلي الإبهام: كوع، والذي يلي الخنصر:","vol":"1","page":634},{"text":"كرسوع (^١).\nفالرسغ: وسط طرفاه الكوع والكرسوع.\nقال الناظم:\nوعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط (^٢).\n[م-٥١٢] اختلف العلماء في صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى:\nفقيل: يقبض يده اليمنى على كوع اليسرى، وهو اختيار أبي يوسف، وقول في مذهب الحنابلة، وفي صلاة النفل عند المالكية (^٣).\nوالمراد من قولهم: يقبض كوع اليسرى، أي المفصل، وهو من إطلاق البعض على الكل، ومثله من قال: يقبض الرسغ.\nوقيل: يضع -بلا قبض- كف يده اليمنى على كوع يده اليسرى، وبه قال محمد بن الحسن، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١). انظر مغني المحتاج (١/ ٣٩١)، حاشية ابن عابدين (١/ ١١١).\n(^٢). الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ١١١).\n(^٣). قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ١١١): «وعند أبي يوسف يقبض بيده اليمنى على رسغ يده اليسرى».\nوقبض الرُّسْغ المقصود به قبض الكوع؛ لأن الرسغ لا يمكن قبضه إلا بقبض طرفيه، وهما الكوع والكرسوع، فلو قالوا: يقبض المفصل لشمل قبض الرسغ والكوع والكرسوع، جاء في المطلع على ألفاظ المقنع (ص: ٥١): ويقال للمفصل: رسغ. اهـ وقد بينت في مدخل المسألة معنى الرُسْغ والكوع والكرسوع.\nوانظر: الجوهرة النيرة (١/ ٥١)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٣)،\nوأما مذهب المالكية فقد علمت أن المعتمد كراهة القبض مطلقًا في الفرض، وجوازه في النفل على خلاف أيجوز مطلقًا، أم إذا طالت الصلاة، فهذا التفصيل مبني على هذا الاختيار.\nانظر في مذهب المالكية: شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢١٦)، منح الجليل (١/ ٢٦٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٨)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٨)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٩)، الإنصاف (٢/ ٤٦)، المغني (١/ ٣٤١)، الإقناع (١/ ١١٤)، الفروع (٢/ ١٦٨).\n(^٤). تبيين الحقائق (١/ ١١١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠١).\nوقال المرداوي في الإنصاف: (٢/ ٤٦): «ثم يضع كف يده اليمنى على كوع اليسرى، هذا المذهب، نص عليه، وعليه جمهور الأصحاب».\nوفي شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٦): «ثم يسن له بعد التكبير وضع كف يد يمنى على كوع يد يسرى».\n\nوالنص نفسه في مطالب أولي النهى (١/ ٤٢٤)، فعبر في الإنصاف وفي المنتهى وفي مطالب أولي النهى بالوضع بدلًا من القبض، وهو مخالف لما في الإقناع حيث عبر بالقبض، فقال في الإقناع (١/ ١١٤): «ثم يقبض بكفه الأيمن كوعه الأيسر». وانظر كشاف القناع (١/ ٣٣٣).\nوإذا اختلف الإقناع والمنتهى فالمقدم المنتهى.","vol":"1","page":635},{"text":"ولا فرق بينه وبين القول السابق إلا أن السابق قال بالقبض، وهذا اختار الوضع.\nوقيل: يجمع بين الوضع والقبض (الأخذ)، وذلك بأن يقبض كوعه بإبهامه، وكرسوعه بخنصره، ويرسل الباقي على ساعده، جمعًا بين أحاديث الأخذ والوضع، وقد استحسن هذا كثير من مشايخ الحنفية، وهو قول في مذهب الشافعية (^١).\nوقيل: يقبض بيمينه كوع يسراه، وبعض ساعدها ورسغها، وهو المشهور من\n_________\n(^١). في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال مشهورة:\nالقول الأول: اختاره محمد بن الحسن: أن يضع -بلا قبض- كفه اليمنى على كوع اليسرى.\nالثاني: قول أبي يوسف، وهو مثل قول محمد إلا أنه يرى القبض بدلًا من الوضع، فيقبض بيمينه كوع كفه اليسرى.\nالثالث: استحسن أكثر مشايخ الحنفية الجمع بين القبض والوضع، ووصف ذلك ابن عابدين، فقال في حاشيته (١/ ٤٨٧): «يحلق الخنصر والإبهام على الرسغ (يقصد على طرفيه الكوع والكرسوع) ويبسط الأصابع الثلاث كما في شرح المنية ونحوه في البحر والنهر والمعراج والكفاية والفتح والسراج وغيرها.\nوقال في البدائع: ويحلق إبهامه وخنصره وبنصره، ويضع الوسطى والمسبحة على معصمه، وتبعه في الحلية، ومثله في شرح الشيخ إسماعيل عن المجتبى.\n(قوله هو المختار) كذا في الفتح والتبيين، وهذا استحسنه كثير من المشايخ ليكون جامعًا بين الأخذ والوضع الْمَرْوِيَّين في الأحاديث، وعملًا بالمذهب احتياطًا كما في المجتبى وغيره». ... وهناك صفتان ذكرهما الحنفية دون أن ينسبوهما لأحد من أصحابهم.\nإحداهما: أن يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى.\nالثانية: أن يضع كفه اليمنى على ذراعه اليسرى.\nانظر بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١١)، منحة الخالق حاشية على البحر الرائق (١/ ٣٢٦)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":636},{"text":"مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^١).\nوالفرق بين هذا القول والسابق أن هذا قال بقبض الكوع والرسغ والساعد، والسابق قال بالجمع، فيقبض بالخنصر والإبهام، ويضع الباقي على الساعد بلا قبض.\nوقيل: يتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل، وبين نشرها صوب الساعد، وهو قول في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: يضع كفه اليمنى على كفه اليسرى، وهو قول محكي في مذهب الحنفية (^٣).\nوقيل: يضع كفه اليمنى على ذراعه اليسرى، وهو قول محكي في مذهب الحنفية (^٤).\nقال في تحفة المحتاج: «ويظهر أن الخلاف في الأفضل، وأن أصل السنة يحصل بكلٍّ» (^٥).\nوقيل: لا تعارض بين هذه الصفات، فكلها جائزة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات مختلفة (^٦).\nوكأن صاحب هذا القول حمل اختلاف هذه الصفات على تنوع العبادة، والسنة في العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، أنه يجوز فعلها على جميع تلك الوجوه من غير كراهة، بل الأفضل أن يأتي بهذا مرة، وبهذا مرة؛ ليصيب السنة على وجوهها المختلفة، ولا يهجر بعض ما ثبت عن النبي ﷺ.\nوهذا التوجه جيد إلا أنه مشروط بشرطين:\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٣٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٩١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٨)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٢)، الفروع (٢/ ١٦٨)\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٣٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٩١)،.\n(^٣). انظر بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢).\n(^٤). المرجع السابق.\n(^٥). تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣).\n(^٦). مرعاة المفاتيح (٣/ ٦٠).","vol":"1","page":637},{"text":"الأول: أن تثبت صفة العبادة بسند صحيح عن النبي ﷺ، فلا عبرة بالصفات الواردة في أحاديث شاذة أو منكرة؛ لأن مثلها محمول على الوهم، والخطأ، وهذا يصدق على بعض الصفات الواردة، كوضع اليد على الكف، والرسغ، والساعد.\nالثاني: ألا يمكن حملها على صفة واحدة، فإن أمكن حملها بلا تكلف على صفة واحدة، فالأصل عدم التعدد، كالاختلاف بين الوضع والقبض، فإنهما بمعنى واحد يراد منهما ما يقابل السدل والإرسال.\nهذا ما وقفت عليه من أقوال سادتنا الفقهاء عليهم رحمة الله، وهي ترجع في أصلها إلى صفتين:\nصفة تتعلق باليد اليمين لا تخرج عن صفتين: الوضع أو القبض.\nوصفة تتعلق باليد الشمال وفيها أقوال:\nفقيل: قبض وقيل: وضع اليد على الكوع، والمقصود بالكوع المفصل، والقول بالقبض هو قول أكثر العلماء.\nوقيل: الجمع بين القبض والوضع، وقد علمت صفته.\nوقيل: قبض الكوع والرسغ وبعض الساعد.\nوقيل: وضع الكف على الكف.\nوقيل: وضع الكف على الذارع.\nهذا ملخص الأقوال، وهي أكثر من النصوص الواردة في المسألة، فتعال أُخَيّ بعد أن وفقنا الله على الوقوف على هذه الأقوال نأتي على ذكر ما ورد فيها من أدلة:\n• دليل من قال: السنة الوضع وليس القبض:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٧٦) ما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم، أنهما حدثاه،\nعن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على","vol":"1","page":638},{"text":"اليسرى ... الحديث (^١).\n[حديث علقمة بن وائل، عن أبيه روي عنه بصفة الوضع ورواه بعضهم بصفة القبض، ورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فمن قبض يده بالأخرى فإنه يصدق عليه أنه وضع يديه عليها، فرجعت رواية الوضع إلى رواية القبض] (^٢).\n_________\n(^١). مسلم (٥٤ - ٤٠١).\n(^٢). حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، رواه عن علقمة ثلاثة: عبد الجبار بن وائل، وموسى بن عمير، وقيس بن سليم.\nفأما رواية عبد الجبار، فرواه محمد بن جحادة، واختلف عليه:\nفرواه همام، عن محمد بن جحادة بلفظ: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى) بصفة الوضع.\n\nورواه عبد الوارث، عن محمد بن جحادة بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه)، والأخذ إشارة إلى القبض.\nوأما رواية موسى بن عمير، عن علقمة بن وائل، فقد فاختلف فيه على موسى بن عمير:\nفرواه وكيع عنه، بلفظ: رأيت النبي ﷺ وضع يمينه على شماله في الصلاة.\nورواه عبد الله بن المبارك، وأبو نعيم الفضل بن دكين عن موسى بن عمير بلفظ: (قبض بيمينه على شماله).\nفأنت ترى أن وكيعًا رواه بالوضع، وأبا نعيم وابن المبارك روياه بالقبض.\nورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فكل من قبض بيمينه على شماله فإنه يصدق عليه أنه وضعها عليها، لهذا لا أرى إثبات صفتين، بل هما صفة واحدة.\nورواه المسعودي، عن عبد الجبار من رواية وكيع وعمرو بن مرزوق عنه بصفة الوضع.\nورواه جمع عن المسعودي، فلم يذكروا وضع اليدين، ولعلهم اختصروا الحديث.\nهذا الحديث من حيث الإجمال، وأما تخريجه بالتفصيل فإليك هو:\nالطريق الأول: عبد الجبار، عن علقمة بن وائل، عن أبيه.\nرواه عن عبد الجبار اثنان: محمد بن جحادة، والمسعودي،\n(١) - أما رواية محمد بن جحادة، فرواه عن عبد الجبار، واختلف عليه فيه:\nفرواه همام، عن محمد بن جحادة، بلفظ: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى).\nرواه عن همام ثلاثة:\nالأول: عفان، عن همام.\nأخرجه مسلم (٥٤ - ٤٠١)، وأحمد (٤/ ٣١٧، ٣١٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٨)، وابن خزيمة (٩٠٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩)، والبيهقي في السنن، من طريق عفان، عن همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، عن أبيه. =","vol":"1","page":639},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعفان من أثبت أصحاب همام.\nوخالف حجاج بن منهال عفان بن مسلم في إسناده.\nفرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٦٠) ح ٦٠، حدثنا علي بن عبد العزيز.\nوأبو جعفر البختري كما في مجموع مصنفات أبي جعفر (٣٦ - ٧٠٥) قال: حدثنا حنبل: كلاهما عن حجاج بن منهال: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل ابن حجر، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه وكبر، ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى .... وذكر الحديث بتمامه. فذكر اليدين بصفة الوضع.\nورواه أبو داود (٧٣٦، ٨٣٩)، حدثنا محمد بن معمر.\nوالقطيعي في جزء الألف دينار (١٨٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩)، عن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم (الكشيِّ)، كلاهما عن حجاج بن منهال به، مختصرًا.\nوتابع أبو عمرو الحوضي حجاجًا في إسناده، فرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٧) ح ٦٠، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩) مقرونًا برواية حجاج بن منهال.\nوالمحفوظ رواية عفان عن همام، وقد تابع عبد الوارث همامًا من رواية عفان عنه على إسناده بذكر علقمة بن وائل، وإن اختلف معه في صفة وضع اليد.\nفرواه عبد الوارث بن سعيد (ثقة)، عن محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، عن وائل بن علقمة، عن وائل بن حجر، وفيه: (.... ثم أخذ شماله بيمينه ...).\nأخرجه أبو داود في السنن (٧٢٣) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي (ثقة ثبت)،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧)، وفي أحكام القرآن (٣٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨) ح ٦١ من طريق أبي معمر المقعد: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج (ثقة)،\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦١٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨)، ح ٦١، عن محمد بن عبيد بن حساب (ثقة).\nوابن خزيمة (٩٠٥)، وأبو نعيم في مستخرجه مقرونًا بغيره (٨٨٩) عن عمران بن موسى القزاز (صدوق)،\nوابن حبان (١٨٦٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي (ثقة)،\nخمستهم (عبيد الله، وأبو معمر، ومحمد بن عبيد، وعمران وابراهيم بن الحجاج السامي) رووه عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، قال:: كنت غلامًا لا أعقِلُ صلاةَ أبي، قال: فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي: وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه ... وذكر الحديث.\nفقلب اسم علقمة بن وائل إلى وائل بن علقمة إلا رواية الطبراني فجاءت على الصحيح، ... فاختار ابن حبان أن الوهم في اسمه من قبل ابن جحادة، فقال: «محمد بن جحادة: من الثقات=","vol":"1","page":640},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nالمتقنين، وأهل الفضل في الدين؛ إلا أنه وَهِم في اسم هذا الرجل، إذ الجوادُ يَعْثُر، فقال: وائل بن علقمة، وإنما هو: علقمة بن وائل».\nواختار ابن خزيمة أن الوهم من عبد الوارث، قال ابن خزيمة: «هذا علقمة بن وائل لا شك فيه، لعل عبد الوارث أو من دونه شك في اسمه، ورواه همام بن يحيى: ثنا محمد بن جحادة: حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، عن أبيه وائل بن حجر».\nفالذي جعل ابن خزيمة يبرئ ساحة ابن جحادة رواية همام عنه على الصواب.\nويحتمل أن يكون ابن جحادة كان قد رواه على الصواب، ثم دخله الوهم فيه بعد ذلك.\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (١/ ٤٣٧/٩٧٤): «سمعت القواريري يقول: ذهبت أنا وعفان إلى عبد الوارث، فقال: أيش تريدون؟ فقال له عفان: أخرج حديث ابن جحادة، فأملاه من كتابه: حدثنا محمد بن جحادة، قال: حدثني وائل بن علقمة، عن أبيه وائل بن حجر، قال: فقال له عفان: هذا كيف يكون؟ حدثنا به همام، فلم يقل هكذا، قال: فضرب بالكتاب الأرضَ، وقال: أخرج إليكم كتابي ويقولون أخطأت».\nوالخطب سهل، ما دام الراوي ثقةً معروفًا، وليس محل البحث الآن من أين جاء الوهم، بل البحث متوجه إلى صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى، فحسب.\nفقد ذكر عبد الوارث صفة وضع اليمين على الشمال بقوله: (ثم أخذ شماله بيمينه) فعبر بالأخذ، وهو كناية عن القبض مخالفًا لهمام بن يحيى والذي رواه بلفظ: (وضع يده اليمنى على اليسرى)، ولم يعترض عفان على عبد الوارث بهذا اللفظ مما يدل على أن الوضع المراد منه القبض، وإنما عارضه في قلب اسم علقمة بن وائل، والله أعلم.\nوزاد فيه عبد الوارث: رفع اليدين من السجود، وهذا الحرف شاذ أيضًا، وليس محل البحث الآن، هذا فيما يتعلق برواية ابن جحادة، عن عبد الجبار.\n(٢) وأما رواية المسعودي، عن عبد الجبار:\nفقد سبق تخريجها، إلا أن البحث في التخريج السابق كان متوجهًا لبحث رفع اليدين مع التكبيرة، فأعيد تخريجه الآن في بحث صفة وضع اليدين، أسأل الله العون والتوفيق:\nفقد رواه وكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، عن المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن أبي، أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبيرة، ويضع يمينه على يساره في الصلاة.\nووكيع ممن روى عن المسعودي قبل اختلاطه.\nوتابعه على ذكر وضع اليد اليمنى على الأخرى عمرو بن مرزوق،\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢) ح ٧٦، بلفظ: (أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه إذا افتتح الصلاة، ووضع اليمنى على اليسرى، ويحبس كفيه).\nوابن مرزوق قد روى عن المسعودي قبل اختلاطه\nورواه يزيد بن زريع كما في سنن أبي داود (٧٢٥)، عن المسعودي به مختصرًا، بلفظ: =","vol":"1","page":641},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n(يرفع يديه مع التكبيرة).\nوأبو حفص عمرو بن علي الفلاس، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢) ح ٧٧، حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي (فيه جهالة)، حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، (لم يدرك المسعودي)، كلاهما (يزيد بن زريع، وأبو حفص)، عن المسعودي بلفظ: (أنه رفع يديه مع التكبيرة).\nويزيد بن زريع ممن روى عن المسعودي قبل اختلاطه. ...\nوتابعهم على هذا اللفظ أبو النظر: هاشم بن القاسم، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٠) إلا أنه زاد (ويسجد بين كفيه).\nورواه الطيالسي في مسنده (١١١٥) عن المسعودي به، بلفظ: (أنه صلى مع النبي ﷺ فسلم عن يمينه، وعن شماله).\nواختلف فيه على المسعودي في إسناده أيضًا:\nفرواه الطيالسي، ووكيع، ويزيد بن زريع، وعمرو بن مرزوق، وأبو النظر، وعمرو بن علي، كلهم رووه عن المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن وائل بن حجر.\nوخالفهم كل من:\nيزيد بن هارون (ممن روى عن المسعودي بعد اختلاطه) كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٢) ح ٧٥،\nوأسد بن موسى. رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٢) ح ٧٤، حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه) حدثنا أسد بن موسى، كلاهما (يزيد وأسد)، عن المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه.\nوعبد الجبار لم يسمع من أبيه.\nولفظ يزيد بن هارون: أن رسول الله ﷺ كان يسجد بين كَفَّيْه.\nولفظ أسد بن موسى: لما قدم أبي على النبي ﷺ رآه يضع يده اليمنى على اليسرى، ورفع يديه مع كل تكبيرة.\nوالمحفوظ من إسناده رواية وكيع ويزيد بن زريع ومن تابعهما، في ذكر واسطة بين عبد الجبار وأبيه، إلا أن المسعودي أبهم الواسطة بين عبد الجبار وأبيه، ورواه محمد بن جحادة، وحفظ الواسطة بينهما، ولم يذكره بلفظ: (يرفع يديه مع التكبيرة)، وهو المحفوظ.\nالطريق الثاني: موسى بن عمير (ثقة)، عن علقمة بن وائل: ...\nرواه موسى بن عمير الكوفي واختلف عليه في صفة وضع اليدين:\nفرواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٣٨)، ومسند أحمد (٤/ ٣١٦)، وسنن الدارقطني (١١٠١)، ومجلس من أمالي أبي عبد الله بن منده (٣٠٩)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٣٠)، عن موسى بن عمير، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه: بلفظ: رأيت النبي ﷺ وضع يمينه على شماله في الصلاة. =","vol":"1","page":642},{"text":"• ويناقش:\nبأن وضع اليد اليمنى على اليسرى ربما أطلق في الأحاديث وأريد به ما يقابل الإرسال، لا ما يخالف القبض، فإن من قبض شماله بيمينه فقد وضعها على الأخرى؛ والراوي الواحد تارة يروي الحديث بلفظ القبض، وتارة يرويه بلفظ\n_________\n=\nورواه عبد الله بن المبارك كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٨٧)، وفي الكبرى له (٩٦٣)، وسنن الدارقطني (١١٠٤)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٧٢).\nوأبو نعيم الفضل بن دكين، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٩) ح ١، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ٧٢)، كلاهما (ابن المبارك، وأبو نعيم) عن موسى بن عمير، بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله. زاد أبو نعيم: ورأيت علقمة يفعله.\nفأنت ترى أن وكيعًا رواه بالوضع، وأبا نعيم وابن المبارك روياه بالقبض، ورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فكل من قبض بيمينه على شماله فإنه يصدق عليه أنه وضعها عليها، لهذا لا أرى إثبات صفتين، بل هما صفة واحدة. ...\nورواه بكر بن بكار العبسي كما في أحكام القرآن للطحاوي (١/ ١٨٨)، عن موسى بن عمير به، بلفظ: كان يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى إذا قام في الصلاة.\nوقد تفرد بكر بن بكار عن موسى بن عمير بلفظ: وضع اليمنى على الذراع اليسرى، وإنما يعرف هذا اللفظ من حديث سهل بن سعد الساعدي، وبكر بن بكار ضعيف.\nالطريق الثالث: قيس بن سليم العنبري، عن علقمة بن وائل.\nأخرجه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (١٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٩) ح ٢٧، عن أبي نعيم،\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٥٥)، وفي الكبرى (٦٤٦) أخبرنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، كلاهما أبو نعيم، وابن المبارك، عن قيس بن سليم العنبري، قال: حدثني علقمة بن وائل به، بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، زاد ابن المبارك: هكذا فأشار قيس إلى نحو الأذنين.\nورواه النسائي في المجتبى (٨٨٧)، ومن طريقه الدارقطني (١١٠٤) أخبرنا سويد بن نصر، أنبأنا عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى بن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري قالا: حدثنا علقمة بن وائل، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله.\nوأظن أن هذا لفظ موسى بن عمير العنبري، فإن النسائي حين أفرد طريق قيس بن سليم لم يذكر صفة وضع اليدين، والله أعلم.","vol":"1","page":643},{"text":"الوضع، والطرق كلها صحيحة، فلو كان هذا اختلافًا لأوجب إعلال الأحاديث بالاضطراب بين القبض والوضع، ولا يعرف أن عالمًا أعلَّ هذه الأحاديث بالاختلاف بين الوضع والقبض، ولا يعرف عن الصحابة ﵃ التفريق بين الوضع والقبض، فلو كان هذا مقصودًا بالاختلاف لنقل عن الصحابة عند اختيار أحدهما نَفْيُ الآخر، ولتوقفوا عنده إما بالتخيير، وإما بالترجيح، وإما بالإرشاد إلى فعل هذا مرة وذاك أخرى، فإذا لم ينقل اعتبار مثل هذه الألفاظ من الاختلاف عندهم فإن الأصل عدم التعدد، وأن مردهما إلى معنى واحد، لورودهما في الحديث الواحد، وأن المقصود من اللفظ ما ينافي إرسال اليدين، ويكون القبض هو المقصود؛ لاشتماله على الوضع وزيادة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٧٧) ما رواه أبو داود من طريق هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان النهدي،\nعن ابن مسعود، أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ، فوضع يده اليمنى على اليسرى (^١).\n[ضعيف، وسبق تخريجه] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك،\nعن قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة (^٣).\n[لم يروه عن هلب إلا ابنه قبيصة، ولا عن قبيصة إلا سماك] (^٤).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٥٥).\n(^٢). انظر أدلة القول الأول.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٣٤).\n(^٤). في إسناده قبيصة بن هلب، قال فيه ابن المديني: والنسائي: مجهول، زاد ابن المديني: لم يَرْوِ =","vol":"1","page":644},{"text":"الدليل الرابع:\n(ث-٢٩٦) روى البخاري في التاريخ الكبير: قال موسى: حدثنا حماد بن سلمة، سمع عاصمًا الجَحدَرِيَّ، عن أبيه، عَنْ عقبة بن ظَبيان،\nعن عليٍّ ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وضع يده اليمني على وسط ساعده على صدره (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n• دليل من قال: السنة القبض وليس الوضع:\n(ح-١٢٧٩) استدلوا بما رواه أبو داود من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة،\nحدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي قال: فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول\n_________\n=\nعنه غير سماك.\n\nوقد أشار يعقوب بن شيبة بأن تفرد سماك بالرواية عن الراوي لا ترفع عنه الجهالة.\nقال ابن رجب في شرح العلل (١/ ٣٧٨): «قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين». انتهى.\nوقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال الترمذي: حسن ... اهـ\nوالحسن عند الإمام الترمذي ليس هو الحسن الاصطلاحي عند المتأخرين إلا أن يحمل على الحسن لغيره، وقد كشف الترمذي عن اصطلاحه بقوله: «والحديث الحسن عندنا ما روي من غير وجه، ولم يكن شاذًّا، ولا في إسناده من يتهم بالكذب». انظر شرح علل الترمذي (٢/ ٦٠٦).\nفقوله: ما روي من غير وجه يقصد والله أعلم إما سندًا بحيث تتعدد طرقه بالمتابعات، وإما متنًا بحيث يأتي له شواهد أخرى تتفق معه، بحيث لا يتفرد الضعيف بأصل الحديث.\nوالحديث هذا يحمل على تعدد شواهده، لا طرقه، فإن الحديث لم يروه عن هلب إلا ابنه قبيصة، ولا عن قبيصة إلا سماك، ثم رواه جماعة من الثقات عن سماك، وقد سبق تخريجه في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، انظر (ح ١٢٧١).\n(^١). التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٧).\n(^٢). سبق تخريجه.","vol":"1","page":645},{"text":"الله ﷺ فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يديه في ثوبه ... وذكر الحديث (^١).\nورواه النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل،\nعن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله (^٢).\nتابع أبو نعيم الفضل بن دكين ابن المبارك فرواه عن موسى بن عمير به، بالقبض (^٣).\n[حديث وائل بن حجر من رواية علقمة بن وائل عن أبيه روي بوضع اليد، وروي بقبضها، وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر] (^٤).\nوجاء حديث وائل بن حجر من رواية عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، واختلف على عاصم بن كليب:\nفرواه شعبة، عن عاصم بلفظ: (ووضع يده اليمنى على اليسرى) (^٥).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٢٣).\n(^٢). سنن النسائي (٨٨٧).\n(^٣). كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٩) ح ١، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر أدلة القول الأول.\n(^٥). رواه أحمد (٤/ ٣١٩) حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شعبة، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يحدث عن وائل بن حجر الحضرمي، أنه رأى رسول الله ﷺ، فذكره، وقال فيه: ووضع يده اليمنى على اليسرى ... الحديث.\nورواه هاشم بن القاسم كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦) والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٠).\nومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، وصحيح ابن خزيمة (٦٩٧).\nومسلم بن إبراهيم كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٢٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، وفي الدعاء (٦٣٧).\nوأبو الوليد الطيالسي كما في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣.\nووهب بن جرير كما في صحيح ابن خزيمة (٦٩٨).\nوالنضر بن شميل كما في الفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣١) ستتهم (هاشم بن القاسم، ومحمد بن جعفر، ومسلم بن إبراهيم، والطيالسي، ووهب بن جرير، والنضر)، رووه عن شعبة، به، ولم يذكروا وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى بلفظ: (أنه رأى النبي ﷺ صلى، فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع، رفع يديه وخوى في ركوعه، وخوى في سجوده، فلما قعد يتشهد وضع فخذه اليمنى على اليسرى، ووضع يده اليمنى وأشار بإصبعه السبابة، وحلق بالوسطى.\nهذا لفظ هاشم بن القاسم، عن شعبة في مسند أحمد، والبقية رووه بنحوه.","vol":"1","page":646},{"text":"ورواه بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب به، بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه) وذلك من رواية مسدد، وإسماعيل بن مسعود، وبشر بن معاذ الضرير، عن بشر بن المفضل.\nوخالفهم محمد بن عبد الملك القرشي (صدوق)، فرواه عن بشر بن المفضل، بلفظ: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى).\nوقد تفرد بذلك البزار، عن محمد بن عبد الملك القرشي (^١).\nوقد رواه عبد الله بن إدريس، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعبد الواحد بن زياد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وزهير بن معاوية، وعبيدة بن حميد، كلهم رووه عن عاصم بن كليب به، بلفظ (ثم أخذ شماله بيمينه) (^٢).\n_________\n(^١). رواية بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن وائل:\nأخرجها أبو داود (٧٢٦، ٩٥٧)، قال: حدثنا مسدد،\n\nومن طريق مسدد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧) ح ٨٦، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥)،\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٥)، وفي الكبرى (١١٨٩) أخبرنا إسماعيل بن مسعود.\nوابن ماجه (٨١٠، ٨٦٧) حدثنا بشر بن معاذ الضرير، ثلاثتهم رووه عن بشر بن المفضل به، وفيه: (... ثم أخذ شماله بيمينه ....) وذكر الحديث.\nورواه البزار (٤٤٨٥) حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، قال: حدثنا بشر بن المفضل به، وفيه: (... ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ...)، لم يروه عن ابن المفضل إلا القرشي، تفرد به البزار، فإن كان (وضع اليد) يخالف لفظ (الأخذ) بالمعنى فإن رواية القرشي رواية شاذة، لأن أصحاب بشر رووه بالأخذ، ولا أدري أيكون الحمل فيها على البزار فإنه متكلم في ضبطه أم على شيخه القرشي (وثقه النسائي وفي التقريب: صدوق)، وعلى حمل الوضع على القبض، وهو الراجح، فلا إشكال.\n(^٢). أما رواية عبد الله بن إدريس، فرواها ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٣٥)، =","vol":"1","page":647},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوابن ماجه (٨١٠) حدثنا علي بن محمد، مقرونًا برواية بشر بن المفضل.\nوابن خزيمة (٤٧٧، ٦٤١) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج،\nوابن حبان (١٩٤٥) من طريق سلم بن جنادة، أربعتهم، رووه عن عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (ثم أخذ شماله بيمينه).\nزاد سلم بن جنادة فيه: (ثم كبر، ورفع يديه، ثم سجد)، وليس ذلك بمحفوظ\nورواه مختصرًا دون ذكر صفة وضع اليدين كل من\nالبخاري كما في قرة العينين برفع اليدين (٧١) حدثنا عبد الله بن محمد.\nوالنسائي في المجتبى (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣)، قال: أخبرني أحمد بن ناصح،\nوالترمذي (٢٩٢)، عن أبي كريب،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٢) وابن خزيمة عن علي بن خشرم،\nوالبزار كما في البحر الزخار (١٦٠٨) حدثنا عبد الله بن سعيد، ومحمد بن سعيد الضبعي،\nكما قطع ابن أبي شيبة الحديث مستشهدًا به في مواضع من مصنفه، ولم يذكر وضع اليدين، انظر: (٢٤١٠، ٢٤٢٦، ٢٦٦٦، ٢٩٢٣، ٣٩٣٥، ٨٤٤٢، ٢٩٦٧٩)، كلهم رووه عن ابن إدريس، عن عاصم بن كليب به، وهو حديث صحيح.\nوأما رواية أبي الأحوص، سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب به، فرواها أبو داود الطيالسي (١١١٣)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١)، حدثنا سلام بن سليم، قال: حدثنا عاصم بن كليب به، بلفظ: صليت خلف النبي ﷺ فقلت: لأحفظن صلاته، فافتتح الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى بلغ أذنيه، وأخذ شماله بيمينه ... وذكر الحديث. وهذا إسناد صحيح.\n\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨٠، حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه قال ابن مفرج: سماعه من أسد صحيح)، قال: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو الأحوص ... وفيه: (ثم أخذ شماله بيمينه)\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار مختصرًا (١/ ٢٣٠، ٢٥٩)، ومن طريق الطحاوي أخرجه ابن المقرئ في الأربعين (٤٢)، ولم يذكر صفة وضع اليدين.\nورواه الدارقطني (١١٣٤) من طريق صالح بن عمر الواسطي (ثقة)، عن أبي الأحوص به، ولم يذكر صفة وضع اليدين.\nوأما رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، فرواها أحمد (٤/ ٣١٦)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٤) حدثنا يونس بن محمد،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤) من طريق مسدد، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه ... وذكر الحديث. =","vol":"1","page":648},{"text":"ورواه أبو عوانة، عن عاصم بن كليب به، بلفظ: (ثم قبض باليمنى على اليسرى) (^١).\nورواه عبد الله بن الوليد، عن الثوري، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (... ورأيته ممسكًا يمينه على شماله في الصلاة) (^٢).\n_________\n=\nورواه البيهقي (٢/ ١٦٠) من طريق صالح بن عبد الله الترمذي، حدثنا عبد الواحد بن زياد به، ولم يذكر صفة وضع اليدين.\nوأما روياه خالد بن عبد الله الواسطي: فرواها البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨) من طريق مسدد،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣) من طريق وهب بن بقية، كلاهما (مسدد ووهب بن بقية) روياه عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم به، وفيه: (ثم أخذ شماله بيمينه)\nورواه الطحاوي (١/ ٢٥٧) من طريق الحماني، عن خالد بن عبد الله به، واقتصر الطحاوي على ذكر إسناده دون لفظه.\nوأما رواية زهير بن معاوية: فرواها أحمد (٤/ ٣١٨)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧)، حدثنا أسود بن عامر، حدثنا زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب، أن أباه أخبره، أن وائل بن حجر أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي، فقام فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه ... وذكر الحديث.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٤، من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا زهير به.\nوأما رواية عبيدة بن حميد، عن عاصم بن كليب: فرواها الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٦).\n\n(^١). أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٨) ح ٩٠، والبيهقي في المعرفة (٣/ ٥٠).\n(^٢). رواه أحمد (٤/ ٣١٨) حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثني سفيان به.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٦٨)، ومن طريقه أحمد في المسند (٤/ ٣١٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨١، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٠)، عن سفيان به، مطولًا، ولم يذكر صفة وضع اليدين.\nورواه أحمد مختصرًا (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف مختصرًا (٢٦٦٧) عن وكيع،\nورواه أحمد أيضًا مختصرًا (٤/ ٣١٨) حدثنا يحيى بن آدم وأبو نعيم (الفضل بن دكين).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩) وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣٧٠٩) من طريق أبي نعيم وحده.\nورواه النسائي في المجتبى مختصرًا (١٢٦٣)، وفي الكبرى مختصرًا (١١٨٨)، والطبراني في الكبير مختصرًا (٢٢/ ٣٣) ح ٧٨، من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ...\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٠) من طريق الحسين بن حفص،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٥، من طريق علي بن قادم، ستتهم (وكيع، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم، والفريابي والحسين بن حفص وعلي بن قادم) رووه عن سفيان به، واختصروه ولم يذكروا صفة وضع اليدين.","vol":"1","page":649},{"text":"خالفه مؤمل بن إسماعيل، وهو سيئ الحفظ، فرواه عن سفيان بلفظ: (ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره) (^١).\nورواه محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب به، بلفظ: (ثم ضرب بيمينه على شماله، فأمسكها) (^٢).\nوحديث عاصم بن كليب حديث صحيح، رواه عنه أكثر من عشرين نفسًا، ولكثرة من رواه عنه، فإن بعضهم قد ينفرد بحرف دون سائر الرواة، فذلك الذي ليس بمحفوظ، وأما ما يتفق عليه جماعة عنه فإنه حديث صحيح إذا صح الإسناد إلى عاصم، وقد اتفق أكثر الرواة عن عاصم بلفظ: (ثم أخذ شماله بيمينه)، وكون بعض الرواة لا يذكر ذلك فليس بقادح، لأن الرواة أحيانًا يختصرون الحديث، ورواه شعبة وحده عن عاصم بصفة الوضع، والله أعلم.\n• ويناقش:\nبأن حديث وائل بن حجر روي بالقبض، وروي بالوضع، وليس أحدهما بأولى بالقبول من الآخر، وهو حديث واحد؛ لأن وائل بن حجر لم تطل صحبته للرسول ﷺ حتى يتوهم أن ذلك ربما وقع متعددًا باختلاف المشاهد، فلا يحتمل حمله على صفتين، فلا سبيل لطالب العلم إلا أحد ثلاثة أمور:\nإما الجمع بين رواية الوضع والقبض.\nوإما الترجيح بين الروايات،\n_________\n(^١). أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٧٩)، وقد سبق تخريجها عند الكلام على زيادة مؤمل حرف: (على صدره).\nوقد رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣) من طريق مؤمل به، واختصره، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه).\n(^٢). رواه ابن خزيمة في صحيحه (٤٧٨).","vol":"1","page":650},{"text":"وإمَّا الحكم بالاضطراب.\nوالترجيح متعذر مع صحة الطرق، بل إن الطريق الواحد يأتي في رواية بالقبض، وفي أخرى بالوضع كطريق علقمة بن وائل، عن أبيه.\nوطريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.\nفهذه قرينة دالة على استبعاد فرضية تعدد الصفات.\nوحديث سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه ﵁:\nرواه إسرائيل، عن سماك، بلفظ: (يضرب بإحدى يديه على الأخرى في الصلاة).\nورواه أبو الأحوص، عن سماك: (فيأخذ شماله بيمينه).\nورواه سفيان الثوري باللفظين:\nمرة بالقبض، كما في مصنف عبد الرزاق، والمعجم الكبير للطبراني.\nومرة بالوضع، كما في مسند ابن أبي شيبة ومصنفه، وسنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي، وسبق تخريجه.\nوالحكم بالاضطراب: إنما يتوجه له مع تعذر الجمع، أما إذا أمكن الجمع فلا اضطراب، وهذا ممكن بأن يحمل أحاديث وضع اليمنى على اليسرى على صفة واحدة؛ لأن الأصل عدم تعدد الصفة.\nورواية القبض لا تنافي رواية الوضع، فإن من قبض بيده شيئًا فقد وضع يده على ذلك الشيء، فتحمل رواية الوضع على رواية القبض؛ لأن القبض وضع وزيادة.\n(ح-١٢٨٠) ما رواه ابن حبان، قال: أخبرنا الحسن بن سفيان، عن حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث،\nعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: إنا معشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا، ونعجل فطرنا، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا (^١).\nوقد رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا أحمد بن طاهر، قال: أخبرني جدي حرملة، قال: أخبرنا ابن وهب به، وفيه: ... وأن نضع أيماننا على شمائلنا\n_________\n(^١). صحيح ابن حبان (١٧٧٠).","vol":"1","page":651},{"text":"في الصلاة (^١).\nفذكر اليدين بصفة الوضع، إلا أن أحمد بن طاهر بن حرملة متروك.\nوروى الطبراني، قال: حدثنا العباس بن محمد الْمُجَاشِعِيُّ، حدثنا محمد ابن أبي يعقوب الكرماني، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نعجِّل الإفطار، وأن نؤخِّر السحور، وأن نضرب بأيماننا على شمائلنا (^٢).\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن ابن عيينة إلا محمد بن أبي يعقوب.\n[لا يصح، وقد سبق تخريجه] (^٣).\n• دليل من قال: يضع يده على ذراعه اليسرى:\n(ح-١٢٨١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،\nعن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.\nقال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ. قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي (^٤).\nوإسماعيل: هو ابن أبي أويس.\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث أفاد صفتين:\nإحداهما: وضع اليد اليمنى وضعًا بلا قبض.\nالثانية: أن يكون ذلك على الذراع اليسرى.\n• دليل من قال: يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ، والساعد:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٨٢) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا زائدة، حدثنا\n_________\n(^١). سبق تخريجه، ولله الحمد.\n(^٢). المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٧) ح ١٠٨٥١، وفي الأوسط (٤٢٤٩).\n(^٣). سبق تخريجه.\n(^٤). صحيح البخاري (٧٤٠).","vol":"1","page":652},{"text":"عاصم بن كليب، أخبرني أبي،\nأن وائل بن حجر الحضرمي، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ، كيف يصلي، قال: فنظرت إليه قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد .... وذكر الحديث (^١).\n[ذكر الرسغ والساعد، تفرد به زائدة بن قدامة] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٨).\n(^٢). الحديث أخرجه أحمد (٤/ ٣١٨) حدثنا عبد الصمد،\nوالدارمي (١٣٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤)، عن معاوية بن عمرو.\nوالبخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٣٠)، والنسائي في المجتبى (٨٨٩، ١٢٦٨)، وفي الكبرى (٩٦٥، ١١٩٢)، من طريق عبد الله بن المبارك.\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٣)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي.\nوالبيهقي في السنن الكبرى مختصرًا (٢/ ٤٣) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، ومعاوية بن عمرو، وابن المبارك، وابن مهدي، والطيالسي، وعبد الله بن رجاء) رووه عن زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.\n\nوزائدة بن قدامة ثقة إلا أن تفرده بزيادة (ذكر الرسغ والساعد) في حديث عاصم، ومخالفته للعدد الكثير ممن روى الحديث عن عاصم بن كليب، وفيهم من هو أوثق منه يجعل هذا الحرف شاذًّا، وليس هذا هو الحرف الوحيد الذي شذ به زائدة عن الجماعة، كما سيتبين لك في مناسبة فقهية قادمة، والله أعلم.\nوقد روى الحديث أكثر من عشرين راويًا لم يذكر أحد منهم هذا الحرف، على رأسهم:\nالإمام سفيان الثوري: كما في مصنف عبد الرزاق (٢/ ٦٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٧) ومسند أحمد (٤/ ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨)، والمجتبى من سنن النسائي (١٢٦٣)، وفي الكبرى (١١٨٨) والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٣) و(٢٢/ ٣٤) و(٢٢/ ٣٩)، ح ٧٨، ٨١، ٩٥، وشرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٠)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٠)، وغيرهم. ...\nوسفيان بن عيينة، كما في مسند الشافعي (ص: ١٧٦)، ومسند الحميدي (٩٠٩)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٥٩، ١٢٦٢)، وفي الكبرى (٧٥٠، ٩٥٥)، والمعجم الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٥، وصحيح ابن خزيمة (٤٥٧، ٧١٣)، وسنن الدارقطني (١١٢٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣٨، ٤٣). =","vol":"1","page":653},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوشعبة بن الحجاج، كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦، ٣١٩)، ورفع اليدين للبخاري (٢٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، وفي الدعاء (٦٣٧)، وصحيح ابن خزيمة (٦٩٧، ٦٩٨)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١).\nوبشر بن المفضل، كما في سنن أبي داود (٧٢٦، ٩٥٧)، والمجتبى من سنن النسائي (١٢٦٥)، وفي الكبرى له (١١٨٩) وسنن ابن ماجه (٨١٠، ٨٦٧)، ومسند البزار (٤٤٨٥)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٧) ح ٨٦، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥).\nوعبد الله بن إدريس، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤١٠، ٢٤٢٦، ٢٦٦٦)، ورفع اليدين للبخاري (٧١) والمجتبى من سنن النسائي (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣)، وسنن الترمذي (٢٩٢)، وسنن ابن ماجه (٨١٠، ٩١٢)، ومنتقى ابن الجارود (٢٠٢) وصحيح ابن خزيمة (٤٧٧، ٦٤١، ٦٩٠، ٧١٣)، صحيح ابن حبان (١٩٤٥).\nوأبو الأحوص سلام بن سليم، كما في مسند الطيالسي (١١١٣)، المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨٠، وشرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣، ٢٣٠، ٢٥٩)، والأربعين لابن المقرئ (٤٢)، وسنن الدارقطني (١١٣٤)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣١)\nوخالد بن عبد الله الواسطي، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٥٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٨٨)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٣)\nوزهير بن معاوية، كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٨)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٧)\nوجرير بن عبد الحميد، كما في سنن الدارقطني (١١٢٢)، ومن طريقه رواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥).\nوعبد الواحد بن زياد، كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢٠٣، ٢١٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٤، ١٦٠)،، والفصل للوصل المدرج في النقل للخطيب (١/ ٤٣٤).\nوأبو بدر شجاع بن الوليد، كما في الفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٨).\nوأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٨)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٢).\nوعبد العزيز بن مسلم القسملي، كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٧) والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٦، ٤٣٧)\nوصالح بن عمر الواسطي، كما في سنن الدارقطني (١١٣٤)، المخلصيات لأبي طاهر المخلص (٢٢٧)، والفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٣).\nوجعفر بن زياد الأحمر، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٨) ح ٩٢.\nومحمد بن فضيل، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٢٥)، وصحيح ابن خزيمة (٤٧٨، ٧١٣).\nوعَبيدة بن حميد، كما في الفصل للوصل للخطيب (١/ ٤٣٦).\n=","vol":"1","page":654},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل،\nعن وائل قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة، قريبًا من الرسغ، ويرفع يديه حين يوجب حتى تبلغا أذنيه، وصليتُ خلفَه فقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: «آمين» يجهر (^١).\n[عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وقوله: (قريبًا من الرسغ) ليس بمحفوظٍ] (^٢).\n_________\n= وقيس بن الربيع، رواه الطبراني في الأوسط (٥٤٨٥) من طريق أبي بلال الأشعري (ضعفه الدارقطني)\nوفي الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٩، قال: حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه)، حدثنا أسد بن موسى،\nورواه أيضًا في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٣ من طريق يحيى الحماني (حافظ مجروح) ثلاثتهم، عن قيس بن الربيع (صدوق تغير بآخرة)، عن عاصم بن كليب به.\nغيلان بن جامع، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٧) ح ٨٨. ...\nكل هؤلاء الرواة قد رووا الحديث عن عاصم بن كليب، ولم يذكر أحد منهم ما ذكره زائدة بن قدامة من ذكر (الرسغ والساعد)، فلا يشك باحث بظهور شذوذ مثل هذا الحرف، والله أعلم.\n(^١). المسند (٤/ ٣١٨).\n(^٢). هذا الإسناد مداره على أبي إسحاق، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه.\nوفيه علتان:\nالأولى: الانقطاع بين عبد الجبار بن وائل، وبين أبيه. قال ابن أبي خيثمة: قال يحيى بن معين: عبد الجبار بن وائل، عن أبيه مرسل؛ مات أبوه، وأمه حمل به، بعيد الحياة. تاريخ ابن خيثمة (٢٤٥٨).\nوقال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الجبار بن وائل بن حجر ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يحدث عن أهل بيته، عن أبيه. تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤٤).\nالعلة الثانية: الاختلاف على أبي إسحاق في ذكر قوله: (قريبًا من الرسغ).\nفالحديث رواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، واختلف على زهير:\nفرواه يحيى بن أبي بكير كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٨)، وتفسير الثعلبي (١٠/ ٣١١).\nوأبو نعيم كما في سنن الدارمي (١٢٧٧)،\nوعبد الرحمن بن زياد كما في أحكام القرآن للطحاوي (١/ ١٨٨)، وتفسير الثعلبي (١٠/ ٣١١)،\nوالحسن بن موسى كما في اللطائف لأبي موسى المديني (٨١٦)، أربعتهم، رووه عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق بذكر قوله: (قريبًا من الرسغ).\nوخالفهم عمرو بن خالد الحراني (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٤) ح ٤٩، =","vol":"1","page":655},{"text":"• ويناقش:\nقوله: (قريبًا من الرسغ) مع كونها ليست محفوظة، فإنه لا دلالة فيها على\n_________\n=\nوعبد الله بن محمد النفيلي كما في أمالي ابن بشران (٨٧٧)،\n\nوالأسود بن عامر كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٤)، فرووه عن زهير به، بلفظ: (رأيت النبي ﷺ وضع يده اليمنى في الصلاة على اليسرى). ولم يقل قريبًا من الرسغ. هذا لفظ الحراني.\nولفظ النفيلي: صليت خلف رسول الله ﷺ، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]. فقال: آمين يجهر بها. ولفظ الأسود بن عامر بنحوه.\nوزهير بن معاوية ممن روى عن أبي إسحاق بعد اختلاطه.\nوتابع زهيرًا على ذكر قوله: (قريبًا من الرسغ) يونس بن أبي إسحاق.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٥) ح ٥٢، من طريق إسماعيل بن عياش، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق به.\nوإسماعيل: ضعيف إذا روى عن غير أهل الشام، وهذا منه.\nوقد رواه عمرو بن عثمان الحمصي كما في المعجم الكبير (٢٢/ ٢١) ح، عن إسماعيل بن عياش، قال: حدثني يونس بن أبي إسحاق به، بذكر الجهر بالتأمين.\nكما أن ابن عياش قد خولف، فرواه مخلد بن يزيد (صدوق له أوهام) كما في سنن المجتبى من سنن النسائي (٩٣٢)، وفي الكبرى (١٠٠٦).\nوحجاج بن محمد (ثقة) كما في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٤) ح ٤١، ٤٨، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ولم يذكرا وضع اليد اليمنى على اليسرى.\nكما رواه جماعة عن أبي إسحاق ولم يذكروا في لفظه: (قريبًا من الرسغ) منهم:\nأبو الأحوص كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٧٩)، وفي الكبرى (٩٥٥)، وفي المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٢٣) ح ٤٤، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٧٣)، ومسند البزار (٤٤٨١).\nوالأعمش، كما في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٥) ح ٥٠.\nومحمد بن جابر (متكلم فيه) كما في المعجم الكبير (٢٢/ ٢٥) ح ٥٣.\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢٦٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٠) ح ٣٠، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٣٠).\nوأبو بكر بن عياش كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧٩٥٩، ٣٦٣٩٣)، وسنن ابن ماجه (٨٥٥).\nوزيد بن أبي أنيسة كما في سنن الدارقطني (١٢٧١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢) ح ٣٧، وذكره البيهقي في السنن الكبرى تعليقًا (٢/ ٨٤).\nوفطر بن خليفة، كما في تسمية ما انتهى إلينا من الرواة لأبي نعيم الأصبهاني (٧٤).\nوعبيد الله النخعي كما في فوائد تمام (١٥٥٤)، كلهم رووه عن أبي إسحاق، ولم يذكروا فيه قوله: (قريبًا من الرسغ).","vol":"1","page":656},{"text":"وضع الكف على الرسغ؛ لأن وضع اليد قريبًا من الرسغ لا يمكن أن يؤخذ منه استحباب وضع اليد على الرسغ، فهو في معنى وضع اليد اليمنى على اليسرى، وعليه فلا يشهد حديث أبي إسحاق لحديث زائدة بن قدامة.\n• دليل من قال: يقبض باليمنى كوع اليسرى:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٨٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني سماك، عن قبيصة بن هلب،\nعن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته، قال، يضع هذه على صدره.\nوصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المفصل (^١).\nوجه الاستدلال:\n[قوله (فوق المفصل) وقوله: (يضع هذه على صدره) ليس محفوظًا] (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ث-٢٩٧) روى أبو داود من طريق أبي بدر (شجاع بن الوليد) عن أبي طالوت عبد السلام، عن ابن جرير الضبي،\nعن أبيه، قال: رأيت عليًّا يمسك شماله بيمينه على الرُّسغ فوق السرة (^٣).\n[حسن] (^٤).\nوعلَّقه البخاري بصيغة الجزم، قال البخاري: ووضع عليٌّ كفَّه على رسغه الأيسر، إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبًا (^٥).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٢٢٦).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر ح (١٢٧١).\n(^٣). سنن أبي داود (٧٥٧).\n(^٤). حسن إلا قوله: (فوق السرة) فقد تفرد بها أبو بدر شجاع بن الوليد، وهو صدوق له أوهام، وكل من رواه عن عبد السلام لم يذكر هذا الحرف فيه، فأخشى ألا يكون محفوظًا، والله أعلم، وقد سبق تخريجه.\n(^٥). علقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه من كتاب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد في\nالصلاة إذا كان من أمر الصلاة، قبل ح (١١٩٨).\nوهذا ذهاب من البخاري إلى صحة هذا الأثر عن علي، وحسنه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٤٤٣).","vol":"1","page":657},{"text":"وفي رواية للبيهقي: كان عليٌّ إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبه ... وذكر بقية الأثر (^١).\n[حسن] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ث-٢٩٨) وروى مسدد في مسنده كما في المطالب العالية، حدثنا يحيى، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان،\nعن أبي زياد مولى آل دَرَّاج، قال: ما رأيت فنسيت، فإني لم أَنْسَ أن أبا بكر الصديق كان إذا قام في الصلاة قام هكذا، وأخذ بكفه اليمنى على ذراعه اليسرى لازقًا بالكوع (^٣).\n[ضعيف، أبو زياد مولى آل درَّاج مجهول].\nالدليل الرابع:\nوضع اليمنى على كوع اليسرى يحصل به الجمع بين الأحاديث المختلفة،\nفحديث سهل بن سعد: (كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) رواه البخاري (^٤).\nظاهر الحديث يدل على استحباب وضع اليمنى على الذراع فقط، لا دخل للكف اليسرى، وقد ترجم البخاري للحديث له بقوله: (باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة)، فقوله: (وضع اليمنى) أي الكف. وقوله: (على اليسرى) هل قصد به البخاري الكف، أو قصد الذراع؟ فإن قصد بذلك الذراع كان الحديث\n_________\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٥).\n(^٢). قال البيهقي: هذا إسناد حسن، وقد سبق تخريجه.\n(^٣). المطالب العالية (٤٦٠).\n(^٤). صحيح البخاري (٧٤٠).","vol":"1","page":658},{"text":"مطابقًا للترجمة، وإن قصد (باليسرى) الكف كما هو ظاهر مقابلة وضع اليمنى فلم يأخذ بظاهر حديث سهل بن سعد، ويكون الجزم بالترجمة يوحي بالدلالة إلى تصحيح ما ورد في الباب مما ليس على شرط البخاري من وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من حديث وائل بن حجر، وقد ورد بثلاثة ألفاظ:\nأحدها: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)، رواه مسلم (^١).\nواليد عند الإطلاق يراد بها الكف فقط.\nوفي رواية: (قبض بيمينه على شماله) رواه النسائي (^٢).\nوفي رواية ثالثة: (أخذ شماله بيمينه) رواه أبو داود (^٣).\nوالمقصود قبض بكفه اليمنى على كفه اليسرى.\nفظاهر حديث وائل بن حجر أن الوضع خاص بالكفين، ولا دخل للذراع، ولا للكوع باعتباره أعلى الذراع، فهو جزء منه.\nفأخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمالكية، والحنابلة في المشهور، وقول في مذهب الشافعية إلى القول بوضع -وقيل بقبض- الكوع اليسرى باليمنى، والمقصود بالكوع المفصل؛ ليجمع بين أخذ الذراع كما في حديث سهل بن سعد، وبين وضع اليد اليمنى على اليسرى كما في حديث وائل بن حجر، فإن المفصل يقع في أعلى الذراع وأسفل الكف، وبهذا يرون أنهم أخذوا بحديث سهل بن سعد، وحديث وائل بن حجر؛ ليصدق أن اليد اليمنى على الذراع، وعلى الكف في الوقت نفسه.\nقال الحافظ في الفتح: «قوله: (على ذراعه) أبهم موضعه من الذراع، وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ،\n_________\n(^١). رواه مسلم (٥٤ - ٤٠١) من طريق همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه. سبق تخريجه، وتتبع طرقه.\n(^٢). رواه النسائي (٨٨٧) من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى بن عمير العنبري عن علقمة بن وائل، عن أبيه، سبق تخريجه، ولله الحمد.\n(^٣). رواه أبو داود (٧٢٣)، من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، به.","vol":"1","page":659},{"text":"والساعد) وصححه ابن خزيمة وغيره، وأصله في صحيح مسلم بدون الزيادة» (^١).\nوقال القسطلاني في إرشاد الساري: (يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) أي يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ من الساعد، كما في حديث وائل المروي عند أبي داود والنسائي وصححه ابن خزيمة» (^٢).\nوقال في مرقاة المفاتيح: «(اليد اليمنى على ذراعه اليسرى): أي قرب ذراعه اليسرى» (^٣).\nفحملها على القرب ليطابق حديث وائل بن حجر.\nواختار الحنفية في الجمع: أن يقبض بالخنصر والإبهام على طرفي مفصله ويضع البنصر والوسطى والسبابة على الذراع بسطًا، ليجمع بين قبض الكف والوضع على الذراع، وقد سبق بسط ذلك في معرض ذكر الأقوال (^٤).\n• ويناقش:\nبأن الجمع بين الوضع على الكف، وبين الوضع على الذراع بالقول: بأن يقبض كوع يده اليسرى بكفه اليمين؛ ليصدق عليه أنه وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي الوقت نفسه وضع يده اليمنى على ذراعه على اعتبار أن الوضع على الكوع وضع على الذراع لكونه في أعلاه.\nوكذلك اجتهاد مشايخ الحنفية بالجمع بين القبض والوضع بأن يقبض الخنصر والإبهام ويبسط الباقي.\nفيقال: «لا حاجة إلى هذا التكلف للتوفيق والجمع؛ لكون التوفيق فرع\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٢٤)، وانظر: عمدة القارئ (٥/ ٢٧٨)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥٩)، التنوير شرح الجامع الصغير (٨/ ٤٣٤)، التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٢٥٥)، فيض القدير (٥/ ١٥٤)، السراج المنير شرج الجامع الصغير (٤/ ٧٢).\n(^٢). شرح القسطلاني (٢/ ٧٥).\n(^٣). مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٥٨)، وانظر شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٤٨).\n(^٤). انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩٢)، عمدة القارئ (٥/ ٢٧٩)، وارجع إلى قول الحنفية في مقدمة المسألة.","vol":"1","page":660},{"text":"التعارض، ولا يظهر التعارض أصلًا؛ لأنه لا تناقض بين الأفعال المختلفة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات مختلفة على أن حديث سهل بن سعد حديث قولي، أخرجه مالك وأحمد والبخاري، وهو أيضًا أصح ما ورد في ذلك، فهو أولى بالعمل» (^١).\nهذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن في هذه الصفة إحداث صفة ثالثة، لأن الحديث ورد بإحدى صفتين على القول بالتعدد.\nإحداهما: وضع اليد على الذراع، وظاهر الحديث اختصاص الذراع بذلك دون الكف على ما جاء في حديث سهل بن سعد.\nوالصفة الثانية: قبض اليد اليسرى باليمنى، وإذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف، وظاهره اختصاص الوضع أو القبض على اليد دون الذراع، فأحدثوا صفة ثالثة: وذلك بوضع اليد على الكوع، أو وضع يده اليمنى على يده اليسرى، والرسغ، والساعد.\nيقول ابن عابدين في حاشيته: «قال سيدي عبد الغني في شرح هدية ابن العماد: وفي هذا نظر؛ لأن القائل بالوضع: يريد وضع الجميع، والقائل بالأخذ: يريد أخذ الجميع، فأخذ البعض، ووضع البعض ليس أخذًا، ولا وضعًا، بل المختار عندي واحد منهما موافقة للسنة. اهـ.\nقال ابن عابدين: وهذا البحث منقول؛ ففي المعراج بعد نقله ما مر عن المجتبى، والمبسوط، والظهيرية: وقيل هذا خارج عن المذاهب، والأحاديث، فلا يكون العمل به احتياطًا. اهـ.\nثم رأيت الشرنبلالي ذكر في الإمداد هذا الاعتراض، ثم قال: قلت: فعلى هذا ينبغي أن يفعل بصفة أحد الحديثين في وقت، وبصفة الآخر في غيره؛ ليكون جامعًا بين الْمَرْوِيَّيْنِ حقيقة. اهـ» (^٢).\nأما حديث وائل بن حجر: (ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ، والساعد) فقد تفرد به زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، وهو حديث شاذ، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١). مرعاة المفاتيح (٣/ ٦٠).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٧).","vol":"1","page":661},{"text":"وأما أثر مولى آل دَرَّاج فإنه لو صح لكان مبينًا مكان اليد اليمنى من الذراع اليسرى، وذلك بأن يقبض بكفه اليمنى على مفصل الكف لازقًا بالكوع، إلا أن الأثر ضعيف، فإن في إسناده أبا زياد مولى آل درَّاج، وهو مجهول (^١).\nوأصح شيء ورد فيه أثر عليٍّ ﵁، حيث أمسك برسغه، وقد علقه البخاري بصيغة الجزم، وحسن إسناده البيهقي وابن حجر، والإمساك بالرسغ لا يمكن إلا بالإمساك بطرفيه: الكوع والكرسوع، فيكون هذا الأثر هو ما يمكن أن يستدل به الجمهور على اختيارهم بقبض كوع اليسرى، ويبقى النظر: أهو مخالف لحديث سهل بن سعد وحديث وائل بن حجر، فيقدم المرفوع على الموقوف، أم هو متفق معها دلالة، لأن المفصل جزء من الكف والذراع كان متفقًا معها، هذا محل نظر، وللقارئ الكريم أن يرى ما يؤديه إليه اجتهاده، والله أعلم.\n• الراجح:\nعندنا مسألتان، إحداهما: الترجيح بين الوضع والقبض، والراجح أنها صفة واحدة، وهي القبض، والتعبير بالوضع لا ينافي القبض، وقد سبق بيان ذلك.\nوالثانية: الترجيح في المكان فالثابت صفتان أيضًا:\nإحداهما: قبض ذراعه اليسرى باليمنى على ما جاء في حديث سهل بن سعد.\nوالصفة الثانية: قبض يده اليسرى باليد اليمنى على ما جاء في حديث وائل بن حجر، والأفضل فعل هذا مرة، وهذا مرة؛ ليصيب السنة على جميع وجوهها، والله أعلم.\n_________\n(^١). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٤٦)، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن أبي زياد، مولى آل دراج، ما رأيت فنسيت فإني لم أنس أن أبا بكر، كان إذا قام في الصلاة قال هكذا، فوضع اليمنى على اليسرى.\nوليس فيه: لازقًا بالكوع.\nوفي إسناده مولى آل درَّاج، قال الذهبي في الميزان (٤/ ٥٢٦): «لا يعرف».\nوقال البرقاني (٦٠٤): سمعت الدارقطني يقول: «لا يعرف، يترك».","vol":"1","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الفصل التاسع في سكتات الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الأول في سكوت الإمام لدعاء الاستفتاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفرع الأول في حكم الاستفتاح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أدعية الاستفتاح الثابتة عن النبي ﷺ منها ما ثبت في الفرض ومنها ما ثبت في قيام الليل، ومنها ما كان مُتَلَقًّى من النبي ﷺ، ومنها ما أقره ﵊.\n* جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا (^١).\n* ما ثبت في النفل ثبت في الفرض وكذلك العكس إلا بدليل.\n* تنوع أدعية الاستفتاح من كمال الشريعة، وله حكمه وفوائده وأسراره البليغة.\n* ما وقف طالب العلم على اختلاف بعض الأئمة الكبار في مسائل مشهورة، والسنة فيها واضحة إلا طابت نفسه بالخلاف الفقهي، وعلم أن هذه طبيعة بشرية، فحمل الناس على رأيه تكلف بما لم يكلف به.\n* تبني العالم للقول الضعيف ليس علامة على قِلَّة الفقه كما يشيع بعض الناس وإنما أراد الله قَدَرًا أن تكون هذه المسألة من مسائل الخلاف، وأن يتفرد سبحانه بالكمال، فلا تجد إمامًا مهما يبلغ في العلم من الصحابة فمن دونهم إلا وتجد له أقوالًا ضعيفةً، تدل على ضعف العقل وعجزه، فكيف بغيرهم.\n_________\n(^١). انظر شرح هذا الضابط في المجلد السابع (ص: ٣٨٠).","vol":"2","page":5},{"text":"[م-٥١٣] الاستفتاح وبعضهم يعبر عنه بالافتتاح، وبدعاء الاستفتاح، واستفتح: أي قال الذكر الوارد في موضعه بعد التكبير، قد اختلف الفقهاء في حكمه:\nفقيل: يستحب الاستفتاح سِرًّا بعد الفراغ من تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، واختيار الظاهرية، ورواية عن مالك، وصوَّبه ابن العربي من المالكية (^١).\nوقيل: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، ونص عليه مالك في المدونة (^٢).\nوقيل: يجوز، رواه ابن شعبان عن مالك (^٣).\nوقال أبو داود في السنن: حدثنا القعنبي، قال: قال مالك: لا بأس بالدعاء في\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٣)، تحفة الفقهاء (١/ ٢٤٩)، المبسوط (١/ ١٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٨٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١١)، الأم (١/ ١٢٨)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٠)، المجموع (٣/ ٣١٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٢).\nمسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٦)، ورواية عبد الله (ص: ٧٥)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، المغني (١/ ٣٤١)، الفروع (٢/ ١٦٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧)، المحلى، مسألة (٤٤٣).\nوقال ابن رشد في البيان (١/ ٣٣٩): استحسنه في رواية محمد بن يحيى السبائي (١/ ٣٣٩)، وانظر: التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٥).\nأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٩٨، ٢٩٩).\n(^٢). المدونة (١/ ١٦١)، البيان والتحصيل (١/ ٣٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٤)، الشرح الكبير (١/ ٢٥١، ٢٥٢)، منح الجليل (١/ ٢٦٦)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٦)،، جامع الأمهات (ص: ٩٤)، عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١١٦)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٠)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).\n(^٣). جاء في المنتقى للباجي (١/ ١٤٢): «جاء في مختصر ابن شعبان، عن ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فكان يقول ذلك عند افتتاح الصلاة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، وقال مالك: أكره أن أحمل الناس على ذلك، فيقول جاهل: هذا من فرض الصلاة».\n\nوجاء في التبصرة للخمي (١/ ٢٥٢): «قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يرى هذا الذي يقوله الناس: سبحانك اللهم وبحمدك ... وفي مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكًا كان يقول ذلك بعد إحرامه».\nوانظر: شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة (١/ ١٣٩)، البيان والتحصيل (١/ ٣٣٨).","vol":"2","page":6},{"text":"الصلاة، في أوَّله، وأوسطه، وفي آخره، في الفريضة وغيرها (^١).\nخَرَّجه أبو داود في أدعية الاستفتاح لبيان أن الإمام مالكًا محفوظ عنه القول بمشروعية الاستفتاح، وهو يؤيد ما نقله ابن شعبان المصري عن مالك، والله أعلم.\nوقيل: يجب دعاء الاستفتاح، فمن تركه عمدًا أعاد الصلاة، اختاره ابن بطة من الحنابلة، وحكي رواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: يستحب قبل تكبيرة الإحرام، اختاره ابن حبيب من المالكية، واستحسنه في البيان (^٣).\nوقال الوليد بن مسلم: «ذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز، فأخبرني عن المشيخة، أنهم كانوا يقولون حديث علي بن أبي طالب: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين وما بعده من الدعاء حين يقبلون بوجوههم إلى القبلة، قبل تكبيرة الاستفتاح، ثم يتبعون تكبيرة الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك ...) إلى آخره» (^٤).\n* دليل الجمهور على استحباب دعاء الاستفتاح:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٨٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا أبو زرعة، قال:\nحدثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة -قال أحسبه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٦٩).\nوفي موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري (٦٢٩) «سُئِل مالك عن الدعاء في الصلاة المكتوبة، في أولها وأوسطها، وآخرها، فقال: لا بأس بذلك».\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٧)، الفروع لابن مفلح (٢/ ١٧٠)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٣٨٢)، الإنصاف (٢/ ١١٩).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٥٤٤)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٨٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥).\n(^٤). انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٨).","vol":"2","page":7},{"text":"بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطايايَ بالماء والثلج والبرد.\nورواه مسلم من طريق جرير، عن عمارة بن القعقاع به (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٨٦) ما رواه مسلم من طريق يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك .... الحديث (^٢).\n* وأجيب عن الحديث بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن لفظ حديث علي ﵁ في مسلم (كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ...) الحديث، فظاهره أنه كان يقوله قبل التكبير.\n* وَرَدُّ هذا:\nبأن مسلمًا رواه من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٤)، وصحيح مسلم (١٤٧ - ٥٩٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠١ - ٧٧١).","vol":"2","page":8},{"text":"الماجشون، عن الأعرج به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي .... الحديث (^١).\nالجواب الثاني:\nحملوا حديث علي ﵁ على أن ذلك كان في النفل، وليس في الفرض، قال الترمذي في السنن: «وقال بعض أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقوله في المكتوبة» (^٢).\n* وَرَدُّ هذا الجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن حديث علي بن أبي طالب ﵁ لم يَأْتِ في طريق من طرقه قط أن هذا الدعاء كان خاصًّا بالنافلة، ولفظ مسلم: (كان إذا قام إلى الصلاة ...) وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة)، وإطلاق الصلاة يشمل المكتوبة والنافلة، و(أل) في (الصلاة) تفيد عموم جميع الصلوات فرضها ونفلها، والمطلق والعام يجري على إطلاقه وعمومه لا يجوز تقييده، ولا تخصيصه إلا بنص من الشارع، أو إجماع.\nوعلى التنزل أن هذا كان يفعله في النافلة، فإن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا أن يأتي دليل على اختصاص ذلك في النافلة، ولم يحفظ قط أن هذا خاص بالنافلة، وهذا يقال من باب التنزل في الجدل.\nونقل الترمذي عن الشافعي قوله: «يقول هذا في المكتوبة والتطوع» (^٣)، وهو أصح.\nالوجه الثاني:\nأن الحديث قد رواه أبو عوانة من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).\n(^٢). سنن الترمذي (٥/ ٧٨٤).\n(^٣). سنن الترمذي (٥/ ٧٨٤).","vol":"2","page":9},{"text":"قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا ... وذكر الحديث.\n[صحيح].\nولم ينفرد به ابن جريج، ولا يضره لو انفرد مثله.\nفقد رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة به، بنحوه بذكر الصلاة المكتوبة (^١).\n_________\n(^١). الحديث مداره على الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁\nويرويه عن الأعرج اثنان: عبد الله بن الفضل، ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون.\nأما يعقوب فجاء ذكر الصلاة في حديثه مطلقًا، والمطلق على إطلاقه يشمل المكتوبة وغيرها.\nأما عبد الله بن الفضل، فرواه عنه اثنان: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وموسى بن عقبة، أما الأول فروايته جاء فيها ذكر الصلاة مطلقًا.\nوأما موسى بن عقبة، فجاء فيها التصريح بأن الاستفتاح كان بالصلاة المكتوبة من رواية ابن جريج، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عنه، وإذا صح في المكتوبة صح في النافلة، هذا الإجمال، فإن أردت التفصيل فهاكَ إياه.\nالراوي الأول: عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁.\nرواه موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، ورواه عن موسى بن عقبة جماعة، منهم ابن جريج (ثقة)، وإبراهيم بن طهمان (ثقة يغرب)، وعبد الله بن جعفر المديني (ضعيف)، وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، وعبد الرحمن بن أبي الزناد (صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد)، وإليك الوقوف على مروياتهم.\n١ - ابن جريج، عن موسى بن عقبة:\nرواه عن ابن جريج: حجاج بن محمد (ثقة ثبت مقدم في أصحاب ابن جريج قال أحمد: ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف ورفع من أمره جدًّا)، وروح بن عبادة (ثقة)، ويحيى بن سعيد الأموي (صدوق يغرب)، ومسلم بن خالد الزنجي (صدوق كثير الأوهام)، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد (صدوق يخطئ)، وهشام بن سليمان (صدوق يخطئ).\nإذن التعويل في رواية ابن جريج على رواية حجاج بن محمد المصيصي.\n\nفقد رواه أبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٨) وابن حبان في صحيحه (١٧٧١)، والدارقطني في السنن (١١٣٨)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤٢)، عن يوسف بن مُسَلَّمٍ الْمصِّيصِيُّ،\nورواه ابن حبان (١٧٧٢، ١٧٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩، ١٢٤)، وفي القضاء =","vol":"2","page":10},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ... والقدر (٣٩٦)، من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي،\nكلاهما، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، أن رسول ﷺ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ... وذكر الحديث.\nوأعاده أبو عوانة في مستخرجه مختصرًا (١٨٨٧) عن يوسف بن مسلم، به، بلفظ: كان النبي ﷺ إذا سجد في الصلاة المكتوبة ... فذكر حديثه بنحوه، أي بنحو رواية عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثني عمي الماجشون، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج.\nهذه رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج.\nوقد توبع على ذكر الصلاة المكتوبة، فرواه الشافعي في السنن المأثورة (٢٨٣): عن عبد المجيد بن أبي رواد، ومسلم بن خالد (هو الزنجي)، قالا: أخبرنا ابن جريج به، بلفظ: كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا .... وذكر الحديث.\nأما رواية روح بن عبادة، عن ابن جريج:\nفرواه أحمد (١/ ١١٩)،\nوابن خزيمة (٦٠٧) أخبرنا الحسن بن محمد، وأبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البزاز،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣) حدثنا أبو أمية (محمد بن إبراهيم بن مسلم صدوق يهم) أربعتهم، عن روح بن عبادة مختصرًا بذكر دعاء الركوع (أن رسول الله ﷺ كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي، لله رب العالمين).\nورواه ابن ماجه (١٠٥٤) من طريق يحيى بن سعيد الأموي (صدوق يغرب)، مختصرًا بذكر دعاء السجود فقط.\nورواه الطبراني في الدعاء (٤٩٦) من طريق هشام بن سليمان مقرونًا بغيره (صدوق يخطئ)، عن ابن جريج به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ابتدأ الصلاة يقول بعد التكبير وقبل القراءة ... وذكر الحديث. فذكر لفظ الصلاة مطلقًا، ولم يفرق بين مكتوبة ونافلة.\nوأعاده الطبراني في الدعاء مختصرًا بذكر بعضه (٥٢٨، ٥٥١، ٥٨٢).\nهذا ما وقفت عليه من طريق ابن جريج، عن موسى بن عقبة.\n٢ - عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة.\nرواه أحمد (١/ ٩٣)، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن يعني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن فلان بن ربيعة بن الحارث بن =","vol":"2","page":11},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد المطلب الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ: أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه .... وذكر الحديث.\nومن طريق سليمان بن داود الهاشمي أخرجه أبو داود (٧٤٤)، والترمذي (٣٤٢٣)، وابن ماجه (٨٦٤)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٨٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٢)، والدارقطني في السنن (١١٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٧).\nتابع سليمان بن داود البغدادي كل من:\nعبد الله بن وهب المصري، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٦٤، ٥٨٤، ٦٧٣)، من طريقه قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبَّر، ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض .... الحديث.\nومن طريق ابن وهب أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢١)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٥، ١٩٩، ٢٢٢، ٢٣٣)، والدارقطني في السنن (١١٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩، ١٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥٨، ١٦٠، ١٨٨).\nكما تابعه أيضًا إسماعيل بن أبي أويس، كما في قرة العينين برفع اليدين للبخاري (١، ٩)، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ: كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك.\nفهذه متابعة من عبد الرحمن بن أبي الزناد لابن جريج على ذكر الصلاة المكتوبة، وهذا الحديث قد سمعه منه ابن وهب المصري في المدينة، وسمعه منه إسماعيل بن أبي أويس، وهو مدني، قال الحافظ ابن القيم في كتابه رفع اليدين في الصلاة ت العمران (ص: ١٢): «هذا الحديث صحيح؛ لأنه من رواية عبد الله بن وهب، وقد سمع منه بالمدينة».\nكما رواه عنه سليمان بن داود الهاشمي، وقد قال ابن المديني كما في تاريخ بغداد (١١/ ٤٩٤): «قد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة». اهـ\nوقد تكلمت عن حديث ابن أبي الزناد، وقسمته إلى ثلاثة أقسام، انظر هذا الكلام في التخريج الأول لهذا الحديث عند الكلام على رفع اليدين حذاء المنكبين.\nفهذه متابعة قوية من ابن أبي الزناد لابن جريج. ... =","vol":"2","page":12},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n٣ - ابن إبراهيم بن طهمان (ثقة)، عن موسى بن عقبة، رواه بإطلاق لفظ الصلاة.\nأخرجه ابن منده في التوحيد (٣٠٥) من طريق قطن بن إبراهيم (صدوق يخطئ)، عن حفص ابن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ابتدأ الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ...\n٤ - أبو بكير بن نسر (مجهول)، عن موسى بن عقبة رواه بإطلاق لفظ الصلاة.\nرواه ابن سمعون في الأمالي (٢٦١) من طريق يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن عقبة به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ابتدأ الصلاة يقول بعد التكبير، وقبل القراءة ... وذكر الحديث، بإطلاق الصلاة ..\n٥ - عبد الله بن المديني (ضعيف) وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، روياه بإطلاق لفظ الصلاة.\nأخرجه الطبراني في الدعاء مقرونًا برواية ابن جريج (٤٩٦) بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ابتدأ الصلاة يقول بعد التكبير، وقبل القراءة: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين .... وذكر الحديث.\nهذا ما يخص تخريج رواية موسى بن عقبة، لم يروه عن موسى بن عقبة أقوى من ابن جريج، ولم يروه عن ابن جريج أقوى من حجاج بن محمد المصيصي، وقد ذكر في هذا الطريق زيادة (الصلاة المكتوبة)، وتابعه على هذا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، من رواية عبد الله بن وهب المصري، وهو عالم برواية أهل المدينة، وسليمان بن داود الهاشمي، وهو أفضل من روى عن ابن أبي الزناد من البغداديين، والله أعلم.\nالراوي الثاني عن الأعرج: يعقوب بن أبي سلمة الماجشون (صدوق).\nوهذا لا يختلف عليه أن لفظ الصلاة في روايته مطلقًا، وروايته في صحيح مسلم، ولفظه: (كان إذا قام إلى الصلاة ...)، وإطلاق الصلاة دليل العموم، فيشمل المكتوبة والنافلة، وتقييده بالنافلة تقييد للمطلق بلا دليل، والله أعلم\nرواه مسلم (٢٠١ - ٧٧١)، والترمذي (٣٤٢١، ٣٤٢٢)، والطبراني في الدعاء (٤٩٤)، والبزار (٥٣٦)، وأبو يعلى (٥٧٥)، وابن خزيمة (٧٢٣)، وابن حبان (١٩٦٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠٤١)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٧٦١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٨، ١٥٨)، وفي الأسماء والصفات له (٦٩٧)، وابن المقرئ في الأربعين (٤٤) من طريق يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة، عن أبيه، عن الأعرج به.\nوتابعه على لفظه بإطلاق الصلاة دون تخصيص بالمكتوبة أو بالنافلة ابن عمه عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، كما في صحيح مسلم أيضًا (٢٠٢ - ٧١)، ومسند أحمد (١/ ٩٤، ١٠٢، ١٠٣)، وفي فضائل الصحابة لأحمد (١١٨٨)، وسنن أبي داود (٧٦٠)، وسنن الترمذي (٣٤٢٢، ٢٦٦)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٥٠)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٩٣، ٦٤١)، وسنن الدارمي (١٢٧٤، ١٣٥٣)، والدعاء للطبراني (٤٩٣)، والمنتقى لابن الجارود (١٧٩)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٩٩)، ومشكل الآثار (١٥٥٨، ١٥٥٩، ١٥٦٠، ١٥٦٢، ١٥٦٣، ٥١٦٠، ٥٨٢٣، ٥٨٢٤)، وصحيح ابن خزيمة (٤٦٢، ٤٦٣، ٦١٢، ٧٤٣)، وصحيح ابن حبان (١٧٧٣، ١٩٠٣، ٢٠٢٥)، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٤٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٠٦، ١٦٠٧، ١٨١٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٨، ١٢٤، ١٣٥)، وقد روياه عنه تامًّا ومختصرًا.","vol":"2","page":13},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٢٨٧) ما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا حماد، أخبرنا قتادة، وثابت، وحميد،\nعن أنس، أن رجلًا جاء، فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فَأَرَمَّ القوم، فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا، فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها (^١).\nفهذه سنة تقريرية، قال ابن الملقن في شرح البخاري: «يلي حديث أبي هريرة وعلي في الصحة حديث أنس الثابت في صحيح مسلم ... وذكر الحديث، وقال: وفي الباب عدة أحاديث لا تقاوم بما ذكرناه» (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٢٨٨) ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن عون بن عبد الله بن عتبة،\nعن ابن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٤٩ - ٦٠٠).\n(^٢). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٧).","vol":"2","page":14},{"text":"سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (^١).\nتابع أبا الزبير عمرو بن مرة، رواه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله به (^٢).\nوهذه سنة تقريرية أخرى، وروي نحوه من فعله ﷺ من حديث جبير بن مطعم، ولا يصح، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٢٨٩) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد، قال: حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي قال: أخبرني شعيب بن أبي حمزة قال: أخبرني محمد بن المنكدر،\nعن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبَّر، ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت.\nقال النسائي في الكبرى: هو حديث حمصي، رجع إلى المدينة، ثم إلى مكة (^٣).\n[ضعيف جدًّا من مسند جابر، والمعروف أنه من مسند علي بن أبي طالب] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٥٠ - ٦٠١).\n(^٢). أخرجه النسائي في المجتبى (٨٨٥)، وفي الكبرى (٩٦١)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٥).\n(^٣). المجتبى من سنن النسائي (٨٩٦)، ورواه النسائي في الكبرى (٩٧٢)، فشيخ النسائي حمصي، وكذا شيخه شريح وشعيب، وأما ابن المنكدر وجابر بن عبد الله فمدنيان.\n(^٤). دخل على شعيب حديث محمد بن المنكدر، عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، بحديث إسحاق بن أبي فروة وحده عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.\nثم جاء تصرف الرواة بعد ذلك، فمنهم من ترك إسحاق لكونه متروكًا، وذكر ابن المنكدر وحده، وساق الإسناد هكذا، عن شعيب، عن محمد بن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة، فظهر الإسناد كأنه من رواية الثقات.\nومنهم من كنَّى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر قبله، كما فعل النسائي في المجتبى (١٠٥٢، ١١٢٨)، وفي الكبرى (٦٤٣، ٧١٧).\nفإذا جمعت كلام أبي حاتم في العلل وضممته إلى كلام الدارقطني في العلل، اجتمع لك\nوجوه الاختلاف على شعيب، ووصلت إلى النتيجة التي ذكرتها لك، انظر التخريج مستوفى في المجلد السابع (ص: ٣٦٦).","vol":"2","page":15},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-١٢٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nوقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.\nقال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٨٥).\n(^٢). في إسناده شيخ عمرو بن مرة، اختلف في اسمه:\nسماه شعبة عاصمًا العنزي.\nوسماه حصين بن عبد الرحمن في إحدى روايتيه عباد بن عاصم.\nوفي رواية أخرى سماه عمار بن عاصم.\nوقال مسعر: عن رجل من عنزة.\nقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٤٢٧) «بعد ذكره الاختلاف على عمرو بن مرة: والصواب من ذلك قول من قال: عن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ».\nوالرجل فيه جهالة، سواء رجحت رواية شعبة، وأن اسمه عاصم العنزي، أو رجحت رواية حصين، من رواية ابن إدريس عنه، وأن اسمه عباد بن عاصم، أو رجحت الرواية الأخرى عن حصين، وأن اسمه عمار بن عاصم، فهو رجل واحد اختلفوا في اسمه، وهذا الاختلاف دليل على جهالته.\nوعلى فرض أن يكون اسمه عاصمًا العنزي كما قال شعبة، فإن عاصمًا لم يوثقه إلا ابن حبان (٩٩٦٠)، وقد حكم بجهالته البزار وابن خزيمة، وابن المنذر وغيرهم.\nقال ابن خزيمة: «وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان، لا يدرى من هما، ولا يعلم الصحيح: ما روى حصين، أو شعبة».\nوقال أحمد: لا يعرف كما في فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٢٩).","vol":"2","page":16},{"text":"وقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٨): «وحديث جبير بن مطعم: رواه عباد بن عاصم، وعاصم العنزي، وهما مجهولان، لا يدرى من هما».\nقال في ذيل الميزان (ص: ١٣٠): «ظن ابن المنذر أنهما اثنان، وإنما هما رجل واحد، اختلف في اسمه كما ذكر البخاري».\n\nوقال البزار في مسنده (٨/ ٣٦٥): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي ﷺ إلا جبير بن مطعم، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، وقد اختلفوا في اسم العنزي الذي رواه عن نافع بن جبير، فقال شعبة: عن عمرو، عن عاصم العنزي. وقال ابن فضيل: عن حصين، عن عمرو، عن عباد بن عاصم. وقال زائدة: عن حصين، عن عمرو، عن عمار بن عاصم، والرجل ليس بمعروف، وإنما ذكرناه لأنه لا يَرْوِىِ هذا الكلام غيره عن نافع بن جبير، عن أبيه، ولا عن غيره يرويه أيضًا عن النبي ﷺ».\nوخالف هؤلاء الحاكم في المستدرك، فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».\nإذا عرفت هذا من حيث الإجمال، فإليك التفصيل: ...\nالحديث اختلف فيه على عمرو بن مرة:\nفرواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه مرفوعًا.\nوجعل تفسير الهمز، والنفخ، والنفث من قول عمرو بن مرة.\nرواه محمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٤/ ٨٥)، وسنن ابن ماجه (٨٠٧)، ومسند البزار (٣٤٤٥)، وصحيح ابن خزيمة (٤٦٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٧٩، ٢٦٠١)، ومستدرك الحاكم (٨٥٨)، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٢٥).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسنده (٩٨٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٥٣).\nوآدم بن أبي إياس كما في التاريخ الكبير (٦/ ٤٨٨) ح ٣٠٧٠.\nوأبو الوليد الطيالسي كما في المعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٣٤) ح ١٥٦٨، وفي الدعاء له (٥٢٢).\nوعمرو بن مرزوق كما في سنن أبي داود (٧٦٤)،\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أبي يعلى (٧٣٩٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٨٠).\nووهب بن جرير كما في المنتقى لابن الجارود (١٨٠)، وصحيح ابن خزيمة (٤٦٨)،\nوعلي بن الجعد كما في مسنده (١٠٥)،\nوشبابة بن سوار كما في شعب الإيمان للبيهقي (٢٨٦٥)، كلهم (محمد بن جعفر، وأبو داود الطيالسي، وأبو الوليد الطيالسي، وآدم بن أبي إياس، وعمر بن مرزوق، وابن مهدي، ووهب بن جرير، وعلي بن الجعد، وشبابة) تسعتهم رووه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nورواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٤/ ٨٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٣) ومعرفة السنن للبيهقي (٢/ ٣٥٠)، عن شعبة به، إلا أنه قال: عن نافع بن جبير بدلًا من قول الجماعة (عن ابن جبير). =","vol":"2","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالف كل من سبق زيد بن الحباب، فرواه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل من عنزة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nفأبهم الرجل من عنزة، وقال: عن نافع بن جبير، أخرجه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٢/ ٦٤٤).\nورواه الجماعة، فقالوا: عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم.\nورواه مسعر، عن عمرو بن مرة، عن رجل، وفي رواية: من عنزة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول في التطوع ... وذكر نحوه، وقال في آخره: قلت: يا رسول الله، ما همزه، ونفثه، ونفخه؟ قال: أما همزه، فالموتة التي تأخذ ابن آدم، وأما نفخه الكبر، ونفثه الشعر.\nرواه يحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٨٠)، وسنن أبي داود (٧٦٥)،\nووكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٨٠)، والمعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٣٤) ح ١٥٦٩، وتهذيب الآثار للطبري، من مسند عمر (٩٥١)، والخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (١٥/ ٦٠٤).\nومحمد بن بشر رواه الطبراني في الكبير مقرونًا برواية وكيع (٢/ ١٣٤، ١٣٥) ح ١٥٦٩، ورواه الطبري في تهذيب الآثار من مسند عمر (٩٥٢) من طريق محمد بن بشر وحده.\nونائل بن نجيح مختصرًا كما في أخبار أصبهان (١/ ٢١٠)،\nويزيد بن هارون مقرونًا برواية شعبة كما في مسند أحمد (٤/ ٨٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٣) وفي معرفة السنن (٢/ ٣٥٠).\nوجعفر بن عون، أخرجها محمد بن نصر المروزي في قيام الليل نقلًا من إتحاف المهرة (٤/ ٤٨)، وقال فيه: قيل: يا رسول الله: ما همزه؟\nومحمد بن عبد الوهاب القناد كما في تاريخ بغداد مقرونًا برواية وكيع (١٥/ ٦٠٤).\nكلهم (القطان، ووكيع، ومحمد بن بشر، ونائل بن نجيح، ويزيد بن هارون، وابن عون، والقناد) رووه عن مسعر، عن رجل، عن نافع بن جبير.\nوقد أدرج مسعر تفسير عمرو بن مرة في المرفوع، من رواية يحيى بن سعيد، وجعفر بن عون، ومحمد بن بشر، وروى شعبة وحصين التفسير مقطوعًا على عمرو بن مرة.\nورواه حصين بن عبد الرحمن السلمي، واختلف عليه فيه:\nفقيل: عنه، عن عمرو بن مرة، عن عباد بن عاصم، عن نافع بن جبير.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٦، ٢٤٦٠، ٢٩١٤٢)، وعنه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٤/ ٨٣).\nوعبد الله بن سعيد الأشج كما في صحيح ابن خزيمة (٤٦٩)،\nومحمد بن العلاء كما في تهذيب الآثار للطبري من مسند عمر (٩٤٨)،\nويحيى بن موسى كما في التاريخ الكبير (٦/ ٤٨٩)، خمستهم رووه عن ابن إدريس، عن =","vol":"2","page":18},{"text":"الدليل السابع:\n(ث-٢٩٩) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة،\nأن عمر بن الخطاب، كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: «سبحانك اللهم\n_________\n= حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن عباد بن عاصم، عن نافع بن جبير، عن أبيه.\nورواه يحيى بن عبد الحميد الحماني (حافظ متهم بسرقة الحديث) كما في المعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٣٥) ح ١٥٧٠، عن ابن إدريس به، إلا أنه قال: عمار بن عاصم بدلًا من عباد بن عاصم.\nولم ينفرد ابن إدريس بهذا الإسناد، بل تابعه كل من:\nعبثر بن القاسم ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٧) وفي الإسناد تقديم وتأخير.\nومحمد بن فضيل من رواية علي بن المنذر عنه كما في مسند البزار (٣٤٤٦).\nومن رواية هارون بن إسحاق عنه كما في صحيح ابن خزيمة (٤٦٩)، كلاهما (عبثر، وابن فضيل) عن حصين بن عبد الرحمن السلمي به.\nوقيل: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عمار بن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير، عن أبيه.\nرواه المروزي في قيام الليل (كما في المختصر) (ص: ١١٤) من طريق خالد بن عبد الله الواسطي.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٨٩) والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٣٥) ح ١٥٧١، عن أبي الوليد،\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٣٥) ح ١٥٧١، عن يحيى الحماني، كلاهما (أبو الوليد ويحيى الحماني) عن أبي عوانة (الوضاح بن عبد الله اليشكري)، كلاهما (الواسطي وأبو عوانة) روياه عن حصين، عن عمرو بن مرة، حدثني عمار بن عاصم، حدثني نافع بن جبير به، أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى .... وذكر الحديث.\nقال البخاري في التاريخ الكبير بعد أن ذكر الاختلاف في اسمه، قال: وهذا لا يصح. إشارة إلى آخر مذكور، وهي رواية أبي عوانة عن حصين، عن عمار بن عاصم.\nوقيل: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه، فأسقط الواسطة بين عمرو بن مرة، وبين ابن جبير بن مطعم.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٧)، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن ابن جبير بن مطعم، رأيت النبي ﷺ صلى الضحى، فذكر مثل حديث ابن إدريس. اهـ\nلم يروه بهذا الإسناد إلا ابن فضيل من رواية ابن أبي شيبة عنه.\nوقد خالف ابن أبي شيبة علي بن المنذر عنه كما في مسند البزار (٣٤٤٦).\nوهارون بن إسحاق عنه كما في صحيح ابن خزيمة (٤٦٩)، كلاهما روياه عن ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عمرو بن مرة، عن عباد بن عاصم، عن نافع بن جبير، عن أبيه، بذكر الواسطة، وهو المحفوظ.","vol":"2","page":19},{"text":"وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (^١).\nعبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر لكن تابعه الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وحكيم بن جابر، وعمرو بن ميمون بأسانيد صحيحة (^٢).\nوروي مرفوعًا من مسند عائشة، ومن مسند أبي سعيد الخدري، ومن مسند أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ولا يصح منها شيء (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٢ - ٣٩٩).\n(^٢). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٨٧، ٢٣٨٩)، وعبد الرزاق (٢٥٥٧)، وعلي بن الجعد في مسنده (١٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٢)، والدارقطني في سننه (١١٤٤، ١١٥٣)، والحاكم في المستدرك (٨٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢)، من طريق الأسود بن يزيد.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨) والدارقطني في السنن (١١٤٥)، من طريق علقمة،\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٢) من طريق حكيم بن جابر،\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٠٠)، وعلي بن الجعد في مسنده (١٤٨) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٢)، من طريق عمرو بن ميمون، ثلاثتهم عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفًا عليه.\nورواه الدارقطني في سننه (١١٤٣) من طريق يحيى بن أيوب، حدثني عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله.\nقال الدارقطني: وهذا صحيح عن عمر قوله.\nوقال الحاكم بعد أن رواه موقوفًا: وقد أسند هذا الحديث عن عمر، ولا يصح.\n(^٣). حديث عائشة ﵂ روي عنها من ثلاثة طرق، ولا يصح منها شيء:\nالطريق الأول: عبد السلام بن حرب، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة.\n\nرواه أبو داود في السنن (٧٧٦) من طريق طَلْق بن غَنَّام: حدثنا عبد السلام بن حرب المُلائي، عن بُدَيل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك.\nومن طريق طلق بن غنام رواه الدارقطني في السنن (١١٤١)، والحاكم في المستدرك (٨٥٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥١)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٤٧).\nقال الدارقطني: وليس هذا الحديث بالقوي.\nوقال العراقي: رجاله ثقات.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. اهـ =","vol":"2","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فتعقبه الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ٤٠٧) فقال: «قلت: رجاله من رجالهما في الجملة، وليس على شرط واحد منهما، فإنَّ حسين بن عيسى هو البسطامي وطلق بن غنام جميعًا من شيوخ البخاري، وليس لواحد منهما شيء في صحيح مسلم، وأبا الجوزاء، واسمه أوس بن عبد الله وإنْ أخرج له الشيخان، فروايته عن عائشة عند مسلم خاصة، وقد ذكر بعضهم أنَّه لم يسمع منها، والراوي عنه بديل بن ميسرة من رجال مسلم دون البخاري، وعبد السلام من رجالهما جميعًا».\nوهذا الحديث قد أعلَّ بثلاث علل:\nالعلة الأولى: التفرد، فقد تفرد به طلق بن غنام، قال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديلٍ جماعةٌ؛ لم يذكروا فيها شيئًا من هذا.\nالعلة الثانية: المخالفة، فالحديث مداره على بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، رواه عبد السلام بن حرب، عن بديل به بلفظ: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nوخالفه كل من:\nالأول: شعبة، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٨١)، قال: حدثنا أسباط بن محمد، قال: حدثنا شعبة. لم يروه عن شعبة إلا أسباط.\nالثاني: حسين المعلم، كما في صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨)، وعبد الرزاق في المصنف مفرقًا (٢٦٠٢، ٢٨٧٣، ٢٩٣٨، ٣٠١٤)، ومصنف ابن أبي شيبة مفرقًا (٤١٣١، ٢٣٨٢، ٢٥٨٦، ٢٦٥٤، ٢٩٢٤، ٢٩٣٩، ٢٩٦٥)، ومسند أحمد (٦/ ٣١، ١٩٤)، ومسند إسحاق ابن راهويه (١٣٣١)، ومسند أبي يعلى (٤٦٦٧)، وسنن أبي داود (٧٨٣)، وسنن ابن ماجه (٨١٢، ٨٦٩، ٨٩٣)، وصحيح ابن خزيمة (٦٩٩)، وصحيح ابن حبان (١٧٦٨)، ومستخرج أبي عوانة مفرقًا (١٥٨٥، ١٥٩٥، ١٨٠٢، ١٨٩١، ٢٠٠٤)، ومستخرج أبي نعيم (١١٠٠، ١١٠١)، ومسند السراج (٣٥٣). والبيهقي في السنن مفرقًا، (٢/ ١٢١، ١٦٣، ١٧٤، ١٩٢، ٢٤٥). وفي المعرفة (٢/ ٤٨)\nالثالث: سعيد بن أبي عروبة، أخرجه أحمد (٦/ ١٧١)، والدارمي (١٢٧٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٣)، وأبو نعيم في مستخرجه (١١٠١)، وفي الحلية (٣/ ٨٢)، (٩/ ٢٥٢).\nالرابع: أبان بن يزيد العطار كما في مسند أحمد (٦/ ١١٠).\nالخامس: عبد الرحمن بن بديل، كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٦٥١)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٧٦١٧)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٣، ٨٢)، خمستهم رووه عن بديل ابن ميسرة، عن أبي الجوزاء به، وفيه: (كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة =","vol":"2","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ... وذكر بعضهم بقية الحديث.\nولم يذكر أحد منهم في حديث عائشة دعاء الاستفتاح إلا عبد السلام بن حرب، تفرد به عنه طلق بن غنام.\nوخالف الجماعة في إسناده، ووافقهم في لفظه حماد بن زيد، فرواه عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nأخرجه البيهقي في السنن (٢/ ٢٤) من طريق أبي الربيع،\nوأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١١٩) من طريق فضيل بن عبد الوهاب، كلاهما حدثنا حماد بن زيد به، زاد أبو نعيم: قال حماد: حفظي عن ابن شقيق.\nكأن حمادًا بلغته رواية الجماعة، أو روجع في إسناده، فاعتذر بحفظه.\nوقد سئل عنه الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٩٧)، فقال: يرويه بديل بن ميسرة، واختلف عنه؛\nفرواه حسين المعلم، وابنه عبد الأعلى بن حسين، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار، وعبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم بن طهمان، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة. وخالفهم حماد بن زيد، رواه عن بديل، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، والقول قول من قال: عن أبي الجوزاء، واسمه أوس بن عبد الله الربعي».\nالعلة الثالثة: الانقطاع، حيث لم يسمع أبو الجوزاء من عائشة،\nجاء في الإنصاف لابن عبد البر (ص: ١٧٦): «رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم، لا يختلف في ذلك، إلا أنهم يقولون: إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال».\nوقال في التمهيد (٢٠/ ٢٠٥): «اسم أبي الجوزاء: أوس بن عبد الله الربعي، لم يسمع من عائشة، وحديثه عنها مرسل».\nقال رشيد الدين العطار في كتابه غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة (ص: ٣٣٨) نقلًا عن شيخه أبي الحسين يحيى بن علي: «وإدراك أبي الجوزاء هذا لعائشة معلوم، لا يختلف فيه، وسماعه منها جائز ممكن لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وهذا ومثله محمول على السماع عند مسلم ﵀ كما نص عليه في مقدمة كتابه الصحيح إلا أن تقوم دلالة بينة على أن ذلك الراوي لم يَلْقَ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فحينئذٍ يكون الحديث مرسلًا، والله أعلم».\nقلت: قد قامت البينة على أن الحديث هذا بعينه لم يسمعه من عائشة، فقد رواه إبراهيم بن طهمان، عن بديل، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت إلى عائشة، كما في الطريق التالي.\nوقيل: عن بديل، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت إلى عائشة.\nأخرجه أبو بكر جعفر الفريابي في كتاب الصلاة، قال: حدثنا مزاحم بن سعيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا إبراهيم بن طهمان، حدثنا بديل العقيلي، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا =","vol":"2","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلى عائشة أسألها عن صلاة رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث انظر تهذيب التهذيب (١/ ٣٨٤).\nونقله رشيد العطار مسندًا إلى أبي جعفر الفريابي ثم قال (ص: ٣٤١): وهذا الحديث مخرج في كتاب الصلاة لأبي بكر جعفر بن محمد بن الحسين الفريابي، وهو إمام من أئمة أهل النقل، ثقة مشهور، وإسناده إسناد جيد، لا أعلم في أحد من رجاله طعنًا، وقول أبي الجوزاء فيه: أرسلت إلى عائشة يؤيد ما ذكر ابن عبد البر، والله أعلم».\nولما كان الواسطة مجهولًا كان ذلك علة في الحديث، والله أعلم.\nوالقول بأن أبا الجوزاء قد أرسل رسولًا يثق به وبنقله لا يغني شيئًا، فإنه لو قال: حدثني الثقة لم يكن ذلك ليرفع علته؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، ضعيفًا عند غيره، كما هو مقرر في المصطلح، والله أعلم.\nالطريق الثاني: حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة:\nرواه إسحاق في مسنده (١٠٠٠)، والترمذي (٢٤٣) وابن ماجه (٨٠٦)، والبزار في مسنده (٣٠٢)، وابن خزيمة في صحيحه (٤٧١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١١٧٣)، وابن الأعرابي في المعجم (١٦٥٣)، والطبراني في الدعاء (٥٠٢)، والطوسي في مختصر الأحكام (٢٢٦)، والدارقطني في السنن (١١٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥١)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٤٦)، والبغوي في التفسير (٧/ ٣٩٥)، عن أبي معاوية الضرير (محمد بن خازم)، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا.\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، وأبو الرجال اسمه: محمد بن عبد الرحمن المديني. اهـ\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٩٤): حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، منكر الحديث.\nوقال ابن خزيمة: حارثة بن محمد ﵀، ليس ممن يحتج أهل الحديث بحديثه.\nوضعفه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١١٩).\nوقال أبوطالب: سألت أحمد بن حنبل عن حارثة، فقال: ضعيف، ليس بشيء. الجرح والتعديل (٣/ ٢٥٥).\nالطريق الثالث: عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة.\nرواه الطبراني في الدعاء (٥٠٣)، والدارقطني في السنن (١١٥٢) من طريق سهل بن عامر أبي عامر البجلي، حدثنا مالك بن مغول، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيره.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه سهل بن عامر متروك، وفي الميزان (٢/ ٢٣٩): كذبه أبو حاتم، وقال البخاري: منكر الحديث. =","vol":"2","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁:\nرواه علي بن علي الرفاعي، واختلف عليه فيه: ...\nفرواه جعفر بن سليمان الضبعي (صدوق)، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٥٥٤، ٢٥٨٩)، ومن طريقه النسائي في المجتبى (٨٩٩)، وفي الكبرى له (٩٧٤)، والطبراني في الدعاء (٥٠١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٧).\nوزيد بن الحباب كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٠١)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٠٠)، وفي الكبرى له (٩٧٥)، والمؤمل بن إهاب في جزئه (ص: ١٠١).\nومحمد بن الحسن بن أَتَش كما في مسند أحمد (٣/ ٥٠)\nوحسن بن الربيع كما في مسند أحمد (٣/ ٦٩)، والطبراني في الدعاء (٥٠١)، ومعجم ابن المقرئ (٥٩٨).\nوعبد السلام بن مُطَهَّرٍ كما في سنن أبي داود (٧٧٥)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٩٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤)، وفي المعرفة له (٢/ ٣٤٨).\nوزكريا بن عدي كما في سنن الدارمي (١٢٧٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢).\nوإسحاق بن أبي إسرائيل كما في سنن الدارقطني (١١٤٠).\nوسيار بن حاتم كما في زوائد عبد الله بن أحمد على الزهد (١٢٧٠)، وفوائد تمام (١١٧)، تسعتهم رووه عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري به.\nورواه الترمذي (٢٤٢)، عن محمد بن موسى، عن جعفر بن سليمان به، ولفظه مثل لفظ الجماعة.\nورواه ابن خزيمة (٤٦٧)، عن محمد بن موسى الحرشي به، كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى الصلاة كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك .... وذكر الحديث.\nقال ابن خزيمة: وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء لا في قديم الدهر، ولا في حديثه، استعمل هذا الخبر على وجهه، ولا حكي لنا عن من لم نشاهده من العلماء أنه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلى قوله: ولا إله غيرك، ثم يهلل ثلاث مرات، ثم يكبر ثلاثًا.\nوإذا كان التكبير ثلاثًا لم يروه عن جعفر إلا محمد بن موسى، وهو متكلم فيه، كانت هذه الزيادة منكرة بلا شك. =","vol":"2","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد خالف جعفر بن سليمان من هو أوثق منه، خالفه علي بن الجعد (ثقة) كما في التهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا (٤٣٤)، رواه عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل، قال: لا إله إلا الله ثلاثًا، الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.\nقال: فسئل عنها؟ قال: همزه موتة الجنون، وأما نفثه فالشعر، وأما نفخه فالكبر.\nوبهذا أعله أبو داود في سننه، فقال بعد أن أخرجه: «وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر».\nفيكون جعفر بن سليمان أخطأ فيه مرتين: في وصله وفي جعله من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقال ابن رجب في فتح الباري (٦/ ٤٣٠): وإنما تكلم أحمد في هذا الحديث؛ لأنه روي عن عليِّ بن علي، عن الحسن مرسلًا، وبذلك أعله أبو داود ....».\nوقد رواه عن الحسن مرسلًا هشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (٢٥٧٢، ٢٥٧٣، ٢٥٨٠)، ومسند مسدد كما في المطالب العالية (٤٥٧).\nوعمران بن مسلم كما في مراسيل أبي داود (٣٢).\nوأما حديث أنس بن مالك ﵁، فله ثلاثة طرق:\nالطريق الأول: الحسين بن الأسود، عن محمد بن الصلت، عن أبي خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nوهذا الإسناد ضعيف جدًّا، قال فيه أبو حاتم: «هذا حديث كذب، لا أصل له، ومحمد بن الصلت لا بأس به.» اهـ فهل تعديله لمحمد بن الصلت يريد بذلك أن يجعل العهدة على الراوي عنه، أم أراد أنه أخطأ ولم يتعمد؟ محتمل، والأول أقرب.\nفالحمل فيه على الحسين بن الأسود، سئل أحمد عنه، فقال: لا أعرفه كما في التنقيح لابن عبد الهادي (٢/ ٧٩٢).\nوقال ابن عدي: يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها.\nوقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: حسين بن أسود الكوفي، لا ألتفت إلى حكايته، أراها أوهامًا. قال ابن حجر معقبًا على رواية الآجري: وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يَرْوِ عنه، فإنه لا يروي إلا عن ثقة عنده. وانظر حاشية تهذيب الكمال لزامًا (٦/ ٣٩٣).\nوقال ابن المواق: رمي بالكذب، وسرقة الحديث.\nوقال الأزدي: ضعيف جدًّا، يتكلمون في حديثه.\nوقال أبو حاتم: صدوق.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. =","vol":"2","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الثاني: الفضل بن موسى السيناني، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nرواه الطبراني في الدعاء (٥٠٦) حدثنا محمد بن محمد الواسطي، حدثنا زكريا بن يحيى زحمويه، حدثنا الفضل بن موسى به.\nوهذا الحديث ظاهره الصحة، فإن الفضل بن موسى وثقه البخاري وابن المبارك، ووكيع، وغيرهم، إلا أنه معلول، فإنه لا تعرف للفضل بن موسى رواية عن حميد الطويل، إلا هذا الحديث، وأين أصحاب حميد الطويل، إلا ما كان من رواية أبي خالد الأحمر، عن حميد، وقد قال أبو حاتم في هذا الطريق: هذا حديث كذب، لا أصل له، وسبق الكلام عليه.\nوهذا اللفظ إنما يعرف من حديث عائذ بن شريح، عن أنس، والفضل بن موسى يروي عن عائذ بن شريح انظر تفسير ابن أبي حاتم (٩١٣٠) وتفسير الطبري (٢٤/ ١٢٥)، الأهوال لابن أبي الدنيا (٢٣١)، فقد يكون ذكر حميد خطأ في الإسناد، أو وهمًا.\nقال الذهبي كما في الميزان (٣/ ٣٦٠): ما علمتُ فيه لِينًا إلا ما روى عبد الله بن علي بن المديني: سَمِعتُ أبي وسُئل عن أبي تُميلة والسِّيناني، فقدَّم أبا تُميلة، وقال: روى الفضل أحاديث مناكير.\nوقال عبد الله بن علي بن المديني كما في التهذيب (٨/ ٢٨٧): سألت أبي عن حديث الفضل ابن موسى، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الزبير قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَن شَهَر سيفَه فدمُهُ هَدَر». فقال: منكر ضعيف.\nوحديث حميد عن أنس في دعاء الاستفتاح محفوظ بغير هذا اللفظ، رواه عنه أصحابه خلاف ما رواه الفضل بن موسى.\nفقد رواه حماد بن سلمة كما في صحيح مسلم (٦٠٠)، وأكتفي به عن غيره.\nوابن أبي عدي وسهل بن يوسف كما في مسند أحمد (٣/ ١٠٦).\nومحمد بن عبد الله كما في مسند أحمد (٣/ ١٨٨).\nوعبد الله بن بكر السهمي كما في مسند أبي يعلى (٣٨٧٦)، وشرح مشكل الآثار (٥٦٢٤)، وحديث السراج (١١١١).\nوإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير كما في أحاديث إسماعيل بن جعفر رواية علي بن حجر (٧٠)، وحديث السراج (١١١٠).\nوزائدة بن قدامة كما في الدعاء للطبراني (٥١٠).\nوخالد بن الحارث كما في مسند البزار (٦٥٦٨).\nوإبراهيم بن عبد الحميد بن ذي حماية كما في المعجم الأوسط (٤٤٠٥، ٤٤٠٦)، ومسند الشاميين للطبراني (٢٤٦٥، ٢٤٦٦). =","vol":"2","page":26},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومروان بن معاوية كما في مسند ابن أبي عمر العدني (١٢٤٧ - إتحاف الخيرة)\nومحمد بن عبد الله الأنصاري كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٢٣)،\nوهشيم بن بشير كما في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٢٧)، كلهم رووه عن حميد الطويل، عن أنس بلفظ: قال: أقيمت الصلاة، فجاء رجل يسعى فانتهى، وقد حفزه النفس أو انبهر، فلما انتهى إلى الصف قال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم؟ فسكت القوم، فقال: أيكم المتكلم؛ فإنه قال خيرًا، ولم يقل بأسًا. قال: يا رسول الله، أنا أسرعت المشي، فانتهيت إلى الصف، فقلت الذي قلت، قال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا، يبتدرونها، أيهم يرفعها، ثم قال: إذا جاء أحدكم إلى الصلاة، فَلْيَمْشِ على هينته، فَلْيُصَلِّ ما أدرك، ولْيَقْضِ ما سبقه. ...\nوروى بعضه كل من سليمان بن حيان كما في مسند أحمد (٣/ ٢٢٩)،\nويحيى بن زكريا كما في مسند أبي يعلى (٣٨١٤)،\nوعبد العزيز بن أبي سلمة كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٠٨)،\nوعبد الوهاب بن عطاء كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٩٧)، كلهم رووه عن حميد به.\nالطريق الثالث: عائذ بن شريح، عن أنس.\nما رواه الطبراني في الدعاء (٥٠٥)، وفي الأوسط (٣٠٣٩) من طريق أبي الأصبغ عبد العزيز بن يحيى الْحَرَّانِيِّ، حدثنا مخلد بن يزيد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك، ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا استفتح الصلاة يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.\nوفي إسناده عائذ بن شريح، قال فيه أبو حاتم: في حديثه صنعة. وقال ابن طاهر: ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان قليل الحديث، ممن يخطئ على قلته، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وفيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أَرَ بذلك بأسًا. انظر: الجرح والتعديل (٧/ ١٦) والميزان (٢/ ٣٦٣)، والمجروحين (٢/ ١٤٩).\nوأما حديث جابر ﵁:\nفرواه البيهقي (٢/ ٥٢) من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، أن أباه حدثه أن محمد بن المنكدر أخبره أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ، كان إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له.\nهذا اللفظ معلول سندًا ومتنًا.\nأما المتن فقد انفرد بجمع دعاءي الاستفتاح: أحدهما بلفظ: (سبحانك اللهم وبحمدك)، والثاني: بلفظ: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا)، وقد انفرد بذلك بشر =","vol":"2","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن شعيب، عن أبيه، وقد رواه غيره عن شعيب، ولم يذكروا فيه إلا الاستفتاح بلفظ التوجه، وقد تكلم العلماء في سماع بشر بن شعيب من أبيه.\nقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن بشر بن شعيب، فقال: ذكر لي أن أحمد بن حنبل سأله: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا، قال: فقرئ عليه، وأنت حاضر؟ قال: لا، قال: فقرأت عليه، قال: لا، قال: فأجاز لك؟ قال: نعم. وكتب عنه على معنى الاعتبار، ولم يحدث عنه. الجرح والتعديل (٢/ ٣٥٩).\nوقال أبو زرعة: بشر بن شعيب بن أبي حمزة سماعه كسماع ابن اليمان، إنما كان إجازة. (المرجع السابق).\nهذه علته من حيث المتن.\nأما علته من حيث الإسناد، فشعيب يرويه عن ابن المنكدر على ثلاثة طرق،\nفتارة يجعله من مسند جابر ﵁، وتارة يجعله من رواية الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، وثالثة من رواية الأعرج، عن محمد بن مسلمة الأنصاري، ورابعة من مسند علي بن أبي طالب ﵁، وهو المعروف.\nوإليك تفصيل ما أجمل:\nفرواه أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرمي، عن شعيب بن أبي حمزة، واختلف على شريح فيه:\nفرواه عمرو بن عثمان بن سعيد كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٩٦) وفي الكبرى (٩٧٢)، قال: حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي، قال: أخبرني شعيب، عن ابن المنكدر، عن جابر، قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت.\nومن طريق عمرو بن عثمان رواه الطبراني في مسند الشاميين (٢٩٧٤). وفي الدعاء (٤٩٩)، وأبو نعيم في صفة المنافقين (٧).\nقال أبو نعيم: ولا أعلم رواه عن شعيب غير أبي حيوة: شريح بن يزيد.\nوتابعه على هذا سلم البغدادي (هو ابن قادم)، ويزيد بن عبد ربه الزبيدي، كما في سنن الدارقطني (١١٣٩)، واللفظ ليزيد حدثنا شريح بن يزيد أبو حيوة، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأخلاق والأعمال، لا يقي سيئها إلا أنت.\nقال شعيب: قال لي محمد بن المنكدر وغيره من فقهاء أهل المدينة: إن قلتَ أنتَ هذا القول، فقل: وأنا من المسلمين. =","vol":"2","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهنا تعمد شعيب أن يبهم إسحاق بن أبي فروة بقوله: قال لي محمد بن المنكدر وغيره من فقهاء أهل المدينة ... إلى آخره.\nوفي رواية أبي داود (٧٦٢) حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا شريح بن يزيد، حدثني شعيب بن أبي حمزة، قال: قال لي محمد بن المنكدر، وابن أبي فروة، وغيرهما من فقهاء أهل المدينة ...\nفهنا عمرو بن عثمان بن سعيد وسلم بن قادم، ويزيد بن عبد ربه رووه عن أبي حيوة، عن شعيب، عن ابن المنكدر، عن جابر ﵁.\nورواه يحيى بن عثمان (أخو عمرو بن عثمان)، واختلف عليه في إسناده:\nفرواه النسائي في المجتبى مختصرًا مفرقًا (١٠٥١، ١١٢٧)، وفي الكبرى (٦٤٢، ٧١٦) قال: أخبرنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا أبو حيوة، قال: حدثنا شعيب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁.\nوهذه متابعة لرواية الجماعة.\nورواه الحسين بن إسحاق التستري (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٣٢) ح ٥١٦، عن يحيى بن عثمان الحمصي: حدثنا أبو حيوة شريح بن يزيد: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مسلمة، أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين.\nوإذا ركع قال: اللهم لكَ ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري، ودمي ومخي، وعظمي وعصبي لله رب العالمين.\nثم يرفع رأسه من الركوع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.\nتابعه إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي (فيه جهالة) كما في المعجم الكبير (١٩/ ٢٣٢) مقرونًا بالتستري، والدعاء للطبراني (٥٣٠، ٥٦٨)، وفي مسند الشاميين (٣٣٦٤، ٣٣٦٥).\nفهنا رواه شعيب بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وحده، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، إلا أنه قال: عن محمد بن مسلمة، وقال الماجشون كما في مسلم: عن علي بن أبي طالب، وهذا من تخليط ابن أبي فروة.\nورواه حرب الكرماني في مسائله (٨٥) حدثنا يحيى بن عثمان الحمصي، قال: حدثني ابن حمير، قال: حدثني شعيب، عن إسحاق بن عبد الله ومحمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.\nفهنا شعيب جمع شيخيه (ابن أبي فروة وابن المنكدر).\nورواه النسائي في المجتبى من سننه (٨٩٨، ١٠٥٢)، وفي الكبرى (٦٤٣، ٧١٧) حدثنا يحيى بن عثمان عن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، =","vol":"2","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن عبد الرحمن الأعرج، عن محمد بن مسلمة ... وذكر الحديث.\nفصار يحيى بن عثمان إذا رواه عن أبي حيوة شريح بن يزيد ذكر في إسناده عبيد الله بن أبي رافع.\nوإذا رواه عن محمد بن حمير، عن شعيب، أسقطه، والحمل على شعيب.\nوقوله: (وذكر آخر قبله) يقصد إسحاق بن أبي فروة كما صرح بهما من رواية حرب الكرماني في مسائله وكما صرح بإسحاق وحده من رواية يحيى بن عثمان من رواية الحسين بن إسحاق التستري عنه.\nومنهم من أسقط إسحاق لكونه متهمًا وذكر ابن المنكدر وحده.\nرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٩٣) حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، حدثني شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن محمد بن مسلمة، فأسقط ذكر إسحاق بن أبي فروة.\nفتبين من رواية يحيى بن عثمان والحميري حقيقتان:\nالأولى: أن شعيب بن أبي حمزة يرويه عن إسحاق بن أبي فروة (المتروك)، وعن محمد بن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.\nوالثانية: أن رواية شعيب ترجع إلى حديث الأعرج، وإذا رجع الحديث إلى رواية الأعرج، فإن المحفوظ فيه هو عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، كما هي رواية مسلم، وكل ما خالف ذلك فهو منكر.\nوفيه وجه آخر من الاختلاف على شعيب ذكره الدارقطني في العلل، قال الدارقطني في العلل (١٤/ ١٢) ح ٣٣٨١: «يرويه شعيب بن أبي حمزة، عن إسحاق بن أبي فروة، ومحمد بن المنكدر، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب».\nفهذا إن كان محفوظًا فإنه يبين أن شُعَيْبًا رواه عن إسحاق بن أبي فروة، ومحمد بن المنكدر، عن الأعرج من مسند علي بن أبي طالب، ﵁، لا من مسند جابر ﵁.\nوقد تابعه على هذا الطريق الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج به، كما في صحيح مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).\nفصار شعيب تارة يرويه عن إسحاق بن أبي فروة، ومحمد بن المنكدر، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب كما أثبت ذلك الدارقطني في العلل.\nوتارة يرويه شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر، رواه عن شعيب أبو حيوة شريح بن يزيد، وبشر بن شعيبا، ومتابعة بشر أخرجت أبا حيوة من العهدة، وجعلت الحمل على شعيب بن أبي حمزة.\nووجه ثالث: يرويه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة، وحده عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن سلمة.\nورابع يرويه شعيب عن محمد بن المنكدر وإسحاق، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة، بإسقاط =","vol":"2","page":30},{"text":"قال أحمد كما في مسائل أبي داود: «نحن نذهب إلى استفتاح عمر» (^١).\n_________\n= عبد الله بن أبي رافع.\nهذه وجوه أربعة اختلف فيها على شعيب بن أبي حمزة، وروايته عن ابن المنكدر فيها كلام.\nقال أبو حاتم في العلل (٥/ ٣٢٠): كان عَرَضَ شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر كتابًا، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضًا، وأنكر بعضًا، وقال لابنه أو لابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث، فدوَّن شعيبًا تلك الأحاديث على الناس، وعرض عليَّ بعض تلك الأحاديث، فرأيته مشابهًا لحديث إسحاق بن أبي فروة .... وانظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ٢٦٥)، والله أعلم.\nوالحق أن شعيبًا لم يسمعه من ابن المنكدر، وإنما سمعه من إسحاق بن أبي فروة كما ذكر ذلك أبو حاتم في العلل، قال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٦٤) ح ٤٣٨: «سألت أبي عن حديث؛ رواه ابن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مسلمة؛ أن النبي ﷺ، كان إذا قام يصلي قال: الله أكبر، ﴿وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا﴾ إلى آخر الآية.\nقال أبي: هذا من حديث إسحاق بن أبي فروة، يروى: شعيب، عن إسحاق بن أبي فروة». اهـ يعني ولم يسمعه شعيب من ابن المنكدر. ...\nورواية ابن حمير ليس فيها ذكر لعبيد الله بن رافع، فإن كان ما ذكره ابن أبي حاتم في العلل محفوظًا فيكون وجهًا آخر من وجوه الاختلاف. ...\nفدخل على شعيب حديث محمد بن المنكدر، عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، بحديث إسحاق بن أبي فروة وحده عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن محمد بن مسلمة.\nثم جاء تصرف الرواة بعد ذلك، فمنهم من ترك إسحاق لكونه متروكًا، وذكر ابن المنكدر وحده، وساق الإسناد هكذا، عن شعيب، عن محمد بن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة، فظهر الإسناد كأنه من رواية الثقات.\nكما فعل ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٩٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ١٥).\nومنهم من كنَّى عنه فقال: عن ابن المنكدر وآخر قبله، كما فعل النسائي في المجتبى (١٠٥٢، ١١٢٨)، وفي الكبرى (٦٤٣، ٧١٧)، فأبهم ابن أبي فروة المتروك.\nومنهم من جمع بينهما صريحًا كما فعل يحيى بن عثمان من رواية حرب الكرماني عنه.\nوقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٣١): يرويه شعيب بن أبي حمزة، واختلف عنه؛\nفرواه أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرمي، عن شعيب، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ.\nوغيره يرويه عن شعيب، عن ابن المنكدر، عن عبد الرحمن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.\nوالمحفوظ: عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب».\nوليس في كل هذه الطرق دعاء الاستفتاح بلفظ: (سبحانك اللهم وبحمدك ...) إلا ما كان من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه، وقد علمت ما فيها.\n\n(^١). مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٦).","vol":"2","page":31},{"text":"وقال أحمد في مسائل ابنه عبد الله: «أما الذي نذهب إليه في الافتتاح ... إلى ما روينا عن عمر أنه كان يقول إذا افتتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك ... وذكر بقية الأثر» (^١).\nوسأل إسحاق بن منصور الإمام أحمد: ما يقول إذا افتتح الصلاة؟ قال: أما أنا فأذهب إلى قول عمر ﵁، وإن قال كل ما روي عن النبي ﷺ فليس به بأس ... (^٢).\nوهذه النقول عن الإمام أحمد تدل على أنه لا يصح عنده هذا الثناء مرفوعًا.\nالدليل الثامن:\nصح عن النبي ﷺ أدعية أخرى من الاستفتاح في قيام الليل، والقاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض إلا أن يدل دليل على اختصاصه بالنافلة، وسوف أذكر أدعية الاستفتاح في صلاة الليل في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.\nقال ابن باز: «ما صح في صلاة النافلة يصح في الفريضة، لكن ما كان فيه طول فالأولى أن يكون في صلاة الليل» (^٣).\nلعل الشيخ قصد بالأولوية هنا لمن يصلى الفريضة إمامًا حتى لا يشق على المأمومين، فإن صلى وحده لعذر، فلا أرى مانعًا من الاستفتاح بما فيه طول، كالشأن في الصلاة، إذا صلى بالناس خفف، وإذا صلى وحده أطال ما شاء، والله أعلم.\nويستدل للشيخ ابن باز ﵀ بحديث أبي هريرة من قوله: (كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، قال: أحسبه قال: هنيَّة ...).\nفالهنية: هو القليل من الزمن.\nوهذا أفضل من اختيار بعض الشافعية من الاستفتاح ببعض حديث عليٍّ ﵁.\nقال النووي: «قال أصحابنا فإن كان إمامًا لم يزد على قوله: (وجهت وجهي) إلى قوله (وأنا من المسلمين): وإن كان منفردًا أو إمامًا لقوم محصورين،\n_________\n(^١). مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٥).\n(^٢). مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٠).\n(^٣). انظر حاشية قرة عيون المصلين للقحطاني (ص: ١٨)، وصلاة المؤمن (١/ ١٨٦).","vol":"2","page":32},{"text":"لا يتوقعون من يلحق بهم، ورضوا بالتطويل استوفى حديث عليٍّ بكماله» (^١).\n* دليل المالكية على كراهة الاستفتاح:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٩١) ما وراه أبو داود من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، قال: أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ .... الحديث (^٢).\n[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم يكبر ... ثم يقرأ) فجعل القراءة بعد التكبير، ولم يذكر الاستفتاح.\n* ونوقش:\nغايته أنه لم يذكر الاستفتاح، وهذا لا يمنع من استحبابه بأدلة أخرى، كما أنه لم يذكر أذكار الركوع والسجود والتشهد، ولا يدل ذلك على عدم مشروعيتها.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٢٩٢) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٢١)، وانظر مغني المحتاج (١/ ٣٥٢).\n(^٢). سنن أبي داود (٧٣٠).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (١١٨٥).","vol":"2","page":33},{"text":"تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن حديث المسيء في صلاته قد اقتصر النبي ﷺ على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، وهو كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ بها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا.\nالوجه الثاني:\nلا نسلم بأنه لم يأمر المسيء صلاته بالاستفتاح فقد جاء الأمر به في حديث رفاعة بن رافع، وسوف أذكره إن شاء الله تعالى في أدلة القائلين بالوجوب.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٢٩٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٢).\nوهذا مثل قول عائشة في مسلم: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين.\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث\n(^٢). صحيح البخاري (٧٤٣).","vol":"2","page":34},{"text":"وجه الاستدلال:\nدل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بقراءة الفاتحة، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بدعاء الاستفتاح.\n* ويجاب بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nأن الاستدلال بحديث أنس استدلال بالمفهوم، والمفهوم إذا عارضه منطوق تبين أن المفهوم غير مراد، فلا يقدم المفهوم على منطوق حديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث علي بن أبي طالب في مسلم.\nالجواب الثاني:\nلو كان حديث أنس على ظاهره بأن المقصود فيه افتتاح الصلاة لدَلَّ على أن الصلاة تفتتح بكلمة (الحمد لله رب العالمين) دون التكبير (^١).\nالجواب الثالث:\nأن حديث أنس ﵁ معارض لأحاديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث عليٍّ في صحيح مسلم، والتي حفظت لنا أن النبي ﷺ كان يدعو دعاء الاستفتاح قبل القراءة، والمنهج إذا تعارضت الأدلة أن يجمع بينها -إن أمكن ذلك بلا تكلف- قبل أن يصار إلى الترجيح؛ لأن في الجمع إعمالًا لكلا الدليلين، وفي الترجيح إهمالًا لأحدهما، والجمع له أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن المراد بـ (يفتتحون الصلاة): أي يفتتحون القراءة في الصلاة، هكذا رواه جماعة عن قتادة، منهم هشام الدستوائي، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عوانة وحماد بن سلمة، وغيرهم، عن قتادة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين، وهكذا رواه حميد الطويل وثابت عن أنس (^٢).\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٩).\n(^٢). حديث أنس ﵁ رواه عنه قتادة، ورواه عن قتادة كبار أصحابه، ومن رواه بلفظ:=","vol":"2","page":35},{"text":"وقد يعبر بالقراءة على الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].\nوقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... رواه مسلم، والمقسوم هو قراءة الفاتحة.\nالوجه الثاني:\nمن الجمع بينهما أن يكون ترك الاستفتاح في دليل أنس دليلًا على عدم\n_________\n= (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، منهم:\nالأول: هشام الدستوائي، عن قتادة:\n\nرواه أحمد (٣/ ١١٤، ١٨٣، ٢٧٣)، وأبو يعلى في مسنده (٣١٢٨)، والسراج في حديثه (٢٥٤٢)، عن يحيى بن سعيد القطان.\nوالبخاري في القراءة خلف الإمام للبخاري (٩٠)، وأبو داود في السنن (٧٨٢)، والدارمي في سننه (١٢٧٦)، والمستغفري في فضائل القرآن (٦١٢) حدثنا مسلم بن إبراهيم، كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة بلفظ: (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤١٤٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦١٠).\nوعبد الأعلى بن سليمان أبو عبد الرحمن كما في الكنى والأسماء للدولابي (١٥٠١)، كلاهما عن هشام به، بلفظ: (كانوا يستفتحون الصلاة بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nواللفظ الثاني ليس معارضًا للفظ الأول، فالمراد من استفتاح الصلاة: استفتاح القراءة.\nالثاني: همام، عن قتادة.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٩) حدثنا بهز، وحدثنا عفان.\nورواه أبو يعلى في مسنده (٢٨٨١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦١٣) من طريق هدبة بن خالد (القراءة)، ثلاثتهم (بهز، وعفان، وهدبة) رووه عن همام به.\nالثالث: أبو عوانة، عن قتادة.\nأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٨٩)، والترمذي في سننه (٢٤٦)، والنسائي في المجتبى (٩٠٢)، وفي السنن الكبرى له (٩٧٧)، والمستغفري في فضائل القرآن (٦١٤).\nالرابع: أيوب بن تميمة، عن قتادة.\nكما في مسند الشافعي ترتيب السندي (٢١٩)، ومسند أحمد (٣/ ١١١)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٠٣)، وسنن ابن ماجه (٨١٣)، والثالث من الفوائد المنتقاة للحربي (٦١).\nالخامس: سعيد بن أبي عروبة كما في مسند أحمد (٣/ ١٠١)، ومستخرج الطوسي (٢٢٨)، ومعجم ابن المقرئ (٨٢٩)،\nالسادس: حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس، كما في مسند أحمد (٣/ ١٦٨، ٢٨٦)، صحيح ابن حبان (١٨٠٠).","vol":"2","page":36},{"text":"وجوب الاستفتاح، وأن النبي ﷺ كان يتركه أحيانًا ليبين أنه غير واجب، وقد استدل به إسحاق على أن الاستفتاح غير واجب، والله أعلم (^١).\nوالوجه الأول أقوى؛ لأن الترك لبيان الجواز يكون عارضًا، وحديث أنس لو حمل على ظاهره لدَلَّ على استمرار العمل بالترك من زمن النبي ﷺ إلى زمن الخليفة عثمان ﵁، فكان حمل النفي على افتتاح القراءة أولى، وهو ما رواه أصحاب قتادة عنه، عن أنس ﵁، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٢٩٤) ما رواه مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب،\nأن أبا سعيد، مولى عامر بن كريز، أخبره: أن رسول الله ﷺ نادى أُبَيَّ بن كعب وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه، فوضع رسول الله ﷺ يده على يده. وهو يريد أن يخرج من باب المسجد. فقال: إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة، ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها، قال أُبَيٌّ فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك. ثم قلت: يا رسول الله السورة التي وعدتني، قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ١]، حتى أتيت على آخرها فقال رسول الله ﷺ: هي هذه السورة وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت (^٢).\n[هذا مرسل واختلف فيه على العلاء، فتارة يرويه العلاء نفسه عن النبي ﷺ وتارة يرويه عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلًا، وتارة يصله، والموصول، تارة عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وتارة يسنده عن أبي بن كعب، والموصول ليس فيه موضع الشاهد] (^٣).\n_________\n(^١). انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٨).\n(^٢). الموطأ (١/ ٨٣).\n(^٣). الحديث روي من طريق العلاء بن عبد الرحمن، ومن طريق الأعرج.\nأما طريق العلاء بن عبد الرحمن فقد اختلف عليه على خمسة وجوه:\nفقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن النبي ﷺ، مرسلًا. =","vol":"2","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ.\nوقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي بن كعب.\nوقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب.\nوقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة.\nفواضح أن العلاء بن عبد الرحمن قد اضطرب في إسناده، وليس هو بالمتقن حتى يمكن أن يحتمل منه مثل هذا الاختلاف، إلا أن رواية الحديث من طريق الأعرج عن أبي هريرة قد ترجح رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة.\nكما أن البخاري قد رواه أيضًا، من رواية المقبري، عن أبي هريرة، وليس فيه إلا فضل سورة الفاتحة دون قصة أبي بن كعب.\nقال الحافظ في الفتح (٨/ ١٥٧): «رجح الترمذي كونه من مسند أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب ....».\nورجح ابن عبد البر كونه من مسند أبي بن كعب، فقال بعد أن ذكر الاختلاف فيه على العلاء ابن عبد الرحمن، قال في التمهيد (٢٠/ ٢١٨): «ورواه عبد الحميد بن جعفر عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ وهو الأشبه عندي والله أعلم».\nوروى البخاري في صحيحه (٤٤٧٤) أن القصة وقعت لأبي سعيد بن المعلى، وليس فيها لفظ: (الافتتاح في الصلاة).\n\nوقد ذهب ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٢٠)، إلى أن القصة وقعت لأبي بن كعب، ولأبي سعيد بن المعلى.\nوقال البيهقي في الشعب (٤/ ٢٧): «يشبه أن يكون هذا القول صدر من جهة صاحب الشرع ﷺ لِأُبَيٍّ، ولأبي سعيد بن المعلى كليهما، وحديث ابن المعلى رجاله أحفظ والله أعلم».\nقال ابن حجر في الفتح (٨/ ١٥٧): ويتعين المصير إلى ذلك؛ لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما.\nووهم ابن الأثير حيث ظن أن أبا سعيد شيخ العلاء هو أبو سعيد بن المعلى، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري من أنفسهم مدني، وذلك تابعي مكي من موالي قريش».\nهذه وجوه الاختلاف في الإجمال، وهي ترجع إلى طريقين:\nالطريق الأول: طريق العلاء بن عبد الرحمن، والاختلاف عليه.\nفرواه الإمام مالك بن أنس واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى بن يحيى الليثي كما في الموطأ (١/ ٨٣)،\nوروح بن عبادة كما في مسند إسحاق نقلًا من المطالب العالية (٣٥١٨)،\nوابن أبي مريم، وإسحاق بن عيسى كما في فضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: ٢٢١)، =","vol":"2","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الوهاب بن عطاء من رواية يحيى بن أبي طالب عنه (ليس بالمتين) كما في مستدرك الحاكم (٢٠٤٩)، خمستهم رووه عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن النبي ﷺ مرسلًا، وفيه: (... كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ...).\nوخالفهم زيد بن الحباب كما تفسير الطبري ط هجر (١٤/ ١٢٢)، فرواه عن مالك بن أنس، قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى لعروة، عن أبي سعيد مولى عامر بن فلان، أو ابن فلان عن أبي بن كعب أن رسول الله ﷺ قال له: إذا افتتحت الصلاة، بم تفتتح؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت.\nولم ينفرد به زيد بن الحباب، فقد تابعه القعنبي إلا أنه قد اختلف عليه في إسناده:\nفرواه أحمد بن محمد بن عيسى القاضي (ثقة) كما في مستدرك الحاكم (٣٠٢٠)، حدثنا عبد الله بن مسلمة فيما قرئ على مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ نحوه: يقصد نحو رواية عبد الحميد بن جعفر عن العلاء، وسيأتي تخريج رواية عبد الحميد بن جعفر إن شاء الله تعالى.\nورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي، كما في مستدرك الحاكم (٢٠٤٩)، حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن العلاء، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلًا، كرواية الجماعة عن مالك.\nفصار مالك تارة يرويه عن العلاء، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلًا، كما في رواية يحيى بن يحيى، وروح بن عبادة وابن أبي مريم، وإسحاق بن عيسى، وعبد الوهاب بن عطاء عنه.\nوتارة يرويه عن العلاء، عن أبي سعيد مولى عامر، عن أبي بن كعب، كما في رواية زيد بن الحباب عنه.\nورواه القعنبي، عن مالك بالطريقين مفرقين.\nوقد روي حديث العلاء من مسند أبي بن كعب من غير طريق مالك، إلا أنه تارة يرويه العلاء عن أبيه، عن أبي بن كعب.\nوتارة يرويه عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب بذكر واسطة بين أبيه وبين أبي بن كعب.\nرواه شعبة بن الحجاج، واختلف عليه فيه:\nفرواه شبابة بن سوار، عن شعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أنه قرأ على رسول الله ﷺ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم التي أعطيت.\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٢٠٥٠).\nورواه محمد بن جعفر، وهو من أثبت أصحاب شعبة، عن شعبة، قال: سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي بن كعب أنه قال: السبع المثاني: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا موقوف.\nرواه الطبري في تفسيره ت هجر (١٤/ ١١٦)، وابن عبد البر (٢٠/ ٢٢١).\nورواه عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، إلا أنه قال: عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، =","vol":"2","page":39},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٢٢) حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، وفيه: ... كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ فقرأت فاتحة الكتاب، قال: هي هي، وهي السبع المثاني التي قال الله تعالى.\nوقد روى ابن خزيمة في صحيحه (٥٠٠) أخبرنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي، أخبرنا أبو أسامة به، بلفظ: (كيف تبدأ إذا قمت إلى الصلاة)، وهي رواية بالمعنى لقوله: (إذا افتتحت الصلاة).\nورواه عبد الله بن أحمد كما في زوائد المسند (٥/ ١١٤) من طريق إسماعيل أبي معمر،\nوعبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (١٦٥)\nوالحسن بن علي بن عفان العامري (صدوق) كما في المستدرك (٢٠٤٨، ٣٠١٩)، وعنه البيهقي في السنن الصغير (٩٥٥)، وشعب الإيمان (٢١٣٩)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٠٣).\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٩) من طريق أبي بشر، أربعتهم عن أبي أسامة به، وفيه: (... فكيف تقرأ إذا قمت تصلي، فقرأ بفاتحة الكتاب ... وذكر الحديث، وليس فيه قوله: إذا افتتحت الصلاة.\nورواه مختصرًا بفضل سورة الفاتحة دون قصة أبي بن كعب كل من:\nأبي بكر بن أبي شيبة كما في زوائد عبد الله بن أحمد على المسند (٥/ ١١٤)، وصحيح ابن حبان (٧٧٥).\nومحمد بن عبد الله بن نمير كما في زوائد عبد الله بن أحمد (٥/ ١١٤).\nوالفضل بن موسى كما في سنن الترمذي (٣١٢٥)، والمجتبى من سنن النسائي (٩١٤)، والسنن الكبرى له (٩٨٨).\nومحمد بن سعيد كما في سنن الدارمي (٣٤١٥).\nوأبي أسامة من رواية حوثرة بن محمد أبي الأزهر عنه، كما في صحيح ابن خزيمة (٥٠١)، خمستهم رووه عن عبد الحميد بن جعفر به.\nوقيل: عن العلاء بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ.\nرواه القاسم بن سلام في فضائل القرآن (ص: ٢٢٠) حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم.\nورواه القاسم بن سلام في الفضائل (ص: ٢٢٠)، حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن محمد بن عجلان.\nورواه القاسم بن سلام في الفضائل (ص: ٢٢٠) من طريق محمد بن إسحاق، ثلاثتهم (عبد الله بن أبي بكر، وابن عجلان، وابن إسحاق) رووه عن العلاء بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ.\nقال أبو عبيد: لم يسنده ابن جريج، وابن إسحاق، وابن عجلان، وأسنده إسماعيل بن جعفر، =","vol":"2","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد العزيز (يعني الدراوردي)، وخالفهما مالك في الإسناد.\nوهذا اختلاف آخر على العلاء بن عبد الرحمن. ...\nوقيل: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ على أبي، وهو يصلي ... الحديث، وفيه (كيف تقرأ في الصلاة)، فلم يذكر الافتتاح، وجعله من مسند أبي هريرة.\nرواه عبد الرحمن بن إبراهيم كما في مسند أحمد (٢/ ٤١٢، ٤١٣)، وتفسير الطبري ط هجر (١٤/ ١٢٤).\nوالدراوردي (صدوق) كما في سنن الترمذي (٢٥٧٥)، وفضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: ٢٢٠).\nوروح بن القاسم (ثقة) كما في تفسير الطبري ط هجر (١١/ ١٠٦) و(١٤/ ١٢١)، السنن الكبرى للنسائي (١١١٤١)، وصحيح ابن خزيمة (٨٦١)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٠٦).\nوجهضم بن عبد الله (صدوق يكثر عن المجاهيل) كما في مشكل الآثار (١٢٠٨)،\nومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني (أخو إسماعيل بن جعفر) كما في تفسير الطبري (١١/ ١٠٦) والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٥)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٠٥)، وتفسير البغوي (١/ ٥٦)، خمستهم، عن العلاء به.\nورواه حفص بن ميسرة كما في صحيح ابن خزيمة (٨٦١)،\nوأبو غسان محمد بن المطرف (ثقة) كما في مشكل الآثار (١٥١٠)، عن العلاء به، بلفظ: ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ قال يا رسول الله: كنت في الصلاة قال: أفلم تجد فيما أوحى الله إلي أن ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾؟ [الأنفال: ٢٤] قال: بلى يا رسول الله، ولا أعود إن شاء الله. اهـ ولم يذكر القراءة في الصلاة، ولا فضل أم القرآن.\nورواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني كما في تفسير الطبري (١٤/ ١٢١)، ومسند أبي يعلى (٦٥٣١)، عن العلاء به، في فضل أم القرآن، ولم يذكر قصة أبي بن كعب.\nورواه إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: وقرأ عليه أُبَيٌّ أم القرآن، فقال: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت.\nوليس فيه ذكر للصلاة، فضلًا عن الافتتاح.\nوهو في أحاديث إسماعيل بن جعفر (٢٩٢)، ومسند أحمد (٢/ ٣٥٧)، ومسند أبي يعلى (٦٤٨٢)، ومشكل الآثار (١٢٠٩)، وفضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: ٢٢٠)، والبغوي في شرح السنة (١١٨٦).\nهذه وجوه الاختلاف على العلاء بن عبد الرحمن.\nالطريق الثاني: طريق الأعرج، عن أبي هريرة.\nرواه الحاكم في المستدرك (٢٠٥١) من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: أن النبي ﷺ نادى أبي بن كعب وهو قائم يصلي فلم يجبه، فقال: ما منعك أن تجيبني يا أُبَيُّ فقال: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله تبارك =","vol":"2","page":41},{"text":"وجه الاستدلال:\nاستدل به بعض المالكية على سقوط دعاء الاستفتاح لقوله: (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، فلم يذكر الاستفتاح.\n* ويجاب:\nبأن القراءة إذا أطلقت في الصلاة انصرفت إلى قراءة القرآن، وأول قراءة بعد افتتاح الصلاة هي قراءة الفاتحة؛ لأن ما قبلها لا يطلق عليه قراءة؛ لأنه إما ثناء،\n_________\n= وتعالى ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾؟ [الأنفال: ٢٤] لا تخرج من المسجد حتى أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثلها، وإنها السبع الذي أوتيت الطول، وإنها القرآن العظيم.\nومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الشعب (١٤٢٧)، وقد تفرد ابن إسحاق بإسناد هذا الحديث، وهو إسناد غريب، وليس فيه ذكر للصلاة، فضلًا عن الافتتاح. ...\nوقد روى البخاري في صحيحه (٤٧٠٤) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم. ولم يذكر قصة أُبَيِّ بن كعب.\nقال الدارقطني في العلل (٩/ ١٤): يرويه العلاء بن عبد الرحمن، واختلف عنه؛\nفرواه روح بن القاسم، وإسماعيل بن جعفر، وأخوه محمد بن جعفر، وابن أبي حازم، والدراوردي، وعبد السلام بن حفص، وعبد الرحمن بن إسحاق، وجهضم بن عبد الله، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الرحمن بن إبراهيم، ومسلم بن خالد، وشعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوخالفهم عبد الحميد بن جعفر، فرواه عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ.\nوقيل: عن أبي معاوية الضرير، عن خارجة بن مصعب، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، كذلك.\nوخالفهم مالك بن أنس، فرواه عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز، مرسلا، عن النبي ﷺ.\nويشبه أن يكون الحديث عند العلاء على الوجهين.\nوقال محمد بن إسحاق: عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: دخل رسول الله ﷺ وأبي بن كعب يصلي، مرسلًا.\nوقال علي بن عياش: عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال في فضل فاتحة الكتاب فقط».","vol":"2","page":42},{"text":"أو دعاء، وأكثر الرواة رووه بلفظ: (كيف تقرأ إذا قمت تصلي؟، قال: فقرأت بفاتحة الكتاب)، وليس فيه ذكر الافتتاح، وعلى التنزل فإن القراءة تطلق على الدعاء والثناء وقراءة القرآن، وحين كان الحديث عن تعلم أعظم سورة في القرآن، فلما سأله أبي بن كعب تعليمها، ثم سأله النبي عن القراءة في الصلاة، كان الحديث والسؤال مختصًّا بالقرآن، لا بغيره.\nولو سلمنا جدلًا أن الحديث فيه دلالة على ترك دعاء الاستفتاح ثم دلت أحاديث أخرى صحيحة مقطوع بصحتها على مشروعية دعاء الاستفتاح لم تهمل تلك الأحاديث، فيصار إلى كراهة دعاء الاستفتاح، وإنما يجمع بينها وبين هذا الحديث، فيكون الترك دليلًا على عدم الوجوب، لا على نفي الاستحباب، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\nالاحتجاج بعمل أهل المدينة، قال ابن بطال: «لو كانت هذه الإسكاتة مما واظب عليها النبي ﵇، لم يَخْفَ ذلك، ولنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا، فيحتمل أن يكون ﵇، فعلها في وقت ثم تركها تخفيفًا عن أمته، فتركها واسع» (^١).\nفرجع الاحتجاج بهذه المسألة إلى عمل أهل المدينة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد؛ لأنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا، أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله.\n* ويناقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nقال ابن الملقن: «الحديث ورد بلفظ: (كان إذا قام إلى الصلاة)، وبلفظ: (كان إذا قام يصلي تطوعًا). وبلفظ: (كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله). ولفظ (كان) هنا يشعر بكثرة الفعل أو المداومة عليه» (^٢).\n_________\n(^١). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٦٢).\n(^٢). التوضيح شرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٢).","vol":"2","page":43},{"text":"الوجه الثاني:\nلا نسلم أن عمل أهل المدينة ترك الاستفتاح، فإن عمر بن الخطاب قد جهر بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي ﷺ، كما سبق تخريجه، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم، ثم ترك العمل به في زمن الإمام مالك، فكان يَصِل التكبير بالقراءة من غير دعاء، ولا تعوذ، فإن كان عمل أهل المدينة حجة كان عملهم في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حين كان فيهم كبار الصحابة أولى من اتباع العمل حين انقرض عصر الصحابة (^١).\nالوجه الثالث:\nبأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره ﵏ أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع والمد وأنه ﵇ كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي ﷺ، ومكان مسجده ومكان منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة (^٢).\n* دليل من قال: يجب دعاء الاستفتاح:\nالدليل الأول:\n(ح-١٢٩٥) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^٣).\n* ويناقش:\nسبق لنا مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على\n_________\n(^١). انظر أعلام الموقعين (٢/ ٢٨٥).\n(^٢). انظر: إحكام الفصول للباجي (ص: ٤٨٠)، شرح تنقيح الفصول (ص: ٣٣٤)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ٢٥٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).","vol":"2","page":44},{"text":"أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: لتأخذوا عني مناسككم، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.\nوإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي ﷺ وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي ﷺ حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.\n(ح-١٢٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nحدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (^١).\nومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي ﷺ المجردة الاستحباب، والله أعلم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).","vol":"2","page":45},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٢٩٧) أخرجه أبو داود، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،\nعن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه قال فيه: فقال النبي ﷺ: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء - يعني مواضعه - ثم يكبر، ويحمد الله جلَّ وعزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (لا تتم صلاة لأحد من الناس) حتى ... وذكر منها دعاء الاستفتاح مجملًا بقوله: (ثم يكبر، ويحمد الله جل وعز، ويثني عليه ....).\n* وأجيب:\nبأن دعاء الاستفتاح تفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد رواه جماعة عن علي بن يحيى بن خلاد، ولم يذكروا فيه دعاء الاستفتاح (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٥٨).\n(^٢). حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، ومن مسند رفاعة بن رافع خارج الصحيحين.\nفأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن =","vol":"2","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته. وليس فيه ذكر الاستفتاح.\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\n\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد ابن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منها حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\nوقد انفرد فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن بقية الرواة بالحروف التالية:\n١ - لفظ (لا تتم صلاة أحدكم ...) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ...) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (... إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... وفي رواية: فأسبغ الوضوء).\n٢ - ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة.\n٣ - تكبيرات الانتقال لم تذكر إلا في طريق إسحاق، ولم يذكر في حديث أبي هريرة.\n٤ - قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.\n٥ - تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n٦ - تمكين الوجه والجبهة في السجود.\n٧ - ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nوكل زيادة على حديث أبي هريرة مما انفرد به بعض الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن عليِّ بن يحيى ابن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، والله أعلم.\nوانظر تخريجه مستوفى في ح (١١٨٧).","vol":"2","page":47},{"text":"* الراجح:\nأن دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة المحفوظة، وأن القول بوجوبه، أو القول بكراهته قول ضعيف، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفرع الثاني في قول المصلي (وأنا أول المسلمين) إذا استفتح بحديث علي ﵁</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل ذكر مقيد بوقت معين، أو محل معين فإنه توقيفي لا تشرع الزيادة فيه، ولا النقص منه، ومنه أدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.\n* المستفتح يقول: (وأنا أول المسلمين) اقتداء بالنبي ﷺ، وإظهارًا للامتثال، وموافقة للقرآن، ولا يقصد أنه أول المسلمين إسلامًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾.\n* لو كان قوله ﷺ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ يفسد المعنى لجاء النهي عنه من الشارع.\n* نقل النووي عن الشافعي أن أكثر الرواة رووه بلفظ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾. فدل على أن لفظ: (وأنا من المسلمين) تصرف من بعض الرواة؛ لاعتقادهم أن هذا لا يصح من جهة المعنى، وهو خطأ.\n[م-٥١٤] اختلف الفقهاء في المصلي يستفتح بحديث: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ...) إلى آخر الحديث، أيقول: وأنا أول المسلمين، أم يقول: وأنا من المسلمين؟\nفاختار أكثر العلماء أنه يقول: (وأنا من المسلمين)، وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية، واختاره القرطبي وابن العربي من المالكية، واختاره بعض فقهاء المدينة كابن المنكدر وغيره (^١).\n_________\n(^١). شرح مشكل الآثار (٤/ ٢١٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٨)، البحر الرائق (١/ ٣٢٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، النهر الفائق (١/ ٢٠٩)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٦٠)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٣٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٢)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٣٤).","vol":"2","page":49},{"text":"قال بعض الشافعية: إلا أن يقصد لفظ الآية، فيجوز أن يقول المصلي: (وأنا أول المسلمين) (^١).\nوقال بعض الحنفية: لو قال: وأنا أول المسلمين فسدت صلاته؛ لأنه من الكذب في الصلاة، والأصح عندهم: أنها لا تفسد؛ لأنه تالٍ، لا مخبر (^٢).\nوحملوا رواية (وأنا أول المسلمين) أنه يجوز هذا من النبي ﷺ؛ لأنه أول هذه الأمة إسلامًا بخلاف آحاد المسلمين.\n(ث-٣٠٠) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ [الأنعام: ١٦٣]، قال: أول المسلمين من هذه الأمة (^٣).\nورواية معمر عن قتادة فيها كلام.\n(ح-١٢٩٨) واستدلوا بما رواه مسلم من طريق يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين .... الحديث (^٤).\nوإذا قال النبي ﷺ في رواية: (وأنا من المسلمين)، فغيره من باب أولى، وأما تخريجها مع كون النبي أول المسلمين من هذه الأمة فقال السندي: «كأنه كان يقول أحيانًا كذلك؛ لإرشاد الأمة إلى ذلك، ولاقتدائهم به فيه، وإلا فاللائق به ﷺ (وأنا أول المسلمين) كما جاء في كثير من الروايات، والله أعلم».\nوقيل: يقول في افتتاحه: «(وأنا أول المسلمين)، نص عليه الشافعي.\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٣١).\n(^٢). فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٢٩٠)، البحر الرائق (١/ ٣٢٨).\n(^٣). المصنف (٨٨١).\n(^٤). صحيح مسلم (٢٠١ - ٧٧١).","vol":"2","page":50},{"text":"قال الشافعي في الأم بعد أن روى الحديث بلفظ: (وأنا أول المسلمين)، قال: «وبهذا كله أقول وآمر وأحب أن يأتي كما يروى عن رسول الله ﷺ، لا يغادر منه شيئًا، ويجعل مكان (وأنا أول المسلمين) (وأنا من المسلمين)، فإن زاد فيه شيئًا أو نقص كرهته، ولا إعادة، ولا سجود سهو عليه، عمد ذلك، أو نسيه، أو جهله» (^١).\n(ح-١٢٩٩) ويستدل للشافعي بما رواه مسلم من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، وفيه: (وأنا أول المسلمين) ... وذكر الحديث (^٢).\n_________\n(^١). الأم للشافعي (١/ ١٢٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).\nالحديث مداره على الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁\nويرويه عن الأعرج اثنان: يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الله بن الفضل.\nأما رواية يعقوب بن أبي سلمة فيرويها عنه اثنان:\nالأول: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة واختلف عليه:\nفرواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١) وأحمد في المسند (١/ ١٠٢)، وفي فضائل الصحابة (١١٨٨)، وابن حبان (١٧٧٣)، عن هاشم بن القاسم (أبي النضر).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسنده (١٤٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٨)، وفي الدعوات الكبير (١/ ١٣٧)، قرنه البيهقي في السنن برواية ابن عمه يوسف، فقال: وأنا من المسلمين، وأفرده في الدعوات فقال: (وأنا أول المسلمين).\nوأحمد (١/ ٩٤) حدثنا أبو سعيد (عبد الرحمن بن عبد الله البصري مولى بني هاشم)،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٩، ٢٥٥٣) حدثنا سويد بن عمرو الكلبي.\nوأبو يعلى (٥٧٤) حدثنا عبيد الله (يعني ابن عمر بن ميسرة).\nوأبو داود (٧٦٠) من طريق معاذ بن معاذ العنبري،\nوالدارمي (١٢٧٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٥٥٨)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩)، عن يحيى بن حسان.\n\nوأبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٧)، والطبراني في الدعاء (٤٩٣)، من طريق أبي غسان (مالك بن إسماعيل)،\nوابن الجارود في المنتقى (١٧٩)، وابن خزيمة في صحيحه (٤٦٢)، من طريق حجاج بن =","vol":"2","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= منهال، وأبي صالح كاتب الليث،\nورواه الدارقطني (١١٣٧) من طريق يزيد بن هارون، كلهم (أبو النضر، والطيالسي، وأبو سعيد، وسويد بن عمرو الكلبي، وعبيد الله بن عمر بن ميسرة، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن حسان، ومالك بن إسماعيل، وابن منهال، وأبوصالح، ويزيد بن هارون) أحد عشر راويًا، رووه عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن الأعرج به، بلفظ: (وأنا أول المسلمين).\nورواه غيرهم مختصرًا، مفرقًا، وقد أعرضت عن تخريجها لأني سبق أن خرجت الحديث.\nورواه عبد الرحمن بن مهدي، واختلف عليه فيه:\nفرواه زهير بن حرب كما في صحيح مسلم (٢٠٢ - ٧٧١)، ومسند أبي يعلى (٢٨٥)، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به، بلفظ: (وأنا أول المسلمين).\nورواه عمرو بن علي كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٩٧)، وفي الكبرى (٩٧٣)، أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي به، بلفظ: (وأنا من المسلمين)، ولعله دخل على عمرو بن علي رواية يوسف برواية ابن عمه، والله أعلم.\nفتبين من هذا أن رواية عبد العزيز هذا قد حفظه بلفظ: (وأنا أول المسلمين) إلا أن تأتي روايته مقرونة برواية ابن عمه يوسف الماجشون كما في سنن الترمذي (٣٤٢٢)، فيحمل على أن اللفظ ليوسف وليس لعبد العزيز.\nالثاني: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة، عن أبيه، واختلف على يوسف فيه:\nفرواه محمد بن أبي بكر المقدمي، واختلف عليه:\nفرواه مسلم (٢٠١ - ٧٧١) حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يوسف الماجشون، حدثني أبي به، وفيه: (وأنا أول المسلمين).\nورواه الطبراني في الدعاء (٤٩٤) حدثنا يوسف القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي به، بلفظ: (وأنا أول المسلمين)، وهذا اللفظ لا يعرف عن يوسف الماجشون، وإنما هو لفظ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون.\nوقد رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٨) من طريق الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر به، وفيه: (وأنا من المسلمين) كرواية مسلم، فقد يكون الوهم من الطبراني، والله أعلم.\nوقد رواه محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب كما في سنن الترمذي (٣٤٢١)، ومسند البزار (٥٣٦).\nوأبو الوليد الطيالسي كما في سنن الترمذي (٣٤٢٢)، كلاهما عن يوسف به، وفيه: (وأنا من المسلمين).\nورواه أبو يعلى (٥٧٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠٤١)، وابن خزيمة (٧٢٣)، وابن حبان (١٩٦٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٨) مختصرًا بذكر بعضه، وليس فيه موضع البحث. =","vol":"2","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أما رواية عبد الله بن الفضل، عن الأعرج:\nفرواه عنه اثنان: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وموسى بن عقبة،\nوأما موسى بن عقبة، فجاء فيها التصريح بأن الاستفتاح كان بالصلاة المكتوبة من رواية ابن جريج، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عنه، وإذا صح في المكتوبة صح في النافلة، هذا الإجمال، فإن أردت التفصيل فهاكَ إياه.\nالراوي الأول: عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁.\nرواه موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، ورواه عن موسى بن عقبة جماعة، منهم ابن جريج (ثقة)، وإبراهيم بن طهمان (ثقة يغرب)، وعبد الله بن جعفر المديني (ضعيف)، وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، وعبد الرحمن بن أبي الزناد (صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد)، وإليك الوقوف على مروياتهم.\n١ - ابن جريج، عن موسى بن عقبة:\nرواه عن ابن جريج: حجاج بن محمد، وروح بن عبادة، ويحيى بن سعيد الأموي، ومسلم بن خالد الزنجي، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهشام بن سليمان.\nأما رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، فقد اختلف عليه فيها:\nفرواه أحمد بن إبراهيم الدورقي كما في صحيح ابن حبان (١٧٧٢)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁ مرفوعًا، وفيه: (وأنا أول المسلمين).\nوأعاده ابن حبان من نفس الطريق (١٧٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩)، وفي القضاء والقدر (٣٩٦)، فقال: (وأنا من المسلمين).\nورواه يوسف بن سعيد بن مُسَلَّمٍ الْمصِّيصِيُّ،، كما في مستخرج أبي عوانة (١٦٠٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٧١)، وسنن الدارقطني (١١٣٨)، وشعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٤٢)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج به، وقال: (وأنا من المسلمين).\nوهناك من رواه مختصرًا، ولم أعرج عليها؛ لأني قد خرجت الحديث فيما سبق بتمامه.\nهذه رواية حجاج بن محمد المصيصي، عن ابن جريج.\nورواه الشافعي في السنن المأثورة (٢٨٣)، وفي المسند ترتيب السندي (٢١٧): عن عبد المجيد بن أبي رواد (صدوق يخطئ)، ومسلم بن خالد (هو الزنجي صدوق كثير الأوهام)، قالا: أخبرنا ابن جريج به، وفيه: (.... وأنا أول المسلمين) ... وذكر الحديث.\nورواه الشافعي في مسنده، ط دار الكتب العلمية (ص: ٤٦)، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج به، وفيه: قال أحدهما: (وأنا أول المسلمين)، وقال الآخر: وأنا من المسلمين).\nورواه الطبراني في الدعاء (٤٩٦) من طريق هشام بن سليمان مقرونًا بغيره (صدوق يخطئ)، =","vol":"2","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ابن جريج به، وفيه: (... وأنا أول المسلمين) ... وذكر الحديث.\nوأعاده الطبراني في الدعاء مختصرًا بذكر بعضه (٥٢٨، ٥٥١، ٥٨٢).\nورواه أحمد (١/ ١١٩)،\nوابن خزيمة (٦٠٧) أخبرنا الحسن بن محمد، وأبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البزاز،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣) حدثنا أبو أمية (محمد بن إبراهيم بن مسلم صدوق يهم) أربعتهم، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج به، مختصرًا بذكر دعاء الركوع.\nورواه ابن ماجه (١٠٥٤) من طريق يحيى بن سعيد الأموي (صدوق يغرب)، عن ابن جريج به، مختصرًا بذكر دعاء السجود فقط.\nهذا ما وقفت عليه من طريق ابن جريج، عن موسى بن عقبة، وخلاصتها: أن حجاج بن محمد رواه عن ابن جريج بالوجهين.\nورواه ابن أبي رواد ومسلم بن خالد الزنجي، وهشام بن سليمان عن ابن جريج بلفظ: (وأنا أول المسلمين).\nوأما رواية روح بن عبادة، ويحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج، فكانت مختصرة، ليس فيها جملة البحث، فكان الأكثر من رواية ابن جريج روايته بلفظ: (وأنا أول المسلمين).\n٢ - عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة.\nرواها الترمذي (٣٤٢٣)، قال: حدثنا الحسن بن علي الخلال، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة به، مطولًا، وفيه: (وأنا من المسلمين).\nومن طريق الحسن بن علي أخرجه أبو داود إلا أنه اختصره، ولم يذكر موضع البحث (٧٤٤، ٧٦١)،\nوأخرجه مختصرًا وليس فيه شاهد البحث كل من:\nالإمام أحمد في المسند (١/ ٩٣)،\nوابن ماجه (٨٦٤)، قال: حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري،\nوابن خزيمة في صحيحه (٥٨٤)، قال: حدثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن رافع،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٢٢)، قال: حدثنا أبو أيوب عبيد الله بن عبد الله بن عمران الطبراني،\nوالدارقطني في السنن (١١٠٩) من طريق أحمد بن منصور،\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٧)، من طريق محمد بن عبد الوهاب، كلهم (الإمام أحمد، والعنبري، ومحمد بن يحيى، ومحمد بن رافع، وأبو أيوب، وأحمد بن منصور، ومحمد بن عبد الوهاب) سبعتهم رووه عن سليمان بن داود الهاشمي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد به مختصرًا.\nتابع سليمان بن داود البغدادي كل من:\nعبد الله بن وهب المصري، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٦٤) أخبرنا الربيع بن سليمان =","vol":"2","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وبحر بن نصر، قالا، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا، وفيه: (... وأنا من المسلمين).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٩) من طريق بحر بن نصر وحده به.\nولعل هذا لفظ بحر بن نصر.\nفقد أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (١٥٦١)، قال: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب به، وفيه: (وأنا أول المسلمين).\nورواه مفرقًا مختصرًا ليس فيه جملة البحث، الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٥، ١٩٩، ٢٢٢، ٢٣٣)، والدارقطني في السنن (١١٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥٨، ١٦٠، ١٨٨).\nفعلى هذا يكون ابن وهب، عن ابن أبي الزناد روي عنه باللفظين، رواه بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن ابن أبي الزناد به، بلفظ: (وأنا من المسلمين).\nورواه الربيع بن سليمان، عن ابن وهب به، بلفظ: (وأنا أول المسلمين).\nكما تابعه أيضًا إسماعيل بن أبي أويس، كما في قرة العينين برفع اليدين للبخاري (١، ٩)، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد به، إلا أنه رواه مختصرًا، ليس فيه موضع الشاهد.\n٣ - إبراهيم بن طهمان (ثقة)، عن موسى بن عقبة، رواه بإطلاق لفظ الصلاة.\nأخرجه ابن منده في التوحيد (٣٠٥) من طريق قطن بن إبراهيم (صدوق يخطئ)، عن حفص ابن عبد الله، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا ابتدأ الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ... واكتفى بذكر أول الحديث.\n٤ - أبو بكير بن نسر (مجهول)، عن موسى بن عقبة رواه بإطلاق لفظ الصلاة.\nرواه ابن سمعون في الأمالي (٢٦١) من طريق يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن عقبة به، وفيه: (وأنا من المسلمين) ..\n٥ - عبد الله بن المديني (ضعيف) وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف)، روياه عن موسى بن عقبة به.\nأخرجه الطبراني في الدعاء مقرونًا برواية ابن جريج (٤٩٦) وفيه: (.... وأنا أول المسلمين).\nهذا ما يخص تخريج رواية موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، وأنت تجد أنه روي باللفظين، والله أعلم.\nوأما رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، فتارة يرويه هكذا، وتارة يقرنه بروايته عن عمه الماجشون،\nفرواه أحمد (١/ ٩٤) حدثنا أبو سعيد (عبد الرحمن بن عبد الله البصري مولى بني هاشم)،=","vol":"2","page":55},{"text":"وإذا تبين أن الرواة تارة يروونه بلفظ: (وأنا أول المسلمين) وتارة يروونه بلفظ: (وأنا من المسلمين) كان حمل الرواية على موافقة الآية أولى من حملها على مخالفتها، خاصة أن هذا التصرف قد جاء من قبل بعض الرواة؛ لاعتقادهم فساد المعنى بقول عموم المصلين سوى رسول الله ﷺ: (وأنا أول المسلمين)؛ لأنه لا أحد أول المسلمين من هذه الملة سوى رسول الله ﷺ.\n(ح-١٣٠٠) فقد روى الشافعي في الأم، قال: أخبرنا مسلم بن خالد، وعبد المجيد، وغيرهما، عن ابن جريج، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال بعضهم: كان إذا ابتدأ الصلاة- وقال غيره منهم: كان إذا افتتح الصلاة- قال: وجهت وجهي للذي\n_________\n= حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل، والماجشون (عمه)، عن الأعرج به، وفيه: (.... وأنا من المسلمين) قال أحمد: وقال أبو النضر: يعني هاشم بن القاسم: وأنا أول المسلمين ... وذكر الحديث.\nورواه أحمد (١/ ١٠٣)، قال: حدثنا حجين، حدثنا عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج به، وقال: مثله: أي مثل رواية أبي سعيد.\nورواه الطبراني في الدعاء (٤٩٥، ٥٢٧) حدثنا عثمان بن عمر الضبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأ عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل وحده، عن الأعرج به، وفيه: (... وأنا من المسلمين) ...\nورواه البيهقي في الشعب (٢٨٦٤) من طريق هشام بن علي، وعثمان بن عمر، قالا: حدثنا ابن رجاء به، وفيه: (وأنا أول المسلمين).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣) حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد الله بن الفضل، وعن عمه الماجشون به، ولم يذكر لفظه.\nورواه ابن خزيمة (٤٦٣) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣)، من طريق أحمد بن خالد الوهبي،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٦) من طريق سريج بن النعمان،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٣) من طريق عبد الله بن صالح، ثلاثتهم عن عبد العزيز، عن عبد الله بن الفضل، وعن عمه الماجشون، عن الأعرج به مختصرًا، وليس فيه موضع الشاهد.","vol":"2","page":56},{"text":"فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت. قال أكثرهم: وأنا أول المسلمين. قال ابن أبي رافع: وشككت أن يكون أحدهم قال: وأنا من المسلمين ... الحديث (^١).\nفكان ابن أبي رافع يشك في قوله: (وأنا من المسلمين).\n(ث-٣٠١) وروى أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا شريح بن يزيد، حدثني شعيب بن أبي حمزة، قال:\nقال لي: محمد بن المنكدر، وابن أبي فروة، وغيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قلت أنت ذاك، فقل: (وأنا من المسلمين)، يعني قوله: (وأنا أول المسلمين) (^٢).\nفكان الرواة يستبدلون ذلك لاعتقادهم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ.\nوإذا كان الرواة يتصرفون في الحديث بناء على الفقه، فالفقه غير معصوم.\nوقال الشوكاني نقلًا من الانتصار: إن غير النبي ﷺ إنما يقول: (وأنا من المسلمين)، وهو وَهْمٌ منشؤه توهم أن معنى: (وأنا أول المسلمين): أي أول شخص أتَّصَفَ بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِين﴾ [الزخرف: ٨١]، وقال موسي: (وأنا أول المؤمنين).\nوحتى لو حمل ذلك على الأولوية، فإننا نقول ذلك اقتداء بالنبي ﷺ، حيث قالها كذلك، فغلب فيها جانب التعبد على مراعاة اللفظ.\nكما نقول في التشهد بلفظ الخطاب: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وليس ثم هناك من يخاطب في الصلاة، ولا يُنَاَجى إلا الله ﷾ وحده، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). (١/ ١٢٨).\n(^٢). سنن أبي داود (٧٦٢).","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الفرع الثالث في استحباب الاستفتاح للمأموم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل ذكر مشروع للإمام والمنفرد فهو مشروع للمأموم إلا بدليل.\n* كل أذكار الصلاة لا يتحملها الإمام عن المأموم إلا القراءة في الجهرية على الصحيح.\n* إذا ترك الإمام بعض السنن القولية لم يستحب للمأموم متابعته على الترك.\n* المتابعة المأمور فيها المأموم وردت مفسرة في الحديث: (فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا)، وليس في متابعته على ترك السنن المشروعة كالاستفتاح، وجلسة الاستراحة، ونحوهما.\n[م-٥١٥] يستحب الاستفتاح لكل مُصَلِّ إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا، وسواء أَسْتفتح الإمام أم لم يستفتح، وهو مذهب الجمهور القائلين بمشروعية دعاء الاستفتاح، ونسبه للجمهور ابن رجب (^١).\nقال في بدائع الصنائع: ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، سواء كان إمامًا، أو مقتديًا، أو منفردًا» (^٢).\nوقال النووي في المجموع: «يستحب لكل مُصَلِّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع أن يأتي بدعاء\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٠٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، المجموع (٣/ ٣١٨)، المغني (١/ ٤٠٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٠)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٩٥)، الإنصاف (٢/ ٢٣٢)، حاشية الروض المربع لابن قاسم (٢/ ٢٨٢)، الموسوعة الكويتية (٤/ ٥٣).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢).","vol":"2","page":58},{"text":"الاستفتاح عقب تكبيرة الإحرام» (^١).\nوقال ابن حزم: سنة للإمام والمنفرد.\nقال في المحلى: «والتوجيه سنة حسنة، وهو أن يقول الإمام والمنفرد بعد التكبير لكل صلاة فرض أو غير فرض، جهرًا أو سِرًّا ما حدثناه ... ثم ساق بإسناده حديث الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ... وذكر الحديث» (^٢).\nفظاهر قوله: يقول الإمام والمنفرد: أنه لا يراه للمأموم، وهذا قول ضعيف، ولا أعلم له دليلًا، فإن كان مبنيًّا على سقوط القراءة عن المأموم، وهذا مثله أو أولى، فهو قول ضعيف، وهو مبني على القياس، والظاهرية لا يقولون به، وإن كانوا يذهبون إلى قياس الأولى، ولا يعدونه من القياس، بل يدخل في عموم اللفظ.\nوالراجح قول جمهور العلماء:\n(ح-١٣٠١) لما رواه مسلم من طريق عفان، حدثنا حماد، أخبرنا قتادة، وثابت، وحميد،\nعن أنس، أن رجلًا جاء، فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فَأَرَمَّ القوم، فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا، فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها (^٣).\n(ح-١٣٠٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن عون بن عبد الله ابن عتبة،\nعن ابن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣١٨).\n(^٢). المحلى، مسألة (٤٤٣).\n(^٣). صحيح مسلم (١٤٩ - ٦٠٠).","vol":"2","page":59},{"text":"القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (^١).\nتابع أبا الزبير عمرو بن مرة، رواه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله به (^٢).\nوإذا ثبت أن النبي ﷺ كان يستفتح في صلاته فالأصل التأسي به لقوله ﷺ: صلوا كما رأيتموني أصلي إلا أن يدل دليل على اختصاص هذا الحكم بالإمام والمنفرد دون المأموم، ولا دليل على اختصاص دعاء الاستفتاح بالإمام والمنفرد، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٥٠ - ٦٠١).\n(^٢). أخرجه النسائي في المجتبى (٨٨٥)، وفي الكبرى (٩٦١)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٠٥).","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الفرع الرابع في استفتاح المأموم فيما يجهر به الإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* إذا جهر الإمام بالقرآن كان على المأموم الاستماع والإنصات لقراءته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الإمام أحمد: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.\n* الاستماع لقراءة الإمام والإنصات له فرض والاستفتاح مستحب، فلا يترك الواجب لتحصيل المستحب.\n* شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، فإذا كان المأموم لا يسمع قراءة الإمام لطرش، أو لبعد، أو لغيرهما شرع له الاستفتاح فيما يجهر به إمامه.\n[م-٥١٦] اختلف العلماء في استفتاح المأموم في الصلاة الجهرية إذا شرع الإمام بالقراءة:\nفقيل: يستفتح مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، قال الشافعية: ما لم يَخْشَ فوت الفاتحة (^١).\n_________\n(^١). قال النووي في المجموع (٥/ ١٦): «وأما المأموم إذا أدرك الإمام بعد فراغه منه وشروعه في القراءة أتى به إن لم يَخْشَ فوت الفاتحة قبل ركوع الإمام نص عليه الشافعي في الأم واتفقوا عليه».\nوقال أيضًا في المجموع (٤/ ٢١٣): «قال أصحابنا: إذا حضر مسبوق، فوجد الإمام في القراءة، وخاف ركوعه قبل فراغه من الفاتحة فينبغي أن لا يقول دعاء الافتتاح والتعوذ، بل يبادر إلى الفاتحة».\nفقوله: (وجد الإمام في القراءة) دليل على أن ذلك في الصلاة الجهرية، ومفهوم كلامه أنه إذا لم يخش فوت الفاتحة أنه يأتي بدعاء الاستفتاح قبل أن ينصت لقراءة إمامه. =","vol":"2","page":61},{"text":"* وجه القول بالاستفتاح والإمام يقرأ:\nوجه ذلك عند الشافعية أن مذهبهم قائم على أن قراءة الإمام ليست قراءة للمأموم، وكذلك سائر أذكار الصلاة، فكل واحد منهما له صلاته المستقلة، فكان على المأموم أن يقرأ الفاتحة حتى في الصلاة الجهرية، وكذلك القول في سائر الأذكار لا يتحملها الإمام عن المأموم، فكان له أن يأتي بكل ذكر مشروع في صلاته ما لم يخش فوات الفاتحة؛ لأن الفاتحة قراءتها واجبة على المأموم، فلا ينشغل عنها بذكر مستحب.\nوأما وجه القول بالاستفتاح عند الحنابلة، والإمام يقرأ:\nبأن سماع المأموم لقراءة الإمام يقوم مقام قراءته، بخلاف الاستفتاح والاستعاذة، فإن الإمام لا يجهر بهما، فلا ينوب استفتاح الإمام وتعوذه عن المأموم، فكان\n_________\n= وانظر: المجموع (٣/ ٣١٨، ٣١٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٧٩)، البيان للعمراني (٢/ ٣٧٦)، أسنى المطالب (١/ ١٤٩)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٢).\nوفي حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٢٩): «لا يفوت دعاء الافتتاح على المأموم بشروع إمامه في الفاتحة».\nوأما في مذهب الحنابلة، فقال في شرح منتهى الإرادات: (١/ ٢٦٣، ٢٦٤): «وسن لمأموم أن يستفتح وأن يتعوذ في صلاة جهرية كالصبح؛ لأن مقصود الاستفتاح والتعوذ لا يحصل باستماع قراءة الإمام؛ لعدم جهره بهما، بخلاف القراءة».\nفجعلوا سماع قراءة الإمام قائمًا مقام قراءة المأموم، ولا يغني المأموم استفتاح الإمام وتعوذه مع عدم الجهر بهما، فكان عليه أن يستفتح في الجهرية، وإطلاقه ذلك يشمل ما إذا كان يسمع قراءة الإمام أو كان لا يسمعه. وهذا فيما اختلف فيه الإقناع مع المنتهى، انظر: نص الإقناع في القول الثالث فسوف أنقله إن شاء الله تعالى.\nوقال المرداوي في تصحيح الفروع (٢/ ١٩٤): «قوله: «هل يستحب له الاستفتاح والتعوذ في صلاة الجهر كالسر، أم يكرهان، أو إن سمعه كرها، أم يكره التعوذ؟ فيه روايات انتهى.\n\nإحداهن: يستحب الاستفتاح، والاستعاذة مطلقًا، جزم به في الرعايتين في صلاة الجماعة، والحاويين ...» إلى آخره.\nوقال في الهداية (ص: ٩٥): «وهل يستحب أن يستفتح المأموم ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام، أو يكره؟ على روايتين».\nوانظر الإنصاف (٢/ ٢٣٢، ٢٣٣)، الفروع (٢/ ١٩٤)، منتهى الإرادات (ص: ٢٨٧)، المحرر (١/ ٦٠)، نيل المآرب شرح دليل الطالب (١/ ١٧٣).","vol":"2","page":62},{"text":"مشروعًا في حقه أن يأتي بهما، ولو كان الإمام يجهر في القراءة.\nوقيل: لا يستفتح المأموم مطلقًا، سواء أكان ذلك في جهر الإمام أم في حال سكوته، وهو رواية عند الحنابلة، اختارها ابن تيمية كما في الإنصاف، وبه قال ابن حزم، وهذان قولان متقابلان (^١).\n* وجه هذا القول:\nأن الاستفتاح والتعوذ تابعان للقراءة، فإذا كره المتبوع كره التابع (^٢).\nكالثناء الذي يسبق الدعاء فإذا منع الدعاء منعت توابعه.\nويمكن أن يستدل له بأنه إذا كان الإمام يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا في السرية والجهرية كما هو المشهور من المذهب، فإنه لا يمنع أن يتحمل عنه من باب أولى دعاء الاستفتاح، وحتى لا يخلط على الإمام أو على من بجانبه بسبب همهمته.\n* ويناقش:\nبأن الاستفتاح أهو مشروع من أجل القراءة، أم هو مشروع من أجل افتتاح الصلاة؟ الظاهر الثاني؛ لأن قراءة كتاب الله لا يشرع لها إلا التعوذ في أولها، والبسملة إن كانت القراءة في أول السورة، وأما الاستفتاح فهو خاص بالصلاة، وإذا لم تكن من توابع القراءة لم يتحملها الإمام عن المأموم،، وتحمل الإمام عن المأموم على القول به ليس هو في كل شيء في الصلاة، وإنما هو في القراءة فيما يجهر به الإمام على الصحيح، وقيل: في قراءة ما زاد على الفاتحة، وفي التشهد الأول إذا تركه الإمام سهوًا، وفي سهو المأموم في صلاته إذا لم يفته شيء من الصلاة، وفي المسبوق إذا دخل مع الإمام وقد فاتته ركعة فإنه سيجلس مع الإمام في غير موضع جلوسه، ويدع الجلوس متابعة للإمام في موضع جلوسه،\n_________\n(^١). قال المرداوي في تصحيح الفروع (٢/ ١٩٤): والرواية الثانية: يكرهان مطلقًا -يعني الاستفتاح والتعوذ- صححه في التصحيح، واختاره الشيخ تقي الدين، وأطلقهما في الهداية والمستوعب، والخلاصة، والمقنع، وغيرهم ....». وانظر: الإنصاف (٢/ ٢٣٢).\nوانظر قول ابن حزم في المسألة السابقة، فقد ناقشته، ولله الحمد.\n(^٢). انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٤٦١)، المبدع شرح المقنع (٢/ ٦١).","vol":"2","page":63},{"text":"وسيتحمل ذلك عنه الإمام، وفي السترة للصلاة، فلا يوجد نص يدل على تحمل الإمام عن المأموم دعاء الاستفتاح، والأصل أن إنصات المأموم إنما هو لاستماع القرآن، ولا قراءة في سكوت الإمام، ولا في الصلاة السرية.\nوقيل: يستفتح في سكتات الإمام، وإذا لم يسمع قراءته، وهو مذهب الحنفية، ورواية عند أحمد، اختارها صاحب الإقناع خلافًا لما في المنتهى، وصححه ابن قدامة في المغني (^١).\nقال ابن قدامة: «هل يستفتح المأموم ويستعيذ؟ ينظر: إن كان في حقه قراءة مسنونة، وهو في الصلوات التي يسر فيها الإمام، أو التي فيها سكتات يمكن فيها القراءة، استفتح المأموم واستعاذ، وإن لم يسكت أصلًا، فلا يستفتحْ ولا يستعذْ، وإن سكت قدرًا يتسع للافتتاح فحسب، استفتح ولم يستعذ .... وذكر بعض أصحابنا: أنه فيه روايات أخرى، أنه يستفتح ويستعيذ في حال جهر الإمام؛ لأن سماعه لقراءة الإمام قام مقام قراءته، بخلاف الاستفتاح والاستعاذة. والصحيح ما ذكرناه» (^٢).\n* وجه القول بأنه لا يستفتح إلا في سكتات الإمام:\nأن الإمام إذا جهر بالقرآن كان على المأموم الاستماع والإنصات لقراءته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.\nوقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله» (^٣).\n_________\n(^١). الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٧)، النهر الفائق (١/ ٢٠٨).\nوقال في الإقناع (١/ ١٦٢): «ويستحب أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام إذا لم يسمعه». وانظر: النكت والفوائد على مشكل المحرر (١/ ٦٠)، المغني (١/ ٤٠٥)، المبدع (٢/ ٦١).\n(^٢). المغني (١/ ٤٠٥).\n(^٣). الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٥)، المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٨)، وقد خرجت الآثار في نزول الآية، انظر المجلد السابع (ص: ٢٢٩) عند الكلام على تحية المسجد، والإمام يخطب.","vol":"2","page":64},{"text":"* الراجح:\nأن المسبوق إذا دخل مع الإمام، وقد جهر الإمام بالقراءة فعليه أن يستمع لقراءة إمامه، والاستماع والإنصات واجب عليه، ولا ينشغل عن ذلك بدعاء الافتتاح، وهو نافلة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفرع الخامس في الأفضل من صيغ الاستفتاح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* جواز الافتتاح بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ.\n* يكفي اختيار دعاء واحد من أدعية الاستفتاح.\n* لا يشرع الجمع بين أدعية الاستفتاح حيث لم يثبت عن النبي ﷺ أنه جمع بينها.\n* لا تحصل السنة بذكر بعض الاستفتاح؛ لأن النبي ﷺ كان يستفتح به كله، فإما أن تأخذ بالسنة على وجهها أو تدعها خلافًا للشافعية.\n* ما كان فيه طول من أدعية الاستفتاح فالأولى أن يكون في صلاة الليل، أو في صلاة المنفرد؛ لأن السنة إذا صلى الرجل بالناس أن يخفف.\n* أصح أدعية الاستفتاح إسنادًا ما رواه أبو هريرة (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب)، رواه البخاري ومسلم.\n* الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك لم يثبت مرفوعًا، وصح عن عمر ﵁.\n[م-٥١٧] اتفق العلماء القائلون بمشروعية الافتتاح على جواز الافتتاح بكل ما ثبت وصح عن النبي ﷺ من أنواع الافتتاحات الواردة.\nقال ابن خزيمة: جائز للمصلي أن يفتتح بكل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه افتتح الصلاة به بعد التكبير من حمد، وثناء على الله ﷿، ودعاء مما هو في القرآن، ومما ليس في القرآن من الدعاء (^١).\nوقال ابن تيمية: «الاستفتاحات الثابتة كلها سائغة باتفاق المسلمين» (^٢).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (١/ ٢٦٦).\n(^٢). حاشية الروض المربع (٢/ ٢٣)، توضيح الأحكام من بلوغ المرام (٢/ ١٧٠).","vol":"2","page":66},{"text":"يقصد باتفاق المسلمين القائلين بمشروعية الافتتاح.\n[م-٥١٨] واختلفوا في الأفضل منها:\nفقيل: المختار منها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنفية، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال الثوري، وإسحاق في رواية، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود (^١).\nوقيل: المختار منها حديث علي ﵁، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا ..، وهذا مذهب الشافعية، واختيار الآجري من الحنابلة، ورواية ثانية عن إسحاق (^٢).\nوقيل: المختار حديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ...) الحديث.\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٢٧، ٣٢٨)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٨٩)، أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٤٢)، فيض الباري على البخاري (٢/ ٣٣٤).\nقال أحمد كما في مسائل أبي داود (ص: ٤٦): «نحن نذهب إلى استفتاح عمر».\n\nوقال أيضًا في مسائل ابنه عبد الله: «أما الذي نذهب إليه في الافتتاح ... إلى ما روينا عن عمر أنه كان يقول إذا افتتح الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك ...»، وذكر بقية الأثر.\nوسأل إسحاق بن منصور الإمام أحمد: ما يقول إذا افتتح الصلاة؟ قال: أما أنا فأذهب إلى قول عمر ﵁، وإن قال كل ما روي عن النبي ﷺ فليس به بأس ..».\nوقال ابن رجب في القواعد (ص: ١٥): «ومنها الاستفتاح، فالمذهب أن الأفضل الاستفتاح بسبحانك اللهم مقتصرًا عليه».\nوانظر: الفروع (٢/ ١٦٩)، المغني (١/ ٣٤٢)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧)، كشاف القناع (١/ ٣٣٥)، مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة ت الغامدي (ص: ٤٨).\n(^٢). قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٢٥٦): «والمختار أن يستفتح بقوله: وجهت وجهي.\nوقال أبو حنيفة: الاختيار فيه قوله: سبحانك اللهم وبحمدك». اهـ\nوانظر: الأم (١/ ١٢٨)، المجموع (٣/ ٣٢١)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٠، ٣٠١)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٠)، البيان للعمراني (٢/ ١٧٦)، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٧/ ٢١)، معالم السنن (١/ ١٩٧)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٩١).\nوانظر قول الآجري من الحنابلة: في الفروع (٢/ ١٦٩)، المبدع (١/ ٣٨٢)، الإنصاف (٢/ ٤٧).","vol":"2","page":67},{"text":"قال أحمد في رواية الميموني: ما أحسن حديث أبي هريرة في الاستفتاح، فقيل له: فإن بعض الناس يقول: هذا كلام، فقال متعجبًا: وهل الدعاء إلا كلام في الصلاة؟ (^١).\nوقيل: الأفضل أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة، وهو رواية عن ابن تيمية، وصوبه في الإنصاف (^٢).\nوقيل: المختار أن يجمع بين قوله: سبحانك الله وبحمدك وبين قوله: (وجهت وجهي)، وهو قول أبي يوسف، ورواية ثالثة عن إسحاق، ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وطائفة من الشافعية، منهم أبو إسحاق المروزي، واختاره ابن تيمية من الحنابلة (^٣).\n* وجه تفضيل الافتتاح بسبحانك اللهم وبحمدك:\nالوجه الأول:\nأن الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك) يشتمل على أفضل الكلام، فإنه إذا جمع مع التكبير صار متضمنًا لقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وقد قال النبي ﷺ فيهن: إنهن أفضل الكلام بعد القرآن.\nالوجه الثاني:\nأن أبا بكر الصديق ﵁، وابن مسعود كانا يستفتحان بذلك، وصح\n_________\n(^١). انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٦).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٤٧).\n(^٣). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٨٨)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٢١)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٨٦)، مسائل حرب الكرماني، من أول كتاب الصلاة ت الغامدي (ص: ٥٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، الإنصاف (٢/ ٤٧).\n\nقال النووي في الروضة (١/ ٢٤٠): «قال جماعة من أصحابنا: منهم أبو إسحاق المروزي والقاضي أبو حامد: السنة أن يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: ... وجهت وجهي». وانظر: المجموع (٣/ ٣٢١).\nونقل ابن رجب عن الإمام إسحاق ثلاث روايات:\nإحداها: الاستفتاح بحديث: (سبحانك اللهم ...).\nوالثانية: الاستفتاح بحديث علي ﵁: (وجهت وجهي ...).\nوالثالثة: ذهب إلى الجمع بين حديث عليٍّ ﵁، وحديث: (سبحانك اللهم وبحمدك). انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٧٧، ٣٨٦).","vol":"2","page":68},{"text":"عن عمر ﵁ أنه كان يجهر به بمحضر من الصحابة؛ ليتعلمه الناس.\nقال ابن تيمية: واختيار هؤلاء، وجهر عمر به أحيانًا بمحضر الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل.\nالوجه الثالث:\nومنها أنه استفتاح أخلص للثناء على الله، وغيره من الاستفتاحات متضمن للدعاء، والثناء أفضل من الدعاء، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؛ لأنها أخلصت لوصف الرحمن ﵎ والثناء عليه.\nفإذا قلت: (سبحانك الله وبحمدك) جمعت بين التنزيه والكمال: أي نزهتك تنزيهًا مقرونًا بحمدك، والحمد: يتضمن الحب والثناء.\nوإذا قلت: (وتبارك اسمك) اسم مفرد مضاف، فيشمل جميع أسماء الله تعالى.\nوإذا قلت: (وتعالى جدك) أي أن عظمتك وغناك عالية لا يساميها أي عظمة.\nوإذا قلت: (ولا إله غيرك) ختمتها بكلمة التوحيد الذي أرسل بها جميع الرسل، فجاءت كلمة التوحيد بعد الثناء عليه ليكون توحيده بالألوهية مبنيًّا على كماله سبحانه (^١)، وهي أثقل شيء في الميزان كما يفيده حديث البطاقة، وهو حديث صحيح خرجته في حكم تارك الصلاة.\nالوجه الرابع:\nأن الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم ...) متضمن للإخبار عن صفات كماله، ونعوت جلاله، والاستفتاح بوجهتُ وجهي إخبار عن عبودية العبد، وبينهما فرق.\nالوجه الخامس:\nأن من اختار الاستفتاح بـ (وجهت وجهي) كالشافعية لا يكملونه، وإنما يأخذون بقطعة من الحديث ويذرون باقيه، بخلاف الاستفتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك) فإن من ذهب إليه يقوله كله إلى آخره (^٢).\nفإن قيل: هذا ثناء ليس فيه دعاء.\n_________\n(^١). انظر الشرح الممتع (٣/ ٤٦، ٤٨).\n(^٢). زاد المعاد (١/ ١٩٩).","vol":"2","page":69},{"text":"فالجواب: أن هذا الثناء والذكر فيه تعريض بالدعاء كما قال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. أي آخر دعائهم.\nوقد قيل لسُفيان هذا الثناء، فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حباؤك إن شيمتك الحباء؟\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء\nحباؤك: أي عطاؤك.\nفكل واحد من الدعاء والذكر يتضمن الآخر، ويدخل فيه.\n* وجه تفضيل الافتتاح بالتوجيه:\nقال ابن الملقن: «وإنما قدم الشافعي الاستفتاح بـ (وجهت وجهي) ... لموافقة ألفاظ القرآن، وإلا فحديث أبي هريرة في الباب أقوى منه» (^١).\nجاء في معرفة السنن للبيهقي: «قال الشافعي: أصل ما نذهب إليه أن أول ما يبدأ بقوله، وفعله ما كان في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ» (^٢).\nفذكر الشافعي سبب الترجيح، وأنه يعود لأمرين:\nأحدهما: موافقة الكتاب العزيز، فيقدم على غيره من الافتتاحات.\nوالثاني: أنه سنة مرفوعة، وحديث (سبحانك الله وبحمدك) صح موقوفًا، والمرفوع أولى.\n* ونوقش:\nبأن الافتتاح بـ (سبحانك اللهم وبحمدك ...) يوافق بعضه آيات من القرآن الكريم، مثل (تبارك اسمك) ومثل: (تعالى جدك).\n* وجه تفضيل حديث أبي هريرة:\nحديث أبي هريرة مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فهو أصح إسنادًا من حديث علي بن أبي طالب حيث انفرد به مسلم.\nقال ابن حجر: «وحديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك» (^٣).\n_________\n(^١). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢١).\n(^٢). معرفة السنن (٢/ ٣٤٥).\n(^٣). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٣٠).","vol":"2","page":70},{"text":"وأصح من حديث (سبحانك اللهم وبحمدك) حيث لم يصح مرفوعًا، وإنما صح الأثر به عن عمر ﵁، والمرفوع مقدم على الموقوف.\nوحديث أبي هريرة في صلاة الفرض، وقد قيل: إن حديث علي في صلاة الليل، كما في رواية النسائي من مسند محمد بن مسلمة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعًا، قال: وجهت وجهي.\n* ونوقش:\nالوجه الأول:\nأن زيادة (إذا قام يصلي تطوعًا) جاءت من رواية ابن أبي فروة، وهو متروك والله أعلم،\nوقد جاء التصريح بأنه في المكتوبة من طريقين كلاهما أصح من طريق النسائي.\n(ح-١٣٠٣) فقد رواه أبو داود من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا ... وذكر الحديث.\n[صحيح].\nولم ينفرد به ابن جريج، ولا يضره لو انفرد مثله.\nفقد رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة به، بنحوه بذكر الصلاة المكتوبة\nالوجه الثاني:\nأن في الجمع تطويلًا على المأمومين بما لم تَأْتِ به سنة صحيحة.\n* دليل من رجح الجمع بين أدعية الاستفتاح:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٠٤) استدلوا بما رواه البيهقي من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، أن أباه حدثه أن محمد بن المنكدر أخبره،\nأن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ، كان إذا استفتح","vol":"2","page":71},{"text":"الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له (^١).\n[هذا اللفظ معلول سندًا ومتنًا] (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٠٥) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق عبد الله بن عامر الأسلمي، عن محمد بن المنكدر،\nعن عبد الله بن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ: إذا استفتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين، سبحانك اللهم بحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا من المسلمين (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). سنن البيهقي (٢/ ٥٢).\n(^٢). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر (ص: ٢٧).\n(^٣). المعجم الكبير (١٢/ ٣٥٣) ح ١٣٣٢٤.\n(^٤). ورواه الطبراني في الدعاء (٥٠٠) بالإسناد نفسه.\nورواه أبو علي الرَّفَّاء: حامد بن محمد بن عبد الله الهروي في فوائده بانتخاب الدارقطني (٣٧) من مجموع فيه ثلاثة أجزاء، والجوهري في أماليه (ص: ١٧) من طريق عبد الله بن عامر الأسلمي به.\nوهذا الحديث قد ضعفه البيهقي في السنن (٢/ ٥٢) بعبد الله بن عامر، وقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٦): «كان ممن يقلب الأسانيد والمتون، ويرفع المراسيل والموقوف، روى عن ابن المنكدر، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة، قال: ... وذكر الحديث، ثم ساق بإسناده إلى يحيى بن معين أنه قال: عبد الله بن عامر الأسلمي ليس بشيء».\nوترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٤٤٩)، ونقل عن جمع من الأئمة تضعيفه.\nوضعفه ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٦٣)، وابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ١٥٧).\nوضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٠٧).","vol":"2","page":72},{"text":"الدليل الثالث:\nقال إسحاق: وإذا أراد أن يجمع بين: سبحانك اللهم ... وبين: وجهت وجهي ... أحب إلي، لما يرويه المصريون، حديثًا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن يزيد، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ.\nجاء في كتاب العلل لابن أبي حاتم: قال أحمد: هذا حديث باطل موضوع، لا أصل له، أرى أن هذا من رواية خالد بن القاسم المدائني، وكان بالمدائن، خرج إلى مصر، فسمع من الليث، فرجع إلى المدائن، فسمع منه الناس، فكان يوصل المراسيل، ويضع لها أسانيد. فخرج رجل من أهل الحديث إلى مصر في تجارة، فكتب كتب الليث هناك ... ثم جاء بها إلى بغداد، فعارضوا بتلك الأحاديث فبان لهم أن أحاديث خالد مفتعلة (^١).\n* وجه القول بأنه يفعل هذا تارة، وهذا تارة:\nالوجه الأول:\nأن الصفات المتنوعة يشرع الأخذ بكل ما صح بشرطين:\nأحدهما: أن يصح الدليل المثبت للمشروعية.\nالثاني: أن تخلو المسألة من مانع يمنع القول بالتنوع، كما لو كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، واختلفت فيها الروايات، فلا سبيل إلى إثبات التنوع فيها، فهنا يصار إلى الترجيح، أما إذا تعددت الوقائع، وصحت الدلائل فجميع صفات العبادة مشروعة، ولا يكره شيء منها، ومنها أدعية الاستفتاح، وتنوع الأذان، والتشهد في الصلاة، ونحوها.\nالوجه الثاني:\nأن المستحب في تنوع العبادة أن تفعل على الوجه الذي كان يفعلها النبي ﷺ وهذه حقيقة التأسي به ﷺ، فالثابت عنه أنه كان يأتي بهذه الأدعية، كل نوع على حدة، فلم يصح عنه أنه كان يجمع بينها، فلا يستحب الجمع، ولا أنه كان يلزم\n_________\n(^١). العلل لابن أبي حاتم (٤١٠)، وانظر: مسائل حرب الكرماني، من أول كتاب الصلاة، ت الغامدي (ص: ٥٠)، نصب الراية (١/ ٣١٩)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":73},{"text":"صيغة واحدة، فكان مقتضى التأسي فعل كل ما صح عنه ﷺ.\nالوجه الثالث:\nأن التفضيل بين هذه الأدعية مع ثبوتها كلها ليس مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول ﷺ لبعضها على بعض، أو لأنه ثبت أن بعضها كان أكثر استعمالًا، أو لأن الآخر إنما فعل في حالات قليلة، أو لأنه ثبت أنه فعل بعضها تحت داعي الحاجة، أو السرعة، أو لبيان الجواز، فإذا لم يوجد مقتضي التفضيل كانت التسوية بينهما من العدل المأمور به.\nالوجه الرابع:\nأن في تنوع العبادة فوائد تعود على العبادة نفسها، من ذلك:\nأنه يلزم من التزام نوع واحد هجر للسنن الباقية، وذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات والتشهد، بخلاف التنوع فإن فيه إحياء لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابة للسنة من جميع وجوهها.\nومنها: أن في فعلها كلها سببًا في انتشارها وشهرتها وفي تركها قد تتحول السنة عند بعض الناس إلى منكر، فينكر على من يفعل بعض الصفات المشروعة؛ لجهل الناس بها.\nومنها: أن التنوع أدعى لخشوع القلب وحضوره؛ لأن التزام صفة واحدة يحول العبادة إلى عادة يؤديها بلا حضور قلب أو خشوع.\n* الراجح:\nكل من فَضَّل بين أدعية الاستفتاح فقد نظر في تفضيل بعضها على بعض إلى أحد وجوه التفضيل، فلا يوجد أن أحدها له الأفضلية المطلقة:\nفمنهم من نظر في التفضيل إلى معنى دعاء الاستفتاح، فوجد أن الثناء على الله ﷾ ونعوته بأوصاف الجلال والكمال أولى من غيره، فقدم قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك)؛ لأنه ثناء خالص لله، ولم يَرَ التفاوت في الأصحية سببًا في التفضيل.\nوبعضهم نظر في التفضيل لكون حديث التوجه يشتمل على آيات من القرآن الحكيم، ففضل الافتتاح بـ (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض","vol":"2","page":74},{"text":"حنيفًا ...)؛ لأن ما وافق لفظ القرآن كان عنده أفضل.\nوبعضهم نظر في التفضيل إلى قوة السند، ففضل الافتتاح بحديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي ....) لكونه قد اتفق عليه البخاري ومسلم.\nومنهم من ذهب إلى الجمع بينها استدلالًا بأحاديث ضعيفة لم تثبت، فهذا سبب اختلاف الأقوال في تفضيل بعضها على بعض في الجملة.\nوأرى أن أقوى الأقوال القول بأن يفعل هذا تارة وهذا تارة؛ لموافقة هدي النبي ﷺ، ولما فيه من المصالح التي أشرت إليها في البحث، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفرع السادس السنة الاستفتاح الإسرار به</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* السنة في الاستفتاح هو الإسرار به مطلقًا في السرية والجهرية كغالب أذكار الصلاة.\n* الجهر بالافتتاح لقصد مشروع كالتعليم لا يجعل من الجهر سنة راتبة.\n* المرجوح قد يكون راجحًا إذا دعت إليه مصلحة راجحة.\n* لا يشرع السكوت في الصلاة، ولهذا سأل أبو هريرة النبي ﷺ ما تقول في إسكاتك بين التكبير والقراءة.\n* الجهر بالاستفتاح بلا غرض مشروع مخالف للسنة، وفعله لا يبطل الصلاة.\n[م-٥١٩] السنة بالاستفتاح أن يُؤْتَي به سِرًّا في السرية والجهرية (^١).\nقال ابن تيمية: «لا نزاع بين أهل العلم بالحديث أن النبي ﷺ لم يجهر بالاستفتاح، ولا بالاستعاذة» (^٢).\nوورد عن عمر الجهر بدعاء الاستفتاح، وحملوا ذلك على قصد التعليم.\n* دليل من قال: يستفتح سِرًّا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٠٦) ويدل على ذلك ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدثنا أبو زرعة، قال:\n_________\n(^١). مجمع الأنهر (١/ ٩٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٣)، أسنى المطالب (١/ ١٤٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٩١)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (١/ ٤٨)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٥)، الفروع (٢/ ١٦٩)، المبدع (١/ ٣٨١).\n(^٢). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٥).","vol":"2","page":76},{"text":"حدثنا أبو هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة -قال أحسبه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطايايَ، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطايايَ بالماء والثلج والبرد.\nورواه مسلم من طريق جرير، عن عمارة بن القعقاع به (^١).\nفهذا نقل صريح بعدم الجهر بالاستفتاح.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٠٧) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٢).\nفهذا كان دليلًا على أنهم يسرون دعاء الافتتاح.\nوورد عن عمر الجهر بدعاء الاستفتاح بلفظ كان يجهر الدال على الدوام.\n(ث-٣٠٢) فقد روى مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة،\nأن عمر بن الخطاب، كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (^٣).\nتابعه الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وحكيم بن جابر، وعمرو بن ميمون بأسانيد صحيحة (^٤).\nولو لم يجهر عمر ﵁ بهذا الافتتاح لم يثبت هذا الدعاء مرفوعًا.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٤)، وصحيح مسلم (١٤٧ - ٥٩٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٤٣).\n(^٣). صحيح مسلم (٥٢ - ٣٩٩).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ث-٢٩٩).","vol":"2","page":77},{"text":"قال ابن قدامة: «قال أحمد: ولا يجهر الإمام بالافتتاح، وعليه عامة أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لم يجهر به، وإنما جهر به عمر؛ ليعلم الناس» (^١).\nوإذا لم يجهر الإمام لم يجهر المنفرد؛ قياسًا عليه، ولم يجهر المأموم من باب أولى.\nوقال النووي: لو جهر به، كان مكروهًا، ولا تبطل صلاته (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٤٣).\n(^٢). الفتوحات الربانية على الأذكار النووية (٢/ ١٨٥).","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الفرع السابع في مشروعية سجود السهو لترك الاستفتاح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل عدم مشروعية سجود السهو إلا بدليل.\n* سجود السهو زيادة في الصلاة، فلا يجب إلا بتوقيف.\n* السنن القولية لا يشرع سجود سهو لتركها على الصحيح.\n[م-٥٢٠] إذا ترك دعاء الاستفتاح عمدًا أو سهوًا فلا إعادة، ولا سجود سهو عليه، ونسب النووي هذا القول لجمهور العلماء (^١).\nقال النووي: «وأما غير الأبعاض من السنن، كالتعوذ، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين، والتكبيرات، والتسبيحات، والدعوات، والجهر، والإسرار ... وسائر الهيئات المسنونات غير الأبعاض فلا يُسْجَدُ لها، سواء تركها عمدًا أو سهوًا» (^٢).\n* دليل من قال: لا يسجد:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم مشروعية سجود السهو إلا بدليل، ولا دليل.\nالدليل الثاني:\nأن سجود السهو زيادة في الصلاة، فلا يجب إلا بتوقيف.\nالدليل الثالث:\nأنه ذكر لا يجب في الصلاة، فلم تفسد الصلاة بتركه فلم يجب جبره بالسجود.\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ١٠٦)، المجموع (٤/ ١٢٥، ١٢٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٩٨)، الموسوعة الكويتية (٤/ ٥٢).\n(^٢). المجموع (٤/ ١٢٥، ١٢٦).","vol":"2","page":79},{"text":"وقيل: يجب سجود السهو، وهو قول قديم للشافعية اختاره بعضهم، وقال به من ذهب إلى وجوب الاستفتاح، انظر من قال بوجوبه في مبحث حكم الاستفتاح.\nقال النووي: «حكى جماعة من أصحابنا قولًا قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون ذكرًا كان أو فعلًا، ووجهه: أنه يسجد لنسيان تسبيح الركوع والسجود. قال النووي: وهما شاذان ضعيفان، والصحيح المشهور الذي قطع به المصنف والجمهور أنه لا يسجد لشيء منها غير الأبعاض» (^١).\n* دليل القول بالوجوب:\nأما من قال: إن الافتتاح واجب، فحكمهم ظاهر؛ لأن ترك الواجب سهوًا يوجب سجود السهو، إلا أن القول بوجوب الافتتاح قول ضعيف، وقد ناقشته في مسألة حكم الاستفتاح، فارجع إليه.\nوأما من قال: إنه سنة، فلعلهم قاسوا ذلك على سجود السهو لترك التشهد الأول، وذلك على القول بأنه سنة، وهي مسألة خلافية.\nفمن رأى أن التشهد الأول سنة، وأن النبي ﷺ سجد لتركه سهوًا، قال بالسجود لترك كل سنة إذا تركها سهوًا، بخلاف من رأى أن التشهد الأول واجب، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى البحث في حكم التشهد الأول في مسألة مستقلة، وإن كان التشهد الأول مكونًا من ذكر وجلوس، بخلاف الافتتاح، فإن تركه لا يلزم منه ترك القيام، والذي هو ركن، والله أعلم.\nوقيل: يباح سجود السهو لترك السنة، فإن تركه فصلاته صحيحة، وإن سجد فلا بأس، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nجاء في كشاف القناع: «ولا يشرع السجود لترك سنة ولو قولية، كالاستفتاح والتعوذ؛ لأن السجود زيادة في الصلاة، فلا يشرع إلا بتوقيف، وإن سجد لترك سنة قولية، أو فعلية، فلا بأس به نصًّا» (^٣).\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ١٢٦)، وانظر روضة الطالبين (١/ ٢٩٨).\n(^٢). شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٣٣)، مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٥٣٧)، المغني لابن قدامة (٢/ ٢٥)، الفروع ت فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٢/ ٢٥١).\n(^٣). كشاف القناع (١/ ٣٩٣).","vol":"2","page":80},{"text":"* واستدل الحنابلة على جواز السجود:\n(ح-١٣٠٨) بما رواه أبو داود، قال: حدثنا عمرو بن عثمان، والربيع بن نافع، وعثمان بن أبي شيبة، وشجاع بن مخلد، بمعنى الإسناد، أن ابن عياش، حدثهم عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير يعني ابن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال عمرو: وحده، عن أبيه،\nعن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم.\nقال أبو داود: ولم يذكر عن أبيه، غير عمرو (^١).\n[المعروف أنه من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن ثوبان، ولم يسمع منه] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (١٠٣٨).\n(^٢). فيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: تفرد به إسماعيل بن عياش، وهو وإن كانت روايته عن أهل الشام مستقيمة، وهذا منها، لأن عبيد الله بن عبيد الكلاعي دمشقي، إلا أنه لا يحتمل تفرده بهذا الأصل.\nولهذا قال البيهقي في معرفة السنن (٣/ ٢٧٦): «وهذا حديث تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بالقوي».\nالعلة الثانية: الاختلاف على إسماعيل بن عياش:\nفرواه عمرو بن عثمان كما في سنن أبي داود (١٠٣٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٧٦).\nوالحكم بن نافع أبو اليمان كما في مسند أحمد (٥/ ٢٨٠)، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله الكلاعي، عن زهير، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن ثوبان.\nوخالفه كل من:\nأبي داود الطيالسي كما في مسنده (١٠٩٠)،\nوعبد الرزاق كما في المصنف (٣٥٣٣)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢/ ٩٢) ح ١٤١٢، وفي إسناده خطأ.\nوالربيع بن نافع، وشجاع بن مخلد كما في سنن أبي داود (١٠٣٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٧٦).\nوعثمان بن أبي شيبة كما في سنن أبي داود (١٠٣٨)، وسنن ابن ماجه (١٢١٩).\nوهشام بن عمار كما في سنن ابن ماجه (١٢١٩)،\nوسعيد بن سليمان كما في جزء حنبل بن إسحاق (٥١)، كلهم رووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن ثوبان به مرفوعًا، دون زيادة (عن أبيه)، وهو المعروف. =","vol":"2","page":81},{"text":"ولو صح لم يكن نصًّا في المسألة، فهو يقضي بتعدد السجود المشروع بتكرار موجبه، لا عموم السهو لكل متروك، ولو كان سنة قولية، وهو مخالف للثابت من الأحاديث، فإن الرسول ﷺ في حديث ذي اليدين سلم، وتكلم، ومشى ناسيًا، ولم يسجد إلا سجدتين، وقد ذهب الأئمة الأربعة بأن المصلي لو سها أكثر من سهو كفاه سجدتان خلافًا لابن أبي ليلى والأوزاعي.\nثم ظاهر الحديث مشروعية السجود، والحنابلة لا يرون المشروعية، وإنما يرون أن السجود غير مشروع، فإن سجد فلا بأس على الإباحة، فدلالة الحديث لا تطابق المدلول، والله أعلم.\nواختار شيخنا ابن عثيمين أنه يسجد إذا ترك شيئًا من السنن، وكان من عادته المواظبة على فعله، قال في الشرح الممتع: «الإنسان إذا ترك شيئًا من الأقوال أو الأفعال المستحبَّة نسيانًا، وكان من عادته أن يفعله فإنه يُشرع أن يسجد جَبْرًا لهذا النقص الذي هو نَقْصُ كمال، لا نقص واجب؛ لعموم قوله في الحديث: لكلِّ سهو سجدتان (^١).\n_________\n= وخالف إسماعيل بن عياش، الهيثم بن حميد، فرواه عن عبيد الله بن عبيد، عن زهير، عن ثوبان به، مرفوعًا.\nوفي إسناده زهير بن سالم العنسي، لم يسمع من ثوبان، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقال الدارقطني كما في تهذيب التهذيب (٣/ ٢٩٧): حمصي، منكر الحديث.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٤٨٣)، والروياني في مسنده (٦٥٨) من طريق المعلى بن منصور، قال: أخبرنا الهيثم بن حميد به، فأسقط عبد الرحمن بن جبير، وأباه.\n\nوقول إسماعيل بن عياش أشبه بالصواب، والله أعلم.\nقال البيهقي في السنن: «وهذا إسناد فيه ضعف، وحديث أبي هريرة وعمران وغيرهما في اجتماع عدد من السهو على النبي ﷺ ثم اقتصاره على السجدتين يخالف هذا، والله أعلم».\nوقال في معرفة السنن (٣/ ٢٧٦): وهذا حديث تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بالقوي وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (٣٣٩)، والنووي في المجموع (٤/ ١٤٣، ١٥٥)، وفي شرح مسلم (٥/ ٥٧)، والأثرم كما في المغني لابن قدامة (٢/ ١٩).\nوقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٢٩): «وليس إسناده مما تقوم به حجة».\n\n(^١). الشرح الممتع (٣/ ٣٣٣).","vol":"2","page":82},{"text":"* الراجح:\nأرى أن قول الجمهور هو الأقوى، والأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل الخاص بالإذن في فعل العبادة؛ لأن المسألة قد تكون زيادة في الصلاة، ولا يمكن القياس على ترك التشهد الأول حتى على القول بأنه سنة، وهو الراجح؛ لأن التشهد الأول قد جمع فيه بين ترك التشهد ومحله، فجمع فيه بين ترك القول والفعل، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفرع الثامن في فوات الاستفتاح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المطلب الأول في فوات الاستفتاح إذا شرع بالتعوذ</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* من السنن ما يفوت المقصود منه بفوات محله، ومنه دعاء الاستفتاح.\n* الغاية من الاستفتاح أن تفتتح به الصلاة، فإذا لم يفعل في محله فقدت الغاية منه.\n* تدارك الفائت من السنن يحتاج إلى توقيف.\n[م-٥٢١] اختلف الفقهاء في فوات الاستفتاح إذا شرع في التعوذ.\nفقيل: يفوت بفوات محله، ولا يعود إليه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^١).\nقال النووي في المجموع: لو تركه سهوًا، أوعمدًا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه؛ لفوات محله، ولا يتداركه في باقي الركعات (^٢).\nقال الزركشي في القواعد: «لو ترك دعاء الاستفتاح فذكره بعد التعوذ لا يعود إليه في الأصح؛ لأن محل الاستفتاح أول الصلاة، وبالتعوذ أوله تزول الأولوية» (^٣).\nولو خالف وأتى به بعد التعوذ كره، ولم تبطل صلاته، قال النووي: لأنه ذكر، كما لو دعا، أو سبح في غير موضعه (^٤).\n_________\n(^١). المنثور في القواعد (٢/ ٢١١)، المجموع (٣/ ٣١٨)، الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، حاشية الروض المربع (٢/ ٢٥)، وانظر البحر الرائق (١/ ٣٢٩).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣١٨).\n(^٣). المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٢١١).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣١٨).","vol":"2","page":84},{"text":"وقال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إذا تركه، وشرع في التعوذ يعود إليه من بعد التعوذ، والأول أصح (^١).\nولأنه إن تركه متعمدًا لم يشرع له سجود السهو؛ لأن السجود سببه السهو، وهو متعمد، وإن تركه سهوًا فكأنه لم يتركه؛ لأن السهو عذر، ولا يحتاج إلى جبره، وهو لم يرد، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣١٨).","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المطلب الثاني في استفتاح المسبوق إذا أدرك الإمام قائمَا في غير الركعة الأولى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال ﷺ: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. متفق عليه.\n* ما يدركه المسبوق في الصلاة، هو أول صلاته على الصحيح، فيشرع له الاستفتاح.\n[م-٥٢٢] إذا أدرك المسبوق الإمام في غير القيام لم يستفتح؛ لفوات محله (^١).\nفإن أدركه في القيام، وقد فاتته بعض الصلاة:\nفقيل: لا يستفتح مطلقًا، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (^٢).\nوقيل: يستفتح في أول ركعة يقضيها، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: يستفتح في أول ركعة أدركها، وبه قال محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nجاء في غمز عيون البصائر: «لو أدرك ركعة مع الإمام فإنه يستفتح عند محمد\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣١٩).\n(^٢). غمز عيون البصائر (٢/ ٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٤٨)، الإنصاف (٢/ ٢٢٥)، مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة ت الغامدي (ص: ٤٢)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٨٢)، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (٢/ ٩٨٥).\n(^٣). شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٣)، كشاف القناع (١/ ٤٦١)، الإنصاف (٢/ ٢٢٥)، المحرر (١/ ٩٦)، الشرح الكبير على المقنع (٢/ ١٠)، المبدع (٢/ ٥٧)، مسائل حرب الكرماني (ص: ٤٢)، وذكرها ابن رجب في آخر القواعد تحت عنوان: فوائد تلحق بالقواعد (ص: ٣٦٨).\n(^٤). غمز عيون البصائر (٢/ ٢٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٤٨)، المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":86},{"text":"﵀ فيما أدرك مع الإمام خلافًا لهما» (^١).\n* وسبب اختلافهم:\nالاختلاف فيما يدركه المسبوق في الصلاة، أهو أول صلاته، فيستفتح، أم هو آخر صلاته؟ والقائلون بأنه آخر صلاته، أيستفتح فيما يقضيه باعتباره أول صلاته، أو لا يستفتح؛ لفوات محله؟\nجاء في الإنصاف: «وما أدرك مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها، هذا المذهب بلا ريب .... وعنه ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، وما يقضيه آخرها.\nتنبيه: لهذا الخلاف فوائد كثيرة، ذكرها ابن رجب في قواعده وغيره فمنها محل الاستفتاح:\nفعلى المذهب: يستفتح فيما يقضيه، وعلى الثانية: فيما أدركه، وهذا الصحيح من المذهب، وقال القاضي في شرح المذهب: لا يشرع الاستفتاح على كلتا الروايتين لفوت محله» (^٢).\nوهذه المسألة سوف تأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام صلاة المسبوق، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه، وحين كان حكم الاستفتاح فرعًا عنها اقتضت الإشارة إليها هنا للتنبيه، والله الموفق.\n\n* * *\n_________\n(^١). غمز عيون البصائر (٢/ ٢٣).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٢٢٥).","vol":"2","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المبحث الثاني في استحباب سكتة لطيفة بين الفاتحة والتأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* السكتات في الصلاة مبنية على التوقيف.\n* استحباب سكتة بين الفراغ من الفاتحة والتأمين عليها، استحسان مخالف للنص؛ لقوله ﷺ: إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين.\n* لا يوجد نص عن الشافعي ولا عن الإمام أحمد باستحباب هذه السكتة، وإن قال بذلك أصحابهما.\n[م-٥٢٣] استحب الشافعية والحنابلة الفصل بين الفاتحة وبين آمين بسكتة لطيفة جدًا؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة (^١).\nقال النووي في المجموع: «ذكر أصحابنا أو جماعة منهم، أنه يستحب أن لا يصل لفظة آمين بقوله ولا الضالين بل بسكتة لطيفة جدًّا؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة» (^٢).\nوالراجح: أنه لا يستحب مثل هذه السكتة، ولا دليل عليها من السنة، بل هو استحسان مخالف للسنة الصحيحة،\n(ح-١٣٠٩) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٧٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٩)، البيان للعمراني (٢/ ١٩٢)، أسنى المطالب (١/ ١٥٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٩)، الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ٣٨٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩)، كشاف القناع (١/ ٣٣٩).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٧٣).","vol":"2","page":88},{"text":"عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (^١).\nوالفاء تدل على الترتيب والتعقيب.\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٢).","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المبحث الثالث في سكوت الإمام بعد الفراغ من التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* السكتات في الصلاة توقيفية.\n* لم يصح دليل في مشروعية السكتة بعد الفاتحة، والأصل عدم المشروعية.\n* حديث جابر بن سمرة في السكوت بعد الفاتحة لا يصح، والمحفوظ من لفظه: سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع.\n* الصلاة عبادة فعلية نقلت إلينا نقلًا متواترًا ينقلها جيل عن جيل، فلو كانت هناك سكتة بعد الفاتحة مطلقًا، أو بمقدار قراءة الفاتحة لنقلت نقلًا تقوم به الحجة.\n* قال ابن تيمية: لم يقل أحد: إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربع، فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين.\n* لا يلزم من القول بوجوب قراءة المأموم للفاتحة أن يستحب للإمام السكوت بقدر قراءة الفاتحة، وهو لا يُعْلّم له أصلٌ في السنة، ولا في أقوال الصحابة.\n* لما كان السكوت غير مشروع في الصلاة استحب الشافعية للإمام أن يشتغل بدعاء أو قراءة حال قراءة المأموم للفاتحة، وهذه من ترقيعات القول الضعيف، فهذا الاستحباب لا يعلم له أصل في السنة.\n[م-٥٢٤] هذه المسألة خاصة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة، فلا مدخل لها في الصلاة السريَّة، ولا في صلاة الفَذِّ، ولا في صلاة المأموم؛ لأن المأموم لا حظ له في الجهر.\nوهذه السكتة لا تجب باتفاق العلماء، قال ابن تيمية: «ولم نعلم نزاعًا بين","vol":"2","page":90},{"text":"العلماء، أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة ولا غيرها» (^١).\nوإنما اختلف العلماء في استحباب سكتة الإمام بعد قراءة الفاتحة.\nفقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمنصوص عن الإمام أحمد في مسائله، ورجحه ابن تيمية، ونسبه إلى جمهور العلماء (^٢).\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٦).\n(^٢). لا يرى الحنفية سكتة مشروعة سوى سكتة واحدة، وهي سكتة دعاء الاستفتاح، وأما السكتة التي بعد الفاتحة فإن كانت بمقدار قراءة الفاتحة فيرون كراهتها وإذا أطلق الحنفية الكراهة فهي محمولة على التحريم.\n\nوإن كانت سكتة يسيرة بمقدار التأمين فهي مستحبة من أجل أن يؤمن الإمام والمأموم سرًا، لأنهم لا يرون مشروعية الجهر بالتأمين، فالسكتة بعد قول الإمام ولا الضالين دليل عندهم أن الإمام والمأموم لا يجهر بآمين، وقد سبق لك بحث مشروعية الجهر بالتأمين.\nانظر شرح المشكاة للطيبي (٣/ ٩٩٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)، فيض الباري (٢/ ٣٤٨)، شرح أبي داود للعيني (٣/ ٣٩٤)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٨٠).\nقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٦): «في كلام الحنفية يحرم سكوته، لأن السكوت بلا قراءة حرام، حتى لو سكت طويلًا ساهيًا لزمه سجود السهو». ونقلته -وإن كان المصدر كتابًا حنبليًا- ليؤكد لك أن الكراهة عند الحنفية محمولة على التحريم، والله أعلم.\nوأما الإمام مالك فأنكر مشروعية سكتات الإمام كلها، سواء أكان ذلك لدعاء الاستفتاح كما سبق بحثه، أم كان ذلك بعد قراءة الفاتحة، أم كان ذلك بعد القراءة وقبل الركوع، فيرى أن الإمام لا سكوت له في الصلاة بحال.\nانظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١٦٢)، التمهيد (١١/ ٤٣)، الاستذكار (١/ ٤٦٩)، التوضيح شرح ابن الحاجب (١/ ٣٣٨).\nقال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ١٣١، ١٣٢): ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها حين يكبر، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وممن قال بهذا القول الشافعي، وأبو ثور، والأوزاعي، وأنكر ذلك مالك، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه».\nونص الإمام أحمد على مشروعية سكتتين: الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والثانية: بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.\nجاء في مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٧١): «سألت أبي عن السكتتين، فقال: إذا افتتح الصلاة سكت، وإذا فرغ من السورة سكت سكتة أخرى. قيل له: إذا قرأ الحمد. قال: إذا قرأ سورة بعد الحمد سكت». =","vol":"2","page":91},{"text":"قال صاحب الفروع: «وعنه - يعني عن الإمام أحمد- لا يسكت لقراءة مأموم مطلقًا، وفاقًا لأبي حنيفة ومالك» (^١).\nوقيل: يستحب للإمام أن يسكت بقدر قراءة المأموم للفاتحة، وهو مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٢).\nقال النووي: «ويستحب للإمام ... أن يسكت بعد الفاتحة قدر قراءة المأموم لها، يعني الفاتحة» (^٣).\nوقال ابن مفلح في الفروع: «ويستحب سكوته بعدها -يعني بعد قراءة\n_________\n= وقال صالح في مسائله (٣٢٢):» سألت أبي، قلت: للإمام سكتتان؟ قال: نعم، إذا فرغ من الحمد، وسكتة بعدما يفرغ من السورة». وانظر الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٢٩٣).\nفهذا النص صريح أن الإمام أحمد لا يرى السكتة بعد الفراغ من قراءة الفاتحة.\nوفي مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (٢٨٢): «قال أحمد: قال بعضهم: السكتتان: سكتة حين يفتتح قبل القراءة، وسكتة حين يفرغ من القراءة قبل الركوع».\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٣٨): والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان ... وهذا هو المنصوص عن أحمد، وأنه لا يستحب إلا سكتتان، والثانية: عند الفراغ من القراءة للاستراحة، والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد، كما لا يستحبه مالك وأبو حنيفة، والجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم».\n\n(^١). الفروع (٢/ ١٧٦).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٩٥، ٣٦٤)، فتح العزيز (٣/ ٣١١، ٣١٢)، أسنى المطالب (١/ ١٥٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٧٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٤).\nقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٩٣): «لم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك».\nوقد نسب بعض الحنابلة للإمام أحمد رواية في مشروعية السكتة من أجل القراءة، منهم ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٦) وسبق نقل كلامه في المتن، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ٢٣٠)، ولعله نقل ذلك عن ابن مفلح، والزركشي في شرحه على مختصر الخرقي (١/ ٦٠١).\nفهل كان ذلك على منهج المتقدمين في توسعهم في نسبة الرواية للإمام أحمد، أم أن هذا القول محفوظ عن الإمام أحمد، الله أعلم.\nانظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٨).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ٢٤٢).","vol":"2","page":92},{"text":"الفاتحة- قدر قراءة المأموم» (^١).\nوقال بعضهم: يستحب أن يسكت المأموم سكتة لطيفة بعد قراءة الفاتحة، لا لأجل قراءة من خلفه، وإنما لأجل تراجع النفس إليه، ومن أجل أن يبسمل فيها، ويتفكر فيها فيما يقرأه كالسكتة عند انقضاء القراءة (^٢).\n* دليل من قال: لا تشرع السكتة بعد الفاتحة:\nالدليل الأول:\nلم يصح دليل في مشروعية السكتة بعد الفاتحة، والأصل عدم المشروعية.\nقال ابن تيمية: «لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله؛ فلما لم ينقل هذا أحد علم أنه لم يكن» (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣١٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن،\nعن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية، قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين، فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أُبَيٌّ بن كعب فقال: صدق سمرة (^٤).\n[صحيح، والمحفوظ فيه سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع] (^٥).\n_________\n(^١). الفروع (٢/ ١٧٦).\n(^٢). شرح العمدة لابن تيمية صفة الصلاة (ص: ١٨٣).\n(^٣). الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٩٣).\n(^٤). المسند (٥/ ١٥).\n(^٥). أعل الحديث بعلتين:\nالأولى: أن الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة.\nالثانية: أن الحسن مدلس، وقد عنعن في جميع طرقه.\nوللجواب على العلة الأولى، يقال: اختلف العلماء في سماع الحسن من سمرة:\nفمنهم من أثبت له السماع مطلقًا كابن المديني والبخاري ومسلم وغيرهم. =","vol":"2","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومنهم من نفى سماعه مطلقًا، كشعبة وابن معين وأحمد، وغيرهم.\nومنهم من أثبت له سماع حديث العقيقة وحده.\nوقال آخرون: سمع حديث العقيقة، والباقي صحيفة، كالنسائي، لقول ابن عون: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه.\nفكانت روايته عن سمرة وجادة صحيحة، والوجادة قد قبلها العلماء، وعملوا بها، وهذا هو الصحيح.\n\nوللجواب على إعلال الحديث بعنعنة الحسن، فيقال: إن التدليس يطلق على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، وروايته عمن عاصره، ولم يلقه، وتدليس الحسن من النوع الثاني، وهو ما سماه ابن حجر بالإرسال الخفي، وهذا النوع لا يرد بالعنعنة إذا ثبت سماعه من شيخه ولو مرة، فيحمل على الاتصال؛ وذلك أن كثيرًا ممن وصفه بالتدليس إذا أبانوا تدليسه ذكروا روايته عن معاصرين لم يلقهم، ولم يسمع منهم على أن الرد بالعنعنة فيه نزاع؛ لأن كثيرًا من الرواة قد يتصرفون في حكاية الصيغة التي سمعوها من شيخهم، فهذا شعبة قد صرح أنه لا يأخذ عن قتادة والأعمش وأبي إسحاق إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وتجد كثيرًا من رواياته عنهم بالعنعنة، فلا يمكن الاعتماد على الصيغة وحدها في رد الحديث، فلا بد من جمع الطرق، فإذا صرح الراوي أنه لم يسمعه، أو نص إمام من الأئمة المعروفين بالتتبع على أن هذا لم يسمعه، أو أبان جمع الطرق على وجود واسطة ضعيف رُدَّ حديث المدلس، وقد يكون المتن منكرًا فيجعل الأئمة الحمل فيه على العنعنة.\nفتبين بهذا أن ما أُعِلَّ به هذا الحديث ليس بِعلِّة على الصحيح، وأن الحديث صحيح من رواية الحسن عن سمرة،\nولم يسمع الحسن من عمران بن حصين، ولا من أبي بن كعب.\nوقد اختلف فيه على الحسن، وقد رواه عنه أربعة، حميد، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، ويونس بن عبيد، وقتادة، وإليك تفصيل مروياتهم:\nالطريق الأول: حميد الطويل، عن الحسن.\nرواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٥/ ١٥)،\nوأبو كامل مظفر بن مدرك كما في مسند أحمد (٥/ ٢٠)،\nوأبو الوليد الطيالسي كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٦٨)،\nوموسى بن إسماعيل كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٦٨)،\nوشيبان بن فروخ كما في معرفة السنن والآثار للبيهقي (٣/ ٩٠)،\nوهدبة بن خالد كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢٢٦) ح ٦٩٤٢، كلهم رووه عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن سمرة بذكر سكتتين: إذا دخل في الصلاة، وإذا فرغ من القراءة.\nوفي رواية: سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع.\nورواه عفان، عن حماد، واختلف على عفان: =","vol":"2","page":94},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٢٨٤٠).\nوأحمد كما في المسند (٥/ ٢١)،\nوالدارمي كما في سننه (١٢٧٩)،\nوأحمد بن القاسم بن مساور كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢٢٦) ح ٦٩٤٢، أربعتهم رووه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، بنحو وراية الجماعة.\nوخالفهم جعفر بن محمد بن شاكر كما في سنن الدارقطني (١١٨٢) ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (١٥٣٨)، فرواه عن عفان به، كان لرسول ﷺ سكتتان: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة.\nوهذا اللفظ تفرد به جعفر بن محمد، وإن كان ثقة فقد خالف من هم أوثق منه في عفان كالإمام أحمد وابن أبي شيبة والدارمي. كما أن كل من رواه عن حماد بن سلمة لم يذكر هذا اللفظ، مثل (يزيد بن هارون، وموسى بن إسماعيل، وأبو الوليد الطيالسي، وهدبة بن خالد، وشيبان وأبي كامل).\nوقد تأول بعض العلماء أن المراد بقوله: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ... أي إذا أراد أن يقرأ.\nقال النووي في المجموع (٣/ ٢٩٧): «قال الخطيب: فقوله: سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: إذا أراد أن يقرأ؛ لأن السكتة إنما هي قبل قراءة البسملة، لا بعدها».\nوهو تأويل سائغ، ومستعمل في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة﴾: أي إذا أردتم مناجاته،\nوحديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال ...) أي إذا أراد دخوله.\nوحديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا): أي إذا أراد التأمين.\nفالتنصيص على البسملة، أراد منه مطلق القراءة، سواء أكان ممن يبسمل جهرًا أم يبسمل سرًّا، فكانت روايته من رواية الحديث بالمعنى، وهو جائز بشرطه، والله أعلم.\nالطريق الثاني: أشعث بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن.\nرواه أبو داود (٧٧٨) من طريق خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح وإذا فرغ من القراءة كلها.\nوسنده صحيح، وأشعث قال فيه يحيى القطان: هو عندي ثقة مأمون ... وقال أيضًا: ما رأيت في أصحاب الحسن أثبت من أشعث.\nوهذه متابعة لرواية حميد الطويل، وأن الحديث ليس فيه إلا سكتتان: أحدهما قبل القراءة، والأخرى عند الفرغ منها، وقبل الركوع.\nالطريق الثالث: يونس بن عبيد، عن الحسن.\nواختلف على يونس فيه: فرواه عنه إسماعيل وعبيد الله بن تمام، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، فذكروا في الحديث سكتتين: أحدهما قبل القراءة، والأخرى بعد =","vol":"2","page":95},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الفراغ منها وقبل الركوع، على خلاف بينهم في رفعه ووقفه.\nوخالفهم هشيم، فرواه عن يونس، وذكر أن السكتة الثانية بعد قول الإمام ولا الضالين. ولفظ هشيم، مخالف لما رواه الجماعة عن يونس، كما أنه مخالف لما رواه الأكثر عن الحسن، وإليك تخريج طريق يونس بن عبيد.\nفقد رواه هشيم، كما في مسند أحمد (٥/ ٢٣)، وسنن الدارقطني (١٢٧٦)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠٠)، عن يونس به، بلفظ: أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] سكت أيضا هنية، فأنكروا ذلك عليه، فكتب إلى أبي بن كعب، فكتب إليهم أبي أن الأمر كما صنع سمرة.\nفذكر السكتة الثانية بعد قراءة الفاتحة، ورواية الجماعة تذكر السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة، وهي المحفوظة.\nورواه من فعل الحسن البصري موقوفًا عليه، وإن كانت كتابة أبي بن كعب قد يستفاد منها الرفع، والله أعلم.\nوخالف هشيمًا كل من:\n(١) إسماعيل بن علية كما في مسند أحمد (٥/ ٢١)، وسنن أبي داود (٧٧٧)، وابن ماجه (٨٤٥)، وسنن الدارقطني (١٢٧٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٧٩)، فرواه عن يونس، عن الحسن به مرفوعًا، بلفظ: حفظت سكتتين في الصلاة: سكتة إذا كبر الإمام حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب، وسورة عند الركوع، قال: فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، فكتبوا إلى أبي في ذلك إلى المدينة، قال: فصدق سمرة.\nفرواه مرفوعًا، وذكر السكتة الثانية بعد الفرغ من القراءة وقبل الركوع، وهو المحفوظ.\n(٢) عبيد الله بن تمام، عن يونس به، مرفوعًا.\nرواه ابن المقرئ في المعجم (١٧٠) من طريق معمر بن سهل الأهوازي، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ: كان يسكت في الصلاة سكتتين.\nوهذه متابعة لابن علية على رفعه، وإن لم يبين موضع السكتتين.\nوفي إسناده عبيد الله بن تمام، ضعفه الدارقطني وأبو حاتم وأبو زرعة، وغيرهم، قال البخاري: عنده عن يونس عجائب انظر ميزان الاعتدال (٣/ ٤).\n(٣) يزيد بن زريع، عن يونس.\nرواه يزيد بن زريع، عن يونس، ولم يختلف عليه في كون السكتة ثنتان، أحدهما قبل القراءة والأخرى عند الفراغ من القراءة، وقبل الركوع، وإنما اختلف عليه في رفعه ووقفه.\nفرواه عفان بن مسلم، كما في مسند أحمد (٥/ ١١، ٢٣)،\nومحمد بن المنهال التميمي كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢٩٩)، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن يونس به، موقوفًا، بلفظ: كان إذا كبر سكت هنية، وإذا فرغ من قراءة السورة سكت =","vol":"2","page":96},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هنية، فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين، فكتبوا إلى أبي بن كعب، فكتب أبي يصدقه.\nوإن كان تصديق أبي بن كعب قد يفهم منها الرفع.\nوخالفهما أبو كامل فضيل بن حسين بن طلحة (ثقة)، كما في مسند البزار (٤٥٤٢)، فرواه عن يزيد بن زريع، عن يونس به، مرفوعًا، بلفظ: كانت لرسول الله ﷺ سكتتان: سكتة إذا ابتدأ الصلاة، وسكتة إذا فرغ من قراءته.\nورواية عفان بن مسلم ومحمد بن المنهال أرجح.\n(٤) عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن يونس.\nرواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٢٨٤٢) عنه به، بلفظ: قال الحسن: يسكت الإمام سكتتينِ: إذا كبَّر قبل أن يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من السورة قبل أن يركع.\nفهؤلاء أربعة خالفوا هشيمًا في موضع السكتة الثانية، وأنها بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع، وليست بعد الفراغ من فاتحة الكتاب.\nالطريق الرابع: قتادة، عن الحسن البصري.\nرواه عن قتادة سعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن بشير.\nأما رواية سعيد بن أبي عروبة فقد رواه عنه جماعة منهم:\n(١) يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، واختلف على يزيد في لفظه:\nفرواه محمد بن عبد الله بن بزيع (ثقة) كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٧٨)، ومستدرك الحاكم (٧٨٠).\nومحمد بن المنهال التميمي (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢١٠) ح ٦٨٧٥، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢٩٩)، كلاهما عن يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن الحسن به، بلفظ: حفظت عن رسول الله ﷺ سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة السورة، هذا لفظ محمد بن المنهال، ولفظ ابن بزيع نحوه.\nوتابعهما إسماعيل بن أبي سمينة (ثقة) كما في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢١١) ح ٦٨٧٦،\nفروه عن يزيد بن زريع، بلفظ: كانت لرسول الله ﷺ سكتتان. اهـ ولم يذكر موضع السكتتين.\nوخالفهم مسدد، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٦٧)، وسنن أبي داود (٧٧٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٤٦) ح ٣١٠، والسن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٧٩)، فرواه عن يزيد بن زريع به، بذكر السكتة الثانية بعد الفراغ من قراءة ولا الضالين، ولفظ مسدد شاذ، لمخالفته رواة الجماعة عن يزيد، وهكذا رواه أكثر أصحاب الحسن، حميد، وأشعث، ويونس من رواية أكثر أصحابه عنه، والله أعلم.\n(٢) عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة.\nأخرجه الترمذي (٢٥١) وأبو داود (٧٨٠)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٠)، وابن حبان في صحيحه (١٨٠٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه (٢٣٣)، =","vol":"2","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن محمد بن المثنى.\nوأخرجه ابن ماجه (٨٤٤) حدثنا جميل بن الحسن بن جميل العتكي، كلاهما عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: سكتتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ، فأنكر ذلك عمران بن حصين، وقال: حفظنا سكتة، فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة، فكتب أبي: أن حفظ سمرة، قال سعيد، فقلنا لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]. زاد الترمذي: وابن ماجه، قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يَتَرَادَّ إليه نَفَسُهُ.\nففي رواية عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة، جعل بيان موضع السكتتين من قول قتادة مقطوعًا عليه، وكان قتادة في يقول في الحفظ الأول أن موضع السكتة الثانية قبل الفراغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: (وإذا قرأ ولا الضالين)، وحفظه الأول مقدم، وقد يكون هذا الاضطراب ليس من قبل قتادة، وإنما من هو من قبل سعيد بن أبي عروبة، خاصة أنه قد تغير بآخرة، ولا يعرف أكان عبد الأعلى ممن سمع منه قبل اختلاطه أم بعده.\nوقد توبع عبد الأعلى على لفظه، كما في الطريق التالي:\n(٣) مكي بن إبراهيم البلخي، عن سعيد بن أبي عروبة.\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٧٩) من طريق مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، فقال عمران بن حصين: ما أحفظهما عن رسول الله ﷺ، فكتبوا فيه إلى أُبيِّ بن كعب، فكتب أُبي: أنَّ سمرة قد حفظ.\nقلنا لقتادة: ما السكتتان؟ قال: سكتة حين يكبر، والأخرى حين يفرغ من القراءة عند الركوع، ثم قال الأخرى، يعني المرة الأخرى: سكتة حين يكبر، وسكتة إذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.\nوهذه متابعة من مكي بن إبراهيم لعبد الأعلى على لفظه، ومكي ثقة، إلا أنه ممن روى عن سعيد بعد اختلاطه. ...\nفما هو الراجح من رواية سعيد بن أبي عروبة:\nفيزيد بن زريع رواه عن سعيد بن أبي عروبة بلفظ: (أن سمرة حفظ عن رسول الله ﷺ سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءته).\nوعبد الأعلى ومكي جعلا بيان موضع السكتتين من قول قتادة، وقد كان قتادة يجعل السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة، ثم رجع عن ذلك وجعل السكتة الثانية بعد الفراغ من الفاتحة.\nوالسؤال: أيحكم للعدد على الواحد، أم تقدم رواية يزيد بن زريع عليهما؟\nوالراجح عندي أن رواية يزيد مقدمة على روايتهما:\nأولًا: لكون سماع يزيد بن زريع من سعيد بن أبي عروبة قديمًا قبل اختلاطه، وهو مقدم =","vol":"2","page":98},{"text":"* دليل من قال باستحباب السكتة بعد قراءة الفاتحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣١١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا منصور، ويونس، عن الحسن،\nعن سمرة بن جندب، أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] سكت أيضا هنية، فأنكروا ذلك\n_________\n= في أصحاب سعيد بن أبي عروبة.\nوثانيًا: لموافقته رواية أكثر أصحاب الحسن البصري كحميد وأشعث، ويونس، والله أعلم.\nوأما رواية سعيد بن بشير، عن قتادة.\nفأخرجها الطبراني في مسند الشاميين (٢٦٥٢)، قال: حدثنا موسى بن عيسى، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: كانت للنبي ﷺ سكتتان، فقال عمران بن حصين: ما حفظتهما عن رسول الله ﷺ، فكتبوا في ذلك إلى أبي بن كعب، فقال: حفظ سمرة قال سعيد: سكتة حين يكبر، وأخرى إذا قال: ولا الضالين.\nوهنا سعيد بن بشير جعل بيان موضع السكتتين من قوله، لا من قول قتادة، ولا من قول سمرة، وسعيد بن بشير ضعيف، والإسناد إليه لا يصح، ففي إسناده شيخ الطبراني موسى بن عيسى مجروح العدالة، قال النسائي: ليس بثقة، وكتب النسائي عنه، وامتنع من الرواية عنه،\nوقال حمزة الكناني: سألت النسائي عنه، فقال: حمصي لا أحدث عنه شيئًا ليس هو شيئًا. انظر إرشاد القاصي والداني (ص: ٦٥٧).\nفالحديث صحيح إلا أن المحفوظ في لفظه: سكتتان: أحدهما قبل القراءة، والثانية عند الفراغ منها، وقبل الركوع، والله أعلم.\nالطريق الخامس: منصور بن زاذان، عن الحسن.\nرواه أحمد (٥/ ٢٣)، قال: أنبأنا منصور ويونس، عن الحسن، عن سمرة بن جندب؛ أنه كان إذا صلى بهم سكت سكتتين: إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ سكت أيضًا هُنَيَّةً، فأنكروا ذلك عليه، فكتب إلى أُبيِّ بن كعب، فكتب إليهم أُبيٌّ: إن الأمر كما صنع سمرة.\nتفرد به هشيم عن منصور، ولا يضره تفرده فهو من أروى الناس عنه وأعلم الناس في حديثه، إلا أن هشيمًا قد جمع شيخيه: يونس ومنصور.\nوقد خرجت رواية هشيم وحدها عن يونس فيما سبق، فإذا رجعنا إلى لفظه تبين لنا أنه قد رواه عن يونس بنحو هذا اللفظ بذكر السكتة الثانية بعد الفراغ من الفاتحة، مخالفًا إسماعيل بن علية، وعبيد الله بن تمام، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، فلا يستبعد أن يكون هذا اللفظ هو لفظ هشيم عن يونس، خاصة أن أكثر أصحاب الحسن قد رووه بذكر السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع، فهذا هو المحفوظ من حديث الحسن عن سمرة، والله أعلم.","vol":"2","page":99},{"text":"عليه، فكتب إلى أُبَيِّ بن كعب، فكتب إليهم أبي أن الأمر كما صنع سمرة (^١).\n[شاذ بهذا اللفظ] (^٢).\n* وأجيب عن الحديث بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nكشف تخريج الحديث أن المحفوظ من لفظه ما رواه أكثر أصحاب الحسن كحميد وأشعث، ويونس من رواية أكثر أصحابه، وقتادة في إحدى الروايتين عنه، بذكر سكتتين: إحداهما: قبل القراءة، والأخرى بعد الفراغ منها وقبل الركوع، فذكر السكتة بعد الفراغ من قراءة الفاتحة قول شاذ.\nالجواب الثاني:\nالسكتات في الصلاة توقيفية، والصلاة عبادة فعلية نقلت إلينا نقلًا متواترًا ينقلها جيل عن جيل، فلو كانت هناك سكتة مطلقًا، أو كان هناك سكتة بمقدار قراءة الفاتحة لنقلت نقلًا تقوم به الحجة.\nولو سلمنا بصحة حديث الحسن عن سمرة بالسكتة بعد قراءة الفاتحة فإنه ليس في الحديث أن مقدار هذا السكوت بقدر قراءة المأموم.\nقال في تحفة الأحوذي: «تعيين هذه السكتة بهذا المقدار .... للإمام محتاج إلى الدليل» (^٣).\nوقال ابن القيم: «لو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصحابة، ولكان معرفتهم به ونقلهم له أهم من سكتة الافتتاح» (^٤).\nوقال ابن تيمية: «ثبت عنه في الصحيح سكوته بعد التكبير للاستفتاح، وفي السنن: (أنه كان له سكتتان: سكتة في أول القراءة وسكتة بعد الفراغ من القراءة) وهي سكتة لطيفة للفصل، لا تتسع لقراءة الفاتحة ... ولم يقل أحد: إنه\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٢٣).\n(^٢). سبق تخريجه في أدلة القول السابق.\n(^٣). تحفة الأحوذي (٢/ ٧٢).\n(^٤). الصلاة وأحكام تاركها (ص: ١٦٢).","vol":"2","page":100},{"text":"كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربع، فقد قال قولًا لم ينقله عن أحد من المسلمين، والسكتة التي عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي. ومثل هذا لا يسمى سكوتًا؛ ولهذا لم يقل أحد من العلماء: إنه يقرأ في مثل هذا» (^١).\nالجواب الثالث:\nالقول بالسكتة بمقدار قراءة الفاتحة بني على مسألة خلافية، وهي وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فالجمهور على أن المأموم لا قراءة عليه، خلافًا للشافعية حيث ذهبوا إلى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا في السرية والجهرية، وهو قول ضعيف، فكان من ثمرة هذا الترجيح لهذا القول الضعيف أَنْ رأوا استحباب سكوت الإمام بقدر قراءة الفاتحة في الجهرية، وما بني على الضعيف فهو ضعيف.\nوعلى التسليم بصحة اختيار الشافعية فلا يلزم من القول بوجوب قراءة المأموم للفاتحة أن يستحب للإمام السكوت بقدر قراءة الفاتحة، وهو لا يُعْلَّم له أصلٌ في السنة، ولا في أقوال الصحابة (^٢).\nولا يلزم من القول بمطلق السكوت بعد قراءة الفاتحة أن تكون السكتة بهذا المقدار؛ لأن المقادير الشرعية تحتاج إلى توقيف، ولما كان السكوت غير مشروع في الصلاة استحب الشافعية للإمام أن يشتغل بدعاء أو قراءة حال قراءة المأموم للفاتحة،\nقال في تحفة المحتاج: «ويسن للإمام أن يسكت في الجهرية بقدر قراءة المأموم الفاتحة ... وأن يشتغل في هذه السكتة بدعاء، أو قراءة» (^٣).\nوهذه من ترقيعات القول الضعيف، فهذا الاستحباب لا يعلم له أصل في السنة، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣١٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر -يعني: الحنفي- أخبرنا\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٧).\n(^٢). انظر: مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٩)، الفتاوى الكبرى (٢/ ٢٩٤).\n(^٣). تحفة المحتاج (٢/ ٥٧).","vol":"2","page":101},{"text":"عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده؛ أنه كان يقرأ خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (^١).\n[اختلف فيه على عمرو بن شعيب في ذكر القراءة خلف الإمام في سكتتاته] (^٢).\n_________\n(^١). البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠١، ٣٠٢).\n(^٢). حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواه عنه جماعة:\nالأول: حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٥)، وسنن ابن ماجه (٨٤١)، عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج، فهي خداج.\nوهذا أحسن إسناد روي فيه هذا الحديث، وهو إسناد حسن، وليس فيه ذكر القراءة خلف الإمام في سكتتاته.\nالثاني: عامر بن عبد الواحد الأحول، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه البخاري في القراءة خلف (١٠)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٥٤)، والبيهقي في القراة خلف الإمام (٩٦) عن موسى بن إسماعيل،\nورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣٧٠٤)، من طريق سعيد بن سليمان النَّشِيطِيِّ، كلاهما عن أبان بن يزيد، عن عامر الأحول به (في مطبوع الطبراني: عاصم الأحول، وهو خطأ) بلفظ: كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي مخدجة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم (الصواب: عامر)، إلا أبان، تفرد به سعيد بن سليمان.\nقال الهيثمي في سعيد كما في مجمع الزوائد (٢/ ١١١): رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن سليمان النَّشِيطِيُّ قال أبو زرعة الرازى: نسال الله السلامة ليس بالقوى. اهـ\nقلت: لم يتفرد به سعيد بن سليمان، فقد تابعه موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة.\n\nوعامر الأحول مختلف فيه، قال فيه في التقريب صدوق يخطئ، وهذا قطعًا ليس من أخطائه؛ لأنه قد تابعه على إسناده، ولفظه الثقة حسين المعلم.\nفاتفق حسين المعلم الثقة، وعامر الأحول الصدوق على رواية الحديث بلفظ: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج أو مخدجة، وليس في لفظهما ذكر القراءة في سكتات الإمام، وكل من خالفهما من الضعفاء فالقول قولهما.\nالثالث: محمد بن إسحاق بن يسار، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٩٧) من طريق يحيى بن جعفر، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، به، بلفظ: (كل صلاة لا يقرأ فيها =","vol":"2","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بفاتحة الكتاب فهي خداج).\nوفي إسناده يحيى بن أبي طالب جعفر بن عبد الله بن الزبرقان البغدادي، قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال البرقاني: أمرني الدارقطني أن أخرج ليحيى بن أبي طالب في الصحيح.\nوقال الحاكم: قال الدارقطني: لا بأس به، ولم يطعن فيه أحد بحجة.\nوقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين.\nوانفرد موسى بن هارون، فقال: أشهد عليه أنه يكذب، عنى في كلامه، لا في الرواية، والدارقطني من أخبر الناس به.\nوقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، تكلم الناس فيه.\nولم يذكر ابن إسحاق القراءة في سكتات الإمام.\nالرابع: حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب.\nرواه أحمد (٢/ ٢٠٤) حدثنا نصر بن باب.\nوأخرجه أيضًا (٢/ ٢١٥) حدثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس، أبو الجهم، كلاهما عن حجاج، عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: (كل صلاة لا يقرأ فيها، فهي خداج، ثم هي خداج، ثم هي خداج).\nوحجاج بن أرطاة، مدلس، ولم يذكر سماعًا، وقد ذكر أبو نعيم كما في شرح العلل للترمذي (٢/ ٨٥٥) أنه لم يسمع منه إلا أربعة أحاديث والباقي عن محمد بن عبيد الله العرزمي. اهـ والعرزمي متروك. وليس فيه موضع الشاهد، القراءة في سكتات الإمام. ...\nالخامس: عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠١، ٣٠٢)، وفي الخلافيات (١٨٢١، ١٨٢٢)، من طريق أبي بكر الحنفي، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أنه كان يقرأ خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.\nوعبد الحميد بن جعفر صدوق، وقد زاد حرف (ﷺ) فذكر سكتتين، وقد رواه حسين المعلم، وهو ثقة، وعامر بن عبد الواحد، ومحمد بن إسحاق (وكلاهما صدوق)، وحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف أربعتهم رووه عن عمرو بن شعيب، فلم يذكروا هذا الحرف، فأرى أن زيادة هذا الحرف زيادة شاذة.\nوقد توبع عبد الحميد بن جعفر على زيادة هذا الحرف، إلا أنها متابعات لا يمكن التعويل عليها، فكل من تابعه كان من الضعفاء أو المتروكين، من هؤلاء:\nالسادس: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه الدارقطني في السنن (١٢٢٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٧٢، ١٧٣).\nقال الدارقطني: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير: ضعيف.\nومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير رجل متروك، فالإسناد ضعيف جدًا. =","vol":"2","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السابع: عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٣٦)، وفي الخلافيات (١٩٨٧)، من طريق أبي الطيب محمد بن عبد الله الشَّعِيرِي أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز القاضي الجُرْجَانيُّ محلة جنجروذ، أخبرنا أبو الصلت الهروي، أخبرنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن عمرو بن شعيب به، بلفظ: (أنهم كانوا يقرؤون خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرؤوا، وإذا أنصت قرؤوا، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج).\nوهذا إسناد ضعيف جدًا، فيه أبو الطيب فيه جهالة. انظر الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم (٢/ ١٢٣٠).\nوشيخه عبد الله بن محمد بن عبد العزيز القاضي ذكره في تاريخ جرجان (٤٣١)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ففيه جهالة.\nوأبو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، رافضي، مجروح العدالة. انظر الكامل لابن عدي (٧/ ٢٥).\nالثامن: المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٨٧،) عن المثنى به، بلفظ: (أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: من صلى مكتوبة، أو سبحة، فليقرأ بأم القرآن، وقرآن معها، فإن انتهى إلى أم القرآن أجزأت عنه، ومن كان مع الإمام فليقرأ قبله، أو إذا سكت، فمن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج ثلاثًا).\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (١٤٤٤)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٦٨، ١٦٩).\nوالمثنى بن الصباح ضعيف.\nورواه عبد الرزاق أيضًا (٢٧٩٣) بالإسناد نفسه، بلفظ: إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قرأت بأم القرآن، أو بعدما يفرغ.\nوهذا من تخليط المثنى بن الصباح.\nالتاسع: عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن شعيب.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٧٠) بلفظ المثنى بن الصباح. وابن لهيعة ضعيف.\nهذا ما وقفت عليه من طريق حديث عبد الله بن عمرو، والمعروف في لفظه ما رواه حسين المعلم وعبد الواحد بن عامر ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة، بلفظ: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج).\nوهو الموافق لحديث أبي هريرة في مسلم، وأما زيادة القراءة خلف الإمام في سكتاته فليست محفوظة، والله أعلم.","vol":"2","page":104},{"text":"* ويناقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول: الاختلاف على عمرو بن شعيب، في ذكر القراءة عند إنصات الإمام، فقد رواه حسين المعلم وعامر بن عبد الوحد ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، ولم يذكروا هذا الحرف كما كشف عن ذلك تخريج الحديث.\nالوجه الثاني: أنه لم يذكر محل السكتات، فلو قدر أن هذا محفوظ، فهو محمول على السكتات الثابتة، وليس على السكتة الشاذة، فالمحفوظ سكتتان:\nإحداهما: سكتة إذا كبر قبل أن يقرأ، وهي ثابتة في الصحيحين.\nوالثانية: سكتة إذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وهي ثابتة في السنن، فحمل الإنصات على السكوت إذا فرغ من قراءة الفاتحة، لا دليل عليه\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣١٣) ما رواه الدارقطني من طريق فيض بن إسحاق الرقي، حدثنا محمد بن عبد الله ابن عبيد الله بن عمير، عن عطاء،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه (^١).\n[منكر] (^٢).\n_________\n(^١). سنن الدارقطني (١٢٠٩).\n(^٢). ومن طريق فيض بن إسحاق رواه الحاكم في المستدرك (٨٦٨)، وعنه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٧١).\nوفي إسناده محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال البخاري: منكر الحديث.\nوقال النسائي: متروك. انظر ميزان الاعتدال (٣/ ٥٩١)، فالحديث ضعيف جيدًّا.\nوقد خالف فيه الثقات في رفعه، وفي لفظه: فقد رواه كل من:\nالأول: ابن جريج، عن عطاء،\nأنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير. رواه البخاري (٧٧٢)، ومسلم (٣٩٦)، وأكتفي بهما عن غيرهما.\nالثاني: حبيب بن الشهيد، عن عطاء.\nرواه أحمد (٢/ ٢٥٨) حدثنا عبد الواحد الحداد أبو عبيدة، =","vol":"2","page":105},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أحمد (٢/ ٣٠١) من طريق شعبة،\n\nورواه أحمد (٢/ ٤١١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢١، ٣٢٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة،\nورواه أحمد أيضًا (٢/ ٤٣٥)، حدثنا يحيى بن سعيد القطان،\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٤)، وأبو داود (٧٩٧) من طريق حماد بن سلمة،\nورواه أبو العباس السراج في حديثه (٢٥١٤) من طريق أبي بحر البكراوي (ضعيف)، كلهم عن حبيب بن الشهيد، عن عطاء به موقوفًا.\nورواه مسلم (٤٢ - ٣٩٦)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو أسامة، عن حبيب بن الشهيد، قال: سمعت عطاء يحدث عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة إلا بقراءة، قال أبو هريرة: فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم.\nوقد أخطأ فيه ابن نمير، حيث رفع أوله، والمحفوظ أن كله موقوف على أبي هريرة.\nقال الدارقطني في التتبع (٢٠) بعد أن ساق رواية أبي أسامة عند مسلم: «وهذا لم يرفع أوله إلا أبو أسامة، وخالفه يحيى القطان، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عبيدة الحداد، وغيرهم: رووه عن حبيب بن الشهيد، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: في كل صلاة قراءة، فما أسمعناه رسول الله ﷺ أسمعناكم.\nجعلوا أول الحديث من قول أبي هريرة، وهو الصواب، وكذلك رواه: قتادة، وأيوب، وحبيب المعلم، وابن جريج». اهـ\nوالراجح أن الوهم من ابن نمير،\nفقد رواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٣٦٣٨)،\nومحمد بن رافع النيسابوري (ثقة) كما في حديث أبي العباس السراج (٢٥١٥).\nوعبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج (ثقة)، كما في مستخرج أبي نعيم (٨٧٨)، ثلاثتهم عن أبي أسامة، عن حبيب بن الشهيد به موقوفًا، فخرج من عهدته أبي أسامة.\nفإن قيل: لعل الوهم من الإمام مسلم، وليس من شيخه؟\nفالجواب: أن محمد بن عمر الجرجاني، قد رواه عن ابن نمير، عن أبي أسامة به، بمثل رواية مسلم برفع أوله.\nرواه البيهقي في السنن (٢/ ٢٧٥)، وفي القراءة خلف الإمام (٩)، فخرج مسلم من عهدته.\nالثالث: حبيب المعلم، كما في صحيح مسلم (٤٤ - ٣٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٧٢)، ومستخرج أبي نعيم (٨٨٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٩)، وفي القراءة خلف الإمام (١٠، ١١).\nالرابع والخامس: قيس بن سعد، وعمارة بن ميمون، عن عطاء.\nرواه أحمد (٢/ ٣٤٣، ٤١٦)، حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد، عن قيس وحبيب، عن عطاء بن أبي رباح به.\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٤) وأبو داود (٧٩٧) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن قيس بن سعد، وعمارة بن ميمون، وحبيب قال في رواية البخاري (ابن الشهيد)، عن عطاء به، موقوفًا.\nورواية حماد بن سلمة عن قيس فيها كلام، إلا أن روايته عن حبيب قد توبع عليها من أصحاب حبيب بن الشهيد.\nفكل هؤلاء قد رووا الحديث عن عطاء، ولم يرفعوه كما فعل محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، ولم يذكروا في القراءة في سكتات الإمام، لهذا لا يشك الباحث في نكارة روايته، مع أنه مجروح العدالة، والله أعلم.","vol":"2","page":106},{"text":"* الراجح:\nلا يصح القول بمشروعية سكتة بعد قراءة الفاتحة، والمحفوظ سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها، وقبل الركوع، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الرابع في حكم السكتة بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* السكتات في الصلاة مبنية على التوقيف.\n* السكتات الثابتة في الصلات سكتتان، للافتتاح، وأخرى عند الفراغ من القراءة، وقبل الركوع.\n* لا يمتنع شرعًا، ولا عقلًا أن يتعبدنا الله بالسكوت في الصلاة، فلله الخلق والأمر.\n* السكوت قبل الركوع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود أن يرجع إلى القارئ نفسه، قبل الركوع، كما يقف القارئ على رؤوس الآي، ولا يعد هذا السكوت مقصودًا لذاته، والله أعلم.\n* من أنكر هذه السكتة من الأئمة فإنما أنكرها لكونها يسيرة جدًا حتى قدرها الشافعية بمقدار أن يقول المصلي: سبحان الله، وقدرها بعض الحنابلة بأن يرجع إليه نفسه قبل أن يركع.\n[م-٥٢٥] اختلف الفقهاء في استحباب سكتة لطيفة في صلاة الجهر من الإمام بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع:\nفقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية (^١).\n_________\n(^١). لا يرى الحنفية سكتة مشروعة سوى سكتة واحدة، وهي سكتة دعاء الاستفتاح، انظر: شرح المشكاة للطيبي (٣/ ٩٩٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)، فيض الباري (٢/ ٣٤٨)، شرح أبي داود للعيني (٣/ ٣٩٤)، مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٨٠).\nوأنكر الإمام مالك مشروعية سكتات الإمام كلها، سواء أكان ذلك لدعاء الاستفتاح كما سبق بحثه، أم كان ذلك بعد قراءة الفاتحة، أم كان ذلك بعد القراءة وقبل الركوع، فيرى أن الإمام لا سكوت له في الصلاة بحال.\nانظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١٦٢)، التمهيد (١١/ ٤٣)، الاستذكار (١/ ٤٦٩)، التوضيح شرح ابن الحاجب (١/ ٣٣٨).\n\nقال ابن رشد في بداية المجتهد (١/ ١٣١، ١٣٢): ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها حين يكبر، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وممن قال بهذا القول الشافعي، وأبو ثور، والأوزاعي، وأنكر ذلك مالك، وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه».","vol":"2","page":108},{"text":"قال الحطاب: ذهب مالك إلى إنكار جميعها. أي جميع السكتات (^١).\nوقيل: تستحب سكتة يسيرة للفصل بين القراءة والركوع، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، قال الشافعية: بقدر قول: سبحان الله (^٢).\nجاء في كتاب الإنصاف: «قال المجد ومن تابعه: هما سكتتان على سبيل الاستحباب:\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٤٤).\n(^٢). قال الخطيب في مغني المحتاج (١/ ٣٦٣): «السكتات المندوبة في الصلاة أربعة: ... وذكر منها: وسكتة قبل تكبيرة الركوع».\nوانظر: المجموع (٣/ ٣٩٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٥١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٧)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٧٢).\nونص الإمام أحمد على مشروعية سكتتين: الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والثانية: بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع.\nجاء في مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٧١): «سألت أبي عن السكتتين، فقال: إذا افتتح الصلاة سكت، وإذا فرغ من السورة سكت سكتة أخرى. قيل له: إذا قرأ الحمد. قال: إذا قرأ سورة بعد الحمد سكت».\nوقال صالح في مسائله (٣٢٢):» سألت أبي، قلت: للإمام سكتتان؟ قال: نعم، إذا فرغ من الحمد، وسكتة بعدما يفرغ من السورة». وانظر الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٢٩٣).\nوفي مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (٢٨٢): «قال أحمد: قال بعضهم: السكتتان: سكتة حين يفتتح قبل القراءة، وسكتة حين يفرغ من القراءة قبل الركوع».\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٣٨): والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان ... وهذا هو المنصوص عن أحمد، وأنه لا يستحب إلا سكتتان، والثانية: عند الفراغ من القراءة للاستراحة، والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد، كما لا يستحبه مالك وأبو حنيفة، والجمهور لا يستحبون أن يسكت الإمام ليقرأ المأموم».","vol":"2","page":109},{"text":"إحداهما: تختص بأول ركعة للاستفتاح.\nوالثانية: سكتة يسيرة بعد القراءة كلها؛ ليرد إليه نفسه» (^١).\n* دليل من قال: تشرع سكتة لطيفة قبل الركوع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣١٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن،\nعن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية، قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين، فقال: كذب سمرة، فكتب في ذلك إلى المدينة إلى أبي بن كعب فقال: صدق سمرة (^٢).\n[صحيح، والمحفوظ فيه سكتتان: قبل القراءة، وبعد الفراغ منها قبل الركوع]\nوقول عمران: كذب: أي أخطأ بلغة الحجاز.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣١٥) ما رواه البيهقي من طريق أبي بكر -يعني: الحنفي- أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده؛ أنه كان يقرأ خلف رسول الله ﷺ إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ، وكان رسول الله ﷺ يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (^٣).\n[اختلف فيه على عمرو بن شعيب في ذكر القراءة خلف الإمام في سكتتاته] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nذكر الحديث سكتتين للإمام، فهو محمول على فرض صحته على السكتات\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٢٢٩).\n(^٢). المسند (٥/ ١٥).\n(^٣). البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠١، ٣٠٢).\n(^٤). سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر: (ح ١٣١٢).","vol":"2","page":110},{"text":"الثابتة، أحدهما: للافتتاح، والأخرى عند الفراغ من القراءة، وقبل الركوع؛ فأما السكوت بعد قراءة الفاتحة فلم يصح فيها شيء، والله أعلم.\n* دليل من قال: لا تشرع السكتة:\nالدليل الأول:\nأن الأحاديث التي وصفت صلاة النبي ﷺ في الصحيحين وفي السنن لم تذكر هذه السكتة، وقد سيقت في معرض بيان صفة صلاة النبي ﷺ، فلو كانت هذه السكتة محفوظة من صفة الصلاة لما أغفلت تلك الأحاديث الصحيحة على كثرتها هذه الصفة، من ذلك:.\n(ح-١٣١٦) ما وراه أبو داود من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، قال: أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا، ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر ... الحديث (^١).\n[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم يقرأ، ثم يكبر) فلم يذكر سكوته بين فراغه من القراءة وبين التكبير، فلو كان السكوت قبل الركوع من صفة الصلاة لذكره ﵁، خاصة أنه يعرض صفة صلاة النبي ﷺ، وفي بيان إثبات أنه من أعلمهم بصفة صلاته ﷺ، وقد طلبوا منه العرض، حتى قالوا في آخر عرضه: صدقت، هكذا كان يصلي ﷺ.\n* ونوقش:\nبأن الحديث غايته أنه لم يذكر السكتة، وهذا لا يمنع من استحبابه بأدلة أخرى،\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٠).\n(^٢). سبق تخريجه في المجلد السابق، انظر: ح (١١٨٥).","vol":"2","page":111},{"text":"فهو أيضًا لم يذكر دعاء الاستفتاح، ولا السكوت له، وهو محفوظ بأحاديث متفق على صحتها، فلا يكون السكوت عن الشيء دليلًا على نفيه إذا جاء ثابتًا بدليل آخر، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣١٧) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا .... (^١).\nوجه الاستدلال من الحديث كالذي قبله.\n* ونوقش:\nبأن حديث المسيء في صلاته قد اقتصر النبي ﷺ على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، وهو كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ بها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا.\nالدليل الثالث:\nالاحتجاج بعمل المدينة، فلو كانت هذه السكوت مشروعًا وقد واظب عليه النبي ﵇، لم يخف ذلك، ولنقله أهل المدينة عيانًا وعملًا (^٢).\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٦٢).","vol":"2","page":112},{"text":"فما أجمع عليه أهل المدينة فهو مقدم على غيره من أخبار الآحاد؛ لأنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا، أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله مع قرب العهد.\n* ويناقش:\nبأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره ﵏ أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع والمد وأنه ﵇ كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي ﷺ، ومكان مسجده ومكان منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة (^١).\nفهذا المالكية لا يرون سكوت الإمام للاستفتاح، وقد كان عمر بن الخطاب يستفتح في صلاته حتى جهر به في الفرض في مصلى النبي ﷺ ليعلم غيره، كما سبق تخريجه، وعمل به الصحابة رضوان الله عليهم، ثم ترك العمل به في زمن الإمام مالك، فكان يَصِل التكبير بالقراءة من غير دعاء ولا سكوت، ولا تعوذ، فلو كان عمل أهل المدينة حجة لكان عملهم في زمن عمر بن الخطاب ﵁ حين كان فيهم كبار الصحابة أولى من اتباع العمل حين انقرض عصر الصحابة (^٢).\nالدليل الرابع:\nأمران لا يشرعان في الصلاة، كلام الناس والسكوت المجرد الخالي من الذكر، أو من الاستماع والإنصات له.\n(ح-١٣١٨) فقد روى مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي، في قصة تشميته لأحد المصلين أن رسول الله ﷺ قال له:\n_________\n(^١). انظر: إحكام الفصول للباجي (ص: ٤٨٠)، شرح تنقيح الفصول (ص: ٣٣٤)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ٢٥٠).\n(^٢). انظر أعلام الموقعين (٢/ ٢٨٥).","vol":"2","page":113},{"text":"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث (^١).\nفهذا هو المشروع في الصلاة: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، فلا كلام الناس يصلح في الصلاة، ولا السكوت الخالي من الذكر أو الاستماع والإنصات له.\n* ونوقش:\nأما كلام الناس فلا يصلح في الصلاة، وهذا محل إجماع من المسلمين.\nوأما التعبد بالسكوت المجرد، فلا يمتنع التعبد به، فالله له الخلق والأمر، فكما أنه يخلق ما يشاء، فإنه يأمر بما يشاء، فإذا تعبدنا بالسكوت فلا اعتراض عليه بمجرد النظر، وإذا صح الحديث بالسكوت بعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع لم يكن لنا إلا التسليم، والامتثال.\nومن أنكر هذه السكتة من الأئمة فإنما أنكرها لكونها يسيرة جدًا حتى قدرها الشافعية بمقدار أن يقول المصلي: سبحان الله، وقدرها بعض الحنابلة بأن يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل القراءة بتكبيرة الركوع، فليس السكوت فيها مقصودًا لذاته حتى يمكن أن يقال: التعبد بالسكوت، وإنما المقصود أن يرجع إلى القارئ نفسه، كما يقف القارئ على رؤوس الآي، ولا يعد هذا السكوت مقصودًا لذاته، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٣ - ٥٣٧).","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الباب السادس القراءة في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الفصل الأول في قراءة الفاتحة وما يرتبط بها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الأول في حكم الاستعاذة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* التعوذ من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فتسقط بفوات القراءة، وتصح الصلاة بتركه.\n* لو كان التعوذ من أجل الصلاة لجاء قبل الاستفتاح، ولم يرتبط بالقراءة.\n* عموم قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب الاستعاذة للقراءة خارج الصلاة لم تجب في داخلها.\n* الأمر بالاستعاذة للقراءة للاستحباب بدليل أنه لم يؤمر بها المسيء في صلاته.\n* القول بوجوب الاستعاذة بالصلاة لم يُؤْثَرْ عن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عن أحدٍ من التابعين إلا عن عطاء، ولا عن المشهور من مذهب الأئمة الأربعة إلا رواية عن أحمد ليست هي المذهب.\n* لا يصح حديث في الاستعاذة بالصلاة إلا أن يعتبر بها أحد في المجموع.\n[م-٥٢٦] اختلف الفقهاء في حكم الاستعاذة في الصلاة:\nفقيل: الاستعاذة سنة في الصلاة مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو قول","vol":"2","page":115},{"text":"أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nوقيل: واجبة مطلقًا، وبه قال عطاء والثوري، وابن حزم، ورواية عن أحمد، اختارها ابن بطة (^٢).\nقال ابن حزم: «فرض على كل مُصَلِّ أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (^٣).\nوقيل: سنة للإمام والمنفرد دون المأموم، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (^٤).\nوقيل: لا يتعوذ في الفريضة، ويتعوذ في قيام رمضان، وبه قال مالك، قال أصحابه: ويتعوذ بالنفل (^٥).\nوقيل: الاستعاذة تجب في العمر مرة واحدة، وهو أحد القولين عن ابن سيرين (^٦).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٧)، المبسوط (١/ ١٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٢)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٧)، المجموع (٣/ ٣٢٢)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٤٦)، ورواية عبد الله (ص: ١٣٢)، الإقناع (١/ ١١٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧)، الكافي (١/ ٢٤٥)، المغني (١/ ٣٤٣)، الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، الإنصاف (٢/ ٤٧).\n(^٢). روى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٧٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها ... الأثر وسنده صحيح.\nوروى ابن جريج عن عطاء أنه إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة الأولى.\nروى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٨٤) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فاستعذت بركعتين ثم أخرى، ثم أخرى، فأستعيذ لكل صلاة على السبع؟ قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن، قلت: صليت فبينا أنا أصلي جاءني إنسان لحاجة، فانصرفت إليه فقضى حاجته، ثم قمت أصلي مرة أخرى قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن. وسنده صحيح.\nوانظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٣)، الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، كشاف القناع (١/ ٣٣٥)، تفسير الرازي (١/ ٦٧)، تفسير القرطبي (١/ ٨٦).\n(^٣). المحلى، مسألة (٣٦٣).\n(^٤). تحفة الفقهاء (١/ ١٢٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، البحر الرائق (١/ ٣٢٨)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥١).\n(^٥). جاء في المدونة (١/ ١٦٢): «قال مالك: ولا يتعوذ الرجل في المكتوبة قبل القراءة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان». وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨١)، تفسير القرطبي (١/ ٨٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٩)، الشرح الكبير (١/ ٢٥١).\n(^٦). تفسير الرازي (١/ ٦٧)، غرائب القرآن للنيسابوري (١/ ١٥).","vol":"2","page":116},{"text":"* دليل من قال: الاستعاذة سنة:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nوجه الاستدلال:\nأن الله أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، والمتيقن الندب، وإطلاقه يشمل داخل الصلاة وخارجها.\nفإن قيل: ما الصارف للأمر من الوجوب إلى الندب؟ فالجواب: أمور منها:\nأحدها: الإجماع على أن الأمر للندب، قال الطبري في تفسيره: «وليس قوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته، أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا» (^١).\nولم يعتبر السرخسي خلاف عطاء خارقًا للإجماع.\nقال في المبسوط: «قال عطاء: الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وهو مخالف لإجماع السلف، فقد كانوا مجمعين على أنه سنة» (^٢).\n* وأجيب:\nبأن دعوى الإجماع غير صحيحة، قال ابن الهمام: «وعن الثوري وعطاء وجوبه .... ويبعد منهما أن يبتدعا قولًا خارقًا للإجماع بعد علمهما بأن ذلك لا يجوز» (^٣).\nوقد يجاب على إشكال ابن الهمام بأن الإجماع المحكي لعله من قبيل الإجماع السكوتي إن كان محفوظًا، وهو حجة على الصحيح، ويفيد الظن، وتجوز مخالفته لدليل راجح؛ لأن سكوت من سكت ليس قاطعًا بأن سكوته عن موافقة، ولا يعتبر سكوته بمنزلة الإقرار على صحة القول؛ لأن الإقرار الذي هو حجة هو إقرار الرسول ﷺ، وأما إقرار العالم فليس بحجة، والله أعلم.\n_________\n(^١). تفسير الطبري ط هجر (١٤/ ٣٥٧).\n(^٢). المبسوط للسرخسي (١/ ١٣).\n(^٣). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٩٠).","vol":"2","page":117},{"text":"ثانيها: أن الآية أمرت بالاستعاذة عند قراءة القرآن والأمر مطلق يشمل القراءة خارج الصلاة وداخلها، وإذا لم تجب القراءة نفسها خارج الصلاة وهي الغاية، لم تجب الاستعاذة وهي من التوابع، ولا يمكن التفريق بين الاستعاذة داخل الصلاة وبين خارجها في الحكم لإطلاق الآية، ولأن الحكمة من الاستعاذة دفع الوسوسة في القراءة، وذلك لا يوجب الاستعاذة.\nوإذا لم يجب التعوذ من الشيطان عند دخول الخلاء، وعند إقبال الليل وانتشار الشياطين مع مظنة الضرر منهم، لم يجب التعوذ عند قراءة القرآن، وسائر الذكر لكون المسلم في هذه الحال أكمل منه في تلك الأحوال، وتعوذه طلب للكمال.\nولوكان التعوذ فرضًا للزم كُلَّ من قرأ القرآن ولو آية؛ لدخوله في مطلق الآية، وقد قرأ الرسول ﷺ آيات من القرآن الحكيم، ولم ينقل أنه تعوذ،\nفقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ [آل عمران:١٠٢]، ولم يتعوذ (^١).\n_________\n(^١). جاء ذلك من حديث ابن مسعود، وهو صحيح، ومن حديث ابن عباس وفيه ضعف.\nأما حديث ابن مسعود ﵁ فرواه أحمد (١/ ٤٣٢) وأبو داود (٢١١٨)، والنسائي في الكبرى (١٠٢٥٤) عن وكيع،\nورواه الشاشي في مسنده (٧١٠) من طريق عبيد الله بن موسى، كلاهما (وكيع، وعبيد الله) عن إسرائيل.\n\nورواه أحمد (١/ ٣٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٧٨) عن عفان، قال: حدثنا شعبة، كلاهما (شعبة وإسرائيل بن يونس)، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة عن ابن مسعود، قال: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ....﴾ [الأحزاب:٧٠،٧١].\nوأخرجه أحمد (١/ ٣٩٢) والنسائي في المجتبى (١٤٠٤)، وفي الكبرى (١٧٢١، ٥٥٠٣) حدثنا محمد بن جعفر،\nوالدارمي (٢٢٤٨) قال: أخبرنا أبو الوليد وحجاج، =","vol":"2","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أبو يعلى (٥٢٥٧) من طرق يحيى،\nورواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٩٨) ح ١٠٠٨٠، والشاشي في مسنده (٩١٧) من طريق حماد بن سلمة،\nوالحاكم في المستدرك (٢٧٤٤) من طريق آدم بن أبي إياس، كلهم (محمد، وأبو الوليد، وحجاج، ويحيى، وحماد، وآدم) رووه عن شعبة.\nوأخرجه أبو داود (٢١١٨)، وأبو يعلى (٥٢٣٣، ٥٢٥٧) من طريق سفيان الثوري، كلاهما (شعبة، والثوري) عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وحده، عن ابن مسعود.\nوالحديث صحيح، وما يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، فإن العلماء اعتبروها في حكم المتصلة، لأنه سمعها من آل بيته، وقد توبع تابعه أبو الأحوص.\nوأما حديث ابن عباس ﵄:\nفرواه أحمد (١/ ٣٠٠)، والترمذي (٢٥٨٥)، والنسائي في الكبرى (١١٠٠٤)، وابن حبان (٧٤٧٠) من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه كان عند الحجر، وعنده محجن يضرب به الحجر، ويقلبه، فقال رسول الله ﷺ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران:١٠٢]، لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لَأَمَرَّتْ على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن هو طعامه، وليس له طعام غيره.\nوأكثر أحاديث الأعمش عن مجاهد مدلسة، قال أبو حاتم الرازي كما في علل الحديث (٢١١٩): الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مُدَلَّس.\nوقال نحو ذلك القطان وابن معين انظر الجرح والتعديل (١/ ٢٤١)، من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال رواية ابن طهمان (٥٩).\nوفي تاريخ الدوري عن ابن معين (٢/ ٢٣٥): «إنما سمع من مجاهد أربعة أحاديث أو خمسة».\nوقال ابن المديني كما في تهذيب التهذيب: «قال يعقوب بن شيبة في مسنده: ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات».\nوقد تبين فعلًا أن هذا الحديث قد سمعه الأعمش من أبي يحيى القتات.\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤١٤٤)، قال: حدثنا يحيى بن عيسى،\nورواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (١/ ٣٣٨)، قال: حدثنا القواريري، قال: حدثنا فضيل بن عياض، كلاهما (يحيى بن عيسى، وفضيل بن عياض)، عن الأعمش، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى أهل الأرض لأفسدت على الناس معايشهم.\nوهذا وإن كان موقوفًا فإن له حكم الرفع إلا أن علته أبو يحيى القتات، وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه في أخرى. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حجر: لين الحديث.","vol":"2","page":119},{"text":"ورأى الرسول ﷺ الحسن والحسين مقبلين في ثوبين أحمرين يتعثران، فقال: صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، ولم يتعوذ، فكان ذلك صارفًا من الوجوب إلى الاستحباب (^١).\nوقد يقال: إن الاستشهاد بآية أو آيتين من القرآن لا يأخذ حكم القرآن، كما لا تعطى كتب التفسير حكم القرآن، مع اشتمالها على آيات كثيرة منه، فهذا أولى أن لا يأخذ حكم القرآن، والله أعلم.\nومن الصوارف أيضًا، وهو قوي جدًّا، ما سوف أسوقه في الدليل التالي.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣١٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم\n_________\n(^١). الحديث رواه أحمد في المسند (٥/ ٣٥٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٧٢٩، ٣٢١٨٩) وأبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤). والنسائي في المجتبى (١٤١٣، ١٥٨٥). وفي الكبرى (١٧٤٣، ١٨٠٣)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، والبزار (٤٤٠٦)، وابن خزيمة (١٤٥٦، ١٨٠١، ١٨٠٢)، وابن حبان (٦٠٣٨، ٦٠٣٩)، والحاكم (١٠٥٩، ٧٣٩٦)، والبيهقي في السنن (٣/ ٣٠٩) و(٦/ ٢٧٣)، وفي الشعب (١٠٥٠٤)، من طرق عن الحسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه به مرفوعًا.\nولم يروه عن بريدة إلا ابنه عبد الله، ولا عن عبد الله إلا الحسين بن واقد، والحسين بن واقد حسن الحديث إلا ما يتفرد به عن عبد الله بن بريدة، فقد تكلم في ذلك الإمام أحمد.\nقال أحمد: «ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة».\nوقال عبد الله بن أحمد: «قال أبي: عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد: ما أنكرها، وأبو المنيب أيضًا، يقولون: كأنها من قبل هؤلاء».","vol":"2","page":120},{"text":"ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن حديث المسيء في صلاته اقتصر النبي ﷺ على إرشاده إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه، إلا أنه لا يعترض عليه في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إما لأنه لم يخلَّ لها، أو لأنه اقتصر على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، كما كان الناس يتكلمون في الصلاة، ثم حدث المنع بعد ذلك، وكما كان التطبيق مشروعًا حال الركوع، ثم نسخ، إنما يصح الاعتراض لو أن حديث أبي هريرة ذكر شيئًا من السنن، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين فهو من الواجبات المجمع عليها، ولم يذكر سنة واحدة، ولم يَأْتِ تشريع جديد يفيد وجوب الاستعاذة، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٢٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ.\n[أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.","vol":"2","page":121},{"text":"أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (^١).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٣٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nوقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.\nقال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٣٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن،\nعن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه، ونفثه، ونفخه.\nقال: فهمزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر (^٤).\nوليس فيه أن ذلك في قراءة القرآن فضلًا عن الصلاة.\nورواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة به،\nكان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه (^٥).\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ص: ٢٤).\n(^٢). المسند (٤/ ٨٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٩٠).\n(^٤). المصنف (٢٩١٢٣).\n(^٥). المستدرك (٧٤٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤)،.","vol":"2","page":122},{"text":"[ضعيف مرفوعًا] (^١).\n_________\n(^١). الحديث ضعيف، وفيه ثلاث علل:\nالأولى: لم يسمع أبوعبد الرحمن السلمي من ابن مسعود، قاله يحيى بن معين. المراسيل لابن أبي حاتم (٣٨٢)، الجرح والتعديل (١/ ١٣١).\nالعلة الثانية: الاختلاف على ابن أبي شيبة في لفظه، أكان التعوذ في الحديث مطلقًا دون ذكر الصلاة والقرآن، أم كان التعوذ في الصلاة؟\nفرواه عن ابن أبي شيبة مطلقًا كل من:\nالإمام أحمد كما في المسند (١/ ٤٠٤).\nوعبد الله بن أحمد كما في زوائده على المسند (١/ ٤٠٤).\nوأبي يعلى الموصلي كما في المسند (٤٩٩٤)، ثلاثتهم عن ابن أبي شيبة به، ليس فيه ذكر للصلاة، وأن هذا الذكر خاص بالتعوذ المطلق من الشيطان.\nوتابع هؤلاء: محمد بن عبد الله بن نمير كما في مسند أبي يعلى (٥٠٧٧).\nوأبو سعيد الأشج كما في تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٤٠).\nوعلي بن المنذر كما في سنن ابن ماجه (٨٠٨).\nويوسف بن عيسى المروزي كما في سنن ابن ماجه (٤٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (٤٧٢).\nويحيى بن عبد الحميد الحماني كما في الدعاء للطبراني (١٣٨١)، كلهم رووه عن ابن فضيل بما يوافق رواية ابن أبي شيبة من رواية الإمام أحمد، وابنه وأبي يعلى الموصلي بإطلاق التعوذ.\nوخالف كل هؤلاء محمد بن أيوب، فرواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل به، وزاد: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه، فهمزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه الكبرياء.\nرواه الحاكم في المستدرك (٧٤٩)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤)،، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن موسى، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأ أبو بكر بن أبي شيبة به.\n\nفجعل الاستعاذة في الصلاة، ولست أدري ممن الوهم، أهو من محمد بن أيوب، أم من الراوي عنه عبد الله بن محمد بن موسى؟ وحالهما متقاربة، وكل منهما صدوق، والله أعلم.\nوقد تابع ابن فضيل على رفع الحديث، وإطلاق التعوذ وعدم تقييده بالصلاة كل من:\nالأول: عمار بن رزيق (لا بأس به)، رواه أحمد في المسند (١/ ٤٠٣)،\nوأبو يعلى الموصلي (٥٣٨٠) حدثنا أبو خيثمة (زهير بن معاوية) كلاهما (أحمد وأبو خيثمة) قالا: حدثنا أبو الجواب الضبي (صدوق ربما وهم)، قال: حدثنا عمار بن رزيق، عن عطاء بن السائب به.\nوهذه متابعة لابن فضيل في رفعه، ولم يتكلم العلماء في سماع عمار بن رزيق من عطاء بن السائب، أكان قبل الاختلاط أم بعده، وهو قد توفي قبل الثوري، فقد يكون سماعه منه قديمًا.\nالثاني: ورقاء بن عمر بن كليب (صدوق في حديثه عن منصور لين). =","vol":"2","page":123},{"text":"* وأجيب:\nبأن إسناده منقطع، واختلف في وقفه ورفعه، والمعروف، من لفظه أن الأثر في التعوذ من الشيطان مطلق، وليس فيه أن هذا التعوذ كان بسبب قراءة القرآن، أو كان داخل الصلاة.\nالدليل السادس:\n(ح-١٣٢٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق،\nأنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من\n_________\n= رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٤)، وفي الدعوات الكبير (٣٥٥) من طريق أحمد بن أبي ظبية، حدثنا ورقاء به.\nوأحمد بن أبي ظبية: قال أبو حاتم: يكتب حديثه، الجرح والتعديل (٢/ ٦٤)، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث أكثرها غرائب، تهذيب الكمال (١/ ٣٥٩).\nووثقه الخليلي في الإرشاد (١/ ٢٧١، ٢٧٢).\nولم يذكر العلماء في سماع ورقاء من عطاء، أكان قبل الاختلاط أم بعده؟\nالعلة الثالثة: الاختلاف في رفعه ووقفه.\nفقد رواه كل من سبق، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.\nرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٣٦٩).\nوحجاج بن منهال كما في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٦٢)، كلاهما عن حماد بن سلمة به موقوفًا على ابن مسعود أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه.\nوحماد ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وليس فيه أن هذا التعوذ كان بسبب القراءة، فضلًا عن الاستدلال به في الصلاة.\nومما يؤيد رواية حماد بن سلمة أن الثوري قد رواه عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله موقوفًا، قال: همزه: المؤتة، يعني: الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٥٨١)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٢) ح ٩٣٠٣، عن الثوري به.","vol":"2","page":124},{"text":"الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه (^١).\nورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه).\n[ضعيف] (^٢).\nفالأحاديث التي استشهد بها الجمهور على مشروعية الاستعاذة، وإن كانت آحادها ضعيفة، فإنه قد يشهد بعضها لبعض، خاصة أن الاستعاذة للقراءة مشروعة بالاتفاق، وهو نص الكتاب العزيز، والقراءة داخل الصلاة فرد منها، فكانت الاستعاذة بالصلاة من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو مذهب الشافعية والحنابلة خلافًا لمحمد بن الحسن.\n* دليل من قال: الاستعاذة واجبة:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nفأمر بالاستعاذة، والأصل في الأمر الوجوب.\n* ونوقش:\nبأن الأمر المجرد في دلالته على الوجوب نزاع مشهور عند الأصوليين، والراجح أنه للوجوب مع القول بأنه يُصْرَفُ عن الوجوب لأدنى صارف، وقد ذكر أصحاب القول الأول قرائن تصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب.\nالدليل الثاني:\nأن النبي ﷺ واظب عليها، فيكون واجبًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n_________\n(^١). أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣). ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ١٢١).\n(^٢). ورواه أحمد أيضًا (٥/ ٢٥٣)، قال: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه أنه، سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان نبي الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات، ثم قال: لا إله إلا الله، ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.\nوهذا الحديث ضعيف، في إسناده رجل مبهم.","vol":"2","page":125},{"text":"* ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن المواظبة على الفعل لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي ﷺ واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كراتبة الفجر، وسنة الوتر.\nالوجه الثاني:\nأن النبي ﷺ لم يأمر بها المسيء في صلاته، فكان ذلك دليلًا على أن المواظبة لا يستفاد منها الوجوب؛ إذ لو كانت واجبة لأمره بها.\nالدليل الثالث:\nأن الله تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم؛ لأن قوله: فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم مشعر بذلك، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة.\n* ويناقش:\nبأن الاستعاذة لدفع الوسوسة المنافي لكمال الخشوع، وحضور القلب، وهذا لا يقتضي بأن يصل الأمر إلى الوجوب.\n* دليل من فرق بين المأموم وبين الإمام والمنفرد:\nأن التعوذ تبع للقراءة، والمأموم لا قراءة عليه، فإذا سقطت القراءة سقطت الاستعاذة؛ لأنها تبع لها.\n* ويناقش:\nسقوط القراءة عن المأموم محل خلاف، فمنهم من قال: تسقط القراءة مطلقًا، ومنهم من قال: لا تسقط مطلقًا، ومنهم من قال: تسقط فيما يجهر به الإمام، وهو قول وسط، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى.\n* دليل من قال: لا يتعوذ في الفريضة ويتعوذ في النافلة:\nالدليل الأول:\nلم تثبت الاستعاذة بالصلاة، ولا يقال: إن عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. متناول له؛ لأنه قد نقل فعله ﵇ في الصلاة، ولم","vol":"2","page":126},{"text":"ينقل فيه استعاذة، فيكون ذلك مخصصًا للآية (^١).\n* ويناقش:\nبأن الأحاديث الواردة في الاستعاذة، وإن كانت ضعيفة في آحادها، ولكن مجموعها صالح للاحتجاج، ولم ينقل من صريح السنة ما يعارضها حتى يصح القول بعدم الاعتبار بها، غاية ما تدل عليه بعض الأحاديث الصحيحة أنها لم تنقل الاستعاذة، وعدم النقل ليس نقلًا للعدم، فلا يعارض به عموم الآية، فالعام حجة في تناول جميع أفراده حتى يأتي دليل على تخصيصه، ولا يوجد، فكيف إذا جاءت أحاديث كثيرة، وإن كان في أسانيدها كلام خفيف تؤيد هذا العموم، وتتفق معه في مشروعية التعوذ.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٢٤) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nدل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بالحمد لله رب العالمين، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالاستفتاح، ولا بالاستعاذة.\nوقد ناقشت دلالة هذا الحديث على سقوط دعاء الاستفتاح، والمناقشة نفسها واردة على الاستدلال بهذا الحديث على سقوط الاستعاذة، فانظرها هناك منعًا للتكرار، وفقك الله.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٢٥) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع\n_________\n(^١). انظر التوضيح للخليل (١/ ٣٣٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٤٣).","vol":"2","page":127},{"text":"بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (^١).\nولم ينقل أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض.\nالدليل الرابع:\nأن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي (^٢).\n* ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nلا نسلم أن عمل أهل المدينة ترك التعوذ، فإن عمر بن الخطاب قد جهر بالاستفتاح والتعوذ في الفرض في مصلى النبي ﷺ،\n(ث-٣٠٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال:\nسمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ.\n[ذكر التعوذ ليس محفوظًا] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). الذخيرة (٢/ ١٨١).\n(^٣). رواه حصين واختلف عليه في ذكر التعوذ:\nفرواه ابن فضيل، واختلف عليه في إسناده:\nفرواه الدارقطني (١١٤٦) من طريق هارون بن إسحاق، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن أبي وائل (شقيق بن سلمة)، عن الأسود بن يزيد به، بذكر التعوذ.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٥٦) حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود به، بذكر التعوذ، فذكر سفيان بدلًا من أبي وائل، فإن لم يكن ذكر سفيان خطأ من النساخ، فهذا اختلاف على ابن فضيل في إسناده.\nورواه هشيم، عن حصين، عن أبي وائل، عن الأسود به، وليس فيه ذكر التعوذ.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٨٧)،\nوالدارقطني في السنن (١١٤٦) من طريق الحسن (هو ابن عرفة صدوق)، كلاهما عن هشيم به.\nكما رواه إبراهيم عن الأسود، وليس فيه ذكر التعوذ. =","vol":"2","page":128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ... رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٨٩، ٢٤٠٤) أخبرنا وكيع.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٠٤)، والدارقطني في السنن (١١٤٤)، عن أبي معاوية،\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٢) من طريق ابن نمير، ثلاثتهم (وكيع، وأبو معاوية، وابن نمير) عن الأعمش به، دون ذكر التعوذ.\nورواه ابن أبي شيبة أيضًا (٢٣٩٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٥٥٧) من طريق منصور، ورواه ابن الجعد في مسنده (١٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨) من طريق الحكم، ثلاثتهم (الأعمش، ومنصور، والحكم) عن إبراهيم النخعي، عن الأسود به دون ذكر التعوذ.\nورواه الحاكم في المستدرك (٨٦٠) من طريق يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن الأسود به، فإن لم يكن هناك سقط في الإسناد فإن الأعمش قد دلسه، وإنما سمعه من إبراهيم، عن الأسود، كما هي رواية الجماعة عنه، والله أعلم. وانظر إتحاف المهرة (١٥١٧٠).\nورواه حفص بن غياث عن الأعمش، واختلف على حفص:\nفرواه نعيم بن حماد، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود به، بذكر التعوذ.\nونعيم بن حماد لخص الذهبي حاله في ميزان الاعتدال (٤/ ٢٦٧): أحد الأئمة الأعلام على لِينٍ في حديثه. اهـ\nوتابعه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٥٥)، فرواه عن حفص به، بذكر التعوذ، بلفظ: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).\nوخالفهما هارون بن إسحاق كما في سنن الدارقطني (١١٥٣)،\nوعمر بن حفص بن غياث كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٥٦) فروياه عن حفص به، ولم يذكرا التعوذ.\nوهذا موافق لكل من رواه عن الأعمش، كأبي معاوية، ووكيع، وابن نمير، وأبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، والله أعلم.\nوخالف كل من سبق عبد الله بن عون، فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر.\nرواه الدارقطني في السنن (١١٤٥) من طريق الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، عن عبد الله بن عون به،\nورواه القاسم بن سلام في الطهور (٩٦) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٠) أخبرنا وكيع، كلاهما عن ابن عون، عن إبراهيم به، وقد يكون لإبراهيم النخعي فيه شيخان.\nفقد جمعهما أبو معشر (زياد بن كليب ثقة) فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عمر.\nرواه الدارقطني في السنن (١١٥١) من طريق يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨) من طريق محمد بن بكر البرساني، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود عن عمر، ولم يذكر التعوذ.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٦) من طريق عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، =","vol":"2","page":129},{"text":"الجواب الثاني:\nبأن مذهب مالك الذي يبينه المحققون من أصحابه كأبي الوليد الباجي وغيره ﵏ أنه يرى الاحتجاج بعمل أهل المدينة فيما كان الأصل فيه النقل المستفيض، كنقلهم الصاع، والمد، وأنه ﵇ كان يأخذ بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة، وكالوقوف والأحباس، وكنقلهم موضع قبر النبي ﷺ، ومكان مسجده ومكان\n_________\n= قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله: علقمة والأسود به، بذكر بعضه مختصرًا، وهذه متابعة لأبي معشر في إسناده.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٤)، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل به، وليس فيه ذكر التعوذ.\nورواه مسلم (٥٢ - ٣٩٩) من طريق عبدة بن أبي لبابة، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. ولم يذكر التعوذ.\nقال أحمد: عبدة بن أبي لبابة لم يدرك عمر، وإنما لقي ابنه عبد الله بن عمر، حكاه الميموني عن الإمام أحمد كما في تهذيب الكمال (١٨/ ٥٤٣).\nكما رواه عمرو بن ميمون، أنه صلى مع عمر الفجر بذي الحليفة، وهو يريد مكة، فقال حين كبر: سبحانك اللهم وبحمدك ... وليس فيه ذكر التعوذ.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٠٠)، وابن الجعد في مسنده (١٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٢)، بسند صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٣٩٢) من طريق حكيم بن جابر، عن عمر بإسناد صحيح، وليس فيه ذكر التعوذ.\nورواه عمر بن شيبة، واختلف عليه:\nفرواه الدارقطني في السنن (١١٤٣) من طريق يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله، وليس فيه ذكر التعوذ.\nوخالفه عبد الرحمن بن عمر بن شيبة كما في سنن الدارقطني (١١٤٢)، فرواه عن أبيه، عن نافع به مرفوعًا بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإذا تعوذ، قال: أعوذ بالله من همز الشيطان، ونفخه، ونفثه. وصحح الدارقطني الموقوف.\nقال في السنن (٢/ ٦٠): رفعه هذا الشيخ عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي ﷺ، والمحفوظ عن عمر من قوله، كذلك رواه إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عمر، وكذلك رواه يحيى بن أيوب، عن عمر بن شيبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله، وهو الصواب.","vol":"2","page":130},{"text":"منبره، ولا يكون حجة فيما كان الأصل فيه الاجتهاد كهذه المسألة (^١).\n* دليل من قال: الاستعاذة مرة واحدة في عمره فرض:\nهذا القول بناه صاحبه على أن الأصل في الأمر لا يقتضي التكرار، ومنه الأمر بالاستعاذة بالآية الكريمة، فإذا استعاذ مرة واحدة، ولو خارج الصلاة فقد امتثل الأمر.\n* ويجاب عنه:\nبأن الأمر لا يقتضي التكرار هذا إذا لم يكن معلقًا على شرط، أو مقيدًا بوصف، فإن علق على شرط كالأمر بالاستعاذة، أو قيد بوصف كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، وكانت القراءة والسرقة علة للأمر، فمقتضاه التكرار بتكرر ما قيد به، والتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الأمر نفسه (^٢).\nكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦].\nوقوله ﷺ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول.\n* الراجح:\nأن التعوذ سنة، وهو مشروع من أجل القراءة، لا من أجل الصلاة، فإذا فاتت القراءة على المسبوق وأدرك مقدار التعوذ لم يتعوذ إلا أن يقرأ، ولو تركه متعمدًا لم تبطل صلاته حتى على القول بوجوبه؛ لأن وجوبه ليس مختصًّا بالصلاة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر: إحكام الفصول للباجي (ص: ٤٨٠)، شرح تنقيح الفصول (ص: ٣٣٤)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ٢٥٠).\n(^٢). انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ١٦١)، أصول السرخسي (١/ ٢٠).","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>المبحث الثاني في صفة الاستعاذه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأحاديث الواردة في صفة الاستعاذة في الصلاة لا يصح منها حديث، وما صح منها خارج الصلاة ليس فيها ما يدل على قصر الاستعاذة على هذه الصفة.\n* قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ ليس نصًّا في استحباب صيغة معينة، وإنما هو أمر مطلق بالاستعاذة.\n* إذا لم نؤمر بصيغة معينة كان ذلك دليلًا على السعة.\n* المطلوب الاستعاذة بالله أو بأي اسم من أسمائه من الشيطان الرجيم، فأي لفظ كان فقد تحقق المراد.\n* تنوع صيغ الاستعاذة في القرآن والسنة دليل على السعة في الأمر، قال تعالى عن امرأة عمران: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُون﴾.\nوقال عن مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ﴾.\nوقال عن موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم﴾ وفي آية أخرى: ﴿أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ وجاء في السنة: أعوذ بكلمات الله التامات، وجاء أيضًا: أعوذ بك من شر نفسي وشرِّ الشيطان وشركه.\n[م-٥٢٧] ذهب أكثر الفقهاء إلى أن التعوذ يحصل بكل لفظ يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان خلافًا لابن حزم حيث قال بوجوب: أعوذ بالله","vol":"2","page":132},{"text":"من الشيطان الرجيم في هذا المحل، واختلف الجمهور في المختار (^١).\nفقيل: المستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو ظاهر مذهب الحنفية، اختاره أكثرهم، وهو مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة، واختاره أكثر القراء، منهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله بن كثير المكي (^٢).\nوقال ابن قدامة: «وصفة الاستعاذة: أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨] (^٣).\n* أدلة الجمهور:\nالدليل الأول:\nأن هذه الصيغة هي نص الكتاب، لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ\n_________\n(^١). قال الشافعي في التفسير (١/ ١٨٧): «وأي كلام استعاذ به أجزأه».\nوانظر: روضة الطالبين (١/ ٢٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٥)، إحكام الأحكام (١/ ٣١١)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، المحلى، مسألة (٣٦٣).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٠): «وكيف تعوذ فحسن»،\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٤٣): «وكيفما استعاذ فحسن».\n\nوفي شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧): «وتحصل الاستعاذة بكل ما أدى معناها ....».\nوقال في الإنصاف (٢/ ٤٧)، وفي الإقناع (١/ ١١٥): وكيفما تعوذ من الوارد فحسن».\nفجعل التخير مقيدًا بالوارد، وهل قصد الوارد في الصلاة، أو الوارد في القراءة مطلقًا، أو الوارد في الاستعاذة من الشيطان، ولو في غير الصلاة، لم يبين، وعبارة ابن مفلح وابن قدامة وشرح منتهى الإرادات أوسع، وأصوب خاصة إذا علمنا أن الوارد في الصلاة لا يصح منه شيء، والوارد في القرآن مطلق، وله صيغ والله أعلم.\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٢٨)، مراقي الفلاح (ص: ٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٢)، تفسير الإمام الشافعي (١/ ١٨٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٤)، المجموع (٣/ ٣٢٥)، تفسير الماوردي النكت والعيون (١/ ٤٢)، تفسير الرازي (١/ ٦٨)، المحلى مسألة (٣٦٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٠)، الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٦)، المغني (١/ ٣٤٣)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، الإقناع (١/ ١١٥)، كشاف القناع (١/ ٣٣٥).\n(^٣). المغني (١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":133},{"text":"الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nفقول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم مقتضى الامتثال لقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨] ..\nفهذه الصيغة وردت في قراءة القرآن، وغيرها من ألفاظ الاستعاذة الأخرى إما ورد مطلقًا، أو ورد في الاستعاذة من نزغ الشيطان، ولم يرد في قراءة القرآن، وما ورد في السنة مخالفًا لهذه الصيغة فلم يصح منه حديث، كحديث جبير بن مطعم، وحديث أبي سعيد، وغيرهما من الأحاديث، لهذا كانت هذه الصيغة مقدمة على غيرها.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٢٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عدي بن ثابت، حدثنا سليمان بن صُرَدٍ، قال:\nاسْتَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مُغْضَبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ: إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ؟ قال: إني لست بمجنون (^١).\nالدليل الثالث:\n(ث-٣٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، قال:\nافتتح عمر الصلاة، ثم كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين (^٢).\n[رواه أبو معاوية ووكيع وابن نمير عن الأعمش دون ذكر التعوذ، وهو المحفوظ] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦١١٥)، وصحيح مسلم (١١٠ - ٢٦١٠).\n(^٢). المصنف (٢٤٥٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٠٢).","vol":"2","page":134},{"text":"الدليل الرابع:\n(ث-٣٠٥) روى حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق، قال: أنبأ محمد بن بكر، قال: حدثنا ابن جريج، قال:\nقلت لنافع: كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ فقال: كان ابن عمر يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم (^١).\n[رجاله ثقات إلا محمد بن بكر بن عثمان فإنه صدوق يخطئ] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٣٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nوقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.\nقال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nالدليل السادس:\nولأن المصلي لو قال: أعوذ بالله السميع العليم يكون فاصلًا بين التعوذ وبين القراءة، وينبغي أن تكون القراءة متصلة بالتعوذ (^٥).\n_________\n(^١). مسائل حرب الكرماني ت السريع (٧٩٦).\n(^٢). تفرد به محمد بن بكر بن عثمان، قال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ محله الصدق. الجرح والتعديل (٧/ ٢١٢).\nووثقه يحيى بن معين وأبو داود. تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٣٠).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب (٣/ ٥٢٢).\nوفي التقريب: صدوق قد يخطئ.\n(^٣). المسند (٤/ ٨٥).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٩٠).\n(^٥). المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٥/ ٣١٦).","vol":"2","page":135},{"text":"وهذا الكلام ليس بشيء، لأن السميع العليم صفة ذاتية لله، فهي عين الموصوف، فليست فاصلة بينهما، وكيف تكون فاصلة والجار والمجرور بعدها متعلق بالفعل أعوذ، ولولا أن بعض الحنفية ذكروه ما عرجت عليه.\nوقيل: المختار أن يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، اختاره بعض الحنفية، وبعض الحنفية خَيَّرَ بين هذه الصيغة والصيغة السابقة (^١).\nقال صاحب الهداية: «والأولى أن يقول: أستعيذ بالله؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه: أعوذ بالله» (^٢).\nيقصد بالموافقة أن الآية جاءت بلفظ: (فاستعذ) بصيغة الأمر من الاستعاذة، (وأستعيذ) مضارعها، فيتوافقان لفظًا، بخلاف (أعوذ)، فإنه من العوذ، لا من الاستعاذة (^٣).\nورده ابن الهمام، وغيره، فقالوا: بأن لفظ (استعذْ) أي اطلب العوذة، ومقتضى الامتثال (أعوذ)، أما قربه من لفظه فمهدر (^٤).\nولا أرى حرجًا أن يقول المستعيذ: أستعيذ بالله: فإن المعنى أطلب منه أن يعيذني، فإن السين والتاء دالة على الطلب، فقوله: أستعيذ بالله: أي أطلب العياذ به، كما إذا قلت: أستخير الله: أي أطلب خيرته، وأستغفره: أي أطلب مغفرته، وأستقيله: أي أطلب إقالته، فإذا قال المأمور: أعوذ بالله: فقد امتثل ما طلب منه؛ لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام، وإذا قال: أستغفر الله، فإن المعنى: أطلب من الله أن يغفر لي، وإذا قال: أستعيذ بالله: أي أطلب منه أن يعيذني، والله أعلم (^٥).\nوقيل: الصفة المستحبة الجمع بين آية التعوذ للقراءة وآية التعوذ من نزغ الشيطان على خلاف بينهم في صيغة الجمع\n_________\n(^١). الهداية شرح البداية (١/ ٤٩)، البحر الرائق (١/ ٣٢٨)، النهر الفائق (١/ ٢٠٩)، مراقي الفلاح (ص: ٩٧)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٦٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٠)، المحيط البرهاني (١/ ٣٥٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥١).\n(^٢). الهداية شرح البداية (١/ ٤٩).\n(^٣). انظر: البحر الرائق (١/ ٣٢٨).\n(^٤). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٩١)، مجمع الأنهر (١/ ٩٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩).\n(^٥). انظر التفسير القيم لابن القيم (ص: ٦٠٤).","vol":"2","page":136},{"text":"* واستدلوا لذلك بأدلة منها:\nالدليل الأول:\nوردت الاستعاذة في القرآن بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nفهذه إحدى الصفتين:\nووردت الاستعاذة من نزغ الشيطان بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾، [فصلت: ٣٦].\nوبقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [الأعراف: ٢٠٠].\nفاستحب الجمع بينهما في الاستعاذة، فبعضهم رأى الجمع بينهما بلفظ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وهو وجه في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، واختارها الحسن البصري (^١).\nوبعضهم رأى الجمع بينهما بلفظ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وهو رواية عن أحمد، وجزم به في الهداية والمستوعب، واختاره ابن أبي موسى من الحنابلة، وحكاه إسحاق عن مسلم بن يسار، وبه قال الثوري (^٢).\nوقال المازري في شرح التلقين: «وقال بعض أصحابنا في صفة التعوذ: أعوذ\n_________\n(^١). روى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٩١) عن هشام بن حسان، قال: كان الحسن يستعيذ مرة في صلاته قبل أن يقرأ فاتحة الكتاب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وسنده صحيح.\nوانظر: فتح العزيز (٣/ ٣٠٥)، المجموع (٣/ ٣٢٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٠)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٣٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٣)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٤٣)، كشاف القناع (١/ ٣٣٥)، المحرر في الفقه (١/ ٥٣)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٤٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٢٧).\n(^٢). مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (ص: ١٣١)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٢)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٤٣)، الإنصاف (٢/ ٤٧)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٤٦)، مسائل حرب الكرماني ت السريع (ص: ٣٨٨)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٨٣).","vol":"2","page":137},{"text":"بالله العظيم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم» (^١).\nوبعضهم رأ ى الجمع بصيغة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم، وهذا القول رواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه (^٢).\n(ث-٣٠٦) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس،\nعن أبيه أنه كان يقول: رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم (^٣).\n[صحيح].\nوكل هذه الصيغ استندت في الاستدلال على الجمع بين آية التعوذ للقراءة، وآية التعوذ من نزغ الشيطان.\n* ونوقش:\nقال النووي جوابًا عن ذلك: إن الآية ليست بيانًا لصفة الاستعاذة بل أمر الله تعالى بالاستعاذة، وأخبر أنه سميع عليم فهو حث على الاستعاذة (^٤).\nقلت يؤيده أنه قال في آية أخرى: فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير [غافر: ٥٦].\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٢٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن جعفر بن سليمان، عن علي ابن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يهلل ثلاثًا، ويكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.\n[ضعيف] (^٥).\nوقيل: يتخير بين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله السميع العليم،\n_________\n(^١). شرح التلقين (١/ ٥٧٣).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٤٧، ٤٨).\n(^٣). المصنف (٢٥٧٨).\n(^٤). انظر: المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٢٦).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر (ص: ٢٤).","vol":"2","page":138},{"text":"وهذا منقول عن ابن عمر ﵄.\n(ث-٣٠٧) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن نافع،\nعن ابن عمر كان يتعوذ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (^١).\n[رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ولم يذكر فيه: (أعوذ بالله السميع العليم)] (^٢).\n* الراجح:\nأن قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾ ليس نصًّا في استحباب صيغة معينة، وإنما هو أمر للعبد بالاستعاذة بالله، وإذا لم نؤمر بصيغة معينة يكون ذلك دليلًا على السعة، فإن استعاذ بقوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وعلى ذلك أكثر الفقهاء والقراء، فذلك الأحسن، وإن اختار صيغة أخرى كأعوذ بالله السميع العليم فذلك حسن، ولذلك ورد عن ابن عمر أنه كان يستعيذ بقوله: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، ولو كُلِّفْنَا صيغة معينة لجاءت النصوص صحيحة صريحة تقوم بها الحجة على الخلق، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المصنف (٢٤٥٧).\n(^٢). رواه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٧٨)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٨٧)، عن ابن جريج، قال: سألت نافعًا مولى ابن عمر هل تدري كيف كان ابن عمر يستعيذ؟ قال: كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم.","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثالث في محل الاستعاذه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* محل الاستعاذة توقيفي، متلقى من الشارع.\n* الأمر بالاستعاذة متعلق بإرادة قراءة القرآن، فلا معنى للاستعاذة بعد القراءة.\n* إذا كانت الاستعاذة على الصحيح للقراءة من أجلها، كانت قبل القراءة متصلة بها، كالاستعاذة خارج الصلاة عند قراءة القراءة.\n* القول بأن الاستعاذة بعد القراءة نزعة ظاهرية.\n* صفة الصلاة تُلُقِّيَتْ بالنقل العملي، (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فصلى الصحابة كما رأوا رسول ﷺ يصلي، وصلى التابعون كما رأوا الصحابة يصلون، ونقلت إلينا نقلًا عمليًّا جيلًا بعد جيل، وهذا النقل أقوى من الإسناد الذي قد يتطرق إليه الوهم فلا تغلبنكم النزعة الظاهرية على أحكام صلاتكم.\n[م-٥٢٨] اختلف الفقهاء في محل الاستعاذة:\nفاختار عامتهم أنه يستعيذ بعد الاستفتاح وقبل القراءة، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة على خلاف بينهم في الاستعاذة: أهي مشروعة في الصلاة من أجلها، أم من أجل القراءة؟ (^١).\n_________\n(^١). قال في البحر الرائق (١/ ٣٢٩): «محل التعوذ بعد الثناء، ومقتضاه: أنه لو تعوذ قبل الثناء أعاده بعده؛ لعدم وقوعه في محله، وإلى أنه لو نسي التعوذ، فقرأ الفاتحة، لا يتعوذ؛ لفوات المحل، وقيدنا بقراءة القرآن ... وظاهره: أن الاستعاذة لم تشرع إلا عند قراءة القرآن».\n\nوانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٢٩١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، البحر الرائق (١/ ٣٢٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩)، الأم (١/ ١٢٩)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٢)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٤)، المجموع (٣/ ٣٢٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٦)، المغني (١/ ٣٤٣)، كشاف القناع (١/ ٣٢٥)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٩٩)، الفروع مع تصحيح الفروع (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، دليل الطالب (ص: ٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧، ٢٦٣).","vol":"2","page":140},{"text":"فمن قال: الاستعاذة للقراءة، كانت مشروعة للإمام والمنفرد في هذا الموضع، وأما المأموم، فمن رأى أن الإمام يتحمل القراءة عنه، قال: لا يستعيذ: إما مطلقًا، أو لا يستعيذ في الجهرية مطلقًا؛ أو في الجهرية بشرط أن يسمع قراءة الإمام، فإن لم يسمعه لبعد أو لطرش تعوذ، وكلها أقوال قيل بها.\nومن قال: إن الإمام لا يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا، قال: يستعيذ في الصلاة السرية والجهرية كالإمام والمنفرد.\nوسوف يأتينا حكم الاستعاذة في الصلاة الجهرية، وحكم قراءة الفاتحة للمأموم إن شاء الله تعالى.\n* والدليل على أن الاستعاذة للقراءة:\nأن الله أمر بها في كتابه عند إرادة القراءة، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ﴾، [النحل: ٩٨].، فكان علة الأمر بالاستعاذة هو إرادة القراءة.\nوكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كحديث جبير بن مطعم وسبق تخريجه، وحديث أبي سعيد الخدري، وسبق تخريجه، وأثر عمر ﵁، وسبق تخريجه، وغيرها فإنها كلها متفقة على أن الاستعاذة بعد الافتتاح، وقبل القراءة، ولو كان التعوذ من أجل الصلاة لاستعاذ قبل الافتتاح؛ لأن الافتتاح جزء من الصلاة، ولأن من استعاذ مع ابتداء الصلاة دخلت القراءة تبعًا، بخلاف الاستعاذة عند القراءة، فظاهر أن المقصود بالاستعاذة هو القراءة، والله أعلم.\nومن قال: إن الاستعاذة من أجل الصلاة؛ لدفع وسوسة الشيطان، أو من أجلها ومن أجل القراءة، رأى أن المأموم يستعيذ، ولو كان لا يقرأ (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢، ٢٠٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩١)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٦٨).","vol":"2","page":141},{"text":"لأن الاستعاذة إن كانت لدفع الوسوسة، فهي ترد على الصلاة كما ترد على القراءة، والمصلي بحاجة إلى الاستعاذة بالله من شر الشيطان ووسوسته.\n(ح-١٣٢٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يَدرِ ثلاثًا صلى أو أربعًا، سجد سجدتي السهو (^١).\nوقال أبو يوسف من الحنفية: إن التعوذ تبع للثناء يعني بالثناء دعاء الاستفتاح، وليس تبعًا للقراءة خلافًا لصاحبيه (^٢).\nلأنه نوع من الدعاء فهو أشبه بدعاء الافتتاح، لكونه يأتي بعده متصلًا به، ويأخذ حكمه في عدم وجوبه، وعدم الجهر به.\nوقيل: يتعوذ بعد القراءة، وهو قول داود، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين، والنخعي، ونسب لأبي هريرة، وحكي قولًا في مذهب المالكية.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٢٨٥)، وصحيح مسلم (٨٣ - ٣٨٩)، واللفظ للبخاري.\nورواه البخاري (٦٠٨)، ومسلم (١٩ - ٣٨٩)، من طريق الأعرج، عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (١٦ - ٣٨٩)، من طريق الأعمش،\nورواه أيضًا (١٧ - ٣٨٩) من طريق سهيل بن أبي صالح السمان، كلاهما (الأعمش وسهيل) عن أبي صالح السمان.\nورواه مسلم أيضًا (٢٠ - ٣٨٩)، من طريق معمر، عن همام بن منبه، كلاهما (أبو صالح وهمام) عن أبي هريرة.\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢، ٢٠٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩١).\nقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٢٨): التعوذ سنة القراءة ... وهو قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف: هو تبع للثناء. ... وفائدة الخلاف في ثلاث مسائل:\nإحداها: أنه لا يأتي به المقتدي عندهما؛ لأنه لا قراءة عليه ويأتي به عنده؛ لأنه يأتي بالثناء، ثانيتها: أن الإمام يأتي بالتعوذ بعد تكبيرات الزوائد في الركعة الأولى عندهما (يعني بتكبيرات الزوائد: تكبيرات العيد) ويأتي به الإمام والمقتدي بعد الثناء قبل التكبيرات عنده.\nثالثتها: أن المسبوق لا يأتي به للحال ويأتي به إذا قام إلى القضاء عندهما، وعنده يأتي به مرتين عند الدخول بعد الثناء، وعند القراءة ...».","vol":"2","page":142},{"text":"وما نسب لأبي هريرة إن صح عنه، وابن سيرين يحتمل التأويل (^١).\n(ث-٣٠٨) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب،\nعن محمد أنه كان يتعوذ قبل قراءة فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول في تعوذه: أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون (^٢).\n[صحيح].\nفيحتمل أن يكون تعوذه بعد الفاتحة ليس من أجل الفراغ من الفاتحة، وإنما أعاد التعوذ اجتهادًا منه لقراءة ما تيسر من القرآن، فجعل الاستعاذة في حكم البسملة، يكررها بتكرار القراءة، والله أعلم.\nونقل الرازي في تفسيره قولًا آخر، فقال: «أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتضى القرآن جمعًا بين الدليلين بقدر الإمكان» (^٣).\nوهذا يصح لو كانت دلالة القرآن أنه يستعيذ بعدها.\nوقال مالك: يتعوذ قبل الإحرام حتى لا يكون بعد الإحرام ذكر إلا القراءة،\n_________\n(^١). روى الشافعي في الأم (١/ ١٢٨): أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعد بن عثمان، عن صالح ابن أبي صالح، أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم. في المكتوبة وإذا فرغ من أم القرآن.\nفإذا لم يكن عن أبي هريرة إلا هذا الإسناد فلا يثبت عنه، فإن هذا الإسناد ضعيف جدًّا، فيه شيخ الشافعي إبراهيم بن محمد، كل بلاء فيه.\nأما القول عن النخعي، فقد روى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٩٣)، عن علي، عن حماد، عن إبراهيم أنه كان يستعيذ بعد فاتحة الكتاب، قال حماد: وكان سعيد بن جبير يستعيذ قبلها.\nولم يتبين لي من هو (عَلِيٌّ) الراوي عن حماد.\nوانظر: الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٨٢)، تفسير البغوي ط طيبة (٥/ ٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٢)، المجموع (٣/ ٣٢٥)، تفسير الرازي (١/ ٦٦)، أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (٥/ ١٢)، المحلى (٢/ ٢٨٠، ٢٨١).\n(^٢). مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٥٩)، ورواه عبد الرزاق (٢٥٩٠) عن معمر، عن أيوب به.\n(^٣). تفسير الرازي (١/ ٦٧).","vol":"2","page":143},{"text":"حكاه الماوردي عن مالك، ولم أقف عليه في كتب المالكية (^١).\n* دليل من قال: يستعيذ بعد القراءة:\nالدليل الأول:\nاستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nدلت الآية أن قراءة القرآن شرط، وذكر الاستعاذة جزاء، والجزاء متأخر عن الشرط، فكان ظاهر الآية يقتضي أن تكون الاستعاذة بعد القراءة، كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣].\n* ويناقش:\nبأن قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ يحتمل: إذا أردت قراءته، كما في قوله تعالى ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، وحديث أنس: كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، أي إذا أراد دخوله.\nوكقول القائل: إذا قلت فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام، والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ذلك.\nويحتمل: إذا فرغت من القراءة، كما يفيده الفعل الماضي (قرأت).\nويحتمل المقارنة، كما في قوله ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا: أي مع تأمينه، كما يبينه حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين. والله أعلم.\nفإذا كانت الاستعاذة لدفع شر الوسوسة في أثناء القراءة تعين حملها على المعنى الأول: أي إذا أردت القراءة، وهو قول عامة أهل العلم.\nقال ابن العربي: «انتهى العي بقوم أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من قراءة القرآن حينئذٍ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم» (^٢).\nالدليل الثاني:\nأن القارئ كان في عبادة، فربما دخله عُجْبٌ أو رِيَاءٌ، وهما من الشيطان، فأمر بالتعوذ منه للسلامة من تسويله.\n_________\n(^١). الحاوي الكبير (٢/ ١٠٢).\n(^٢). أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٥٧).","vol":"2","page":144},{"text":"* ويناقش:\nبأن هذا التعوذ عارض لا يشرع إلا عند سببه، فإذا شعر القارئ مثل ذلك تعوذ بعد العبادة، كما في التعوذ من وسوسة الشيطان إذا ورد على المصلي في أثناء الصلاة.\n* الراجح:\nالاستعاذة تارة ترد لدفع وسوسة تعرض لها المصلي في صلاته، فهذه محلها أن يستعيذ حين يشعر المسلم بتلك الوسوسة في أي موضع من صلاته.\nوأما الاستعاذة المشروعة لكل صلاة فمحلها بعد الافتتاح وقبل القراءة، وسواء أكانت الاستعاذة للقراءة أم للصلاة، فإن المسلم مطلوب منه الامتثال، بأن يستعيذ في هذا الموضع، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الرابع في الجهر بالاستعاذة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجهر في أذكار الصلاة مختص بالقرآن والتكبير، والاستعاذة ليست منهما بالاتفاق.\n* الجهر والإسرار من صفات الصلاة القائمة على التوقيف ولا دخل للقياس فيها.\n* الاستعاذة للقراءة إن كانت خارج الصلاة جهر بها، وإن كانت داخل الصلاة أَسرَّ بها، والتعليل الامتثال، ولا دخل للقياس فيه.\n* قياس الاستعاذة على التأمين لا يصح، ولا حاجة للقياس في مسألة تتكرر في عهد النبي ﷺ كل يوم خمس مرات.\n* اضطرار المجتهد إلى القياس في مسألة الجهر بالاستعاذة دليل على عدم وجود نصوص يعتمد عليها في المسألة.\n[م-٥٢٩] لا يجهر بالاستعاذة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والأرجح عند الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (^١).\nوكره مالك في العتبية الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان، وهو أحد القولين في مذهب المالكية (^٢).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، البحر الرائق (١/ ٣٢٨)، مجمع الأنهر (١/ ٩٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩)، المبسوط (١/ ١٣)، المجموع (٣/ ٣٢٤، ٣٢٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٥)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٣)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٢)، المغني (١/ ٣٤٣)، الفروع (٢/ ١٦٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨).\n(^٢). تقدم لنا أن الإمام مالكًا لا يرى الاستعاذة في الفريضة، وإنما جوز الاستعاذة في قيام رمضان، انظر: النوادر والزيادات (١/ ٥٢٣)، البيان والتحصيل (١/ ٤٩٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٦)، تفسير ابن عرفة (١/ ٦٥، ٦٦).","vol":"2","page":146},{"text":"وقيل: يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، وهو قول للشافعية في مقابل الأصح، وجوز مالك الجهر بها في قيام رمضان، وهو ظاهر المدونة (^١).\nوقال الشافعي في الأم: «أيهما فعل أجزأه» (^٢)، وفهم أصحابه منها التخيير بينهما.\nوقال ابن أبي ليلى: «الإسرار والجهر سواء، هما حسنان» (^٣).\n* دليل من قال: لا يجهر بالاستعاذة:\nالدليل الأول:\nقال ابن تيمية: «لم يَنْقُل أحدٌ عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة» (^٤).\nوقال السرخسي: «الجهر بالتعوذ لم يُنْقَل عن رسول الله ﷺ، ولو كان يجهر به لنقل نقلًا مستفيضًا» (^٥).\nوقال ابن قدامة: «ولا يجهر بها -يعني الاستعاذة- لا أعلم فيه خلافًا» (^٦).\nوإذا لم يصح الإجماع فإنه يدل على أنه قول أكثر الأمة.\nالدليل الثاني:\nأن الإسرار بها عمل الخلفاء الراشدين، إلا أن يجهر لعارض كما لو جهر بقصد التعليم، أما أن يجهر بها على سبيل الدوام فاعتبر ابن تيمية ذلك بدعة في العبادة.\n_________\n(^١). جاء في البيان والتحصيل (١/ ٤٩٦) تعليقًا على ما جاء في العتبية: «قال محمد بن رشد: كراهة الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان خلاف قوله في المدونة».\nوجاء في شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢١٨): «في جواز الجهر بالتعوذ وكراهته قولان .... ظاهر المدونة ... جواز الجهر، وفي العتبية كراهة الجهر».\nوجاء في المدونة (١/ ١٦٣): «قال مالك: ولا يتعوذ الرجل في المكتوبة قبل القراءة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ، قال: ولم يزل القراء يتعوذون في رمضان إذا قاموا».\nفلولا جهرهم بالتعوذ لم يعلم منهم ذلك، والله أعلم.\nوانظر في قول الشافعية: فتح العزيز (٣/ ٣٠٥)، المجموع (٣/ ٣٢٤)، كفاية الأخيار (ص: ١١٤)،\n(^٢). الأم (١/ ١٢٩)، وانظر: المجموع (٣/ ٣٢٤)، تفسير ابن كثير ت السلامة (١/ ١١٣).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٢٦).\n(^٤). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٠٥).\n(^٥). المبسوط (١/ ١٣).\n(^٦). المغني (١/ ٣٤٣).","vol":"2","page":147},{"text":"سُئِلَ ابن تيمية عن حكم من جهر بالاستعاذة إذا صلى، فقال في مجموع الفتاوى: «إذا فعل ذلك أحيانًا للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك، كما كان عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح مدة، وكما كان ابن عمر وأبو هريرة يجهران بالاستعاذة أحيانًا. وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين؛ فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة والله أعلم» (^١).\nوالخلفاء الراشدون لهم سنة متبعة بأمر النبي ﷺ، لحديث العرباض بن سارية: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٣٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٣).\nالدليل الرابع:\nأن الاستعاذة ليست من القرآن بالإجماع، فهو ذكر بين تكبيرة الإحرام والقراءة فكانت صفته الإسرار أصله دعاء الاستفتاح.\n* دليل من قال: يجهر بالاستعاذة:\nالدليل الأول:\nأن الاستعاذة تابعة للقراءة، فأشبهت التأمين.\n* ويناقش:\nبأن قياس الشبه من أضعف أنواع القياس، فالجهر بالتأمين محفوظ، ولم ينقل\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٠٥).\n(^٢). رواه أحمد (٤/ ١٢٦) وابن ماجه (٤٣) من طريق ضمرة بن حبيب،\n\nورواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، والدارمي (٩٦)، وابن ماجه (٤٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٨٥، ١١٨٦)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٨١)، والسنة لابن أبي عاصم (٢٧)، وابن حبان (٥)، من طريق خالد بن معدان كلاهما (ضمرة بن حبيب، وخالد) عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٤٣).","vol":"2","page":148},{"text":"أحد من الصحابة عن النبي ﷺ أنه جهر بالاستعاذة، ولا نحتاج إلى هذا النوع من القياس في أمر كان يفعل في عهد النبي ﷺ في اليوم خمس مرات، فلو كان النبي ﷺ يجهر بالاستعاذة لنقل إلينا.\nالدليل الثاني:\nالقياس على القراءة خارج الصلاة.\n* ويناقش:\nأن القياس لا يصح، فالصلاة لها أحكامها، والجهر والإسرار من صفة الصلاة القائم على التوقيف، وإذا احتاج المجتهد لاستخدام القياس في مسألة يتكرر فعلها كل يوم، فاعلم أنه لو كان عنده من النصوص ما يعتمد عليه، لم يضطر إلى القياس.\n* دليل من قال: يتخير:\nاستدل ابن كثير لقول الشافعي في الأم بأنه يتخير، قال: لأنه أَسَرَّ ابن عمر وجهر أبو هريرة.\n* ويناقش:\nبأن ذلك إن صح عن أبي هريرة، ولا إخاله، فإنه إنما فعل ذلك من أجل التعليم كما جهر عمر بالاستفتاح أحيانًا بقصد التعليم، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن الاستعاذة لا يجهر بها؛ لكون الجهر بها لم ينقل من فعل النبي ﷺ وإذا كان المصلي لا يجهر بالبسملة، وهي آية من كتاب الله، فلا يجهر بالاستعاذة، وهي ليست آية من القرآن، والتعليل الأول أقوى؛ لأن التأمين يجهر به، وهو ليس آية من كتاب الله، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الخامس في تكرار الاستعاذة في كل ركعة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يوجد نص ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى.\n* لو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة.\n* القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها.\n* لا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة.\n* الأصل عدم تكرار التعوذ إلا بتوقيف.\n* إذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى.\n[م-٥٣٠] اختلف الفقهاء في الاستعاذة للقراءة في الصلاة، أتكفي استعاذة واحدة للصلاة أم تكرر الاستعاذة في كل ركعة؟\nفقيل: لا يتعوذ مَنْ تعوذ في الركعة الأولى، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد قولي الشافعي، ورجحه ابن القيم (^١).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ١٣)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، مجمع الأنهر (١/ ٩٩)، تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤).\nقال الشافعي في الأم (١/ ١٢٩): «ويقوله في أول ركعة -يعني التعوذ- وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن، ولا آمر به في شيء من الصلاة أمرت به في أول ركعة».\nقال الشيرازي في المهذب تعليقًا على نص الشافعي في الأم (١/ ١٣٨): «فمن أصحابنا من قال فيما سوى الركعة الأولى قولان: =","vol":"2","page":150},{"text":"وقيل: يشرع التعوذ للقراءة في كل ركعة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن حبيب من المالكية إلا أنه خصه في النافلة. قال الشافعية: إلا أنه في الركعة الأولى آكد (^١).\nوقال عطاء: إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة للصلاة الأولى (^٢).\n* وسبب الخلاف:\nاختلافهم في قراءة الصلاة: أهي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة أم أن قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها؟\nوإذا ركع وسجد، ثم قام، أيعتبر الركوع والسجود فاصلًا طويلًا يفصل قراءته فإذا عاد إلى القراءة شرعت له الاستعاذة مرة أخرى، أم لا يعد فاصلًا طويلًا، كما لو سجد للتلاوة في الصلاة، فإنه يعود إلى قراءته ولا يكرر الاستعاذة؟\n* دليل من قال: لا يكرر التعوذ:\nالدليل الأول:\nلا يوجد نص يؤثر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى، والأصل عدم المشروعية.\n_________\n= أحدهما: يستحب؛ لأنه يستفتح القراءة فيها، فهي كالأولى.\nوالثاني: لا يستحب؛ لأن استفتاح القراءة في الأولى.\nومن أصحابنا من قال: يستحب في الجميع قولًا واحدًا، وإنما قال في الركعة الأولى أشد استحبابًا، وعليه يدل قول الشافعي رحمه الله تعالى». اهـ\n\nوانظر: روضة الطالبين (١/ ٢٤١)، المحرر في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٤)، الفروع وتصحيح الفروع (٢/ ٢٠٦)، المغني (١/ ٣٨٢)، المبدع (١/ ٤٠٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١١٦)، منتهى الإرادات (١/ ٢٠٠).\n\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٣٠٥)، المجموع (٣/ ٣٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٣)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٧)، الوسيط (٢/ ١٠٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨١)، شرح التلقين (١/ ٥٧٤).\n(^٢). روى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٨٤) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فاستعذت بركعتين ثم أخرى، ثم أخرى، فأستعيذ لكل صلاة على السبع؟ قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن، قلت: صليت فبينا أنا أصلي جاءني إنسان لحاجة، فانصرفت إليه فقضى حاجته، ثم قمت أصلي مرة أخرى قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن. وسنده صحيح.","vol":"2","page":151},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٣٣١) روى مسلم تعليقًا، قال: وحدثت عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، قال:\nسمعت أبا هريرة، يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ولم يسكت (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ولم يسكت) نفي لمطلق السكوت، فكان هذا دليلًا على أنه لم يستفتح ولم يتعوذ؛ إذ لو تعوذ لتطلب ذلك قدرًا من السكوت لكي يتعوذ سِرًّا.\n* ونوقش هذا الاستدلال:\nيحتمل بالنفي أنه أراد مطلق السكوت، وهذا يشمل حتى سكوته للبسملة، ويحتمل أنه أراد بالنفي سكوته المعهود في الركعة الأولى، والتي فيها دعاء الاستفتاح، والتعوذ والبسملة، وهي سكتة طويلة، بخلاف سكوته للتعوذ والبسملة فهي سكتة لطيفة لا يحس بها المُؤْتَمُّ؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، والله أعلم، وإذا احتمل هذا لم يكن في الحديث حجة على نفي التعوذ للركعة الثانية، والله أعلم.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٤٨ - ٥٩٩).\n(^٢). وصله الطحاوي في شرح معاني الآثار (١١٩٣)، وابن خزيمة (١٦٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٠) عن الحسين بن نصر بن معارك المصري (ثقة ثبت).\nوالبزار (٩٨٠٥) حدثنا محمد بن مسكين (ثقة).\nوالسراج في حديثه (١٥٨٥)، وفي مسنده (٨٨٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٠١)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٣٣٠)، عن محمد بن سهل بن عسكر (ثقة). ثلاثتهم عن يحيى بن حسان (ثقة).\nورواه ابن حبان (١٩٣٦)، قال: حدثنا يونس بن محمد (ثقة)،\nوالحاكم في المستدرك (٧٨٢)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٠) من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي (ثقة)، ثلاثتهم (يحيى بن حسان، ويونس بن محمد، والحجبي) رووه عن عبد الواحد بن زياد به.\nوصححه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٨٠).","vol":"2","page":152},{"text":"* وأجيب عن هذا:\nبأن الحديث ظاهره أنه لم يسكت لا للتعوذ ولا للبسملة، فنتمسك بهذا الظاهر حتى يأتي ما يعارضه، والواجب قراءة الفاتحة، والبسملة ليست آية منها على الصحيح كما سيأتي بيانه، ولو كانت آية منها لجهر بها، ولو قيل: إن سكوته للبسملة وحدها مقدار لطيف لا يشعر به المأموم لربما احتمل؛ لأنه لا ينهض المأموم إلا وقد شرع الإمام بالقراءة، بخلاف السكوت للتعوذ والبسملة فلن يكون مقداره لطيفًا، فلابد أن يشعر به المأموم، وإن كان مقداره أقل من السكوت للركعة الأولى، فإذا اجتمع هذا النفي في هذا الحديث، ولم يعارض بنقل صحيح أن النبي ﷺ كان يستعيذ للركعة الثانية، كان الاحتياط في ترك التعوذ؛ لأن الأصل عدم المشروعية، ولو كان النبي ﷺ يتعوذ لنقل، ولو في حديث ضعيف، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ولو كان التعوذ محفوظًا لوجدنا النقل من آثار الصحابة وعملهم بما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة، فإذا لم يوجد سنة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة ﵃، ووجد حديث ينفي مطلق السكوت في الركعة الثانية فلا يمكن الجزم بمشروعية التعوذ في الركعة الثانية، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\nأن الأحاديث التي نقلت لنا صفة التعوذ مع ضعفها قد ذكرت محله بعد الاستفتاح، وقبل القراءة، ولم تنقل لنا غيره، ولو كانت الاستعاذة تتكرر لنقلت لنا ذلك، والأصل عدم التكرار، من ذلك:\n(ح-١٣٣٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه، ثم يقرأ.\n[أخطأ فيه جعفر بن سليمان مرتين: في وصله، وفي جعله من حديث","vol":"2","page":153},{"text":"أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، وإنما هو عن الحسن عن النبي ﷺ مرسلًا] (^١).\n(ح-١٣٣٣) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه.\nوقال يزيد بن هارون: عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل في صلاة، فقال: الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه.\nقال عمرو: وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n(ح-١٣٣٤) ومنها: ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخًا من أهل دمشق،\nأنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثًا، وسبح ثلاثًا، وهلل ثلاثًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه وشركه (^٤).\nورواه شريك، عن يعلى به، وقال: ونفثه بدل (شركه).\n[ضعيف] (^٥).\n(ث-٣٠٩) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سفيان، عن الأسود، قال:\nسمعت عمر، افتتح الصلاة وكبر، فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تعوذ.\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ص: ٢٤).\n(^٢). المسند (٤/ ٨٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٩٠).\n(^٤). أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٣). ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٨/ ١٢١).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٢٣).","vol":"2","page":154},{"text":"[ذكر التعوذ ليس محفوظًا] (^١).\n(ح-١٣٣٥) ومنها: ما رواه الحاكم وعنه البيهقي من طريق محمد بن أيوب، عن ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي،\nعن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه ونفثه (^٢).\n[ضعيف مرفوعًا] (^٣).\nهذه هي الآثار التي نقلت لنا محل التعوذ في الصلاة، وهي آثار مع ضعفها متفقة على أن التعوذ في الركعة الأولى، ولم أقف على شيء منها يذكر التعوذ في الركعة الثانية، ولو كان القوم يتعوذون في باقي الركعات لتوفرت الدواعي على نقله، ولحفظ لنا ذلك مرفوعًا أو موقوفًا.\nالدليل الرابع:\nأن القراءة في الصلاة بمنزلة القراءة الواحدة، فإذا استعاذ في الركعة الأولى فقد استعاذ لكل قراءته، بدليل أن غالب قراءة النبي ﷺ في الصلاة يراعي فيها الترتيب بين السور فكان يقرأ الجمعة قبل المنافقون، ويقرأ سورة الكافرون قبل الإخلاص، ويقرأ سورة سَبِّحْ قبل الغاشية، وكل ذلك يدل على أنها قراءة واحدة، ولو كانت قراءة كل ركعةٍ مستقلةٍ لم يراعِ الترتيب بين السور.\nالدليل الخامس:\nأن ركوع المصلي وسجوده، لا يقطع قراءته؛ لأنه عمل يسير مشتمل على ذكر لله تعالى، فكانت القراءة في باقي الركعات موصولة بالقراءة الأولى حكمًا،\n(ح-١٣٣٦) بدليل ما رواه مسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٠٣).\n(^٢). المستدرك (٧٤٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤)،.\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٢٢).","vol":"2","page":155},{"text":"عن عمران بن الحصين، قال: سلم رسول الله ﷺ في ثلاث ركعات، من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام رجل بسيط اليدين، فقال: أَقُصِرَتْ الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا، فصلى الركعة التي كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nفإذا كان كلام الساهي في صلاته، وانحرافه عن القبلة، ودخوله الغرفة، ثم خروجه منها إذا كان كل ذلك لم يقطع صلاته، ولم يمنع النبي ﷺ من بناء آخر صلاته على أولها؛ لكونه معذورًا بالنسيان فكيف يقطع الركوع والسجود والذكر المتصل بالصلاة كيف يجعل ذلك قاطعًا لقراءته، حتى جعلت كل ركعة قراءة مستقلة.\nقال ابن القيم: وإنما يكفي استعاذة واحدة؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ، ونحو ذلك (^٢).\nالدليل السادس:\nإذا عرض للمصلي سجود التلاوة في قراءته سجد، ثم عاد لقراءته بلا استعاذة، ولم يقطع سجود التلاوة قراءته، فكذلك الشأن في الركعة الثانية، هي متممة لقراءة الركعة الأولى.\n* دليل من قال: يتعوذ لكل قراءة:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ [النحل: ٩٨].\nوجه الاستدلال:\nأن الأمر المعلق على شرط أوالمقيد بوصف يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما خاصة إذا كان الشرط أو الوصف علة في الحكم كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٧٤).\n(^٢). زاد المعاد (١/ ٢٣٤).","vol":"2","page":156},{"text":"قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾، فكلما حصل زنا أو سرقة وجب إقامة الحد ما لم يكن التكرار قبل إقامة الحد (^١).\nفالقراءة هي علة الأمر بالاستعاذة، فمقتضاه تكرارها بتكرر القراءة، وهو مستند إلى تكرر العلة، لا إلى الأمر نفسه، كالحكم يتعدد بتعدد سببه (^٢).\n* وأجيب:\nبأن تكرار الاستعاذة لتكرر القراءة غير مدفوع، إلا أن ترك النقل للتعوذ في الركعة الثانية يجعل قراءة الصلاة قراءة واحدة، فلم تتكرر القراءة حتى تتكرر الاستعاذة.\n* ونوقش:\nبأن عدم النقل ليس نقلًا للعدم، فلا يكون الدليل عدميًّا.\n* ورد هذا النقاش:\nبأن عدم النقل لشيء لو كان النبي ﷺ فعله لتوفرت همم أكثر الصحابة على نقله؛ لحاجة الأمة إليه، فلما لم ينقله أحد منهم البتة، ولم ينقل أيضًا من فعل الصحابة مع حرصهم على نقل سنته، كان ذلك بمنزلة نقل العدم، فلو أن أحدًا رفع يديه في دعاء الاستفتاح، أو رفع يديه في دعاء التشهد احتجاجًا بالأدلة العامة في رفع اليدين في الدعاء، واستنادًا إلى أنه لم يرد نفي أو نهي من النبي ﷺ عن رفع اليدين في هذا الموطن لما كان ذلك صوابًا، فكذلك هنا، فإن الاحتجاج بالدليل العام ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾، مع ورود حديث أبي هريرة بأنه نهض للركعة الثانية، ولم يسكت، ولم يرد نقل يعارضه ولو ضعيفًا بأنه ﵇ تعوذ لقراءة الركعة الثانية، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم تعوذوا كان ذلك بمنزلة نقل العدم، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nأن الركوع والسجود وأذكارهما تعتبر فاصلًا طويلًا، لكونها أفعالًا وأقوالًا أجنبية عن القراءة، وإذا حصل فاصل أجنبي بين القراءتين شرعت الاستعاذة للقراءة الثانية.\n_________\n(^١). الإبهاج في شرح المنهاج (١/ ٢/٥٤ - ٥٥).\n(^٢). انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٢/ ١٦١)، أصول السرخسي (١/ ٢٠).","vol":"2","page":157},{"text":"* ونوقش:\nبأن ما يقطع القراءة هو السكوت الطويل، أو ذكر طويل غير مشروع، وأما السكوت اليسير، أو الذكر المشروع فلا يقطع القراءة قياسًا على سجود التلاوة إذا عرض للمصلي في صلاته، ثم عادة لقراءته فلا يعتبر فاصلًا، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن القول الأول هو الراجح، وأن قراءة الصلاة قراءة واحدة تكفيها استعاذة واحدة، يقول الشوكاني: «الأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة، وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط» (^١).\nفاستحباب التعوذ في الركعة الثانية يدخل في استحباب ذكر مقيد في الصلاة يتحرى فيه المصلي موضعًا معينًا ويأتي به على صفة معينة، والأصل عدم المشروعية حتى يأتي من السنة أو من آثار الصحابة ما يدل على أنهم كانوا يفعلونه، خاصة أن الصلاة كانت تتكرر في اليوم خمس مرات، وكان القوم حريصين على نقل هديه ﵊ في صلاته بل في شأنه كله، فإذا لم يوجد نص خاص مع توفر الدواعي على النقل غلب على الظن عدم المشروعية، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). نيل الأوطار (٢/ ٢٣٠).","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>المبحث السادس في مشروعية البسملة في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الفرع الأول في قرآنية البسملة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كتابة البسملة في المصحف من لدن الصحابة متواتر وهذا كافٍ في إثبات قرآنيتها.\n* إجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه دليل على قرآنية البسملة.\n* كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجهٍ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي قراءة صحيحة لا يجوز ردها.\n* اشتراط التواتر في كل حرف من حروف الخلاف في القرآن يؤدي إلى انتفاء كثير من أحرف الخلاف الثابتة عن الأئمة السبعة وغيرهم.\n* لم يجهر النبي ﷺ بالبسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور.\n* لا يصح بالجهر بالبسملة حديث مرفوع.\n[م-٥٣١] البحث في حكم البسملة والجهر بها في الصلاة مبني على الخلاف في قرآنيتها، لهذا يحتاج قبل البحث عن حكم البسملة في الصلاة وعن حكم الجهر بها إلى تحرير الخلاف في قرآنية البسملة.\nوقبل الكلام في ذلك نحرر مناط الاتفاق قبل أن نذكر مواضع الخلاف:\nفالعلماء متفقون على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ومتفقون على","vol":"2","page":159},{"text":"أن البسملة ليست جزءًا من سورة براءة (^١).\nواختلفوا فيما عدا ذلك:\nفقيل: ليست قرآنًا مطلقًا، بل هي ذكر كتبت للتبرك بها، وهذا مذهب المالكية، وطائفة من الحنفية، وحكي رواية عن أحمد قال ابن تيمية: ولا يصح عنه، وإن كان قولًا في مذهبه (^٢).\nقال الحطاب: «البسملة ليست عندنا من الحمد، ولا من سائر القرآن، إلا من سورة النمل» (^٣).\nوقيل: البسملة آية من القرآن على خلاف بينهم، أتكون آية مستقلة، أم آية من الفاتحة ومن كل سورة، أم آية من الفاتحة فقط على النحو التالي:\nفقيل: آية مستقلة من القرآن نزلت للفصل بين السور، لا هي من الفاتحة، ولا هي آية من أول كل سورة، وهذا هو المشهور عند الحنفية، ورواية عن أحمد، قال ابن تيمية: وهذا أعدل الأقوال (^٤).\nقال المرداوي في الإنصاف: «وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ونص عليه» (^٥).\nوقال الشافعية: البسملة آية تامة من الفاتحة، وهل هي آية تامة في أوائل السور؟ على ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣١)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٤٣٨).\n(^٢). المنتقى للباجي (١/ ١٥٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥١)، شرح التلقين (١/ ٥٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٤)، منح الجليل (١/ ٢٦٥)، البحر الرائق (١/ ٣٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٣٨)، المبدع (١/ ٣٨٣)، الإنصاف (٢/ ٤٨).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٥٤٤).\n(^٤). المبسوط (١/ ١٥)، تبيين الحقائق (١/ ١١٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٣)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩١)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٤٣٩)، حاشية الروض المربع (٢/ ٢٤)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ٢٤٥)، المغني (١/ ٣٤٧)، الفروع (٢/ ١٨٢)، المبدع (١/ ٣٨٣).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٤٨).","vol":"2","page":160},{"text":"أصحها أنها آية كاملة من أول كل سورة.\nوقيل: بعض آية، وتكون مع صدر السورة آية كاملة، كالحمد لله رب العالمين آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [يونس: ١٠].\nوقيل: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور، وهذا القول الأخير رواية عن أحمد اختارها بعض أصحابه (^١).\nوقيل: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة، وهذا ما ذهب إليه ابن الجزري، وابن حزم، وقول لابن تيمية (^٢).\nهذا مجمل الأقوال في المسألة، وقد أفضى الخلاف إلى ستة أقوال، كالتالي:\nالأول: أنها ليست آية من القرآن، وهذا أضعف الأقوال.\nالثاني: أنها آية مستقلة بنفسها، ليست جزءًا من أي سورة.\nالثالث: أنها آية تامة من الفاتحة، ومن أول كل سورة.\nالرابع: أنها آية كاملة من الفاتحة، وجزء من آية في أوائل السور.\nالخامس: آية من الفاتحة فقط، وليست بقرآن في أوائل السور.\nالسادس: إن البسملة من القرآن في قراءة دون قراءة (^٣).\nقال ابن حزم: «ومن كان يقرأ برواية مَنْ عُدَّ مِنْ القراء ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة، وهم: عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله بن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃، ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن: فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن\n_________\n(^١). المجموع (٢/ ٣٣٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٥، ٣٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٧، ١٣٨)، فتح العزيز (٣/ ٣١٦، ٣١٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٨)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٤٦)، الكافي (١/ ٢٤٥)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٠)، المبدع (١/ ٣٨٣)، الإنصاف (٢/ ٤٨).\n(^٢). النشر (١/ ٢٧١)، المحلى، مسألة: (٣٦٦)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٥١، ٣٥٤).\n(^٣). النشر (١/ ٢٧١)، المحلى، مسألة: (٣٦٦)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٥١، ٣٥٤).","vol":"2","page":161},{"text":"لا يبسمل، وهم: ابن عامر، وأبو عمرو ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع» (^١).\nوقال في بدائع الصنائع: «عدَّها قراء أهل الكوفة من الفاتحة، ولم يعدها قراء أهل البصرة منها» (^٢).\n* ثمرة الخلاف:\nمن قال: إنها آية من الفاتحة أوجب قراءتها مع الجهر بها في الصلاة بخلاف من قال: إنها ليست آية من الفاتحة.\nفإذا خلصنا من تصور الأقوال، وثمرة الخلاف أنتقل إلى معرض الاستدلال:\n* دليل من قال: البسملة ليست قرآنًا مطلقًا:\nالدليل الأول:\nأن القرآن لا يثبت إلا بالقطع والنقل المتواتر، والبسملة قد استدل على قرآنيتها بنقل الآحاد، وهو لا يفيد إلا الظن.\n* ونوقش هذا:\nأما كتابتها في المصحف من لدن الصحابة فهو متواتر، وهذا كافٍ في إثبات قرآنيتها، ولا يلزم لإثبات قرآنيتها أن تتواتر الأخبار بكونها قرآنًا، والقول بأن القرآن لا يثبت إلا بالقطع مسألة خلافية، فهناك من القراء من لا يشترط القطع لصحة القراءة، والله أعلم.\nقال ابن الجزري: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجهٍ، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين» (^٣).\nفذكر ثلاثة شروط لصحة القراءة، أن توافق العربية، وأن توافق الرسم العثماني،\n_________\n(^١). المحلى، مسألة: (٣٦٦).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤).\n(^٣). النشر في القراءات العشر (١/ ٩).","vol":"2","page":162},{"text":"وأن يصح سندها، ولم يذكر التواتر، والله أعلم.\nثم قال: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي ﷺ وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم.\nوقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف» (^١).\nالدليل الثاني:\nأن البسملة لو كانت قرآنًا لكفر النافي لها، فلما لم يكفر من أنكر قرآنيتها دل على أنها ليست من القرآن.\n* ويناقش:\nبأن المانع من الكفر ليس لكونها ليست قرآنًا وإنما المانع قيام الاختلاف على قرآنيتها، ولا يصح اعتبار الاختلاف بذاته دليلًا على أنها ليست قرآنًا؛ لأن الاختلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، فيبقى النظر فيما تقتضيه الأدلة، فلا يكون عدم الحكم بكفر المنكر لقرآنيتها دليلًا على أنها ليست قرآنًا، ولأن هذا الدليل يمكن أن يقلب عليكم، فيقال: لو لم تكن قرآنًا لما أجمع الصحابة على كتابتها بين دفتي المصحف مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه، كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n* دليل من قال: البسملة آية مستقلة بنفسها للفصل بين السور:\nأما الدليل على أنها من القرآن:\nالدليل الأول:\nإجماع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن حتى كرهوا التشكيل والنقط كي لا يختلط بالقرآن غيره،\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ١٣).","vol":"2","page":163},{"text":"فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله ﷿، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملًا، ومنه البسملة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٣٧) ما رواه أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال قتيبة فيه:\nعن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. وهذا لفظ ابن السرح (^١).\n[الراجح أنه مرسل] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٨٨).\n(^٢). الحديث رواه ابن عيينة، وابن جريج، والمثنى بن الصباح (ضعيف)، وغيرهم عن عمرو بن دينار، على اختلاف في وصله وإرساله، وإليك تخريج طرقهم:\nالأول: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار:\nرواه سفيان، واختلف عليه فيه:\nفرواه قتيبة بن سعيد، كما في سنن أبي داود (٧٨٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٣)، وشعب الإيمان له (٢١٢٥).\nوأبو كريب محمد بن العلاء كما في مسند البزار (٤٩٧٨)، والمعرفة للبيهقي (٢/ ٣٦٥).\nوالحسن بن الصباح ومعلى بن منصور كما في مستدرك الحاكم (٨٤٥)، والمعرفة للبيهقي (٢/ ٣٦٥)، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوقد صححه الحاكم، والبيهقي وابن الملقن. ...\nوخالف هؤلاء جماعة، فرووه عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير مرسلًا، ليس فيه ابن عباس.\nرواه الحميدي كما في مسنده (٥٣٨)،\nويونس بن عبد الأعلى كما في مشكل الآثار (١٣٧٦)،\nوأحمد بن محمد المروزي، كما في سنن أبي داود (٧٨٨)، والمراسيل له (٣٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٣)،\nوأحمد بن عمرو بن السرح كما في سنن أبي داود (٧٨٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٣)، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير مرسلًا.\nقال الحميدي: ولم يذكر فيه عن ابن عباس.\nوقال أبو داود في المراسيل: قد أسند هذا الحديث، وهذا أصح. اهـ يعني المرسل. =","vol":"2","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه أحمد بن عبدة الضبي، عن سفيان، واختلف على ابن عبدة:\nفرواه البزار (٤٩٧٩) وشك في وصله وإرساله، قال البزار: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال البزار: أشك في حديث ابن عبدة، قال: عن ابن عباس، أو قال: سعيد بن جبير، ولم يقل: عن ابن عباس به.\n\nوخالف البزار محمد بن عيسى بن سليمان البصري، فرواه عن أحمد بن عبدة، قال: حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nأخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ٨). وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٢٦).\nومحمد بن يحيى بن عيسى ذكره أبو الشيخ في طبقاته، ولم يَحْكِ فيه جرحًا، ولا تعديلًا.\nولم يؤثر توثيقه عن أحد، ففيه جهالة.\nوترجم له الذهبي في المغني في الضعفاء (٢/ ٦٤٣)، وفي الميزان (٤/ ٦٤)، وقال: أتى بخبر موضوع اتهم فيه. اهـ\nوقد خالف الناس في ذكر موسى بن أبي عائشة بدلًا من عمرو بن دينار.\nهذا بيان الاختلاف على ابن عيينة، والراجح فيه رواية الحميدي ومن تابعه.\nالطريق الثاني: ابن جريج، عن عمرو بن دينار،\nرواه ابن جريج، واختلف عليه فيه:\nفرواه حجاج بن محمد كما في فضائل القرآن لأبي عبيد (٢١٧).\nوعبد الرزاق كما في المصنف (٢٦١٧)، كلاهما عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بنحوه مرسلًا، وهو المحفوظ من حديث ابن جريج.\nورواه الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، واختلف على الوليد:\nفأخرجه الحاكم في المستدرك (٨٤٦)، وعنه البيهقي (٢/ ٦٣) من طريق محمد بن عمرو الغزي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، حدثنا عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موصولًا.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.\nولم يخرج الشيخان لمحمد بن عمرو الغزي، كما لم يخرج الشيخان رواية الوليد بن مسلم، عن ابن جريج.\nورواه دحيم بن النعيم كما في المستدرك (٨٤٦)، وذكره البيهقي (٢/ ٦٣)، عن الوليد بن مسلم به، فلم يذكر سعيد بن جبير.\nورواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس.\nرواه الطبراني في الأوائل (٤٣)، حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا سعد بن زنبور، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد به. =","vol":"2","page":165},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (حتى تنزل عليه ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾)، والتنزيل خاص بالقرآن.\n* وأما الدليل على أنها ليست آية من الفاتحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٣٨) لما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى عَلَيَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ\n_________\n= ورواه الطبراني في الأوسط (٢٨٦٩)، قال: حدثنا إبراهيم قال: أخبرنا سعد بن زنبور قال: أخبرنا سليم بن مسلم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه.\nوسليم بن مسلم: متروك الحديث.\nورواه قتيبة بن سعد، عن الدراوردي، عن ابن جريج، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أخرجه المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٤٢).\nذكره الدارقطني في الأفراد كما في أطرافه (٢٦٠١) عن قتيبة بن سعيد، عن الدراوردي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\nقال الدارقطني: «وفيه قال قتيبة بن سعيد: لم يسمع الدراوردي هذا الحديث من ابن جريج، قال: غريب من حديث ابن جريج، تفرد به قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن ابن جريج، عنه».\nفتبين من هذا أن المحفوظ من حديث ابن جريج هو المرسل، وهو يوافق المحفوظ من رواية ابن عيينة.\nالطريق الثالث: المثنى بن الصباح، عن عمرو بن دينار.\nأخرجه الحاكم في المستدرك (٨٤٤، ٤٢١٨) والبيهقي في الشعب (٢١٢٨) من طريق المعتمر بن سليمان، عن مثنى بن الصباح، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي، فقال: مثنى، قال النسائي: متروك.\nوهناك طرق أخرى عن عمرو بن دينار شديدة الضعف أعرضت عنها صفحًا؛ لأن رواتها من المتروكين.","vol":"2","page":166},{"text":"الدِّين﴾، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٦،٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.\nورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.\nورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول ﷺ ذكر الحمد، ولم يذكر البسملة، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٣٩) ما رواه البخاري من طريق شعبة، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم،\nعن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤] ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ افتتح الفاتحة بقوله: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ولوكانت البسملة منها لذكرها.\nالدليل الثالث:\nأن النبي ﷺ لم يجهر بالبسملة، لا في الفاتحة، ولا في غيرها، فلو كانت البسملة آية من\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٩٥).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٧٤).","vol":"2","page":167},{"text":"السورة لجهر بها كما يجهر بسائر السور.\n* وأما الدليل على أنها ليست آية من أول كل سورة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٤٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد يعني ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: إن سورة من القرآن، ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] (^١).\n[حسن لغيره] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٢٩٩).\n(^٢). والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٢٠٧٥) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه به.\nوأخرجه الترمذي (٢٨٩١) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر به.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٢١) حدثنا حجاج بن محمد.\nوأبو داود (١٤٠٠) حدثنا عمرو بن مرزوق.\nوأخرجه إسحاق بن راهويه (١٢٢) والنسائي في الكبرى (١٠٤٧٨)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وابن حبان (٧٨٧)، عن أبي أسامة.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٢٠٧٥) من طريق وهب بن جرير.\n\nوالبيهقي في الشعب (٢٢٧٦) من طريق آدم، وإبراهيم بن طهمان، كلهم (ابن جعفر، وحجاج، وابن مرزوق، وأبو أسامة، ووهب بن جرير، وآدم بن إياس، وابن طهمان) رووه عن شعبة به.\nوأخرجه عبد بن حميد (١٤٤٥) حدثنا سليمان بن داود، عن عمران القطان (صدوق يهم)، عن قتادة به،\nومن طريق أبي داود الطيالسي أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٨٣٨).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوهذه متابعة من عمران لشعبة، وعلته عباس الجشمي، روى عنه سعيد الجريري، وقتادة، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يؤثر توثيقه عن غيره، وفي التقريب مقبول.\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ١٦٥): «لم يُرْوَ له غير هذا الحديث».\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (١/ ٥٧٤): أعله البخاري في التاريخ الكبير بأن عباسًا الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة. اهـ وقد راجعت ترجمة عباس الجشمي في التاريخ الكبير (٧/ ٤)، فلم يذكر ما ذكره الحافظ، فلعله ذكر ذلك في موضع آخر، نعم قال البخاري: يروي عن عثمان، ولم يذكر البخاري من شيوخه أبا هريرة، فتأمل، والله أعلم.\nوله شاهد من حديث أنس ﵁: =","vol":"2","page":168},{"text":"ولا يختلف القرَّاء أن سورة الملك ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير،\n_________\n= رواه الطبراني في الصغير (٤٩٠)، قال: حدثنا سليمان بن داود بن يحيى الطبيب البصري، حدثنا شيبان بن فروخ الأبلي، حدثنا سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: سورة من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة، وهي سورة تبارك. قال الطبراني: لم يروه عن ثابت البناني إلا سلام.\nوشيخ الطبراني مجهول الحال، إلا أنه صالح في الشواهد.\nوله شاهد حسن من قول ابن مسعود موقوفًا.\nفروى عبد الرزاق في المصنف (٦٠٢٥)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٣١) ح ٨٦٥٠، عن الثوري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود قال: يؤتى الرجل في قبره فتؤتى رجلاه، فتقولان: ليس لكم على ما قبلنا سبيل، قد كان يقرأ علينا سورة الملك، ثم يؤتى جوفه فيقول: ليس لكم علي سبيل، كان قد أوعى في سورة الملك، ثم يؤتى رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ بي سورة الملك.\nورواه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٣٣) أخبرنا محمد بن كثير.\nوالحاكم في المستدرك (٣٨٣٩) من طريق ابن المبارك، كلاهما عن سفيان موقوفًا، وصححه الحاكم. وهذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي.\nوقد رواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٧٨٢) من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان به مرفوعًا. وأبو الزبير يخطئ في أحاديث الثوري.\nوقد رواه حماد بن زيد، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود موقوفًا.\nأخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٣١)، والفريابي في فضائل القرآن (٢٩)، وهذه متابعة من حماد لسفيان على وقفه.\nكما رواه النسائي في الكبرى (١٠٤٧٩)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٤٢) من طريق عبد العزيز ابن أبي حازم، عن سهيل بن أبي صالح، عن عرفجة بن عبد الواحد، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، قال: من قرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر، وكنا في عهد رسول الله ﷺ نسميها المانعة، وإنها في كتاب الله سورة من قرأ بها في كل ليلة فقد أكثر وأطاب.\nفالأثر بهذا الطريق يقوى إلى درجة الحسن إن شاء الله تعالى، والله أعلم.","vol":"2","page":169},{"text":"عن عائشة أم المؤمنين في قصة بدء الوحي على رسول الله ﷺ وفيه: ... جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فعل ذلك ثلاثًا ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (١) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم﴾ [العلق: ٣]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ لم يذكر البسملة، ولو كانت آية منها لبدأ بها.\n* ونوقش:\nبأنه يحتمل أن تكون البسملة نزلت بعد ذلك كالشأن في الآيات التي تأخرت في النزول عن السور التي أثبتت فيها.\n* دليل من قال: البسملة آية من الفاتحة وآية من كل سورة:\nالدليل على أن البسملة آية من الفاتحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها.\nقال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (^٢).\nورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣)، وصحيح مسلم (٢٥٢ - ١٦٠).\n(^٢). سنن الدارقطني (١١٩٠).\n(^٣). المعجم الأوسط (٥١٠٢)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":170},{"text":"[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٤٣) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن أم سلمة، أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] فعدها آية، و﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] آيتين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١). اختلف في رفعه ووقفه، فرواه عبد الحميد بن جعفر (صدوق ربما وهم) عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوخالفه من هو أوثق منه، خالفه أبو بكر الحنفي عبد الكريم بن عبد المجيد (ثقة)، فرواه عن نوح بن أبي بلال موقوفًا، وهو الصواب.\nقال الدارقطني في العلل (٨/ ١٤٨) عن الموقوف: وهو أشبهها بالصواب.\nوقال البيهقي: روي عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح.\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (٤٩٣).\n(^٣). الحديث رواه ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، واختلف عليه فيه:\nفرواه عمر بن هارون كما في صحيح ابن خزيمة (٤٩٣)، ومستدرك الحاكم (٨٤٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢١١٤)، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، وفيه: أنه قرأ في الصلاة، وعدها آية.\nوهذا اللفظ تفرد به عمر بن هارون، وهو متروك، فإن كان المقصود بقوله: وعدها آية هو النبي عدها بلسانه آية في الصلاة فهذا مبطل للصلاة، وإن كان عدها بأصبعه فلا يدل على أنها آية، قاله الذهبي في تهذيبه لسنن البيهقي (١/ ٤٩٦).\n\nوقال ابن رجب في الفتح (٤/ ٣٦٠): «عمر بن هارون لا يلتفت إلى ما تفرد به، وقد يكون ابن جريج عدَّها آية، أو ابن أبي مليكة، ومن زعم أنه صحيح؛ لتخريج ابن خزيمة له؛ فقد وهم».\nوقال الحاكم: «عمر بن هارون أصل في السنة، ولم يخرجاه، وإنما خرجته شاهدًا».\nفتعقبه الذهبي بقوله: أجمعوا على ضعفه، وقال النسائي: متروك.\nوقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٥٠): «المحفوظ فيه، والمشهور أنه ليس في الصلاة، وإنما قوله: (في الصلاة) زيادة من عمر بن هارون، وهو مجروح، تكلم فيه غير واحد من الأئمة».\nورواه حفص بن غياث، عن ابن جريج، واختلف على حفص فيه: =","vol":"2","page":171},{"text":"* وأما الدليل على كونها آية من كل سورة:\n(ح-١٣٤٤) فلما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار،\nعن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة\n_________\n= فجاء في معرفة السنن (٢/ ٣٦٢): قال البويطي أخبرني غير واحد عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة زوج رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يعُدُّها آيةً، ثم قرأ: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعُدُّها ست آيات.\nقال ابن رجب في فتح الباري (٦/ ٤٠٠) «ومن زعم من متقدمي الفقهاء (يعني البويطي) أن حفص بن غياث رواه عن ابن جريج كذلك -يعني كرواية عمر بن هارون من عدها آية- وأنه أخبره به عنه غير واحد، فقد وهم، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو، وهو وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه، فيغيرون معنى الحديث».\nورواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٨٧٢٩)، عن حفص به، بلفظ: كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يعني: حرفًا حرفًا.\nفلم يذكر أن القراءة كانت في الصلاة، ولم يذكر عَدَّ البسملة آية منها.\nومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه أبو يعلى (٦٩٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٩٢) ح ٩٣٧، والحاكم في المستدرك (٨٤٧)، والبيهقي في معرفة السنن (٢/ ٣٦٣).\nقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».\nورواه عمر بن حفص بن غياث النخعي كما في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩)، وفي مشكل الآثار (٥٤٠٤)، قال: حدثنا أبي: حدثنا ابن جريج به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان يصلي في بيتها، فيقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وذكر بقية السورة.\nفذكر قراءة السورة، ولم يذكر أنه كان في صلاة، ولم يذكر عد البسملة آية منها.\nرواه بعضهم عن حفص، ولم يذكروا فيه البسملة، منهم:\nهشام بن يونس كما في المصاحف لابن أبي داود (٢٨١)، قال: حدثنا حفص -يعني: ابن غياث-، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فقرأ: ﴿الحمد لله﴾ فقطَّعَّها، وقرأ: ﴿ملك يوم الدين﴾.\nولم ينفرد هشام بن يونس بعدم ذكر البسملة، ولا في قوله: (ملك يوم الدين).\nفقد رواه يحيى بن آدم كما في المصاحف لابن أبي داود (٢٨٢)، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ﷺنظنها أم سلمة-، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾﴾ وذكر بقية السورة. يقطع قراءته، قال: قلت لحفص: قرأ ﴿ملك يوم الدين﴾؟ فقال: هكذا قال.\nفكان المعروف من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية آية، وليس فيه أن ذلك كان في الصلاة، ولا أنه عد البسملة آية منها، والله أعلم.","vol":"2","page":172},{"text":"ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عَلَيَّ آنفًا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾ [الكوثر: ٣] ... الحديث (^١).\n* ونوقش هذا:\nبأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في التلاوة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات (^٢).\n* دليل من قال: آية من الفاتحة فقط:\nأدلة هذا القول ملفقة من أدلة قولين سابقين:\nفاستدلوا بكونها آية من الفاتحة بأدلة الشافعية القائلين بأنها آية من الفاتحة ومن غيرها.\nواستدلوا على كونها ليست آية في غير الفاتحة بأدلة الحنفية بأنها ليست آية من كل سورة كحديث أبي هريرة: إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له، وإجماع الفقهاء والقراء على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، والإخلاص أربع آيات ونحوها من الأدلة السابق ذكرها.\n* دليل من قال: البسملة آية كاملة من الفاتحة وبعض آية من غيرها:\nالجمع بين حديث أبي هريرة في فضل سورة تبارك حيث لم تعتبر البسملة آية منها، وحديث أنس في نزول سورة الكوثر الدال على أن البسملة آية منها، فكان الجمع بين الحديثين أن تكون البسملة من السورة، ولكنها ليست آية كاملة، وإنما بعض آية.\nولقد علمت أن حديث أنس ليس فيه إلا مجرد قراءة البسملة مع سورة الكوثر، فلا دلالة فيه على أن البسملة آية منها.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٣ - ٤٠٠).\n(^٢). انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ١١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤)، المبسوط (١/ ١٦).","vol":"2","page":173},{"text":"* دليل من قال: البسملة آية في قراءة دون قراءة:\nأن القرآن نزل على سبعة أحرف، ومن هذه الأحرف اختلاف القراء في عدها آية من الفاتحة كما في قراءة ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وبعضهم لا يعدها آية من الفاتحة، وكل ذلك متواتر، ومقطوع به إلى النبي ﷺ، وهذا مثل ثبوت لفظ (من) في سورة التوبة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] في قراءة دون قراءة.\nوكذلك لفظ: (هو) في سورة الحديد، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد﴾ فقد جاءت (هو) في قراءة دون قراءة.\nوقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ فالهاء جاءت في قراءة دون قراءة.\nفكذلك الشأن في البسملة في أول الفاتحة، فمن أثبتها في قراءة كانت منها، ومن لم يثبتها لم تكن منها، والله أعلم.\n* ونوقش:\nبأن كتابة البسملة في أوائل كل سورة ينفي أن يكون اختلافهم بناء على اختلاف القراء، فهم مجمعون على قراءة البسملة في ابتداء السور، وإنما اختلفوا فيما بينهم في حال الوصل فقط.\nقال الشاطبي في منظومته:\nوَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً ... لِتَنْزِيْلِهاَ بالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلَا\nوَلَا بُدَّ مِنْهاَ فِي ابْتِدَائِكَ سُورَةً ... سِوَاهاَ وَفي الأَجْزَاءِ خَيَّرَ مَنْ تَلَا (^١).\nومعنى الكلام أنه يقول: ولابد من البسملة في ابتداء كل سورة سوى موضعين: في وصل السورة بالسورة الأخرى فإنها تسقط بالدرج كما تسقط همزة الوصل، وفي ابتداء سورة براءة، وعليه فالقراء متفقون في ابتداء السور على البسملة، فحملوا كتابة ما في المصحف على ذلك، وأما في غير أوائل السور كابتداء الأجزاء\n_________\n(^١). حرز الأماني في القراءات السبع (ص: ٩).","vol":"2","page":174},{"text":"والأحزاب والأعشار فقد خَيَّرَ المشايخ بين ذكرها أو إسقاطها.\n* الراجح:\nالقول بأن البسملة آية من القرآن نزلت للفصل بين السور، ليست آية من الفاتحة، ولا من أول كل سورة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الفرع الثاني في قراءة البسملة في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة، والبسملة ليست منها على الصحيح.\n* عدم الجهر بالبسملة، أهو دليل على أنها ليست من القرآن كالاستعاذة؛ لأن القرآن يجهر به في الجهرية، أم هو دليل على أنها ليست من الفاتحة فحسب؟\n* الجهر والإسرار حكم توقيفي، متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنًا أم لا.\n* من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، وهناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقًا كالبسملة في الصلاة.\n* الجهر لا يختص بالقرآن كالتأمين، وعكسه البسملة، آية من القرآن ولا يجهر بها، والمحكم السماع وليس القياس.\n* البسملة آية من الفاتحة في إحدى القراءتين، وليست منها في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى.\n[م-٥٣٢] اختلف العلماء في قراءة البسملة في الصلاة بناء على اختلافهم في قرآنيتها:\nفقيل: تسن قراءة البسملة في الصلاة، وهو قول الحنفية، والحنابلة، وحكي قولًا في مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١). كنز الدقائق (ص: ١٦٠)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٤)، البحر الرائق (١/ ٣٢٠، ٣٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)،، مراقي الفلاح (ص: ٩٧)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٠)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٥، ٤٧٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٧)، الإنصاف (٢/ ١١٩)، الإقناع (١/ ١٣٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠)، حاشية الروض (٢/ ١٣٣)، نيل المآرب (١/ ١٤١).\nوقال الدسوقي في حاشيته (١/ ٢٥١): «وقيل: بإباحتها، وندبها، ووجوبها». اهـ وهذه الأقوال خلاف المعتمد في مذهب مالك، والله أعلم.","vol":"2","page":176},{"text":"واستحب بعض المالكية قراءة البسملة بنية الخروج من الخلاف، قال بعض المالكية: وهذا لا ينافي كراهة قراءتها إذا فعلها على وجه أنها فرض (^١).\nوقيل: تجب قراءتها، وهو مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: تكره في الفريضة من الإمام وغيره، وتباح في النافلة، وهذا مذهب الإمام مالك (^٣).\nجاء في المدونة: «قال -يعني ابن القاسم- وقال مالك: لا يقرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في المكتوبة، لا سِرًّا في نفسه، ولا جهرًا، قال: وقال مالك: وهي السنة وعليها أدركت الناس .... وفي النافلة: إِنْ أَحَبَّ فَعَلَ، وإِنْ أَحَبَّ تَرَكَ، ذلك واسع» (^٤).\nوقيل: تباح قراءتها، حكاه الدسوقي في حاشيته (^٥).\nواعترض عليه:\nبأنها ذكر، وأقل أحكامه أنه مندوب، فكون الإنسان يذكر الله، ولا ثواب له\n_________\n(^١). انظر حاشية الدسوقي (١/ ٢٥١)، وجاء في مواهب الجليل (١/ ٥٤٤): «كان المازري يبسمل، فقيل له في ذلك، قال: مذهب مالك على قول واحد من بسمل لم تبطل صلاته، ومذهب الشافعي على قول واحد من تركها بطلت صلاته». وهذا من سعة فقهه ﵀.\n(^٢). الأم (١/ ١٣٠)، المجموع (٣/ ٣٣٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٥)، المهذب (١/ ١٣٨)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٧)، فتح العزيز (٣/ ٣١٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٨).\n(^٣). المدونة (١/ ١٦٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥١)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٤)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨١)، تفسير القرطبي (١/ ٨٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٩)، الشرح الكبير (١/ ٢٥١). .\n(^٤). المدونة (١/ ١٦٢).\n(^٥). حاشية الدسوقي (١/ ٢٥١).","vol":"2","page":177},{"text":"بعيد جدًّا (^١).\n* ويمكن أن يجاب:\nبأن الثواب أوسع، وقد يثاب على المباح، وبعض العبادات قد تحكم عليه بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا يكون مندوبًا لكون النبي ﷺ لم يعمله، كما في قصة الرجل الذي كان يختم قراءته بسورة الإخلاص، فمن جهة أنه مباح لإقرار الرسول ﷺ، ولا يكون مندوبًا لكون النبي ﷺ أكمل منه محبة لصفة الرحمن، ولم ينقل أنه كان يعمل ذلك، فلا تعارض.\nهذه محصلة الأقوال في المسألة، والله أعلم، ونأتي بعد ذلك إلى أدلة القوم.\n* دليل من قال بالاستحباب:\nالدليل الأول:\nلا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى الفاتحة على الصحيح، وقد ذكرنا في المسألة السابقة الأدلة على أن البسملة ليست آية من الفاتحة.\n(ح-١٣٤٥) وأصرح الأدلة على عدم وجوب قراءة البسملة ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وفيه: ... سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي .... الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ قسم الفاتحة بينه وبين عبده ولم يدخل في القسمة البسملة، ولو كانت آية منها لدخلت، وإذا لم تكن آية من الفاتحة لم تجب قراءتها؛ لأن الواجب في الصلاة هو قراءة الفاتحة، فكان حديث أبي هريرة دليلًا على عدم وجوب قراءة البسملة، ونفي الوجوب لا يدل على نفي الاستحباب، وأما الدليل على استحباب قراءتها فانظر الأدلة التالية.\n_________\n(^١). انظر: حاشية الصاوي (١/ ٤).\n(^٢). صحيح مسلم (٣٩٥).","vol":"2","page":178},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٣٤٦) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، حدثنا الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: «آمين». فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^١).\n[لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن عبد الله المجمر، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها] (^٢).\n_________\n(^١). سنن النسائي (٩٠٥).\n(^٢). وأخرجه ابن خزيمة (٤٩٩)، وعنه ابن حبان (١٨٠١)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٣٨).\nوأخرجه الدارقطني في السنن (١١٦٨) حدثنا أبو بكر النيسابوري،\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٤) حدثنا موسى بن هارون،\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٨٤٩)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٨)، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أربعتهم (ابن خزيمة، والنيسابوري، وابن هارون، وأبو العباس) رووه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب.\nوأخرجه البزار (٨١٥٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٩)، وابن الجارود (١٨٤)، والدارقطني (١١٦٩)، والحاكم في المستدرك (٨٤٩) من طرق عن ابن أبي مريم، ثلاثتهم (عبد الله بن عبد الحكم، وشعيب، وابن أبي مريم) عن الليث بن سعد.\nورواه ابن خزيمة (٦٨٨)، وابن حبان (١٧٩٧)، والدارقطني (١١٧٠)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٣٧١) من طريق عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شريح، كلاهما (الليث، وحيوة) روياه عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله المجمر.\nفهذا إسناد مصري كلهم ثقات إلا سعيد بن أبي هلال فإنه صدوق.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n\nوقال الدارقطني: هذا صحيح، ورواته كلهم ثقات. =","vol":"2","page":179},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ثم قرأ بأم القرآن فإنه دليل على أنها ليست من الفاتحة، وإذا لم تكن من الفاتحة فإن قراءتها ليست واجبة في الصلاة، فإنه لا يجب شيء من القرآن في الصلاة سوى فاتحة الكتاب على الصحيح.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٤٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن\n_________\n= وصحح إسناده البيهقي في السنن.\nوقد رواه البخاري (٧٨٥) ومسلم (٢٧ - ٣٩٢) من طريق الزهري، عن أبي سلمة،\nورواه البخاري (٨٠٣) ومسلم (٢٨ - ٣٩٢) من طريق الزهري، أخبرني أبو بكر بن الحارث بن هشام كلاهما (أبو بكر وأبو سلمة) عن أبي هريرة بنحوه، وليس فيه قراءة البسملة، والجهر بها. وقد جمع الزهري شيخيه أبا بكر وأبا سلمة في رواية البخاري (٨٠٣).\nورواه مسلم (٣١ - ٣٩٢) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به، بنحوه.\nورواه أحمد (٢/ ٥٠٢، ٥٢٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٩٦)، وأبو يعلى (٥٩٤٩)، من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به، مختصرًا.\nورواه البخاري (٧٩٥) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بنحوه،\nورواه مسلم (٣٢ - ٣٩٢) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به مختصرًا، وكل هؤلاء لم يذكر البسملة.\nقال ابن عبد الهادي كما في نصب الراية (١/ ٣٣٦): «حديث معلول؛ فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدَّث عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة، وقد أعرض عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة صاحبا الصحيح، فرواه البخاري من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ... وذكر الحديث ... ورواه مسلم بنحو ذلك، هذا هو الصحيح الثابت عن أبي هريرة ....». ...\nوقال ابن عبد البر موصولًا بالكلام السابق: «زيادة نعيم بن عبد الله المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه، بل يغلب على الظن ضعفه».\nوقد يكون الحمل ليس من نعيم المجمر؛ لأنه ثقة، بل قد يكون الحمل على الراوي عنه سعيد بن أبي هلال فإنه صدوق.\nوستأتي مناقشة الجهر بالبسملة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":180},{"text":"جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن أم سلمة كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، يعني: حرفًا حرفًا (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٣٤٨) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها.\nقال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (^٣).\nورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (^٤).\n_________\n(^١). المصنف (٨٧٢٩).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٤٣).\n(^٣). سنن الدارقطني (١١٩٠).\n(^٤). المعجم الأوسط (٥١٠٢)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧).","vol":"2","page":181},{"text":"[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (^١).\nوجه الاستدلال:\nالأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم فعلوا ذلك بهدي من معلمهم رسول الله ﷺ.\nالدليل الخامس:\n(ث-٣١٠) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع،\nأن ابن عمر كانا لا يدع ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يفتتح القراءة بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٢).\nورواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وزاد: فإذا فرغ من الحمد قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٣).\nورواه أبو عاصم، عن ابن جريج به، وزاد: إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة، رواه الطحاوي (^٤).\n(ث-٣١١) ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، أن ابن عباس وابن عمر كانا يفتتحان بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ .... (^٥).\n[صحيح].\nالدليل السادس:\n(ث-٣١٢) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: صليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٦).\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٤٢).\n(^٢). مصنف عبد الرزاق (٢٦٠٨).\n(^٣). المصنف (٤١٥٥).\n(^٤). شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٠).\n(^٥). المصنف (٢٦٢٠).\n(^٦). شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٠٠).","vol":"2","page":182},{"text":"[صحيح].\n* دليل من كره قراءة البسملة في الفريضة:\nالدليل الأول:\nكل دليل احتج به المالكية على أن البسملة ليست آية من القرآن ساقوه دليلًا على أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة لا يبسمل، وقد ذكرت أدلتهم مع مناقشتها، فانظرها هناك.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٤٩) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٥٠) ما رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٢).\nوفي رواية لمسلم: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nرواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به (^٣).\nوفي رواية لمسلم: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] في أول قراءة ولا في آخرها.\nرواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس به (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٤٣).\n(^٣). صحيح مسلم (٥٠ - ٣٩٩).\n(^٤). صحيح مسلم (٥٢ - ٣٩٩).","vol":"2","page":183},{"text":"وقوله: (في أول القراءة، ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة.\nوجه الاستدلال:\nدل الحديث بمنطوقه: أن الصلاة تفتتح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، ومفهومه: أنه لم يكن يفتتح الصلاة بالبسملة.\nورواية مسلم: (لم أسمع أحدًا منهم يقرأ) دليل على ترك القراءة، وليس على ترك الجهر.\nوعلى التنزل أن يكون معنى الخبر في ترك الجهر، فإن ذلك دليل على أنها ليست من القرآن، فلو كان الجهر مختصًّا بالفاتحة لقيل البسملة من القرآن، وليست من الفاتحة، أما إذا كان الجهر لا يختص بالفاتحة، فيجهر المصلي بالقرآن كله بالصلاة الجهرية من غير فرق بين الفاتحة وغيرها، فإن عدم الجهر بالبسملة دليل على أنها خالفت حكم القرآن، وأن حكمها حكم الاستعاذة، والاستعاذة ليست من القرآن، والله أعلم.\n* ويجاب:\nبأن حديث: (لم أسمع أحدًا منهم يقرأ) دليل على نفي السماع المتعلق بالجهر، وليس نفيًا للقراءة، وبينهما فرق، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى فالبحث في المسألة من حيث الصناعة الحديثية يجب أن يكون بمعزل من الفقه؛ لأن الفقه ليس معصومًا، فالحديث عندما يحمل على نفي الجهر فليس ذلك اعتمادًا على الفقه، بل رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة روياه عن وكيع، حدثنا عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] (^١).\nوهذا الإسناد في غاية الصحة، ولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به إمام مثل وكيع في الحفظ والإتقان، فقد تابعه على هذا\n_________\n(^١). رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤١٤٤).\nوأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٩٥) من طريق سلم بن جنادة القرشي،\nورواه الدارقطني (١٢٠١) من طريق يعقوب بن إبراهيم، ومن طريق سفيان بن وكيع، خمستهم عن وكيع به.","vol":"2","page":184},{"text":"جماعة من الرواة، كما لم يتفرد به شعبة عن قتادة، ولو تفرد لم يقدح ذلك في صحة حديثه، كما أنه لم يتفرد به قتادة عن أنس، فقد توبع على ذلك، وكل ذلك سوف أبحثه إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل عند الكلام على حكم الجهر بالبسملة فانظره في المبحث التالي.\nأما الأخذ من مسألة الإسرار بها على أن ذلك دليل على عدم قرآنيتها؛ لأن القرآن إذا قرئ في الصلاة جُهِر به، سواء أكان ذلك في قراءة الفاتحة، أم كان ذلك في قراءة ما يتيسر من السور الأخرى، فهذه مسألة فقهية قائمة على الفهم، وهي محل خلاف بين الجمهور وبين المالكية، والجهر والإسرار حكم توقيفي، فهناك من الصلوات ما لا يجهر فيها بالقرآن جملة لا في الفاتحة، ولا في غيرها، كالصلاة النهارية، وعكسها صلاة الليل، ولا مانع أن يكون هناك قسم ثالث يكون من القرآن ولا يجهر به مطلقًا كالبسملة في الصلاة؛ لأن الجهر والإسرار متلقى من الشارع بمعزل عن كونها قرآنًا أم لا، والجهر قد لا يختص بالقرآن، فهذا التأمين نجهر به، وهو ليس قرآنًا بالإجماع، وقد يلتمس الفقيه العلة من الإسرار بالبسملة، وهو اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ، فلو قيل: إن البسملة لما كانت آية مستقلة، وليست سورة، والجهر إنما يختص بالسور، وإن كان الشأن في هذا كله هو الاتباع.\nوقد يقال: إن ترك الجهر من الرسول ﷺ ومن أبي بكر وعمر وعثمان بناء على إحدى القراءتين، فإن هناك قولًا فقهيًّا يرى البسملة آية في إحدى القراءتين، وليست آية في القراءة الأخرى، وترك الجهر جرى به العمل على إحدى القراءتين بكونها ليست آية، وكلتاهما قراءة متواترة، وهي لا تنفي القراءة الأخرى، وعليه فمن اختار أن يقرأ بقراءة ما نقل أنها آية فعليه أن يجهر بها كسائر القرآن، وقد بحثت مسألة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، وذكرت أدلة القوم، فارجع إليه إن شئت.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٣٥١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل،\nعن أبيه قال: ولم أَرَ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ كان أشد عليه حدثًا في","vol":"2","page":185},{"text":"الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (^١).\n[أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٤١٢٨).\n(^٢). في إسناده يزيد بن عبد الله بن مغفل، ليس معروفًا بالطلب، فليس له إلا هذا الحديث، وله أثر آخر عن عبد الله بن سلام، وقد روى عنه اثنان أو ثلاثة، ولم يؤثر توثيقه عن أحد إلا عن ابن حبان حيث ذكره في الثقات، إلا أن هذا الأثر يرويه عن والده في قصة حصلت له دون غيره، فإذا كان ليس له إلا هذا الحديث عن أبيه، فهو أدعى أن يكون قد حفظه فلو كان مكثرًا لخشي أن يتطرق إليه الخطأ، ويدخل عليه هذا الحديث بغيره من الأحاديث خاصة مع جهالة حاله، وأما والحديث واحد، والقصة حدثت للابن مع أبيه، والابن يحفظ عن أبيه ما لا يحفظه عن غيره من الناس، وقد نهاه أبوه عن ذكر البسملة فيبعد أن يهم فيه من له أدنى حفظ، ولم يجرح في ديانته حتى يرد من هذه الجهة، وقد حسَّن الترمذي حديثه، والحديث الحسن عند الترمذي: هو كل حديث ليس في إسناده متهم، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه، فهو بمنزلة الحديث الحسن لغيره في اصطلاح المتأخرين، ولا يعرف أنه روي عن عبد الله بن مغفل من أكثر من وجه، فلعل الترمذي اعتبر حديث أنس الصحيح كأنه وجه آخر لحديث ابن مغفل.\nقال ابن رجب في شرح الترمذي (٦/ ٤١٥): «يزيد هذا، لم نعلم فيه جرحًا، وقد حسن حديثه الترمذي، وما قاله طائفة من المتأخرين: إنه مجهول، كابن خزيمة وابن عبد البر، فقد علله ابن عبد البر، بأنه لم يَرْوِ عنه إلا واحد فيكون مجهولًا.\n\nيجاب عنه: بأنه قد روى عنه اثنان، فخرج بذلك عن الجهالة عند كثير من أهل الحديث ...».\nوالحديث أخرجه أحمد (٤/ ٨٥) وابن أبي شيبة في المصنف (٤١٢٨)، والترمذي (٢٤٤)، وابن ماجه (٨١٥)، والطوسي في مستخرجه (٢٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، عن إسماعيل بن علية، أثبت أصحاب الجريري.\nورواه أحمد (٤/ ٥٥)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٩٢) من طريق وهيب بن خالد.\nورواه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٨٤) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد،\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٨٣) من طريق يزيد بن هارون (روى عنه بعد الاختلاط).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٢٣) من طريق بشر بن المفضل، خمستهم رووه عن الجريري به.\nخالفهم معمر، فوهم فيه، فرواه عن الجريري، قال: أخبرني من سمع ابن عبد الله بن مغفل يقول: ... وذكر نحوه.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٠٠) عن معمر به. =","vol":"2","page":186},{"text":"الدليل الخامس:\nيمكن أن يستدل للتفريق بين الفرض والنفل وأن النفل أوسع من الفرض\n(ح-١٣٥٢) بما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (^١).\n_________\n= ولم ينفرد به الجريري، فقد تابعه كل من:\nالأول: عثمان بن غياث، قال: حدثني أبو نعامة الحنفي، عن ابن عبد الله بن مغفل، قال: كان أبونا إذا سمع أحدًا منا يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول: إهي إهي، صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر فلم أسمع أحدًا منهم يقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nرواه أحمد (٥/ ٥٤)، والروياني في مسنده (٨٨٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤٤١)، عن يحيى بن سعيد.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٧٦) من طريق روح (هو ابن عبادة) كلاهما عن عثمان بن غياث (ثقة) به.\nورواه خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، واختلف عليه فيه:\nفرواه النسائي (٩٠٨) أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، قال: حدثنا عثمان بن غياث به كرواية القطان وروح.\nورواه سعيد بن منصور، ووهب بن بقية كما ذكر ذلك ابن عبد البر في الإنصاف (ص: ١٧٠)، روياه عن خالد، عن الجريري، عن قيس بن عباية (أبي نعامة) به.\nفالحديث مداره على ابن عبد الله بن مغفل، كما علمت.\nالثاني: راشد بن نجيح أبو محمد، كما في الكنى للدولابي (١٦٦٤)، قال: حدثني قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل، قال: سمعني أبي أجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فقال: يا بني صليت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر ﵄ فكانوا يفتتحون بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوراشد بصري، قال فيه أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ.\n\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).","vol":"2","page":187},{"text":"ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الفرض، فدل على أن النفل أوسع من الفرض.\nالدليل السادس:\nأن التفريق بين النفل والفرض هو عمل أهل المدينة، حكى ذلك القرافي في الذخيرة (^١).\nوقد ناقشت هذا الدليل في مسألة التعوذ، فانظره هناك وفقك الله.\n* دليل من قال: تجب قراءة البسملة مع الفاتحة:\nالدليل الأول:\nأجمع الصحابة على كتابتها في المصحف في عهد عثمان ﵁ مع حرصهم على تجريد المصحف عما سواه حتى لم يكتبوا (آمين)، ولم يكتبوا الاستعاذة مع الأمر بها عند قراءة القرآن فلما كتبوا البسملة في افتتاح كل سورة إلا سورة براءة علم أنها آية من كتاب الله ﷿، والقول بأنها آية مستقلة للفصل بين السور قول ضعيف؛ لثبوتها في أول الفاتحة، وليس قبلها شيء، وإذا وجبت قراءة الفاتحة وجبت قراءة البسملة؛ لأن البسملة آية منها.\nوقد تقدمت أدلة الشافعية على كون البسملة آية من الفاتحة في المبحث السابق، ومن هذه الأدلة:\n(ح-١٣٥٣) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها.\nقال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (^٢).\n_________\n(^١). الذخيرة (٢/ ١٨١).\n(^٢). سنن الدارقطني (١١٩٠).","vol":"2","page":188},{"text":"[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (^١).\nوكونه موقوفًا لا يبطل الاحتجاج به؛ لأن عد الآي توقيفي، لا مدخل للاجتهاد فيه، فيكون له حكم الرفع.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن عد الآي وإن كان الأصل فيه التوقيف إلا أن الخلاف في البسملة دال على أن اعتبارها من الفاتحة أمر اجتهادي ظني.\nالوجه الثاني:\nبأن هذا معارض بما ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا:\n(ث-٣١٣) فقد رواه غندر، وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج، قال: صليت مع أبي هريرة، فلما كبر سكت ساعةً، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾.\n[موقوف صحيح] (^٢).\nقال البخاري بعد رواية غندر: «تابعه معاذ وأبو داود عن شعبة».\nوهذا دليل على أن رواية نعيم بن عبد الله المجمر، عن أبي هريرة بأنه قرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ سِرًّا، وليس جهرًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٥٤) وروى ابن خزيمة من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن أم سلمة، أن النبي ﷺ قرأ في الصلاة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] فعدها آية، و﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] آيتين، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] وجمع خمس أصابعه (^٣).\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٤٢).\n(^٢). أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٨١). وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٧/٢٨٤٣). وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٨/١٣٤١) ..\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٤٩٣).","vol":"2","page":189},{"text":"[ضعيف] (^١).\nالدليل الثالث:\nإذا ثبت أن البسملة آية في غير الفاتحة، كانت آية من الفاتحة من باب أولى؛ لثبوت كونها آية من الفاتحة في بعض القراءات المتواترة.\n(ح-١٣٥٥) من ذلك: ما رواه مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار،\nعن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفًا سورة فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر﴾ [الكوثر: ٣] ... الحديث (^٢).\n* ونوقش هذا:\nبأن قراءة البسملة لا يدل على كونها آية منها، فنحن نستعيذ في الصلاة ولا نعتقد أن الاستعاذة آية من السورة، والفقهاء والقراء مجمعون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وكذلك سورة الإخلاص أربع آيات (^٣).\n* الراجح:\nأن الإمام إن قرأ بقراءة من اعتبرها آية وجب عليه قراءتها، وإن قرأ بقراءة من لم يسمعها آية لم يجب عليه قراءتها، والقراءتان سبعيتان، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر (ح ١٣٤٣).\n(^٢). صحيح مسلم (٥٣ - ٤٠٠).\n(^٣). انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ١١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤)، المبسوط (١/ ١٦).","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الفرع الثالث في الجهر بالبسملة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أجمع العلماء على صحة الصلاة، سواء أجَهَرَ بالبسملة أم أَسَرَّ بها.\n* الإسرار بالبسملة هو المنقول من السنة الفعلية عن النبي ﷺ، وعليه عمل أبي بكر وعمر وعثمان، وروي عن علي بن أبي طالب.\n* لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ، قاله العقيلي والدارقطني، وابن تيمية وغيرهم، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل.\n* صح الجهر بالبسملة عن بعض الصحابة ﵃، ونقله البيهقي في الخلافيات عن آل محمد، فمنهم من فعل ذلك اجتهادًا، ومنهم من فعل ذلك بغرض التعليم خوفًا من ترك قراءتها.\n* الجهر والإسرار توقيفي، فيجهر بالتأمين ويسر بالتعوذ، وكلاهما ليسا من القرآن بالاتفاق، ويسر بالبسملة ويجهر بغيرها من القرآن.\n* الرواية الصريحة بنفي الجهر مفسرة للرواية المحتملة: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين)، والمتشابه يجب رده إلى المحكم، أما رد الروايات الصريحة بالمحتملة فلا يصح، كما لا يجوز رد المحكم إلى المتشابه.\n[م-٥٣٣] اختلف العلماء في الجهر بالبسملة\nفقيل: يكره، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). انظر في مذهب الحنفية: المبسوط (١/ ١٥)، البحر الرائق (١/ ٣٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٤).\nوأما مذهب المالكية فهم يكرهون قراءة البسملة في الفريضة، فإن قرأها فلا يجهر بها، انظر: مواهب الجليل (١/ ٥٤٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥١)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٩)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨)، كشاف القناع (١/ ٣٣٥)، المبدع (١/ ٣٨٣)، حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٧١)، المغني (١/ ٣٤٦)، شرح العمدة لابن تيمية - صفة الصلاة (ص: ٢٨)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٢)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٥٠)، الإنصاف (٢/ ٤٨)، الإقناع (١/ ١١٨).","vol":"2","page":191},{"text":"وقيل: يستحب، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ونقله البيهقي عن آل محمد (^١).\nساق البيهقي بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: اجتمع آل محمد ﷺ على الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ .... (^٢).\nوقيل: يستحب الجهر فيها للمصلحة، كالتأليف والتعليم، نص عليه أحمد، واختاره ابن تيمية (^٣).\nوقيل: الجهر والإسرار سواء،\n* دليل من قال: يكره الجهر بها:\nالدليل الأول:\nلا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ، والأصل عدم المشروعية إلا بدليل.\nفهذا الإمام الدارقطني، قد أفرد المسألة في مصنف، وجمع فيها الآثار المرفوعة والموقوفة، وهو شافعي النزعة، وحين سئل عنها بمصر، قال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مرفوع، وإنما يصح عن بعض الصحابة موقوفًا، وهذا من إنصافه ﵀ (^٤).\n_________\n(^١). الأم (١/ ١٢٩)، المجموع (٣/ ٣٤١)، روضة الطالبين (٢/ ٢٤٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٨)، الإنصاف (٢/ ٤٩).\n(^٢). الخلافيات للبيهقي ط الروضة للنشر والتوزيع (٢/ ٢٩٧).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٤٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٧٧٨).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤١٤)، نصب الراية (١/ ٣٤٧)، عمدة القارئ شرح البخاري (٥/ ٢٨٨)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (١/ ١٣٦)، النفح الشَّذِيُّ شرح جامع الترمذي (٤/ ٣١٨).","vol":"2","page":192},{"text":"وقد سبقه العقيلي، فقال: لا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند (^١).\nوقال ابن تيمية: «إذا كان أهل المعرفة بالحديث متفقين على أنه ليس في الجهر حديث صحيح ولا صريح، فضلًا أن يكون فيها أخبار مستفيضة أو متواترة امتنع أن النبي ﷺ كان يجهر بها، كما يمتنع أنه كان يجهر بالاستفتاح والتعوذ ثم لا ينقل ..... ثم قال: «وإذا كان الجهر بها ليس فيه حديث صحيح صريح، فكيف يمكن بعد هذا أن النبي ﷺ كان يجهر بها، ولم تنقل الأمة هذه السنة، بل أهملوها وضيعوها؟» (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٥٦) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .... الحديث (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٥٧) ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة، عن وكيع، حدثنا شعبة، عن قتادة،\nعن أنس، بلفظ: صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] (^٤).\n[هذا الإسناد في غاية الصحة]\nولم ينفرد وكيع عن شعبة بلفظ: (لا يجهرون)، وإن كان لا يضره لو تفرد به، فقد تابعه على هذا جماعة من الرواة، فقد تابعه علي بن الجعد، وعقبة بن خالد وعبيد الله\n_________\n(^١). الضعفاء الكبير للعقيلي (١/ ٨٠)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤١٤).\n(^٢). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٧، ٤٢٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٤). رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٤١٤٤).\nوأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٩٥) من طريق سلم بن جنادة القرشي،\nورواه الدارقطني (١٢٠١) من طريق يعقوب بن إبراهيم، ومن طريق سفيان بن وكيع، خمستهم عن وكيع به.","vol":"2","page":193},{"text":"ابن موسى وعبد الرحمن بن زياد، وزيد بن الحباب، وأسود بن عامر، وغيرهم (^١).\nولم ينفرد بذلك شعبة عن قتادة، ولو تفرد إمام مثل شعبة في حديث لم يضره، فقد تابع شعبة سعيد بن أبي عروبة كما في سنن النسائي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان (^٢).\nوشيبان كما في الجعديات وصحيح ابن حبان، وشرح معاني الآثار (^٣).\nوهمام من رواية عبيد الله بن موسى عنه كما في سنن الدارقطني، ثلاثتهم رووه عن قتادة به (^٤).\nوهذه متابعة لرواية شعبة من رواية وكيع ومن تابعه عنه.\n_________\n(^١). رواه البغوي في الجعديات (٩٢٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، والدارقطني في السنن (١١٩٩)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (١١٢٦، ٣٠٥٠)، عن علي بن الجعد.\n\nورواه النسائي في المجتبى (٩٠٧)، وفي الكبرى (٩٨١) من طريق عقبة بن خالد.\nوابن الجارود في المنتقى (١٨٣)، والدارقطني في السنن (١٢٠٤)، من طريق عبيد الله بن موسى،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢) من طريق عبد الرحمن بن زياد،\nوالدارقطني (١٢٠٣) من طريق زيد بن الحباب، وكذلك (١٢٠٢) من طريق أسود بن عامر، كلهم عن شعبة به، بلفظ: لا يجهرون ....\n(^٢). سنن النسائي (٩٠٧)، والمنتقى لابن الجارود (١٨١)، وصحيح ابن خزيمة (٤٩٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٠٣).\n(^٣). رواه البغوي في الجعديات (٩٢٢، ١٩٨٦) عن علي بن الجعد، ومن طريق علي بن الجعد أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٧٩٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، ومن حديث أبي طاهر المخلص في المخلصيات (١١٢٦، ٣٠٥٠)، وابن عساكر في معجمه (١/ ٣١)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (١٤١)، وابن عبد البر في الإنصاف (١٦).\nوقد رواه همام عن قتادة: بلفظ: كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n(^٤). رواه الدارقطني (١٢٠٤) من طريق عبيد الله بن موسى حدثنا شعبة وهمام بن يحيى، عن قتادة، وأخشى أن يكون هذا اللفظ هو لفظ شعبة، فإن همام بن يحيى قد رواه عنه بهز وعفان كما في مسند أحمد (٣/ ٢٨٩).\nوهدبة بن خالد كما في فضائل القرآن لجعفر المستغفري (٦١٣)، ثلاثتهم رووه عن همام به، بلفظ: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بعد التكبير بـ ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. هذا لفظ بهز، وقال عفان: يعني في الصلاة بعد التكبير.","vol":"2","page":194},{"text":"وقد رواه غير قتادة عن أنس بنفي الجهر،\nرواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول السورة، ولا في آخرها (^١).\n_________\n(^١). رواه الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: نفي قراءة البسملة، (لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول السورة، ولا في آخرها.\nرواه أبو الطاهر المخلص في المخلصيات (٢١٤٤) من طريق صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق به.\nوهو موافق في لفظه لرواية الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس.\nوقد خرَّج مسلم الحديث من رواية الأوزاعي، عن قتادة، بهذا اللفظ، ثم رواه (٥٢ - ٣٩٩) من طريق محمد بن مهران، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، وأحال في لفظه على لفظ قتادة، فهل رواه بمثله، أو بنحوه؟\nهذا ما لم يصرح به مسلم، لكن رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٣٤) حدثنا محمد بن مهران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم به، فذكره بلفظ: (... وكانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، فأخشى أن يكون دخل على الأوزاعي روايته عن قتادة، بروايته عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.\nاللفظ الثاني: وهو رواية الأكثر (.... كانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nرواه البخاري في القراءة خلف الإمام بإثر (٨٦) حدثنا محمد بن مهران.\nوأبو عوانة (١٦٥٨) من طريق دحيم، كلاهما (محمد بن مهران ودحيم) عن الوليد بن مسلم.\n\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٣) والسراج في حديثه (٢٥٤٣)، وابن عبد البر في الإنصاف (٢١) من طريق محمد بن كثير، كلاهما (الوليد بن مسلم، ومحمد بن كثير) روياه عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به.\nاللفظ الثالث: كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nرواه هشام بن عمار، عن الوليد بن مسلم، واختلف على هشام فيه:\nفأخرجه الخطيب في الجهر بالبسملة مختصر الذهبي (٣٠) من طريق أحمد بن المعلى الدمشقي، أخبرنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، وعبد الحميد بن أبي العشرين، قالا: حدثنا الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nورواه عبيد بن الواحد بن شريك كما في سنن الدارقطني (١٢٠٧)، حدثنا هشام بن عمار، =","vol":"2","page":195},{"text":"كما رواه أبو قلابة، وقيل: أبو نعامة عن أنس، وهو المحفوظ، بلفظ: (... كانوا لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^١).\n_________\n= حدثنا الوليد به، بلفظ: كنا نصلي خلف رسول الله وأبي بكر، وعمر، وعثمان فكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر فيه.\nوعبيد بن عبد الواحد بن شريك صدوق له أوهام.\nورواه أبو نعيم في مستخرجه (٨٨٧) من طريق هشام ودحيم، قالا: حدثنا الوليد بن مسلم به، بلفظ: كنا نصلي خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فيستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به. ولعله هذا لفظ هشام بن عمار وحده، فقد سبق أن خرجت لفظ دحيم بلفظ: (... كانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nورواه محمد بن الصباح، وأبو همام كما في حديث السراج (٢٥٤٤، ٢٥٤٥) كلاهما عن الوليد بن مسلم به، بلفظ عبيد بن عبد الواحد بن شريك عن هشام، فخرج عبيد بن عبد الواحد وهشام بن عمار من عهدته، ومن الخوف من أن يكون رواه هشام في وقت تغيره.\nوكيفما كان فإن هذا اللفظ الأخير هو أضعف ألفاظ الوليد بن مسلم، فالراجح من ألفاظه ما رواه الأكثر: (... أنهم كانوا يفتتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، والله أعلم.\n\n(^١). رواه سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، واختلف على الثوري فيه:\nرواه ابن حبان (١٨٠٢) من طريق هارون الحمال.\nورواه البزار (٦٧٨٩) حدثنا بشر بن خالد العسكري، كلاهما عن يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس.\nتابع يحيى بن آدم، أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (سَيِّئُ الحفظ) كما في علل الدارقطني (١٢/ ٢٤٧)، فرواه عن سفيان به، بذكر أبي قلابة، إلا أنه رواه بلفظ: عن النبي ﷺ أنه كان يفتتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوخالفهما كل من:\nعبد الله بن الوليد كما في مسند أحمد (٣/ ٢١٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٧٦).\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في التاريخ الكبير للبخاري (٨/ ٤٤٢)، ومسند البزار (٦٧٩٠).\nوعمر بن سعد كما في مسند أبي يعلى (٤٢٠٥).\nوعلي بن قادم كما في المجالسة للدينوري (٣٥٦٩)،\nوعبيد الله الأشجعي كما في علل الدارقطني (١٢/ ٢٤٦)، خمستهم رووه عن سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي نعامة الحنفي، عن أنس، فجعلوه عن أبي نعامة، عن أنس بلفظ: لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا هو المحفوظ.\nقال الدارقطني في الأفراد (٢/ ٢٦٩): «هكذا قال يحيى بن آدم في هذا الحديث، وقيل ذلك: عن أبي حذيفة، والمحفوظ عن خالد، عن أبي نعامة، عن أنس».\nوقال البزار: هكذا رواه يحيى بن آدم، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، ورواه غير يحيى بن آدم، عن الثوري، عن خالد، عن أبي نعامة، عن أنس. اهـ ولعل هذا هو المحفوظ.\nوخالف الحذاء سعيد بن إياس الجريري، فرواه عن أبي نعامة، قال: حدثني ابن عبد الله بن المغفل، عن أبيه.","vol":"2","page":196},{"text":"كما روي من طريق ثابت عن أنس، بلفظ: (... فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^١).\n_________\n(^١). رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٦٤)،\nويعقوب بن سفيان في المعرفة (٣/ ٢٢٧) حدثني ابن نمير.\nوابن خزيمة (٤٩٧)، ومن طريقه المستغفري في الفضائل (٦٢٤) حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني،\nوالبغوي في الجعديات (ص: ٢٠٨) عن أحمد بن منصور وغيره،\nوأبو الشيخ في الأقران (٢٧) من طريق عباس بن عبد العظيم،\nوتمام في فوائده (٨٦٦) من طريق محمد بن سعد العوفي ببغداد،\nوالخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٩) من طريق الحسين بن إسماعيل الْمُخَرِّمِي.\nوأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ١٦٤) من طريق أحمد بن يونس،\nوابن عدي في الكامل (٧/ ٢٢٨) من طريق كادح بن رحمة، ومحمد بن عبد الأعلى\nوبحشل في تاريخ واسط (ص: ٢٥٠) من طريق الفضل بن عباس،\nوابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢٠٩) من طريق محمد بن غلاب،\nكلهم (أحمد وابن نمير، والصاغاني، وأحمد بن منصور، وعباس بن عبد العظيم، والعوفي، والمخرمي، وأحمد بن يونس، وكادح، ومحمد بن عبد الأعلى، والفضل بن عباس، ومحمد بن غلاب) رووه عن أبي الجواب، حدثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر، ومع عمر، فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nورواه ابن الأعرابي في المعجم (٧٨٧) أخبرنا الصاغاني والدوري،\nوالترمذي في العلل الكبير (٩٧) حدثنا عبد الله بن أبي زياد، قالا: أخبرنا أبو الجواب به، بلفظ: (.... فكانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٨٤): هذا خطأ، أخطأ فيه الأعمش، إنما هو شعبة عن قتادة عن أنس. اهـ\nوقال الترمذي في العلل الكبير (٩٧): «هذا وهم، والأصح شعبة، عن قتادة، عن أنس». اهـ\n\nوقال ابن عبد البر في الإنصاف (ص: ٢٢٣): «لا يصح لشعبة عن ثابت؛ لأنه لم يروه إلا الأحوص بن جواب عن عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، ولم يروه أصحاب شعبة الذين هم فيه حجة، ولا يعرف للأعمش عن شعبة رواية محفوظة، والحديث لشعبة صحيح عن قتادة لا عن ثابت». اهـ وقال البزار: ولا نعلم روى الأعمش عن شعبة غير هذا الحديث، ولا نعلم حدث به عن الأعمش إلا عمار بن رزيق.\nوقد رواه حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة وحميد، عن أنس إلا أنه بلفظ (.... كانوا يستفتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾). وسيأتي تخريجها إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":197},{"text":"كما رواه منصور بن زاذان عن أنس، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما (^١).\nورواه غيرهم، وأقتصر على ما ذكرت ففيه الكفاية في الاحتجاج.\nوجه الاستدلال من هذه الأحاديث:\nرواه شعبة عن قتادة بنفي الجهر نقلًا صحيحًا صريحًا.\nقال ابن تيمية: «والجهر بها -يعني بالبسملة- لم ينقل نقلًا صحيحًا صريحًا، مع أن العادة والشرع يقتضيان أن الأمور الوجودية أحق بالنقل الصحيح الصريح من الأمور العدمية، وهذه الوجوه مَنْ تَدَبَّرَهَا وكان عالمًا بالأدلة القطعية قطع بأن النبي ﷺ لم يكن يجهر بها» (^٢).\n* رد الشافعية على هذا بردود منها:\nالرد الأول: مسلك الترجيح بين روايات حديث أنس:\nوذلك أن حديث قتادة رواه عنه أصحابه بثلاثة ألفاظ، وهو حديث واحد، فبعضهم رواه على اللفظ، وبعضهم رواه على المعنى بما فهموه، وكان المقدم في الاحتجاج بما روي على اللفظ، لا بما روي على المعنى، لأن الفهم يدخله ما يدخله، وإليك ألفاظ حديث قتادة.\n_________\n(^١). رواه النسائي في المجتبى (٩٠٦)، وفي الكبرى (٩٨٠) من طريق أبي حمزة (يعني السكري: محمد بن ميمون المروزي)، عن منصور به.\nرجاله كلهم ثقات، ولم يعله النسائي بشيء، ورواية منصور عن أنس قليلة جدّا، ليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث، وله حديث في مسند البزار وفي الحلية لأبي نعيم (ملك موكل بالميزان)، وفي إسناده ضعيف ومجهول، وحديث ثالث: القدرية مجوس العرب وإن صلوا وإن صاموا، وهو ضعيف، وفي إسناده اختلاف، فإن صح سماع منصور بن زاذان من أنس فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤١٩).","vol":"2","page":198},{"text":"اللفظ الأول: رواه قتادة عن أنس بلفظ: (كانوا لا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، وهذا اللفظ محمول على المعنى؛ لأنه خارج الصحيحين، وتقدم تخريجه.\nاللفظ الثاني: (كانوا يفتتحون الصلاة وفي لفظ: القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾).\n(ح-١٣٥٨) رواه البخاري، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^١).\nوتابع حفصًا الحوضي وعمرو بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، ويحيى بن السكن، ومحمد بن جعفر في رواية، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن سعيد القطان، كلهم رووه عن شعبة بلفظ: كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^٢).\nوتابع شعبة على هذا اللفظ كل من: هشام الدستوائي، وهمام بن يحيى في رواية، وأيوب إن كان محفوظًا، وسعيد بن أبي عروبة في رواية، وأبي عوانة، وهشام بن حسان، وغيرهم، رووه عن قتادة، عن أنس. قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان يفتتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين، وهكذا رواه\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٣).\n(^٢). رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٨٥)، حدثنا عمرو بن مرزوق.\nورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٠٨٧).\nورواه الدارقطني في السنن (١٢٠٥) من طرقٍ، عن يزيد بن هارون،\nورواه الدارقطني في السنن (١٢٠٦) من طريق يحيى بن السكن،\nورواه ابن خزيمة (٤٩٢) من طريق محمد بن جعفر، خمستهم عن شعبة به.\nقال الدارقطني في السنن (٢/ ٩٣)، ونقله عنه البيهقي في الخلافيات ط الروضة للنشر والتوزيع (٢/ ٣٠٢)، قال: «رواه يزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد القطان، والحسن بن موسى الأشيب، ويحيى بن السكن، وأبو عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق، وغيرهم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ... فقالوا: إن رسول الله ﷺ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.","vol":"2","page":199},{"text":"حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس (^١).\n_________\n(^١). حديث أنس ﵁ رواه عنه قتادة، ورواه عن قتادة كبار أصحابه، ومن رواه بلفظ: (كان يفتتحون القراءة وفي لفظ: الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، منهم:\nالأول: هشام الدستوائي، عن قتادة:\nرواه أحمد (٣/ ١١٤، ١٨٣، ٢٧٣)، وابن أبي شيبة (٤١٤٥)، وأبو يعلى في مسنده (٣١٢٨)، والدارمي (١٢٧٦)، والسراج في حديثه (٢٥٤٢)، عن يحيى بن سعيد القطان.\nوالبخاري في القراءة خلف الإمام للبخاري (٩٠)، وأبو داود في السنن (٧٨٢)، والدارمي في سننه (١٢٧٦)، والمستغفري في فضائل القرآن (٦١٢) حدثنا مسلم بن إبراهيم، كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة بلفظ: (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤١٤٥)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦١٠).\nوعبد الأعلى بن سليمان أبو عبد الرحمن كما في الكنى والأسماء للدولابي (١٥٠١)، كلاهما عن هشام به، بلفظ: (كانوا يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).\nواللفظ الثاني ليس معارضًا للفظ الأول، فالمراد من استفتاح الصلاة: استفتاح القراءة.\nالثاني: همام، عن قتادة.\nرواه أحمد (٣/ ٢٨٩) وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٤١٢) عن بهز،\nورواه أحمد (٣/ ٢٨٩) حدثنا عفان مقرونًا برواية بهز.\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام بإثر ح (٨٨) عن حجاج.\n\nورواه أبو يعلى في مسنده (٢٨٨١)، وجعفر المستغفري في فضائل القرآن (٦١٣) من طريق هدبة بن خالد (القراءة)، أربعتهم (بهز، وعفان، وحجاج، وهدبة) رووه عن همام به.\nورواه الدارقطني في السنن (١٢٠٤) من طريق عبيد الله بن موسى، عن همام مقرونًا بشعبة، عن قتادة، بلفظ: (.... لم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾).\nالثالث: أبو عوانة، عن قتادة.\nأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٨٩)، والترمذي في سننه (٢٤٦)، والنسائي في المجتبى (٩٠٢)، وفي السنن الكبرى له (٩٧٧)، وابن ماجه (٨١٣)، وابن خزيمة (٤٩١)، والسراج في حديثه (٢٥٣٩)، والمستغفري في فضائل القرآن (٦١٤).\nالرابع: أيوب بن تميمة، عن قتادة.\nكما في مسند الشافعي ترتيب السندي (٢١٩)، ومسند أحمد (٣/ ١١١)، ومسند الحميدي (١٢٣٣)، ومسند الشافعي (ص: ٣٦)، وفي السنن المأثورة له (٤١)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٠٣)، وسنن ابن ماجه (٨١٣)، ومسند البزار (٧٠١٠)، وفي الجامع لابن وهب ت رفعت عبد المطلب (٣٥٥)، والثالث من الفوائد المنتقاة للحربي (٦١)، والسراج في حديثه (٢٥٤١)، وابن الأعرابي في المعجم (١٢٢٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٧٥)، =","vol":"2","page":200},{"text":"قال ابن عبد البر: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط ﴿بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ من أول فاتحة الكتاب ....» (^١). يقصد ابن عبد البر من هذا الطريق خاصة.\nوهذه الرواية محمولة على اللفظ:\nأولًا: لأنه اختيار البخاري في صحيحه، وقد رواها عن قتادة كبار أصحابه،\n_________\n= وفي المعرفة (٢/ ٣٨٠).\nورواه عبد الله في العلل ومعرفة الرجال (٥٧٤٠) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب به، قال عبد الله: فحدثت بهذا الحديث أبي، فقال: أخبرناه إسماعيل بن علية عن سعيد، وليس هو عن أيوب، وأنكره.\nوقال البزار: لا نعلم أسند أيوب عن قتادة، عن أنس غير هذا الحديث.\nالخامس: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة:\nكما في مسند أحمد (٣/ ١٠١، ٢٠٥، ٢٥٥)، وفي العلل ومعرفة الرجال رواية عبد الله (٥٧٤٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤١٣٠)، ومسند أبي يعلى (٢٩٨٠، ٢٩٨١، ٢٩٨٤، ٣١٣١)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، والبحر الزخار (٧٠١١)، ومستخرجه أبي عوانة (١٦٥٩)، وابن حبان (١٧٩٨)، ومستخرج الطوسي (٢٢٨)، والسراج في حديثه (٢٥٣٤، ٢٥٣٧)،.\nورواه العباس بن عبد الله التَّرْقُفِيُّ، عن الفريابي، عن سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، واختلف على الترقفي، فرواه ابن المقرئ في معجمه (٨٢٩) حدثنا حسين بن علي بن داود أبو علي الحافظ النيسابوري، حدثنا محمود، حدثنا التَّرْقُفِيُّ، بلفظ الجماعة.\nورواه ابن حبان (١٨٠٣)، قال: أخبرنا عبد الله بن قَحْطَبَةَ، بفم الصلح، قال: حدثنا العباس ابن عبد الله الترقفي به، بلفظ: أن النبي ﷺ، وأبا بكر، وعمر، رضوان الله عليهما لم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، وكانوا يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بلفظ: (... فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ ﴿بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾). وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\nالسادس: حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت وحميد، عن أنس، وكان حميد لا يذكر النبي ﷺ، كما في مسند أحمد (٣/ ١٦٨، ٢٨٦)، وفي القراءة خلف الإمام للبخاري (٨٨)، ومسند أبي يعلى (٣٠٩٣، ٣٥٢٢، ٣٨٧٤)، وصحيح ابن حبان (١٨٠٠).\n\n(^١). الإنصاف لابن عبد البر (ص: ٢١٣).","vol":"2","page":201},{"text":"شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهمام، وقد تابع قتادة على هذا اللفظ كل من حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.\nوثانيًا: لأن هذا اللفظ يوافق لفظ حديث عائشة في مسلم: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة:٢] (^١).\nاللفظ الثالث: عن شعبة: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٢).\nوهذا اللفظ من أفراد مسلم رواه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به (^٣).\nوتابع محمد بن جعفر على ذلك أبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد (^٤).\nقال الدارقطني: «وكذلك رواه معاذ بن معاذ وحجاج بن محمد، ومحمد بن بكر البرساني، وبشر بن عمر، وقراد أبو نوح، وآدم بن أبي إياس، وعبيد الله بن موسى، وأبو النضر، وخالد بن يزيد المزرفي، عن شعبة مثل قول غندر، وعلي بن الجعد، عن شعبة سواء» (^٥).\nوقد تجنب البخاري إخراج الحديث بهذا اللفظ، مما يدل على أن روايته على المعنى، وليس على اللفظ.\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨) من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة.\n(^٢). صحيح مسلم (٥٠ - ٣٩٩).\n(^٣). رواه مسلم (٥٠ - ٣٩٩)، وأحمد (٣/ ١٧٦، ٢٧٣)، وأبو يعلى (٣٠٠٥)، وابن خزيمة (٤٩٤)، والدارقطني (١٢٠٠)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٨٨٥)، والمستغفري في فضائل القرآن (٦١٦)، وأبو الشيخ الأصبهاني في الفوائد (٨)، من طريق محمد بن جعفر به.\n(^٤). أخرجه مسلم (٥١ - ٣٩٩) عن محمد بن المثنى،\nوعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٣/ ٢٧٨)، حدثنا أبو عبد الله السلمي،\nوأبو يعلى (٣٢٤٥) عن أحمد بن إبراهيم الدورقي،\nوالسراج (١٩٥، ٢٥٤٠) حدثنا يعقوب بن إبراهيم، أربعتهم عن أبي داود الطيالسي، وساق إسناده مسلم، ولم يذكر لفظه.\n\nورواه أحمد (٣/ ١٧٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٥٦)، من طريق حجاج.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢) من طريق عبد الرحمن بن زياد، كلاهما عن شعبة به،\n(^٥). سنن الدارقطني (٢/ ٩١).","vol":"2","page":202},{"text":"وجمع بين اللفظين الأوزاعي عن قتادة، فرواه مسلم من طريق الأوزاعي، قال: كتب إليه قتادة يخبره عن أنس، بلفظ: (فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول قراءة ولا في آخرها).\nفقوله: (ولا في آخرها) تفرد بذلك الأوزاعي، عن قتادة (^١).\nفكان صدر الحديث مرويًّا باللفظ، وآخره على المعنى.\nوإذا كان حديث قتادة حديثًا واحدًا، منه ما أداه راويه على اللفظ ومنه ما أداه راويه على المعنى، ولا بد من قول ذلك؛ لأن في بعض الروايات من المعنى ما ليس في الأخرى، كان اللفظ مقدمًا على المعنى؛ فيكون الراجح في لفظه: (أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢])، لموافقته حديث عائشة.\nوالمقصود: أنهم يفتتحون بهذه السورة، والتي منها ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، لا أنه نفي لقراءة البسملة، وتسمية الفاتحة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] ثابت في صحيح البخاري.\n(ح-١٣٥٩) فقد روى البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى مرفوعًا: ... ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته (^٢).\nهذا معنى جواب الشافعية على نفي قراءة البسملة (^٣).\nوقد أعلَّ الدارقطني والخطيب والبيهقي وبعض الشافعية لفظ (نفي القراءة) ورأوا أن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه (كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]) (^٤).\nقال الدارقطني في السنن: وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس (^٥).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٢ - ٣٩٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٤٧٤).\n(^٣). انظر مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح (ص: ٢٦١).\n(^٤). انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٧٦٦).\n(^٥). سنن الدارقطني (٢/ ٩٣).","vol":"2","page":203},{"text":"* وأجيب على هذا الرد:\nالجواب الأول:\nأن القاعدة عند أهل العلم أنه لا يصار إلى الترجيح إلا إذا تعذر الجمع، والجمع غير متعذر، وسوف نبين وجه الجمع عند الجواب على دعوى الاضطراب.\nالجواب الثاني:\nكون إحدى الروايات محتملة والباقي صريحة، لا يقتضي هذا التعارض بينها، بل تحمل الرواية المحتملة على الرواية الصريحة.\nقال ابن رجب: «إذا كان أحد الألفاظ محتملًا، والآخر صريحًا لا احتمال فيه، علم أنهم أرادوا باللفظ المحتمل: هو ما دل عليه اللفظ الصريح الذي لا احتمال فيه، وأن معناهما عندهم واحد، وإلا لكان الرواة قد رووا الحديث الواحد بألفاظ مختلفة متناقضة، ولا يظن ذلك بهم مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورعهم.\nلا سيما وبعضهم قد زاد في الحديث زيادة تنفي كل احتمال وشك، وهي عدم ذكر قراءة البسملة في القراءة، وهذه زيادة من ثقات عدول حفاظ، تقضي على كل لفظ محتمل، فكيف لا تقبل؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي، فقيه أهل الشام وإمامهم وعالمهم، مع ما اشتهر من بلاغته، وفصاحته، وبلوغه الذروة العليا من ذلك.\nوالذي روى نفي قراءة البسملة من أصحاب حميد، هو مالك، ومالك مالك في فقهه، وعلمه، وورعه، وتحريه في الرواية، فكيف ترد روايته المصرحة بهذا المعنى برواية شيوخ ليسوا فقهاء لحديث حميد بلفظ محتمل؟\nفالواجب في هذا ونحوه: أن تجعل الرواية الصريحة مفسرة للرواية المحتملة؛ فإن هذا من باب عرض المتشابه على المحكم، فأما رد الروايات الصريحة للرواية المحتملة فغير جائز، كما لا يجوز رد المحكم للمتشابه» (^١).\nوقال ابن تيمية ﵀: من زعم أن بعض الناس روى حديث أنس بالمعنى الذي فهمه، وأنه لم يكن في لفظه إلا قوله: (يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٩٤).","vol":"2","page":204},{"text":"الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] ففهم بعض الرواة من ذلك نفي قراءتها، فرواه من عنده، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو أبعد الناس علمًا برواة الحديث وألفاظ روايتهم الصريحة التي لا تقبل التأويل، وبأنهم من العدالة والضبط في الغاية التي لا تحتمل المجازفة، أو أنه مكابر صاحب هوى يتبع هواه، ويدع موجب العلم والدليل .... (^١).\nالجواب الثالث:\nكيف يحكم على رواية نفي الجهر بالشذوذ، وراويها عن قتادة مثل شعبة ... والراوي عن شعبة جماعة من أصحابه على رأسهم محمد بن جعفر، وهو المقدم في أصحاب شعبة، وتابع محمد بن جعفر على هذا جمع كثير منهم وكيع وعلي ابن الجعد، كما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان، عن قتادة، ثم قال ابن حجر: ويشهد لحديث أنس ﵁ المذكور حديث عبد الله بن المغفل ﵁، وذكر الحديث (^٢).\nالجواب الرابع:\nأن قتادة قد كتب بالحديث إلى الأوزاعي باللفظين كما في صحيح مسلم: فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، لا يذكرون: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ في أول القراءة، ولا في آخرها.\nفدل على أن قتادة كان يروي الحديث على الوجهين.\nالرد الثاني: الحكم على حديث أنس بالاضطراب.\nقال ابن عبد البر: لا يجوز الاحتجاج بحديث قتادة؛ لتلونه، واضطرابه، واختلاف ألفاظه مع تغاير معانيها، فلا حجة في شيء منها عندي؛ لأنه قال مرة: كانوا يفتتحون (بالحمد لله رب العالمين) ومرة، قال: كانوا لا يجهرون ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ومرة: كانوا لا يقرؤونها، ومرة: لم أسمعهم يقرؤونها، ومرة قال، وقد سئل عن ذلك بعد، فقال: كبرت، ونسيت.\nفحاصل هذه الطريقة إنما نحكم بتعارض الروايات ولا نجعل بعضها أولى\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٢٧).\n(^٢). انظر النكت (٢/ ٧٦٦).","vol":"2","page":205},{"text":"من بعض، فيسقط الجميع، ونظير ما فعلوا في رد حديث أنس هذا ما نقله الخطابي في معالم السنن عن أحمد بن حنبل أنه رد حديث رافع بن خديج في المزارعة لاضطرابه وتلونه وقال: هو حديث كثير الألوان (^١).\nوأشار الدارقطني إلى اضطرابه في العلل (^٢).\nوكذا فعل الخطيب كما في كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا (^٣).\nوحكم الحازمي في الاعتبار على رواية: نفي الجهر بالبسملة بالاضطراب، وقال: ولهذا امتنع البخاري من إخراجه، وهو من مفاريد مسلم (^٤).\n* وأجيب على هذا الرد:\nالجواب الأول:\nأن الاضطراب لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع، والجمع غير متعذر:\nووجه الجمع بين رواية: أنهم كانوا يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾.\nوبين روايتي: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nورواية: (فلم يكن أحد منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nأن يقال: الرواية الأولى: دلت على نفي سماع قراءة البسملة بالمفهوم، فلا يلزم من قوله: (كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين) على نفي قراءتها سرًّا، بل على نفي الجهر بها.\nوباقي الروايات: دلت على نفي سماع القراءة بالمنطوق، وكون المنطوق أقوى من المفهوم فهذا مُسَلَّم، فإذا اتفق المفهوم مع المنطوق فلا حاجة لدعوى التعارض، غايته: أن أحدهما أصرح دلالة من الآخر وأقوى.\nفخلاصة طريقة الجمع: أن يحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على\n_________\n(^١). انظر: التمهيد (٢/ ٢٣٠)، الاستذكار (١/ ٤٣٦)، الإنصاف لابن عبد البر (ص: ٢٢٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٢٣٥)، المجموع (٣/ ٣٥٢).\n(^٢). العلل (١٢/ ٢٠٦).\n(^٣). انظر كتاب ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا (ص: ٢٧)، وما بعدها.\n(^٤). الاعتبار في الناسخ والمنسوخ (ص: ٨١).","vol":"2","page":206},{"text":"نفي الجهر، ولا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا البسملة سِرًّا (^١).\nالجواب الثاني:\nأن ابن عبد البر والخطيب قد نقل عنهما تصحيحه أيضًا، وليس قولهما بالاضطراب بأولى من قولهما بالصحة.\nفقد قال ابن عبد البر في كتاب الإنصاف بعد أن رواه من رواية أيوب، وشعبة، وهشام الدستوائي، وشيبان، وابن أبي عروبة، وأبي عوانة، عن قتادة، قال: «فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ من أول فاتحة الكتاب» (^٢).\nوقال في التمهيد: «فقد ثبت عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]» (^٣).\nالجواب الثالث:\nأن كلام ابن عبد البر والخطيب والبيهقي معارَضٌ بتصحيح البخاري ومسلم، وقولهما مقدم على قول غيرهما، وقد تأيد ذلك بقول جمع من علماء هذا الفن، كابن رجب وتقدم كلامه، وابن تيمية، وابن حجر والزيلعي (^٤).\nبل هذا الإمام ابن خزيمة بالرغم من أنه شافعي المذهب فقد ذهب إلى تصحيحه، وحمل نفي قراءة البسملة على الإسرار بها.\nوقال ابن تيمية ﵀: نَقل شعبة عن قتادة ما سمعه من أنس في غاية الصحة، وأرفع درجات الصحيح عند أهله؛ إذ قتادة أحفظ أهل زمانه، أو من أحفظهم، وكذلك إتقان شعبة، وضبطه هو الغاية عندهم.\nقال الحافظ ابن حجر: «ويؤيده -يعني حمل النفي على عدم الجهر- من رواه عنه بلفظ فلم يكونوا يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، كذا رواه سعيد بن أبي عروبة\n_________\n(^١). انظر: فتح الباري (٢/ ٢٢٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣١١).\n(^٢). الإنصاف (ص: ٢١٣).\n(^٣). التمهيد (٢٠/ ٢٠٢).\n(^٤). انظر كلام ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٢٢٨)، ونصب الراية (١/ ٣٢٩، ٣٣٠).","vol":"2","page":207},{"text":"عند النسائي وابن حبان وهمام عند الدارقطني.\nوشيبان عند الطحاوي وابن حبان.\nوشعبة أيضا من طريق وكيع عنه، عند أحمد أربعتهم عن قتادة.\nقال الحافظ: «ولا يقال: هذا اضطراب من قتادة؛ لأنا نقول قد رواه جماعة من أصحاب أنس عنه كذلك، ثم ذكر أنه قد رواه عن أنس كل من إسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبي قلابة، وأبي نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر.\nثم قال الحافظ: فطريق الجمع بين هذه الألفاظ: حمل نفي القراءة، على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر ....» (^١).\nالرد الثالث على حديث أنس:\nأن أنسًا ﵁ قد سئل عن الافتتاح بالبسملة فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ، وهذا يعارض ما رواه قتادة عنه، فيتساقطا.\n(ح-١٣٦٠) فقد روى أحمد، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، قال قتادة:\nسألت أنس بن مالك بأي شيء كان يستفتح رسول الله ﷺ القراءة؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد (^٢).\n[صحيح].\nتابع أبو مسلمة سعيد بن يزيد (ثقة) قتادة على هذا:\nفرواه أحمد، قال: حدثنا غسان بن مضر (^٣).\nورواه أحمد أيضًا، قال: حدثنا إسماعيل (يعني ابن علية) (^٤)، كلاهما (غسان وإسماعيل) عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، قال:\nقلت لأنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، أو ﴿الْحَمْدُ للّهِ\n_________\n(^١). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٢٨).\n(^٢). المسند (٣/ ١٧٦، ٢٧٣).\n(^٣). المسند (٣/ ١٦٦).\n(^٤). المسند (٣/ ١٩٠).","vol":"2","page":208},{"text":"رَبِّ الْعَالَمِين﴾؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه، أو ما سألني أحد قبلك.\nهذا لفظ غسان بن مضر.\nوفي لفظ إسماعيل: إنك لتسألني عن شيء ما سألني عنه أحد.\n[صحيح] (^١).\nقال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي: «وهذا دليل على توقف أنس، وعدم جزمه بواحد من الأمرين، وروي عنه الجزم بكل واحد منهما فاضطربت أحاديثه، وكلها صحيحة، فتعارضت، فسقطت ....» (^٢).\n* وأجيب على هذا الرد من وجوه:\nالوجه الأول:\nلقد سئل أنس من قبل قتادة، وسئل من قبل أبي مسلمة، فإن كان المسؤول عنه واحدًا، فأجاب أنس قتادة بما حفظه من صلاته مع النبي ﷺ، وصلاته مع خلفائه أبي بكر وعمر وعثمان، وتوقف عن إجابة أبي مسلمة، فالحجة في جواب أنس فيما تذكر، لا فيما توقف فيه، سواء أكان سؤال أبي مسلمة سابقًا لسؤال قتادة، فيكون تذكر بعد أن كان ناسيًا، أم كان متأخرًا عنه، بأن يكون نسي بعد أن كان ذاكرًا، فإذا تذكر أنس وجزم بالجواب كان تذكره هو الحجة، وليس من شرط قبول كلام الراوي ألا يتطرق إليه نسيان سابق أو لاحق.\nقال الحافظ ابن حجر: «إن سؤال أبي مسلمة كان متقدمًا على سؤال قتادة بدليل قوله في روايته: لم يسألني عنه أحد قبلك، فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكرٍ لذلك، فأجاب بأنه لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه، فلعله تذكره لما سأله قتادة، أو قاله لهما معًا، فحفظه قتادة دون أبي مسلمة، فإن قتادة أحفظ من أبي مسلمة بلا نزاع (^٣).\nوأَسْتَبْعِد أن يكون أنس قد نسي، ثم تذكر؛ لأن الأمر يتعلق بالصلاة، فهل\n_________\n(^١). رواه الدارقطني في السنن (١٢٠٨)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٨٢) من طريق العباس بن يزيد، حدثنا غسان بن مضر به، وقال: هذا إسناد صحيح.\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٥٤).\n(^٣). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٢٨).","vol":"2","page":209},{"text":"يمكن لأنس أن يذهل عن شيء حفظه من صلاة النبي ﷺ وقد صحب النبي ﷺ عشر سنين، وحفظه عن خلفائه وقد صحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فإذا كان حكم قراءة الفاتحة في الصلاة ليس عرضة للنسيان، فكذلك حكم البسملة فيها، ولقد رأيت من كبار السن من لا يتعرف على أولاده بسبب تقدم العمر، ولا يضيع شيئًا من صلاته.\nوإن كان المسؤول عنه مختلفًا، فلا يستنكر اختلاف الجواب لاختلاف السؤال، وإن كنت أرجح أن جواب أنس ﵁ لقتادة لم يختلف عن جوابه لأبي مسلمة:\nفقول أنس لقتادة: ما سألني عنه أحد قبلك، ليس اعتذارًا عن الجواب، وإنما إشادة بقتادة، وحرصه على العلم.\nوكان الجواب في إحدى الروايتين: أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، وهو يتضمن نفي قراءة البسملة، كما في رواية البخاري.\nوفي رواية مسلم: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nوقول أنس لأبي مسلمة: لا أحفظه، أي لا أحفظ الجهر بالبسملة، فيكون الضمير في قوله: (لا أحفظه) عائدًا إلى المسؤول عنه، ويكون قوله: لا أحفظه جوابًا وليس اعتذارًا عن الجواب كما فهمه بعضهم، فيتفق الجواب في الروايتين:\nإحداهما: تنقل الاستفتاح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾.\nوالثانية: لا تحفظ الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، والمعنى واحد، يدل على عدم الجهر بالبسملة (^١).\nوالدليل على أن السؤال من قتادة ومن أبي مسلمة كان عن الاستفتاح بالبسملة، لا عن الاستفتاح بأي سورة.\nأن مسلمًا روى الحديث من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة بلفظ: فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nثم ساق مسلم رواية أبي داود الطيالسي، عن شعبة، قال: فقلت لقتادة أسمعته\n_________\n(^١). ذكر الجهر بالبسملة مختصرًا الأصل للخطيب ومختصره الذهبي، مخطوط نشر في برنامج جوامع الكلم المجاني التابع لموقع الشبكة الإسلامية (ص: ٢٩).","vol":"2","page":210},{"text":"من أنس، قال: نعم، نحن سألناه.\nقال ابن حجر في النكت تعليقًا «فهذا اللفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة، لا عن سماع الاستفتاح بأي سورة» (^١).\nيقصد الحافظ: أن شعبة كان سؤاله لقتادة عن عدم سماع قراءة البسملة.\nوأما سؤال أبي مسلمة فهو أصرح، حيث قال لأنس بن مالك: أكان النبي ﷺ يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، أو الحمد لله رب العالمين؟\nالوجه الثاني:\nقتادة حين سأل أنسًا ﵁، أكان يسأله عن الاستفتاح بأي سورة، أم كان يسأله عن الاستفتاح، أهو بالبسملة أم بالحمد لله رب العالمين؟\nفلا يصح أبدًا أن يقال: إن قول أنس: إنهم كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين أي يفتتحون بهذه السورة جوابًا على سؤال قتادة، وهو مما لا يخفى على عامة المسلمين، فقتادة أكبر شأنًا من أن يسأل عن ابتداء مطلق القراءة، أكان بالفاتحة أم بغيرها؟ لأن علم مثل هذا ضروري، يدركه صبيان المسلمين، فينبغي أن يحمل جواب أنس: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين على معنى نفي قراءة البسملة، وهو الذي يسأل عنه قتادة، وقد يخفى على العالم، ويقع فيه النزاع، بين كبار أهل العلم، لا على الافتتاح بالفاتحة.\nالوجه الثالث:\nعلى فرض أن يكون جواب أنس لقتادة مختلفًا عن جوابه لأبي مسلمة، فإنه لابد من الترجيح بينهما والترجيح سيكون لصالح رواية قتادة؛ لأن قتادة أحفظ من أبي مسلمة ولا مقارنة إن كان النسيان من قبل أبي مسلمة، وكذا إن كان النسيان من قبل أنس، فيقال: حفظ قتادة جواب أنس وقت تذكره، ولم ينقله أبو مسلمة، فمن حفظه حجة على من سأله في وقت نسيانه، ذكر ذلك ابن عبد البر في الإنصاف (^٢).\n_________\n(^١). النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٦٠).\n(^٢). انظر الإنصاف لابن عبد البر (ص: ٢٣٠).","vol":"2","page":211},{"text":"الرد الرابع للشافعية:\nأن رواية الأوزاعي، عن قتادة مكاتبة، وكاتبه مجهول؛ لأن قتادة ولِدَ أعمى (^١).\n* وأجيب:\nالجواب الأول:\nأن الأوزاعي لم يتفرد بروايته عن قتادة حتى يعلل به حديثًا رواه البخاري ومسلم، فقد رواه عن قتادة شعبة، وهشام، وابن أبي عروبة، وهم من الطبقة الأولى من أصحاب قتادة، كما تابعهم على هذا همام وشيبان وأبو عوانة وحجاج الباهلي، وحماد بن سلمة، وهشام بن حسان وغيرهم، وكلهم ثقات، وقد سبق تخريج ذلك.\nالجواب الثاني:\nكونه مكاتبةً لا يقدح في صحة الحديث عند جمهور أهل العلم، قد ذكر القاضي عياض: أن العمل بالمكاتبة عليه جمهور العلماء وأدخلوه في المسند بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه، ووثوقه بأنها من كاتبها (^٢).\nوقد تقبل الأوزاعي كتاب قتادة، وعمل بمقتضاه، ورواها مسلم في صحيحه، وكل ذلك دليل على صحة الكتاب.\nالرد الخامس:\nأن حديث أنس بنفي قراءة البسملة معارض بما رواه هو وغيره مرفوعًا عن النبي ﷺ من الجهر بها، وإذا تعارض الإثبات والنفي قدم الإثبات؛ لأن معه زيادة علم، وسوف أذكر هذه الأحاديث في أدلة الجهر بالبسملة إن شاء الله تعالى، ونجيب عنها.\nالدليل الرابع على ترك الجهر:\n(ح-١٣٦١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا ابن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل،\nعن أبيه قال: ولم أَرَ رَجُلًا من أصحاب النبي ﷺ كان أشد عليه حدثًا في\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٢٨)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (١/ ٢٨٣).\n(^٢). انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي (٣/ ٥٤٦)، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع (ص: ٦٨).","vol":"2","page":212},{"text":"الإسلام منه قال: سمعني وأنا أقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قال: يا بني، إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقول ذلك، إذا قرأت فقل: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢] (^١).\n[أرجو أن يكون حسنًا، وهو شاهد صالح لحديث أنس] (^٢).\nوظاهره يدل على نفي القراءة، لكنه محمول على نفي السماع المتضمن عدم الجهر بدلالة حديث أنس الصريحة بنفي الجهر.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٣٦٢) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: ٢]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ٣]، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾ [الفاتحة: ٤]، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥] قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.\nورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.\nورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم (^٣).\n_________\n(^١). المصنف (٤١٢٨).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: ح (١٣٥١).\n(^٣). صحيح مسلم (٣٩٥).","vol":"2","page":213},{"text":"وجه الاستدلال:\nفإذا لم تدخل البسملة في قِسْمَةِ آي الفاتحة لم تأخذ حكم الفاتحة من وجوب القراءة ومشروعية الجهر بها.\n* دليل من قال: يستحب الجهر بالبسملة:\nالدليل الأول:\nكل دليل ساقه الشافعية على أن البسملة آية من الفاتحة استدلوا به هنا على مشروعية الجهر، لأن ما كان آية منها فيجهر بها كسائر أبعاضها، وعلى التنزل أن تكون آية من القرآن، وليست من الفاتحة فإن القرآن كله إذا قرئ في الصلاة فإنه يجهر به، من غير فرق بين الفاتحة وبين قراءة ما يتيسر من غير الفاتحة.\nوقد سبق لنا مناقشة قرآنية البسملة في مبحث مستقل، فانظره إن أردت.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٦٣) ما رواه النسائي من طريق الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول: كلما سجد الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^١).\n* وأجيب بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن حديث أبي هريرة لم يروه إلا نعيم بن عبد الله المجمر، وفيه علتان:\nالعلة الأولى: التفرد، حيث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم المجمر، وأين أصحاب أبي هريرة عن هذا الحديث؟.\nقال ابن عبد الهادي نقلًا من نصب الراية: «ذكر البسملة مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمانمائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت\n_________\n(^١). سنن النسائي (٩٠٥).","vol":"2","page":214},{"text":"عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه ﵇ كان يجهر بالبسملة في الصلاة» (^١).\nوالتفرد علة عند المتقدمين، إلا أني أرى أن الحمل فيه على تفرد سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، وحكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وعادة أهل الحديث أن يكون الحمل على أضعف رجل في الإسناد.\nالعلة الثانية: المخالفة، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة والجهر بها، وهو المحفوظ (^٢).\nالجواب الثاني:\nلا يلزم من العلم بقراءة أبي هريرة للبسملة أن يكون قد جهر بها، فالقراءة أخص من الجهر، فقد يكون سمع منه البسملة في مخافَتَةٍ لقربه منه، وربما سمع بعض الصحابة من النبي ﷺ بعض الآي في الصلاة السرية، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تسمع أحيانًا بعض قراءة من بجانبك، وإن لم يقصد الجهر، وقد يكون أبو هريرة جهر للتعليم، كما جهر عمر بدعاء الاستفتاح، والله أعلم.\nالجواب الثالث:\nأن الحديث قال: (فقرأ البسملة ثم قرأ بأم القرآن) والعطف يقتضي المغايرة، وفيه إشارة إلى أن البسملة ليست من أم القرآن، فلا تأخذ حكمها في الجهر.\nولو تنازلنا وقلنا: حديث أبي هريرة ظاهره يدل على الجهر بالبسملة، فإن دلالته من قبيل دلالة الظاهر.\nوالظاهر عند الأصوليين: ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر بخلاف دلالة النص، فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.\nوإذا تعارض الظاهر مع النص قدم النص، وحديث أنس ﵁ نص في عدم الجهر بالبسملة، فكيف يُقدَّم حديث أبي هريرة على حديث أنس، وقد روى أبو هريرة الحديث القدسي في قسمة الفاتحة بين الله وبين العبد، ولم تدخل\n_________\n(^١). نصب الراية (١/ ٣٣٦).\n(^٢). انظر تخريجه في الحاشية الأولى من الصفحة التالية.","vol":"2","page":215},{"text":"البسملة في القسمة، والله أعلم.\nالجواب الرابع:\nأن أبا هريرة كان يقصد بهذا الحديث الرد على من ترك التكبير في الصلاة في رفعه وخفضه، كما هو ظاهر من لفظ الصحيحين، وهو ما عناه بقوله: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^١).\nفإن كانت التسمية محفوظة في حديث أبي هريرة، ولا إخالها، فالمراد منه مشروعية التسمية، لا مشروعية الجهر بها، ويكون التشبيه بصلاة النبي ﷺ عنى به أبو هريرة مطلق التشبيه، لا مقتضاه من كل وجه، كما جهر أبو هريرة بالاستعاذة ونقلتُ عنه الرواية بهذا في مبحث الاستعاذة، ولم يقصد أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يجهر بالاستعاذة، بل قصد أبو هريرة إلى التنبيه إلى مشروعية الاستعاذة، لا مشروعية الجهر بها.\n_________\n(^١). رواه البخاري (٨٠٣) من طريق الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة ابن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة\"، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.\nورواه مسلم (٢٨ - ٣٩٢) من طريق ابن جريج،\nورواه أيضًا (٢٩ - ٣٩٢) من طريق عقيل، كلاهما (ابن جريج وعقيل) عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وحده.\nورواه كذلك (٣٠ - ٣٩٢) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (٢٧ - ٣٩٢) من طريق مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بلفظ: كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ.\nورواه مسلم (٣١ - ٣٩٢) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به، بنحو لفظ مالك.\nفهذا هو المحفوظ من حديث أبي هريرة، فإن كانت التسمية محفوظة فقد عنى بها مشروعية قراءة البسملة، لا مشروعية الجهر بها.","vol":"2","page":216},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٣٦٤) ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق عثمان بن خرزاذ، حدثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري، قال:\nصليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح، والمغرب فكان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ (^١).\n[حديث معلول اختلف فيه في إسناده ولفظه] (^٢).\n_________\n(^١). سنن الدارقطني (١١٧٩)، والحاكم (٨٥٤)، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٨٣).\n(^٢). قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات. اهـ\nوقال البيهقي في معرفة السنن (٢/ ٣٨٣): رواة هذا الإسناد كلهم ثقات.\nقلت: ابن أبي السري وثقه ابن معين كما في تهذيب التهذيب (٣/ ٦٨٦)، وقال ابن حبان في الثقات (٩/ ٨٨): كان من الحفاظ. وقال فيه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٨/ ١٠٥): لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقال الذهبي في الميزان: له أحاديث تستنكر.\nوقال ابن وضاح كما في إكمال تهذيب الكمال (١٠/ ٣٢٨): كثير الحفظ كثير الوهم.\nوفي التقريب: صدوق عارف له أوهام كثيرة.\nقلت: وهذا الحديث معدود في أوهامه، وله أكثر من علة:\nالعلة الأولى: الاختلاف على المعتمر بن سليمان في ذكر البسملة.\n\nفقد رواه المعتمر بن سليمان، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه ابن أبي السري، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس في الجهر بالبسملة.\nقال ابن رجب كما في فتح الباري له (٦/ ٤٠٣): خرَّجه الدارقطني بإسناد منقطع وجادة وجدها في كتاب عن محمد بن المتوكل بن أبي السري العسقلاني .... اهـ\nورواه عبد الله بن حرب كما في معجم ابن الأعرابي (١٩٩٧)، قال: سمعت معتمر بن سليمان، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أَنَسًا، يقول: ما آليت ما اقتديت بكم به من صلاة رسول الله ﷺ، قال أبي: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أنس، قال المعتمر: ما آليت ما اقتديت بكم من صلاة أبي، قال عبد الله بن حرب: وصلى لنا المعتمر، فكان إذا كبر رفع يديه في كل خفض ورفع، وبين الركعتين.\nفلم يذكر فيه الجهر بالبسملة.\nوقد توبع ابن أبي السري على ذكر البسملة، رواه الدارقطني (١١٨٠) من طريق عبد الله بن =","vol":"2","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= محمد بن إبراهيم الطائي، حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nإلا أن محمد بن إبراهيم الطائي فيه جهالة، لم أقف على ترجمة له.\nقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٠٣): وفي إسناده مجاهيل لا يعرفون.\nورواه الطبراني في الكبير (١/ ٢٥٥، ٢٥٦) ح ٧٣٩، حدثنا عبد الله بن وهيب الغزي، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، أن النبي ﷺ كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، وأبو بكر وعمر ﵄.\nوشيخ الطبراني مجهول الحال.\nورواه الحاكم في المستدرك (٨٥٥) من طريق أبي جابر سيف بن عمرو، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا مالك، عن حميد، عن أنس بنحوه.\nانفرد بهذا الطريق الحاكم في المستدرك، وقال: إنما أخرجته شاهدًا، قال الحافظ الذهبي كما في تلخيص مستدرك الحاكم (١/ ١٨٧): أما استحيا المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع، فأشهد بالله ولله أنه لكذب.\nوقال ابن رجب في الفتح (٦/ ٤٠٦): تخريج هذا في المستدرك من المصائب، ومن يخفى عليه أن هذا كذب على مالك، وأنه لم يحدث به على هذا الوجه قط، إنما روى عن حميد، عن أنس، أن أبا بكر وعمر، وعثمان، كانوا لا يقرؤون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. اهـ\nالعلة الثانية: مخالفة سليمان التيمي لأصحاب أنس.\nفقد رواه قتادة، وإسحاق بن أبي طلحة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، ومنصور بن زاذان، وأبو قلابة، وأبو نعامة، كلهم رووه عن أنس باللفظ النافي للجهر بالبسملة، والجمع مقدم على الواحد.\nقال الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٠٥) بعد أن ذكر رواية ابن أبي السري وإبراهيم القاضي: «وهذا بخلاف رواية أصحاب أنس عنه».\nالعلة الثالثة: أنه قد اختلف فيه على المعتمر،\nفروي عنه من مسند أنس، وقد تقدم، وعلمت ما فيه.\nوروي عن المعتمر، قال: حدثني إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\nفجعله من مسند ابن عباس.\nرواه الترمذي (٢٤٥)، والبزار كما في كشف الأستار (٥٢٦)، حدثنا أحمد بن عبدة.\nوالدارقطني (١١٦٢)، والبيهقي في المعرفة (٢/ ٣٦٨) من طريق أبي الأشعث أحمد بن المقدام.\nورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٤٥) ح ١٢٧١٨ من طريق عاصم بن علي ومسدد، ... والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٩) من طريق يحيى بن معين. =","vol":"2","page":218},{"text":"الدليل الرابع:\n(ث-٣١٤) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله بن عثمان ابن خثيم، عن عبد الله بن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد (^١)،\nأن معاوية صلى بالمدينة للناس العتمة، فلم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ولم يكبر بعض هذا التكبير الذي يكبر الناس، فلما انصرف ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار فقالوا: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت، أين: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]؟ والله أكبر حتى تهوي ساجدًا؟ فلم\n_________\n= ورواه أيضًا (٢/ ٦٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ستتهم، (ابن معين وإسحاق بن راهويه، ومسدد، وأحمد بن عبدة وأبو الأشعث، وعاصم بن علي) رووه عن المعتمر به.\nوهذا أرجح من طريق ابن أبي السري لسببين:\nالأول: أن هؤلاء جماعة رووه عن المعتمر، وكلهم حفاظ، وبعضهم أئمة، في مقابل ابن أبي السري وهو واحد، وكثير الوهم.\nالثاني: أن ابن أبي السري قد يكون سلك فيه سبيل الجادة.\nوإذا كان المعروف فيه أنه من رواية المعتمر، عن إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد الوالبي، عن ابن عباس، فإن هذا الإسناد ضعيف.\nإسماعيل بن حماد ليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث عند الترمذي، وحديث خطبة الحاجة في السنن الكبرى للنسائي.\nقال ابن معين: ثقة، كما في الجرح والتعديل (٢/ ١٦٤)، وتهذيب التهذيب (١/ ١٤٧).\nوقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، الجرح والتعديل (٢/ ١٦٤).\nقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك.\nوقال أبو زرعة في أبي خالد الوالبي كما في الجرح والتعديل (٩/ ٣٦٥): لا أدري من هو، لا أعرفه.\nوقال العقيلي: حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول، يعني به حديثنا هذا.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٥٠٢) من طريق يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر، قال: سمعت إسماعيل بن حماد يحدث عن عمران بن خالد، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوهذا اختلاف ثالث على المعتمر.\nقال ابن عدي: وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ، سواء قال: عن أبي خالد، أو عن عمران بن خالد، جميعًا مجهولان.\n\n(^١). الصواب (عن عبد الله أبي بكر).","vol":"2","page":219},{"text":"يعد معاوية لذلك بعد (^١).\nورواه يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، عن معاوية.\n[تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم، على اختلاف عليه في إسناده ولفظه] (^٢).\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٦١٨).\n(^٢). هذا الحديث له ثلاث علل:\nالأولى: أنه تفرد به عبد الله بن عثمان بن خثيم.\nقال ابن رجب كما في كتابه فتح الباري (٦/ ٤٠٢): «وقد تفرد بهذا الحديث عبد الله بن عثمان بن خثيم، وليس بالقوي ....».\nوقال النسائي في رواية: ليس بالقوي في الحديث.\nوقال ابن معين في رواية: أحاديثه ليست بالقوية، ووثقه ابن معين والنسائي في رواية أخرى عنهما، وغايته أن يكون حسن الحديث، فلا يحتمل منه هذا التفرد.\nالعلة الثانية: المخالفة، ذلك أن هذا الأثر الموقوف بإسناد غريب مخالف لما رواه الثقات عن أنس بن مالك مرفوعًا عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، وقد رواه عن أنس مثل قتادة، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبي نعامة، وأبي قلابة، وغيرهم، ويكفي أن رواية قتادة مخرجة في الصحيحين، وسبق تخريجها في أدلة القول الأول.\nالعلة الثالثة: ... الاختلاف في إسناده على ابن خثيم:\nفقيل: عن ابن جريج، عن ابن خثيم، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد:\nرواه ابن جريج، واختلف عليه:\n\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦١٨) عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، أن معاوية صلى بالمدينة.\nوهذا الإسناد منقطع، لأن الظاهر أن أبا بكر لم يسمع من معاوية.\nوخالف عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عبد الرزاق، فرواه عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك أخبره، قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة ... وذكر الأثر.\nأخرجه الشافعي في المسند (ص: ٣٦)، وفي السنن المأثورة (٤٣)، ومن طريق الشافعي أخرجه الدارقطني في السنن (١١٨٧)، والحاكم في المستدرك (٨٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٧١)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٧٣). فخالف فيه في إسناده وفي لفظه:\nأما في إسناده، فقد زاد فيه أنس بن مالك بين أبي بكر، وبين معاوية، فوصله. =","vol":"2","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما في لفظه، فذكر أن معاوية جهر بالبسملة في أم القرآن، ولم يجهر فيها في السورة التي تليها، ورواية عبد الرزاق أنه أسر بالبسملة في كل القراءة.\nقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٥٩): «وعبد المجيد أقعد من ابن جريج وأضبط لحديثه من عبد الرزاق، وذكر عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه سئل عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فقال: ثقة، كان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان أصحابه يصلحون كتبهم بكتابه». اهـ\nوقيل: عن ابن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه،\nرواه إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، واختلف عليه:\nفرواه إسماعيل بن عياش كما في سنن الدارقطني (١١٨٨)، قال: حدثنا عبد الله بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده، أن معاوية قدم المدينة حَاجًّا، أو معتمرًا، فصلى بالناس فلم يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتح القرآن، وقرأ بأم الكتاب، فلما قضى الصلاة أتاه المهاجرون والأنصار من ناحية المسجد، فقالوا: أتركت صلاتك يا معاوية؟ أنسيتَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما صلى بهم الأخرى قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوابن عياش ضعيف إذا روى عن غير أهل بلده، وهذا منه، وقد أخطأ في إسناده، حيث زاد قوله: (عن جده)، كما لم يذكر في لفظه ترك التكبير.\nوخالفه الفضل بن العلاء كما في مختصر الجهر بالبسملة للذهبي (ص: ٢٦)،\nويحيى بن سليم ومعه آخر كما في مسند الشافعي (ص: ٣٧)،، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٧٢)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٧٤)، كلاهما (الفضل بن العلاء، ويحيى بن سليم) روياه عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن معاوية بنحوه.\nفهذه ثلاثة اختلافات على ابن خثيم في إسناده.\nفذهب البيهقي في أحد قوليه كما في معرفة السنن وابن التركماني إلى ترجيح رواية ابن جريج؛ لضبطه.\nوقال البيهقي في السنن: يحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما.\nوقال الإمام الشافعي: وأحسب هذا الإسناد أحفظ من الإسناد الأول، إشارة منه إلى ترجيح رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، على رواية ابن جريج.\nولعل سبب الترجيح يرجع لأمرين: الأول: الاختلاف على ابن جريج.\nالثاني: أن يحيى بن سليم متقن لأحاديث ابن خثيم حيث كانت عنده في كتاب.\nوأما طريق ابن عياش فهو ليس داخلًا في الترجيح؛ لأنه ضعيف إذا روى عن غير أهل بلده.\nولا يستبعد أن يكون الحمل فيها على ابن خثيم، فإن مدار الحديث عليه، وهو ليس بالحافظ، حتى يحتمل منه هذا الاختلاف، ويكون هذا منه دليلًا على اضطرابه، والله أعلم.\nوقد ضعف ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٢/ ١٧٨) وابن عبد الهادي وابن رجب حديث معاوية بأمور منها:\nأحدها: أن الثابت عن أنس بالرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة مخالف لهذه الرواية، =","vol":"2","page":221},{"text":"* ويجاب:\nبأن الحديث فيه اضطراب في إسناده ولفظه، وعلى فرض صحته فالموقوف لا يعارض به المرفوع من حديث أنس، وحديثه في الصحيحين.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٣٦٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة،\nعن أم سلمة كان النبي ﷺ يقرأ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، يعني: حرفًا حرفًا (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوروي أن ذلك كان في الصلاة، وأنه عدها آية منها، ولا يصح، وسبق تخريجه.\n_________\n= إشارة إلى شذوذها، ومخالفتها لرواية الثقات.\nالثاني: أن مدار ذلك الحديث على ابن خثيم، وقد ضعفه طائفة، إشارة إلى علة التفرد.\nالثالث: الاختلاف في إسناده على ابن خثيم على ثلاثة طرق، إشارة إلى اضطرابه.\nالرابع: تعليله بالانقطاع، إشارة إلى الاختلاف على ابن جريج في عدم ذكر أنس في إسناده.\nالخامس: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية حين قدم المدينة لم يذكر أحد أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه، لأن أصحاب أنس المعروفين بصحبته، وأهل المدينة لم ينقل أحد منهم هذه القصة، بل المنقول عن أنس، وأهل المدينة نقيض ذلك، إشارة إلى نكارة متنه.\nالسادس: أن مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو من سنتهم، إشارة إلى نكارة متنه.\nالسابع: لو رجع معاوية إلى الجهر بالبسملة كما نقلوه لكان هذا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، إشارة إلى ما فيه من النكارة.\nالثامن: على فرض صحته فغايته أن يكون موقوفًا على جماعة من الصحابة، فكيف ترد به الرواية الصحيحة الصريحة المرفوعة.\n\n(^١). المصنف (٨٧٢٩).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٤٣).","vol":"2","page":222},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ قرأ البسملة حين قرأ الفاتحة، والحديث وإن لم يكن فيه التصريح بأن ذلك كان في الصلاة، إلا أنه مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل حتى القراءة داخل الصلاة، ومن فرق بين داخل الصلاة وخارجها فعليه الدليل.\n* وأجاب الجصاص على هذا الاستدلال:\nالأول: أن أم سلمة نعتت قراءة النبي ﵇ ولم تذكر أن ذلك كان في الصلاة.\nالجواب الثاني: أن الحديث لا دلالة فيه على جهر ولا إخفاء؛ لأن أكثر ما فيه أنه قرأها، ونحن كذلك نقول أيضًا ولكنه لا يجهر بها\nالجواب الثالث: جائز أن يكون النبي ﵇ أخبرها بكيفية قراءته فأخبرت بذلك، ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ من غير جهر بها، فسمعته لقربها منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها، وهذه لم تكن صلاة فرض؛ لأنه ﵇ كان لا يصلي الفرض منفردًا بل كان يصليها في جماعة ... (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-١٣٦٦) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد ابن جعفر أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قرأتم: الحمد لله فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١] إحداها.\nقال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله، ولم يرفعه (^٢).\nورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: الحمد لله رب العالمين سبع آيات، إحداهن ﴿بِسْمِ\n_________\n(^١). انظر أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٨).\n(^٢). سنن الدارقطني (١١٩٠).","vol":"2","page":223},{"text":"اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي فاتحة الكتاب (^١).\n[روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nالأثر وإن كان الأصح أنه موقوف، فالموقوف حجة على الصحيح، إذا لم يخالف مرفوعًا، ولم يخالفه صحابيٌّ مثله؛ لأن الظن أنهم أخذوا ذلك من رسول الله ﷺ.\n* ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول: بأن الأثر تضمن أحكامًا منها: قراءة البسملة، وهذا لا إشكال فيه، وأن البسملة آية من الفاتحة، وهذا فيه خلاف سبق تحريره، وعلى التنزل أنها آية من الفاتحة فلا يلزم منه الجهر، لأن الجهر توقيفي، متلقى من الشارع، فالتأمين يجهر به على الصحيح، وهو ليس من القرآن، والبسملة لا يجهر بها، وإن كانت من القرآن، والأثر لم يتعرض للجهر فلا حجة فيه على مسألتنا، والله أعلم.\nالوجه الثاني: أن هذا الأثر معارض للحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... الحديث رواه مسلم، وسبق ذكره، وهو أصح من هذا الأثر، والله أعلم.\nالدليل السابع:\n(ث-٣١٥) ما رواه الطحاوي من طريق أبي زيد الهروي، قال: حدثنا شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال:\nصليت خلف ابن الزبير، فسمعته يقرأ بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٣).\nورواه البيهقي من طريق أحمد بن سلمان، قال: قرئ على عبد الملك بن محمد، وأنا أسمع، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة به، بلفظ: فقرأ، فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.\n_________\n(^١). المعجم الأوسط (٥١٠٢)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٧).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٤٢).\n(^٣). شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٠٠).","vol":"2","page":224},{"text":"[صحيح] (^١).\nالدليل الثامن:\n(ح-١٣٦٧) ما رواه الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقي، حدثني أبي، عن أبيه قال: صلى بنا المهدي فجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾، فقلت له في ذلك، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده،\nعن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nوهناك آثار أخرى تركتها اقتصارًا على ما ذكر، واختصارًا لأن البحث قد كتب فيه العلماء مؤلفات خاصة، ولو توجه الباحث لجمع جميع الآثار لخرج مجلد\n_________\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٧١)، وأحمد بن سلمان سمع من عبد الملك بآخرة، وكان عبد الملك بن محمد قد تغير بآخرة بعد أن خرج إلى بغداد.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤١٥٦) حدثنا سهل بن يوسف، ومعاذ بن معاذ،\nورواه الخطيب البغدادي في الجهر بالبسملة اختصار الذهبي (ص: ٢٢) من طريق المعتمر، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني أن ابن الزبير كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، زاد ابن أبي شيبة: ما يمنعهم منها إلا الكبر.\n(^٢). المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٧٧) ح ١٠٦٥١.\n(^٣). شيخ الطبراني ضعيف، قال الذهبي: له مناكير.\nوقال أبو أحمد الحاكم: فيه نظر، سألت أبا الجهم أحمد بن الحسين عنه، فقال: كان قد كبر، فكان يلقن ما ليس من حديثه، فيتلقن، وأخبرنا أبو الجهم عنه بأحاديث بواطيل، عن أبيه، عن جده.\nوقال أبو حاتم الرازي: سمعته يقول: لم أسمع من أبي شيئًا.\n\nورواه الطبراني في الأوسط أيضًا (٣٥)، والدارقطني في السنن (١١٦١)، والمستغفري في فضائل القرآن (٥٧٨).\nوقد روي عن ابن عباس ما يخالفه، فقد روى عبد الرزاق في المصنف (٢٦٠٥)\nوابن أبي شيبة في المصنف (٤١٤٣) حدثنا وكيع، كلاهما عبد الرزاق ووكيع، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قراءة الأعراب.\nورواه البزار كما في كشف الأستار (٥٢٥) من طريق أبي سعد البقال، عن عكرمة به.\nوقال عكرمة: أنا أعرابي إن جهرت بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ويظهر أنه إنما أخذ ذلك من شيخه ابن عباس، انظر فتح الباري لابن رجب (٦/ ٤٢٠).","vol":"2","page":225},{"text":"وحده في حكم الجهر بالبسملة، والعلماء مجمعون على صحة صلاة من جهر ومن أَسَرَّ بالبسملة، فالخطب سهل، ولله الحمد.\n* دليل من قال: يستحب الإسرار إلا أن يجهر بها أحيانًا لمصلحة:\nأن الجهر بالبسملة أحيانًا يكون فيه بعض المصالح، من ذلك:\nالمصلحة الأولى: ترك المداومة على السنة إذا خيف اعتقاد وجوبها، خاصة إذا كان مداوم ذلك ممن يقتدى به.\nالمصلحة الثانية: إذا كان الجهر بها لمصلحة التعليم من أجل أن يعلم عامة الناس أن البسملة تقرأ، ولا تترك، ولذلك كان ابن عباس يجهر في قراءة الفاتحة في الجنازة أحيانًا.\nالمصلحة الثالثة: الجهر أحيانًا لمصلحة التأليف.\nجاء في مطالب أولي النهى: «اختار الشيخ تقي الدين أن يجهر المصلي بالبسملة أحيانًا تألفًا لمن يقتدي به من الشافعية ... فإنه أي فعل ذلك أحيانًا المنصوص عن الإمام أحمد، ويكون قصده بذلك تعليمًا للسنة وللتأليف، واستعطاف القلوب، وعدم النفرة، فإن المخالف في فرع إذا رأى شخصًا مثابرًا على فعل لا يراه، ربما يصير في نفسه منه شيء، ثم ينمو ذلك الشيء، ويزاد إلى أن يؤدي إلى النفرة التي تؤثر في النفس، فينشأ منها ما لا خير فيه» (^١).\n* دليل من قال: الجهر والإسرار سواء:\nهذا القول نظر في أدلة الجمهور وفي أدلة الشافعية فأخذ منهما جواز الإسرار والجهر، فأيهما اختار فقد أصاب.\n* ويناقش:\nبأن الجهر لم يثبت في حديث صحيح، ولو كان الجهر سنة لنقل إلينا في الأحاديث الصحيحة، وأما الإسرار فهو ثابت عن النبي ﷺ، وعن خلفائه أبي بكر، وعمر، وعثمان، وروي عن علي ﵁، فليس الجهر والإسرار على حد\n_________\n(^١). مطالب أولي النهى (١/ ٧٧٨).","vol":"2","page":226},{"text":"سواء في الحكم، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن الإسرار هو الثابت بالسنة الفعلية المرفوعة، وهو عمل الخلفاء الراشدين، وأن الجهر بها أحيانًا يجوز إذا كان لمصلحة، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون بقدرها، فلا يغلب الجهر الإسرار، ومصلحة التعليم يمكن أن تكون بالقول، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث السابع في قراءة الفاتحة في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفرع الأول في حكم قراءتها</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب حديث في أعلى درجات الصحة اتفق عليه الشيخان، ودلالته نصية.\n* كل نفي فإنه يحمل أولًا على نفي الوجود، فإن وجد العمل حمل النفي على الصحَّة، فإنْ صَحَّ حمل النفي على الكمال، ولما كانت صورة الصلاة قد توجد في الخارج من دون الفاتحة تعين حمل النفي على الصحة: أي لا صلاة صحيحة.\n* يمكن حَمْلُ النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) على الوجود، وذلك بحمل النفي على الصلاة الشرعية دون الباطلة؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على الحقيقة الشرعية؛ لكونه بعث لبيان الشرعيات دون اللغويات.\n* لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب نفيٌّ بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره: لا صلاة بحضرة طعام.\n* ليست كل زيادة على النص تعتبر نسخًا حتى ترفع الحكم السابق.\n[م-٥٣٤] اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة\nفقال الحنفية: قراءة القرآن في الصلاة فرض: ولا يتعين ذلك في الفاتحة، وقراءة الفاتحة واجبة، والمراد بالواجب عندهم: ما تصح الصلاة بتركه مع الإثم ويجب بتركه ساهيًا سجدتا السهو (^١).\n_________\n(^١). تعبر كتب الحنفية أن قراءة القرآن في الصلاة فرض، واختلفوا في ركنيتها، وجمهورهم على أنها ركن، إلا أنهم قسموا الركن إلى: أصلي: وهوما لا يسقط إلا لضرورة.\n\nوزائد: وهوما يسقط في بعض الصور من غير تحقق ضرورة، وجعلوا القراءة من هذا القسم، فإنها تسقط عن المأموم بالاقتداء، وتسقط عن مدرك الركوع بالإجماع، وهو تقسيم اصطلاحي، وإلا فالأصل أن الركن جزء من الماهية، فلا يوصف بالزائد، انظر البحر الرائق (١/ ٣٠٨، ٣٠٩).\nويفرق الحنفية بين الفرض والواجب خلافًا للجمهور، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب: ما ثبت بدليل ظني، ومن الفروق في الأحكام: أن الواجب يجبر تركه بسجود السهو خلافًا للفرض، فلا تصح الصلاة من دونه.\nانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٢٧٦)، تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، البحر الرائق (١/ ٣١٢)، المبسوط (١/ ١٩).","vol":"2","page":228},{"text":"قال في بدائع الصنائع: «المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين، فأما قراءة الفاتحة والسورة عينًا في الأوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة» (^١).\nوقال الجمهور: قراءة الفاتحة ركن (^٢).\nوقيل: قراءة الفاتحة سنة، اختاره ابن شبلون من المالكية، وبه قال أحمد في رواية إلا أنه قال: يجزئ غير الفاتحة، قال في الفروع: ظاهره أن الفاتحة سنة، وبه قال الحسن وجماعة من التابعين (^٣).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ١١١، ١٦٠)،.\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٤)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٠١)، التاج والإكليل (٢/ ٢١١)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٦)، مواهب الجليل (١/ ٥١٨)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٩)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥١)، بداية المجتهد (١/ ١٣٤)، الذخيرة (٢/ ١٨٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، المقدمات الممهدات (١/ ١٥٩).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٢٩)، المجموع (٣/ ٣٢٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٨)، تحفة المحتاج (١/ ٤١٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٧٦).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٢٩)، والروايتين والوجهين (١/ ١١٧)، الإنصاف (٢/ ١١٢)، المغني (١/ ٣٥٠)، الفروع (٢/ ١٧٢)، المبدع (١/ ٣٨٥)، الإقناع (١/ ١٣٣)، منتهى الإرادات (١/ ١٨٨).\n(^٣). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٤٠٠٢) بسند صحيح عن الحسن، عن رجل لم يقرأ بفاتحة الكتاب، قال: إن كان قرأ غيرها أجزأ عنه.\nورواه ابن أبي شيبة (٤٠٠٧) عن الحكم، وسنده حسن. =","vol":"2","page":229},{"text":"* دليل من قال: الفاتحة ركن:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٦٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،\nعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (^١).\nورواه الدارقطني من طريق زياد بن أيوب، عن ابن عيينة به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب (^٢).\n[رواه زياد عن ابن عيينة بلفظ: (لا تجزئ) وهو شاذ] (^٣).\n_________\n= وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣١٠)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥، ٣٣٦).\nجاء في مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: ١٠٣): وقال أحمد في رجل يصلي، فلما قام في الركعتين نسي أن يقرأ فاتحة الكتاب، وقرأ قرآنًا، قال: وما بأس بذلك، أليس قد قرأ القرآن؟. اهـ\n\nوقال في الإنصاف (٢/ ١١٢): «وعنه -أي عن أحمد- ليست ركنًا مطلقًا، ويجزئه آية من غيرها، قال: في الفروع: وظاهره، ولو قصرت ... وأن الفاتحة سنة».\nوهذا القول يتفق مع الحنفية أن الفاتحة ليست ركنًا، ويختلف عنهم بأن الحنفية يرون أن الفاتحة واجبة، وتجبر بسجود السهو، وإن كان الحنفية يرون أن ترك الواجب عمدًا لا يبطل الصلاة، وتركه سهوًا يجبر بسجود السهو، بخلاف هذه الرواية عن أحمد فهو يرى أن الواجب هو قراءة آية من القرآن، ولا تتعين الفاتحة، وأن قراءة الفاتحة سنة. وانظر: الروايتين والوجهين (١/ ١١٧)، المغني (١/ ٣٤٣)، الفروع (٢/ ١٧٢).\n\n(^١). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\n(^٢). سنن الدارقطني (١٢٢٥)، ومن طريقه رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٠).\n(^٣). رواه زياد بن أيوب عن سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة به مرفوعًا بلفظ: (لا تجزئ) وزياد ثقة،\nوتابعه على ذلك العباس بن الوليد، أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه وساقه الحافظ ابن حجر بإسناده إليه كما في موافقة الخبر الخبر (١/ ٤١٥) حدثنا عمران بن موسى من أصل كتابه، حدثنا عباس بن الوليد النرسي، حدثنا عن سفيان بن عيينة به،\nقال الحافظ في موافقة الخبر الخبر (١/ ٤١٤)، والعباس وزياد كلاهما من شيوخ البخاري، والله أعلم. =","vol":"2","page":230},{"text":"وجه الاستدلال:\nلنا ثلاثة طرق في توجيه الاستدلال بالحديث على بطلان الصلاة إذا لم تقرأ فيها فاتحة الكتاب.\nالطريق الأول:\nأن النفي إذا ورد على عبادة، فإنه يحمل أول ما يُحمَل على نفي الوجود، فإن لم يمكن حُمِل على نفي الصحة، فإن لم يمكن حُمِل على نفي الكمال.\nوقوله ﷺ في الحديث: (لا صلاة ...) فالنفي هنا لا يمكن حمله على وجود الصلاة؛ لتصور وجود صورة الصلاة في الخارج، فصار النفي محمولًا على الإجزاء:\n_________\n= فلعلهما رويا الحديث بالمعنى، إلا أن مخالفتهما لكبار أصحاب ابن عيينة تجعل روايتهما شاذة، ومن هؤلاء:\nابن المديني عند البخاري (٧٥٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٣).\nوإسحاق بن راهويه، كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\nوابن أبي شيبة كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦١٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٨٢).\nوالإمام أحمد كما في المسند (٥/ ٣١٤).\nوالحميدي، كما في مسنده (٣٩٠)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٦٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٨).\nوالشافعي، كما في المسند (ص: ٣٦).\nومحمد بن منصور كما في المجتبى من سنن النسائي (٩١٠)، والسنن الكبرى له (٩٨٤).\nوابن أبي عمر وعلي بن حجر كما في سنن الترمذي (٢٤٧).\n\nوهشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، وإسحاق بن إسماعيل كما في سنن ابن ماجه (٨٣٧).\nوعبد الجبار بن العلاء كما في صحيح ابن خزيمة (٤٨٨)، وسنن الدارقطني (١٢٢٥).\nوابن المقرئ ومحمود بن آدم وعلي بن خشرم كما في المنتقى لابن الجارود (١٨٥).\nوحجاج بن منهال كما في المسند للشاشي (١٢٧٧)،\nوسوار بن عبد الله العنبري، ومحمد بن عمرو بن سليمان كما في سنن الدارقطني (١٢٢٥).\nوالحسن بن محمد الزعفراني كما في سنن الدارقطني (١٢٢٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٧).\nوعبد الله بن عمر بن أبان كما في شعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٤٧)، كل هؤلاء وغيرهم رووه عن سفيان بن عيينة به، ولم يقل واحد منهم لفظ: (لا تجزئ ...)، والله أعلم.","vol":"2","page":231},{"text":"أي لا صلاة صحيحة، ولا يصح حمله على التمام، أي: لا صلاة كاملة؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأنه يستلزم نفي الكمال من غير عكس.\nولأن النفي لم يتوجه للصلاة، وإنما توجه على حصول الصلاة للرجل، لقوله ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ ...) وهو عبارة عن نفي الانتفاع بها، ونفي خروجه من العهدة، وذلك يعني عدم صحتها.\nوقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم الفريضة والنافلة.\nالطريق الثاني:\nأن المراد من نفي الصلاة نفي الصلاة بمعناها الشرعي، لا اللغوي؛ لأن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه؛ لأنه المحتاج إليه فيه، لكونه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات اللغة، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام دعوى نفي الذات؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار الإجزاء، ولا الكمال، لأنه يؤدي إلى الإجمال، ولأن نفي الإجزاء هو السابق إلى الفهم، ولأن المركب كما أنه ينتفي بانتفاء جميع أجزائه فكذلك بانتفاء بعضها، ولأنه روي بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (^١).\nالطريق الثالث:\nلا يمتنع أن يكون النفي في قوله: لا صلاة نفي بمعنى النهي: أي لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم من طريق القاسم عن عائشة مرفوعًا: لا صلاة بحضرة الطعام، فإنه في صحيح ابن حبان: لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٦٩) ما رواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ\n_________\n(^١). انظر فتح الباري (٢/ ٢٤١).\n(^٢). انظر المرجع السابق.","vol":"2","page":232},{"text":"بها في نفسك ... الحديث (^١).\nورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام، فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي (^٢).\n[لفظ: (لا تجزئ) لفظ شاذ، وقد رواه أصحاب شعبة بلفظ: فهي خداج، وكذا رواه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٨ - ٣٩٥).\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (٤٩٠).\n(^٣). الحديث مداره على العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nفرواه ابن خزيمة في صحيحه (٤٩٠)، وابن حبان (١٧٨٩)، وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٤٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٦٢)، من طريق وهب بن جرير، عن شعبة، عن العلاء به.\nقال ابن حبان: لم يقل في خبر العلاء هذا: (لا تجزئ صلاة) إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير، ومحمد بن كثير.\nوقد خالفهما في شعبة جمع من الرواة، منهم:\nمحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٢/ ٤٥٧)، ومسند البزار (٨٢٩٧)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١٩٦).\nووكيع كما في مسند أحمد (٢/ ٤٧٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٧٦)،\nوابن أبي عدي كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٦٢)،\nوسعيد بن عامر كما في مسند أبي يعلى (٦٤٥٤)، وشرح معاني الآثار (٣/ ١٢٢، ٢١٥)،\nوداود بن إبراهيم القزويني كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١٩٥)،\nويحيى بن سعيد كما في القراءة خلف الإمام (ص: ١٩٥، ١٩٦)،\nوعبد الله بن المبارك كما في الكامل لابن عدي (٦/ ٣٧٣)، سبعتهم رووه عن شعبة به، بلفظ: من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج. ولم يقل أحد منهم: (لا تجزئ ...).\n\nقال ابن حجر في النكت (٢/ ٨٠٧): «وانفرد وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: (لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)، حتى زعم بعضهم أن هذه الرواية مفسِّرة للخداج الذي في الحديث، وأنه عدم الإجزاء وهذا لا يتأتى له إلا لو كان مخرج الحديث مختلفًا، فأما والسند واحد متحد فلا ريب في أنه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة؛ لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول؛ لأنه يبعد كل البعد أن يكون =","vol":"2","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو هريرة سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك، فلم يذكره العلاء لأحد من رواته على كثرتهم إلا لشعبة، ثم لم يذكره شعبة لأحد من رواته على كثرتهم إلا لوهب بن جرير». اهـ\nوقد رواه ابن عيينة، كما في صحيح مسلم (٣٨ - ٣٩٥)، ومسند الشافعي (٢٢١)، ومسند أحمد (٢/ ٢٤١)، ومسند الحميدي (١٠٠٣، ١٠٠٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٩٥٩)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (٤٢، ٥٣)، وحديث السراج (٢٥١٠)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٧)،\nوروح بن القاسم كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١١)،\nوالدراوردي كما في مسند الحميدي (١٠٠٤) وسنن الترمذي (٢٩٥٣)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (٥١)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٠)، وصحيح ابن حبان (١٧٩٥).\nوإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير كما في أحاديثه رواية علي بن حجر (٢٩١)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (٥٠)، وحديث السراج (٢٢٩، ١٨٩٩، ٢٥٠٨)، وشعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٤٨)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (٦٩).\nوعبد العزيز بن أبي حازم كما في مسند الحميدي (١٠٠٤)، سنن ابن ماجه (٣٧٨٤)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (٤٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٠)،\nوابن سمعان: عبد الله بن زياد بن سليمان كما في سنن الدارقطني (١١٨٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٩)،\nوسعد بن سعيد كما في صحيح ابن حبان (١٧٨٨)،\nوابن أبي أويس كما في علل الترمذي الكبير (١١٠)، مستخرج أبي نعيم على مسلم (٨٧٦)، السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٨).\nوأبو غسان (محمد بن مطرف) كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٧٠).\nوإبراهيم بن طهمان كما في التوحيد لابن منده (١٨٩)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (٦٧).\nوعبد الله بن جعفر كما في التفسير من سنن سعيد بن منصور (١٦٨)،\nوالحسن بن الحر كما في صحيح ابن حبان (٧٧٦)، والمخلصيات لأبي طاهر المخلص (١٤٠٦)،\nوزهير بن محمد العنبري كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٧٤)، فهؤلاء ثلاثة عشر راويًا رووه عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة ولم يذكروا فيه لفظ: (لا تجزئ صلاة ...)، والله أعلم.\nولم ينفرد به عبد الرحمن بن يعقوب والد العلاء، فقد تابعه أبو السائب عن أبي هريرة.\nرواه مسلم (٣٩ - ٣٩٥) من طريق مالك،\nورواه مسلم أيضًا (٤٠ - ٣٩٥) من طريق ابن جريج، كلاهما عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ بمثل حديث الجماعة عن العلاء.\nوهو محفوظ عن العلاء بالطريقين، عن أبيه، وعن أبي السائب، فقد رواه مسلم (٤١ - ٣٩٥) =\nمن طريق أبي أويس: (عبد الله بن عبد الله بن أويس) عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب جميعًا، وكانا جليسي أبي هريرة، قالا: قال أبو هريرة، قال: رسول الله ﷺ: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج غير تمام».","vol":"2","page":234},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الخداج في اللغة: هو الفاسد، فدل على بطلان الصلاة ب من دون الفاتحة.\n* جواب الحنفية عن الحديث:\nقوله (خداج غير تمام) فقد فسر الخداج بقوله: غير تمام، أي ناقص، والنقص لا يستلزم البطلان فإثبات صلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ إذ لا يجوز أن يوصف الباطل بالنقصان؛ إذ الباطل لا يثبت منه شيء.\n* ورد هذا:\nبأنه لا يسلم بأن الخداج هو النقصان، بل المراد به الفساد، ذكر ذلك الخطابي وابن عبد البر.\nوعلى التسليم فإن النقص على قسمين: نقص يستلزم البطلان، وهو النقص من الفرائض، وهو ما يصدق عليه أنه نقص حقيقة، فمن خرج من صلاته قبل إتمامها فعليه إعادتها، والإتيان بها كما أمر، ومن ادَّعَى جوازها مع الإقرار بنقصها فعليه الدليل.\nونقص لا يستلزم البطلان، كالنقص الذي يطال مستحبات الصلاة، وهي صلاة تامة من حيث الإجزاء، وتسميتها ناقصة تجوزًا، وإلا هي من حيث الحقيقة والشرع صلاة تامة، فإذا أطلق النقص في الشرع فالأصل في الإطلاق الشرعي والحقيقي، وإذا حمل حديث أبي هريرة على حديث عبادة المتفق على صحته، في قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، أي لا صلاة شرعية كان نقص الفاتحة من القسم الأول، والله أعلم.\nقال الباجي في المنتقى: «اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها وغير المجزئ يقال صلاة فاسدة وصلاة غير مجزئة كما يقال صلاة صحيحة وصلاة مجزئة وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل","vol":"2","page":235},{"text":"بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم الفضيلة لمن كملت أجزاؤه، ووصف الصلاة بأنها خداج إذا لم يقرأ بأم القرآن يعني فسادها، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ: غير تام» (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (^٢).\n[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (^٣).\n_________\n(^١). المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٥٧).\n(^٢). المسند (٢/ ٤٢٨).\n(^٣). الحديث له أكثر من علة:\nالعلة الأولى: أن الحديث انفرد به جعفر بن ميمون، ولا يحتمل تفرده،\nقال ابن معين: ليس بثقة. تاريخ ابن معين رواية الدوري (٢٨٣١)، الضعفاء الكبير (١/ ١٨٩).\nوالأصل أن ما قيل فيه: ليس بثقة، أنه جرح شديد، وقد يراد بهذا اللفظ: أنه لم يبلغ مبلغ ما يقال فيه: إنه ثقة للينه، ولكونه قد عرف بكثرة الخطأ، أو الوهم، وإن كان الأصل فيه الصدق، ولذلك قال فيه ابن معين في رواية أخرى: صالح الحديث. تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤١٤٩).\nوقال فيه في رواية ثالثة: ليس بذاك. تاريخ ابن معين رواية الدوري (٤٢٣٦)، الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٠).\nوقال أبو داود كما في سؤالات الآجري (٣٥٤): سمعت يحيى بن معين يضعفه.\nوقال النسائي: جعفر بن ميمون ليس بالقوي. الضعفاء والمتروكون (١١٠).\nوقال أحمد كما في العلل رواية عبد الله (٣/ ١٠٣): حدث عنه يحيى والثوري وأبو عبيدة الحداد، أخشى أن يكون ضعيف الحديث.\nوقال أحمد في رواية أخرى: ليس بقوي في الحديث. الجرح والتعديل (٢/ ٤٩٠).\nوساق العقيلي حديثه هذا، وقال: لا يتابع عليه، والحديث في هذا الباب ثابت من غير هذا الوجه. الضعفاء الكبير (١/ ١٨٩).\nوقال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني (٧٨): بصري يحدث عنه الثوري وغيره، يعتبر به. =","vol":"2","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسكت عليه الإمام البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٠).\nقال البزار في مسنده (١٧/ ١٨): «وهذا الحديث لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ إلا عن أبي عثمان عن أبي هريرة، وجعفر بن ميمون: بصري مشهور».\n\nوقال الحاكم في المستدرك (٨٧٢): «هذا حديث صحيح لا غبار عليه؛ فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات».\nالعلة الثانية: الاختلاف في لفظه، فقد روي عنه بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.\nرواه أحمد (٢/ ٤٢٨)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧)، والبزار في مسنده (٩٥٢٦)، وابن الجارود في المنتقى (١٨٦)، والجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٥)، والدارقطني في السنن (١٢٢٤)، والحاكم في المستدرك (٨٧٢)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤١)، وفي المعرفة (٢/ ٣٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٥)، عن يحيى بن سعيد القطان.\nورواه الجصاص في أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤) من طريق ابن بشار.\nوالبخاري في القراءة خلف الإمام (١٨٩) حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان (يعني ابن عيينة)، أربعتهم رووه عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة ..\nكما تابعهم الثوري من رواية قبيصة بن عقبة عنه (صدوق، وضعيف في الثوري).\nرواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٥٨)،\nوحنبل بن إسحاق كما في مجموع مصنفات أبي جعفر ابن البختري (٧٠٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٦)، وفي المعرفة (٢/ ٣٥٩)،\nوالعباس بن محمد الدوري كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٥)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣٨)،\nوحفص بن عمر كما في الحلية لأبي نعيم (٧/ ١٢٤)،\nوالسري بن يحيى كما في أحاديثه (١٦٩)، كلهم رووه عن قبيصة، عن سفيان به، بلفظ يحيى بن سعيد القطان.\nورواه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٥٣٣) من طريق محمد بن غالب، حدثنا قبيصة، عن سفيان به، بلفظ: (... لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)، ولم يذكر قوله: (فما زاد).\nوقد رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٠) من طريق محمد بن غالب، وذكر قوله: (فما زاد) إلا أنه قد قرنه برواية غيره، فأخشى ألا يكون هذا لفظ محمد بن غالب.\nورواه معاوية بن هشام القصار (صدوق له أوهام) كما في الإغراب للنسائي (٥)، حدثنا سفيان الثوري به، بلفظ: (لا تجزئ صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد)، فعبر بلفظ: (لا تجزئ)، وجعل الواجب هو القراءة، ولم تتعين بالفاتحة.\nفهذه ثلاثة ألفاظ رويت عن الإمام سفيان الثوري، وأرجحها ما وافق رواية يحيى بن سعيد القطان. =","vol":"2","page":237},{"text":"* دليل الحنفية على أن قراءة غير الفاتحة يجزئ عنها:\nالدليل الأول:\nقال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\n_________\n= اللفظ الثاني: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.\nرواه سليمان بن حرب، عن وهيب، واختلف على سليمان في لفظه:\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢٤) وفي القراءة خلف الإمام (٤٣)، من طريق أبي أحمد بن عبد الوهاب،\nورواه أيضًا في القراءة خلف الإمام (٤٤) من طريق يوسف بن يعقوب، كلاهما عن سليمان بن حرب به، بلفظ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وهذا يوافق حديث عبادة بن الصامت.\nورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (١٨٩) من طريق إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا وهيب، عن جعفر بن ميمون به، بلفظ: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد، وهذا اللفظ يوافق لفظ يحيى بن سعيد القطان، ولفظ الثوري من رواية قبيصة عنه.\nاللفظ الثالث: لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد.\nوهذا اللفظ قريب من لفظ الثوري من رواية معاوية بن هشام، عنه، إلا أن معاوية رواه بلفظ: (لا تجزئ صلاة ...)، وهذا قال: (لا صلاة إلا بقرآن ...)، فالأول نفىٌ للإجزاء، والثاني: نَفْيٌ للصلاة، وهما بمعنى.\nرواه إسحاق بن راهويه (١٢٦)، ومن طريقه البخاري في القراءة خلف الإمام (٧٠)، وابن حبان في صحيحه (١٧٩١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٢).\nوأبو داود في السنن (٨١٩)، وعنه الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٢٢)، عن إبراهيم بن موسى الرازي كلاهما (إسحاق وإبراهيم) روياه عن عيسى بن يونس، عن جعفر بن ميمون به.\nورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ١٨٩) من طريق سليمان بن حرب، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا جعفر بن ميمون به، بلفظ: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد).\nالعلة الثالثة: مخالفة هذا الحديث لما هو أصح منه.\nفقد خالف هذا الحديث حديث أبي هريرة في مسلم: من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج، وسبق تخريجه.\nولحديث عبادة بن الصامت المتفق على صحته، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وسبق تخريجه.\nفهذه ثلاث علل، كل واحدة منها تقضي تضعيف الحديث.\nوقد ضعف الحديث النووي في المجموع وذكره في قسم الضعيف في الخلاصة.\nكما ضعف الحديث العقيلي في الضعفاء، وسبق نقل كلامه.\nوقال الحاكم: «هذا حديث صحيح لا غبار عليه؛ فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين، ويحيى بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات». اهـ","vol":"2","page":238},{"text":"وجه الاستدلال:\nالآية الكريمة أمرت بقراءة ما تيسر، والأمر مطلق، وما تيسر: عام في جميع ما تيسر، ومن ضرورته عدم توقف الجواز على قراءة الفاتحة؛ لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة.\nوالقول بفرض قراءة الفاتحة لحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) زيادة على نص الآية، ومسقط للتخيير الذي فيها، والزيادة على النص نسخ، والقول به يؤدي إلى نسخ القرآن بخبر الآحاد، وهو لا يجوز، إلا أنه يوجب العمل، فمطلق القراءة في الصلاة فرض بموجب الآية، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة وليست بفرض، وتجبر بسجود السهو؛ لثبوتها بخبر الآحاد، فعملنا بهما على وجه لا يتغير به حكم الكتاب تفريقًا بين الفرض والواجب على أصول الحنفية، فالفرض: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني (^١).\n* ويجاب عن استدلال الحنفية بأجوبة:\nالجواب الأول:\nلا نسلم أن الزيادة على النص نسخ؛ لأن الزيادة إن رفعت الحكم الشرعي كانت نسخًا، وإن لم ترفعه لم تكن نسخًا، فالأمر بقراءة الفاتحة لا يرفع حكم الأمر بقراءة ما يتيسر.\nقال الشافعي: الزيادة على النص تخصيص (^٢).\nوجه ذلك: أن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عام، وقوله ﷺ: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) خاص، وهو جار على تخصيص الكتاب بالسنة، قال الشنقيطي في أضواء البيان: تخصيص الكتاب بالسنة كثير، ونسبه العراقي في طرح التثريب لجمهور الأصوليين.\nومن أمثلة ذلك: تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بقوله ﷺ في السنة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها.\n_________\n(^١). انظر المبسوط (١/ ١٩)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٥).\n(^٢). البحر المحيط في أصول الفقه (٥/ ١٩)، المنخول (ص: ٣٩٥).","vol":"2","page":239},{"text":"وتخصيص قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بقوله ﷺ في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وحديث: أحلت لنا ميتتان ودمان.\nوتحريم الميتة بالكتاب يشمل الأكل وغيره، وخصت السنة ذلك منها بالأكل.\nوالخاص مقدم في الحكم على العام.\nالجواب الثاني:\nقال الماوردي: الآية مجملة فسرها قوله ﷺ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، لأن ظاهرها متروك بالاتفاق، لأنه لو تيسر عليه سورة البقرة لم يلزمه، ولو تيسر عليه بعض آية لم يجزه.\nالجواب الثالث:\nالتفريق بين الفرض والواجب، ليس قائمًا على حقيقة شرعية، فقوله ﷺ: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) دلالته على الركنية أقوى من دلالة قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾؛ لأن القطعي والظني إن كان لثبوت الدليل فالآية الكريمة أقوى من حديث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، والقرآن كله قطعي الثبوت، ولكن الثبوت لا علاقة له بالدلالة.\nوإن كان الفرق بين الآية الكريمة والحديث من حيث الدلالة: وهي ما يوجبه الدليل، ويقتضيه اللفظ- فحديث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) أقوى من الآية الكريمة في إفادة الركنية، فالأمر بالقراءة في الآية الكريمة يفيد وجوب القراءة، ولا يفيد الركنية؛ لأن الركنية قدر زائد على الوجوب، بخلاف نفي الصلاة؛ لانتفاء الفاتحة فإنه يفيد الركنية؛ وإذا اتفق الحنفية مع الجمهور على وجوب العمل بالدليل الظني، فإن وجوب العمل به لا يعني إلا وجوب العمل بدلالته، وهو القول بركنية الفاتحة، فوقع الحنفية في خطأين.\nأحدهما: استفادة ركنية القراءة من الأمر بالقراءة في الآية، وليس فيها ما يدل على الركنية.\nالثاني: إلغاء إفادة الركنية من الحديث، مع قوة دلالته على الركنية.\nالجواب الرابع:\nأن آية المزمل مكية، وكان نزولها قبل نزول الفاتحة، وقد وردت في قدر قيام","vol":"2","page":240},{"text":"الليل، لا في قدر القراءة، فكان قيام الليل في أول الأمر، كما أخبر الله في أول الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ثم نسخ تخفيفًا بقوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\n* واعترض على هذا:\nبأن الأمر جاء في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وهو متفق عليه وسوف يأتي إن شاء الله تعالى نقله ومناقشته.\nالجواب الخامس:\nأن الحنفية قد عملوا بأخبار آحاد مع أنها تضمنت زيادة على ما جاء في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾.\nوخصص الحنفية عموم (الأولاد) بما ورد في السنة: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.\nوخصص الحنفية العام في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ بقوله ﷺ في السنة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها.\nوقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وأجاز الحنفية الوضوء بالنبيذ.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٧١) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (^١).\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير، =\n= ورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث","vol":"2","page":241},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمره بأن يقرأ بما تيسر، ولم يقيد ذلك بالفاتحة، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا لأخبره بذلك.\n* ويجاب عن هذا الحديث:\nالجواب الأول:\nأن هذا الحديث ظاهره يدل على أن قراءة الفاتحة ليست بفرض، وحديث عبادة المتفق على صحته: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وحديث أبي هريرة في مسلم: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام) يدلان نصًّا على أن قراءة الفاتحة فرض، وإذا كان أحد الدليلين جرى على وفق البراءة الأصلية، وكان الدليل الآخر ناقلًا عنها، قُدِّمَ الناقل عن البراءة الأصلية.\nالجواب الثاني:\nمما يدل على وجوب قراءة الفاتحة أن أبا هريرة الراوي لحديث المسيء في صلاته قد أمر بقراءة الفاتحة كما في صحيح مسلم، حين قيل له: إنا نكون وراء الإمام، فقال أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك، ومن أصول الحنفية أن رأي الراوي مقدم على روايته؛ لأنه أعلم بما روى، كما قال ذلك الحنفية في الغسل من ولوغ الكلب في الإناء ثلاثًا تقديمًا لرأي أبي هريرة على روايته بالغسل سبعًا، ونظائرها كثيرة في مذهب الحنفية.\nالجواب الثالث:\nأجاب الحافظ ابن حجر بأنه قد ورد في حديث المسيء تفسير ما تيسر بالفاتحة وبما شاء الله أن تقرأ، ووقع في بعض طرقه: (ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن فاحمد الله، وكبر، وهلل)، فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعيين الفاتحة هو الأصل لمن كان معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها، وكان معه من القرآن غيرها قرأ ما تيسر، فإن لم يكن معه قرآن مطلقًا انتقل إلى الذكر (^١).\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٤٣).","vol":"2","page":242},{"text":"(ح-١٣٧٢) فقد روى أبو داود من طريق محمد يعني ابن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع، -بهذه القصة- قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك .... الحديث (^١).\n[ذِكْرُ أم القرآن في الحديث ليس محفوظًا] (^٢).\nالجواب الرابع:\nأن حديث المسيء في صلاته لم يشتمل على كل الفرائض، إما لأنه اقتصر إلى إرشاده على ما أخلَّ به في صلاته، أو على ما كان واجبًا في ذلك الوقت، وذلك لا يمنع أن يجب في الصلاة بعد ذلك مما لم يكن واجبًا، فالتشهد والجلوس له كلاهما فرض في الصلاة على قول ولم يذكرا في حديث المسيء في صلاته،\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٥٩).\n(^٢). حديث رفاعة بن رافع يرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،\n\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منها حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكرها حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه، وقد سبق تخريج حديث رفاعة، وبيان ما اختلف فيه الرواة بعضهم على بعض، وقد انفرد محمد بن عمرو عن سائر الرواة بالآتي:\nالأول: ذكر القراءة بأم القرآن، حيث لم يذكر ذلك كل من رواه عن علي بن يحيى، كما لم يذكر ذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فلا شك في شذوذ هذه الزيادة.\nالثاني: قوله: امدد ظهرك.","vol":"2","page":243},{"text":"(ح-١٣٧٣) فقد روى النسائي من طريق سفيان، عن الأعمش، ومنصور، عن شقيق بن سلمة،\nعن ابن مسعود، قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد .... الحديث (^١).\nفكون الفاتحة لم تذكر لا يكون دليلًا على عدم فرضيتها؛ لأن الشريعة كانت تتنزل شيئًا فشيئًا حتى أكمل الله لنا دينه، وأتم الله علينا نعمته، فقد كانت الصلاة بلا أذان ولا إقامة، ثم شُرِعَا، وكان الكلام في الصلاة جائزًا ثم منع، وكانت القبلة إلى الشام، ثم حولت، وكان الراكع يطبق بين كفيه، ثم يضعهما بين فخذيه، ثم نسخ الأمر، وأمر الناس بأن يضعوا أيديهم على الركب، فهذا منه.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٧٤) ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ثَلَاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك ... الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nوصف الخداج بأنه غير تمام: أي ناقص، وإثبات الصلاة ناقصة ينفي بطلانها؛ لأن الباطل لا يثبت منه شيء.\nوسبق الجواب على هذا الاعتراض في أدلة القول الأول، وَبَيَّنْتُ ولله الحمد: أن النقص قد يعبر به عن نقص بعض أجزاء الصلاة، والصلاة إذا ذهب بعض أجزائها التي هي من أركانها لم تصح.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٣٧٥) ما رواه أبو داود من طريق عيسى، عن جعفر بن ميمون البصري،\n_________\n(^١). سنن النسائي (١٢٧٧)، سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في حكم التشهد.\n(^٢). صحيح مسلم (٣٨ - ٣٩٥).","vol":"2","page":244},{"text":"حدثنا أبو عثمان النهدي،\nقال: حدثني أبو هريرة، قال: قال لي رسول الله ﷺ: اخْرُجْ فَنَادِ في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد (^١).\n* وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة:\nالجواب الأول:\nأن هذا الحديث قد انفرد به جعفر بن ميمون، واضطرب في لفظه مع مخالفته لما هو أقوى منه من الأحاديث الصحيحة كحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وحديث أبي هريرة في مسلم، وغيرهما من الأحاديث (^٢).\nالجواب الثاني:\nأن يحيى بن سعيد القطان والثوري في رواية روياه عن جعفر بن ميمون به، بلفظ: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد)، وكل راوٍ خالف الثوري والقطان في لفظيهما، فإن الحكم لهما عليه.\nالجواب الثالث:\nعلى تقدير صحة الحديث فإن معناه على ما ذكر النووي: إن أقل ما يجزئ فاتحة الكتاب، كما يقال: صم ولو ثلاثة أيام من الشهر: أي أكثر من الصوم فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة أيام.\n* دليل من قال: الفاتحة سنة:\nأن الإمام يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في صلاة الجماعة، والإمام لا يتحمل ركنًا عن المأموم.\n* ويناقش:\nبأن تحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة مع أن فيه خلافًا إلا أنه ليس أمارةً على سنية قراءة الفاتحة، بدليل أن قراءة الفاتحة فريضة في حق الإمام والمنفرد،\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨١٩).\n(^٢). سبق أن خرجت ا لحديث، وذكرت أنه قد اشتمل على مجموعة من العلل، فانظرها في أدلة القول الأول.","vol":"2","page":245},{"text":"فلو كانت سنة لما بطلت صلاة المنفرد والإمام بتركها، والإمام يتحمل سهو المأموم، ولا يعني أن سجود السهو ليس بواجب، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن قول الجمهور في ركنية الفاتحة هو القول الصحيح، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الفرع الثاني</span>\nفي أقل ما يجزئ عن قراءة الفاتحة\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال رسول الله ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ... متفق عليه.\n* أمر الشارع بقراءة ما تيسر من القرآن، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف.\n* الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره إلى العرف أو على أقلِّ ما يتناوله الاسم.\n[م-٥٣٥] اختلف العلماء القائلون بأن الفاتحة ليست ركنًا في الصلاة، وأن قراءة غيرها من القرآن يقوم مقامها اختلفوا في أقلِّ ما يجزئ عنها:\nفقيل: فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، قال في الدر المختار: على المذهب، وقال ابن نجيم وابن عابدين: وهو ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنفية، قلت: وهو رواية عن الإمام أحمد (^١).\nقال في كنز الدقائق: «وفرض القراءة آية» (^٢).\n_________\n(^١). عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: ثم نظر، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٧) المحيط البرهاني (١/ ٢٩٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٥، ٢٢٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٢): «وعنه: تكفي آية من غيرها (وهـ) -يعني وفاقًا لأبي حنفية- وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة». وانظر: المبدع (١/ ٣٨٥)، الإنصاف (٢/ ١١٢).\n(^٢). كنز الدقائق (ص: ١٦٦).","vol":"2","page":247},{"text":"وقيل: يجزئ عن قراءة الفاتحة آية طويلة كآية الكرسي والدَّيْنَ أو ثلاث آياتٍ قصارٍ، فإن نقص عن ثلاث قصار، أو آية طويلة فقد ارتكب كراهة التحريم؛ لتركه الواجب، وهو رواية عن الإمام أبي حنفية، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد بن الحسن (^١).\nوقيل: أقل ما يجزئ ثلاث آيات مطلقًا، وهو قول لأبي يوسف من الحنفية (^٢).\nوقيل: يجزئ ما يصدق عليه اسم قرآن، ولو كان بعض آية إذا كان بقصد قراءة القرآن، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أحمد في رواية: يقرأ ما تيسر (^٣).\nوقيل: لا يكفي إلا سبع آيات من غيرها، وهو رواية عن أحمد، وهل يجب أن يكون في عدد حروفها؟ على وجهين في مذهب الحنابلة (^٤).\nهذه مجمل الأقوال، وهي متفرعة على القول بأن قراءة الفاتحة ليست ركنًا، وهو قول مرجوح.\n* دليل من قال: فرض القراءة آية واحدة:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوجه الاستدلال:\nأن الله أمر بقراءة ما تيسر، ولم يحدد مقدارًا معينًا، والمطلق جارٍ على إطلاقه، والتحديد يحتاج إلى توقيف.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٧٦) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢٢١)، البحر الرائق (١/ ٣٣١) بدائع الصنائع (١/ ١١٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٨).\n(^٢). المبسوط (١/ ٢٢١).\n(^٣). انظر مراجع الحنفية في القول الأول والثاني، وانظر رواية أحمد في: الإنصاف (٢/ ١١٢)، الفروع (٢/ ١٧٢)، المبدع (١/ ٣٨٥).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ١١٢)، الفروع (٢/ ١٧٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧، ٢٤٨).","vol":"2","page":248},{"text":"جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أُحْسِنُ غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمره بأن يقرأ بما تيسر، ولم يقيد ذلك بمقدار معين.\nوقد سبق الجواب عن الاستدلال بالآية والحديث في المسألة السابقة، فانظره هناك، والله أعلم.\n* دليل من قال: الفرض آية واحدة طويلة أو ثلاث قصار:\nالدليل الأول:\nأن الله أمر بقراءة القرآن، فلا بد أن يأتي بما يسمى به قارئًا، ومن قال: ثم نظر أو قال: مدهامتان لا يسمى قارئًا في العرف، فمطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف، وأدنى ما يسمى المرء به قارئًا في العرف أن يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.\nالدليل الثاني:\nأن الواجب عليه قراءة المعجز، وهي السورة، وأقصرها الكوثر، وهي ثلاث آيات.\n* دليل من قال: يكفي بعض الآية:\nأن الفرض إذا لم يقدر شرعًا، كان تقديره على أقلِّ ما يتناوله الاسم، حتى ولو قرأ بعض آية، إذا قرأ ذلك بقصد القراءة.\n* دليل من قال: لا يكفي إلا سبع آيات:\nهذا القول نظر إلى أن الفاتحة سبع آيات، وأن قراءة الفاتحة شرعت من أجل الثواب في الصلاة، فكان الواجب قراءة عدد آيات الفاتحة ليحصل له نفس الثواب.\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث","vol":"2","page":249},{"text":"* ويناقش:\nبأن المقدار غير معتبر في الشرع قياسًا على من فاته صوم يوم طويل لم يعتبر كون القضاء في يوم طويل مثله (^١).\n* الراجح:\nكل هذه التفريعات على القول المرجوح، وإذا كانت كلها مرجوحة فكيف السبيل للترجيح بينها؟ والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر: الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧، ٢٤٨).","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>الفرع الثالث</span>\nفي وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة\n\nالمدخل إلى المسألة:\n* النفي في قوله: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب محمول على نفي الصلاة الشرعية، وذلك يقتضي عدم الإجزاء والاعتداد بها شرعًا.\n* أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة في الصلاة، ولا تجب قراءة في الصلاة سوى الفاتحة، فكان المجمل في حديث المسيء مبيَّنًا في حديث عبادة.\n* أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بالقراءة، والركوع، والرفع والسجود، وقال في آخره: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فكانت كل هذه فروضًا في جميع الركعات.\n* كل موضع شرعت فيه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن انتفاء الفاتحة من ذلك الموضع يعني انتفاء ذلك من صلاته.\n[م-٥٣٦] اختلف الفقهاء في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة:\nفقيل: القراءة غير واجبة في الصلاة، قال به من المعتزلة إبراهيم بن علية، وشيخه أبو بكر الأصم، والحسن بن صالح بن حي (^١).\nوقيل: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة، وبه قال الحسن البصري، والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث من المالكية (^٢).\nوقيل: فرض القراءة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، وسنة في الأخريين،\n_________\n(^١). تفسير الرازي (١/ ١١٨)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٤٥١)، بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٤٥١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٣)، البيان في مذهب الشافعي للعمراني (٢/ ١٨١).\n(^٢). شرح التلقين للمازري (١/ ٥١٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٣)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٨)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٨).","vol":"2","page":251},{"text":"فإن شاء قرأ، وإن شاء سبح، فلو تركهما في الأوليين وقرأها في الأخريين كانت قضاء، وهذا مذهب الحنفية، وقد سبق أنهم يرون أن قراءة القرآن فرض، ولا تتعين الفاتحة (^١).\nوقيل: تجب قراءة الفاتحة في كل ركعة إلا في ركعة المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، وهو قول مالك في المدونة، وهو أصح القولين في مذهبه، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nوقال مالك: تجب قراءة الفاتحة في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية، وإليه رجع مالك، فإن كانت الصلاة ثنائية وجبت في كل ركعة، وقال إسحاق نحوه (^٣).\n_________\n(^١). مذهب الحنفية أنه يقرأ في ركعتين، واختلفوا في محلهما على ثلاثة أقوال:\nالأول: أن محلها الركعتان الأوليان عينًا، وصححه في البدائع.\nالثاني: أن محلها ركعتان منها غير عين: أي فيكون تعيينها في ا لأوليين واجبًا، وهو المشهور في المذهب، وقولهم: واجب احتراز من الفرض.\nالثالث: أن تعيينهما فيهما أفضل، وعليه مشى في غاية البيان، وضعفه ابن عابدين، والقولان الأولان اتفقا على أنه لو قرأ في الأخريين فقط يصح، ويلزمه سجود السهو لو ساهيًا، لكن سببه على الأول تغيير الفرض عن محله، وتكون قراءته قضاء عن قراءته في الأوليين، وسببه على الثاني: ترك الواجب، وتكون قراءته في الأخريين أداء.\nانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٩)، البحر الرائق (١/ ٢١٠، ٣١٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٨، ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٥).\n(^٢). القول بوجوبه في كل ركعة على الإمام والمنفرد هو قول مالك في المدونة،\nجاء في المدونة (١/ ١٦٣): «قال مالك في رجل ترك القراءة في ركعتين من الظهر، أو العصر، أو العشاء الآخرة، قال: لا تجزئه الصلاة، وعليه أن يعيد».\n\nوقد شهر هذا القول ابن شاس، وابن الحاجب، وابن بشير وعبد الوهاب، وابن عبد البر، وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٠)، شرح التلقين (١/ ٥١٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٤)، الذخيرة (٢/ ١٨٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٦١)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢١٧).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ٢٨٦)، المجموع (٣/ ٣٦٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٥)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٨)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٣)، الكافي (١/ ٢٤٦)، الإنصاف (٢/ ١١٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨).\n(^٣). القول بوجوبها في جلِّ الركعات رجع إليه مالك، =","vol":"2","page":252},{"text":"* دليل من قال: القراءة غير واجبة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٧٧) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^١).\nفجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال (^٢).\nوقد سبق مناقشة هذا المذهب عند الكلام على حكم تكبيرة الإحرام، وبينت اتفاق العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بنية، والنية غير مرئية، وأن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، وقد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغليبًا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبًا، وذكرت شاهده من حديث ابن عمر، فارجع إليه إن شئت.\nالدليل الثاني:\n(ث-٣١٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن عبيد الله\n_________\n= قال ابن القاسم كما في المدونة (١/ ١٦٤): «سألت مالكًا غير مرة عمن نسي أم القرآن في ركعة؟ قال: أحب إلي أن يلغي تلك الركعة ويعيدها، وقال لي: حديث جابر هو الذي آخذ به أنه قال: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم تصلها إلا وراء إمام، قال: فأنا آخذ بهذا الحديث قال: ثم سمعته آخر ما فارقته عليه يقول: لو سجد سجدتين قبل السلام هذا الذي ترك أم القرآن يقرأ بها في ركعة لرجوت أن تجزئ عنه ركعته التي ترك القراءة فيها على تَكَرُّهٍ منه، وما هو عندي بالبين. قال: وفيما رأيت منه أن القول الأول هو أعجب إليه، قال ابن القاسم وهو رأيي».\nوقد شهره ابن عساكر في الإرشاد، وقال القرافي: هو ظاهر المذهب. وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨)، شرح التلقين (١/ ٥١٣)، الذخيرة (٢/ ١٨٣)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٨، ٣٤٠).\nوانظر قول إسحاق في مسائل الكوسج (٢/ ٥٣٠).\n\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٣٢)،.","vol":"2","page":253},{"text":"ابن عمر، عن محمد بن إبراهيم،\nعن أبي سلمة قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ؟ قال: فكيف كان الركوع والسجود، تام هو؟ قالوا: نعم، فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعير جهزتها بأقتابها وحقائبها (^١).\nقال الشافعي: ولم يذكر أنه سجد للسهو، ولم يُعِدَ الصلاة، وإنما فعل ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار.\n[منقطع، أبو سلمة لم يدرك عمر، قاله ابن كثير في مسند الفاروق] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٤٠٠٦).\n(^٢). مسند الفاروق لابن كثير (١٢٩)، وللحديث عدة طرق، منها:\nالطريق الأول: عن أبي سلمة، عن عمر.\nرواه عبيد الله بن عمر كما تقدم.\nورواه أبو مصعب الزهري في موطأ مالك (٤٩٠)،\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٤٨٩، ٥٣٣) من طريق يحيى بن بكير،\nورواه أيضًا (٢/ ٥٣٣) من طريق الشافعي، ثلاثتهم عن مالك، عن يحيى بن سعيد،\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٤٨) عن عبد الله بن عمر (المكبر) ثلاثتهم (عبيد الله وعبد الله ويحيى بن سعيد) عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة به.\nفهذا الأثر منقطع، أبو سلمة لم يدرك عمر، وقد خولف في كونه لم يعد الصلاة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\n\nقال البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٥٨): «ويروى عن أبي سلمة، صلى عمر ﵁، ولم يقرأ، فلم يعده، وهو منقطع، لا يثبت، ويروى عن الأشعري، عن عمر، أنه أعاد».\nالطريق الثاني: إبراهيم التيمي، أن عمر، بإسقاط أبي سلمة.\nرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤١١) من طريق شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أن عمر ﵁ قال له رجل: إني صليت صلاة لم أقرأ فيها شيئًا. فقال له عمر ﵁: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قال: بلى، قال: تمت صلاتك. قال شعبة: فحدثني عبد الله بن عمر العمري، قال: قلت لمحمد بن إبراهيم: ممن سمعت هذا الحديث؟ فقال: من أبي سلمة.\nفشعبة رواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، بإسقاط أبي سلمة، وأن القصة لم تقع لعمر، وإنما أفتى بها رجلًا نسي أن يقرأ في صلاته، والتيمي لم يدرك عمر ﵁.\nوقد رواه مالك عن يحيى سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة. =","vol":"2","page":254},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكذلك رواه عبيد الله بن عمر كما في أثر الباب. ...\nالطريق الثالث: زياد بن عياض، عن عمر.\nرواه البيهقي في السنن (٢/ ٥٣٤) من طريق محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا قبيصة، أنبأ يونس -يعني ابن أبي إسحاق- عن عامر، عن زياد يعني ابن عياض ختن أبي موسى، قال: صلى عمر فلم يقرأ، فأعاد.\nوهذا إسناد أرجو أن يكون حسنًا.\nورواه ابن عون، واختلف عليه:\nفرواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٦/ ١٥١) أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن ابن عون، عن الشعبي، قال: قال الأشعري -وليس بأبي موسى-: صلى بنا عمر بن الخطاب المغرب، فلم يقرأ بنا فيها شيئًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك لم تقرأ.\nفإن كان الأشعري هذا هو زياد بن عياض فالإسناد متصل، ويعتبر هذا الطريق متابعة لرواية يونس بن أبي إسحاق.\nوقد رواه ابن سعد في ترجمة زياد بن عياض الأشعري، وقال: روى عن عمر والزبير. اهـ\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٤) من طريق كامل بن طلحة، حدثنا حماد، عن ابن عون، عن الشعبي أن أبا موسى الأشعري قال لعمر بن الخطاب ﵁، يا أمير المؤمنين أقرأت في نفسك؟ قال: لا، فأمر المؤذنين فأذنوا، وأعاد بهم الصلاة.\nوهذه الرواية عن الشعبي مرسلة، ليس فيه زياد بن عياض.\nوهذه الرواية طريق آخر: وهو الشعبي، عن عمر ﵁، ولم يسمع منه.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٥٣) عن إسرائيل بن يونس، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: حدثنا زياد بن عياض الأشعري، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب العشاء، فلم أسمع قراءته فيها، فقال له أبو موسى الأشعري: مالك لم تقرأ يا أمير المؤمنين؟ قال: أكذلك يا عبد الرحمن بن عوف؟ قال: نعم، فأقام الصلاة، وقرأ قراءة فسمعتها، وأنا في مؤخر الصفوف .... الأثر. وهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه جابر الجعفي، متهم بالرفض.\nورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٦/ ١٥١)، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر الشعبي، عن زياد بن عياض، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب العشاء بالجابية، فلم أسمعه قرأ فيها، وفي الحديث طول.\nوهذا اختلاف على جابر الجعفي، والبلاء منه.\nالطريق الرابع: عن إبراهيم النخعي، واختلف عليه:\nفرواه الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، قال: صلى المغرب فلم يقرأ فيها، فلما انصرف، قالوا له: يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ ... فذكر الأثر، وقال في آخر: ثم أعاد الصلاة والقراءة.\nوهذا إسناد متصل، وهمام هو ابن الحارث ثقة. =","vol":"2","page":255},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٠١٢) حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش به، وأبو معاوية أثبت أصحاب الأعمش.\nوخالف الأعمش حماد بن أبي سليمان، فرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٣) من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس صلاة المغرب، فلم يقرأ شيئًا ... وذكر فيه: فأعاد عمر، وأعادوا.\nوهذا منقطع، والنخعي ليس له رواية عن أحد من الصحابة، والأعمش أحفظ من حماد بن أبي سليمان، وقد وصله الأعمش، عن إبراهيم، عن همام.\nالطريق الخامس: عبد الله بن حنظلة، عن عمر. ...\nورواه عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس الهفاني، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب، فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى، فلما قام في الركعة الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين وسورتين، فلما قضى الصلاة سجد سجدتين.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٥١)،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٤١٢٢) حدثنا وكيع،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٤١) من طريق عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٥) من طريق أبي عتاب (سهل بن حماد) حدثنا شعبة،\nورواه الحارث في مسنده كما في بغية الباحث (١٨٨)، والمطالب العالية (٦٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٥) عن عاصم بن علي، كلهم عن عكرمه بن عمار به.\nقال البيهقي: وهذه الرواية على هذا الوجه تفرد بها عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، وسائر الروايات أكثر وأشهر، وإن كان بعضها مرسلًا، والله أعلم.\nوعكرمة بن عمار فيه كلام، فلا يحتمل تفرده، والله أعلم.\nفتبين بهذا أن أبا سلمة روى ترك عمر للقراءة، وأنه لم يَرَ بذلك بأسًا.\nورواه همام بن الحارث وزياد بن عياض وهذان لهما سماع من عمر رضي ا لله عنه.\nورواه الشعبي والنخعي عن عمر بالإعادة أيضًا، وروايتهما منقطعة أيضًا.\nورواه عبد الله بن حنظلة، عن عمر أنه ترك قراءة الفاتحة في الركعة الأولى، فقرأ الفاتحة مرتين في الركعة الثانية، وسجد للسهو، فالذي يظهر أن هذه الطرق تجعل للقصة أصلًا، وإن كان الاختلاف بينهما ظاهرًا، ففي بعضها أنه لم يَرَ بذلك بأسًا، وفي بعضها أنه أعاد، وفي بعضها: أنه عوض ذلك في الركعة الثانية، وسجد للسهو، وإذا طرحنا التفرد وأخذنا رواية الأكثر تكون الإعادة هي الأرجح والله أعلم.\nيقول ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٢٧): «وهذا حديث منكر، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض رواته ليس عند يحيى وطائفة معه؛ لأنه رماه مالك من كتابه بآخرة، وقال: ليس عليه العمل؛ لأن النبي ﵇ قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج). وقال أبو عمر: وقد رُوِيَ عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة، وهو الصحيح عنه.\nوروى يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث، أن عمر نسي القراءة في المغرب، فأعاد الصلاة، وهو حديث متصل، وحديث مالك مرسل عن عمر، لا يصح، والإعادة عنه صحيحة، رواها عن عمر جماعة منهم همام، وعبد الله بن حنظلة، وزياد بن عياض، وكلهم لقي عمر، وسمع منه، وشهد القصة وروى الإعادة عن عمر أيضًا غيرهم .... إلخ».","vol":"2","page":256},{"text":"قال البيهقي: «وهو محمول عندنا على قراءة السورة، أو على الإسرار بالقراءة فيما كان ينبغي له أن يجهر به، ثم قد روي عن عمر أنه أعادها ....» (^١).\n* دليل من قال: يكفي قراءة الفاتحة مرة واحدة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٣٧٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،\nعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ، قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، ولم يقل: في كل ركعة، فهذا يقتضي فرضية القراءة مرة واحدة، لا تكرارها.\nولأن الاستثناء من النفي إثبات، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء.\nولأن النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق الامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول: بأن هذا الاستدلال يمكن تسليمه لولا أن النبي ﷺ قال في حديث أبي\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ٤٨٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).","vol":"2","page":257},{"text":"هريرة: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار.\nالوجه الثاني:\nقال البخاري في القراءة خلف الإمام جوابًا على هذا الاستدلال، قال: «قد بين حين قال: (اقرأ، ثم اركع، ثم اسجد، ثم ارفع، فإنك إن أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وإلا كأنما تنقصه من صلاتك) فبين له النبي ﷺ أن في كل ركعة قراءةً وركوعًا، وسجودًا، وأمره أن يتم صلاته على ما بين له في الركعة الأولى» (^١).\nوهذا الوجه هو معنى الوجه الأول، وفيه: أن الإمام البخاري يرى صحة حديث رفاعة بن رافع في قصة المسيء صلاته في الجملة (^٢).\n* دليل من قال: تجب الفاتحة في كل ركعة:\nالدليل الأول:\nاستدل الجمهور بحديث عبادة بن الصامت المتقدم: أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (^٣).\n(ح-١٣٧٩) وروى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم\n_________\n(^١). القراءة خلف الإمام (ص: ٤٩).\n(^٢). هذا اللفظ من حديث رفاعة بن رافع رواه النسائي في المجتبى (١٣١٤)، وفي الكبرى (١٢٣٨)، قال: أخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله -يعني ابن المبارك- عن داود بن قيس، قال: حدثني يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري، قال: حدثني أبي، عن عمٍّ له بدري، قال: ... وذكر حديث المسيء صلاته، وفيه: إذا أردت أن تصلي فتوضأ، فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع، فإذا أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك.\nوقد سبق تخريج حديث رافع، انظره أيها المبارك في المجلد السابع (ص: ٣٦٨).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).","vol":"2","page":258},{"text":"جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، فعلمه النبي ﷺ ما يفعل في الركعة الأولى، وقال: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nواسم الإشارة في قوله: (ثم افعل ذلك) راجع إلى الأقوال والأفعال، والأصل في الأمر الوجوب.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٨٠) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي ﷺ وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه قال: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك .... وقال في آخره: ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة (^٢).\n[ذكر أم القرآن في الحديث ليس محفوظًا] (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٨١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، بفاتحة الكتاب وسورة ويسمعنا الآية أحيانًا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، واللفظ لمسلم (^٤).\nوقد قال النبي ﷺ كما في حديث مالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣) وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). مسند أحمد.\n(^٣). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر (ح ١١٨٧).\n(^٤). صحيح البخاري (٧٧٦)، وصحيح مسلم (١٥٥ - ٤٥١).","vol":"2","page":259},{"text":"ورواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^١).\nالدليل الرابع:\n(ث-٣١٧) روى مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،\nأنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح، وقد احتج به مالك وأحمد] (^٢).\nقيل لأحمد: من قال: لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب؟ قال: إذا كان خلف الإمام أجزأته على حديث جابر: إلا وراء الإمام، قال: وإذا جهر الإمام فلا يقرأ (^٣).\n(ح-١٣٨٢) وروى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير\nعن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (^٤).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن مسعر به، وزاد: كنا\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).\n(^٢). موطأ مالك (١/ ٨٤)، ومن طريق مالك أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٤٥)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٤)، الترمذي (٣١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٨)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٤٩، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٧، ٣٥٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه يحيى بن سلام كما في سنن الدارقطني (١٢٤١)،\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٥٠) من طريق عبد الله بن محمد السعدي، أخبرنا إسماعيل بن موسى السدي، كلاهما (يحيى بن سلام، والسدي) روياه عن مالك بن أنس به مرفوعًا.\nقال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف.\nوقال البيهقي: وهم الراوي عن إسماعيل السدي في رفعه بلا شك فيه، فقد خالفه الثبت، عن إسماعيل بن موسى، ثم رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٥١) من طريق السري بن خزيمة، أخبرنا إسماعيل بن موسى السدي، أخبرنا مالك به موقوفًا.\nقال لنا أبو عبد الله فيما قرئ عليه: سمعت أبا عبد الله يقول: سمعت السري بن خزيمة يقول: لا أجعل في حل من روى عني هذا الخبر مرفوعًا، فإنه في كتابي موقوف.\n(^٣). مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٢٧) رقم: ١٩٤.\n(^٤). سنن ابن ماجه (٨٤٣).","vol":"2","page":260},{"text":"نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد (^١).\n[صحيح موقوفًا] (^٢).\nالدليل الخامس:\nولأنها ركعة يجب فيها القيام والركوع والسجود فوجب فيها القراءة مع القدرة كالركعة الأولى.\n* دليل من قال: فرض القراءة في الركعتين الأوليين:\nالدليل الأول:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوالأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وإنما أوجبنا في الثانية استدلالًا بالأولى؛ لأنهما يتشاكلان من كل وجه، فأما الأخريان فيفارقانهما في حق السقوط في\n_________\n(^١). المصنف (٣٧٢٨).\n(^٢). ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٧٦) حدثنا أبو نعيم.\nوابن ماجه (٨٤٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٣)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٢٨)، من طريق شعبة.\nوالطحاوي في مشكل الآثار (١٢٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٩٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٤٧)، من طريق يحيى بن سعيد،\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٥٩) من طريق بكير بن بكار،\nوأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٦٩) من طريق إسماعيل بن عمرو البجلي، خمستهم رووه عن مسعر به.\nوتابع مالكًا الوليد بن أبي هشام (صدوق)، فرواه عن وهب بن كيسان به.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٢١)، حدثنا ابن علية، عن الوليد بن أبي هشام به.\nورواه داود بن قيس، كما في مصنف عبد الرزاق (٢٦٦١)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١١٣).\nوأيوب بن موسى كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠)،\nوأسامة بن زيد، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠)،\nوبكير بن عبد الله بن الأشج كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠)،\nوعثمان بن الضحاك بن عثمان (ضعفه أبو داود) عن أبيه، كما في المعجم الأوسط (٩٢٤٨)، خمستهم عن عبيد الله بن مقسم (ثقة)، عن جابر بن عبد الله ﵄.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٨٦) حدثنا وكيع، عن الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله ابن مقسم به، بلفظ: لا يقرأ خلف الإمام. وسنده صحيح.","vol":"2","page":261},{"text":"السفر، وصفة القراءة وقدرها، فلا يلحقان بهما.\nولأن الصلاة المصرح بها إذا أطلقت تنصرف إلى الصلاة الكاملة وهي الركعتان عرفًا؛ لعدم شرعية الواحدة عند الحنفية (^١).\nالدليل الثاني:\n(ث-٣١٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق،\nعن علي وعبد الله، أنهما قالا: اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١). انظر فتح القدير لابن الهمام (١/ ٤٥٢، ٤٥٣).\n(^٢). المصنف (٣٧٤٢).\n(^٣). فيه علتان: شريك سيئ الحفظ، وأبو إسحاق لم يسمع من علي وابن مسعود.\nوروى معمر، عن الزهري، واختلف على معمر:\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٥٦) ومن طريقه الطحاوي في مشكل الآثار (١٢/ ٥٢) عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: كان -يعني عليًّا- يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين. قال الزهري: وكان جابر بن عبد الله يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن. قال الزهري: والقوم يهتدون بإمامهم.\nوهذا إسناد رجاله ثقات.\nوخالف عبد الرزاق يزيد بن زريع، وعبد الأعلى الشامي، فرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٩) من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب.\nقال البيهقي: وكذا رواه عبد الأعلى الشامي، عن معمر.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٩)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليٍّ، وعن مولى لهم عن جابر، قالا: يقرأ الإمام ومن خلفه في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\nقال البيهقي في السنن: وفي كل ذلك دلالة على ضعف ما روي عن علي ﵁ بخلافه في أسانيد لا يسوى ذكرها لضعفها.\n\nوروى محمد بن الحسن في موطأ مالك (١٢٠) أخبرنا محمد بن أبان بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما جهر فيه، وفيما يخافت فيه في الأوليين، ولا في الأخريين، وإذا صلى وحده قرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ولم يقرأ في الأخريين شيئًا.\nومحمد بن أبان القرشي، قال البخاري: ليس بالقوي.","vol":"2","page":262},{"text":"* ويجاب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن قول الصحابي يحتج به بشرطين:\nالأول: ألا يخالف نصًّا مرفوعًا.\nوالثاني: ألا يخالفه صحابيٌّ آخر، وأثر علي ﵁ قد خالف المرفوع من حديث أبي قتادة وسبق ذكره في أدلة الجمهور، وخالفه جابر ﵁.\nالجواب الثاني:\nأن عليًّا ﵁ قد اختلف القول عنه، قال ابن عبد البر في الاستذكار: رواه أهل الكوفة عن عليٍّ، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك (^١).\nوقول علي ﵁ الموافق للسنة أولى بالقبول من المخالف لها.\n* دليل من قال: إذا قرأ في ثلاث أجزأته:\nقال إسحاق: «إذا قرأ في ثلاث ركعات بفاتحة الكتاب أجزأه، لا شك في ذلك؛ لإجماع الأمة أنه إذا أدرك الإمام راكعًا كبر، وقد أدرك الركعة وقراءتها» (^٢).\n* ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن الدليل أخص من المدلول، فإن سقوط القيام والقراءة عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعًا لا يدل على سقوط القيام والقراءة عن الإمام والمنفرد إذا ترك القراءة متعمدًا في ركعة من أربع ركعات، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nأن البخاري وابن حزم قد أنكرا أن يكون في المسألة إجماع، والخلاف فيها\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٥١).\n(^٢). مسائل الإمام أحمد وإسحاق (٢/ ٥٣٠).","vol":"2","page":263},{"text":"محفوظ حتى بين الصحابة ﵃، وسوف يأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى في مظانها.\n* الراجح:\nأرجح الأقوال هو القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>الفرع الرابع في تكرار الفاتحة في كل ركعة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* تكرار الفاتحة في الصلاة لم ينقل، والأصل في العبادات التوقيف.\n* لم يحفظ قول فقهي بإباحة تكرار الفاتحة، والخلاف دائر بين التحريم والكراهة.\n* صفة العبادة كأصلها الأصل فيه المنع، وأقل أحواله الكراهة إلا بدليل.\n* تكرار الفاتحة لا يبطل الصلاة؛ لأنها قول مشروع في أصله داخل الصلاة؛ * تكرار الركن القولي لا يخل بهيئة الصلاة بخلاف الركن الفعلي.\n* إعادة الفاتحة بسبب شكٍّ، أو توهمِ خللٍ لا يدخل في تكرار الفاتحة، وهو مشروع إلا أن يكثر، فيدخل في الوسوسة.\n* إذا كان لا يقدر على قراءة سورة بعد الفاتحة، جاز له تكرارها، لأن ذلك أولى من الانتقال إلى الأذكار، وهو ليس من جنس القرآن، وأولى من إسقاط ذلك إلى غير بدل.\n* إذا لم يضر المصلي تكرار الآية التي هو فيها لم يضره تكرار الفاتحة.\n[م-٥٣٧] اختلف العلماء في تكرار الفاتحة في ركعة واحدة:\nفقيل: يكره في الفرض دون النفل من غير فرق بين تكرار الفاتحة وغيرها، وبه قال الحنفية (^١).\nوقال المالكية: «يأثم إن تعمد تكرارها، وهل تبطل به الصلاة؟ المعتمد عندهم عدم البطلان» (^٢).\n_________\n(^١). الفتاوى الهندية (١/ ١٠٧)، مراقي الفلاح (ص: ١٣٧)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥٢)، الكافي شرح البزدوي (١/ ٤٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ١٧٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٢)، مجمع الأنهر (١/ ١٤٨).\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٧٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٨٠)، منح الجليل (١/ ٣٢٠)، الثمر الداني في شرح زيد القيرواني (ص: ١٦٥)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٣١٤).","vol":"2","page":265},{"text":"وقيل: تبطل الصلاة بتكرار الفاتحة، وهو قول مرجوح في مذهب المالكية، واختاره بعض الشافعية، وحكي قولًا في مذهب الحنابلة (^١).\nوقيل: يكره إلا أن يكون تكريرها لسبب من عجز أو شك، ونحوه، وبه قال الشافعية (^٢).\nوقال الحنابلة: يكره (^٣).\nولم أقف على قول يقول بالجواز مطلقًا، فصارت الأقوال تتفرع من قولين:\nالتحريم، على خلاف بينهم في البطلان.\nوالقول بالكراهة، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم: أتكره مطلقًا، أم للقادر، أم تختص الكراهة في الفرض دون النفل.\n* دليل من قال بكراهة تكرار الفاتحة:\nالدليل الأول:\nأن مثل هذا الفعل لم ينقل، والتكرار صفة في العبادة، والأصل في العبادات المنع، وإنما لم يحرم التكرار؛ لأنه تكرار لما أصله مشروع، وهو ذكر قولي لم يخل بهيئة الصلاة.\n* ويناقش:\nإن كررها لاعتقاده أن مثل ذلك أفضل، فهذا استدراك على الشرع، وإحداث فيه، فيكون آثمًا، وإن كررها مع اعتقاد أن التكرار ليس مشروعًا في الصلاة، فهذا\n_________\n(^١). انظر قول المالكية في المراجع السابقة، وانظر قول الشافعية في المجموع (٤/ ٩٠، ٩١)، كفاية النبيه (٣/ ١٢٣، ٦٠٢)، المهذب (١/ ١٦٧)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٠). المهذب (١/ ١٦٧)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٨، ١٤٩)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٨٢، ١٠١٨)، الفروع (٢/ ٢٧٦)، الإنصاف (٢/ ٩٩).\n(^٢). المجموع (٤/ ٩٠، ٩١) و(٣/ ٣٥٨)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٣، ١٤٨)، كفاية النبيه (٣/ ١٢٣)، المهذب (١/ ١٦٧)، فتح العزيز (٣/ ٢٦٠) و(٤/ ١٤٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩١)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٧٣).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٩٩)، الإقناع (١/ ١٢٨)، كشاف القناع (١/ ٣٧٣)، نيل المآرب (١/ ١٤٦)، الشرح الكبير (١/ ٦١٢)، الفروع (٢/ ٢٧٦)، المبدع (١/ ٤٣١، ٤٣٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٩٠).","vol":"2","page":266},{"text":"فعل يخشى أن يدخل النقص إلى صلاته؛ لعدم الحاجة إليه.\nالدليل الثاني:\nأننا ذهبنا إلى الكراهة خروجًا من خلاف من قال: ببطلان الصلاة بتكرارها.\n* ويجاب:\nبأن الخروج من الخلاف لا يكون إلا في الذهاب إلى قول يجمع بين القولين، وأما القول بالكراهة؛ لوجود الخلاف، فهذا سبب في اتساع الخلاف.\n* دليل من قال: يجوز إذا كان ذلك لسبب:\nأن المصلي إذا كررها لتوهم خلل في المرة الأولى، فلا حرج في إعادتها؛ لأن إعادتها لجبر ذلك الخلل.\nأو كان لا يقدر على قراءة سورة بعد الفاتحة جاز له تكرار الفاتحة بدلًا عن ذلك؛ لأن ذلك أولى من الانتقال إلى الأذكار، وهو ليس من جنس القرآن، وأولى من إسقاط ذلك إلى غير بدل؛ لترتب الثواب على القراءة.\n* دليل من قال: يحرم تكرار الفاتحة:\nهو دليل من قال بالكراهة إلا أنه حمل الأدلة على التحريم:\nمن ذلك القول بأنه لم ينقل التكرار، والأصل في العبادات المنع.\nأن تكرار الفاتحة يدخل في تكرار الأركان، فيحرم تكرارها.\n* دليل من قال: تبطل الصلاة بإعادة الفاتحة:\nأن تكرار الفاتحة يدخل في تكرار الركن فتبطل الصلاة بتكراره قياسًا على تكرار الأركان الفعلية، كالركوع والسجود.\n* ونوقش:\nبأن هناك فرقًا بين تكرار الركن القولي الذي لا يخل بهيئة الصلاة، وبين تكرار الركن الفعلي، والذي يؤدي تكراره إلى الإخلال بهيئة الصلاة.\n* الراجح:\nالقول بالكراهة قول قوي جدًّا؛ إلا أن يكون ذلك لشكٍّ، أو توهم خلل، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الفرع الخامس في قراءة المأموم فاتحة الكتاب</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* مسألة القراءة خلف الإمام من الخلاف الشائك، والأدلة متجاذبة، وقد أفردها السلف بمصنفات خاصة، والترجيح فيها بين قوي وأقوى، ولا إنكار فيها.\n* قراءة المأموم في الجهرية لا يبطل الصلاة وحكي إجماعًا، حكاه ابن عبد البر وابن حبان، وسيأتي نقل كلامهما، وترك القراءة في الجهرية لا يبطل الصلاة، وحكاه أحمد إجماعًا.\n* قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر في القرآن، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ (^١).\n* ما صح عن بعض الصحابة ﵃ من النهي عن القراءة خلف الإمام كابن عمر، وجابر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، قد صح عنهم ما يعارضه من القراءة في الصلاة السرية، أو كان المحفوظ من قولهم: النهي عن القراءة مع الإمام، وهو أخص من القراءة خلف الإمام، فعلم أن مرادهم: النهي عن القراءة في الصلاة الجهرية.\n* ما صح عن أبي هريرة وابن عباس من الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، صح عنهم ترك القراءة خلف الإمام في الجهرية، فحمل قولهم على الصلاة السرية.\n* قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ عامٌ في القراءة، فيشمل الفاتحة وغيرها، خاصٌّ في الصلاة خلف الإمام بالإجماع. وحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) عام في الصلاة فيشمل المنفرد، والإمام، والمأموم، في السرية والجهرية، خاص بالفاتحة، فكان كل واحد منهما\n_________\n(^١). المغني (١/ ٤٠٤).","vol":"2","page":268},{"text":"عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر، فيطلب المرجح من خارجهما.\n* تقديم الخاص على العام لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟\n* العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام المخصوص، وعلى هذا عامة أهل الأصول؛ ولم يخالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي (^١).\n* عموم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) دخله التخصيص بالإجماع وأما الأمر للمأموم بالإنصات لقراءة إمامه فلم يُخَصَّ منه شيء كما سيأتي بيانه في البحث، لهذا كان عموم الآية مقدمًا على عموم حديث عبادة.\n* جمهور الفقهاء وأهل الحديث خلافًا للشافعية على ترك القراءة فيما جهر به الإمام.\n* حديث: (إذا قرأ فأنصتوا) حديث معلول في أصح قولي أهل العلم.\n* حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) لم يثبت من حديث صحيح.\n* حديث: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) لا يصح مرفوعًا، وهو صحيح موقوفًا على عبادة بن الصامت.\n[م-٥٣٨] اختلف العلماء في حكم قراءة الفاتحة للمأموم:\nفقيل: تحرم القراءة خلف الإمام مطلقًا، في الصلاة السرية والجهرية، وبه قال الحنفية وأشهب وابن وهب من المالكية.\nقال الحنفية: فإن قرأ كُرِه تحريمًا، وتصح في الأصح (^٢).\nجاء في الحجة على أهل المدينة: «قال أبو حنيفة: لا قراءة خلف الإمام في\n_________\n(^١). مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: ٣٨٤).\n(^٢). الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٧٥)، المبسوط (١/ ١٩٩)، بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٨)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٠٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٦، ٥٤٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٥١٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٣١)، البحر الرائق (١/ ٣٦٣)، المنتقى للباجي (١/ ١٥٩)، إكمال المعلم (٢/ ٢٧٨).","vol":"2","page":269},{"text":"شيء من الصلاة، ما يجهر فيه بالقراءة، وما لا يجهر فيه بالقراءة» (^١).\nقال ابن نجيم: و«في بعض العبارات أنها لا تحل خلفه -يعني خلف الإمام- وإنما لم يطلقوا عليها اسم الحرمة؛ لما عرف من أصلهم أنهم لا يطلقونها إلا إذا كان الدليل قطعيًّا» (^٢).\nجاء في المنتقى لأبي الوليد الباجي: «قال ابن وهب: لا يقرأ المأموم أصلًا أسَرَّ الإمام أو جهر، ورواه ابن المواز عن أشهب» (^٣).\nوقيل: تجب قراءتها مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم من الظاهرية، وهو رأي الإمام البخاري (^٤).\nوهذان قولان متقابلان.\nوقيل: تستحب قراءتها في السرية، وهو مذهب المالكية، والمشهور من مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في الجهرية.\nفقيل: تحرم قراءتها، وهو المعتمد في مذهب المالكية.\nوقيل: تكره حال قراءة الإمام، وهو مذهب الحنابلة (^٥).\nوقيل: تجب قراءتها في السرية دون الجهرية، وهو قول الشافعي في القديم، واختاره ابن العربي من المالكية (^٦).\nقال الترمذي: «.... اختار أكثر أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر\n_________\n(^١). الحجة على أهل المدينة (١/ ١١٦).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٦٣).\n(^٣). المنتقى للباجي (١/ ١٥٩).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣٦٤)، الوسيط (٢/ ١٠٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٠٨، ٣١١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤١)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، المحلى، مسألة (٣٦٠).\n(^٥). انظر في مذهب المالكية: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٠٩)، المنتقى للباجي (١/ ١٦٠).\nوانظر في مذهب الحنابلة: كشاف القناع (١/ ٤٦٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٤)، الإقناع (١/ ١٦٢)، المبدع (٢/ ٥٩).\n(^٦). انظر قول الشافعي في القديم: في المجموع (٣/ ٣٦٤)، وانظر قول ابن العربي في: أحكام القرآن له (١/ ١٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، حاشية الصاوي (١/ ٣٠٩).","vol":"2","page":270},{"text":"الإمام بالقراءة، وقالوا: يتتبع سكتات الإمام ....» (^١).\nهذا ما وقفت عليه من أقوال في المسألة، وملخصها:\nتحرم القراءة مطلقًا.\nتجب مطلقًا.\nوقيل في التفريق بين السرية والجهرية على خلاف بينهم:\nفقيل: تستحب في السرية، وتحرم في الجهرية.\nوقيل: تستحب في السرية وتكره في الجهرية.\nوقيل: تجب في السرية، وتحرم في الجهرية. هذا ملخص الأقوال، والله أعلم.\n* دليل من قال: تجب القراءة مطلقًا في السرية والجهرية:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوهذا أمر، والأصل فيه الوجوب، وهو يتناول المنفرد والمأموم، وفي الصلاة السرية والجهرية.\n* ويجاب:\nبأن الآية وردت في قدر قيام الليل، لا في وجوب القراءة، فكان قيام الليل في أول الأمر، كما أخبر الله في أول الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ ثم نسخ تخفيفًا بقوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. ولو سلمنا أنها في الأمر بالقراءة، فالأصل في صلاة التهجد أنها لا تصلى جماعة، والخلاف في قراءة المأموم، لا في قراءة المنفرد أو الإمام.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٨٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ١٢١).","vol":"2","page":271},{"text":"عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ، قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (^١).\nوجه الاستدلال:\nفقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، فكل ما يصدق عليه أنه صلاة شرعًا فإنه لا اعتداد بها إلا بفاتحة الكتاب، سواء أكان المصلي منفردًا أم إمامًا أم مأمومًا.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nعموم (لا صلاة ...) خرج منه المأموم بالإجماع، قال أحمد: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر في القرآن، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ (^٢).\nوقد قال جابر ﵁ بسند صحيح: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام (^٣).\nقال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تَأَوَّلَ قول النبي ﷺ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أن هذا إذا كان وحده (^٤).\nوسوف نناقش الإجماع الذي نقله الإمام أحمد في أدلة من قال: لا تجب قراءة الفاتحة في الجهرية، فانظره هناك.\nالوجه الثاني:\nحديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) عام في الصلاة فيشمل المنفرد، والإمام، والمأموم، في السرية والجهرية، خاصٌّ بالفاتحة.\nوقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\n(^٢). المغني (١/ ٤٠٤).\n(^٣). رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٤). سنن الترمذي (٢/ ١٢١).","vol":"2","page":272},{"text":"عام في القرآن فيشمل الفاتحة وغيرها، خاص في الصلاة، وقد نقل الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في الصلاة (^١).\nوكذلك قال ابن عبد البر وأبو بكر الطرطوشي المالكي، وابن تيمية الحنبلي (^٢).\nفكان كل واحد من الدليلين عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر، وتقديم الخاص على العام لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟ فتخصيص أحدهما بالآخر ليس بأولى من العكس، فيطلب مرجح لأحدهما من خارجهما؛ لأن القاعدة المقررة في الأصول: أن الدليلين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عند تعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:\nوإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر\nومن وجوه الترجيحات أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا دخله التخصيص؛ لأن المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام المخصوص.\nقال محمد الأمين الشنقيطي: «وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي» (^٣).\nقال البيضاوي في نهاية السول: «العام الباقي على عمومه راجح على العام المخصص؛ للاختلاف في حجيته» (^٤).\nوقال الطوفي في شرح مختصر الروضة: «يرجح العام الباقي على عمومه على\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٨/ ٢٦٩) و(٨/ ٢٨٠).\n(^٢). المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٤)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٦)، الاستذكار (١/ ٤٦٥)، التمهيد (١١/ ٢٩)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٢٦)، الحوادث والبدع لأبي بكر الطرطوشي المالكي (ص: ١٦٣)، الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ١٣٤)، مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٠)، شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ١٧٠)، فتح الباري لابن رجب (٨/ ٢٦٩) و(٨/ ٢٨٠)، مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور (٢/ ١٤١).\n(^٣). مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص: ٣٨٤).\n(^٤). نهاية السول في شرح منهاج الأصول (ص: ٣٨٥)، وانظر التحبير شرح التحرير (٨/ ١٤٧٧).","vol":"2","page":273},{"text":"العام المخصوص» (^١).\nفعموم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) خُصَّ منه الرجل يدرك الإمام بالركوع، فإنه يعد إدراكًا للركعة، وإن فاتته قراءة الفاتحة.\nوأما الأمر للمأموم بالإنصات لقراءة إمامه لم يُخَصَّ منه شيء، لا بنص خاص، ولا إجماع، لهذا كان عموم الآية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ مقدمًا على عموم حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، كما قدمنا عموم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) على عموم: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس) للسبب نفسه، فارجع إليه.\nقال ابن تيمية: «فهذا عموم قد خُصَّ منه المسبوق بحديث أبى بكرة وغيره، وخُصَّ منه الصلاة بإمامين؛ فإن النبي ﷺ لما صلى بالناس، وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة، قرأ من حيث انتهى أبو بكر، ولم يستأنف قراءة الفاتحة؛ لأنه بنى على صلاة أبي بكر، فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى، وخُصَّ منه حال العذر، وحال استماع الإمام حال عذر، فهو مخصوص، وأَمْرُ المأموم بالإنصات لقراءة الإمام لم يُخَصَّ معه شيء، لا بنص خاص، ولا إجماع، وإذا تعارض عمومان: أحدهما محفوظ، والآخر مخصوص، وجب تقديم المحفوظ.\nوأيضًا: فإن الأمر بالإنصات داخل في معنى اتباع المأموم، وهو دليل على أن المنصت يحصل له بإنصاته واستماعه ما هو أولى به من قراءته» (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٨٤) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك .... الحديث\n_________\n(^١). شرح مختصر الروضة (٣/ ٧١٥).\n(^٢). المجموع (٢٣/ ٢٩٠، ٢٩١).","vol":"2","page":274},{"text":"ورواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب، يقول: سمعت أبا هريرة بمثله.\nورواه مسلم من طريق أبي أويس، أخبرني العلاء، قال: سمعت من أبي ومن أبي السائب وكانا جليسي أبي هريرة بمثل حديثهم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (من صلى صلاة ....) فصلاة نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، فتشمل الصلاة السرية والجهرية، من المأموم وغيره.\nوقد فهم أبو هريرة ﵁ هذا العموم حين سُئِلَ: إنَّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك.\nوالخداج: هو الفساد والنقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة، من قولهم: أخدجت الناقة إذا ولدت نتاجًا فاسدًا قبل تمام الخلق.\n* ونوقش هذا الاستدلال:\nبأن الدليل قد اشتمل على حديث وأثر:\nفأما الجواب عن الحديث: فيجاب عنه بما أجيب به عن حديث عبادة، حيث\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٩٥).\nوله شاهد من حديث عائشة ﵂:\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٢٠)، وأحمد (٦/ ١٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٥)، وفي مشكل الآثار (١٠٨٧)، عن يزيد بن هارون،\nورواه أحمد (٦/ ٢٧٥) من طريق إبراهيم بن سعد،\nورواه إسحاق (٩٠٨) أخبرنا إسماعيل بن علية،\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٩، ٣٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٥)، وفي مشكل الآثار (١٠٨٨) من طريق يزيد بن زريع،\nورواه ابن ماجه (٨٤٠) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى،\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٨٩، ٩٠) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، ومن طريق أبي شهاب الحناط، سبعتهم (يزيد بن هارون، وإبراهيم بن سعد، وابن زريع، وابن علية، وعبد الأعلى، والوهبي، والحناط) رووه عن محمد بن إسحاق به، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث من رواية إبراهيم بن سعد عنه عند أحمد، فالحديث حسن بذاته، صحيح بحديث أبي هريرة في مسلم، والله أعلم.","vol":"2","page":275},{"text":"دلالتهما واحدة استنادًا على ما اشتمل عليه من عموم، فتجب القراءة على المأموم والمنفرد والإمام، وقد بينت في الدليل السابق بأن هذا العموم معارض بعموم أقوى منه، لهذا ذهب ابن تيمية إلى تخصيص هذا العموم بالآية القرآنية ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nوبحديث أبي موسى في مسلم (وإذا قرأ فأنصتوا)، وروي من حديث أبي هريرة.\nوأما الجواب عن قول أبي هريرة (اقرأ بها في نفسك)، ففيه جوابان:\nالأول: أنه معارَضٌ بجملة من الآثار عن الصحابة سآتي على ذكر بعضها إن شاء الله في البحث، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وطلب مرجح خارجي، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nأن مقصود أبي هريرة (اقرأ بها في نفسك) أي في غير الصلاة الجهرية:\n(ث-٣١٩) فقد روى ابن المنذر في الأوسط من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن ذكوان أبي صالح،\nعن أبي هريرة وعائشة، قالا: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به (^١).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان به، بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر (^٢).\n[حسن إن كان قد حفظه عاصم بن بهدلة] (^٣).\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ٢٤٤).\n(^٢). الأوسط (٣/ ١٠٣).\n(^٣). في إسناده عاصم بن بهدلة حدث عنه شعبة والثوري، وابن عيينة، وقد وثقه أحمد وأبو زرعة وجماعة.\nوقال أبو حاتم: محله الصدق.\nوقال الدارقطني: في حفظه شيء.\n\nوفي التقريب: صدوق له أوهام، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٢١)، وفي الخلافيات (١٩٨٣) من طريق شيبان بن فروخ، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثنا عاصم بن بهدلة به بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب، وشيء من القرآن، وكانت عائشة ﵂ تقول: يقرأ في الآخرتين بفاتحة الكتاب.\nوهذا إسناد ضعيف، فيه عكرمة بن إبراهيم ليس بشيء، منكر الحديث. انظر اللسان (٥/ ٤٦٠).","vol":"2","page":276},{"text":"وفي هذا دليل على أن أبا هريرة لا يرى قراءة الفاتحة فيما يجهر به الإمام، والله أعلم.\nوقد يقال: إن بين الأثرين عمومًا وخصوصًا من وجه، فقوله: (اقرأ بها في نفسك) خاص بالفاتحة، عام في الصلاة، والأمر بالقراءة فيما لا يجهر به الأمام، عام بالقراءة، خاص في السرية، فلا يخص عموم أحدهما بالآخر إلا بدليل مرجح، وقد يقال: إن هذا الجمع إنما يتوجه في التعامل مع نصوص الشارع، بخلاف الآثار الموقوفة.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٣٨٥) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود بن ربيع الأنصاري،\nعن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه فيها القراءة فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه فقال: إني لأراكم تقرؤون خلف إمامكم إذا جهر. قال: قلنا: أجل، والله إذن يا رسول الله، إنه لهذا. فقال رسول الله ﷺ: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٣٢٢).\n(^٢). هذا حديث مكحول، وقبل الكلام في بيان الاختلاف على مكحول، نبيِّن أن حديث عبادة قد رواه عنه محمود بن الربيع، وابنه نافع بن محمود بن الربيع.\nأما رواية محمود بن الربيع عن عبادة، فله طريقان عن عبادة:\nأحدهما: حديث مرفوع، رواه عنه الإمام الزهري كما في الصحيحين بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وهذا مقطوع بصحته، وقد سبق تخريجه، وليس فيه: لا تفعلوا إلا بأم القرآن.\nالطريق الثاني: حادثة موقوفة وقعت لعبادة كشفت لنا عن فقهه لما رواه مرفوعًا، وأنه يرى أن على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.\nرواه ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، قال: صليت صلاةً، وإلى جنبي عبادة بن الصامت، قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: فقلت له: يا أبا الوليد! ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها.\n\nأخرجه عبد الرزاق (٢٧٧١)، وابن أبي شيبة (٣٧٧٠)، والطحاوي في أحكام القرآن (٥٠٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٨). وفي القراءة (١٣٣، ٢٠١، ٢٠٢). وقد سقط من إسناد عبد الرزاق محمود بن الربيع. =","vol":"2","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهنا رجاء بن حيوة روى الحديث عن محمود بن الربيع عن عبادة موقوفًا عليه، وقد قال الترمذي في سننه ت بشار (٦/ ٢٤٢): حدثنا أحمد بن منيع، أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن ابن عون، قال كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبى يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه».\nوقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٧٠) عن بشر بن رافع، عن درع بن عبد الله، عن أبي أمية الأزدي، عن عبادة موقوفًا عليه، وفي الإسناد شيخ عبد الرزاق بشر بن رافع ضعيف، ودرع بن عبد الله فيه جهالة.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٠)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٠٣، ٢٠٤)، ٢٠٥) من طريق شعبة، عن مسلم بن عبد الله أبي النضر، عن حملة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت موقوفًا عليه.\nوحملة بن عبد الرحمن ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤٤٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١٤١٤)، وسكتا عنه، وذكره مسلم في الكنى والأسماء (٣٣٩٧).\nوكذا مسلم بن عبد الله أبو النضر ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (٨٢٠).\nوقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (١٨٩٥): سألته (يعني أباه) عن حديث، عن أبي النضر، قال: سمعت حملة بن عبد الرحمن. قال أبي: وليس هذا أبو النضر الذي يحدث عنه مالك وابن عيينة، هذا رجل شامي من عك.\nوقال أيضًا (٣٣٧٧): مسلم أبو النضر شامي، روى عنه شعبة.\nفربما كان قول عبادة أخذه فهمًا من عموم ما رواه عن النبي ﷺ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، كما فهم أبو هريرة حين روى حديث: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج. هذا هو القدر المرفوع، قيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام قال: اقرأ بها في نفسك.\nوإذا رجعت مسألة قراءة المأموم للفاتحة إلى الفقه، فالفقه ليس بمعصوم، والصحابة مختلفون في هذه المسألة.\nولم يُحْفَظ الأمر مرفوعًا بقراءة المأموم للفاتحة، وحين روى هذا الحديث نافع بن محمود ابن الربيع -وهو رجل لا يعرف بالرواية إلا في هذا الحديث، وفي عدالته جهالة كما سيأتي بيان ذلك في ترجمته- خلط المرفوع من حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) بالموقوف على عبادة بقراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فبدت الرواية وكأن النهي عن القراءة وراء الإمام إلا بفاتحة الكتاب مرفوعة إلى النبي ﷺ، والحق أن المرفوع منها هو: ما حفظه لنا الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).\nوأن الأمر للمأموم بقراءة الفاتحة، ولو جهر الإمام هو من قول عبادة موقوفًا عليه.\nوقد أعلَّ الإمام أحمد رواية الرفع برواية رجاء بن حيوة الموقوفة، وسيأتي نقل كلام الإمام أحمد في موضعه من البحث إن شاء الله تعالى. =","vol":"2","page":278},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٦، ٢٨٧): «وهذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة، ضعفه أحمد وغيره من الأئمة، وقد بسط الكلام على ضعفه في غيره هذا الموضع، وبيَّن أن الحديث الصحيح هو قول النبي ﷺ: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن، فهذا هو الذي أخرجاه في الصحيحين، ورواه الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وأما هذا الحديث فغلِطَ بعض الشاميين، وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة».\nوقال أيضًا (٢٢/ ٣٤٠): الحديث لم يخرج في الصحيح، وضعفه ثابت من وجوه، وإنما هو قول عبادة بن الصامت».\nوقال ابن حبان نقلًا من تنقيح التحقيق (٢/ ٢٢٤): «نافع بن محمود بن ربيعة، سمع عبادة ابن الصامت حديث القراءة خلف الإمام موقوفًا، كما سمعه محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة مرفوعًا، ومتناهما متباينان».\nوهذه الرواية الموقوفة هي المحفوظة من حديث رجاء بن حيوة.\nوقد رواه الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، واختلف فيه على الأوزاعي من خمسة وجوه:\nالوجه الأول: عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن رجاء بن حيوة، عن عبادة مرفوعًا\nرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٩) من طريق أحمد بن عبيد الله الدارمي.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٢) من طريق محمد (يعني ابن بركة الحلبي)، كلاهما عن علي بن بكار المصيصي، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، حدثني عمرو بن سعد الفدكي، حدثني رجاء بن حيوة، عن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ: هل تقرؤون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن.\nانفرد بذلك علي بن بكار المصيصي الصغير، عن أبي إسحاق الفزاري، قال الذهبي في تاريخ الإسلام ت بشار (٣٢٤): علي بن بكار المصيصي عن أبي إسحاق الفزاري، وهو آخر من لقيه .... إلخ.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٧٤)، وقال: مستقيم الحديث.\nوإذا اختلف عمرو بن سعد وعبد الله بن عون في رجاء بن حيوة، قدم عبد الله بن عون بلا توقف.\nالوجه الثاني: عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن الأوزاعي، عن عمرو بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.\nرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٣٠).\nوهذان الوجهان عن الأوزاعي هما أقوى ما روي عنه، وقد روى الشيخان في صحيحيهما لأبي المغيرة عن الأوزاعي.\nوأبو إسحاق الفزاري وإن كان من رجال الشيخين إلا أن الشيخين لم يخرجا له شيئًا من حديثه عن الأوزاعي، فأبو المغيرة من أصحاب الأوزاعي، وأَعْرَفُ به من أبي إسحاق، فلعله =","vol":"2","page":279},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من هذه الجهة يقدم على أبي إسحاق في الأوزاعي، فتكون روايته هي المحفوظة، وإذا كان كذلك فإن إسناد أبي المغيرة منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من عبادة بن الصامت. ...\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٣١) من طريق يزيد بن عبد الله بن رزيق، أخبرنا الوليد، أخبرنا أبو عمرو (يقصد الأوزاعي) حدثني عمرو بن سعد، أخبرنا رجاء بن حيوة، وعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبادة بن الصامت.\nفجمع بين روايتي أبي المغيرة ورواية أبي إسحاق الفزاري، وقد يؤخذ منه أن الطريقين محفوظان، إلا أن هذا الجمع قد تفرد به يزيد بن عبد الله بن رزيق، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ففيه جهالة، وتفرده عن الوليد بن مسلم مما لا يحتمل منه، فالوليد له أصحاب كثر يعتنون بحديثه، وقد خالفه في الوليد بن مسلم من هو أوثق منه علي بن سهل الرملي، فرواه عن الوليد، عن ابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة، وهذا هو المعروف من رواية الوليد بن مسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تخريج الاختلاف على الوليد بن مسلم فيما بقي من التخريج.\nالوجه الثالث: رواه إسماعيل بن عياش كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (٣٦)، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت.\nفأسقط إسماعيل بن عياش عمرو بن سعد، وزاد في إسناده شعيب بن محمد، ولولا مخالفة إسماعيل بن عياش لأبي المغيرة لكان الإسناد يمكن قبوله؛ لأن رواية إسماعيل بن عياش عن أهل بلده مستقيمة، أما وقد خالف أبا المغيرة في الأوزاعي، فتكون روايته شاذة، والله أعلم.\nالوجه الرابع: رواه الحسن بن علي بن عياش كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٣٢)، عن منبه بن عثمان عن الأوزاعي عن عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبادة به.\nفجعله من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبادة، وهذا إسناد منكر، الحسن بن علي بن عياش فيه جهالة، وقد خالف الثقة أبا المغيرة، وهو من أصحاب الأوزاعي.\nالوجه الخامس: رواه مسلمة بن علي عن الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمرو.\nرواه البزار كما في كشف الأستار (٤٨٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٢٠٩٩، ٣٥٦٨) والبيهقي في القراة خلف الإمام (٤٠٦، ٤٠٧)، وذكره ابن حبان في المجروحين (٣/ ٣٤).\nقال البزار: لا نعلمه عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، ومسلمة لين الحديث.\nقلت: إسناده ضعيف جدًّا، مسلمة بن علي هو الخشني، متروك الحديث.\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (٢١٠١)، من طريق المتوكل بن محمد بن أبي سورة، حدثنا الحارث بن عطية، عن الأوزاعي، عن جسر بن الحسن، عن رجاء بن حيوة، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.\nفالمتوكل بن أبي سورة مجهول، وشيخه الحارث بن عطية متكلم فيه.\nوالمحفوظ من حديث رجاء بن حيوة، ما رواه عبد الله بن عون، عنه، عن محمود بن الربيع، قال: =","vol":"2","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صليت صلاة، وإلى جانبي عبادة بن الصامت قال: فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: فقلت له: يا أبا الوليد ألم أسمعك تقرأ بفاتحة الكتاب؟ قال: أجل؛ إنه لا صلاة إلا بها. وهذا موقوف على عبادة. ... وكل من رواه عن رجاء بن حيوة مخالفًا عبد الله بن عون، فالقول قول عبد الله بن عون.\nوالمحفوظ من حديث الأوزاعي، ما رواه أبو المغيرة، عنه، حدثني عمرو بن سعد، عن عمرو ابن شعيب، عن عبادة مرفوعًا، وهو منقطع، عمرو بن شعيب لم يسمع من عبادة، والله أعلم.\nهذا فيما يتعلق برواية الزهري ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع، وما وقع فيها من الاختلاف.\nوأما رواية نافع بن محمود بن الربيع:\nفقد رواها عنه مكحول، إلا أنه قد اختلف على مكحول في إسناده على ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: رواه ابن إسحاق عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، ومكحول لم يسمع من محمود بن الربيع.\nالوجه الثاني: رواه زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، وعلته جهالة نافع بن محمود بن الربيع.\nالوجه الثالث: رواه سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الله بن العلاء بن زبر، ومحمد بن الوليد الزبيدي، والنعمان بن المنذر، وكلهم ثقات إلا النعمان، فإنه صدوق، رووه عن مكحول عن عبادة بن الصامت. وعلته: مكحول لم يسمع من عبادة.\nوقال النعمان: أن عبادة بن الصامت قام في الناس، فأرسله.\nفأي هذه الطرق أرجح في حديث مكحول؟\nأما رواية ابن إسحاق فهي شاذة؛ لتفرده في الأصح بذكر الحديث من رواية مكحول عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا.\nولمخالفة ابن إسحاق من هو أقوى منه، وهو زيد بن واقد، فقد رواه زيد بن واقد، وحرام بن حكيم، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت.\nوزيد بن واقد قد احتج به البخاري، وهو مقدم في مكحول على ابن إسحاق، وقد ساق معه قصة تشهد على حفظه وضبطه، قال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم: أي أصحاب مكحول أعلى؟ فقال: -وذكر جماعة-، ثم قال: ولكن زيد بن واقد وبرد بن سنان من كبارهم. اهـ إلا أن في إسناد زيد بن واقد نافع بن محمود، وهو مجهول.\nولأن البخاري ومسلمًا قد رويا الحديث من طريق الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ولم يذكر فيه قصة القراءة خلف الإمام.\nولا يقارن ابن إسحاق بالزهري، فأين الثرى من الثريا.\nولأن مكحولًا لم يسمع من محمود بن الربيع، قال الترمذي في السنن (٢٥٠٦): «مكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد =","vol":"2","page":281},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من أصحاب النبي ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة».\nومحمود بن الربيع من صغار الصحابة، وعبارة الترمذي توحي بانقطاع حديث ابن إسحاق.\nوأعله البخاري بعدم السماع.\nفقد قَدَّم البخاري رواية الزهري؛ وعلل ذلك بأن الزهري قال: حدثني محمود، وأما مكحول وحرام بن حكيم ورجاء بن حيوة فلم يذكروا أنهم سمعوا من محمود. انظر القراءة خلف الإمام للبخاري (٩٩).\nفظاهر عبارة البخاري إعلال ما رواه غير الزهري بعدم السماع.\nقال المعلمي اليماني: وهذا من البخاري بناء على رأيه أنه يشترط للاتصال العلم باللقاء، وقد رد مسلم في مقدمة صحيحه هذا القول، وحكى الإجماع على أنه يكفي إمكان اللقاء إذا لم يكن الراوي مدلسًا. انظر آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي (١٨/ ٦٧).\nولم أقف على كلام إمام يصرح بسماع مكحول من محمود بن الربيع، ولا الوقوف على إسناد يصرح فيه مكحول بسماعه من محمود بن الربيع، وهو كثير الإرسال.\nوإعلاله بعدم السماع أولى من إعلال بعضهم بعنعنة مكحول استنادًا إلى قول ابن حبان: ربما دلس؛ لأن هذه العبارة تشعر بقلة تدليسه، وابن حبان هو أول من وصفه بالتدليس، وأما ابن حجر فذكره في المرتبة الثالثة، أي من المكثرين ولا أعلم مستنده، وقد يحمل تدليسه على كثرة الإرسال، وهو مكثر منه، وهو أحد نوعي التدليس، فقد كان من الأئمة من يطلق التدليس على الإرسال، والله أعلم.\nفلهذه الأسباب الأربعة: تفرد ابن إسحاق في روايته عن مكحول عن محمود بن الربيع، ومخالفته لزيد بن واقد في إسناده، وكون الزهري رواه عن محمود بن الربيع بلفظ يختلف عن رواية ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، ولأن رواية مكحول عن محمود مرسلة، لهذه الأسباب الأربعة استبعدت رواية ابن إسحاق؛ لشذوذها، فلا يصح الحديث من رواية مكحول عن محمود بن الربيع.\nفتبقى المقارنة بين ما رواه زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، كلاهما عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة.\nوبين ما رواه الجماعة عن مكحول عن عبادة، ومكحول لم يسمع من عبادة.\nولا يستبعد أن يكون الحديث محفوظًا في كلا الطريقين، وأنهما يرجعان إلى طريق واحد، فلا تعارض بينهما: فالإرسال الواقع في رواية الجماعة قد بيَّن زيد بن واقد فيه الواسطة، وأن مكحولًا إنما سمعه من نافع بن محمود بن الربيع، فكان مكحول تارة يرسله، كما هي رواية الجماعة، وهو مشهور بالإرسال، وتارة يذكر واسطته، وإذا عرف أن مكحولًا إنما سمعه من نافع بن محمود بن الربيع، آل إلى ضعف إسناده لجهالة نافع بن محمود بن الربيع.\nإذا عرفت هذا على سبيل الإجمال، فإليك تخريج هذا الطرق من مصادرها. =","vol":"2","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الأول: ابن إسحاق، عن مكحول.\nرواه ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن ربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، وقد سقت لفظه في دليل المسألة.\nرواه أحمد (٥/ ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٥٦)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٣٤، ١٥٨، ١٥٩)، والترمذي (٣١١)، وابن الجارود في المنتقى (٣٢١)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢١٥)، والبزار في مسنده (٢٧٠٣)، والطبراني في المعجم الصغير (٦٤٣)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (٢٩٤)، وابن خزيمة (١٥٨١)، وابن حبان (١٧٨٥، ١٧٩٢، ١٨٤٨)، والدارقطني في السنن (١٢١٣)، والحاكم (٨٦٩). والبيهقي في السنن الكبرى (٢٩١٥)، وفي القراءة خلف الإمام (١١٣)، وغيرهم.\nوالطبراني في مسند الشاميين (٤/ ٣٨٦/٣٦٢٤). والبيهقي في المعرفة (٢/ ٥١/٩١٨). وفي القراءة خلف الإمام (١١٢). والضياء في المختارة (٨/ ٣٣٩/٤١٢).\nقال الترمذي في السنن (١/ ٤٠٧): «حديث عبادة حديث حسن، وروى هذا الحديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وهذا أصح».\nوالحسن في اصطلاح الترمذي: هو الضعيف، لأنه قد صرح أنه يريد بالحسن: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه نحو ذلك. انظر شرح علل الترمذي (٢/ ٦٠٦)، بخلاف الحسن الاصطلاحي فإنه يشترط أن يكون راويه موصوفًا بالضبط، وإن كان خفيفًا، ولا يكفي كونه لا يتهم.\nوتابع ابن إسحاق على هذا الإسناد اثنان:\nالأول: العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، إمام وغير إمام.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١١٥) من طريق محمد بن أبي السَّرِيِّ، عن يحيى بن حسان، عن يحيى بن حمزة، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول به.\nوهذا غريب الإسناد غريب المتن، ففي إسناده محمد بن أبي السَّرِيِّ، قال أبو حاتم: لين الحديث، وقال ابن عدي: كثير الغلط، وقد وثقه ابن معين، وقال الذهبي في الميزان: ولمحمد هذا أحاديث تستنكر.\nوقد وُصِف العلاء بن الحارث أنه من كبار أصحاب مكحول، فلو كان هذا محفوظًا من حديثه لتسابق الرواة إلى نقله عنه، ولم يَأْتِ بسند غريب، وينفرد به رجل سيئ الحفظ.\nوأما غرابة المتن، فلم يقل أحد في لفظه: (إمام وغير إمام) إلا في هذا الإسناد.\nوقد تابع مكحولًا في روايته عن محمود بن الربيع عبد الله بن عمرو بن الحارث، فرواه عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، إلا أنه ضعيف جدًّا. =","vol":"2","page":283},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= روي من طريق يزيد بن عياض كما في معجم ابن الأعرابي (٢٧٨).\nومن طريق معاوية بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، كما في سنن الدارقطني (١٢٢٢)، ومستدرك الحاكم (٨٧١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١١٨)، وكلاهما (يزيد بن عياض، وابن أبي فروة) عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع به.\nوابن عياض قد كذبه مالك والنسائي.\nوإسحاق بن أبي فروة متروك، ومعاوية بن يحيى ضعيف.\nورواه شعيب بن أبي حمزة، واختلف عليه فيه:\nفرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١١٦) من طريق محمد بن حمير (صدوق)، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع به.\nوقد أعل الدارقطني روايته كما في أطراف الغرائب (٤١٢١): فقال: «تفرد به محمد بن حمير عن شعيب بن أبي حمزة عن عبد الله بن عمرو بن الحارث عن محمود».\nوخالفه بشر بن شعيب (ثقة)، فرواه عن أبيه شعيب بن أبي حمزة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث به، وللابن اختصاص بأبيه، فرجع حديث شعيب إلى حديث ابن أبي فروة المتروك.\nالمتابع الثاني لابن إسحاق: سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول.\nوقد روي عن سعيد على ثلاثة أوجه:\nفقيل: عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة كإسناد ابن إسحاق.\nوقيل: عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم، عن عبادة بن الصامت.\nوقيل: عن سعيد بن عبد العزيز وغيره، عن مكحول، عن عبادة بن الصامت.\nهذا من حيث الإجمال، وإليك التفاصيل.\nرواه الوليد بن عتبة، عن الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، واختلف على الوليد بن عتبة:\nفرواه عنه عبدوس بن دِيزَوَيْه، كما في مسند الشاميين للطبراني (٢٩٦، ٣٦٢٦)، حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة يجهر فيها بالقراءة، فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، فقال: هل تقرؤون خلفي إذا جهرت؟ فقال بعضنا: إنا لنفعل ذلك، قال: «فلا تقرؤوا خلفي بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن.\nوعبدوس فيه جهالة، ولم يخرج له أحد من الكتب التسعة، وأحاديثه قليلة، وأكثرها من رواية الطبراني عنه.\nفلا يمكن تقوية طريق ابن إسحاق بهذه المتابعة لسببين:\nالأول: جهالة عبدوس. =","vol":"2","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: أنه قد خولف في إسناده، فقد خالفه من هو أقوى منه في الوليد بن عتبة.\nفرواه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي (ثقة حافظ) كما في سنن الدارقطني (١٢١٨)، ومستدرك الحاكم (٨٧٠)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٢٥).\nومحمد بن هارون بن بكار الدمشقي (وثقه ابن حبان، وأكثر عنه الطبراني، وليس له ذكر في الميزان واللسان) كما في مسند الشاميين للطبراني (٣٠٠)، كلاهما (أبو زرعة ومحمد بن هارون) روياه عن أبي الوليد بن عتبة، حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم، أنه سمع عبادة بن الصامت. هذا إسناد أبي زرعة الدمشقي.\nوقال محمد بن هارون: عن محمود بن الربيع، أو لبيد، عن أبي نعيم.\nقال ابن صاعد شيخ الدارقطني: قوله عن أبي نعيم إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم عن عبادة.\nوفي السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٥): قال ابن صاعد: قوله عن أبي نعيم، أظنه قال خطأ وذكر بقية الكلام على نحو ما نقله الدارقطني.\nوقد جاء ذكر أبي نعيم في لفظه، وليس في إسناده من رواية زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن نافع عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل أبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن وذكر الحديث، وسوف يأتي تخريج هذا الطريق إن شاء الله تعالى.\nوأما ذكر أبي نعيم في الإسناد فهو خطأ، وأظن أنه جاء من الوليد بن عتبة، وليس من الوليد بن مسلم، لأنه قد رواه علي بن سهل الرملي عن الوليد بن مسلم فلم يذكر فيه أبا نعيم، وهو ما سوف أبينه في الوجه الثاني من الاختلاف على مكحول.\nوإذا تبين أن متابعة سعيد بن عبد العزيز خطأ أيضًا، كان ذلك دليلًا على خطأ المتابعتين لابن إسحاق، وهذا ما جعل الإمام أحمد يشير إلى تفرد ابن إسحاق، قال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٦٩): قال أحمد: لم يرفعه إلا ابن إسحاق. اهـ إشارة منه إلى تفرد ابن إسحاق بروايته مرفوعًا عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، والله أعلم.\nوليس بجيد الاعتراض على كلام الإمام أحمد بأنه قد رواه مكحول من غير طريق ابن إسحاق، فالإمام أحمد أراد تفرد ابن إسحاق بهذا الإسناد، لا غير، والله أعلم.\nونقل أبو الخطاب في الانتصار (٢/ ٢١٦) عن الأثرم أنه قال: «ذكر لأحمد ﵀يعني حديث عبادة- فضعفه، وقال: ليس يرويه غير ابن إسحاق، ورجاء بن حيوة لا يرفعه».\nوفي المطبوع: (ورجاء بن حيوة لا يعرفه) وهو تصحيف.\nالوجه الثاني: من الاختلاف على مكحول، قيل: عنه، عن عبادة.\nرواه أبو داود (٨٢٥) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٤)، وفي القراءة خلف =","vol":"2","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإمام له (١٢٧).\nوأحمد بن عمير بن يوسف الدمشقي كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٢٧)، كلاهما (أبو دواد السجستاني وأحمد بن عمير) روياه عن علي بن سهل الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء، عن مكحول، عن عبادة به.\nفلم يذكر الوليد بن مسلم أبا نعيم في إسناده، وهو المحفوظ، إلا أنه جعله من رواية مكحول، عن عبادة. وهذا إسناد منقطع، مكحول لم يسمع من عبادة بن الصامت.\nولعل رواية علي بن سهل بن قادم أبي الحسن الرملي أولى من رواية الوليد بن عتبة؛ لكونه لم يختلف عليه من جهة، ولأنه أوثق منه، فقد وثقه النسائي كما في مشيخته (١٣٦) مع تشدده، وسئل عنه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٦/ ١٨٩)، فقال: صدوق.\nوقال الحاكم: كان محدث أهل الرملة وحافظهم.\nوروى عنه أبو زرعة، والطبري، وخرَّج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وهو مكثر في الرواية عن الوليد بن مسلم.\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٨) من طريق كثير بن عبيد، أخبرنا بقية، عن الزبيدي، عن مكحول، عن عبادة سأَلَنَا رسول الله ﷺ: هل تقرؤون القرآن معي، وأنا في الصلاة؟ قالوا: نعم يا رسول الله نهذه هَذًّا، أو قال: ندرسه درسًا قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن سرًّا في أنفسكم.\nلم يروه عن الزبيدي، إلا بقية بن الوليد، وقد عنعن، وكثير بن عبيد ثقة، والإسناد إلى كثير صحيح، وهو أصح طريق روي فيه الحديث عن بقية، إلا أنه من رواية مكحول، عن عبادة، ولم يسمع منه.\nوقد رواه محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي (٦) من طريق محمد بن مصفى، حدثنا بقية، حدثنا مكحول، عن عبادة.\nومحمد بن المصفى، قال فيه أبو حاتم الرازي والنسائي في مشيخته: صدوق. وقال النسائي في رواية أخرى: صالح. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: كان يخطئ. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، وكان يدلس. اهـ\nوقال أبوزرعة: كان يسوي حديث بقية بن الوليد.\nورواه الدارقطني في السنن (١٢١٩) من طريق أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، عن مكحول، عن عبادة،\nوأحمد بن الفرج، مختلف فيه، قال فيه محمد بن عوف: ليس له في حديث بقية أصل، هو فيها أكذب الخلق، وإنما هي أحاديث وقعت له في ظهر قرطاس في أولها يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية ... إلخ انظر تهذيب التهذيب (١/ ٦٨).\nقال الدارقطني في السنن: هذا مرسل، يقصد أن مكحولًا لم يسمعه من عبادة. =","vol":"2","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٦) من طريق النعمان بن المنذر، عن مكحول، أن عبادة بن الصامت قام في الناس فقال: إن رسول الله ﷺ صلى بنا، فجهر بالقرآن، فلبست عليه القراءة، فلما انصرف قال: هل تقرؤون خلف الإمام إذا جهر؟ قالوا: نعم نَهُذُّ القرآن هَذًّا قال: عجبت أنازع القرآن، وقال: لا تقرؤوا إذا جهر الإمام إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.\nوالنعمان بن المنذر روى له أبو داود في السنن حديثين وروى النسائي في سننه له حديثًا واحدًا، وقد وثقه دحيم، وأبو زرعة الدمشقي، وقال النسائي: ليس بذاك القوي، وفي التقريب: صدوق رمي بالقدر.\nوطريق النعمان بن المنذر مرسل، فهو من رواية التابعي، عن رسول الله ﷺ، وإن حملت (أن) بمعنى (عن) فهو منقطع، مكحول لم يسمع من عبادة. ...\nالوجه الثالث من الاختلاف على مكحول، قيل: عنه، عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت.\nرواه أبو داود في السنن (٨٢٤)، والطبراني في مسند الشاميين (١١٨٧، ٣٦٢٥)، والدارقطني في السنن (١٢١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢٩١٧)، وفي القراءة خلف الإمام له (١٢٢) من طريق عبد الله بن يوسف، حدثنا الهيثم بن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ أم القرآن، فلما انصرف، قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر، قال: أجل صلى بنا رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة قال: فالتبست عليه القراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن، فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن.\nوالهيثم بن حميد صدوق، وزيد بن واقد قد وثقه أحمد وابن معين ودحيم، والعجلي، والدارقطني والبيهقي، وابن عبد البر، والذهبي وابن حجر.\nوقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، محله الصدق.\nوقال أبوزرعة: ليس بشيء، ولا بأس به في المغازي.\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢١) من طريق مروان بن محمد، أخبرنا الهيثم بن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول وحرام بن حكيم، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري به.\nوحرام بن حكيم ثقة، وقد تابع مكحولًا في الرواية عن نافع بن محمود.\nوقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٠١): «هذا إسناد حسن، ورجاله ثقات كلهم، ورواه =","vol":"2","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يحيى البابلتي، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود».\nوقال البيهقي: «والحديث صحيح عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ، وله شواهد».\nقلت: علته نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، فيه جهالة، ولا يعرف بالرواية إلا بهذا الحديث، وحديث آخر رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي ولفظه: نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها. وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان متهم بالوضع.\nفكيف يمكن توثيق أو تحسين حديث نافع بن محمود اعتبارًا بمروياته، إذا كان لا يروى عنه إلا هذا الحديث، وقد خالف فيه كما تعلم؟\nولهذا قال الطحاوي: وليس نافع بن محمود بمعروف.\nوقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: ونافع بن محمود هذا مجهول، لا يعرف. اهـ\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٦): ونافع هذا مجهول.\nوقال عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى متعقبًا الدارقطني (١/ ٣٧٨): «كذا قال، ونافع بن محمود هذا لم يذكره البخاري في تاريخه، ولا ابن أبي حاتم، ولا أخرج له مسلم، ولا البخاري شيئًا، وقال فيه أبو عمر: مجهول».\nوزيادة حرام بن حكيم في إسناده قد توبع عليه الهثيم بن حميد.\nفقد رواه صدقة بن خالد، عن زيد بن واقد، واختلف على صدقة:\nفرواه هشام بن عماركما في المجتبى من سنن النسائي (٩٢٠)، وفي الكبرى (٩٤٤)، وأحكام القرآن للطحاوي (٥٠٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٦)، وفي القراءة خلف الإمام له (١١٩، ١٢٠).\nومحمد بن المبارك الصوري كما في سنن الدارقطني (١٢٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٥)، كلاهما: (هشام ومحمد) روياه عن صدقة بن خالد، حدثنا ابن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن نافع بن محمود بن ربيع الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.\nورواية النسائي عن حرام بن حكيم وحده.\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٣٥)، قال: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول، عن ابن ربيعة الأنصاري، عن عبادة بن الصامت به.\nقال المعلمي: كذا قال: وقد سقط من النسخة رجل، أو رجلان بين البخاري وصدقة، فإن صدقة مات قبل أن يولد البخاري بأربع عشرة سنة، ولم أجد في تاريخ البخاري ترجمة لربيعة الأنصاري، ولا لمحمود بن ربيعة، ولا لنافع بن محمود إلا أنه في ترجمة حرام بن حكيم ذكر أنه روى عن محمود بن ربيعة، فالله أعلم.\nقلت: الساقط هو شيخ البخاري هشام بن عمار، فقد رواه البخاري في خلق أفعال العباد (ص: ١٠٦)، ورواه ابن الجوزي في التحقيق (٤٨٧) من طريق محمود بن إسحاق راوي كتاب القراءة خلف الإمام للبخاري، قال: حدثنا البخاري، حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا =","vol":"2","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= صدقة بن خالد، قال: حدثنا زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم ومكحول، عن ابن ربيعة الأنصاري، عن عبادة. فرجع إسناد البخاري إلى إسناد النسائي.\nوسقط من اسم ربيعة الأنصاري ولا شك: نافع بن محمود ... وأستبعد أن يكون ذلك من اختلاف الرواية، ومحمود قيل في نسبه: ابن الربيع، وقيل: ابن ربيعة الخزرجي الأنصاري، انظر الجرح والتعديل (٨/ ٢٨٩).\nوخالفهما يحيى بن عبد الله البابلتي كما في سنن الدارقطني (١٢٢١)، فرواه عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن عثمان بن أبي سودة، عن نافع بن محمود، قال: أتيت عبادة بن الصامت به بنحوه.\nوهذا إسناد منكر، تفرد به يحيى البابلتي، وهو ضعيف، وقد خالف الجماعة في إسناده حيث جعل عثمان بن أبي سودة مكان مكحول وحرام بن حكيم، والله أعلم.\nوقد توبع زيد بن واقد، ولا يصح منها شيء.\nفأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٢٣) من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة بن الصامت، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يقرأن أحدكم مع الإمام إلا بأم القرآن.\nوهذه المتابعة من يزيد بن جابر لزيد بن واقد في روايته عن مكحول، لا غناء بها، لأن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو رجل متروك.\nورواه الشاشي في مسنده (١٢٧٩)، والطبراني في مسند الشاميين (٣٦٢٧) من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثنا أسامة بن زيد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الخزرجي، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت.\nوهذا الإسناد فيه علتان: الواقدي أخباري متروك، وجعل الحديث من رواية نافع بن محمود عن أبيه، وهذا منكر، مخالف لكل من رواه عن مكحول، والله أعلم.\nفكان الحديث في كل طرقه ضعيفًا، فطريق مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت طريق شاذ، والشاذ لا يعتبر به، وله أربع علل أشرت إليها في التخريج.\nوطريق مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، ضعيف؛ لجهالة نافع بن محمود، ولا يعرف له إلا هذا الحديث.\nوطريق مكحول، عن عبادة بن الصامت ضعيف أيضًا؛ للانقطاع، ولعل هذين الطريقين الأخيرين يرجعان إلى طريق واحد، فيكون المحفوظ من رواية مكحول أنه يرويه عن نافع بن محمود بن الربيع، إلا أنه تارة يذكر شيخه، وتاره يرسله، فيرويه عن عبادة مباشرة، والله أعلم.\nوالمحفوظ من رواية محمود بن الربيع ما رواه الزهري عنه، عن عبادة مرفوعًا: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.\nوكذلك ما رواه رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، عن عبادة موقوفًا عليه.\nهذا القول فيما يتعلق بالإسناد، وقد أعرضت عن الطرق شديدة الضعف؛ لأن ذكرها لا يضيف =","vol":"2","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شيئًا، ويطيل من التخريج.\nوأما حكم الأئمة على الحديث، فقد اختلفوا فيه صحة وضعفًا.\nفضعفه الإمام أحمد كما نقل ذلك ابن تيمية عنه في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٦).\nوقد أعلَّه الإمام أحمد برواية رجاء بن حيوة موقوفًا، كما نقل ذلك أبو الخطاب في الانتصار (٢/ ٢١٦) عن الأثرم، عن أحمد.\nوقال يحيى بن معين: إسناده ليس بذلك، انظر إعلاء السنن (٤/ ١١٢).\nوأعله البخاري بأن رواية الزهري قال: حدثني محمود، وأما مكحول وحرام بن حكيم ورجاء بن حيوة فلم يذكروا أنهم سمعوا من محمود. انظر القراءة خلف الإمام للبخاري (٩٩).\nوضعفه الترمذي في السنن حيث وصفه بالحسن، وهو اصطلاح خاص له.\nوحكم على الحديث بالاضطراب كل من الطحاوي والجصاص وابن عبد البر وابن التركماني.\nقال الطحاوي بعد أن ساق رواية ابن إسحاق: «قد اضطرب علينا إسناد هذا الحديث عن مكحول فيمن بينه وبين عبادة، فرواه محمد بن إسحاق كما ذكرت، ورواه عنه زيد بن واقد، فخالف في إسناده ... ثم ساق إسناد زيد بن واقد، ثم قال: وليس نافع بن محمود بمعروف، فتعارض به مثل الآثار التي قد رويناها في هذا الباب، وليس ما روى محمد بن إسحاق فيه عن مكحول بأولى مما رواه ابن واقد عنه، وقد روى هذا الحديث رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، فأوقفه على عبادة». أحكام القرآن للطحاوي (١/ ٢٥١).\nوقال الجصاص في أحكام القرآن (٤/ ٢١٩): «وهذا حديث مضطرب السند، مختلف في رفعه».\nوضعفه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٦)، وابن التركماني في الجوهر النقي (٢/ ١٦٤).\nوقال ابن عبد البر في أحد قوليه كما في التمهيد: (١١/ ٤٦): «.... ورواه زيد بن خالد، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، ونافع هذا مجهول، ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء، وليس في هذا الباب ما لا مطعن فيه من جهة الإسناد غير حديث الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، وهو محتمل للتأويل».\nوإذا كان حديث مكحول يرجع إلى حديث نافع بن محمود، فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٢٤٢): «لا يعرف بغير هذا الحديث، ولا هو في كتاب البخاري وابن أبي حاتم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: حديثه معلل».\nوقال ابن التركماني في الجوهر النقي (٢/ ١٦٤): «... والكلام في ابن إسحاق معروف، والحديث مع ذلك مضطرب الإسناد».\nوضعفه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٦٩).\nوخالف جمع من العلماء فصححوا الحديث، ولم يعتبروا الخلاف على مكحول موجبًا للاضطراب، بل صححوا جميع وجوه الاختلاف.\nقال ابن حبان: «وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة». =","vol":"2","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وساق البيهقي في الخلافيات ط الروضة للنشر والتوزيع (٢/ ٤١٨) وفي القراءة خلف الإمام (١٢٤) بإسناده عن موسى بن سهل الرملي، وهو أخو علي بن سهل الرملي يقول: سمع مكحول من محمود بن الربيع، ومن نافع بن محمود بن الربيع.\nيقول البيهقي في القراءة خلف الإمام على إثر (ح ١٣٣)، قال: هذا حديث سمعه مكحول الشامي وهو أحد أئمة أهل الشام من محمود بن الربيع ونافع بن محمود، كلاهما عن عبادة بن الصامت، وسمعه حرام بن حكيم من نافع بن محمود، عن عبادة، وسمعه رجاء بن حيوة وهو أحد أئمة أهل الشام من محمود بن الربيع عن عبادة، إلا أن من شأن أهل العلم في الرواية أن يروي الحديث مرةً فيوصله، ويرويه أخرى فيرسله، حتى إذا سئل عن إسناده فحينئذٍ يذكره، ويكون الحديث عنده مسندًا وموقوفًا، فيذكره مرة مسندًا، ومرة موقوفًا، والحجة قائمة بموصوله وموقوفه، وفي وصل من وصله دلالة على صحة مخرج حديث من أرسله، وإرسال من أرسله شاهد لصحة حديث من وصله، وفي كل ذلك دلالة على انتشار هذا الحديث عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ مسندًا، ثم من فتواه به موقوفًا. اهـ\nقلت: عمل المحدثين ترجيح أحدهما بحسب القرائن، فإذا ترجح الإرسال أو الوقف اعتبر ذلك علة في رد الموصول والمرفوع، ولا يمكن أن يستشهد بالإرسال والوقف على صحة الوصل والرفع، والله أعلم.\nوروى البيهقي في معرفة السنن (٣/ ٨٢) عن الحاكم أبي عبد الله، عن أبي علي الحافظ النيسابوري، أنه قال: مكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود، ونافع بن محمود وأبوه محمود بن الربيع سمعاه من عبادة بن الصامت.\nوقال ابن القيم: «يمكن القول بأنه ليس في رواية نافع بن محمود هذه مخالفة لرواية محمود بن الربيع المتقدمة، وأن الاضطراب لا وجود له».\nوقال ابن حزم: «وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود بن الربيع، ومرة عن نافع، فهذا قوة للخبر، لا وهنٌ؛ لأن كليهما ثقة».\nالقول بأن الثقة إذا رواه على وجهين مختلفين يكون محفوظًا عنهما ليس صحيحًا بإطلاق، بل يشترط أن يكون هناك قرينة تدل على أنه محفوظ عنهما، كما لو وجد ثقة يجمع الوجهين بإسناد واحد، ولم يخالف، أو كان الثقة إمامًا في كثرة الحديث والشيوخ فلا يستغرب منه هذا الاختلاف في سعة ما رواه كما يغتفر له لو تفرد بالحديث من أصله.\nيقول ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ١٥) عن حديث رواه الزهري على أكثر من وجه، قال: «الزهري صاحب حديث، فيكون الحديث عنده عن شيخين، ولا يلزم من ذلك اطِّرَادُهُ في كل من اختلف عليه في شيخه إلا أن يكون مثل الزهري في كثرة الحديث والشيوخ».\nوقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ١٠٢): «كان أبو إسحاق واسع الحديث، يحتمل أن يكون سمع من أبي بصير، وسمع من ابن أبي بصير عن أبي بصير، وسمع من العيزار =","vol":"2","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي بصير ...».\nوقال ابن رجب في شرح علل الترمذي (٢/ ٨٣٨): «قاعدة: إذا روى الحفاظ الأثبات حديثًا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر: فإن كان المنفرد ثقة حافظًا، فحكمه قريب من زيادة الثقة في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدم الكلام على ذلك.\nوقد تردد الحفاظ كثيرًا في مثل هذا، هل يرد قول من تفرد بذلك الإسناد لمخالفته الأكثرين له؟ أم يقبل قوله لثقته وحفظه؟\nويَقْوَى قبول قوله: إن كان المروي عنه واسع الحديث يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش».\nومكحول إمام في الفقه والفتيا، وأما في الرواية فلا يعتبر من المكثرين، قال معمر كما في تهذيب الكمال (٢٣/ ٥١١): قلت للزهري: أقتادة أعلم عندك أو مكحول؟ قال: لا، بل قتادة، وما كان عند مكحول إلا شيء يسير».\nورواه ابن خزيمة (٣/ ٣٦)، وابن حبان (٥/ ٨٦) في صحيحيهما، وهو ذهاب منهما إلى تصحيح الحديث.\nورواه الدارقطني في السنن (١٢١٣) من طريق ابن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، وقال: هذا إسناد حسن.\nورواه أيضًا في السنن (١٢١٧) من طريق الهيثم بن حميد، قال: أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، وقال: كلهم ثقات.\nورواه أيضًا (١٢٢٠) من طريق صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد، عن حرام بن حكيم، ومكحول، عن نافع بن محمود، عن عبادة، وقال: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٦): «والحديث صحيح عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ، وله شواهد».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٠٥): إسناده جيد لا مطعن فيه.\nومال إلى تصحيحه ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٢٣).\nوقال ابن حجر في الدراية (١/ ١٦٤): «أخرجه أبو داود بإسنادٍ رجالُه ثقات».\nفقد تبين من خلال اختلاف العلماء في تصحيح الحديث وتضعيفه أن الحكم على الحديث موضع اجتهاد أهل العلم، وأنه ليس من قسم الحديث الضعيف البين، ولا الصحيح البين، وإن كنت أميل إلى اختيار الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن معين، وابن عبد البر ومن ذكر معهم، والله أعلم.\nوللحديث شواهد ضعيفة، سآتي على ذكر بعضها، منها:\nالشاهد الأول: حديث أنس ﵁،\nرواه أبو قلابة، واختلف عليه فيه: =","vol":"2","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه خالد الحذاء، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:\nفقيل: عنه، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، قال: قال رسول الله ﷺ لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ، قالوا: إنا لنفعل. قال: لا، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب.\nرواه سفيان الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٦٦)، ومسند أحمد (٤/ ٢٣٦)، و(٥/ ٦٠، ٤١٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٧٥٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٦)، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٥، ١٥٦) وفي معرفة السنن (٢/ ٨٣)، وفي معرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٢٨٧).\nوشعبة في رواية كما في مسند أحمد (٥/ ٨١)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٥٧) عن محمد بن جعفر، عنه.\nوعبد الوهاب الثقفي كما في مسند ابن أبي عمر العدني كما في إتحاف الخيرة المهرة (١٠٦٩).\nوبشر بن المفضل ذكره الدارقطني في العلل معلقًا (١٢/ ٢٣٨)، أربعتهم: (الثوري، وشعبة، والثقفي وبشر بن المفضل) عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة.\nورواه يزيد بن زريع، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبدان، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (٣٧).\nومسدد في مسنده، كما في إتحاف الخيرة المهرة (١٠٦٩)،\nوأحمد بن المقدام أبو الأشعث، كما في الخلافيات للبيهقي (١٨٧٠)، ثلاثتهم عن يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ كرواية الجماعة.\nورواه إبراهيم بن موسى الفراء، كما في الخلافيات للبيهقي ط الروضة (١٨٦٨)، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن موسى بن أبي عائشة.\nونقل البيهقي عن أحمد أنه قال: قوله: عن موسى بن أبي عائشة وهم قبيح، وإنما هو محمد بن أبي عائشة. اهـ وإذا كانت وهمًا فلا يعتد بها، وتكون رواية يزيد بن زريع كرواية الثوري ومن ذكر معه.\nورواه البيهقي في معرفة السنن (٣/ ٨٣) من طريق إبراهيم بن موسى الفراء به، إلا أنه قال: عن ابن أبي عائشة.\nوقيل: عن خالد، عن أبي قلابة، عن رسول الله ﷺ.\nرواه ابن أبي شيبة (٣٧٥٧)، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا خالد، عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه، هل تقرؤون خلف إمامكم؟ ... فذكره مرسلًا.\nقال الدارقطني في العلل بعد أن ذكر الاختلاف على خالد، قال (١٢/ ٢٣٨): «... ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة مرسلًا لم يجاوز به أبا قلابة، والمرسل أصح». =","vol":"2","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة عن النبي ﷺ.\nرواه ابن علية في رواية، وخالد بن عبد الله، وشعبة في رواية، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلًا عن النبي ﷺ ..... ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٢/ ٢٣٨)، ولم أقف على هذه الروايات مسندة إلا عن ابن علية.\nفقد رواه أحمد في العلل رواية عبد الله (٢٨٢٦)،\nوالبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٨) عن مؤمل بن هشام، كلاهما (أحمد ومؤمل) عن إسماعيل بن علية،\nقال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ، قال خالد: فقلت لأبي قلابة من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية كان خرج مع آل مروان حيث أخرجوا من المدينة.\nفرواية إسماعيل بن علية ليست صريحة بالوصل؛ لأن قول خالد لأبي قلابة من حدثك هذا الحديث؟ قال: محمد بن أبي عائشة، ولم يقل: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.\nوأبو قلابة تارة يرويه عن محمد بن أبي عائشة عن النبي ﷺ مرسلًا، كرواية خالد بن عبد الله وعلي بن عاصم، وشعبة في روايةٍ، على ما ذكره الدارقطني.\nوتارة يرويه عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، كرواية الثوري، ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وعبد الوهاب الثقفي، وشعبة في روايةٍ، فلو أخذنا الكلام على ظاهره لكان حمل رواية إسماعيل بن علية على الإرسال أقرب من حملها على الوصل؛ لأنه هو المتيقن، والوصل مشكوك فيه، والله أعلم. ...\nفاتضح من الخلاف على خالد أنه رواه عنه على ثلاثة أوجه:\nرواه الثوري، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي وبشر بن المفضل، وشعبة في إحدى الروايتين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.\nورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة عن رسول الله ﷺ.\nورواه ابن علية وخالد بن عبد الله، وشعبة في روايةٍ، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة مرسلًا عن النبي ﷺ، ذكر ذلك الدارقطني.\nوقد رجح الدارقطني المرسل على الموصول، بعد أن ذكر وجوه الاختلاف على خالد.\nقال في العلل (١٢/ ٢٣٨): «فأما خالد الحذاء، فرواه عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ.\nقال ذلك سفيان الثوري، ويزيد بن زريع، وبشر بن المفضل، عن خالد.\nورواه ابن علية، وخالد بن عبد الله، وشعبة، وعلي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، مرسلًا، عن النبي ﷺ. =","vol":"2","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، مرسلًا، لم يجاوز به أبا قلابة، والمرسل أصح».\nورجح أبو حاتم كما في العلل لابنه رواية خالد الحذاء الموصولة، وسيأتي نقل كلامه بتمامه عند الحديث على رواية أيوب، عن أبي قلابة إن شاء الله تعالى.\nورجح أبو زرعة كذلك رواية خالد الحذاء، وسيأتي كلامه إن شاء الله تعالى عند تخريج رواية أيوب، والله أعلم.\nوقال البيهقي: هذا إسناد جيد، يعني رواية خالد الموصولة.\nوحسن إسناده ابن حجر.\nومحمد بن أبي عائشة روى له مسلم حديثًا واحدًا عن أبي هريرة، تابعه عليه أبو سلمة في مسلم أيضًا، ولم يخرج له غيره، ووثقه ابن معين كما في تاريخه رواية الدارمي (٧٨٢)، وقال فيه أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٨/ ٥٣): ليس به بأس.\nوقال الدارقطني في العلل (٨/ ٣١): مجهول. اهـ ومن عرفه حجة على من لم يعرفه.\nوابن أبي عائشة من الطبقة الرابعة، وهم صغار التابعين، وأحاديثه قليلة، وجُلُّها عن أبي هريرة، وقد روى له مسلم متابعة وأحمد، وأبو داود والنسائي وابن ماجه حديث أبي هريرة (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ من أربع)، وروى له أبو داود حديثًا آخر من مسند أبي هريرة (ذهب أهل الدثور بالأجور)، وذُكِر في ترجمته أنه يروي عن جابر ﵁، كما في تهذيب التهذيب (٩/ ٢٤٢) وغيره، ولم أقف على إسناد له يروي عن جابر ﵁ فيما تيسر لي من كتب مطبوعة، ومن خلال البحث في الحاسوب، فينظر في صحته عنه.\nوحديثه هذا تجنبه أصحاب الكتب التسعة، إلا الإمام أحمد ﵀، فهو من مفردات المسند.\nفإن حُمِل الصحابي المبهم على أنه أبو هريرة، كما ساقه احتمالًا صاحب الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال (١٣٩٢)، فإن المحفوظ عن أبي هريرة في وجوب قراءة الفاتحة موقوف عليه، وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ، كما في صحيح مسلم عندما قال: (اقرأ بها في نفسك)، ولو كان عند أبي هريرة حديث مرفوع لاحتج به، وإنما فهمه من عموم ما رواه مرفوعًا: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، وانفرد ابن أبي عائشة بهذا الحديث عن أبي هريرة دون أصحاب أبي هريرة، وهو له أصحاب يعتنون بحديثه يجعل تفرده شاذًّا، غير مقبول.\nوالكلام نفسه ينطبق على ما لو حمل هذا الحديث من مسند جابر ﵁، فإن انفراد ابن أبي عائشة عن جابر ﵁ مع ندرة أحاديثه عنه يجعله شاذًّا، وأين أصحاب جابر ﵁ عن هذا الحديث.\nوإن حُمِل المبهم على صحابي آخر غيرهما حملت الرواية على الإرسال؛ لأن محمد بن أبي عائشة لم يذكر سماعًا، ولم يصح له سماع من صحابي آخر، والإرسال كان معروفًا في التابعين، وليس ابن أبي عائشة له شيوخ كثر من الصحابة حتى تحمل روايته على الاتصال، =","vol":"2","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وروايته الصحيحة في الكتب المسندة لا يصح منها إلا ما رواه عن أبي هريرة، والله أعلم.\nهذا هو حال الاختلاف على خالد الحذاء، وعلته باختصار:\n(١) الاختلاف على خالد في وصله وإرساله.\n(٢) كون أيوب رواه عن أبي قلابة مرسلًا، وهو أحفظ في أبي قلابة من خالد، وأقدم منه، ولو تساويا في الحفظ والإتقان كان الإرسال علة في رد الوصل احتياطًا للشريعة على الرواية.\n(٣) ولتردد الحديث بين الشذوذ والانقطاع فيما بين ابن أبي عائشة والصحابي المبهم، فإن حُمِل الصحابي على أنه أبو هريرة فهو شاذ، وكذا إن حمل على أنه جابر ﵁، وإن حمل على غيرهما فهو مرسل؛ لقلة رواية ابن أبي عائشة عن الصحابة، وليس له في الكتب التسعة إلا ثلاثة أحاديث، كلها من مسند أبي هريرة، أحدها انفرد به أبو داود، وهذا الحديث من مفردات مسند أحمد، والثالث: رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، والله أعلم.\nالثاني: أيوب عن أبي قلابة:\nرواه أيوب، واختلف عليه:\nفرواه الربيع بن بدر، عن أيوب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nرواه ابن عدي في الكمال (٤/ ٣١، ٣٢)، والدارقطني في السنن (١٢٨٧)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٥٢، ١٥٣، ١٥٤، ٤٤٠).\nقال أحمد: الربيع بن بدر لا يسوى حديثه شيئًا.\nوقال البيهقي: أخطأ فيه عليلة (لقب)، وهو الربيع بن بدر على أيوب، إنما هو عن أيوب، عن أبي قلابة.\nوقال ابن عدي نحو ذلك، وسوف أنقل كلامه بنصه إن شاء الله تعالى.\nوقال النسائي: متروك، وفي التقريب: متروك.\nورواه سلام أبو المنذر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة.\nذكر ذلك الدارقطني في السنن (٢/ ١٤٠) وفي العلل (٩/ ٦٤)، وقال: لا يثبت.\nورواه عبد الله (هو ابن جعفر الرقي) كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٥٦)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٤، ١٤٥).\nومخلد بن أبي زميل كما في مسند أبي يعلى الموصلي (٢٨٠٥)، وفي المعجم له (٣٠٣)، وصحيح ابن حبان (١٨٤٤)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٨٦)، وفي الأحاديث المختارة للضياء (٢٢٤٨)، وفي تاريخ بغداد للخطيب (١٣/ ١٧٧).\nوفرح بن رواحة كما في صحيح ابن حبان (١٨٥٢).\nويحيى (هو ابن يوسف الزمي) كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٥٦)، والمعجم الأوسط (٢٦٨٠)، والفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي (١٠٢)، وسنن الدارقطني (١٢٨٨)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٠، ١٧٥). =","vol":"2","page":296},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبو توبة الربيع بن نافع كما في سنن الدارقطني (١٢٨٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٧)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٣٩، ٣٨٧)، وفي الأحاديث المختارة للضياء (٢٢٤٩).\nوعبد السلام بن عبد الحميد كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٣)،\nوالدارقطني في السنن (١٢٨٩) من طريق العلاء بن هلال، كلهم (عبد الله بن جعفر، ومخلد، وفرح، ويحيى بن يوسف، وأبو توبة، وعبد السلام، والعلاء بن هلال) رووه عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل قال: فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.\nورواه يوسف بن عدي كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٨)، وأحكام القرآن له (١/ ٢٥٢)، وفي شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٥٦)، وسنن الدارقطني (١٢٨٩)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٦، ٣٨٥) عن عبيد الله بن عمرو به، بلفظ: فقال: صلى رسول الله ﷺ، ثم أقبل بوجهه، فقال: أتقرؤون، والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل، فقال: لا تفعلوا.\nقال الطحاوي: وليس في هذا استثناء فاتحة الكتاب، ولا غيرها ...\nقال البيهقي: «وفي إجماع هؤلاء الرواة الثقات عن عبيد الله بن عمرو على رواية هذا الحديث بتمامه دليل على تقصير ابن عدي في روايته حيث انتهى بالرواية إلى قوله: (فلا تفعلوا) ولم يذكر ما بعده من الأمر بقراءة فاتحة الكتاب في نفسه .... وهو تقصير منه، وسهو سها فيه، وليس هذا من النقصان الذي يتجوزه في الخبر بعض الرواية، فإنه يغير الحكم الذي هو مقصود صاحب الشريعة ﷺ بالنهي عن القراءة خلف الإمام، واستثناء قراءة الفاتحة سِرًّا في نفسه، ومثل هذا النقصان لا يجوز بحال، وبالله التوفيق».\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٤٧) من طريق سليمان بن عمر الأقطع الرقي، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك.\nوهذه متابعة من إسماعيل لعبيد الله بن عمر الرقي، إلا أنه قد تفرد به سليمان بن عمر الأقطع، ذكره ابن القطان في الوهم والإيمان (٥/ ٨٥)، وقال: لا تعرف حاله.\nوترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام ت بشار، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا (٥/ ١١٤٨).\nوقد خالف من هو أوثق منه، خالف الإمام أحمد، ومؤمل بن هشام ختن إسماعيل بن علية، حيث روياه عن ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة عن النبي ﷺ مرسلًا.\nقال ابن حبان: «سمع هذا الخبر أبو قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان جميعًا محفوظان».\nوقال البيهقي: «تفرد بروايته عن أنس: عبيد الله بن عمرو الرقي، وهو ثقة، إلا أن هذا إنما =","vol":"2","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يعرف عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة».\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧): «ولا يصح أنس». يقصد لا يصح وصله عن أنس ﵁.\nوقال أبو حاتم في العلل لابنه (١/ ١٧٥): «وهم فيه عبيد الله بن عمرو، والحديث ما رواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ».\nوقال ابن عدي في الكامل (٤/ ٣٢): «أخطأ فيه عليلة، فقال: عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس. وهذا أيضًا خطأ عن أيوب، وأخطأ عليه عبيد الله بن عمرو، والصواب ما رواه جماعة عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ».\nوقال علي بن يعقوب راوي الفوائد المعللة عن أبي زرعة (ص: ١٥٠): «حدثنا أبو زرعة أخبرنا يحيى بن يوسف بالري، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرؤون في صلاتكم، والإمام يقرأ؟ فسكتوا، قالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: فلا تفعلوا، وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.\nقال أبو زرعة: قال لنا يحيى بن يوسف الزمي: قال لي يحيى بن معين هذا خطأ، قد رواه عبد الله ابن جعفر، عن عبيد الله بن عمرو، عن أيوب عن أبي قلابة فقط. وعبد الله بن جعفر كيس.\nقال يحيى بن يوسف: فقلت ليحيى بن معين: وأنا ليس هكذا أخبرنا عبيد الله بن عمرو. وحدثنا ابن عيينة عن أيوب عن أبي قلابة فقط.\nقال لنا أبو زرعة: هذا الصحيح من حديث أيوب، وخالد أحفظ له».اهـ\nفهذا النص تضمن مسألتين:\nالأولى: أشار ابن معين إلى أن عبد الله بن جعفر رواه عن عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا.\nفرد عليه يحيى بن يوسف، فقال: ليس هكذا أخبرنا عبيد الله بن عمرو، يشير إلى أن عبيد الله ابن عمرو رواه موصولًا من مسند أنس، وإنما رواه ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة فقط.\nالمسألة الثانية: أن أبا زرعة قال: هذا هو الصحيح من حديث أيوب، أي الإرسال، وليس الوصل، ثم قال: وخالد أحفظ له. يقصد أحفظ لهذا الحديث، وليس أحفظ مطلقًا.\nوالسؤال: قوله: (وخالد أحفظ له) أيعني بذلك ترجيح الرواية الموصولة على الرواية المرسلة، أم يحتمل كلامه أن الراجح من رواية خالدًا: هو كونه من مرسل محمد بن أبي عائشة، لا من مرسل أبي قلابة؛ لأن خالدًا رواه موصولًا، ورواه مرسلًا من مرسل ابن أبي عائشة، ورواه من مرسل أبي قلابة؟ محتمل، وإن كان الأول أرجح، أعني أنه قصد بذلك والله أعلم ترجيح الرواية =","vol":"2","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الموصولة على الرواية المرسلة، وهو كونه من مسند رجل من أصحاب النبي ﷺ، والله أعلم.\nوقد خالف عبيد الله بن عمرو الرقي كل من:\nحماد بن زيد، كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٤٨)،\nوإسماعيل بن علية كما في العلل للإمام أحمد رواية عبد الله (٢٨٢٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧)، ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٨).\nوحماد بن سلمة كما في التاريخ الكبير (١/ ٢٠٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٧)، وفي القراءة خلف الإمام (١٤٩، ١٥٠).\nوسفيان بن عيينة، كما في الفوائد المعللة لأبي زرعة الدمشقي (١٠٢)، وذكره البيهقي تعليقًا في القراءة خلف الإمام بإثر ح (١٥١).\nومعمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٦٥)،\nوعبد الوارث بن سعيد كما في القراءة خلف الإمام (١٥١)، ستتهم (الحمادان، وابن علية، وابن عيينة، ومعمر، وعبد الوارث) رووه عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوهذه الرواية موافقة لرواية هشيم، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا، وسبق تخريجها.\nوحماد بن زيد وابن علية أثبت في أيوب من عبيد الله بن عمرو الرقي،\nفصار الراجح من رواية أيوب الإرسال،\nوأما خالد فقد روي عنه موصولًا، وروي عنه من مرسل ابن أبي عائشة، ومن مرسل أبي قلابة.\nفالذي يظهر لي أن رواية أيوب أرجح لأمور منها:\nأن أصحاب أيوب يروونه عنه مرسلًا، ولم يختلف عليه حفاظ أصحابه، مثل حماد بن زيد، وابن علية، ومن تابعهما.\nورواية عبيد الله بن عمرو الموصولة، هي وهم منه، والحمل فيها عليه وليس على أيوب، بخلاف خالد فإن حفاظ أصحابه منقسمون عليه على ثلاثة أوجه:\nفمنها الموصول، وهي رواية جماعة من أصحاب خالد الحذاء، عنه، على رأسهم الثوري وشعبة، وحسبك بهما.\nومنها: مرسل محمد بن أبي عائشة، وهي أيضًا من رواية جماعة من أصحاب خالد عنه، منهم شعبة وابن علية، وحسبك بهما.\nومنها مرسل أبي قلابة، تفرد بذلك هشيم بن بشير عن خالد.\nوهذا الانقسام مما يضعف رواية خالد، ولا يمكن أن يكون الحمل فيه على الرواة عن خالد، فالحمل إما أن يكون على خالد، وإما أن يكون على أبي قلابة، وفي الحالين تكون رواية أيوب المرسلة أرجح من رواية خالد الموصولة؛ لأن خالدًا أيضًا يرويه مرسلًا في أحد الوجهين، =","vol":"2","page":299},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٣٨٦) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد، أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (^١).\n[رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة] (^٢).\n_________\nوهذا الذي جعل الدارقطني يرجح الرواية المرسلة على الرواية الموصولة، وتبعه على ذلك ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٦٨)، فقال: «وفي حديث محمد بن أبي عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: أتقرؤون وراء الإمام؟ قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب.\nإلا أن حديث محمد بن أبي عائشة منقطع مرسل». اهـ من كلام ابن عبد البر.\nوقال ابن القيم في حاشيته على السنن كما في عون المعبود (٣/ ٣٧): «ولكن لهذا الحديث علة، وهي أن أيوب خالف فيه خالدًا، فرواه عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلًا».\nولأن أيوب مقدم على خالد الحذاء؛ لأنه أقدم منه، قال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٢/ ٢٥٥): «أيوب السختياني أحب إلي في كل شيء من خالد».\nولأن أبا قلابة أوصى بكتبه إلى أيوب، قال حماد بن زيد: أوصى أبو قلابة، فقال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حَيًّا، وإلا فاحرقوها، وقال الحسن: وإلا فخرقوها. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ١٨٥)، المحدث الفاصل (ص: ٤٥٩)، تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: ٦٢).\nوقال أيوب: أوصى إليَّ أبو قلابة بكتبه، فأتيت بها من الشام. العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٨٦).\nالشاهد الثاني: حديث أبي قتادة.\nرواه أحمد (٥/ ٣٠٨)، وابن أبي شيبة في المسند كما في إتحاف الخيرة (١٥٥٦)، وعبد بن حميد (١٥٥٨)، وأحمد بن منيع كما في الإتحاف (١٥٥٧)،\nوأخرجه أبو يعلى كما في الإتحاف (١٥٥٩) عن زهير بن حرب،\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٢٣٧) وفي القراءة خلف الإمام (١٦٤)، ١٦٥) من طريق مالك بن يحيى،\nوأخرجه أيضًا في القراءة خلف الإمام (١٦٥) من طريق محمد بن أبي بكر، كلهم (أحمد، وابن أبي شيبة، وابن منيع، وعبد بن حميد، وزهير، ومالك بن يحيى، ومحمد بن أبي بكر) رووه عن يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي، قال: حُدِّثت عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: تقرؤون خلفي؟ قالوا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب.\nوهذا إسناد ضعيف؛ لأن شيخ التيمي مبهم.\nوخالفهم محمد بن عبد الله العصار كما في تاريخ جرجان لأبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي (ص: ١٦٠) فرواه عن يزيد بن هارون، ولم يقل: حدثت. ورواية الجماعة أصح.\n(^١). المسند (٣/ ٣، ٤٥، ٩٧).\n(^٢). الحديث رواه أبو نضرة، واختلف عليه فيه:","vol":"2","page":300},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعًا.\nرواه أحمد (٣/ ٣، ٤٥، ٩٧)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٨٧٩)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٣)، وأبو داود (٨١٨)، وأبو يعلى (١٢١٠)، والطبراني في الأوسط (١٣٠٦)، والبزار في مسنده (٧)، وابن حبان (١٧٩٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٨٧)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣، ٣٥)، وفي الخلافيات (١٨٠٤)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٣١).\nوقد أعل الحديث بثلاث علل:\nالأولى: عنعنة قتادة، وهو مدلس. قال البخاري في القراءة خلف الإمام (٧٥) «لم يذكر قتادة سماعًا من أبي نضرة في هذا».\nوقال ابن حجر في تخريج أحاديث المختصر (١/ ٤١٧): «إسناده على شرط مسلم، لكن أعله البخاري بعنعنة قتادة، وهو مدلس، وأشار الدارقطني في العلل إلى أن الراجح وقفه».\nوالموجود في علل الدارقطني (١١/ ٣٢٤) ح ٢٣١٣، قوله: «ورواه زنبقة، عن عثمان بن عمر، عن شعبة، عن أبي مسلمة مرفوعًا، ولا يصح رفعه عن شعبة».\nفالدارقطني ذكر أن قتادة رواه عن أبي نضرة مرفوعًا، ورواه أبو مسلمة سعيد بن زيد، عن أبي نضرة موقوفًا، ثم ذكر أن شعبة رواه عن أبي مسلمة مرفوعًا، ثم قال: ولا يصح رفعه، يعني من طريق أبي مسلمة، فلا يوجد في كلام الدارقطني الترجيح بين رواية قتادة وبين رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد، والله أعلم. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى تخريج طريق أبي مسلمة.\nالعلة الثانية: نبه البزار إلى تفرد همام عن قتادة، فقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا همام».\n\nوهذه العلة ليست بشيء، فلم ينفرد به همام، ولو تفرد به لم يضر تفرده لأنه ثقة، ومن أصحاب قتادة، فقد رواه أبو الوليد الطيالسي، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٣).\nوسعيد بن أبي عروبة كما في الأوسط للطبراني (١٣٠٦)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٤).\nوحجاج بن حجاج الباهلي كما في أخبار أصبهان لأبي نعيم (٢/ ٢٣١).\nوعثمان بن مقسم كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٥) أربعتهم رووه عن قتادة به.\nقال الحاكم كما في معرفة علوم الحديث (ص: ٩٧): «تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، لم يشركهم في هذا اللفظ سواهم».\nهذا ما يخص الكلام عن طريق قتادة.\nوتابع قتادة في رفعه أبو سفيان طريف بن شهاب، عن أبي نضرة به مرفوعًا.\nرواه الترمذي (٢٣٨) حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد بن الفضيل، عن أبي سفيان به، بلفظ: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بـ ﴿لِلَّهِ﴾ وسورة في فريضة، أو غيرها.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٣٢). =","vol":"2","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن ماجه (٨٣٩) حدثنا أبو كريب،\nوالدارقطني (١٣٥٦) من طريق علي بن المنذر، ثلاثتهم (ابن أبي شيبة وأبوكريب وابن المنذر) عن محمد بن الفضيل،\nورواه ابن ماجه (٨٣٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٧) من طريق علي بن مسهر،\nورواه الدارقطني (١٣٥٦) من طريق إبراهيم بن عثمان،\nوالحاكم في المستدرك (٤٥٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٣١)، من طريق حسان بن إبراهيم،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٢١) من طريق أبي معاوية،\nوالعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢٩) من طريق مِنْدَلٍ،\nوأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١١٢) من طريق صباح المزني، سبعتهم (ابن فضيل، وعلي بن مسهر، وابن عثمان، وحسان، وأبو معاوية، ومندل، وصباح) رووه عن أبي سفيان السعدي به، بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة، في فريضة، وغيرها.\nوفي سنده أبو سفيان السعدي متفق على ضعفه.\nوقد رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٦)، وقال: لم يصح.\nوقال ابن كثير في التفسير (١/ ١٠٩): «وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا .... وفي صحته نظر ...».\nالعلة الثالثة: أنه قد خالف قتادة وأبا سفيان كل من سعيد بن يزيد بن مسلمة (ثقة)، فرواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا، بلفظ: (فيكل صلاة قراءة قرآن: أم الكتاب فما زاد).\nرواه ابن أبي شيبة (٣٦٢٣)، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن يزيد به.\nورواه العوام بن حمزة (ليس به بأس) حدثنا أبو نضرة، سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام، قال: بفاتحة الكتاب. وهذا موقوف، إلا أنه لم يذكر زيادة على الفاتحة.\nرواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٧، ٧٦)، وفي التاريخ الكبير (٤/ ٣٥٧) ٣١٣٤، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٣)، وفي القراءة خلف الإمام له (٢٢٤)، وفي الخلافيات (١٩٢٥).\nقال البخاري كما في التاريخ الكبير (٤/ ٣٥٧): «وهذا أولى؛ لأن أبا هريرة وغير واحد ذكروا عن النبي ﷺ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وقال أبو هريرة: إن زدت فهو خير وإن لم تفعل أجزأك».\nورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٦)، وقال عقبه: هذا أصح، وقال عبادة، وأبو هريرة عن النبي ﷺ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.\nولم يذكر في رواية العوام بن حمزة زيادة على الفاتحة، وقد وقعت جوابًا لسؤال، بخلاف رواية قتادة وسعيد بن يزيد، فإن فيها عمومًا ليس في رواية العوام بن حمزة، والله أعلم.\nفتبين أن قتادة يرويه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا، وخالفه سعيد بن يزيد أبو مسلمة، والعوام بن حمزة فروياه موقوفًا، وقتادة أحفظ.\nقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤١٥) عن رواية قتادة: «رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، فقد احتج مسلم بأبي نضرة، والباقون مجمع على عدالتهم».\nوقال في الكتاب نفسه (٢/ ٤٦٣): «قد روينا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، بإسناد صحيح، وقد روي عن أبي سعيد ﵁ أنه أفتى بذلك».\nونقل الشوكاني عن ابن سيد الناس كما في نيل الأوطار (٢/ ٢٣٩): «إسناده صحيح، ورجاله ثقات».\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٣٢٩): رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.\nوصححه الحافظ في التلخيص ط قرطبة (١/ ٤٢٠)، والله أعلم.","vol":"2","page":302},{"text":"* ونوقش هذا:\nبأنه لما نص على قراءة ما زاد على الفاتحة خرج بذلك المأموم في الصلاة الجهرية؛ فإنه لا يشرع له أن يقرأ زيادة على الفاتحة خلف الإمام في الجهرية، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ بما تيسر حال جهر الإمام بالقراءة، ويدع الاستماع والإنصات لقراءة إمامه (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-١٣٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (^٢).\n[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (^٣).\nالدليل السابع:\n(ح-١٣٨٨) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء،\n_________\n(^١). انظر: مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٤، ٣١٢، ٣١٣).\n(^٢). المسند (٢/ ٤٢٨).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٧٠).","vol":"2","page":303},{"text":"فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي ﷺ أمر المسيء بقراءة القرآن، في قوله: (ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن) وهذا يتناول صلاته منفردًا، ومأمومًا، وتخصيصه بالإمام والمنفرد دون المأموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه.\n* ويجاب:\nهذا العام خص منه المأموم بالأمر بالاستماع والإنصات لقراءة القرآن، وسبق بيان ذلك في أدلة مشابهة.\nالدليل الثامن:\nهناك آثار كثيرة عن الصحابة، ولكن لا حجة فيها مع اختلاف الصحابة فيما بينهم، فمنهم من قال: يقرأ خلف الإمام مطلقًا، ومنهم من قال: يقرأ خلف الإمام في السرية دون الجهرية، ومنهم من ذهب إلى المنع من القراءة خلف الإمام مطلقًا، لهذا لا أجد من المفيد استقصاء هذه الآثار، وهي معارَضَةٌ بمثلها، وسوف أذكر أهمها إن شاء الله تعالى.\n(ث-٣٢٠) منها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا هشيم، قال:\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\n\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.","vol":"2","page":304},{"text":"أخبرنا الشيباني، عن جَوَّاب بن عبيد الله التيمي، قال: حدثنا يزيد بن شريك التيمي أبو إبراهيم التيمي، قال:\nسألت عمر بن الخطاب عن القراءة خلف الإمام، فقال لي: اقرأ، قال: قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قال: وإن قرأت (^١).\n[حسن إن كان حفظه جَوَّاب التيمي، فقد تفرد به، وتابعه إبراهيم بن محمد بن المنتشر، إلا أنه لم يصح] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٣٧٤٨)، انظر النكت العلمية على الروضة الندية (ص: ١٥٠).\n(^٢). الأثر فيه اختلاف في إسناده ولفظه، رواه أبو إسحاق الشيباني سليمان بن أبي سليمان، عن جَوَّاب التيمي، واختلف عليه فيه:\nفقيل: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب، عن يزيد بن شريك، عن عمر، بلفظ: سألت عمر بن الخطاب عن القراءة خلف الإمام، فقال لي: اقرأ، قال: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، وإن قرأت.\nرواه هشيم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٤٨)، وفي الجعديات للقاسم البغوي (٢٤٨٠)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢١٨)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠٩)، وقد صرح بالتحديث.\n\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٧٦)، وفي القراءة خلف الإمام للبخاري (٢١)، وفي التاريخ الكبير (٨/ ٣٤٠)، وفي معرفة السنن للبيهقي (٣/ ٨٥)، وفي القراءة خلف الإمام له أيضًا (١٨٦)، وفي تاريخ بغداد للخطيب (١١/ ٨٠).\nوخالد الواسطي كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٢/ ٢٢٥)، ثلاثتهم عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي، عن يزيد بن شريك، عن عمر به.\nوالإسناد رجاله ثقات إلا جَوَّابًا التيمي الكوفي، فإنه مختلف فيه، ولم يخرج له أحد من الكتب التسعة إلا حديثًا واحدًا عند أحمد من مسند علي ﵁ في المذي (١/ ١٠٧).\nوله مرسل آخر خارج الكتب التسعة، عنه عن رسول الله ﷺ: مثل أصحابي كالنجوم، وهو حديث لا يصح، هذا كل مروياته المسندة التي وقفت عليها، وله بعض الآثار، منها هذا الذي معنا، وهو قاصٌّ وواعظ.\nوقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٤٦)، فلم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا.\nووثقه يحيى بن معين، وروى الدارقطني أثره هذا، وقال: رواته كلهم ثقات.\nوضعفه محمد بن نمير، وقال البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٥٤٧): جواب التيمي غير قوي. وقال في شعب الإيمان (٥٤١٧): جواب التيمي فيه نظر.\nوقال الذهبي: ليس بالقوي في الحديث، ورآه الثوري فلم يَرْوِ عنه، ثم كتب عن رجل عنه، =","vol":"2","page":305},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو نعيم: لأنه كان مرجئًا. الجرح والتعديل (٢/ ٥٣٦).\nوقال ابن عدي: جَوَّاب التيمي كان قاصًّا، وكان بجرجان، وهو كوفي سكن جرجان، وليس له من الحديث المسند إلا القليل، وله مقاطيع في الزهد وغيره، ولم أَرَ له حديثًا منكرًا في مقدار ما يرويه، وكان يرمى بالإرجاء. الكامل (٢/ ٤٣٩).\nوليس فيه تصريح بأن ذلك في الصلاة الجهرية، وهذا من حيث اللفظ، وأما من حيث الدلالة فقد يستدل بإطلاق قوله: (وإن قرأت) بأن المعنى: وإن كنت أسمع قراءتك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nوقيل: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جواب التيمي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك، عن عمر.\nفزاد في الإسناد واسطة بين جَوَّاب التيمي، وبين يزيد بن شريك.\nرواه حفص بن غياث، واختلف عليه:\nفرواه الحميدي كما في القراءة خلف الإمام (١٨٧)، عن حفص بن غياث النخعي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب التيمي، عن يزيد بن شريك، قال: قلت لعمر ﵁: أَقْرَأُ خلف الإمام؟ قال: نعم. قلت: وإن كنا خلفك؟ قال: نعم، وإن كنت خلفي.\nفرواية الحميدي، عن حفص اتفقت مع الجماعة في إسناده، حيث جعلت الرواية عن جَوَّاب، عن يزيد بن شريك، بلا واسطة بينهما، وقصر عنهم في لفظه: فليس فيه: (وإن قرأت).\nورواه أحمد بن عبد الجبار (ضعيف) كما في مستدرك الحاكم، (٨٧٣)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٨)، وفي القراءة خلف الإمام (١٨٨)، وفي الخلافيات (١٨٢٨)، عن حفص، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك، أنه سأل عمر ﵁ عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب قلت: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا قلت: وإن جهرت، قال: وإن جهرت.\nفخالف في إسناده ولفظه، أما الإسناد، فذكر الحارث بن سويد واسطة بين جواب التيمي وبين يزيد ابن شريك، ولم ينفرد عبد الجبار على ضعفه في هذه الزيادة في الإسناد كما سيتبين إن شاء الله تعالى.\nوأما المخالفة في لفظه، فذكر القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية نصًّا.\nورواه أبو كريب، محمد بن العلاء بن كريب، واختلف عليه:\nفرواه محمد بن القاسم بن زكريا المحاربي السوداني (ليس بثقة) كما في سنن الدارقطني (١٢١١)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (١٨٣٠)، حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني به، موافقًا في إسناده للجماعة، وزاد في لفظه: قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت. قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح!.\nورواه الدارقطني (١٢١٠) من طريق محمد بن عبد الله بن نوفل، عن أبيه (وفيهما جهالة).\nوالحاكم في المستدرك (٨٧٣)، وعنه البيهقي في القراءة خلف الإمام (١٨٩) وفي معرفة =","vol":"2","page":306},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السنن (٣/ ٨٥)، وفي الخلافيات (١٨٢٨)، من طريق إبراهيم بن أبي طالب (ثقة)، حدثنا أبو كريب (ثقة)، كلاهما (عبد الله بن نوفل، وأبو كريب) قالا: حدثنا حفص، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّابٍ التيمي وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد عن يزيد بن شريك به، بلفظ: أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام، فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب، قلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت، قال: وإن جهرت.\nقال الدارقطني عن طريق محمد بن عبد الله بن نوفل: رواته كلهم ثقات، وهو توثيق لمحمد بن عبد الله بن نوفل وأبيه، ولم أقف على توثيق لغيره، وهناك محمد بن عبد الله بن نوفل الهاشمي، فهذا متقدم، ومن شيوخ الزهري، بخلاف محمد بن عبد الله بن نوفل، عن أبيه، في هذا الإسناد فإنه متأخر.\nويغني عن طريق محمد بن عبد الله بن نوفل طريق أبي كريب، فإنه أصح منه، وكون الرواة ثقاتًا، فهذا لا يمنع من شذوذ إسناده؛ لأن الثقة إذا خالف الثقات في الإسناد حكم بشذوذ روايته، وهو ما يفهم من تفريق الدارقطني في حكمه بين رواية جَوَّاب عن يزيد بن شريك، فقال: إسناد صحيح، وبين رواية جَوَّاب التيمي، عن الحارث عن يزيد، فقال: رواته ثقات. لكن يعكر على هذا قول الدارقطني في العلل (٢/ ٢٢٥/٢٣٨): «حدث به عن الشيباني جماعة، منهم: سفيان الثوري، وخالد الواسطي، وهشيم، وشريك، وحفص بن غياث، فأما شريك وحفص فزادا فيه زيادة حسنة، أغربا بها على أصحاب الشيباني، وهي قوله: (وإن جهر، قال: وإن جهر)، ولم يذكر الجهر غيرهما، وزيادتهما مقبولة؛ لأنهما ثقتان».\nوشريك ضعيف، وحفص قد تغير بآخرة، وقد اختلف عليه في الإسناد وقد خالف أصحاب الشيباني، فالأقرب أن المحفوظ في إسناده: عن جواب التيمي، عن يزيد بن شريك.\nوقد قال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٨): والذي يدل عليه سائر الرويات أن جَوَّابًا أَخَدَهُ عن يزيد بن شريك، وإبراهيم أخذه عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك. اهـ\nقلت: الراجح في رواية إبراهيم بن محمد بن المنتشر:\nما رواه شعبة كما في الطبقات (٦/ ١٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٩)، وفي القراءة خلف الإمام (١٩١)، وفي الخلافيات له (١٨٣١).\nوأبو عوانة كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠٩)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٩٢).\nوسفيان الثوري كما ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٢٨)، ثلاثتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عباية بن رداد، قال: كنا نسير مع عمر بن الخطاب، فقال: لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وشيء معها، قال: فقال رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كنت خلف الإمام، أو كان بين يدي إمام، قال: اقرأ بها في نفسك. .\nوهؤلاء مقدمون على رواية حفص بن غياث، عن أبي إسحاق الشيباني، عن جواب التيمي، وإبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن الحارث بن سويد، عن يزيد بن شريك.\nفقد خالف حفص أصحاب أبي إسحاق الشيباني في إسناده، كما خالف شعبة وسفيان =","vol":"2","page":307},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبا عوانة في روايتهم عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر.\nكما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٢٤)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٩٣)، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن عباية بن ربعي، قال: قال عمر: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدًا.\nولو صح أثر عباية بن رداد لحمل أثر عمر على قراءة المأموم في الصلاة السرية؛ لأنه لا يشرع للمأموم أن يقرأ في الصلاة الجهرية زيادة على فاتحة الكتاب، إلا أن هذا الأثر لا يصح؛ لأن في إسناده عباية بن رداد، وهو عباية بن ربعي على الصحيح، قاله أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ١٧٠)، والبخاري في التاريخ الكبير، وعباية متكلم فيه، فهو شيعي غالٍ، ليس حديثه بشيء.\nهذا ما وقفت عليه من الاختلاف في إسناده ولفظه. وأرى أن المعروف في لفظه، قوله: (وإن قرأت) وقد رواه أصحاب الشيباني بهذا اللفظ، ووافقهم عليه حفص بن غياث من رواية الحميدي، والذي يظهر لي أن لفظ: (وإن جهرت) من قبيل الرواية بالمعنى؛ لأن قوله: (وإن قرأت) لا يقصد به الصلاة السرية؛ لأن المأموم لا يعلم بقراءة إمامه في السرية، ولأن الإمام ليس له خيار في ترك القراءة، فالقراءة في حقه واجبة، بخلاف الجهر، فإن الإمام يجهر في بعض الصلوات دون بعض، فيناسب ذكر الشرط بقوله (وإن قرأت) فهو يقصد بهذا، وإن كنت أسمع قراءتك، فيكون لفظ (وإن جهرت) من الرواية بالمعنى.\nوهناك لفظ ثالث: عن حفص بن غياث، ذكره البيهقي معلقًا في القراءة خلف الإمام (ص:٩٠)، قال البيهقي: ورواه أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀، عن عبد الله ابن سعيد الأشج، عن حفص بإسناده -يعني: عن أبي إسحاق الشيباني، عن جَوَّاب التيمي، عن يزيد بن شريك، أن عمر ﵁ قال: اقرأ خلف الإمام وإن جهر، واقرأ فاتحة الكتاب وشيئًا قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي.\nومع أن هذا الإسناد معلق، ما بين البيهقي وبين محمد بن إسحاق بن خزيمة، إلا أن فيه مخالفة في لفظه، وقد جاء من طريق حفص بن غياث، وحفص قد اختلف عليه كما سبق وبينت لك وقد جمع في هذا اللفظ بين الأمر بالقراءة في الصلاة الجهرية، في قوله: (اقرأ خلف الإمام وإن جهر)، وبين الأمر بالقراءة في الصلاة السرية المفهوم من قوله: (واقرأ فاتحة الكتاب وشيئًا).\nفالذي يظهر لي أن حَفْصًا قد اضطرب في الحديث سندًا ولفظًا، والراجح من لفظ حفص بن غياث ما وافق رواية الجماعة: (وإن قرأت)، وأن لفظ (وإن جهرت) فهو من الرواية بالمعنى.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٣٥): «وهذا محله عندنا فيما أسر فيه الإمام؛ لأن ابن عيينة روى عن أبي إسحاق الشيباني عن رجل قال عهد إلينا عمر بن الخطاب أن لا نقرأ مع الإمام، وهذا عندنا على الجهر؛ لئلا يتضاد الخبر عنه، وليس في هذا الباب شيء يثبت من جهة الإسناد عن عمر، وعنه فيه اضطراب». والله أعلم.\nوهذا الطريق لا يثبت عن عمر؛ لإبهام شيخ أبي إسحاق، والله أعلم.","vol":"2","page":308},{"text":"* ويجاب:\nعلى فرض ثبوته عن عمر ﵁، فالصحابة مختلفون فيما بينهم في القراءة خلف الإمام، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فيطلب مرجح لأحد القولين.\n(ث-٣٢١) ومنها ما رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام من طريق عقبة بن عبد الله الأصم، عن عطاء،\nعن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام جهر، أو لم يجهر (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢١٠).\n(^٢). في إسناده عقبة بن عبد الله الأصم ضعيف، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة. وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة.\nوفي التقريب: ضعيف.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٧٣) عن التيمي،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٥٥)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٩) عن حفص.\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٢٤١) من طريق ابن علية،\nوفي الخلافيات له (١٩٧٤)، وفي القراءة خلف الإمام (٢١١) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، أربعتهم عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء به، بلفظ: لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة خلف الإمام، جهر أو لم يجهر.\nوهذا ضعيف أيضًا؛ في إسناده ليث بن أبي سليم.\nوالمعروف عن ابن عباس: ما رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر.\nوهذا دليل على أنه يرى قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية فقط.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤١)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٠٩) عن وكيع،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦) من طريق يزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد به.\nورواه أبو إسحاق، عن العيزار به، بلفظ: لا تُصَلِّيَنَّ صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٢٨) عن إسرائيل، واللفظ له.\n\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦) من طريق يونس بن أبي إسحاق، =","vol":"2","page":309},{"text":"هذه الأدلة: إما عامة على وجوب الفاتحة، وعمومها يشمل الجهرية والسرية، وإما نص في القراءة في الجهرية، وإذا وجبت الفاتحة في الجهرية وجبت في السرية من باب أولى.\n(ح-١٣٨٩) وقد روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،\nعن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n= والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٣٥) من طريق زهير بن معاوية.\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠١) من طريق شعبة، كلهم (إسرائيل، ويونس، وزهير)، عن أبي إسحاق، عن العيزار به.\nولفظ يونس وزهير: لا تُصَلِّ صلاةً إلا قرأت فيها، ولو بفاتحة الكتاب.\nولفظ شعبة: من استطاع منكم أن لا يصلي صلاة إلا قرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها، فإن لم يستطع فلا يَدَع فاتحة الكتاب.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٣٠) حدثنا ابن علية.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦) من طريق حماد بن سلمة، كلاهما عن أيوب، عن أبي العالية البراء، قال: سألت ابن عباس ﵄، أو سئل عن القراءة في الظهر والعصر، فقال: هو إمامك، فاقرأ منه ما قل وما كثر، وليس من القرآن شيء قليلًا.\nوإسناده صحيح.\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٣٧) من طريق معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب به، بلفظ: كل صلاة قرأ فيها إمامك فاقرأ معه ما قل أو كثر، وليس كتاب الله قليلًا.\nواللفظ الأول هو المحفوظ، قال الميموني: سمعته (يعني أحمد بن حنبل) وذكر عبد الوارث. فقال: .... قد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه، وهو عنده مع هذا ثبت ضابط». «سؤالاته» (٤٢٣).\n\n(^١). سنن ابن ماجه (٨٤٣).\n(^٢). الأثر مداره على مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله،\nرواه شعبة عنه كما في سنن ابن ماجه (٨٤٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤٣)، وفي القراءة خلف الإمام له (٢٢٨)، بلفظ: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\nورواه وكيع عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٣٣، ٣٧٢٨) بلفظ: كنا نتحدث أنه لا صلاة =","vol":"2","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد.\nورواه أبو نعيم عن مسعر كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٧٦)، بلفظ: سمعت جابر بن عبد الله، يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وكنا نتحدث أنه لا تجزي صلاة إلا بفاتحة الكتاب.\nورواه يحيى بن سعيد عن مسعر كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (٤٧)، بلفظ: عن جابر بن عبد الله، سمعته يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب قال: وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما فوق ذلك أو فما أكثر من ذلك.\nورواه إسماعيل بن عمرو البجلي عن مسعر كما في الحلية (٧/ ٢٦٩) بلفظ: كنا نقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب وكنا نقول: لا صلاة إلا بقراءة.\n\nورواه معاوية بن هشام كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٤٨) بلفظ: كنا نرى أنه لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فما فوقها.\nورواه بكير بن بكار كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٥٩) بلفظ شعبة، وزاد: وكنا نتحدث أنه لا يجوز صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.\nفيتفقون على قراءة فاتحة الكتاب وسورة في الأوليين وفي الأخريين فاتحة الكتاب فقط وزاد وكيع (فما زاد) وتابعه يحيى بن سعيد بلفظ: (فما فوق)، والله أعلم.\nقال البيهقي: إذا قال الصحابي: كنا نتحدث، أو كنا نرى كان ذلك إخبارًا عن نفسه وعن جماعة من الصحابة تقدموا، وقد يكون تحدثهم بذلك عن سماع وقع لهم أو لبعضهم من المصطفى ﷺ.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٦١)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٣)، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم قال: سألت جابر بن عبد الله قال: أما أنا فأقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\nوسنده صحيح.\nورواه عبد الرزاق (٢٦٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠) عن سفيان الثوري، عن أيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم به.\nوهذه متابعة لداود بن قيس، وسنده صحيح.\nويشكل على هذا أن عبد الرزاق قد رواه في المصنف (٢٨١٩) عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سألت جابر بن عبد الله، أتقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر شيئًا؟ فقال: لا.\nورواية داود بن قيس، وأيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم الموافقة لرواية يزيد بن صهيب الفقير أولى من رواية داود بن قيس المعارضة.","vol":"2","page":311},{"text":"الدليل التاسع:\nأن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لحديث عبادة المتفق عليه، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وسبق تخريجه، فنفي الصحة دليل على ركنية الفاتحة، وإذا كانت ركنًا لم تسقط عن المأموم كسائر الأركان من ركوع وسجود وغيرهما.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن هذا القياس يبطل بالمسبوق حيث يسقط عنه ركن القراءة إذا أدرك الإمام راكعًا، ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا على المأموم مطلقًا لم تسقط عن المسبوق.\nقال القرطبي: «وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعًا فالإمام يحمل عنه القراءة، ولإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعًا أنه يكبر، ويركع، ولا يقرأ شيئًا، وإن أدركه قائمًا فإنه يقرأ» (^١).\nوإذا حمل الإمام القراءة عن المسبوق، حمل عنه قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية.\nالوجه الثاني:\nأن القراءة تخالف سائر الأركان، فإن الإمام يجهر بها ليسمع المأموم فيحصل المقصود من القراءة للجميع، فإذا جهر الإمام كان المأموم مأمورًا حينئذٍ أن يستمع وينصت لقراءة إمامه.\n* دليل من قال: تحرم قراءة المأموم في الصلاة مطلقًا:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nوجه الاستدلال:\nقال الكاساني: «أمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكنًا عند المخافتة بالقراءة، فالإنصات ممكن فيجب بظاهر النص» (^٢).\nوقال الجصاص في أحكام القرآن: «أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ١١٨).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١١١).","vol":"2","page":312},{"text":"القرآن، ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء، فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات، وإذا أخفى فعلينا الإنصات» (^١).\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الأمر بالاستماع والإنصات ظاهره الوجوب، والأمر بهما يفيد النهي عن القراءة بلا شك؛ إلا أنه خاص فيما يجهر به الإمام؛ لأن الأمر بهما وقع جوابًا للشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ أي له، فالأمر بهما مشروط بسماع قراءة الإمام المستفاد من الشرط (إذا)، ولوكان الإنصات من أجل الصلاة لقال: إذا صليتم فأنصتوا، فكان الإنصات من أجل سماع القرآن.\nولأن الاستماع أخص من السماع؛ لأن الاستماع لا يحصل إلا بقصد الاستماع للتلاوة؛ من أجل الفهم والتدبر، وهذا لا يحصل للمأموم إلا بترك القراءة بخلاف السماع فإنه يحصل للسامع ولو لم يقصد.\nوأما القول بأن المراد بالإنصات السكوت في الصلاة السرية فغير مُسَلَّمٍ.\nجاء في لسان العرب: «والإنصات: هو السكوت والاستماع للحديث، يقول: أنصتوه، وأنصتوا له» (^٢).\nواستنصت الناس: أي طلب سكوتهم.\nوقال ابن فارس في مجمل اللغة: «نصت: الإنصات: السكوت للاستماع» (^٣).\nوقال الليث كما في تهذيب اللغة: الإنصات هو السكوت لاستماع الحديث (^٤).\nوقال ابن الأثير في غريب الحديث: «أنصت ينصت إنصاتًا: إذا سكت سكوت مستمع» (^٥).\n_________\n(^١). أحكام القرآن (٤/ ٢١٦).\n(^٢). لسان العرب (٢/ ٩٩).\n(^٣). مجمل اللغة لابن فارس (٢/ ٨٧٠).\n(^٤). تهذيب اللغة (١٢/ ١٠٩).\n(^٥). النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٦٢).","vol":"2","page":313},{"text":"وقال الشافعي ﵀ في القديم: ... كيف ينصت لما لا يسمع؟ ... (^١).\nقال البيهقي: «.... لا معنى لقول من زعم أن الإنصات في اللغة هو السكوت، وأنه في عرف الشريعة لا يطلق إلا على السكوت وترك النطق أصلًا، قد وردت أخبار صحيحة في إطلاق اسم الإنصات والسكات على ترك الجهر دون الإخفاء وعلى ترك كلام الناس دون الذكر في النفس»،\n(ح-١٣٩٠) ثم ساق البيهقي بإسناده ما رواه البخاري من طريق عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، قال: حدثني أبو زرعة، قال: حدثني أبو هريرة، وفيه: ... قال أبو هريرة: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد.\nورواه مسلم من طريق جرير، ومن طريق عبد الواحد كلاهما عن عمارة بن القعقاع به (^٢).\nقال البيهقي: فهذا الخبر الصحيح يُبَيِّن ويوضح أن الإنصات قد يكون ترك الجهر، وإن كان المنصت عن الجهر ذاكرًا لله ﷿، أو قارئًا للقرآن؛ إذ لا فرق بين السكوت والإنصات عند العرب، وقد قال أبو هريرة للنبي ﷺ: ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ ولم يقل النبي ﷺ: لَسْتُ بساكتٍ، ولكن أعلمه ما يقول في سكوته ذلك» (^٣).\nوإنما أمر بالسكوت من أجل تحقيق الاستماع، فإذا لم يسمع قراءة الإمام فلا فائدة من سكوته، فكان المشروع له أن يقرأ؛ لأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله.\nالجواب الثاني:\nأن الحنفية قالوا: يستفتح المأموم، ولو كان يسمع قراءة إمامه، فخالفوا ظاهر\n_________\n(^١). أحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي (١/ ٧٧)، القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١١٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٤٤)، وصحيح مسلم (٥٩٨).\n(^٣). القراءة خلف الإمام (ص: ١٢١، ١٢٢).","vol":"2","page":314},{"text":"الآية حين أمروه ألا يستمع لقراءة إمامه إذا استفتح، مع أن الاستفتاح ليس بواجب، ومنعوه أن يقرأ في الصلاة السرية، مع أن الأصل في القراءة في الصلاة الوجوب، سقط الوجوب عن المأموم حال سماع قراءة إمامه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ فإذا لم يسمع القراءة كان واجبًا عليه أن يقرأ، كما يجب عليه أن يقرأ إذا كان منفردًا، أو إمامًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٩١) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،\nعن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، أو العصر، فقال: أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها (^١).\nورواه الدارقطني والبيهقي من طريق حجاج بن أرطاة، عن قتادة به، قال: كان النبي ﷺ يصلي بالناس، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ، قال: من ذا الذي يخالجني سورتي؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإمام (^٢).\n* ونوقش:\nتفرد حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، عن قتادة بزيادة (فنهاهم عن القراءة خلف الإمام) وهي زيادة منكرة، وقد رواه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأبو عوانة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وغيرهم، رووه عن قتادة، ولم يذكروا ما ذكره حجاج (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٧ - ٣٩٨).\n(^٢). سنن الدارقطني (١٢٤٠، ١٥٠٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢٩٠٥)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٦٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٥٢٥).\nقال ابن صاعد كما في الخلافيات للبيهقي (٢/ ٤٧٧): «النهي عن القراءة خلف الإمام تفرد بروايته حجاج، وقد رواه شعبة، وسعيد، ومعمر، وإسماعيل بن مسلم، وحجاج بن حجاج، وأيوب بن أبي مسكين، وهمام، وأبان، وسعيد بن بشير، كلهم لم يذكروا ما تفرد به حجاج، بل قد قال شعبة: سألت قتادة، فقلت: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه».\n(^٣). أخرجه مسلم (٤٧ - ٣٩٨)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٦٤، ٧١)، والنسائي في =","vol":"2","page":315},{"text":"قال الدارقطني: «ولم يقل هكذا غير حجاج، وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به».\nوأما رواية مسلم فليس فيها النهي عن القراءة، وإنما يفهم منها النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام.\nوقد روى أبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق ومحمد بن كثير العبدي،\n_________\n= الكبرى (٩٩٢)، وفي المجتبى (٩١٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٧)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١١) ح ٥٢٣، وابن حبان في صحيحه (١٨٤٥، ١٨٤٦)، من طريق أبي عوانة.\n\nوأخرجه مسلم (٤٨ - ٣٩٨)، وأبو داود الطيالسي (٨٩١)، وأحمد (٤/ ٤٢٦، ٤٤١)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٦١، ٦٥)، وأبو داود (٨٢٨)، والنسائي في الكبرى (٩٩١)، وفي المجتبى (٩١٧، ١٧٤٤)، والبغوي في الجعديات (٩٥٣)، والبزار كما في البحر الزخار (٩/ ٧٢)، والروياني في مسنده (١٠٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٣)، وابن حبان في صحيحه (١٨٤٧)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١١) ح ٥٢٠، والدارقطني في السنن (١٥١٠)، والبيهقي في معرفة السنن (٣/ ٧٧)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٦٣، ٣٦٤)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٥٣)، من طريق شعبة،\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤٢٦، ٤٣١)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٨٢، ٣٧٧٧)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٦٦)، وأبو داود (٨٢٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٤)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٢)، من طريق سعيد بن أبي عروبة،\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٦٠)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (١/ ٦٩)، من طريق همام،\nوأخرجه عبد الرزاق (٢٧٩٩)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٠) ح ٥١٩، عن معمر.\nوأخرجه الحميدي (٨٥٧) من طريق إسماعيل بن مسلم (المكي الضعيف)،\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (٦٣) من طريق موسى بن إسماعيل،\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٦١)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢١١) ح ٥٢٢، من طريق حماد (يعني ابن سلمة).\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢١٢) ح ٥٢٤ من طريق أبي العلاء القصاب (أيوب ابن أبي مسكين).\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣١) من طريق أبي الوليد (الطيالسي)، كلهم (أبو عوانة، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وإسماعيل بن مسلم، وموسى بن إسماعيل، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأبو الوليد، وأبو العلاء) رووه عن قتادة به.","vol":"2","page":316},{"text":"وشبابة عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين به، زاد في آخره: قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه (^١).\nقال البيهقي: «إن كان كره النبي ﷺ من قراءته شيئًا فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإمام، ألا تراه قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة؛ وإلا لم يسمِّ له ما قرأ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام، فأما أن يترك أصل القراءة فلا» (^٢).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: «ليس في هذا الحديث دليل على كراهية ذلك (يعني: القراءة خلف الإمام في السرية)؛ لأنه لو كرهه لنهى عنه، وإنما كره رفع صوت الرجل بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في صلاةٍ سُنَّتُها الإسرارُ بالقراءة» (^٣).\nوقال القاضي عياض: «قد يحتج به من يمنع القراءة جملة خلف الإمام، ولا حجة له فيه؛ لأنه لم يَنْهَ عنه، وإنما أنكر مجاذبته للسورة، فقال: (قد علمت أن بعضكم خالجنيها) ولم ينههم عن القراءة كما نهاهم في صلاة الجهر، وأمرهم بالإنصات، وإنما ينصت لما يسمع، بل في هذا الحديث حجة أنهم كانوا يقرؤون خلفه ....» (^٤).\nوقال النووي عن قوله: (خالجنيها): «أي نازعنيها، ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة\n_________\n(^١). رواه أبو داود الطيالسي (٨٩١)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣١)، وفي الخلافيات (١٩٥٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٥٢).\nوالبخاري في القراءة خلف الإمام (٥٦) حدثنا عمرو بن مرزوق.\nوأبو داود (٨٢٨)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٥٢) عن محمد بن كثير العبدي.\nوالدارقطني (١٥١٠) من طريق شبابة، أربعتهم عن شعبة، عن قتادة به.\n(^٢). القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١٦٦).\n(^٣). التمهيد (١١/ ٥٢).\n(^٤). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٨٥).","vol":"2","page":317},{"text":"في الظهر للإمام والمأموم» (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٣٩٢) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا حسن ابن صالح، عن أبي الزبير،\nعن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة (^٢).\n[ضعيف مرفوعًا، والصواب عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وعن جابر موقوفًا] (^٣).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٩).\n(^٢). المسند (٣/ ٣٩٩).\n(^٣). حديث جابر ﵁ له طرق،\nالطريق الأول: عن أبي الزبير عن جابر.\nرواه عن أبي الزبير، أربعة: أيوب السختياني، وابن لهيعة، وجابر الجعفي، والليث بن أبي سليم.\nأما طريق أيوب السختياني:\nفرواه الطبراني في الأوسط (٧٩٠٣)، والدارقطني (١٥٠١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٤٦)، والخطيب في تاريخ بغداد، ط العلمية (١٣/ ٩٥) من طريق سهل بن عباس الترمذي، عن إسماعيل بن علية، عن أيوب السختياني، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nوهذا الطريق ضعيف جدًّا، فيه سهل بن عباس، قال الدارقطني: «هذا حديث منكر، وسهل بن العباس: متروك» ..\n\nوقال البيهقي: هذا الخبر باطل بهذا الإسناد، ولو صح مثل هذا من حديث أيوب السختياني، عن أبي الزبير، عن جابر لكان كالأخذ باليد، وَلَمَا اختلف فيه أحد، وإنما الحمل فيه على سهل بن العباس هذا، فإنه مجهول، لا يعرف، ثم نقل عن الدارقطني كلامه السابق.\nوقال الطبراني: «لم يرفع هذا الحديث أحد ممن رواه عن ابن علية إلا سهل بن العباس، ورواه غيره موقوفًا».\nوقال الدارقطني في العلل (٢٩٠٤): «رواه سهل بن العباس الترمذي، قيل له: ثقة؟ قال: لا، لو كان ثقة لم يَرْوِ هذا، عن ابن علية .... والصحيح، عن ابن علية ما رواه أحمد بن حنبل وغيره: عن أيوب، عن نافع، وأنس بن سيرين، عن ابن عمر، من قوله».\nوسوف يأتي تخريج ما يروى عن ابن عمر إن شاء الله تعالى.\nوأما طريق ابن لهيعة:\nفرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٤٧) من طريق أبي إسحاق محمد بن أحمد الماليني،\nعن محمد بن أشرس، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: =","vol":"2","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال رسول الله ﷺ: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.\nورواه أيضًا (٣٤٨) من طريق أبي إسحاق محمد بن أحمد المناديلي، أخبرنا محمد بن أشرس، أخبرنا بشر بن القاسم، أخبرنا عبد الله بن لهيعة به.\nوهذان الطريقان مدارهما على محمد بن أشرس، وهو متهم في الحديث، قال البيهقي كما في القراءة خلف الإمام (٣٥٣): محمد بن أشرس مرمي بالكذب، ولا يحتج بروايته إلا من غلب عليه هواه، نعوذ بالله من متابعة الهوى.\nالطريق الثالث والرابع: جابر الجعفي، والليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير.\nرواه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٩٢)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧) وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٥٢٣)، وابن الأعرابي في معجمه (١٧٥٥)، والدارقطني في سننه (١٢٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٨)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٤٣، ٣٤٥)، من طريق إسحاق بن منصور السلولي،\nورواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٥٢٣)، وابن الأعرابي في معجمه (١٧٥٥)، والدارقطني في سننه (١٢٥٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٢٨)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٤٥)، من طريق يحيى بن أبي بكير، كلاهما (إسحاق بن منصور، وابن أبي بكير) عن الحسن بن صالح، عن ليث وجابر (هو الجعفي)، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nورواه ابن ماجه (٨٥٠) من طريق عبيد الله بن موسى،\nوعبد بن حميد كما في المنتخب (١٠٥٠)، وإتحاف الخيرة (١٢٦٤)، والدارقطني في سننه (١٢٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٤)، عن أبي نعيم (الفضل بن دكين).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٩٥) من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس، ثلاثتهم (عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وابن يونس) عن الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي وحده، عن أبي الزبير، عن جابر.\nوعلة هذا الطريق جابر الجعفي متهم، والليث بن أبي سليم متفق على ضعفه هذا إذا كان ذكرُ الليثِ في إسناده محفوظًا، فإنه لم يرد إلا من رواية محمد بن سعد العوفي (فيه لين) عن إسحاق بن منصور السلولي،\nومن رواية العباس بن محمد الدوري، عن إسحاق بن منصور السلولي (صدوق)، ويحيى بن أبي بكير (ثقة)، كلاهما (إسحاق ويحيى بن أبي بكير) عن الحسن بن صالح.\nورواه عبيد الله بن موسى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأحمد بن عبد الله بن يونس ثلاثتهم رووه عن الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي وحده، عن أبي الزبير به.\nولهذا قال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٣٨): «وهذا معروف بجابر الجعفي عن أبي الزبير، يرويه عنه الحسن بن صالح إلا أن إسحاق بن منصور، ويحيى بن أبي بكير رويا عن الحسن بن صالح، عن ليث وجابر فجمع بينهما». =","vol":"2","page":319},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأومأ إلى أن ذكر الليث فيه يحتمل أن يكون خطأ في الإسناد، والله أعلم.\nورواه أسود بن عامر، ومالك بن إسماعيل واختلف عليهما:\nفرواه أحمد (٣/ ٣٣٩) حدثنا أسود بن عامر (ثقة)،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٣٨٠٢) حدثنا مالك بن إسماعيل (هو النهدي أبو غسان ثقة) كلاهما عن حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر به.\nفلم يذكرا في إسناده جابرًا الجعفي.\nقال ابن التركماني في الجوهر النقي (٢/ ١٥٨): «وهذا سند صحيح، وكذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، ولم يذكر الجعفي، كذا في أطراف المزي، والله أعلم».\nقلت: قد رواه محمد بن إشكاب (ثقة) كما في سنن الدارقطني (١٢٥٤) عن أبي نعيم، وشاذان (أسود بن عامر) وأبي غسان (مالك بن إسماعيل النهدي)، قالوا: أخبرنا الحسن بن صالح، عن جابر (هو الجعفي)، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به.\nوسبق لنا أن عبد بن حميد والدارقطني رووه من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين بذكر جابر الجعفي.\nفرجعت رواية أسود بن عامر، وأبي غسان وأبي نعيم إلى موافقة رواية الجماعة (عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، وابن يونس، ويحيى بن أبي بكير، وإسحاق بن منصور) بذكر الجعفي في إسناده، وما وافق الجماعة أولى من غيره.\nقال الدارقطني في السنن: «جابر وليث: ضعيفان».\nوقال البيهقي في السنن (٢/ ٢٢٨): «جابر الجعفي، وليث بن أبي سليم، لا يحتج بهما، وكل من تابعهما على ذلك أضعف منهما أو من أحدهما».\nهذا ما يخص طريق أبي الزبير، عن جابر، ولم يصح كما رأيت.\nالطريق الثاني: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد.\nواختلف على موسى بن أبي عائشة،\nفرواه سفيان الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٩٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (٤٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٧)، وفي الخلافيات له (١٨٦٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣٦، ٣٣٧).\nوجرير بن عبد الحميد، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٧٩)، ومسند أحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (١٠٧٥، ١٢٦٤)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٤٢).\nوشعبة، كما في الكامل لابن عدي (٨/ ٢٤٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٧)، وفي الخلافيات له (١٨٦٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣٦، ٣٣٧).\nوسفيان بن عيينة، رواه ابن عدي في الكامل (٨/ ٢٤٢).\nوشريك بن عبد الله النخعي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٧٩).\nومنصور بن المعتمر كما في مجموع مصنفات أبي جعفر بن البختري (٤٠٧ - ١٦٣)، =","vol":"2","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي إسناده شيخ ابن البختري محمد بن مسلمة له ترجمة في لسان الميزان (٧٤٠٩) وساق له حديثًا باطلًا، وضعفه جماعة، وقال الدارقطني: لا بأس به.\nوزائدة بن قدامة كما في الكامل لابن عدي (٣/ ١١٠) و(٨/ ٢٤٣)، ونقله عنه البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ٨٠)، وعلل الدارقطني (١٣/ ٣٧٣).\nوزهير بن معاوية ذكر ذلك ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٠) و(٨/ ٢٤٣)، ونقله عنه في إتحاف الخيرة (٢/ ٨٠).\nوإسرائيل بن يونس، كما في زوائد محمد بن الحسن الشيباني على موطأ مالك (١٢٤)، وفي الحجة على أهل المدينة (١/ ١٢١).\nوأبو عوانة وأبو الأحوص ذكر ذلك ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٠) و(٨/ ٢٤٣)، أحد عشر راويًا (الثوري، وشعبة، وجرير، وابن عيينة، ومنصور، وزائدة، وشريك، وزهير وإسرائيل، وأبو عوانة وأبو الأحوص) رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن رسول الله ﷺ مرسلًا.\nوخالفهم الإمام أبو حنيفة، فقد رواه، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:\nفقيل: عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا كرواية الجماعة.\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٧)، وفي الخلافيات له (١٨٦٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣٦، ٣٣٧) من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة مقرونًا برواية شعبة والثوري. وهذا الطريق هو الصواب من رواية الإمام أبي حنيفة.\nوقيل: عن أبي حنيفة، عن أبي موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر.\nرواه محمد بن الحسن الشيباني كما في زياداته على موطأ مالك (١١٧)، وفي الآثار له (٨٦)، وفي الحجة على أهل المدينة (١/ ١١٨، ١١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، والدارقطني (١٢٣٣، ١٢٣٤)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٤٢، ٢٤٣)، وأبو نعيم في مسند أبي حنفية (ص: ٢٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٧)، وفي الخلافيات (١٨٦١)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٣٤، ٣٣٥)، وفي معرفة السنن (٣/ ٧٨)، وأبو إسحاق الثعلبي في الكشف والبيان (١/ ١٣٢).\nولا شك أن مخالفة أبي حنيفة لهؤلاء الأئمة مثل شعبة والثوري وابن عيينة ومنصور وجرير ومن ذكر معهم تجعل روايته خطأ بلا ريب.\nقال المقرئ أحد رواة هذا الحديث عن أبي حنيفة: «أنا لا أقول: عن جابر، أبو حنيفة يقول، أنا بريء من عهدته». يريد أن العهدة على أبي حنيفة، الكامل (٨/ ٢٤٣).\nوقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٧٣): «ويشبه أن يكون أبو حنيفة وهم في قوله في هذا الحديث عن جابر؛ فإن جماعة من الحفاظ رووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله ابن شداد، مرسلًا، عن النبي ﷺ، منهم: شعبة، والثوري، وزائدة، وشريك، وإسرائيل، وابن عيينة، =","vol":"2","page":321},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وجرير بن عبد الحميد، كلهم أرسلوه، وهذا أشبه بالصواب».\nوقال أبو زرعة: أبو حنيفة يوصل الأحاديث ... حدث عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله ابن شداد، عن جابر، عن النبي ﷺ، فزاد في الحديث، عن جابر. انظر: الضعفاء لأبي زرعة في أجوبته على أسئلة البرذعي (٢/ ٧١٨، ٧١٩).\nوفي العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٥٧): «... لا يختلف أهل العلم أن من قال: موسى بن أبي عائشة، عن جابر؛ أنه قد أخطأ.\nقال أبو محمد: قلت: الذي قال: عن موسى بن أبي عائشة، عن جابر، فأخطأ؛ هو النعمان بن ثابت؟ قال: نعم».\nوقال ابن معين كما في كلام أبي زكريا في الرجال (٣٩٧)،: «حديث يرويه أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي ﷺ من كان له إمام فقراءة إمامه له قراءة، قال: ليس هو بشيء، إنما هو عبد الله بن شداد».\nوقال البيهقي في المعرفة (٣/ ٧٩) بعد أن ساق رواية أبي حنيفة الموصولة، قال: «قد رواه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وأبو عوانة، وجماعة من الحفاظ، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي ﷺ مرسلًا، ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة مرسلًا مختصرًا».\nوقال ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٠): «هذا لم يوصله، فزاد في إسناده جابرًا غير الحسن بن عمارة، وأبو حنيفة، وبأبي حنيفة أشهر منه من الحسن بن عمارة، وقد روى هذا الحديث عن موسى بن أبي عائشة غيرهما فأرسلوه، مثل: جرير، وابن عيينة، وأبي الأحوص، وشعبة والثوري وزائدة وزهير، وأبي عوانة، وابن أبي ليلى وشريك، وقيس وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، أن النبي ﷺ مرسلًا».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٨): «روى هذا الحديث أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهادي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﵇، ولم يسنده غير أبي حنيفة، وهو سيئ الحفظ عند أهل الحديث، وقد خالفه الحفاظ فيه: سفيان الثوري، وشعبة، وابن عيينة، وجرير، فرووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلًا وهو الصحيح فيه الإرسال وليس مما يحتج به».\nوضعفه ابن الجوزي في التحقيق، وقال (١/ ٣٦٧): «وأما أبو حنيفة فغير متهم، وإنما يقع في حديثه غلط وخطأ».\nوقال المعلمي كما في آثاره (١٨/ ١٥٣): «والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عَدْل رضًا مأمون، وأكبر من ذلك، ولكن أئمة الحديث من أصلهم إذا تعارض الوصل والإرسال الاجتهادُ بالترجيح .... ومن المرجحات عندهم الكثرة».\nفاجتمع على إعلاله أبو زرعة وأبو حاتم، والدارقطني وابن معين، والبيهقي وابن عدي، =","vol":"2","page":322},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن عبد البر، وغيرهم.\nتابع أبا حنيفة الحسن بن عمارة، فرواه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به.\nرواه الدارقطني (١/ ٣٢٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٠)، وأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (٢٢٦)، والبيهقي في القراءة (٣٣٨)، وفي المعرفة (٢/ ٤٩/٩١٤) من طريق يونس بن بكير عن أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، عن موسى بن أبي عائشة به.\nقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٠٧): «لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة، والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان».\nوقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ٣٨٠): «أسنده الحسن بن عمارة، وهو متروك، وأبو حنيفة، وهو ضعيف، كلاهما عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن جابر».\nوقال الخطيب البغداد في الفقيه والمتفقه (١/ ٥٤٤): «أما حديث جابر فتفرد بوصل إسناده عن موسى بن أبي عائشة: أبو حنيفة، وقيل: عن الحسن بن عمارة كذلك، والحسن ضعيف جدًّا، والمحفوظ أن أبا حنيفة تفرد بوصله، وخالفه الثقات الحفاظ، منهم: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وزائدة بن قدامة، وأبو عوانة الوضاح، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو إسحاق الفزاري، ووكيع بن الجراح فرووه عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي ﷺ، لم يذكروا فيه جابرًا، والقول قولهم، فلا تثبت بالحديث حجة؛ لأنه مرسل».\nوقيل: عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي الوليد، عن جابر، بزيادة أبي الوليد.\nرواه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، واختلف عليه فيه:\nفرواه يوسف بن يعقوب بن إبراهيم، كما في الآثار لأبي يوسف (١١٣)،\nوخلف بن أيوب كما في معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: ١٧٧)، كلاهما عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن أبي الوليد، عن جابر.\nوأبو الوليد لا يعرف كما سيأتي النقل عن العلماء إن شاء الله تعالى عند الكلام على ترجمته.\nوقد رواه يوسف بن يعقوب كما في الآثار (١١٢) وغيره عن أبيه (أبي يوسف)، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به، من دون زيادة (أبي الوليد) في إسناده.\nخالفهما بشر بن الوليد كما في الكامل لابن عدي (٨/ ٢٤١)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٣٤)،\nوعمرو بن عون الواسطي كما في مسند أبي حنيفة رواية أبي نعيم (ص: ٢٢٦)،\nوعبد الرحمن الواقدي كما في تاريخ بغداد (١٠/ ٣٣٨)، ثلاثتهم رووه عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر به، ولم يذكروا في إسناده أبا الوليد. كرواية الجماعة.\nوعمرو بن عون ثقة ثبت مقدم على يوسف بن يعقوب وبشر بن الوليد، كيف وقد تابعه =","vol":"2","page":323},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الرحمن الواقدي، وهو صدوق يغلط، وبشر بن الوليد الكندي، وهو صدوق إلا أنه تغير بآخرة، فإذا وافق الثقات فقد أمن ما كان يخاف من تغيره.\nكما رواه ابن وهب، عن الليث بن سعد، عن أبي يوسف، واختلف على ابن وهب فيه:\nفرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن له (٤٨٩).\nوأبو نعيم في مسند أبي حنيفة (ص: ٢٢٧) عن محمد بن حميد، حدثنا سُدَيٌّ، كلاهما (الطحاوي، وسُدَيٌّ)، عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن ابن عمه، عن الليث بن سعد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد، عن جابر، دون ذكر أبي الوليد في إسناده، كرواية عمرو بن علي الواسطي ومن تابعه.\nورواه أحمد بن علي المدائني كما في الكامل لابن عدي (٨/ ٢٤٢)،\nومحمد بن نصر بن الحجاج المروزي كما في علوم الحديث للحاكم (ص: ١٧٨)، كلاهما عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي به، بذكر أبي الوليد في إسناده.\nقال أبو عبد الله (يعني الحاكم): عبد الله بن شداد هو بنفسه، أبو الوليد، ومن تهاون بمعرفة الأسامي، أورثه مثل هذا الوهم، ثم ساق بسنده إلى عليَّ بن عبد الله المديني أنه قال: «عبد الله بن شداد أصله مديني، وكنيته أبو الوليد، قد روى عنه أهل الكوفة .....».\nيريد أن يقول الحاكم: إن الإسناد، عن عبد الله بن شداد أبي الوليد، عن جابر، فوهم فيه أبو يوسف فزاد كلمة (عن) بين الاسم وكنيته.\nوأحمد بن عبد الرحمن بن وهب صدوق تفرد عن عمه ابن وهب وأكثر عنه حتى تكلم فيه من أجل ذلك، وقد تغير بآخرة، وهو في نفسه صدوق، قال الذهبي: قال أبو حاتم: خلط، ثم رجع، وقال ابن عدى: رأيت شيوخ المصريين مجمعين على ضعفه، وكل ما أنكروا عليه فمحتمل لعلَّ عمه خصه به.\nوقد خالفه عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد (ثقة)، أخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٣٩) من طريق أبي علي الحافظ، أخبرنا سليمان بن الأشعث، أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، أخبرنا ابن وهب: حدثني الليث بن سعد، عن طلحة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبي الوليد، عن جابر به.\nفأسقط أبا يوسف وأبا حنيفة، واستبدلهما بطلحة.\nقال أبو علي الحافظ (٣٤١): «هكذا كتبناه، وهو خطأ، إنما هو عن الليث بن سعد، عن يعقوب أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن أبي الوليد، عن جابر .... قال أبو علي: والوهم من عبد الملك بن شعيب».\nورجح الدارقطني رواية أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال في أطراف الأفراد (١٥٨٩): قول أحمد عن عمه: أشبه بالصواب. وانظر العلل (١٣/ ٣٧٣).\nونقل البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٤٠) عن شيخه الحاكم أنه قال: «هذه الرواية لا تسوى =","vol":"2","page":324},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سماعها، ولا الكلام عليها؛ فإنا لا نعلم في الرواة من اسمه طلحة يروي عنه الليث، ويروي عن موسى، وعبد الله بن شداد كنيته أبو الوليد، وقد أفحش في الخطأ من قال: عن عبد الله ابن شداد، عن أبي الوليد».\nوتابع أبا يوسف في ذكر أبي الوليد زفر، أخرجه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة (ص: ٢٢٨)، عنه عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة به، إلا أن في إسناده من لا يعرف.\nوأبو الوليد هذا إن صح كلام أبي عبد الله الحاكم، وإلا فهو رجل مجهول،\nجهله ابن خزيمة كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (١٥١)، والدارقطني في السنن (٢/ ١١١)، وفي العلل (١٣/ ٣٧٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: ١٥٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٨) وغيرهم.\nوقيل: عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة.\nرواه الطحاوي في أحكام القرآن (٤٩١)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، من طريق أبي أحمد (هو الزبيري)، قال: حدثنا إسرائيل، عن موسى، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي ﷺ .... فذكره، وهذا إسناد ضعيف؛ لجهالة الرجل البصري.\nقال ابن حجر في إتحاف المهرة (٣/ ٢٠٨): «رواية إسرائيل: أن عبد الله بن شداد رواه عن رجل من أهل البصرة، وهو مجهول».\nقال المعلمي كما في آثاره (١٨/ ١٥٤): «جابر بن عبد الله بن حرام لم يكن من أهل البصرة، ثم وجدت في الإصابة ترجمة لفظها: جابر بن عبد الله الراسبي، قال صالح جزرة: نزل البصرة، وقال أبو عمر: روى عنه أبو شدَّاد، وروى عنه ابن منده من طريق عمر بن برقان، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله الراسبي، عن النبي ﷺ حديثًا، قال: من عفا عن قاتله دخل الجنة. قال هذا حديث غريب إن كان محفوظًا، قال أبو نعيم: «قوله (الراسبي) وهم، وإنما هو الأنصاري». فأخشى أن يكون جابر بن عبد الله الذي وقع في سند الحديث من رواية الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو هذا البصري، وبهذا التقدير يتم قوله في رواية إسرائيل: (عن رجل من أهل البصرة) ويجوز أن تكون كنية هذا الرجل أبا الوليد، فتكون رواية الدارقطني على ظاهرها، وإن كان زيادة (عن جابر) يعكر على ذلك». اهـ\nقلت: أبو الوليد هي كنية عبد الله بن شدَّاد على الأرجح، والله أعلم.\nالطريق الثالث: عن وهب بن كيسان، عن جابر ﵁.\nورواه مالك، واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى بن يحيى الليثي كما في موطأ مالك (١/ ٨٤)،\nوعبد الله بن مسلمة القعنبي كما في القراءة خلف الإمام (٣٥٤)،\nوأبو مصعب الزهري كما في روايته للموطأ (٢٣٣)،\nومحمد بن الحسن الشيباني كما في روايته للموطأ (١١٣)، والحجة على أهل المدينة (١/ ١١٧). =","vol":"2","page":325},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومعن بن عيسى كما في سنن الترمذي (٣١٣)،\nوعبد الرزاق الصنعاني كما في المصنف (٢٧٤٥)،\nإسماعيل بن أبي أويس كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٧٤)،\nوعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٨)، وسنن الدارقطني (١٢٤٢)،\nوإسماعيل بن موسى السدي كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٨)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٥١)،\nويحيى بن عبد الله بن بكير كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٨)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٩٨)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٥٥)، كل هؤلاء رووه عن مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر من قوله بلفظ: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.\nوخالف هؤلاء جماعة من الضعفاء منهم:\nالأول: يحيى بن سلام البصري، رواه أبو علي المدائني في فوائده (٢٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٨)، وابن عدي في الكامل (٩/ ١٢٥)، والدارقطني في السنن (١٢٤١)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٤٩)، وفي الخلافيات (١٨٣٤)، وعبد الله بن صالح كاتب الليث كما في نسخته المطبوعة ضمن فوائد ابن منده (١٦٤٢)، وأبو أحمد الحاكم في عوالي مالك (ص: ٨٣)، كلهم رووه من طريق بحر بن نصر، أخبرنا يحيى بن سلام، عن مالك به مرفوعًا.\nقال ابن عدي في الكامل (٩/ ١٢٥): «لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام، وهذا الحديث في الموطأ من قول جابر موقوف».\nوقال الدارقطني في السنن (٢/ ١١٤): «يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف». وانظر العلل للدارقطني (١٣/ ٣٨٩).\nوقال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله الحافظ فيما قرئ عليه: «وهم يحيى بن سلام على مالك بن أنس في رفع هذا الخبر، ويحيى بن سلام كثير الوهم، وقد روى مالك بن أنس هذا الخبر في الموطأ عن وهب بن كيسان عن جابر من قوله».\nالثاني: يحيى بن نصر بن حاجب القرشي.\nأخرجه الدارقطني في غرائب مالك كما في اللسان (٩٨٧)، من رواية أبي بكر أحمد بن محمد النيسابوري،\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٥٢)، من طريق أبي محمد الحسن بن محمد بن جابر، كلاهما عن أبي عِصْمَة عاصم بن عصام، عن يحيى بن نصر به.\nوذكره الدارقطني في العلل (١٣/ ٣٨٩)،\nوفي إسناده: يحيى بن نصر، ضعفه الحاكم، قال البيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: ١٦١): «قال أبو عبد الله: يحيى بن نصر بن حاجب غير مستنكر منه مثل هذه الرواية، فقد روى =","vol":"2","page":326},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٣٩٣) ما رواه البيهقي من طريق سويد بن سعيد أبي محمد، حفظًا، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة (^١).\n[وهم فيه سويد بن سعيد فرفعه، وقد رواه غيره عن علي بن مسهر به موقوفًا، كما رواه أصحاب عبيد الله عن نافع به موقوفًا، وكذا رواه أيوب ومالك عن نافع به موقوفًا،\n_________\n= عن مالك وغيره من الأئمة ما لم يتابع، قال الإمام أحمد ﵀: خلط يحيى بن نصر في هذا الحديث من وجهين: أحدهما في رفعه، والآخر في تغيير لفظه ....».\nوضعفه الدارقطني بعاصم بن عصام، حيث قال عنه: لا يعرف.\nوالظاهر أن يحيى بن نصر قد سمعه من يحيى بن سلام، فقد جاء في (العشرون من الخلعيات) (٣١) من طريق أبي الفوارس أحمد بن محمد بن الحسن الصابوني إملاء، قال: حدثنا يحيى بن نصر، قال: حدثنا يحيى بن سلام، قال: حدثنا مالك به، فرجع إلى رواية يحيى بن سلام.\nالثالث: إسماعيل بن موسى السُّدِّي.\nأخرجه البيهقي في القراءة (٣٥٠) من طريق عبد الله بن محمود السَّعْدِيِّ، حدثنا إسماعيل بن موسى السُّدِّي به مرفوعًا.\nوخالفه السَّرِيُّ بن خزيمة، فرواه البيهقي (٣٥١): من طريق السَّرِيِّ بن خزيمة، أخبرنا إسماعيل بن موسى السدي، أخبرنا مالك بن أنس به موقوفًا.\nقال السري بن خزيمة: لا أجعل في حِلٍّ من روى عني هذا الخبر مرفوعًا؛ فإنه في كتابي موقوف.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، قال: ذكر هذا الحديث لأبي عبد الله بن يعقوب فقال: هذا كذب، سمعت السري بن خزيمة يحدث به موقوفًا، ثم قال: ما حدثت بهذا الحديث إلا هكذا، فمن ذكره عني مسندًا فقد كذب».\nالرابع والخامس: إبراهيم بن رستم، وعلي بن الجارود بن يزيد.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٥٣) من طريق محمد بن أشرس، أخبرنا إبراهيم بن رستم، وعلي بن الجارود بن يزيد، قالا: حدثنا مالك بن أنس به مرفوعًا.\nقال البيهقي: «محمد بن أشرس هذا مرمي بالكذب، ولا يحتج بروايته إلا من غلب عليه هواه، نعوذ بالله من متابعة الهوى».\nفصار المعروف من الحديث أنه روي عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وعن جابر ﵁ موقوفًا، وكل من خالف ذلك فهو منكر، والله أعلم.\n\n(^١). القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٩٣)، ورواه البيهقي في الخلافيات (١٨٧٨).","vol":"2","page":327},{"text":"كما رواه أنس بن سيرين، وعبد الله بن دينار عن ابن عمر موقوفًا] (^١).\n_________\n(^١). الحديث رواه نافع، وسالم عن ابن عمر ﵄،\nأما طريق نافع عن ابن عمر، فله طرق منها:\nالطريق الأول: عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nرواه عن عبيد الله: عليُّ بن مسهر، واختلف عليه فيه:\nفرواه سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا كما في إسناد الباب.\nورواه أبو همام كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٣/ ١٩) عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفًا.\nقال الدارقطني: وكذلك رواه أصحاب عبيد الله، وهو الصواب: أي موقوفًا.\nونقل البيهقي بإسناده عن أبي عبد الرحمن التميمي أنه قال: «أستخير الله تعالى أن أضرب على حديث سويد كُلِّه من أجل هذا الحديث الواحد في القراءة خلف الإمام».\nوقال البيهقي: «سويد بن سعيد تغير في آخر عمره، وكثرت المناكير في حديثه، وهذا الحديث عند أصحاب عبيد الله بن عمر موقوف غير مرفوع».\nوقد رواه محمد بن الحسن الشيباني في زياداته على الموطأ (١١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٩)، وفي الخلافيات (١٨٨٠)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٩٤)، من طريق ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من صلى وراء الإمام كفاه قراءة الإمام.\n\nقال البيهقي: «هذا هو الصحيح عن ابن عمر من قوله، وبمعناه رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا ...».\nالطريق الثاني: أيوب، عن نافع:\nأخرجه الدارقطني في السنن (١٥٠٢)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٩٠، ٣٩١)، وفي الخلافيات (١٨٧٢، ١٨٧٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٣٥٤)، من طريق خارجة بن مصعب، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة. تفرد برفعه عن أيوب خارجة بن مصعب، وهو متروك.\nوقد رواه ابن علية، أخبرنا أيوب، عن نافع وابن سيرين، أنهما حدثاه عن ابن عمر، أنه قال في القراءة خلف الإمام: يكفيك قراءة الإمام.\nوسوف يأتي تخريجها في آخر البحث إن شاء الله تعالى ضمن من رواه موقوفًا.\nقال الدارقطني: رفعه وهم، والصواب عن أيوب ... ما حدثنا به محمد بن مخلد ... ثم ساق بإسناده من طريق ابن علية به موقوفًا. انظر السنن (٢/ ٢٥٩، ٢٦٠)، والعلل (١٣/ ١٨، ٣٤١).\nونقل البيهقي كما في الخلافيات (٢/ ٤٤٤) عن شيخه الحاكم أنه قال: «هذا الحديث ليس =","vol":"2","page":328},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لرفعه أصل من حديث ابن عمر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث أيوب السختياني بوجه، وخارجة بن مصعب السرخسي قد قيل: إنه كان يدلس عن جماعة من الكذابين، مثل غياث بن إبراهيم وغيره، فكثرت المناكير في حديثه».\nواستدل البيهقي على ضعفه أن مالكًا روى في الموطأ (١/ ٨٦) عن نافع، عن ابن عمر إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام. وهذا موقوف، انظر الخلافيات للبيهقي (٢/ ٤٤٥).\nكما ساق البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٩) بإسناده إلى عبدان بن محمد المروزي الحافظ أنه قال: حديث خارجة عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: (من كان له إمام) غلط منكر، وإنما هو عن ابن عمر من قوله، على أنه قد روي عن ابن عمر خلافه، قال عبدان: حدثنا إسحاق بن أبي عمران، حدثنا خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن أبي الأزهر قال: سئل ابن عمر، عن القراءة خلف الإمام فقال: إني لأستحيي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن، كذا قال».\nالطريق الثالث: عن أبي حنيفة، عن نافع.\nرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٠٠) من طريق أبي بكر محمد بن الحسين الهمداني، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا القاسم بن عبد الواحد، أخبرنا بكر بن حمزة قاضي قيسارية، أخبرنا أبو حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن القراءة خلف الإمام.\nقال أبو عبد الله ﵀ يعني الحاكم: «وأنا أتعجب من مسلم يستحل أن يضع على إمامه مثل هذا الكذب الصراح الذي راويه داخل في قول رسول الله ﷺ: من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، قال: ولسنا نعرف محمد بن الحسين الهمداني، ولا محمد بن عبد الرحمن، ولا القاسم بن عبد الواحد، ولا بكر بن حمزة، وأبو حنيفة ﵀ بريء من هذه الرواية الموضوعة عليه، فإن روايته عن نافع قليلة، وأحاديث معدودة لا تخفى على أهل النقل ....».\nالطريق الرابع: عن عثمان بن عبد الله القرشي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: من صلى وراء الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة.\nأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٩٦)، من طريق جعفر بن سهل، عن عثمان بن عبد الله القرشي به.\nقال البيهقي: «قال: لنا أبو عبد الله: عثمان بن عبد الله، هذا الذي زعم أنه قرشي كذاب وقح ظاهر الكذب، وقدم خراسان فحدث عن مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وغيرهم بأحاديث أكثرها موضوعة، وذكر شيخنا عدة أحاديث من وضعه، ونسب جعفر بن سهل هذا أيضًا إلى الكذب، وذلك بين لمن تأمل روايته، وعثمان بن عبد الله هذا ذكره أبو أحمد بن عدي الحافظ في عداد من يضع الحديث نعوذ بالله من الخذلان، والحديث في الموطأ موقوف في باب ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر». اهـ =","vol":"2","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فالصواب من رواية نافع، ما رواه عنه مالك في الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي (١/ ٨٦)، ومن رواية أبي مصعب الزهري (٢٥١)، ومن رواية ابن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٠) ومن رواية القعنبي كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٩٨)، ومن رواية يحيى بن بكير كما في القراءة خلف الإمام (٣٩٧)، كلهم رووه عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.\nوتابع مالكًا على وقفه كل من:\nأيوب من رواية ابن علية عنه، وسيأتي تخريجها إن شاء الله في آخر البحث.\nوعبيد الله بن عمر من رواية ابن نمير عنه، وسبق تخريجها ثلاثتهم (مالك، وأيوب، وعبيد الله ابن عمر) عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.\nولم يخالف هؤلاء إلا ضعيف أو متهم، هذا ما يخص رواية نافع، عن ابن عمر.\nوأما رواية سالم، عن ابن عمر:\nفله طرق إلى سالم:\nالطريق الأول: الزهري، عن سالم، واختلف على الزهري فيه:\nفرواه ابن عدي في الكامل (٨/ ١٣٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٠٤) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، شك في رفعه، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.\nومعاوية بن يحيى الصدفي ضعيف، والحماني متهم بسرقة الحديث.\nوقد خالفه معمر وابن جريج، فرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٨١١) عنهما، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله قال: يكفيك قراءة الإمام فيما يجهر في الصلاة.\nقال ابن جريج: وحدثني ابن شهاب، عن سالم، أن ابن عمر كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه.\nهذا هو المعروف من رواية الزهري.\nالطريق الثاني: الفضل بن عطية، عن سالم بن عمر.\nرواه الدارقطني (١٢٣٨)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٠٣) من طريق سليمان بن الفضل،\nوأخرجه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٠١، ٤٠٢) من طريق سويد بن نصر، عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، كلاهما عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.\nقال الدارقطني: محمد بن الفضل متروك.\nقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول في عقيب هذا =","vol":"2","page":330},{"text":"وعلى تقدير أن يكون المعروف من رواية ابن عمر أن يكون موقوفًا عليه، فإن ابن عمر من فقهاء الصحابة، وصاحب أثر، ويبعد أن يترك القراءة خلف الإمام في ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين إلا أن يكون ذلك عن أمر النبي ﷺ، وكيف يتصور أن تكون قراءة الفاتحة واجبة على المأموم وجوبًا عامًّا على جميع الصحابة، ثم يجهل مثل ذلك فقهاء الصحابة، كابن عمر، وجابر، وسوف يأتي مزيد بسط لهذا الاستدلال عند ذكر أدلة من قال: تستحب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولا تجب.\n_________\n= الخبر: هذا كذب باطل، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم كذاب.\nوقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٦٦): «فيه محمد بن الفضل، قال أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب. وكذا قال يحيى: ليس بشيء، لا يكتب حديثه، كان كذَّابًا. وقال الفلاس والنَّسائيُّ: متروك الحديث».\nوالمعروف من رواية الزهري ما رواه معمر وابن جريج، عنه، عن سالم موقوفًا، وسبق تخريجها.\nوقد رواه موقوفًا غير نافع وسالم، منهم أنس بن سيرين، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم.\nأما رواية أنس بن سيرين:\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (٣٨٠٥)، والدارقطني (١٥٠٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: ١٨٠) من طريق أحمد بن حنبل، كلاهما (ابن أبي شيبة والإمام أحمد) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع وأنس بن سيرين، قالا: قال ابن عمر: يكفيك قراءة الإمام. وهذا موقوف، وسنده صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٨١٢) عن هشام بن حسان،\nوأبو القاسم البغوي في الجعديات (١١٥٠)، عن شعبة.\nورواه أحمد (٢/ ٤٩) حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا أبي،\nورواه محمد بن الحسن في زوائده على الموطأ (١١٦)، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، أربعتهم عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر به موقوفًا.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠)، وفي أحكام القرآن (٥٠٣) من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر موقوفًا.\nورواه محمد بن الحسن في زيادته على موطأ مالك (١١٨)، عن أسامة بن زيد المدني، عن سالم، عن ابن عمر موقوفًا.","vol":"2","page":331},{"text":"* ويجاب بجوابين:\nالأول: أن الصحابة مختلفون في هذه المسألة، فمنهم من يوجب القراءة مطلقًا، ومنهم من ينهى عنها مطلقًا، ومنهم من يفرق بين السرية والجهرية، وإذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فيطلب مرجح من أدلة أخرى عدا قول الصحابي.\nالثاني: أن أثر ابن عمر الموقوف عليه ظاهره أنه لا يرى القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السر ولا في الجهر.\n(ث-٣٢٢) ويؤيده ما رواه مالك في الموطأ عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام (^١).\nوسنده في غاية الصحة إلا أن مالكًا ﵀ ترجم لهذا الأثر عن ابن عمر بقوله: (باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به).\nويؤيد ذلك ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، حدثني ابن شهاب، عن سالم،\nعن ابن عمر، كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه (^٢).\n[وسنده صحيح] (^٣).\nومفهوم كلام ابن عمر أنه في الصلاة السرية يقرأ مع الإمام، وإن كان الحنفية لا يحتجون بالمفهوم بالنصوص المرفوعة فضلًا عن الآثار الموقوفة، والصواب أنه حجة في الجملة.\nقال ابن عبد البر: «كل من روى عن نافع عن ابن عمر من رواية مالك وغيره من الألفاظ المجملة في هذا الحديث، فإنه يفسره ويقضي عليه حديث ابن شهاب عن سالم هذا، والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ١٣٨).\n(^٢). المصنف (٢٨١١)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣).\n(^٣). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٣٠).\n(^٤). الاستذكار (١/ ٤٦٣).","vol":"2","page":332},{"text":"وقال في التمهيد: «وأما ابن عمر فأصح شيء عنه ما ذكره عبد الرزاق، قال أنبأنا ابن جريج، قال حدثني ابن شهاب، عن سالم، أن ابن عمر كان ينصت للإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة، لا يقرأ معه، وكل ما روي عن ابن عمر من الألفاظ المجملة فهذا يفسرها» (^١).\n(ث-٣٢٣) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي العالية، قال:\nسمعت ابن عمر يقول: إني لأستحيي من رب هذه البَنِيَّةِ أن أصلي صلاة، لا أقرأ فيها بأم القرآن، وشيء معها (^٢).\nورواية معمر عن أيوب فيها كلام، لكن لم يتفرد به،\nفقد رواه الطحاوي من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي العالية به (^٣).\nويزيد بن هارون ممن سمع من سعيد قبل تغيره، قاله يحيى بن معين، وقال أحمد: سماع يزيد ين هارون من ابن عروبة في الصحة إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، وقد تابعه أيوب في أبي العالية (^٤).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن أبي الأزهر، قال: سئل ابن عمر ... فذكره، وهذا سند ضعيف، خالد بن عبد الله سمع من الجريري بعد تغيره، وأبو الأزهر يزيد بن أبي يزيد الضبعي لم يسمعه من ابن عمر، وإنما سمعه من أبي العالية.\nفقد رواه البيهقي في القراءة خلف الإمام من طريق ابن المبارك، أخبرنا كهمس بن الحسن، عن أبي الأزهر الضبعي، عن أبي العالية،\nأن عبد الله بن صفوان، قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن أفي كل صلاة تقرأ؟ قال: إني لَأَسْتَحْيِيِ من رب هذه البَنِيَّةِ أن أركع ركعتين لا أقرأ فيها بأم\n_________\n(^١). التمهيد (١١/ ٣٦).\n(^٢). المصنف (٢٦٤٨).\n(^٣). شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٦).\n(^٤). شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧٤٥).","vol":"2","page":333},{"text":"الكتاب فزائدًا، أو قال: فصاعدًا (^١).\nفرجع إلى أثر أبي العالية.\nفقوله: (وشيء معها) وفي رواية الطحاوي: (وما تيسر) وفي رواية ثالثة: (فصاعدًا) يدل على قراءة المأموم في غير الجهرية؛ لأن المأموم في الجهرية لا يشرع له قراءة ما تيسر مع الفاتحة.\nوعلى فرض أن يكون ابن عمر لا يرى القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السرية ولا في الجهرية فإن الصحابة مختلفون في هذه المسألة، وليس قول أحدهم بأولى من قول الآخرين، فينظر إلى أقربهم إلى الحق بالنظر في أدلة أخرى، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\n(ث-٣٢٤) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،\nأنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح] (^٢).\n* ويجاب:\nبأن قول جابر محمول على الصلاة الجهرية دون السرية:\n(ح-١٣٩٤) لما روى يزيد الفقير، عن جابر قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\n[صحيح] (^٣).\nالدليل السادس:\n(ح-١٣٩٥) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا القاضي أبو عمرو محمد بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن محمد بن الهيثم ﵀، أنبأ أبو الحسين عبد الواحد ابن الحسن بنيسابور، أنبأ الحسين بن بهان العسكري، أنبأ عبد الله بن حماد، أنبأ\n_________\n(^١). القراءة خلف الإمام (٢١٣).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣١٧).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٨٢).","vol":"2","page":334},{"text":"سليمان بن سلمة، عن محمد بن إسحاق الأندلسي، أنبأ مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب،\nعن النواس بن سمعان قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر وكان عن يميني رجل من الأنصار فقرأ خلف النبي ﷺ، وعلى يساري رجل من مزينة يلعب بالحصا، فلما قضى صلاته قال: من قرأ خلفي؟ قال الأنصاري: أنا يا رسول الله قال: فلا تفعل، من كان له إمام فإن قراءة الإمام له قراءة، وقال للذي يلعب بالحصا: هذا حظك من صلاتك (^١).\n[موضوع] (^٢).\nالدليل السابع:\n(ح-١٣٩٦) ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن محمد العجلاني مولى علي بن أبي طالب ﵁ أخبرنا سفيان الثوري، عن المغيرة عن إبراهيم عن علقمة،\nعن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة، فلما سلم قال: أيكم قرأ خلفي؟ فسكت القوم، فقال: أيكم قرأ خلفي؟، فقال رجل: أنا يا رسول الله فقال: ما لي أنازع القرآن؟ إذا صلى أحدكم خلف إمام فليصمت؛ فإن قراءته له قراءة، وصلاته له صلاة (^٣).\n[لا أصل له من حديث سفيان، تفرد به العجلاني، وهو مجهول، والمعروف من حديث ابن مسعود أنه في النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام] (^٤).\n_________\n(^١). البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٤٢).\n(^٢). قال البيهقي: «هذا إسناد باطل، فيه من لا يعرف، ومحمد بن إسحاق هذا إن كان هو العكاشي فهو كذاب يضع الحديث على الأوزاعي وغيره من الأئمة، ولو كان عند الناس مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب مثل هذا الحديث لما فزع من لم يَرَ القراءة خلف الإمام إلى رواية ابن شداد وغيره، وينبغي لمن يحتج بمثل هذا الإسناد وقد نظر في علم الحديث أن يَسْتَحْيِيِ من ربه ﷿ وبالله التوفيق».\n(^٣). القراءة خلف الإمام (٣٦٧).\n(^٤). ورواه البيهقي في الخلافيات (١٩١٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٤٢٤).\nقال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله ﵀ (يعني الحاكم): «هذا حديث لم نكتبه إلا عن هذا =","vol":"2","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الشيخ بهذا الإسناد، ولا سمعنا أحدًا من فقهاء أهل الكوفة ذكره في هذا الباب، فلو ثبت مثل هذا عن الثوري، عن مغيرة لكان لا يخفى على أئمة أهل الكوفة، وأحمد بن محمد العجلاني هذا لا نعرفه، ولم نسمع بذكره إلا في هذا الخبر، وإنما الخبر المروي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: خلطتم عليَّ القرآن في الجهر بالقراءة خلفه».\nقلت يشير الحاكم إلى ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٧٨)، وأحمد (١/ ٤٥١)، وأبو يعلى (٥٠٠٦)، والبزار في مسنده (٢٠٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٦٨)، والسراج في حديثه (١٨٨)، عن محمد بن عبد الله الأسدي (أبي أحمد الزبيري)،\nورواه أبو يعلى (٥٣٩٧)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٥٤)، وابن ماجه (١٠١٩)، والبزار في مسنده (٢٠٧٩)، والدارقطني في السنن (١٢٩٠)، والسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٢٥٣٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٦٩)، من طريق النضر بن شميل.\nوالسراج في حديثه بانتقاء الشحامي (١٨٩، ٢٥٣٢) من طريق حجاج بن محمد،\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٦٥) من طريق بكير بن بكار،\nأربعتهم، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كنا نقرأ خلف النبي ﷺ، فقال: خلطتم علي القرآن، زاد النضر بن شميل كما عند البخاري في جزء القراءة، وابن ماجه، والدارقطني والسراج: وكنا نسلم في الصلاة، فقيل لنا: إن في الصلاة لشغلًا.\nقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله إلا يونس بن أبي إسحاق». اهـ\nوقال الترمذي في العلل الكبير (١٠٩): سألت محمدًا، يعني ابن إسماعيل البخاري، عن هذا الحديث، فقال: لا أعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث يونس بن أبي إسحاق».\nويونس وإن كان صدوقًا إلا أن أحمد ضعف حديثه عن أبيه، وقال: حديثه مضطرب.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.\nوقد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق به فاقتصر على قوله: إن في الصلاة لشغلًا.\nوإسرائيل أوثق من يونس. أخرجه الطحاوي (١/ ٤٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١١٢) ح ١٠١٣١.\nوعلى فرض صحته فلا حجة فيه للحنفية، لأن الإنكار لم يتوجه للقراءة خلف النبي ﷺ، وإلا لنهاهم عنها، وإنما نهاهم عن جهر يخلط على الإمام والمصلي قراءته، وهذا ليس محل خلاف.\nقال البيهقي في القراءة خلف الإمام (ص: ١٦٦): «وهذا أيضا في جهرهم بالقراءة خلفه، ونحن نكره للمأموم الجهر بالقراءة، فأما أن يترك أصل القراءة فلا».\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٤٩): «يحتمل أن يكون هذا في صلاة الجهر، وهو الظاهر؛ لأنه لا يخلطون إلا برفع أصواتهم، فلا حجة فيه للكوفيين».\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٨٤): «فهذا كراهة منه لمن نازعه وخالجه وخلط عليه القرآن، وهذا لا يكون ممن قرأ في نفسه بحيث لا يسمعه غيره، وإنما يكون ممن أسمع غيره، وهذا مكروه لما فيه من المنازعة لغيره؛ لا لأجل كونه قارئًا خلف الإمام، وأما مع مخافتة الإمام فإن هذا لم يرد حديث بالنهي عنه».","vol":"2","page":336},{"text":"الدليل الثامن:\n(ث-٣٢٥) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، قال: قلت لابن عباس أقرأ، والإمام بين يدي. فقال: لا (^١).\n[لم يَرْوِهِ عن أبي جمرة إلا حماد بن سلمة، فهو حسن إن كان حفظه حماد عن أبي جمرة، فقد تغير حفظ حماد بآخرة] (^٢).\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠).\n(^٢). ليس في الكتب التسعة حديثٌ واحدٌ لحماد بن سلمة عن أبي جمرة إلا حديثًا واحدًا رواه مسلم وأحمد، بلفظ: (أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا يوحى إليه)، روياه من مسند ابن عباس، وقد رواه البخاري وغيره من غير طريق حماد بن سلمة.\nولحماد بن سلمة عن أبي جمرة ثلاثة أحاديث أو أربعة خارج الكتب التسعة، منها:\nحديث: (نهى عن الدباء والمزفت والنقير والحنتم). رواه الطحاوي والطبراني، وهو في الصحيحين عن أبي جمرة من غير طريق حماد بن سلمة.\nوحديث: (من صلى البردين دخل الجنة). رواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم، والحديث في الصحيحين من رواية همام عن أبي جمرة.\nوحديث: (أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل ...) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، والحديث في مسلم من غير طريق أبي جمرة.\nوهذا الأثر الموقوف، هذا كل ما وقفت عليه من حديث حماد، عن أبي جمرة: نصر بن عمران.\nوأبو جمرة له ما يقارب خمسين حديثًا عن ابن عباس، ولو كان روى هذا عن ابن عباس لم ينفرد عنه حماد على قلة روايته عنه، فأخشى أن يكون قد أخطأ فيه حماد بن سلمة، خاصة أنه قد ثبت عن ابن عباس القراءة في الصلاة السرية بسند أقوى من إسناد حماد بن سلمة انظره في الدليل التالي.\nوقد بينت أن حديث حماد بن سلمة على ثلاثة أقسام:\nأحدها: صحيح بلا خلاف إذا روى عن شيوخ يعتبر مقدمًا فيهم، كروايته عن ثابت فهو من أثبت الناس فيه باتفاق أهل الحديث، وكذا روايته عن خاله حميد الطويل، وعمار بن أبي عمار.\n\nالقسم الثاني: ضعيف إذا روى عن شيوخ قد تكلم العلماء في روايته عنهم، مثل قيس بن سعد وزياد الأعلم. =","vol":"2","page":337},{"text":"(ح-١٣٩٧) وروى الدارقطني من طريق عاصم بن عبد العزيز، عن أبي سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة،\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: تكفيك قراءة الإمام، خَافَتَ أو جَهَرَ (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= القسم الثالث: من لم يتكلم في روايته عنهم، فالأصل أن حديثه مقبول ما لم يخالف غيره من الثقات، أو يختلف عليه فيه، هذا في الجملة، مع حاجة هذا القسم إلى التفتيش خشية الخطأ والوهم، خاصة إذا علمنا أنه قد تغير بآخرة، والله أعلم. انظر: الجرح والتعديل (٩/ ٦٦).\nجاء في الجرح والتعديل (٣/ ١٤١): سئل أحمد بن حنبل عن حماد بن سلمة، فقال: صالح. اهـ\nوقوله: (صالح) ولم يقيد ذلك بقوله: (صالح الحديث) يحمل على صلاح الدين، وإذا أردت كلام أئمة الجرح على صحة هذا التقسيم فارجع إلى مسألة تحول المنفرد إلى الائتمام بالنية فقد ذكرت هناك الكلام على أحاديث حماد بالتفصيل، واستشهدت بكلام أئمة الجرح والتعديل، وقد ذكر مثل هذا التقسيم الشيخ عبد الله السعد فيما قرأت له على الشبكة، والله أعلم.\n\n(^١). سنن الدارقطني (١٢٥٢).\n(^٢). ومن طريق عاصم بن عبد العزيز رواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٦٥)، والبيهقي في الخلافيات (١٩٧٠)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٣٢، ٤٣٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٣٤).\nقال الدارقطني: عاصم ليس بالقوي، ورفعه وهم.\nوقال البخاري: فيه نظر. التاريخ الكبير (٣٠٨٩).\nوقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٤): الغالب على حديثه الوهم والخطأ.\nوقال أحمد بن حنبل عن حديث ابن عباس: هذا منكر. وانظر نصب الراية (٢/ ١١)، إتحاف المهرة لابن حجر (٧/ ٦٦٥).\nونقل البيهقي عن شيخه الحاكم أنه قال: عاصم بن عبد العزيز الأشجعي الغالب على حديثه الوهم والخطأ.\nوضعفه الحافظ ابن حجر في الدراية (١/ ١٦٣).\nوروى البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٣٤)، وفي الخلافيات (من طريق علي بن كيسان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلا صلاة؛ إلا وراء الإمام.\nقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٤): رواه علي بن كيسان شيخ مجهول.\nوقال أيضًا في القراءة خلف الإمام (ص: ١٩٧): «قال: لنا أبو عبد الله: لم نسمع بعلي بن كيسان إلا في هذا الإسناد، قال الإمام أحمد ﵀: كيف يصح هذا عن ابن عباس، وقد روينا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: اقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر.\nوفي رواية أخرى عن عطاء عن ابن عباس: لا تدع فاتحة الكتاب جهر الإمام أو لم يجهر». اهـ","vol":"2","page":338},{"text":"وقد عورض هذا بما هو أصح منه عن ابن عباس:\n(ث-٣٢٦) فقد روى ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث،\nعن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوهذا دليل على أن ابن عباس يرى قراءة الفاتحة للمأموم في السرية فقط.\nالدليل التاسع:\n(ث-٣٢٧) روى محمد بن الحسن في زياداته على الموطأ، أخبرنا محمد بن أبان بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس،\nأن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإمام فيما جهر فيه، وفيما يخافت فيه في الأوليين، ولا في الأخريين، وإذا صلى وحده قرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ولم يقرأ في الأخريين شيئًا (^٣).\n_________\n(^١). المصنف (٣٧٧٣).\n(^٢). هكذا رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار، عن ابن عباس في القراءة خلف الإمام نصًّا، وفي الصلاة السرية.\nورواه شعبة وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق، عن العيزار، عن ابن عباس، قال: من استطاع منكم أن لا يصلي صلاة إلا قرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها، فإن لم يستطع فلا يدع فاتحة الكتاب.\nأخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠١٦)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٤٣٥)\nوقد يبدو للباحث أن الأثر واحد، والذي يظهر لي أنهما أثران إلا أن يكون أحدهما خطأ:\nفرواية إسماعيل بن أبي خالد: كما بينت في السرية، وفي قراءة المأموم خلف الإمام، فلا يدخل فيه الإمام والمنفرد نصًّا.\nوالثاني: مطلق، إلا أنه لما نص على قراءة شيء مع الفاتحة خرج بذلك المأموم في الصلاة الجهرية؛ لأنه لا يشرع له خلف الإمام في الجهرية زيادة على الفاتحة إلا فيما يخافت فيه الإمام، وليس هذا محل البحث، فإن البحث في قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية.\n(^٣). موطأ مالك رواية محمد بن الحسن (١٢٠).","vol":"2","page":339},{"text":"[ضعيف] (^١).\n(ث-٣٢٨) وأصح منه ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن منصور،\nعن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإمام (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nفقول ابن مسعود (أنصت للإمام) دليل على أنه عنى بذلك القراءة في الصلاة\n_________\n(^١). في إسناده محمد بن أبان بن صالح القرشي ضعيف، قال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٥٣): ضعفه أبو داود، وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي.\nوفي لسان الميزان: قال النسائي: ليس بثقة.\n\nوقال أبو حاتم الرازي: ليس هو بقوي في الحديث، يكتب حديثه على المجاز، ولا يحتج به، بابه حماد بن شعيب.\nوقال أحمد: أما إنه لم يكن ممن يكذب. الجرح والتعديل (٧/ ١١١٩).\n(^٢). المصنف (٢٨٠٣)، وقد سقط من إسناد عبد الرزاق الثوري، وصحح من رواية الطبراني، ومن الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠٢).\n(^٣). هذا الأثر رواه الثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٨٠٣)، والحجة على أهل المدينة (١/ ١٢٠)، وزيادات محمد بن الحسن على موطأ مالك (١٢١)، والمعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٦٤) ح ٩٣١١، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠٢) والخلافيات للبيهقي (١٩١٦)،، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٩)، وفوائد الحنائي (٢٨٢ - ٢٩١).\nوأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٨٠)،\nووهيب بن خالد كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩)، وفي أحكام القرآن للطحاوي (٥٠١)\nوأيوب كما في المعجم الأوسط (٨٠٤٩)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢٥٧، ٣٧٣، ٣٧٤)، وفي الخلافيات له (١٩١٥)،\nوعبد الوهاب الثقفي كما في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٤) ح ١٠٤٣٥، وفي المعجم الأوسط (٨٠٤٩)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٢٥٧)، وفي الخلافيات له (١٩١٥).\nوسفيان بن عيينة كما في زيادات محمد بن الحسن على موطأ مالك (١١٩)، وكما في الحجة على أهل المدينة (١/ ١١٩).\nوشعبة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٩)، والتمهيد لابن عبد البر (١١/ ٣٠).\nوروح بن القاسم كما في مجالس من أمالي ابن منده (٤١٠)، كلهم (السفيانان وأبو الأحوص، ووهيب، وأيوب، والثقفي، وشعبة، وروح بن القاسم) رووه عن منصور به.","vol":"2","page":340},{"text":"الجهرية؛ لأن السرية لا يمكن للمأموم أن ينصت للإمام، ولو اقتصر ابن مسعود على قول: أنصت لشمل ذلك السرية، فلما قيد الإنصات بأن يكون للإمام، اختص ذلك بالجهرية حال سماع قراءة إمامه، والله أعلم.\nالدليل العاشر:\n(ث-٣٢٩) روى مسلم في صحيحه من طريق يزيد بن خصيفة، عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء .... (^١).\n* وأجيب:\nبأن قوله: (لا قراءة مع الإمام) فيه إشارة إلى أنه يقصد بذلك الصلاة الجهرية، كما يفهم ذلك من لفظ المعية، وأما في السرية فلا يقال: قرأ معه، كما لا يقال: استفتح معه، وتشهد معه، وسبح معه في الركوع والسجود (^٢).\n(ث-٣٣٠) وأصرح منه ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء بن يسار،\nعن زيد بن ثابت سمعه يقول: لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات (^٣).\n[شاذ، فقد رواه يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بلفظ: (لا تقرأ مع الإمام في شيء) فدل على أن النهي عن القراءة في الجهرية] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٠٦ - ٥٧٧).\n(^٢). انظر مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٠٣).\n(^٣). شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩).\n(^٤). اختلف فيه على عطاء بن يسار:\nفرواه يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله ﷺ والنجم إذا هوى فلم يسجد.\nفقوله: (لا قراءة مع الإمام) إشارة إلى أن النهي خاص بالصلاة الجهرية، فهي التي يصدق فيها أن المأموم يقرأ مع الإمام.\nرواه مسلم في صحيحه (١٠٦ - ٥٧٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٤)، وفي المجتبى =","vol":"2","page":341},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٩٦٠)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٩٥١)،والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٢)، من طريق يزيد بن خصيفة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط به.\nورواه البخاري في صحيحه (١٠٧٢) من طريق ابن خصيفة به مقتصرًا على قصة السجود.\nكما رواه البخاري (١٠٧٣) وغيره من طريق ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط مقتصرًا على قصة السجود.\n\nورواه بكير بن عبد الله الأشج كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩)، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، بلفظ: (لا تقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات).\nلم يروه عن بكير بن عبد الله الأشج إلا ابنه مخرمة بن بكير، تفرد به عنه عبد الله بن واهب.\nقال البخاري وأحمد وابن معين والنسائي وابن المديني: «مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا».\nقال أبو طالب: «سألته -يعني أحمد بن حنبل- عن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، قال: هو ثقة، لم يسمع من أبيه شيئًا، إنما روى من كتاب أبيه». الجرح والتعديل (٨/ ٣٦٣).\nوكذا نقل عبد الله بن أحمد، عن أبيه، انظر العلل رواية عبد الله (١٩٠٧)، ومسائل حرب (ص: ٤٦٥).\nوقال يحيى بن معين كما في تاريخه رواية الدوري (٣/ ٢٥٤): «حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه». وانظر الجرح والتعديل (٨/ ٣٦٣)، ورواية ابن محرز (١/ ٥٦).\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٦): «قال ابن هلال: سمعت حماد بن خالد الخياط، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتبًا، فقال: هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئًا». وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (٨٣٠).\nوقال ابن حبان كما في الثقات (٧/ ٥١٠): يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه.\nفإذا كانت روايته عن أبيه وجادة من غير سماع، ولا إجازة، ولا مناولة، وثبت صحة ذلك الكتاب، كانت وجادة صحيحة، وهي أحد وجوه التحمل في أصح قولي أهل العلم، وإن كانت أدنى من غيرها، ويدل على صحة الكتاب أن مالكًا كان يعتد به.\nقال ابن حجر: الوجادة فيها شائبة اتصال، وهي إحدى طرائق التحمل عند المحدثين.\nوكان عبد الله بن أحمد كثيرًا ما يقول: وجدت بخط أبي، حدثنا فلان.\nوقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، ثلاثة أحاديث: حديث المذي (توضأ وانضح فرجك).\nوحديث: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه).\nوحديث (لا تبيعوا الدينار بالدينارين)، كما أخرج مسلم عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، وقد انتقد الدارقطني على مسلم إخراجه هذه الترجمة، انظر الإلزامات والتتبع (ص: ٥٠٩).\nوقال العلائي في جامع التحصيل (٧٤٢): «أخرج له مسلم عن أبيه عدة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال، وقد انتقد ذلك عليه». =","vol":"2","page":342},{"text":"(ث-٣٣١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد،\nعن زيد بن ثابت، قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له (^١).\n[ضعيف، وروي مرفوعًا، وهو موضوع] (^٢).\n_________\n= والذي يظهر لي أن إسناد مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء بن يسار حسن بشرط ألا يكون شاذًّا، وهو ما لم يتوفر هنا.\nقال الإمام أحمد فيما نقله عنه البيهقي في القراءة خلف الإمام: والصحيح عن زيد بن ثابت رواية عطاء بن يسار، أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء.\nفهنا الإمام أحمد صحح أثر زيد بن ثابت بلفظ: (لا قراءة مع الإمام في شيء)، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، بخلاف لفظ مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عطاء به، فإنه رواه بلفظ: (لا تقرأ خلف الإمام في شيء)، فإما أن يحمل لفظ مخرمة على لفظ مسلم، ويكون المقصود بالنهي عن القراءة إنما هو في الصلاة الجهرية، وإما أن يحكم بشذوذ ما رواه الطحاوي من طريق مخرمة بن بكير، عن أبيه، فرواية مسلم أصح، والله أعلم.\n(^١). المصنف (٣٧٨٨).\n(^٢). أخرجه ابن أبي شيبة كما في إسناد الباب عن وكيع.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٨٠٢) عن داود بن قيس، كلاهما عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت.\nوموسى بن سعد لم يسمع من جده زيد بن ثابت، ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب.\nورواه الثوري، واختلف عليه:\nفأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٣) وفي القراءة خلف الإمام (٤٤٨) من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن ابن زيد به.\nفزاد في الإسناد ابن زيد بن ثابت.\nقال البيهقي: وخالفه عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان، فقال عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، ورواه داود بن قيس وعبد الله بن داود، عن عمر بن محمد، عن موسى بن سعد، عن زيد، لم يذكر أباه في إسناده.\nولم يتبين لي اختلاف كبير في رواية سفيان الثوري، فقوله: (عن ابن زيد بن ثابت)، أو قال: عن موسى بن سعد، عن أبيه، فإن أباه سعدًا هو ابن لزيد بن ثابت، نعم زاد الثوري واسطة بين موسى بن سعد وجده زيد بن ثابت خلاف رواية وكيع وداود بن قيس، فإن كان حفظه الثوري، فيكون من المزيد في متصل الأسانيد، وتبقى علته هل سمع سعد بن زيد بن ثابت من أبيه، فإني لم أقف على سماعه منه، وسعد بن زيد ليس له رواية في الكتب الستة. =","vol":"2","page":343},{"text":"قال ابن عبد البر: «منكر، لا يصح عنه، وقد أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه، فدل على فساد ما روي عن زيد بن ثابت» (^١).\nوقال ابن حبان: «أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته، وإنما اختار أهل الكوفة ترك القراءة خلف الإمام فقط، لا أنهم لم يجيزوه، ففي إجماعهم على إجازة القراءة خلف الإمام دليل على بطلان رواية ابن أبي ليلى هذا» (^٢).\nالدليل الحادي عشر:\n(ث-٣٣٢) ما رواه الطحاوي من طريق أبي نعيم، قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومر على دار ابن الأصبهاني قال: حدثني صاحب هذه الدار، وكان قد قرأ على أبي عبد الرحمن (يعني السلمي)، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى قال:\n_________\n= كما أن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت لم يوثقه إلا ابن حبان، وفي التقريب: مقبول: أي حيث يتابع، ولم يتابع هنا، والله أعلم، فيبقى الإسناد ضعيفًا.\nوفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ٢١٠): قال البخاري: لا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله.\n\nوقال الإمام أحمد: والصحيح عن زيد بن ثابت رواية عطاء بن يسار، أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء. وهو محمول عندنا على الجهر بالقراءة مع الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال في هذه المسألة قولًا يحتج به من لم يَرَ القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتمل أن يكون المراد به ترك الجهر بالقراءة».\nوروى ابن حبان في المجروحين (١/ ١٦٣) من طريق أحمد بن علي بن سلمان أبي بكر، عن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن ابن طاوس، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﷺ، قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له.\nقال ابن حبان: «أحمد بن علي بن سلمان أبو بكر من أهل مرو كان في زماننا ببخارى ينتحل مذهب الرأي لا نحب أن ننشغل به، لكنه روى من الحديث ما نجد أن نذكر في هذا الكتاب كيلا يحتج به من يجهل صناعة العلم، فيوهم أنه قد أخطأ في صحيحه .... حدثني إبراهيم بن سعيد القشيري عنه فيما يشبه هذا مما لا أصل له». اهـ\nوذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين، ونقل الخطيب عن الدارقطني أنه قال: متروك، يضع الحديث. تاريخ بغداد (٥/ ٤٩٦).\n\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٧٠).\n(^٢). المجروحين لابن حبان (٢/ ٥).","vol":"2","page":344},{"text":"قال علي ﵁: من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة (^١).\n[منكر، اضطرب فيه عبد الرحمن الأصبهاني] (^٢).\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩).\n(^٢). اضطرب فيه عبد الرحمن الأصبهاني، وقد يكون الحمل على الرواة عنه:\nفقيل: عنه، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩)، وفي أحكام القرآن له (٥٠٠)، وابن الأعرابي في معجمه (٢٣٢٣) من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين ثقة)، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن علي ﵁.\nورواه محمد بن الفضل بن سلمة (قال الخطيب: ثقة)، عن أحمد بن يونس (ثقة من شيوخ البخاري ومسلم)، حدثنا عمرو بن عبد الغفار (رافضي متهم)، وأبو شهاب عبد ربه بن نافع ثقة، والحسن بن صالح (ثقة)، ثلاثتهم (عمرو، وأبوشهاب، والحسن بن صالح،) عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني به.\n\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤١٦) من طريق سعيد بن منصور، أخبرنا أبو شهاب، عن ابن أبي ليلى عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nقال البيهقي: قوله: (عن ابن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى) يحتمل أن يكون المراد به المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، كما رواه أحمد بن يونس عن أبي شهاب.\nورواه أبو علي الحافظ كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٤١٥)،\nوأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين (١/ ٦٣٢)، قالا: أخبرنا إبراهيم بن شريك بن الفضل الأسدي (ثقة) أخبرنا أحمد بن يونس، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى به.\nوخالفهما عبد الله بن جعفر بن حيان كما في القراءة خلف الإمام (٤١٤)، وفي الخلافيات للبيهقي (١٩٠٤)، فرواه عن إبراهيم بن شريك الأسدي، أخبرنا أحمد بن يونس، حدثنا الحسن بن صالح، عن أخيه، عن الأصبهاني، عن المختار عن علي ﵁.\nقال البيهقي: رواية أبي علي أصح. اهـ يعني أنه عن الحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، ورواية علي بن صالح معروفة إلا أن المعروف أنها من رواية المختار، عن أبيه، وسيأتي تخريجها، إن شاء الله تعالى، ولم يتابع عبد الله بن جعفر بن حيان.\nوعلة هذا الإسناد المختار بن عبد الله بن أبي ليلى مجهول، ولا يعرف له سماع من علي ﵁.\nكما أن في إسناده محمد بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وقد اختلف عليه في إسناده،\nفقيل: عنه، عن ابن الأصبهاني، عن المختار، عن علي ﵁، كما سبق.\nوقيل: عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن عبد الله بن أبي ليلى، أن عليًّا كان ينهى عن القراءة خلف الإمام. =","vol":"2","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٨٠٥)، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى به.\nورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٣١٦) من طريق أبي حفص الأبَّار (وثقه ابن معين وابن سعد وعثمان بن أبي شيبة والدارقطني وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس)، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه، عن علي، فزاد عبد الله بن أبي ليلى بين المختار وبين علي ﵁.\nفهذه ثلاثة طرق من وجوه الاختلاف على محمد بن أبي ليلى.\nوأَيًّا كان؛ فإن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، وعبد الله بن أبي ليلى مجهولان، ولا يعرف لهما سماع من علي ﵁، وسوف يأتي كلام أهل الجرح فيهما إن شاء الله تعالى.\nورواه ابن عيينة كما في مصنف عبد الرزاق (٢٨٠٤) أخبرنا أصحابنا عن زبيد (هو اليامي ثقة)، عن عبد الله بن أبي ليلى (لا يعرف)، عن علي ﵁، قال: ليس من الفطرة القراءة مع الإمام.\nفهنا ابن عيينة أبهم أصحابه، فهل كان يقصد محمد بن أبي ليلى، فإنه من شيوخه، وفي إسناده عبد الله بن أبي ليلى لا يعرف، ومع ضعف هذا الإسناد، إلا أنه جعله في القراءة مع الإمام، وليس لمطلق القراءة خلف الإمام، ففيه إشارة إلى أن المقصود القراءة في الصلاة الجهرية.\nوكذا رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٨٠٦) عن داود بن قيس، عن محمد بن عجلان، قال: قال علي ﵁: من قرأ مع الإمام فليس على الفطرة.\nفجعله في القراءة مع الإمام، وهذا لا يكون إلا في الجهرية، وابن عجلان تابعي صغير من شيوخ مالك، إن كان له رواية عن أحد من الصحابة فعن أنس بن مالك، وهو مدلس، فلم يسمعه من علي ﵁، ومع ذلك فلفظه ليس في القراءة خلف الإمام، وإنما في القراءة مع الإمام.\nوقيل: عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي ﵁، فزاد في الإسناد عبد الله بن أبي ليلى.\nرواه وكيع، عن علي بن صالح، عن الأصبهاني به.\nرواه الدارقطني في سننه (١٢٥٥)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٤١٧)، وفي الخلافيات له (١٩٠٢).\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام تعليقًا (ص: ١٢) قال: وروى علي بن صالح، عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه ... وذكره.\nورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رواية أبي حفص الأَبَّار عنه، عن عبد الرحمن الأصبهاني عن المختار، عن أبيه، عن علي ﵁. رواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٣١٦)، وسبقت الإشارة إلى هذا الطريق.\nقال البخاري: «وهذا لا يصح؛ لأنه لا يُعْرف المختار، ولا يُدْرى أنه سمعه من أبيه، ولا أبوه =","vol":"2","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله، وحديث الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي أولى وأصح». اهـ\nيقصد البخاري أنه جاء عن علي رضي الله ما يخالفه من رواية الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي ﵁ أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين، رواه عن الزهري معمر، واختلف على معمر فيه، وسبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.\nوقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في ترجمة المختار: (٨/ ٣١٠) «كوفي روى عن أبيه، عن علي ﵁، روى عنه عبد الرحمن الأصبهاني ... سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث».\nوقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٥): «وهذا شيء لا أصل له عن علي؛ لأن المشهور عن علي ما روى عنه عبيد الله بن أبي رافع، أنه كان يرى القراءة خلف الإمام، وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول، ما أعلم له شيئًا يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه، وذلك أن أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته ....».\nوقال الدارقطني في العلل (٤/ ٢٠): «الصواب قول من قال، عن ابن أبي رافع، عن علي، موقوفًا.\nوهذا الحديث، عن علي أحسن إسنادًا وأصح من الحديث الذي يرويه الكوفيون، عن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي، أخطأ الفطرة من قرأ خلف الإمام، والله أعلم».\nوقيل: عن ابن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٨٠١)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (١٩٠٦) عن الحسن بن عمارة (قال فيه أحمد: متروك، وجرحه شعبة والثوري)، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى، قال: سمعت عليًًا ... وذكر الأثر.\nوقيل: عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن علي ﵁.\nذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٥٦)، ولم يذكر إسناده.\nوقيل: عن قيس بن الربيع، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nرواه الدارقطني في السنن (١٢٥٧) من طريق الحسين بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا عمي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا قيس به.\nوهذا إسناد منكر، لم يقل أحد: عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى غير قيس بن الربيع، وهو قد تغير حفظه لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، وفي إسناده الحسين بن عبد الرحمن الأزدي ترجم له أبو أحمد الحاكم في الكنى فلم يذكر فيه =","vol":"2","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جرحًا، ولا تعديلًا، فيه جهالة، وشيخه (عمه عبد العزيز بن محمد الأزدي) فيه جهالة أيضًا، فمثل هذا الإسناد لا يمكن التعويل عليه، وقد رواه علي بن صالح ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رواية أبي حفص الأَبَّار، فقالا: عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه.\nوقال ابن أبي ليلى في رواية الجماعة عنه: عن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nوقيل: عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٨١) حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني (ضعفه النسائي، وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، قليل الحديث، ومقدار ما له قد أخطأ في غير شيء منه)، عن عبد الرحمن به.\nفمن هو ابن أبي ليلى؟\nأهو المختار بن عبد الله بن أبي ليلى: كما هي رواية ابن الأصبهاني، من رواية أبي نعيم الفضل بن دكين، وعمرو بن عبد الغفار، وأبي شهاب، والحسن بن صالح، أربعتهم عن محمد بن أبي ليلى عن ابن الأصبهاني.\nأم هو عبد الله بن أبي ليلى، كما هي رواية زبيد اليامي، ورواية ابن الأصبهاني من رواية علي بن صالح، ومحمد بن ليلى، من رواية أبي حفص الأَبَّار والثوري عنه كلاهما (علي بن صالح ومحمد بن أبي ليلى) عن ابن الأصبهاني به.\nأم هو أخوه عبد الرحمن بن أبي ليلى، كما هي رواية قيس بن الربيع، والإسناد إلى الربيع فيه مجهولان، إضافة إلى ضعف قيس بن الربيع.\nالراجح والله أعلم أن يحمل على رواية الأكثر، زبيد اليامي ومحمد بن أبي ليلى، وعلي بن صالح، فلا يحتمل إلا أحد راويين: إما عبد الله بن أبي ليلى وهو الأقرب، أو المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، فإن هذا الأثر لا يعرف إلا بهما، وقد رواه أبو شهاب من رواية أحمد بن يونس، عنه، فقال: عن محمد بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي رضي الله الله عنه،\nورواه سعيد بن منصور، عن أبي شهاب، عن محمد بن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁.\nفصار أبو شهاب: تارة يذكره بالاسم، فيقول: عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، وتارة يذكره بالكنية فيقول: ابن أبي ليلى.\nقال البيهقي: قوله: (عن ابن الأصبهاني عن ابن أبي ليلى) يحتمل أن يكون المراد به المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، كما رواه أحمد بن يونس عن أبي شهاب.\nولم يقل أحد: إن هذا الأثر من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى إلا قيس بن الربيع، وهو ضعيف الحفظ كبر فتغير حفظه، والإسناد إليه فيه مجهولان، فقد يكون رواه على الجادة، خاصة أن عبد الله بن أبي ليلى لا يعرف إلا بهذا الأثر، والله أعلم، فكيف يصح أن يحمل هذا الإجمال على الرواية النادرة والشاذة، ولا يحمل على رواية الأكثر، فلو كان هذا الأثر معروفًا من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى لذكر ذلك البخاري وابن أبي حاتم والدارقطني، والعقيلي وابن حبان وغيرهم ممن تكلموا على هذا الأثر، فكل هؤلاء لم يشر واحد منهم إلى رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولو كان محفوظًا من رواية الثقة عبد الرحمن بن أبي ليلى لروى ذلك أصحابه عنه، فلا شك أن رواية قيس بن الربيع وهم منه، أو من الرواة عنه، والله أعلم.","vol":"2","page":348},{"text":"(ث-٣٣٣) وهو معارض بما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (^١).\n[صحيح، وسبق تخريجه] (^٢).\n* دليل من قال بوجوب القراءة في الصلاة السرية دون الجهرية:\nأما الأدلة على وجوب القراءة في الصلاة السرية، فمنها:\nالدليل الأول:\nحديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. متفق عليه، وسبق تخريجه.\nالدليل الثاني:\nحديث أبي هريرة: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام. رواه مسلم، وسبق تخريجه.\nوهذان العمومان خص منهما المأموم في الصلاة الجهرية من أجل سماع القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وبقي الوجوب في حق المأموم في الصلاة السرية، وكذلك المنفرد والإمام، لعدم وجود المخصص، وقد سبق بيان وجه التخصيص في أدلة القول الأول.\nالدليل الثالث:\n(ث-٣٣٤) روى ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث،\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٧٨٣).\n(^٢). انظر (ث-٣١٨).","vol":"2","page":349},{"text":"عن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٣٥) روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (^٣).\n[صحيح، وسبق تخريجه] (^٤).\nالدليل الخامس:\n(ث-١٣٩٨) روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،\nعن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب، وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (^٥).\n[صحيح] (^٦).\nوإذا خَصَّ ابنُ عباس وعلي، وجابر ﵃ الظهر والعصر في القراءة خلف الإمام، فإن مفهومه أنه لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه، كالمغرب، والعشاء، والصبح.\nالدليل السادس:\n(ث-٣٣٦) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن ذكوانَ أبي صالح،\n_________\n(^١). المصنف (٣٧٧٣).\n(^٢). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ث-٣٢١).\n(^٣). مصنف عبد الرزاق (٢٧٨٣).\n(^٤). انظر (ث-٣١٨).\n(^٥). سنن ابن ماجه (٨٤٣).\n(^٦). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح ١٣٨٢).","vol":"2","page":350},{"text":"عن أبي هريرة وعائشة، قالا: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به (^١).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان به، بلفظ: أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر (^٢).\n[حسن إن كان حفظه عاصم بن بهدلة] (^٣).\nفقولهما: (إذا لم يجهر) صريح بأن شرط قراءة المأموم في الصلاة إسرار الإمام.\nالدليل السابع:\n(ث-٣٣٧) ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، حدثني ابن شهاب، عن سالم،\nعن ابن عمر، كان يقول: ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه (^٤).\n[وسنده صحيح] (^٥).\nالدليل الثامن:\n(ث-٣٣٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن منصور،\nعن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإمام (^٦).\n[صحيح] (^٧).\nوجه الاستدلال من الأثرين:\nأن الإنصات في أثر ابن عمر للإمام، وفي أثر ابن مسعود (للقرآن)، فكان الأمر بالإنصات من أجل سماع القرآن من الإمام، ومفهومه أنه إذا كان لا يسمع قراءة إمامه، كما في الصلاة السرية، فإنه لا يؤمر بالإنصات، بل يقرأ؛ لأن السكوت\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ٢٤٤).\n(^٢). الأوسط (٣/ ١٠٣).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ث-٣١٩).\n(^٤). المصنف (٢٨١١)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣).\n(^٥). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٣٠).\n(^٦). المصنف (٢٨٠٣)، وقد سقط من إسناد عبد الرزاق الثوري، وصحح من رواية الطبراني، ومن الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠٢).\n(^٧). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٢٨).","vol":"2","page":351},{"text":"المجرد في الصلاة غير مشروع.\nفهذه آثار الصحابة ﵃: ابن عباس، وعلي، وجابر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، أيتصور أن تكون قراءة الفاتحة واجبة وجوبًا عامًّا على جميع المصلين في الصلاة السرية والجهرية، ثم يجهل هؤلاء مثل ذلك، وهم من الصحبة الملازمة لرسول الله ﷺ إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ وهم معدودون من الطبقة الأولى في الفقه والفتوى، فواجبات الصلاة التي لا تصح إلا بها يصعب تصور أن مثل ذلك لا يدركه فقهاء الصحابة، وهل ذلك إلا اتهام لهم بالتقصير في معرفة ما يجب عليهم في صلاتهم، -وحاشاهم- أو قدح في معلمهم، ولقد كان المصطفى ﷺ كما وصفه القرآن ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨]، فهو أحرص الناس على صحة صلاة أصحابه، وهي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وكل لفظ ورد عن هؤلاء مما يفهم منه القراءة خلف الإمام فإنه يحمل على الصلاة السرية دفعًا لتعارض أقوالهم، أو دعوى النسخ، والله أعلم.\n* وأما الأدلة على أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية، فمنها:\nالدليل الأول:\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nقال الإمام أحمد: «أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة» (^١).\nوقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.\nوقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله (^٢).\nوقال ابن المنذر: «لولا أنهم اتفقوا على أن الآية إنما أنزلت في الصلاة أو في\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٨/ ٢٦٩) و(٨/ ٢٨٠).\n(^٢). الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٥)، المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٨)، وقد نقلت في المجلد السابع الآثار عن السلف في معنى الآية عند الكلام على تحية المسجد والإمام يخطب، فارجع إليه إن شئت.","vol":"2","page":352},{"text":"الصلاة والخطبة؛ لوجب بظاهر الكتاب على كل من سمع قارئًا يقرأ أن يستمع لقراءته؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾، فلما أجمعوا على إسقاط وجوب الاستماع عن كل سامعٍ قارئًا يقرأ؛ إلا عن السامع لقراءة الإمام وهو خلفه، والسامع لخطبة الإمام خرج ذلك عن عموم الكتاب وظاهره بالاتفاق، ووجب استعمال الآية على المأموم السامع لقراءة الإمام ....».\nوقد نقل بعض الحنفية وجوب الاستماع لقراءة القرآن خارج الصلاة، وهو مخالف للإجماع (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٣٩٩) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، (يونس بن جبير) عن حطان بن عبد الله الرقاشي،\nعن أبي موسى قال: إن رسول الله ﷺ خطبنا فبيَّنَ لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ... الحديث.\nورواه مسلم من طريق جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة بمثله، وفي حديث جرير، عن سليمان، عن قتادة من الزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) .... قال أبو بكر ابن أخت أبي النظر في هذا الحديث (إشارة إلى تعليل هذه الزيادة)، فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح، يعني: وإذا قرأ فأنصتوا، فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لم تضعه هاهنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه (^٢).\n[زيادة سليمان التيمي (وإذا قرأ فأنصتوا) زيادة شاذة في أصح قولي أهل العلم، وليس من شرط مسلم في صحيحه أن لا يضع إلا ما أجمع عليه، ومنها هذه الزيادة، فإنها ليست محل إجماع، ومسلم يضع زيادات كثيرة ويشير إلى الاختلاف فيها] (^٣).\n_________\n(^١). انظر البحر الرائق (١/ ٣٦٤).\n(^٢). صحيح مسلم (٤٠٤).\n(^٣). اختلف فيه على قتادة،\nفرواه سليمان التيمي، عن قتادة بزيادة (وإذا قرأ فأنصتوا). =","vol":"2","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه مسلم (٤٠٤)، وأحمد (٤/ ٤١٥)، وأبو يعلى في مسنده (٧٣٢٦)، والنسائي في المجتبى (١١٧٣)، وابن ماجه (٨٤٧)، الطحاوي في أحكام القرآن (٤٨٤)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٧، ٢٠٢١)، والبزار في مسنده كما في البحر الزخار (٣٠٥٨)، والطحاوي في أحكام القرآن (٤٨٥)، والدارقطني في سننه (١٢٥٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٢)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣٠٥)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٩٨)، من طريق جرير.\nورواه أبو داود (٩٧٣)، والنسائي في الكبرى (٧٦٣)، وفي المجتبى (١١٧٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٦)، والبزار في مسنده (٣٠٥٩)، والطحاوي في أحكام القرآن (٤٨٤)، والدارقطني في سننه (١٢٥٠، ١٣٣٢)، والبيهقي في الخلافيات (١٩٤٦)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٥)، من طريق المعتمر بن سليمان،\nووراه الطبراني في الدعاء (٥٧٨) من طريق سفيان الثوري، ثلاثتهم (جرير، والمعتمر بن سليمان، والثوري) رووه عن سليمان التيمي به بزيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا).\n\nتابع سعيد بن أبي عروبة سليمان التيمي، من رواية سالم بن نوح، عنه:\nفقد رواه البزار (٣٠٦٠)، والروياني في مسنده (٥٦٥)، والدارقطني في السنن (١٢٤٩)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٨٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٢٣)، وفي القراءة خلف الإمام (٣١٠)، وفي الخلافيات ط الروضة (١٩٤٨) من طريق سالم بن نوح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، وعمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، وفيه: (... إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا).\nوهي رواية شاذة، خالف فيها سالم بن نوح أصحاب سعيد القدماء ممن روى عنه قبل اختلاطه.\nفقد رواه عن سعيد دون قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) كل من:\nيزيد بن زريع، كما في مسند أبي يعلى (٧٢٢٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٨)،\nوعبدة بن سليمان كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣)،\nوابن علية كما في مسند أحمد (٤/ ٤٠١، ٤٠٥)، والسنن الكبرى للنسائي (٩٠٦)، وفي المجتبى (٨٣٠)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٨)،\nوأبي أسامة حماد بن أسامة، كما في صحيح مسلم (٤٠٤)، ومصنف بن أبي شيبة (٢٥٩٥، ٢٩٨٨، ٣٥٢٩، ٧١٥٨)، وفي تحقيق عوامة (٨٠٤٨)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٨).\nوخالد بن الحارث كما في السنن الكبرى للنسائي (٦٥٥)، وفي المجتبى (١٠٦٤)،\nوسعيد بن عامر الضبعي كما في سنن الدارمي (١٣٥١، ١٣٩٨)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢١، ٢٦٤)، ومشكل الآثار (٥٤٢٣)، لمستخرج أبي عوانة (٢٠٢٠)،\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما في سنن ابن ماجه (٩٠١)، ومسند البزار (٣٠٥٦).\nومحمد بن أبي عدي كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣).\nومحمد بن عبد الله الأنصاري كما في مسند الروياني (٥٧٠)، تسعتهم (يزيد بن زريع، وعبدة =","vol":"2","page":354},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن علية، وأبو أسامة، وعبد الأعلى، وخالد، وسعيد بن عامر، وابن أبي عدي، ومحمد الأنصاري) رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، وليس فيه: (وإذا قرأ فأنصتوا)، وهذا هو المعروف من رواية سعيد بن أبي عروبة.\nقال الدارقطني: سالم بن نوح ليس بالقوي.\nوقال البيهقي: وهذه الزيادة وهم من سليمان التيمي، ثم من سالم بن نوح.\nوقال في الخلافيات (٢/ ٤٧٤): «إنما رواه سالم بن نوح، وهو: وهم منه، فقد رواه: يزيد بن زريع، وعبدة بن سليمان، وابن علية، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن أبي عروبة، دون هذه الزيادة».\nوقد يكون سالم بن نوح روى هذا اللفظ عن عمر بن عامر، وليس عن سعيد بن أبي عروبة، وبعض الرواة إذا جمع شيوخه في لفظ واحد، كان اللفظ لأحدهم، ولا يبين ذلك، فيوهم الباحث أن اللفظ لجميع شيوخه، وليس كذلك، فإن كان اللفظ لعمر بن عامر السلمي، وهذا احتمال، فهو مختلف فيه:\nقال الدارقطني في الإلزامات والتبع (١٧١): ليس بالقوي، تركه يحيى القطان، واختلف قول ابن معين فيه.\nوقال أحمد: كان عبد الصمد بن عبد الوارث يروي عنه، عن قتادة مناكير، وذكره العقيلي في جملة الضعفاء.\nوقال أحمد بن صالح: بصري ثقة. والله أعلم.\nكما رواه أبو عوانة في مستخرجه (١٦٩٨) من طريق أبي عبيدة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي به، وفيه: (فإذا قرأ فأنصتوا).\nوأبو عبيدة: مجاعة بن الزبير ضعيف.\nفلم يروه ثقة عن قتادة بذكر (فإذا قرأ فأنصتوا) إلا سليمان التيمي، وقد خالفه كبار أصحاب قتادة، فلم يذكروا ما ذكره سليمان التيمي.\nقال الدارقطني في التتبع (٤٣): «وقد خالف التيمي جماعة، منهم: هشام الدستوائي، وشعبة، وسعيد، وأبان، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر، وعدي بن أبي عمارة، رووه عن قتادة، لم يقل أحد منهم: (وإذا قرأ فانصتوا)».\nوإليك تخريج ما وقفت عليه من هذه الطرق:\nالأول: أبو عوانة، كما في صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤)، وسنن أبي داود (٩٧٢)، ومسند البزار (٣٠٥٧)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٨)، وفي مشكل الآثار (٥٤٢٤)، والدعاء للطبراني (٥٧٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٧)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠٦)،.\nالثاني: هشام الدستوائي كما في صحيح مسلم (٦٣ - ٤٠٤)، ومسند أبي داود الطيالسي (٥١٩)، =","vol":"2","page":355},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مسند أحمد (٤/ ٤٠٩)، وسنن أبي داود (٩٧٢)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٦٢، ١٢٠٤)، وفي المجتبى (١١٧٢، ١٢٨٠)، وسنن ابن ماجه (٩٠١)، ومسند الروياني (٥٤٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣)،وصحيح ابن حبان (٢١٦٧)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨١)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٧).\nالثالث: معمر، كما في صحيح مسلم (٦٤ - ٤٠٤)، ومصنف عبد الرزاق (٢٦٤٧، ٢٩١٣، ٣٠٦٥)، مسند أحمد (٤/ ٣٩٣، ٣٩٤)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٩).\nالرابع: همام، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١، ٢٣٨، ٢٦٥)، ومشكل الآثار (٥٤٢٤)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٣).\nالخامس: أبان بن يزيد العطار كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٨)، وفي شرح مشكل الآثار (٥٤٢٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٧)،\nالسادس: شعبة، ذكر ذلك الدارقطني في السنن (١٢٥٠)، وفي الإلزامات والتتبع (٤٣)، العلل (٧/ ٢٥٤)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٧٣)، وفي القراءة خلف الإمام (ص: ١٣١)، وفي الأحكام الوسطى (١/ ٣٨٢)، وفي إتحاف المهرة لابن حجر (١٠/ ١٦).\nالسابع: عدي بن أبي عمارة كما ذكر ذلك الدارقطني في السنن (١٢٥٠)، وفي العلل (٧/ ٢٥٢) ح ١٣٣٣، وفي الإلزامات والتتبع (٤٣) وسيأتي نقل كلامه بتمامه إن شاء الله تعالى.\nالثامن والتاسع: حماد بن سلمة، وأبو هلال الراسبي ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٧٣) ح ١٩٤٧.\nكل هؤلاء رووه عن قتادة به، ولم يذكروا ما ذكره سليمان التيمي، فلم يذكر أحد منهم في لفظ: (وإذا قرأ فأنصتوا).\nولقد ضعف هذه الزيادة الإمام البخاري وأبو داود، والدارقطني، والحافظ أبو علي النيسابوري، وغيرهم.\nقال البخاري في القراءة خلف الإمام (٢٦٣ و٢٦٤): «وروى سليمان التيمي وعمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان، عن أبي موسى الأشعري -في حديثه الطويل- عن النبي ﷺ: «إذا قرأ فأنصتوا»، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير.\nوروى هشام، وسعيد، وهمام، وأبو عوانة، وأبان بن يزيد العطار، وعبيدة، عن قتادة، ولم يذكروا: (إذا قرأ فأنصتوا).\nولو صح لكان يحتمل سوى فاتحة الكتاب، وأن يقرأ فيما يسكت الإمام، وأما في ترك فاتحة الكتاب فلم يتبين في هذا الحديث».\nوقال أبو داود في السنن (٩٧٣): «وقوله: «فأنصتوا» ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث». =","vol":"2","page":356},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٢١): «... رواه هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعدي بن أبي عمارة، كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم: (وإذا قرأ فأنصتوا)، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه».\nوقال أيضًا: «هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة، وخالفه الحفاظ، فلم يذكروها، قال: وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه». انظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٠٠)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٣٩)، وعلل الدارقطني (٧/ ٢٥٤).\nوقال أبو الفضل محمد بن أبي الحسين بن عمار: «وقوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) هو عندنا وهم من التيمي، ليس بمحفوظ، لم يذكره الحفاظ من أصحاب قتادة، مثل سعيد، ومعمر، وأبي عوانة، والناس». علل أحاديث في صحيح مسلم (ص: ٧٣) ح ١٠.\nوقال الحافظ أبو علي النيسابوري كما في سنن البيهقي (٢/ ٢٢٢): «خالف جرير عن التيمي، أصحاب قتادة كلهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائي، وهمام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبي عوانة، والحجاج بن الحجاج ومن تابعهم على روايتهم، يعني دون هذه اللفظة».\nوصحح هذه الزيادة الإمام أحمد ومسلم في صحيحه، وقد نقلت كلام الإمام مسلم في صلب الكتاب، واعتمد الإمام مسلم على حفظ التيمي، فقال: تريد أحفظ من سليمان؟\nوأصحاب قتادة مقدمون في قتادة على سليمان التيمي، والله أعلم.\nوجاء في الجوهر النقي (٢/ ١٥٥) عن علل الخلال، «قال: قلت -يعنى لابن حنبل- يقولون: أخطأ التيمي. قال: من قال: أخطأ التيمي فقد بَهَتَ التيمي». اهـ\nولولا أني أخاف أن هذا الكلام من الإمام أحمد قد غلب فيه النظر الفقهي على الصناعة الحديثية لم أتجرأ على ترجيح ما يخالف قول الإمام أحمد ﵀ حتى ولو كان ترجيحي مؤيدًا بقول الإمام البخاري والدارقطني، وأبي داود، لعلمي أن الإمام أحمد في الصناعة الحديثية يَرْجِحُ هؤلاء كلهم على إمامتهم، وليس ذلك تعصبًا للإمام، وإنما ذلك من باب العدل، والإنصاف، ولو كان كلامي هذا منزعه التعصب للإمام أحمد ما خالفت الإمام أحمد في الترجيح الفقهي، لكن الكلام في الفقه باب، والكلام في العلل باب آخر.\nوقد يكون لترجيح كلام الأئمة البخاري وأبي داود والدارقطني على الإمامين مسلم وأحمد هو أن الإعلال بالتضعيف أدق من القول بصحة الحديث، أو بالعمل به؛ لأن الصحة قد يحكمها عوامل كثيرة، تُحيط بها منها أحاديث الباب وآثاره ومقاصد الشريعة وقواعدها ومصالحها، وما عليه أكثر السلف من حيث العمل، فلا ينشط الإمام لإعلال الحديث إلا لو كان لا يوجد في الباب إلا هذا الحديث، وأما التضعيف فيكون الاحتياط فيه أشدَّ؛ لأنه إبطال للدليل، والغالب أنه لا يصير إليه إمام من الأئمة إلا مع انقطاع النظر في إمكان تصحيحه، لهذا كان إعلال الحديث بالتضعيف مقدمًا على القول بالصحة، وهذا في الجملة، وإلا فكل واقعة لها حكمها، وأدوات الترجيح كثيرة ومتشعبة، والله أعلم.","vol":"2","page":357},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٤٠٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (^١).\n[زيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا) ليست محفوظة] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٧١٣٧).\n(^٢). الحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٩٦، ٣٧٩٩، ٧١٣٧، ٣٦١٣٧)، وأحمد (٢/ ٤٢٠)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٢/ ٤٢٠)، والنسائي في الكبرى (٩٩٥)، وفي المجتبى (٩٢١)، وابن ماجه (٨٤٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (٤٨٢، ٤٨٣)، والدارقطني في السنن (١٢٤٣)، وابن أخي ميمي الدقاق في فوائده (١٨٢)، وتمام في فوائده (٩٧٢)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣١١)، عن أبي خالد الأحمر،\nورواه النسائي في الكبرى (٩٩٦)، وفي المجتبى (٩٢٢)، والبزار (٨٨٩٨)، والدارقطني (١٢٤٤)، من طريق محمد بن سعد الأنصاري (ثقة)،\nورواه الدارقطني (١٢٤٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٣)، وفي الخلافيات (١٩٣٦)، من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي (متروك)، ثلاثتهم رووه عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به.\nوهذا الحديث له علتان:\nالعلة الأولى: الاختلاف على ابن عجلان في إسناده:\nفتارة يرويه ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وليس فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).\nوهذه رواية الليث وبكر بن مضر، عن ابن عجلان، ذكر ذلك الإمام البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٦٢)، وذكر رواية الليث الدارقطني في العلل (٨/ ١٨٧).\nورواية أبي الزناد، عن أبي الأعرج، عن أبي هريرة مخرجة في صحيح البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٨٦ - ٤١٤) من غير طريق ابن عجلان، وليس فيها زيادة (فإذا قرأ فأنصتوا).\n\nوتارة يرويه ابن عجلان عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بزيادة (فإذا قرأ فأنصتوا).\nوقد تابع ابن عجلان يحيى بن العلاء الرازي، كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٨/ ١٨٧)، =","vol":"2","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إلا أن يحيى بن العلاء الرازي متروك.\nالعلة الثانية: الاختلاف في ذكر زيادة (وإذا قرأ فأنصتوا).\nفحديث أبي هريرة هذا قد رواه عن أبي هريرة كل من:\nالأول: الأعرج، كما في البخاري (٧٣٤)، ومسلم (٤١٤)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثاني: همام بن منبه، كما في صحيح البخاري (٧٢٢)، وصحيح مسلم (٤١٤)، روياه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام أنه سمع أبا هريرة، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثالث: أبو يونس مولى أبي هريرة، كما في صحيح مسلم (٨٩ - ٤١٧)، ومستخرج أبي نعيم (٩٢٧) من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن أبي يونس.\nالرابع: أبو سلمة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٩٤)، في مسند أحمد (٢/ ٢٣٠، ٤١١، ٤٣٨، ٤٧٥)، ومسند أبي يعلى (٥٩٠٩)، وسنن ابن ماجه (١٢٣٩)، والدارمي (١٢٨١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٣٨، ٤٠٤)، وفي مشكل الآثار (٥٦٤٠، ٥٦٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٠)، رواه بعضهم من طريق محمد بن عمرو، وبعضهم من طريق عمرو بن أبي سلمة، كلاهما عن أبي سلمة.\nالخامس: أبو علقمة، كما في صحيح مسلم (٨٨ - ٤١٦)، (٢ - ١٨٣٥)، ومسند أحمد (٢/ ٣٨٦، ٤١٦، ٤٦٧)، وعبد بن حميد (١٤٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٨، ٤٠٤)، وفي مشكل الآثار (٥٦٤٣)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٩٧)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٢٩، ٧٠٨٧، ٧٠٨٩)، وغيرهم، كلهم (الأعرج، وهمام، وأبو يونس، وأبو سلمة، وأبو علقمة) رووه عن أبي هريرة به، فلم يذكر أحد منهم لفظ (فإذا قرأ فأنصتوا).\nورواه أبو صالح السمان، عن أبي هريرة، واختلف على أبي صالح:\nفرواه الأعمش، كما في صحيح مسلم (٨٧ - ٤١٥)، ومسند أحمد (٢/ ٤٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠٥)، وسنن ابن ماجه (٩٦٠)، ومسند البزار (٩٢١٣)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٧٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٣٠، ١٦٣١)، وحديث السراج (٦٩٧)، وسنن البيهقي (٢/ ١٣١).\nوسهيل بن أبي صالح، كما في صحيح مسلم (٧٦ - ٤١٠)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٧٥)، وحديث السراج (١١٧١)، ومستخرج أبي نعيم (٩٢٥)، وسنن البيهقي (٢/ ١٣٢).\nوالقعقاع بن حكيم، كما في الكنى للبخاري (٣٨)، وحديث السراج (٤٩١) مقرونًا بغيره.\nومصعب بن محمد بن شرحبيل، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٤١)، وسنن أبي داود (٦٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٨، ٤٠٤)، وفي مشكل الآثار (٥٦٤١)، والطبراني في الأوسط (٥٩٧١)، والبيهقي في السنن (٢٢٣) أربعتهم (الأعمش، وسهيل، والقعقاع ومصعب) رووه عن أبي صالح، فلم يذكروا فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).\nوخالفهم زيد بن أسلم، فرواه عن أبي صالح به، وذكر زيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا). =","vol":"2","page":359},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه عن زيد بن أسلم محمد بن عجلان، ورواه عن ابن عجلان الليث وأبو خالد الأحمر، ومحمد بن سعد الأنصاري،\nأما رواية الليث بن سعد: فأخرجها البخاري في الكنى (٣٨) وأبو العباس السراج في حديثه (٤٩١)، عن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل، وعن زيد بن أسلم، وعن القعقاع بن حكيم، كلهم يحديث عن أبي صالح به، وليس فيه (فإذا قرأ فأنصتوا).\nوقد يكون ابن عجلان حين جمع شيوخه لم يقدم لفظ زيد بن أسلم.\nوأما رواية أبي خالد الأحمر، ومحمد بن سعد الأنصاري عن ابن عجلان فقد اتفقا في الرواية عنه على ذكر زيادة: (فإذا قرأ فأنصتوا).\nواختلف العلماء، أكان هذا الوهم من ابن عجلان، أم كان ذلك من قبل الراوي عنه أبي خالد الأحمر.\nقال أبو داود: وهذه الزيادة: «(وإذا قرأ فأنصتوا) ليست بمحفوظة، الوَهْمُ عندنا من أبي خالد».\nوقال نحو ذلك البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٦٢).\nورجح البخاري أن الوهم من أبي خالد الأحمر في القراءة خلف الإمام (ص: ٦٢)؛ لأن الليث بن سعد رواه عن ابن عجلان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوعن ابن عجلان عن مصعب بن محمد، والقعقاع، وزيد بن أسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nورواه البخاري من طريق بكر بن مضر، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، ولم يذكروا (فأنصتوا)، ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر. قال أحمد: أراه كان يدلس. اهـ\nوقال البيهقي: «هذا حديث يعرف بأبي خالد الأحمر عن ابن عجلان، ...».\nومن أهل العلم من رأى أن الوهم من ابن عجلان، ولعله رأى أن أبا خالد الأحمر لم يتفرد به، فقد تابعه ثقة، محمد بن سعد الأنصاري، من هؤلاء أبو حاتم الرازي.\nقال في العلل لابنه (٢/ ٣٩٥): «ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة بن مصعب أيضًا، وتابع ابن عجلان، وخارجة أيضًا ليس بالقوي». وانظر القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١٣٢).\nوقال النسائي في الكبرى (٩٩٦): «لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا)».\nولعل كلام أبي حاتم والنسائي أرجح من كلام البخاري وأبي داود؛ لأن أبا خالد الأحمر قد تابعه ثقة محمد بن سعد، فخرج من عهدته، فصار الحمل على شيخه ابن عجلان.\nوقال البزار كما في مسنده (٨٨٩٨): «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا قال فيه: (فإذا قرأ فأنصتوا) إلا ابن عجلان، عن زيد، عن أبي صالح، ولا نعلم رواه عن ابن عجلان، عن زيد إلا أبو خالد، ومحمد بن سعد، وقد خالفهما الليث».\nوقال ابن عبد البر: «بعضهم يقول: أبو خالد الأحمر انفرد بهذا اللفظ في هذا الحديث، =","vol":"2","page":360},{"text":"* ونوقش:\nأن حديث: (وإذا قرأ فأنصتوا) لا يثبت من جهة الإسناد كما تبين من تخريج الحديث والله أعلم.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٠١) ما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله ﷺ: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ (^١).\n[صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ...) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة] (^٢).\n_________\n= وبعضهم يقول: إن ابن عجلان انفرد به».\nوسواء كان الحمل فيه على ابن عجلان أو على الراوي عنه، فلا فرق في الحكم، المهم أن التفرد بمثل هذا يجعل زيادة (فإذا قرأ فأنصتوا) زيادة شاذة، كيف وقد رواه عن أبي صالح الأعمش، وهو مقدم في أصحابه ومكثر عنه، والقعقاع بن حكيم، وسهيل بن أبي صالح، ومصعب بن محمد بن شرحبيل، كلهم رووه عن أبي صالح، ولم يذكروا هذه الزيادة.\nكما روى الحديث الأعرج وهو مقدم في أبي هريرة على غيره، وهمام بن منبه، وأبو علقمة، وأبو يونس مولى أبي هريرة، وأبو سلمة، وغيرهم كلهم رووه عن أبي هريرة، فلم يذكروا فيه: (فإذا قرأ فأنصتوا).\nلهذا ذهب الإمام البخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي إلى شذوذ هذا الحرف من الحديث.\nوخالفهم الإمام أحمد فصحح هذا الحرف، كما صححه الإمام مسلم، وقد نقلت ذلك عنهما في الحديث السابق عند تخريج حديث أبي موسى، وأجبت عنه، فانظره هناك غير مأمور.\n\n(^١). الموطأ (١/ ٨٦).\n(^٢). الحديث مداره على الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة.\nورواه عن الزهري كبار أصحابه، إلا أنه أُعِلَّ بعلتين:\nالعلة الأولى: في إسناده ابن أكيمة: واسمه عمارة، وقيل: عمار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر، قال ابن حبان في الثقات: يشبه أن يكون المحفوظ أن اسمه عمار. =","vol":"2","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لم يُرْوَ عنه إلا هذا الخبر، ولم يَرْوِ عنه أحد غير الزهري.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٦): «رجل مجهول، لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري، ولم يكن عند الزهري من معرفته أكثر من أن رآه يحدث سعيد بن المسيب ...».\nونقل البيهقي عن الحميدي أنه قال: هذا حديث رواه رجل مجهول، لم يرو عنه غيره قط. القراءة خلف الإمام (ص: ١٤٢).\nونقل عن ابن خزيمة نحو ذلك. القراءة خلف الإمام (ص: ١٤٢).\nوقال أبو بكر البزار: ليس مشهورًا بالنقل، ولم يحدث عنه إلا الزهري. تهذيب التهذيب (٧/ ٤١١).\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٣٦٨): «الحديث ضعيف؛ لأن ابن أكيمة مجهول».\n\nوقال في الخلاصة (١١٧٧): «قال الترمذي: حسن، وأنكره عليه الأئمة، واتفقوا على ضعف هذا الحديث، لأن ابن أكيمة مجهول».\nوتحسين الترمذي تصريح بتضعيفه، وهو ذهول من النووي عن اصطلاح الترمذي.\nوهذه العلة ليست بشيء، قال فيه ابن معين: ثقة، وقال أيضًا: كفاك قول الزهري: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، فالتقط هذا ابن عبد البر، فقال: إصغاء ابن المسيب إلى حديثه دليل على جلالته عندهم، وقال في التمهيد (١١/ ٢٢): كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال ابن شهاب. اهـ وخرج له مالك حديثه في الموطأ.\nوقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣٦٢): «هو صحيح الحديث حديثه مقبول».\nالعلة الثانية: اختلفوا في قوله: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه) فبعضهم ذكرها مدرجة في الحديث، وبعضهم رواها من كلام الإمام الزهري ﵀.\nوممن رواها جزءًا من الحديث جماعة من أصحابه منهم:\nالأول: مالك بن أنس ﵀ كما في الموطأ (١/ ٨٦)، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢/ ٣٠١)، والشافعي في السنن (٣٣)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٦٧)، وأبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، والنسائي في الكبرى (٩٩٣)، وفي المجتبى (٩١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (٤٩٥)، والبزار في مسنده (٨٧٨١)، وابن حبان (١٨٤٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٤)، وفي معرفة السنن (٣/ ٧٥)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣١٧).\nالثاني: يونس بن يزيد، رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٦٨)، وفي التاريخ الأوسط (٨٢٥) من طريق عبد الله بن محمد.\nورواه البخاري في باب الكنى من التاريخ الكبير (٩/ ٣٨) من طريق أبي صالح كلاهما، عن الليث، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، سمعت ابن أكيمة الليثي، يحدث سعيد بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة، ﵁ يقول: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة جهر=","vol":"2","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فيها بالقراءة، ولا أعلم إلا أنه قال: صلاة الفجر، فلما فرغ رسول الله ﷺ أقبل على الناس، فقال: هل قرأ معي أحد منكم؟ قلنا: نعم قال: ألا إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الإمام، وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يجهر فيه الإمام.\nقال البخاري في القراءة خلف الإمام: وقوله: فانتهى الناس من كلام الزهري، وقد بينه لي الحسن بن صباح قال: حدثنا مبشر، عن الأوزاعي قال الزهري: فاتعظ المسلمون بذلك، فلم يكونوا يقرؤون فيما جهر. وقال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي ﷺ.\nوقال البخاري: كما في باب الكنى في التاريخ الكبير (٩/ ٣٨): وقال أبو صالح: حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب به بذكر (فانتهى الناس عن القراءة ....) وقال الليث: حدثني ابن شهاب، ولم يقل فانتهى الناس. فصار الليث سمعه من يونس، عن ابن شهاب بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة) مدرجة في الحديث، وسمعه الليث من ابن شهاب نفسه فلم يذكر هذه الزيادة، وسيأتي تخريج طريق الليث، عن ابن شهاب إن شاء الله تعالى.\nالثالث: أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي.\nرواه ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٢٦،٢٧) من طريق إبراهيم بن أبي العباس، قال: حدثنا أبو أويس، عن الزهري، عن ابن أكيمة الكناني ثم الليثي، عن أبي هريرة ... وفيه: فانتهى الناس عن قراءة القرآن مع رسول الله ﷺ فيما جهر به من القراءة في الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ قال أبو عمر: يقولون إن سماع أبي أويس ومالك بن أنس من الزهري كان واحدًا بعرض واحد، كذلك قال محمد بن يحيى النيسابوري وغيره، والله أعلم. اهـ\nالرابع: معمر بن راشد، واختلف عليه على أربعة وجوه:.\nالوجه الأول: رواه يزيد بن زريع كما في المعجم الأوسط (٥٣٩٧)، والخطيب في تاريخه (٧/ ٨٨)، عن معمر، ولم يذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة ...) إلخ.\nالوجه الثاني: رواية هذه الزيادة مدرجة في الخبر كرواية مالك ويونس بن يزيد، وأبي أويس.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٩٥)، وعنه أحمد (٢/ ٢٨٤)،\nوابن ماجه (٨٤٩) من طريق عبد الأعلى، كلاهما (عبد الرزاق وعبد الأعلى)، عن معمر به بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة ...).\nالوجه الثالث: رواها معمر عن الزهري، وظاهر الرواية أنها من قول الزهري.\nجاء ذلك من رواية سفيان بن عيينة، عن معمر عن الزهري، إلا أن سفيان بن عيينة، رواه عن الزهري مباشرة، وانتهت روايته إلى قوله: (ما لي أنازع القرآن)؟ ولم يسمع منه قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ....) إلخ باتفاق كبار أصحاب سفيان عنه، وبَيَّن سفيان أنه سمع هذه الزيادة من معمر، عن الزهري.\nفكان بعض أصحاب سفيان إذا رووا عن سفيان حديث الزهري ذكروا أولًا روايته عن الزهري من دون هذه الزيادة ثم أتبعوها بروايته عن معمر، بذكر هذه الزيادة، كالإمام الحميدي والإمام =","vol":"2","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحمد وعلي بن المديني، ومسدد وغيرهم.\nفرواه أحمد بن حنبل كما في المسند (٢/ ٢٤٠)، عن سفيان عن الزهري من دون هذه الزيادة، ثم قال: «قال معمر عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر به رسول الله ﷺ. قال سفيان: خفيت عليَّ هذه الكلمة».\nقال أحمد كما في مسائل صالح (٨٨٩) بعد أن ذكر الخلاف في رواية معمر بين رواية عبد الرزاق وابن عيينة: «... فالذي نرى أن قوله: فانتهى الناس عن القراءة أنه قول الزهري».\nورواه أبو بكر الحميدي كما في مسنده (٩٨٣) عن سفيان عن الزهري ثم أتبعه بقوله: «قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أفهمه، فقال لي معمر بعدُ: إنه قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ».\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥) من طريق علي بن المديني، عن سفيان، عن الزهري به، إلى قوله: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال علي بن المديني: قال سفيان: ثم قال الزهري شيئًا لم أحفظه، انتهى حفظي إلى هذا، وقال معمر: عن الزهري: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ .... إلخ.\nورواه مسدد وعبد الله بن محمد الزهري، عن سفيان، عن الزهري، كما في سنن أبي داود (٨٢٧) ثم قال مسدد، عن سفيان: قال: معمر: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ.\nوقال عبد الله بن محمد الزهري: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس ...».\nوقد روى الحديث جماعة عن سفيان، عن الزهري وانتهت روايتهم إلى قوله (ما لي أنازع القرآن)؟ ولم يذكروا روايته عن معمر: منهم ابن أبي شيبة، وهشام بن عمار، وحامد بن يحيى البلخي، وأحمد بن محمد بن ثابت، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف السلمي، وسيأتي تخريج طرقهم في قسم من روى الحديث دون هذه الزيادة.\nالوجه الرابع: رواه معمر، عن الزهري به بذكر هذه الزيادة من قول أبي هريرة.\nرواه أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر كما في سنن أبي داود (٨٢٧)، عن سفيان، عن الزهري، ثم قال: قال معمر: عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس.\nوقد تفرد به ابن السرح عن سفيان، فوهم فيه، والقول ما قاله أحمد والحميدي وابن المديني والله أعلم.\nوخالف كل من سبق: حوثرة بن محمد (ثقة) وخالد بن يوسف (ضعيف) كما في مسند البزار (٨٧٨٠)،\nوعبد الغني بن أبي عقيل (ثقة) كما في أحكام القرآن للطحاوي (٤٩٦).\nوأبو غسان مالك بن إسماعيل، كما في الاعتبار للحازمي (ص: ٩٨)، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بذكر الزيادة مدرجة في الحديث، كرواية مالك، ويونس بن =","vol":"2","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يزيد، ومن وافقهما.\nوهذه الرواية شاذة من رواية سفيان بن عيينة، فقد صرح الإمام أحمد والحميدي ومسدد وغيرهم أن سفيان قد صرح أنه لم يسمع هذا الحرف من الزهري، وإنما سمعه من معمر، من قول الزهري، والله أعلم.\nالوجه الخامس: أسامة بن زيد، ذكر ذلك أبو داود في السنن على إثر ح (٨٢٦)، قال أبو داود: «روى حديث ابن أكيمة هذا: معمر، ويونس، وأسامة بن زيد، عن الزهري، على معنى مالك». يعني بذكر لفظ: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه النبي ﷺ بالقراءة.\nالوجه السادس: ابن أخي الزهري، عن عمه، فذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك) إلا أنه أخطأ في إسناده.\nفقد رواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢١٥)، والبزار في مسنده (٢٣١٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٢٢٦)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣٢٦)، من طريق ابن أخي الزهري، عن عمه (الزهري)، قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ، أن رسول الله ﷺ .... وذكر الحديث.\nقال يعقوب بن سفيان: وهذا خطأ لا شك فيه، ولا ارتياب، رواه مالك، ومعمر، وابن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد ... كلهم عن الزهري عن ابن أكيمة ...».\nوقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلم أحدًا قال فيه عن الزهري، عن الأعرج إلا ابن أخي الزهري، وأخطأ فيه وإنما هو عن الزهري، عن ابن أكيمة. هكذا رواه ابن عيينة، ومعمر، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة».\nهذه الطرق التي ورد فيها كلام الزهري مدرجًا في الحديث.\nوقد رواه جماعة من أصحاب الزهري، فاقتصروا منه على المسند فقط، إلى قوله: (ما لي أنازَعُ القرآن)؟ ولم يذكروا زيادة (فانتهى الناس من القراءة ....)، منهم:\nالأول: الليث بن سعد، عن الزهري.\nرواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٦٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣١٨)، عن أبي الوليد (هشام بن عبد الملك)،\nورواه ابن حبان (١٨٤٣) من طريق يزيد بن هارون،\nورواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣١٩) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، ثلاثتهم رووه عن الليث بن سعد، عن ابن شهاب الزهري به، إلى قوله: (... مالي أنازع القرآن)؟ ولم يذكر فيه: (فانتهى الناس عن القراءة ....).\nوخالفهم يحيى بن يحيى كما في الفصل للوصل المدرج للخطيب (١/ ٢٩١)، فرواه عن الليث، عن ابن شهاب، بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله بالقراءة ...) مدرجة في الحديث. =","vol":"2","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخشى أن يكون الوهم ليس من يحيى بن يحيى، فإنه إمام، وإنما يكون من الرواة بعده، فإن إسناد الخطيب نازلٌ مقارنة لرواية البخاري وابن حبان، وكل ما نزل السند كان عرضة للوهم، وقد يكون حمل لفظ الليث، عن الزهري على روايته عن يونس بن يزيد، فإن الليث قد رواه عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب بذكر اللفظ المدرج، وسبق تخريجها، وكلا الطريقين محفوظٌ عن الليث، والله أعلم.\nالثاني: ابن جريج، رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٩٦)،\nورواه أحمد (٢/ ٢٨٥)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٢٠) عن محمد بن بكر، كلاهما (عبد الرزاق وابن بكر) روياه عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب به، واقتصر فيه على المسند فقط.\nالثالث: عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري.\nرواه أحمد (٢/ ٤٨٧)، ومسدد في مسنده (١٠٧٤)، حدثنا إسماعيل (يعني: ابن علية)، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري به، إلى قوله: (ما لي أنازع القرآن)؟ مقتصرًا على المسند فقط.\nالرابع: سفيان بن عيينة، عن الزهري.\nرواه سفيان عن معمر، عن الزهري بذكر زيادة (فانتهى الناس عن القراءة ....) من قول الزهري، وتقدم تخريجه.\nورواه سفيان عن الزهري، واقتصر فيه على المسند فقط.\nرواه أحمد بن حنبل (٢/ ٢٤٠)،\nوابن أبي شيبة كما في المصنف (٣٧٧٦)، وسنن ابن ماجه (٨٤٨)،\nوالحميدي في مسنده (٩٨٣)،\nوعلي بن المديني كما في سنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٥)،\nومسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (٢/ ٧٩)، وسنن أبي داود (٨٢٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٥)،\nوأحمد بن محمد المروزي ومحمد بن أحمد بن أبي الخلف وابن السرح كما في سنن أبي داود (٨٢٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٥).\nوعبد الله بن محمد الزهري كما في سنن أبي داود (٨٢٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٥)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣٢١) تسعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، ولم يذكر فيه زيادة (فانتهى الناس عن القراءة ...). ...\nوخالف هؤلاء حوثرة بن محمد وخالد بن يوسف، وعبد الغني بن أبي عقيل (ثقة)، وأبو غسان مالك بن إسماعيل، أربعتهم رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، بذكر الزيادة مدرجة في الحديث، وسبق تخريجها والإشارة إلى شذوذ هذا الحرف من رواية سفيان، عن الزهري، وإنما سمعه ابن عيينة من معمر، عن الزهري، والله أعلم.\nالخامس: الأوزاعي، عن ابن شهاب. =","vol":"2","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٨٢٦)، وأبو يعلى الموصلي (٥٨٦١)، من طريق مبشر بن إسماعيل،\nورواه البزار في مسنده (٧٧٥٩) من طريق بشر بن بكر.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٧)، وفي أحكام القرآن (٤٩٧)، وابن حبان (١٨٥٠)، والخطيب في المدرج (١/ ٢٩٨، ٢٩٩)، من طريق الفريابي (محمد بن يوسف)،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٦)، وفي القراءة خلف الإمام له (٣٢٢)، من طريق الوليد بن مزيد.\nوأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٢٠)، والخطيب في المدرج (١/ ٣٠٠)، من طريق أبي إسحاق الفزاري،\nوالخطيب في الفصل للوصل المدرج (١/ ٢٩٨) من طريق المفضل بن يونس وأبي المغيرة (عبد القدوس بن الحجاج)، ويحيى البابلتي، تسعتهم (مبشر، وبشر، والفريابي، والوليد، وأبونعيم، والفزاري والمفضل وأبو المغيرة، والبابلتي)، رووه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة، قال: قرأ ناس مع رسول الله ﷺ في صلاة جهر فيها بالقراءة، فلما قضى رسول الله ﷺ أقبل عليهم، فقال: هل قرأ معي أحد؟، قالوا: نعم، قال رسول الله ﷺ: إني أقول ما بالي أنازع القرآن؟.\nقال الزهري: فاتعظ الناس بذلك، ولم يكونوا يقرؤون فيما جهر.\nكلهم فصل قول الزهري عن قول الحديث المسند إلا المفضل بن يونس فقد أدرج قول الزهري في المسند.\nكما أن الأوزاعي وهم بجعل الحديث من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وإنما أصحاب الزهري رووه عنه أنه سمع ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، يقول: سمعت أبا هريرة، فنسي الأوزاعي ﵀ قول الزهري: سمعت ابن أكيمة، وظن أنه عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\nقال أبو حاتم في العلل لابنه (٤٩٣): هذا خطأ خالف الأوزاعي أصحاب الزهري في هذا الحديث، إنما رواه الناس عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.\nوقد رواه ابن حبان في صحيحه (١٨٥١) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن من سمع أبا هريرة، فأبهم الواسطة دفعًا لوهم الأوزاعي، كما كان يسقط الشيوخ الضعفاء للأوزاعي، فقال له الهيثم بن خارج ما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء. انظر تهذيب الكمال (٣١/ ٩٧).\nقال ابن حبان: «وهم فيه الأوزاعي؛ إذ الجواد يعثر، فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، فعلم الوليد بن مسلم أنه وهم، فقال: عمن سمع أبا هريرة، ولم يذكر سعيدًا ...».\nوقد فصل الأوزاعي قول الزهري، عن الحديث المسند، وبَيَّن أن قوله: (فانتهى الناس =","vol":"2","page":367},{"text":"وجه الاستدلال:\nقول النبي ﷺ: (ما لي أنازع القرآن)؟ دليل على أن القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية جائزة؛ لأن المنازعة في القرآن إنما تكون مع الجهر خاصة.\nوقول الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة ...) فإذا قطع الزهري بأن الصحابة انتهوا عن القراءة خلف النبي ﷺ فيما يجهر به، فإن هذا من أَدَلِّ الدلائل على أن الصحابة لم يكونوا يقرؤون في الجهر مع النبي ﷺ، فالزهري من أعلم أهل زمانه، بالسنة، فلا يجزم بمثل هذا النقل العام إلا عن علم أنهم تركوا القراءة خلفه، وهو ينقل خبرًا، والثقة إذا نقل خبرًا فسبيله القبول والتصديق بخلاف ما يقوله من باب الاستنباط والفقه فهذا قد يدخله الخطأ والصواب (^١).\n* ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن النبي ﷺ لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن، فالنهي متوجه لجهر المأموم بالقراءة خلف الإمام، لا مطلق القراءة.\n_________\n= عن القراءة فيما يجهر فيه الإمام) أن ذلك من قول الزهري.\nوقد تقدم لنا قول الإمام أحمد كما في مسائل أبي الفضل (٨٨٩): الذي نرى أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة) أنه من قول الزهري.\nوقال البخاري في الكنى: «قال بعضهم: هذا قول الزهري، وقال بعضهم: عن سعيد، هذا قول ابن أكيمة، والصحيح قول الزهري».\nوقال البيهقي في المعرفة (٣/ ٧٥): قال أحمد: قوله: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه من قول الزهري.\nوقاله محمد بن يحيى الذهبي صاحب الزهريات، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وأبو داود السجستاني، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث، وجعله من قول الزهري، فكيف يصح ذلك عن أبي هريرة؟ وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جَهَرَ به، وفيما خَافَتَ». وقال نحو ذلك في الخلافيات (٢/ ٤٩١)، وأقره النووي في المجموع (٣/ ٣٦٣)، وقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٥٦٥) «مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود ويعقوب بن سفيان، والذهلي والخطابي، وغيرهم».\n\n(^١). انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢/ ٢٩١).","vol":"2","page":368},{"text":"وأما قول الزهري (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ، فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة) فهذا الخبر لا ينقله الزهري عن مشاهدة، وإنما سبيله الإسناد، ولم يوقف على إسناده، وأما قبوله استنادًا إلى ديانة الزهري وعلمه فإن هذا لا يكفي، فالزهري لو قال: أخبرني الثقة لم يقبل حتى يُبَيِّن، فقد يكون ثقة عنده فقط، فكيف يقبل إذا أرسل كلامه، والصحابة مختلفون في المسألة، وقد أفتى أبو هريرة بعد وفاة النبي ﷺ لمن سأله: إنا نكون وراء الإمام، فقال له: اقرأ بها في نفسك، ولو كان هذا إجماعًا من الصحابة ما أفتى أبو هريرة بخلافه.\nويمكن الجواب عن فتوى أبي هريرة:\nبأنه قد ثبت عن أبي هريرة أيضًا قوله: اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به. وسبق تخريجه، فدل على أنه عنى بقوله: (اقرأ بها في نفسك) في الصلاة السرية جمعًا بين قوليه.\nالوجه الثاني:\nأن كلام الزهري ليس نصًّا في دلالته على ترك القراءة، فيحتمل أنه عنى بذلك ترك الجهر بالقراءة محل الاستنكار، فالنبي ﷺ لم يستنكر عليهم القراءة، وإنما أنكر عليهم منازعته القرآن.\nقال ابن حبان: «(فانتهى الناس عن القراءة): أراد به رفع الصوت خلف رسول الله ﷺ اتباعًا منهم لزجره عن رفع الصوت، والإمام يجهر بالقراءة في قوله: (ما لي أنازع القرآن؟) (^١).\n* ورد هذا:\nبأن كلام الزهري لو أراد به ترك الجهر دون القراءة لم يقيد الترك بقوله: (فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة)، فالمأموم مأمور بترك الجهر مطلقًا، فيما جهر فيه الإمام وفيما لم يجهر، فلما خص الترك حال جهر الإمام علم أن المراد ترك القراءة، لا ترك الجهر.\n(ث-٣٣٩) ولأن عبد الرزاق قد روى عن معمر، عن الزهري، قال: إذا جهر\n_________\n(^١). صحيح ابن حبان (٥/ ١٦١).","vol":"2","page":369},{"text":"الإمام فلا تقرأ شيئًا (^١).\nالدليل السابع:\nقال أحمد: «ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة، لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ. وقال: هذا النبي ﷺ، وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري، في أهل العراق، وهذا الأوزاعي، في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر، ما قالوا لرجل صلى خلف الإمام، وقرأ إمامه، ولم يقرأ هو: صلاته باطلة» (^٢).\nفهذا الإمام أحمد يحكي الإجماع على صحة صلاة من ترك قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، مع ما يعرف من تشدده في حكاية الإجماع، وهذا الإجماع لا ينافي الخلاف المحفوظ في وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، فهناك فرق بين مسألة وجوب قراءة الفاتحة في الجهرية، وبين إبطال الصلاة بترك قراءتها إلا عند من يقول: إن ترك الواجب عمدًا يبطل الصلاة كما هو مقرر في مذهب الحنابلة والشافعية، وهي مسألة خلافية.\nفإن لم يصح هذا الإجماع فلا أقَلَّ من أن يَدُلَّ على أنه قول أكثر أهل العلم، ذهب إليه الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب الشافعية (^٣).\nوإن صح الإجماع كان دليلًا على أن عموم قول النبي ﷺ في حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) أريد به غير المأموم.\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٧٨٤).\n(^٢). المغني (١/ ٤٠٤).\n(^٣). إذا ركع الإمام قبل أن يتم المأموم الفاتحة، كما في بطيء القراءة، ففي مذهب الشافعية ثلاثة أوجه:\nأحدها: تسقط عنه الفاتحة، ويتحملها الإمام كما يتحملها عن المسبوق؛ ولقوله ﷺ: فإذا ركع فاركعوا، ولأنه لو دخل فركع الإمام قبل أن يقرأ لزمته متابعته في الركوع، فكذلك هذا مثله.\nوالوجه الثاني: أنه يقضي ركعة بعد فراغه من الصلاة.\nوفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة، ولا يضر التأخر عن الإمام؛ لأنه معذور. ...\nوانظر: الحاوي الكبير (٢/ ٤١٦)، البيان للعمراني (٢/ ٣٧٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٢)، المجموع (٤/ ٢٣٧)، فتح العزيز (٤/ ٣٩٢، ٣٩٣)، المهذب (١/ ١٣٨)، نهاية المحتاج (٢/ ١٩٥).","vol":"2","page":370},{"text":"وقد قال جابر ﵁ بسند صحيح: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام (^١).\nقال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ تَأَوَّلَ قول النبي ﷺ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب أن هذا إذا كان وحده (^٢).\nوكذلك فسره ابن عيينة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام إذا لم يقرأ، وقرأ من خلفه لم تنفعهم قراءتهم، فدل على أن قراءة الإمام هي التي تراعى (^٣).\n(ح-١٤٠٢) وقد روى مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفَا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث (^٤).\n[صحيح] (^٥).\nوجه الاستدلال:\nفلو كانت القراءة واجبة على المأموم في الجهرية لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي ﷺ، فلما سأل النبي ﷺ في صلاة جهرية: هل قرأ معي منكم أحد؟ ولم تقع القراءة إلا من واحد ممن صلى خلف النبي ﷺ دَلَّ هذا على أن عامة من صلى مع النبي ﷺ لم يقرأ، وقد أقرهم النبي ﷺ على ترك القراءة.\nوسوف يأتي مناقشة هذا الدليل إن شاء الله تعالى عند أدلة من قال: تستحب القراءة في الصلاة السرية.\nوقد اعترض بعضهم على دعوى الإجماع من الإمام، بمذهب أبي هريرة، أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الإمام قائمًا، وقد فهم البخاري من أثر أبي هريرة أنه يرى\n_________\n(^١). رواه مالك في الموطأ بسند صحيح، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.\n(^٢). سنن الترمذي (٢/ ١٢١).\n(^٣). انظر التمهيد (١١/ ٤٧)، شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص: ١٤٤٢).\n(^٤). الموطأ (١/ ٨٦).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر: (١٤٠١).","vol":"2","page":371},{"text":"أن الركعة تفوت بفوات قراءة الفاتحة.\n(ث-٣٤٠) فقد روى البخاري في القراءة خلف الإمام من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا (^١).\nوهذا القول الذي انفرد به أبو هريرة ﵁ دون سائر الصحابة هو في اشتراط إدراك القيام؛ لإدراك الركعة، لا في اشتراط إدراك قراءة الفاتحة لإدراكها، والقيام ركن بنفسه، فما فهمه البخاري تبعًا لشيخه علي بن المديني ليس ظاهرًا.\nقال الحافظ ابن رجب: «أبو هريرة لم يقل: إن من أدرك الركوع فاتته الركعة؛ لأنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب كما يقول هؤلاء، إنما قال: لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائمًا قبل أن يركع، فعلل بفوات لحوق القيام مع الإمام، وهذا يقتضي أنه لو كبر قبل أن يركع الإمام، ولم يتمكن من القراءة، فركع معه كان مدركًا الركعة، وهذا لا يقوله هؤلاء، فتبين أن قول هؤلاء محدث، لا سلف لهم به» (^٢).\nوقد انفرد به محمد بن إسحاق، وقد روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن المقبري، عن أبي هريرة قوله: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، وذكره مالك في الموطأ بلاغًا عن أبي هريرة، وعبد الرحمن بن إسحاق إن لم يكن أمثل من ابن إسحاق فهو مثله، وسوف تأتينا هذه المسألة عند الكلام على إدراك الركعة بإدراك الركوع (^٣)،\nفلا أحب أن يتشعب بنا البحث.\n_________\n(^١). رواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٩٣) حدثنا مسدد (ثقة)، وموسى بن إسماعيل (ثقة)، ومعقل بن مالك (وثقه ابن حبان)، قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن محمد بن إسحاق به.\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٩٤) حدثنا عبيد بن يعيش (ثقة)، قال: حدثنا يونس (هو ابن بكير صدوق)، قال: حدثنا ابن إسحاق (صدوق) به.\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١١٤).\n(^٣). وقد اختلف العلماء في الراجح من هذين الأثرين عن أبي هريرة:\nذهب البخاري وشيخه علي بن المديني وابن خزيمة وبعض الظاهرية إلى ترجيح رواية محمد بن إسحاق، وأن من فاتته الفاتحة فقد فاتته الركعة، ونقل البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٣٦) عن شيخه علي بن عبد الله المديني أنه قال: «إنما أجاز إدراك الركوع من =","vol":"2","page":372},{"text":"(ث-٣٤١) وروى البخاري معلقًا في القراءة خلف الإمام، قال أبو عبد الله:\nقال مجاهد: إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة، وكذلك قال عبد الله بن الزبير (^١).\nولم يَسُقْ البخاري إسناده، والمعلق من قسم المنقطع حتى يوقف على إسناده.\nالدليل الثامن:\nالعلماء مجمعون على أنه لا يجب على الإمام السكوت ليقرأ المأموم، والجمهور على أنه لا يستحب له السكوت من أجل قراءة المأموم خلافًا للشافعية، فلو كانت قراءة الفاتحة على المأموم واجبة لشرع السكوت من الإمام بقدر قراءة المأموم\n_________\n= ... أصحاب النبي ﷺ الذين لم يروا القراءة خلف الإمام، منهم ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة ﵁ قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي وقال: لا تعتد بها حتى تدرك الإمام قائمًا.\nويشكل عليه: أن أبا هريرة لم يقل: حتى تقرأ الفاتحة، وقد نقلت عن أبي هريرة أنه لا يرى القراءة في الجهرية، فيحمل قوله: اقرأ بها في نفسك على الصلاة السرية.\nوذهب عامة العلماء إلى إدراك الركعة بإدراك الركوع.\nوانتقد الحافظ ابن رجب الإمام البخاري كما في شرحه للبخاري (٧/ ١١٢) ترجيح رواية ابن إسحاق على عبد الرحمن بن إسحاق، وقارن بينهما، فنقل عن ابن المديني أنه سوى بينهما فقال عن كل واحد منهما: إنه صالح وسط، وهذا تصريح منه بالتسوية بينهما.\nونقل الميموني، عن يحيى بن معين، أنه قال في محمد بن إسحاق: ضعيف. وفي عبد الرحمن ابن إسحاق: ليس به بأس، وفي رواية: ثقة. ففهم منه تقديمه على ابن إسحاق.\nوقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: محمد بن إسحاق قدري معتزلي، وعبد الرحمن بن إسحاق قدري، إلا أنه ثقة.\nوهذا تصريح من أبي داود بتقديمه على ابن إسحاق، فإنه وثقه دون ابن إسحاق، ونسبه إلى القدر فقط، ونسب ابن إسحاق إلى القدر مع الاعتزال.\nوعامة ما أنكر عليه هو القدر، وابن إسحاق يشاركه في ذلك ويزيد عليه ببدع أُخَرَ كالتشيع والاعتزال؛ ولهذا خَرَّج مسلم في صحيحه لعبد الرحمن بن إسحاق، ولم يخرج لمحمد بن إسحاق إلا متابعة .... إلخ كلامه.\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٦٢): «روي عن أبي هريرة: (من أدرك القوم ركوعًا فلا يعتد بها، وهذا قول لا نعلم أن أحدًا قال به من فقهاء الأمصار، وفيه وفي إسناده نظر».\n(^١). القراءة خلف الإمام للبخاري (ص: ١٠، ١١)، ونقله البيهقي عنه في القراءة خلف الإمام (ص: ١٠٥).","vol":"2","page":373},{"text":"الفاتحة، فإذا شرع للإمام الجهر بالقراءة فإنما يجهر بذلك لا ليسمع نفسه، وإنما ليسمع المأمومين، فإذا كان المأموم منشغلًا عنه بالقراءة، فما الفائدة من جهر الإمام؟\nقال ابن تيمية: «لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم نزاعًا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم بالفاتحة، ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر» (^١).\nالدليل التاسع:\n(ح-١٤٠٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أَمَّنَ الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\nوجه الاستدلال بالحديث من وجهين:\nالأول: لو أمر المأموم بقراءة الفاتحة في الجهرية لحفظ الأمر له بالتأمين إذا فرغ من قراءتها كما حفظ الأمر له بالتأمين على قراءة إمامه، فلما لم يحفظ الأمر له بالتأمين علم أنه لم يؤمر بالقراءة.\nالثاني: لو أمر المأموم بالقراءة لشغله ذلك عن استماع قراءة إمامه والتأمين على قراءته.\nيقول ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث دلالة على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر، لا بأم القرآن، ولا بغيرها؛ لأن القراءة بها لو كانت عليهم، لأمرهم إذا فرغوا من فاتحة الكتاب أن يؤمن كل واحد منهم بعد فراغه من قراءته؛ لأن السنة فيمن قرأ بأم القرآن، أن يؤمن عند فراغه منها.\nومعلوم أن المأمومين إذا اشتغلوا بالقراءة خلف الإمام لم يكادوا يسمعون\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٣/ ٢٧٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).","vol":"2","page":374},{"text":"فراغه من قراءة فاتحة الكتاب، فكيف يؤمرون بالتأمين عند قول الإمام: ولا الضالين، ويؤمرون بالاشتغال عن استماع ذلك، هذا مما لا يصح، وقد أجمع العلماء على أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه بغير فاتحة الكتاب» (^١).\n* ويناقش:\nقراءة الإمام منها ما هو واجب، كقراءته الفاتحة، ومنها ما هو مستحب، كقراءته لما زاد عليها، فإذا شرع الإمام في القراءة الواجبة استمع المأموم وأنصت لإمامه؛ وإذا شرع الإمام في القراءة المستحبة شَرَعَ المأموم في قراءة الفاتحة، ليكون انشغاله عن الاستماع والإنصات في القدْر المستحب من القراءة، وليس في القدر الواجب منها.\n* ورد هذا النقاش من وجهين:\nالوجه الأول:\nإذا كان استماعه لإمامه، وهو يقرأ الفاتحة لن يغنيه ذلك عن قراءة الفاتحة، كانت قراءة الإمام له، وليست للمأموم، فكيف يجب على المأموم الاستماع والإنصات، والوجوب خاص بالإمام وحده، فالمأموم يقرأ من جنس ما يقرأ الإمام حرفًا وحكمًا، فما الحرج في قراءة المأموم الفاتحة في وقت قراءة الإمام لها، ولو صح حديث عبادة: (ما لي أنازع القرآن لا تفعلوا إلا بأم القرآن) كان ذلك إذنًا مفتوحًا بالقراءة من غير تقييد، إلا أن الحديث ضعيف كما علمت، وهذا على القول بأن قراءة الفاتحة تجب على المأموم في الجهرية.\nالوجه الثاني:\nتحديد وقت للمأموم يقرأ فيه الفاتحة، وآخر يمنع منه من القراءة يحتاج إلى توقيف، فلو كان مثل هذا مشروعًا لحفظ في ذلك سنة نبوية، فإذا لم يصح في التوقيت دليل متى يقرأ المأموم الفاتحة في الجهرية دَلَّ ذلك على أحد أمرين:\nإما أن يقال: لا يوجد فرق في وقت قراءة المأموم للفاتحة، سواء أقرأ ذلك والإمام يقرأ الفاتحة أم كان يقرأ غيرها.\n_________\n(^١). التمهيد (٢٢/ ١٧).","vol":"2","page":375},{"text":"أو يقال: إن هذا دليل على أنه لا يشرع للمأموم القراءة خلف الإمام في الجهرية، وهو الأقرب، والله أعلم.\nالدليل العاشر:\nأن الإمام إذا قرأ الفاتحة كانت قراءة له، وقراءة لكل من أمَّنَ على دعائه، لأن المُؤَمِّنَ على الدعاء هو أحد الدَّاعِيَيْنِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيم﴾ [يونس: ٨٨]، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] فنسب الله تعالى الدعاء لموسى وهارون، مع أن الداعي كان موسى؛ لتأمين هارون على دعائه، فدل ذلك على أن قراءة الإمام في الجهرية التي يسمعها المأموم ويُؤَمِّنَ عليها قراءة للمأموم (^١).\n* ويناقش من ثلاثة وجوه:\nالأول: بأن التأمين سنة، فلو تركه المصلي صحت صلاته بالاتفاق.\nالثاني: أن المُؤَمِّنَ داعٍ لا شك في ذلك، ولكنه ليس قارئًا، وإنما كان المؤمِّنُ داعيًا؛ لأن معنى قوله: (آمين) اللهم استجب، وهذا حقيقة الدعاء، فهو سائل كما أن الداعيَ سائل، فكل مُؤَمِّنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مُؤَمِّنًا.\nالثالث: لم يقل أحد: إن التأمين بدل عن وجوب قراءة الفاتحة؛ لأن ذلك يعني أنه إذا فات البدل وجب الرجوع إلى الأصل، فليس سقوط الفاتحة عن المأموم مشروطًا بإدراك التأمين.\n* دليل من قال: يستحب للمأموم القراءة في السرية:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٠٤) ما رواه مالك في الموطأ، قال: عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي منكم أحد آنَفًا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله .... الحديث (^٢).\n_________\n(^١). انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢/ ٢٨٩).\n(^٢). الموطأ (١/ ٨٦).","vol":"2","page":376},{"text":"[صحيح، وسبق تخريجه] (^١).\nوجه الاستدلال:\nلو كانت القراءة واجبة على المأموم مطلقًا، لكان جميع الصحابة قد قرأ خلف النبي ﷺ، فلما سأل النبي ﷺ: هل قرأ معي منكم أحد؟ دَلَّ ذلك على أمرين:\nالأول: أن القراءة لو كانت واجبة على المأموم لكان قد أمرهم النبي ﷺ بذلك، ولو أمرهم لفعله عامة الصحابة.\nالثاني: صحة ترك القراءة خلف الإمام، حيث أقر النبي ﷺ تركهم للقراءة خلفه، ولم يخالف في ذلك إلا واحد منهم.\n* وأجيب:\nبأن ذلك منسوخ بحديث عبادة، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، أو أنه أراد قراءة غير الفاتحة.\nورد: بأنه لا يصح دعوى النسخ إلا مع العلم بالمتأخر منهما، ولا يعلم.\nوالقول بأنه أراد قراءة غير الفاتحة، فهذا تخصيص لما أطلق من قوله ﷺ: هل قرأ معي منكم أحد؟ فإن إطلاقه يشمل الفاتحة وغيرها.\nوالقول بأن الإنكار توجه للمنازعة: بقوله: (ما لي أنازع القرآن)؟ فهذا صحيح، وليس هذا موضع الاستدلال، فمحل السؤال غير محل الإنكار، فالسؤال توجه: هل قرأ معي منكم أحد؟ والإنكار توجه للمنازعة، فلما سأل النبي ﷺ: هل قرأ معه أحد؟ دل على أن ترك القراءة لا يبطل الصلاة.\nالدليل الثاني:\nاستدلوا بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).\nجاء مرسلًا عن عبد الله بن شداد بإسناد صحيح وسبق تخريجه، وله شواهد كثيرة من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وابن عباس، وسبق تخريجها، وهي وإن كانت آحادها ضعيفة إلا أن مجموعها صالح للاحتجاج، فإذا انضمت إلى المرسل الصحيح صارت حجة.\n_________\n(^١). انظر: (ح ١٤٠١).","vol":"2","page":377},{"text":"* ويناقش:\nبأن التصحيح بالشواهد والمتابعات له شروطه، والتي من أهمها ألا تخالف نصًّا صحيحًا، فقد عارضت هذه الأحاديث: حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه.\nوعارضت حديث أبي هريرة: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، رواه مسلم.\nوعلى التنزل بقبول الاعتبار بمجموعها، فإنها تحمل على القراءة التي يشارك فيها المأموم الإمام في القراءة، فالإمام يجهر، والمأموم يستمع، فهذه وإن كانت قراءة من الإمام إلا أن المأموم قد شاركه فيها بالاستماع، ولم يجهر الإمام إلا من أجل إسماع المأموم، فيصح أن تكون قراءة الإمام لهما، ولذلك لو استمع الرجل لقراءة آخر، ولو خارج الصلاة، ومَرَّ القارئ على آية سجدة، وسجد، شرع للمستمع أن يسجد للمشاركة، وأما الصلاة السرية؛ حيث يقرأ الإمام لنفسه، والمأموم لنفسه، فلا تكون قراءة الإمام قراءة للمأموم، كما أن تسبيح الإمام وتشهده وسلامه من الصلاة مختص به ليس للمأموم منه شيء، فكذلك قراءته في السرية مختصة به، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثني أبو الزاهرية حدير بن كريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال:\nسمعت أبا الدرداء، يقول: سئل رسول الله ﷺ أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال: رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه، فقال: يا ابن أخي ما أرى الإمام إذا أَمَّ القوم إلا قد كفاهم (^١).\n[حسن، وروي قول أبي الدرداء مرفوعًا، ولا يصح] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٦/ ٤٤٨).\n(^٢). الحديث رواه معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء، والإسناد رجاله كلهم ثقات إلا معاوية بن صالح، فإنه صدوق له أوهام.\nرواه بشر بن السري كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٧، ٥٧) وفي خلق أفعال العباد =","vol":"2","page":378},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (ص: ١٠٥)، عن معاوية مقتصرًا على المرفوع فقط، ولم يذكر الموقوف.\nورواه عبد الرحمن بن مهدي، رواه عنه أحمد (٥/ ١٩٧) مقتصرًا على المرفوع.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٦) من طريق محمد بن المثنى،\n\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٨٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به بتمامه ذاكرًا كلام أبي الدرداء.\nكما رواه بتمامه كل من:\nعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٦)، وسنن الدارقطني (١٢٨٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٨١).\nوعبد الله بن صالح من رواية بكر بن سهل عنه كما في مسند الشاميين للطبراني (١٩٥٥)،\nوحماد بن خالد كما في سنن الدارقطني (١٥٠٥)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٨٢)، ثلاثتهم (ابن وهب، وأبو صالح، وحماد بن خالد) رووه عن معاوية بن صالح به، بتمامه مع ذكر كلام أبي الدرداء الموقوف عليه.\nورواه زيد بن الحباب، واختلف عليه:\nفرواه علي بن المديني كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٨٣)،\nوعبدة بن عبد الله كما في مسند البزار (٤١٢٠)، كلاهما عن زيد بن الحباب به، مقتصرًا على المرفوع.\nورواه أحمد (٦/ ٤٤٨) حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح به بتمامه، كرواية الجماعة، وقال بعد أن ساق الحديث المرفوع، وفيه: (فالتفت إلي أبو الدرداء، وكنت أقرب القوم منه ...) وذكره موقوفًا صريحًا على أبي الدرداء.\nقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٤٨٦): وهكذا رواه الفضل بن أبي حسان، ومحمد بن إشكاب، عن زيد بن الحباب، وجعله من قول أبي الدرداء ... اهـ\nورواه هارون بن عبد الله (ثقة) كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٩٧)، وفي المجتبى (٩٢٣). وشعيب بن أيوب (صدوق)، كما في سنن الدارقطني (١٢٦٢)،\nوابن أبي شيبة (ثقة) كما في مسنده (٣٤)،\nوالعباس بن محمد الدوري (ثقة) كما في القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٧٨)، وفي الخلافيات له (١٩٧٥) أربعتهم رووه عن زيد بن الحباب به، مرفوعًا، بعضهم قال: (فالتفت إلي ..) وبعضهم قال: (فالتفت إلى رسولِ اللهِ ﷺ) ولم يذكروا أن هذا الكلام من قول أبي الدرداء.\nفأخطأ في رفعه زيد بن الحباب في إحدى الروايتين عنه، والمحفوظ عنه ما رواه أحمد عنه في التفريق بين المرفوع وبين كلام أبي الدرداء.\nوتابعه عبد الله بن صالح من رواية محمد بن إسحاق عنه كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٢)، وفي القراءة خلف الإمام (٣٧٧)، قال البيهقي: كذا رواه أبو صالح كاتب الليث وغلط فيه، وكذلك رواه زيد بن الحباب في إحدى الروايتين عنه، وأخطأ فيه، والصواب أن أبا الدرداء قال ذلك لكثير بن مرة.\nقال النسائي في المجتبى: «هذا عن رسول الله ﷺ: خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء».\nوقال الدارقطني في السنن: «كذا قال، وهو وهمٌ من زيد بن الحباب، والصواب: فقال أبو الدرداء: ما أرى الإمام إلا قد كفاهم». وانظر علل الدارقطني (٦/ ٢١٨).","vol":"2","page":379},{"text":"وجه الاستدلال:\nفهذا أبو الدرداء ﵁، وهو يروي جواب الرسول ﷺ بلفظ العموم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال رسول الله ﷺ: نعم: أي في كل صلاة قراءة؛ لأن السؤال معاد في الجواب، ونصه هذا يشمل المأموم، كما يشمل الإمام والمنفرد، المستفاد من صيغة (كل صلاة)، وهي صريحة في العموم، وخشية أن يفهم التابعي هذا العموم، بادر أبو الدرداء من قوله موقوفًا عليه، فقال: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم، إشارة منه إلى إخراج المأموم من هذا العموم، وأن هذا العموم قد خُصَّ منه المأموم، ولا يظن بالصحابي أنه يقول ذلك من رأيه، فإن هذا استدراك من الصحابي على النبي ﷺ، وحاشى الصحابة رضوان الله عليهم أن يستدركوا على النبي ﷺ ما لم يقله ولم يشرعه، فلو كانت القراءة واجبة على المأموم وجوبًا عامًّا لعامة المصلين لكان أولى الناس بمعرفته هم الصحابة؛ لأن ذلك متعلق بالبيان والتبليغ الواجب على النبي ﷺ أن يُعَلِّمَ صحابته ما تصح به صلاتهم، ولاشتهر ذلك بينهم كاشتهار أن المصلي لا يدخل الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، فلا يَخُصُّ الصحابي المأموم من هذا العموم برأيه إلا أن يكون ذلك متلقًّى من النبي ﷺ، ومن عمل الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكن هذا رأيًا لأبي الدرداء وحده، بل كان رأيًا لجابر ﵁ وابن عمر، وزيد بن ثابت، وعلي، وابن عباس، فكيف يظن أن قراءة الفاتحة تجب على المأموم ثم يجهل هؤلاء الصحابة فقه هذه المسألة، وهم على رأس الفقه والفتوى؟ وكل ذلك يؤيد ما قاله الزهري: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله ﷺ).\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٤٢) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي نعيم: وهب بن كيسان،","vol":"2","page":380},{"text":"أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يُصَلِّ إلا وراء الإمام.\n[صحيح] (^١).\nالدليل الخامس:\n(ث-٣٤٣) روى مالك في الموطأ عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان إذا سئل: هل يقرأ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله لا يقرأ خلف الإمام (^٢).\nوسنده في غاية الصحة.\nفكون الصحابة ﵃ يطلقون هذه الأقوال، ولا يستثنون السرية من الجهرية دليل على أن القراءة ليست واجبة، ولو كانت قراءة المأموم واجبة في السرية لما أطلق الصحابة هذا الكلام دون قيد، وقد جمع الله لهؤلاء الصحابة أنهم من أهل اللسان، وأعلم بدلالات الألفاظ، ومن فقهاء الصحابة وأهل الفتوى، وكانوا مع النبي ﷺ طيلة حياته، فحين يقول جابر ﵁: (من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يُصَلِّ إلا أن يكون وراء الإمام)، فالاستثناء معيار العموم، فالمأموم لو ترك القراءة لم يضره، وكذلك الكلام ينطبق على قول ابن عمر ﵄، ولا يعارَضُ كلامهم هذا بأنه قد جاء عنهم القراءة في الصلاة السرية؛ فإنهم لم يحرموا القراءة في الصلاة السرية، وفعلهم في السرية لا يدل على الوجوب، بل يدل على استحباب القراءة؛ ولأن دلالة القول أبلغ من دلالة الفعل.\nقال ابن تيمية: «وابن عمر من أعلم الناس بالسنة، وأتبعهم لها، ولو كانت القراءة واجبة على المأموم، لكان هذا من العلم العام الذي بيَّنه النبي ﷺ بيانًا عامًّا. ولو بين ذلك لهم، لكانوا يعملون به عملًا عامًا، ولكان ذلك في الصحابة لم يَخْفَ مثل هذا الواجب على ابن عمر حتى يتركه مع كونه واجبًا عام الوجوب على عامة المصلين قد\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣١٧).\n(^٢). الموطأ (١/ ١٣٨).","vol":"2","page":381},{"text":"بُيِّن بيانًا عامًّا، بخلاف ما يكون مستحبًّا؛ فإن هذا قد يخفى» (^١).\n* دليل من قال: تكره القراءة في الجهرية:\nأدلة هذا القول هي أدلة من منع القراءة خلف الإمام مطلقًا، إلا أنهم حملوا هذه الأدلة على الكراهة، وعلى الصلاة الجهرية دون السرية.\n* الراجح من الخلاف:\nلقد رأيت أخي الكريم -إن كنت قرأت البحث كاملًا- كيف يكون الدليل الواحد في هذه المسألة يستدل به أكثر من قول، والراجح في هذه المسألة الشائكة لن يكون بين قول قوي وضعيف، وإنما بين قول قوي وأقوى منه، وأضعف الأقوال عندي هو مذهب الحنفية القائلين بأن قراءة الفاتحة تحرم في السرية، فإذا كان لا يحرم على المصلي دعاء الاستفتاح، ولا أذكار الركوع والسجود، فكيف يحرم عليه قراءة القرآن، وهو لا يسمع قراءة إمامه؟ ما بال القرآن؟\nوأقوى الأقوال عندي أن الفاتحة في الصلاة الجهرية ليست واجبة على المأموم؛ لأن حديث عبادة بن الصامت: (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) بَيِّن الضعف، وذلك بسبب كثرة الاختلاف على مكحول، وإعلاله بالوقف، وقد ضعفه الإمام الترمذي مع ما يقال من تساهله، كما ضعفه الإمام أحمد، والإمام أحمد إذا ضعف حديثًا فالغالب أن الباحث لا يستطيع أن ينهض به، بخلاف التصحيح فقد يُغَلِّب الإمام أحمد أحيانًا النظر الفقهي على الصناعة الحديثية، ويكون الحكم على الحديث عنده مشمولًا بالنظر إلى عمل أكثر السلف وما ورد في المسألة من آثار، كما شرحت لك ذلك عند الكلام على تصحيح الإمام أحمد لحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا)، والله أعلم.\nوأما قراءة الفاتحة في الصلاة السرية فإنها واجبة احتياطًا؛ لعموم حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وإن لم يكن وجوبها على المأموم كوجوبها على الإمام والمنفرد، والباعث على التفريق ما ورد من آثار عن ابن عمر وجابر، وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وابن عباس، ﵃، فيصعب تصور وجوبها وجوبًا عامًّا، ثم يجهل هؤلاء الصحابة هذا الحكم، وهو يتعلق بأهم الأعمال في الإسلام، وكانوا ملازمين\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٢٤).","vol":"2","page":382},{"text":"للرسول ﷺ طيلة حياته، فالخلاصة أن مذهب الجمهور القائلين بأن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية هو أقرب هذه الأقوال للصواب، ولا أحب له تركها في الصلاة السرية، وأخشى على تاركها ألا تصح صلاته، وإن كنت لا أتجاسر على الحكم ببطلان ما صلاه المأموم مما ترك فيه الفاتحة، والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الفرع السادس في شروط قراءة الفاتحة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المسألة الأولى في وجوب قراءة الفاتحة بتشديداتها</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، وعند الحنفية: الركن القراءة، ولا تتعين في الفاتحة، فعلى الأول: إذا سَلِمَت الفاتحة من النقص صحت الصلاة، وعند الحنفية لا فرق في الحكم بين الفاتحة وغيرها.\n* إذا قلنا: الفاتحة ركن، فهل هو ركن واحد، أو كل حرف منها ركن، الصحيح الأول، ورجحه البهوتي في كشاف القناع وهو مذهب الحنفية والمالكية.\n* الطواف ركن في الحج، وقال الحنفية: إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا جزء الركن حكم الواجب، وليس حكم الركن.\n* إذا قلنا: الفاتحة ركن واحد، فمراعاة شداتها واجب لها، والإخلال به لا يُخِلُّ بالركن ما لم يغير المعنى، وسهوه مغتفر؛ لأن للأكثر حكم الكل.\n* ضابط الإخلال في قراءة الفاتحة بتخفيف المشدد إذا غير المعنى عند الحنفية، وهو الصواب، فإذا سَلِم المعنى لم يؤثر تخفيف المشدد.\n* بطلان العبادة مع سلامة المعنى قول شديد يحتاج إلى برهان، والأصل عدمه.\n* قال القاضي أبو يعلى: لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وهي صفة في الكلمة، يبقى معناها من دونه كالحركة، ويسمى تاركها قارئًا.\n[م-٥٣٨] الحرف المشدد قائم مقام حرفين، فإذا خفف القارئ الحرف","vol":"2","page":384},{"text":"المشدد فكأنه ترك حرفًا من الفاتحة، وكذلك إذا شدد حرفًا مخففًا كان بمنزلة من زاد حرفًا على الفاتحة، وفي الفاتحة إحدى عَشْرَةَ شَدَّةً إن اعتبرنا البسملة ليست آية منها كما هو مذهب جمهور العلماء، أو أربع عشر شَدَّة إن اعتبرنا البسملة منها كما هو مذهب الشافعية، وقد تقدم الخلاف في البسملة.\n[م-٥٣٩] وقد اختلف العلماء في حكم المنفرد والإمام إذا ترك حرفًا أو شدة من الفاتحة، وكذا المأموم عند من يوجب قراءة الفاتحة عليه إما مطلقًا كالشافعية، أو في السرية كما في اختيار بعض المالكية وبعض الحنابلة، وأقوالهم كالتالي:\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nلا فرق عند الحنفية بين ترك الشَّدَّة من الفاتحة أو من غيرها؛ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم قراءة ما تيسر من القرآن، وقد سبق بحث المسألة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع الخطأ في القَدْرِ الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة.\nوالحكم في ترك الشدة عندهم كالحكم في الخطأ إذا وقع في الإعراب من نصب مرفوع، أو عكسه.\nقال ابن الهمام في فتح القدير: «ترك المد والتشديد كالخطأ في الإعراب» (^١).\nوقال في حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح: «الخطأ في الإعراب، ويدخل فيه تخفيف المشدد وعكسه (يعني: تشديد المخفف) ... إلخ» (^٢).\nوحكم الخطأ في الإعراب: إن تغير به المعنى فلهم قولان:\nالأول: مذهب المتقدمين:\nفقد ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ما يغير المعنى يفسد به الصلاة مطلقًا، سواء أكان اعتقاده كفرًا أم لا، كما لو قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء، وكما لو قرأ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) بتخفيف التشديد، وسواء أكان مثله في القرآن أم لا، حتى ولو كان ذلك في غير القرآن، كما\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٣٢٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٣٢).\n(^٢). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٣٩).","vol":"2","page":385},{"text":"لو مد همزة (أكبر) من قوله: الله أكبر.\nوقال أبو يوسف: «إن غير المعنى وكان مثله في القرآن لم تفسد به الصلاة.\nوإن كان لا يغير المعنى، فإن كان مثله في القرآن نحو: (إن المسلمون) لم تفسد به الصلاة باتفاق الأئمة الثلاثة.\nوإن كان لا يغير المعنى، وليس مثله في القرآن مثل: (قيامين بالقسط):\nفعند أبي حنيفة ومحمد: لا تفسد الصلاة به، وعند أبي يوسف تفسد.\nفالعبرة في الفساد وعدمه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد تغير المعنى تغيرًا فاحشًا، سواء أكان اللفظ موجودًا في القرآن أم لا.\nوعند أبي يوسف إن كان اللفظ نظيرُهُ موجودٌ في القرآن لم تفسد الصلاة به مطلقًا، سواء أتغير به المعنى تغيرًا فاحشًا أم لا، وإن لم يكن موجودًا في القرآن فتفسد مطلقًا، ولا يعتبر الإعرابُ أصلًا.\nهذا خلاصة مذهب المتقدمين وأخذ به بعض المتأخرين؛ لكونه أحوط» (^١).\nالثاني: مذهب أكثر المتأخرين من الحنفية كابن مقاتل ومحمد بن سلام وإسماعيل الزاهد وأبي بكر البلخي والهندواني وابن الفضل والحلواني إلى أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقًا، ولو كان اعتقاده كفرًا، وعلى هذا مشى في الخلاصة، فقال: وفي النوازل: لا تفسد في الكل، وبه يفتى.\nوحجتهم: أن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، ولأن اشتراط الصواب في الإعراب يوقع الناس في الحرج، وهو مرفوع شرعًا.\nومحل الاختلاف في الخطأ والنسيان، أما في العمد فتفسد به الصلاة مطلقًا إذا كان مما يفسد الصلاة، أما إذا كان ثناء فلا يفسد، ولو تعمد ذلك (^٢).\nالقول الثاني: مذهب المالكية:\nقالوا: إذا ترك منها الإمام أو المنفرد آية أو أقل أو أكثر أو تركها كلها سهوًا،\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٣٢٣)،.\n(^٢). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٢٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٦١)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٣٩).","vol":"2","page":386},{"text":"ولم يمكنه تلافي ذلك سجد للسهو، ولم تبطل صلاته، حتى على القول بوجوبها في كل ركعة، وظاهر المدونة أنه يعيد أبدًا احتياطًا، وهو ظاهر المذهب.\nوقيل: يعيد إذا تركها في ركعة من ثنائية أو في ركعتين من رباعية، وهذا مبني على أن الفاتحة تجب في أكثر الركعات إن كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية (^١).\nفإن لم يسجد للسهو، أو تركها عمدًا بطلت حتى على القول بأنها لا تجب في كل ركعة.\nوقيل: لا سجود عليه، لأن الأقل تبع للأكثر (^٢).\nالقول الثالث: مذهب الشافعية:\nالمصلي إن شدد حرفًا مخففًا أساء، وأجزأه، قال بعضهم: إلا إذا تغير المعنى وتعمد.\nوإن خفف المصلي حرفًا مشددًا من الفاتحة متعمدًا، ولو كان مأمومًا لم تَصِحَّ قراءته ولا صلاته؛ فإن لم يتعمد بطلت قراءة تلك الكلمة (^٣)، ولم تبطل صلاته.\n_________\n(^١). سبق لنا مذهب المالكية في وجوب الفاتحة، ولهم في وجوبها أربعة أقوال:\nفقيل: تجب في كل ركعة، وهو قول مالك في المدونة، وشهره ابن بشير، وابن الحاجب، وابن عبد الوهاب، وابن عبد البر، وهو أصح الأقوال في المذهب، وقال القرافي: هو ظاهر المذهب.\nوقيل: تجب في الجل، وسنة في الأقل، فتجب في اثنتين من الثلاثية، وفي ثلاث من الرباعية، وفي كل الركعات من الثنائية، وإليه رجع مالك.\nوهذان القولان مشهوران عند المالكية، وفيه قولان آخران:\nأحدهما: أنها تجب في ركعة، وسنة في الباقي. انظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨).\nالثاني: وقيل: واجبة في النصف، وسنة في الباقي.\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨، ٢٣٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣١١، ٣١٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣، ٢١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩) و(٢/ ١٠٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢٢١)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٦).\n(^٣). هذا تعبير الخطيب في مغني المحتاج (١/ ٣٥٥)، والشربيني في الإقناع (١/ ١٣٤)، وقال النووي في المجموع (٣/ ٣٩٢)، وفي الروضة (١/ ٢٤٢): (لم تصح قراءته) يقصد لتلك الكلمة، لا جملة القراءة، وقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ٣٢٦): (لم تصح صلاته) يقصد إذا لم يرجع ويصحح الخلل الذي دخل الفاتحة.\nقال في أسنى المطالب (١/ ١٥٠، ١٥١): (لو خفف) مع سلامة لسانه (حرفًا مشددًا من الفاتحة) ... (بطلت قراءته) لتلك الكلمة لتغييره النظم». فخص بالبطلان تلك الكلمة، ولم يعد البطلان على ما سبقها إن عاد قريبًا وقرأ الكلمة وما بعدها على الوجه الصحيح.","vol":"2","page":387},{"text":"فإن ذكر، وهو في الركعة رجع إليها، وأعادها على الصواب، وأعاد ما بعدها؛ ليكون على الولاء.\nفإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية، بطلت الأولى التي أخل فيها في قراءة الفاتحة، وحلت الثانية مكانها؛ لأن ترك الفاتحة أو بعضها ناسيًا كترك الركوع والسجود؛ ولأن كل حرف من الفاتحة ركن منها، وترك التشديدة كترك الحرف، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك، أعاد الصلاة (^١).\n* دليل الشافعية على هذا التفصيل:\nأقمنا في مسألة سابقة وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والشافعية يوجبون القراءة على المصلي ولو كان مأمومًا خلافًا للجمهور.\nفإذا وجبت الفاتحة وجبت جميع حروفها؛ لأن حروفها جزء منها، والجملة تنتفي بانتفاء جزء منها، فإذا شدد مخففًا فقد جاء بجميع حروف الفاتحة، إلا أنه أساء بالزيادة عليها، ولم تبطل صلاته.\nأما إن خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة فإنه قد نقص منها، فلم يبطل ما مضى منها لكونه جاء به على الصواب، وبطلت هذه الكلمة لإخلاله بحرف من حروفها، وبطلت قراءة ما بعده؛ لأن ما بعده لا يحتسب له، لأن كل قراءته بعدها في حكم المُلْغَى، فإن أمكن تلافيه بأن عاد قريبًا، فأعاد الكلمة على الصواب وأعاد ما بعده صحت صلاته، كما لو ترك سجودًا وتذكر قبل أن يصل إليه في الركعة الثانية فإنه يعود إليه.\nوإن ذكر في الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى، وحلت الثانية محلها.\nوإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد الصلاة؛ لأن طول\n_________\n(^١). قال أبو شجاع في تقويم النظر (١/ ٢٨٥): «نص الشافعي ﵁ أنه من ترك حرفًا في فاتحة الكتاب متعمدًا بطلت صلاته».\nالتهذيب للبغوي (٢/ ٩٦)، تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني (٢/ ٣٦، ٤٠)، نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي (١/ ٤٨٠)، بحر المذهب للروياني (٢/ ١٧٦)، مختصر المزني (ص: ١١١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٠٩، ٢٣٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٩)، الوسيط (٢/ ١١٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٥)، فتح القريب المجيب (ص: ٧٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٢، ٢٤٤).","vol":"2","page":388},{"text":"الفصل يمنع من البناء.\nوقال القاضي حسين: «ذكر الشافعي ﵀ أنه لو ترك حرفًا من أمر القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى، أما إذا افتتح سورة أخرى فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب» (^١).\nوجه قول القاضي حسين: «أنه لما أدخل في الفاتحة غيرها وجب استئنافها.\nوالأول أصح؛ قال الشافعي في الأم: «فإن جاء بها متوالية، لم يقدم منها مؤخرًا، وإنما أدخل بينها آية من غيرها أجزأت؛ لأنه قد جاء بها متوالية، وإنما أدخل بينها ما له قراءته في الصلاة، فلا يكون قاطعًا لها به، وإن وضعه غير موضعه، ولو عمد أن يقرأ منها شيئًا، ثم يقرأ قبل أن يكملها من القرآن غيرها كان هذا عملًا قطاعًا لها، وكان عليه أن يستأنف لا يجزيه غيرها، ولو غفل فقرأ ناسيًا من غيرها لم يكن عليه إعادة ما مضى منها؛ لأنه مَعْفُوٌّ له عن النسيان في الصلاة إذا أتى على الكمال» (^٢).\nوقال الشافعي في القديم: إذا نسي الفاتحة صحت صلاته، وجعل النسيان بمثابة إدراك المقتدي الإمام راكعًا، فإنه يصير مدركًا للركعة.\nواحتج بما يروى عن عمر ﵁ فإنه نسي القراءة في صلاة المغرب، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن، فقال: فلا بأس.\nقال إمام الحرمين: وهذا قول متروك، لا تفريع عليه، ولا يعتد به (^٣).\nالقول الرابع: مذهب الحنابلة:\nقال الحنابلة: إن ترك غير مأموم واحدة من تشديداتها، فإن كان قريبًا منها، أعاد الكلمة التي ترك وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها وبعد عنه بحيث يخل بالموالاة أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه واستئناف الفاتحة، لتركه حرفًا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم\n_________\n(^١). التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٩١٥).\n(^٢). الأم (١/ ١٢٠).\n(^٣). نهاية المطلب (٢/ ١٣٩)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٩٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":389},{"text":"مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على الكمال فلا إعادة قولًا واحدًا في المذهب (^١).\nفمذهب الحنابلة قائم على مراعاة الموالاة في قراءة الفاتحة بحيث يصل الكلمات بعضها ببعض.\nفإذا ترك الشدة فإن كان قريبًا منها بحيث لا يخل ذلك بالموالاة أعاد الكلمة التي وقع فيها الخلل وما بعدها، وصح له قراءة ما مضى، وأمكن البناء عليه.\nوإن فات محل الفاتحة وبعد عنه، بحيث أخل بالموالاة، فإن كان ما زال في الركعة في أي جزء منها لزمه العودة إلى القيام واستئناف الفاتحة؛ لأن ما وقع بعد ترك الشدة في حكم المُلْغَى، ولا يمكن البناء على ما قرأه من الفاتحة للإخلال بالموالاة، وإن شرع في قراءة الركعة الثانية فقد بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها.\nهذا هو حكم الأئمة الأربعة في ترك الشدة من الفاتحة، وخلاصته كالتالي:\nإذا خفف حرفًا مشددًا، فالحنفية لا يبطل الصلاة إذا لم يغير المعنى، فإن تغير المعنى بطلت، لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الفرض في القراءة، ولم يتعين في الفاتحة.\nوقيل: إن كان له مثل في القرآن ولو تغير المعنى لم تبطل، وإلا بطلت، وهو قول أبي يوسف باعتبار كأنه تكلم بكلمة من القرآن.\nوقيل: لا يبطل أبدًا؛ لأن تخفيف المشدد في حكم الخطأ في الإعراب، والتزامه الإعراب حرج، وعليه أكثر المتأخرين من الحنفية.\nوقال المالكية: إذا نسي آية أو أقل سهوًا مضى في صلاته، وسجد للسهو، وأعاد احتياطًا.\nوقال الشافعية والحنابلة: إذا خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة لزمه إعادة الكلمة إذا لم يخل بالموالاة، فإن أخل لزمه استئناف الفاتحة ما لم يَصِلْ إلى الركعة الثانية،\n_________\n(^١). حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (١/ ٢٩٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨، ١٨٩)، كشاف القناع (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (١/ ٤٢٩).","vol":"2","page":390},{"text":"وقال الحنابلة: ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها على خلاف بينهم في مسألتين:\nالأولى: قراءة الآيات من سورة أخرى لا يقطع الموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة فإن البعد عن الفاتحة عرفًا يقطع الموالاة.\nالثانية: لا فرق بين المأموم وغيره عند الشافعية في الحكم خلافًا للحنابلة، حيث لا يرون القراءة واجبة على المأموم.\nوقد علمت تعليلاتهم عند عرض أقوالهم.\n* الراجح:\nأميل إلى أن الركن هو قراءة الفاتحة، وليس كل حرف منها يعتبر ركنًا.\nقال البهوتي في كشاف القناع: «الفاتحة ركن واحد، محله القيام، لا أن كل حرف ركن» (^١).\nوقد قال الحنفية في الطواف إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا الأقل حكم الواجب، وليس حكم الركن، مع أن مسألتنا لم يأت في الأكثر فقط، بل أتى بعموم الفاتحة ولم يترك منها إلا شدة، فإذا تركها سهوًا وكان المعنى لم يتغير لم تبطل الصلاة بتركه وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وقول القاضي أبي يعلى من الحنابلة، وقول قديم للشافعية، وهو أقوى من قول المالكية الذين يرون أن ترك الآية سهوًا لا يبطل الصلاة، وأما إن غير المعنى فالقول بالبطلان أحوط والجزم ببطلان الصلاة بترك شدة منها قول شديد يحتاج إلى برهان قوي يذهب فيه المفتي إلى إفساد العبادة، والأصل عدم البطلان، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). كشاف القناع (١/ ٣٣٨).","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المسألة الثانية في اشتراط الموالاة في قراءة الفاتحة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الموالاة: أن يصل كلمات الفاتحة بعضها ببعض، ولا يفصل بينها بفاصل طويل عرفًا، وقيل: بما زاد على قدر التنفس، وقيل: أن يسكت سكوتًا يشعر مثله بأن القراءة قد انقطعت، وهو قريب من الأول.\n* كل ما لا حد له في الشرع فإنه يرجع في حده إلى العرف، ولا يجوز التقدير بالتحكم.\n* الوقف المشروع في آي القرآن لا يقطع الموالاة، وهو زائد على قدر التنفس.\n* الفاصل اليسير بين المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء، والإيجاب والقبول، والاستثناء في الكلام، لا يخل بالموالاة، والضابط في الموالاة يختلف من مسألة إلى أخرى، والاتصال المعتبر في كلام الشخصين أوسع منه في كلام الشخص الواحد، والعبادات التي يبنى آخرها على أولها أضيق من العبادة التي ليست كذلك.\n* العذر الشرعي لا يخل بالموالاة ولو فارق محل القراءة كما في سجود التلاوة، وقياسًا على قطع الطواف للصلاة المكتوبة والبناء عليه.\n* قطع القراءة إذا أشعر بالإعراض عنها فهو مبطل للموالاة إلا أن يكون معذورًا.\n* اليسير لا يبطل الموالاة في قراءة الفاتحة قياسًا على كلمات الأذان إذا تخلله كلام يسير في أصح القولين.\n* ما كان لمصلحة الصلاة فلا يقطع الموالاة كما في حديث ذي اليدين، فقد سَلَّم النبي ﷺ من الصلاة وانصرف عن القبلة، وتكلم مع المصلين، وبنى على صلاته.\n* كل مأمور به أسقطه الفقهاء بالنسيان فهو دليل على ضعف مأخذ الوجوب","vol":"2","page":392},{"text":"عندهم، وأن منزع القول بالوجوب هو الاحتياط، بخلاف ما كان من باب المنهيات فإنها تسقط بالنسيان على الصحيح.\n* الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة ولا يبطل الصلاة ما دام في الركعة، فإن وصل إلى الركعة التالية بطلت الركعة دون الصلاة، فإن فارق العبادة مع قرب الفصل أتى بركعة وبنى، فإن طال الفصل أعاد الصلاة.\n* المواظبة على الفعل لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية.\n[م-٥٤٠] اشتراط الموالاة بين كلمات الفاتحة لا يتنزل على مذهب الحنفية: لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم يتأدى بقراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة، وهو رواية عن أحمد، فلا يتصور وجوب الموالاة في مذهبهم (^١).\nولا يتنزل أيضًا على مذهب المالكية؛ لأن نسيان الفاتحة كلها لا يبطل الصلاة عندهم، فإذا نسي الفاتحة، ولم يكن بالإمكان تلافي ذلك بأن ركع قبل أن يتذكر ذلك، فإنه لا يعود، بل يمضي في ركعته، وصلاته صحيحة، ويسجد للسهو، ويعيدها احتياطًا على الأشهر (^٢).\nولم يتفرد المالكية بهذا القول فقد وافقهم الشافعي في القديم: فقال: لو ترك الفاتحة ناسيًا لم يضر؛ لأن النسيان عذر كالسبق خلافًا للجديد من قوليه (^٣).\n_________\n(^١). عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٧) المحيط البرهاني (١/ ٢٩٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٥، ٢٢٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٢): «وعنه: تكفي آية من غيرها (وهـ) -يعني وفاقًا لأبي حنفية- وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة». وانظر: المبدع (١/ ٣٨٥)، الإنصاف (٢/ ١١٢).\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨، ٢٣٩)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣١١، ٣١٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣، ٢١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩) و(٢/ ١٠٢)، الفواكه الدواني (١/ ٢٢١)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٤٦).\n(^٣). الوسيط للغزالي (٢/ ١١٧).","vol":"2","page":393},{"text":"وهذا من عجيب القول، أن تكون قراءة الفاتحة ركنًا، ثم تسقط بالنسيان، وصلاته صحيحة، ويمضي فيها، وكون العبادة تعاد مع الحكم بصحتها عند المالكية، فهذا من مفردات المذهب المالكي، وقد تمت مناقشته عند الكلام على شروط الصلاة، فانظره هناك يا رعاك الله.\nبقي بحث هذا الشرط معتبرًا عند الشافعية والحنابلة، وقد توجه المذهبان في الكلام على هذا الشرط بشيء من التفصيل، ودراسة هذه المسألة ستكون مقصورة على كلام المذهبين إن شاء الله تعالى.\nفقد نص الشافعية والحنابلة على أن المولاة بين كلمات الفاتحة شرط في صحة القراءة، وأن الإخلال بالموالاة يوجب استئناف الفاتحة (^١).\n* دليلهم على الشرطية:\nأن النبي ﷺ كان يقرأ الفاتحة مرتبة متوالية، ولم يُخِلَّ بذلك، فلوكان الإخلال بالمولاة جائزًا لفعل ذلك ولو مرة واحدة لبيان الجواز، وقد قال النبي ﷺ في حديث مالك بن الحويرث في البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي.\n* ونوقش الاستدلال:\nبأن هذا الدليل لا يكفي للقول بأن الموالاة شرط، فالاستدلال به على الوجوب قد ينازع فيه، فضلًا على القول بالشرطية؛ لأن الاستدلال بالفعل يدل على المشروعية، وأما الوجوب فيحتاج للقول به أكثر من الفعل، فضلًا عن القول بالشرطية، فالنبي ﷺ كان يواظب على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، ولا يجبان على الصحيح.\nوأما الجمع بين الفعل وبين قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليخرج الحكم مركبًا من دليلين فهذا المنزع ضعيف الدلالة، فصلاة النبي ﷺ مشتملة على سنن وأركان وواجبات، ولم تكن صلاته مقتصرة على الواجبات فقط، فلا يمكن الاستدلال بهذا الفعل العام المشتمل على هيئات وأقوال وأفعال أحكامها مختلفة\n_________\n(^١). نهاية المحتاج (١/ ٤٨٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٣)، المجموع (٣/ ٣٥٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٢٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٠).","vol":"2","page":394},{"text":"على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي ﷺ تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل آخر يتضمن انتفاء العبادة بانتفاء الفعل، كما قال ﷺ: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، والله أعلم.\nهذا فيما يتعلق بالاستدلال على اشتراط الموالاة:\nوقطع الموالاة يقع إما بالنية، وإما بالسكوت، وإما بذكر يتخلل قراءة الفاتحة، وهذه الأمور قد تقع سهوًا وقد تقع عمدًا، وتأثير هذه الأفعال على الموالاة على النحو التالي:\n* الإخلال بالموالاة سهوًا:\nإذا أَخَلَّ بالموالاة ناسيًا لم يضره مطلقًا؛ سواء أخل بالموالاة بسكوت، أم بقراءة غير الفاتحة في أثنائها، نص عليه في الأم، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة، بخلاف ما لو ترك الفاتحة سهوًا فإنه يضره؛ لأن الموالاة صفة، والقراءة أصل (^١).\nوللشافعي قولان في ترك الفاتحة ناسيًا، القديم: لا يضره، خلافًا للجديد.\nومال إمام الحرمين، والغزالي، إلى أن الموالاة تنقطع بالنسيان إذا قلنا: لا يعذر به في ترك الفاتحة، وهذا أقيس (^٢).\nوقال بعض الحنابلة: لا يعفى عن النسيان (^٣).\nقال النووي: «وأما ترك الموالاة ناسيًا، فالصحيح الذي اتفق عليه الجمهور، ونقلوه عن نص الشافعي ﵀: أنه لا يضر، وله البناء، سواء قلنا: يعذر بترك الفاتحة ناسيًا، أم لا» (^٤).\n* وجه هذا القول:\nأن النسيان عذر، وقياسًا على ترك الموالاة في أركان الصلاة كما لو طوَّل ركنًا\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، المجموع (٣/ ٣٥٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧)، الإنصاف (٢/ ٥٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩)، كشاف القناع (١/ ٣٣٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٠).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٥٠).\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":395},{"text":"قصيرًا ناسيًا لم يضره.\n* ويناقش:\nإذا كانت الموالاة شرطًا، وكانت من المأمورات الشرعية، فكيف تسقط بالنسيان، فالمأمورات كالوضوء والغسل لا تسقط بالنسيان بالاتفاق، بخلاف المنهيات كاجتناب النجاسة، فإنها تسقط بالنسيان، فالراجح أن كل مأمور قال فيه الفقهاء يسقط بالنسيان، إما أن يكون القول بسقوطه ضعيفًا، وإما أن يكون هذا دليلًا على ضعف مأخذ الوجوب عندهم، فهم يحتاطون من الناحيتين فيقولون بوجوبه قبل الفعل، ويسقطونه بالنسيان لعدم الجزم بالوجوب، وذلك كقول الحنابلة عن التسمية في الوضوء: تجب بالذكر، وتسقط بالنسيان.\nوكقول الأئمة الأربعة عن سقوط الترتيب بين الفوائت بالنسيان.\nوكاشتراط التسمية على الذبيحة، فالمالكية والحنابلة وبعض الفقهاء أسقطوا التسمية بالنسيان مع قولهم بوجوبها، وهي من المأمورات.\nوقد نقلت كلام الفقهاء في هذه المسألة عند الكلام على سقوط ترتيب الفوائت بالنسيان فارجع إليه.\nوقد يقال: إن النسيان يرفع الإثم، وهو حكم تكليفي، وأما الصحة والفساد فهي من الأحكام الوضعية، فإذا ثبت القول بأن الموالاة شرط، فإن قطع الموالاة بالنسيان يوجب استئناف الفاتحة، وإن ذهبنا إلى أن النسيان لا يخل بالموالاة فهو أمارة على ضعف القول باشتراط الموالاة، والله أعلم.\n* الإخلال بالموالاة بالسكوت:\nإذا نوى قطع القراءة، ولم يسكت لم تبطل قراءته بلا خلاف عند الشافعية، نص عليه في الأم، واتفق الأصحاب عليه، وبه قال الحنابلة (^١).\n* وجه هذا القول:\nقال في الأم: لأنه حديث نفس، وهو معفو عنه.\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٥٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧)، الشرح الممتع على المقنع للتنوخي (١/ ٣٥٠).","vol":"2","page":396},{"text":"ولأن القراءة باللسان فلم تنقطع بالنية، ولأن فعله مخالف لنيته.\nفإن قيل: قد قلتم: إنه إذا نوى في أثناء الصلاة قطع الصلاة انقطعت، فما الفرق؟\nقال الشافعية: الصلاة من شرطها النية، فإذا أفسد نيته أفسد صلاته، والقراءة لا تشترط لها النية، فإذا قطع النية لم تفسد القراءة.\nوأما تأثير السكوت الطويل غير المشروع على الإخلال بالموالاة:\nفالأصح في مذهب الشافعية وهو مذهب الحنابلة أن السكوت الطويل غير المشروع يقطع الموالاة مطلقًا سواء أكان معه نية القطع، أم لا (^١).\nوجهه: أن السكوت الطويل يشعر بقطع القراءة، والإعراض عنها.\nواختار العراقيون من الشافعية أنه إذا لم يَنْوِ بِهِ قطع القراءة فلا يقطع الموالاة، ولو كان طويلًا، ورجحه المحب الطبري في التعليقة الكبرى، ووصفه النووي بالقول الشاذ\nفي الروضة (^٢).\nوقال عنه في المجموع: «ليس بشيء، والموجود في كتب العراقيين وجوب الاستئناف» (^٣).\nلكن قال المحب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع: «إن سكت في أثناء الفاتحة سكوتًا طويلًا لا ينوي به قطع القراءة، أو ارتج عليه .... فإنه لا يضره، ويبني على قراءته» (^٤).\nقال إمام الحرمين في نهاية المطلب: «وذكر العراقيون وجهًا أَنَّ تَرْكَ الموالاة\n_________\n(^١). منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، المجموع (٣/ ٣٥٧)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٥)، فتح العزيز (٣/ ٣٢٨)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٠، ١٤١)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٠٨)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٨٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٧)، الإنصاف (٢/ ٥٠)، المبدع (١/ ٣٨٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^٢). نهاية المطلب (٢/ ١٤٠)، الوسيط للغزالي (٢/ ١١٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٢٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٣).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٥٧).\n(^٤). التعليقة الكبرى للمحب الطبري حقق في رسائل علمية لم تطبع بعد، أحدها يبدأ من صفة الصلاة إلى إمامة المرأة (ص: ٢٨٣).","vol":"2","page":397},{"text":"بالسكوت الطويل قصدًا عمدًا لا يبطل القراءة، وهذا مزيف متروك، وإن كان لا يبعد توجيهه» (^١).\nوأما السكوت اليسير دون نية القطع: فلا يقطع الموالاة قولًا واحدًا في مذهب الشافعية (^٢).\nقال النووي: «وإن قصرت مدة السكوت لم يؤثر بلا خلاف» (^٣).\nلأن اليسير مغتفر، ولا يسلم منه أحد، ولا يبدو منه الإعراض عن القراءة.\nواختار القاضي أبو يعلى من الحنابلة أنه يلزمه استئناف الفاتحة بالسكوت، ولوكان يسيرًا (^٤).\n* وأما السكوت المصحوب بنية القطع:\nفإن كان السكوت طويلًا انقطعت الموالاة بلا خلاف، ووجب عليه استئناف القراءة، وإن كان يسيرًا بطلت في الأصح المشهور؛ لتأثير الفعل مع النية.\nوفيه وجه عند الشافعية: أنها لا تبطل، حكاه صاحب الحاوي وغيره؛ لأن النية بمفردها لا تؤثر، والسكوت اليسير وحده لا يؤثر، فكذا إذا اجتمعا (^٥).\nواختار الحنابلة أن السكوت اليسير لا يقطع مطلقًا، سواء أَنَوَى قطعها أم لا (^٦).\n* الإخلال بالموالاة بذكر يتخلل قراءة الفاتحة:\nإذا أتى المصلي بذكر في أثناء قراءة الفاتحة فإن كان مشروعًا يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمينه لقراءة إمامه، وسجوده لتلاوته، واستماع قراءة الإمام، وفتحه عليه\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٤٠).\n(^٢). منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٥)، فتح العزيز (٣/ ٣٢٨)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٠، ١٤١)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٠٨)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ٨٧)، المجموع (٣/ ٣٥٧).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٥٧).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٥٠).\n(^٥). فتح العزيز (٣/ ٣٢٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، المجموع (٣/ ٣٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٤١).\n(^٦). المبدع (١/ ٣٨٧)، الإقناع (١/ ١١٦).","vol":"2","page":398},{"text":"القراءة، فلا يقطع الموالاة وإن طال، وهذا هو الأصح عند الشافعية ومذهب الحنابلة (^١).\nلأن مثل هذه الأذكار مأمور بها شرعًا، وتعود لمصلحة الصلاة فلا تبطل بها الموالاة، كما لا تبطل الموالاة بالطواف والسعي إذا أقيمت المكتوبة، وكما لم تبطل الصلاة بما وقع للنبي ﷺ في حديث ذي اليدين من الكلام، والقيام والمشي، ومثل ذلك يبطل الصلاة لولا أن ذلك كان لعذر، ولمصلحة الصلاة.\nوقيل: تبطل الصلاة إذا تخللها ذكر مطلقًا، حتى ولو كان مشروعًا، فلو أمن المأموم على قراءة إمامه في أثناء قراءته الفاتحة انقطعت الموالاة، وهو وجه مرجوح عند الشافعية (^٢).\nقال ابن حجر: «مطلق أمر المأموم بالتأمين أنه يؤمن، ولو كان مشتغلًا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة على وجهين، أصحهما: لا تنقطع؛ لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس، والله أعلم» (^٣).\nوإن كان الذكر أجنبيًّا عن الصلاة:\nفقال الشافعية يقطع الموالاة وإن قَلَّ، كما لو عطس، فحمد الله، أو أجاب المؤذن، أو سبح للداخل؛ وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافها؛ لوجوب الموالاة فيها (^٤).\nوجهه: أن الاشتغال به يوهم الإعراض عن القراءة.\nوقال الحنابلة: إن كان الذكر يسيرًا فلا يقطع الموالاة مطلقًا؛ سواء أكان دعاء\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، طرح التثريب (٢/ ٢٦٩)، الجمع والفرق (٣٥٧)، القواعد للحصني (٣/ ١٥٣، ١٥٤)، نهاية المطلب (٢/ ١٤٢)، المبدع (١/ ٣٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩)، الإقناع (١/ ١١٦)، كشاف القناع (١/ ٣٣٨).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٦٤)، طرح التثريب (٢/ ٢٦٩)،.\n(^٣). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٦٤).\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، نهاية المطلب (٢/ ١٤١)، تحفة المحتاج (٢/ ٤١)، المبدع (١/ ٣٨٧)، الممتع شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٥٠).","vol":"2","page":399},{"text":"أم قرآنًا أم غيرهما؛ ولو كان غير مشروع؛ لعدم الإخلال بنظمها (^١).\nومذهب الحنابلة أصح؛ لأن اليسير في الشريعة معفو عنه في الجملة ما لم يرد نص يقضي بعدم العفو.\nولأن الذكر والدعاء مشروع جنسهما في الصلاة بالجملة.\nولأن الفاصل اليسير لا يشعر بالإعراض عن القراءة وقطعها، وإذا كان الكثير منه -إذا وقع سهوًا- مَعْفُوًّا عنه عند الشافعية والحنابلة فتعمُّدُ قليلِهِ لا يضر؛ لأن بطلان القراءة حكم وضعي، والسهو يرفع الحكم التكليفي وهو الإثم، وأما الصحة والفساد فلا تلازم بينهما، فلما حكموا بأن الذكر الكثير سَهْوًا لا يخل بالموالاة، والصلاة صحيحة، فلا يتصور أن الذكر اليسير يفسد الموالاة، ولو وقع عمدًا، والله أعلم.\nهذا تفصيل المسألة عند الشافعية والحنابلة، وواضح أن هناك توافقًا في أكثر التفريعات بين المذهبين، وقدر الاختلاف بينهما يسير جدَّا، فدعنا نذكر ما يتوافقان عليه، وما يختلفان فيه حتى يسهل تصوره:\nيتفق الشافعية في المشهور والحنابلة:\nأن المصلي إذا ترك الموالاة سهوًا لم يضره، سواء أكان ذلك بسكوت، أم قراءة قرآن، أم ذكر، أم دعاء، أم غير ذلك.\nكما يتفقان على أن ترك الموالاة من أجل مصلحة الصلاة لا يقطع الموالاة، كالتأمين، وسجود التلاوة، ونحوها، وسؤال الرحمة عند آية الرحمة ونحو ذلك.\nكما يتفقان أن نية القطع وحدها إذا استمر بالقراءة لا تقطع الموالاة.\nوأن السكوت اليسير إذا لم يكن معه نية القطع لا يقطع الموالاة.\nهذه الفروع التي يتفقان عليها فيما لا يقطع الموالاة.\nكما يتفقان أن السكوت الطويل، والذكر الكثير غير المشروع يقطع الموالاة.\nويختلفان في مسألتين:\nفي السكوت اليسير إذا كان معه نية القطع، فهو يخل بالموالاة عند الشافعية\n_________\n(^١). الإقناع (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ٣٨٧)، كشاف القناع (١/ ٣٣٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).","vol":"2","page":400},{"text":"خلافًا للحنابلة.\nوالذكر الأجنبي إذا كان يسيرًا فهو يخل بالموالاة عند الشافعية خلافًا للحنابلة.\n* الراجح:\nدليل الشافعية والحنابلة على اشتراط الموالاة ليس بالقوة؛ لأنهم استدلوا على مواظبة النبي ﷺ على هذا الفعل، وأنه قال ﷺ لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي وقد ناقشت هذا الدليل فيما سبق، وأن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب فضلًا عن الشرطية، ويمكن الاستدلال على وجوب الموالاة بطريقتين:\nإحداهما: أن يقال: إن العبادة الواجبة إذا وردت على صفة معينة كانت هذه الصفة واجبة فيها؛ فكأن الأمر بقراءة الفاتحة من المجمل لكونه يصدق على قراءتها متوالية ومفرقة، فإذا جاء الفعل ووقع متواليًا، وواظب النبي ﷺ على ذلك كان هذا الفعل بيانًا لذلك المجمل، فتكون الصفة لها حكم المجمل، فإذا غير المصلي هذه الصفة فقد أخل بالصفة الواجبة لها، فلم تبرأ ذمته؛ ولم يُؤَدِّ المطلوب منه، وقد قال النبي ﷺ: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nالطريقة الثانية في الاستدلال: أن يقال: إن العبادة كما أنها توقيفية، والأصل فيها المنع، فكذلك صفتها الأصل أنها توقيفية، ومن أراد أن يحدث صفة في العبادة فعليه الدليل، وإنما تلقينا صفة قراءة الفاتحة متوالية، فمن فرقها بلا سبب، ولا عذر شرعي فقد أحدث، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، فالاستدلال بهذه الطريقة أجود من الناحية الأصولية من الاستدلال بمجرد الفعل.\nهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن آيات الفاتحة يبنى بعضها على بعض، فتفريقها ليس ممكنًا؛ وهكذا كل آيات يرتبط بعضها ببعض يؤثر تفريقها، لأن اتصالها مطلوب، فالآيات الثلاث الأولى تتبع بعضها بالإعراب فقوله تعالى: (مالك يوم الدين) فلفظ مالك مجرور على التبعية للفظ الجلالة في الآية الأولى، وكذلك قوله: (الرحمن الرحيم) مجرور على التبعية كذلك، فلا يمكن تفريق التوابع عن بعضها، والآية الخامسة إلى آخر الآية هي جملة واحدة مشتملة على دعاء، وفيها استثناء المغضوب عليهم والضالين، فلا يتصور تفريقها؛ لأنه تفريق","vol":"2","page":401},{"text":"بين المستثنى والمستنثى منه، بقي آية واحدة مستقلة بمعناها: وهي إياك نعبد وإياك نستعين.\nفإذا علمنا أن ثلاث الآياتِ الأولى هي ثناء على الله ومقدمة للدعاء، وأن من آداب الدعاء المطلوبة، ومن أسباب استجابته أن يتقدم الدعاءَ ثناءٌ وتمجيدٌ لله، كان ارتباط آخر الآية بأولها مطلوبًا من حيث المعنى، وكان تفريق ثناء الدعاء عن الدعاء إخلالًا بالمقصود شرعًا، حتى قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين توسل إلى الله بعبادته ليكون سببًا في استجابة ما يليه من الدعاء، ولهذا كانت قراءة ما زاد على الفاتحة لا يشترط له الموالاة إذا كان لا يخل بالمعنى على الصحيح، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة الثالثة في تنكيس القراءة</span>\nالمطلب الأول في تنكيس آيات الفاتحة\n\nالمدخل إلى المسألة:\n* ترتيب الآيات توقيفي بالإجماع، فلا مجال للاجتهاد فيه.\n* ترتيب الآيات واجب للتلاوة، لا فرق فيه بين الصلاة وخارجها، ولا بين الفرض والنفل، ولا بين الفاتحة وغيرها.\n* قراءة الصلاة قراءة واحدة، فتنكيس الآيات لا فرق فيه بين وقوعه في ركعة واحدة أو وقوعه في ركعتين.\n* وجوب تلاوة الفاتحة مرتبةً مختصٌ بالصلاة، وإن وجب الترتيب للتلاوة، والضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كستر العورة.\n* الإخلال بترتيب الآيات مبطل للقراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها كالفاتحة، وهل ترك الترتيب عمدًا يبطل الصلاة؛ لتركه واجبًا مختصًّا بالصلاة؟\n* الإخلال بترتيب الآيات إذا وقع عمدًا، وتغير به المعنى أبطل الصلاة.\n[م-٥٤١] ترتيب الكلمات والآيات في السورة ثبت بالنص فهو توقيفي بالإجماع (^١).\n_________\n(^١). قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٥٦): «... فأما الآيات في كل سورة ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تنكيسها».\nويقول السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢١١): «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين». وانظر: مناهل العرفان (١/ ٣٤٦)، ومباحث في علوم القرآن. د. صبحي الصالح (ص: ٧٠)، وللشيخ مناع القطان (ص: ١٤٠).","vol":"2","page":403},{"text":"وترتيب السور ثبت باجتهاد الصحابة في أصح قولي أهل العلم، وهو قول الجمهور (^١)، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة، وهل توافُقُ الصحابةِ على ترتيب المصحف زمن عثمان يرفع الخلاف؟ الصحيح: لا، ولكن اتفاقهم يجعل هذا الترتيب مقدمًا على غيره، لا ناسخًا لغيره، وبحث مثل هذا في علوم القرآن، إلا أن لهذا الخلاف أثرًا فقهيًّا في حكم تنكيس الكلمات والآيات والسور في قراءة الصلاة، وهو الذي يعنينا في صفة الصلاة.\n[م-٥٤٢] وقد اتفق العلماء على تحريم تنكيس حروف القرآن، وكلماته وأنه يبطل الصلاة عمده وسهوه؛ لأنه يختل لفظًا ومعنى ويصبح كلامًا أجنبيًّا عن القرآن، ولو فعل هذا في كلام البشر لأصبح من التحريف والتبديل لمراد المتكلم فيكف مع كلام الله ﷾، والذي توقيره من توقير الله، والفرق بين كلام الله وكلام البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق (^٢).\nقال ابن رجب: «وتنكيس الكلمات محرم، مبطل للصلاة اتفاقًا» (^٣).\nوقال ابن مفلح: وتنكيس الكلمات محرم مبطل (و) (^٤)، أي: وفاقًا للأئمة، ولم يرمز بحرف (ع) الدال على الإجماع، فتأمل، وكلام ابن مفلح يندرج في كلام\n_________\n(^١). حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، تفسير القرطبي (١/ ٦١)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٢٥)، كشاف القناع (١/ ٣٤٤)، المبدع (١/ ٤٣٣)، الإقناع (١/ ١١٩)، منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٧).\n(^٢). الجمع والفرق لإمام الحرمين (١/ ٣٨٠)، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: ١٧٢)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، كشاف القناع (١/ ٣٤٤)، الفروع (٢/ ١٨٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٧).\n(^٣). تفسير سورة الفاتحة لابن رجب (ص: ٢٢).\n(^٤). الفروع (٢/ ١٨٣).","vol":"2","page":404},{"text":"ابن رجب، ومع ابن رجب زيادة علم، فتقبل، ولم أقف على ما يخرقه، والنظر دال عليه.\n[م-٥٤٣] واختلفوا في تنكيس آيات القرآن:\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nيكره تنكيس الآيات في صلاة الفرض دون النفل، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة أم وقع في ركعتين (^١).\nوالأصل في الكراهة إذا أطلقها الحنفية أنهم يريدون بها كراهة التحريم، ولم أجد من نص على ذلك، ويحتمل أنهم أرادوا الكراهة التنزيهية؛ لتفريقهم بين الفرض والنفل، فلو كانت الكراهة تحريمية في الفرض لاحتاج القول في إباحته في النفل إلى نص ينقل المحرم إلى الإباحة، بخلاف ما كان مكروهًا في الفرض فقد يتوسع فيه في النفل، فتأمل.\nوقولهم: (تنكيس الآيات) إطلاق الآيات ظاهره أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها؛ لأن الركن عندهم القراءة، ولا تتعين في الفاتحة كما سبق تقريره.\nوإطلاق التنكيس ظاهره أنه لا فرق عند الحنفية بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وهوما يمكن تسميته تنكيس جملة آيات من السورة بالنسبة إلى جملة آيات أخرى، كما لو ابتدأ بالنصف الأخير من السورة، فقرأه مرتبًا، ثم قرأ النصف الأول من السورة مرتبًا، فهذا لا يدخل في تنكيس السورة آية آية، وإنما يدخل في تنكيس جملة آيات بالنسبة لجملة أخرى، وهو مكروه عندهم أيضًا، ولهذا الحنفية لا يفرقون في الكراهة بين تنكيس الآيات وتنكيس السور، وتنكيس السور هو تنكيس جملة آيات بالنسبة إلى جملة آيات أخرى. والله أعلم.\nولا فرق عند الحنفية بين أن يكون التنكيس وقع في ركعة واحدة، أو أن التنكيس كان بالنسبة لقراءة الركعة الثانية، فهو داخل ضمن التنكيس المكروه.\n* وجه القول بالكراهة عند الحنفية:\nيظهر والله أعلم أن الحنفية لم يذهبوا إلى تحريم التنكيس لسببين:\n_________\n(^١). الفتاوى الهندية (١/ ٧٨)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٥)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٧).","vol":"2","page":405},{"text":"أحدهما: أن فرض القراءة يتحقق عندهم بقراء آية واحدة، فإذا قرأ آية واحدة طويلة كانت أو قصيرة فقد تحقق الركن عندهم، فالتنكيس يقع في قدر زائد على القراءة المفروضة.\n* ويناقش:\nهذا يصح الاستدلال به للحنفية لو أن الحنفية يرون أن الفاتحة تتعين للقيام بفرض القراءة، فإذا وقع التنكيس خارج الفاتحة قيل وقع في القدر المستحب، وهو متميز عن القدر الواجب، أما إذا كان فرض القراءة عندهم لا يتعين في سورة بعينها، بل الفرض يتأدى في مقدار آية واحدة غير معينة، وكانت القراءة منها ما هو فرض، ومنها ما هو مستحب، واتصل الفرض بالمستحب على وجه لا يتعين هذا من هذا، فالجميعها يأخذ حكم الواجب، فلا يصح هذا الاستدلال.\nالثاني: مما يجعل التنكيس مكروهًا، أن النهي عن التنكيس ليس لذات الصلاة، بل لأن ترتيب الآيات حق التلاوة (^١)، وإذا عاد النهي لمعنى لا يختص بالصلاة لم يكن محرمًا، والله أعلم.\n* أما وجه كراهة تنكيس قراءة آيات الركعة الثانية بالنسبة لقراءة الركعة الأولى:\nفيرى الحنفية أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، فالقراءة في الركعة الثانية جزء متمم للقراءة في الركعة الأولى، ولهذا لا يستحبون التعوذ في الركعة الثانية، وإذا كانت القراءة في الركعتين في حكم القراءة الواحدة كان التنكيس مكروهًا مطلقًا، سواء أوقع ذلك في ركعة واحدة، أم وقع ذلك في ركعتين.\n* أما وجه اختصاص الكراهة بالفرض دون النفل:\nفنقل ابن عابدين عن بعض الحنفية توجيه جوازه في النفل دون الفرض: بأن النفل لاتساع بابه نُزِّلت كل ركعة منه فعلًا مستقلًّا، فيكون كما لو قرأ إنسان سورة، ثم سكت، ثم قرأ ما فوقها فلا كراهة فيه (^٢).\nوهذا التوجيه ليس بوجيه، ذلك أن الحنفية نصوا على أن القراءة على الترتيب\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٧).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٧).","vol":"2","page":406},{"text":"من واجبات القراءة، فيلزم من ذلك أن حكم القراءة خارج الصلاة حكمها داخل الصلاة، فلا يتوجه فرق بين الفرض والنفل (^١).\nالقول الثاني: مذهب المالكية:\nيحرم تنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة، وظاهره مطلقًا في الفرض والنفل، أما إن قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأولى فهذا من التنكيس المكروه، سواء أكان ذلك في ركعة أم في ركعتين، وهذا مذهب المالكية (^٢).\nقال الزرقاني في شرح خليل: «ومن التنكيس المكروه: قراءة نصف سورة أخير، ثم نصفها الأول، كل ذلك في ركعة أو ركعتين، ولا تبطل الصلاة» (^٣).\nويفارق مذهب المالكية مذهب الحنفية بالأمور التالية:\nالأول: عدم التفريق بين الفرض والنفل خلافًا للحنفية.\nالثاني: تقييد النهي عن التنكيس في الركعة الواحدة، لأن لكل ركعة قراءة مستقلة؛ خلافًا للحنفية حيث يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة.\nالثالث: تقسيمهم التنكيس إلى محرم مبطل للصلاة مطلقًا، ومكروه.\nفالمحرم: هو تنكيس القراءة كلها، فيبدأ من آخر آية صعودًا إلى أولها.\nقال القاضي عياض: «ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ» (^٤).\nوعلل التحريم الدسوقي بقوله: «وحرم تنكيس الآيات المتلاصقة في ركعة واحدة، وأبطل الصلاة؛ لأنه ككلام أجنبي» (^٥).\nوقال بعضهم: لأن فيه خروجًا بالكلام عن هيئة القرآن (^٦).\n_________\n(^١). المرجع السابق.\n(^٢). الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: ١١٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٢٥)، تفسير القرطبي (١/ ٦١).\n(^٣). شرح الزرقاني (١/ ٣٥٩).\n(^٤). فتح الباري (٩/ ٤٠)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٦٢).\n(^٥). حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢).\n(^٦). ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٥٠).","vol":"2","page":407},{"text":"فكل ما أَخَلَّ بنظم الآيات، وخالف التوقيف المتلقى من الوحي، فهو محرم، وقد تكون الآية الثانية جزءًا متممًا للآية التي قبلها، فيفسد المعنى، وهو كثير في القرآن.\nوأما التنكيس المكروه: فهو كما لو قَسَّم قراءة السورة، فقرأ من السورة مرتبة نصفها الأخير، ثم قرأ من نفس السورة مرتبة نصفها الأول، فهذا التنكيس مكروه مطلقًا عندهم، سواء أكان في ركعة واحدة أم في ركعتين.\nوإنما لم يحرم؛ لأن القراءة لم تخالف الترتيب التوقيفي المُنَزَّل على الرسول ﷺ؛ ولأنه يشبه تنكيس السور، فكأن النصف الأخير سورة مستقلة، والنصف الأول سورة مستقلة، فلم يخل بنظم القرآن، ولم يخرج القرآن عن هيئته، فكان حكمه حكم تنكيس السور عندهم.\nولماذا كره مع سلامة المعنى، وسلامة الترتيب؟\nفيجاب: بأن هذه الصفة لم تنقل.\nفإن قيل: إذا لم تنقل، فلماذا لم تحرم؛ لأن صفة العبادة بمنزلة العبادة؟\nفيقال في الجواب: إن الله ﷾ قد قال: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فتدخل هذه الصفة في الامتثال في الجملة.\nوقال ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. (^١).\nفلم تحرم هذه الصفة احتياطًا للعبادة، وكرهت لكونها لم تنقل، والله أعلم.\nوقد يناقش هذا:\nبأننا لو نزلنا قراءة الركعة الثانية بالنسبة للركعة الأولى بمنزلة تنكيس السور، فما الجواب عن ذلك إذا وقع مثل هذا التنكيس في ركعة واحدة، والحكم واحد عند المالكية، فإذا وقع في ركعة واحدة فقد اختل الترتيب التوقيفي في آخر آية من النصف الأخير مع أول آية من النصف الأول حين ينتقل إليها، ولا فرق في النهي أن يقع التنكيس مرة واحدة في آيتين، أو يقع مرارًا مع كل الآيات، فهذه صورة من صور التنكيس المحرم، فلماذا كان مكروهًا؟\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"2","page":408},{"text":"* ويجاب:\nإذا كان يمكن لنا أن نجيب نيابة عن المالكية فربما يمكن القول بأحد جوابين:\nالجواب الأول:\nأن يقال: إن النظر في التنكيس إلى آخر آية من النصف الأخير بالنسبة إلى أول آية من النصف الأول يقع كذلك في تنكيس السور، فالرسول ﷺ عندما قرأ النساء قبل آل عمران، فإن آخر آية من النساء بالنسبة إلى أول آية من آل عمران فيها صورة من تنكيس الآيات، ومع ذلك اغتفر هذا.\nالجواب الثاني:\nأن يقال: إنه يشترط أن يقرأ النصف الأول بنية استئناف القراءة، وليس بنية البناء على القراءة السابقة، حتى لا يقع في صورة التنكيس المحرم.\nفإن ارتضى هذا التوجيه إخواننا المالكية فالحمد لله، وإلا فليدعوه، فالحق لهم، والله أعلم.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية:\nقالوا: يحرم تنكيس الآيات في سورة واحدة، من غير فرق بين أن يكون التنكيس لجميع السورة أو لبعضها، كما لو قرأ نصف السورة الأخير، ثم نصفها الأول، وفي هذا التفريع يفارق مذهب الشافعية مذهب المالكية.\nفإذا ترك المصلي الترتيب عمدًا بطلت قراءته، ولم تبطل صلاته، ويلزمه استئناف الواجب منها وهي الفاتحة؛ لوجوبها نصَّا، وإن كان ساهيًا لم يُعْتَدَّ بالمؤخر، ويبني على المرتب من أول الفاتحة إلا أن يطول الفصل فيجب استئناف القراءة، وإن غير المعنى بطلت صلاته، هذا تفصيل مذهب الشافعية (^١).\nقال ابن حجر الهيتمي: «إن كان التنكيس في آيات سورة واحدة حرم ...» (^٢).\n* الدليل على تحريم التنكيس:\nسبق لي أن ذكرت في القول السابق الدليل على تحريم التنكيس.\nقال ابن حجر الهيتمي: «وإنما حرم تنكيس آيات السورة الواحدة وحكى\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٤٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨١)،.\n(^٢). الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: ١٧٢).","vol":"2","page":409},{"text":"بعضهم الإجماع عليه؛ لإجماعهم على أن ترتيب آيات كل سورة معجزة، وأن النبي ﷺ هو الفاعل له، بخلاف ترتيب السور ...» (^١).\nولأن إثبات الآي لا يجوز إلا بالتواتر، فكذلك مواضعها (^٢).\n(ث-٣٤٤) وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن، قال: حدثنا وكيع وأبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال:\nجاء رجل إلى عبد الله، فقال: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، قال: ذاك منكوس القلب (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nوقد اختلفوا في تفسير أثر ابن مسعود، أَقَصَدَ به تنكيس السور، أم عنى به تنكيس الآيات؟ على قولين، وسوف يأتي مناقشتهما إن شاء الله تعالى عند الكلام على تنكيس السور.\n* وجه اختصاص التحريم بكون التنكيس في ركعة واحدة:\nيرى الشافعية أن لكل ركعة قراءة مستقلة؛ فهم يتفقون في هذا مع المالكية، ويخالفون الحنفية الذين يرون أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة.\n* وجه عدم التفريق بين التنكيس آية آية، وبين تنكيس بعض الآيات بالنسبة إلى بعضها الآخر:\nيتفق الشافعية مع الحنفية بأنه لا فرق بين أن ينكس السورة كلها، بأن يبدأ من أسفلها صعودًا إلى أولها، أو ينكس بعض السورة بالنسبة إلى بعضها الآخر، وذلك\n_________\n(^١). الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص: ١٧٢).\n(^٢). انظر تفسير سورة الفاتحة لابن رجب (ص: ٢٢).\n(^٣). فضائل القرآن للقاسم بن سلام.\n(^٤). ورواه حرب الكرماني في مسائل أحمد (١٧٠) من طريق وكيع.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٣٠٧)، والبيهقي في الشعب (٢١١٠) عن أبي معاوية،\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٤٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٧٠) ح ٨٨٤٦، وابن أبي داود في المصاحف (ص: ٣٤٢)، والمستغفري في الفضائل (١٤١، ١٤٢) من طريق سفيان الثوري،\nورواه المستغفري في فضائل القرآن (١٤٠) من طريق ابن نمير، كلهم عن الأعمش به.","vol":"2","page":410},{"text":"أن جميع الصورتين توقع في تنكيس الآيات، فإذا قرأ النصف الأخير من السورة أولًا، فإن آخر آية منه فيها تنكيس بالنسبة لأول آية من النصف الأول من السورة، فكلتا الصورتين لم يسلم من تنكيس الآيات.\nوإذا كان تنكيس الآيات مُخِلًّا بترتيب القرآن المتلقى بالتوقيف كان كله حرامًا.\nالقول الرابع:\nيحرم تنكيس الآيات مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية.\nقال حرب الكرماني: «سألت أحمد: يكره أن يقرأ الرجل من آخر السورة إلى أولها، أويأخذ القلم، فيكتب مثل ذلك، فكرهه كراهة شديدة» (^١).\nوالكراهة الشديدة أقرب إلى التحريم منها إلى الكراهة التنزيهية، وظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، ولا بين الصلاة وخارجها.\nوقال ابن تيمية: «ترتيب الآيات مأمور به نصًّا، وأما ترتيب السور فمفوَّض إلى اجتهادهم» (^٢).\nوظاهره لا فرق بين الفاتحة وغيرها، وبين الصلاة وخارجها.\nقال الخلوتي: «فعلى كلام الشيخ تقي الدين من أنه أيضًا واجب، أنه يحرم أيضًا تنكيس الآيات، ولكن لا تبطل به الصلاة؛ لعدم إخلاله بالنظم» (^٣).\nلعله يقصد: لا تبطل به الصلاة وإن بطلت به القراءة، ووجب معه استئناف الفاتحة، والله أعلم.\n* دليل هذا القول:\nأن ترتيب الآيات حق التلاوة، فكان محرمًا مطلقًا، داخل الصلاة، وخارجها، وسهوه مبطل للقراءة، ويستأنف الواجب منها كالفاتحة.\nوأما إذا ارتكب التنكيس متعمدًا، أتبطل صلاته باعتبار أنه ارتكب محرمًا متعمدًا\n_________\n(^١). مسائل حرب الكرماني من أول كتاب الصلاة، ت الغامدي (١٦٩)، وانظر الفروع (٢/ ١٨٢).\n(^٢). مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٦).\n(^٣). حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (١/ ٢٩٨).","vol":"2","page":411},{"text":"داخل العبادة، كما ذهب إليه المالكية في التنكيس المحرم، وقال به الشافعية إذا أفسد المعنى، أم أنه يبطل القراءة وحدها، ويوجب استئناف الفاتحة؟ فيه تأمل، والمعتمد في المذهب لا تبطل به الصلاة، كما سيأتي بيانه في القول الخامس، والله أعلم.\nقال ابن مفلح: «وعند شيخنا -يعني ابن تيمية- ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص (ع)» (^١). يعني إجماعًا.\nالقول الخامس: مذهب الحنابلة:\nقالوا: يجب ترتيب الفاتحة مطلقًا، فإن تركه عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها، ويكره في غيرها، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (^٢).\nقال في شرح منتهى الإرادات: «أو ترك ترتيبها أي الفاتحة عمدًا أو سهوًا لزمه استئنافها؛ لأن ترك الترتيب مخل بالإعجاز» (^٣).\nوقال أيضًا: «ولا يحرم تنكيس السور، ولا تنكيس الآيات، ولا تبطل به؛ لأنه لا يخل بنظم القرآن، لكن الفاتحة يعتبر ترتيبها، وتقدم، ويكره تنكيس السور والآيات في ركعة أو ركعتين، واحتج أحمد بأنه ﷺ تعلم على ذلك» (^٤).\nولا فرق عندهم في تحريم تنكيس الفاتحة بين أن يقدم آية على أخرى، أو يقدم جملة من الآيات على جملة آيات أخرى.\nوأما دليلهم على تحريم التنكيس في الفاتحة فقد سبق ذكره في أدلة الشافعية.\nوأما كراهتهم التنكيس في قراءة ما زاد على الفاتحة؛ باعتبار أن هذا المقدار إذا بطل بالتنكيس لم يجب استئنافه لعدم وجوبه، لهذا الخلل إذا وقع فيه لم يكن محرمًا كالفاتحة.\n* ويناقش:\nأن ترتيب الآيات أهو من حقوق التلاوة، أم هو من حقوق الصلاة، فإن كان\n_________\n(^١). الفروع (٢/ ١٨٢).\n(^٢). الإقناع (١/ ١١٥، ١١٩)، الكافي (١/ ٢٤٦)، كشاف القناع (١/ ٣٣٦، ٣٤٤)، المغني (١/ ٣٤٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٨، ١٨٩، ١٩١)، الفروع (٢/ ١٨٣).\n(^٣). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^٤). المرجع السابق (١/ ١٩١).","vol":"2","page":412},{"text":"الترتيب من حقوق التلاوة؛ لكون التنكيس يخل بنظم الآيات التوقيفي، فإن ذلك يعني تحريم التنكيس مطلقًا، سواء أوقع ذلك في الصلاة أم وقع في خارجها، وسواء أوقع في الفاتحة أم وقع فيما زاد عليها، فلا معنى للتفريق بين الفاتحة وغيرها إلا من حيث وجوب الاستئناف، فإن التنكيس إذا أبطل القراءة وجب استئناف الواجب منها، ولا يجب للصلاة قراءة سوى الفاتحة.\nكما أن في قول الحنابلة إشكالًا آخر على قواعد المذهب، فإن تنكيس الآيات إذا كان محرمًا في الفاتحة، وارتكبه عمدًا داخل الصلاة، فإن ارتكاب المحرم عمدًا داخل العبادة يفسدها، فلا أعلم لهم دليلًا أوتعليلًا على إخراج هذه المسألة من إفساد الصلاة حسب قواعد المذهب، فليتأمل.\nفإن قيل: إن الترتيب من حقوق التلاوة، فهو غير مختص بالصلاة، لهذا لم يبطل الصلاة تعمد الإخلال به.\n* فيجاب:\nأن وجوب تلاوة الفاتحة مختص بالصلاة، فلا تجب التلاوة خارج الصلاة، كما أن الضابط في المختص: أن يقوم الدليل الخاص على وجوبه في الصلاة، وإن وجب في غيرها، كما قال الحنابلة بإفساد الصلاة في ترك ستر العورة في الصلاة، وإن كان الستر يجب خارج الصلاة أيضًا، بل هو أولى من ترك ستر العورة، لأن ستر العورة واجب لها، وهو من ارتكاب المحظور، بخلاف ترك الترتيب بالفاتحة فهو واجب فيها، وركن من أركان الصلاة، ومن باب فعل المأمور، فيكون آكد، والله أعلم.\n* الراجح:\nبعد استعراض الأقوال لم أجد قولًا يقول بإباحة تنكيس الآيات، وإنما هو دائر بين التحريم والكراهة، والقول بالتحريم أقوى إن كان عالمًا متعمدًا، وأن الترتيب حق التلاوة، فيحرم داخل الصلاة وخارجها، وفي الفرض والنفل، والتنكيس يبطل القراءة، ويوجب استئناف ما كان واجبًا منها كالفاتحة، وهل تبطل به الصلاة، أو تبطل إن تغير به المعنى الأقرب الثاني، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":413},{"text":"المطلب الثاني في تنكيس سور القرآن\n\nالمدخل إلى المسألة:\n* تنكيس السور: أن يقرأ سورة ثم يقرأ سورة فوقها سواء أحصل ذلك في ركعة واحدة أم وقع ذلك في ركعتين.\n* نزول القرآن على نبينا ﷺ لم يكن مرتبًا، لا في آياته، ولا في سوره.\n* قال ابن تيمية: ... ترتيب السور بالاجتهاد، لا بالنص في قول جمهور العلماء (^١).\n* اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة يلزم منه جواز التنكيس.\n* لا يحفظ نهي من الشارع ينهى عن التنكيس، ولا يؤثر قول فقهي يقول بتحريم التنكيس، والخلاف دائر بين الكراهة والجواز.\n* أمر الشرع بقراءة ما تيسر من القرآن والمطلق على إطلاقه، لا يقيده إلا نص، أو إجماع.\n* الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والأصل عدم الكراهة.\n* أكثر قراءة النبي ﷺ وأصحابه على الترتيب وهذا يقتضي الاستحباب إما دائمًا أو غالبًا، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.\n* القول بأن التنكيس المأثور كان قبل العرض الأخير للقرآن، قول لا دليل عليه.\n[م-٥٤٤] اختلف الفقهاء في تنكيس السور في الصلاة:\nفقيل: يكره في الفريضة دون النافلة، فإن قرأ في الأولى سهوًا سورة الناس كررها في الثانية؛ لأن التكرار أهون من القراءة منكوسًا، وإذا ختم القرآن بالركعة الأولى قرأ من البقرة في الثانية، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\n_________\n(^١). الإقناع في فقه الإمام أحمد (١/ ١١٩).\n(^٢). الدر المختار شرح تنوير الأبصار (١/ ٧٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٦)، مراقي الفلاح (ص: ١٢٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥٢)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٤)، البناية شرح الهداية (٢/ ٣١١)، البحر الرائق (٢/ ١٠٢)، النهر الفائق (١/ ٢٣٧).","vol":"2","page":414},{"text":"وقيل: يكره تنكيس السور مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (^١).\nواستثنى محمد الحطاب المالكي من الكراهة: لو بدأ بسورة الناس فإنه يقرأ السورة التي قبلها أولى من تكرار السورة (^٢).\nوقيل: لا يكره التنكيس، ويستحب الترتيب.\nوهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن تيمية، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه (^٣).\nقال ابن تيمية: «يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها» (^٤).\nفقوله: (يجب اتباعها) أي يشرع لقوله قبل: يجوز قراءة هذه قبل هذه.\n_________\n(^١). حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٢)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٣٥٥)، التفريع (١/ ٩٦)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٤، ٣٢٥)، الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: ١١٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٩)، تفسير القرطبي (١/ ٦١)، الإقناع (١/ ١١٩)، الكافي (١/ ٢٤٦)، كشاف القناع (١/ ٣٤٤)، المغني (١/ ٣٤٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، الفروع (٢/ ١٨٣) ..\n(^٢). انظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، حاشية الصاوي (١/ ٣٢٥).\n(^٣). قال النووي في المجموع (٣/ ٣٨٥): «قال أصحابنا: والسنة أن يقرأ على ترتيب المصحف متواليًا، فإذا قرأ في الركعة الأولى سورة، قرأ في الثانية التي بعدها متصلة بها. قال المتولي: حتى لو قرأ في الأولى (قل أعوذ برب الناس) يقرأ في الثانية من أول البقرة، ولو قرأ سورة ثم قرأ في الثانية التي قبلها فقد خالف الأولى، ولا شيء عليه والله أعلم».\nوانظر: تحفة المحتاج (٢/ ٥٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، الحاوي الكبير (٢/ ٤٣٥).\n(^٤). الفروع (٢/ ١٨٢)، تفسير الفاتحة لابن رجب (ص: ٢٢)، الإقناع (١/ ١١٩)، المستدرك على مجموع الفتاوى لابن قاسم (٣/ ٨٢).","vol":"2","page":415},{"text":"وقيل: يكره تنكيس السور إذا كانت السورة الأولى متعلقة بالسورة الثانية، كما يقال: إن سورة قريش متعلقة بسورة الفيل، وهو قول لبعض الحنابلة (^١).\nفصارت الأقوال الأربعة ترجع إلى قولين:\nالكراهة، وهي على قولين: إما كراهته مطلقًا، أو كراهته في الفرض.\nوالجواز، وهو على قولين أيضًا: إما جوازه مطلقًا، أو جوازه في النفل خاصة، وأما التحريم فلا قائل به.\nقال ابن بطال: «لا نعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك -يعني السور- واجب في الصلاة وفي قراءة القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف ...» (^٢).\n* دليل من قال: يكره التنكيس مطلقًا:\nالدليل الأول:\n(ث-٣٤٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال:\nقيل لعبد الله: إن فلانًا يقرأ القرآن منكوسًا، فقال عبد الله: ذاك منكوس القلب (^٣).\n_________\n(^١). وجه ارتباط سورة قريش بسورة الفيل على أحد الأقوال، قال ابن كثير في تفسيره (٨/ ٤٩١): «هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لإيلاف قريش﴾ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين». اهـ فالله جعلهم كعصف مأكول لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف.\nوقال العز بن عبد السلام في تفسيره (٣/ ٤٩١): كان عُمَرُ وأُبَيٌّ ﵄ يريانهما سورة واحدة لا يفصلان بينهما. اهـ\nوقال ابن حجر في الفتح عن اللام في لإيلاف (٨/ ٧٣٠): «قيل: اللام متعلقة بالقصة التي في السورة التي قبلها، ويؤيده أنهما في مصحف أبي بن كعب سورة واحدة ...».\nوانظر: الفروع لابن مفلح (٢/ ١٨٣)، المبدع (١/ ٤٣٣).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (١٠/ ٢٣٩).\n(^٣). المصنف (٣٠٣٠٧).","vol":"2","page":416},{"text":"[صحيح] (^١).\nوجه الاستدلال:\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام: «يتأوله كثير من الناس أنه نكس: أن يبدأ الرجل من آخر السورة فيقرأها إلى أولها، وهذا شيء ما أحسب أن أحدًا يطيقه، ولا كان هذا في زمان عبد الله، ولا أعرفه؛ ولكن وجهه عندي أن يبدأ من آخر القرآن من المعوذتين، ثم يرتفع إلى البقرة، كنحو ما يتعلم الصبيان في الكتاب؛ لأن السنة خلاف هذا ..... فكان أول القرآن فاتحة الكتاب، ثم البقرة إلى آخر القرآن؛ فإذا بدأ من المعوذتين صارت فاتحة الكتاب آخر القرآن، فكيف تسمى فاتحته، وقد جُعِلَتْ خاتمته؟ ...... وإنما جاءت الرخصة في تَعَلُّم الصبي والعَجَمِي من المفصَّل لصعوبة السور الطوال عليهما؛ فهذا عذر؛ فأمَّا من قرأ القرآن، وحفظه، ثم تعمَّد أن يقرأه من آخره إلى أوَّلِه، فهذا النكسُ المنهيّ عنه؛ وإذا كرهنا هذا، فنحن للنكس من آخر السورة إلى أوَّلها أشدُّ كراهة، إنْ كان ذلك يكون» (^٢).\n* ويجاب:\nبأن قوله: (منكوس القلب) دليل على تحريم الفعل، ولم يقل أحد من العلماء: إن تنكيس السور محرم من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وإنما هو دائر بين الكراهة والجواز، وإنما الذي قيل فيه بالتحريم هو تنكيس الآيات؛ لأنه يخل بنظم القرآن ومعانيه وإعجازه، فيحمل كلام ابن مسعود عليه.\nيقول الباقلاني: «إنما عنيا بذلك - يريد ابن مسعود وابن عمر- من يقرأ السورة منكوسة، ويبتدئ من آخرها إلى أولها؛ لأن ذلك حرام محظور ... وليس يريد بذلك من قرأ القرآن من أسفل إلى فوق، ومن بدأ بآل عمران وثنى بالبقرة، وكيف يريدون ذلك، وهم قد علموا اختلاف تأليف المصاحف، وأن في الأمة من يبدأ بحفظ ما خف من المفصل، ثم يرتفع إلى حفظ ما طال وصعب، ومنهم من يحفظ متفرقًا من المواضع المختلفة، ويتلوه كذلك، ومن يصلي به فرائضه، ونوافله على هذا الوجه، وهو غير مذموم بل عمل الأمة على تجويز ذلك، وأنه شائع مستقر إلى اليوم، وقول\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٤٤).\n(^٢). غريب الحديث للقاسم بن سلام (٤/ ١٠٣).","vol":"2","page":417},{"text":"ابن مسعود (ذاك رجل منكوس القلب) إنما خرج على وجه الذم، فلا ذم على من قرأ البقرة، وثنى بالنحل لو صلى كذلك، ثبت أن التأويل ما قلناه.\nويدل على ذلك قول ابن عمر: ولو رآه السلطان لأدبه، أو عاقبه، وقد علم أنه لا أدب، ولا عقاب على من قرأ البقرة، وثنى بالحج، فصح أن تأويل منكس القراءة تنكيس آيات السور ....» (^١).\nالدليل الثاني:\nأن قراءة النبي ﷺ في صلاته كانت مرتبة، فكان يقرأ سورة السجدة قبل سورة الإنسان في صلاة الصبح (^٢)، ويقرأ سورة سَبِّحْ قبل سورة الغاشية في صلاة\nالجمعة (^٣)، وربما قرأ في الجمعة سورة الجمعة قبل سورة المنافقون (^٤)،\nويقرأ في ركعتي الفجر سورة الكافرون قبل سورة الإخلاص، كما في حديث أبي هريرة في مسلم (^٥)، ويقرأ في صلاة العيد الأولى بسورة (ق والقرآن المجيد)، وفي الثانية اقتربت الساعة وانشق القمر (^٦)، ويقرأ في صلاة الوتر إذا أوتر بثلاث بِسَبِّحْ، والكافرون والصمد (^٧).\n_________\n(^١). الانتصار للقرآن لأبي بكر الباقلاني (١/ ٢٨٦).\n(^٢). رواه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٦٥ - ٨٨٠) من طريق سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (٨٧٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٣). رواه مسلم (٦٢ - ٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير.\n(^٤). رواه مسلم (٦٤ - ٨٧٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n\nورواه مسلم (٦١ - ٨٧٧) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن أبي رافع، عن أبي هريرة.\n(^٥). رواه مسلم (٩٨ - ٧٢٦) من طريق مروان بن معاوية، قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.\n(^٦). رواه مسلم (١٤ - ٨٩١) من طريق مالك، عن ضمرة بن سعيد المزني، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ق والقرآن المجيد، واقتربت الساعة وانشق القمر.\n(^٧). أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٢٣)، وابن أبي شيبة في المصنف =","vol":"2","page":418},{"text":"* ويناقش:\nبأن هذا كان هو الغالب على فعل النبي ﷺ، ولم يلتزمه في كل صلواته ﵊ كما سيأتي بيانه في أدلة القول الثاني إن شاء الله، وإذا كان كذلك كان فعله دليلًا على استحبابه، لا على كراهة التنكيس.\nالدليل الثالث:\nأن ترتيب المصحف توقيفي؛ لأنه إما أن ذلك كان بتوجيه من النبي ﷺ مباشرة.\nوإما أنهم أخذوه على ما كانوا يسمعونه من قراءة النبي ﷺ.\nقال ابن وهب: «سمعت مالكًا يقول: إنما أولف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ» (^١).\nولهذا قدمت البقرة وآل عمران في الترتيب وإن كان قد نزل قبلهما بضعٌ وثمانون سورة.\n(ث-٣٤٦) وروى البخاري من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد، قال:\n_________\n= (٦٨٨٨، ٣٦٤٦٨)، والنسائي في المجتبى (١٧٢٩)، وأبو داود في السنن مختصرًا (١٤٣٠)، وابن الجارود في المنتقى (٢٧١)، وابن حبان (٢٤٥٠) من طريق محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الملك بن معن، عن الأعمش، عن طلحة، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب.\nوأخرجه النسائي (١٧٣٠)، وعبد بن حميد (١٧٦)، والطبراني في الأوسط (١٦٦٦)، والدارقطني في السنن (١٦٦١)، والبيهقي في السنن (٣/ ٥٥) من طريق أبي جعفر الرازي عيسى بن أبي عيسى،\nوأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٢٣)، وابن ماجه (١١٧١)، وابن حبان (٢٤٣٦) من طريق أبي حفص الأَبَّار، كلاهما (أبو جعفر، وأبو حفص) عن الأعمش عن طلحة بن مصرف، وزبيدًا اليامي، عن ذر به.\nولم يذكر أبو عبيدة زبيدًا اليامي في إسناده.\nورواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٢٣) من طريق جرير بن حازم، عن زبيد، عن ذر به. وهذه متابعة من جرير للأعمش.\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ٦٠)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٣٦٧)، شرح البخاري لابن بطال (١٠/ ٢٣٩).","vol":"2","page":419},{"text":"سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: أنهن من العتاق الْأُوَلِ، وهن من تلادي (^١).\nقال ابن كثير: والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية، وقوله: (من العتاق الأول) أي من قديم ما نزل، وقوله: (وهن من تلادي) أي من قديم ما قنيت وحفظت.\n* ويناقش:\nأن ترتيب مصحف ابن مسعود، وإن وافق في بعض السور، فهو مخالف في بعضها الآخر كالمفصل مثلًا وسيأتي التدليل على ذلك في أدلة القول الثاني، ولا أحد يدعي أن ترتيب مصحف ابن مسعود أو مصحف أُبَيٍّ، أومصحف عليٍّ ﵃ أنها كانت موافقة في الترتيب لمصحف عثمان ﵁، إلا أن ترتيب عثمان ﵁ مقدم على ترتيب غيره لكون الصحابة رضوان الله عليهم رضوه، وتلقوه بالقبول، واستقر عليه الأمر.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٠٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي،\nعن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزَلَنَا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا .... فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: طرأ عليَّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألَنْاَ أصحابَ رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٧٠٨، ٤٧٣٩، ٤٩٩٤).\n(^٢). المسند (٤/ ٩، ٣٤٣).","vol":"2","page":420},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١). في إسناده عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، روى عنه جماعة على رأسهم ابن المبارك وابن مهدي، والثوري، ووكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وجماعة، وروى له مسلم حديثًا واحدًا متابعة.\nوحديثه على قسمين: الأول: ما رواه عن عمرو بن شعيب.\nفهذا قال فيه ابن عدي: فأما سائر أحاديثه فإنه يروي عن عمرو بن شعيب أحاديثه مستقيمة. انظر الكامل (٥/ ٢٧٧).\nوقد صحح البخاري حديثًا تفرد به، رواه أبو داود (١١٥١) من طريقه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال نبي الله ﷺ التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما.\nونقل الترمذي في العلل الكبير (١٥٤) عن البخاري أنه قال: حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده هو صحيح أيضًا. يعني حديث التكبير في العيدين.\n\nونقل الحافظ في تلخيص الحبير عن أحمد، وابن المديني، والبخاري أنهم صححوه، والثابت عن أحمد أنه عمل به، والعمل أعم من القول بالصحة.\nالقسم الثاني: ما رواه الطائفي عن غير عمرو بن شعيب فيعتبر بها، وفيها المقبول والمردود، فلا يقبل ما يتفرد به، ومنه حديثنا هذا، ففيه علتان:\nإحداهما: تفرده بذكر صفة التحزيب. والثانية: الاختلاف عليه في إسناده ورفعه، والله أعلم.\nوما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل في الطائفي فينبغي حمله على هذين القسمين، فمن قواه فإنما نظر إلى أحاديثه عن عمرو بن شعيب.\nومن ضعفه فقد نظر إلى كثرة أوهامه في سائر حديثه، وقد لخص ابن عدي حاله، حيث جعل أحاديثه عن عمرو بن شعيب مستقيمة، واعتبره في جملة من يكتب حديثه. أي للاعتبار، والله أعلم.\nقال ابن عدي: وأما سائر حديثه فعن عمرو بن شعيب، وهي مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه. الكامل في الضعفاء (٥/ ٢٧٧).\nواختلف فيه قول يحيى بن معين، فقال فيه: صالح، وقال مرة: صويلح وقال فيه أيضًا: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال فيه أيضًا: ليس حديثه بذاك القوي، وقال مرة: ضعيف.\nفقوله: (صالح، وصويلح) مطلقة، لم تضف للحديث، فهي دون قوله (صالح الحديث) فهي محمولة على صلاح الدين، والقاسم المشترك بين هذه الأقوال المختلفة قول ابن معين: يكتب حديثه، أي للاعتبار، فليس مُطَّرَحًا، وليس مقبولًا بإطلاق.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨٩١٣)، وإذا اقتصر على مجرد ذكره في الثقات دون أن يكون مع ذلك عبارة تعديل كأن يقول: مستقيم الحديث ونحوها، فذلك يعني أنه لا يعلم فيه جرحًا، وهي أدناا درجات التوثيق عند ابن حبان، بخلاف من قال فيهم: ثقة، أو قال: مستقيم الحديث.\nوقال العجلي في ثقاته (٨٤٦): ثقة. =","vol":"2","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولما ذكره ابن خلفون في كتاب الثقات، قال: وثقه علي بن المديني.\nوقال البخاري عنه كما في العلل الكبير للترمذي (١٥٤): مقارب الحديث.\nوقال ابن شاهين: صالح. تاريخ أسماء الثقات (٦٥٥).\nوقال أبو حاتم: ليس بقوي، لين الحديث، بابه طلحة بن عمرو وعمر بن راشد وعبد الله بن المؤمل. الجرح والتعديل (٥/ ٩٧).\nوقال البرقاني (٢٥٨): سألت الدارقطني عنه ... فقال: طائفي يعتبر به.\nوفي التقريب صدوق يخطئ ويهم.\nفالأقرب ما قاله الدارقطني: يعتبر به.\nكما أن شيخه عثمان بن عبد الله بن أوس له أحاديث يسيرة لا تتجاوز عشرة أحاديث بحسب ما وصل إلينا من حديثه، أشهرها هذا الحديث، وقد روى الثوري عنه هذا الحديث إن صح الطريق إليه، فقد تفرد به بعض الضعفاء عن الثوري كما سيأتي، وروى عنه جماعة، ولم يوثقه من المتقدمين غير ابن حبان، حيث ذكره في ثقاته، وقال الذهبي: محله الصدق، وفي التقريب مقبول. أي حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.\nوالحديث له علتان:\nالأولى: تفرد الطائفي عبد الله بن عبد الرحمن بذكر تحزيب القرآن على هذه الصفة، ومثله لا يحتمل تفرده.\nورواه الثوري، عن عثمان بن عبد الله، عن أوس بن حذيفة، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ، فكان رسول الله ﷺ يأتينا كل ليلة، فيحدثنا، فأبطأ علينا ليلة، فقلنا له: ما شأنك؟ فقال: طرأ عليَّ جزء من القرآن، فأحببت أن لا أخرج حتى أقضيه.\nفهذا الطريق رواه الطبراني في الكبير (١/ ٢٢١) ح ٦٠٠، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي (هو مطين ثقة)، حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي (قال النسائي: صدوق)، حدثني أبي، قال: حدثنا سفيان به.\nوهذا الطريق ليس فيه موضع الشاهد، وهو تحزيب القرآن على سبعة أحزاب، آخرها المفصل، وبداية الأخير من سورة (ق)، إلا أن هذا الطريق ليس بالقوي، تفرد به عن الثوري محمد بن الحسن الأسدي، وقد تكلم فيه:\nقال يحيى بن معين، أدركته، وليس بشيء.\nوقال أبو حاتم: شيخ.\nوضعفه يعقوب بن سفيان.\nوقال أبو داود: صالح، يكتب حديثه. أي للاعتبار\nوالثوري له أصحاب يعتنون بمروياته، فتفرد الأسدي عن الثوري مع لينه لا يحتمل.\nفقد ذكر وفد ثقيف من غير طريقه، وليس فيه ذكر التحزيب. =","vol":"2","page":422},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد روى أبو داود الطيالسي (١٢٠٦)،\nوأحمد (٤/ ٨)، والنسائي في الكبرى (٣٤٣٠)، وفي المجتبى (٣٩٨٢)، وأبو موسى المديني في اللطائف (٣٤٤)، عن محمد بن جعفر،\nوالدارمي (٢٤٩٠) أخبرنا هاشم بن القاسم.\nوالطبراني في الكبير (١/ ٢١٧) ح ٥٩٢، من طريق علي بن الجعد، أربعتهم رووه عن شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أوسًا يقول: أتيت رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فكنا في قبة، فنام من كان فيها غيري وغير رسول الله ﷺ، فجاء رجلٌ فسارَّه، فقال: اذهب فاقتله، ثم قال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكنه يقولها تَعَوُّذًا، فقال: رده، [وفي رواية: ذره] ثم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها.\nفهذا حديث صحيح، وليس فيه تحزيب القرآن الذي انفرد فيه الطائفي.\nالعلة الثانية: الاختلاف على الطائفي في إسناده، وفي رفعه ووقفه.\nأما الاختلاف في الإسناد:\nفقيل: عن الطائفي، حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة.\nوقيل: عنه، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده.\nوقيل: عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس.\nوقيل: عنه، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه.\nوقيل: عنه، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه.\nوقيل: عنه، عن عثمان بن عبد الله، مرسلًا، ليس فيه أبوه، ولا جده. وإليك تفصيل ما أجمل:\nأما رواية الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة.\nفرواه أبو داود الطيالسي كما في مسنده (١٢٠٤)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٩٨٥)، والبغوي في معجم الصحابة (٥٢)، والخطيب في موضع أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٢٧).\nوقُرَّانُ بن تمام كما في مسند أبي داود (١٣٩٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٢٠) ح ٥٩٩، ومعجم الصحابة لابن قانع (١/ ٣٠)، وتهذيب الكمال للمزي (١٩/ ٤١١).\nوأبو خالد الأحمر في مسند ابن أبي شيبة (٥٣٩)، والتاريخ الكبير للبخاري (٢/ ١٦)، وسنن أبي داود (١٣٩٣)، وسنن ابن ماجه (١٣٤٥)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٥٢٣، ١٥٧٨)، ومشكل الآثار للطحاوي (١٣٧٣).\nوأبو نعيم: الفضل بن دُكَيْن، كما في فضائل القرآن لأبي عبيد (ص: ١٨٥)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٥١٠)، ومشكل الآثار للطحاوي (١٣٧١)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٢٠) ح ٥٩٩، وفضائل القرآن للمستغفري (٥٢٨)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٩٨٥)، والبيان في عد آي القرآن لأبي عمرو الداني (٣٠٠)، ومعجم الصحابة للبغوي =","vol":"2","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٥٢)، وتاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثاني (١٦٤)، وتهذيب الكمال للمزي (١٩/ ٤١١)،\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (٤/ ٩، ٣٤٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٩٨٥)، والمزي في تهذيب الكمال (١٩/ ٤١١)،\nوعبيد بن عقيل كما في تاريخ المدينة لابن شبة (٢/ ٥٠٨، ٥٠٩)،\nوأبو أحمد الزبيري كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٥١٠)، وشعب الإيمان (١٩٨٨).\nومروان بن معاوية كما في فضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: ١٨٤)، وفضائل القرآن للمستغفري (٥٢٧)،\nوعيسى بن يونس، كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (١٥٧٩) ومعجم الصحابة لابن قانع (١/ ٣١)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٩٨٥)، وموضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (١/ ٣٢٦)، والكنى والأسماء للدولابي (٢١١٤)، وتاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثاني (١٦٥).\nوأبو عامر العقدي كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٥١٠)، وتهذيب الآثار للطبري (مسند عمر) (١١٠٧، ١١٠٨)، ومعجم الصحابة للبغوي (٥٢).\nكلهم (الطيالسي، وقُرَّانُ، وأبو نعيم، وابن مهدي، وعبيد، والزبيري، ومروان، وأبو عامر العقدي، وعيسى بن يونس) تسعتهم رووه عن عبد الله بن الرحمن، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة به، وفيه: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن ... الحديث، فكان السؤال عن تحزيب الصحابة للقرآن.\nوخالفهم وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة في المصنف (٨٥٨٣)، ومشكل الآثار (١٣٧٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٢١) ح ٥٩٩، والمزي في تهذيب الكمال (١٩/ ٤١١، ٤١٢)، فرواه عن عبد الله بن عبد الرحمن به، مرفوعًا، وفيه: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ كيف كان رسول الله ﷺ يحزب القرآن؟ فقالوا: كان يحزبه ثلاثًا ... إلخ، فكان صريحًا بالرفع.\nواللفظان يؤولان إلى معنى واحد، فإن قولهم: (كيف تحزبون القرآن)؟ سؤال لمجموعهم بما فيهم رسول الله ﷺ، ويبعد أن يكون الصحابة رضوان الله عليهم يحزبون القرآن في حياته على صفة تخالف تحزيب النبي ﷺ، والله أعلم.\nوأما رواية عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده:\nفرواه الحكيم محمد بن علي الترمذي في نوادر الأصول (٩٥٣)، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، عن جده، قال: ... فذكر الحديث مختصرًا.\nهذا الإسناد منكر، تفرد به علي بن الحسن بن بشر الترمذي والد الحكيم الترمذي، وهو مجهول، ولم يروه عنه إلا ابنه الحكيم الترمذي.\nوقد خالف عليًّا الترمذيَّ جماعة من الثقات رووه عن أبي نعيم كرواية الجماعة، منهم:\nأبو عبيد القاسم بن سلام كما في فضائل القرآن له (ص: ١٨٥)، وفضائل القرآن للمستغفري =","vol":"2","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٥٢٨)، والبيان في عد آي القرآن لأبي عمرو الداني (٣٠٠).\nوابن سعد، كما في الطبقات الكبرى (٥/ ٥١٠)،\nوفهد بن سليمان، كما في مشكل الآثار للطحاوي (١٣٧١)،\nوفضيل بن محمد الملطي، كما في المعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٢٠) ح ٥٩٩، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٩٨٥)، وتهذيب الكمال للمزي (١٩/ ٤١١)\nوهارون بن عبد الله كما في معجم الصحابة للبغوي (٥٢)،\nوابن أبي خيثمة كما في التاريخ الكبير، السفر الثاني (١٦٤)، كلهم رووه عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة، وهو المعروف.\nوقد تابع مروانُ بن معاوية في إحدى روايتيه عليَّ بن الحسن بن بشر الترمذي،\nفرواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٦) من طريق يعقوب بن محمد، ثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه عن جده به. وهذه متابعة لرواية الحكيم الترمذي، إلا أن يعقوب بن محمد الزهري المدني ضعيف، وقد خالفه من هو أوثق منه.\nخالفه أبو عبيد القاسم بن سلام كما في فضائل القرآن (٢٤٢).\nوخلف بن الوليد العتكي (ثقة) كما في تاريخ المدينة لابن شبة (٢/ ٥٠٩)، كلاهما روياه عن مروان بن معاوية عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله، عن جده كرواية الجماعة.\nوأما رواية عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه.\nتفرد بذلك أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، فرواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٥١٠، ٥١١) وابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٥٠٨)، عنه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمه عمرو بن أوس، عن أبيه أوس، قال: كنت في الوفد حين قدمتْ ثقيفٌ على رسول الله ﷺ فأنزلهم في قبة في المسجد ... فذكر الحديث. ورواية الجماعة الطيالسي، وقُرَّانَ، وأبي نعيم، وابن مهدي، وعبيد، والزبيري، ومروان، وأبي عامر العقدي، وعيسى بن يونس هي المحفوظة.\nوأما رواية عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه. ...\nفأخرجه ابن نصر المروزي في قيام الليل (كما في المختصر) (ص: ١٥٦)، قال: حدثنا يحيى: أخبرنا المعتمر، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، قال: حدثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن أبيه، قال: فنزل وفد الأحلاف على المغيرة بن شعبة، ونزل وفد بني مالك على النبي ﷺ فَضُرِب أو ضَرَبَ عليهم قبة له ... قال يحيي: قال بعض أصحابنا: إن هذا الحديث عن جده، وهو حدثنا عن أبيه.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٢) ح ٨٧، حدثنا ورد بن أحمد بن لبيد البيروتي =","vol":"2","page":425},{"text":"وجه الاستدلال:\nدل الحديث على أن هذا الترتيب، ومنه ترتيب المفصل كان متلقًّى من\n_________\n= (روى عنه الطبراني في معاجمه الثلاثة، ولم يوثق ففيه جهالة)، عن صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، عن عثمان بن أوس، عن أبيه، قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف ... وذكر الحديث ..\nتابعه الحسن بن سفيان النسوي وهو ثقة، رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٠٧٧) من طريقه، عن صفوان بن صالح به.\nقال الطبراني: «هكذا رواه الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه، وخالفه وكيع، وقران بن تمام وغيرهما، فرووه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة».\nوأما رواية عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، مرسلًا، ليس فيها أبوه، ولا جده.\nفرواه ابن شبة في أخبار المدينة (٢/ ٥٠٩)، قال: حدثنا سهل بن يوسف، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن عثمان بن عبد الله، قال: لما خرج وفد ثقيف إلى رسول الله ﷺ نزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل المالكيين، وفيهم عثمان بن أبي العاص، في قبة بينه وبين المسجد، قال عثمان بن أبي العاص: فكان يأتينا إذا انصرف من العشاء، فيقوم على باب قبتنا فيحدثنا، فمنا النائم ومنا المستيقظ .... وذكر الحديث هكذا مرسلًا، وتفرد بذكر عثمان ابن اُبي العاص في لفظه.\nقال ابن معين كما في الاستيعاب لابن عبد البر (١/ ١٢٠): إسناد هذا الحديث صالح، وحديثه عن النبي ﷺ في تحزيب القرآن ليس بالقائم. اهـ\nظاهر العبارة أن الكلام كله لابن معين، لكن ورد في التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة السفر الثاني (١٦٦): «سئل يحيى بن معين، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس. فقال: صالح». اهـ يعني هذا الإسناد.\nوكذلك هو في معجم الصحابة للبغوي (٥٣)، وليس فيهما: حديثه ليس بالقائم.\nوالذي يظهر أن قوله: إسناد هذا الحديث صالح. هذا كلام ابن معين، وأما قوله: وحديثه عن النبي ﷺ في تحزيب القرآن ليس بالقائم. فهو من كلام ابن عبد البر، أفاده الحافظ في أسد الغابة (١/ ٣١٦).\nوسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي برزة أصح منه. يعني حديث أبي برزة: بأن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها. انظر فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٧٤)، والله أعلم.\nوحسن إسناده الحافظ ابن كثير في تفسيره، ت سلامة (١/ ٥٠).","vol":"2","page":426},{"text":"النبي ﷺ، حيث بدأ بتقديم الطوال، فالمئين، فالمثاني، وختم بالمفصل، وإذا كان الترتيب بالنص كرهت مخالفته.\n* ونوقش:\nبأن الحديث ضعيف، ولو صح فإنه دليل على ترتيب المفصل وحده.\nقال ابن حجر: «ويحتمل أن الذي كان مرتبًا حينئذٍ حزب المفصل خاصة، بخلاف ما عداه، فيحتمل أنه كان فيه تقديم وتأخير، كما ثبت من حديث حذيفة، أنه صلى ﷺ فقرأ النساء بعد البقرة وقبل آل عمران» (^١).\nوهذا التوجيه يشكل عليه أن ترتيب المفصل في مصحف ابن مسعود ﵁ مخالف لهذا الترتيب، فلوكان ترتيب المفصل مأثورًا عن النبي ﷺ ما خالفه مصحف ابن مسعود ﵁، انظر ترتيب مصحفه في أدلة القول الثاني، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\nإجماع الأمة من زمن عثمان ﵁ إلى يومنا هذا على هذا الترتيب، وحرمة مخالفته في كتابة المصاحف ورسمها، فقد رتبه عثمان ﵁، وقَبِلَه الصحابة في عهده، واتفقوا عليه، ولم يعترض أحد منهم عليه، فكان إجماعًا، وتلقته الأمة بالقبول من بعدهم إلى عصرنا هذا، فيكره مخالفته لما فيه من خروج عن إجماعهم، لا سيما وأن عثمان بن عفان من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمِرْنَا باتباع سنتهم، والاقتداء بهديهم.\n* ويناقش:\nبأن وجوب تأليف المصحف مرتبًا في الرسم والخط على القول بوجوبه، لا يعني لزوم مثل ذلك في تلاوة القرآن في الصلاة، أو قراءته في الدرس، فمن قرأ خارج الصلاة الكهف قبل البقرة، أو قرأ الحج قبل الأنبياء لم يكن عليه حرج في ذلك، وإن استحب الترتيب داخل الصلاة، وسيأتي مزيد بيان لذلك في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\nوسبق لنا قول ابن تيمية: «يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا\n_________\n(^١). فتح الباري (٩/ ٤٣).","vol":"2","page":427},{"text":"تنوعت مصاحف الصحابة ﵃ في كتابتها» (^١).\nفدل كلام ابن تيمية على أن القول بجواز ترتيب السور حتى في الرسم والكتابة محفوظ، والله أعلم.\nالدليل السادس:\nلو كان ترتيب السور بالاجتهاد لرتبه الصحابة على تاريخ نزوله، ولبدؤوا بالمكي منه قبل المدني، بدْءًا بما أنزل منه أولًا، ثم بما أنزل بعده على ترتيب نزوله، فيكون بذلك أقرب إلى معرفة تاريخ تشريع الأحكام، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وما يحتاج إليه من معرفة الأحكام، ولقد كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وقد قُرِن بينهما، وقد توسطت الأنفال بين سورتين طويلتين: هما الأعراف والتوبة، مع أنها ليست طويلة، كما أن الصحابة لم يرتبوا السور المفتتحة بالتسبيح، بل فصلوا بينها بسورة قد سمع، والممتحنة، والمنافقون، بينما هي متماثلة في افتتاح كُلٍّ منها بتسبيح الله، كل ذلك يدل على أن الترتيب توقيفي، وإذا كان كذلك فيكره مخالفته.\n* ورد هذا من أكثر من وجه:\nالوجه الأول: لو صح سماع ترتيب بعض السور من الرسول ﷺ كالسبع الطوال، وترتيب سورة بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء كما دل عليه أثر ابن مسعود المتقدم، فلا يمكن القول بأن هذا يصدق على ترتيب جميع السور، ولهذا وقع الخلاف في الترتيب بين مصاحف الصحابة قبل أن يتفقوا على هذا الترتيب الذي اجتهد فيه الصحابة زمن عثمان ﵁.\nالوجه الثاني: أن ترتيب السور بحسب النزول لا يصح إلا بنقض آيات سور القرآن، وإفساد نظمها، وتغييرها عما حُدَّ لهم، وقد تبين من المسألة السابقة أن ترتيب آيات القرآن توقيفي بالإجماع، متلقى من الرسول ﷺ، وقد تجد السورة مدنية، وفيها آيات مكية، وتجد السورة مكية، وفيها آيات مدنية، وتجد في السورة الواحدة تقدم الناسخ على المنسوخ، لهذا لا يمكن ترتيب المصحف بحسب النزول.\n_________\n(^١). الفروع (٢/ ١٨٢)، تفسير الفاتحة لابن رجب (ص: ٢٢)، الإقناع (١/ ١١٩)، المستدرك على مجموع الفتاوى لابن قاسم (٣/ ٨٢).","vol":"2","page":428},{"text":"الوجه الثالث: لو سلمنا أن ترتيب السور توقيفي، فهو بالنسبة للرسم والكتابة، وأما في حق التلاوة فقد قام الدليل الإيجابي على جواز تنكيس السور، وقد وقع مثل هذا من الرسول ﷺ، كما وقع من الصحابة، فلا يكون ترتيب السور كتابة في المصحف دليلًا على كراهة التنكيس، والله أعلم.\n* دليل من قال: يجوز التنكيس ويستحب الترتيب:\nالدليل الأول:\nقال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوقال ﷺ للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن الأمر بقراءة القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة، والمطلق على إطلاقه، فيدخل في الامتثال كل من قرأ من القرآن سواء أكانت السور مرتبة أم لا؛ لأن النصوص المطلقة لا يقيدها إلا نصوص شرعية، أو إجماع، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nكراهة التنكيس حكم شرعي من أحكام التكليف، يفتقر في إثباته إلى دليل شرعي، ولم يثبت نهي من الشارع ينهى فيه عن تنكيس سور القرآن في الصلاة، والأصل عدم الكراهة.\nفإن قيل: كيف تستحبون الترتيب، ولم يَأْتِ بالترتيب أمر من الشارع يأمر فيه بمراعاة ترتيب السور؟\nفالجواب أن ترتب الاستحباب مأخوذ من كون الترتيب هو غالب فعل النبي ﷺ.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٠٧) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"2","page":429},{"text":"بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقَدَّمَ النبي ﷺ في قراءة الصلاة النساء على آل عمران، فدل على جواز التنكيس، أو أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة ﵃ حين قدموا آل عمران على النساء، وإذا كان الترتيب اجتهاديًّا لم تكن مخالفته مكروهة شرعًا، والله أعلم.\n* وأجيب على هذا:\nبأن ما وقع من النبي ﷺ من مخالفة للترتيب فمحمول على أحد أمور، منها:\nإما لبيان أن هذا الترتيب ليس بواجب، وهذا لا ينافي كراهة التنكيس.\nوإما أن هذا كان قبل العرض الأخير، وذلك أن جبريل ﵇ كان يعرض على النبي ﷺ القرآن في كل عام مرة، فعرض عليه القرآن مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه (^٢)، فالعرضة الأخيرة هي التي اعتمدها الصحابة، واستقر عليها الأمر، وربما تكون العرضة الأخيرة لم تبلغ أُبَيًّا وابن مسعود ﵄.\nوإما أن هذا كان في النفل، والنفل أوسع من الفرض.\n* ورد هذا الجواب:\nبأن هذه احتمالات عقلية، فإما هذا، وإما هذا، وإما ذاك، فليس على هذه الاحتمالات إلا مجرد التجويز العقلي، وإلا لتعين أحدها، ويحتمل مع هذه الثلاثة احتمال رابع، وهو الأصل، وهو أنه فعل هذا لبيان الجواز، وأن التنكيس ليس بمكروه، وكون الترتيب هو الغالب من قراءة النبي ﷺ يؤخذ منه استحباب الترتيب، لا كراهة التنكيس، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالقول: إن التنكيس المنقول من فعل النبي ﷺ لبيان الجواز مع بقاء الكراهة مردود من أكثر من وجه.\nالوجه الأول: أن المكروه شرعًا: هو ما نهى عنه الشارع، لا على سبيل الإلزام، ولم يرد في هذا الباب نهي عن التنكيس حتى يقال بالكراهة.\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). رواه البخاري (٤٩٩٨) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين (عثمان بن عاصم الأسدي)، عن أبي صالح (السمان)، عن أبي هريرة.","vol":"2","page":430},{"text":"الوجه الثاني: لو داوم النبي ﷺ على ترتيب السور في الصلاة، ولم ينقل عنه مخالفته للترتيب، لقيل: إن مخالفة الترتيب خلاف الأولى، وهو أدنى صور الكراهة، فلما أُثِر التنكيس من فعله ﷺ، ولم يحفظ نهي عن التنكيس، لم نكره ما فعله النبي ﷺ، وقلنا باستحباب الترتيب؛ لكونه الأكثر من فعل النبي ﷺ، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.\nالوجه الثالث: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بفعله مرة واحدة، أما إذا فعل أكثر من مرة فلا يمكن القول بالجواز مع بقاء الكراهة.\nالوجه الرابع: أن بيان الجواز يمكن أن يكون بالقول دون الحاجة إلى مواقعة المكروه شرعًا، والقول له عموم أكثر من الفعل؛ لأن الفعل يتطرق له احتمالات كثيرة، من دعوى النسيان والخصوصية، والاستحباب، وبيان الجواز، بخلاف القول.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ،\nعن عائشة: أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: أخبروه أن الله يحبه (^١).\n(ح-١٤٠٩) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،\nعن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٧٥)، وصحيح مسلم (٢٦٣ - ٨١٣).","vol":"2","page":431},{"text":"بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤُمَّهُمْ غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (^١).\n[اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١/ ١٥٥).\n(^٢). الحديث مداره على ثابت البناني، عن أنس، وله عن ثابت أربعة طرق:\nالطريق الأول: عبيد الله بن عمر، عن ثابت.\nأخرجه أبو يعلى (٣٣٣٥)، وعنه ابن حبان (٧٩٤)، والطبراني في الأوسط (٨٩٨)، حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري،\nورواه ابن خزيمة (٥٣٧) وأبو عوانة في مستخرجه مختصرًا (٣٩٥٢)، والحاكم في المستدرك (٨٧٨)، وعنه البيهقي في الشعب (٢٣٠٩)، من طريق إبراهيم بن حمزة،\n\nوأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٨) وابن منده في التوحيد (٦) من طريق محرز بن سلمة، ثلاثتهم (الزبيري، وإبراهيم بن حمزة، ومحرز) رووه عن عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت البناني، عن أنس.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث عبيد الله بن عمر، عن ثابت. اهـ\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري أيضًا مستشهدًا بعبد العزيز بن محمد في مواضع من الكتاب. اهـ\nوقد علقه البخاري جازمًا به عن عبيد الله بن عمر، فهو صحيح عنده إلى عبيد الله بن عمر.\nوقد أعل هذا الحديث بأنه من رواية الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، وقد جاء في الجرح والتعديل (٥/ ٣٩٥): قال أحمد، وذكر الدراوردي، فقال: ما حدث عن عبيد الله بن عمر، فهو عن عبد الله بن عمر. اهـ ومعلوم أن عبد الله بن عمر بن حفص المكبر ضعيف.\nوقال النسائي: ليس به بأس، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر.\nوقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٢/ ٤٣): «غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت، تفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه».\nوقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن عبيد الله إلا عبد العزيز. اهـ\nفكأن الترمذي والدارقطني والطبراني لم يقفوا على متابعة سليمان بن بلال أو لم يعتدوا بها.\nفقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه (٣٩٥١) من طريق أيوب بن سليمان بن بلال (وثقه أبو داود، وقال الدارقطني: لا بأس به، وقال الأزدي والساجي: يحدث بأحاديث لا يتابع عليها. قال ابن حجر: ثقة لينه الساجي بلا دليل) عن أبي بكر بن أبي أويس (عبد الحميد بن =","vol":"2","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عبد الله بن أبي أويس ثقة)، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال لرجل: لِمَ تلزم قراءة قل هو الله أحد؟ قال: إني أحبها، قال النبي ﷺ: فإن حبك إياها أدخلك الجنة.\nوهذه متابعة جيدة للدراوردي، وقوله ﷺ: لم تلزم قراءة قل هو الله أحد؟ ظاهره الإطلاق، وهو محمول على ملازمة قراءتها في الصلاة في كل ركعة، كما في رواية الدراوردي.\nورواه إسماعيل بن أبي أويس، (متكلم فيه، وقد أخرج له الشيخان من صحيح حديثه، وكان إسماعيل قد أخرج للبخاري أصوله وأذن له أن ينتقي منها) واختلف عليه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: رواه البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر به.\nرواه الترمذي (٢٩٠١) حدثنا محمد بن إسماعيل (الإمام البخاري) به.\nوهذا الطريق قد توبع فيه ابن أبي أويس، تابعه مصعب بن عبد الله الزبيري، وإبراهيم بن حمزة، ومحرز بن سلمة كما تقدم.\nثم إنه من رواية البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، وقد علمت أن إسماعيل أخرج أصوله للإمام البخاري، فنظر فيها، وانتقى منها ما رآه صحيحًا، ولهذا حين علقه البخاري في صحيحه طوى من إسناده إسماعيل بن أبي أويس، وشيخه الدراوردي، وعلقه عن عبيد الله ابن عمر، عن ثابت، عن أنس جازمًا به، فهو صحيح عنده إلى من علقه عنه، فتأمل.\nالوجه الثاني: رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر بن أبي أويس (عبد الحميد بن عبد الله بن أبي أويس ثقة)، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت به، بلفظ: أن النبي ﷺ قال لرجل: لم تلزم قراءة قل هو الله أحد؟ قال: إني أحبها، قال النبي ﷺ: فإن حبك إياها أدخلك الجنة.\nأخرجه أبو عوانة (٣٩٥١) حدثنا محمد بن يحيى (الذهلي)\nوابن منده في التوحيد (٥) من طريق يحيى بن جعفر بن الزبرقان،\nوالبيهقي في الشعب (٢٣١٠) من طريق الحسن بن علي بن زياد،\nوالمقدسي في الأحاديث المختارة (١٧٥١) من طريق يحيى بن أبي طالب، أربعتهم رووه عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر.\nوهذا الطريق قد توبع فيه ابن أبي أويس قد تابعه فيها أيوب بن سليمان بن بلال كما تقدم، وهو ثقة، فزال ما يخشى من تفرد الدراوردي فيه عن عبيد الله بن عمر.\nالوجه الثالث: عن ابن أبي أويس، عن أبيه، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر. ...\nرواه البزار في مسنده (٦٩٩٩)، قال: وجدت في كتابي عن محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا ابن أبي أويس، عن أبيه، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله بن عمر به.\nفهذا قد تفرد به ابن أبي أويس، ولم يتابع عليه، فأخشى أن يكون الخطأ من البزار، فإن الترمذي =","vol":"2","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قد رواه عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن الدراوردي، إن كان البزار قد حفظه، فإن في حفظه شيئًا، فالحمل فيه على ابن أبي أويس، وإلا كان الحمل فيه على البزار، والله أعلم.\nفصار إسماعيل بن أبي أويس يروي حديث عبيد الله بن عمر على ثلاثة أوجه، اثنان منها قد توبع عليهما، وهما روايته عن أخيه أبي بكر، وروايته عن الدراوردي.\nوأما روايته عن أبيه، فلم يتابع عليه، ومعلوم أن ما شاركه فيه غيره فإنه صالح للاعتبار؛ لأنه من أهل الصدق، إنما يخشى من غفلته وسوء حفظه، والله أعلم.\nوتابع عبيد الله بن عمر في ثابت راويان ضعيفان كما سيأتي بيانه فيما تبقى من طرقه.\nالطريق الثاني: مبارك بن فضالة، عن ثابت.\nرواه أحمد (٣/ ١٤١) حدثنا أبو النضر.\nورواه أيضًا (٣/ ١٥٠) حدثنا حسين بن محمد،\nورواه أحمد (٣/ ١٤١) حدثنا خلف بن الوليد.\nورواه ابن الضريس في فضائل القرآن (٢٧٨)، والترمذي (٥/ ١٧٠)، وابن الأعرابي في معجمه (٢١٥٣)، عن أبي الوليد الطيالسي.\nورواه عبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (١٣٠٦) حدثنا هاشم بن القاسم.\nورواه أيضًا (١٣٧٤) أخبرني عمرو بن عاصم الكلابي،\nورواه الدارمي (٣٤٧٨) حدثنا يزيد بن هارون،\nورواه أبو يعلى في مسنده (٣٣٣٦)، وعنه ابن حبان (٧٩٢)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٩٠) عن حوثرة بن أشرس، كلهم عن مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس بن مالك جاء رجل إلى رسول الله، فقال: إني أحب هذه السورة، قل هو الله أحد. فقال رسول الله ﷺ حبك إياها أدخلك الجنة. هكذا رواه بهذا اللفظ أكثر الرواة عن مبارك بن فضالة.\nورواه عمرو بن عاصم الكلابي، عن مبارك، بلفظ: قيل: يا رسول الله، إن هاهنا رجلًا لا يصلي صلاة إلا قرأ فيها: قل هو الله أحد، منها ما يفردها، ومنها ما يقرؤها مع سورة، فقال له النبي ﷺ: وما تريد إلى هذا؟ قال: يا رسول الله إني أحبها، قال: حبها إذن أدخلك الجنة.\nوالكلابي: وثقه ابن سعد كما في الطبقات (٧/ ٣٠٥)، وقال ابن معين: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: لا أنشط لحديثه. وفي التقريب: صدوق في حفظه شيء.\nوعلة هذا الإسناد: مبارك بن فضالة، في حفظه شيء وهو كثير الخطأ والتدليس.\nضعفه أحمد وقال النسائي في السنن الكبرى: لا يحتج به، وقال البرقاني: سمعت الدارقطني يقول: مبارك بن فضالة لين كثير الخطأ، بصري يعتبر به.\nوقال أبو زرعة: يدلس كثيرًا، فإذا قال: حدثنا فهو ثقة، وقد صرح بالتحديث من شيخه ثابت كما في سنن الدارمي.\nوقال ابن حجر: صدوق يدلس ويسوي. =","vol":"2","page":434},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال البخاري: باب الجمع بين السورتين في الركعة ... وبسورة قبل سورة.\nفاستدل به البخاري على جواز تنكيس السور في الصلاة، فإنه إذا قرأ سورة\n_________\n= فتعقبه المعلمي اليماني: وأما التسوية فقد فتشت في مظان ترجمة مبارك من كتب الرجال والتواريخ، والسؤالات وغيرها، فلم أقف على من صرح بذلك، أو ذكر عنه ما يفهم منه ذلك، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين: ولم يزد على قوله: مشهور بالتدليس.\nالطريق الثالث: شريك بن عبد الله القاضي، عن ثابت.\nأخرجه ابن الأعرابي في معجمه (١١٤٣)، قال: أخبرنا إبراهيم بن جبلة، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا شريك، عن ثابت عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله: إني أحب هذه السورة قل هو الله أحد. قال: حبك إياها أدخلك الجنة.\nفشيخ ابن الأعرابي إبراهيم بن جبلة فيه جهالة، وشريك سَيِّئُ الحفظ، فهذا الطريق لم يصح إلى شريك، ولو صح فإن شريكًا فيه ما علمت.\nالطريق الرابع: حماد بن سلمة عن ثابت.\nخالف حماد بن سلمة عبيد الله بن عمر، ومبارك بن فضالة، وشريكًا،\nقال الدارقطني في العلل وقد سئل عن هذا الحديث (١٢/ ٣٧): «يرويه عبيد الله بن عمر، ومبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ، وخالفهما حماد بن سلمة، فرواه عن ثابت، عن حبيب بن سبيعة، عن الحارث مرسلًا، وحماد بن سلمة أشبه بالصواب».\nوالحارث مختلف في صحبته، فقال أبو حاتم الرازي: له صحبة كما في الجرح والتعديل (٣/ ١٠٢)، وقال الدارقطني حديثه مرسل.\nويبقى الترجيح بين رواية حماد، وبين رواية عبيد الله بن عمر ومن تابعه، وحماد بن سلمة أعلم بحديث ثابت من عبيد الله بن عمر، خاصة إذا علمنا أن عبيد الله بن عمر مروياته عن ثابت قليلة جدًّا، فليس له في الكتب التسعة إلا حديثان، هذا أحدهما، وحديث آخر عن الاستسقاء، في الصحيحين ولم يتفرد به عن ثابت، وأحاديثه خارج الكتب التسعة لا تبلغ عشرة أحاديث، ولم أجد وقتًا في النظر فيما يثبت منها، فلا يقارن بحماد في روايته عن ثابت، والله أعلم.\nقال الحافظ ابن رجب كما في فتح الباري (٧/ ٧٢): «حماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت، وأعرفهم به، والحارث هذا اختلف: هل هو صحابي أو لا؟ فقال أبو حاتم الرازي: له صحبة. وقال الدارقطني: حديث مرسل، وخرجا في الصحيحين معنى هذا الحديث من رواية أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة ...». وذكر الحديث.\nفعلى ترجيح أن يكون مرسلًا فقد اعتضد بحديث عائشة المتفق عليه، والمرسل إذا صح سنده حجة عند الجمهور، وحجة عند الشافعية إذا اعتضد بمثله، والله أعلم.","vol":"2","page":435},{"text":"الإخلاص في الركعة الأولى فسيقع في التنكيس في قراءة الركعة الثانية إلا أن يقرأ إحدى المعوذتين، والظاهر أنه لا يداوم على قراءة إحدى المعوذتين في جميع صلواته تحاشيًا للتنكيس.\n* ونوقش هذا الاستدلال:\nبأن حديث عائشة المتفق عليه يحتمل أنه كان يختم قراءة كل ركعة بسورة الإخلاص كما يدل عليه نصًّا في حديث أنس، وهو الظاهر.\nويحتمل أنه كان يختم بها القراءة في آخر ركعة يقرأ فيها، وعلى التأويل الأول يكون الحديث دليلًا على جواز التنكيس مع غيرها بخلاف التأويل الثاني.\nوأما حديث أنس فرجح الدارقطني أنه مرسل، والحديث المرسل مختلف في الاحتجاج به، فاحتج به الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية، وقال الشافعي: ليس بحجة إلا أن يعتضد بمثله، وهو رواية عن أحمد.\n* ويجاب:\nعلى ترجيح أنه مرسل، فهو صالح للاحتجاج، فهذا المرسل قد اعتضد بحديث عائشة المتفق عليه، كما ذكرت ذلك في التخريج، والاحتمال في حديث عائشة أكان يختم بها في كل ركعة أم كان يختم بها القراءة في آخر ركعة؟ هذا الإجمال في حديث عائشة يجب أن يحمل على المُبَيَّن من حديث أنس، فهو صريح بأنه كان يختم بها قراءة كل ركعة، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\n(ث-٣٤٧) ما رواه الطحاوي من طريق سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عبد الله بن عامر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ في الصبح بسورة الكهف، وسورة يوسف (^١).\n[صحيح].\nفإن قيل إن الواو لا تقتضي ترتيبًا، فالجواب:\n(ث-٣٤٨) أن الطحاوي أخرج من طريق مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن زيد، عن بديل بن ميسرة،\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ١٨٠).","vol":"2","page":436},{"text":"عن عبد الله بن شقيق، قال: صلى بنا الأحنف بن قيس صلاة الصبح بعاقول الكوفة، فقرأ في الركعة الأولى الكهف، والثانية بسورة يوسف، وقال: صلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح فقرأ بهما فيها (^١).\n[صحيح] (^٢).\nقال ابن رجب: «وهذا يدل على أنه لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف، فيقرأ في الركعة الأولى سورة، وفي الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصحف» (^٣). اهـ\nوعمر ﵁ من الخلفاء الراشدين المأمورون باتباع سنتهم.\nالدليل السادس:\n(ث-٣٤٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاء،\nعن أبي رافع، قال: كان عمر، يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل (^٤).\n[صحيح] (^٥).\nفهذا الأثر والذي قبله قد فعله عمر ﵁، وهو يصلي بالصحابة رضوان الله عليهم، وما أنكر أحد منهم فعله، فكان إجماعًا سكوتيًّا على جواز تنكيس السور بلا كراهة، والله أعلم.\nالدليل السابع:\n(ح-١٤١٠) ما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل،\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ١٨٠).\n(^٢). رواه الفريابي في كتاب الصلاة كما في الفتح (٢/ ٢٥٧)، ومن طريقه أخرجه الحافظ في تغليق التعليق (٢/ ٣١٣)، عن قتيبة، عن حماد بن زيد به.\n(^٣). فتح الباري (٧/ ٦٨).\n(^٤). المصنف (٣٥٦٣).\n(^٥). والجريري وإن كان قد اختلط إلا أن سماع عبد الأعلى من أصحهم سماعًا منه قبل اختلاطه، والله أعلم.","vol":"2","page":437},{"text":"عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا:\nأتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أَهَذًّا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل؟ لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة»، قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵀ (^١).\nورواه الفريابي من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل به بنحوه، وفيه: ... ولكن رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر في كل ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة (^٢).\n[الحديث في الصحيحين دون تسمية النظائر] (^٣).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (١٣٩٦).\n(^٢). فضائل القرآن للفريابي (١٢٤).\n(^٣). حديث ابن مسعود رواه عنه جماعة من أصحابه، منهم الأسود وعلقمة، وأبو وائل شقيق بن سلمة، ومسروق، وزر بن حبيش، ونهيك بن سنان ولا يصح عنه، وإليك بيان مروياتهم:\nالطريق الأول: الأسود وعلقمة عن ابن مسعود.\nرواه أبو إسحاق، عنهما مقرونين، ورواه عن أبي إسحاق إسرائيل، وأبو خيثمة:\nأما رواية إسرائيل عن أبي إسحاق.\nفأخرجها أبو داود (١٣٩٦) من طريق إسماعيل بن جعفر،\nوالفريابي في فضائل القرآن (١٢٤) من طريق يحيى بن آدم،\nوالطوسي في مختصر الأحكام (٥٠٠) من طريق عبيد الله بن موسى.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤) من طريق شبابة، أربعتهم رووه عن إسرائيل به.\nقال أحمد: إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين، سمع منه بآخرة. الجرح والتعديل (٢/ ٣٣١).\n\nوقال أبو طالب والفضل بن زياد للإمام أحمد: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه صاحب كتاب. =","vol":"2","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال أبو داود: قلت لأحمد: إسرائيل إذا انفرد بحديث يحتج به؟ قال: إسرائيل ثبت في الحديث.\nوقال عيسى بن يونس: قال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. اهـ\nفإسرائيل ثبت في جده أبي إسحاق.\nوأما رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق.\nفرواها أحمد (١/ ٤١٨)، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق به، ولفظه:\nأن رجلًا أتاه، فقال: قرأت المفصل في ركعة، فقال: بل هذَذْت كهذِّ الشعر، أو كنثر الدقل، لكن رسول الله ﷺ لم يفعل كما فعلت، كان يقرأ النظائر: الرحمن، والنجم، في ركعة.\nقال: فذكر أبو إسحاق عشر ركعات، بعشرين سورة على تأليف عبد الله، آخرهن: إذا الشمس كورت، والدخان.\nومن طريق يحيى بن آدم أخرجه الفريابي في فضائل القرآن (١٢٢، ١٢٣).\nورواه الطحاوي (١/ ٣٤٦) من طريق أبي داود (يعني الطيالسي) ومن طريق أبي غسان (مالك بن إسماعيل ثقة).\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٢) ح ٩٨٥٥، وفي الأوسط (١٩٧٧)، من طريق عمرو بن مرزوق،\nوأخرجه المستغفري في فضائل القرآن (٩٠١) من طريق أبي نعيم (الفضل بن دكين) أربعتهم (يحيى بن آدم، والطيالسي، وأبو غسان، وعمرو بن مرزوق، وأبو نعيم)، رووه عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق به.\nوأبو خيثمة: زهير بن معاوية ثقة، إلا أن روايته عن أبي إسحاق كان بعد تغيره، وقد تابعه إسرائيل.\nوظاهر رواية أبي داود أن تسمية هذه السور من قِبَل ابن مسعود ﵁، وقد تفرد بتسمية السور أبو إسحاق، عن الأسود وعلقمة عن ابن مسعود.\nوقد رواه أبو ائل شقيق بن سلمة كما في الصحيحين، ومسروق الأجدع، وزر بن حبيش، عن ابن مسعود، ولم يذكروا أسماء السور تفصيلًا.\nوقد جاء في البخاري ما يدل على أن ذلك كان من قبل علقمة إلا أنه ذكرها مجملة.\nفقد روى البخاري في صحيحه (٤٩٩٦) من طريق أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله: لقد تعلمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن: اثنين اثنين في كل ركعة. فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود: آخرهن الحواميم: حم الدخان، وعم يتساءلون.\nوجاء في مسلم ما يدل على أن علقمة ذكر عدد السور مجملة بعد أن سأل ابن مسعود عنها، فقد رواه مسلم (٢٧٦ - ٨٢٢) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش به، وفيه: ... فجاء علقمة ليدخل عليه، فقلنا له: سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في ركعة، فدخل عليه، فسأله، ثم خرج علينا، فقال: عشرون سورة من المفصل تأليف عبد الله. =","vol":"2","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فذكر علقمة السور على سبيل الإجمال، سواء أكان ذلك من قوله كما في رواية البخاري، أم كان ذلك بعد أن سأل ابن مسعود، كما في مسلم، من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، وهو من أثبت أصحابه.\nوإذا كانت تسمية السور إجمالًا قد صح من طريق علقمة عن ابن مسعود، فإن تفصيلها إنما جاء من رواية أبي إسحاق، عن الأسود وعلقمة،\nفكان يحتمل أن هذا التفصيل من رواية أبي إسحاق عن الأسود، فيكون الإسناد إلى الأسود متصلًا.\nويحتمل وهو أرجح أن هذا التفصيل من رواية أبي إسحاق عن علقمة، كما تبين رواية الصحيحين، وأبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا، فيكون منقطعًا.\nقال ابن أبي حاتم: قال أبي وأبوزرعة: أبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا. انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٥٢٤).\nوكذا قال الدارقطني في العلل (٩٠٤).\nبل قال شعبة: «كنت عند أبي إسحاق الهمداني، فقيل له: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة شيئًا، قال: صدق. المراسيل لابن أبي حاتم (٥٢٥).\nفصارت الرواية التي جاء فيها ذكر السور مفصلة فيها أكثر من علة:\nالأولى: احتمال الانقطاع؛ لاحتمال أن يكون ذلك من رواية أبي إسحاق عن علقمة.\nالثانية: تفرد أبي إسحاق بذكر السور مفصلة في روايته عن علقمة والأسود، مخالفًا لرواية أبي وائل في الصحيحين ومسروق وزر وغيرهم، حيث ذكروها مجملة في الجملة، فلا يمكن الجزم بثبوت هذا التفصيل من جهة الإسناد، والله أعلم.\nالثالثة: أن أبا إسحاق لم يذكر من الحواميم إلا الدخان، بينما في البخاري (٥٠٤٣)، ومسلم (٢٧٨ - ٨٢٢) من رواية واصل الأحدب، عن أبي وائل: ثماني عشرة من المفصل، وسورتين من آل حم.\nوقد جاء ذكر بعض النظائر من غير طريق أبي إسحاق، رواه إبراهيم النخعي، عن نهيك، كما في الطريق التالي.\nالطريق الثاني: إبراهيم النخعي، عن نهيك بن سنان، عن ابن مسعود ﵁.\nرواه أحمد (١/ ٤١٧) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٥، ٣٤٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٥) ح ٩٨٦٨، وحرب الكرماني في مسائله ت الغامدي (١٦٠)، من طريق أبي عوانة (وضاح اليشكري)،\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٥) ح ٩٨٦٨، من طريق شعبة، كلاهما عن حصين (هو ابن عبد الرحمن السلمي)، قال: حدثني إبراهيم، عن نَهِيك بن سنان السلمي،\nأنه أتى عبد الله بن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا مثل هذِّ الشعر، أو نثرًا مثل نثر الدقل، إنما فصل لتفصلوا، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن عشرين سورة: الرحمن والنجم على تأليف ابن مسعود، كل سورتين في ركعة، وذكر الدخان=","vol":"2","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعم يتساءلون في ركعة.\nزاد أبو عوانة فيه: فقلت لإبراهيم: أرأيت ما دون ذلك، كيف أصنع؟ قال: ربما قرأت أربعًا في ركعة.\nفظاهر الحديث أن إبراهيم يرويه عن نهيك بن سنان، فيكون الإسناد موصولًا، وتكون هذه الرواية فيها متابعة لرواية أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، ونهيك فيه جهالة.\nوقد رواه غيره فذكروا نهيك بن سنان على أنه صاحب القصة، وليس له ذكر في إسناد الحديث.\nفقد رواه الشيخان من طريق أبي وائل، قال: جاء رجل يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال: يا عبد الله ... وذكر الحديث.\nولا يعرف نهيك بالرواية، لا عن ابن مسعود، ولا عن غيره، ولهذا لم يترجم له البخاري في التاريخ الكبير، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.\nكما أنه لا يعرف أن أحدًا روى عنه إلا ما جاء في طريق إبراهيم النخعي هذا، فيترجح على ذلك أن يكون إسناد إبراهيم هكذا، عن إبراهيم، أن نهيك بن سنان أتى عبد الله بن مسعود، فقال له: قرأت المفصل ... كما هي رواية أبي وائل.\nوإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، فيكون مرسلًا. انظر فضل الرحيم الودود، المجلد الخامس عشر لفضيلة الشيخ ياسر آل عيد، قرأته له، والكتاب ليس قريبًا مني لوضع الصفحة.\nوقد يكون إبراهيم سمع هذا التفصيل من علقمة، فإن علقمة هو الذي سأل ابن مسعود عن أسماء النظائر التي كان يقرن بينهن رسول الله ﷺ، وقد وقفت على رواية إبراهيم لهذا الحديث موصولًا عن علقمة، إلا أن الطرق إلى إبراهيم ضعيفة جدًّا، وليس فيها ذكر التفصيل في النظائر.\nوسواء أرجحنا أن الرواية عن إبراهيم عن ابن مسعود أن نهيك بن سنان ... أم رجحنا أن الرواية عن إبراهيم، عن نهيك، عن ابن مسعود كما هو ظاهر الإسناد، فالحديث ضعيف ففي الافتراض الأول لعلة الانقطاع، وفي الافتراض الثاني لجهالة نهيك.\nفإن قيل: إن الطبراني قد رواه في المعجم الكبير (١٠/ ٣٥) ٩٨٦٧، من طريق مغيرة (هو ابن مقسم)، عن إبراهيم، عن نهيك بن سنان، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني قرأت المفصل ... الحديث.\nفهذا يدل على أن نَهِيكًا له رواية عن ابن مسعود، وهي متابعة لرواية حصين وأبي عوانة، عن إبراهيم.\nفالجواب أن هذه الرواية خطأ قطعًا؛ لأن الرجل الذي سأل ابن مسعود هو نهيك بن سنان وليس غيره، فهذا دليل على أن مغيرة لم يضبط إسناد الرواية.\nوقد قال أحمد: بأن عامة ما رواه مغيرة عن إبراهيم إنما سمعه من غيره، إشارة إلى تدليسه، وهو هنا قد عنعن.\nفصار عندنا إسنادان منقطعان في تفصيل السور:\nأحدهما رواية أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة، وهي أتمها في سرد جميع النظائر.\nوالثاني: رواية إبراهيم، عن نهيك، عن ابن مسعود. وهذه الرواية ذُكِر فيها اثنان من النظائر العشرين. =","vol":"2","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فاتفقت الروايتان على جعل النجم نظيرة للرحمن، والبداءة بالرحمن قبل النجم، فصارت بالمجموع صالحة للاحتجاج على جواز التنكيس بحسب ترتيب مصحف عثمان، وقد لا يكون فيها تنكيس بحسب ترتيب مصحف ابن مسعود رضي الله عن الجميع.\nواختلفا في نظيرة سورة الدخان، حيث ذكر أبو إسحاق في روايته نظيرتها سورة إذا الشمس كورت، وجعل إبراهيم نظيرتها عم يتساءلون، وهذا أصح؛ لكونه موافقًا لما رواه البخاري (٤٩٩٦) من طريق أبي حمزة، عن الأعمش عن شقيق، قال: قال عبد الله: لقد تعلمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين، في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن الحواميم: حم الدخان وعم يتساءلون.\nفخلص لنا مما سبق: أن النظائر التي كان يقرن بينها رسول الله ﷺ هي عشرون سورة، هذا مقطوع بصحته.\nوتبين من البحث شذوذ ما ذكر بأن نظيرة الدخان إذا الشمس كورت، والصحيح أن نظيرتها عم يتساءلون.\nثبوت أن النبي ﷺ كان يقرن في التلاوة بين الرحمن والنجم، حيث اتفقت عليه رواية أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة، ورواية إبراهيم عن ابن مسعود، فهو حسن لغيره بمجموع الطريقين.\nوالحكم بأن فيها تنكيسًا إنما هو بحسب ترتيب مصحف عثمان ﵁، وقد لا يكون فيها تنكيس بحسب ترتيب مصحف ابن مسعود ﵁.\nهذا ما يتعلق برواية حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم النخعي، وقد خولف حصين:\nخالفه عيسى بن قرطاس فرواه عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله أن رجلًا أتاه، قال: إني قرأت المفصل في ركعة، قال: هذًّا كهذِّ الشِّعر، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرؤهن أو يقرأ بهن. سورتين من المفصل في ركعة.\nأخرجه البزار (١٥٦٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٣٣) ح ٩٨٥٧، والشاشي في مسنده (٣١٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٤٣). وأبو بكر الإسماعيلي في معجم شيوخه (١/ ٣٧٣).\nوعيسى بن قرطاس قال النسائي: متروك الحديث.\nقال فيه ابن معين: ليس بثقة.\nوقال ابن حبان: «كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل الاحتجاج به».\nوقال البزار: «لا نعلم روى عيسى بن قرطاس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؛ إلا هذا الحديث».\nقلت: ذكر ابن عدي في الكامل من مناكيره أربعة أحاديث منها هذا الحديث، ثم قال: ولعيسى غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وهو ممن يكتب حديثه.\nوتابع حصينًا أبو حمزة ميمون الأعور القصار، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٣) ٩٨٥٦،). وفي الأوسط (٤٥٧٣) من طريق زيد بن الحريش (فيه جهالة)، حدثنا صُغْدِيُّ بن سنان (ضعيف). =","vol":"2","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه البزار (١٥٧٢) من طريق محبوب بن الحسن، كلاهما (صغدي ومحبوب) عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أعطوا كل سورة حقها. هذا لفظ البزار -وعند الطبراني: حظها- من الركوع والسجود فإن رسول الله ﷺ لم يقرأ إلا عشرين سورة في عشر ركعات.\nوفي رواية البزار: فإن النبي ﷺ لم يجمع من القرآن إلا عشرين سورة من المفصل.\nورواه الخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ٢٠٨٩) من طريق يوسف بن عطية الوراق (متروك).\nوالآجري في أخلاق حملة القرآن (١) من طريق سعيد بن زيد (هو الجهضمي) كلاهما عن أبي حمزة، عن إبراهيم به، بلفظ: لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هَذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.\nورواه البيهقي في السنن (٣/ ٢٠) وفي الشعب (١٨٨٤)، من طريق المغير (هو ابن مسلم القسملي)، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: اقرؤوا القرآن، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. اهـ فسقط ذكر علقمة من إسناده.\nوميمون أبو حمزة الأعور قال أحمد كما في العلل لابنه (٣٢١٤): أبو حمزة ميمون صاحب إبراهيم متروك الحديث.\nوسأل ابن هانئ أحمد عنه، فقال: ليس بشيء. سؤالاته (٢١٧٧).\nوقال ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه.\nوقال النسائي: ليس بثقة.\nكما تابعهم في الرواية عن إبراهيم: يزيد بن الوليد عند البزار (١٥٦٧) من طريق إسماعيل بن مسلم (ضعيف) عن يزيد بن الوليد (لم يوثقه إلا ابن حبان ففيه جهالة)، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؛ أن رجلًا جاء إليه، فقال له: تحسن النظائر؟ فقال: لقد قرأت الليلة المفصل في ركعة، فقال: هذًّا كهذِّ الشِّعر، أو نَثْرًا كنثر الدقل، لقد علمت القرآن الذي كان رسول الله ﷺ يقرأ به، عشرين سورة من أول المفصل، سورتين في ركعة.\nقال البزار: ولا نعلم روى يزيد بن الوليد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؛ إلا هذا الحديث.\nقلت: قد روى الطبراني (١٠/ ٨٦) ح ١٠٠٣٦، من طريق إسماعيل بن مسلم (هو المكي ضعيف)، عن يزيد بن الوليد، عن إبراهيم عن علقمة، قال: قام عبد الله عند الصفا عند صدع فيه، فقال: هاهنا والذي لا إله إلا هو قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.\nفتبين من هذا أن رواية إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله لا يصح منها شيء، على اختلاف في متونها، وأحسنها ما رواه حصين بن عبد الرحمن السلمي، قال: حدثني إبراهيم، عن نَهِيك بن سنان السلمي، عن ابن مسعود، وقد علمت ما فيه.\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (٣٧٢٣)، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه كان يقرأ في الفجر في الركعة الأولى بـ حم الدخان، والطور، =","vol":"2","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والجن، ويقرأ في الثانية بآخر البقرة، وآخر آل عمران، وبالسورة القصيرة.\nوإسناده صحيح، إلا أنه مقطوع على علقمة.\nوبهذا نكون قد استوفينا تخريج طريق علقمة والأسود، وتضمن الكلام على طرقهما تخريج طريق رواية إبراهيم، عن نهيك بن سنان.\nالطريق الثالث: مسروق عن ابن مسعود.\nرواه إسرائيل، واختلف عليه فيه: ...\nفرواه عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله، وأتاه رجل فقال: إني قرأت الليلة المفصل في ركعة، فقال: هَذَّا كهذ الشعر لكن رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر عشرين سورة من المفصل من آل حم.\nأخرجه محمد بن يحيى الذهلي في جزئه (٤٠)، النسائي في المجتبى (١٠٠٦)، وفي الكبرى (١٠٨٠)، عن عبد الله بن رجاء،\nوعبد الله بن رجاء: في التقريب: صدوق يهم.\nوأبو حصين: هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي ثقة ثبت، قال ابن مهدي: لا ترى حافظًا يختلف على أبي حصين.\nوباقي الإسناد كلهم ثقات مشهورون.\nوخالفه وكيع، فرواه عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، قال: أعط كل سورة حظها من الركوع والسجود.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ت محمد عوامة (٣٧٣١).\nوأبو عبد الرحمن إن كان هو ابن مسعود فهو منقطع موقوف.\nوإن كان هو السلمي، وهو الراجح فهو مقطوع، والمقاطيع: هي الموقوفات على التابعين.\nولم يتابع وكيع في إسناده عن إسرائيل، بينما توبع إسرائيل من رواية عبد الله بن رجاء عنه، تابعه شعبة، وقيس بن الربيع.\nأما متابعة شعبة، فأخرجها الطبراني (١٠/ ٣٣) ح ٩٨٥٩، من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شعبة، عن حصين أو أبي حصين، به، بلفظ: جاء رجل، فقال: إني قرأت المفصل في ركعة، فقال: هذًّا كهذِّ الشعر، لكن رسول الله ﷺ كان يقرأ النظائر سورتين عشرين سورة.\nغريب من حديث شعبة، انفرد به عن شعبة أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصري مولى بني هاشم، روى له البخاري متابعة، ووثقه ابن معين والدارقطني، واختلف قول أحمد فيه، فقال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٥/ ٢٥٤): كان أحمد يرضاه وما كان به بأس.\nوحكى العقيلي عن أحمد أنه قال: كان كثير الخطأ.\nووثقه أحمد في رواية. =","vol":"2","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ونقل القباني أنه جاء عن أحمد أنه كان لا يرضاه.\nوفي التقريب: صدوق ربما أخطأ، فتفرده عن شعبة لا يحتمل، فلوكان هذا محفوظًا من حديث شعبة لرواه عنه أصحابه.\nوأما متابعة قيس بن الربيع: فرواه الفريابي في فضائل القرآن (١٢٥) من طريق قيس (هو ابن الربيع) عن أبي حصين به، بلفظ: لقد حفظت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين في كل ركعة. . . الرحمن والنجم في ركعة، والذاريات والطور في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والمزمل والمدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، والمرسلات وعم يتساءلون في ركعة، وإذا الشمس كورت، والدخان في ركعة.\nانفرد بسرد النظائر عن أبي حصين قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع كبر فتغير، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، فلا يحتمل تفرده بمثل ذلك عن أبي حصين.\nقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس بن الربيع، وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه. الجرح والتعديل (٧/ ٩٦).\nوقال حرب بن إسماعيل الكرماني: قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع أي شيء ضعفه؟ قال: روى أحاديث منكرة. المرجع السابق.\nوقال أحمد بن حنبل: كان له ابن يأخذ حديث مسعر وسفيان الثوري والمتقدمين، فيدخلها في حديث أبيه، وهو لا يعلم. الكامل (٦/ ٣٩).\nوقال يحيى بن معين: قيس بن الربيع ليس حديثه بشيء. وقال مرة أخرى: هو ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا. الجرح والتعديل (٧/ ٩٦).\nهذا ما يتعلق بطريق مسروق، عن ابن مسعود ﵁.\nالطريق الرابع: زر بن حبيش، عن ابن مسعود.\nرواه أحمد (١/ ٤١٢)، والطحاوي في المشكل مختصرًا (٣/ ٤٠٢)، حدثنا عفان بن مسلم ومنصور بن صقير (ضعيف)، حدثنا حماد بن سلمة (صدوق إلا إذا روى عن ثابت وحميد الطويل فثقة)، حدثنا عاصم (هو ابن أبي النجود)، عن زر أن رجلًا قال لابن مسعود: كيف تعرف هذا الحرف: ماء غير ياسن أم آسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأتَ؟ قال: إني لأقرأ المفصل أجمع في ركعة واحدة، فقال: أهذَّ الشعر لا أبا لك؟ قد علمت قرائن رسول الله ﷺ التي كان يقرن، قرينتين، قرينتين، من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود: الرحمن. هذا لفظ أحمد.\nعفان من أثبت أصحاب حماد بن سلمة، فإن كان يخشى من شيء فيخشى من تفرد عاصم بن أبي النجود عن زر، حيث لم يتابع في روايته عنه.\nالطريق الأخير، وهو أقواها في الجملة: أبو وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود: =","vol":"2","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه عن أبي وائل جماعة من أصحابه، منهم الأعمش، وواصل بن حيان الأحدب، ومنصور بن المعتمر، وعمرو بن مرة، وسيار أبو الحكم، وسلمة بن كهيل، وغيرهم، وإليك تخريج طرقهم:\nأما رواية الأعمش، عن أبي وائل:\nفرواها البخاري (٤٩٩٦) من طريق أبي حمزة (هو محمد بن ميمون السكري).\nومسلم (٢٧٥ - ٨٢٢) من طريق وكيع.\nوأيضًا (٢٧٦ - ٨٢٢) من طريق أبي معاوية،\nوأيضًا (٢٧٧ - ٨٢٢) من طريق عيسى بن يونس، أربعتهم عن الأعمش به، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nولفظ أبي حمزة عن الأعمش: لقد تعلمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن، اثنين اثنين في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن الحواميم: حم الدخان، وعم يتساءلون.\nولم يذكر قصة الرجل الذي قرأ المفصل في ركعة.\nولفظ وكيع عن الأعمش: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟ ألفًا تجده أم ياء ﴿من ماء غير آسن﴾، أو: من ماء غير ياسن؟ قال: فقال عبد الله: وكلَّ القرآن قد أحصيتَ غير هذا، قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشِّعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، سورتين في كل ركعة، ثم قام عبد الله، فدخل علقمة في إثره، ثم خرج، فقال: قد أخبرني بها.\nولفظ أبي معاوية عن الأعمش: بمثل حديث وكيع، غير أنه قال: فجاء علقمة ليدخل عليه، فقلنا له سله عن النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بها في ركعة، فدخل عليه فسأله، ثم خرج علينا، فقال: عشرون سورة من المفصل، في تأليف عبد الله.\nولفظ عيسى بن يونس عن الأعمش: إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله ﷺ، اثنتين في ركعة، عشرين سورة في عشر ركعات.\nوأما رواية واصل بن حيان الأحدب، عن أبي وائل.\nفرواها البخاري حدثنا أبو النعمان (عارم)،\nومسلم (٢٧٨ - ٨٢٢) حدثنا شيبان بن فروخ، كلاهما حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل الأحدب به. وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nولفظ أبي النعمان: غدونا على عبد الله، فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذًّا كهذِّ الشِّعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ، ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم.\nولفظ شيبان فيه قصة حيث ذكر دخولهم على ابن مسعود، وتسبيحه إلى حين طلوع الشمس، =","vol":"2","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفيه: ... فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة كله، قال: فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر، ثم ذكر بقية الحديث بمثل رواية عارم.\nوأما رواية عمرو بن مرة، عن أبي وائل.\nفرواها البخاري (٧٧٥) حدثنا آدم.\nومسلم (٨٢٢) من طريق محمد بن جعفر، كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذًّا كهذِّ الشِّعر، لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة .. وفي رواية مسلم: سورتين سورتين في كل ركعة.\nوأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nوأما رواية منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، فرواه منصور واختلف عليه فيه:\nفرواه زائدة بن قدامة كما في صحيح مسلم (٢٧٩ - ٨٢٢)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (١٨٦٠)،\nوجرير بن عبد الحميد كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٣٥) ح ٩٨٦٦، كلاهما عن منصور به، بلفظ: قال: جاء رجل من بني بجيلة، يقال له: نهيك بن سنان إلى عبد الله، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: هذًّا كهذِّ الشعر، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن، سورتين في ركعة. واقتصر جرير على قوله: لقد علمت النظائر ... إلخ.\nورواه الحسين بن واقد كما في فضائل القرآن للمستغفري (٩٠٦)، عن منصور به، بلفظ: بينا نحن جلوس عند ابن مسعود إذ جاء نهيك بن سنان فقال: أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ﴿مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أو (غير ياسن)؟ قال: أو كل القرآن قد أحصيت غيرها؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، قال: فغضب ثم قال: أهذًّا كهذِّ الشعر، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن كل سورتين في ركعة، وعد السور: الرحمن والنجم والذاريات والطور واقتربت الساعة والحاقة والواقعة ونون والنازعات وسأل سائل والمدثر والمزمل والمطففين وعبس وهل أتى على الإنسان، ولَا أقسم بيوم القيامة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وحم الدخان.\nانفرد بسرد النظائر حسين بن واقد، عن منصور مخالفًا رواية زائدة وجرير عن منصور، وهما مقدمان عليه، فقد يكون الحمل على الراوي عن الحسين بن واقد، فقد رواه عنه الحسين بن سعد بن سعيد، عن جده الحسين بن واقد، وفيه جهالة، وشيخ المستغفري عبيد الله بن عبد الله التاجر لم أقف له على ترجمة، والله أعلم.\nوجاء في سرد النظائر من طريق حسان بن إبراهيم، عن محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن شقيق بن سلمة، قال: قال عبد الله: لقد علمت النظائر التي كان يصلي بهن رسول اللهصلى الله عليه وسلم: الذاريات والطور، واقتربت والنجم، والرحمن والواقعة، ونون والحاقة، والمزمل ولا أقسم =","vol":"2","page":447},{"text":"وجه الاستدلال:\nدل حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يكن يراعي الترتيب بين بعض النظائر التي كان يقرن بينها في الركعة، فكان يقرأ الرحمن قبل النجم، ويقرأ الطور قبل الذاريات، ويقرأ المطففين قبل عبس، ويقرأ الإنسان قبل القيامة، وهكذا.\n_________\n= بيوم القيامة، وهل أتى على الإنسان والمرسلات، وعم يتساءلون والنازعات، وعبس وويل للمطففين، وإذا الشمس كورت وحم الدخان.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٤/٩٨٦١).\nلم يروه عن سلمة بن كهيل إلا ابنه محمد، تفرد به عنه حسان بن إبراهيم الكرماني.\nومحمد بن سلمة بن كهيل، فيه لين.\nقال الدارقطني: يعتبر به.\nوقال أحمد: مقارب الحديث. سؤالات أبي داود عنه (٤٠٠).\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال ابن سعد: كان ضعيفًا. وذكره ابن حبان في الثقات.\nوالراوي عنه حسان بن إبراهيم الكرماني، قال ابن عدي: حدث بأفرادات كثيرة، وهو من أهل الصدق، إلا أنه يغلط.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nووثقه أحمد، وقال أبو زرعة: لا بأس به.\nوأما رواية سيار أبي الحكم، عن أبي وائل.\nفرواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (ص: ١٧٥)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٤) ح ٩٨٦٠،\nوأحمد (١/ ٤٢٧)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٤) ح ٩٨٦٠،\nورواه سعيد بن منصور في سننه (١٥٦)، ومن طريقه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٦)،\nورواه البيهقي في الشعب (١٩٩١) من طريق محمد بن الصباح، أربعتهم (أبو عبيد، وأحمد، وسعيد بن منصور، وابن الصباح) رووه عن هشيم، قال: أخبرنا سيار، عن أبي وائل، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني قرأت البارحة المفصل في ركعة، فقال عبد الله: أنثرًا كنثر الدقل، وهذَّا كهذَّ الشعر؟ إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن سورتين في ركعة.\nوفي رواية سعيد بن منصور: جاء إليه رجل، فقال: إني قرأت المفصل البارحة في ركعة، فغضب، وقال: إنما فُصِّل لتفَصِّلوه، هذًّا كهذِّ الشِّعر، ونثرًا كنثر الدقل؟ لقد علمت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، بسورتين في كل ركعة، بسورتين في كل ركعة.\nوهذا سند صحيح، وهو موافق لرواية الصحيح.","vol":"2","page":448},{"text":"فكان الحديث دليلًا على أحد أمرين إما على جواز تنكيس السور.\nوإما على أن ترتيب مصحف عثمان كان اجتهادًا من الصحابة لأن ترتيب مصحف ابن مسعود يختلف عنه، وإذا كان ترتيب السور ليس توقيفًا من الشارع لم تكره مخالفته، وإن استحب مراعاته لاتفاق الصحابة عليه فيما بعد، ولكونه الغالب من فعله ﷺ، والله أعلم.\nوالمقصود بالنظائر: قيل: هي السور التي يشبه بعضها بعضًا في الطول والقصر. ورجحه ابن رجب (^١).\nوقيل: هي السور المتماثلة في المعاني من مواعظ وحكم وقصص. ورجحه ابن حجر (^٢).\nالدليل الثامن:\n(ث-٣٥٠) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال:\nإني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك؟ قالت: لم؟ قال: لعلي أولف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أَيَّهُ قرأت قبل؟ .... فقال في آخره: فأخرجتْ له المصحف، فأملتْ عليه آي السور (^٣).\nوجه الدلالة:\nقوله: (وما يضرك أَيَّهُ قرأت قبل) دليل على عدم كراهة التقديم والتأخير في السور، والله أعلم.\n* دليل من قال: يكره التنكيس في الفرض دون النفل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤١١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٤).\n(^٢). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٥٩).\n(^٣). صحيح البخاري (٤٩٩٣).","vol":"2","page":449},{"text":"المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها ... الحديث (^١).\nفهذا الحديث إنما وقع في صلاة الليل، فلا يصح دليلًا على إباحة التنكيس في صلاة الفرض؛ لأن النفل أوسع من الفرض.\nالدليل الثاني:\nأن قراءة النبي ﷺ في صلاة الفريضة كانت مرتبة، فكان يقرأ سورة السجدة قبل سورة الإنسان في صلاة الصبح (^٢)، ويقرأ سورة سبح قبل سورة الغاشية في صلاة\nالجمعة (^٣)، وربما قرأ في الجمعة سورة الجمعة قبل سورة المنافقون (^٤).\nفإذا انْضَمَّ هذا الدليل إلى الدليل الذي قبله دل بمجموع الدليلين على إباحة التنكيس في صلاة النفل، وكراهته في صلاة الفرض.\nالدليل الثالث:\nولأن النفل أوسع بابًا من الفرض، ولهذا صحت صلاة النفل على الدابة غير متوجه إلى القبلة، ولم تصح الفريضة، وصح النفل جالسًا مع القدرة على القيام، لهذا قدر الحنفية قراءة النفل كل ركعة فعلًا مستقلًّا، بخلاف الفرض فإن القراءة فيها عندهم بمنزلة القراءة الواحدة، والله أعلم.\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). رواه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٦٥ - ٨٨٠) من طريق سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (٨٧٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\n(^٣). رواه مسلم (٦٢ - ٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير.\n(^٤). رواه مسلم (٦٤ - ٨٧٩) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nورواه مسلم (٦١ - ٨٧٧) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن ابن أبي رافع، عن أبي هريرة.","vol":"2","page":450},{"text":"* الراجح:\nأرى أن مذهب الشافعية هو القول الوسط، وبه تجتمع الأدلة، وأن التنكيس جائز، والترتيب مستحب، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الفرع السابع في العجز عن قراءة الفاتحة وغيرها من القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>المسألة الأولى إذا لم يحسن القراءة من القرآن مطلقًا</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل في العبادات سقوطها بالعجز إلا ما شرع له بدل، فينتقل إليه.\n* الانتقال إلى البدل يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.\n* لا يشرع السكوت في الصلاة إلا لاستماع القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، أو للفصل بين القراءة والركوع على الصحيح.\n* قال ﷺ: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. رواه مسلم، فإذا عجز عن القرآن بقي الذكر.\n[م-٥٤٥] إذا لم يكن مع المصلي شيء من القرآن، لا الفاتحة، ولا غيرها، فما الواجب عليه؟\nفقيل: إذا عجز عن القرآن انتقل إلى بدله، وكان فرضه الذكر من تسبيح وتحميد، وتهليل وتكبير، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^١).\nقال الماوردي «في الحاوي: إذا لم يحسن الفاتحة ولا شيئًا من القرآن، فعليه\n_________\n(^١). المهذب للشيرازي (١/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣٣٩)، المجموع (٣/ ٣٧٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧)، بداية المحتاج (١/ ٢٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٦)، الإنصاف (٢/ ٥٣)، المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤١)، الإقناع (١/ ١١٧).","vol":"2","page":452},{"text":"أن يسبح الله سبحانه، ويحمده بدلًا من القراءة، وقال أبو حنيفة: قد سقط عنه فرض الذكر» (^١).\nوقيل: فرضه الذكر إذا لم يجد قارئًا يصلي خلفه، اختاره محمد بن الإمام سحنون وأشهب وابن القاسم من المالكية (^٢).\nجاء في التاج والإكليل نقلًا عن ابن عرفة: «يلزم جاهلها تعلمها، فإن ضاق الوقت ائْتَمَّ، فإن لم يجد فلابن سحنون، وابن القاسم وأشهب: فرضه ذكر الله» (^٣).\nوقيل: تلزمه الصلاة خلف قارئ، وهو مذهب المالكية، ووجه عند الحنابلة، قال المالكية: فإن لم يجد سقطت عنه القراءة، وهو المعتمد في المذهب المالكي (^٤).\nقال ابن مفلح: وتلزمه الصلاة خلف قارئ في وجه وفاقًا لمالك (^٥).\nوقال الحنفية: تسقط القراءة عن الأمي لعجزه عنها، إلى غير بدل، وهل يلزمه أن يصلي خلف قارئ؟ قولان في مذهب الحنفية.\nأحدهما: يلزمه إن كان معه في المسجد، وصلاتهما متوافقة، فلو صلى الأمي وحده في هذه الحال لم تصح صلاته، قال القاضي أبو حازم: وهو قياس قول أبي حنيفة.\nوقيل: تصح صلاته وإن كان معه في المسجد؛ لأنه لم يظهر من القارئ رغبة\n_________\n(^١). الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٤).\n(^٢). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٨)، البيان والتحصيل (٢/ ١٣٧)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٤١)،شرح التلقين للمازري (١/ ٥١٧، ٥١٨)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٢)، تفسير القرطبي (١/ ١٢٦).\n(^٣). التاج والإكليل (٢/ ٢١٢، ٢١٣)، وانظر المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٤١).\n(^٤). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٨)، البيان والتحصيل (٢/ ١٣٧)، شرح التلقين (١/ ٥١٨)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٧).\n(^٥). الفروع (٢/ ١٧٧)، قال في تصحيح الفروع: «ظاهر هذا أن المشهور عدم اللزوم، وهو كذلك، وعليه الأكثر».","vol":"2","page":453},{"text":"في أداء الصلاة جماعة، فلا بد من رغبة القارئ بالجماعة لوجوب الاقتداء (^١).\nقال في بدائع الصنائع: «القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام، ألا ترى أنها سقطت في حق الأمي؟».\n* دليل الشافعية والحنابلة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤١٢) روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،\nعن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ﷿، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ: أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (^٢).\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤١٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،\nعن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٩٣)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٨١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٤١٠)، التجريد للقدوري (٢/ ٨٤٥)، بدائع الصنائع (١/ ١٤٠)، الأصل للشيباني ط قطر (١/ ١٥٩)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٢/ ٦٤)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٩)، الاختيار لتعليل المختار (٤/ ٧٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٣٩)، بداية المبتدئ (ص: ١٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٧٥)، البحر الرائق (١/ ٣٨٨).\n(^٢). مسند أحمد (٣/ ٣٥٣).\n(^٣). انظر (ح ١٥٩٥).","vol":"2","page":454},{"text":"صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره (^١).\n[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤١٤) ما رواه مسلم من طريق زهير، حدثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عُمَيْلَةَ،\nعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت.\nولا تسمِّيَنَّ غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون فيقول: لا إنما هن أربع فلا تزيدن علي (^٣).\nورواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف،\nعن سمرة، عن النبي ﷺ قال: .... أربع من أطيب الكلام، وهن من القرآن، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (^٤).\n[هلال لم يسمعه من سمرة، وحرف (وهن من القرآن) ليست محفوظة] (^٥).\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (١٤٦٩).\n(^٢). انظر تخريجه (ح ١٥٩٦).\n(^٣). صحيح مسلم (١٢ - ٢١٣٧).\n(^٤). مسند أحمد (٥/ ٧).\n(^٥). اختلف فيه على هلال بن يساف:\nفرواه منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عُمَيْلَةَ، عن سمرة بن جندب وليس فيه: (وهن من القرآن).\nرواه مسلم (١٢ - ٢١٣٧) وغيره من طريق زهير. وأكتفي بمسلم =","vol":"2","page":455},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=ورواه النسائي في الكبرى (١٠٦١٥)، وابن حبان في صحيحه (٨٣٥، ١٨١١)، والروياني في مسنده (٨٤١)، من طريق جرير،\nوراه أبو داود الطيالسي (٩٣٥) حدثنا شعبة، ثلاثتهم عن منصور به.\nواقتصر الطيالسي منه على النهي من تسمية الغلام: بأفلح، ورباح، ويسار، ونجيح، فيقال: أهو هنا؟ فيقال: لا.\nخالفهم محمد بن جحادة كما في عمل اليوم والليلة للنسائي (٨٤٥)، والدعاء للطبراني (١٦٨٧)، فرواه عن منصور، عن عمارة بن عمير، عن الربيع الفزاري، عن سمرة بن جندب، فجعل الحديث من رواية منصور، عن عمارة بن عمير، ولم يتابع على هذا، فهذا الطريق شاذ.\nوتابع هلالًا الرُّكَيْنُ بن الربيع بن عميلة.\nرواه مسلم (١٠ - ٢١٣٦) من طريق معتمر بن سليمان.\nورواه أيضًا (١١ - ٢١٣٦) من طريق جرير، كلاهما عن الرُّكَيْن بن الربيع بن عميلة، عن أبيه، عن سمرة بن جندب بالنهي عن تسمية الغلام بأربعة أسماء، وأكتفي بصحيح مسلم.\nوخالف منصورًا والركين: سلمةُ بن كهيل في إسناده ولفظه،\nأما في إسناده فرواه سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف، عن سمرة بإسقاط الربيع بن عميلة،\nوأما في متنه، فزاد فيه: (وهن من القرآن).\nرواه أبو داود الطيالسي (٩٤١)،\nوأحمد (٥/ ١١)، والنسائي في الكبرى (١٠٦١٦)، وفي عمل اليوم والليلة (٨٤٧)، والروياني في مسنده (٨٣٩) عن محمد بن جعفر،\nوالبيهقي في الدعوات الكبير (١٣٤) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، (كلاهما محمد بن جعفر، وعبد الصمد) عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف، عن سمرة.\nلفظ محمد بن جعفر: (وهن من القرآن).\nولفظ عبد الصمد بن عبد الوارث (خير الكلام أربع إلا القرآن ..) ومحمد بن جعفر مقدم على عبد الصمد وعلى غيره في شعبة.\nورواه سفيان الثوري، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه أحمد (٥/ ٢٠) حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: أفضل الكلام بعد القرآن -وهو من القرآن- أربع، لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\nفتابع شعبة في إسناده بإسقاط الربيع بن عميلة، وزيادة (وهن من القرآن).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٦٩) حدثنا وكيع.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٦٩)، والبيهقي في الدعوات الكبير (١٣٣) عن أبي داود.\nورواه ابن ماجه (٣٨١١)، والبزار في مسنده (٤٥٣٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، =","vol":"2","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن حبان (٨٣٩) من طريق محمد بن كثير، أربعتهم (وكيع، وأبو داود، وابن مهدي، ومحمد بن كثير) رووه عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف، عن سمرة، ليس فيه: (وهن من القرآن).\nفصارت زيادة (وهُنَّ من القرآن) وإن انفرد بها سلمة بن كهيل، عن هلال بن يساف، إلا أنه مختلف على سلمة في ذكرها، فشعبة يرويه عن سلمة بذكر الزيادة.\nوأما رواية سفيان عن سلمة بن كهيل، فتارة يسقطها، كما في رواية: ابن مهدي، ومحمد بن كثير، وأبو داود، عن سفيان.\nوتارة يذكرها، كما في رواية أحمد عن وكيع، عن سفيان.\nورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع من دونها.\nومع الاختلاف على هلال بن يساف في ذكرها، فإنه لم يسمعه من سمرة بن جندب، وإنما سمعه من الربيع بن عميلة، كما بين ذلك منصور، ولا يعرف لهلال رواية عن سمرة إلا هذا الحديث، المختلف عليه في إسناده، لهذا لا يمكن القول باحتمال أن يكون هلال سمعه من الربيع، ثم سمعه من سمرة، بحجة أنه لا يعرف عنه تدليس، لأنه إذا لم يعرف عنه ذلك كان الحمل على سلمة بن كهيل الراوي عنه؛ لأن منصورًا أحفظ منه.\nوقد صح الحديث من مسند أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وليس فيه: (وهن من القرآن)، وهو يشهد لصحة رواية منصور، عن هلال بن يساف، ورواية الرُّكَيْن بن الربيع بن عميلة، كلاهما عن الربيع بن عميلة.\nوجاء لفظ (وهن من القرآن) من مسند أبي الدرداء، ولا يصح عنه،\nرواه الطبراني في مسند الشاميين (٢٢١٩) من طريق إسحاق بن سليمان، عن معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ اختار لكم من الكلام أربعًا ليس القرآن، وهنَّ من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\nورواه البزار في مسنده (٤١٠٠) حدثنا بعض أصحابنا، عن إسحاق بن سليمان به، وليس فيه: (وهن من القرآن). وشيخ البزار مبهم.\nومعاوية بن يحيى الصدفي، قال أحمد كما في التهذيب: تركناه.\nوقال يحيى بن معين: هالك ليس بشيء، أحاديثه كلها مقلوبة.\nوقال ابن حبان: كان يسرق الحديث، ويحدث به، ثم تغير حفظه.\nوقال الدارقطني: يكتب ما روى هقل بن زياد عنه، ويجتنب ما سواه، خاصة ما روى عنه إسحاق بن سليمان الرازي، قلت: وهذا من رواية إسحاق بن سليمان.\nقال البزار كما في كشف الأستار (٣٠٧١): «معاوية لين الحديث، ولم نحفظه عن غيره، ومن قبله وبعده ثقات».\n= وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٨): «رواه الطبراني، والبزار بنحوه، وفيه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف، وما روى عنه إسحاق بن سليمان الرازي أضعف، وهذا منه».","vol":"2","page":457},{"text":"الدليل الرابع:\nولأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة فجاز أن ينتقل فيه عند العجز إلى بدل كالقيام.\nدليل من قال: يلزمه الصلاة خلف قارئ فإن لم يجد سقطت القراءة:\nأما وجوب الائتمام بمن يحسنها إذا عجز عن القراءة:\nفلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها، لأن قراءة الإمام له قراءة، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوأما كون الذكر لا يجب عليه: فلأن بدل القرآن يفتقر إلى نص، والذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء صلاته زيادة لم تصح (^١).\nوقال المازري: «وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة» (^٢).\nوقياسًا على سقوط تكبيرة الإحرام إذا عجز عنها، ولا يجب عليه تعويضها.\n* ويناقش:\nأما الجواب عن قولكم: إن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه أو بالائتمام.\nفيقال: الفاتحة واجبة عليه مع القدرة كسائر الواجبات، فإذا عجز سقطت، فهذا الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا من القرآن، وطلب تعليمه ما يجزئه قد أرشده النبي ﷺ إلى الذكر، ولو كان الائتمام واجبًا لأمره به.\nوأما القول بأن البدل لم يصح ذلك في حديث المسيء، فالجواب أنه قد صح ذلك من حديث ابن أبي أوفى كما تقدم بيان ذلك في أدلة الشافعية والحنابلة.\n* دليل من قال: يلزمه الاقتداء بالقارئ بشرط وجوده في المسجد ورغبتهما في الجماعة:\nأما إذا كان القارئ خارج المسجد: فلا يلزمه الاقتداء؛ لأن تتبع القراء خارج مسجده يلحقه بذلك مشقة وحرج، وهو مدفوع عن هذه الملة.\n_________\n(^١). انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦).\n(^٢). شرح التلقين (١/ ٥١٨).","vol":"2","page":458},{"text":"وأما إذا كان القارئ في المسجد، فيُشْتَرَطُ شرطان:\nأن تكون صلاتهما متوافقة؛ لأن اختلاف صلاتهما تمنع الاقتداء عند الحنفية.\nالثاني: أن تظهر رغبتهما في الجماعة؛ فلو كان بجواره قارئ، ولم يظهر رغبته في الجماعة لم يلزمه الاقتداء به، لأنه لا ولاية له عليه ليلزمه، وإنما تثبت القدرة إذا صادفه حاضرًا مطاوعًا.\n* الراجح:\nمذهب الشافعية والحنابلة، وأن من لم يكن معه قرآن، ولم يمكنه التعلم أو القراءة من المصحف أن ينتقل إلى الذكر: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n* * *","vol":"2","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>مطلب في تعين بدل القرآن بجمل معينة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل ذكر مقيد لا يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على تكبيرة الإحرام والتشهد، وأدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.\n* الفاتحة مع القدرة عليها لا يغني عنها غيرها؛ لتعيينها بالنص، فكذلك الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة لا يغني عنه غيره؛ لتعيينه بالنص.\n[م-٥٤٦] جاء في حديث ابن أبي أوفى أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ... الحديث.\nرواه أحمد من طريق سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي، عن ابن أبي أوفى (^١).\n[حسن إن شاء الله] (^٢).\nفذكر الرسول ﷺ في حديث ابن أبي أوفى من الأذكار خمس جمل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول، ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(^١). مسند أحمد (٣/ ٣٥٣).\n(^٢). سبق تخريجه في المبحث السابق، ولله الحمد.","vol":"2","page":460},{"text":"وفي حديث رفاعة ذكر ثلاث جمل: (وإن لم يكن معك قرآن، فاحمد الله وهلله وكبِّره) (^١).\nفحديث ابن أبي أوفى اشتمل على حديث رفاعة، وزاد عليه بذكر التسبيح والحوقلة.\nفاختار الشافعية في الصفة حديث ابن أبي أوفى لكماله، وهو قول عند الحنابلة.\nواختار الحنابلة في المعتمد إسقاط الحوقلة، وإثبات التسبيح، فأخذوا من حديث ابن أبي أوفى التسبيح وحده.\nواختلف القائلون بمشروعية البدل عن القراءة، في هذه الجمل، أكان ذكرها ذلك على سبيل المثال، فيقوم غيرها مقامها، أم أن ذكرها كان على سبيل التعيين الذي لا يصح غيره؟\nفيه ثلاثة أقوال، كلها وجوه في مذهب السادة الشافعية.\nفقيل: تَتَعَيِّن هذه الجمل، وتكفيه هذه الكلمات الخمس، وهو وجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nواستدلوا: بأن الرسول ﷺ نص على هذه الجمل بلفظ الأمر: (قُلْ) فتعينت.\nولأن هذه الجمل هي أحب الكلام إلى الله، فلا يقاس عليها غيرها.\n(ح-١٤١٥) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثنا منصور، عن هلال بن يساف، عن ربيع بن عُمَيْلَةَ،\nعن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. لا يضرك بأيهن بدأت (^٣).\nولأن العبادة إذا كانت من الذكر المقيد لم يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على تكبيرة الإحرام والتشهد في الصلاة، بخلاف الذكر المطلق.\nولأن البدل إذا كان من غير الجنس لم يشترط المساواة كالتيمم، والمسح على\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (١٤٦٩).\n(^٢). البيان في مذهب الشافعي للعمراني (٢/ ١٩٨)، المجموع (٣/ ٣٧٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٢)، الإنصاف (٢/ ٥٣)، المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤١)، الإقناع (١/ ١١٧). .\n(^٣). صحيح مسلم (١٢ - ٢١٣٧).","vol":"2","page":461},{"text":"الخفين، ونحوهما.\nوقيل: لا يتعين شيء من الأذكار، بل يجزيه كل ذكر لله يقوله المصلي، وهو الأصح في مذهب الشافعية (^١).\nقال الرافعي: «أصحهما أنه لا يتعين شيء من الأذكار، وبه قال أبو إسحاق المروزي، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه أطلق، فقال: فيأتي بتسبيح، وتهليل، وعلى هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل» (^٢).\n* ويستدل لهذا القول بما يلي:\nالدليل الأول:\nأن المقصود من إقامة الصلاة ذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\nفالذكر مطلق، فيشمل هذه الخمس وغيرها.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤١٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،\nعن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبِّره (^٣).\n[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٤٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٢)، المجموع (٣/ ٣٧٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٣٤٢).\n(^٣). مسند أبي داود الطيالسي (١٤٦٩).","vol":"2","page":462},{"text":"ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (^١).\nوجه الاستدلال:\nذكر الرسول ﷺ في حديث ابن أبي أوفى خمس جمل، وذكر في حديث ابن رفاعة ثلاث جمل مسقطًا التسبيح والحوقلة، فدل على أن ذكرها على سبيل المثال؛ إذا لو كان التعيين واجبًا لكان المقدار في الحديثين واحدًا.\n* ويناقش:\nبأن حديث رفاعة لم يثبت، وبالتالي يكون الاعتماد في العدد على حديث ابن أبي أوفى، فهو أكمل لفظًا، وأصح إسنادًا.\nوحديث ابن أبي أوفى جاء فيه الذكر بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وحديث رفاعة جاء بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث، والأول أرجح.\nالدليل الثالث:\nالقرآن بدل عن الفاتحة إذا عجز عن تحصيل الفاتحة، والذكر بدل عن القرآن، وغير الفاتحة من القرآن لا يتعين، فكذلك الذكر (^٢).\n* ويجاب من وجهين:\nالوجه الأول:\nما ذكر من القياس هو من قياس الشبه، وهو من أضعف أنواع القياس، والراجح أنه لا يصح التعويل على مثل هذا النوع من القياس.\nالوجه الثاني:\nأن هذا القياس معارض بمثله أو أقوى منه، فالقرآن والذكر في الصلاة قسمان:\nقسم متعين بالنص لا يغني غيره عنه مع القدرة عليه، كالفاتحة.\nوقسم جاء النص بعدم تعيينه، بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فإذا عجز عن المعين انتقل إلى غير المعين.\nفكذلك أذكار الصلاة منها ما هو معين بالنص، وليس بالاجتهاد، كتكبيرة الإحرام، والجمل الخمس بدلًا عن الفاتحة، فهذا لا يغني عنه غيره، فكان يشبه\n_________\n(^١). انظر تخريجه (ح ١٥٩٦).\n(^٢). مغني المحتاج (١/ ٣٥٩).","vol":"2","page":463},{"text":"الفاتحة بتعيينه مع القدرة عليه، فكما أن الفاتحة مع القدرة عليها لا يغني عنها غيرها؛ لتعيينها بالنص، فكذلك الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة لا يغني عنه غيره لتعيينه بالنص، وقد جاء التعيين بصيغة الأمر (قُلْ) فلا يتحقق الامتثال في غيره، وغيره ليس في فضله، كما دل عليه حديث سمرة.\nومن الذكر ما ورد مطلقًا، فجعل الاختيار للمصلي، كقوله ﷺ: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء.\nوقيل: إن الجمل الخمس تتعين، ويجب معها جملتان من الذكر، ليصير سبعة أنواع مقام سبع آيات، وهذا وجه ثالث في مذهب الشافعية، واختاره ابن عقيل والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (^١).\nوقيل: يكرره، أو يضيف إليه ذكرًا آخر حتى يكون بقدر الفاتحة، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\n* ورد:\nبأن البدل إذا كان من غير الجنس لم يشترط المساواة في المقدار، كالتيمم والمسح على الخفين، بل حتى ولو كانا من جنس واحد، كما لو صام يومًا قصيرًا عن يوم طويل، فلا يجب تساويهما، والله أعلم.\n* الراجح:\nأنه لا يجوز استبدال الجمل بغيرها من الذكر، وأن ما نص عليه النبي ﷺ يتعين فرضًا بدلًا من الفاتحة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، الإنصاف (٢/ ٥٣).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٥٣).","vol":"2","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>المسألة الثانية في المصلي إذا لم يعرف إلا بعض الفاتحة فقط</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n* قال ﷺ: إذا أمرتكم بأمر فَائْتُوا منه ما استطعتم، متفق عليه.\n* الميسور لا يسقط بالمعسور.\n* من قدر على بعض العبادة لزمه الإتيان بما قدر عليه إن كان البعض عبادة في نفسه.\n* تكرار الآيات لا يجب إلا بالنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم وجوب التكرار.\n* شرع الذكر بدلًا عن القرآن في حال العجز عن القراءة، ولم يرد الجمع بين القراءة والذكر، والأصح: أنه لا يجمع بين الأصل والبدل.\n[م-٥٤٧] إذا قدر على بعض الفاتحة، فإن كان المقدور لا يبلغ آية كاملة:\nفقال ابن الرفعة من الشافعية: لا عبرة ببعض الآية بلا خلاف، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^١).\nواستدلوا لقولهم:\nبأن الذكر الوارد بدلًا من الفاتحة: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) مشتمل على بعض آية من الفاتحة، كالحمد، ومشتمل على بعض آية من القرآن، كالتسبيح والتهليل، فلما عدل إلى\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٤٥)، أسنى المطالب (١/ ١٥٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧)، المغني (١/ ٣٥١)، الإنصاف (٢/ ٥٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، الإقناع (١/ ١١٧).","vol":"2","page":465},{"text":"الذكر عُلِم أنه لا بد من أن يكون معه آية كاملة.\nيقول ابن قدامة: «إن عرف بعض آية، لم يلزمه تكرارها، وعدل إلى غيرها؛ لأن النبي ﷺ أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (الحمد لله) وغيرها، وهي بعض آية، ولم يأمره بتكرارها» (^١).\nولأن بعض الآية لا إعجاز فيها.\nوقيل: إذا عرف بعض آية لزمه الإتيان بها، نص عليه ابن نجيم من الحنفية، واختاره الأذرعي والرملي والدميري، وغيرهم من الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nقال ابن نجيم: «وإذا لم يعرف إلا قوله: (الحمد لله) يأتي به في كل ركعة، ولا يكررها» (^٣).\nولهذا حرم الشافعية على الجنب أن يقرأ بعض الآية خلافًا للجمهور (^٤).\n* وأجابوا على دليل ابن الرفعة:\nبأن كون بعض الآية لا إعجاز فيه لا يدل على أنه لا يسقط بها فرض القراءة؛ فأين الدليل على أنه يشترط في فرض القراءة أن يكون معجزًا، فالآية والآيتان، بل والثلاث المتفرقة، لا إعجاز فيها مع أنه يلزمه الإتيان بها، وهذا بناء على أن التحدي والإعجاز للعرب بأن يأتوا بسورة من مثله، وأقل السور ثلاث آيات متواليات، كسورة الكوثر.\nولأنه يلزم منه: أن من أحسن معظم آية الدَّيْنِ لا يلزمه قراءته، وهو بعيد، بل هو أولى من كثير من الآيات القصار (^٥).\n* والراجح\nأنه لا عبرة ببعض الآية، ويمكن تلفيق قول ثالث من القولين، فيقال بالتفريق بين بعض الآية الطويلة كآية الدين فتصح قراءة بعضها ويسقط به الفرض، وبين بعض الآية القصيرة، فلا تجزئ، وينتقل إلى البدل، والله أعلم.\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٥١).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧)، الإنصاف (٢/ ٥٢)، المبدع (١/ ٣٨٩).\n(^٣). البحر الرائق (٢/ ١٢٤).\n(^٤). المجموع (٢/ ١٥٦)، كشاف القناع (١/ ١٤٧).\n(^٥). انظر: نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧).","vol":"2","page":466},{"text":"[م-٥٤٨] وإن كان المقدور عليه آية كاملة فأكثر، فمن يرى أن فرض القراءة آية واحدة، ولو كانت قصيرة قال: يكفيه ذلك في سقوط الفرض عنه، وهذا قول أبي حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد (^١).\nومن يرى أن فرض القراءة يتعين في سورة الفاتحة كاملة، وهم الجمهور فقد اتفقوا بأنه إذا قدر على آية كاملة فإنه يأتي بما قدر عليه منها بلا خلاف، ولم يحكوا قولًا أنه لا يقرؤونها كما قالوا في المكلف: إذا قدر على صيام بعض اليوم، وعجز عن إتمامه فلا يلزمه صيام البعض بغير خلاف.\n* وجه الفرق:\nأن كل آية من الفاتحة تجب قراءتها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها، بخلاف صيام بعض اليوم فإنه وإن كان جزءًا من العبادة، فليس بعبادة في نفسه بانفراده (^٢).\nواختلفوا في وجوب التعويض عن غير المقدور عليه من الفاتحة على النحو التالي:\nالقول الأول: مذهب المالكية.\nأن ما عجز عنه من الفاتحة يسقط إلى غير بدل، ولا يشرع له تعويض ما عجز عنه، ويجب عليه أن يصلي خلف من يحسن قراءة الفاتحة، فإن لم يجد قارئًا صلى وحده، وسقط عنه ما عجز عنه، وإن وجد قارئًا وصلى وحده، ففي صحة صلاته قولان:\nأحدهما: أن صلاته لا تصح، وعليه الإعادة، وهو المعتمد في المذهب (^٣).\n_________\n(^١). عند الحنفية تكفي آية واحدة يؤدي بها فرض القراءة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: ثم نظر، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كمدهامتان، أو حرف مثل (ص)، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٧) المحيط البرهاني (١/ ٢٩٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٥، ٢٢٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ١٧٢): «وعنه: تكفي آية من غيرها (وهـ) -يعني وفاقًا لأبي حنفية- وظاهره ولو قصرت، وظاهره ولو كانت كلمة». وانظر: المبدع (١/ ٣٨٥)، الإنصاف (٢/ ١١٢).\n(^٢). المنثور في القواعد (١/ ٢٢٨)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ١٥٩)، قواعد ابن رجب (ص: ١١).\n(^٣). الذخيرة (٢/ ١٨٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤٤٩)، أسهل المدارك (١/ ١٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩)، الخرشي (١/ ٢٧٠)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٨)، البيان والتحصيل (٢/ ١٣٧)، شرح التلقين (١/ ٥١٨)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٧).","vol":"2","page":467},{"text":"* واستدل المالكية لمذهبهم:\nأما سقوط الواجب بالعجز، فلقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n(ح-١٤١٧) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\nولأن الواجبات الشرعية كلها تسقط بالعجز، ووجوب البدل يفتقر إلى نص.\nولأن التعويض إن كان بتكرار ما يعرفه من الفاتحة، فالتكرار لا يجب إلا بنص، ولا يحفظ دليل من كتاب أو سنة صحيحة أو قول صاحب يأمر بالتكرار، والأصل عدم الوجوب.\nوإن كان التعويض بالأذكار فإن الذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء لصلاته زيادة لم تصح (^٢).\nوقال المازري: «وهذه الزيادة لم تَأْتِ من طريق ثابتة (^٣).\nولأن الجمع بين القرآن والذكر جمع بين الأصل وبدله، وهذا لا أصل له على الصحيح، فإما الاكتفاء بالأصل، وأما الاكتفاء بالبدل، ولم يَأْتِ بالشرع أمر بالجمع بينهما.\n* أما وجوب الائتمام عليه خلف من يحسن الفاتحة:\nفلأن قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما في نفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها، باعتبار أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة في الصلاة.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).\n(^٢). انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦).\n(^٣). شرح التلقين (١/ ٥١٨).","vol":"2","page":468},{"text":"ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وعلى هذا تكون الجماعة في حق هذا الرجل شرطًا لصحة صلاته، وليست من الواجبات.\nوقد تكلمت عن أدلة سقوط القراءة عن المأموم خلف الإمام في مبحث مستقل، فانظر أدلته هناك بوركت.\nالثاني: أن صلاته صحيحة لعجزه، ولا يجب أن يطلب قارئًا يصلي وراءه، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم (^١).\nجاء في الإنصاف: «وعنه -أي عن أحمد- يجزئ قراءتها -أي الآية- من غير تكرار اختارها ابن أبي موسى» (^٢).\nظاهر قوله: (يجزئ قراءتها) أنه لا يطلب قارئًا يصلي خلفه؛ إذ لو صلى خلف إمام لم يجب عليه قراءة شيء منها، وسقط ما عجز عنه بلا تكرار.\n(ح-١٤١٨) لما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،\nعن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ﷿، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ: أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (^٣).\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٤).\n_________\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٤٢١)، مواهب الجليل (١/ ٥١٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٨)، الإنصاف (١/ ٥٢)، المبدع (١/ ٣٨٩)، الفروع (٢/ ١٧٦).\nوقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٨٢): «فإن عرف بعضها -يعني الفاتحة- ولم يعرف البعض: قرأ ما عرف منها فأجزأه، وَلْيَسْعَ في تعلم الباقي».\n(^٢). الإنصاف (١/ ٥٢).\n(^٣). مسند أحمد (٣/ ٣٥٣).\n(^٤). انظر تخريجه: (ح: ١٥٩٥).","vol":"2","page":469},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن هذا الرجل أخبر النبي ﷺ أنه لا يستطيع أن يأخذ شيئًا من القرآن، وطلب تعليمه ما يجزئه، فأرشده إلى الذكر، ولو كان الائتمام واجبًا لأمره به، وإذا كان لا يجب عليه الائتمام في حال عجزه عن جميع الفاتحة لم يجب عليه الائتمام في حال عجزه عن بعض الفاتحة.\nالقول الثاني:\nذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب التعويض عن باقي الفاتحة غير المقدور عليه، على خلاف بينهم في صفة التعويض.\nفقيل: يجب تكرار ما يحسنه من الفاتحة حتى يبلغ قدرها، وهو أحد الوجهين وقيل القولين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^١).\n* وجه هذا القول:\nأن الآية من الفاتحة أقرب شبهًا إلى بقية الفاتحة من غيرها.\nوقيل: يجب تكرار ما يحسنه من الفاتحة إن لم يقدر على الجمع بينه وبين البدل (سبحان الله والحمد لله ... إلخ).\nفإن كان يحسن أن يأتي بالبدل عن الباقي أتى بما يقدر عليه من الفاتحة، وأتى ببدلها في موضعه مع مراعاة الترتيب، فلو أحسن أول الفاتحة قدمه على البدل، أو أحسن آخر الفاتحة قدم البدل عليه، فلو عكس لم يجز على الصحيح، أو أحسن آية من وسط الفاتحة قدم من البدل بقدر ما لم يحسنه منها، ثم أتى بما يحسنه منها، ثم ببدل الباقي، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٦)، المجموع (٣/ ٣٧٦)، كشاف القناع (١/ ٣٤٠)، المبدع (١/ ٣٨٩)، الإنصاف (٢/ ٥٢).\n(^٢). فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ٣٤٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٦)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٧٦)، أسنى المطالب (١/ ١٥٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٤، ٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٦)، المبدع (١/ ٣٨٩)، الإنصاف (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":470},{"text":"وفي قول للحنابلة الجمع بين الآية وبدلها من غير مراعاة للترتيب (^١).\nوجه هذا القول:\nأن الشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا، ولأن النبي ﷺ أمر ذلك السائل بالجمل الخمس، ومنها الحمد لله، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة، ولم يأمره بتكريرها.\nولأنه إذا قرأها مرة فقد أسقط فرضها، فيجب أن لا يعيدها، كمن وجد بعض ما يكفيه لغسله فإنه يستعمله، ثم ينتقل إلى البدل في الباقي.\n* الراجح:\nأضعف الأقوال في المسألة هو مذهب أبي حنيفة ﵀، القائل بأن فرض القراءة لا يتعين في الفاتحة، وأن مقدار الفرض آية واحدة ولو كانت قصيرة، وسبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، وناقشت فيها مذهب الحنفية، فارجع إليه.\nوبقي النظر بين مذهب المالكية القائلين بأن ما يعجز عنه يسقط بلا تكرار ولا بدل (أي بلا تعويض).\nوبين قول الحنابلة القائلين بوجوب التكرار لا غير.\nوبين قول الشافعية القائلين بوجوب الجمع بين المقدور عليه وبدله.\nوأجد أن أدلة المالكية قوية جدًا، وأن البدل شرع في حال العجز عن الفاتحة، لا في حال القدرة على بعضها، إلا أن قولهم بوجوب الصلاة خلف من يحسنها قول ضعيف، لا دليل عليه، وهذا غير القول بوجوب الجماعة مطلقًا على من يحسن الفاتحة وغيره، لأن البحث إنما هو في وجوب الجماعة كشرط لصحة صلاة من لا يحسن الفاتحة، فإن ظاهر حديث ابن أبي أوفى، وهو حديث حسن أن النبي ﷺ أرشده عند العجز عن كامل الفاتحة إلى الانتقال إلى الأذكار، وهو قول في مذهب المالكية، فيبقى النظر في تكرار ما يعرف من الفاتحة، فإنه وإن لم يكن هناك أدلة تقضي بوجوبه، إلا أن تكرار القرآن في الصلاة لا يفسدها، وإذا كان فيه احتياط للعبادة لا سيما الصلاة، فإن فعله يتأكد، وفعله مراعاة لخلاف الحنابلة\n_________\n(^١). المبدع (١/ ٣٨٩)، الإنصاف (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":471},{"text":"لا يخرج عن أصول مذهب الإمام مالك ﵀، وإن لم يذهب الناظر إلى فساد الصلاة في ترك التكرار، لكنه يستحسنه احتياطًا للعبادة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المسألة الثالثة في المصلي إذا كان معه بعض الفاتحة وغيرها من القرآن</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* بدل الواجب لا يجب إلا بنص، فلا مجال للرأي فيه.\n* لا يوجد دليل في صحة الجمع بين الأصل والبدل، فالجمع بينهما يفتقر إلى نص.\n* لو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بالجمع بين الإطعام والصيام.\n* يعطى الأكثر حكم الكل، فإذا عرف أكثر الفاتحة وعجز عن الباقي سقط عنه.\n* لا ينتقل إلى الذكر إلا إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية.\n[م-٥٤٩] اختلف الفقهاء إذا كان مع الرجل بعض الفاتحة ومعه غيرها من القرآن،\nفقيل: يسقط عنه ما عجز عنه، ولا يجب عليه بدل، وهو المختار عند المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم على خلاف بينهم في وجوب الائتمام خلف من يحسنها:\nفقيل: يجب إن أمكنه، فإن لم يمكنه صلى وحده، وهو المعتمد عند المالكية.\nوقيل: لا، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن أحمد وبه قال ابن حزم (^١).\n_________\n(^١). عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٨)، الدر الثمين (ص: ٢٤٠)، الذخيرة للقرافي (١/ ١٨٦).\nوقد قال المالكية على القول ببطلان الصلاة باللحن: إذا كان يلحن في بعض الفاتحة دون بعض فإنه يقرأ ما لا يلحن فيه، ويترك ما يلحن فيه إذا كان ما يلحن فيه متواليًا، وإلا فالأظهر أن يترك الكل. فإذا سقط البعض باللحن بلا تعويض سقط كذلك بالعجز. وهذا أحد الأقوال في مذهب المالكية. انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ١١٣، ٣٥١)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٦)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣٣٩)، المجموع (٣/ ٣٧٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٧)، بداية المحتاج (١/ ٢٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٦)، الإنصاف (٢/ ٥٣)، المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤١)، الإقناع (١/ ١١٧) الفروع (٢/ ١٧٦).\nوقال ابن حزم في المحلى (٢/ ٢٨٢): «فإن عرف بعضها -يعني الفاتحة- ولم يعرف البعض: قرأ ما عرف منها فأجزأه، وَلْيَسْعَ في تعلم الباقي».","vol":"2","page":473},{"text":"قال ابن شاس في الجواهر: «وهي -يعني الفاتحة- متعينة، لا يجزئ عنها غيرها» (^١). فظاهره يشمل القرآن وغيره.\nوقال في الدر الثمين والمورد المعين: «ولا يذكر غيرها عوضها» (^٢).\nوقال القرافي في الذخيرة: «وعند الأبهري، وصاحب الطراز: لا يجب التعويض قياسًا على تكبيرة الإحرام إذا تعذرت؛ ولأن البدل يفتقر إلى نص» (^٣).\nوقال الدسوقي في حاشيته: «عدم وجوب الإتيان ببدلها من الذكر على من لا يمكنه الإتيان بها، ولا الائتمام» (^٤).\nفإذا كان لا يجب عليه بدلها إذا عجز عنها كلها، فكذلك إذا عجز عن بعضها.\nوقد ذكرت أدلة المالكية في المسألة السابقة، فارجع إليه غير مأمور.\nوقيل: يجب عليه قراءة ما يحسنه منها، ثم يأتي ببدل الباقي وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، قال الشافعية: مع مراعاة الترتيب (^٥).\nجاء في تحفة المحتاج: «ولو أحسن آية أو أكثر من الفاتحة أتى به في محله وببدل الباقي من القرآن، فإن كان الأول قدمه على البدل، أو الآخر قدم البدل عليه أو بينهما قدم من البدل بقدر ما لم يحسنه قبله ثم يأتي بما يحسنه ثم ببدل الباقي» (^٦).\nوقال الخطيب: «ويجب الترتيب بين الأصل والبدل» (^٧).\n_________\n(^١). عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٨).\n(^٢). الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٤٠).\n(^٣). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦).\n(^٤). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨).\n(^٥). المجموع (٣/ ٣٧٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٤، ٤٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٦)، المبدع (١/ ٣٨٩)، الإنصاف (٢/ ٥٢). .\n(^٦). تحفة المحتاج (٢/ ٤٤، ٤٥).\n(^٧). مغني المحتاج (١/ ٣٥٨).","vol":"2","page":474},{"text":"وقال النووي: «فلو عكس لم يجزئه على المذهب وبه قطع الأكثرون» (^١).\n* دليل وجوب البدل عن باقي الفاتحة:\nأما الدليل على وجوب البدل:\nفقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nولأن العبادات على قسمين: منها ما يسقط بالعجز إلى غير بدل، كما لو عجز عن زكاة الفطر سقطت عنه.\nومنها ما شرع له بدل، كوجوب التيمم إذا فقد الماء، وبدل الواجب لا يجب إلا بنص.\nفإذا كان العاجز عن تحصيل فرض القراءة في الصلاة ينتقل وجوبًا إلى الذكر، ويكون بدلًا عن القراءة؛ لحديث ابن أبي أوفى، وقد سبق ذكره في المسألة التي قبلها، فالتعويض من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأنه أعظم الذكر، وهو أشبه بالفاتحة من غيرها.\nقال في الحاوي: «ولأن القرآن بدل من الفاتحة إذا لم يحسنها فوجب إذا كان يحسن بعضها أن يكون بدلًا مما يحسنه منها» (^٢).\nقال النووي: «لا يجوز الانتقال إلى الذكر إلا بعد العجز عن القرآن» (^٣).\nوإذا وجب البدل عن كامل الفاتحة، وجب البدل عن بعضها.\n* وأما وجه وجوب الترتيب:\nفيقول إمام الحرمين: «ليس علَّةُ الترتيب في هذا علةَ الترتيب في تلاوة الفاتحة في حق من يحسنها؛ فإن الترتيب يراعى في قراءة الفاتحة محافظةً على نظمها، وليس بين الأذكار التي قُدِّرت بدلًا عن النصف الأول، وبين النصف الثاني انتظام. ولكن هذا الترتيب يُتلقى من اشتراط الترتيب في أركان الصلاة؛ فعليه فرض قبل النصف الثاني، فليُقِمه. ثم ليأتِ بالنصف الثاني.\nويجوز أن يقال: يأخذ البدلُ حكمَ المبدل، والترتيب شرط في فاتحة الكتاب\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٧٦)،.\n(^٢). الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٤).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٧٦).","vol":"2","page":475},{"text":"لعينها، فنزل بدل النصف الأول منزلته في رعاية ترتيب النصف الآخر عليه» (^١).\n* ويناقش:\nبأن الذكر شرع بدلًا عن فرض القراءة إذا عجز عنها بالكلية، فإذا وجب عليه قراءة ما يحسنه من الفاتحة، ووجب عليه الانتقال إلى البدل كان في ذلك جمع بين الأصل والبدل، ولا يوجد دليل في صحة الجمع بين الأصل والبدل، فإما أن تكتفي بالأصل، وإما أن تكتفي بالبدل، وأما الجمع بينهما فيفتقر إلى نص.\nفلو وجبت عليه رقبة، وكان عنده ثمن بعض الرقبة، انتقل إلى الإطعام كما لو عدم الرقبة أصلًا.\nفإن قيل: إن بعض الرقبة ليس عبادة في نفسه بخلاف الآية من الفاتحة فإنها عبادة في نفسها.\nانتقض هذا فيما فلو وجبت عليه كفارة يمين، ولم يجد الكسوة والرقبة، ووجد ما يطعم به تسعة مساكين انتقل إلى الصيام، ولم يؤمر بإطعام التسعة، والصيام عن العاشر، مع أن إطعام التسعة عبادة في نفسه، وهكذا.\nفإما أن نقول: يَكْتَفِيْ بما قدر عليه ويسقط عنه الباقي؛ لعجزه، وإما أن نقول: لا عبرة بالقدرة على البعض إذا لم يقدر على الكل، وإما أن نقول بأن الحكم للأغلب، فإن قدر على أكثر الفاتحة لم ينتقل، وإن كان المقدور عليه من الفاتحة آية أو آيتين انتقل؛ لأن القواعد الفقهية: أن الأغلب يعطى حكم الكل، وما قارب الشيء أعطي حكمه.\nوعلى التسليم بأنه يجمع بين الأصل والبدل فأين الدليل على اشتراط الترتيب بين الأصل والبدل، فلو قيل بالجمع بين الوضوء والتيمم لمن وجد ماء يكفي بعض طهره، وهي مسألة خلافية، بحثتها في كتابي موسوعة الطهارة، فإنه لا فرق بين أن يتيمم بعد الوضوء، أو قبله؛ لأن وجوب الترتيب يفتقر إلى نص، والأصل عدم الوجوب.\nوقال الحنابلة: لو أحسن آية من الفاتحة، وأحسن آية أو أكثر من غيرها كرر ما يحسنه من الفاتحة دون غيرها، وهو وجه عند الشافعية (^٢).\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٤٧).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٧٦)، البيان للعمراني (٣/ ١٩٦)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٠)، المبدع (١/ ٣٨٩)، الإنصاف (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":476},{"text":"* وجه قول الحنابلة:\nأن الآية من الفاتحة أقرب إلى الفاتحة من غيرها، ولأن حرمة الفاتحة أوكد، فوجب تكرارها حتى يبلغ قدر الفاتحة.\n* ويناقش:\nبأن التكرار لا يجب إلا بنص، والشيء الواحد لا يكون أصلًا وبدلًا في وقت واحد، وحين أوجب الشارع الفاتحة دون غيرها من القرآن كان هذا لأمر عائد إلى فضل الفاتحة على غيرها من سور القرآن، ولمعانٍ اختصت بالفاتحة والله سبحانه يفضل بعض كلامه على بعض، وبعض آياته على بعض، وله الحكمة البالغة، وبالنظر إلى آيات الفاتحة فهي مقسمة إلى ثلاثة أقسام،\nالقسم الأول: ثناء على الله في ثلاث الآيات الأولى وقد تضمنت كمال صفاته والإيمان بمعاده، وجاءت بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام، وهوما يليق بالله ﷿، من حمده، وتمجيده والثناء عليه.\nالقسم الثاني: قسمه الله بينه وبين عبده (إياك نعبد وإياك نستعين).\nوالقسم الثالث: دعاء خاص للعبد، بالهداية على صراطه المستقيم المخالف لطريق المغضوب عليه وطريق الضالين.\nفالقول بأن آيات الفاتحة أقرب شبهًا بها من غيرها ليس دقيقًا، فآيات الدعاء لا تشبه آيات الثناء.\n* الراجح:\nأرى أن المصلي إذا عرف أكثر الفاتحة قرأه في الصلاة، وسقط عنه ما عجز عنه، ولا يجب عليه بدل عنه؛ لأن للأكثر حكم الكل، وما قارب الشيء يعطى حكمه.\nفإن عرف آية أوآيتين وكان ما عجز عنه من الفاتحة أكثر مما يعرفه فإنه يقرؤه، ويسقط عنه الباقي إلى غير بدل، ولو قيل: إذا لم يعرف إلا آية أو آيتين فإنه ينتقل إلى البدل، وتسقط عنه القراءة، لو قيل به فهو قول قوي جدًّا، وأما الانتقال إلى الذكر فإنه لا ينتقل إلا إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية. والله أعلم.\n* * *","vol":"2","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المسألة الرابعة في المصلي يعجز عن الفاتحة ويعرف غيرها من القرآن</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الانتقال إلى بدل الواجب يحتاج إلى توقيف، لا مجال للرأي فيه.\n* تعويض الفاتحة من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر.\n* القرآن أشبه بالفاتحة من الأذكار، من حيثُ نظمه، وإعجازه.\n* لا يشرع في الصلاة سكوت، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، إلا ما كان بعد القراءة وقبل الركوع؛ لأخذ النفس.\n[م-٥٥٠] اختلف العلماء في الرجل يعجز عن تعلم الفاتحة، ويكون معه غيرها من القرآن:\nفقيل: يقرأ ما معه من القرآن بدلًا عن الفاتحة على اختلاف بينهم في مقدار البدل، وهذا مذهب الجمهور، وبه قال بعض المالكية القائلين بوجوب الذكر بدلًا عن الفاتحة؛ فإن القرآن أعظم الذكر، واختاره ابن حزم (^١).\n_________\n(^١). يرى أبو حنيفة أن فرض القراءة يؤدى بآية واحدة ولو كانت قصيرة إذا كانت مكونة من كلمتين فأكثر مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، وأما الآية إذا كانت من كلمة واحدة كـ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، أو حرف مثل ﴿ص﴾، فالأصح أنه لا تجوز بها الصلاة خلافًا للقدوري، انظر: مجمع الأنهر (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٧) المحيط البرهاني (١/ ٢٩٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٥، ٢٢٦)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٧)، تحبير المختصر (١/ ٢٨٦)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٧٨).\nالمهذب للشيرازي (١/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٣٦)، المجموع (٣/ ٣٧٤)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٤)، الإنصاف (٢/ ٥١)، المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤٠)، الإقناع (١/ ١١٧) الفروع (٢/ ١٧٦).","vol":"2","page":478},{"text":"قال ابن حزم: «من عجز عن أم القرآن وقدر على غيرها من القرآن سقطت عنه، ولزمه ما تيسر له من القرآن» (^١).\nوقال المالكية في المختار: إن لم يمكنه الائتمام بأن لم يجد من يأتم به سقطت عنه الفاتحة والقيام لها، وصلى فذًّا وقام للركوع كالإحرام، وندب له الفصل بين الإحرام والركوع بسكوت أو ذكر، أو قرآن، والفصل به أولى من غيره من الأذكار.\nفالتعبير بالأولى يدل على عدم الوجوب، وسبب الفصل بالقرآن ليس بدلًا عن الفاتحة، لأن أم القرآن لا بَدَلَ لها في الصلاة عندهم، ولكن من أجل الفصل بين تكبيره للإحرام وتكبيره للركوع (^٢).\nجاء في مناهج التحصيل: «قراءة أم القرآن في الصلاة لا بدل لها، والقرآن لو قرأه كله في الصلاة ما وقع موقع الإجزاء» (^٣).\nوقال في منح الجليل: «(وَنُدِبَ) بضم فكسر على المختار (فَصْلٌ) بسكوت أو ذكر أو سورة أخرى وهما أولى من السكوت والثالث أولى من الثاني (بين تكبيره) للإحرام أو القيام (و) تكبير (ركوعه) لئلا يشتبه أحدهما بالآخر» (^٤).\n* دليل الجمهور على وجوب قدرها من القرآن:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\n_________\n(^١). المحلى (٢/ ٢٨٣).\n(^٢). قال في حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٨): «إن حفظ غيرها -أي غير الفاتحة- من القرآن كان الفصل به أولى من غيره من الأذكار». وانظر: منح الجليل (١/ ٢٤٨)، مناهج التحصيل (١/ ٢٦٢)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٢١).\n(^٣). مناهج التحصيل (١/ ٢٦٢).\n(^٤). منح الجليل (١/ ٢٤٨).\nفي مذهب المالكية إذا سقط القيام للفاتحة فإنه يقوم للركوع كما يقوم للإحرام، ومن هنا استحب أصحاب الإمام مالك الفصل بين الإحرام والركوع بفاصل من قرآن أو ذكر حتى لا يشتبه القيام للإحرام بالقيام للركوع. انظر التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٢١).","vol":"2","page":479},{"text":"فإذا عجز عن الفاتحة كان مأمورًا بقراءة ما تيسر.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤١٩) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،\nعن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله ﷺ: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبِّره (^١).\n[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي ابن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فإن كان معك قرآن فاقرأه ...) إلخ. فأطلق القرآن، فدخل فيه الفاتحة وغيرها، فلا ينتقل إلى الذكر إلا إذا كان عاجزًا عن القرآن.\nالدليل الثالث:\nولأن المصلي إذا كان يشرع له قراءة ما تيسر من القرآن مع قدرته على الفاتحة فَلَأَنْ يشرع له قراءة ما تيسر مع عجزه عنها من باب أولى.\nالدليل الرابع:\nولأن المقصود من إقامة الصلاة ذكر الله،\nقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فلا يشرع في الصلاة سكوت، هذا من حيث وجوب البدل.\nالدليل الخامس:\nأن المصلي إذا عجز عن فرض القراءة بالكلية انتقل إلى الذكر بموجب حديث\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (١٤٦٩).\n(^٢). انظر تخريجه (ح ١٥٩٦).","vol":"2","page":480},{"text":"ابن أبي أوفى -وقد سبق تخريجه - فإذا عجز عن الفاتحة وَقَدَرَ على غيرها من القرآن انتقل إليه؛ لأن التعويض من القرآن أولى بالتعويض من الأذكار؛ لأن القرآن أعظم الذكر، قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾ [سورة ص: ١].\nولأن الفرق بين كلام الناس وكلام الله كالفرق بين الخالق والمخلوق، ولأن القرآن أشبه بالفاتحة من غيره، من حيث نظمه، وإعجازه.\n* دليل المالكية على سقوط القراءة بالعجز عن الفاتحة:\nالواجبات تسقط بالعجز، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقال ﷺ كما في حديث أبي هريرة: ... إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، رواه البخاري ومسلم (^١).\nولأن الشارع لم يوجب على المصلي قراءة ما عدا الفاتحة على الصحيح، فإذا عجز عنها سقطت كسائر الواجبات، وإيجاب البدل يفتقر إلى نص صحيح، ولا يوجد نص صحيح يوجب قراءة غير الفاتحة، لا أصلًا ولا بدلًا، وما ورد من أحاديث في السنة في إيجاب الذكر بدلًا عن القرآن لا يصح منها شيء عند المالكية.\n* الراجح:\nأن المصلي إذا عجز عن الفاتحة كان فرضه الذكر لحديث ابن أبي أوفى، وهو حديث حسن إن شاء الله، وأعظم الذكر كتاب الله ﷾.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).","vol":"2","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المسألة الخامسة في مقدار ما يجزئ عن الفاتحة من القرءان</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يشترط في البدل أن يكون مساويًا للمبدل منه.\n* قال النبي ﷺ للمسيء صلاته: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، متفق عليه، والمطلق جارٍ على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله.\n* شروط العبادة صفة فيها، والقول في صفة العبادة كالقول في العبادة يحتاج إلى التوقيف، وإيجاب عدد أو مقدار في البدل لا دليل عليه.\n[م-٥٥١] اختلف العلماء في المقدار المجزئ من القرآن عن الفاتحة\nفقيل: المعتبر قدرها في الآيات والحروف، فلو قرأ آية طويلة بلغ عدد حروفها عدد حروف الفاتحة لم يجزئ، وهو الأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة (^١).\nوقيل: المعتبر عدد الآيات دون الحروف، فإذا قرأ سبع آيات من غيرها أجزأته، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٤٤)، الوسيط للغزالي (٢/ ١١٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٣٧)، المجموع (٣/ ٣٧٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٣، ٤٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٧)، الإقناع (١/ ١١٧)، الإنصاف (٢/ ٥١)، المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، الفروع (٢/ ١٧٦).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٣٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٩).\nقال القاضي حسين في تعليقته (٢/ ٩١٤): «إذا كان يحسن سبع آيات، مثل آيات الفاتحة أو أطول منها فذاك، وإن أقصر من آيات الفاتحة، فعلى وجهين:\nأحدهما: يجزيه؛ لقول الشافعي طوالًا كنَّ أو قصارًا.\nوالثاني: لا حتى تكون معادلة الفاتحة».","vol":"2","page":482},{"text":"وقيل: يقرأ بقدرها في عدد الحروف فقط، وهو وجه في مذهب الحنابلة (^١).\nقال في الإنصاف: «وأنكر بعضهم هذا الوجه، وعلى تقدير صحته ضَعَّفَه» (^٢).\nوقيل: يشترط كون البدل مشتملًا على ثناء ودعاء كالفاتحة، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يجزئ من القرآن ما تيسير، دون تحديد، وبه قال ابن حزم.\n* دليل من قال: يشترط عدد الآيات والحروف:\nأما اشتراط العدد: فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ [الحجر: ٨٧]، والسبع المثاني: هي الفاتحة.\n(ح-١٤٢٠) فقد روى البخاري من طريق ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم (^٤).\nفحين ذكر النبي ﷺ الفاتحة أخبر عنها بأنها هي السبع، فتبين أن ما كان دون السبع لا يجزئه، وإن طال لرعاية العدد فيها.\nوقد يقال: إن للعدد سبعة اعتبارًا في أقدار الله، فالسموات سبع، والطواف والسعي والرمي سبع، والسجود على الأعضاء السبعة، وأيام الأسبوع سبعة، والفاتحة آياتها سبع، فالبدل عن الفاتحة يجب أن يراعى فيه العدد سبعة، والله أعلم.\n_________\n(^١). الهداية على مذهب الإمام أحمد لأبي الخطاب (ص: ٨٢)، المبدع (١/ ٣٨٨).\n(^٢). قال في الإنصاف (٢/ ٥١): «فإن لم يحسن الفاتحة وضاق الوقت عن تعلمها، قرأ قدرها في عدد الحروف، هذا أحد الوجوه، قدمه في الهداية والخلاصة، والهادي، والتلخيص ... وأنكر بعضهم هذا الوجه ... إلخ».\nوقال في الفروع (٢/ ١٧٦): «ويقرأ قدرها في الحروف والآيات، وقيل: أو أحدهما، وقيل: الآيات، وعنه تجزئ آية».\n(^٣). نهاية المحتاج (١/ ٤٨٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٧).\n(^٤). البخاري (٤٧٠٤).\n\nوروى البخاري (٤٧٠٣) من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى بمثله، وفيه قصة.","vol":"2","page":483},{"text":"وأما اشتراط الحروف: فلأن تقدير الحسنات بعدد الحروف، فإن له بكل حرف عشر حسنات، فكان عدد الحروف مقصودًا للثواب.\n* وجه من قال: المعتبر عدد الآيات دون مقدار الحروف:\nالقياس على قضاء الصيام، فلو صام يومًا قصيرًا عن يوم طويل صح الصوم، ولا يشترط المساواة في الساعات.\nولأن اعتبار المساواة في الحروف فيه مشقة على المصلي، والحرج مدفوع.\n* وجه من قال: يشترط الحروف فقط:\nأن المعتبر في البدل هو الثواب، وهو مقدر بعدد الحروف دون عدد الآيات.\n* وجه من قال: يشترط اشتماله على ثناء ودعاء:\nهذا القول بناه بالنظر إلى موضوع آيات الفاتحة، فالفاتحة فرضت في الصلاة دون غيرها لما اشتملت عليه من ثناء ودعاء، فكان أولها متضمنا لتعظيم الله بحمده وكمال رحمته وكمال تصرفه في ملكه، والثاني متضمنًا افتقار العبد إلى هداية الله له إلى صراط الله المستقيم ومخالفة طريق المغضوب عليهم وهم اليهود ومن شابههم، وطريق الضالين وهم النصارى ومن شابههم.\n* ويناقش:\nبأن الله ﷾ قال: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nوإذا كان هذا العبد عاجزًا عن تحصيل الفاتحة فكيف يكلف أن يكون البدل عنها مشتملًا على موضوعها من ثناء ودعاء.\n* دليل من قال: يجزئ ما تيسر من القرآن:\nمن القرآن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\n(ح-١٤٢١) ومن السنة: ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه .... إذا قمت","vol":"2","page":484},{"text":"إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (^١).\n* الراجح:\nالقول بعدم التحديد، لا في عدد الآي، ولا في قدر الحروف.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"2","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المسألة السادسة في اشتراط أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* شروط العبادات صفات لازمة فيها.\n* شروط العبادة كالعبادة لا تثبت إلا بتوقيف.\n* اشتراط أن يكون البدل بمقدار آيات الفاتحة أو بمقدار كلماتها فيه حرج ومشقة، والأصل عدم الاشتراط.\n* القراءة في الصلاة يغلب عليها التعبد، وهو حاصل بمجرد تلاوة الآية كاملة.\n* لا يشترط في البدل أن يكون بمقدار المبدل منه، ولا بمعناه.\n* إذا لم يشترط في البدل أن يكون متضمنًا لمعنى الفاتحة من ثناء ودعاء لم يشترط فيه أن يكون بمقدار الفاتحة من باب أولى؛ لأن قصد المعنى أولى من قصد العدد.\n* كل آيات القرآن يصلح أن يكون بدلًا عن الفاتحة، فلم يتعين البدل بآيات بعينها، وإذا لم يتعين البدل لم يشترط توالي الآيات، بخلاف الفاتحة فإن الفرض متعين في آياتها فاشترط الترتيب والتوالي.\n* الأبدال مبناها على التخفيف، فالتيمم أخف من الوضوء والغسل، ومسح الخفين أخف من غسل القدمين.\n[م-٥٥٢] إذا كان المصلي لا يحفظ الفاتحة، وقرأ آيات من القرآن بدلًا منها، أيشترط في الآيات أن تكون متوالية مع القدرة على التوالي أم يجوز أن تكون الآيات متفرقة غير منتظمة المعنى؟","vol":"2","page":486},{"text":"هذه المسألة لا تتنزل على مذهب أبي حنيفة لأن الفرض عندهم يتأدى بآية واحدة، ولو كانت قصيرة.\nكما لا تتنزل على المعتمد من مذهب المالكية؛ لأنهم لا يقولون بمشروعية التعويض عن الفاتحة، فإذا عجز عنها سقط عنه فرض القراءة.\nوعلى هذا سيكون البحث في مذهب الشافعية والحنابلة القائلين بالتعويض، وقد توجه لها بالبحث أصحاب الإمام الشافعي، فكان في مذهبهم قولان:\nالقول الأول:\nقالوا: إنْ أَحْسَنَ سبعَ آيات متوالية على ترتيب المصحف لم يجز العدول إلى المتفرقة، اختاره إمام الحرمين، والغزالي والرافعي (^١).\nجاء في المجموع: «وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في البسيط والرافعي» (^٢).\nوقال الغزالي في الوسيط: «فإن عجز عن آيات متوالية، فتجزئه آيات متفرقة» (^٣).\n* وجه اشتراط الآيات متوالية:\nأن المتوالي أشبه بالفاتحة، ولأن المفرق قد لا يفيد معنى منتظمًا، وهو شرط في أحد القولين كما سيأتي.\nالقول الثاني:\nقال النووي: «الأصح المنصوص في الأم: جواز المتفرقة مع حفظه متوالية.\nوالمنصوص عن الشافعي في الأم، قوله: «وسواء كان الآي طوالًا أو قصارًا لا يجزيه إلا بعدد آي أم القرآن، وسواء كن في سورة واحدة أو سور متفرقة لا يجزيه حتى يأتي بسبع آيات» (^٤).\nقال أبو زرعة العراقي: ويوافقه قول التنبيه: «(قرأ بقدرها من غيرها) فإنه لم\n_________\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٣٣٧)، المجموع (٣/ ٣٧٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٨).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٧٥).\n(^٣). الوسيط في المذهب (٢/ ١١٨).\n(^٤). الأم (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":487},{"text":"يفصل بين أن يحفظ متوالية أم لا» (^١).\nواستدرك النووي على الرافعي في الروضة، فقال: «قد قطع جماعة بأن تجزئه الآيات المتفرقة وإن كان يحسن المتوالية، سواء فرقها من سورة أو سور؛ منهم القاضي أبو الطيب، وأبو علي البندنيجي، وصاحب البيان، وهو المنصوص في (الأم) وهو الأصح. والله أعلم» (^٢).\nوتعقب الإسنوي النووي في المهمات، فقال: «وما ذكره من أن هؤلاء قد نصوا على جواز المتفرقة مع إمكان المتوالية ليس كذلك، فقد راجعت كلام الشافعي والبندنيجي والعمراني فلم أجد لهم تصريحًا بالإجزاء في هذه الحالة، بل قالوا: إنه يجزئ الذي يحسنه، سواء كان من سور أم سورة، وهذا إطلاق يصح تنزيله على ما صرح به أولئك.\nوإجمال تعينه تفسيرهم، وقد صرح بالمنع الشيخ أبو محمد والإمام، والغزالي في (البسيط) والقاضي مجلي في (الذخائر) والرافعي، لاسيما أن المعاني الحاصلة من اتصال الآيات تفوت، فقد لا تفهم أن المتفرقة من القرآن بالكلية» (^٣).\nيقصد الإسنوي أن الذين استند إليهم النووي لم يُصرِّحوا بالجواز عند حفظ المتوالية، بل أطلقوا، فيمكن حملُ إطلاقهم على ما قَيَّده غيرُهم (^٤).\n* وجه جواز أن تكون الآيات متفرقة:\nالقياس على قضاء رمضان، فإن القضاء أوسع من الأداء.\nوقد يستدل لهم بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فأطلق القراءة، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فيشمل المتوالي كما يشمل المتفرق.\nولأن كل آيات القرآن يصلح أن يكون بدلًا عن الفاتحة، فلم يتعين البدل في سورة بعينها، وإذا لم يتعين لم يشترط توالي الآيات، بخلاف الفاتحة فإن الفرض\n_________\n(^١). تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٥).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٤٥).\n(^٣). المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٥٨).\n(^٤). انظر: بداية المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٢٣٧).","vol":"2","page":488},{"text":"متعين في آياتها فاشترط الترتيب والتوالي.\n[م-٥٥٣] وإذا قرأ المصلي آيات متفرقة بدلًا عن الفاتحة، سواء أكان ذلك لعجزه عن المتوالي، أم لكونه لا يرى ذلك شرطًا، فهل يشترط في الآيات المتفرقة أن تفيد معنى منتظمًا؟\nفي ذلك خلاف بين أصحاب الشافعي ﵏:\nفقال إمام الحرمين: «إن لم تفد المتفرقة معنى منتظمًا انتقل إلى الذكر» (^١).\nجاء في نهاية المطلب: «الإتيان بسبع آيات متفرقات قد لا تفيد معنى منظومًا، ولو قرئت وحدها، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَر﴾ [المدثر: ٢١]، فيظهر ألَّا يَكْتَفِي بإفراد هذه الآيات، فيردُّ إلى الذكر» (^٢).\nوقال النووي: «الأصح المنصوص في الأم: جواز المتفرقة سواء أفادت معنى منظومًا أم لا، قال في المجموع والتنقيح: وهو المختار كما أطلقه الجمهور، قال الرملي: وهو المعتمد» (^٣).\nوتوسط الأذرعي: فقال: «ما اختاره النووي إنما ينقدح إذا لم يحسن غير ذلك، أما مع حفظه متوالية، أو متفرقة منتظمة المعنى فلا وجه له، وإن شمله إطلاقهم.\nقال الخطيب: «وهذا يشبه أن يكون جمعًا بين الكلامين، وهو جمع حسن» (^٤).\nقلت: القراءة في الصلاة يغلب عليها التعبد، وهو حاصل بمجرد تلاوة الآية كاملة، وكثير من العوام لا يعرف المعنى أهو منتظم أم لا؟ فوضعه شرطًا في حق رجل عاجز عن تحصيل الفاتحة فيه حرج، لهذا أجد من الصعب إفساد الصلاة إذا لم تفد الآيات معنى منتظمًا، المهم ألا تفيد معنى فاسدًا، فإن أفادت معنى فاسدًا\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٤٥).\n(^٢). انظر: نهاية المطلب (٢/ ١٤٥).\n(^٣). فتح العزيز (٣/ ٣٣٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٥)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٨٥، ٤٨٦)،تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٥).\n(^٤). مغني المحتاج (١/ ٣٥٨).","vol":"2","page":489},{"text":"كان ذلك ملحقًا باللحن، وإن كان الأولى مع الإمكان أن تكون الآيات متوالية منتظمة المعنى، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المسألة السابعة إذا عجز عن القرآن والذكر</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* من أمر بأمرين فقدر على أحدهما وعجز عن الآخر وجب عليه ما قدر عليه؛ لأن القدرة على أحدهما لا تسقط بالعجز عن الآخر، والمقدر لا يسقط بالمعسور.\n* القيام في الصلاة ركن مقصود بنفسه، لا يسقط بالعجز عن القراءة.\n* الوسائل نوعان: وسائل لا تقصد بنفسها، وإنما شرعت لتحصيل غيرها، فإذا سقط المقصد سقطت وسيلته، كإمرار الموس على رأس الأقرع في النسك.\nومن الوسائل: ما هو وسيلة لغيره ومقصود بنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه، والقيام في الصلاة من النوع الثاني.\n[م-٥٥٤] إذا عجز عن القرآن والذكر سقطت عنه القراءة، وهل يسقط عنه القيام؟\nفي ذلك خلاف راجع إلى مسألة الاختلاف في منزلة القيام بالصلاة:\nأهو ركن مقصود بنفسه وهو مذهب الشافعية والحنابلة وقول في مذهب المالكية، فلا يسقط بالعجز عن القراءة أو بدلها (^١).\nأم هو ركن مقصود للقراءة، كما هو مذهب المالكية، فإذا عجز عن القراءة سقط القيام لها؛ فيقف للإحرام وللهُوِيِّ للركوع، ويستحب الفصل بين التكبيرتين بوقوف ما (^٢).\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ٢١٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٦٩)، كشاف القناع (١/ ٣٤١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٤).\n(^٢). مختصر خليل (ص: ٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١)، مواهب الجليل (٢/ ٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٩٥).","vol":"2","page":491},{"text":"أم هو ركن مقصود للسجود، كما هو مذهب الحنفية، فلا يسقط إلا بالعجز عن السجود (^١).\nوقد سبق بحث منزلة القيام في الصلاة في مبحث سابق، فارجع إليه.\nوعلى هذا إذا عجز عن القراءة عند الحنفية والمالكية، أوعجز عن بدلها عند الشافعية والحنابلة، فما هو الواجب على المصلي؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:\nالقول الأول:\nذهب الحنفية إلى أن المصلي إذا عجز عن القراءة فإنه يقف فرضًا في الركعات التي تكون القراءة فيها فرضًا، والقراءة عندهم فرض في جميع ركعات النفل والوتر، وفي الفرض ذوات الركعتين، وأما ذوات الأربع: ففرض القراءة في ركعتين منهما، وفي الأخريين إن شاء سكت، وإن شاء قرأ، وإن شاء سبح.\nوأما مقدار الوقوف: فحيث تجب القراءة إذا عجز عنها المصلي وقف مقدار القراءة المفروضة، وهي آية مطلقًا عند الإمام أبي حنيفة، ومقدار آية طويلة أو ثلاث آيات قصار عند أبي يوسف ومحمد.\nوحيث لا تجب القراءة في الأخريين فالركن فيه أصل القيام، لا امتداده، هذا ملخص مذهب الحنفية (^٢).\nالقول الثاني: مذهب المالكية.\nذهب المالكية إلى أن القيام يجب في الفرض للإحرام استقلالًا إلا لمسبوق، وحال قراءة الفاتحة للإمام والفذ، ومن أجل الهُوِيِّ للركوع ولو للمأموم.\nفإذا عجز عن تعلم الفاتحة ولم يمكنه الائتمام بمن يحسنها سقطت الفاتحة،\n_________\n(^١). فتح القدير (٢/ ٦)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٨٠)، البحر الرائق (٢/ ٥٩)، مختصر القدوري (ص: ٣٦) جاء في بدائع الصنائع (١/ ١٠٧): «القيام بدون السجود غير مشروع».\nوقال في تبيين الحقائق (١/ ٢٠٢): «القيام وسيلة إلى السجود، فلا يجب بدونه».\n(^٢). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٢٤)، منية المصلي (ص: ١٦٧)، بدائع الصنائع (١/ ١١٢)، ملتقى الأبحر (ص: ١٩٧).","vol":"2","page":492},{"text":"وسقط القيام لها، ولا يجب عليه إبدالها بذكر أو سورة أخرى على المعتمد، ولا الوقوف بقدرها، وبه قال جمهورهم.\nلأن القيام شرع من أجل القراءة، فيقف فقط للإحرام وللهوي للركوع، ويندب له الوقوف يسيرًا ولو قَلَّ بسكوت، أو ذكر، أو قرآن؛ للفصل بين تكبيره وركوعه، لئلا تلتبس تكبيرة القيام بتكبيرة الركوع فإن لم يفصل وركع أجزأه (^١).\nقال الخرشي: «يجب القيام للفرض كالفاتحة، وقيام الهوي للركوع، ولو للمأموم، وتكبيرة الإحرام لغير المسبوق في صلاة الفرض» (^٢).\nوقال الدردير في الشرح الكبير: «(يجب بفرض) أي في صلاة فرض (قيام) استقلالًا للإحرام، والقراءة، وهوي الركوع، إلا حال السورة فيجوز الاستناد، لا الجلوس لأنه يخل بهيئتها» (^٣).\nوقال خليل في مختصره: «وإن عجز عن فاتحة قائمًا جلس» (^٤).\nوقال الدسوقي: «سواء كان يقدر على القيام من غير قراءة، أم لا؛ لأن القيام كان لها» (^٥).\nوقال القرافي في الذخيرة: «وإذا لم يجب البدل -يعني عن الفاتحة بسبب عجزه- فعند القاضي عبد الوهاب يقف وقوفًا، فإن لم يفعل أجزأه؛ لأن القيام وسيلة القراءة، وإذا بطل المقصد بطلت الوسيلة» (^٦).\n* دليل المالكية على سقوط القيام بعجزه عن القراءة:\nأما كون الفاتحة تسقط بلا بدل:\nفقد تقدم الاستدلال عليه في أكثر من مسألة من المسائل السابقة، راجع إذا صلى ولم يكن معه شيء من القرآن.\n_________\n(^١). منح الجليل (١/ ٢٤٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٥، ٢٣٧، ٢٣٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٤، ٢٧٠)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٢١، ٨١).\n(^٢). شرح الخرشي (١/ ٢٩٤).\n(^٣). الشرح الكبير (١/ ٢٥٥).\n(^٤). مختصر خليل (ص: ٣٤).\n(^٥). حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١).\n(^٦). الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٦).","vol":"2","page":493},{"text":"وأما الدليل على أنه لا يجب عليه القيام بقدر القراءة إذا سقطت:\nفيرى المالكية أن المقصود من القيام هو القراءة؛ لأن القيام في حقه مقدر بقدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، فدل على أن ذلك هو المقصود من القيام.\nجاء في التاج والإكليل عن ابن يونس: «القيام للإمام والفذ قدر قراءة أم القرآن من الفروض المتفق عليها» (^١).\nفإذا عجز عن القراءة سقط عنه القيام لها، ولذلك المسبوق يسقط عنه القيام؛ لسقوط القراءة عنه، ووجب عليه القيام فقط حال الإحرام وهذا واجب بالإجماع، وكذا للهوي من الركوع (^٢).\nقال في الثمر الداني: «يشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقًا، فإن تركه في الفرض، بأن أتى به جالسًا أو منحنيًا، أو مستندًا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته» (^٣).\n* وجه القول بالبطلان:\nأن تكبيرة الإحرام من فرائض الصلاة القولية التي لا تقبل إلا إذا فعلت في محلها، وهو القيام، فإن أتى بها أو ببعضها حال الركوع لم يجزه؛ لأنه أتى بها في غير محلها، فهو كما لو أتى بالتشهد حال القيام أو الركوع، أو قرأ الفاتحة مكان التشهد، فكل قول في الصلاة قيل في غير محله فكأنه لم يفعل.\n* ويناقش:\nبأن القول: إن القيام وجوبه وجوب وسائل، وليس مقصودًا بنفسه غير صحيح، فلا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه، كالوضوء، فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه.\nيقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان\n_________\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٢١٢).\n(^٢). مختصر خليل (ص: ٣٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦١)، مواهب الجليل (٢/ ٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٩٥).\n(^٣). الثمر الداني (ص: ١٠٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١).","vol":"2","page":494},{"text":"مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (^١).\nبل إن القيام لله من أعظم العبادات كما سيأتي التدليل عليه في أدلة القول التالي.\nالقول الثالث:\nذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول في مذهب المالكية أن المصلي إذا عجز عن القراءة والذكر وجب عليه القيام بقدر قراءة الفاتحة.\nقال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام ... وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (^٢).\nقال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (^٣).\nوقال البهوتي في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر لقوله ﷺ: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» (^٤).\n* واستدلوا لذلك بما يلي:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n(ح-١٤٢٢) ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^٥).\nفإذا عجز عن القراءة لم يسقط عنه القيام؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.\nالدليل الثاني:\nأن القيام ركن، والقراءة ركن، وإذا كان القيام ركنًا فإنه لا يجوز تركه مع القدرة عليه.\n_________\n(^١). القواعد (ص: ١١).\n(^٢). شرح الخرشي (١/ ٢٦٩).\n(^٣). نهاية المطلب (٢/ ٢١٣).\n(^٤). كشاف القناع (١/ ٣٤١).\n(^٥). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).","vol":"2","page":495},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-٣٢٤١) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،\nعن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (^١).\nفعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة.\nالدليل الرابع:\nالقيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾،\nفأمر بالقيام في الصلاة، وأثنى الله على المؤمنين بقوله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.\nولقد كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (^٢).\nونهاهم أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم.\nوقال ﷺ: من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (^٣)؛ لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله، فدل على أنه من أعظم العبادات، فلا يسقط مع القدرة عليه.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١١٧).\n(^٢). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٥٨)، وأحمد (٣/ ١٣٢، ١٥١، ٢٥٠)، والبخاري في الأدب (٩٤٦) والترمذي (٢٧٥٤)، وفي الشمائل (٣٣٥)، وأبو يعلى (٣٧٨٤)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٢٦) من طرق كثيرة، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس.\n(^٣). رواه أبو داود الطيالسي (١٠٥٣)، وابن أبي شيبة (٢٥٥٨٢)، وأحمد (٤/ ٩١، ٩٣، ١٠٠)، والبغوي في الجعديات (١٤٨٢)، وعبد بن حميد (٤١٣)، والبخاري في الأدب المفرد (٩٧٧)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٥١) ح ٨١٩، ٨٢٠، ٨٢١، ٨٢٢، وغيرهم من طريق كثيرة عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، قال: دخل معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فذكره.","vol":"2","page":496},{"text":"* الراجح:\nما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، وأن القيام لله عبادة مستقلة بنفسها، لا يسقط بسقوط القراءة، وأنه مقدر بقدر قراءة الفاتحة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفرع الثامن في التأمين على دعاء الفاتحة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المسألة الأولى في معنى التأمين</span>\nالتأمين: هو قول الرجل: آمين، وهي اسم فعل مبني على الفتح وكان حقه الوقف على السكون؛ كما كان في صه ومه وفي جميع أسماء الأفعال إلا أن النون فتحت لالتقاء الساكنين، وكأن الفتح مع الياء أخف من سائر الحركات، كما فتحوا (أينَ) و(كيفَ) و(ليتَ) و(لعلَّ).\nوقد ذكر الرضي في شرحه على كافية ابن الحاجب أن (آمين) قيل: إنها سرياني كقابيل وهابيل لأنه ليس من أوزان كلام العرب (^١).\nوحكي فيها ثلاث لغات: إحداها: آمين بالمد، وقال النووي: وهو أفصح، وقال العراقي: أشهرها المد، ونسبه الحافظ ابن حجر لجميع القراء (^٢).\nوالثانية: أَمِين، بقصر الألف، وقيل: إنه الأصل، وإنما مُدَّ لترفيع الصوت بالدعاء، كما قالوا: آوَّه، والأصل: أوَّه (^٣).\nوجاء في المصباح المنير: «وأمين بالقصر في لغة الحجاز، وبالمد في لغة بني عامر» (^٤).\n_________\n(^١). شرح الرضي على الكافية (٣/ ٨٥).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٠)، طرح التثريب (٢/ ٢٦٥)، فتح الباري (٢/ ٢٦٢).\n(^٣). مختار الصحاح (ص: ٢٢)، التمهيد (٧/ ١١)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩٣)، تبيين الحقائق (١/ ١١٤).\n(^٤). المصباح المنير (١/ ٢٤).","vol":"2","page":498},{"text":"قال ابن العربي: «والقصر أفصح، وأخصر، وعليها من الخلق الأكثر» (^١).\nوأنشدوا بيتًا من الشعر لجبير بن الأضبط\nتَبَاعَدَ مِنِّيْ فُطْحُلٌ أنْ سَألْتُهُ. . . أَمِينَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا\nفقدم التأمين على الدعاء للضرورة، وقد روي بالمد: (فآمين زاد الله ما بيننا بعدًا)\nوعلى هذه الرواية لا شاهد فيه على القصر (^٢).\nوأنكر ثعلب القصر في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب.\nوالعجب كيف يكون القصر أفصح، ولم يَرْوِ أحد عن النبي ﷺ حديث: إذا قال الإمام ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا آمين إلا بالمد، والرسول ﷺ أفصح العرب، وعليه جميع القراء.\nوقال ابن المرزبان في تصحيح الفصيح وشرحه: «وليس (أمين) بقصر الهمزة معروفًا في الاستعمال. وإنما قصره الشاعر ضرورة» (^٣).\nوالثالثة: المد مع تشديد الميم، (آمِّين) حكاها بعض أهل اللغة والقاضي عياض، وعدوها لغة، وأنكرها الأكثر؛ وعَدُّوها لحنًا؛ لأنه يخل بالمعنى، فيجعله بمعنى: قاصدين، كما قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (^٤).\nويتفق العلماء بأن التأمين ليس من الفاتحة، ولا من القرآن فهو كالاستعاذة.\nوقد قيل في معنى آمين: بأنه اسم فعل بمعنى استجب، فهو دعاء باستجابة ما تقدم من الدعاء، وهو الأصح.\nوقيل: معناه: كذلك فليكن، أوكذلك يكون، ومناسبتهما بعد الفراغ من الدعاء ظاهر.\nوقيل: اسم من أسماء الله تعالى، ولا أعرف -على هذا التفسير- مناسبة في\n_________\n(^١). أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٢)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٨٢).\n(^٢). تهذيب اللغة (١٥/ ٣٦٧)، الصحاح وتاج اللغة العربية (٥/ ٢٠٧٢)، تفسير غريب ما في الصحيحين (ص: ٢٨٨)، النهاية في غريب الحديث (١/ ٧٢)، شرح الفصيح لابن هشام اللخمي (ص: ٢٤٥)، منتخب من صحاح الجوهري (ص: ٤).\n(^٣). تصحيح الفصيح وشرحه (ص: ٤٦٦).\n(^٤). مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٨)، تاج العروس (٣٤/ ١٩٠)، تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ٦٥)، المطلع على أبواب المقنع (ص: ٩٤).","vol":"2","page":499},{"text":"ذكره بعد قوله: ولا الضالين إلا أن يقدر حرف نداء محذوف (^١).\nقال ابن العربي: «ولا يصح نقله، ولا ثبت قوله» (^٢).\nونقله ابن كثير في تفسيره وأقره (^٣). هذا فيما يتعلق بمعنى التأمين.\n\n* * *\n_________\n(^١). النهاية في غريب الحديث (١/ ٧٢)، مختار الصحاح (ص: ٢٢)، شرح غريب ألفاظ المدونة (ص: ٢٤)، النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب (١/ ٧٨)، المطلع على أبواب المقنع (ص: ٩٤)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٦٣).\n(^٢). أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٢).\n(^٣). تفسير ابن كثير ت السلامة (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>المسألة الثانية في فضل التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* ثبوت الفضل للعبادة ومقداره توقيفي.\n* قوله ﷺ: (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين.\n* إذا افق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله.\n* لا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد.\n[م-٥٥٥] ورد في فضل التأمين أحاديث، من ذلك:\n(ح-١٤٢٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nقال ابن العربي: «فترتيب المغفرة للذنب على أربع مقدمات ذكر منها ثلاثًا، وأمسك عن واحدة؛ لأن ما بعدها يدل عليها:\nالمقدمة الأولى: تأمين الإمام.\nالثانية: تأمين من خلفه.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).","vol":"2","page":501},{"text":"الثالثة: تأمين الملائكة.\nالرابعة: موافقة التأمين.\nفعلى هذه المقدمات الأربع تترتب المغفرة، وإنما أمسك عن الثالثة اختصارًا؛ لاقتضاء الرابعة لها فصاحة» (^١).\nوقوله ﷺ: (... فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ...) فأمر بالمبادرة بالتأمين، وعلل ذلك بقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) فيه إشارة إلى أنه إذا بادر وأَمَّن مع تأمين الإمام فإنه يوافق تأمين الملائكة، ذلك لأن الملائكة توافق تأمين الإمام دائمًا، وإلا لما صح أن تكون الجملة الثانية تعليلًا للجملة الأولى (^٢).\n(ح-١٤٢٥) وروى النسائي من طريق بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٣).\nوهذا إسناد جيد، وهو يبين أن قوله: (فإن الملائكة تؤمن) جملة تعليلية للأمر بالتأمين.\nقال ابن المنير نقلًا من فتح الباري: «الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا» (^٤).\n[م-٥٥٦] واختلف العلماء بالمراد بموافقة الملائكة في التأمين:\nفقيل: المراد موافقتهم بالوقت، وهو مذهب الجمهور (^٥).\nوقيل: المراد بموافقة الملائكة بالصفة، بأن يكون تأمينه من غير علة من رياء، أو سمعة، أو إعجاب وبهذا يكون تأمينه موافقًا في الإخلاص لتأمين الملائكة، اختار\n_________\n(^١). أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١١).\n(^٢). انظر التعليق على المنتقى لشيخنا ابن عثيمين ﵀ (١/ ٩٩).\n(^٣). سنن النسائي (٩٢٥)، وفي الكبرى (٩٩٩).\n(^٤). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٦٥).\n(^٥). النهر الفائق (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":502},{"text":"ذلك ابن حبان، كما في قوله ﷺ: ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة (^١).\nولا يمتنع أن تكون الموافقة فيهما في الوقت وفي الإخلاص، والله أعلم.\nوظاهر الحديث: تأمين جميع الملائكة:\nفقال عكرمة: ملائكة السماء يصفون في السماء كصفوف أهل الأرض، فإذا توافقا في التأمين غفر لمن في الأرض.\n(ث-٣٥١) روى عبد الرزاق، عن معمر قال:\nحدثني من سمع عكرمة يقول: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء غفر له (^٢).\nقال ابن حجر: «مثله لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى» (^٣).\nوهذا صحيح بشرط أن يثبت عن عكرمة، ولم يثبت؛ لإبهام شيخ معمر.\nوظاهر أثر عكرمة أن لكلٍّ صلاته على وجه الاستقلال؛ لأن القول بأن أهل السماء يصلون صفوفًا تبعًا لأهل الأرض مع اختلاف المكان يحتاج إلى توقيف، فظاهر أثر عكرمة أنه لا اتحاد بينهما في الصلاة، فإذا وقع توافق في التأمين بينهما ترتب عليه هذا الفضل.\nومثل هذا لا يمكن أن يُرَغَّب فيه أحد؛ لأنه لا أحد يمكنه تحري ذلك؛ لكونه من الغيبيات، وهو خلاف حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ...) إلخ فإن فيه اتحادًا في الدعاء، فالإمام يدعو، والملائكة والمصلون يؤمنون على دعائه، فإذا وافق تأمين المأموم تأمين الإمام كان ذلك مظنة أن يوافق تأمين الملائكة، فيمكن للمكلف تحري ذلك، والطمع في حصوله بخلاف التأويل الأول.\nوتقدم لنا رواية النسائي (إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (^٤).\n_________\n(^١). صحيح ابن حبان (٥/ ١٠٨) إكمال المعلم (٢/ ٣٠٩)، فتح الباري (٢/ ٢٦٥).\n(^٢). المصنف (٢٦٤٨).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٦٥).\n(^٤). سنن النسائي (٩٢٥)، وفي الكبرى (٩٩٩).","vol":"2","page":503},{"text":"فهو صريح أن الملائكة تؤمن على دعاء الإمام.\nوقيل: المراد بالملائكة ممن يشهد تلك الصلاة وقت التأمين (^١).\nقال ابن حجر: «ظاهره: أن المراد بالملائكة جميعهم، واختاره بن بزيزة.\nوقيل: الحفظة منهم.\nوقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض، أو في السماء» (^٢).\nوقال في تحفة المحتاج: «والمراد بالملائكة المؤمنون على أدعية المصلين والحاضرون لصلاتهم» (^٣).\nوقال بعضهم: إذا قال الحفظة: آمين قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء (^٤).\nوالراجح والله أعلم أن تأمين الملائكة على دعاء الإمام لا يلزم منه اتحاد المكان، فالحديث لم يرد فيه إلا أن الملائكة تؤمن، فالوقوف عند حدود النص هو الجزم بتأمين الملائكة فقط على دعاء الإمام، ولا يلزم من تأمين الملائكة أن يكونوا صفوفًا يصلون لأنفسهم أو يصلون مع الإمام، فيشمل الملائكة ممن يشهدون الصلاة في الأرض، ويشمل غيرهم من ملائكة السماء ممن يسمع دعاء الإمام، ويؤمن على دعاء المصلين، ولا يلزم من إطلاق الملائكة أن ذلك يقع من جميعهم، فهو عام أريد به الخصوص، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾. والقائل رجل واحد.\n* والدليل على تأمين ملائكة السماء.\n(ح-١٤٢٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت\n_________\n(^١). النهر الفائق (١/ ٢١٢)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٠٨)،.\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٦٥).\n(^٣). تحفة المحتاج (٢/ ٤٩).\n(^٤). النهر الفائق (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":504},{"text":"الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nورواه مسلم من طريق المغيرة (هو ابن عبد الرحمن الحزامي) عن أبي الزناد به (^٢).\nوإذا أمن بعض ملائكة السماء على دعاء الإمام فمن باب أولى أن يؤمن الملائكة في الأرض ممن يشهد صلاة الإمام، إلا أن حديث الأعرج عن أبي هريرة عام في كل من يقول: آمين، وحديث سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مقيد بالتأمين حال الصلاة، وهل يحمل المطلق على المقيد؛ لاتفاقهما في الثواب، وفي التأمين؟ قولان، أقربهما نعم؛ لأن تأمين الصلاة مستمد شرفه وفضله من كونه داخل الصلاة: أعظم أركان الإسلام العملية، ومرتبط بأعظم سورة في القرآن، وهي فاتحة الكتاب، فله مزيد فضل على التأمين على مطلق الدعاء خارج الصلاة.\n* ومن الأحاديث الدالة على فضل التأمين أيضًا:\n(ح-١٤٢٧) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،\nعن عائشة، عن النبي ﷺ قال: ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨١).\n(^٢). صحيح مسلم (٧٥ - ٤١٠).\n(^٣). سنن ابن ماجه (٨٥٦).\n(^٤). الحديث رواه عن عائشة: أبو صالح السمان، ومحمد بن الأشعث بن قيس.\nأما حديث أبي صالح، فرواه ابن ماجه (٨٥٦)، قال: حدثنا إسحاق بن منصور.\nورواه إسحاق بن راهويه (١١٢٢)، وعنه أبو العباس السراج في حديثه (٤٢٨)،\nورواه البخاري في الأدب المفرد (٩٨٨) حدثنا إسحاق، ولم ينسبه ليتميز، والإمام البخاري يروي عن إسحاق بن منصور، وعن إسحاق بن راهويه، وكلاهما قد رويا الحديث، وكلاهما ثقة فلا يضره إبهامه، (إسحاق بن منصور، وإسحاق بن راهويه) عن عبد الصمد بن عبد الوارث.\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٢) عن موسى بن إسماعيل، كلاهما (عبد الصمد وموسى) عن حماد بن سلمة، عن سهيل به.\nولم ينفرد به حماد بن سلمة، بل تابعه على ذلك خالد بن عبد الله الواسطي (ثقة) =","vol":"2","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=فقد أخرجه ابن خزيمة (٥٧٤) من طريقه، عن سهيل بن أبي صالح به، بلفظ: دخل يهودي على رسول الله ﷺ فقال: السأم عليك يا محمد، فقال النبي ﷺ: وعليك، فقالت عائشة فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي ﷺ لذلك فَسَكَتُّ، ثم دخل آخر، فقال: السأم عليك، فقال: عليك، فهممت أن أتكلم فعلمت كراهية النبي ﷺ لذلك، ثم دخل الثالث، فقال: السأم عليك، فلم أصبر حتى قلت: وعليك السأم وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير، أَتُحَيُّونَ رسول الله ﷺ بما لم يُحَيِّهِ الله؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولًا فرددنا عليهم، إن اليهود قوم حُسَّدٌ، وهم لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على السلام، وعلى آمين.\nفهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا سهيل بن أبي صالح، فهو صدوق، والحديث في الصحيحين مختصرًا من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة في ذكر اعتداء اليهود بالسلام، ورد عائشة عليهم، وجواب النبي ﷺ بقوله: مهلًا يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ... الحديث، وليس فيه حسد اليهود على التأمين والسلام.\nوأما حديث محمد بن الأشعث، عن عائشة:\nفأخرجه أحمد (٦/ ١٣٤، ١٣٥) حدثنا علي بن عاصم (ضعيف).\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٢) وفي الشعب (٢٧٠٧) من طريق سليمان بن كثير العبدي (متكلم فيه)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٢) من طريق حصين بن نمير (صدوق)، ثلاثتهم، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عمر بن قيس (ثقة وثقه أبو حاتم وابن معين وغيرهما وليس هو سندل الضعيف)، عن محمد بن الأشعث به، وزاد فيه: (إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام آمين)، فزاد القبلة والجمعة، ولم يذكر السلام. ولفظ حصين بن نمير: على الجمعة والتأمين.\nومحمد بن الأشعث روى عنه جماعة، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فهذا إسناد صالح في المتابعات، والله أعلم.\nوخالفهم هشيم كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٤/ ٣٤٦) فرواه عن حصين، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن النبي ﷺ مرسلًا، قال الدارقطني: والقول قول من ذكر فيه عائشة. اهـ\nوتابع مجاهد عمر بن قيس، إلا أن في إسناده عبد الله بن ميسرة متفق على ضعفه، واضطرب في لفظه.\nفأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٢)، وأسلم في تاريخ واسط (ص: ١٣٤، ١٣٥)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٢)، والخطيب في موضح الجمع والتفريق (٢/ ٢١٥) من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن ميسرة، حدثنا إبراهيم بن أبي حرة، عن مجاهد، عن محمد بن الأشعث به. لفظ البخاري وابن حبان وأسلم والخطيب: (ما حسدونا بالسلام والتأمين) وهذا موافق لحماد ابن سلمة.\nولفظ البيهقي: (التسليم والتأمين واللهم ربنا ولك الحمد)،\nولفظ ابن عدي: (ما حسدونا على السلام والأذان).","vol":"2","page":506},{"text":"ومن الأحاديث الدالة على فضل التأمين أن إجابة دعاء الفاتحة رتب على التأمين.\n(ح-١٤٢٨) فقد روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي،\nعن أبي موسى الأشعري، قال: ... إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله .... الحديث (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).","vol":"2","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المسألة الثالثة في حكم التأمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>المطلب الأول في حكم التأمين خارج الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل مُؤَمِّنٍ داعٍ وليس كل داعٍ مُؤَمِّنًا.\n* التأمين على الدعاء دعاء بالاستجابة.\n* إذا جاز التأمين في الصلاة، مع أنه ليس قرآنًا، بل معدودًا من كلام الآدمي، فَلَأَنْ يجوز خارج الصلاة من باب أولى.\n* إذا شرع التعوذ للقراءة داخل الصلاة وخارجها، فكذلك يشرع له التأمين خارج الصلاة قياسًا على مشروعيته له داخل الصلاة.\n[م-٥٥٧] يستحب لقارئ الفاتحة التأمين بعدها، ولو خارج الصلاة، لكنه فيها آكد (^١).\nقال ابن كثير: «قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي» (^٢).\n(ح-١٤٢٩) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١). حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٥)، مراقي الفلاح (ص: ٩٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٧)، المجموع (٣/ ٣٧١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٩).\n(^٢). تفسير ابن كثير ط العلمية (١/ ٥٨).","vol":"2","page":508},{"text":"عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nورواه مسلم من طريق المغيرة (هو ابن عبد الرحمن الحزامي) عن أبي الزناد به (^٢).\nوقد ترجم له البخاري: باب فضل التأمين. ولم يقيد الترجمة في الصلاة لما في الحديث من إطلاق.\nوقال القسطلاني في إرشاد الساري: «(إذا قال أحدكم آمين)، عقب قراءة الفاتحة، خارج الصلاة أو فيها» (^٣).\nقال الحافظ في الفتح: «لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: (إذا قال أحدكم في صلاته)، فيحمل المطلق على القيد» (^٤).\nيقصد الحافظ ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو (هو ابن الحارث) عن أبي يونس (هو سليم بن جبير الدوسي)،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ، قال: إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء آمين، فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (^٥).\nوروى البخاري من طريق سفيان، عن الزهري، قال: حدثناه: عن سعيد بن المسيب،\nعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٦).\nقال الحافظ في تلخيص الحبير: التعبير بالقارئ أعم من أن يكون داخل الصلاة أو خارجها.\nوقال العراقي: (إذا أمن القارئ) ظاهره أنه يستحب التأمين لقراءة القرآن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨١).\n(^٢). صحيح مسلم (٧٥ - ٤١٠).\n(^٣). إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٢/ ١٠٠).\n(^٤). فتح الباري (٢/ ٢٦٦).\n(^٥). صحيح مسلم (٧٤ - ٤١٠).\n(^٦). صحيح البخاري (٦٤٠٢).","vol":"2","page":509},{"text":"مطلقًا؛ لأنه ليس فيه تخصيصه بكونه إمامًا، إلا أنه رد هذا الظاهر برواية مسلم (^١).\nفقد روى مسلم من طريق يعقوب يعني ابن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه،\nعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال: من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\nقال الحافظ في الفتح: «إذا أمن القارئ فأمنوا فهذا يمكن حمله على الإطلاق فيستحب التأمين إذا أمن القارئ مطلقًا لكل من سمعه من مُصَلٍّ أو غيره ويمكن أن يقال المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة فإن الحديث واحد اختلفت ألفاظه» (^٣).\nولا شك أن حديث أبي هريرة قد لا تفيد ألفاظه على التأمين على الفاتحة خارج الصلاة، ولكن القياس على الصلاة يقتضيه فإذا جاز في الصلاة، مع أنه ليس قرآنًا، بل معدودًا من كلام الآدمي، فَلَأنْ يجوز خارج الصلاة من باب أولى.\nوكما أن المصلي يشرع له التعوذ للقراءة داخل الصلاة وخارجها، فكذلك يشرع له التأمين خارج الصلاة قياسًا على مشروعيته له داخل الصلاة.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر: طرح التثريب (٢/ ٢٦٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٧٦ - ٤١٠).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٦٦).","vol":"2","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المطلب الثاني في التأمين داخل الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>البند الأول في تأمين المنفرد والإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يشترط نية الإمامة لصحة الائتمام، لهذا كان أحكام المنفرد كأحكام الإمام.\n* الأصل أن أفعال المأموم عقب الإمام لعموم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ... إلخ)، خُصَّ منه التأمين بالنص فإنه يؤمن المأموم مع إمامه؛ لحديث إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين.\n* القواعد الأصولية تقتضي تقديم الخاص على العام، ولهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين.\n* الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا ...) منطوقه مقدم على مجرد السكوت عن تأمين الإمام في بعض الأحاديث.\n* إذا كان الإمام يؤمن في السرية فالجهرية مثلها في الحكم، حيث لم يأت دليل على التفريق بينهما، فما ثبت في السرية ثبت في الجهرية إلا بدليل.\n* حديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين) سيق لبيان تأمين المأموم وموضعه، وسكت الحديث عن تأمين الإمام، والسكوت عن تأمين الإمام لا ينفيه لا سيما إذا ثبت بدليل آخر.\n[م-٥٥٨] اتفق الفقهاء على استحباب التأمين للمنفرد مطلقًا، سواء أكان في صلاة جهرية أم في سرية (^١).\n_________\n(^١). شرح مسلم للنووي (٤/ ١٣٠)، وسننقل عبارته إن شاء الله بعد قليل، وانظر التبصرة للخمي (١/ ٢٧٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٨٢).","vol":"2","page":511},{"text":"قال القرافي نقلًا عن صاحب الطراز «ولا خلاف أن الفذ يؤمن» (^١).\n[م-٥٥٩] واختلفوا في الإمام:\nفقيل: لا يستحب له التأمين مطلقًا، لا في السرية ولا في الجهرية، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو خلاف المعتمد من المذهب (^٢).\nوقيل: يستحب للإمام التأمين مطلقًا، وبه قال الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، ورواية المدنيين عن الإمام مالك (^٣).\n_________\n(^١). الذخيرة (٢/ ٣٢٢).\n(^٢). المبسوط (١/ ٣٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣١)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، النهر الفائق (١/ ٢١٢)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٣٧).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٣٣١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: ١١٥)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٩)، المجموع (٣/ ٣٦٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٩)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٧)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٢) رقم: ٢٥٩، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٢)، الإقناع (١/ ١١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩)، كشاف القناع (١/ ٣٣٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣١)، الفروع (٢/ ١٧٥)، الإنصاف (٢/ ٥٠)،\nاختلف النقل عن أصحاب الإمام مالك، فمنهم من نقل عن الإمام مالك روايتين:\nإحداهما: لا يؤمن، وهذه رواية المصريين عنه.\nوالرواية الثانية: أنه يؤمن، وهذه رواية المدنيين عنه.\nقال ابن عبد البر في الكافي (١/ ٢٠٦): «وقد اختلف في قول الإمام آمين، فالمدنيون يروون عنه ذلك، والمصريون يأبونه عنه».\n\nفظاهر قوله: (المدنيون يروون عنه ذلك) أنه يؤمن مطلقًا من غير فرق بين السرية والجهرية، ومثله يقال في رواية المصريين عنه.\nوذكر في بداية المجتهد (١/ ١٥٥): «ذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والمصريين أنه لا يؤمن، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم، وهي رواية المدنيين عن مالك».\nفقوله: لا يؤمن، ظاهره مطلقًا، لا في السرية، ولا في الجهرية، وكذلك يقال في رواية المدنيين عنه.\nوقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٢٣٦): «وفي تأمين الإمام روايتان، فوجه إثباته: قوله ﷺ: إذا أمن الإمام فأمنوا ..... ووجه نفيه: قوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) =","vol":"2","page":512},{"text":"وقيل: يؤمن في السرية، ويكره تأمينه في الجهرية، وهو المشهور من مذهب مالك، وهي رواية المصريين عنه، وحكى بعضهم إجماع العلماء على استحباب التأمين في السرية، والخلاف محفوظ (^١).\nوقيل: يخير الإمام إن شاء أمن، وإن شاء ترك، اختاره ابن بكير (^٢).\n* سبب الاختلاف:\nبين ابن رشد سبب الاختلاف في كتابه بداية المجتهد، فقال:\n_________\n= إلى قوله: (فإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين ...) فلو كان من سنة الإمام التأمين لكان يقول: فإذا قال: آمين، فقولوا: آمين ....» إلخ كلامه، ولم يفرق بين سرية وجهرية.\nوأكثر المالكية ينقلون في تحرير المذهب أن الإمام يؤمن في السرية بالاتفاق، وفي الجهرية على روايتين:\nإحداهما: لا يؤمن، وهي رواية المصريين عنه.\nوالثانية: يؤمن، وهي رواية المدنيين عنه.\nقال خليل في التوضيح (١/ ٣٤٣): «ويؤمن الإمام إذا أسر اتفاقًا، فإذا جهر، فروى المصريون: لا يؤمن. وروى المدنيون: يؤمن .. والمشهور رواية المصريين».\nوفي النوادر والزيادات (١/ ١٨١): «قال ابن القاسم: لا يقول الإمام آمين إلا فيما أسرَّ به خاصة».\nوقال ابن شاس في عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٩): «ويؤمن الإمام إذا أسر، قال القاضي أبو الوليد: لم يختلف أصحابنا في ذلك».\nوقال اللخمي في التبصرة (١/ ٢٧٧): ويؤمن الإمام في صلاة السر، واختلف في صلاة الجهر ...» وانظر: جامع الأمهات (ص: ٩٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٦٢).\n\n(^١). انظر رواية المصريين عن الإمام مالك في الحاشية السابقة.\nقال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٣٠): «وقد اجتمعت الأمة على أن المنفرد يؤمن، وكذلك الإمام والمأموم في الصلاة السرية ...».\nولا يصح الإجماع في السرية، فالخلاف محفوظ، كما تقدم بأنه رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وهي خلاف المعتمد من مذهبه.\nوانظر: طرح التثريب (٢/ ٢٦٧).\nوقال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص: ٤٤): «في التأمين .... وهو مستحب للفذ، والمأموم مطلقًا، وللإمام إذا أَسَرَّ اتفاقًا». يقصد اتفاقًا أي رواية واحدة، ولا يعني الإجماع الاصطلاحي.\nوانظر: جامع الإمهات (ص: ٩٤)، إرشاد السالك (١/ ١٧)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٢)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٦).\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣).","vol":"2","page":513},{"text":"«وسبب اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر:\nأحدهما: حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أمن الإمام فأمنوا.\nوالحديث الثاني: ما أخرجه مالك عن أبي هريرة أيضًا أنه قال ﵊: إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين.\nفأما الحديث الأول فهو نص في تأمين الإمام.\nوأما الحديث الثاني، فيستدل منه على أن الإمام لا يؤمن، وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام، لأن الإمام كما قال ﵊: إنما جعل الإمام ليؤتم به.\nإلا أن يخص هذا من أقوال الإمام: (أعني أن يكون للمأموم أن يؤمن معه أو قبله) فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين، ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط، ولكن الذي يظهر أن مالكًا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه، يكون السامع هو المؤمن لا الداعي.\nوذهب الجمهور لترجيح الحديث الأول لكونه نصًّا، ولأنه ليس فيه شيء من حكم الإمام، وإنما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمن الإمام أو لا يؤمن، فتأمل هذا» (^١).\n* دليل من قال: لا يستحب للإمام التأمين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٣٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\n_________\n(^١). بداية المجتهد (١/ ١٥٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٢).","vol":"2","page":514},{"text":"ورواه مسلم من طريق عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين ... الحديث (^١).\n* وجه الاستدلال من الحديث:\nأن النبي ﷺ نهى عن مبادرة الإمام، (فإذا كبر فكبروا)، ومعنى ذلك أنه لا يكبر معه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سَلَّم الإمام سلَّم المأموم، عقبه، وهكذا كل أفعال الإمام إنما يفعلها المأموم عقب إمامه، لا قبله، ولا معه، فلو كان الإمام يُؤَمِّن لما أُمِر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الإمام؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا) (^٢)،\nفلما بادر المأموم إمامه بالتأمين عقب قول الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ علم أن الإمام لا يؤمن.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين ... الحديث.\n[اختلف فيه على ابن عجلان في إسناده ولفظه] (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٣١) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال:\nصليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فذكر قصة وفيه: .... قال\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٨٧ - ٤١٥).\n(^٢). رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق ليث، عن ابن شهاب،\n\nعن أنس بن مالك، أنه قال: ... قال رسول الله ﷺ إنما الإمام - أو إنما جعل الإمام - ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا .... الحديث.\n(^٣). سبق تخريجه، انظر ح (١٣٩٢).","vol":"2","page":515},{"text":"أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال بالحديث كوجه الاستدلال بحديث أبي هريرة ﵁.\n* وأجيب عن هذين الدليلين:\nالوجه الأول:\nأن هناك من قال: إن المأموم يؤمن عقب الإمام، وهو قول في مذهب الحنابلة، وهو مرجوح.\nالوجه الثاني:\nأن حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ... إلخ) هذا عام، فالأصل أن أفعال المأموم عقب الإمام، خُصَّ منه التأمين بالنص فإنه يؤمن المأموم مع إمامه، والقواعد الأصولية تقتضي تقديم الخاص على العام، ولهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير هذا (^٢).\nالوجه الثالث:\nأن هذا الدليل سيق لبيان تأمين المأموم وموضعه، وسكت الحديث عن تأمين الإمام، والسكوت عن تأمين الإمام ليس دليلًا؛ لأن العدم لا يكون دليلًا، غاية ما في هذا الدليل أنه سكت عن تأمين الإمام، وهذا لا ينفيه خاصة إذا ثبت أن الإمام يؤمن بدليل آخر، كما في الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا ...) فمنطوق هذا الحديث مقدم على مجرد السكوت عن تأمين الإمام في هذا الحديث.\nالدليل الثالث:\nأن من سنة الدعاء أن يكون المُؤَمِّن غير الداعي، فالداعي يكتفي بالدعاء،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٠)،فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٨٢).","vol":"2","page":516},{"text":"والسامع يكتفي بالتأمين على دعائه.\n* ويجاب:\nبأن هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، ولو سُلِّم أن هذا من سنة الدعاء، فتأمين الإمام على دعائه ثبت بالدليل الخاص المتفق على صحته، فهو مقدم على العام.\n* دليل من قال: يستحب للإمام التأمين مطلقًا في السرية والجهرية:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٣٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nورواه أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنهما حدثاه\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.\n[رجاله ثقات] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).\n(^٢). رواه أحمد (٢/ ٢٣٣، ٢٧٠)، وعبد الرزاق (٢٦٤٤)، والنسائي في المجتبى (٩٢٧)، وفي الكبرى (١٠٠١)، وابن ماجه (٨٥٢)، والدارمي (١٢٨٢)، وابن خزيمة (٥٧٥)، وابن حبان (١٨٠٤)، والسراج في حديثه (٤١٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (٢٣١)، عن معمر، عن الزهري به.\nوخالف معمرًا كل من:\nالإمام مالك كما في الموطأ (١/ ٨٧)، ومن طريقه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nويونس كما في صحيح مسلم (٧٣ - ٤١٠)، وسنن ابن ماجه (٨٥٢)، والسنن الكبرى للنسائي على إثر ح (١١٨٩٢)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨٩٥٦، ٩٠٢٤)، ومسند البزار =","vol":"2","page":517},{"text":"* فيؤخذ من الحديث:\nمشروعية تأمين الإمام في الصلاة الجهرية، وإذا كان يؤمن في الجهرية فالسرية مثلها في الحكم، حيث لم يَأْتِ دليل على التفريق بينهما، فما ثبت في الجهرية ثبت في السرية إلا بدليل.\n* ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: يحتمل أن يكون معنى: (إذا أمَّن): إذا بلغ موضع التأمين، كقولهم: أحرم إذا بلغ موضع الإحرام، وأَنْجَدَ إذا بلغ نجدًا، وأَتْهَم: إذا بلغ تهامة وإن لم يدخلها، فلا يكون فيه دليل على تأمين الإمام، بدليل الحديث الآخر: (وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين) (^١)، فلا يلزم من قوله: (إذا\n_________\n= (٧٦٤٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٨٣)،ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٥، ١٦٨٦)، ومستخرج أبي نعيم (٩٠٩، ٩١٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٢).\nوابن عيينة كما في صحيح البخاري (٦٤٠٢)، ومسند أحمد (٢/ ٢٣٨)، ومسند الحميدي (٩٦٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (٧٩٥٨، ٣٦٣٩٢)، والسنن المأثورة للشافعي (١٧٢)، ومسند أبي يعلى (٥٨٧٤)، وسنن النسائي (٩٢٦)، وفي الكبرى له (١٠٠٠)، وسنن ابن ماجه (٨٥١)، والمنتقى لابن الجارود (١٩٠)، وحديث أبي العباس السراج (٤١٤)، وصحيح ابن خزيمة (٥٦٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٠)،\nوعقيل، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٨٩٥٦، ٩٠٢٤)،\nومحمد بن أبي حفصة كما في مسند البزار (٧٦٤٥)،\nخمستهم رووه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.\nإلا ابن عيينة فقد رواه أكثر أصحابه عنه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحده ولم يذكر أبا سلمة في إسناده.\nقال الدارقطني في العلل (٨/ ٨٧): «وذلك وهم من معمر، والمحفوظ: إذا أمن الإمام فأمنوا».\nوقد يكون دخل على معمر روايته عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، بروايته عن الزهري مرسلًا، فقد رواه عبد الرزاق (٢٦٣٢)، عن معمر، عن الزهري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، قال: «آمين»، حتى يسمع من يليه. هكذا مرسلًا، فاختلط على معمر روايته المرسلة بروايته الموصولة، والله أعلم.\n(^١). المنتقى للباجي (١/ ١٦١)، الإبانة في اللغة العربية (٢/ ١٥٨).","vol":"2","page":518},{"text":"أمن) أي: إذا شرع في التأمين، أو إذا فرغ منه.\n* ورد هذا القول:\nالرد الأول: حمل حديث (إذا أمن الإمام) على بلوغ الإمام محل التأمين مجاز، والأصل عدم المجاز (^١).\nكما أن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر حمل الكلام على حقيقته، ولم يتعذر.\nالرد الثاني: أن معنى إذا أمن: أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]،\nوكما في قوله في حديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (^٢)، أي: إذا أراد دخوله.\nوكقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا: أي إذا تهيأ للرحيل فتهيؤوا (^٣).\nالوجه الثاني: يحتمل معنى: (إذا أمن): إذا دعا بقوله: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم﴾ إلى آخر السورة، بدليل أن الله سمى التأمين دعاء، في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨]، وإنما كان الداعي موسى وكان هارون مؤمنًا (^٤).\nوعلى هذا التأويل لا يكون في الحديث دليل على تأمين الإمام.\n* ورد هذا:\nبأن تسمية الداعي مُؤَمِّنًا من باب إثبات اللغة بالقياس، واللغة لا تثبت بالقياس في قول الحنفية والمالكية، وبعض الشافعية، ورجحه الشوكاني (^٥).\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٦٤)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٤٤).\n(^٢). رواه البخاري (١٤٢)، ومسلم (١٢٢ - ٣٧٥) من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس.\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٠)،فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٨٢).\n(^٤). القبس شرح الموطأ (ص: ٢٣٦)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٨١)، الاستذكار (١/ ٤٧٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٦١).\n(^٥). شرح التلويح على التوضيح (٢/ ١١٤)، البحر المحيط في أصول الفقه (٢/ ٢٥٥)، فتح القدير لابن الهمام (١٠/ ٨٣)، قواطع الأدلة (٢/ ١٩٩)، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٢٥٨)، الأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ١٧٤)، إرشاد الفحول (١/ ٥١).","vol":"2","page":519},{"text":"قال أبو الوليد الباجي: «وأما ما احتج به القائل أنه لما قيل للمُؤَمِّنِ داعٍ وجب أن يقال للداعي: مؤمنٌ، فغير صحيح؛ لأن اللغة لا تؤخذ بالقياس وإنما ثبتت بالسماع» (^١).\nوتسمية المؤمن داعيًا معلوم وجهه؛ لأن المعنى في آمين: اللهم استجب، إلا أن من شرطه أن يتقدمه دعاء.\nوأما تسمية الداعي مؤمِّنًا فلا يصح، ولا يلزم من تسمية المؤمِّن داعيًا عكسه، بأن يسمى الداعي مؤمِّنًا، فكل مُؤَمِّنٍ داعٍ، وليس كل داعٍ مؤمِّنًا (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٣٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس،\nعن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، يمد بها صوته (^٣).\n[صحيح من رواية سفيان الثوري، وأخطأ فيه شعبة سندًا ومتنًا] (^٤).\n_________\n(^١). المنتقى للباجي (١/ ١٦١).\n(^٢). انظر التمهيد (٧/ ١٢).\n(^٣). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٤). حديث وائل بن حجر ﵁، رواه سلمة بن كهيل، واختلف عليه:\nفرواه سفيان الثوري (إمام معروف)، والعلاء بن صالح (صدوق له أوهام)، ومحمد بن سلمة ابن كهيل (ضعيف)، ويحيى بن سلمة بن كهيل (متروك)، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل ابن حجر بالجهر بالتأمين، وهو المحفوظ.\nورواه شعبة عن سلمة بن كهيل، عن حجر، فقال مرة: عن علقمة، عن وائل، وهي رواية الأكثر من أصحاب شعبة.\nوقال أخرى: عن علقمة أو عن وائل بالشك.\nوقال شعبة في رواية ثالثة: عن وائل مباشرة دون ذكر علقمة، كرواية الثوري.\nوقال في رواية رابعة: عن علقمة، وسمعته من وائل.\nهذا بيان اختلاف شعبة في إسناده، فإما أن يرجح منها ما وافق الثوري فقط، أو يحكم عليها بالاضطراب.\nوكما خالف شعبة في إسناده فقد خالف في متنه، فقال: (وأخفى التأمين)، وأجمع العلماء على =","vol":"2","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= غلطه في هذا الحرف. والحديث صحيح من رواية الثوري ومن وافقه، والله أعلم.\nهذا الكلام من حيث الإجمال، وأما التفصيل، فإليك:\nفأما رواية سفيان: فرواها وكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٧٩٦٠)، والتمييز للإمام مسلم (٣٧)، وغريب الحديث للحربي (٢/ ٨٣٨)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٣١).\nوعبد الله بن يوسف كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (١٤٤).\nويحيى بن سعيد القطان كما في سنن الترمذي (٢٤٨).\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في سنن الترمذي (٢٤٨)، وسنن الدارقطني (١٢٦٩).\nومحمد بن كثير كما في القراءة خلف الإمام للبخاري على إثر ح (١٤٤)، وسنن الدارمي (١٢٨٣)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٤) ح ١١١، والتمهيد لابن عبد البر (٧/ ١٤).\nوقبيصة بن عقبة كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (٢٢/ ٤٤) ح ١١١، والكبير للطبراني (٢٢/ ٤٤) ح ١١١.\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في سنن الدارقطني (١٢٦٨).\n\nوأبو داود الحفري عمر بن سعد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٣)، وفي الخلافيات له (١٦٠٣).\nوعبد الله بن المغيرة (مجروح) كما في الخلافيات للبيهقي (١٦٠٦).\nوخلاد بن يحيى بن صفوان السلمي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٣)،\nوالأشجعي (عبيد الله بن عبيد الرحمن) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٣).\nوأبو أحمد الزبيري مختصرًا بذكر التسليم عن اليمين والشمال، كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٧)، كلهم أحد عشر راويًا، رووه عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل به.\nوأخرجه الدارقطني (١٢٦٧) حدثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني، حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي (ثقة) حدثنا وكيع والمحاربي (هو: عبد الرحمن بن محمد بن زياد لا بأس به)، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس -وهو ابن عنبس- عن وائل بن حجر به.\nقال الدارقطني عن شيخه عبد الله بن أبي داود: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الأحاديث.\nوأما رواية العلاء بن صالح الأسدي (صدوق له أوهام)، فرواها: ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٤٧)، وأبو داود (٩٣٣)، والترمذي (٢٤٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥) ح ١١٤، والبيهقي في الخلافيات (١٦١١)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٥١٢، ٥١٣) عن عبد الله بن نمير، عن العلاء بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل ابن حجر؛ أنه صلى خلف رسول الله ﷺ، فجهر بآمين، وسلم عن يمينه وعن شماله حتى رأيت بياض خده.\nووقع عند أبي داود: علي بن صالح بدلًا من العلاء بن صالح، وهو وهم.\nقال الحافظ في التهذيب (٨/ ١٨٤): العلاء بن صالح التيمي، ويقال: الأسدي الكوفي، =","vol":"2","page":521},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسماه أبو داود في روايته علي بن صالح، وهو وهم».\nوأما رواية محمد بن سلمة بن كهيل، فرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤٥) ح ١١٣، من طريق حسان بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي السكن حجر بن عنبس قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول: رأيت رسول الله ﷺ يسلم حتى رأيت بياض خده من ذا الجانب، ومن ذا الجانب.\nوهذا إسناد صالح في المتابعات، فيه محمد بن سلمة بن كهيل، قال أبو داود: سمعت أحمد، قال: محمد بن سلمة بن كهيل مقارب الحديث. سؤالاته (٤٠٠).\nوقال البرقاني عن الدارقطني: يعتبر به.\nوأما رواية يحيى بن سلمة بن كهيل، فرواها الدولابي في الكنى (١٠٩٠)، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا الحسن بن عطيَّة، قال: أنبأ يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي، قال: سمعت وائل بن حجر الحضرمي، يقول: رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من الصلاة، حتى رأيت خده من هذا الجانب ومن هذا الجانب، وقرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: «آمين»، يمد بها صوته، ما أراه إلا يُعَلِّمُنا.\nويحيى بن سلمة بن كهيل متروك، فالإسناد غير صالح في المتابعات.\nوقد أعله ابن القطان بأربعة أمور، ذكر منها أن حجر بن عنبس لا تعرف حاله. انظر بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٧٤، ٣٧٥)، وسوف نذكر الثلاثة الأخرى بعد استكمال التخريج إن شاء الله تعالى.\nوالحق أنه ثقة، قال عثمان بن سعيد الدارمي كما في تهذيب الكمال (٥/ ٤٧٣): شيخ كوفي ثقة مشهور. وكذا نقله ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٢٠١).\nوالذي في تاريخ ابن معين رواية الدارمي (٢٥٤): شيخ كوفي مشهور.\nوكذا هو أيضًا في الجرح والتعديل (٣/ ٢٦٧)، وليس فيه قوله: ثقة.\nوقد صحح الدارقطني حديثه كما في السنن ط الرسالة (٢/ ١٢٧)، وتنقيح التحقيق (٢/ ٢٠٠)، وهو يتضمن توثيقه.\nواختلف في صحبته، وقال أبو حاتم: أدرك الجاهلية ولم يسمع من النبي ﷺ، زاد في الاستيعاب: ولكنه آمن به في حياته.\nوقال الخطيب: كان ثقة، احتج به غير واحد من الأئمة تاريخ بغداد ط العلمية (٨/ ٢٦٨).\nوقال الحافظ في التلخيص ط قرطبة (١/ ٤٢٧): «سنده صحيح، وصححه الدارقطني ...». إلخ كلامه.\nهكذا رواه سفيان والعلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل، فقالوا: عن سلمة، عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر.\nوخالفهم شعبة، واختلف عليه أيضًا سندًا ومتنًا على أربعة وجوه:\nالأول: قيل: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل عن حُجْرٍ أبي العنبس، عن علقمة عن وائل، أو =","vol":"2","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن حجر عن وائل. بالشك.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٦)، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حُجْر أبي العَنْبَس، قال: سمعت علقمة يحدث، عن وائل، أو سمعه حجر من وائل، قال: صلى بنا رَسول الله ﷺ، فلما قرأ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، وسلم عن يمينه وعن يساره.\nورواه الدارقطني (١٢٧٠)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٢/ ٨٣٧) من طريق يزيد بن زريع حدثنا شعبة به.\nفهذان ثقتان محمد بن جعفر، وهو مقدم في شعبة، ويزيد بن زريع، وهو ثقة من أصحاب شعبة، روياه عن شعبة بالشك، هل سمعه حجر بن عنبس عن وائل، أو سمعه من علقمة، عن وائل.\nالوجه الثاني: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي عنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، جزمًا من غير شك.\nرواه يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر (غندر) كما في التمييز لمسلم (٣٦).\nووهب بن جرير، وعبد الصمد كما في صحيح ابن حبان (١٨٠٥).\nوسليمان بن حرب كما في غريب الحديث للحربي (٢/ ٨٣٧)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٩) ح ٢، ومستدرك الحاكم (٢٩١٣).\nويزيد بن هارون كما في حديث أبي العباس السراج (٤٢٩)، وجزء قراءات النبي ﷺ لحفص بن عمر، والسابع من فوائد أبي عثمان البحيري (٦٠).\nووكيع كما في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٤٥) ح ١١٢،\nوعفان بن مسلم كما في معجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٩) ح ٣، قال: حدثنا أحمد بن محمد السوطي، حدثنا عفان. (غريب من حديث عفان، فأحمد بن محمد بن مهران السوطي مجهول الحال).\nثمانيتهم (القطان، وغندر، ووهب بن جرير، وعبد الصمد، وسليمان بن حرب، ويزيد بن هارون، ووكيع، وعفان) رووه عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه صلى مع النبي ﷺ فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قال آمين. زاد غير وهب بن جرير وعبد الصمد: وخفض -وفي رواية أخفى- بها صوته.\nورواه أبو الوليد الطيالسي، عن شعبة، واختلف على أبي الوليد:\nفرواه إبراهيم الحربي كما في غريب الحديث للحربي (٢/ ٨٣٧)،\nوأبو إسماعيل القاضي كما في مستدرك الحاكم (٢٩١٣)، كلاهما عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن علقمة، عن أبيه، وقال: يخفي بها صوته.\nوخالفهما معاذ بن المثنى العنبري، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٣) ح ١٠٩، عن أبي الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، سمعت أبا عنبس يحدث عن وائل=","vol":"2","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nالحضرمي .... الحديث، وليس فيه (علقمة) ووافقهم في المتن على إخفاء التأمين.\nتابع أبا الوليد من رواية معاذ بن المثنى عنه بإسقاط علقمة تابعه أبو عامر العقدي، وحجاج بن نصير، كلاهما عن شعبة به، وسوف أفرد هذا الوجه باعتباره وجهًا آخر من الاختلاف على شعبة.\nفاتفق هؤلاء الثلاثة إبراهيم الحربي وأبو إسماعيل القاضي ومعاذ بن المثنى كلهم رووه عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة في إخفاء التأمين، واختلفوا في ذكر علقمة بن وائل.\nوخالفهم كلهم إبراهيم بن مرزوق، كما في سنن البيهقي (٢/ ٨٤) فرواه عن أبي الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت حجرًا أبا عنبس، يحدث عن وائل الحضرمي؛ أنه صلى خلف النبي ﷺ، فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾، قال: «آمين»، رافعًا بها صوته.\nفأسقط علقمة من إسناده، وقال: (آمين رافعًا بها صوته).\nوهذه رواية شاذة، لا تحفظ من رواية أبي الوليد، فقد رواه عن أبي الوليد إسماعيل بن إسحاق القاضي (ثقة)، وإبراهيم الحربي (ثقة) ومعاذ بن المثنى العنبري (ثقة)، فقالوا: فقال: آمين وأخفى بها صوته.\nكما أن رفع الصوت بالتأمين لم يذكره كل من رواه من أصحاب شعبة عنه غير أبي الوليد من رواية إبراهيم بن مرزوق عنه (وإبراهيم صدوق عمي قبل موته، فكان يخطئ ولا يرجع) فلا يشك أحد في شذوذ هذا الحرف، والله أعلم.\nهذا فيما يتعلق بالوجه الثاني من الاختلاف على شعبة.\nالوجه الثالث: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن وائل، ليس فيه علقمة.\nكإسناد الثوري والعلاء بن صالح.\nرواه أبو الوليد الطيالسي من رواية معاذ بن المثنى عنه، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٣) ح وتقدم الكلام عليها.\nوأبو عامر العقدي كما في التمييز لمسلم (٣٦)، ولم يذكر لفظه.\nوحجاج بن نصير كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٤) ح ١١٠، وفي الصحابة لأبي نعيم (٦٤٨٢) بلفظ: أنه صلى خلف النبي ﷺ فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، فأخفى بها صوته، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى وسلم عن يمينه، وعن يساره، هذا لفظ معاذ، زاد حجاج بن نصير: وجعلها على بطنه ..... وذكر الحديث، وهي زيادة منكرة لم يتابع عليها حجاج بن نصير، وهو رجل ضعيف.\nالوجه الرابع: عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العنبس، قال: سمعت علقمة بن وائل، يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل به.\nأخرجه الطيالسي في مسنده (١١١٧)، ومن طريقه: الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢٦٩). وفي أحكام القرآن (٣٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٣).\nوقد صحح البيهقي ذكر علقمة في إسناده اعتمادًا على رواية أبي داود الطيالسي هذه، فقال في =","vol":"2","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السنن (٢/ ٨٣): «وأما قوله: عن علقمة، فقد بين في روايته أن حجرًا سمعه من علقمة، وقد سمعه أيضًا من وائل نفسه، وقد رواه أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رواية الثوري».\nقلت: انفرد بهذا الوجه أبو داود الطيالسي دون أصحاب شعبة مثل غندر، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن زريع، وجماعة من أصحاب شعبة مثل سليمان بن حرب وعبد الصمد ويزيد بن هارون وغيرهم كثير تقدم تخريج رواياتهم، لم يذكروا ما ذكره أبو داود الطيالسي، فلو خالف الطيالسي محمد بن جعفر وحده لقدم عليه، كيف وقد خالف معه أكثر من تسعة من الرواة على رأسهم يحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن زريع، وقد روى محمد بن جعفر وهو المقدم في شعبة وتابعه يزيد بن زريع أن شعبة كان يشك في ذكر علقمة في إسناده، فأرى أن هذا الطريق ليس محفوظًا، ولو كان هذا ثابتًا ما أَعَلَّ البخاري ذكر علقمة في إسناده بعدم ذكره في رواية الثوري، كما سيأتي نقل كلامه إن شاء الله تعالى.\nوقد أعلت رواية شعبة بثلاث علل:\nالعلة الأولى: الاختلاف على شعبة، فكان تارة يذكر علقمة في إسناده، وتارة يحذفه، وتارة يشك في ذكر علقمة في الإسناد، وتارة يذكر أن حجر بن عنبس سمعه من علقمة وسمعه من أبيه، خاصة أن هذه الاختلافات من الطبقة الأولى من أصحاب شعبة، وإن كان أكثر الرواة عن شعبة على ذكر علقمة بن وائل في إسناده. فهذه علة في إسناد شعبة.\nولم يختلف على سفيان الثوري في إسناده، وقد توبع سفيان الثوري، تابعه العلاء بن صالح، ومحمد بن سلمة بن كهيل.\nالعلة الثانية: أن سفيان الثوري رواه بقوله: (وقال: آمين ورفع بها صوته) وقال شعبة، وخفض بها صوته، فهذه علة أخرى في المتن والعلة الأولى في الإسناد.\nقال البيهقي في المعرفة: «رواه شعبة عن سلمة بن كهيل فقال في متنه: (خفض بها صوته)، وقد أجمع الحفاظ؛ محمد بن إسماعيل البخاري وغيره: على أنه أخطأ في ذلك».\nوقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣١٨، ٣١٩): «لا أعلم خلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان .... ثم ساق البيهقي بإسناده إلى العباس بن محمد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: ليس أحد يخالف سفيان الثوري إلا كان القول قول سفيان. قلت: وشعبة أيضًا إن خالفه؟ قال: نعم.\nثم ساق البيهقي بإسناده إلى يحيى بن سعيد أنه قال: ليس أحد أحب إليَّ من شعبة، ولا يعدله أحد عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان.\nثم ساق البيهقي بإسناده إلى وكيع، أنه قال: قال شعبة: سفيان أحفظ مني، وما حدثني سفيان عن شيخ، فلقيت الشيخ إلا وجدته كما قال سفيان».\nالعلة الثالثة: أن شعبة قال: عن حجر أبي العنبس، وقال سفيان: حجر بن عنبس، والخطب سهل في هذه، فإن الاختلاف في كنية الراوي لا يغير شيئًا من إسناده، فسواء أكانت كنيته =","vol":"2","page":525},{"text":"وجه الاستدلال:\nإذا حفظ التأمينُ من فعل الرسول ﷺ دل على مشروعية التأمين للإمام، لأن الوقائع تحمل على الغالب، وغالب صلاته ﷺ كان إمامًا، ولم يُصَلِّ مَأْمُومًا إلا نادرًا.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٣٤) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم،\n_________\n= أبا العنبس كما ذهب إلى هذا ابن حبان وابن الملقن أم كانت كنيته أبا السكن كما ذكر ذلك محمد ويحيى ابنا سلمة بن كهيل، أم كان له أكثر من كنية كما رجح ذلك ابن حجر، فإن عينه واحدة، لهذا لن أطيل في بيان الخطأ من الصواب في هذا الاختلاف.\nوقد خطأ شعبة كل من البخاري ومسلم والدارقطني وأبي زرعة وغيرهم.\nقال الترمذي في السنن (٢/ ٢٧ - ٢٩): «سمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث: فقال: عن حُجْرٍ أبي العَنْبَس، وإنما هو عن حُجْر بن عَنْبَس، ويُكْنَى أبا السَّكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وليس فيه: عن علقمة، وإنما هو عن حُجْر بن عَنْبَس عن وائل بن حُجْرٍ، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هو: ومدَّ بها صوته، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: حديث سفيان في هذا أصح ...».\nوقال مسلم في التمييز (ص: ١٨٠): «أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وأخفى صوته».\nهذا فيما يتعلق بطريق حجر بن عنبس، عن وائل.\nوقد روي حديث وائل من غير طريق حجر بن عنبس:\nرواه أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: صليت خلف رسول الله ﷺ، فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب فلما فرغ منها قال: آمين، يرفع بها صوته.\nوعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، وقد خرجت هذا الطريق فيما سبق، فانظر: (ح: ١٢٨٩).\nكما رواه شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يجهر بآمين.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٨)،\nومحمد بن إسحاق الصغاني، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٤)، كلاهما (أحمد، والصغاني) روياه، عن أسود بن عامر، عن شريك به. إلا أن شريكًا قد اضطرب فيه: ... فمرة يرويه عن عاصم بن كليب، عن أبيه عن وائل بن حجر،\nومرة يرويه شريك عن علقمة بن وائل، عن أبيه.\nوثالثة يرويه عن أبي إسحاق عن علقمة بن وائل، عن أبيه.\nورابعة يرويه شريك، عن سماك، عن علقمة عن أبيه. وقد استوفيت تخريج طريق شريك عند الكلام على طريق عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، انظر (ح ١٢٥٣).","vol":"2","page":526},{"text":"عن شعيب، حدثنا الليث، حدثنا خالد، عن سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^١).\n[لم يَرْوِهِ عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، ورواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، ومن طريق أبي بكر بن الحارث بن هشام، ورواه البخاري من طريق سعيد المقبري، ورواه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، أربعتهم (أبو سلمة وأبو بكر، والمقبري، وأبو صالح)، رووه عن أبي هريرة، وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون محفوظًا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٣٥) ما رواه أبو داود في السنن، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمين»، حتى يُسمِعَ مَنْ يليه من الصفِّ الأول (^٣).\nورواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى به، ولفظه: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ قال: «آمين»، حتى يسمعَها أهلُ الصف الأول، فيرتجُّ بها المسجد (^٤).\n_________\n(^١). سنن النسائي (٩٠٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٤٢).\n(^٣). سنن أبي داود (٩٣٤).\n(^٤). سنن ابن ماجه (٨٥٣).","vol":"2","page":527},{"text":"[ضعيف] (^١).\nالدليل الخامس:\nما رواه ابن خزيمة من طريق إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن العلاء الزبيدي، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١). رواه أبو داود (٩٣٤)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (١٦١٦)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣).\nورواه أبو يعلى في مسنده (٦٢٢٠)، والبزار (٨٨١٧)، ثلاثتهم (أبو داود وأبو يعلى، والبزار) قالوا: حدثنا نصر بن علي الجهضمي به.\nوهو إسناد ضعيف، ابن عم أبي هريرة فيه جهالة، لم يوثقه إلا ابن حبان، والراوي عنه بشر بن رافع، قال فيه أحمد: ليس بشيء، ضعيف الحديث. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، لا نرى له حديثًا قائمًا. وانظر تنقيح التحقيق (٢/ ٢٠٣).\nوقد ضعفه ابن القطان الفاسي بهما. انظر بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٥٦).\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، وبشر بن رافع ليس بالقوي، وإن كان قد روى عنه جماعة من أهل العلم، وحدثوا عنه.\nوقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ١٠٦): «هذا إسناد ضعيف؛ أبو عبد الله: لا يعرف حاله، وبشر: ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات».\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (٥٧١).\n(^٣). فيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي المعروف أبوه بزبريق، ضعيف، وإذا روى عن عمرو بن الحارث فهو ضعيف جدًّا.\n\nقال النسائي: «ليس بثقة، إذا روى عن عمرو بن الحارث». قلت: وهذا منها.\nوقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أيضًا: قال لي ابن عوف: ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق يكذب. يعني: محمد بن عوف الحمصي، وضعفه الذهبي في الميزان.\nووثقه مسلمة بن قاسم، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١١٣).\nوقال ابن أبي حاتم كما في الجرح والتعديل (١/ ٢٠٩): «سمعت أبي يَقُول: سمعت يحيى بن معين -وأثنى على إسحاق بن الزبريق خيرًا- وقال: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه. قال =","vol":"2","page":528},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (يعني ابن أبي حاتم): وسئل أبي عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، فقال: شيخ».\nالعلة الثانية: عمرو بن الحارث بن الضحاك الزبيدي، ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٨٠)، وقال: مستقيم الحديث. ولم يوثقه غيره.\nوذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٦) وسكت عليه.\nوقال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٥١): «تفرد بالرواية عنه: إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، ومولاة له اسمها علوة، فهو غير معروف العدالة، وابن زبريق: ضعيف».\nالعلة الثالثة: الاختلاف فيه على لفظه:\nفرواه محمد بن يحيى الذهلي كما في صحيح ابن خزيمة (٥٧١)،\nويحيى بن محمد بن عمرو، كما في صحيح ابن حبان (١٨٠٦)،\nويحيى بن عثمان بن صالح كما في سنن الدارقطني (١٢٧٤)، وسنن البيهقي (٢٤٥٢)،\nوأبو الأحوص محمد بن الهيثم القاضي كما في مستدرك الحاكم (٨١٢)، أربعتهم رووه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء به، بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين! والصواب أنه ليس على شرط أحد منهما.\nوقال الدارقطني: هذا إسناد حسن.\nفتعقبه ابن رجب، فقال في الفتح (٤/ ٤٩٢): «كذا قال، ووصله وهمٌ، إنما هو مدرج من قول الزهري، كما رواه مالك». يقصد ابن رجب رواية الزهري كان الرسول ﷺ يقول: آمين.\nوخالفهم عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء كما في مسند الشاميين للطبراني (١٧١٣) فرواه عن أبيه به، بلفظ: إذا أمَّن القارئ فأمِّنوا، فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.\nوليس فيه أن الرسول ﷺ كان يقول آمين.\nوعمرو بن إسحاق لم أقف له على ترجمة، وذكره المزي في تهذيبه قائلًا: لم أجد له ترجمة، وانظر إرشاد القاصي والداني (٧١٩)، إلا أن لفظ عمرو بن إسحاق محفوظ من حديث الزهري، رواه البخاري بحروفه (٦٤٠٢) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وحده، عن أبي هريرة.\nورواه الإمام مالك كما في الموطأ (١/ ٨٧)، ومن طريقه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nويونس كما في صحيح مسلم (٧٣ - ٤١٠)، كلاهما (مالك ويونس) عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، وسبق تخريج جميع طرقه.\nورواه محمد بن الوليد الزبيدي كما في سنن النسائي (٩٢٥)، وفي الكبرى له (٩٩٩)، قال: =","vol":"2","page":529},{"text":"* ونوقش:\nالمعروف من حديث الزهري أنه روى تأمين الرسول ﷺ مرسلًا (^١)، وتأمين الإمام مسندًا بلفظ: (إذا أمن الإمام -وفي رواية القارئ- فأمنوا ....) متفق عليه، وسبق تخريجه، وليس فيه كان الرسول ﷺ يقول آمين.\n* وأجيب:\nبأن الاحتجاج بالمرسل مختلف فيه، وهو حجة عند الجمهور وحجة عند الشافعي إذا اعتضد، وقد اعتضد بحديث وائل بن حجر، وهو حديث صحيح، وسبق تخريجه.\nوكل خطاب خاطب فيه الرسول ﷺ أمته فهو داخل فيه، وما شرع للإمام في الصلاة شرع ذلك في حق الرسول ﷺ، فهو الإمام المطلق، إلا بدليل يخرج الرسول ﷺ من هذا العموم.\nالدليل السادس:\n(ح-١٤٣٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،\nعن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (^٢).\n[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن\n_________\n= أخبرني الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.\nورواية الزبيدي نص في أن الملائكة تؤمن على دعاء الإمام ففيه اتحاد التأمين على دعاء واحد، وحديث أبي سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ليس فيه إلا أنه وعد من وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فيحتمل أن يكون التأمين على وجه الاستقلال ويحتمل أنه تأمين على دعاء واحد، وهو الأقرب، وسوف أتعرض له بالبحث إن شاء الله تعالى.\nوالخلاصة أن حديث الزهري مسندٌ من حديث أبي هريرة أن الرسول ﷺ كان يقول آمين لم يثبت، والمحفوظ عن الزهري عن الرسول ﷺ مرسلًا، وأما السنة القولية عن الزهري بتأمين الإمام، لا تأمين الرسول ﷺ فمحفوظ بلفظ: (إذا أمن الإمام، وفي رواية: القارئ فأمنوا ...) متفق عليه، وأوامر الرسول ﷺ لأمته داخل فيها بالعموم إلا بدليل، وهي من مباحث أصول الفقه، والله أعلم.\n\n(^١). روى مالك في الموطأ (١/ ٨٧)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٧٢ - ٤١٠).\nوعبد الرزاق في المصنف (٢٦٣٢) عن معمر، كلاهما، عن ابن شهاب، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: آمين. وهذا مرسل.\n(^٢). المسند (٦/ ١٢).","vol":"2","page":530},{"text":"خزيمة والبيهقي إرساله] (^١).\nالدليل السابع:\n(ح-١٤٣٧) ما رواه الدارقطني من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: وَلَا الضَّالِّين [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، ورفع بها صوته (^٢).\nقال الدارقطني: بحر السقاء ضعيف (^٣).\nالدليل الثامن:\n(ح-١٤٣٨) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه من طريق هارون الأعور، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين،\nعن أمه، أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فسمعته وهو يقول: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾، فلما قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، حتى سمعته وهي في صف النساء (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر: ح (١٧٤) من المجلد الأول.\n(^٢). سنن الدارقطني (١٢٧٢).\n(^٣). ومن طريق بحر السقاء أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (٣٤١).\n(^٤). مسند إسحاق بن راهويه (٢٣٩٦).\n(^٥). الحديث أخرجه إسحاق بن راهويه (٢٣٩٦)، ومن طريقه البيهقي في الخلافيات (١٦٢٠). ورواه أبو يعلى في معجمه (٣١٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥٤٠٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٥/ ١٥٨) ح ٣٨٣، وحفص بن عمر في جزء قراءات النبي ﷺ، والدارقطني في الثاني من الأفراد (١)، من طريق هارون بن موسى النحوي به.\nوعلقه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٢٦) عن هارون، عن إسماعيل بن سالم (والصواب: إسماعيل بن مسلم) به.\nلم يروه عن أبي إسحاق إلا إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف، وباقي الإسناد رجاله كلهم ثقات.\nقال الدارقطني: «هذا حديث غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن يحيى بن الحصين، عن جدته أم الحصين، تفرد به إسماعيل بن مسلم المكي عنه، ولم يروه عنه غير هارون بن موسى النحوي».\nوضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١١٤).","vol":"2","page":531},{"text":"الدليل التاسع:\n(ث-٣٥٢) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١/ ١٥٦).\n(^٢). وصله عبد الرزاق في المصنف (٢٦٤٠)، عن ابن جريج، عن عطاء. وهذا إسناد صحيح، وابن جريج مكثر عن عطاء، فلا تضر عنعنته.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٩٧٨) حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، أن أبا هريرة كان مؤذنًا بالبحرين، فقال للإمام: لا تسبقني.\nوهذا إسناد صحيح، وفيه متابعة لأثر عطاء بن أبي رباح.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٢٦٣٧) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه كان مؤذنًا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه بأن لا يسبقه بآمين.\n\nوهذا إسناد صحيح أيضًا، ويحيى بن أبي كثير رواه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن المدني، وهو من أعلم الناس بحديث أهل المدينة.\nوقد روى البزار في المسند (٨٥٤٦) أخبرنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد الأموي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ استعمل العلاء بن الحضرمي على البحرين، فاستتبعه أبا هريرة، فاشترط عليه أن يكون مؤذنًا، ولا يسبقه بآمين.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا لم يروه عن المقبري إلا ابنه عبد الله بن سعيد، وهو رجل متروك، وبه أعله البزار، حيث قال: لا نعلم أحدًا تابعه على روايته عن المقبري.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٩٦٢) حدثنا وكيع، قال: حدثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أنه كان مؤذنًا بالبحرين، فقال للإمام: لا تسبقني بآمين.\nوهذا إسناد حسن، الوليد بن رباح، قال عنه البخاري: مقارب الحديث. وقال أبو حاتم: صالح. وباقي إسناده ثقات.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٢٦٣٩) عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة دخل المسجد، والإمام فناداه أبو هريرة: لا تسبقني بآمين.\nوبشر بن رافع فقيه ضعيف الحديث، لكنه صالح في المتابعات.\nوقد روى البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٨) من طريق أبي سهل بن زياد القطان، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، أن أبا هريرة كان يؤذن لمروان بن الحكم، فاشترط ألا يسبقه بالضالين حتى يعلم أنه قد دخل الصف، فكان مروان إذا قال: ولا الضالين، قال أبو هريرة: آمين، يمد بها صوته، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم.\nورجاله ثقات إلا أبا سهل بن زياد قال البرقاني: كرهوه لمزاح فيه، وهو صدوق. وقال الدارقطني: ثقة، فالإسناد بين أن يكون حسنًا أو صحيحًا.","vol":"2","page":532},{"text":"الدليل العاشر:\n(ث-٣٥٣) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له:\nأكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في أن الإمام يؤمن مع المأموم.\n* دليل من قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية:\nهذا القول جمع بين أدلة القولين السابقين، فحملوا أدلة القائلين بأنه لا يستحب تأمين الإمام مطلقًا على الصلاة الجهرية.\nوأن السنة في الدعاء أن الداعي يدعو، وغيره يؤمن.\nوحملوا أدلة القائلين بأنه يستحب للإمام التأمين مطلقًا على الصلاة السرية.\nوهذا قول مرجوح، فإن الأدلة صريحة في تأمين الإمام في الجهرية.\n* الراجح:\nلا ينبغي الخلاف في أن الإمام حكمه حكم الفذ فإنه يؤمن مطلقًا في السرية والجهرية. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). المصنف (٢٦٤٠).\n(^٢). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>البند الثاني في تأمين المأموم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المقصد الأول في تأمين المأموم في السرية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* تأمين المأموم على قراءة نفسه في السرية فرع عن القراءة، والراجح أنه يقرأ خلف الإمام؛ لأن أمره بالاستماع والإنصات كان من أجل الاستماع لقراءة إمامه، وهو خاص بالجهرية.\n* إذا جهر الإمام في السرية فقد خالف السنة، فلا يؤمِّنُ المأموم معه؛ استنادًا للأوامر العامة والمطلقة بتأمين المأموم مع الإمام؛ لأن النصوص محمولة على المشروع، وجهر الإمام خلاف السنة.\n[م-٥٦٠] المأموم إما أن يؤمن على قراءة نفسه في الصلاة السرية، وإما أن يؤمن على قراءة إمامه.\nوالخلاف في تأمين المأموم على قراءة نفسه في الصلاة السرية يتوقف على حكم قراءة الفاتحة له خلف الإمام:\nفذهب الحنفية إلى أن المأموم لا يشرع له التأمين؛ لأن المأموم ممنوع عندهم من القراءة خلف الإمام، والتأمين فرع عن القراءة.\nوذهب الجمهور إلى أنه يؤمن على قراءة نفسه؛ لأن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية مشروعة له خلف الإمام، على اختلاف بينهم في حكم القراءة، أهي واجبة كما هو مذهب الشافعية، أم مستحبة كمذهب المالكية والحنابلة؟","vol":"2","page":534},{"text":"قال النووي: «إن كانت الصلاة سرية أَسَرَّ الإمام وغيره بالتأمين تبعًا للقراءة، وإن كانت جهرية، وجهر بالقراءة استحب للمأموم الجهر بالتأمين بلا خلاف نص عليه الشافعي، واتفق الأصحاب عليه» (^١).\nوقد سبق تحرير الخلاف في قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية، ومناقشة الحنفية، فأغنى ذلك عن إعادتها.\nوأما تأمين المأموم في الصلاة السرية على قراءة إمامه، كما لو سمع منه قول: ولا الضالين، سواء أكان ذلك لقربه من الإمام، أم لجهر الإمام بالقراءة خطأ، ففيها قولان، هما قولان في مذهب الحنفية والمالكية.\nفقيل: يؤمن، وهو ظاهر الكتاب عند الحنفية، وأرجح القولين في مذهب المالكية.\nوقيل: لا يؤمن؛ لأن هذا الجهر غير مشروع، فلا عبرة به (^٢).\nقال ابن نجيم: «اختلفوا في تأمين المأموم، إذا كان الإمام في السرية، وسمع المأموم تأمينه، منهم من قال: يقوله هو، كما هو ظاهر الكتاب.\nومنهم من قال: لا؛ لأن ذلك الجهر لا عبرة به ... وقد علم مما ذكرنا أن المأموم لا يقولها إلا إذا سمع قراءة الإمام، لا مطلقًا، فليس هو كالإمام مطلقًا» (^٣).\nيقصد أن المأموم لما كان لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا لم يشرع له التأمين إلا إذا سمع قول الإمام يقرأ (ولا الضالين).\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٧١).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٣١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٢، ٤٩٣)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، كنز الدقائق (ص: ١٦٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٦)، مجمع الأنهر (١/ ٩٦).\nوأما مذهب المالكية فيشرع للمأموم التأمين في السرية عند فراغه من قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه إن سمع قول إمامه ﴿ولا الضالين﴾، فإن لم يسمعه فقولان: أشهرهما لا يؤمن على قراءة إمامه؛ لأن التأمين إجابة، وهي فرع السماع. انظر في مذهب المالكية: الموطأ (١/ ٨٧، ٨٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣)، الخرشي (١/ ٢٨٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٨)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٦، ٣٢٧)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٣)، التفريع (١/ ٧٠).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣٣١).","vol":"2","page":535},{"text":"* حجة من قال: يؤمن على قراءة إمامه في الصلاة السرية:\n(ح-١٤٣٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nفقوله: (إذا أمن فأمنوا) فعلق تأمين المأموم على تأمين الإمام، وعمومه وإطلاقه يشمل السرية والجهرية.\nولما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\nوجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث السابق.\nفظاهره أن المأموم مأمور بالتأمين إذا سمع الإمام يقول: ولا الضالين، ولم يقيد ذلك في الصلاة الجهرية، فشمل السرية.\n* ويناقش:\nبأن الأحاديث المطلقة والعامة محمولة على المشروع، وجهر الإمام في الصلاة السرية خلاف السنة، فلا تحمل الأحاديث على الصفات الواردة خلاف السنة، فإذا كان أهل الأصول يناقشون في العام والمطلق أيحمل على النادر، أم يقتصر به على الغالب، فما بالك في حمل الأحاديث على الصفات غير المشروعة، المخالفة للسنة، وهذه هي حجة من قال: لا يؤمن، أن هذا الجهر لا عبرة به، لمخالفته السنة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٢).","vol":"2","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المقصد الثاني في تأمين المأموم في الجهرية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الغصن الأول في تأمين المأموم على قراءة نفسه وعلى قراءة إمامه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* التأمين والتعوذ سنتان تابعتان للقراءة.\n* التأمين إجابة، وهي فرع السماع.\n* إذا لم يسمع المأموم قراءة إمامه لبعده أو لوجود مانع، أو لكون الصلاة سرية شرع له التأمين سِرًّا على قراءة نفسه، وإذا سمع قراءة إمامه لم يقرأ على الصحيح، وأَمَّن جهرًا على قراءة إمامه.\n* من أوجب على المأموم القراءة خلف الإمام شَرَع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه، وهو قول مرجوح.\n* لا يجهر المأموم في شيء من الصلوات إلا بالتأمين، ولا يستحب مقارنته للإمام في شيء إلا فيه.\n[م-٥٦١] اختلف العلماء في مشروعية التأمين للمأموم في الصلاة الجهرية:\nفقيل: لا يشرع للمأموم التأمين على قراءة نفسه؛ لأنه ممنوع من القراءة خلف الإمام في الجهرية، ويشرع له التأمين على قراءة إمامه، وهو قول جمهور الفقهاء، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقول القديم للشافعي (^١).\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٢، ٤٩٣)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، كنز الدقائق (ص: ١٦٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٦)، مجمع الأنهر (١/ ٩٦).\n\nوأما مذهب المالكية فيشرع للمأموم التأمين في السرية عند فراغه من قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه إن سمع قول إمامه ﴿ولا الضالين﴾، سرية كانت الصلاة أو جهرية، فإن لم يسمعه فقولان: أشهرهما لا يؤمن على قراءة إمامه؛ لأن التأمين إجابة، وهي فرع السماع. انظر في مذهب المالكية: الموطأ (١/ ٨٧، ٨٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣)، الخرشي (١/ ٢٨٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٨)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٦، ٣٢٧)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٣)، التفريع (١/ ٧٠).","vol":"2","page":537},{"text":"قال في بدائع الصنائع: «فإذا فرغ من الفاتحة يقول آمين، إمامًا كان أو مقتديًا، أومنفردًا، وهذا قول عامة العلماء» (^١).\nوقيل: يشرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة إمامه وهو مذهب الشافعية، بناء على ذهاب الشافعي في الجديد إلى وجوب القراءة على المأموم خلف الإمام في الجهرية.\nفإن فرغ من الفاتحة قبل إمامه فالأصح في مذهب الشافعية أنه يُؤَمِّنُ لنفسه، ثم يؤمن للمتابعة، وإن أَمَّن المأموم متابعة للإمام، ثم قرأ الفاتحة بعده أَمَّنَ ثانيةً لقراءة نفسه، ولو فرغا من الفاتحة معًا كفاه أن يُؤَمِّن مرة واحدة (^٢).\nواختار البغوي من الشافعية أنه إن فرغ من الفاتحة قبل فراغ إمامه منها، فالأولى أن ينتظر حتى يؤمن مع الإمام، وضعفه النووي (^٣).\nوهذه المسألة مبنية على قراءة المأموم خلف الإمام في الجهرية:\nفمن قال: لا يقرأ، اقتصر تأمين المأموم على قراءة الإمام.\nومن أوجب عليه القراءة خلف الإمام شرع له التأمين على قراءة نفسه، وعلى قراءة الإمام.\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٧٣)، أسنى المطالب (١/ ١٥٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٠)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٩٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩١).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٧٣).","vol":"2","page":538},{"text":"وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، والحمد لله، ورجحت فيها أن المأموم لا يشرع له القراءة خلف الإمام، وبالتالي لا يشرع له إلا التأمين على قراءة إمامه.\n\n* * *","vol":"2","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>الغصن الثاني في تأمين المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* التأمين فرع عن القراءة.\n* العلة في سقوط القراءة عن المأموم في الصلاة الجهرية من أجل أن يُفْرِغ المأموم قلبه لسماع قراءة إمامه، وحتى لا ينازع الإمام قراءته فإذا لم يسمعه لم يشرع له السكوت.\n* السكوت المشروع في الصلاة المراد به السكوت عن كلام الناس، لا مطلق الصمت؛ لئلا تخلو الصلاة عن قراءة أو استماع أو ذكر.\n* شرع الله الصلاة لإقامة ذكر الله إما بتلاوة القرآن أو باستماعه، أو بالأذكار الخاصة.\n* إذا شرع للمأموم أن يقول أذكار الركوع والسجود والتشهد بالإجماع، شرعت له القراءة حيث لا يسمع قراءة إمامه.\n* إذا شرع للمأموم القراءة لبعد إمامه، أو لكونه أصم أو لكون الصلاة سرية شرع له التأمين سِرًّا على قراءة نفسه.\n[م-٥٦٢] وإذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام لبعده أولطرش، فالتأمين مبني على الخلاف في مشروعية قراءة الفاتحة له:\nفمن شرع له قراءة الفاتحة استحب له التأمين على قراءة نفسه، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، ونص عليه أحمد (^١).\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٤١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، فتح العزيز (٣/ ٣١١)، المجموع (٣/ ٣٦٤)، روضة ... =\n= الطالبين (١/ ٢٤١)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٤٦٤)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٩٥)، المغني (١/ ٤٠٧)، الفروع (٢/ ١٩٣)، الإنصاف (٢/ ٢٣١)، الإقناع (١/ ١٦٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٤).","vol":"2","page":540},{"text":"قال ابن مفلح في الفروع: «وإن لم يسمعه لبعد قرأ في المنصوص» (^١).\nومن قال: لا يشرع للمأموم القراءة مطلقًا، ولو لم يسمع إمامه لم يستحب له التأمين؛ وهو المنصوص عند المالكية، واقتصر عليه خليل في مختصره، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (^٢).\nقال خليل: «وإنصات مقتدٍ، ولو سكت إمامه» (^٣).\nوقال الدردير في الشرح الكبير «تكره قراءته ولو لم يسمعه» (^٤).\nوإذا كرهت له القراءة كره له التأمين؛ لأن التأمين فرع عن القراءة، وقد سبق لنا بحث هذه المسألة، وذكر أدلتها، وبيان الراجح، في المجلد السابق.\n\n* * *\n_________\n(^١). الفروع (٢/ ١٩٣).\n(^٢). مختصر خليل (ص: ٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، إكمال المعلم (٢/ ٢٧٨)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٨١)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٧)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٠٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧)، المجموع (٣/ ٣٦٤).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٢).\n(^٤). الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الغصن الثالث في تأمين المأموم إذا ترك إمامه التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* التأمين سنة قولية للإمام والمأموم.\n* إذا ترك الإمام التأمين أتى بها المأموم، قياسًا على الاستعاذة.\n* إذا ترك الإمام السنن القولية لم يترك ذلك المأموم، وإن ترك السنن الفعلية اقتدى به المأموم إلا أن تكون السنة الفعلية خفيفة لا تظهر في فعلها مخالفة الإمام كجلسة الاستراحة.\n* إذا أخفى الإمام التأمين جهر به المأموم.\n* التأمين مشروع على دعاء الفاتحة، وليس على مطلق قراءة الفاتحة، فإذا لم يسمع الدعاء، ومنه قوله: ولا الضالين، وسمع الثناء في أول الفاتحة لم يؤمن.\n[م-٥٦٣] إذا ترك الإمام التأمين وسمع المأموم من الإمام قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، فهل يترك التأمين متابعة للإمام؟\nهذه المسألة لا تتنزل على مذهب الحنفية؛ لأنهم يرون أن الإمام وغيره يؤمن سِرًّا، فإذا كان لا يجهر بالتأمين لم يهتد المصلي أترك إمامه التأمين أم فعله سرًّا (^١).\nقال في كنز الدقائق: «وأمن الإمام والمأموم سِرًّا» (^٢).\nوسوف أتعرض إن شاء الله تعالى في البحث في صفة التأمين والجهر به.\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٢)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣١).\n(^٢). كنز الدقائق (ص: ١٦٣).","vol":"2","page":542},{"text":"كما أن الإمام مالكًا يكره تأمين الإمام في الجهرية، كما في رواية المصريين عنه، فإذا ترك الإمام التأمين في الجهرية فالفعل جارٍ وفق المستحب على المشهور من المذهب (^١).\nوقد ذكرنا أدلة المالكية في مسألة حكم التأمين، فارجع إليه إن شئت.\nوأما الشافعية والحنابلة الذين يستحبون جهر الإمام بالتأمين فقد نصوا على أن المأموم لا يترك التأمين لترك الإمام (^٢).\nقال النووي: «إذا لم يؤمن الإمام فيستحب للمأموم التأمين جهرًا بلا خلاف، نص عليه في الأم، واتفقوا عليه؛ ليسمعه الإمام فيأتي به. قال أصحابنا: سواء تركه الإمام عمدًا أو سهوًا .... وهو مقتضى نص الشافعي في الأم، فإنه قال: وإن تركه الإمام قاله من خلفه، وأسمعه لعله يذكر، فيقوله، ولا يتركونه لتركه كما لو ترك التكبير والتسليم لم يكن لهم تركه. هذا نصه» (^٣).\nوقال ابن قدامة: «فإن نسي الإمام التأمين أمن المأموم، ورفع صوته؛ ليذكر الإمام، فيأتي به، لأنه سنة قولية إذا تركها الإمام أتى بها المأموم، كالاستعاذة، وإن أخفاها الإمام جهر بها المأموم؛ لما ذكرناه» (^٤).\n[م-٥٦٤] وإن لم يسمع قول ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ ولكن سمع قراءته لبعض آيات الفاتحة، فهل يُؤَمِّن بالتحري؟\n_________\n(^١). قال خليل في التوضيح (١/ ٣٤٣): «ويؤمن الإمام إذا أسر اتفاقًا، فإذا جهر، فروى المصريون: لا يؤمن. وروى المدنيون: يؤمن .. والمشهور رواية المصريين».\n\nوانظر: جامع الأمهات (ص: ٩٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٦٢)، الخرشي (١/ ٢٨٢)، الشرح الكبير (١/ ٢٤٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٣).\n(^٢). الأم (١/ ١٣١)، المجموع (٣/ ٣٧٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٦٢)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٤٧)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٧)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٥٣)، الفروع (٢/ ١٧٦)، المبدع (١/ ٣٨٨)، الإنصاف (٢/ ٥١)، الإقناع (١/ ١١٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠).\n(^٣). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٧٢).\n(^٤). المغني (١/ ٣٥٣).","vol":"2","page":543},{"text":"فقيل: لا يُؤَمِّن، ولا يتحرى، وهو الأظهر في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية (^١).\nلظاهر حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (^٢).\nولأنه لو تحرى لربما أوقعه في غير موضعه.\nوقيل: يتحرى ويُؤَمِّن، وبه قال ابن عبدوس من المالكية، وهو قول في مقابل الأظهر عندهم (^٣).\nوهذا القول مقيد بما إذا سمع بعض الفاتحة من الإمام، ولم يسمع قوله: ولا الضالين، أما إذا لم يسمع قراءة الإمام مطلقًا فقد تقدمت هذه المسألة، وأن المالكية يرون أنه لا يؤمن على قراءة نفسه؛ لأنه لا يشرع له القراءة، ولا على قراءة إمامه؛ لأنه لم يسمع منه قراءة شيء من الفاتحة، والله أعلم.\n* والراجح:\nأن المأموم إذا لم يسمع قراءة إمامه مطلقًا فهو مأمور بالقراءة، فيستحب له التأمين على قراءته لنفسه سِرًّا، وإذا سمع أول الفاتحة، ولم يسمع قوله: ولا الضالين فهو لا يؤمن أيضًا؛ لأن التأمين على دعاء الفاتحة، وليس على مطلق قراءة الفاتحة،\n_________\n(^١). الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، شرح مختصر خليل (١/ ٢٨٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٣)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٢٦).\n\nجاء في حاشية الشرواني (٢/ ٥٠): «ولو سمع بعضها، فهل يؤمن مطلقًا، أو لا يؤمن مطلقًا، أو يقال: إن سمع ما قبل اهدنا لم يؤمن، أو هي وما بعدها أمن، محل تأمل. بَصْريٌّ ونقل عن حاشية الشارح على فتح الجوَّاد ما نصُّه: والذي يتجه أن العبرة بالآخِر؛ لأنه الذي يليه التأمين، لكن هل يشترط كونه جملة مفيدة من الفاتحة أو من غيرها، الأقرب نعم، فيكفي سماع: ولا الضالين مثلًا. اهـ». وقد نص بعض الشافعية على أن المأموم لا يؤمن على إمامه إلا إن سمع قراءته. انظر: تحفة المحتاج (٢/ ٥٠)، الغرر البهية (١/ ٣٢٥).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٢).\n(^٣). انظر: الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٤)","vol":"2","page":544},{"text":"وإذا لم يسمع الدعاء، ومنه قوله: ولا الضالين فإنه لا يؤمن؛ لظاهر حديث أبي هريرة مرفوعًا: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين ... الحديث (^١).\nولأن العبرة بسماع آخر الفاتحة؛ لأنه هو الذي يليه التأمين، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٢).","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المسألة الرابعة في صفة التأمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب الأول في صفة تأمين الإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجهر والإسرار متلقى من الشارع.\n* البسملة يسر بها وإن كانت آية من القرآن اتباعًا للسنة على الصحيح.\n* التعوذ والتأمين ليسا من القرآن بالإجماع والأول يسر به والثاني يجهر به إذا جهر بالقراءة.\n* التأمين تبع للقراءة إسرارًا وجهرًا.\n* قال الرسول ﷺ إذا أمن الإمام فأمنوا.\n* قال ابن المنذر: محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه.\n[م-٥٦٥] لا يشرع الجهر بالتأمين في الصلاة السرية، سواء أكان المصلي إمامًا، أم مأمومًا أم فذًّا؛ لأن التأمين تبع للقراءة.\nوإما إذا كانت الصلاة جهرية، فمن قال: لا يؤمن، كما هو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة، ورواية المصريين عن مالك، وهي المشهور من مذهبه، فلا تتنزل هذه المسألة على هذا القول، وسبق توثيق ذلك في حكم التأمين.\nجاء في الدر الثمين: «يستحب تأمين كل مُصَلٍّ ما عدا الإمام في الجهر» (^١).\n_________\n(^١). الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٢٩).","vol":"2","page":546},{"text":"وقال الخرشي في شرحه: «الإمام لا يؤمن» (^١).\nومن قال: يؤمن الإمام في الجهرية، وهو قول الجمهور، ورواية المدنيين عن مالك، اختلفوا في صفة التأمين:\nفقيل: يؤمن الإمام سِرًّا، وهو مذهب الحنفية، والمقدم عند المالكية على القول بتأمين الإمام في الجهرية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\nقال ابن جزي في القوانين: «ويسر التأمين خلافًا للشافعي» (^٣).\nوقال الخرشي: «وكل من طلب منه التأمين إمامًا كان، أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء والأصل فيه الإخفاء» (^٤).\nوقيل: يجهر بالتأمين، وهو أحد القولين في مذهب مالك، والمذهب عند الشافعية، نص عليه في الأم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال داود، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (^٥).\n_________\n(^١). شرح الخرشي على خليل (١/ ٢٨٢).\n(^٢). المبسوط للسرخسي (١/ ٣٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣١).\nوجاء في رسالة أبي زيد القيرواني (ص: ٣٢): «ولا يقولها الإمام فيما جهر، ويقولها فيما أسرَّ فيه، وفي قوله إياها في الجهر اختلاف».\nقال في التاج والإكليل عن الباجي (٢/ ٢٤٣): هما روايتان يقصد الاختلاف في الجهر، روايتان عن مالك، ونَسَب للتلقين: الاختيار إخفاء التأمين.\nوانظر: جامع الأمهات (ص: ٩٤)، التوضيح شرح خليل (١/ ٣٤٤)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٣)، شرح التلقين (١/ ٥٥٥)، التنبيه على مبادئ التوجيه (١/ ٤١٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢١٩).\n(^٣). القوانين الفقهية (ص: ٤٤).\n(^٤). شرح الخرشي (١/ ٢٨٢).\n(^٥). الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٨)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٠)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٣)، شرح التلقين (١/ ٥٥٣، ٥٥٤)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣)، المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٢١٩)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٣٦).\nوقال الشافعي في الأم (١/ ١٣١): «فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن، قال: آمين، ورفع =","vol":"2","page":547},{"text":"قال في الشامل في مذهب مالك: «ويستحب الإسرار به مطلقًا، وقيل: يجهر به الإمام في الجهر» (^١).\nفجزم بالإسرار، وحكى الجهر بصيغة التمريض.\nقال في جامع الأمهات: «ويسر كالمأموم والمنفرد، وقيل: يجهر في الجهر» (^٢).\nقال خليل في التوضيح: قوله: (وقيل: يجهر): أي الإمام في الجهرية؛ لما تقدم من قوله ﵊: إذا أمن الإمام فأمنوا» (^٣).\nوقيل: الإمام مخير، إن شاء جهر، وإن شاء أَسَرَّ، اختاره ابن بكير من المالكية (^٤).\n* دليل من قال: يجهر الإمام بالتأمين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٤٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٥).\nقال أبو بكر الأثرم: «(إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقد بيَّن أن تأمين الإمام يُسمَع،\n_________\n= بها صوته». وانظر الأم أيضًا (٧/ ٢١٢)، ومختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٠، ١١٢)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٧)، المجموع (٣/ ٣٦٨، ٣٧١، ٣٧٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٥٨، ٢٥٩)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٤٧)، الفروع (٢/ ١٧٥)، الإنصاف (٢/ ٥١)، الإقناع (١/ ١١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^١). الشامل (١/ ١٠٨).\n(^٢). جامع الأمهات (ص: ٩٤).\n(^٣). التوضيح (١/ ٣٤٤).\n(^٤). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣)، تفسير القرطبي (١/ ١٢٩)، شرح التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٠)، عقد الجواهر (١/ ١٠٠)، ونقل المازري في شرح التلقين (١/ ٥٥٤) عن ابن بكير أن الإمام مخير بين التأمين وإسقاطه في صلاة الجهر أيضًا.\n(^٥). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).","vol":"2","page":548},{"text":"فيؤمِّن مَن خلفه بتأمينه» (^١).\nوقال ابن المنذر في الأوسط: «... محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه» (^٢).\nوقال الخطابي: «فيه دليل على أن رسول الله ﷺ كان يجهر بآمين، ولولا جهره به لم يكن لمن يتحرى متابعته في التأمين على سبيل المداركة طريق إلى معرفته، فدل على أنه كان يجهر به جهرًا يسمعه من وراءه» (^٣).\n* ونوقش الاستدلال:\nبأن حديث: (إذا أمن فأمنوا) لا يستلزم الجهر، وإنما يدل على أن الإمام يؤمن، فهو يأمر المأموم بالتأمين إذا بلغ الإمام موضع التأمين، وقد وضع لهم علامة على ذلك بحديث أبي هريرة المتفق عليه: وإذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين.\n* ورد هذا:\nبأن قوله: (إذا أمن فأمنوا) أي إذا أراد التأمين، والجهر مستفاد من هذا الحديث ومن أحاديث أخرى صحيحة، كالحديث التالي.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس،\nعن وائل بن حجر قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين، يمد بها صوته (^٤).\nوفي رواية أبي داود، قال: ورفع بها صوته (^٥).\n_________\n(^١). الناسخ والمنسوخ (١٣٤).\n(^٢). الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٣٠).\n(^٣). معالم السنن (١/ ٢٢٣).\n(^٤). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٥). سنن أبي داود (٩٣٢).","vol":"2","page":549},{"text":"وهو تفسير لمعنى مَدِّ الصوت.\n[صحيح] (^١).\n* ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:\nالوجه الأول: ضعف الحديث بحجر بن عنبس.\nوقد أجبت عنه عند تخريج الحديث، وأن حجر بن عنبس صدوق إن لم يكن ثقة.\nالوجه الثاني: أنه ربما رفع صوته مرة من أجل التعليم، وكان ذلك في بداية الأمر.\nويشهد لذلك ما رواه الدولابي في الكنى والأسماء من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي سكن حجر بن عنبس الثقفي، قال:\nسمعت وائل بن حجر الحضرمي يقول: رأيت رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وفيه: وقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال: آمين، يمد بها صوته، ما أراه إلا يعلمنا (^٢).\n* ورد هذا:\nبأن هذا قد تفرد به يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروك، وقد رواه سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل ولم يذكرا ما ذكره (^٣).\nقال اللكنوي منتقدًا مذهب أصحابه بعد أن صحح القول بالجهر بالتأمين: «وأي ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض الأحيان، أو الجهر للتعليم، مع عدم ورود شيء من ذلك في رواية، والقول بأنه كان في ابتداء الأمر أضعف؛ لأن الحاكم قد صححه من رواية وائل بن حجر، وهو إنما أسلم في أواخر الأمر، كما ذكر ذلك ابن حجر» (^٤).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٤٢) ما رواه أبو داود في السنن، قال: حدثنا نصر بن علي، أخبرنا\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٣).\n(^٢). الكنى والأسماء (١٠٩٠).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٣).\n(^٤). تحفة الأحوذي (٢/ ٦١)، مرعاة المفاتيح (٣/ ١٥٦).","vol":"2","page":550},{"text":"صفوان بن عيسى، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمين»، حتى يُسمِعَ مَنْ يليه من الصفِّ الأول (^١).\nورواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى به، ولفظه: ترك الناس التأمين، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ قال: «آمين»، حتى يسمعَها أهلُ الصف الأول، فيرتجُّ بها المسجد (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n(ح-١٤٤٣) وروى النسائي من طريق سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن تأمين الناس كان مرتبًا على تأمين الإمام، وهذا دليل على الجهر.\n* وأجيب:\nبأن هذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون محفوظًا (^٥).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٩٣٤).\n(^٢). سنن ابن ماجه (٨٥٣).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٥).\n(^٤). سنن النسائي (٩٠٥).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٤٢).","vol":"2","page":551},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٤٤٤) ما رواه ابن خزيمة من طريق إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن العلاء الزبيدي، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني الزهري، عن أبي سلمة وسعيد،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته، وقال: آمين (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٤٤٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،\nعن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين (^٣).\n[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله] (^٤).\nالدليل السادس:\n(ح-١٤٤٦) ما رواه الدارقطني من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، ورفع بها صوته (^٥).\nقال الدارقطني: بحر السقاء ضعيف (^٦).\nالدليل السابع:\n(ح-١٤٤٧) ما رواه الإمام إسحاق بن راهويه من طريق هارون الأعور، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن ابن أم الحصين،\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٥٧١).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ص: ٨١).\n(^٣). المسند (٦/ ١٢).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر: ح (١٧٤) من أحكام الأذان، جزء من هذا الكتاب لم يطبع بعد.\n(^٥). سنن الدارقطني (١٢٧٢).\n(^٦). ومن طريق بحر السقاء أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (٣٤١).","vol":"2","page":552},{"text":"عن أمه، أنها صلت خلف رسول الله ﷺ فسمعته وهو يقول: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّين﴾، فلما قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين، حتى سمعته وهي في صف النساء (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الثامن:\n(ث-٣٥٤) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل التاسع:\n(ث-٣٥٥) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له:\nأكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (^٥).\n[صحيح] (^٦).\nفهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام والجهر به، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في الإمام أن يجهر بالتأمين.\n* دليل من قال: يُسِرُّ الإمام بالتأمين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٤٨) روى أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما حدثاه،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا\n_________\n(^١). مسند إسحاق بن راهويه (٢٣٩٦).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٨).\n(^٣). صحيح البخاري (١/ ١٥٦).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ث- ٣٥٢).\n(^٥). المصنف (٢٦٤٠).\n(^٦). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":553},{"text":"الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.\nوجه الاستدلال:\nلوكان الإمام يجهر بالتأمين لما كان هناك حاجة إلى القول فإن الإمام يقول: آمين.\n* وأجيب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذا اللفظ تفرد به معمر، وقد خالفه مالك ويونس وابن عيينة وعقيل، وغيرهم، فرووه بلفظ: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فعلق تأمينهم على تأمين الإمام (^١).\nالوجه الثاني:\nربما أخبرهم لكون الإمام يقع تأمينه مصاحبًا لتأمين المأموم، فلربما غطى صوت المأمومين على صوت الإمام لكثرتهم، فلا يدري المصلي، أكان الإمام يؤمن أم لا، فأخبرهم بأن الإمام يؤمن.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٤٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، قال:\nسمعت علقمة يحدث عن وائل، أو سمعه حجر من وائل، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ، فلما قرأ: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: «آمين» وأخفى بها صوته (^٢).\n[أخطأ فيه شعبة سندًا ومتنًا] (^٣).\nالدليل الثالث:\nاستدلوا بمقدمتين ونتيجة:\nفالمقدمة الأولى: أن التأمين دعاء، لأن معنى آمين: اللهم استجب.\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٢).\n(^٢). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٤٣٣).","vol":"2","page":554},{"text":"المقدمة الثانية: أن الأصل في الدعاء الإخفاء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [الأعراف: ٥٥].\nالنتيجة: استحباب إخفاء التأمين.\nفقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أمر بالدعاء مقرونًا بالإخفاء، وظاهر الأمر للوجوب، فإن لم يحمل على الوجوب فلا أقل من دلالته على الندب، ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ فجعل ترك التضرع والإخفاء من الاعتداء بالدعاء، والمعتدي بالعبادة لا يستحق ثوابًا، والله أعلم.\n(ح-١٤٥٠) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق عاصم، عن أبي عثمان،\nعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فكنا إذا أشرفنا على وادٍ، هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ: «يا أيها الناس ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنه معكم إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده، واللفظ للبخاري (^١).\n* ويجاب بأكثر من جواب:\nالجواب الأول: أن الآية والحديث كل منهما عام، خُصَّ منهما الجهر بالتأمين لدليل خاص، والخاص يقضي على العام، فلا يصح الاستدلال بالعام على الخاص.\nالجواب الثاني: أن التأمين ليس دعاء مستقلًا، بل هو من توابع الدعاء، والتابع له حكم متبوعه في الجهر والإسرار، فإذا جهر بالدعاء جهر بالتأمين، وإن أَسَرَّ الدعاء لم يجهر بالتأمين.\nقال ابن قدامة: «وما ذكروه يبطل بآخر الفاتحة؛ فإنه دعاء، ويجهر به، ودعاء التشهد تابع له، فيتبعه في الإخفاء، وهذا تابع للقراءة، فيتبعها في الجهر» (^٢).\nوهذا كلام حسن، وإن كان المعوَّل عليه في الباب هو التوقيف فقد صح من حديث وائل أنه رفع صوته بالتأمين.\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٥٦) ما رواه الطحاوي من طريق علي بن معبد، حدثنا أبو بكر بن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢٩٩٢)، وصحيح مسلم (٤٤ - ٢٧٠٤).\n(^٢). المغني (١/ ٣٥٣).","vol":"2","page":555},{"text":"عياش، عن أبي سعد،\nعن أبي وائل، قال: كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بـ ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ولا بالتعوذ، ولا بالتأمين (^١).\n[ضعيف] (^٢)\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٣).\n(^٢). اختلف فيه على أبي بكر بن عياش:\nفرواه علي بن معبد كما في إسناد الطحاوي هذا، وجعل الأثر عن عمر وعلي ﵄.\nورواه أحمد بن يونس كما في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٦٢) ح ٩٣٠٤) عن أبي بكر بن عياش به، وقال: كان علي وابن مسعود لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا بالتعوذ، ولا بآمين. فجعل ابن مسعودٍ بدلًا من عمر ﵄.\nورواه ابن الأعرابي في معجمه (٦٢٨) من طريق أبي سعد (البقال)، قال: حدثني عبد الرحمن ابن أبي ليلى، أن عليًّا ﵁ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.\nفجعله من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليٍّ ﵁ وحده.\nومع اضطراب أبي سعد البقال فإنه متفق على ضعفه.\nوفي إسناده أبو بكر بن عياش ثبت في القراءة، وأما في الحديث فهو كثير الغلط، وقد تغير حفظه لما كبر، وكتابه صحيح، قال أبو نعيم الفضل بن دكين نقلًا من ميزان الاعتدال (٤/ ٥٠٠): «لم يكن في شيوخنا أحد أكثر غلطًا منه».\nوقد خالف أبا سعيد البقال أبو إسحاق السبيعي.\n\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤١٤٩) من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم.\nفجعل عمارًا بدلًا من عمر ﵄، ولم يذكر التأمين.\nوشريك وإن كان سَيِّئَ الحفظ، إلا في أبي إسحاق، فإنه مقدم على إسرائيل.\nسئل أحمد بن حنبل: أيما أحب إليك: شريك، أو إسرائيل؟ فقال: إسرائيل هو أصح حديثًا من شريك إلا في أبي إسحاق، فإن شريكًا أضبط عن أبي إسحاق. تاريخ بغداد (٧/ ٢٦)، تهذيب الكمال (٢/ ٥٢٠).\nوقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل؟ قال: شريك أحب إليَّ، وهو أقدم، وإسرائيل صدوق. قلت: يونس بن أبي إسحاق أحب إليك أو إسرائيل؟ قال: كل ثقة. انظر: الجرح والتعديل (٤/ ٣٦٧)، السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٧٤).\nوقال أبو داود كما في سؤالاته (٤٠٥): سمعت أحمد بن حنبل قال: زهير، وزكريا، وإسرائيل، ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق، هو السبيعي =.\n= ... قال: قلت لأحمد: شريك منهم؟ قال: شريك سمع قديمًا.","vol":"2","page":556},{"text":"* دليل من قال: يخير الإمام بين إخفاء التأمين أو الجهر به:\nلعل ابن بكير لما رأى اختلاف هذه الأدلة صار إلى التخيير، وأن الأمر في ذلك واسع، أو أنه رأى ثبوت الجهر وثبوت الإسرار، فاقتضى التخيير بينهما، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن الإمام يجهر بالتأمين، وقد نقل تأمين الإمام والجهر به صحابيان جليلان، ولم يَأْتِ ما يعارضهما، فصح أن السنة في الإمام أن يجهر بالتأمين.\n\n* * *","vol":"2","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>المطلب الثاني في صفة تأمين المأموم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجهر صفة بالعبادة، وصفات العبادة كأصلها تحتاج إلى توقيف.\n* الجهر والإسرار متلقى من الشارع، لا مجال للنظر فيه، فالبسملة آية من القرآن خصت بالإسرار، والتأمين والاستعاذة ليسا من القرآن بالاتفاق، وشرع الجهر بالتأمين دون الاستعاذة.\n* لا يشرع التأمين جماعة في الصلاة المفروضة إلا على دعاء فاتحة الكتاب.\n* الدعاء منه ما يجهر به كالفاتحة، ومنه ما يُسر به كالتشهد، والجهر بالتأمين تبع للدعاء.\n* المأموم تبع لإمامه، فإذا جهر الإمام بالقراءة جهر بالتأمين وتبعه المأموم في التأمين.\n* القراءة السرية لا يجهر فيها المصلي بالتأمين، إمامًا كان أومأمومًا أومنفردًا.\n[م-٦٦٥] اختلف العلماء في صفة تأمين المأموم:\nفقيل: يسر بالتأمين، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والجديد من قولي الشافعي (^١).\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣١)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)،، مختصر خليل (ص: ٣٣)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٨)، جامع الأمهات (ص: ٩٤)، التوضيح شرح خليل (١/ ٣٤٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، تحبير المختصر (١/ ٣٠١)، شرح التلقين (١/ ٥٥٥)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢١٩)، الأم (١/ ١٣١)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٠)، نهاية المطلب =\n\n= ... (٢/ ١٥٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٨)، المجموع (٣/ ٣٧١).","vol":"2","page":558},{"text":"قال الشافعي في الأم: «فإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن قال: آمين، ورفع بها صوته؛ ليقتدي به من كان خلفه، فإذا قالها قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا فلا شيء عليهم» (^١).\nوقيل: يجهر بالتأمين، وهو القديم من قولي الشافعي، والأظهر في المذهب، عندهم، والمذهب عند الحنابلة (^٢).\nقال النووي: «الجهر بالتأمين في صلاة الجهرية، القديم استحبابه، وهو الصحيح عند الأصحاب» (^٣).\nوقال أيضًا: «والأصح من حيث الحجة أن الإمام يجهر به، ممن صححه المصنف في التنبيه، والغزالي في الوجيز، والرافعي، وغيرهم ... وحينئذٍ تكون هذه المسألة مما يفتى فيها على القديم» (^٤).\nومن الشافعية من حمل قولي الشافعي على حالين، وليس على قولين: فيحمل الجديد على المسجد الصغير بحيث يبلغهم تأمين الإمام، فلا يجهرون؛ ويحمل القديم على المسجد الكبير، والجمع الكثير؛ فيحتاجون إلى الجهر للإبلاغ، وهذا قول ثالث في المسألة (^٥).\n_________\n(^١). الأم (١/ ١٣١).\n(^٢). المهذب (١/ ١٤٠)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٠)، فتح العزيز (٣/ ٣٤٨)، المجموع (٣/ ٣٧٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩١)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٤٧)، المغني (١/ ٣٥٣)، الفروع (٢/ ١٧٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥١)، المبدع (١/ ٣٨٧)، الإنصاف (٢/ ٥١)، الإقناع (١/ ١١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩).\n(^٣). المجموع (١/ ٦٧).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣٧٢).\n(^٥). قال الشيرازي في المهذب (١/ ١٤٠): «وأما المأموم فقد قال في الجديد: لا يجهر. وقال في القديم: يجهر، فمن أصحابنا من قال على قولين: أحدهما: يجهر .... والثاني: لا يجهر ....، ومنهم من قال: إن كان المسجد صغيرًا يبلغهم تأمين الإمام لم يجهر به؛ لأنه لا يحتاج إلى الجهر، وإن كان كبيرًا جهر؛ لأنه يحتاج إلى الجهر؛ للإبلاغ، وحمل القولين على هذين الحالين». وانظر: الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٠).","vol":"2","page":559},{"text":"وحكى الشافعية قولًا رابعًا: إن لم يجهر الإمام جهر، وإلا فقولان على التفصيل السابق (^١).\nهذه مجمل الأقوال في المسألة، وبعد أن مَنَّ الله بمعرفتها ننتقل إلى أدلتها:\n* دليل من قال: يسر بالتأمين:\nكل دليل استدلوا به على إسرار الإمام بالتأمين استدلوا به على إسرار المأموم، فإذا كان الإمام يسر بالتأمين فالمأموم تبع له.\nوقد ذكرت هذه الأدلة ومناقشتها في الفصل السابق، فارجع إليه إن شئت.\n* دليل من قال: يجهر بالتأمين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٥١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\n* وجه الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nقوله: (إذا قال الإمام ... فقولوا) قال ابن رشيد: «قابل القول بالقول، والإمام إنما قال ذلك جهرًا فكان الظاهر الاتفاق في الصفة» (^٣). وقد ترجم له البخاري بقوله: (باب جهر المأموم بالتأمين).\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٧٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٢).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٦٧).","vol":"2","page":560},{"text":"الوجه الثاني:\nقال الزين بن المنير نقلًا من فتح الباري: «في الحديث الأمر بقول: (آمين) والقول إذا وقع به الخطاب مطلقًا حمل على الجهر، ومتى أريد به الإسرار، أو حديث النفس قُيِّد بذلك» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأمر المأموم بالتأمين إذا أمن إمامه، فدل على أن الإمام يجهر بالتأمين، والأصل أن تأمين المأموم على صفة تأمين الإمام؛ إذا لوكان يخالفه في الصفة لَبُيِّن ذلك، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٥٢) ما رواه النسائي من طريق سعيد بن أبي هلال،\nعن نعيم المُجْمِرِ قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة: ١]، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقال: آمين. فقال الناس: آمين ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن نعيمًا المجمر سمع تأمين الإمام، وسمع تأمين الناس، وهذا دليل على جهر الجميع، إمامًا كان أو مأمومًا.\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٦٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).\n(^٣). سنن النسائي (٩٠٥).","vol":"2","page":561},{"text":"* وأجيب:\nبأن هذا الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا نعيم بن المُجْمِرِ، تفرد به سعيد بن أبي هلال، وهو صدوق، والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر قراءة البسملة ولا الجهر بها، ولا التأمين، فأخشى ألا يكون ذكر التأمين محفوظًا (^١).\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٥٧) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nالدليل الخامس:\n(ث-٣٥٨) روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت له:\nأكان ابن الزبير يؤمِّن على إثر أم القرآن؟ قال: نعم، ويؤمِّن من وراءه حتى أن للمسجد لَلَجَّةً (^٤).\n[صحيح] (^٥).\nفهذان صحابيان صح عنهما نقل تأمين الإمام والمأموم، وإطلاقه يدل على الجهر به، ولم يَأْتِ ما يعارضه.\n* دليل من فرق بين المسجد الكبير والصغير:\nأن الحاجة إلى الجهر بالتأمين في المسجد الكبير من أجل تبليغ تأمين الإمام، فربما لا يبلغ المصلين تأمين المأموم، بخلاف المسجد الصغير.\n* ويناقش:\nهذا تقييد للنصوص المطلقة التي تأمر المأموم بالتأمين، والمطلق من\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٤٢).\n(^٢). صحيح البخاري (١/ ١٥٦).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٥٢).\n(^٤). المصنف (٢٦٤٠).\n(^٥). ورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":562},{"text":"النصوص لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولم يَأْتِ في النصوص ما يدل على تقييد الجهر بالحاجة.\n* دليل من قال: لا يجهر المأموم إلا إذا ترك الإمام التأمين:\nقال: إذا ترك الإمام التأمين استحب للمأموم الجهر بالتأمين من أجل تنبيه الإمام إلى التأمين.\nوهذا أيضًا تقييد لما أطلق من النصوص، بلا برهان، والنصوص الشرعية لا يقيدها إلا نصوص مثلها، أو إجماع مستند إلى نص، ولو كان الجهر مقيدًا بذلك لاقتصر التأمين بمقدار الحاجة، ولم يطلب التأمين من جميع المأمومين، كما أن التذكير لا يقتصر على التأمين فقد يذكر بغير ذلك من تسبيح ونحوه.\n\n* * *","vol":"2","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثالث في صفة تأمين المنفرد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الإمام يجهر بالقراءة من أجل الإسماع فيجهر بالتأمين تبعًا، والمأموم يجهر بالتأمين امتثالًا للأمر الشرعي (إذا أمن الإمام فأمنوا) وسكت الشارع عن تأمين المنفرد.\n* المنفرد في الصلاة الجهرية مخير في القراءة بين الجهر مراعاة لحال الصلاة، وبين الإسرار بالقراءة لعدم الحاجة إلى الإسماع، فيتبع المنفرد الأنفع لقلبه.\n* التأمين تبع للقراءة فإن جهر المنفرد بها جهر بالتأمين وإن أسر بها أسر بالتأمين.\n* قد يقال: إن عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أن المصلي مأمور بصلاته أن تكون بين الجهر والإخفات، فلا يبالغ بالجهر لعدم الحاجة، ولا يخافت بها، وإن كان سبب نزول الآية في صلاة النبي ﷺ بأصحابه في مكة قبل الهجرة كما يفيده حديث ابن عباس في الصحيحين.\n[م-٥٦٧] الخلاف في تأمين المنفرد في الصلاة الجهرية كالخلاف في تأمين الإمام:\nفقيل: يؤمن المنفرد سرًّا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه شاذ للشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\n_________\n(^١). تنوير الأبصار مع شرحه الدر المختار (ص: ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٢)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٢، ٣٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣١).\nوانظر في مذهب المالكية: جامع الأمهات (ص: ٩٤)، التوضيح شرح خليل (١/ ٣٤٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٣)، شرح التلقين (١/ ٥٥٥)، التنبيه على مبادئ التوجيه (١/ ٤١٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢١٩). قال في الشرح الكبير (١/ ٢٤٨): «وندب إسرارهم: أي الفذ والإمام والمأموم (به): أي بالتأمين».\nوانظر الوجه الشاذ عند الشافعية في: المجموع (٣/ ٣٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، الفروع (٢/ ١٧٥، ١٨٦).","vol":"2","page":564},{"text":"قال في تنوير الأبصار: «وأمن الإمام سرًّا كمأموم ومنفرد» (^١).\nقال ابن عابدين تعليقًا في حاشيته: «قوله: (كمأموم ومنفرد) محل اتفاق. يعني في المذهب» (^٢).\nوقال الخرشي: «وكل من طلب منه التأمين إمامًا كان، أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء، والأصل فيه الإخفاء» (^٣).\nوقيل: يجهر بالتأمين، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (^٤).\nقال النووي والرافعي: «ويجهر بها الإمام والمنفرد في صلاة الجهر تبعًا للقراءة» (^٥).\nوقيل: يخير المنفرد بين الجهر بالفاتحة والإخفات بها، فإن اختار الجهر بها جهر بالتأمين تبعًا لها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (^٦).\nوقال في كشاف القناع: «ويجهر به منفرد إن جهر بالقراءة تبعًا لها» (^٧).\nوقيل: يكره الجهر بالقراءة للمنفرد، وإذا كره الجهر بالقراءة كره الجهر بالتأمين تبعًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٨).\nوأدلة من قال: يجهر بالتأمين أو قال يسر به هي الأدلة نفسها في مسألة جهر الإمام بالتأمين، فارجع إليها إن شئت، ويبقى أدلة من قال: يكره الجهر، فهذا قول\n_________\n(^١). تنوير الأبصار مع شرحه الدر المختار (ص: ٦٨).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٢).\n(^٣). شرح الخرشي (١/ ٢٨٢).\n(^٤). فتح العزيز (٣/ ٣٤٨)، المجموع (٣/ ٣٧١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، المبدع (١/ ٣٩٢)، الفروع (٢/ ١٨٦).\n(^٥). فتح العزيز (٣/ ٣٤٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧).\n(^٦). الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٩)، المغني (١/ ٤٠٧)، الفروع (٢/ ١٨٦)، الإقناع (١/ ١١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨٩، ١٩٢، ١٩٣).\n(^٧). كشاف القناع (١/ ٣٣٩).\n(^٨). الفروع (٢/ ١٨٦).","vol":"2","page":565},{"text":"لم يذكر في مسألة جهر الإمام.\nولعل حجة هذا القول أن الجهر شرع من أجل إسماع المصلين في الصلاة الجهرية، فإذا صلى وحده لم يكن هناك حاجة للجهر.\nفإن قيل: يرد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠] فإذا كان يصلي وحده كان منهيًّا عن المبالغة في الجهر، وليس عن الجهر.\nفالجواب: أن هذا الآية نزلت في صلاة الجماعة،\n(ح-١٤٥٣) فقد روى البخاري ومسلم واللفظ لمسلم من طريق هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال: نزلت ورسول الله ﷺ متوارٍ بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا﴾ [الإسراء: ١١٠] فيسمع المشركون قراءتك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عن أصحابك أسمعهم القرآن ولا تجهر ذلك الجهر ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠]،يقول: بين الجهر والمخافتة (^١).\n* ويمكن أن يُرَدَّ هذا:\nبأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ صلاة نكرة مضافة إلى المعرفة، فتعم كل صلاة يجهر بها، فرضًا كانت أم نفلًا.\n* الراجح:\nأن المنفرد مخير بين الجهر والإخفاء، فإن كان يرى في الجهر حضور القلب والاستمتاع بالقراءة، وطرد النوم، فالجهر في حقه أفضل، فإذا جهر بالقراءة جهر بالتأمين.\nوإن كان يرى الإسرار أخشع، وأجمع لقلبه، أو تركه مراعاة لمن كان حوله نائمًا، فإذا أسرَّ بالقراءة أَسَرَّ بالتأمين تبعًا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٧٢٢)، ومسلم (١٤٥ - ٤٤٦).","vol":"2","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المسألة الخامسة في موافقة المأموم للإمام في التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل في أفعال المأموم أن تقع بعد أفعال الإمام لقوله: (إذا كبر فكبروا وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) إلا أن هذا العموم خُصَّ منه التأمين بالنص، والخاص مقدم على العام، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (وإذا قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين).\n* العلم بتأمين الإمام لا يتوقف على السماع بل بما جعله الشارع علامة عليه وهو قول: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وبالإخبار بتأمين الإمام.\n* معنى (إذا أمن فأمنوا): أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢].\n[م-٥٦٨] هذه المسألة لا تتنزل على مذهب من يقول: السنة في التأمين الإخفاء، كما هو مذهب الحنفية، وقول مالك في رواية المدنيين عنه؛ لأنه لا يمكن الوقوف على توافق الإمام والمأموم في التأمين، فقد يتقدم المأموم وقد يتأخر، وقد يتوافقان في جزء من التأمين، فلا يكلف المأموم موافقة إمامه في التأمين، وهو لا يسمع تأمينه، فيكفي في المشروع إذا قال الإمام: ولا الضالين أَمَّن الإمام والمأموم سرًا (^١).\nقال في ملتقى الأبحر: «وإذا قال: الإمام: ولا الضالين أمن هو والمُؤْتَمُّ سِرًّا» (^٢).\nوقال الخرشي: «كل من طلب منه التأمين إمامًا كان أو غيره يستحب له الإسرار به؛ لأنه دعاء، والأصل فيه الإخفاء» (^٣).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٤).\n(^٢). ملتقى الأبحر (ص: ١٤٤).\n(^٣). شرح الخرشي (١/ ٢٨٢).","vol":"2","page":567},{"text":"ولا تتنزل هذه المسألة على مذهب الإمام مالك في المشهور عنه؛ حيث قال: لا يؤمن الإمام في الجهرية كما في رواية المصريين عنه (^١).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب أن يقع تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله، ولا بعده، فإن فاتته موافقة الإمام أَمَّن بعده ما دام لم يفت محله (^٢).\n(ح-١٤٥٤) واستدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمان،\nعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.\nورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح به، بنحوه (^٣).\nورواه مسلم من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبي صالح به، بلفظ: إذا قال القارئ: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقال من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه (^٤).\nفأمر بالمبادرة بالتأمين وعلل ذلك بقوله ﷺ: (فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له) وفي الحديث الآخر: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) فيه إشارة إلى أنه إذا بادر، وأمن مع تأمين الإمام موافقًا له، ولم يتقدم عليه، فإنه يوافق تأمين الملائكة، ذلك لأن الملائكة توافق تأمين الإمام دائمًا، وإلا لما صح أن تكون الجملة الثانية تعليلًا للجملة الأولى (^٥).\n_________\n(^١). انظر جامع الأمهات (ص: ٩٤)، التوضيح شرح خليل (١/ ٢٤٣، ٣٤٤)، شرح التلقين (١/ ٥٥٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٣)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٣٦).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٣٥١)، المجموع (٣/ ٣٧٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٠)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٩٧)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٨٢).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٨٢)، وصحيح مسلم (٨٧ - ٤١٥).\n(^٤). صحيح مسلم (٧٦ - ٤١٠)، وهو في البخاري (٦٤٠٢) من طريق سفيان (يعني ابن عيينة)، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة بلفظ: إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.\n(^٥). انظر التعليق على المنتقى لشيخنا ابن عثيمين ﵀ (١/ ٩٩).","vol":"2","page":568},{"text":"قال ابن المنير نقلًا من فتح الباري: «الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا» (^١).\nوسبق لنا أن المراد بموافقتهم عند الجمهور موافقتهم بالوقت.\nوقيل: يستحب أن يقع تأمين المأموم بعد تأمين الإمام، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nواستدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما أخبراه،\nعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (^٣).\nوجه الاستدلال من وجهين:\nالوجه الأول:\nالتعبير بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب: (إذا أمن الإمام فأمنوا ...)، وقد نهى النبي ﷺ عن مبادرة الإمام، فقال: (إذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر)، ومعنى ذلك أنه لا يكبر معه، وقال أيضًا: (إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، وكما أن المأموم يسلم عقب تسليم الإمام، وهكذا كل أفعال المأموم إنما يفعلها عَقِب إمامه، لا قبله، ولا معه، فكذلك التأمين.\nوهو مقتضى حديث: (إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ به فإذا كبر فكبروا) (^٤)، فلو أَمَّن مع إمامه خالف ظاهر حديث: (إذا أمن فأمنوا) وخالف ما علم من سنة الصلاة بأن تقع أفعال المأموم بعد أفعال إمامه، لا قبله، ولا معه، وهو مقتضى اتخاذه إمامًا.\n_________\n(^١). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٦٥).\n(^٢). الفروع (١/ ١٧٥)، الإنصاف (٢/ ٥١).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٨٠)، وصحيح مسلم (٧٢ - ٤١٠).\n(^٤). رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق ليث، عن ابن شهاب،\nعن أنس بن مالك، أنه قال: ... قال رسول الله ﷺ إنما الإمام - أو إنما جعل الإمام - ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا .... الحديث.","vol":"2","page":569},{"text":"الوجه الثاني:\nأنه علق تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بالشرط (إذا)، فقال: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولوكان المأموم يؤمن مع الإمام لم يعلم بتأمين الإمام خاصة مع كثرة المصلين.\nقال أبو بكر الأثرم: «(إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا) فقد بيَّن أن تأمين الإمام يُسمَع، فيؤمِّن مَن خلفه بتأمينه» (^١).\nوقال ابن المنذر في الأوسط: «... محال أن يأمر رسول الله ﷺ المأموم أن يؤمِّن إذا أمَّن إمامه وهو لا يجد السبيل إلى معرفة تأمين إمامه» (^٢).\n* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة كثيرة، منها:\nالجواب الأول:\nقولكم: الأصل في أفعال المأموم أن تقع بعد أفعال الإمام، هذا صحيح، إلا أن هذا العموم خُصَّ منه التأمين بالنص، والخاص مقدم على العام، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين). وهذا نص في محل النزاع، يكشف عن موضع تأمين المأموم، لهذا قال الجمهور: لا يستحب للمأموم مقارنة إمامه في شيء غير التأمين.\nالجواب الثاني:\nقولكم: (إذا أمن المأموم مع الإمام لم يعلم تأمين الإمام)، والحديث قد رتب تأمين المأموم على سماع تأمين إمامه بقوله: (إذا أمن فأمنوا).\nفالجواب، قال ابن عابدين: «إن موضع التأمين معلوم، فإذا سمع لفظة ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] كفى لأن الشارع طلب من الإمام التأمين بعده، فصار من التعليق بمعلوم الوجود» (^٣).\nوقال أبو الوليد الباجي: «معنى قوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) أي: إذا قَدَّرْتُم أنه\n_________\n(^١). الناسخ والمنسوخ (١٣٤).\n(^٢). الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٣٠).\n(^٣). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣).","vol":"2","page":570},{"text":"أَمَّن بقوله ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ فقولوا: آمين عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ ويكون جمعًا بين الحديثين» (^١).\nفالعلم بتأمين الإمام لا يتوقف على السماع بل بما جعله الشارع علامة عليه وهو قول: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وبالإخبار بتأمين الإمام.\n(ح-١٤٥٥) فقد روى أحمد من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنهما حدثاه،\nعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة تقول: آمين، والإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه.\n[تفرد به معمر، وخالفه مالك ويونس وابن عيينة وعقيل فرووه بلفظ: إذا أمن الإمام فأمنوا] (^٢).\nالجواب الثالث:\nقال الجمهور معنى (إذا أمن فأمنوا): أي إذا أراد التأمين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]،\nوقال في حديث أنس: (كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، أي إذا أراد دخوله.\nكقولهم: إذا رحل الأمير فارحلوا: أي إذا تهيأ للرحيل فتهيؤوا.\nوقال بعض العلماء معنى: إذا أمن: إذا دعا بقوله: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، مستدلًا بأن الله سمى التأمين دعاءً، في قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا﴾، وإنما كان الداعي موسى، وكان هارون مؤمنًا (^٣).\nوهذا التأويل ضعيف، وسبق الجواب عليه عند مسألة حكم تأمين الإمام.\n_________\n(^١). المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦٢).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٣٢).\n(^٣). القبس شرح الموطأ (ص: ٢٣٦)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٨١)، الاستذكار (١/ ٤٧٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٦١).","vol":"2","page":571},{"text":"وهناك قول ثالث سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله، قال: معنى إذا أَمَّن إذا شرع في التأمين بمقدار حرف أو حرفين، فإذا أخذ الإمام بالتأمين تبعه المأموم قبل فراغه؛ جمعًا بين حديث (إذا أمن فأمنوا) وبين حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين)، فالرواية الأولى رتب فيها تأمين المأموم بالفاء، الدال على التأخر، والرواية الثانية دلت على أن التأخر بمقدار حرف أو حرفين، سمعته من الشيخ الألباني عليه رحمة الله في آخر حجة حجها عام ١٤١٠ هـ وقد بحثت عن هذا القول لعلمي أن الشيخ ﵀ كان لا يقول بقول إلا له فيه إمام، ولم أعثر عليه.\nوقد ذاكرت الشيخ وقتها، وقلت له: لماذا لا تحمل الرواية المجملة بقوله: (إذا أمن الإمام فأمنوا) على الرواية المُفَصَّلة بقوله: (إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين)، باعتبار أن الشرط (إذا) فيه إجمال: فيحتمل التأخر كما في قوله: (إذا كبر فكبروا) ويحتمل التقدم كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي إذا أردت قراءته، فيكون الإجمال في الشرط قد بينته الرواية المفصلة في قوله: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا آمين) فكشفت أن المراد من قوله: (إذا أمن الإمام): أي إذا أراد التأمين.\nولأن المأموم يُؤَمِّن لدعاء الإمام في قراءته، لا لتأمينه. فما وافقني الشيخ ﵀، وكان جوابه ﵀ بما معناه: إذا ترجح لك ذلك فاعمل بما ترجح لك، ولكنه لا يلزم غيرك.\nوهذا ليس بجواب، بل هو تحصيل حاصل، ثم قرأت له بعد وفاته ﵀ في كتاب أصل الصلاة والذي طبع بعد وفاته أنه رجع عنه، وقال بقول الجمهور (^١).\nوقيل: إن المأموم بالخيار، إن شاء أمن بعد تأمين الإمام، وإن شاء أمن بعد قوله: ولا الضالين، اختار ذلك الطبري (^٢).\n* وحجته في ذلك:\nبأنه قد ورد حديثان في بيان موضع تأمين الإمام، وكلاهما جائز، وليس أحدهما محمولًا على الآخر، فهما يتفقان على مشروعية التأمين للمأموم، وأحدهما: يشرع\n_________\n(^١). أصل صفة الصلاة (١/ ٣٨٣).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٩٩).","vol":"2","page":572},{"text":"للمأموم التأمين إذا قال الإمام: ولا الضالين.\nوالآخر فيه زيادة معنى، وأنه يؤمن إذا أَمَّن الإمام (^١).\nهذا ما استدل به الطبري ﵀.\nوقد يقال: إن التأمين في حق المأموم آكد من الإمام لسببين:\nأحدهما: أن التأمين في حقه ورد بلفظ الأمر: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، ولم يرد تأمين الإمام بصيغة الأمر، ولا شك أن الأمر بالتأمين أبلغ من نقل الفعل.\nالثاني: أن الإمام داعٍ، والمأموم مُؤَمِّنٌ، فكان ترك التأمين في حق الداعي أخف من المأموم، فكان أحد حديثي أبي هريرة يأمر المأموم بالتأمين إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾، وهو محمول على حال ما إذا ترك الإمام التأمين؛ كما هو مذهب المالكية.\nقال الخطابي في معالم السنن: «وقد يكون معناه - يعني معنى حديث: وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين- الأمر به والحض عليه إذا نسيه الإمام، يقول: لا تغفلوه إذا أغفله الإمام، ولا تتركوه إن نسيه، وأمنوا لأنفسكم لتحرزوا به الأجر» (^٢).\nوحديث أبي هريرة الثاني يأمره أن يؤمن بعد تأمينه، في حال اختار الإمام التأمين في الصلاة.\nوكلا التوجهين عندي ضعيف، والأصح حمل أحد حديثي أبي هريرة على الآخر، وأن المقصود: (إذا أمن) إذا أراد التأمين، والله أعلم.\nقال في مرعاة المفاتيح: «لا حاجة إلى الجمع بين الروايتين؛ لأن الجمع والتوفيق فرع التعارض والتخالف، ولا تخالف بين الروايتين، فإن المراد بقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ أي وقال: آمين فقولوا آمين، أي\n_________\n(^١). انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٩٩).\n(^٢). معالم السنن (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":573},{"text":"مع تأمين الإمام، يدل عليه قوله ﷺ: فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. قال الحافظ: وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان. انتهى» (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). مرعاة المفاتيح (٣/ ١٢١).","vol":"2","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>المسألة السادسة في فوات التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* من السنن ما يفوت المقصود منه بفوات محله، ومنه التأمين على دعاء الفاتحة.\n* تدارك الفائت من السنن يحتاج إلى توقيف.\n* الإجماع على أن التأمين إذا ترك نسيانًا أو عمدًا لا يجبر بسجود السهو.\n[م-٥٦٩] إذا ترك التأمين ناسيًا، فذكره قبل قراءة السورة أَمَّن؛ لأن محل التأمين باقٍ لم يفت بعد.\nوإن ذكره بعد أن ركع لم يُؤَمِّن؛ لفوات محله بالاتفاق، ولا سهو عليه (^١).\nقال ابن القطان الفاسي: «لا أعلم أحدًا قال إن صلاة من ترك «آمين» فاسدة» (^٢).\nوقال في الموسوعة الكويتية: «المذاهب الأربعة على أن المصلي لوترك آمين، واشتغل بغيرها، لا تفسد صلاته، ولا سهو عليه؛ لأنه سنة فات محلها» (^٣).\nوإن ذكره بعد أن شرع في القراءة، فقولان:\nأحدهما: لا يؤمن، وهو مذهب الجمهور، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٤).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٢٢٦)، البحر الرائق (٢/ ١٠٦)، النوادر والزيادات (١/ ٣٥٥)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٤٢٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٢٩)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧٦)، مسائل أحمد رواية ابن هانئ (٢٤٧).\n(^٢). الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ١٥٣).\n(^٣). الموسوعة الكويتية (١/ ١١٥).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣٧٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٣)، شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ١٩٣).\nوقال الحجاوي في الإقناع (١/ ١٧٧): فإن ترك التأمين حتى شرع في قراءة السورة لم يعد إليه.","vol":"2","page":575},{"text":"الثاني: يؤمن، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية (^١).\nقال الماوردي: «لو تركه المصلي ناسيًا -يعني التأمين- ثم ذكره، فإن ذكره قبل قراءة السورة قاله، وإن ذكره بعد أخذه في الركوع تركه، ولو ذكره بعد أخذه في القراءة، وقبل اشتغاله بالركوع، ففي عوده إليه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه فيمن نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في القراءة، ولو تركه على الأحوال كلها أجزأته صلاته ولا سهو عليه» (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٢).\n(^٢). الحاوي الكبير (٢/ ١١٢).","vol":"2","page":576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المسألة السابعة في حكم الزيادة على التأمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الدعاء المقيد كالذكر المقيد لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يبدل بمثله؛ لحديث: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، قال: قل: وبنبيك الذي أرسلت.\n* ترك السنة أولى من الزيادة عليها أو النقص منها؛ لأن الترك أَذِنَ فيه الشرع حين لم يوجب الفعل بخلاف الزيادة والنقص فهو تبديل للسنة لم يأذن به الشارع.\n* الاقتصاد في السنة خير من الإحداث فيها؛ قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\n[م-٥٧٠] إن زاد على التأمين خارج الصلاة كما لو قال: آمين رب العالمين، فالأمر واسع.\nوأما الزيادة على التأمين داخل الصلاة ففيها خلاف:\nفقال الشافعي في الأم: «ولو قال مع: آمين رب العالمين وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا، لا يقطع الصلاة شيء من ذكر الله» (^١).\nقال النووي بعد أن نقل كلام الشافعي: «وقوله يدل على أنه لا بأس من أن يسأل العبد ربه في الصلاة كلها، في الدين والدنيا» (^٢).\nقلت: ذلك إنما يستحسن في المواضع التي أذن فيها بالدعاء بما شاء، كما في قوله ﷺ: ثم ليتخير من المسألة ما شاء، وكحديث: وأما الركوع فعظموا فيه الرب،\n_________\n(^١). الأم (١/ ١٣١)، تحفة المحتاج (٢/ ٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٠)، كفاية النبيه (٣/ ١٣١)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٤).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٧٣).","vol":"2","page":577},{"text":"وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء.\nولذلك لم يرتض العراقي مذهب أصحابه، فقال في طرح التثريب: «المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة من غير زيادة عليه اتباعًا للحديث» (^١).\nوقال ابن مفلح في الفروع: «وإن قال: آمين رب العالمين، فقياس قول أحمد لا يستحب ... لأنه قال في رواية ابن إبراهيم في الرجل يقول الله أكبر كبيرًا: قال ما سمعت» (^٢).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري: «ولا يستجب أن يصل آمين بذكر آخر، مثل أن يقول: آمين رب العالمين؛ لأنه لم تأت به السنة، هذا قول أصحابنا، وقال الشافعي: هو حسن» (^٣).\n* ويستدل للشافعية بأدلة منها:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٥٦) ما رواه الطبراني من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدثني أبي، عن أبي بكر النهشلي، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله اليحصبي،\nعن وائل بن حجر، أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] قال: رب اغفر لي آمين (^٤).\n[منكر، رواه حجر بن عنبس، عن وائل ولم يذكر هذه الزيادة، وسبق تخريجه] (^٥).\n_________\n(^١). طرح التثريب (٢/ ٢٦٩).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٧٦)، وانظر: المبدع (١/ ٣٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٠)، كشاف القناع (١/ ٣٩٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٢).\n(^٣). فتح الباري شرح البخاري (٧/ ٩٨).\n(^٤). المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٢).\n(^٥). رواه الطبراني كما في إسناد الباب حدثنا القاسم بن عباد الخطابي\nوأبو جعفر بن البختري في مجموع مصنفاته (٣٧٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٤) كلاهما (القاسم وأبو جعفر) روياه عن أحمد بن عبد الجبار به.\nفالعطاردي ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (١/ ١١٢)، وقال: ضعفه غير واحد.\nقال ابن عدي: رأيتهم مجمعين على ضعفه، ولا أرى له حديثًا منكرًا، إنما ضعفوه لأنه لم يَلْقَ الذين يحدث عنهم. وقال مطين: كان يكذب.\nوقال الدارقطني: لا بأس به، قد أثنى عليه أبو كريب، واختلف فيه شيوخنا، ولم يكن من أصحاب الحديث.\nوقال أبو حاتم: ليس بالقوي.\nوقال ابنه عبد الرحمن: كتبت عنه، وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه».\nوانظر تخريج حديث حجر بن عنبس (ح ١٤٣٣).","vol":"2","page":578},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٤٥٧) ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن عون بن عبد الله بن عتبة،\nعن ابن عمر، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا، يا رسول الله قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء. قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (^١).\nتابع أبا الزبير عمرو بن مرة، رواه النسائي من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله به (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٥٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (^٣).\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nقال الحافظ: «استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور، إذا\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٥٠ - ٦٠١).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٢٩٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩٩).","vol":"2","page":579},{"text":"كان غير مخالف للمأثور» (^١).\nولا يقصد الحافظ الجواز الدال على الإباحة، وإلا لما رتب الشارع على هذا الفعل هذا الثواب العظيم، والدرجة الرفيعة.\n* ونوقش هذا من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nبأن الحجة ليس في إحداثهما هذا الذكر، وإنما هو في إقرار النبي ﷺ لهما، فلو لم يقرهما النبي ﷺ لم يقبل منهما، وهذا باب قد أغلق بموت النبي ﷺ.\nالوجه الثاني:\nقد يقال: إن موضع دعاء الاستفتاح موضع يطلب فيه مطلق الحمد، ولهذا كثرت أدعية الاستفتاح وتنوعت، ومنها ما هو مشروع في صلاة الليل ومنها ما هو مشروع في الفريضة ومثله الحمد بعد الرفع من الركوع، بخلاف التأمين، فإن مواظبة النبي ﷺ وأصحابه على صفة واحدة لم تتغير في جميع الصلوات دليل على عدم مشروعية الزيادة.\nولأننا نقول لمن يزيد على التأمين: إن كنت تقصد بهذا الفعل بأنه أفضل وأكمل من المشروع المأثور من النبي ﷺ، كان ذلك استدراكًا على الشارع، وأن النبي ﷺ لم يهدنا إلى أفضل الطرق وأقومها، وكفى به ضعفًا لهذا القول، وإن كنت ترى أن الزيادة مرجوحة، وأن هدي النبي ﷺ أكمل فلا حاجة إلى فعله، وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.\nفالأذكار المقيدة توقيفية لا يجوز الزيادة عليها، ولا إبدالها، ولا النقص منها.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٨٧).","vol":"2","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الفصل الثاني في الأحكام المتعلقة بقراءة ما زاد على الفاتحة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>المبحث الأول في حكم قراءة ما زاد على الفاتحة للإمام والمنفرد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال رسول الله ﷺ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، مفهومه، أن من قرأ فاتحة الكتاب صحت صلاته، ولو لم يقرأ غيرها.\n* لا خلاف في مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة الصبح والأوليين من سائر الصلوات إلا لمأموم يسمع قراءة إمامه.\n* قال أبو هريرة: إن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير، متفق عليه، فيه دليل على جواز الاقتصار على الفاتحة.\n* حافظ النبي ﷺ على القراءة في الركعتين الأوليين، ولم ينقل أنه أَخَلَّ بذلك.\n* ما تعين من القراءة في الصلاة كالفاتحة فإنه يجب لها، وما لم يتعين من القراءة كسائر السور فإنه لا يجب.\n[م-٥٧١] اتفق الفقهاء على مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة الصبح، والأوليين من سائر الصلوات، واختلفوا في وجوبها:\nفذهب الجمهور إلى استحباب القراءة في الأوليين إلا لمأموم يسمع قراءة إمامه، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وكره الحنابلة الاقتصار على الفاتحة (^١).\n_________\n(^١). وأما إذا كان لا يسمع قراءة إمامه ففي قراءة المأموم خلاف تقدم بحثه في مباحث قراءة المأموم خلف الإمام.\nوالقراءة بعد الفاتحة من سنن الصلاة عند المالكية في الفرض، ومندوب في النفل، والتفريق بين السنة والندب تفريق اصطلاحي في المذهب، انظر: تفسير القرطبي (١/ ١٢٥)، مختصر خليل (ص: ٢٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ٧٦)، الثمر الداني (ص: ١٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٤).\nوانظر في مذهب الشافعية: الحاوي الكبير (٢/ ١١٢)، المهذب (١/ ١٤١)، نهاية المطلب (٢/ ١٥٣)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٤)، المجموع (٣/ ٣٨٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩١)، كفاية النبيه (٣/ ١٣٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، الإقناع (١/ ١١٨).","vol":"2","page":581},{"text":"جاء في المجموع: «قال الشافعي والأصحاب: يستحب أن يقرأ الإمام والمنفرد بعد الفاتحة شيئًا من القرآن في الصبح، وفي الأوليين من سائر الصلوات ... ثم قال: وإن كان مأمومًا ... فإن كان في صلاة يُسَرُّ فيها بالقراءة، أو في صلاة يُجْهَرُ فيها إلا أنه في موضع لا يسمع القراءة قرأ؛ لأنه غير مأمور بالإنصات» (^١).\nوقال القرطبي: «واختلف المذهب في قراءة السورة على ثلاثة أقوال: سنة، فضيلة، واجبة» (^٢).\nوقال القاضي عياض: «اخْتُلِفَ في حكمها عندنا -يعني قراءة ما زاد على الفاتحة- هل قراءتها سنة، أو مستحب، وخرج قول ثالث الوجوب» (^٣).\nقال النووي في شرح مسلم: «وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وهو شاذ مردود» (^٤).\nولعلهم يقصدون بالوجوب تأكيد السنية، قال العدوي: «والمراد بكون السنن واجبة أنها متأكدة» (^٥).\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٨٥).\n(^٢). تفسير القرطبي (١/ ١٢٥).\n(^٣). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٧٨).\n(^٤). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٥).\n(^٥). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ١٦٤).\nوقال في كفاية الطالب (٢/ ٤٠٠): «والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة، وما زاد عليها سنة واجبة». علق العدوي في حاشيته على قوله: (سنة واجبة) فقال: أي مؤكدة.\nوقال في الفواكه الدواني (٢/ ٢٦٧): «(وما زاد عليها) فقراءته على الإمام والفذ في الفريضة (سنة واجبة) أي مؤكدة». اهـ\nفواضح أن هذا اصطلاح، ولم يقصدوا بالوجوب الوجوب الاصطلاحي، وهو ما أمر به شرعًا على سبيل الإلزام. وانظر: شرح التنوخي على الرسالة (٢/ ٤٢٤)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٣).\nوقد يقال: إن هذا التأويل يصح إذا جاء الجمع بين السنية والوجوب، أما إذا حكي السنية، وجعل الوجوب في مقابلته، فلا يصح التأويل بحمله على تأكيد السنية، والله أعلم.","vol":"2","page":582},{"text":"وقال الحنفية: قراءة ما زاد على الفاتحة في الأوليين واجبة، وهو رواية عن أحمد (^١).\nقال في تحفة الفقهاء: «وأما واجبات الصلاة فثمانية: قراءة الفاتحة والسورة في الأوليين، فأما مقدار المفروض: فآية واحدة عند أبي حنيفة، وعندهما: آية طويلة، أو ثلاث آيات قصيرة» (^٢).\nوقال الحافظ في الفتح: «صح إيجاب ذلك عن بعض الصحابة كما تقدم، وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعض الحنفية وابن كتانة من المالكية، وحكاه القاضي الفراء الحنبلي في الشرح الصغير رواية عن أحمد» (^٣).\nوقال القرطبي: «أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة، أو لغير ضرورة، منهم عمران بن حصين، وأبو سعيد الخدري، وخوات بن جبير، ومجاهد، وأبو وائل، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن، فمنهم من حد آيتين، ومنهم من حد آية، ومنهم من لم يحد، وقال: شيء من القرآن معها، وكل هذا موجب لتعلم ما تيسر من القرآن\n_________\n(^١). القراءة في مذهب الحنفية على قسمين: الأول: فرض (أي ركن) وهذا لا يتعين في سورة معينة، ومقدار الفرض على قول أبي حنيفة آية، ولو قصيرة، وعلى قول صاحبيه، أبي يوسف ومحمد: آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.\nوالثاني: قراءة واجبة، وهو قراءة الفاتحة، وضم سورة معها، فلو ترك ذلك، واقتصر على مقدار الفرض، فإن كان عامدًا فقد أساء، وصلاته صحيحة، وإن كان ساهيًا سجد للسهو.\nانظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٩٤)، درر الحكام (١/ ٦٩)، المبسوط للسرخسي (١/ ١٩)، تحفة الفقهاء (١/ ٩٦، ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ١١١، ١٦٠)، كنز الدقائق (ص: ١٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٥)، الإنصاف (٢/ ١٢٠)، الفروع (٢/ ١٧٩).\n(^٢). تحفة الفقهاء (١/ ٩٦).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٥٢).","vol":"2","page":583},{"text":"على كل حال مع فاتحة الكتاب، لحديث عبادة وأبي سعيد الخدري وغيرهما» (^١).\nولا يصح شيء من هذه الآثار التي ذكرها القرطبي عليه رحمة الله، وإذا روى الصحابي حديثًا مرفوعًا، فلم يصح، أو روي عنه قول ولم يثبت عنه، فلا يصح أن يؤخذ من هذا الأثر الضعيف قول فقهي ينسب لراويه، حتى يصح ما رواه أو ما روي عنه، ولم يرو عنه خلافه، ولو صح ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي سعيد لم نتجاوز قولهم إلى قول جمهور الفقهاء، فإن قول الصحابي إن لم يكن حجة، فهو من المرجحات، وستعرف من خلال البحث أن هذه الآثار ضعيفة، وأكثرها ضعيف جدًّا، وما صح منها فليس صريحًا في دلالته.\nوعلى تقدير صحة هذه الأقوال عن الصحابة فإن الصحابة قد اختلفوا وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهم بأولى من قول الآخر، وقد خالف أبو هريرة فذهب إلى جواز الاقتصار على أم القرآن، وأثره في الصحيحين، وهو أصح من هذه الآثار.\nوالخلاصة أن الأقوال في المسألة ترجع إلى قولين: السنية، والوجوب.\nوأما القول بأنها مستحبة أو فضيلة، فهذا تقسيم خاص للسنن عند بعض الفقهاء، ولا مشاحة في الاصطلاح.\n* أدلة الجمهور على استحباب القراءة بعد الفاتحة في الأوليين:\nالدليل الأول:\nالإجماع، حكاه طائفة من أهل العلم.\nقال النووي في التبيان: «وأجمعوا على استحباب قراءة السورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح، والأوليين من باقي الصلوات» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة في الركعتين من كل صلاة. لا نعلم في هذا خلافًا» (^٣).\nوقال الزركشي: «أما قراءة السورة بعد الفاتحة فسنة مجمع عليها» (^٤).\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ١٢٥).\n(^٢). التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ١٢٧).\n(^٣). المغني (١/ ٤٠٨).\n(^٤). شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٥٢).","vol":"2","page":584},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٤٥٩) وروى البخاري من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الركعة الأولى.\nورواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٦٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا يحيى بن حبيب، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن مقسم،\nعن جابر - وذكر قصة معاذ- وقال النبي ﷺ للفتى: كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ: إني ومُعَاذًا حول هاتين، أو نحو هذا (^٢).\n_________\n(^١). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.\n(^٢). سنن أبي داود (٧٩٣).","vol":"2","page":585},{"text":"[انفرد بقوله: (أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة) ابن عجلان، عن عبيد الله ابن مقسم، عن جابر، وحديث جابر في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة] (^١).\n_________\n(^١). الحديث رواه أبو داود (٧٩٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٦٦)، وفي القراءة خلف الإمام (١٧٦).\nوابن خزيمة (١٦٣٤)، والبغوي في شرح السنة (٦٠١) من طريق خالد بن الحارث، عن ابن عجلان به.\n\nوقد تفرد بهذا الحرف، أعني ذكر الاقتصار على الفاتحة ابن عجلان، وأرى أن هذا اللفظ ليس محفوظًا في حديث جابر.\nفإن قيل: إن ابن عجلان رجل صدوق، وإنما اختلطت عليه أحاديث سعيد بن أبي سعيد المقبري بأحاديث أبيه عن أبي هريرة، وهذا ليس منها، فالجواب:\nالأول: الثقة إذا خالف من هو أوثق منه لم يقبل، فما بالك بالصدوق، وقد تجنب البخاري أحاديث ابن عجلان، وروى له مسلم ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد.\nوقد روى الحديث كل من:\nعمرو بن دينار كما في صحيح البخاري (٧٠٠، ٧٠١، ٧١١، ٦١٠٦)، ومسلم (٤٦٥)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nومحارب بن دثار، كما في صحيح البخاري (٧٠٥)، وأكتفي بالبخاري.\nوأبي الزبير. كما في صحيح مسلم (١٧٩ - ٤٦٥)، وأكتفي بصحيح مسلم عن غيره.\nوأبي صالح الزيات مقرونًا بمحارب بن دثار، كما في سنن النسائي (٨٣١)، أربعتهم (عمرو ابن دينار، وأبو الزبير، ومحارب بن دثار، وأبو صالح) رووه عن جابر ﵁، وليس فيه ما ذكره ابن عجلان.\nالثاني: أن الحديث رواه الليث بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان، وحاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان، ولم يذكروا هذا الحرف، وقد يقال: إن ابن عجلان ربما اختصره، هذا احتمال.\nفأما رواية الليث بن سعد، عن ابن عجلان:\nفرواها ابن حبان في صحيحه (٢٤٠١)، بلفظ: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصليها لهم، وكان إمامهم.\nأما رواية يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان:\nفرواها أحمد (٣/ ٣٠٢)، وأبو داود (٥٩٩)، وابن خزيمة (١٦٣٣)، وابن حبان (٢٤٠٤)، والسراج في حديثه (١٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٢١) بلفظ: (أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء، ثم يأتي قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة).\nوأما رواية حاتم بن إسماعيل:\nفأخرجها أبو العباس السراج في حديثه (١٦٩)، بلفظ: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ =","vol":"2","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العشاء، ثم يأتي قومه فيؤمهم.\nفهؤلاء رووا الحديث عن ابن عجلان، ولم يذكروا ما ذكره خالد بن الحارث عنه، ولا أرى الحمل على خالد بن الحارث، فإنه ثقة، وإنما الحمل في الحديث على ابن عجلان، والله أعلم.\nالثالث: أن ابن عجلان مدني، وعبيد الله بن مقسم مدني، ومع ذلك فلا يُحْفَظُ لابن عجلان كبير حديث عنه، وكل ما يرويه عن عبيد بن مقسم مرفوعًا ثلاثة أحاديث،\nالأول: حديثنا هذا، وفيه تفرد في الإسناد حيث لم يروه عن عبيد الله بن مقسم إلا ابن عجلان، وتفرد في المتن حيث لم يذكر غيره الاقتصار على الفاتحة في لفظ الحديث. ... الحديث الثاني: حديث الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين، وعامتهم. وقد ضعفه البخاري والدارقطني من حديث أبي هريرة، وصححوه من مسند تميم الداري.\nفقد رواه النسائي في المجتبى (٤٢٠٠)، وفي الكبرى (٧٧٧٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤٤٠، ٢٨٨٩)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٤/ ١٤٠)، من طريق إسماعيل بن جعفر،\nورواه البخاري في التاريخ الأوسط (١٦٩٨)، والطبراني في الأوسط (٣٧٦٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٩٤)، وابن زنجويه في الأموال (٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٧٥٤)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (٧)، من طريق سليمان بن بلال،\nكلاهما عن ابن عجلان، عن القعقاع، وعن سمي، وعن عبيد الله بن مقسم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن مقسم إلا ابن عجلان، ولا عن ابن عجلان إلا سليمان بن بلال. اهـ\nقلت: تابع إسماعيل بن جعفر ابن بلال، والله أعلم.\nلكن هذا الحديث معلول، وقد اختلف في إسناده،\nفقيل: عن ابن عجلان، عن القعقاع، وعبيد الله بن مقسم، وسمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nوقيل: عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقيل: عن مالك، عن سهيل، عن عطاء، عن تميم الداري، عن النبي ﷺ.\nوقال: هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ.\nذكر ذلك الإمام البخاري في التاريخ الأوسط، ثم قال: مدار هذا الحديث كله على تميم، ولم يصح عن أحد غير تميم.\nوقال في التاريخ الكبير بعد أن ذكر الاختلاف في إسناده (٢٩٩٠): فدار الحديث على تميم الداري.\nوقال الدارقطني في الغرائب والأفراد كما في أطرافه (٥٦٩٣): تفرد به محمد بن عجلان، عن سمي، وعبيد الله بن مقسم، والقعقاع، عن أبي صالح.\nوقال الدارقطني في العلل بعد أن ساق الاختلاف في إسناده، قال: (١٠/ ١١٥): والصواب =","vol":"2","page":587},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٤٦١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا حنظلة السدوسي، قال: قلت لعكرمة: إني أقرأ في صلاة المغرب قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وإنَّ ناسًا يعيبون ذلك عَلَيَّ؟ فقال: «وما بأس بذلك؟ اقرأهما فإنهما من القرآن. ثم قال:\nحدثني ابن عباس، أن رسول الله ﷺ، جاء فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بأم الكتاب (^١).\n[ضعيف، تفرد به حنظلة السدوسي] (^٢).\n_________\n= حديث تميم. اهـ فهذا الحديث معلول من حديث ابن عجلان عن عبيد الله بن مقسم.\nوالحديث الثالث: حديث لا غول.\nرواه أبو داود (٣٩١٣)، والطبري في تهذيب الآثار (٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٠٨، ٣٠٩)، وفي مشكل الآثار على إثر ح (٢٨٨٦) من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، وعبيد الله بن مقسم، وزيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nفجمع ابن عجلان شيوخه في هذا الحديث كما جمعهم في حديث الدين النصيحة. هذا كل ما وقفت عليه من حديث ابن عجلان عن ابن مقسم مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nلهذا لا يمكن الجزم بأن زيادة الاقتصار على الفاتحة محفوظة من حديث جابر، والله أعلم.\n\n(^١). مسند أحمد (١/ ٢٨٢).\n(^٢). رواه حنظلة السدوسي، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبد الوارث بن سعيد، كما في مسند أحمد (١/ ٢٨٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥١٣)، وفضائل القرآن لابن الضريس (٢٨٤)، ومسند الحارث كما في زوائد مسند الحارث (١٧٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٩)، والقراءة خلف الإمام له (١٤)، المخلصيات لأبي طاهر المخلص (٦٥٥ - ٤٠).\nوعبد الملك بن الخطاب (فيه جهالة)، كما في الكامل لابن عدي (٣/ ٣٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٩٠)، وتاريخ بغداد ت بشار (١٣/ ٣٧٣)، كلاهما عن حنظلة السدوسي، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nقال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٥٤) عبد الملك بن خطاب بن عبد الله بن أبي بكرة العقيلي، مُقِلٌّ جدًّا، تفرد عن حنظلة السدوسي بهذا، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بالفاتحة». اهـ ولم يتفرد، بل هو من حديث عبد الوارث عن حنظلة، أشهر منه من حديث عبد الملك بن خطاب، عن حنظلة. =","vol":"2","page":588},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٤٦٢) ما رواه الدارقطني من طريق محمد بن خلاد الإسكندراني، حدثنا أشهب بن عبد العزيز، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع،\nعن عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ، قال: أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها بعوض.\nقال الدارقطني: تفرد به محمد بن خلاد، عن أشهب، عن ابن عيينة والله أعلم (^١).\n[منكر] (^٢).\n_________\n= وخالفهما كل من:\nالقاسم بن مالك كما في مسند أحمد (١/ ٢٤٣)، ومسند أبي يعلى (٢٥٦١)، والمعجم الكبير (١٢/ ٢٤٩) ح ١٣٠١٦.\nوأبي بحر البكراوي، كما في مسند البزار (كشاف الأستار) (٤٩٠)، والكامل لابن عدي (٣/ ٣٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٩٠)، كلاهما روياه عن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس.\n\nقال البزار كما في كشف الأستار (٤٩٠): لا نعلم أحدًا رفعه غير ابن عباس، ولا عنه إلا شهر، ولا عنه إلا حنظلة، وشهر تكلم فيه جماعة من أهل العلم، ولا نعلم أحدًا ترك حديثه.\nقال ابن عدي عن حنظلة في الكامل: وإنما أنكر من أنكر رواياته لأنه كان قد اختلط في آخر عمره، فوقع الإنكار في حديثه بعد اختلاطه.\nوعبد الحق الإشبيلي كما في الأحكام الوسطى (١/ ٣٨٩): «حنظلة هذا اختلط فوقع الإنكار في حديثه فضعف من أجل ذلك».\nونقل كلامه ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٣١)، وقال: «هذا كما ذكر، ولكن بقي عليه أن يبين أنه من رواية عبد الملك بن خطاب بن عبد الله بن أبي بكرة، عن حنظلة المذكور. وعبد الملك لا يعرف بأكثر من رواية محمد بن عبد العزيز الرَّمْلِيِّ، وعبد الله بن المفضل العلاف عنه، وحاله مجهولة».\n\n(^١). سنن الدارقطني (١٢٢٨).\n(^٢). ومن طريق محمد بن خلاد الإسكندراني، رواه الحاكم في المستدرك (٨٦٧)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢١).\nقال الحاكم: «قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث عن الزهري من أوجه مختلفة بغير هذا اللفظ، ورواة هذا الحديث أكثرهم أئمة، وكلهم ثقات على شرطهما، ولهذا الحديث =","vol":"2","page":589},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= شواهد بألفاظ مختلفة لم يخرجاه وأسانيدها مستقيمة».\nقلت: لم يخرج الشيخان لأشهب ولا لمحمد بن خلاد.\nوأشهب وإن كان ثقة إلا أنه لا يعرف له رواية عن ابن عيينة إلا في هذا الحديث الغريب إسنادًا ومتنًا، وقد تفرد به عنه محمد بن خلاد الإسكندراني، وقد قال فيه ابن يونس: يروي مناكير.\nوقد خالف أصحاب ابن عيينة من الطبقة الأولى ممن روى عنه هذا الحديث، فلم يذكروا هذا ا للفظ، منهم:\nالأول: ابن المديني عند البخاري (٧٥٦)، والسن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٣).\nالثاني: إسحاق بن راهويه، كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\nالثالث: ابن أبي شيبة كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦١٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٨٢).\nالرابع: الإمام أحمد كما في المسند (٥/ ٣١٤).\nالخامس: الحميدي، كما في مسنده (٣٩٠)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٦٤)، والسن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٨).\nالسادس: الشافعي، كما في المسند (ص: ٣٦).\nالسابع: محمد بن منصور كما في المجتبى من سنن النسائي (٩١٠)، والسنن الكبرى له (٩٨٤).\nالثامن: ابن أبي عمر وعلي بن حجر كما في سنن الترمذي (٢٤٧).\n\nالتاسع: هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، وإسحاق بن إسماعيل كما في سنن ابن ماجه (٨٣٧).\nالعاشر: عبد الجبار بن العلاء كما في صحيح ابن خزيمة (٤٨٨)، وسنن الدارقطني (١٢٢٥).\nالحادي عشر والثاني عشر، والثالث عشر: ابن المقرئ ومحمود بن آدم وعلي بن خشرم كما في المنتقى لابن الجارود (١٨٥).\nالرابع عشر: حجاج بن منهال كما في المسند للشاشي (١٢٧٧)،\nالخامس عشر والسادس عشر: سوار بن عبد الله العنبري، ومحمد بن عمرو بن سليمان، كما في سنن الدارقطني (١٢٢٥).\nالسابع عشر: الحسن بن محمد الزعفراني كما في سنن الدارقطني (١٢٢٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، والقراءة خلف الإمام للبيهقي (١٧).\nالثامن عشر: عبد الله بن عمر بن أبان كما في شعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٤٧)، كل هؤلاء وغيرهم رووه عن سفيان بن عيينة به، ولم يقل واحد منهم هذا اللفظ الذي رواه أشهب، تفرد به عنه محمد بن خلاد.\nكما أنه مخالف لكل من رواه عن الزهري من غير طريق ابن عيينة، فلا يشك الباحث بنكارة هذا اللفظ، وأن المحفوظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهو لفظ الصحيحين، والله أعلم.","vol":"2","page":590},{"text":"الدليل السادس:\n(ث-٣٥٩) من الآثار، ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء،\nأنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسْمَعْنَاكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (^١).\n* دليل الحنفية على وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٦٣) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^٢).\nوروى البخاري من حديث مالك بن الحويرث أنه قال: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nوجه الاستدلال:\nقال القدوري في التجريد: إن هذا يقتضي وجوب الفعل على الجهة التي\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٧٢)، وصحيح مسلم (٤٣ - ٣٩٦).\n(^٢). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.","vol":"2","page":591},{"text":"فعلها ﵇ (^١).\n* ويناقش:\nبأن الحنفية فرقوا بين قراءة الفاتحة في الأوليين فقالوا بوجوبها، وأما القراءة في الأخريين، فقالوا: إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وحديث أبي قتادة حديث واحد، فإن أفاد الوجوب في الأوليين أفاد الوجوب في الأخريين، وإلا فلا يجب التفريق في الحكم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٦٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وابن السرح، قالا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع،\nعن عبادة بن الصامت، يبلغ به النبي ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدًا (^٢).\n[زيادة: (فصاعدًا) زيادة شاذة] (^٣).\n_________\n(^١). التجريد القدوري (٢/ ٥٠٥).\n(^٢). سنن أبي داود (٨٢٢).\n(^٣). زيادة (فصاعدًا) زيادة شاذة، اختلف فيها على سفيان بن عيينة:\nفروى الحديث قتيبة بن سعيد (ثقة)، واختلف عليه فيه:\nفرواه أبوداود، كما في السنن (٨٢٢)، عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان بن عيينة به، بزيادة: (فصاعدًا).\nورواه البخاري في القراءة خلف الإمام (١٨٨)،\nوأبو نعيم في مستخرجه (٨٧٠) من طريق الفريابي، كلاهما عن قتيبة، قال: حدثنا سفيان به، وليس فيه قوله: (فصاعدًا).\nورواه ابن السرح (أحمد بن عمرو ثقة) كما في سنن أبي داود (٨٢٢)،\nوعبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي كما في الكشف والبيان لأبي إسحاق الثعلبي (٢١٩) كلاهما عن سفيان، عن الزهري به، بزيادة: (فصاعدًا) في آخره.\nورواه أصحاب سفيان بن عيينة، والطبقة الأولى من أصحابه فلم يذكروها منهم:\nالأول: الإمام أحمد بن حنبل، كما في المسند (٥/ ٣١٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٧٠)\nالثاني: الإمام الحميدي، كما في مسنده (٣٩٠)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٦٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٧٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، وفي القراءة خلف الإمام له (١٨، ١٩)، وفي المعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٣٥٦).\nالثالث: الإمام الشافعي، كما في مسنده (ص: ٣٦)، ومن طريقه البيهقي في معرفة السنن =","vol":"2","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٢/ ٣٥٣)، ولو خالف هؤلاء أحمد والحميدي والشافعي لحكم بشذوذ روايتهم.\nالرابع: علي بن المديني، كما في صحيح البخاري (٧٥٦)، والقراءة خلف الإمام له (٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٣٣).\nالخامس: ابن أبي شيبة، كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤)، وهو في المصنف (٣٦١٨)، وصحيح ابن حبان (١٧٨٢)، ومستخرج أبي نعيم (٨٧٠).\n\nالسادس والسابع: عمرو الناقد، وإسحاق بن راهويه، كما في صحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤)،\nالثامن: ابن أبي عمر العدني، كما في سنن الترمذي (٢٤٧).\nالتاسع: علي بن حجر كما في سنن الترمذي (٢٤٧)، وفضائل القرآن للمستغفري (٦٦٣).\nالعاشر، والحادي عشر والثاني عشر: هشام بن عمار، وسهل بن زنجلة أبي سهل، وإسحاق بن إسماعيل الأيلي، كما في سنن ابن ماجه (٨٣٧).\nالثالث عشر: محمد بن منصور، كما في المجتبى من سنن النسائي (٩١٠)، وفي الكبرى له (٩٨٤، ٧٩٥٥).\nالرابع عشر: حجاج بن منهال، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (٥)، وفي خلق أفعال العباد (ص: ١٠٦)، ومسند الشاشي (١٢٧٧).\nالخامس عشر: ابن المقرئ (محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ)، كما في المنتقى لابن الجارود (١٨٥)، ومستخرج الطوسي (٢٢٩).\nالسادس عشر: أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في القراءة خلف الإمام للبخاري (٥٥).\nالسابع عشر والثامن عشر: محمود بن آدم، وعلي بن خشرم، كما في المنتقى لابن الجارود (١٨٥).\nالتاسع عشر: عبد الجبار بن العلاء، كما في صحيح ابن خزيمة (٤٨٨)، وسنن الدارقطني (١٢٢٥).\nالعشرون إلى الثالث والعشرين: الحسن بن محمد، وأحمد بن عبدة، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، ومحمد بن الوليد القرشي، كما في صحيح ابن خزيمة (٤٨٨). ...\nالرابع والعشرون والخامس والعشرون: عبد الله بن محمد الزهري البصري، وعلي بن مسلم الطوسي، كما في مستخرج الطوسي (٢٢٩).\nالسادس والعشرون: هارون بن عبد الله كما في حديث السراج، (٢٥٠٦، ٢٥٥٩).\nالسابع والعشرون: معلى بن منصور، كما في مسند الشاشي (١٢٧٨)،\nالثامن والعشرون والتاسع والعشرون والثلاثون: سوار بن عبد الله العنبري، ومحمد بن عمرو بن سليمان، وزياد بن أيوب، كما في سنن الدارقطني (١٢٢٥).\nالحادي والثلاثون: الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، كما في مستخرج الطوسي (٢٢٩)، وسنن الدارقطني (١٢٢٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٦)، وفي شعب الإيمان (٢٨٦٦)، وفي القراءة خلف الإمام له (١٧).\nالثاني والثلاثون: عبد الله بن عمر بن أبان، كما في شعار الحديث لأبي أحمد الحاكم (٤٧)، =","vol":"2","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفي الأربعين لأبي البركات (ص: ١١٥).\nالثالث والثلاثون: أبو خيثمة زهير بن حرب، كما في مستخرج أبي نعيم (٨٧٠).\nالرابع والثلاثون: عثمان بن أبي شيبة، كما في مستخرج أبي نعيم (٨٧٠)\nالخامس والثلاثون: عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي كما في مستخرج أبي نعيم (٨٧٠).\nفكل هؤلاء الثقات لم يذكر أحد منهم قوله: (فصاعدًا) فلا يشك الباحث في شذوذ هذا الحرف من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري.\nفإن قيل: ألا يشهد لرواية ابن عيينة من رواية قتيبة وابن أبي السرح وعبد الرحمن بن بشر، رواية معمر عن الزهري بزيادة (فصاعدًا).\nفالجواب: أن الرواية الشاذة عند أهل الحديث هي من قبل الوهم، لا يعتبر لها، ولا يعتبر بها، فوجودها كعدمها، وكيف يعتبر لها مع مخالفتها خمسة وثلاثين راويًا رووه عن ابن عيينة من دونها على رأسهم: الإمام أحمد والحميدي وابن المديني، والشافعي وابن راهويه، وغيرهم ممن وقفت عليهم في التخريج السابق.\nكما أن رواية معمر هي رواية شاذة أيضًا، خالف فيها معمر ابن عيينة، وصالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، وغيرهم، وإليك تخريج مروياتهم:\nالأول: معمر، عن الزهري:\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٢٣)، وعنه أحمد (٥/ ٣٢٢)، ومسلم (٣٧ - ٣٩٤)، والسراج في حديثه (٢٥٠٧، ٢٥٦٠)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٦٥)، وابن حبان في صحيحه (١٧٨٦، ١٧٩٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٣)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٧)، وفي جزء محمد بن يحيى الذهلي (٥)، وفي فضائل القرآن للمستغفري (٦٦٤).\nوالبخاري في خلق أفعال العباد (ص: ١٠٦) من طريق وهيب.\nوالنسائي في المجتبى (٩١١)، وفي الكبرى (٩٨٥)، من طريق عبد الله بن المبارك، ثلاثتهم (عبد الرزاق، ووهيب، وابن المبارك) رووه عن معمر، عن ابن شهاب به، بزيادة (فصاعدًا).\nقال البخاري في القراءة خلف الإمام (ص: ٢): «عامة الثقات لم يتابع معمرًا في قوله: (فصاعدًا) مع أنه قد أثبت فاتحة الكتاب. وقوله: (فصاعدًا) غير معروف ما أراد به حرفًا أو أكثر من ذلك؟ إلا أن يكون كقوله: (لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا) فقد تقطع اليد في دينار وفي أكثر من دينار.\nوقال ابن حبان: قوله: (فصاعدًا) تفرد به معمر، عن الزهري دون أصحابه.\nفإن قيل: إخراج مسلم لها، أليس ذهابًا منه إلى تصحيحها؟\nفالجواب: لا يدل على ذلك، حيث ساق مسلم رواية ابن عيينة بتمامها، ثم ثنى برواية يونس وساقها بتمامها، ثم أعقب ذلك برواية صالح بن كيسان، وساقها بتمامها.\nثم قال مسلم بعد ذلك: وحدثناه إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد مثله وزاد فصاعدًا. =","vol":"2","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرها في الذكر، ولم يذكر الرواية بتمامها، وإنما اقتصر فيه على ما خالف فيه معمر رواية مَنْ سَبَقَه، فهو يشعر بإعلاله لرواية معمر، وهذه طريقة مسلم في عرضه للروايات المختلفة.\nالثاني: عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري.\nرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٩) من طريق بشر بن المفضل، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، فذكره، نحو حديث معمر، أي بزيادة قوله: (فصاعدًا).\nوإسناد البيهقي إلى عبد الرحمن صحيح، إلا أن عبد الرحمن وإن كان لا بأس به، فقد ذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين.\nوقال أحمد: حدث عن الزهري بأحاديث كأنه أراد تفرد بها.\nوقال في رواية أبي طالب: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة، وكان يحيى لا يعجبه، قلت: كيف هو؟ قال: صالح الحديث.\nووثقه ابن معين، وقال في موضع آخر: صويلح.\nوقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوقال البخاري: ويقال: إن عبد الرحمن بن إسحاق تابع معمرًا، وإن عبد الرحمن ربما روى عن الزهري، ثم أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا؟\nوقال أيضًا: ليس ممن يعتمد على حفظه، إذا خالف من ليس دونه. اهـ\nوقد خالف عبد الرحمن يونس وابن عيينة، وصالح بن كيسان وغيرهم، فزيادته شاذة، والله أعلم.\nالثالث والرابع: الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة.\nرواه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠) من طريق عبد الله بن محمد بن بشر بن صالح الدينوري الحافظ، حدثنا أحمد بن هارون المستملي المصيصي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، فيه عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري حافظ مفسر إلا أنه مجروح، جرحه الدارقطني، فقال كما في رواية البرقاني عنه: متروك الحديث،\nوقال الدارقطني في سؤالات السلمي (٢١٦): كان يضع الحديث. انظر مختصر تاريخ دمشق (١٣/ ٣٣٩)، المغني في الضعفاء (٣٣٤٦)، واتهمه ابن عقدة.\nوقال ابن عدي: كان يحفظ، وسمعت عمر بن سهيل يرميه بالكذب. ميزان الاعتدال (٢/ ٤٩٤).\nوقال ابن عدي: وقد قبل الدينوري قوم وصدقوه.\nوقال الذهبي: ما عرفت له متنًا يتهم فيه، أما في تركيب الإسناد فلعله.\nوأحمد بن هارون قال فيه ابن عدي: يروي مناكير عن قوم ثقات، لا يتابع عليه أحد، وذكره ابن حبان في الثقات. ... فأنت ترى أن زيادة (فصاعدًا) جاءت من طريق معمر، وعبد الرحمن بن إسحاق، ولم يختلف عليهما في ذكر هذا الحرف، وأما الرواية عن سفيان فلا تثبت، فقد رواه عنه أكثر من خمسة =","vol":"2","page":595},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وثلاثين راويًا، لم يذكروا هذا الحرف في حديثه، على رأسهم الطبقة الأولى من أصحابه، ومن روى عنه هذا الحرف قتيبة بن سعيد، وقد اختلف عليه، وابن أبي السرح، وعبد الرحمن بن بشر، وهؤلاء لا يقارنون بالحميدي وأحمد، والشافعي وابن المديني وغيرهم.\nوقد روى حديث الزهري من دون هذا الحرف يونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وإليك تخريج مروياتهما.\nأما رواية يونس بن يزيد، عن الزهري:\nفرواه البخاري في القراءة خلف الإمام (٦) من طريق الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن. انتهى القدر المرفوع منه.\nورواه مسلم (٣٥ - ٣٩٤)، وأبو عوانة (١٦٦٧)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٧١)، والدارقطني في سننه (١٢٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٨٩)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٢)، من طريق ابن وهب، وهو في جامع ابن وهب (٣٥٨).\nوالطحاوي في أحكام القرآن (٥١١) حدثنا يونس (هو ابن عبد الأعلى).\nوالشاشي في مسنده (١٢٧٦) من طريق أصبغ بن الفرج، كلهم عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب به.\nلفظ مسلم: (لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن)، ولفظ الباقي: (لمن لم يقرأ).\nورواه عثمان بن عمر، واختلف عليه:\nفرواه الدارمي في سننه (١٢٧٨)\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢٣) من طريق الحسن بن مكرم، كلاهما (الدارمي وابن مكرم) عن عثمان بن عمر، حدثنا يونس به، بلفظ الجماعة: من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له، هذا لفظ الدرامي، ولفظ البيهقي: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.\nورواه البيهقي في القراة خلف الإمام (١٣٤، ١٣٥) من طرق عن محمد بن سليمان بن فارس، حدثني أبو إبراهيم محمد بن يحيى الصفار -وكان جارنا- حدثنا عثمان بن عمر به، بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام).\nقال أبو الطيب محمد بن أحمد الذهلي: قلت لمحمد بن سليمان: خلف الإمام؟ قال: خلف الإمام.\nوزيادة (خلف الإمام) وهم، لم تَأْتِ إلا في هذا الطريق، وإن صحح إسنادها البيهقي، وقال: الزيادة التي فيه كالزيادة التي في حديث مكحول، يعني: لا تفعلوا إلا بأم القرآن.\nولم تصح زيادة مكحول حتى تصح هذه الزيادة، والله أعلم.\nوأما رواية صالح بن كيسان:\nفرواها أحمد (٥/ ٣٢١)، ومسلم (٣٧ - ٣٩٤)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (٣)، وفي خلق أفعال العباد (١٠٦)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٦٦٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٧٢)، والشاشي في مسنده (١٢٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢٣)، وفي القراءة خلف الإمام له (٢٤)، من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به، بلفظ: أن محمود ابن الربيع، الذي مَجَّ رسول الله ﷺ في وجهه من بئرهم مرتين، أخبره، أن عبادة بن الصامت أخبره أن: رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن. والله أعلم.","vol":"2","page":596},{"text":"* ويناقش:\nبأن الحديث دليل على جواز الاقتصار على أم القرآن، لأن كلمة (فصاعدًا) هو لتوكيد ألا تنقص القراءة عن مقدار الفاتحة، لا لوجوب ما زاد عليها، كما في قوله: القطع في ربع دينار فصاعدًا، فالحكم معلق بربع الدينار، فإن نقص سقط القطع، ولا يفيد اشتراط الزيادة على ربع الدينار.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٦٥) روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان من طريق إبراهيم بن أيوب الفرساني، عن أبي مسلم، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر،\nعن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها (^١).\n[ضعيف جدًّا تفرد به عن الأعمش أبو مسلم الجعفي، وهو متروك] (^٢).\nقال السرخسي: «ونحن نوجب العمل بهذا الخبر حتى لا نأذن له بالاكتفاء بالفاتحة في الأوليين ولكن لا نثبت الركنية به» (^٣).\nيقصد السرخسي أنهم يحملون الحديث على الوجوب دون الركنية.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٦٦) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد، أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (^٤).\n[رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة] (^٥).\n_________\n(^١). تاريخ أصبهان (١/ ٢١٣)، و(٢/ ٣٠٥).\n(^٢). في إسناده قائد الأعمش أبو مسلم عبيد الله بن سعيد الجعفي، قال البخاري: في حديثه نظر.\nوقال أبو عبيد الأجري، عن أبي داود: قائد الأعمش عنده أحاديث موضوعة.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ١٤٧)، وقال: يخطئ.\nوذَكَره ابن حبان في الضعفاء، وَقَال: كثير الخطأ فاحش الوهم، ينفرد عن الأعمش وغيره بما لا يتابع عليه.\nوقال العقيلي: وهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه.\n(^٣). المبسوط (١/ ١٩)، وانظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٧).\n(^٤). المسند (٣/ ٣، ٤٥، ٩٧).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر: ح (١٣٨٦).","vol":"2","page":597},{"text":"فإن قيل: إن لم يصح مرفوعًا، فقد صح موقوفًا، وهو كافٍ في الاستدلال.\nفالجواب:\nأن قول الصحابي كافٍ في الاستدلال بشرطين:\nأحدهما: ألا يخالف مرفوعًا، فظاهره مخالفة هذا الأثر لحديث عبادة بن الصامت المتواتر: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فإن مفهومه: أن من قرأ فاتحة الكتاب فقد صحت صلاته، والمفهوم حجة عند الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الشرط الثاني: ألا يخالفه غيره من الصحابة</span>،\n(ث-٣٦٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء،\nأنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (^١).\nوإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما بأولى من قول الآخر، فيطلب المرجح من دليل آخر.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (^٢).\n[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (^٣).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٤٦٨) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق عُلَيْلَة بن بدر، عن سعيد\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٧٢)، وصحيح مسلم (٤٣ - ٣٩٦).\n(^٢). المسند (٢/ ٤٢٨).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر ح (١٣٧٠).","vol":"2","page":598},{"text":"الجُرَيْرِي، عن أبي العلاء، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير،\nعن عمران بن حصين، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١). الكامل (٤/ ٣٤).\n(^٢). ورواه الخطيب في موضع أوهام الجمع (٢/ ٨٣).\nوفي إسناده عُلَيْلَةُ، واسمه الربيع بن بدر، قال أحمد: لا يساوي حديثه شيئًا.\nوقال ابن حجر: متروك، وقال الذهبي في الكاشف: واهٍ.\n\nوالمعروف وقفه على عمران بن حصين بغير هذا الإسناد:\nأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣١٧/٣٦٢٢). وابن المقرئ في المعجم (٢٢١). والبيهقي في القراءة (٢٣٤)، من طريق إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا.\nوهذا إسناد صحيح، وابن علية سمع من الجريري قبل اختلاطه.\nوأما بشر بن المفضل فهو ثبت ثبت، إلا أنه لم يذكر في جملة من روى عن الجريري قبل الاختلاط أو بعده، إلا أن ابن الكيال قال في الكواكب النيرات (ص: ١٨٤): قد روى الشيخان للجريري من رواية بشر بن المفضل ...\nولو كان عنده ما يدل على سماعه قبل الاختلاط أو بعده لأفصح عنه، وإنما أراد أن يستدل بتخريج البخاري ومسلم للجريري من رواية بشر بن المفضل على أنه سمع منه قبل الاختلاط، وهذا لا يمكن الاعتماد عليه؛ فالبخاري لم يخرج للجريري من رواية بشر بن المفضل في صحيحه إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره، وهو حديث أبي بكرة (٢٦٥٤): ألا أنبئكم بأكبر الكبائر .... وقد رواه الشيخان من طريق إسماعيل بن علية.\nوأخرج له مسلم حديثًا واحدًا أيضًا مقرونًا بغيره، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة (٩١٣): بينما أنا أرمي بسهمي في حياة رسول الله ﷺ إذ انكسفت الشمس. وقد رواه مسلم من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو ممن روى عن الجريري قبل اختلاطه، والله أعلم.\nوخالفهما حماد بن سلمة كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٠١)، فرواه عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين، أن عثمان بن أبي العاص، قال: لا تتم صلاةٌ إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا.\nوحماد بن سلمة صدوق إلا في روايته عن ثابت وحميد ونحوهما وسماعه من الجريري قبل الاختلاط، وقد تغير بآخرة كما ذكره أبو حاتم الرازي في ترجمة أبي الوليد الطيالسي، فرواية ابن علية وبشر بن المفضل هي المحفوظة، والله أعلم.","vol":"2","page":599},{"text":"الدليل السادس:\n(ث-٣٦١) ما رواه ابن سعد في الطبقات من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عباية بن رداد، قال:\nسمعت عمر بن الخطاب، يقول: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها. فقال له رجل: فإن كنت خلف إمام قال: فاقرأ في نفسك.\n[في إسناده عباية بن رداد من غلاة الشيعة ليس بشيء] (^١).\nالدليل السابع:\n(ح-١٤٦٩) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء،\nعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: لا تجزئ في المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا (^٢).\n[منكر، وغريب من حديث عطاء] (^٣).\n* الراجح:\nأنه لا يجب شيء من القرآن في الصلاة عدا فاتحة الكتاب فإن قراءتها ركن في الصلاة في حق الإمام والمنفرد، وأما ما زاد على الفاتحة فإنه من السنن المؤكدة، فقد حافظ النبي ﷺ على القراءة في الركعتين الأوليين، ولم ينقل أنه أَخَلَّ بذلك، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٢٠).\n(^٢). الكامل (٦/ ٥٤).\n(^٣). في إسناده عمر بن يزيد المدائني، قال ابن عدي كما في الكامل (٦/ ٥٤): «منكر الحديث عن عطاء وغيره».","vol":"2","page":600},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المبحث الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الفرع الأول في قراءته ما زاد على الجهرية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يقرأ المأموم ما زاد على الفاتحة في الجهرية إذا كان يسمع قراءة إمامه، وهذا بالاتفاق.\n* أذكار الصلاة للمأموم على ثلاثة أقسام: قسم لا يتحملها الإمام بالاتفاق، كالتكبير، والاستفتاح، والتسبيح، والتشهد. وقسم يتحملها بالاتفاق وهي قراءة ما زاد على الفاتحة في الجهرية. وقسم مختلف فيه، كقراءة الفاتحة في الجهرية، والأصح أنه يتحملها عنه.\n* قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب.\n* الأمر بالاستماع نهي عن ضده، وهو القراءة، والأصل في النهي التحريم.\n* نهي المأموم عن القراءة ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة إمامه، فإذا لم يسمعها لبعد ونحوه لم يمنع من القراءة.\n* إذا عاد النهي لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة.\n[م-٢٧٥] سبق لنا خلاف العلماء في قراءة المأموم لفاتحة الكتاب في الصلاة السرية، وأما قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة الجهرية، فالعلماء متفقون على أن المأموم لا يقرأ، بل يستمع وينصت لقراءة إمامه.\nقال ابن تيمية: «أجمعوا على أنه فيما زاد على الفاتحة كونه مستمعًا لقراءة إمامه خير","vol":"3","page":5},{"text":"من أن يقرأ معه» (^١).\nواختلفوا في حكم القراءة:\nفقيل: تحرم وصلاته صحيحة، وهذا هو الأصح في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية (^٢).\nوقيل: تحرم إن آذى غيره، وهو قول عند الشافعية (^٣).\nقال في الدر المختار: «وَالْمُؤْتَمُّ لا يقرأ مطلقًا، ولا الفاتحة، في السرية اتفاقًا ... فإن قَرَأَ كُرِهَ تحريمًا وتصح في الأصح» (^٤).\nعلق ابن عابدين على ذلك في حاشيته، فقال: (قوله: (ولا الفاتحة) بالنصب على محذوف تقديره: لا غير الفاتحة، ولا الفاتحة.\nوقوله: (في السرية) يعلم منه نفي القراءة في الجهرية بالأولى ....\nوقوله: (اتفاقًا) أي بين أئمتنا الثلاثة» (^٥).\nوقيل: إن قرأ، وهو يسمع قراءة الإمام فسدت صلاته، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل الأصح، وبه قال ابن حزم (^٦).\nقال ابن حزم: ولا يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الإمام شيئًا غير أم القرآن ... (^٧).\n* دليل هذا القول:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف:٢٠٤]\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١)، وانظر: (٢٣/ ٢٧٠).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، المبسوط (١/ ١٩٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٤)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٢).\n(^٣). تحفة المحتاج (٢/ ٥٤).\n(^٤). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٤).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٤).\n(^٦). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٥)، المحلى بالآثار (٣/ ٢٨).\n(^٧). المحلى (٣/ ٢٨) و(٢/ ٢٦٦، ٢٧١).","vol":"3","page":6},{"text":"فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فكان الأمر بالاستماع يستلزم النهي عن القراءة، والنهي عن القراءة يقتضي فساد المنهي عنه؛ لقوله - ﷺ -: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\n* ويناقش:\nبأن النهي ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة الإمام، ولذلك لو كان المأموم لا يسمع قراءة إمامه لم يمنع من القراءة في الأصح، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، وإذا كان النهي عن قراءة المأموم لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة، بخلاف النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو على شرطها المختص بها، فإنه يقتضي الفساد، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nولحديث عبادة بن الصامت، وفيه: ... قال رسول الله - ﷺ -: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - نهى عن القراءة خلف الإمام ما عدا الفاتحة، والأصل في النهي التحريم والفساد.\n* ونوقش:\nبأن الحديث ضعيف، والقول بفساد العبادة شاذٌّ، وقد أجبت عنه في الدليل السابق، وقد حكي الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام، حكاه ابن عبد البر وابن حبان والثعلبي وغيرهم، وسيأتي نقل كلامهم بعد قليل إن شاء الله تعالى.\nوقيل: تكره القراءة، وهو مذهب المالكية والشافعية، والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٣٢٢).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٨٥).\n(^٣). التاج والإكليل (٢/ ٢٢١)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٤)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٢)، الاستذكار (١/ ٤٦٤، ٤٦٧) و(٤/ ٢٣٤)، التمهيد (١١/ ٤١، ٥٠)، المنتقى للباجي (١/ ١٥٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٨٥)، منح الجليل (٢/ ٦٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٣)، بداية المحتاج (١/ ٢٣٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٥٦)، الإقناع (١/ ١٦٢)، كشاف القناع (١/ ٤٦٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٦)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٦٠١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٣).","vol":"3","page":7},{"text":"قال خليل في التوضيح: «والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة» (^١).\nوقال الخرشي: «الإنصات للإمام فيما يجهر فيه سنة في الفاتحة وغيرها، ويكره قراءته، سمع قراءة الإمام أو لا على المشهور» (^٢).\nوقال في تحفة المحتاج: «ولا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية، بل يستمع؛ لصحة نهيه عن القراءة خلفه ما عدا الفاتحة، ومن ثم كرهت له، وقيل: تحرم» (^٣).\nوقال في الفروع: «ولا قراءة على مأموم» (^٤).\n* دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام أوكراهتها:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]\nقال ابن بطال: «لا يختلف أهل التأويل أن المراد بهذه الآية سماع القرآن في الصلاة، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا في صلاة الجهر؛ لأن السر؛ لا يستمع إليه» (^٥).\nفكانت الآية تأمر بالاستماع إذا قرئ القرآن، ولفظ: (القرآن) عام يشمل الفاتحة وغيرها، استثنى الفاتحة من قال بتخصيص عموم الآية بحديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وبقي ما زاد على الفاتحة على العموم، حيث يؤمر المصلي بالاستماع والإنصات.\nفمن قال: إن الأصل في الأمر الوجوب، رأى أن الآية تقتضي تحريم القراءة فيما\n_________\n(^١). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٣٨)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٧٦).\n(^٢). شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٨٠).\n(^٣). تحفة المحتاج (٢/ ٥٤).\n(^٤). الفروع (٢/ ١٩٠).\n(^٥). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٢٧٠).","vol":"3","page":8},{"text":"زاد على الفاتحة، وهذا دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام، وقد سبق.\nومن قال: إن الأمر بالاستماع والإنصات على الاستحباب؛ لأنه هو المتيقن، رأى كراهة القراءة خلف الإمام.\nقال في حاشية الدسوقي: «(قوله: وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ إلخ) جَعْلُهُ سنة هو المشهور» (^١).\nوقال في مغني المحتاج: «والاستماع مستحب، وقيل: واجب» (^٢).\nفجزم بالاستحباب، وصاغ الوجوب بصيغة التمريض.\nالدليل الثاني:\nلو كانت القراءة خلف الإمام محرمة لكانت القراءة خلف الإمام تبطل الصلاة، لأن ارتكاب المنهي عنه داخل العبادة على وجه يكون النهي مختصًّا بالصلاة يبطلها.\nفلما حكى العلماء الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام علم أن القراءة مكروهة، وليست محرمة.\nقال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه» (^٣).\nوقال ابن حبان: «أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته» (^٤).\nوقال الثعلبي في تفسير القرآن: «اتفق المسلمون على أن صلاته صحيحة إذا قرأ خلف الإمام» (^٥).\n* يناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nلا يلزم من صحة الصلاة أن يكون الأمر بالاستماع والإنصات للاستحباب، وأن\n_________\n(^١). حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧).\n(^٢). مغني المحتاج (١/ ٣٦٢).\n(^٣). الاستذكار (١/ ٤٧٠).\n(^٤). المجروحين لابن حبان (٢/ ٥).\n(^٥). تفسير الثعلبي (١/ ١٣١).","vol":"3","page":9},{"text":"تكون القراءة خلف الإمام للكراهة؛ لأن التحريم حكم تكليفي، بني على أصل فقهي صحيح، وهو أن الأمر بالاستماع والإنصات للوجوب، ولا صارف له إلى الاستحباب.\nوالصحة حكم وضعي، ولا تلازم بينهما، فقد يحرم الفعل ويبطل، وقد يحرم الفعل، ويصح، فلا تلازم بينهما، وإنما لم تبطل الصلاة للإجماع الذي تقدم، ولولاه لكانت الصلاة باطلة.\nالوجه الثاني:\nقد يكون عدم البطلان عند العلماء راجعًا إلى قوة الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة، فمراعاة لخلاف العلماء القديم من لدن الصحابة، لم يقل أحد من العلماء ببطلان الصلاة بالقراءة خلف الإمام.\n* وقد يناقش هذا القول:\nبأن هذا القول يمكن أن ينزل على الخلاف في قراءة الفاتحة، وأما قراءة ما زاد على الفاتحة فليس هناك خلاف قوي ينبغي مراعاته، فهم متفقون على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام ما زاد على الفاتحة، والله أعلم.\n* الراجح:\nالقول بالتحريم مع القول بالصحة أقيس من القول بالكراهة، وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، وعند الشافعية، وبه قال ابن حزم، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفرع الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في السرية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأمر بالإنصات للقرآن لعلة السماع، فانتفى الأمر به في الصلاة السرية لانتفاء علته، وكيف ينصت لشيء لا يسمعه؟\n* لا يتعبد بالسكوت في الصلاة إلا أن يسمع قراءة إمامه.\n* المستمع بمنزلة القارئ؛ لهذا كان التعبد بالإنصات لقراءة الإمام داخِلًا في جملة أذكار الصلاة.\n* شرعت الصلاة لإقامة ذكر الله، إما بفعل المصلي، أو بالاستماع إليه من الإمام.\n* اشتغال المأموم بالقراءة إذا لم يسمع قراءة الإمام أولى من تفرغه للوساوس، وحديث النفس.\n* إذا كان الإمام لا يتحمل عن المأموم سائر أذكار الركوع والسجود والتشهد، فكذلك لا يتحمل عنه القراءة في الصلاة السرية.\n[م-٣٧٥] اختلف العلماء في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة السرية:\nفقال الجمهور: تستحب له القراءة (^١).\nقال أبو الوليد الباجي: «المشهور من قول مالك أن المأموم يقرأ خلف الإمام\n_________\n(^١). التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٧٣)، إكمال المعلم (٢/ ٢٨٥، ٢٧٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٩)، المنتقى للباجي (١/ ١٥٧)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٧٩)، شرح التلقين (١/ ٥٩٤)، تفسير القرطبي (١/ ١١٩)، شفاء الغليل في حل مقفل خليل (١/ ٧٢)، الاستذكار (٤/ ٢٢٩)، بداية المجتهد (١/ ١٥٤)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي للبغوي (٢/ ٩٩)، كشاف القناع (١/ ٤٦٣)، الإقناع (١/ ١٦٢)، منتهى الإرادات (١/ ٢٦٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٢٦).","vol":"3","page":11},{"text":"فيما أسر فيه، ولا يقرأ خلفه فيما جهر فيه» (^١).\n(ح-١٤٧٠) واستدلوا بما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ فقال رجل: نعم. أنا يا رسول الله قال، فقال رسول الله - ﷺ -: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺ -، فيما جهر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة، حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - (^٢).\n[صحيح إلا أن قوله: (فانتهى الناس عن القراءة ...) إلخ مدرج من قول الزهري، قاله أحمد، والبخاري والذهلي، وأبو داود، وجماعة] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nفقوله: (مالي أنازع القرآن)؟ فإذا أسر المأموم القراءة فقد انتفت العلة.\nولمفهوم قوله: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله - ﷺ -) فدل على أنهم لم ينتهوا عن القراءة في السر.\nولأن المأمور بالاستماع والإنصات هو من يسمع القرآن دون من لم يسمع، قال تعال: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فالمأموم إما مستمع وإما قارئ، ولا يتعبد بسكوت لا استماع معه.\nوقال الحنفية: لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب من المالكية (^٤).\nوأدلة الحنفية على التحريم هي أدلتهم نفسها في تحريم قراءة الفاتحة خلف الإمام، وقد سبق ذكرها، فإذا حَرُمَت الفاتحة على المأموم حَرُمَ غيرها من باب أولى.\n_________\n(^١). المنتقى للباجي (١/ ١٥٩).\n(^٢). الموطأ (١/ ٨٦).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٠١).\n(^٤). فتح القدير (١/ ٣٣٨)، إكمال المعلم (٢/ ٢٧٨)، شرح التلقين (١/ ٥٩٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٥٩)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٧٣).","vol":"3","page":12},{"text":"[م-٤٧٥] واختلفوا في قراءة المأموم في الصلاة الجهرية إذا كان لا يسمع قراءة إمامه لبعدٍ أو صممٍ أو نحوهما، أيمتنع عن القراءة اعتبارًا بصفة الصلاة وكونها جهرية، أم يقرأ اعتبارًا بحال المصلي؟ على قولين:\nفقيل: تستحب له قراءة ما زاد على الفاتحة، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية، ونص عليه أحمد (^١).\nقال ابن مفلح في الفروع: «وإن لم يسمعه لبعدٍ قرأ في المنصوص ... ولِطَرَشٍ فيه وجهان» (^٢).\nوالمشهور في المذهب أن الأطرش يقرأ إلا أن يخشى أن يؤذي من بجانبه.\nوقال في المغني: «فإن لم يسمعه لبعد قرأ، نص عليه. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله ﵀: فيوم الجمعة، قال: إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته قرأ، فإذا سمع فلينصت قيل له: فالأطرش؟ قال لا أدري فيحتمل أن يشرع في حقه القراءة؛ لأنه لا يسمع، فلا يجب عليه الإنصات كالبعيد، ويحتمل أن لا يقرأ كي لا يخلط على الإمام» (^٣).\n* دليل هذا القول:\nأن المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام صارت الجهرية في حقه كالسرية، بجامع أن كُلًّا منهما يقرأ فيها الإمام، ولا تسمع قراءته.\nولأن الصلاة شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\nوإقامة الذكر في الصلاة إما بفعله أو بالتعبد باستماعه، فلا يُتَعَبَّدُ في الصلاة بالسكوت المجرد من الذكر أو الاستماع.\nولهذا قال الله ﷾: ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٤١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، فتح العزيز (٣/ ٣١١)، المجموع (٣/ ٣٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤١)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٤٦٤)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٩٥)، المغني (١/ ٤٠٧)، الفروع (٢/ ١٩٣)، الإنصاف (٢/ ٢٣١)، الإقناع (١/ ١٦٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٤).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٩٣).\n(^٣). المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٧)، وانظر: التمهيد (١١/ ٣٨).","vol":"3","page":13},{"text":"وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nفأمر الله بالإنصات لعلة السماع، فانتفى الأمر في الصلاة السرية لانتفاء علته، وكيف ينصت لشيء لا يسمعه؟\nولأن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس، وحديث النفس.\nوإذا كان الإمام لا ينوب عن المأموم في سائر أذكار الركوع والسجود والتشهد، فكذلك لا ينوب عنه في قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة السرية.\nوأشار ابن عبد البر إلى تخريج قراءة من لم يسمع قراءة إمامه مِنْ إجازة بعض أصحاب مالك كلامَ مَنْ لم يسمع خطبة الإمام في الجمعة.\nقال ابن عبد البر نقلًا من مواهب الجليل: «يتخرج فيه قول بأنه يقرأ، من قول من قال من أصحاب مالك: إنه يجوز التكلم لمن لا يسمع خطبة الإمام» (^١).\nمع مراعاة الفرق بأن الكلام مباح إذا لم يسمع خطبة الجمعة، وقراءة المأموم من الذكر في الصلاة، وهو مشروع في السرية، فكذلك هنا، فيكون جوازه في الفرع أولى من جوازه في الأصل المقيس عليه.\nوقيل: لا يقرأ، وهو المنصوص عند المالكية، واقتصر عليه خليل في مختصره، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (^٢).\nقال خليل: «وإنصات مُقْتَدٍ، ولو سكت إمامه» (^٣).\nوقال الدردير في الشرح الكبير «تكره قراءته ولو لم يسمعه» (^٤).\nوقال الحطاب: «قال ابن ناجي في قول الرسالة: (لا يقرأ معه فيما يجهر فيه)\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، وانظر المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٤١).\n(^٢). مختصر خليل (ص: ٣٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٦)، إكمال المعلم (٢/ ٢٧٨)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٨١)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٧)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٠٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٧)، المجموع (٣/ ٣٦٤).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٢).\n(^٤). الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٧).","vol":"3","page":14},{"text":"ظاهر كلامه، ولو كان لا يسمع صوت الإمام، وهو كذلك على المنصوص» (^١).\nوقال النووي: «قال أصحابنا: وإذا قلنا لا تجب عليه في الجهرية، بأن كان أصم، أو بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءة الإمام، ففي وجوبها عليه وجهان مشهوران للخراسانيين:\nأصحهما: تجب؛ لأنها في حقه كالسرية.\nوالثاني: لا تجب لأنها جهرية» (^٢).\n[م-٥٧٥] لو جهر الإمام في السرية أو أَسَرَّ في الجهرية فما حكم قراءة المأموم؟\nفي ذلك خلاف بين العلماء:\nفقال المالكية، وهو وجه عند الشافعية: إن جَهَرَ خلاف السنة لم ينصت المأموم بل يقرأ؛ لأن جهره إذا وقع مخالفًا للسنة في حكم العدم، فلا يؤمر بالاستماع، ولأنه لو أمر بالإنصات لمطلق القراءة ولو كانت خلاف السنة لأمر بالاستماع للقراءة خارج الصلاة.\nوكذلك لو أَسَرَّ في الجهرية لم يقرأ؛ لأن الإسرار في غير محله، فالاعتبار في الجهر والإسرار ما وقع بِمَحَلِّه متبعًا فيه سنة الصلاة، لا مطلقًا.\nجاء في الفواكه الدواني: «ولا يقرأ معه أي المأموم فيما يجهر فيه على جهة السنية، بل يسن له الإنصات ..... وإنما قلنا على جهة السنية للاحتراز عما لو أَسَرَّ الإمام فيما يسن فيه الجهر، فإنه لا يستحب للمأموم القراءة خلفه، وعما لو جهر في محل السرِّ فلا يسن الإنصات خلفه، بل المستحب القراءة» (^٣).\nواختار الشافعية في الأصح: «أن الاعتبار بفعل الإمام، فإذا جهر في السرية أنصت، وإذا أَسَرَّ في الجهرية قرأ (^٤).\nقال النووي: «ولو جهر الإمام في السرية، أو أسر في الجهرية، فوجهان:\nأصحهما، وهو ظاهر النص: أن الاعتبار بفعل الإمام.\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٣٦).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٦٤).\n(^٣). الفواكه الدواني (١/ ٢٠٦)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، منح الجليل (١/ ٢٥٧).\n(^٤). تحفة المحتاج (٢/ ٥٤).","vol":"3","page":15},{"text":"والثاني: بصفة أصل الصلاة» (^١).\nولو قيل بالتفريق بين الجهر والإسرار، فإذا جهر في السرية قرأ؛ لمخالفة الإمام لسنة القراءة، فكان الجهر في حكم العدم.\nوإذا أسر في الجهرية فإنه يقرأ؛ لأنه لا يستفيد من إنصاته، لأن الإنصات إنما يعد من أفعال الصلاة إذا كان يستمع فيه قراءة القرآن؛ لأن المستمع بمنزلة القارئ، ولأن المانع من القراءة هو الاستماع لقراءة الإمام إذا كان الجهر موافقًا فيه سنة القراءة، فإذا لم يسمع لقراءة الإمام فكيف ينصت؟ ولأن السكوت الطويل مُخِلٌّ بالمقصد الشرعي من إقامة الصلاة، وهو إقامة ذكر الله تعالى، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٦٤).","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المبحث الثالث في قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لو كان من سنة الصلاة أن يقرأ في الركعة الثالثة والرابعة زيادة على الفاتحة لورد النقل به متواترًا، كوروده في الأوليين.\n* قال ابن سيرين: لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب.\n* حديث (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار، وهو نص في نفي قراءة ما زاد على الفاتحة في الأخريين.\n* جاء حديث أبي قتادة في معرض تقسيم القراءة، ومخالفة الركعتين الأوليين للأخريين، واختصاص كل قسم بما ذكر بصيغة تدل على الدوام.\n* حديث أبي سعيد الخدري توجه إلى تقدير القراءة عن طريق تقدير زمن القيام وهو تخمين، وحديث أبي قتادة نَصَّ على نفي قراءة ما زاد على الفاتحة، والنص مقدم على الظاهر، والصريح مقدم على المحتمل في الدلالة.\n* حديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما.\n* حديث أبي قتادة يدل على أنه هو السنة، لأنه جاء بلفظ: (كان) الدال على الدوام والاستمرار، وحديث أبي سعيد يدل على الجواز؛ لأنه قام على تقدير القراءة بتقدير طول القيام وهذا حصل منهم في بعض الصلوات.\n[م-٥٧٦] اختلف الفقهاء في مشروعية قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة من الصلاة الثلاثية والرباعية:","vol":"3","page":17},{"text":"فقيل: لا تسن القراءة فيهما، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي، قال النووي: وهو الأصح وبه أفتى الأكثرون، وقال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (^١).\nقال في تحفة الفقهاء: «أما في الأخريين فالسنة أن يقرأ بفاتحة الكتاب لا غير» (^٢).\nقال النووي في الروضة: «وهل تسن السورة في الركعة الثالثة والرابعة؟ قولان:\nالقديم وبه أفتى الأكثرون لا تسن ....» (^٣).\nوهل تكره القراءة فيهما؟ على قولين:\nأصحهما عند الحنفية أن القراءة فيهما خلاف الأولى (^٤).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ١٦٣)، الحجة على أهل المدينة (١/ ١٠٦)، المبسوط (١/ ١٨)، بدائع الصنائع (١/ ١١٠)، كنز الدقائق (ص: ١٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٢)، البحر الرائق (١/ ٣٤٤، ٣١٣)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٢)، النهر الفائق (١/ ٢٢١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٢٩)، الدر المختار (ص: ٧١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥١١)، الجوهرة النيرة (١/ ٧٣)، المدونة (١/ ١٦٣)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٥)، بداية المجتهد (١/ ١٣٦)، شرح التلقين (١/ ٥٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، العزيز شرح الوجيز (٣/ ٣٥٤، ٣٥٥)، المجموع (٣/ ٣٨٦)، نهاية المطلب (١/ ١٥٣، ١٥٤)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (ص:٧٨)، الإنصاف (٢/ ١٢٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٥٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٥).\n(^٢). تحفة الفقهاء (١/ ١٢٩).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ٢٤٧).\n(^٤). قال في الدر المختار (ص: ٦٤): «وهل يكره في الأخريين؟ المختار لا».\n\nوعلق ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٥٩): «(قوله المختار لا) أي لا يكره تحريمًا بل تنزيهًا؛ لأنه خلاف السنة .... وفي البحر عن فخر الإسلام أن السورة مشروعة في الأخريين نفلًا. وفي الذخيرة أنه المختار. وفي المحيط وهو الأصح. اهـ.\nوالظاهر أن المراد بقوله نفلًا الجواز، والمشروعية، بمعنى عدم الحرمة فلا ينافي كونه خلاف الأولى كما أفاده في الحلية».\nوقال في الدر المختار أيضًا (ص: ٧١): واكتفى المفترض فيما بعد الأوليين بالفاتحة، فإنها =","vol":"3","page":18},{"text":"والأصح عند الحنابلة، وهو قول عند الحنفية: أن القراءة مباحة (^١).\nوقيل: تسن القراءة فيهما، وهو قول الشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد، وبه قال بعض الحنفية (^٢).\n_________\n= سنة على الظاهر، ولو زاد لا بأس به».\nوعلق ابن عابدين في حاشيته (١/ ٥١١): قوله: (ولو زاد لا بأس) أي لو ضم إليها سورة لا بأس به؛ لأن القراءة في الأخريين مشروعة من غير تقدير، والاقتصار على الفاتحة مسنون، لا واجب، فكان الضم خلاف الأولى، وذلك لا ينافي المشروعية والإباحة: بمعنى عدم الإثم في الفعل والترك».\nفواضح أن كلام ابن عابدي من التأويل، فظاهر كلام صاحب الدر المختار نفي كراهة الزيادة على الفاتحة في الثالثة والرابعة كما في النص الأول، في قوله: هل يكره، المختار: لا. وفي النص الثاني أطلق على الفعل بأنه لا بأس به، وهو مشعر بالإباحة.\nلهذا اعتبرت في مذهب الحنفية قولين. الإباحة، وعدم الكراهة.\nوالثاني: الكراهة وهو الأصح عند ابن عابدين.\nوذكر صاحب فيض الباري قولًا ثالثًا: أنه لا يسن، ولا يكره.\nقال في فيض الباري (٢/ ٣٦١): وفيه ثلاثة أقوال عندنا. قيل: إن ضم السورة يوجب سجدة السهو. وقيل: لا يوجب، بل يكره. وقيل: لا يسن ولا يكره، وهو قول فخر الإسلام، وهو المختار عندي». اهـ والقول بأنه لا يسن ولا يكره، يرجع إلى القول بالإباحة.\n\n(^١). قال في الإنصاف (٢/ ٨٨): «لا يستحب أن يقرأ فيهما -أي في الثالثة والرابعة- بعد الفاتحة شيئًا من القرآن على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب ... فعلى المذهب لا تكره القراءة بعد الفاتحة، بل تباح على الصحيح من المذهب، قدمه في الفروع وغيره».\nوذكر ابن مفلح ثلاث روايات في الفروع (٢/ ٢١١)، قال: «ولا يزيد على الفاتحة (و) يعني وفاقًا للأئمة. وعنه: بلى، وعنه يجوز».\nوقال الزركشي على شرح الخرقي (١/ ٦٠٩): «هل النفي لعدم الاستحباب، أو للكراهة؟\nفيه روايتان: أصحهما عند أبي البركات الأول؛ لأنه - ﷺ - قد جاء عنه أنه زاد أحيانًا على قراءة الفاتحة في الأخريين».\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ٧٩): «وأكثر أصحابنا قالوا: لا يستحب رواية واحدة، وفي كراهيته عنه روايتان».\n(^٢). فتح العزيز شرح الوجيز (٣/ ٣٥٥)، المجموع (٣/ ٣٨٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١)، مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (ص: ٦٩)، الإنصاف (٢/ ٨٨)، المبدع (١/ ٤٢٠)، الفروع (٢/ ٢١١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٩).","vol":"3","page":19},{"text":"وقيل: تسن القراءة فيهما أحيانًا، والأكثر تركها، وبه قال ابن القيم من الحنابلة، ورجحه بعض المتأخرين من الحنفية (^١).\nوقيل: تسن القراءة في الثالثة والرابعة من الظهر دون غيرها، وهذا اختيار ابن حزم (^٢).\nولا أعلم أحدًا قال به قبله إلا أنه قد يقبل باعتباره ملفقًا من قولين، فأخذ بقول الشافعي في الجديد في الظهر، وأخذ بقول الجمهور بسائر الصلوات، فلا يعتبر محدثًا من كل وجه.\nفصارت المسألة إلى ستة أقوال:\nأحدها: لا تسن قراءة ما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة مطلقًا.\nوالثاني: تسن مطلقًا.\nوالثالث: تسن أحيانًا.\nوالرابع: تباح.\nوالخامس: تكره القراءة أو خلاف الأولى.\nوالسادس: تسن في الظهر خاصة.\nهذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وقد حان الانتقال إلى عرض الأدلة والحجج، والله المستعان وحده، لا شريك له.\n* دليل من قال: لا تسن قراءة ما زاد على الفاتحة في غير الأوليين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٧١) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله ابن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في\n_________\n(^١). زاد المعاد (١/ ٢٤٠)، فيض الباري (٢/ ٣٧٥).\n(^٢). المحلى بالآثار (٣/ ١٧).","vol":"3","page":20},{"text":"الصبح، ورواه مسلم (^١).\n[اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير في ذكر القراءة في الركعتين الأخريين، وهي زيادة محفوظة اتفق عليها الشيخان] (^٢).\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١).\n(^٢). رواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١) من طريق همام، عن يحيى بن أبي كثير وذكر فيه: (ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما\nوتابعه على هذه الزيادة كل من:\nالأول: أبان بن يزيد العطار عند مسلم (١٥٥ - ٤٥١)، وأحمد (٥/ ٣٠٠، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (٣٧٦٢)، والبخاري في القراءة خلف الإمام (١٤٧)، وأبي داود (٧٩٩)، والنسائي في المجتبى (٩٧٧)، وفي الكبرى (١٠٥١)، والطحاوي في المشكل (٤٦٢٢)، ومستخرج أبي عوانة (١٧٥٤)، وابن خزيمة (٥٠٣)، وابن حبان (١٨٢٩)، وأبو العباس السراج في مسنده (١١٢)، وفي حديثه (١٠٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٠٠١)، والبيهقي (٢/ ٩١).\nالثاني: الأوزاعي، إلا أنه قد اختلف عليه:\nفرواه محمد بن يوسف كما في صحيح البخاري (٧٧٨)، وأكتفي بالبخاري.\n\nوإسماعيل بن عبد الله بن سَمَاعَةَ (ثقة) كما في سنن النسائي (٩٧٥)، والسنن الكبرى له (١٠٤٩)، وسنده حسن، شيخ النسائي ابن أبي جميل الدمشقي قال النسائي: (لا بأس به).\nوأبو المغيرة (عبد القدوس بن الحجاج ثقة) كما في مسند أحمد (٥/ ٣٠٥)، وسنن الدارمي (١٣٢٨).\nوابن المبارك (إمام) كما في مسند السراج (١١٣)، وحديث السراج (١٠٧).\nوأبو عاصم (الضحاك بن مخلد)، كما في مسند أحمد (٥/ ٣١١)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (١٧٥)، وسنن الدارمي (١٣٢٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٧٥٨)، ومسند السراج (١٠٨)، وحديثه (١٠٢)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٠٠).\nوالوليد بن مسلم كما في صحيح ابن خزيمة (٥٠٤، ٥٠٧)، وصحيح ابن حبان (١٨٣١)، ومستخرج أبي عوانة (١٧٥٧) وحديث أبي العباس السراج (١٠٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٩٠).\nوبشر بن بكر كما في صحيح ابن خزيمة (٥٠٧)، وحديث السراج (١٠١)، سبعتهم، رووه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير به، ولم يذكروا فيه القراءة في الأخريين.\nوخالفهم مخلد بن يزيد الحراني (قال أحمد: لا بأس به، وكان يهم وقدم عليه أحمد مسكين ابن بكير) كما في مسند أحمد (٥/ ٣٠٥)، ومنتقى ابن الجارود على إثر ح (١٨٧)، فرواه عن الأوزاعي به، بلفظ: أنه: (كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب)، كلفظ همام وأبان بن يزيد العطار. =","vol":"3","page":21},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار، وجاء الحديث في معرض تقسيم\n_________\n= قال ابن خزيمة في صحيحه: «كنت أحسب زمانًا أن هذا الخبر، في ذكر قراءة فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، لم يروه غير أبان بن يزيد، وهمام بن يحيى، على ما كنت أسمع أصحابنا من أهل الآثار يقولون، فإذا الأوزاعي مع جلالته قد ذكر في خبره هذه الزيادة».\nولم يلتفت ابن خزيمة إلى رواية سبعة من أصحاب الأوزاعي كلهم أو جلهم أحفظ من مخلد بن يزيد كابن المبارك، وابن سماعة وأبي المغيرة والوليد بن مسلم، هؤلاء من ثقات أصحاب الأوزاعي، وغيرهم، رووه عنه من دون زيادة هذا الحرف، فالذي يظهر لي أن هذه الزيادة من طريق الأوزاعي زيادة شاذة، لا تعرف إلا عن همام وأبان، والله أعلم.\nوقد رواه جمع من أصحاب يحيى بن أبي كثير عنه فلم يذكروا هذا الحرف، منهم:\nالأول: شيبان كما في صحيح البخاري (٦٣٨)، وأكتفي بالصحيح عن غيره.\nالثاني: هشام الدستوائي، كما في صحيح البخاري (٧٦٢، ٧٧٩)، وأكتفي بالصحيح.\nالثالث: حجاج بن أبي عثمان الصواف كما في صحيح مسلم (١٥٤ - ٤٥١)، وأحمد (٤/ ٣٨٣) و(٥/ ٣١١)، وأبي داود (٧٩٨)، والنسائي في المجتبى (٩٧٨)، وفي الكبرى (١٠٥٢)، وابن ماجه (٨١٩)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٠٠)، من طريق محمد بن أبي عدي، عن حجاج عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، وعن أبي سلمة، عن أبي قتادة به. فزاد في الإسناد (أبا سلمة).\nقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٣٦): فزاد أبا سلمة في الإسناد.\nوقال في الأفراد: تفرد به حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، وعن أبي سلمة.\nالرابع: معمر، رواه عنه عبد الرزاق كما في مصنفه (٢٦٧٥)، ومن طريقه أبو داود (٨٠٠)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (١٩٨)، وأبو العباس السراج في حديثه (١٠٧)، وفي مسنده (١١٤).\nورواه عنه الثوري كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٠)، وعنه ابن حبان (١٨٥٥)، وأبو العباس السراج في مسنده (١١٥)، وفي حديثه (١٠٩).\nالخامس: أبو إسماعيل: إبراهيم بن عبد الملك القناد بصري (صدوق في حفظه شيء)، كما في المجتبى من سنن النسائي (٩٧٤)، وفي الكبرى (١٠٤٨).\nالسادس: علي بن المبارك (ثقة) كما في مسند أحمد (٥/ ٢٧٩، ٣١٠).\nالسابع: حرب بن شداد (ثقة) كما في مسند أحمد (٥/ ٣٠٩)، والقراءة خلف الإمام للبخاري (١٤٧).\nالثامن: معاوية بن سلام (ثقة) كما في مسند السراج (١٠٩)، وفي حديثه (١٠٣)، ثمانيتهم رووه عن يحيى بن أبي كثير به، وليس في حديثهم (ويقرأ في الركعتين الأخريين بأم الكتاب).","vol":"3","page":22},{"text":"القراءة ومخالفة الركعتين الأوليين للأخريين، واختصاص كل قسم بما ذكر، والحديث رواه البخاري ومسلم، فهو أقوى مما يخالفه من جهة الإسناد، وأقوى من حيث الدلالة فهو نص في دلالته، غير محتمل، فينبغي أن يكون مثله قاطعًا للخلاف.\nقال ابن دقيق العيد: «وقد يستدل بهذا الحديث على اختصاص القراءة بالأوليين، فإنه ظاهر الحديث، حيث فرق بين الأوليين والأخريين بما ذكر من قراءة السورة، وعدم قراءتها.\nوقد يحتمل غير ذلك؛ لاحتمال اللفظ لأن يكون أراد تخصيص الأوليين بالقراءة الموصوفة بهذه الصفة، أعني التطويل في الأولى، والتقصير في الثانية» (^١).\nولا يظهر لي هذا الاحتمال لأن التطويل والتقصير نص عليه أبو قتادة في الحديث، وخَصَّ ذلك في إطالة الركعة الأولى عن الثانية فقط، فانتفى حمل النفي في الأخريين على التطويل والتقصير، واختصاص التفاوت في الأوليين يعني أن الركعتين الثالثة والرابعة لا مجال للتفاوت بينهما في الطول والقصر؛ لأن القراءة فيهما مقصورة على الفاتحة فقط؛ ولأن التفاوت يأتي في الأوليين بسبب أن قراءة ما زاد على الفاتحة فيهما لم تتعين بسورة معينة بخلاف الأخريين.\n* وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن إطالة الركعة الأولى ليس راجعًا لطول القراءة.\nقال ابن حجر: «وقال من استحب استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء» (^٢).\nقال ابن الملقن: «وفي هذا الحمل ضعف؛ لأن السياق للقراءة» (^٣).\nالجواب الثاني:\nقال بعض الشافعية في الجمع بين حديثي التطويل والتسوية: إن الإمام يطول في الأولى إن كان ينتظر أحدًا، وإلا سوَّى بين الأوليين.\n_________\n(^١). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٦٦).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٤٤).\n(^٣). الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٩٧).","vol":"3","page":23},{"text":"ولعله أخذ ذلك من قوله: وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم، وهو حديث ضعيف، وسوف يأتي تخريجه في مظانه إن شاء الله تعالى.\nوتخصيص حديث أبي قتادة بهذه العلة المستنبطة قول ضعيف؛ لأن الحكم قد يكون معللًا وقد لا يكون، وإذا كان معللًا فقد تكون هي العلة وقد تكون غيرها، وقد تكون لمجموعة من العلل، منها هذه، ومنها أن التطويل في الأولى على الثانية؛ راجع إلى أن النشاط في الركعة الأولى أكثر، فناسب التخفيف في الثانية.\nالدليل الثاني:\n(ث-٣٦٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر إلى شريح: «يقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (^١).\n[منقطع، الشعبي لم يسمع من عمر] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ث-٣٦٣) روى ابن ماجه من طريق شعبة، عن مسعر، عن يزيد الفقير،\nعن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين، بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٦٤) روى البيهقي في السنن الكبرى، من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع،\n_________\n(^١). المصنف (٣٧٢٣).\n(^٢). قال في جامع التحصيل (٣٢٢): أرسل عن عمر ....»\nوقال الدارقطني في السنن (٣٨٣٤): لم يدرك عمر ﵁.\nوقال المزي في تهذيب الكمال (١٤/ ٣٠): «روى عن عمر بن الخطاب ولم يسمع منه».\nوقال ابن حزم في المحلى (٨/ ٣٢٩): «أين الشعبي من عمر؟ والله ما ولد إلا بعد موت عمر بأزيد من عشرة أعوام».\n(^٣). سنن ابن ماجه (٨٤٣).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ح ١٣٨٢).","vol":"3","page":24},{"text":"عن علي: أنه كان يأمر، أويحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل الخامس:\nقال الجصاص: «لو كان من سننها أن يقرأ في الأخريين بسورة لورد النقل به متواترًا كوروده في الأوليين» (^٣).\nالدليل السادس:\nقال ابن سيرين: «لا أعلمهم يختلفون أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (^٤).\n* دليل من قال: تسن قراءة ما زاد على الفاتحة مطلقًا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٧٢) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من\n_________\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ٢٣٩).\n(^٢). قال البيهقي: وكذا رواه عبد الأعلى الشامي، عن معمر.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٣٩)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليٍّ، وعن مولى لهم عن جابر، قالا: يقرأ الإمام ومن خلفه في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وهذا سند صالح في المتابعات.\n(^٣). شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٦٣).\n(^٤). المغني (١/ ٤١٢).","vol":"3","page":25},{"text":"العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (^١).\n* وأجيب عن هذا الاستدلال:\nالجواب الأول:\nأن هذا الحديث معارض لحديث أبي قتادة، وهو أرجح منه إسنادًا فحديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما.\nوأقوى منه من حيث الدلالة، فدلالته على الاقتصار على الفاتحة في الأخريين دلالة نصية، لا تحتمل غيره. وأما حديث أبي سعيد فهو قائم على التقدير والتخمين وهو لا ينضبط، وعرضة للخطأ، فالآيات ليست متساوية، والقراءة تختلف، فقد يرتل المصلي قراءته، فتطول، وقد يقرأ الآيات حدرًا فتقصر، قد جاء عنه - ﷺ - في مسلم أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من التي أطول منها، وبالجملة: فإن حديث أبي قتادة نص فلا يعارض بالتقدير والتخمين.\nيقول ابن قدامة: «لو قدرنا التعارض وجب تقديم حديث أبي قتادة؛ لأنه أصح، ويتضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين» (^٢).\nويقول ابن القيم: «حديث أبي سعيد ليس صريحًا في قراءة السورة في الأخريين، فإنما هو حزر وتخمين» (^٣).\nالجواب الثاني:\nأن النبي - ﷺ - ربما فعل ذلك؛ لبيان الجواز، فتكون القراءة في الثالثة والرابعة مباحة، وإن كانت السنة ترك القراءة فيهما.\nقال ابن رجب: «وحمله طائفة من أصحابنا وغيرهم على أن هذا كان يفعله\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).\n(^٢). المغني (١/ ٤١٠).\n(^٣). الصلاة (ص: ١٨٥).","vol":"3","page":26},{"text":"أحيانًا لبيان الجواز، فيدل على أنه غير مكروه، خلافًا لمن كرهه» (^١).\nالجواب الثالث:\nحديث أبي سعيد دليل على أن القراءة في الثالثة والرابعة مختص بالظهر دون غيرها. وهو قول ابن حزم، وسأبين وجه القول بذلك عند ذكر دليل ابن حزم.\nالجواب الرابع:\nأن حديث أبي سعيد قد روي عنه بلفظ يتفق مع حديث أبي قتادة،\n(ح-١٤٧٣) فقد رواه ابن ماجه، قال: حدثنا يحيى بن حكيم قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا المسعودي قال: حدثنا زيد العمي، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: اجتمع ثلاثون من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة رسول الله - ﷺ -، فيما لم يجهر فيه من الصلاة، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر، بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر، على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر (^٢).\nفجعل الركعة الثانية على النصف من الركعة الأولى، ولم يسوِّ بينهما، وحمل رواية أبي سعيد على رواية أبي قتادة أولى من إثبات التعارض.\n* وأجيب:\nبأن رواية ابن ماجه معلولة (^٣).\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٠).\n(^٢). سنن ابن ماجه (٨٢٨).\n(^٣). الحديث اختلف فيه على زيد العمي:\nفقيل: عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.\nرواه أحمد (٥/ ٣٦٥) عن يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، بلفظ: (.... كان يقرأ في صلاة الظهر قدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين في كل ركعة، وفي الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك ....).\nوفيه التسوية في مقدار القراءة بين الركعتين الأوليين، والتسوية في الركعتين الأخريين، كرواية أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد. =","vol":"3","page":27},{"text":"الدليل الثاني:\n(ث-٣٦٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني عطاء،\nأنه سمع أبا هريرة ﵁، يقول: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير (^١).\nوجه الاستدلال:\nظاهر قول أبي هريرة (وإن زدت فهو خير) استحباب القراءة في جميع الركعات، لإطلاقه الزيادة، قال ابن حجر: وهو ظاهر حديث أبي هريرة (^٢).\n_________\n= ورواه أبو داود الطيالسي، عن المسعودي، واختلف عليه في لفظه:\nفرواه ابن ماجه (٨٢٨) حدثنا يحيى بن حكيم، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا المسعودي به. بلفظ: (.... فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك ....). فجعل الركعة الأولى أطول من الثانية.\n\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٤٦٢٨)، وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٧) حدثنا بكار، قال: حدثنا أبو داود، حدثنا المسعودي به، بلفظ: (..... فقاسوا قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك) بنحو رواية يزيد بن هارون، عن المسعودي من تسوية القراءة في الركعتين الأوليين.\nفصارت رواية ابن ماجه مع ضعف إسنادها رواية منكرة، تفرد بها يحيى بن حكيم، عن الطيالسي، مخالفًا بكار بن قتيبة، عن الطيالسي، ومخالفًا رواية يزيد بن هارون، عن المسعودي،\nهذا فيما يتعلق بالاختلاف في لفظ الحديث، والحديث ضعيف الإسناد، مداره على زيد العمي متفق على ضعفه، وفيه المسعودي: عبد الرحمن بن عبد الله بن عقبة، قد اختلط، ورواية يزيد بن هارون، والطيالسي بعد الاختلاط.\nوقيل: عن زيد العمي، عن أبي العالية مرسلًا.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٧٧)،\nوأحمد (٥/ ٣٦٥)، حدثنا يزيد بن هارون.\nوابن أبي شيبة في المصنف مختصرًا (٣٥٧٢) حدثنا وكيع، ثلاثتهم (عبد الرزاق، ويزيد، ووكيع) رووه عن سفيان الثوري، عن سفيان، عن زيد العمي، عن أبي العالية مرسلًا.\nوالثوري مقدم على المسعودي، كيف وكل الرواية عن المسعودي إنما رووه بعد اختلاطه، فيكون الراجح في حديث زيد العمي، أنه مرسل ضعيف؛ لأن مداره على العمي، وهو متفق على ضعفه.\n\n(^١). صحيح البخاري (٧٧٢)، وصحيح مسلم (٤٣ - ٣٩٦).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٥٢).","vol":"3","page":28},{"text":"* ويجاب عن أثر أبي هريرة بجوابين:\nأحدهما: أن هذا موقوف، ومعارض للمرفوع من حديث أبي قتادة في الصحيحين، والموقوف لا يعارض به المرفوع، فضلًا أن يُقَدَّم عليه.\nالجواب الثاني: أن يقال: قول أبي هريرة: (وإن زدت فهو خير)، مجمل، فيحمل على زيادة خاصة، وهي الموافقة للسنة، كما في حديث أبي قتادة في الصحيحين، من قصر الزيادة على الأوليين من الصلوات، دون سائر الركعات.\nالدليل الثالث:\n(ث-٣٦٦) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث،\nعن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة: سورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه. فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٨] (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ٧٩).\n(^٢). رواه مالك في الموطأ، من رواية يحيى بن يحيى الليثي.\nومن رواية أبي مصعب الزهري (٢١٨).\nورواه عن مالك أيضًا عبد الرزاق في المصنف (٢٦٩٨)،\n\nوالشافعي كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١١٢، ٣٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٩٣)، وفي معرفة السنن (٢/ ٣٩٤)، وفي الخلافيات (١٧٩٢).\nوابن وهب كما في مشكل الآثار للطحاوي (١٢/ ٥٤)،\nوابن بكير كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٩٣، ٥٤٨).\nوأبو عمرو بن نجيد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤٨).\nوقد تابع محمود بن الربيع قيس بن الحارث،\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٩٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٧٢٧) والطحاوي في مشكل الآثار (١٢/ ٥٥)، من طريق ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، =","vol":"3","page":29},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن أبا بكر ﵁ له سنة متبعة، كما جاء في حديث العرباض بن سارية: قال - ﷺ -: ... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وهو حديث مشهور.\n* وأجيب بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nحمل ابن عبد البر والقرطبي وأبو الوليد الباجي وابن قدامة وغيرهم أن هذا من قبيل الدعاء، وليس على طريقة القراءة في الصلاة.\nقال ابن عبد البر عن قراءة أبي بكر: «إنما هو ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أهل الردة» (^١).\nونقل ذلك القرطبي في تفسيره ونسبه للعلماء (^٢).\nوقال نحوه أبو الوليد الباجي في المنتقى (^٣).\nوقال ابن قدامة: «ما فعله الصديق ﵀ إنما قصد به الدعاء، لا القراءة؛\n_________\n= عن الصنابحي بنحوه. وسنده صحيح.\nوله شاهد ضعيف، رواه البيهقي في الشعب (٨٣٤) من طريق أبي العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدثنا ابن فُضَيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبيد الله القرشي، عن عبد الله بن عُكَيم قال: صليت خلف أبي بكر المغرب، فلما قعد في الركعة الثانية كأنما كان على الجمر حتى قام، فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\nوفي إسناده أحمد بن عبد الجبار ضعيف،\nوكذلك عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد بن الحارث، متفق على ضعفه،\nقال البخاري: منكر الحديث.\nوقال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث.\nوشيخه عبيد الله القرشي، لم أعرفه.\n\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٢٩).\n(^٢). تفسير القرطبي (٤/ ٢٠).\n(^٣). المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٤٧).","vol":"3","page":30},{"text":"ليكون موافقًا لفعل النبي - ﷺ -، وبقية أصحابه» (^١).\nوقال أحمد كما في رواية الأثرم: «إن شاء قاله، قال: ولا تدري أكان ذلك من أبي بكر قراءة أو دعاء» (^٢).\n(ث-٣٦٧) وروى الطحاوي من طريق يزيد بن هارون، أخبرني محمد بن راشد،\nعن مكحول، قال: والله ما كانت قراءة، ولكنها كانت دعاء (^٣).\n* ويناقش:\nالقول بأنه نوى بذلك الدعاء أمرٌ لا يمكن الوقوف عليه؛ لأن الوقوف على نية الفاعل لا يمكن العلم بها إلا من جهته، ولم يَأْتِ نص من أبي بكر يبين أنه نوى القنوت ولم يَنْوِ القراءة، فالكلام فيها من الرجم بالغيب، والمقام مقام قراءة، والمتْلُوُّ قرآن، فالأصل أنه يحمل على القراءة حتى يتبين العكس.\nوالقنوت من الإمام لا يكون سرًّا في الصلاة، بل يجهر به؛ من أجل تأمين المصلين، كما كان النبي - ﷺ - يقنت في النوازل جهرًا.\nالجواب الثاني:\nقوله: (وسنة الخلفاء الراشدين) أي لا يتصور سنة للخلفاء الراشدين إلا في أمر لم يحفظ فيه سنة للرسول - ﷺ -، فما سن فيه الرسول - ﷺ - سنة، فليس لهم فضلًا عن غيرهم، ولا ينبغي أن يكون لهم سنة مخالفة، وإلا لما كانوا راشدين مهديين، لهذا كان من الشرط المتفق عليه للعمل بالموقوف ألا يعارض مرفوعًا، ولا يخالفه غيره من الصحابة، وهذا الشرط لا يتحقق في هذا الأثر:\nفهو معارض للسنة المتفق عليها من حديث أبي قتادة ﵁.\nقال ابن قدامة: «ولو قُدِّرَ أنه -يعني أبا بكر- قصد بذلك القراءة، فليس بموجب ترك حديث النبي - ﷺ - وفعله» (^٤).\n_________\n(^١). المغني (١/ ٤١٢).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٠).\n(^٣). مشكل الآثار (١٢/ ٥٥)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٢٦٩٩).\n(^٤). المغني (١/ ٤١٣).","vol":"3","page":31},{"text":"وقد خالفه غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، كما خرجت ذلك من فعل علي ﵁ وجابر، وغيرهما ..\nقال مالك: ليس العمل عندي على أن يقرأ في الثالثة من المغرب بعد أم القرآن ربنا لا تزغ قلوبنا (^١).\nالجواب الثالث:\nقوله: (وسنة الخلفاء)، السنة مضافة للخلفاء، فهو يشير إلى سنة يتوافق عليها الخلفاء، وليس سنة ينفرد بها بعضهم دون بعض، وإلا لقال عليكم بسنتي وسنة الخليفة الراشد، فلما قال: (وسنة الخلفاء) فهم منه سنة يتوافق عليها الخلفاء الراشدون، فهذا عليٌّ ﵁ كان يقتصر على قراءة الفاتحة في الثالثة والرابعة، وروي نحو ذلك عن عمر ﵁، وهما من الخلفاء الراشدين، وجاء مثل ذلك عن جابر ﵁، فلا يصح القول: إن القراءة فيما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة من سنة الخلفاء الراشدين، وإذا كان الترك من سنتهم والقراءة من سنتهم كان ذلك إما تقديم الترك لموافقته السنة المتفق عليها من حديث أبي قتادة على غيره، أو يحمل ذلك على أن الأمر واسع، وأن القراءة وتركها جائزة.\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٦٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة، بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة (^٢).\n[صحيح].\n* وأجيب:\nبأن فعل ابن عمر ﵄ يشعر بالجواز، وليس بالسنية؛ لأن القراءة\n_________\n(^١). مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ٢١٧).\n(^٢). موطأ مالك (١/ ٧٩).","vol":"3","page":32},{"text":"في الثالثة والرابعة لو كانت سنة متبعة لم يكن هناك فرق بين الصلاة وحده، وبين الصلاة بالناس، وإلا لاعتبر فعل ابن عمر قولًا آخر من الأقوال في المسألة، ولم أذكره في الأقوال لأني لم أفهم من فعل ابن عمر إلا ما دل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا في الصحيحين: (إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف ... وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) (^١).\nولأنه لم يحفظ في السنة المرفوعة أن الرسول - ﷺ - كان يجمع بين السور في الركعة الواحدة في الفريضة، وإنما حفظ ذلك في النافلة؛ للسبب نفسه، لأن النفل يحتاج فيه المصلي إلى طول القيام بخلاف الفرض.\nولأنه حين ترك القراءة في ثالثة المغرب خلافًا لفعل أبي بكر كان راجعًا إلى عدم استحباب التطويل في صلاة المغرب، فالسنة في المغرب أن تكون القراءة في الأوليين من قصار المفصل، فإذا قصرت القراءة في الأوليين لم يكن هناك حاجة إلى إطالة الركعة الثالثة، والله أعلم.\nوبالتالي لا يمكن أن نأخذ من هذا الأثر استحباب قراءة ما زاد على الفاتحة في الثالثة والرابعة من الفريضة، والله أعلم.\n* دليل من قال: يباح فعله ولا يسن:\nحملوا حديث أبي قتادة على أنه هو السنة، لأنه جاء بلفظ: (كان يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورة وفي الأخريين بأم الكتاب) فالفعل (كان) يدل على الدوام والاستمرار.\nوحملوا حديث أبي سعيد الخدري أنه فعل ذلك لبيان الجواز؛ لأنه قام على تقدير القراءة بتقدير طول القيام، وقد يكون هذا التقدير لبعض الصلوات، وليس لكل صلواته، وإلا لكان معارضًا لحديث أبي قتادة، وهو أصح منه.\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٠٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nورواه مسلم (١٨٤ - ٤٦٧) من طريق معمر، عن همام بن منبه،.\nورواه مسلم (١٨٥ - ٤٦٧) من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن أبي هريرة. ولم يذكر أبو سلمة قوله: (وإذا صلى وحده ... إلخ).","vol":"3","page":33},{"text":"ومما يدل على الإباحة فعل ابن عمر ﵄ حيث كان يفعل ذلك إذا صلى وحده، فلو كان يراه من السنة لفعله إذا صلى بالناس، وقد سبق لك توجيه فعل ابن عمر على الإباحة.\n* دليل من قال: يكره القراءة في الثالثة والرابعة:\nاعتمد هذا القول إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد الخدري، وقد عرفت مستند الترجيح:\nفحديث أبي قتادة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد من أفراد مسلم.\nوحديث أبي قتادة صريح الدلالة، وحديث أبي سعيد ظاهر الدلالة، وإذا تعارض الصريح والظاهر قدم الصريح.\nوإذا ترجح حديث أبي قتادة، وأنه هو السنة كانت مخالفة السنة مكروهة، أو خلاف الأولى بخلاف ترك السنة، فقد لا يلزم من تركها الوقوع في المكروه؛ لأن هذا الذي قرأ يقال له: ما أردت بفعلك؟ فإن قال: زيادة الأجر، قيل: هذا استدراك على الشارع، فالرسول - ﷺ - ما كان يقرأ في الثالثة والرابعة زيادة على الفاتحة، وإن لم يرد الأجر كان ترك القراءة أولى من فعله، فالتحق بالمكروه.\n* ونوقش:\nبأن حديث أبي سعيد حديث صحيح، ولا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فإذا أمكن الجمع بين الدليلين لزم ذلك؛ لأن سلوك الترجيح يؤدي إلى طرح أحد الدليلين مع ثبوت صحته، والجمع إعمال لهما جميعًا، فتعين. وسيأتي كيفية الجمع بينهما بلا تكلف فيما بقي من أدلة المسألة، والله أعلم.\n* دليل من قال: يقرأ في الثالثة والرابعة من الظهر خاصة:\n(ح-١٤٧٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر","vol":"3","page":34},{"text":"فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (^١).\nوجه الاستدلال:\nالحديث يدل على أنهم قدروا قيامه - ﷺ - في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية، نصفها متعين للفاتحة، وقدروا قيامه في الأخريين من العصر على النصف من ذلك. أي أن قيامه في الأخريين من العصر لا يتجاوز قدر سبع آيات، وذلك يعني أن قيامه بمقدار فاتحة الكتاب.\nفهذا دليل على أنه - ﷺ - كان لا يزيد في الأخريين من العصر على فاتحة الكتاب بخلاف الظهر.\nوإذا كان لا يزيد في الأخريين من العصر على فاتحة الكتاب، فهو لا يزيد في العشاء، ولا في المغرب لعدم الدليل المقتضي، فالقراءة في العشاء على قدر القراءة في العصر، والقراءة في الأوليين من المغرب من قصار المفصل، فالأخريان لا قراءة فيهما، ولا يصح القول بقياسهما على الظهر؛ لانتقاضه بصلاة العصر، وهي رباعية، فصار حديث أبي سعيد خاصًّا بالثالثة والرابعة من الظهر وحدها، والله أعلم.\n* ونوقش:\nبأن قوله: (حزرنا قيامه في الأخريين) فقيام مفرد نكرة مضافة إلى النبي - ﷺ -، فيحتمل الحديث: أن المراد جميع قيامه في الركعة، كما تفيده دلالة النكرة إذا أضيفت إلى معرفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ﴾ فـ (نعمة) وإن كانت بلفظ المفرد إلا أنها اكتسبت العموم بإضافتها إلى لفظ الجلالة، ولهذا قال: لا تحصوها.\nويحتمل أن الصحابي أراد بالتقدير فيما سوى الفاتحة؛ لكونها معلومة، فلم\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).","vol":"3","page":35},{"text":"تدخل بالتقدير، والأول هو الظاهر من الحديث، لكن لا يمكن الجزم به، والله أعلم.\n* دليل من قال: يسن فعلها أحيانًا:\nهذا القول استند إلى الجمع بين حديث أبي قتادة، وحديث أبي سعيد الخدري،\nفحديث أبي قتادة يدل على أن هذا كان أكثر فعله ﵊، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دل عليه حديث أبي سعيد.\nذكر هذا ابن القيم في الهدي، وقال: «وهذا كما أن هديه - ﷺ - كان تطويل القراءة في الفجر، وكان يخففها أحيانًا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يطيلها أحيانًا، وترك القنوت في الفجر، وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانًا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحيانًا» (^١).\nوقال صاحب فيض الباري: «ثبتت القراءة بالسورة أيضًا، فلا مناص إلا بالقول بالجواز، وهو قول فخر الإسلام منا، وهو الأصوب عندي، ولعل الأكثر من فعل النبي - ﷺ - تركها، وهو السنة» (^٢).\nوبهذا الجمع نكون قد أعملنا كلا الدليلين، وبه نفهم ما ينقل عن بعض الصحابة من القراءة أحيانًا في بعض الصلوات، وتكون القراءة وتركها من العبادات المتنوعة التي جاءت على أكثر من وجه، فإذا وجد الإنسان نشاطًا على العبادة وأراد أن يقرأ في الثالثة والرابعة ساوى في القراءة بين الركعتين الأوليين وكأنهما ركعة واحدة، وقرأ في الثالثة والرابعة على النصف من قراءته في الأولى والثانية، وأن يكون هذا أحيانًا، وأن يكون غالب فعله ترك القراءة، وأن يكون التفاوت بين الركعة الأولى والثانية فقط، كما دل عليه حديث أبي قتادة، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن القراءة في الثالثة والرابعة يفعله أحيانًا، وإن كان الأكثر من الفعل الاقتصار على قراءة الفاتحة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). زاد المعاد (١/ ٢٤٠).\n(^٢). فيض الباري (٢/ ٥٧٣).","vol":"3","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المبحث الرابع في أقل ما تحصل به السنة من القراءة بعد الفاتحة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة.\n* النص المطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نَصٌّ شرعي، أو إجماع، ولا مقيد هنا.\n* سنة القراءة لا تحصل إلا بآية فأكثر إلا أن تكون الآية طويلة كآية الدَّيْنِ فتحصل السنة ببعض الآية بشرط الإفادة.\n[م-٥٧٧] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nيتفق الفقهاء على استحباب قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الأوليين (^١)، لأنه الغالب من فعل الرسول - ﷺ -، حيث كان يقرأ بسبح مع الغاشية والجمعة مع المنافقون والسجدة مع الإنسان، والكافرون مع الإخلاص.\nواختلفوا في أَقَلِّ مقدار تحصل به السنة:\nفقيل: سورة قصيرة قدرها ثلاث آيات، أو ثلاث آيات قصيرة من أي سورة، أو آية طويلة، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\nوقيل: يحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، ولو بعض آية إن كان له بال، كآية الدَّيْنِ وآية الكُرْسِيِّ ونحوهما، وهذا مذهب المالكية، والأوجه في مذهب الشافعية (^٣).\n_________\n(^١). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، كشاف القناع (١/ ٢٤٢)، الفروع (٢/ ١٧٩).\n(^٢). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٩٤)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٦)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٧).\n(^٣). قال في الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢): والمراد قراءة ما زاد على أم القرآن ولو آية أو بعض آية إذا كان له بال كبعض آية الكرسي والدَّيْنِ في كل ركعة بانفرادها على الأظهر، وكره الاقتصار على بعض السورة على إحدى الروايتين كقراءة سورتين في ركعة في الفرض». =","vol":"3","page":37},{"text":"وقال الحنابلة: تجزئ آية إلا أن أحمد استحب كونها طويلة كآية الدَّيْنِ والكرسِيِّ (^١).\nوقال البهوتي: والظاهر عدم إجزاء آية لا تستقل بمعنى أو حكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَر﴾، [المدثر: ٢١] أو ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ [الرحمن: ٦٤].\n* دليل من قال: يحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، ولو بعض آية:\nالدليل الأول:\nقال الله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nالدليل الثاني:\nوقال - ﷺ - للمسيء صلاته: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. (^٢).\nوجه الاستدلال من الآية والحديث:\nأن الأمر بقراءة القرآن في الصلاة جاء مطلقًا في الكتاب والسنة، والمطلق على إطلاقه، فيحصل فيه الامتثال بما يطلق عليه قرآن، حيث لم يقدر قدرًا معينًا، فكل من قرأ شيئًا من القرآن، ولو بعض آية فقد امتثل الأمر، لأن النصوص المطلقة\n_________\n= وانظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٥٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٣)، الشرح الصغير (١/ ٣١٧)، الثمر الداني (ص: ١٠٥)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٣)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٧).\nوقال في المجموع (٣/ ٣٨٥): ويحصل أصل السنة بقراءة شيء من القرآن، ولكن سورة كاملة أفضل». وانظر: روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٤).\nوكلمة شيء يصدق على ما دون الآية، وقد صرح به ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج والرملي في نهاية المحتاج.\nقال في تحفة المحتاج (٢/ ٥٢): ويحصل أصل السنة بآية، بل ببعضها إن أفاد على الأوجه، والأفضل ثلاث، وسورة كاملة أفضل من بعض طويلة.\nوقال الرملي في نهاية المحتاج (١/ ٤٩١) «والأوجه حصول أصل السنة بما دون آية إن أفاد».\nواقتصر الخطيب في مغني المحتاج على آية (١/ ٣٦١).\n(^١). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، المبدع (١/ ٣٩١)، كشاف القناع (١/ ٣٤٢)، الإقناع (١/ ١١٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٦)، غاية المنتهى (١/ ١٦٨).\n(^٢). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"3","page":38},{"text":"لا يقيدها إلا نصوص شرعية، أو إجماع، ولا مقيد هنا، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٧٥) ما رواه أبو داود من طريق محمد -يعني ابن عمرو- عن علي بن يحيى ابن خلاد، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع، - بقصة المسيء صلاته- قال: إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وبما شاء الله أن تقرأ .... الحديث (^١).\n[زيادة (ثم اقرأ بأم القرآن) انفرد بها محمد بن عمرو، وليست محفوظة] (^٢).\n* دليل من قال: تحصل السنة بقراءة آية كاملة:\nالدليل الأول:\nأن النبي - ﷺ - أمر الذي لا يحسن القرآن أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) علمًا أن قوله: (الحمد لله) هو بعض آية من الفاتحة.\nوقوله: (وسبحان الله) جزء من آية في سورة النمل، كما في قوله: وسبحان الله وما أنا من المشركين.\nوقوله: (لا إله إلا الله) جزء من آية في سورة الصافات، (إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) ومثله التكبير، ومع ذلك عدل به الشارع إلى الذكر، ولم يعتبر بعض هذه الآيات قرآنًا، فدل على أن سنة القراءة لا تحصل إلا بآية فأكثر، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nاستدلوا أيضًا بأدلة القول الأول إلا أنهم حملوا الأمر بقراءة ما تيسر على الآية\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٥٩).\n(^٢). انفرد محمد بن عمرو عن سائر الرواة بالآتي:\n(١) ذكر القراءة بأم القرآن، ولم يذكر الفاتحة كل من رواه عن علي بن يحيى، كما لم يذكر ذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٢) قوله: امدد ظهرك.\nوقد روى الشيخان حديث المسيء في صلاته، ولم يذكروا قراءة أم القرآن، وهو المحفوظ، وقد سبق تخريجه، والكلام عليه في، انظر (ح ١١٨٧، ١٦١٧، ١٦٤٩).","vol":"3","page":39},{"text":"الواحدة، وعللوا ذلك بأنه إذا قرأ بعض الآية فقد يقف في غير موضع الوقف فينقطع الكلام المترابط، وقد يخل بالمعنى، فيفهم منه غير المعنى المراد، وقد يخفى ذلك.\nوهذا التعليل يلزم منه أن تكون تلاوة التعبد لابد فيها من فهم المعنى، وليس ذلك بشرط، فلو قرأ الآية أعجميٌّ، لا يفهم المعنى المراد من الآية أجزأ ذلك عنه، فإذا لم يعلم المصلي فساد المعنى من قراءة بعض الآية فالأصل صحة تلاوته، وسلامة المعنى مطلوب في التلاوة وإن لم يكن شرطًا في صحتها، وإنما من أجل أنه يقبح بالقارئ الوقوف في الآي على لفظ يفسد المعنى، ولو كان ذلك خارج الصلاة، فكيف وهو يناجي به ربه في صلاته.\n* دليل من قال: سورة أو ثلاث آيات من غيرها:\nقالوا: لأن المعجز هو السورة، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، وأقصر السور ثلاث آيات كسورة الكوثر، أو ثلاث آيات من غيرها تقوم مقامها، أو آية طويلة تكون بقدر السورة.\n* ويناقش:\nبأن التحدي قد وقع بأقل من سورة، في قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤].\nولو سلمنا أن التحدي والإعجاز لا يكون بأقل من سورة، فأين الدليل على أن هذا شرط في تلاوة التعبد في الصلاة، فالتعبد في الصلاة يطلب للثواب، وهو حاصل بتلاوة الآية والآيتين.\n(ح-١٤٧٦) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق موسى بن علي، قال: سمعت أبي، يحدث،\nعن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله - ﷺ - ونحن في الصفة، فقال: أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَيْنِ في غير إثم، ولا قَطْعِ رحم؟ فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله ﷿، خير له من ناقتين،","vol":"3","page":40},{"text":"وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٧٧) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا محمد ابن الفضيل، عن أبي سفيان، طريف السعدي عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد، وسورة في فريضة أو غيرها.\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٥١ - ٨٠٣).\n(^٢). هذا الحديث بهذا اللفظ مداره على أبي سفيان طريف السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.\nوقد اضطرب في لفظه:\nفتارة يرويه بلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة، في فريضة أو غيرها)، كما في رواية محمد بن فضيل.\nوتارة يرويه بلفظ: (لا صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وغيرها، فريضة أو غير فريضة) ولم يقدر ذلك بسورة، كما في رواية أبي معاوية عنه عند البيهقي.\nوتارة يرويه بلفظ: (لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب ومعها شيء، وفي رواية ومعها غيرها) كما في رواية أبي حنفية، وعلي بن مسهر، عن طريف السعدي.\nوتارة يرويه بلفظ: (الوضوء مفتاح الصلاة) كما في رواية الأوزاعي عنه.\nورواه جماعة فلم يذكروا قراءة الفاتحة في الصلاة، وهم البقية مما سوف يأتي تخريج طرقهم، إن شاء الله تعالى، وإليك ما وقفت عليه منها:\nفرواه محمد بن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٨٠، ٣٦٣٢)، وسنن الترمذي (٢٣٨)، وتهذيب الآثار للطبري الجزء المفقود (٤٣٩)، وسنن الدارقطني (١٣٥٦)، وأمالي ابن بشران (١٤٧٣).\n\nوعلي بن مسهر كما في سنن ابن ماجه (٢٧٦، ٨٣٩، ١٣٢٤)، ومسند أبي يعلى (١٠٧٧)، ومستخرج أبي نعيم (٢٢٢)، وفي القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣٧).\nوأبو معاوية كما في سنن ابن ماجه (٢٧٦)، وسنن البيهقي (٢/ ١٢١) وليس فيه: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة ...).\nوأبو حنيفة كما في الآثار لأبي يوسف (١)، والآثار لمحمد بن الحسن (٤)، وتهذيب الآثار للطبري الجزء المفقود (٤٤١)، وسنن الدارقطني (١٣٧٧)، وسنن البيهقي (٢/ ٥٣١)، =","vol":"3","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= في القراءة خلف الإمام له (٣٦).\nوالأوزاعي كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٦٣٢)، بلفظ: الوضوء مفتاح الصلاة.\nوإبراهيم بن عثمان كما في سنن الدارقطني (١٣٥٦)، من طريق الوليد بن مسلم، عنه.\nومندل، كما في الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٩)، كلهم، عن أبي سفيان طريف السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. اهـ\nوالحسن عند الترمذي هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه.\nوفي إسناده طريف السعدي، متفق على تضعيفه.\nقال أحمد: ليس بشيء، ولا يكتب عنه. الجرح والتعديل (٤/ ٤٩٢)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٢٢٩).\nوقال أبو داود: ليس بشيء، وقال مرة: واهي الحديث. تهذيب التهذيب (٥/ ١١).\nوقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين له (٣١٨).\nوقال مرة: ليس بثقة. تهذيب التهذيب (٥/ ١١)، تهذيب الكمال (١٣/ ٣٧٧).\nووهم حسان بن إبراهيم الكرماني، حيث ظن أن أبا سفيان: هو أبو سفيان الثوري، فرواه عنه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فأصبح الإسناد وكأنه صحيح.\nرواه أبو يعلى (١١٢٥)، والطبراني في الأوسط (٢٣٩٠)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والبيهقي (٢/ ٥٣١)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٢٩)، من طريق حسان بن إبراهيم، عن أبي سفيان سعيد بن مسروق الثوري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكره.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nوقد نبه على وهم حسانِ بن إبراهيم ابنُ حبان في المجروحين (١/ ٣٨٠)، فقال: «وقد وهم حسانًا بن إبراهيم الكرماني في هذا الخبر، فتوهم حسان لما رأى أبا سفيان أنه والد الثوري، فحدث عن سعيد بن مسروق، ولم يضبطه. وليس لهذا الخبر إلا طريقان:\nأبو سفيان، عن نضرة، عن أبي سعيد.\nوابن عقيل، عن ابن الحنفية، عن علي. وابن عقيل قد تبرأنا من عهدته فيما بعد». اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (١١/ ٣٢٣): «... سعيد بن مسروق لا يحدث عن أبي نضرة، ولعل حسانًا حدثهم عن أبي سفيان، فتوهم من سمعه منه أنه أبو سفيان الثوري سعيد بن مسروق، وقد حدث به عبيد الله العيشي، عن حسان، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، وهذا هو الصحيح».\nوجزم ابن عدي أن الوهم من حسان، لا من الحوضي، لأن الحوضي لم ينفرد به عن حسان، فقد تابعه حبان بن هلال، يقول في الكامل: «اتفق حبان والحوضي فرويا عن حسان، عن سعيد بن مسروق على الخطأ، وابن صاعد لم يقع عنه إلا من رواية الحوضي، عن حسان، فظن الخطأ من الحوضي، وإنما الخطأ من حسان، وقد حدث به مرتين: مرة خطأ، ومرة صوابًا».\nوقد ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٦)، وقال: لم يصح.\nوقال ابن كثير في التفسير (١/ ١٠٩): «وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا .... وفي صحته نظر ...».","vol":"3","page":42},{"text":"* وأجيب:\nبأن الحديث مع شدة ضعفه، قد خالف فيه طريفٌ السعديُّ من هو أوثق منه.\nفرواه قتادة بن دعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، بلفظ: (أمرنا نبينا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر).\nوفي رواية: (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد) وليس فيه ذكر السورة.\nورواه سعيد بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا، بلفظ: (في كل صلاة قراءة قرآن: أم الكتاب فما زاد)، وليس فيه ذكر السورة.\nورواه العوام بن حمزة، حدثنا أبو نضرة، سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام، قال: بفاتحة الكتاب.\nوهذا موقوف، إلا أنه لم يذكر زيادة على الفاتحة، وقد سبق تخريج هذه الطرق في المجلد السابق، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا، ولله الحمد.\n* الراجح:\nأن السنة تحصل بقراءة آية كاملة أو بعض آية طويلة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الخامس في قراءة السورة قبل الفاتحة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* عمل الرسول - ﷺ - في صلاته وعمل المسلمين: هو تقديم أم القرآن في قراءة الصلاة على غيرها من القرآن.\n* إذا قرأ قبل الفاتحة حصلت له سنة القراءة، لأن القراءة محلها القيام، وفاته سنة الترتيب بينها وبين الفاتحة.\n* لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.\n* إذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة لا يعتبر هو ومن لم يقرأ سواءً.\n[م-٥٧٨] اختلف العلماء في قراءة السورة قبل الفاتحة، هل تحصل بها السنة:\nفقيل: يجب تقديم الفاتحة على السورة، حتى لو قرأ حرفًا من السورة قبل الفاتحة ساهيًا، ثم تذكر، فإنه يقرأ الفاتحة، ثم السورة، ويلزمه سجود السهو، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nقال ابن الهمام: «ولو بدأ بحرف من السورة قبل الفاتحة فذكر، فقرأ الفاتحة يسجد للسهو للتأخير» (^٢).\nوقال الجمهور: لو قدمها لم تحسب، ويستحب له أن يعيد السورة (^٣).\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣١٣)، فتح القدير (١/ ٥٠٣)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٢).\n(^٢). فتح القدير (١/ ٥٠٣).\n(^٣). الشرح الكبير (١/ ٢٤٢)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٤٤)، أسنى المطالب (١/ ١٨٨)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦١).\nوقال في شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١): ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة. اهـ\nوانظر: كشاف القناع (١/ ٣٤٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٦).","vol":"3","page":44},{"text":"وجاء في تعليقة القاضي حسين: «لو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب، وقال الشافعي نصًّا، أَسْتَحِبُّ له أن يعيد السورة بعد الفاتحة» (^١).\nوقيل: يكره، وقراءته صحيحة، اختاره ابن حزم (^٢).\n* دليل الحنفية على وجوب تقديم الفاتحة:\nقال ابن نجيم: يجب تقديم الفاتحة على السورة؛ لثبوت المواظبة منه - ﷺ - (^٣).\nيعني: وقد قال - ﷺ -: كما في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي). رواه البخاري، وسبق تخريجه.\nومذهب الحنفية قائم على مسألتين:\nإحداهما: وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة.\nالثانية: وجوب الترتيب بينها وبين الفاتحة.\nومنزعهم في المسألتين ضعيف،\nأما منزعهم في وجوب ما زاد على الفاتحة: فقد أفردت لهذه المسألة مبحثًا مستقلًّا، وبينت أنه قول مرجوح، وأن حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، مفهومه: أن من قرأ فاتحة الكتاب فله صلاة. يعني فيما يتعلق بالقراءة، إلا أن الحنفية لا يرون المفهوم حجة مطلقًا، وهي مسألة خالفوا فيه الجمهور، وأدلة المسألة يراجع فيها أصول الفقه.\nوأما منزعهم في وجوب الترتيب: فهو المواظبة على هذا الترتيب من فعله - ﷺ -، حيث لم يحفظ أنه خالف في ذلك ولو مرة واحدة ليبين الجواز.\nوالمواظبة بمجردها لا تكفي حجة للقول بالوجوب، فهناك عبادات كثيرة واظب عليها النبي - ﷺ -، ولم يذهب الحنفية إلى القول بوجوبها، من ذلك الوضوء، وسنة الفجر، وغيرهما، فالفعل المجرد يدل على الاستحباب، والمواظبة قد تجعل منها سنة مؤكدة، لكن لا يمكن القول بالوجوب لمجرد المواظبة، حتى يلحق\n_________\n(^١). تعليقة القاضي حسين (٢/ ٧٤٨).\n(^٢). المحلى (٣/ ١٧).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":45},{"text":"المصلي الإثم إذا تعمد الإخلال بها، والله أعلم.\n* دليل الجمهور على استحباب إعادة السورة بعد الفاتحة:\nأن القراءة بعد الفاتحة سنة في الصلاة في مَحَلِّها، ومحلُّها بعد الفاتحة، لا قبلها، فإذا جاء بالسنة في غير محلها لم تحسب، وكأنه لم يفعل شيئًا، كما لو قرأ التشهد في القيام، واستحب له الإعادة، ولم تجب؛ لأن قراءة ما زاد على الفاتحة ليس بواجب أصلًا، ولا يوجب ذلك سجود سهو؛ لأن القيام محل للقراءة في الجملة.\n* دليل ابن حزم على كراهة تقديم السورة مع صحة الصلاة:\nقال ابن حزم: «عمل المسلمين وعمل رسول الله - ﷺ -: هو تقديم أم القرآن، فكرهنا خلاف هذا، ولم نبطل الصلاة به؛ لأنه لم يَأْتِ عنه نهي، وقد قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. [المزمل: ٢٠]، والعجب ممن يشنع هذا، ويجيز تنكيس الوضوء، وتنكيس الطواف، وتنكيس الأذان» (^١).\n* الراجح:\nأما القول بوجوب الترتيب بين الفاتحة والسورة فهو ظاهر الضعف.\nوأما القول باستحباب الترتيب بينهما فهو ظاهر، ويبقى الخلاف في مسألتين:\nفي استحباب إعادة القراءة. وفي كراهة تقديم السورة على الفاتحة.\nفأما الأولى: فإذا جاء بالقراءة قبل الفاتحة أيعتبر هو ومن لم يقرأ سواء، أم يقال: إن القراءة محلها القيام، وهذا سنة، وكونها بعد الفاتحة سنة أخرى، فإخلاله بالمحل لا يعود بالإخلال على القراءة، فاعتباره كأنه لم يقرأ فيه ضعف، وعليه فاستحباب الإعادة قد يحتاج إلى دليل.\nوقد يقال: إن السنة الأخرى وهو كونها بعد الفاتحة لم يفت محلها، والقيام كله محلٌّ للقراءة، فإذا قرأ قبل الفاتحة فقراءته صحيحة، فإذا فرغ من الفاتحة استحب له القراءة أيضًا لأن هذا محل للقراءة أيضًا فيستحب له القراءة، لا سيما إذا قرأ غير الآيات التي قرأها حتى لا يقال: أعادها، فالتوجيه هذا قول أقوى من القول\n_________\n(^١). المحلى (٣/ ٢٤).","vol":"3","page":46},{"text":"باستحباب الإعادة للآيات التي قرئت، والله أعلم.\nهذا فيما يتعلق باستحباب إعادة القراءة، وأما القول بكراهة تقديم السورة على الفاتحة، فيقال: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما لم يرد نهي من الشارع عن تقديم السورة على الفاتحة لا يمكن المصير إلى القول بالكراهة، لكن بعض الأصوليين يرون من قسم المكروه ترك السنن المؤكدة، ويعبرون عنه بخلاف الأولى، فهل الترتيب بينهما من السنن المؤكدة لمواظبة النبي - ﷺ - على هذا الترتيب، ومراعاة لخلاف الحنفية حيث يقولون بوجوب الترتيب، فيه تأمل.\nوعلى كل حال فالقول بأنه خلاف الأولى أخف من القول بالكراهة، لأن هذا يلزم منه أن الشارع نهى عنه لا على سبيل الإلزام. وهو لم يحفظ في النصوص، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث السادس</span>\nفي إطالة الركعة الأولى عن الثانية\nالمدخل إلى المسألة:\n* أكثر الأحاديث التي ورد فيها التنصيص على السور تدل على تفضيل الأولى على الثانية، كقراءة السجدة مع الإنسان، وقراءة سورة ق مع القمر، وقراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر.\n* في المسألة حديثان: حديث أبي قتادة ودلالته صريحة على تطويل الأولى على الثانية، وجاء بلفظ (كان ...) الدال على الاستمرار غالبًا، وحديث أبي سعيد ظاهره يقضي تسوية الركعة الثانية على الأولى عن طريق التخمين والحرز.\n* لا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح من حديث أبي سعيد أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما.\n* حديث أبي قتادة يدل على غالب فعل النبي - ﷺ - وحديث أبي سعيد يدل على أنه ربما سوَّى بين الركعتين أحيانًا.\n[م-٥٧٩] ما ورد فيه نص بتفضيل الأولى على الثانية، كما في قراءة السجدة مع الإنسان في صلاة الفجر من يوم الجمعة (^١)، أو قراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر (^٢).\nأو ورد فيه بتفضيل الثانية على الأولى كما في قراءة سورة الأعلى مع الغاشية في صلاة الجمعة والعيدين (^٣).\n_________\n(^١). رواه مسلم (٦٤ - ٨٧٩) من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢). رواه مسلم (٩٨ - ٧٢٦)، من طريق مروان بن معاوية، عن زيد هو ابن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣). رواه مسلم (٦٢ - ٨٧٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، مولى النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير مرفوعًا.","vol":"3","page":48},{"text":"أو ورد فيه بالتساوي كما في قراءة سورة الجمعة مع المنافقون (^١).\nأو كانت المصلحة في إطالة الثانية على الأولى كما في صلاة الخوف من أجل انتظار الجماعة الثانية، فهذا ليس محلًّا للخلاف بين الفقهاء.\nوإنما الخلاف فيما لم يرد فيه نص أيستحب تفضيل الأولى على الثانية أم تسوية الأوليين؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم:\nفقيل: يستحب إطالة الركعة الأولى على الثانية في صلاة الفجر في حق الإمام، وهذا مذهب الحنفية (^٢).\nقال في البدائع «ويستحب للإمام أن يفضل الركعة الأولى في القراءة على الثانية في الفجر بالإجماع» (^٣).\nويقصد بالإجماع: اتفاق أئمة الحنفية.\nوقال ابن عابدين: «وقد علم من التقييد بالإمام، ومن التعليل: أن المنفرد يسوِّي بين الركعتين في الجميع اتفاقًا شرح المنية» (^٤).\nوقيل: يستحب إطالة الأولى على الثانية في الفرض، وهو مذهب المالكية (^٥).\nوقيل: يستحب إطالة الأولى على غيرها في جميع الصلوات.\nوهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية وصححه النووي، والمذهب عند\n_________\n(^١). رواه مسلم (٦٤ - ٨٧٩) من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا.\n(^٢). شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٦)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٦).\n(^٤). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٢).\n(^٥). اعتبر المالكية إطالة الأولى على الثانية من مندوبات الصلاة، لا من سننها، وهو تفريق اصطلاحي في المذهب، وخصوا الندب في الفرض دون النفل، فله أن يطول قراءة الثانية في النافلة إذا وجد الحلاوة، انظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، ضوء الشموع (١/ ٣٥٨)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٥٣).","vol":"3","page":49},{"text":"الحنابلة، وبه قال محمد بن الحسن (^١).\nجاء في الجامع الصغير: «وقال محمد ﵀: أحب إليَّ أن يطول الركعة الأولى على الثانية في الصلوات كلها» (^٢).\nوقال النووي في المنهاج: «وتطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح» (^٣).\nوقيل: لا يفضل الأولى على الثانية، ولا الثالثة على الرابعة بزيادة القراءة، اختاره أكثر الشافعية، وصححه الرافعي (^٤).\nقال النووي في الروضة: «هذا الذي صححه -يقصد الرافعي- هو الراجح عند جماهير الأصحاب، لكن الأصح التفضيل» (^٥).\nفصارت الأقوال ترجع إلى أربعة أقوال:\nاستحباب تفضيل الأولى في الفجر خاصة.\nاستحباب ذلك في الفرض دون السنن والنوافل.\nاستحباب تفضيل الأولى في الصلوات كلها.\nاستحباب التسوية بين الركعة الأولى والثانية، وبين الثالثة والرابعة.\nفإذا خلصنا من تصور الأقوال، ننتقل بعده إلى معرض الحجج والاستدلال.\n* دليل من قال: لا تفضيل إلا في الصبح خاصة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٤٧٨) ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١] وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ في\n_________\n(^١). العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٦)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٧)، المجموع (٣/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٢).\n(^٢). الجامع الصغير وشرح النافع الكبير (ص: ٩٦).\n(^٣). منهاج الطالبين (ص: ٣٠).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٦٩).\n(^٥). روضة الطالبين (١/ ٢٤٨).","vol":"3","page":50},{"text":"صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون (^١).\nوجه الاستدلال:\nدل حديث ابن عباس على تطويل الركعة الأولى عن الركعة الثانية في صلاة الصبح، فسورة السجدة أطول من سورة الإنسان، ودل الحديث أيضًا على تسوية صلاة الجمعة، فسورة الجمعة بقدر سورة المنافقون.\n* وأجيب:\nبأن هذا الحديث لا يدخل في محل النزاع؛ لأنه مما ورد فيه نص بخصوصه، والكلام في المسألة فيما لم يرد فيه نص.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٧٩) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (^٢).\nوجه الاستدلال:\nدل حديث أبي سعيد على تسوية الركعة الثانية بالركعة الأولى حيث كان يقرأ في كل ركعة قدر سورة السجدة، وفي رواية: قدر ثلاثين آية.\n* وأجيب عن هذا الاستدلال:\nسبق أن أجبت على حديث أبي سعيد في مسألة سابقة، وبينت أنه معارض لحديث أبي قتادة، وهو أرجح منه إسنادًا فحديث أبي قتادة في الصحيحين،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٤ - ٨٧٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).","vol":"3","page":51},{"text":"وحديث أبي سعيد في مسلم، ومن طرق الترجيح تقديم المتفق عليه على ما رواه أحدهما، ولأن حديث أبي قتادة قد تضمن زيادة، وهي ضبط التفريق بين الركعتين.\nالدليل الثالث:\nأن الركعتين الأوليين استوتا في وجوب القراءة ووصفها، فتستويان في مقدارها.\nالدليل الرابع:\nعلل الحنفية استثناءهم إطالة الأولى على الثانية في صلاة الصبح بأنه جرى عليه التوارث من لدن رسول الله - ﷺ - إلى هذا الزمان، ولأن الفجر وقت نوم وغفلة بخلاف سائر الصلوات، فكان في إطالة الأولى إعانة للناس على إدراك الجماعة.\n* دليل من قال: يستحب إطالة الأولى على الثانية مطلقًا:\n(ح-١٤٨٠) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^١).\n* وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن إطالة الركعة الأولى ليس راجعًا لطول القراءة.\nقال ابن حجر: «وقال من استحب استواءهما: إنما طالت الأولى بدعاء\n_________\n(^١). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.","vol":"3","page":52},{"text":"الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء» (^١).\n* ورد هذا الجواب:\nبأن الحديث نص على التفاوت بين الركعتين في القراءة، وليس على ما تشمله الركعة الأولى عن الثانية.\nقال ابن الملقن: «وفي هذا الحمل ضعف؛ لأن السياق للقراءة» (^٢).\nالجواب الثاني:\nيحتمل أن تكون الإطالة من النبي - ﷺ - لعارض لكونه أحس بداخل حتى يدرك الركعة، وعليه يستحب للإمام تطويل الأولى على الثانية إن كان ينتظر أحدًا، وإلا سوَّى بين الأوليين.\nولا يساعد لفظ الحديث على هذا الحمل، فإن حديث أبي قتادة جاء بصيغة (كان ...) الدالة على الدوام والتكرار، وأنه مقصود.\n* دليل من قال: يسوي بين الركعتين الأوليين:\n(ح-١٤٨١) ما رواه أبو سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية. رواه مسلم (^٣).\nوسبق ذكره في أدلة القول الأول ومناقشته.\n* الراجح:\nالمسألة فيها حديثان: حديث أبي قتادة ودلالته صريحة على تطويل الأولى على الثانية، وجاء بلفظ يدل (كان ...) الدالة على الاستمرار غالبًا.\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٤٤).\n(^٢). الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٩٧).\n(^٣). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).","vol":"3","page":53},{"text":"وحديث أبي سعيد وظاهره يقضي تسوية الركعة الثانية على الأولى عن طريق التخمين والحرز، وهو ليس دقيقًا، فلا ينافي التفاوت اليسير مما لا يدخل تحت التخمين، فإما أن نرجح وإما أن نجمع.\nفإن سلكنا مسلك الترجيح فسوف يكون ذلك لصالح حديث أبي قتادة، لوجوه منها:\nالأول: أن الحديث في الصحيحين، وحديث أبي سعيد في مسلم.\nالثاني: أن حديث أبي قتادة صريح، فهو نص في إطالة الأولى على الثانية، وحديث أبي سعيد ظاهره التسوية، ولا يمنع التفاوت اليسير، لأن الحزر تقريب، والتفضيل يصدق بأدنى زيادة ولو كان بمقدار آية واحدة، والنص مقدم على الظاهر، والصريح مقدم على المحتمل.\nالثالث: أن حديث أبي قتادة تضمن زيادة على ما يدل عليه حديث أبي سعيد، فتترجح الزيادة.\nالرابع: أن أكثر الأحاديث التي ورد فيها التنصيص على السور تدل على تفضيل الأولى على الثانية، كقراءة السجدة مع الإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة ق مع القمر، وقراءة الكافرون مع الإخلاص في ركعتي الفجر، فإذا كان حديث أبي قتادة يتفق مع دلالتها كان أولى بالتقديم مما يخالفها، ويحمل حديث أبي سعيد أن النبي - ﷺ - فعل هذا لبيان الجواز.\nالخامس: أن إطالة الركعة الأولى على الثانية له معانٍ ترجحه، من ذلك أن المصلين يكونون أكثر نشاطًا، ومن أجل أن يدرك الصلاة من لم يأت بعد.\nوإن سلكنا مسلك الجمع:\nفيقال: حديث أبي سعيد حديث صحيح، ولا يلزم من كون حديث أبي قتادة أصح منه أن يطرح حديث أبي سعيد، إلا لوكان الحديثان متعارضين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فإذا أمكن الجمع بين الدليلين لزم ذلك؛ لأن سلوك الترجيح يؤدي إلى طرح أحد الدليلين مع ثبوت صحته، والجمع إعمال لهما جميعًا، فتعين، فيقال: حديث أبي قتادة يدل على غالب فعل النبي - ﷺ - وحديث أبي سعيد يدل على أنه ربما سوَّى بين الركعتين أحيانًا.","vol":"3","page":54},{"text":"يقول ابن القيم في الهدي: «وهذا كما أن هديه - ﷺ - كان تطويل القراءة في الفجر، وكان يخففها أحيانًا، وتخفيف القراءة في المغرب، وكان يطيلها أحيانًا، وترك القنوت في الفجر، وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرار في الظهر والعصر بالقراءة، وكان يسمع الصحابة الآية فيها أحيانًا، وترك الجهر بالبسملة، وكان يجهر بها أحيانًا» (^١).\nوقال صاحب فيض الباري: «ثبتت القراءة بالسورة أيضًا، فلا مناص إلا بالقول بالجواز، وهو قول فخر الإسلام منا، وهو الأصوب عندي، ولعل الأكثر من فعل النبي - ﷺ - تركها، وهو السنة» (^٢).\nوبهذا الجمع نكون قد أعملنا كلا الدليلين، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). زاد المعاد (١/ ٢٤٠).\n(^٢). فيض الباري (٢/ ٥٧٣).","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>فرع في مقدار التفاوت بين الركعة الأولى والثانية في القراءة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المقادير الواجبة التي لا يجوز تجاوزها توقيفية.\n* ترك المقادير إلى اختيار المكلف يشي بأن الأمر واسع.\n* تحصل فضيلة التفاوت بين الركعتين بأدنى زيادة.\n* لا تكره المبالغة في التفاوت بين الأولى والثانية؛ لأن الكراهة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي.\n* تجوز مساواة الركعة الثانية بالأولى أحيانًا.\n* التفاوت في مقدار القراءة في نصوص ا لسنة متفاوتة مما يدل على أن الأمر واسع.\n* لو سلمنا باستحباب مقدار معين في التفاوت، فإنه لا يلزم من تركه الوقوع في المكروه.\n[م-٥٨٠] اختلف الفقهاء في التفاوت: أهو مقدر بالزمن أم مقدر بالقراءة؟\nفقيل: التقدير بالقراءة، وهو قول الجمهور، وأحد القولين في مذهب الإمام مالك على خلاف بينهم في مقدار التفاوت.\nفقال الحنفية الزيادة بقدر النصف، فيقرأ في الأولى من ثلاثين إلى ستين، وفي الثانية: من عشرين إلى ثلاثين (^١)، إن تقاربت الآيات طولًا وقصرًا، فإن تفاوتت تعتبر من حيث الكلمات والحروف، فإذا قرأ في الأولى من الفجر عشرين آية طويلة، وفي الثانية منها عشرين آية قصيرة، تبلغ كلماتها قدر نصف كلمات الأولى\n_________\n(^١). قال ابن عابدين (١/ ٥٤٢): «التخيير بين جعل الزيادة بقدر نصف ما في الأولى، أو نصف ما في الثانية، فإنه إذا قرأ في الأولى ثلاثين، وفي الثانية عشرين، فالزيادة بقدر نصف ما في الثانية، ولو قرأ في الأولى ستين، وفي الثانية: ثلاثين، فالزيادة بقدر نصف ما في الأولى».","vol":"3","page":56},{"text":"فقد حصل السنة، وإن كثر التفاوت فلا بأس به (^١).\nوقريب من مذهب الحنفية ما ذكره بعض الشافعية، حيث قالوا: يسن تطويل قراءة الأولى بأن تكون الثانية على النصف من الأولى، أو قريبة منه كما في الخادم (^٢).\nواختار بعض المالكية في أحد القولين أن تكون الثانية أقل من الأولى بالربع فما دون على القول بأن التفاوت مقدر بالقراءة، لا بالزمن، وكرهوا أن تكون الثانية على النصف من الأولى؛ لأن فيه مبالغة بالتقصير (^٣).\nجاء في حاشية العدوي: «المطلوب أن تكون الثانية أقل من الأولى يسيرًا، لا نصفها فأقل؛ لكراهته كما قال تت (^٤).\nوقال الفقيه راشد: «الأقلية بنقص الربع أو أقل منه» (^٥).\nوجاء في الفواكه الدواني: «تكره المبالغة في تطويل الأولى، والمبالغة في تقصير الثانية بأن تقرأ في الأولى بيوسف وفي الثانية بالكوثر» (^٦).\nقال عليش: «سواء اعتبر -يعني التطويل والتقصير- في القراءة أو في الزمن» (^٧).\nوقيل: التفاوت مقدر بالزمن، لا بالقراءة، وهو أظهر القولين في مذهب المالكية (^٨).\n_________\n(^١). قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٥٤٣): «والحاصل أن سنية إطالة الأولى على الثانية وكراهية العكس، إنما تعتبر من حيث عدد الآيات إن تقاربت الآيات طولًا وقصرًا، فإن تفاوتت تعتبر من حيث الكلمات، فإذا قرأ في الأولى من الفجر عشرين آية طويلة، وفي الثانية منها عشرين أية قصيرة، تبلغ كلماتها قدر نصف كلمات الأولى فقد حصل السنة، ولو عكس يكره ...». وانظر: منحة الخالق على البحر الرائق (١/ ٣٦٢)، حاشية الطحطاوي على المراقي (ص: ٢٦٤)، الفتاوى الهندية (١/ ٧٨).\n(^٢). حاشية قليوبي (١/ ١٧٣)، وانظر: شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم (ص: ٢٢٣).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٢)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٧).\n(^٤). إذا قال العدوي في حاشيته (تت) فهو إشارة للشيخ مصطفى المغربي، انظر حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٣).\n(^٥). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٧٢).\n(^٦). الفواكه الدواني (١/ ١٨٤).\n(^٧). منح الجليل (١/ ٢٥٨).\n(^٨). اختلف المالكية في تقدير الطول والقصر أهو مقدر بالقراءة، بحيث لو قرأ في الثانية سورة =","vol":"3","page":57},{"text":"* الراجح من الخلاف:\nأنه لم يَأْتِ في الشرع حد معين للزيادة، فتحصل الفضيلة بأدنى زيادة، ولا تكره المبالغة في التفاوت بين الأولى والثانية؛ وهو مذهب الحنفية؛ لأن الكراهة حكم شرعي يتوقف على دليل شرعي، وإذا نظرنا إلى التفاوت الحاصل في مقدار القراءة المنصوصة في السنة وجدنا أن الزيادات متفاوتة، وهذا يشي بأن الأمر واسع، وعلى التسليم باستحباب مقدار معين في التفاوت، فإنه لا يلزم من تركه الوقوع في المكروه؛ والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n= قصيرة عن سورة الأولى، إلا أنه رتلها حتى طال زمن الثانية عن الأولى كان آتيًا بالمندوب، أم هو مقدر بالزمن، وإن قرأ فيها أكثر مما قرأ في الأولى، قولان عند المالكية، والأظهر عندهم أن التقدير بالزمن.\nوكرهوا المبالغة في التقصير، سواء اعتبر التقدير بالقراءة أم بالزمن. وعلى التقدير بالقراءة فإنها تقدر الأقلية بالربع فما دون، والتسوية بين الركعتين في الفرض خلاف الأولى.\n\nانظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، ضوء الشموع (١/ ٣٥٨)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٥٣)،.","vol":"3","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المبحث السابع في إطالة الركعة الثانية على الأولى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المكروه هو ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولم يحفظ نهي من الشارع عن إطالة الثانية على الأولى.\n* ترك السنن المؤكدة خلاف الأولى عند الشافعية خلافًا للحنفية.\n* إطالة الأولى لا يُعَدُّ من السنن المؤكدة بدليل أن النبي - ﷺ - كان يخالف ذلك كل أسبوع في الجمعة إذا قرأ بسبح والغاشية، والأولى تسع عشرة آية، والثانية ست وعشرون آية.\n* لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.\n* يستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا؛ لورود مثل ذلك في نصوص القراءة المحفوظة.\n[م-٥٨١] في المسألة ما قبل السابقة بحثت مشروعية إطالة الركعة الأولى على الثانية، حيث ذهب الجمهور إلى استحباب إطالة الأولى خلافًا للشافعية في أحد القولين حيث استحبوا التسوية بينهما.\n* ويفهم من الخلاف:\nأنه لا يوجد قول يذهب إلى مشروعية إطالة الثانية على الأولى.\nوأما قول ابن الملقن: «واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى إلا مالكًا فإنه قال: لا بأس بذلك، مستدلًّا بأنه ﵇ قرأ في الركعة الأولى سورة الأعلى، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية: بالغاشية، وهي ست وعشرون آية» (^١).\n_________\n(^١). التوضيح شرح الجامع الصحيح (٧/ ٥٣)، وسبقه إلى نقل ذلك الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ١٣٠)، وانظر: عمدة القارئ (٦/ ٩)، والكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (٢/ ٣٩٠).","vol":"3","page":59},{"text":"فهذا لا يصح نسبته لمالك، وإنما قال به عبد الحكم من أصحاب مالك في مختصره خلافًا للمعتمد من المذهب، كما سيأتي توثيق ذلك حين عرض الأقوال (^١).\nوقول عبد الحكم يدل على جواز إطالة الثانية على الأولى، وهو لا ينفي استحباب إطالة الأولى؛ لأن ترك المستحب من قبيل الجائز، ولا يلزم منه الوقوع في المكروه، إذا وقفت على ذلك، فنأتي للخلاف في مسألتنا:\nفقال الحنفية والمالكية: يكره تنزيهًا إطالة الثانية على الأولى في الفرائض دون النوافل، وخص الحنفية الكراهة بزيادة ثلاث آيات فصاعدًا، فإن كان التفاوت بآية أو آيتين فلا يكره (^٢).\nوانفرد الحنفية بالقول بأنه لا يكره إطالة الثالثة على الثانية والأولى.\n_________\n(^١). وقد وجدت بعد كتابة هذا النص الشيخ محمد الخضر الشنقيطي في كتابه كوثر المعاني في كشف خبايا البخاري (٩/ ١٩٠) يقول: «واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى، وكون مالك مخالفًا في هذا غير صحيح».\n(^٢). إطالة الركعة الثانية على الأولى بثلاث آيات فصاعدًا في الفرائض مكروه بالاتفاق عند الحنفية، وأما إذا كان التفاوت قليلًا نحو آية أوآيتين فلا يكره؛ لأن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمعوذتين وإحداهما أطول من الأخرى بآية، لأنه لا يمكن الاحتراز منه.\nقال في الجوهرية النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٨): «وأما إطالة الثانية على الأولى فمكروه بالإجماع في الصلوات كلها، وهذا في الفرائض، وأما في السنن والنوافل فلا يكره»\nوقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٦٢): «ويشكل على هذا الحكم ما ثبت في الصحيحين من قراءته - ﷺ - في الجمعة والعيدين في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية، مع أن الثانية أطول من الأولى بأكثر من ثلاث آيات، فإن الأولى تسع عشرة آية، والثانية ست وعشرون آية.\nوقد يجاب: بأن هذه الكراهة في غير ما وردت به السنة، وأما ما ورد عنه ﵊ في شيء من الصلوات فلا.\n\nأو الكراهة تنزيهية وفعله -﵊- تعليمًا للجواز، لا يوصف بها، والأول أولى؛ لأنهم صرحوا باستنان قراءة هاتين السورتين في الجمعة والعيدين». اهـ\nوأما زيادة الركعة الثانية على الأولى في السنن والنوافل ولو بثلاث آيات فصاعدًا فلا يكره؛ لأن أمرها سهل خلافًا لأبي يوسف. وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٧)، حاشية العدوي على تبيين الحقائق (١/ ١٣٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٢)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٦).","vol":"3","page":60},{"text":"قال في العناية: «ولا معتبر بالزيادة والنقصان بما دون ثلاث آيات؛ لأن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمعوذتين، والثانية أطول بآية» (^١).\nوقال ابن عابدين: «وأما إطالة الثالثة على الثانية والأولى فلا تكره لِمَا أنه شفع آخر» (^٢).\nولا يرد بهذا التعليل الضعيف السنة الصريحة.\nوقال الْأَقْفَهْسِيُّ المالكي: وله أن يطول قراءة الثانية في النافلة إذا وجد حلاوة (^٣).\nويستثنى من كراهة إطالة الثانية على الأولى ما ورد فيه نص، كقراءة سبح والغاشية في صلاة الجمعة والعيد واعتبره الحنابلة من التفاوت اليسير الذي لا أثر له (^٤).\nزاد الشافعية: أو كانت المصلحة تقتضي ذلك، كإطالة الركعة الثانية في صلاة الخوف على الأولى حتى تأتي الفرقة الثانية، أو ليلحق نحو المزحوم (^٥).\nقال ابن مفلح: «... ولعل المراد: لا أثر لتفاوت يسير، ولو في تطويل الثانية على الأولى؛ لأن الغاشية أطول من سبح، وسورة الناس أطول من الفلق، وصلى ﵇ بذلك، وإلا كره» (^٦).\nوقيل: يكره إطالة الثانية على الأولى مطلقًا في جميع الصلوات، وهو مذهب الحنابلة، وقول عند الحنفية (^٧).\n_________\n(^١). العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٧).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٤).\n(^٣). المدخل لابن الحاج (٢/ ١٣٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٢)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٧) و(٣/ ١١١)، منح الجليل (١/ ٢٥٨).\n(^٤). البحر الرائق (١/ ٣٦٢)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٦٩)، بداية المحتاج (١/ ٢٦٢)، الفروع (٢/ ٤٥١).\n(^٥). قال في مغني المحتاج (١/ ٣٩٢): ومحل الخلاف فيما لا نص فيه ولا مصلحة في خلافه.\nأما ما فيه نص ... بتطويل الثانية كسبح وهل أتاك في صلاة الجمعة، أو العيد، فيتبع.\nأو المصلحة في خلافه: كصلاة ذات الرقاع للإمام، فيسن له أن يخفف في الأولى، ويطيل الثانية حتى تأتي الفرقة الثانية ....». وانظر: البيان للعمراني (٢/ ٥١٢)، المنهاج القويم (ص: ٩٩).\nوانظر: المبدع (٢/ ٦٦)\n(^٦). الفروع (٢/ ٤٥١)، وانظر: الإنصاف (٢/ ٢٤٠).\n(^٧). قال في حاشية ابن عابدين نقلًا من شرح المُنْية (١/ ٥٤٣): «والأصح كراهة إطالة الثانية على الأولى في النفل أيضًا إلحاقًا له بالفرض فيما لم يرد به تخصيص من التوسعة، كجوازه قاعدًا بلا عذر ونحوه». وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٧)، نور الإيضاح (ص: ٧٢)، الإنصاف (٢/ ٢٤٠)، الفروع (٢/ ٤٥١)، المبدع (٢/ ٦٥).","vol":"3","page":61},{"text":"قال ابن العربي: «من لم يطل الأولى عن الثانية فهو جاهل» (^١).\nوقال الإمام أحمد فيمن طول قراءة الثانية على الأولى: «يجزئه، وينبغي أن لا يفعل» (^٢).\nوقيل: لا بأس بطول قراءة ثانية الفريضة عن الأولى اختاره ابن عبد الحكم المالكي في مختصره، خلافًا للمعتمد من المذهب (^٣).\nويحمل قوله: (لا بأس به) على الإجزاء، وإن كان غيره أفضل منه، فهو بنحو قول الإمام أحمد.\nفخلص لنا من الأقوال:\nكراهة إطالة الثانية على الأولى مطلقًا، في الفرائض والنوافل.\nكراهة إطالتها في الفرائض خاصة.\nجواز إطالة الثانية على الأولى.\n* دليل من قال: يكره إطالة الثانية عن الأولى:\n(ح-١٤٨٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^٤).\n_________\n(^١). شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٣٣).\n(^٢). الفروع (٢/ ٤٥١)، المبدع (٢/ ٦٥)، الإنصاف (٢/ ٢٤٠).\n(^٣). الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤١).\n(^٤). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.","vol":"3","page":62},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية).\nفإذا ثبت أن هذا كان من سنته في الصلاة فإن مخالفة السنة في الصلاة مكروهة.\n* ويناقش:\nإذا رُتِّبَتْ الكراهة على ترك السنة، فينبغي أن يوقف هنا وقفة في تعريف أقسام الكراهة عند الأصوليين، ومتى يكون ترك السنة من قبيل المكروه.\nفالكراهة ليست على درجة واحدة، فمن المكروه: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، وهذا أعلى درجات الكراهة، وهذه الكراهة لا تنطبق على مسألتنا، حيث لم يحفظ نهي من الشارع عن تطويل الثانية على الأولى.\nومنها مخالفة السنن المؤكدة، مثل ترك سنة الوتر، فالحنفية يجعلون ترك مثل ذلك من قبيل ارتكاب الحرام، والجمهور يلحقونه بالمكروه، ويجعلونه أخف من المكروه الذي توجه له نهي الشارع عن فعله لا على سبيل الإلزام، ويطلق عليه بعضهم خلاف الأولى.\nيقول ابن نجيم: «السنة إذا كانت مؤكدة قوية لا يبعد أن يكون تركها مكروهًا كراهة تحريم، كترك الواجب، فإنه كذلك، وإن كانت غير مؤكدة فتركها مكروه تنزيهًا» (^١).\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ٣٤)، فالحنفية يقسمون المنهيات:\n\nالحرام: ما ثبت بدليل قطعي، يليه: المكروه كراهة تحريم: ما ثبت بدليل ظني، يلي ذلك: المكروه كراهة تنزيه، فالمكروه تحريمًا نسبته إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض. انظر الدر المختار (ص: ٦٥٠).\nبخلاف الشافعية، فإنهم يقسمون المنهيات: إلى حرام، ومكروه، وخلاف الأولى.\nقال النووي عن مسألة فقهية في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ١٧٨): «لا كراهة فيه، ولكنه خلاف الأولى»، فنفى عنه الكراهة، وأثبت له خلاف الأولى، وخلاف الأولى يختلف عن المباح المستوي الطرفين. والله أعلم.","vol":"3","page":63},{"text":"وهذا القسم من الكراهة لا ينطبق على مسألتنا، لأن إطالة الأولى في الصلاة ليس من السنن المؤكدة، وذلك أن السنن تتفاوت، وهي أقسام.\nالأول منها: ما أمر بها الشارع لا على سبيل الإلزام، وحث عليها، وداوم على فعلها، فهذه أعلى درجات السنن وآكدها، وتركه يوقع في القسم الثاني من الكراهة، وهو خلاف الأولى خلافًا للحنفية حيث يجعلونه من المكروه كراهة تحريم.\nالثاني من السنن: ما أمر به الشارع، ولم يواظب عليها، وهذه دون الأولى.\nالثالث من السنن: ما ثبت بمجرد الفعل، ولم يأمر بها، وهذه لا كراهة في تركها، سواء أكانت من السنن التي داوم على فعلها، أم كانت من السنن التي كان يتركها أحيانًا في الحضر، أو يتركها في حال السفر، وهو دون التي فوقها، كراتبة الظهر والمغرب والعشاء، وهذه أخف من كل ما سبق.\nفإذا بحثنا في سنة تطويل الركعة الأولى على الثانية، فلم يحفظ أمر من النبي - ﷺ - بفعلها، ولم يحث عليها، ولم يواظب على فعلها، بدليل أن بعض القراءات المنصوصة تكون الركعة الثانية أطول من الركعة الأولى، كما في قراءة الغاشية مع سبح في الجمعة والعيد، وقرأ النبي - ﷺ - بالفلق والناس، والأخيرة أطول من التي قبلها، لهذا لا يمكن أن تكون من قسم المكروه الأخف، وهوما عبر عنه بعض الأصوليين بقوله: خلاف الأولى، وبالتالي لا نستطيع أن نقول: إنه يلزم من ترك هذه السنة الوقوع في المكروه إلا في السنن المؤكدة، التي أمر بها، وواظب على فعلها، ولم يتركها حضرًا ولا سفرًا، كترك سنة الفجر، فيقال: إنها من قسم المكروه الأخف، وقد قال النبي - ﷺ - حين تيمم لرد السلام: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، وليس ذكر الله مكروهًا بمعنى أن الشارع نهى عنه نهيًا غير جازم، وإنما هذه الكراهة من قبيل مخالفة الأكمل، ولهذا قالت عائشة: كان يذكر الله على كل أحيانه كما في مسلم، ولا يلزم من ذلك الوقوع في المكروه والذي هو من القسم الأول، والله أعلم.\n* دليل من قال: تكره إطالة الثانية في الفرض:\nأن النفل أوسع من الفرض، وأسهل، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض، وإذا","vol":"3","page":64},{"text":"كان الشارع خفف بعض الأركان في النفل طلبًا لتكثير النوافل كالقيام واستقبال القبلة والصلاة على الدابة ونحوها جاز إطالة الثانية على الأولى، وقد يجد المصلي نشاطًا في الركعة الثانية، أو يجد حلاوة للقراءة فيحب أن يسترسل في القراءة، فلا تكره له إطالة الثانية.\n* وأجيب:\nإذا لم تثبت الكراهة في الفرض على الصحيح لم تثبت في النفل من باب أولى.\n* دليل الحنفية على تقييد الكراهة بما زاد على الآيتين:\nصح عن النبي - ﷺ - أنه صلى بالمعوذتين من حديث عقبة بن عامر، وهو حديث حسن والثانية أطول من الأولى بآية (^١).\nوصلى بسبح والغاشية والثانية أطول، وإن زادت الثانية على الأولى بأكثر من ثلاث آيات، إلا أنه لا تفاوت بينهما ظاهر من حيث الكلمات والحروف، بل هما متقاربتان (^٢).\n* وأجيب:\nبأن الكلمات في سورة الأعلى اثنتان وسبعون كلمة تقريبًا، والكلمات في سورة الغاشية ثلاث وتسعون كلمة تقريبًا، فالتفاوت بينهما في حدود عشرين كلمة، والمفصل آياته من ثلاث كلمات إلى خمس، وعليه فالزيادة تكون أكثر من ثلاث آيات.\n* دليل من قال: يباح تطويل الثانية على الأولى:\nلعل هذا القول قد بناه على مقدمتين:\nالمقدمة الأولى: أنه لم يحفظ عن الشارع أمر بإطالة الأولى.\nالمقدمة الثانية: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ في الركعة الأولى من الجمعة بسورة الأعلى، وهي تسع عشرة آية، وفي الثانية: بالغاشية، وهي ست وعشرون آية.\nفإذا سلمنا أن إطالة الأولى من السنن لكونه الغالب على فعل النبي - ﷺ -، فإن مخالفته من النبي - ﷺ - على وجه يتكرر كل أسبوع في الجمع دليل الإباحة، وهو يدل\n_________\n(^١). سوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في مقدار القراءة في السفر.\n(^٢). انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٣).","vol":"3","page":65},{"text":"على ذلك لو وقع من المصطفى - ﷺ - مرة واحدة، فكيف إذا كان يتكرر في غالب الجمع، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.\n* ونوقش:\nبأن الخلاف فيما لم يرد فيه نص، أما ما ورد فيه نص في إطالة الثانية على الأولى فليس داخلًا في الخلاف.\n* ويجاب عنه:\nبأن ورود النص لا يدل على استثناء هذه المسألة من محل الخلاف إلا لو كان هناك أَمْرٌ بإطالة الأولى على الثانية، حتى إذا جاء نص بإطالة الثانية قيل: هذا مستثنى بالنص، أما إذا لم يحفظ أمر من الشارع بإطالة الأولى، وحفظ من النصوص إطالة الأولى على الثانية، وإطالة الثانية على الأولى دل ذلك على أن الأمر فيه سعة، وأمكن القياس على إطالة الثانية بأن يقال: يجوز فعل ذلك أحيانًا، لا دائمًا، هذا ما تقتضيه دلالة النصوص، والله أعلم\nوهذا القول هو الراجح، فلا يكره إطالة الثانية على الأولى، فيستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>المبحث الثامن في القراءة من أواسط السور وأواخرها</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* القرآن في الصلاة على قسمين: معين لا يجزئ عنه غيره: وهي الفاتحة مع القدرة عليها. ومطلق: وهو فيما زاد على الفاتحة، وما جاء مطلقًا في النصوص فهو جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولا مُقَيِّدَ هنا.\n* ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل.\n* الأدلة الدالة على أفضلية قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة لا تقتضي كراهة الاقتصار على بعض السورة، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.\n[م-٥٨٢] استحب جمهور الفقهاء قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية (^١)، حتى قال بعض المالكية والشافعية: قراءة سورة قصيرة أولى من بعض سورة طويلة (^٢).\nوقال الحنفية: قراءة آخر سورة واحدة، أفضل من السورة إن كان الآخر أكثر آية (^٣).\nجاء في تبيين الحقائق نقلًا من فتاوى أبي الليث: «سئل عن القراءة في الركعتين من آخر السورة أفضل، أم قراءة سورة بتمامها. قال: إن كان آخر السورة التي أراد قراءتها أكثر من السورة التي أراد قراءتها فالقراءة من آخر السورة أفضل، وإن كانت السورة أكثر آية، فقراءتها أفضل» (^٤).\n_________\n(^١). الشرح الصغير للدردير (١/ ٣٢٤)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٣)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤).\n(^٢). حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٣٢٤)، أسهل المدارك (١/ ٢١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٢).\n(^٣). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٤٣)، البحر الرائق (٢/ ٣٥)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٤).\n(^٤). تبيين الحقائق (١/ ١١٣)، وانظر: النهر الفائق (١/ ٢٣٧).","vol":"3","page":67},{"text":"وإنما كانت العبرة للأكثر عند الحنفية؛ لأن الثواب أكثر، فله في كل حرف يقرؤه عشر حسنات.\nويجاب: بأن إصابة السنة أولى من الكثرة، فإن الله أخبر في كتابه، فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]. ولم يقل: أكثركم عملًا.\n* وقد استدل الجمهور على إصابة السنة:\n(ح-١٤٨٣) بما رواه البخاري من طريق شيبان، عن يحيى (يعني ابن أبي كثير)، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب، وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانًا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية.\nورواه مسلم من طريق الحجاج يعني الصواف، عن يحيى ابن أبي كثير به (^١).\nقال النووي: «فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم: إن قراءة سورة قصيرة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فندب منهم إلى إكمال السورة؛ ليحترز عن الوقوف دون الارتباط» (^٢).\n[م-٥٨٣] واختلفوا في كراهة القراءة من أواسط السور أو من أواخرها:\nفقيل: لا يكره مطلقًا، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وإحدى الروايتين عن مالك، ونسبه النووي للجمهور (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٥٩)، وصحيح مسلم (١٥٤ - ٤٥١).\n(^٢). شرح النووي على مسلم (٤/ ١٧٤).\n(^٣). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٤٣)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٦)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١١)، النهر الفائق (١/ ٢٣٧)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٣١).\nوقال خليل في التوضيح شرح جامع الأمهات (١/ ٣٢٩): «ذكر المازري والباجي في الاقتصار على بعض السورة قولين لمالك. قال في المختصر: لا يفعل ذلك، وإن فعل أجزأه.\nوروى الواقدي عن مالك: لا بأس أن يقرأ بأم القرآن، وآية مثل آية الدَّيْنِ». اهـ =","vol":"3","page":68},{"text":"قال في الإنصاف: «ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها، هذا المذهب، نقله الجماعة، وعليه الأصحاب» (^١).\nوقيل: يكره تنزيهًا، وهو قول في مذهب الحنفية، وإحدى الروايتين عن مالك، ورواية عن أحمد (^٢).\nوقيل: يقرأ من أواسط سورة واحدة، أو من أواخر سورة واحدة في الركعتين، فإن كان ذلك من سورتين كُرِهَ، قال في المحيط البرهاني: على ما هو ظاهر الرواية،\n_________\n= وانظر: المنتقى للباجي (١/ ١٤٨)، شرح التلقين (١/ ٥٣٩، ٥٤٠).\nوقال النووي في شرحه على مسلم (٤/ ١٧٧): «والقراءة ببعض السورة وهذا جائز بلا خلاف ولا كراهة فيه، إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر فلا كراهة فيه أيضًا، ولكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك رحمه الله تعالى في رواية عنه والمشهور عنه كراهته».\nوالقول بأنه هو المشهور في مذهب مالك إن قصد بالمشهور في الاصطلاح ففيه نظر؛ لأن المحققين في المذهب حكوا الروايتين بلا تشهير لإحداهما، كما سيأتي التنبيه على ذلك.\nوانظر: المجموع (٣/ ٣٨٥)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٤)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٥٥)، الإنصاف (٢/ ٩٩)، المحرر (١/ ٥٤)، الفروع (٢/ ١٨١)، المبدع (١/ ٤٣٢)، الإقناع (١/ ١٢٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢).\n\n(^١). الإنصاف (٢/ ٩٩).\n(^٢). درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١١)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٤).\n\nوقال في الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢): «وكره الاقتصار على بعض السورة على إحدى الروايتين كقراءة سورتين في ركعة في الفرض».\nوجاء في لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٩٦): «وترك إكمال السورة مكروه، قال الشيخ عبد الباقي: على المشهور. وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من أين له هذا التشهير، فقد ذكر في التوضيح قولين لمالك: بالكراهة، والجواز من غير ترجيح، وليس في الخطابِ تشهير، وإنما فيه الكراهة».\nوانظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٩)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٤٧)، كوثر المعاني (٩/ ١٨٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٨)، المدخل لابن الحاج (٢/ ٢٧٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، الذخيرة (٢/ ٢٠٩)، منح الجليل (١/ ٢٥٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٧٦)، الإنصاف (٢/ ٩٩)، الفروع (٢/ ١٨١)، المبدع (١/ ٤٣٢).","vol":"3","page":69},{"text":"ونسبه في فتح القدير والنهر الفائق لأكثر الحنفية (^١).\nقال في النهر: «وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة واحدة، لا آخر سورتين فإنه مكروه عند الأكثر» (^٢).\nوقيل: تكره القراءة من أواسط السور دون أواخرها، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nقال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين: واختلفت هل تكره القراءة من وسط السور؟\nفنقل صالح أما آخر السورة فأرجو، وأما وسطها فلا، وظاهر هذا الكراهة ...» (^٤).\nوقيل: تكره المداومة، وهو رواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١). وأما قول ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٣٤٣): «إذا قرأ سورة واحدة في ركعتين اختلف فيه، والأصح أنه لا يكره، لكن لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل لا بأس به، وكذا لو قرأ وسط السورة أو آخر سورة في الأولى، وفي الثانية وسط سورة أو آخر سورة أخرى: أي لا ينبغي أن يفعل، ولو فعل لا بأس به».\nفقوله: لا يكره، يريد بذلك نفي الكراهة التحريمية؛ لأن الكراهة إذا أطلقت عند الحنفية حملت على التحريمية.\nقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٥٤٦): «في شرح المنية عن الخانية: الصحيح أنه لا يكره، وينبغي أن يراد بالكراهة المنفية التحريمية، فلا ينافي كلام الأكثر، ولا قول الشارح: لا بأس تأمل، ويؤيده قول شرح المنية عقب ما مَرَّ: وكذا لو قرأ في الأولى من وسط سورة أو من سورة أولها، ثم قرأ في الثانية من وسط سورة أخرى، أو من أولها، أو سورة قصيرة: الأصح أنه لا يكره، لكن الأولى أن لا يفعل من غير ضرورة».\nفقوله: (الأصح أنه لا يكره، لكن الأولى أن لا يفعل من غير ضرورة) فقوله: (لا يكره)، أراد نفي الكراهة التحريمية، وقوله: (لا يفعل من غير ضرورة)، أراد إثبات الكراهة التنزيهية.\nوانظر: النهر الفائق (١/ ٢٣٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ١١١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٣٠٤).\n(^٢). النهر الفائق (١/ ٢٣٧).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٩٩).\n(^٤). المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٠)، وانظر: بدائع الفوائد ط عالم الفوائد (٣/ ٩٩٢)، الجامع لعلوم الإمام أحمد، الفقه (٦/ ١٣٧).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٩٩)، الفروع (٢/ ١٨١)، المبدع (١/ ٤٣٢).","vol":"3","page":70},{"text":"* حجة من قال: لا يكره:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم الكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي، لا يقوم إلا على دليل شرعي، ولا يوجد في النصوص ما يدل على كراهة قراءة أواسط السور أو أواخرها، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\n(ح-١٤٨٤) وقال - ﷺ - للمسيء صلاته كما في حديث أبي هريرة: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .. متفق عليه (^١).\n(ح-١٤٨٥) وقال - ﷺ - كما في حديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (^٢).\nوجه الاستدلال من هذه النصوص:\nأن القرآن في الصلاة على قسمين:\nمعين لا يجزئ عنه غيره: وهي الفاتحة مع القدرة عليها.\nومطلق: وهو فيما زاد على الفاتحة، وما جاء مطلقًا في النصوص فهو جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع، ولا مقيد هنا، فإذا قرأ من أوائل السور أو من أواسطها، أو من أواخرها فقد حصل الامتثال، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٨٦) ما رواه أحمد من طريق همام، حدثنا قتادة، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد، أمرنا نبينا - ﷺ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (^٣).\n[رفعه قتادة، ورواه غيره موقوفًا، وقتادة أحفظ، وأعله البخاري بعنعنة قتادة] (^٤).\n(ح-١٤٨٧) وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه أحمد وغيره، من طريق عن\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\n(^٣). المسند (٣/ ٣، ٤٥، ٩٧).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٨٦).","vol":"3","page":71},{"text":"جعفر بن ميمون، قال: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يخرج فينادي أن: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد (^١).\n[انفرد به جعفر بن ميمون على اختلاف عليه في لفظه ومخالفته للأحاديث الصحيحة كحديث عبادة وحديث أبي هريرة وغيرهما] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النص لم يعين من القراءة إلا الفاتحة، وأطلق القراءة فيما عداها.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٤٨٨) ما رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، قال: أخبرني سعيد بن يسار،\nأن ابن عباس، أخبره أن رسول الله - ﷺ -، كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ٥٢] (^٣).\nوما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل؛ لكونهما عبادة من جنس واحد.\nورواه مسلم من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].\n[وهم فيه أبو خالد الأحمر في الآية الثانية] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٤٢٨).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٣٧٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٩٩ - ٧٢٧).\n(^٤). الحديث مداره على عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس به.\n\nفرواه مرواه بن معاوية الفزراي كما في صحيح مسلم (٩٩ - ٧٢٧)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٤٤)، وفي الكبرى له (١٠١٨، ١١٠٩٣)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٩٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٦١)، ومستخرج أبي نعيم (١٦٤٦).\nوعيسى بن يونس، كما في صحيح مسلم (٧٢٧). =","vol":"3","page":72},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٤٨٩) روى مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد ابن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي،\nعن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي - ﷺ -: الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى، وهارون أو ذكر عيسى -محمد بن عباد يشك- أو اختلفوا عليه أخذت النبي - ﷺ - سعلة فركع وعبد الله بن السائب، حاضر ذلك (^١).\nوجه الاستدلال:\nفإذا جازت القراءة بأوائل السورة، جاز بأواسطها وبالخواتيم، بجامع أن كُلًّا\n_________\n= وزهير بن معاوية كما في سنن أبي داود (١٢٥٩)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٧٠٦)، ومستخرج أبي عوانة (٢١٦٢).\nوعبد الله بن نمير كما في مسند أحمد (١/ ٢٣٠)، ومستخرج أبي نعيم (١٦٤٦).\nويعلى بن عبيد الطنافسي كما في مسند أحمد (١/ ٢٣١)، خمستهم رووه عن عثمان بن حكيم، وذكروا الآية الثانية: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون.\nخالفهم أبو خالد الأحمر كما في صحيح مسلم (١٠٠ - ٧٢٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (٦٣٣٨)، وصحيح ابن خزيمة (١١١٥)، ومستدرك الحاكم (١١٥٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٦١)، فرواه عن عثمان بن حكيم به، وذكر الآية الثانية: قل يا أهل الكتاب تعالوا.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. اهـ وقد أخرجه مسلم كما علمت.\nوقد أخطأ فيه أبو خالد الأحمر، ولا تحتمل مخالفته لهؤلاء، وقد قالوا في ترجمته: بأنه صدوق يخطئ، وقال البزار: «اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا».\nولعل الوهم دخل على أبي خالد الأحمر بسبب أن آية (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء الآية آخرها: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.\nفإن قيل: قد رواها مسلم في صحيحه، ألا يعتبر هذا تصحيحًا منه؟\nفالجواب: لا يعتبر تصحيحًا؛ فمن درس صحيح مسلم علم أن مسلمًا يتبع الروايات الصحيحة بالروايات المعللة إشارة إلى تعليلها، لا اعتمادًا على صحتها.\n\n(^١). صحيح مسلم (١٦٣ - ٤٥٥)، وقد ذكره البخاري معلقًا، قال أبو عبد الله في باب الجمع بين السورتين في الركعة (١/ ١٥٤): ويذكر عن عبد الله بن السائب: قرأ النبي - ﷺ - المؤمنون في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون -أو ذكر عيسى- أخذته سعلة فركع.","vol":"3","page":73},{"text":"منها بعض سورة.\n* ونوقش:\nبأن ركوعه كان لعذر حيث أخذته سعلة.\n* ويجاب:\nبأن الظاهر أن الركوع وقع اتفاقًا بعد السعلة، وليس بسببها؛ لأنه إذا لم يتعذر عليه معها ذكر الله في ركوعه وقيامه بعد الركوع وسجوده فلا يتعذر معها القراءة، وهو يعرض شبه يومي للأئمة ولا يمنعهم ذلك من إكمال قراءتهم.\nالدليل السادس:\n(ح-١٤٩٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم الناجي، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - ردد آية حتى أصبح (^١).\n[المحفوظ أنه مرسل] (^٢).\nوله شاهد ضعيف من حديث أبي ذر الغفاري.\n(ح-١٤٩١) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية،\nعن أبي ذر، قال: صلى رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها\n_________\n(^١). أخرجه عبد الله بن أحمد وجادة في زوائد المسند (٣/ ٦٢).\n(^٢). اختلف فيه على إسماعيل بن مسلم:\nفرواه زيد بن الحباب، كما في المسند، عن إسماعيل بن مسلم الناجي، هكذا في مسند أحمد، ولا يعرف (الناجي) ولعل الصواب (العبدي) كما في شعب الإيمان (١٨٨١)، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، فوصله زيد بن الحباب.\n\nوخالفه ابن المبارك كما في سنن سعيد بن المنصور (٢/ ٤٧٨) (١٦٠)، فرواه عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكل الناجي، أن رسول الله - ﷺ - قام ذات ليلة، فقام بليلته بآية من القرآن يكررها على نفسه. هكذا مرسلًا.\nوابن المبارك مقدم على مثل زيد بن الحباب، فيكون المحفوظ في إسناده أنه مرسل.\nفلفظ الناجي في مسند أحمد إن لم يكن خطأ، فهو تصحيف، فلعله عن إسماعيل بن مسلم، عن الناجي، فسقط حرف (عن)، وقد رجعت إلى أطراف المسند (٦/ ٣٦٩)، فلم يذكر فيه لفظ (الناجي).","vol":"3","page":74},{"text":"ويسجد بها: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فلما أصبح، قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ١٤٩).\n(^٢). رواه محمد بن فضيل كما في مسند أحمد (٥/ ١٤٩)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣١٧٦٧)، ومسند البزار (٤٠٦١)، وشعب الإيمان (١٨٨٠)، والبعث والنشور للبيهقي (٥٤٢).\nوفي سنن البيهقي تحرف اسم فليت إلى كليب، واسم (جسرة بنت دجاجة) إلى (خرشة بن الحر).\nووكيع كما في المسند (٥/ ١٥٦)، ومصنف ابن أبي شيبة (٨٣٦٨)، وفضائل القرآن للمستغفري (٥٨)، والمشيخة البغدادية لأبي طاهر السلفي - مخطوط (٨).\nويحيى بن سعيد كما في مسند أحمد (٥/ ١٧٧)، وسنن ابن ماجه (١٣٥٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠١٠)، والسنن الكبرى له (١٠٨٤، ١١٠٦٩)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣٤٧)، ومستدرك الحاكم (٨٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٠)، وفي شعب الإيمان له (٧٥٧، ١٨٧٩)، وفي المشيخة البغدادية لأبي طاهر السلفي (مخطوط) (٢٥).\nومروان بن معاوية كما في مسند أحمد (٥/ ١٧٠)،\nومحمد بن عبيد، كما في مسند البزار (٤٠٦٢).\nوعبد الواحد بن زياد، كما في قيام الليل محمد بن نصر (من المختصر، ص: ١٤٨)، ولفظه فيه نكارة، ستتهم رووه عن (فُلَيْتٍ) ويقال: أفلت العامري قدامة بن عبد الله، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر ﵁.\nوفي إسناده جسرة بنت دجاجة.\nقال العجلي: كوفية تابعية ثقة. ثقات العجلي (٢/ ٤٥٠).\n\nوذكرها ابن حبان في الثقات. الثقات (٤/ ١٢١)، وهما متساهلان.\nوحسن حديثها ابن القطان الفاسي كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢).\nوقال البخاري: عند جسرة عجائب. التاريخ الكبير (٢/ ٧٦).\nوقال الدارقطني: يعتبر بحديثها إلا أن يحدث عنها من يترك. نقله الأستاذ بشار من سؤالات البرقاني للدارقطني. انظر حاشية تهذيب الكمال (٣٥/ ١٤٤).\nوقال عبد الحق الإشبيلي كما في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٣٢) جسرة ليست بمشهورة وفي التقريب: مقبولة. يشير إلى أن حديثها فيه لين عند التفرد.\nقال البزار: هذا الكلام لا نعلم أحدًا رواه عن النبي - ﷺ - إلا أبا ذر، ولا نعلم له طريقًا غير هذا الطريق، وقدامة بن عبد الله روى عنه عبد الواحد بن زياد، ومحمد بن عبيد، ومحمد بن فضيل وغيرهم، وجسرة بنت دجاجة هذه فلا نعلم حدث عنها غير قدامة. اهـ","vol":"3","page":75},{"text":"* حجة من قال: يكره القراءة من أواسط السورة أو من أواخرها:\nهناك أدلة كثيرة تدل على أن غالب فعل النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ سورة كاملة، فإذا ثبت أن هذا كان من سنته فإن مخالفة سنة النبي - ﷺ - في صلاته مكروهة، من هذه الأدلة:\n(ح-١٤٩٢) ما رواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (يقرأ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين).\n(ح-١٤٩٣) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١]، وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقون (^٢).\n(ح-١٤٩٤) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، مولى النعمان بن بشير،\n_________\n(^١). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثنا عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.\n(^٢). صحيح مسلم (٦٤ - ٨٧٩).","vol":"3","page":76},{"text":"عن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين (^١).\n(ح-١٤٩٥) ومن ذلك، ما رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد هو ابن كيسان، عن أبي حازم،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (^٢)\n* ونوقش هذا:\nبأن هذه الأدلة تدل على أفضلية السورة الكاملة، لكنها لا تقتضي كراهة الاقتصار على بعض السورة، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، وقد سبق أن ناقشت هذا الدليل بالمسألة السابقة بتوسع، فارجع إليه تكرمًا إن شئت.\n* دليل من قال: يكره القراءة من الأواسط أو الأواخر إن كان ذلك من سورتين:\nلعل هذا القول بنى الكراهة على أساس أن غالب المنقول من سنة الرسول - ﷺ - في القراءة إما أن تكون سورة كاملة في كل ركعة، أو سورة واحدة مقسومة على ركعتين؛ ولأن السورة الواحدة في الغالب تكون مرتبطة المعنى، بخلاف السورتين.\n* وأجيب:\nبأن هذا قول ضعيف؛ لأنه لا تعيين في قراءة ما تيسر إلا في الفاتحة، وفيما وردت به السنة منصوصة كالسجدة والإنسان في فجر الجمعة، وسبح والغاشية في الجمعة والعيد، والكافرون والإخلاص في ركعتي الفجر، ونحوها، وأما ما عداها فالقراءة مطلقة، سواء قرأ من أوائل السورة، أو من وسطها، أو من أواخرها، والله أعلم.\n* دليل من قال: تكره المداومة:\nهؤلاء كرهوا المداومة على القراءة من أواسط السور أو أواخرها حتى\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٨٧٨).\n(^٢). رواه مسلم (٩٨ - ٧٢٦).","vol":"3","page":77},{"text":"لا يخرج عما مضت عليه السنة، وحتى لا يعتقد أن المداومة على هذه الصفة سنة مقصودة، والله أعلم.\n* دليل من قال: يكره القراءة من أواسط السور دون أواخرها:\n(ث-٣٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن العلاء، عن محمد بن الحكم،\nعن أبي وائل قال: صلى بنا ابن مسعود الفجر في السفر، فقرأ بآخر بني إسرائيل ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] إلخ، ثم ركع (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجاء في المغني عن أحمد أنه قال: «أما آخر السور فأرجو، وأما أوسطها فلا، ولعله ذهب في آخر السورة، إلى ما روي فيه عن عبد الله وأصحابه، ولم ينقل مثل ذلك في أوسطها. وقد نقل عنه الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة؟ قال: أليس قد روي في هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد، وغيره؟» (^٣).\nفقول الإمام أحمد: أليس قد روي في هذا رخصة؟ كأن الأصل المنع.\n* الراجح:\nأن من قرأ من أواسط السورة أو من أواخرها فقد حصلت له سنة القراءة، وعلى أي وجه قرأ في قيام الصلاة فقد حصلت السنة، إلا أن يقرأ في فجر الجمعة بعض سورة السجدة، وبعض سورة الإنسان، فلا هو فعل السنة على الصفة التي وردت، ولا هو تركها إلى غيرها، فهذا الفعل خلاف الأولى على الصحيح، وما عدا ذلك فكله كتاب الله لا يكره قراءة شيء منه في قيام الصلاة.\n_________\n(^١). المصنف (٣٦٨٦).\n(^٢). في إسناده محمد بن عبد الحكم الأسدي الكاهلي، روى عنه العلاء بن المسيب وقيس بن الربيع، والأعمش، وذكره البخاري في التاريخ الكبير، (١/ ٦٠)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٦)، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في ثقاته (٧/ ٤٠٠)، وقال ابن حجر في الميزان (٧/ ١٠٢): فيه جهالة.\n(^٣). المغني (١/ ٣٥٥).","vol":"3","page":78},{"text":"قال البخاري في تراجمِ صحيحِهِ: باب الجمع بين السورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة. اهـ\nهذا أقوى الأقوال في المسألة، يليه من قال: لا يداوم على ذلك حتى لا يعتقد بأن ذلك من سنة القراءة المقصودة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المبحث التاسع في قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجمع بين السور محفوظ من فعل النبي - ﷺ - في صلاة الليل.\n* إذا جمع المصلي بين السور في صلاة الليل أهو مقصود لذاته، أم من أجل طول القيام؛ فيترتب عليه طول القراءة تبعًا، بحيث لو قرأ سورة طويلة حصل المقصود، الراجح الثاني.\n* لا فرق بين قراءة سورتين أو مقدارهما من سورة طويلة في صلاة النفل.\n* قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي - ﷺ - بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي - ﷺ - بالنوافل، فكان حكم الجواز هو الأقرب.\n* لو كان تعدد السور مقصودًا لذاته لجاء في النصوص ما يدل عليه من الأمر به، والتنبيه على فضله بخصوصه، أو المواظبة عليه.\n* اتفق الفقهاء على استحباب سورة كاملة بعد قراءة الفاتحة، ولم يتفقوا على استحباب سورتين لذاتهما.\n[م-٥٨٤] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:\nفقيل: يجوز مطلقًا في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة والشافعية، ورواية عن الإمام مالك، واختاره ابن حزم، وترجم له البخاري في صحيحه، فقال: باب الجمع بين السورتين في ركعة (^١).\n_________\n(^١). قال في بدائع الصنائع (١/ ٢٠٦، ٢٠٧): «ولو جمع بين السورتين في ركعة لا يكره .... والأفضل أن لا يجمع».\nوانظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٨)، فتح القدير (١/ ٣٤٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٦)، نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخيار (٥/ ٤٣٧).\nوقال الباجي في المنتقى (١/ ١٤٨): «قال مالك: لا بأس أن يقرأ بسورتين وثلاث في ركعة واحدة» =.\n= ... وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٠٧)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٩٠)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٧٦).\n\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٣٨٥): «يجوز أن يجمع بين سورتين فأكثر في ركعة». وانظر: الأم (٧/ ٢١٨)، النجم الوهاج (٢/ ١٢٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ١٧٨)، التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ١٢٩)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٢١٦)،شرح النووي على مسلم (٦/ ١٠٧).\nصحيح البخاري (٢/ ٢٥٥)، الإنصاف (٢/ ٩٩)، الإقناع (١/ ١٢٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢)، الفروع (٢/ ١٨١)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٨٤).","vol":"3","page":80},{"text":"وقال ابن عبد البر: «ما لم يكن إمامًا يطول على من خلفه» (^١).\nوقال ابن رجب: «أكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان ...» (^٢).\nوقيل: يستحب مطلقًا في الفرض والنفل، نقله البيهقي في مناقب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: يكره مطلقًا في الفرض والنفل، حكي قولًا في مذهب الحنابلة، واستغربه صاحب الإنصاف (^٤).\nوقيل: يكره في الفرض دون النفل، وهو قول في مذهب الحنابلة، ومذهب المالكية، قال المالكية: إلا لمأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورتين أو أكثر إذا طول إمامه (^٥).\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٢٦).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٤).\n(^٣). فتح الباري (٢/ ٢٥٧).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ٧٩): «ذهب الشافعي -في أحد قوليه- أنه يستحب أن يقرأ سورة مع أم القرآن في الركعات كلها.\nومن أصحابنا من حكاه رواية عن أحمد، وأكثر أصحابنا قالوا: لا يستحب رواية واحدة، وفي كراهيته عنه روايتان».\nوقد تضمن هذا النص من ابن رجب حكاية ثلاثة أقوال في مذهب الحنابلة: الاستحباب، والكراهة، وعدم الكراهة، وتعني الجواز. وانظر: المغني (١/ ٣٥٦)، الهداية (ص: ٩٠).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٩٩)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٩٠)، المغني (١/ ٣٥٦)،.\n(^٥). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٥)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٥٩)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٩٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، منح الجليل (١/ ٢٥٢)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٥٠)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٣٤)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٥٠)، المحرر (١/ ٥٤)، الفروع (٢/ ١٨١)، المبدع (١/ ٤٣٢)، الإنصاف (٢/ ٩٩)، المقنع (ص: ٥٣).","vol":"3","page":81},{"text":"قال الدردير: «وكره الاقتصار على بعض السورة على إحدى الروايتين كقراءة سورتين في ركعة في الفرض» (^١).\nوقال في الفواكه الدواني: «وأما المأموم في السرية فلا بأس بقراءته سورة ثانية إذا طول إمامه» (^٢).\nوقيل: تكره المداومة على ذلك مطلقًا في الفرض والنفل، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nوهذه الأقوال دائرة بين الاستحباب والجواز والكراهة، ولم يؤثر قول بالتحريم عن أحد من العلماء.\n* دليل من قال: يجوز قراءة سورتين فأكثر في الركعة الواحدة:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nفالآية مطلقة، فما تيسر يشمل السورة كما يشمل السورتين، فأكثر.\n* ويعترض على هذا الدليل:\nبأن دلالة الأمر تدل على أكثر من الجواز، فالأمر إن لم يدل على الوجوب فلا أَقَلَّ من أن يدل على الاستحباب، فلا يصح الاستدلال بالآية على جواز قراءة السورتين، فإما أن يقال: باستحباب قراءة السورتين، أو يقال: إن الآية ليس فيها دليل على جواز السورتين، فيطلب الاستدلال على الإباحة بغير صيغة الأمر.\n* ويرد على هذا الاعتراض:\nبأن الأمر بالقراءة يدل على استحباب القراءة في غير الفاتحة، وهذا متفق\n_________\n(^١). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢).\n(^٢). الفواكه الدواني (١/ ١٧٩).\n(^٣). الفروع (٢/ ١٨١)، الإنصاف (٢/ ٩٩).","vol":"3","page":82},{"text":"عليه، والأمر بقراءة ما تيسر، يتوجه الاستحباب إلى ما تحصل به سنة القراءة، وأقله آية وأعلاه سورة كاملة كما كان ذلك غالب قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الفريضة، وما زاد على السورة فهو زائد على مقدار سنة القراءة، فيحمل على الإباحة، خاصة إذا ضُمَّ هذا الدليل إلى بقية الأدلة الأخرى فإنها تدل بمجموعها على أن قراءة السورتين لا تبلغ الاستحباب حيث لم يفعلها النبي - ﷺ - بالفريضة، ولا توصف بالكراهة، وقد فعلها النبي - ﷺ - بالنوافل، كما أن القيام في الصلاة مقدار منه ركن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وما زاد عليه فهو على الاستحباب، فكذلك القراءة مقدار منه مستحب، وما زاد عليه فهو على الإباحة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٤٩٦) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ،\nعن عائشة: أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي - ﷺ -: أخبروه أن الله يحبه (^١).\n(ح-١٤٩٧) وروى البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،\nعن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٧٥)، وصحيح مسلم (٢٦٣ - ٨١٣).","vol":"3","page":83},{"text":"تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (^١).\n[اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (^٢).\nوالحديث المرسل مختلف في الاحتجاج به، فاحتج به الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية.\nوقال الشافعي: ليس بحجة إلا أن يعتضد بمثله، وهو رواية عن أحمد.\nوقد اعتضد بحديث عائشة المتفق عليه، فصار حجة على سائر الأقوال.\nوجه الاستدلال:\nالحديثان يحكيان واقعتين مختلفتين، إحداهما وقعت في الحضر، والأخرى وقعت في السفر، فحديث عائشة المتفق عليه يحتمل أنه كان يختم بسورة الإخلاص في كل ركعة كما في حديث أنس.\nويحتمل أنه كان يختم بها القراءة في آخر ركعة يقرأ فيها.\nوعلى التأويل الأول يكون الحديث دليلًا على جواز قراءة السورتين في الركعتين، وعلى التأويل الثاني يكون الحديث دليلًا على جواز قراءة السورتين في ركعة واحدة، وعلى أي الاحتمالين، فالحديث دليل على جواز قراءة سورتين في ركعة واحدة، سواء أكان ذلك يتكرر في الركعة الثانية، أم كان ذلك يقع في إحداهما.\nوظاهر الحديث أن ذلك وقع في صلاة الفرض، والنفل مثله.\nودلالة الحديث على الجواز ظاهرة، فإن النبي - ﷺ - أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك، ولم يأمر الأمة بفعله.\nيقول ابن رجب: «دَلَّ حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ فإن النبي - ﷺ - لم يَنْهَهُ عن ذلك.\nويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي - ﷺ - وأصحابه في صلاتهم؛ ولهذا قال له النبي - ﷺ -: (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)، فدل على أن موافقتهم\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١/ ١٥٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٠٩).","vol":"3","page":84},{"text":"فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة» (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٤٩٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس. ويزيد، قال أخبرنا أبو عبد الرحمن المقرئ: عن كهمس، قال: سمعت عبد الله بن شقيق، قال:\nقلت لعائشة: أكان نبي الله - ﷺ - يصلي صلاة الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. قال: قلت: أكان يصلي جالسًا؟ قالت: بعدما حطمه الناس. قال: قلت: أكان يقرأ السُّوَر؟ فقالت: المفصل. قال: قلت: أكان يصوم شهرًا كله؟ قالت: ما علمته صام شهرًا كله إلا رمضان، ولا أعلمه أفطر شهرًا كله حتى يصيب منه، حتى مضى لوجهه. قال يزيد: يقرن، وكذلك قال أبو عبد الرحمن (^٢).\nورواه أحمد وابن أبي شيبة وابن خزيمة عن وكيع، حدثنا كهمس به، بلفظ: هل كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين السُّوَر في ركعة؟ قالت: المفصل (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٣).\n(^٢). مسند إسحاق (١٣٠٠).\n(^٣). المسند (٦/ ٢٠٤)، ومصنف بن أبي شيبة (٣٧٠٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٣٩).\n(^٤). الحديث صحيح، ومداره على عبد الله بن شقيق به، ورواه عن ابن شقيق:\nكهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريري.\nأما رواية كهمس، عن ابن شقيق، فروي مختصرًا وتامًّا.\n\nفرواه بتمامه كل من:\nمحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٦/ ١٧١).\nوالنضر بن شميل كما في مسند إسحاق (١٣٠٠) كلاهما عن كهمس به.\nوروى بعضه أو طرفًا منه جماعة عن كهمس منهم.\nمعاذ بن معاذ العنبري كما في صحيح مسلم (٧٦ - ٧١٧)، (١٧٣ - ١١٥٦).\nوكيع، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٧٠٢، ٧٧٨٦، ٩٧٥٠)، ومسند أحمد (٦/ ٦٢، ١٣٩، ٢٠٤)، ومسند إسحاق (١٣٠١، ١٣٠٦)، والترمذي في الشمائل (٢٩٢)، وصحيح ابن حبان (٢٥٢٦).\nوأبو أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤٦٠٣)،\nويزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٦/ ١٧١)، وسنن أبي داود (٩٥٦)، ومستدرك الحاكم (٩٧٦)، وحديث السراج (٢١٧٧، ٢٣١١). =","vol":"3","page":85},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (أكان يقرأ السور، فقالت: المفصل) وظاهر الحديث مطلق، فيشمل الفرض والنفل.\n* ويعترض عليه:\nبأن الحديث يدل على الاستحباب؛ وليس على الإباحة؛ لأن أفعال النبي - ﷺ - التعبدية محمولة على الاستحباب إلا أن تكون بيانًا لمجمل واجب.\n_________\n= وأبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ كما في مسند أحمد (٦/ ١٧١)،\nوروح بن عبادة، كما في مسند أحمد (٦/ ٢٤٦)، ومستخرج أبي عوانة (٣٠٠٩)،\nوخالد بن الحارث كما في المجتبى من سنن النسائي (٢١٨٤)، وفي الكبرى (٢٥٠٥).\nويحيى بن سعيد القطان كما في صحيح ابن خزيمة (١٢٤١).\nوعثمان بن عمر، كما في صحيح ابن خزيمة (٥٣٩)، كلهم رووه عن كهمس، عن عبد الله ابن شقيق، عن عائشة أم المؤمنين ﵂.\nوأما رواية سعيد الجريري، عن ابن شقيق:\nفرواه يزيد بن زريع، كما في صحيح مسلم (٧٥ - ٧١٧) و(١١٥ - ٧٣٢)، و(١٧٢ - ١١٥٦)، وسنن أبي داود (١٢٩٢)، والمجتبى من سنن النسائي (١٦٥٧، ٢١٨٥)، وفي الكبرى له (٢٥٠٦، ٨١٤٤)، وصحيح ابن حبان (٢٥٢٧)، ومستخرج أبي نعيم (١٦١٦، ١٦٦٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٨، ٦٨٩) و(٣/ ٧١).\nوإسماعيل بن علية كما في مسند أحمد (٦/ ٢١٨)، وسنن الترمذي (٣٦٥٧)، وصحيح ابن خزيمة (١٢٤١)، ومستخرج أبي نعيم (١٢٦٢٠)، وحديث السراج (٢١٧٧، ٢٣١٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٨)، ومستخرج أبي نعيم (٢٦٢٠).\nويزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٦/ ٢١٨)،، ومستخرج أبي عوانة (١٩٩٨، ٢١٢٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٨٩).\nوأبو أسامة حماد بن أسامة كما في مستخرج أبي عوانة (٢١٢٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٧١).\nوعبد الوهاب بن عطاء، كما في مستخرج أبي عوانة (٣٠١٠).\nوحماد بن سلمة، كما في فضائل الصحابة لأحمد (٢١٤)، وصحيح ابن حبان (٣٥٨٠)، ومستخرج أبي نعيم (١٦١٦)، والسنة لابن أبي عاصم (١٢٣٣).\nوبشر بن المفضل، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٨)، كلهم رووه عن سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق به.\nوابن زريع، وابن علية، وبشر بن المفضل وأبو أسامة وحماد بن سلمة كلهم رووا عن الجريري قبل اختلاطه، والله أعلم.","vol":"3","page":86},{"text":"* وأجيب:\nبأن المقصود هو طول القراءة؛ لطول القيام، سواء أحصل ذلك بسورة طويلة، أم حصل ذلك بأكثر من سورة، فليس ظاهرًا أنه كان يتقصد تعدد السور لذاتها.\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٧٠) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة، بأم القرآن وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة (^١).\n[صحيح].\nوجه الاستدلال:\nبأن فعل ابن عمر ﵄ يشعر بالجواز، وليس بالسنية؛ لأن قراءة أكثر من سورة في القيام لو كانت سنة متبعة لم يكن هناك فرق بين الصلاة وحده، وبين الصلاة بالناس، ولم أفهم من فعل ابن عمر إلا ما دل عليه حديث أبي هريرة مرفوعًا في الصحيحين: (إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف ... وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) (^٢).\n* دليل من قال: الجمع بين السور سنة مطلقًا:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nفالآية أمرت بقراءة ما تيسير، وما تيسر يشمل السورة كما يشمل السورتين، فأكثر، وأدنى ما يفيده الأمر دلالته على المشروعية، لا على مطلق الجواز.\n_________\n(^١). موطأ مالك (١/ ٧٩).\n(^٢). رواه البخاري (٧٠٣) من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nورواه مسلم (١٨٤ - ٤٦٧) من طريق معمر، عن همام بن منبه،.\nورواه مسلم (١٨٥ - ٤٦٧) من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن أبي هريرة. ولم يذكر أبو سلمة قوله: (وإذا صلى وحده ... إلخ).","vol":"3","page":87},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٤٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال:\nجاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (^١).\nدل الحديث على استحباب جمع السورتين في ركعة واحدة، وهوما يدل عليه لفظ (كان) الدال على الاستمرار، وظاهر الحديث مطلق لم يتقيد بفرض أو نفل.\n* وأجيب:\nبأن العلماء حملوا ذلك على صلاة الليل، خاصة أن الرجل قال: قرأت المفصل كله الليلة في ركعة، فهو يخبر عن قراءته في صلاة الليل، فاعترض عليه ابن مسعود بأن النبي - ﷺ - كان يجمع سورتين في ركعة: أي في صلاته بالليل، لتكون المخالفة ظاهرة، فلو كان الرجل فعل ذلك في صلاة الليل، وكان الرسول - ﷺ - فعل ذلك في صلاة الفرض، لم تظهر المخالفة؛ لأن القيام في صلاة الليل أطول من القيام في الفرض، وقد أذن الشارع للرجل إذا صلى وحده أن يطيل ما شاء، وإذا صلى بالناس أن يخفف.\nقال ابن بطال: «ذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة، فدل هذا أن حزبه بالليل عشر ركعات، ثم يوتر بواحدة» (^٢).\nوقال ابن رجب: «الظاهر أن حديث ابن مسعود إنما هو في صلاة الليل» (^٣).\n* ورُدَّ هذا الجواب:\nعلى التسليم بأنه محمول على صلاة الليل، فإن استحبابه في النفل دليل على استحبابه في الفرض إلا بدليل، ولا يلزم من قراءة سورتين في الفرض المشقة على الناس؛ لأن الإمام قد يختار القراءة من قصار المفصل، فتحصل سنة التخفيف مع\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٣/ ١٣٠).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٧).","vol":"3","page":88},{"text":"سنة القراءة بأكثر من سورة.\n* ويجاب عن هذا:\nلا نسلم بأنه مستحب في النفل، بل وقوعه فيه دليل الجواز؛ لا دليل الاستحباب؛ لأن المقصود هو طول القراءة في صلاة النفل؛ لِطُولِ القيام، سواء أحصل ذلك بسورة طويلة، أم حصل ذلك بأكثر من سورة، فليس ظاهرًا أنه كان يتقصد تعدد السور لذاتها، فلو كان تعدد السور مقصودًا لذاته لجاء في النصوص ما يدل عليه من الأمر به، والتنبيه على فضله بخصوصه، أو المواظبة عليه، فالفقهاء اتفقوا على استحباب تقصد سورة كاملة؛ لكونه غالب فعل النبي - ﷺ - في صلاته، ولم يتكلموا على استحباب تقصد السورتين لذاتهما.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٠٠) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير،\nعن جابر ﵁، قال: قال الرسول الله - ﷺ -: أفضل الصلاة طول القنوت (^١).\nورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر (^٢).\n(ث-١٧٣) وروى ابن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان لا يقنت في الفجر، ولا في الوتر، فكان إذا سئل عن القنوت، قال: ما نعلم القنوت إلا طول القيام وقراءة القرآن (^٣).\n[صحيح].\nوقال جماعة من المفسرين: أصل القنوت القيام، ومنه القنوت في الوتر؛ لأنه دعاء المصلي قائمًا (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦٤ - ٧٥٦).\n(^٢). صحيح مسلم (١٦٥ - ٧٥٦).\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٦٩٤٥).\n(^٤). تفسير الثعلبي (١/ ٢٦٤)، الهداية إلى بلوغ الغاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القرطبي (٢/ ١٠١١)، تفسير البغوي (١/ ١٤١)، تفسير السمعاني (١/ ١٣٠)، تفسير القرطبي (٢/ ٨٦) و(٣/ ٢١٤)، البحر المحيط في التفسير (١/ ٥٦٩)، المنتقى للباجي (١/ ٢٨١)، شرح النووي على مسلم (٤/ ٢٠٠).\nويطلق على الطاعة والانقياد، كما في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣].\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠].\n\nويطلق القنوت على السكوت، كقول زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمسكنا عن الكلام والدعاء.","vol":"3","page":89},{"text":"وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن القنوت في حديث جابر طول القيام، قال في الاستذكار: لا خلاف نعلمه عند أحد في ذلك» (^١).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان أفضل الصلاة طول القيام، وكان طول القيام يستلزم طول القراءة، وكان واقع كثير من الناس لا يحفظ السور الطوال، فلا قدرة له على إطالة القيام إلا بتكرار السور القصيرة، فالقول بالكراهة سوف يحرمه هذا الفضل.\n* وأجيب:\nإذا قلنا: المطلوب طول القيام، فإن ذلك يحصل بقراءة سورة طويلة، فلا يكون الاستحباب متوجهًا للعدد، وإنما لمقدار القراءة، نعم إذا كان لا يحفظ من السور الطوال، فهنا يتوجه القول باستحباب القراءة بسورتين لا لذاتهما، وإنما لتحصيل طول القيام.\nالدليل الرابع:\n(ث-٣٧٢) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال:\nصليت خلف عمر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١). الاستذكار (٢/ ١٨٠).\n(^٢). المصنف (٣٥٦٤).\n(^٣). أبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، والأعمش مكثر عن إبراهيم التيمي، فلا تضر عنعنته على القول بأنه مكثر من التدليس، وعنعنته مؤثرة.\nولم يتفرد به أبو معاوية، فقد تابعه الثوري، وابن عيينة. =","vol":"3","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقد رواه عبد الرزاق (٢٧٢٤)، ومن طريقه المستغفري في الفضائل (١٣٥٠)، عن الثوري، وابن عيينة،\nورواه عبد الرزاق (٥٨٨٢) عن الثوري وحده.\nورواه الطحاوي (١/ ١٨١) من طريق جرير بن حازم، ثلاثتهم عن الأعمش به.\nوحصين بن سبرة، له إدراك، وسمع من عمر، ولم يَرْوِ عنه أحد إلا التيمي، وليس له إلا هذا الأثر، وجاء ذكره عرضًا في حديث لصحيح مسلم.\nقال البخاري كما في التاريخ الكبير (٣/ ٥)، وأبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٣/ ١٩٢): روى عن عمر، روى عنه إبراهيم التيمي، ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا.\n\nوقال يحيى بن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات (٢٢٦٤)، ولم يتفرد بهذا الأثر مما يدل على ضبطه له.\nوقد اختلف فيه على التيمي:\nفرواه الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، صليت خلف عمر، كما سبق.\nوخالفه الحكم بن عتيبة، فرواه عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، أنه صلى مع عمر.\nرواه علي بن الجعد كما في البغويات (١٨٢)،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٨١) من طريق أبي الوليد، كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه: (زيد بن شريك)، أنه صلى مع عمر ﵁ صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الركعة الثانية بالنجم، ثم سجد، ثم قام: فقرأ إذا زلزلت الأرض زلزالها. واللفظ للأول.\nوالأعمش من أصحاب إبراهيم التيمي مكثر عنه، ومقدم على الحكم فيه ويحتمل أن يكون إبراهيم التيمي سمعه من أبيه، وسمعه من حصين بن سبرة.\nالطريق الثاني: عن أبي هريرة أن عمر.\nرواه مالك، واختلف عليه فيه:\nفرواه يحيى بن يحيى الليثي، كما في الموطأ من روايته (١/ ٢٠٦)، ومن طريقه رواه مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (٥٤٩).\nوالشافعي كما في مسنده (ص: ٢١٣)، وفي الأم (٧/ ٢١٢)، وفي معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٤٢)، كلاهما، عن مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، أن عمر بن الخطاب قرأ بالنجم إذا هوى فسجد، ثم قام، فقرأ بسورة أخرى.\nليس فيه أبو هريرة، وهذا مقطوع.\nوخالفهما: عبد الرزاق كما في المصنف (٥٨٨٠)،\nوأبو مصعب الزهري كما في الموطأ من روايته (١/ ١٠٢)، ومن طريقه المستغفري في فضائل القرآن (٢/ ٨٢٩)،\nوعثمان بن عمر كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٥٦). =","vol":"3","page":91},{"text":"* دليل من قال: تجوز في النفل، وتكره في الفرض:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٠١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\n_________\n= ومحمد بن الحسن، كما في الموطأ من روايته (٩٧)\nوابن بكير، كما في سنن البيهقي (٢/ ٨٨، ٤٤٦)، خمستهم رووه عن مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوتابع مالكًا في ذكره أبا هريرة في إسناده كل من:\nيونس بن يزيد كما موطأ عبد الله بن وهب (٣٧٢)، وفي جامعه (٣٧٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٣٥٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٥٧)، والخلافيات له (٢١٦١).\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٥٨٨٠) روياه عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nفكان ذكر أبي هريرة محفوظًا في الإسناد، والله أعلم.\nقال الدارقطني في العلل (٢/ ٩٤): «هو حديث يرويه مالك، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة. واختلف عن مالك:\nفرواه جويرية، وابن نافع، ومحمد بن الحسن، ومعن، وعبد الرزاق عن مالك متصلًا.\nورواه جماعة من أصحاب الموطأ، عن مالك، عن الزهري، عن الأعرج أن عمر، لم يذكروا فيه أبا هريرة.\nورواه معمر، ويونس، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عمر وهو الصواب.\nوحدث به عمر بن شبة، عن أبي عاصم عن مالك، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، ووهم في رفعه وإنما هو حديث عمر».\nالطريق الثالث: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: صلى بنا عمر.\nرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٨١)، من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب ﵁ بمكة صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف حتى بلغ ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ [يوسف: ٨٤] ثم ركع، ثم قام فقرأ في الركعة الثانية بالنجم فسجد، ثم قام فقرأ ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ ورفع صوته بالقراءة، حتى لو كان في الوادي أحد لأسمعه.\nوهذا الطريق له أكثر من علة، إحداها: عبد الرحمن بن أبي ليلى أدرك عمر ولم يسمع منه.\nقال أبو حاتم: لم يصح لعبد الرحمن بن أبي ليلى سماع من عمر. المراسيل (١٢٥).\nوقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٢١): لم يدرك عمر.\nوسئل يحيى بن معين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، قال: لم يره، فقلت له الحديث الذي يروى، قال: كنا مع عمر ﵁ نتراءى الهلال؟ فقال: ليس بشيء. المراسيل (٤٥١).\nكما أن أبا الأحوص لا يدرى أسمع من أبي إسحاق قبل تغيره أم بعده.","vol":"3","page":92},{"text":"عن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ .... الحديث (^١).\nوهذا الدليل يدل على الاستحباب، وليس على مطلق الجواز؛ لأن أفعال النبي - ﷺ - التعبدية محمولة على الاستحباب إلا أن يقال: إن المقصود من هذا الفعل ليس تكرار السور، وإنما المستحب طول القيام، فكانت القراءة تبعًا له.\nولأن هذا الفعل ليس هو الغالب على فعل النبي - ﷺ -؛ فقد نقل ابن مسعود في الصحيحين أن النبي - ﷺ - كان يقرن بين النظائر: من المفصل عشرين سورة، كل سورتين في ركعة، على ترتيب ابن مسعود ﵁ (^٢)، وحديث حذيفة قرأ ما يزيد على مقدار المفصل كله في ركعة واحدة.\nوقد يقال: ما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، ولم يَأْتِ دليل يخص هذا الفعل بالنفل، أو ينهى عن فعله في الفرض، والأصل أنهما عبادتان من جنس واحد، ولا يلزم من جمع السورتين إطالة القيام في الفرض، والأصل فيها التخفيف، فقد يجمع السور من قصار المفصل، المهم أن يراعي في الصلاة مقدار القيام المشروع فيها، سواء أقرأ فيه سورة أم قرأ فيه أكثر من ذلك.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال:\nجاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (^٣).\nوالظاهر أن هذا كان في صلاة الليل.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).","vol":"3","page":93},{"text":"* دليل من قال: يكره الجمع بين السور في ركعة واحدة:\nالدليل الأول:\nأن المنقول عن النبي - ﷺ - قراءة سورة واحدة في الركعة في الفرض وفي السنن الرواتب، وما وقع من النبي - ﷺ - في قراءة سورتين فهو محمول على بيان الجواز، وليس لبيان الأفضل، وعليه فيكره الجمع بين السور.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، وعبدة، قالا: حدثنا عاصم، عن أبي العالية، قال: حدثني من سمع النبي - ﷺ - يقول: أعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود.\n[صحيح].\n* دليل من قال: تكره المداومة على الجمع بين السور:\nغالب فعل النبي - ﷺ - في صلاته قراءة سورة كاملة، خاصة في الفرض، وفي النوافل المعينة، كالسنن الرواتب، والسنة فيما فعله أحيانًا وتركه أحيانًا ملازمة هديه، فالمداومة على الجمع بين سورتين مخالف لفعل النبي - ﷺ -، فيكون مكروهًا.\n* الراجح:\nأرى أن أقوى الأقوال القول بجواز الجمع بين السورتين مطلقًا خاصة إذا صلى الإنسان وحده، أو صلى في جماعة ولم يترتب على الجمع بين السورتين مشقة على الجماعة بطول القيام؛ لأن صلاة الجماعة الأصل فيها التخفيف، ويستحب الجمع بين السور أحيانًا في صلاة الليل؛ خاصة إذا توقف عليها طول القيام؛ لأنه مشروع في صلاة الليل، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>المبحث العاشر في تكرار السورة الواحدة في ركعتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لم يصح أن النبي - ﷺ - قرأ في صلاته سورة واحدة في الركعتين.\n* قراءة الصلاة قراءة واحدة، ولهذا يتعوذ في أول القراءة، ولا يتعوذ في سائر الركعات على الصحيح، وإذا كانت قراءة واحدة فلا حاجة إلى تكرار السورة مرتين إلا لمن لا يعرف غيرها.\n* لا أعلم أحدًا قال باستحباب تكرار السورة الواحدة في الركعتين.\n* عموم الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن لا يمنع من جواز تكرار السورة.\n* أَقَرَّ النبي - ﷺ - الرجل الذي كان يختم قراءته بقل هو الله أحد، وهو من الإقرار الجائز، وليس المستحب، فالنبي - ﷺ - أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك ولو مرة واحدة، ولم يأمر الأمة بفعله.\n* إنكار الصحابة ع لى الرجل تكراره سورة الإخلاص في كل ركعة يدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لمخالفته لما عهدوه من عمل النبي - ﷺ - وأصحابه في صلاتهم؛ وقد أقرهم النبي - ﷺ - على هذا الإنكار.\n[م-٥٨٥] اختلف العلماء في تكرار سورة في ركعتين عدا الفاتحة:\nفقيل: يكره في الفرض إن كان يحفظ غيرها دون النفل، فإن كان لا يحفظ غيرها وجب تكرارها؛ لوجوب ضم سورة للفاتحة، وهو مذهب الحنفية (^١).\nقال في نور الإيضاح: «ولا بأس بتكرار السورة في الركعتين من النفل» (^٢).\n_________\n(^١). مراقي الفلاح (ص: ١٢٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٥٢)، نور الإيضاح ونجاة الأرواح (ص: ٧٢، ٧٥)، الدين الخالص (٢/ ١٨٨).\n(^٢). نور الإيضاح (ص: ٧٥).","vol":"3","page":95},{"text":"وقيل: يكره مطلقًا، وإن سقطت به سنة القراءة، هو مذهب المالكية (^١).\nوقيل: يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وهو قول في مذهب المالكية (^٢).\nوقيل: يجوز بلا كراهة، وبه قال الشافعية والحنابلة (^٣).\nقال الرملي في نهاية المحتاج: «لو كرر سورة في الركعتين حصل أصل سنة القراءة» (^٤).\n* دليل من قال: يجوز مطلقًا بلا كراهة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٠٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب: أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني؛\nأن رجلًا من جهينة أخبره؛ أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أَنَسِيَ رسول الله - ﷺ -، أم قرأ ذلك عمدًا؟ (^٥).\n[انفرد به معاذ بن عبد الله، واختلف عليه في وصله وإرساله] (^٦).\n_________\n(^١). ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٣٥٠)، المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٦٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٩).\n(^٢). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٣)، المدخل لابن الحاج (٤/ ٢٦٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٨)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٧٤).\n(^٣). نهاية المحتاج (١/ ٤٩٢)، وانظر: حواشي العبادة على تحفة المحتاج (٢/ ٥٢)، وحواشي الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٥١)، حاشية الجمل (١/ ٣٥٩) الفروع (٢/ ١٨١)، الإنصاف (٢/ ٩٩)، الإقناع (١/ ١٢٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢)، كشاف القناع (١/ ٣٧٤).\n(^٤). نهاية المحتاج (١/ ٤٩٢).\n(^٥). سنن أبي داود (٨١٦).\n(^٦). مدار الحديث على معاذ بن عبد الله بن خبيب، روى له أحمد وأصحاب السنن ولم يخرج له الشيخان شيئًا في صحيحيهما، وروى له البخاري في الأدب المفرد، له من الرواية ما يقارب ثلاثةً وعشرين حديثًا.\nقال فيه الدارقطني: ليس بذاك.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير، وسكت عليه (١٥٦١).\nوقال أبو داود كما في رواية الآجري عنه: ثقة. =","vol":"3","page":96},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الدارمي عن ابن معين: من الثقات. الجرح والتعديل (٨/ ٢٤٧).\nوقال ابن سعد في طبقاته: كان قليل الحديث.\nوقال ابن حزم: مجهول.\nوقال ابن حجر: صدوق، ربما وهم.\nومع تفرده بهذا الحديث فقد اختلف عليه في وصله وإرساله:\nفرواه سعيد بن أبي هلال كما في سنن أبي داود (٨١٦)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ٥٤٦)، عن معاذ، عن رجل من جهينة موصولًا.\nوسعيد بن أبي هلال: احتج به الشيخان، وقال أبو حاتم: لا بأس به.\n\nووثقه ابن سعد وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي والخطيب، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال أحمد: ما أدري أي شيء، يخلط في الأحاديث.\nوقال ابن حزم: ليس بالقوي.\nوذكره في الضعفاء زكريا بن يحيى الساجي مستندًا إلى قول أحمد أنه يخلط.\nوقال البرذعي: «قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال: صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل، عن ابن أبي فروة وابن سمعان». انظر الضعفاء لأبي زرعة الرازي في أجوبته على أسئلة البرذعي (٢/ ٣٦١).\nقال ابن رجب في شرح علل الترمذي تعليقًا على كلام أبي زرعة: ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم، فخاف أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، ودلساه عن شيوخهما.\nوقال أبو داود كما في سؤالاته لأحمد (٢٥٤): «سمعت أحمد يقول: سعيد بن أبي هلال سمعوا منه بمصر القدماء، فخرج -زعموا- إلى المدينة فجاءهم بعدل -أو قال: بوسق- كُتُبٍ كتبت عن الصغار، وعن كُلِّ، وكان الليث بن سعد سمع منه، ثم شك في بعضه، فجعل بينه وبين سعيد خالدًا يعني خالد بن يزيد».\nوقال ابن حزم كما في الفصل في الملل والنحل: ليس بالقوي قد ذكره بالتخليط يحيى وأحمد.\nوقال ابن حجر: صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط. يقصد الحافظ: يخلط، والخلط غير الاختلاط.\nوخالفه سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري، فرواه عن معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني، عن سعيد بن المسيب، قال: صلى رسول الله - ﷺ - الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾، ثم قام في الثانية، فأعادها.\nرواه إسماعيل بن جعفر كما في حديثه من رواية علي بن حجر (٤١٨)، وفضائل القرآن للمستغفري (١٠١٠).\nوأبو معاوية كما في المراسيل لأبي داود (٤٠). =","vol":"3","page":97},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعبد الله بن نمير كما في فضائل القرآن للمستغفري (١٠٠٩)، ثلاثتهم رووه عن سعد بن سعيد الأنصاري به.\nوسعد بن سعيد الأنصاري، روى عنه السفيانان الثوري وابن عيينة، وابن المبارك، وعمرو بن الحارث، وجماعة كثيرون، روى له مسلم بضعة أحاديث، أشهرها حديث: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال).\nوقد جاء تضعيفه عن الإمام أحمد مطلقًا.\nوجاء تضعيفه أيضًا مقارنة بأخويه يحيى بن سعيد، وعبد ربه. انظر العلل للإمام أحمد (١٢٠٠).\nوقال المروذي كما في سؤالاته (١١١): قال أبو عبد الله: يحيى بن سعيد، وأخواه، يعني عبد ربه بن سعيد، وسعد بن سعيد، فضعف سعدًا.\nأيكون الإمام أحمد أراد تضعيفه مطلقًا أم أراد أنه ضعيف إذا قورن بأخويه؟ محتمل.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال الترمذي: تكلموا فيه من قِبَلِ حفظه.\nوقال يحيى بن معين كما في رواية ابن محرز: ثقة.\nوقال أيضًا كما في رواية الكوسج: صالح.\nوروي عن يحيى أنه ضعفه.\nوقال الدارقطني: ليس به بأس.\nوقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث دون أخيه. الطبقات الكبرى ط العلمية (٥/ ٤٢٥).\nوقال العجلي وابن عمار وابن شاهين وابن خلفون: ثقة.\nوقال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٤/ ٨٤): مُؤَدٍّ. قال ابنه أبو محمد: يعني أنه كان لا يحفظ، يؤدي ما سمع. اهـ لعل قصده: لا يفقه، يؤدي ما سمع، لأن من يؤدي ما سمع فقد حفظ، ولهذا قال أبو الحسن القطان: اختلف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يخففها: أي هالك. ومنهم من يشددها: أي حسن الأداء. تهذيب التهذيب (١/ ٦٩٢).\nوقال ابن عدي: ولسعد بن سعيد أحاديث صالحة تقرب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه. الكامل (٤/ ٣٨٩).\nوقال الذهبي في السير: أحد الثقات. اهـ\nفواضح من ترجمته أن في حفظه شيئًا، فيتجنب ما ينفرد به، وهو بكل حال أدنى منزلة من سعيد بن أبي هلال، وأقل رواية منه.\nإذا عرفت ذلك تبين لك أن هناك اختلافًا في وصله وإرساله، فإن كان الخطأ من معاذ بن عبد الله الجهني، فهذه علة قادحة في الحديث.\nوإن كان الخطأ من الرواة عنه، فإن سعيد بن أبي هلال وإن كان أقوى من سعد بن سعيد وأكثر رواية منه، إلا أن كلام الإمام أحمد بأنه يخلط في الحديث يقصد بعض أحاديثه، لا كلها، =","vol":"3","page":98},{"text":"ونوقش هذا الحديث:\nبأن الراوي قال: لا أدري أنسيَ رسول الله - ﷺ -، أم قرأ ذلك عمدًا؛ لأنه لم يعهد من النبي - ﷺ - في صلاته أنه كان يفعل ذلك.\n* وأجيب:\nقال الشوكاني: «إذا دار الأمر بين أن يكون مشروعًا أو غيرَ مشروع؛ فَحَملُ فعلِه - ﷺ - على المشروعية أولى؛ لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان على خلاف الأصل» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٠٥) روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال: محمد بن عبد الرحمن، حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي - ﷺ -،\n_________\n= والخلط في الحديث محمول على وصل مرسل أو رفع موقوف ونحو ذلك، فلا يبعد أن يكون هذا الحديث من هذه الأحاديث التي أخذها الإمام أحمد على سعيد بن أبي هلال، ومعلوم أن الإمام أحمد من الأئمة المعتدلين في الجرح والتعديل، ولا يلقي مثل ذلك الكلام جزافًا إلا عن تتبع واستقراء، فهو عندي جرح مفسر مقدم على التعديل، فإذا أضفت إلى كلام الإمام أحمد كلام أبي زرعة بعد أن عرض أحاديثه على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان ووقوفه على وجود شبه بينها لا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم، وأضفت مع ذلك شك الليث بن سعد وهو من بلده، ومن طبقة شيوخه، وكونه روى عنه نازلًا يدل على أنه كان ينتقي من أحاديثه، ولو نزل في السماع درجة، كل ذلك يجعلك لا تستبعد أن يكون سعيد بن أبي هلال وإن كان ثقةً أو صدوقًا في الجملة إلا أن له أوهامًا وتدليسًا، ومنها وهمه في وصل هذا الحديث، وأن المعروف فيه الإرسال، هذا على الجزم بأن الوهم جاء من الرواة عن معاذ، لا منه، والله أعلم.\nوقد رواه أبو داود، وسكت عنه في سننه.\nوقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح، انظر: الخلاصة (١٢٢٦)، المجموع (٣/ ٣٨٤).\nوقال ابن حجر: رواته موثقون. انظر نتائج الأفكار (١/ ٤٣٥).\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ٢٥٤): «وليس في إسناده مطعن، بل رجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابي لا تضر عند الجمهور، وهو الحق».\n\n(^١). نيل الأوطار (٢/ ٢٦٧).","vol":"3","page":99},{"text":"عن عائشة: أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي - ﷺ -: أخبروه أن الله يحبه (^١).\nفقوله: (يختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ أكان يقصد يختم قراءته فلا دليل فيه على تكرار السورة، أم كان يقصد بأنه يختم قراءة كل ركعة؟ فيكون فيه دليل على جواز تكرار السورة في كل ركعة، ويدل على الاحتمال الثاني:\n(ح-١٥٠٦) ما رواه البخاري معلقًا، قال: قال عبيد الله: عن ثابت،\nعن أنس بن مالك ﵁، كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح: بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، فقال: حبك إياها أدخلك الجنة (^٢).\n[اختلف فيه في وصله وإرساله، وأعله الدارقطني بالإرسال] (^٣).\nوظاهر الحديث أن ذلك كان يقع في صلاة الفرض؛ لمشروعية الجماعة في الصلاة، وما صح في الفرض صح في النفل إلا بدليل.\nودلالة الحديث على الجواز ظاهرة، فإن النبي - ﷺ - أكمل الأمة محبة ومعرفة بصفة الرحمن، ولم يفعل ذلك، ولم يأمر الأمة بفعله، وإنكار الصحابة يدل على أنه\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٧٥)، وصحيح مسلم (٢٦٣ - ٨١٣).\n(^٢). صحيح البخاري (١/ ١٥٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح: ١٤٠٩).","vol":"3","page":100},{"text":"ليس هو الأفضل؛ لمخالفته لما عهدوه من عمل النبي - ﷺ - وأصحابه في صلاتهم؛ وقد أقرهم النبي - ﷺ - على هذا الإنكار، لهذا قال له النبي - ﷺ -: (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟)، ولم يجوِّز الفعل حتى علم بالباعث عليه (^١).\nولو كان مكروهًا لما أقرَّه النبي - ﷺ - على فعله، خاصة أنه كان بإمكانه الإكثار من قراءة السورة خارج الصلاة.\n* دليل من قال: يكره تكرار السورة في كل ركعة:\nالدليل الأول:\nأن قراءة الصلاة قراءة واحدة، ولهذا يتعوذ في أول القراءة، ولا يتعوذ في سائر الركعات، وإذا كانت واحدة، فلا حاجة لتكرار السورة وهو يحفظ غيرها.\nالدليل الثاني:\nأنه لم يصح أن النبي - ﷺ - قرأ في صلاته سورة واحدة في الركعتين، وما تركه النبي - ﷺ - فتركه سنة كالفعل، فيكون تكرار السورة خلاف السنة المعهودة، وما خالف السنة فهو مكروه.\n* ويناقش:\nبأن هذا القول يصح دليلًا على من قال باستحبابه، ولا أعلم أحدًا قال باستحباب تكرار السورة، أما الرد به على من قال بالجواز فليس بالقوي؛ لأن عموم الأمر بقراءة ما تيسر من القرآن لا يمنع من جواز تكرار السورة.\n* دليل من قال: يكره في الفرض دون النفل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٠٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني إسماعيل بن مسلم الناجي، عن أبي نضرة،\nعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - ردد آية حتى أصبح (^٢).\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٣).\n(^٢). أخرجه عبد الله بن أحمد وجادة في زوائد المسند (٣/ ٦٢).","vol":"3","page":101},{"text":"[المحفوظ أنه مرسل] (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٠٨) رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، عن جسرة العامرية،\nعن أبي ذر، قال: صلى رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فلما أصبح، قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت، تركع بها وتسجد بها قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nإذا جاز تكرار الآية، جاز تكرار السورة؛ حيث لا فرق بين الآية، والآيات.\n* ونوقش:\nبأن الحديث لا يصح، ولو صح لكان الدليل يدل على الاستحباب، وليس على مطلق الجواز، ولا قائل به.\nالدليل الثالث:\nأن النفل في أحكامه أوسع من الفرض.\n* الراجح:\nالقول بالجواز؛ فإن قيل: كيف تكون العبادة مباحة، وهي مطلوب فعلها إمَّا وجوبًا وإما استحبابًا؟.\nفالجواب: أن بعض العبادات قد تحكم عليه بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا يكون مندوبًا؛ لكون النبي - ﷺ - لم يعمله، ولم يأمر بفعله، كما في إقرار النبي - ﷺ -\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح: ١٤٩٠).\n(^٢). المسند (٥/ ١٤٩).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح: ١٤٩١).","vol":"3","page":102},{"text":"الرجل على تكرار سورة الإخلاص، وإنما سأله النبي - ﷺ - على الباعث، فلما علم مشروعية الباعث أقره على الفعل، وأما القول بكراهة تكرار السورة فلا دليل عليه، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الفصل الثالث في مقدار القراءة في الصلوات الخمس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الأول في تقسيم سور القرآن إلى طوال ومئين ومثان ومفصل</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* تقسم سور القرآن إلى طِوَال ومِئِيْن ومثانٍ ومُفَصَّل، وتقسيم الأخير إلى طوال وأوساط وقصار مأثور عن الصحابة ﵃.\n* لم يختلف العلماء في السور الست: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف أنها من الطوال، واختلفوا في السابعة أهي الأنفال وبراءة، أم هي يونس؟\n* المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، ويقع بعد المثاني، واختلفوا في أوله.\n* اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان؛ راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي.\n* لا أعلم في صلاة الفريضة تفضيلًا من قول الرسول - ﷺ - لسورة معينة بذاتها فيما يقرأ زائدًا على الفاتحة إلا ما كان في صلاة الجمعة وفي صلاة صبيحتها، ويمكن اعتباره من خصائص يوم الجمعة.\n[م-٥٨٦] قسم العلماء سور القرآن إلى أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الطوال.\nوهي سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف،","vol":"3","page":104},{"text":"واختلفوا في السابعة:\nفقيل: الأنفال وبراءة؛ لعدم الفصل بينهما بالبسملة.\nوقيل: يونس.\nالقسم الثاني: المئون:\nوهي ما ولي الطوال، وهي ما تزيد آياتها عن مائة أو تقاربها.\nالقسم الثالث: المثاني:\nوهي ما ولي المئين، وسميت مثاني؛ لأنها تثنى في القراءة وتكرر أكثر من الطوال والمئين (^١).\nوقد يطلق المثاني على القرآن كله، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].\n(ح-١٥٠٩) وأطلقت المثاني على الفاتحة، روى البخاري في صحيحه من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم (^٢).\nالقسم الرابع: المفصل:\nوهو ما ولي المثاني من قصار السور، وهو ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط وقصار.\n* والدليل على هذا التقسيم:\n(ث-٣٧٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة، حدثني يزيد الفارسي، حدثنا ابن عباس، قال:\nقلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟ ... الحديث (^٣).\n_________\n(^١). مباحث في علوم القرآن للقطان (ص: ١٤٦)، مناهل العرفان (١/ ٣٥٢)، المدخل لدراسة القرآن (ص: ٣٢٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٠٧٤).\n(^٣). المسند (١/ ٦٩).","vol":"3","page":105},{"text":"[اختلف في يزيد، أهو ابن هرمز الثقة فيكون صحيحًا أم هو غيره فيكون حسنًا] (^١).\n_________\n(^١). الحديث مداره على عوف بن أبي جميلة، حدثني يزيد الفارسي، عن ابن عباس به، ورواه عن عوف جماعة من الثقات، منهم:\nالأول: إسماعيل ابن علية، كما في مسند أحمد (١/ ٦٩)،\nالثاني: يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (١/ ٥٧)، والسنن الكبرى للنسائي (٧٩٥٣)، ومسند البزار (٣٤٤)، والمصاحف لابن أبي داود (ص: ١١٤)، وتاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠١٥).\n\nالثالث: محمد بن جعفر، كما في مسند أحمد (١/ ٥٧)، وسنن الترمذي (٣٠٨٦)، والمصاحف لابن أبي داود (ص: ١١٤)، وتاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠١٥).\nالرابع: يزيد بن زريع، كما في تفسير البغوي ط التراث (٢/ ٣١٤)، وابن حذلم في مشيخته (٥٠).\nالخامس: هشيم بن بشير، كما في سنن أبي داود (٧٨٦)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ١٠).\nالسادس: مروان بن معاوية، كما في سنن أبي داود (٧٨٧)، والأموال للقاسم بن سلام (٤٨)، وابن حذلم في مشيخته (٥٠).\nالسابع: ابن أبي عدي، كما في سنن الترمذي (٣٠٨٦)، والمصاحف لابن أبي داود (ص: ١١٤)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٢/ ٢٨٨).\nالثامن: أبو أسامة حماد بن أسامة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٩٥٣)، وفي مسنده كما في إتحاف الخيرة (٥٧١٦)، ومن طريقه ابن حذلم في مشيخته (٥٠).\nالتاسع: النضر بن شميل، كما في الأموال لابن زنجويه (٩٤)،.\nالعاشر: سهل بن يوسف، كما في سنن الترمذي (٣٠٨٦)، والمصاحف لابن أبي داود (ص: ١١٤)، وتهذيب الكمال للمزي (٣٢/ ٢٨٨).\nالحادي عشر: عثمان بن الهثيم كما في صحيح ابن حبان (٤٣)،\nالثاني عشر: عبد الله بن حمران، كما في شرح مشكل الآثار (١٣١، ١٣٧٤).\nالثالث عشر: أشعث بن عبد الله الخراساني، المعجم الأوسط (٧٦٣٨)،\nالرابع عشر: هوذة بن خليفة، كما في مسند ابن أبي شيبة، انظر (إتحاف الخيرة ٦٣٢٤)، كما في المستدرك (٢٨٧٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٥٢)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٨٢)، والمعرفة للبيهقي (٢/ ٣٦٤).\nالخامس عشر: إسحاق بن يوسف الأزرق، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٦٣).\nالسادس عشر: روح بن عبادة، كما في المستدرك (٣٢٧٢)، ودلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٥٢)، كلهم رووه عن عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ وهو وهم، فيزيد الفارسي إن كان ابن هرمز فهو من رجال مسلم، وإن كان غيره فليس من رجالهما. =","vol":"3","page":106},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد قال الحاكم في موضع آخر: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهذا هو الصواب.\nواختلفوا في يزيد الفارسي، أهو ابن هرمز الثقة، أم هما رجلان؟.\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٣/ ٣١٩): سمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هو يزيد الفارسي. وانظر الأسامي والكنى رواية ابنه صالح (٣٦٤)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣/ ٧١).\nوقال عبد الله أيضًا في الكتاب نفسه (٣/ ١٨٩): سمعت أبي يقول: قد حكوا عن عبد الرحمن ابن مهدي، قال: يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز.\nوقال علي بن المديني: قال عبد الرحمن بن مهدي: يزيد الفارسي الذي روى عنه عوف هو يزيد بن هرمز. قال: فقال يحيى بن سعيد: سله ممن سمعه؟ قال: فسألته، فقال: ما زلنا نسمعه. المعرفة والتاريخ (٣/ ٧١). وانظر: التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٧)، والجرح والتعديل (٩/ ٢٩٣).\nوروى الترمذي، حديثًا في الشمائل (٣٩٢) في وصف النبي - ﷺ - من طريق عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، وكان يكتب المصاحف، عن ابن عباس.\nوقال ابن حبان في مشاهير الأمصار: يزيد بن هرمز ... وهو الذي يروي عنه عوف الأعرابي، ويقول: حدثنا يزيد الفارسي، وقال مثله في الثقات (٦٠٨٤).\nوكذلك جعلهما شخصًا واحدًا محمد بن أحمد المقدمي في كتابه التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم (٣٣٣).\nفذهب ابن مهدي وأحمد والترمذي وابن حبان ووافقهم على هذا محمد بن المثنى وابن سعد إلى اعتبارهما شخصًا واحدًا.\nوجمعهما البخاري في ترجمة واحدة، فكان ظاهر صنيعه أنهما شخص واحد.\nوقال علي بن المديني: «زعموا أن يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز».\nوخالف هؤلاء يحيى بن سعيد القطان، فأنكر أن يكونا واحدًا. التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٧)، الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٤).\nووافقه على ذلك أبو حاتم الرازي. المرجع السابق.\nوكذا قال ابن معين كما في سؤالات ابن الجنيد (٦١٩).\nوعمرو بن علي الفلاس.\nوقال المزي الصحيح أنه غير يزيد بن هرمز. تحفة الأشراف (٥/ ٢٧٢)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٢٨٧).\nورجحه الحافظ ابن حجر في التقريب موافقًا للمزي.\nوفي تخريج أحاديث المختصر لابن الحاجب لابن حجر (١/ ٤٥)، قال: «رجاله رجال الصحيح إلا يزيد الفارسي، فإنه بصري مقل، قال أبو حاتم: لا بأس به، وقد قيل: إنه يزيد بن هرمز الذي أخرج له مسلم، فإن ثبت ذلك فهو على شرطه، والله أعلم».\nفهذا النص يدل على أن الحافظ ابن حجر إنما جعلهما رجلين متابعة للمزي.\nوعلى فرض أن يكونا رجلين، فقد قال فيه أبو حاتم: لا بأس به، مع أنه يذهب إلى أنه غير يزيد =","vol":"3","page":107},{"text":"(ح-١٥١٠) وروى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل، قال:\nجاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة (^١).\nفاشتمل أثر عثمان على مصطلح الطوال، والمئين، والمثاني.\nواشتمل أثر ابن مسعود على ذكر إثبات مصطلح المفصل، فهذه أقسام أربعة.\n(ث-٤٧٣) وروى البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال:\nإني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، ... وفيه قالت عائشة: ... نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... الحديث (^٢).\nفأشارت عائشة إلى أن المفصل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثره في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام، وهو يثبت شيوع هذا المصطلح بين الصحابة ﵃.\n_________\n= ابن هرمز، وهذا توثيق منه على تشدده، وإذا وثق من معتبر لم يضره كونه لم يرو عنه إلا عوف الأعرابي، وكون يحيى بن سعيد لم يعرفه فقد عرفه أبو حاتم، فكان معه زيادة علم، فكان الإسناد إما صحيحًا إن كان ابن هرمز، وإما حسنًا إن كان رجلًا آخر، والله أعلم، ومتن الحديث ليس منكرًا، فهو يكشف سبب إسقاط البسملة بين الأنفال والتوبة، وأن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة، وهو قول الجمهور.\nوقال الترمذي: «هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس. ويزيد الفارسي: قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويُقال: هو يزيد بن هُرْمُز، ويزيد الرقاشي هو: يزيد بن أبان الرقاشي، ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي: أقدم من يزيد الرقاشي».\nوتحسين الترمذي ذهاب منه إلى تضعيف الحديث؛ وهو مصطلح خاص للترمذي، والله أعلم.\n(^١). صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٩٩٣).","vol":"3","page":108},{"text":"* وأما الدليل على تفاوت سور المفصل:\n(ث-٣٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). الحديث يرويه الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، ورواه عن الضحاك جماعة منهم:\n\nالأول: محمد بن إسماعيل بن فديك (صدوق)، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٠٠)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٨٢)، والسنن الكبرى له (١٠٥٦)،.\nالثاني: عبد الله بن الحارث (ثقة)، كما في مسند أحمد (٢/ ٥٣٢)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٨٣)، والسنن الكبرى (١٠٥٧)،\nالثالث: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث (صدوق)، كما في مسند أحمد (٢/ ٥٣٢)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٤)،\nالرابع: عثمان بن مكتل (ثقة)، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٤)،\nالخامس: أبو بكر الحنفي (ثقة)، كما في مسند أحمد (٢/ ٣٢٩)، وسنن ابن ماجه (٨٢٧)، وصحيح ابن خزيمة (٥٢٠)، وصحيح ابن حبان (١٨٣٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤٢، ٥٤٧)، خمستهم عن الضحاك بن عثمان به، فالحديث صحيح.\nزاد أبو بكر الحنفي في رواية أحمد (٢/ ٣٢٩)، والبيهقي (٢/ ٥٤٢): قال الضحاك: وحدثني من سمع أنس بن مالك، يقول: ما رأيت أحدًا أشبهَ صلاةً بصلاة رسول الله - ﷺ - من هذا الفتى، يعني: عمر بن عبد العزيز، قال الضحاك: فصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار.\nوقد رواه الضحاك موصولًا عن يحيى بن سعيد، أو عن شريك بن أبي نمر، لا يدري أيهما حدثه، عن أنس بن مالك، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى يعني عمر ابن عبد العزيز. قال الضحاك: فكنت أصلي وراءه فيطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في =","vol":"3","page":109},{"text":"وشبه الشيء لا يستلزم المساواة من كل وجه، وقد يكون الشبه في مقدار القيام، لا في تعيين السور.\n(ح-١٥١١) وروى أبو داود من طريق وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت محمد بن إسحاق، يحدث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،\nعن جده، أنه قال: ما من المفصَّل سورةٌ صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا وقد سمعت رسول الله - ﷺ - يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة (^١).\n[حسن] (^٢).\nيقصد سورة قصيرة ولا طويلة من المفصل.\nفإذا تبين أن هذه التقاسيم كانت شائعة لدى الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك حزب المفصل، فلقد اختلفوا في سبب تسميته:\nفقيل: سمي بالمفصل، لكثرة الفواصل التي بين السور بالبسملة.\nوقيل: لقلة المنسوخ فيه، ولهذا سمي المحكم (^٣).\n_________\n= الصبح بطوال المفصل.\nأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٣٣٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من المخلصيات (١٢٦٤ - ٢٤٥).\nورواه زيد بن الحباب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٤) عن الضحاك بن عثمان، قال: حدثني بكير بن الأشج به، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل.\nفرواه مختصرًا، ونسب ذلك إلى رسول الله - ﷺ - بلفظ صريح بالرفع، ولم يقل ذلك أحد ممن رواه عن الضحاك بن عثمان غير زيد بن الحباب، وهو صدوق، فأخطأ فيه، والله أعلم.\n\n(^١). سنن أبي داود (٨١٤).\n(^٢). ومن طريق وهب بن جرير أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٤٣)، وعنعنة ابن إسحاق على الاتصال حتى يثبت أنه دَلَّس، ولا يتبين ذلك إلا بجمع الطرق، أو تصريح ابن إسحاق بأنه لم يسمعه، أو تصريح إمام من أئمة الحديث بأن هذا الحديث لم يسمعه في أصح قولي أهل العلم في عنعنة المدلس، والله أعلم.\n(^٣). تفسير الطبري (١/ ١٠١)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب (١/ ١٠٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٨٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٧٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٥).","vol":"3","page":110},{"text":"(ث-٣٧٦) فقد روى البخاري من طريق أبي بشر،\nعن سعيد بن جبير، قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله - ﷺ - وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٥٠٣٥).","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الثاني في تحديد بداية المفصل</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كثرة الاختلافات في تحديد أول المفصل دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد.\n* المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، وأن آل حم ليست من المفصل.\n* أقرب الأقوال في تحديد طوال المفصل وأوساطه وقصاره مذهب الشافعية القائل بأن المسألة تقريب، وليست تحديدًا.\n* اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي.\n[م-٥٨٧] اتفق العلماء على أن منتهى المفصل هو آخر القرآن.\nواختلفوا في أوله على أقوال كثيرة أوصلها الزركشي والسيوطي إلى اثني عشر قولًا في كتابي البرهان والإتقان، وأكثرها أقوال ضعيفة، وأشدها ضعفًا من قال: المراد به القرآن كله؛ لأنه كتاب فصلت آياته (^١).\nوكثرة الاختلافات دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد، والمتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، ويقع بعد المثاني، وربما اختلف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان لاختلاف ترتيب السور، والذي هو اجتهادي من قبل الصحابة رضوان الله\n_________\n(^١). البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٥)، الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٢١)، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٧/ ١١١).","vol":"3","page":112},{"text":"عليهم، وأن آل حم ليست من المفصل.\n(ث-٣٧٧) لما رواه البخاري، ومسلم عن النظائر التي كان يقرن بينها الرسول - ﷺ - من رواية واصل الأحدب،\nعن أبي وائل: ثماني عشرة من المفصل، وسورتين من آل حم (^١).\nوأشهر الأقوال في أول المفصل كالتالي:\nقيل: أوله من سورة الحجرات، وهو مذهب الحنفية، والمرتضى في مذهب المالكية، وصححه النووي من الشافعية، وقال به ابن عقيل من الحنابلة (^٢).\nقال ابن نجيم: «والذي عليه أصحابنا أنه من الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ طوال، ومنها إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أوساط، ومنها إلى آخر القرآن قصار، وبه صرح في النقاية» (^٣).\nوقيل: أوله من سورة ق، حكي قولًا عند الحنفية، وصححه ابن رشد الجد، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وقال الماوردي في تفسيره: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة، وصححه الشوكاني (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٤٠٥)، وصحيح مسلم (٨٧٢ - ٢٢٨).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، فتح القدير (١/ ٣٣٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٠)، مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٥).\n\nانظر في مذهب المالكية: الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٣)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ١٠٥).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٤٦): «واختلف في المفصل: فقيل: من الشورى، وقيل: من الجاثية، وقيل: من الحجرات. وقيل: من قاف. وقيل: من النجم. وقيل: من الرحمن». اهـ ولم يرجح بينها، وقال زروق في شرح الرسالة (١/ ٢٢٠) بعد أن ساق الخلاف، قال: «وقيل: الحجرات، وهو المعمول به».\nونقل التتائي في جواهر الدرر (٢/ ١١٩): عن ابن فرحون: أصحها القتال.\nوانظر في مذهب الشافعية: دقائق المنهاج (ص: ٤٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، كفاية النبيه (٣/ ١٤٨)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ١٠٧).\nوانظر قول ابن عقيل من الحنابلة في الإنصاف (٢/ ٥٥).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣٦٠).\n(^٤). البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٥)، فتح القدير (١/ ٣٣٥)، منحة الخالق حاشية على البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، قواعد الفقه لمحمد عميم الإحسان (ص: ٤٩٩)، البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، التوضيح شرح جامع الأمهات (١/ ٣٤٦)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٠)، الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب (١/ ١٠٣)، المجموع (٣/ ٣٨٤)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٦٠٤)، الإنصاف (٢/ ٥٥)، تفسير الماوردي المسمى النكت والعيون (١/ ٢٧)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٨٣).","vol":"3","page":113},{"text":"قال المرداوي في الإنصاف: «وأول المفصل: من سورة ﴿ق﴾ على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور قدمه في الفروع وغيره، وصححه الزركشي وغيره» (^١).\nوقال ابن كثير في تفسيره: «وهذه السورة -يعني سورة ﴿ق﴾ -هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، وأما ما يقوله العامة: إنه من ﴿عَمَّ﴾ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم» (^٢).\nوقيل: أوله من سورة الرحمن، وهو منسوب لابن مسعود ﵁ (^٣).\nقال الزركشي في البرهان: «حكاه ابن السيد في أماليه على الموطأ، وقال: إنه كذلك في مصحف ابن مسعود، قلت: رواه أحمد في مسنده كذلك» (^٤).\nولعل هذا على ترتيب مصحف ابن مسعود، وأما على ترتيب مصحف عثمان ﵁ فيكون أوله سورة ﴿ق﴾ كما أفاده الزركشي في البرهان (^٥).\nوقيل: أوله من سورة القتال (سورة محمد - ﷺ -)، وبه قال بعض السلف، قال الماوردي: وهو قول الأكثرين (^٦).\nوقيل: أوله من سورة الضحى، ونسبه الماوردي لابن عباس، وقال: كان يفصل في الضحى بين كل سورتين بالتكبير (^٧).\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٥٥).\n(^٢). تفسير ابن كثير ت سلامة (٧/ ٣٩٢).\n(^٣). البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٠).\n(^٤). البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٦)، وسيأتي تخريج الأثر إن شاء الله تعالى.\n(^٥). انظر: البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٤٥).\n(^٦). تفسير الماوردي (النكت والعيون) (١/ ٢٦)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٦٠٤)، الإنصاف (٢/ ٥٥).\n(^٧). النكت والعيون (١/ ٢٧)، الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٢٩٨).","vol":"3","page":114},{"text":"والذي يمكن أن يستدل له من هذه الأقوال قولان:\n* أما دليل من قال: المفصل يبدأ من سورة ﴿ق﴾، فاستدلوا بما يلي:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥١٢) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي،\nعن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي - ﷺ - أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا .... فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: طرأ عليَّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول الله - ﷺ - حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nالتصريح بأن حزب المفصل من سورة ﴿ق﴾ كما دل الحديث على أن المفصل يبتدئ من السورة التاسعة والأربعين ابتداء من سورة البقرة، وهذا هو رقم سورة ﴿ق﴾.\nالدليل الثاني:\n(ث-٨٧٣) روى البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال:\nإني عند عائشة أم المؤمنين ﵂، إذ جاءها عراقي، ... وفيه قالت عائشة: ... نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ... الحديث (^٣).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٩، ٣٤٣).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤٠٦).\n(^٣). صحيح البخاري (٤٩٩٣).","vol":"3","page":115},{"text":"فأشارت عائشة إلى أن المفصل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثره في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام.\nقال ابن رشد الجد: «والصحيح قول من قال إنه من سورة ﴿ق﴾؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصل مكي» (^١).\n(ث-٣٧٩) وقد روى سعيد بن منصور في سننه، قال: أخبرنا حديج بن معاوية، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن حبيب،\nعن ابن مسعود قال: أنزل المفصل بمكة، فمكثنا حججًا نقرؤه، لا ينزل غيره (^٢).\n[إسناده ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥).\n(^٢). التفسير من سنن سعيد بن منصور (١٢٦).\n(^٣). الأثر رواه سعيد بن منصور (١٢٦)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (٦٣٤٤)، عن حديج بن معاوية.\nوالطحاوي في مشكل الآثار (١٣٧٠) من طريق زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود.\nوزهير بن معاوية ثقة إلا أنه ممن روى عن أبي إسحاق بعد تغيره، وحديج فيه لين ولم يذكر في الرواة عن أبي إسحاق قبل الاختلاط.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٧): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حديج بن معاوية، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة».\nوقد اختلف فيه على أبي إسحاق:\nفرواه حديج وزهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن حبيب، عن ابن مسعود كما سبق تخريجه.\n\nوخالفهما إسرائيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٤٣)، ومستدرك الحاكم (٢٨٨٨، ٤٢٩٦)، فرواه عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: قرأنا المفصل حججًا، ونحن بمكة، ليس فيه: يا أيها الذين آمنوا.\nفذكر عبد الرحمن بن يزيد -وهو أخو الأسود وعمه علقمة بن قيس، وهو ثقة- بدلًا من عبد الله بن حبيب، وهذه مخالفة في الإسناد، كما أنه خالفهم في لفظه.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. اهـ\nفهذا الاختلاف أراه من أبي إسحاق.\nوقد قال أبو داود كما في سؤالاته (٤٠٥): سمعت أحمد بن حنبل قال: زهير، وزكريا، =","vol":"3","page":116},{"text":"قال الطحاوي: «ففي هذا الحديث ما قد دل على أن سورة الحجرات ليست منه، وأنها مدنية ...» (^١). ثم ذكر الحجج على مدنيتها.\nوالقول بأن المفصل كله مكي لا يطابق الواقع، فالمجادلة والحشر، والمنافقون، والتحريم، والطلاق، وغيرها كلها في أحكام الحلال والحرام، وهي مدنية، ولا يختلف أحد أنها من المفصل.\n* واستدل من قال: أول المفصل من الرحمن:\n(ح-١٥١٣) بما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا:\nأتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أَهَذًّا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل، لكن النبي - ﷺ - كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة»، قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵀ (^٢).\nورواه الفريابي من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل به بنحوه، وفيه: ... ولكن\n_________\n= وإسرائيل، ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق»، وقال أبو حاتم في إسرائيل: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق.\nوقال أبو طالب والفضل بن زياد للإمام أحمد: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه صاحب كتاب.\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: إسرائيل إذا انفرد بحديث يحتج به؟ قال: إسرائيل ثبت في الحديث.\nوقال عيسى بن يونس: قال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. اهـ\nفإسرائيل ثبت في جده أبي إسحاق، فلعل روايته هي المحفوظة، والله أعلم.\n\n(^١). شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٩٧).\n(^٢). سنن أبي داود (١٣٩٦).","vol":"3","page":117},{"text":"رسول الله - ﷺ - كان يقرأ النظائر في كل ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة (^١).\n[الحديث في الصحيحين دون تسمية النظائر] (^٢).\nفبدأ بسورة الرحمن، وذلك بحسب ترتيب مصحف ابن مسعود ﵁.\n* * *\n_________\n(^١). فضائل القرآن للفريابي (١٢٤).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٤١٠).","vol":"3","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الثالث في تحديد طوال المفصل وأوسطه وقصاره</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، وأن آل حم ليست من المفصل.\n* طوال المفصل فيه الأطول وفيه الطويل، وقل مثل ذلك في أوساط المفصل.\n* أقرب الأقوال في تحديد طوال المفصل وأوساطه وقصاره مذهب الشافعية القائل بأن المسألة تقريب، وليست تحديدًا.\n* القول بأن ما كان بمقدار سورة (ق) و(الرحمن) و(والحديد) فهي من طوال المفصل، وما كان بمقدار الجمعة والمنافقون والنبأ والنازعات فهي من أوساطه، وما كان بمقدار العصر والفيل والماعون والمعوذتين فهي من قصار المفصل.\n* قد تقرب بعض السور من أوساط المفصل وقد تقرب من قصاره، فما قرب من الشيء أعطي حكمه.\n* اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي.\n[م-٥٨٨] اختلف الفقهاء في تحديد ذلك:\nفقيل: طوال المفصل من الحجرات إلى البروج وقيل: إلى آخر البروج، وأوساطه من البروج إلى البينة، وقصاره إلى آخر القرآن، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٣٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٨)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٩)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٠)، الدر المختار (ص: ٧٤)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٥).","vol":"3","page":119},{"text":"وقيل: طواله من (الحجرات) ومنتهاه إلى (عبس) والغاية خارجة، وأوساطه من (عبس) إلى (الضحى) بإخراج الغاية أيضًا، وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن. وهذا مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنفية (^١).\nواختلف الشافعية في تحديد المفصل:\nفقال بعضهم: طواله: كالحجرات واقتربت والرحمن، وأوساطه كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وقصاره كالعصر، وقل هو الله أحد، وقدمه الخطيب في مغني المحتاج، والإسنوي في المهمات (^٢).\nوقال الإسنوي: «رأيت في (المسافر) لأبي المنصور التميمي أحد أصحاب الربيع، عن نص الشافعي تمثيل القصار بالعاديات، ونحوها» (^٣).\nوقال ابن حجر الهيتمي في المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية: «والمنقول كما قال ابن الرفعة وغيره: إن طواله كقاف والمرسلات، وأوساطه كالجمعة، وقصاره كسورة الإخلاص» (^٤).\nوهذا القول يعتمد في تعيين المفصل على التقريب، وليس التحديد.\nوذكر ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: إن طواله من الحجرات إلى عمَّ، وأوساطه منها إلى الضحى، وقصاره منها إلى آخر القرآن على ما اشتهر، كذا قال.\n_________\n(^١). الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٧)، الشرح الصغير له (١/ ١١٨)، الثمر الداني (ص: ١٠٥)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٨)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٦٣)، حاشية العدوي على شرح الزرقاني على العزيَّة (٢/ ١٠٧٢)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٠)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٥)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ١١٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٥، ٣٣٦).\nوللشيخ علي الأجهوري:\nأول سورةٍ من المفصل ... الحجرات لعبس وهو الجلي\nومن عبس لسورة الضحى وسط ... وما بقي قصاره بلا شطط\n(^٢). مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٦٩).\n(^٣). المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٧٠).\n(^٤). المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٠٠).","vol":"3","page":120},{"text":"وذكره في شرحه للمقدمة الحضرمية، وقال: وفيه نظر. ونسبه الإسنوي في المهمات لابن معن في التنقيب (^١).\nوقيل: طواله من (ق) إلى (النبأ)، وأوساطه من (النبأ) إلى (الضحى) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nهذه الأقوال في تحديد أول المفصل، وأوساطه وقصاره، وكلها اجتهادات كما سبق، وأقرب الأقوال عندي مذهب الشافعية القائل بأن المسألة تقريب، وليست تحديدًا؛ لأنك إذا ذهبت إلى تحديد المفصل في السور فستجد النبأ من أوساط المفصل، وهي في مقدار الجمعة والمنافقون، وهي من طوال المفصل، وستجد الطارق من أوساط المفصل سبعة أسطر، بينما البينة عشرة أسطر وهي معدودة من قصاره، والعلق تسع عشرة آية، وهي من قصار المفصل، بينما الشمس وضحاها خمس عشرة آية وهي معدود ةمن أوساط المفصل، فالقول بأن ما كان بمقدار سورة (ق) و(الرحمن) و(الحديد) فهي من طوال المفصل، وما كان بمقدار الجمعة والمنافقون والنبأ والنازعات فهي من أوساطه، وما كان بمقدار العصر والفيل والماعون والمعوذتين من فهو من قصار المفصل، وقد تكون بعض السور بين ذلك، فتقرب من أوساط المفصل وقد تقرب من قصاره، فما قرب من الشيء أعطي حكمه، لعل هذا أقرب القولين ما دامت المسألة ليس فيها نص يمكن الفصل به، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٠٠)، المهمات (٣/ ٧٠).\n(^٢). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، غاية المنتهى (١/ ١٦٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٦).","vol":"3","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المبحث الرابع في مقدار القراءة المستحبة في صلاة الصبح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا تقدير في السنة القولية في قراءة ما زاد على الفاتحة إلا ما كان من قول النبي - ﷺ -: (ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)، وقوله ﵇ للإمام: (من أم الناس فليخفف)، وقوله - ﷺ - لمعاذ: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها.\n* ليس في النصوص تحديد، لا يزاد عليه، ولا ينقص عنه وهذا يعم جميع الصلوات.\n* تقدير القراءة في السنة الفعلية متفاوت، فالصبح وهي أوكد الصلوات في إطالة القراءة، قد صَلَّى النبي - ﷺ - فيها بالتكوير، والمغرب وهي من أوكد الصلوات في التخفيف قد قَرَأَ النبي - ﷺ - فيها بالأعراف، والطور والمرسلات، وقل مثل ذلك في سائر الصلوات.\n* قال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه - ﷺ - مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع».\n* قال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يَحُدَّ شيئًا».\n* لا يحفظ نص يأمر فيه النبي - ﷺ - الأئمة بإطالة القراءة في صلاة الصبح، وإنما يؤثر ذلك من فعله ﵊، وهو أعلم بجماعته، وربما خفف فيها الصلاة أحيانًا.\n* نص الشافعية والمالكية والإمام أحمد على أن استحباب إطالة القراءة في صلاة الصبح خاص بالفذ، أو لجماعة محصورة، ويرغبون في الإطالة، ولا أظن الحنفية يخالفونهم في هذا.","vol":"3","page":122},{"text":"* قول النبي - ﷺ -: (اقتدِ بأضعفهم) دليل على أن مراعاة أحوال الجماعة أولى من مراعاة سنة القراءة، ويشهد له تخفيف النبي - ﷺ - الصلاة لسماع بكاء الصبي.\n* السنن لا إلزام فيها، وإنما يحمل الناس على الفروض والواجبات، وإطالة القراءة في صلاة الصبح ليست واجبة بالإجماع.\n* تفضيل المفصل على غيره من سور القرآن في قراءة الصلاة لا يصح فيه دليل.\n* قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الصبح من الطوال، أو من المئين، أو من المثاني لا يدل على استحباب هذه السور بذاتها، فضلًا أن يدل على استحباب القراءة من هذه الأحزاب بذاتها، وقل مثل ذلك في المفصل.\n* قراءة النبي - ﷺ - لسورة ق في صلاة الصبح يؤخذ منه استحباب القراءة بمثل هذا المقدار من الآيات في صلاة الصبح من أي سورة شاء.\n* صح عن النبي - ﷺ - أنه قرأ في الصبح بطوال المفصل، مثل: ق والطور، والإنسان، وصح عنه القراءة من خارج المفصل، كالسجدة، والصافات، والمؤمنون.\n* قرأ أبو بكر البقرة وآل عمران في صلاة الصبح، وقرأ عمر البقرة، والإسراء ويوسف والحج والكهف ويونس وهود، وإذا لم تكن قراءة هذه السور من الطوال والمئين والمثاني من هذين الخليفتين الراشدين دليلًا على استحباب قراءة هذه السور بذاتها في صلاة الصبح، لم تكن قراءة بعض طوال المفصل دليلًا على استحباب قراءتها من هذا الحزب، وإذا اختلف الناس فلينظروا إلى فعل أبي بكر وعمر.\n[م-٥٨٩] اختلف العلماء في تقدير مقدار القراءة في صلاة الصبح على النحو التالي:\nالقول الأول: مذهب الحنفية:\nاختلفت الروايات عند الحنفية في عدد الآيات المستحب قراءتها في الحضر لاختلاف الآثار، والمنقول في الجامع الصغير: أنه يقرأ في الفجر في الركعتين سوى الفاتحة أربعين، أو خمسين، أو ستين، واقتصر محمد بن الحسن في الأصل: على الأربعين.\nوروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة: ما بين الستين إلى مائة، وبكل هذا جاءت الآثار، وأن تكون هذه الآيات من طوال المفصل، وهل هذه سنة أخرى، أو","vol":"3","page":123},{"text":"استحسان قولان لهم (^١).\nقال في ملتقى الأبحر: «وسنتها ... في الحضر أربعون آية، أو خمسون، واستحسنوا طوال المفصل فيها» (^٢).\nوهذا التفصيل في مقدار عدد الآيات التي يسن قراءتها في الفجر مقيد بقيدين: أن يكون ذلك في الحضر، وألا يثقل ذلك على المقتدين بقراءته (^٣).\nوأما في السفر مطلقًا أي سواء أكان في حال عجلة أم في حال القرار، فالسنة أن يقرأ فيه الفاتحة وأي سورة شاء (^٤).\nواختار بعض الحنفية أن المسافر إن كان في أمنة وقرار فيستحب له أن يقرأ في الفجر نحو البروج وانشقت؛ لأنه يمكنه مراعاة السنة مع التخفيف (^٥).\nوتعقبه ابن نجيم فقال: «وما في الهداية وغيرها من أنه محمول على حالة العجلة في السير، وأما إن كان في أمن وقرار فإنه يقرأ نحو سورة البروج وانشقت ....\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ١٦٢)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠، ٣٦١)، المبسوط (١/ ١٦٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠، ١٣١)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٤)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٠، ٣٠١)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٠).\nوقد اشتمل مذهب الحنفية على مسألتين: كون القراءة من طوال المفصل، وكونها في مقدار معين من الآيات: وقد اختلفوا أهما سنتان، أم أن السنة هو عدد الآيات، وأما كونها من طوال المفصل فاستحسان، قولان، انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٨).\nوقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٦٠): «وأفاد أن القراءة في الصلاة من غير المفصل خلاف السنة، ولهذا قال في المحيط، وفي الفتاوى: قراءة القرآن على التأليف في الصلاة لا بأس بها؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا يقرؤون القرآن على التأليف في الصلاة، ومشايخنا استحسنوا قراءة المفصل ليستمع القوم ويتعلموا اهـ».\nفنص على أن كونها من المفصل استحسان من قبل المشايخ، لا من جهة ظاهر الرواية.\n(^٢). ملتقى الأبحر (ص: ١٥٨، ١٥٩).\n(^٣). مراقي الفلاح (ص: ٩٨)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٦)،.\n(^٤). الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٨)،.\n(^٥). الهداية (١/ ٥٥)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٨)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٨)، المحيط البرهاني (١/ ٣٠٠).","vol":"3","page":124},{"text":"فليس له أصل يعتمد عليه من جهة الرواية، ولا من جهة الدراية (^١).\nوقال أيضًا: «والسفر وإن كان مؤثرًا في التخفيف لكن التحديد بقدر سورة البروج في الفجر والظهر لا بد له من دليل، ولم ينقلوه، وكونه - ﷺ - قرأ في السفر شيئًا لا يدل على سنيته إلا لو واظب عليه، ولم يوجد، فالظاهر الإطلاق» (^٢).\nوجاء في الاختيار لتعليل المختار: «الإمام يقرأ على وجه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة» (^٣).\nهذا تفصيل قراءة الصبح في مذهب الحنفية.\nالقول الثاني: مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.\nاستحب المالكية للفذ في الحضر أن يقرأ في صلاة الصبح بطوال المفصل فما زاد بقدر ما يحتمله التغليس، فإن خشي الإسفار خفف.\nومثل الفذ الجماعة المحصورة إذا طلبت من الإمام التطويل، وعلم أو ظن إطاقتهم له، ولم يكن أحدهم من أهل الأعذار، وإلا فالمطلوب منه التقصير؛ لاحتمال الضعيف والسقيم وذي الحاجة (^٤).\nومثل طلب الجماعة التطويل أن يفهم الإمام رغبتهم به، ولو لم يصرحوا بذلك، وعليه يُخَرَّجُ تطويلُه ﵊ والخلفاء بعده (^٥).\nومذهب الشافعية على نحو مذهب المالكية، فقالوا: يستحب القراءة في\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٥٩)، وانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٨).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٦٠).\n(^٣). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦).\n(^٤). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، التلقين (١/ ٤٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٦٣)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٥)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٠٢)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٤)، البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٧٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٤)، التوضيح لخليل (١/ ٣٤٦)، تحبير المختصر لبهرام (١/ ٢٩٩)، جواهر الدرر (٢/ ١١٩).\n(^٥). انظر: شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٢).","vol":"3","page":125},{"text":"الصبح في الحضر بطوال المفصل إذا انفرد المصلي، أو كان إمامًا وكان المأمومون محصورين وآثروا التطويل، فإن لم يكونوا محصورين، أو كانوا ولكن لم يؤثروا التطويل، فلا يستحب ذلك، جزم به النووي في شرح المهذب وشرح مسلم، وجزم به أيضًا في التحقيق.\nوأما في السفر فيستحب له القراءة في الأولى (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: الإخلاص (^١).\nقال النووي: «وهذا الذي ذكرناه من استحباب طوال المفصل وأوساطه هو فيما آثر المأمومون التطويل، وكانوا محصورين لا يزيدون، وإلا فليخفف» (^٢).\nوقال الرملي في نهاية المحتاج: «ويستثنى -كما قاله الشيخ أبو محمد في\n_________\n(^١). مختصر المزني (ص: ١١١)، المجموع (٣/ ٣٨٥)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، أسنى المطالب (١/ ١٥٥)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٦)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، المقدمة الحضرمية (ص: ٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٤). ...\n\nوجاء في أسنى المطالب (١/ ٢١٢): «فإن جهل حالهم، أو اختلفوا لم يطول، قال ابن الصلاح إلا إن قَلَّ مَنْ لم يَرْضَ، كواحد واثنين، ونحوهما؛ لمرض ونحوه، فإن كان ذلك مرة، أو نحوها خفف، وإن كثر حضوره طَوَّل مراعاة لحق الراضين، ولا يفوت حقهم؛ لهذا الفرد الملازم. قال في المجموع: وهو حسن متعين. ...\nقال الزركشي: وفيه نظر، بل الصواب أنه لا يُطَوِّل مطلقًا كما اقتضاه إطلاق الأصحاب لإنكاره - ﷺ - على معاذ التطويل لما شكاه الرجل الواحد وسبقه إلى نحو ذلك الأذرعي وخرج بقول المصنف من زيادته: (وهم أحرار غير أجراء): الأرقاء، والأجراء. أي إجارة عين، على عمل ناجز، إذا أذن لهم السادة، والمستأجرون في حضور الجماعة، فلا عبرة برضاهم بالتطويل بغير إذن فيه من أرباب الحقوق، نبه على ذلك الأذرعي».\nوقال التنوخي الحنبلي في شرح المقنع (١/ ٤٦٤): «ومعنى إتمام الصلاة: أن يفعل أدنى الكمال من التسبيح والقراءة وسائر أجزاء الصلاة. وهذا التخفيف مختص بمن لا تُؤْثِر جماعته التطويل، فإن آثرته استحب؛ لأن النبي - ﷺ - كان يقرأ بالستين إلى المائة، وبـ (قاف)، وبـ (الروم) وبـ (المؤمنون)». وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٦٦، ٢٦٧)، وكشاف القناع (١/ ٣٩١).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٨٥)، وانظر: المقدمة الحضرمية (ص: ٦٧)،.","vol":"3","page":126},{"text":"مختصره، والغزالي في عقود المختصر وإحيائه- صلاة الصبح للمسافر، فإن المستحب أن يقرأ في الأولى منها: قل يا أيها الكافرون والثانية: الإخلاص» (^١).\nوقول الحنابلة في المسألة كقول الشافعية،\nوقال أحمد كما في رواية حنبل بن إسحاق: «قال أبو عبد الله -يعني أحمد- إذا كان المسجد على قارعة الطريق، أو طريق يُسْلَكُ فالتخفيف أعجب إلي، فإن كان مسجدًا يعتزل أهله ويرضون بذلك، فلا بأس، وأرجو إن شاء الله» (^٢).\nوجاء في الروض المربع: «ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام؛ لقوله - ﷺ -: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، قال في المبدع: ومعناه أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وسائر أجزاء الصلاة إلا أن يؤثر المأموم التطويل، وعددهم ينحصر» (^٣).\nالقول الثالث:\nاختار ابن بطال وابن عبد البر واليعمري وبعض العلماء أن على الإمام التخفيف بكل حال (^٤).\nورجحه ابن عبد البر حتى لو علم قوة من خلفه، وقال: فإنه لا يدري ما يحدث بهم من آفات بني آدم، وذكر أن تطويل الإمام غير جائز، وأنه يلزمه التخفيف.\nالقول الرابع:\nاستحب إمام الحرمين القراءة في الصبح من طوال المفصل مطلقًا، من غير فرق بين إمام ومنفرد، وبين جماعة محصورة وغيرهم، وبه قال ابن القيم وابن رجب من الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١). نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، وانظر: مغني المحتاج (١/ ٣٦٣).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٢١٧).\n(^٣). الروض المربع (ص: ١٢٨).\n(^٤). شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٣٣)، الاستذكار (٢/ ١٦٣)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٢١٧)، طرح التثريب (٢/ ٣٥٠)، شرح القسطلاني (٢/ ٥٨، ٥٩)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٧٨)، شرح الرزقاني على خليل (١/ ٣٧٢)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٦)، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٦/ ٥٦٦).\n(^٥). المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٦٨)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٢٢٢).","vol":"3","page":127},{"text":"القول الخامس:\nاستحب ابن حزم أن يقرأ مع أم القرآن في صلاة الصبح في كل ركعة من ستين آيه إلى مائة آية من أي سورة شاء (^١).\nهذا تفصيل مذاهب الفقهاء، وملخصه كالتالي:\nقيل: تسن قراءة أربعين آية أو خمسين أو ستين آية في الركعتين، ويستحسن كونها من المفصل.\nفجعلوا تقدير الآيات بالعدد من السنة، وكونها من حزب المفصل من قبيل الاستحسان. وهذا مذهب الحنفية.\nوقيل: تسن القراءة من طوال المفصل، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، قال المالكية: فما زاد.\nوقيد المالكية والشافعية والحنابلة الاستحباب للمنفرد، أو لجماعة محصورة رغبت في إطالة الصلاة، وكانت تطيق ذلك.\nوقيل: تسن القراءة من طوال المفصل مطلقًا، وبه قال إمام الحرمين وابن القيم.\nوقيل: تسن القراءة من الستين إلى المائة، من أي سورة شاء، وهو اختيار ابن حزم.\nفإذا وقفت على الأقوال، فلننتقل إلى بيان الأدلة عليها.\n* دليل من قال: يستحب القراءة من طوال المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥١٤) ما رواه مسلم من طريق شريك وابن عيينة، عن زياد بن علاقة،\nعن قطبة بن مالك سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيد﴾.\nورواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن زياد بن علاقة به (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥١٥) ما رواه مسلم من طريق زائدة، حدثنا سماك بن حرب،\nعن جابر بن سمرة قال: إن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن\n_________\n(^١). المحلى (٣/ ١٧)، مسألة (٤٤٥).\n(^٢). صحيح مسلم (١٦٦ - ٤٥٧).","vol":"3","page":128},{"text":"المجيد وكان صلاته بعد تخفيفًا (^١).\n[اختلف فيه على سماك، في تعيين السور] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦٨ - ٤٥٨).\n(^٢). اختلف فيه على سماك بن حرب في تعيين السور،\nفرواه زهير وزائدة، وإسرائيل في رواية، وجعفر بن الحارث بسند ضعيف،، رووه بذكر سورة (ق).\nورواه الثوري وإسرائيل بذكر سورة (الواقعة).\nورواه أبو عوانة ويزيد بن عطاء اليشكري بذكر سورتي (ق ويس).\nورواه شعبة بذكر قراءة الظهر، وقال: والصبح أطول من ذلك، ولم يحدد سورة.\nورواه حماد بن سلمة، فلم يذكر قراءة الصبح.\nقال النسائي: سماك بن حرب ليس ممن يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث اختلف فيه على سماك. هذا من حيث الإجمال، وإليك ما يمكن تفصيله:\nرواه زائدة بن قدامة، عن سماك به، كما في صحيح مسلم (١٦٨ - ٤٥٨) و(١٦٩ - ٤٥٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٥٤٣)، ومسند أحمد (٥/ ١٠٥)، ومسند أبي يعلى (٧٤٥٩)، والمعجم الكبير للطبراني (٢/ ٢٢٤) ح ١٩٢٩، ومستخرج أبي عوانة (١٧٩٠، ١٧٩١)، وصحيح ابن خزيمة (٥٢٦)، وصحيح ابن حبان (١٨١٦)، ومسند السراج (١٤٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤٣)، ومستخرج أبي نعيم على مسلم (١٠١٥، ١٠١٦)، بلفظ: (أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفًا).\nوتابعه على ذكر سورة (ق) كل من إسرائيل، وزهير، وأبي عوانة، وجعفر بن الحارث، عن سماك.\nأما رواية زهير، عن سماك:\nفرواها مسلم (١٦٩ - ٤٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٣)، وأحمد (٥/ ٩٠، ٩١، ١٠٢، ١٠٣) من طريق يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن سماك به، بلفظ: (سألت جابر ابن سمرة، عن صلاة النبي - ﷺ - فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال: وأنبأني: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن ونحوها).\nفقوله: (ونحوها) يحتمل ونحوها من سور المفصل، ويحتمل بمقدارها من القرآن.\nورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٢٧) ح ١٩٣٨، وأبو العباس (١٤٤) من طريق عمرو بن خالد الحراني،\n\nورواه أبو العباس السراج في مسنده (١٤١) من طريق شجاع بن الوليد، ومن طريق أبي الوليد، ثلاثتهم، عن زهير به.\nوأما رواية أبي عوانة، عن سماك، فرواها الإمام أحمد (٤/ ٣٤)، حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن رجل من أهل المدينة أنه صلى خلف النبي - ﷺ -، فسمعته يقرأ في صلاة الفجر (﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ و﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم﴾. =","vol":"3","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فلم يسمِّ الراوي، وذكر مع سورة ق: (سورة يس) وذكر سورة يس في الحديث خطأ، لمخالفة رواية أبي عوانة لكل من زهير، وزائدة، وإسرائيل، وجعفر بن الحارث، والحمل فيه على سماك بن حرب، ففي حفظه شيء.\nتابع أبا عوانة على ذكر سورة (يس) شعبة وأيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة؛ أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الصبح بـ ﴿يس﴾.\nرواه الطبراني في الأوسط (٣٩٠٣)، قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: أخبرنا عبد الله ابن عمران الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي، قال: أخبرنا شعبة وأيوب بن جابر به.\nقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن سماك إلا شعبة وأيوب بن جابر، ولا رواه عنهما إلا أبو داود، تفرد به: عبد الله بن عمران».\nوهذه رواية منكرة، أيوب بن جابر ضعيف، وعبد الله بن عمران الأصبهاني: صدوق يغرب، وأما شيخ الطبراني علي بن سعيد الرازي فتكلم فيه الدارقطني، وأثنى على حفظه ابن يونس فحديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن، وهذه الرواية مخالفة لرواية ابن مهدي ومعاذ بن معاذ عن شعبة، وهو المعروف من حديث شعبة، كما سيأتي تخريجها إن شاء الله.\nقال الحافظ في نتائج الأفكار: «هكذا وقع -يعني ذكر سورة يس- في هذه الرواية، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة بهذا السند، بلفظ: (كان يقرأ في الظهر بسبح وفي الصبح أطول من ذلك)، فلعل بعض الرواة حمل حديث أيوب بن جابر على حديث شعبة، وأيوب بن جابر ضعيف».\nوأما رواية جعفر بن الحارث، عن سماك:\nفرواها الطبراني في الكبير (٢/ ٢٣٩) ح ٢٠٠٠، من طريق محمد بن حسان البرجناني، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا جعفر بن الحارث به، بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الفجر بـ (ق»\nومحمد بن حسان البرجناني، ليس له رواية إلا في المعجم الكبير للطبراني بحسب البحث، ولم يرو عنه إلا أسلم بن سهل الواسطي (بحشل)، وليس له إلا ثلاثة أحاديث كلها عن شيخه محمد بن يزيد الواسطي، عن جعفر بن الحارث، وكل هذه الروايات الثلاث متابع عليها، ليس فيها ما تنكره، فلفظه هذا صالح في المتابعات.\nوأما رواية يزيد بن عطاء، فرواها الطبراني في الكبير (٢/ ٢٥١) ح ٢٠٢٥، من طريق سعيد ابن سليمان ويحيى الحماني، كلاهما عن يزيد بن عطاء، عن سماك بن حرب، عن جابر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم، كان يصلي الظهر حين تزول الشمس وكان يقرأ في صلاة الفجر بـ ق والقرآن المجيد، ويس ونحو ذلك.\nفالحماني حافظ إلا أنه مجروح، قد اتهم بسرقة الحديث، لكن قد تابعه ثقة، وهو سعيد بن سليمان (سعدويه).\nويزيد بن عطاء هو أبو خالد اليشكري ضعيف، وقد زاد (سورة يس) وهي زيادة منكرة.\nوأما رواية إسرائيل، عن سماك، فقد اختلف فيه على إسرائيل في لفظه: =","vol":"3","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأخرجها الطبراني في الكبير (٢/ ٢٢٤) ح ١٩٢٩، من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل به، مقرونًا برواية زائدة، بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الفجر بـ ق والقرآن المجيد، وكانت صلاته بعد تخفيفًا. وهذا لفظ زائدة، فأخشى أن يكون الطبراني حمل لفظ إسرائيل على لفظ زائدة.\nفقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٢٠)، وعنه أحمد (٥/ ١٠٤)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٢٢) ح ١٩١٤.\nورواه أحمد أيضًا (٥/ ١٠٤) حدثنا يحيى بن آدم،\nورواه المستغفري في فضائل القرآن (٩٣٩)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٣١)، وابن حبان في صحيحه (١٨٢٣)، من طريق خلف بن الوليد،\nوالحاكم في المستدرك (٨٧٥) من طريق عبيد الله بن موسى، أربعتهم (عبد الرزاق، ويحيى، وخلف، وعبيد الله) رووه عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة، ونحوها من السور.\nفذكر سورة (الواقعة) بدلًا من قاف.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وإنما خَرَّج مسلم بإسناده: كان يقرأ في صلاة الفجر بالواقعة.\nتابع الثوريُّ إسرائيلَ، على ذكر سورة الواقعة، فخرج إسرائيل من عهدته.\nفقد رواه المستغفري في فضائل القرآن (٩٤٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٤٠) من طريق محمد بن يوسف.\nوالبيهقي في السنن (٣/ ١٦٩) من طريق عبد الصمد بن حسان، كلاهما عن الثوري، عن سماك بن حرب به. فكان الحمل بذكر (سورة الواقعة) على سماك، فقد اضطرب في تعيين السورة.\nورواه شعبة، وحماد بن سلمة، عن سماك، فلم يذكرا سورة قاف:\nفرواه مسلم (١٧٠ - ٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن سماك به، بلفظ: (كان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك). ولم يذكر السورة التي يقرأ فيها بالصبح، وزاد قراءة الظهر بـ (الليل إذا يغشى).\nومن طريق ابن مهدي أخرجه أحمد (٥/ ١٠١، ١٠٨)، والنسائي في المجتبى (٩٨٠)، وفي الكبرى (١٠٥٤)، والمستغفري في فضائل القرآن (٩٩٦).\nوأخرجه أبو داود (٨٠٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢١٨) ح ١٨٩٤، من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة به.\nورواه الطيالسي، عن شعبة، واضطرب فيه في تعيين السورة، على أربعة ألفاظ:\nاللفظ الأول: جاء بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾، ونحوها، ويقرأ في الصبح بأطول من ذلك) بمثل رواية ابن مهدي ومعاذ بن معاذ. =","vol":"3","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه عنه بهذا اللفظ يونس بن حبيب كما في مسند الطيالسي (٨٠٠)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (١٧٥٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٠١٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٤٧).\nاللفظ الثاني: جاء بلفظ: (أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الصبح بأطول من ذلك).\nرواه أحمد (٥/ ٨٦، ٨٨).\nوابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٦٩)، وعنه مسلم (٤٦٠)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٢٠) ح ١٩٠٥، وأبو نعيم في مستخرجه (١٠١٧)، كلاهما (أحمد وابن أبي شيبة) عن أبي داود الطيالسي به.\nاللفظ الثالث: جاء بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿الليل إذا يغشى﴾، ﴿والشمس وضحاها﴾، ونحوها، ويقرأ في الصبح بأطول من ذلك.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٢١٨) ح ١٨٩٣ من طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى،\nوابن خزيمة في صحيحه (٥١٠) أخبرنا يحيى بن حكيم، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي به.\nاللفظ الرابع: جاء بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾، وفي الصبح بأطول من ذلك).\nأخرجه أبو العباس السراج في مسنده (١٢٥) حدثنا هارون بن عبد الله (الحمال)، وعقبة بن مُكْرَمٍ، قالا: حدثنا أبو داود به.\nورواه حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، فخالف في تعيين السور في صلاة الظهر والعصر، ولم يذكر القراءة في صلاة الصبح.\nرواه يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٥/ ١٠٣)، ومستخرج الطوسي (٢٨٨)، ومسند أبي العباس السراج (١٢٦)، وفضائل القرآن للمستغفري (٩٨٩).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسنده (٨١١)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٥٧٠، ٣٥٨٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٢٧)، والطبراني في الأوسط (٣٩٠٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٤٧).\nوموسى بن إسماعيل كما في سنن أبي داود (٨٠٥)،\nوبهز كما في مسند أحمد (٥/ ١٠٦)،\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (٥/ ١٠٨)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٧٩)، وفي الكبرى له (١٠٥٣، ١١٥٩٨).\nوعفان كما في مسند أحمد (٥/ ١٠٨)، ومستخرج الطوسي (٢٨٨)،\nقال عفان في حديثه كما في مستخرج الطوسي: لم يذكر حديث جابر بن سمرة هذا عنه أحد غير حماد وهو حديث غريب. اهـ =","vol":"3","page":132},{"text":"وقوله: (وكانت صلاته بعد تخفيفًا) قال ابن رجب: والظاهر أنه أراد أن صلاته بعد الفجر كانت أخف من صلاة الفجر (^١).\n* وأجيب:\nبأن قراءة النبي - ﷺ - لسورة (ق) ليس دليلًا على تفضيل قراءة هذه السورة بذاتها لصلاة الصبح، فليست قراءتها في الصبح كقراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة؛ وإذا لم يدل على تفضيل سورة (ق) في صلاة الصبح لم يدل على استحباب طوال المفصل من باب أولى، كما أن قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الصبح من الطوال، أو من المئين، أو من المثاني لا يدل على استحباب هذه السور بذاتها، فضلًا أن يدل على استحباب القراءة من هذه الأحزاب بذاتها. بل يؤخذ من الحديث دليل على استحباب القراءة بمثل هذا المقدار من الآيات في صلاة الصبح من أي سورة شاء، ولَإِنْ صح عن النبي - ﷺ - أنه قرأ في الصبح بطوال المفصل،\n_________\n= ويونس بن محمد المؤدب، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٧)،\nوهدبة بن خالد كما في المعجم الكبير للطبراني (٢/ ٣٣٢) ح ١٩٦٦.\nوأبو الوليد الطيالسي كما في سنن الدارمي (١٣٢٧).\nوحجاج بن منهال كما في القراءة خلف الإمام للبخاري ط دار الصميعي (٢٥٣)، عشرتهم رووه عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جابر مرفوعًا، كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السماء والطارق﴾، ﴿والسماء ذات البروج﴾ وما شابهها.\nوالمحفوظ في تسمية السورة ما رواه ابن مهدي ومعاذ بن معاذ عن شعبة، عن سماك بن حرب، بذكر (والليل إذا يغشى)، وما وافقها من رواية يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، والله أعلم.\nوأما رواية حماد بن سلمة، عن سماك به بلفظ: كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج، فهي رواية شاذة، وحماد قد تغير بآخرة كما ذكره أبو حاتم الرازي، وهو ثقة إذا روى عن ثابت وحميد، صدوق إذا روى عن غيرهما، ما لم يتفرد أو يخالف، والله أعلم.\nوأما ذكر السورة التي يقرأ فيها بالصبح.\nفشعبة ذكر ما يقرأ في صلاة الظهر، ثم قال: والصبح أطول من ذلك، ولم يحدد سورة.\nوالثوري وإسرائيل ذكرا سورة الواقعة.\nوزائدة وزهير ذكرا سورة ق، فهذا الاختلاف من قبل سماك، فإن في حفظه شيئًا، والله أعلم.\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٥٦).","vol":"3","page":133},{"text":"مثل: ق والطور، والإنسان، فقد صح عنه القراءة من خارج المفصل، كالسجدة، والصافات، والمؤمنون، وبعضهن أطول من طوال المفصل، بل وقرأ فيها بأقصر من ذلك كالتكوير، وسوف يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة،\nعن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى جنب البيت، يقرأ: بالطور وكتاب مسطور (^١).\nورواه البخاري، قال: حدثني محمد بن حرب، حدثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء الغساني، عن هشام، عن عروة،\nعن أم سلمة -زوج النبي ﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال، وهو بمكة، وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج، فقال لها رسول الله - ﷺ -: إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلون. ففعلت ذلك، فلم تُصَلِّ حتى خرجت (^٢).\n[قوله: (صلاة الصبح) رواه الغساني، عن هشام، والغساني متكلم فيه، وتابعه أبو قبيصة الفزاري، وهو ضعيف، والراوي عنه مجروح] (^٣).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٥١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا الحكم بن موسى - قال: عبد الله وسمعته أنا من الحكم - قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال: ذكره يحيى ابن سعيد، عن عمرة،\nعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان، قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٦٤)، ومسلم (٢٥٨ - ١٢٧٦).\n(^٢). صحيح البخاري (١٦٢٦).\n(^٣). انظر تخريجه، (ح: ١٥٦٣).","vol":"3","page":134},{"text":"إلا من وراء رسول الله - ﷺ - كان يصلي بها في الصبح (^١).\n[المحفوظ أنها أخذتها من قراءة الرسول - ﷺ - لها على المنبر يوم الجمعة] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٦/ ٤٦٣).\n(^٢). اختلف فيه على يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أختها:\nفرواه أحمد (٦/ ٤٦٣)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٦/ ٤٦٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٨٠٦٦)، من طريق الحكم بن موسى.\nورواه النسائي في المجتبى (٩٤٩) وفي الكبرى (١٠٢٣، ١١٤٥٦) من طريق عمران بن يزيد،\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٣٦٣) من طريق إبراهيم بن محمد،\nوالمحاملي في أماليه (١٠٩) من طريق أبي المجاهر، كلهم رووه عن عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان به، بلفظ: ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من النبي - ﷺ - كان يصلي بها في الصبح.\nوقد خالف ابن أبي الرجال من هو أوثق منه:\n\nفرواه سليمان بن بلال كما في صحيح مسلم (٥٠ - ٨٧٢)، وسنن أبي داود (١١٠٢)، ومستخرج أبي نعيم (١٩٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٩٨).\nويحيى بن أيوب الغافقي كما في صحيح مسلم (٥٠ - ٨٧٢)، وسنن أبي داود (١١٠٣)، كلاهما روياه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن أخت لعمرة بنت عبد الرحمن به.\nولفظ سليمان بن بلال في مسلم: (أخذت ق والقرآن المجيد) مِنْ فِي رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة.\nوأخت عمرة من أمها: هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان.\nوقد رواه غير عمرة عن أم هشام بذكر قراءتها على المنبر يوم الجمعة مما يؤكد خطأ عبد الرحمن بن أبي الرجال.\nفرواه مسلم (٥١ - ٨٧٣) من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن خبيب، عن عبد الله ابن محمد بن معن، عن بنت لحارثة بن النعمان، قالت: ما حفظت ق، إلا من في رسول الله - ﷺ -، يخطب بها كل جمعة»، قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله - ﷺ - واحدًا.\nوأكتفي بصحيح مسلم عن غيره اختصارًا.\nكما رواه يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة ابن النعمان، بلفظ: لقد كان تنورنا وتنور رسول الله - ﷺ - واحدًا، سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله - ﷺ -، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر، إذا خطب الناس.\nأخرجه مسلم (٥٢ - ٨٧٣) من طريق إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة به.\nفتبين بهذا شذوذ رواية عبد الرحمن بن أبي الرجال، والله أعلم.","vol":"3","page":135},{"text":"الدليل الخامس:\n(ث-٣٨٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\nزاد أبو بكر الحنفي في رواية أحمد، والبيهقي: قال الضحاك: وحدثني من سمع أنس بن مالك، يقول: ما رأيت أحدًا أشبهَ صلاةً بصلاة رسول الله - ﷺ - من هذا الفتى، يعني: عمر بن عبد العزيز، قال الضحاك: فصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وكان يصنع مثل ما قال سليمان بن يسار (^٣).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر (ث-٣٧٥)، وانظر (ح ١٥٥٠).\n(^٣). مسند أحمد (٢/ ٣٢٩)، وسنن البيهقي (٢/ ٥٤٢).\nوفي هذا الإسناد مبهمقد رواه الضحاك موصولًا عن يحيى بن سعيد، أو عن شريك بن أبي نمر، لا يدري أيهما حدثه، عن أنس بن مالك، قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز. قال الضحاك: فكنت أصلي وراءه فيطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.\nأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٣٣٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من المخلصيات (١٢٦٤ - ٢٤٥) أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان به.\nفإن كان الحديث عن يحيى بن سعيد، فهو صحيح، أو كان عن شريك بن أبي نمر فهو حسن، والله أعلم.\nورواه ابن سعد عن شيخه الواقدي عن الضحاك عن شريك من غير شك، والواقدي أخباري متروك.","vol":"3","page":136},{"text":"* وأجيب:\nبأن المرفوع منه التشبيه، وشبه الشيء لا يستلزم المساواة من كل وجه، فقد يكون الشبه الذي لحظه أبو هريرة إنما هو في مقدار قيامه في الصلاة، وأما تعيين السور فمقطوع.\nقال ابن حجر: «هذا حديث صحيح من حديث أبي هريرة، والمرفوع منه تشبيه أبي هريرة صلاة الأمير المذكور بصلاة رسول الله - ﷺ -، وما عدا ذلك موقوف إن كان الأمير المذكور صحابيًّا، أو مقطوع إن لم يكن» (^١).\nوقال عن حديث أنس: «وأما حديث أنس ففي سنده مبهم يمنع من الحكم بصحته، والمرفوع منه أيضًا التشبيه، وما عداه مقطوع» (^٢).\nالدليل السادس:\n(ث-١٨٣) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره، قال:\nكتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل (^٣).\n[ضعيف، وقد اختلف فيه على ابن جدعان] (^٤).\nوقد روى مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه،\n_________\n(^١). نتائج الأفكار (١/ ٤٥٩).\n(^٢). نتائج الأفكار (١/ ٤٦٠).\n(^٣). مصنف عبد الرزاق (٢٦٧٢).\n(^٤). ومن طريق سفيان رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص: ٣٥٣).\nوإسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جدعان، وقد اختلف فيه:\nفرواه الثوري كما سبق.\nورواه شريك، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٩٤)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢١٥)، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفي، قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر: أن اقرأ بالناس في المغرب بآخر المفصل.\nوشريك سَيِّئُ الحفظ، وقد جعله من رواية علي بن زيد، عن زرارة بن أبي أوفى.","vol":"3","page":137},{"text":"أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن يدخلها صفرة، والمغرب إذا غربت الشمس، وأخر العشاء ما لم تنم، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل (^١).\n[صحيح] (^٢).\n* ويجاب:\nبأن عمر ربما أراد بذكر المفصل ضرب المثال على مقدار القراءة، لا أنه أراد تفضيل المفصل نفسه على غيره من السور، بدليل أن عمر ﵁ نقلت عنه القراءة في صلاة الصبح، فلم تكن أكثر قراءته من المفصل، بل ثبت عنه القراءة من الطوال، ومن المئين ومن المثاني، وبلفظ يدل على تكرره منه بلفظ: (كان) الدالة على الاستمرار، وحتى أخذ عنه بعض من يصلي خلفه سورة يوسف من كثرة ما كان يرددها في صلاة الصبح، وسوف أخرج عنه هذه الآثار إن شاء الله تعالى في أدلة القول الآخر، فانظرها تكرمًا.\n* دليل من قدر القراءة بعدد الآيات، سواء أكان ذلك من المفصل أم من غيره:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥١٨) ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا سيار بن سلامة، قال:\nدخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فسألناه عن وقت الصلوات، فقال: كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر، ويرجع الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية -ونسيت ما قال في المغرب- ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ولا يحب النوم قبلها، ولا الحديث بعدها، ويصلي الصبح، فينصرف الرجل، فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين -أو إحداهما- ما بين الستين إلى المائة (^٣).\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ٧).\n(^٢). ومن طريق مالك رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٧٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٤٤)، وفي المعرفة (٢/ ٢٩١، ٢٩٦).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٧١)، وهو في مسلم (٤٦١).","vol":"3","page":138},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٥١٩) ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١] ... الحديث (^١).\nوسورة السجدة ليست من المفصل، وقوله: (كان يقرأ) إن لم يدل على الدوام فهو يدل على أنه هو الغالب من فعله - ﷺ -.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٢٠) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد ابن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي،\nعن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي - ﷺ -: الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى، وهارون أو ذكر عيسى - محمد بن عباد يشك - أو اختلفوا عليه أخذت النبي - ﷺ - سعلة فركع وعبد الله بن السائب، حاضر ذلك (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٥٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن سالم،\nعن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات (^٣).\nورواه أبو خيثمة، كما في مسند أبي يعلى\nوعمرو بن محمد الناقد كما في مسند أبي يعلى،\nوأحمد بن منيع، كما في مسند السراج، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون،\nوعمرو بن محمد الناقد كما في مسند أبي يعلى، عن شبابة بن سوار.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٤ - ٨٧٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١٦٣ - ٤٥٥).\n(^٣). المسند (٢/ ٢٦).","vol":"3","page":139},{"text":"وحجاج بن محمد كما في السنن المأثورة للشافعي، ثلاثتهم (أبوخيثمة، وابن هارون، وشبابة) عن ابن أبي ذئب به، وقالوا: في صلاة الفجر.\n[حسن] (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن سورة الصافات ليست من المفصل.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٥٢٢) ما رواه مسلم من طريق مسعر، قال: حدثني الوليد بن سريع،\n_________\n(^١). الحديث مداره على ابن أبي ذئب، أخبرني الحارث بن عبد الرحمن (خال ابن أبي ذئب)، عن سالم، عن ابن عمر.\nوالحارث، قال فيه أحمد: لا أرى به بأسًا.\nوقال النسائي: ليس به بأس.\nوقال ابن سعد وأبو أحمد الحاكم: لا نعلم أحدًا روى عنه غَيْر ابن أخته، زاد ابن سعد: وكان قليل الحديث. اهـ\nوانفرد ابن المديني بتجهيله، ولعله بسبب انفراد ابن أبي ذئب بالرواية عنه.\nوقد رواه عن ابن أبي ذئب جماعة، منهم:\nوكيع كما في مسند أحمد (٢/ ٢٦)،\n\nوحجاج بن محمد كما في السنن المأثورة للشافعي (١١٨، ١١٩).\nوحماد بن خالد، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٠، ١٥٧)،\nويزيد بن هارون، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٠)، ومسند أبي يعلى (٥٤٤٥، ٥٥٥٣)، ومسند السراج (١٣٥)، وصحيح ابن حبان (١٨١٧).\nوشبابة بن سوار، كما في مسند أبي يعلى (٥٥٥٣)، وصحيح ابن حبان (١٨١٧)\nوخالد بن الحارث كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٢٦)، وفي الكبرى (٩٠٢، ١١٣٦٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٦٠٦)،\nوأبو عاصم الضحاك كما في مسند البزار (٦٠٥٩).\nوعثمان بن عمر كما في صحيح ابن خزيمة (١٦٠٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٦٩).\nوعلي بن الجعد في مسنده كما في البغويات (٢٧٦٢)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٠٦) ح ١٣١٩٤.\nوابن أبي فديك، كما في الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٩٨)، وفي المعرفة للبيهقي (٤/ ٢٠٣)، عشرتهم رووه عن ابن أبي ذئب به.","vol":"3","page":140},{"text":"عن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس (^١).\nوالحديث يدل على جواز قراءة سورة (إذا الشمس كورت) في صلاة الصبح، وهي ليست من طوال المفصل، أيصح أن يقال: باستحباب القراءة من أواسط المفصل في صلاة الصبح؛ لقراءة النبي - ﷺ - فيها بالصبح، أم يقال: إن المنظور هو القيام بسنة القراءة، من أي سورة شاء، والسنة أن تكون القراءة فيها طويلة، كما قال في حديث أبي قتادة المتفق عليه: (وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح)، وليس المقصود السورة بذاتها، فضلًا أن يعمم ذلك على طوال المفصل.\nالدليل السادس:\n(ح-١٥٢٣) ما رواه أحمد من طريق سفيان -يعني الثوري- عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب بن أبي روح،\nعن رجل، من أصحاب النبي - ﷺ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - الفجر فقرأ فيهما بالروم فالتبس عليه في القراءة، فلما صلى قال: ما بال رجال يحضرون معنا الصلاة بغير طهور أولئك الذين يلبسون علينا صلاتنا، من شهد معنا الصلاة فليحسن الطهور (^٢).\n[لم يروه إلا شبيب أبو روح، انفرد به عنه عبد الملك بن عمير على غرابة في متنه، وقد اضطرب فيه ابن عمير] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦٤ - ٤٥٦).\n(^٢). المسند (٥/ ٣٦٣).\n(^٣). اختلف فيه على عبد الملك بن عمير،\nفقيل: عنه، عن شبيب بن أبي روح، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\nرواه الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٢٥)، ومسند أحمد (٥/ ٣٦٣)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٤٧)، وفي الكبرى له (١٠٢١)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٥١٢)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٧٢٢٧)، وجزء من حديث أبي العباس الأصم (ص: ٢١٨)، وفضائل القرآن للمستغفري (٨٤٦).\n\nوقيل: عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبًا أبا روح، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\nرواه أحمد (٣/ ٤٧١)، ومن طريقه الضياء في المختارة (١٤٩٨)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير به، بلفظ: أنه صلى الصبح فقرأ فيها: بالروم فأوهم =","vol":"3","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فيها، فقال: «وما يمنعني»، قال شعبة: فذكر الرُّفْغَ ومعنى قوله،: إنكم لستم بمتنظفين.\nوالاختلاف بين هذه الرواية ورواية الثوري باسم شبيب، أهو بن أبي روح، أم هو شبيب أبو روح، والخطب سهل، لهذا أعتبرُ رواية شعبة، من رواية محمد بن جعفر عنه موافقة لرواية الإمام سفيان الثوري، والله أعلم.\nوقيل: عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب بن أبي روح، عن الأغر من أصحاب النبي - ﷺ -.\nرواه بكر بن خلف عن مؤمل بن إسماعيل واختلف على بكر فيه:\nفرواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٧٩)، عن بكر بن خلف، قال: أخبرنا مؤمل، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب بن أبي روح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - كرواية الجماعة.\nورواه الطبراني في الكبير (١/ ٣٠١) ح ٨٨١ حدثنا علي بن سعيد الرازي، حدثنا بكر بن خلف، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح، عن الأغر من أصحاب النبي - ﷺ -.\nوعلي بن سعيد الرازي، قال الدارقطني: ليس في حديثه كذاك ... قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها، وقد تكلم فيه أصحابنا بمصر، وأشار بيده، وقال: هو كذا وكذا، كأنه ليس هو بثقة.\nوقال ابن يونس: كان يفهم، ويحفظ، وقال أيضًا: تكلموا فيه.\nقال ابن حجر في اللسان: لعل كلامهم فيه من جهة دخوله في أعمال السلطان.\nوقال حمد بن نصر: سألت عنه أبا عبد الله بن أبي خيثمة، فقال: عشت إلى زمان أُسأل عن مثله. اهـ\nفحديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن لذاته.\nوقد توبع علي بن سعيد الرازي، تابعه زياد بن يحيى الحساني كما في مسند البزار (كشف الأستار- ٤٧٧)، ومعجم الصحابة للبغوي (٩٦)، قال: حدثنا مؤمل به، وفي البزار: قال: عن الأغر المزني، وفي معجم الصحابة: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من بني غفار، يقال له: الأغر.\nوعلته مؤمل بن إسماعيل سيء الحفظ، وقد تفرد مؤمل في تعيين صحابي هذا الحديث، وقد رواه محمد بن جعفر، عن شعبة، فلم ينسبه، كما رواه الثوري عن عبد الملك بن عمير، ولم ينسبه، وهو المعروف، والله أعلم.\nوقيل: عن عبد الملك بن عمير، عن أبي روح، أنه صلى مع النبي - ﷺ - الصبح فقرأ سورة الروم ... وذكر نحوه.\nرواه زائدة بن قدامة كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٢)،\nوشريك النخعي كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧١)،\nوعبيدة بن حميد كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٤)،\nوأبو حمزة (هو محمد بن ميمون السكري) كما في فضائل القرآن للمستغفري (٨٤٥).\nوجرير (هو ابن عبد الحميد) كما في أمالي المحاملي (١٧٩)،\nوأبو الأشهب (هو جعفر بن حيان العطاردي) كما في معجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٣٢)، =","vol":"3","page":142},{"text":"وفي متنه غرابة، وقد قال النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة: عن الإمام: يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم (^١).\nوإذا كان هذا في حال الإمام، وأن إساءته لا تتعدى إلى المأموم، مع كون المأموم مرتبطة صلاته بصلاة إمامه في الجملة، ويتحمل عن المأموم القراءة\n_________\n= ستتهم رووه عن عبد الملك بن عمير، عن أبي روح، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح فقرأ بسورة الروم، وقال أبو أشهب، فقرأ سورة النور.\nوأبو روح قد ذكره ابن قانع في الصحابة اعتمادًا على هذه الرواية، والأصح أنه ليس صحابيًّا، وروايته عن التابعين، وإذا كان كذلك كان قوله: (أنه صلى مع النبي - ﷺ - ...) وهمًا.\nوقيل: عن عبد الملك بن عمير، أن النبي - ﷺ - قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٣٠)، ومن طريقه المستغفري في فضائل القرآن (٨٤٧).\nهذه الطرق مختلفة، فتارة يرويه عبد الملك عن شبيب عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.\nوتارة يرويه عبد الملك عن شبيب أنه صلى مع النبي - ﷺ -.\nوتارة عن عبد الملك بن عمير أن النبي - ﷺ -.\nفإن كان هناك ترجيح فرواية الثوري ورواية شعبة الموافقة له من رواية محمد بن جعفر عنه، هي أقوى طرق هذا الحديث.\nوإلا فالأقرب أن الحديث قد اضطرب فيه عبد الملك بن عمير.\nوشبيب أبو روح قد روى له أحمد وأبو داود والنسائي، وقد روى عنه حريز بن عثمان، وقد قال أبو داود: شيوخ حريز بن عثمان كلهم ثقات، فإن كان يمكن الاعتماد على مثل هذا التوثيق العام كان ذلك توثيقًا لشبيب، وإن كان يمكن أن يحمل كلام أبي داود في الجملة، أو في شيوخه قد أكثر الرواية عنهم، فليس له كبير حديث عن شبيب، ولم أقف له إلا على حديث واحد، وهو حديث: (الإيمان يمان، والحكمة يمانية).\nوقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢٦٢١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوذكره ابن خلفون في الثقات، ووثقه ابن حجر في التقريب.\nوقال أبو الحسن القطان عن شبيب في كتابه الوهم والإيهام (٥/ ٣١): «رجل لا يعرف له حال، وغاية ما رفع به من قدره أنه روى عنه شعبة وعبد الملك بن عمير».\nولم أقف له على رواية يرويها عنه شعبة، ولم يذكر أحد شعبة من تلاميذه، فلعله قصد أنه روى شعبة عن عبد الملك بن عمير عنه، وعلى كل حال، فإن نجا الحديث من شبيب، ولا إخاله، فإن الحمل فيه على عبد الملك بن عمير فقد اضطرب فيه كما رأيت، فالحديث ضعيف.\n\n(^١). رواه البخاري (٦٩٤) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"3","page":143},{"text":"والسهو ونحوهما، فمن باب أولى أن تكون إساءة المأموم لا تتعدى إلى إمامه؛ والذي لا ترتبط صلاته بصلاة من يصلي خلفه، ولا تشترط نية الإمامة لصحة الائتمام كما سبق بحثه.\nالدليل السابع:\n(ح-١٥٢٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب: أخبرني عمرو، عن ابن أبي هلال، عن معاذ بن عبد الله الجهني؛\nأن رجلًا من جهينة أخبره؛ أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري أَنَسِيَ رسول الله - ﷺ -، أم قرأ ذلك عَمْدًا؟ (^١).\n[انفرد به معاذ بن عبد الله، واختلف عليه في وصله وإرساله] (^٢).\nالدليل الثامن من الآثار:\n(ث-٣٨٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن عيينة، عن الزهري،\nعن أنس، أن أبا بكر، قرأ في صلاة الصبح بالبقرة، فقال له عمر حين فرغ: كَرُبَتِ الشمس أن تطلع، قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨١٦).\n(^٢). سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر (ح ١٥٠٤).\n(^٣). المصنف (٣٥٤٥).\n(^٤). رواه ابن أبي شيبة في المصنف كما في حديث الباب.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٤٤)، وفي المعرفة (٣/ ٣٣٢)، من طريق الشافعي، كلاهما (ابن أبي شيبة والشافعي) عن ابن عيينة.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧١١)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٧٥)، عن معمر، كلاهما (ابن عيينة ومعمر) عن الزهري به.\n\nوسنده في غاية الصحة.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٨٢) من طريق ابن لهيعة، قال: حدثنا عبيد الله ابن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: صلى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة البقرة في الركعتين جميعًا، فلما انصرف، قال له عمر ﵁: كادت الشمس تطلع. قال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. وهذا سند صالح في المتابعات.\nورواه مالك في الموطأ (١/ ٨٢)\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٧١٣)، حدثنا عبدة ووكيع، ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن أبا بكر الصديق صلى الصبح فقرأ فيها سورة البقرة، في الركعتين كلتيهما.\nوهو منقطع، عروة لم يدرك أبا بكر ﵁.","vol":"3","page":144},{"text":"الدليل التاسع:\n(ث-٣٨٣) وروى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك ﵁، قال: صلى بنا أبو بكر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ بسورة آل عمران، فقالوا: قد كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين (^١).\n[حسن] (^٢).\nالدليل العاشر:\n(ث-٤٨٣) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال:\nسمعت السائب بن يزيد، قال: صليت خلف عمر الصبح، فقرأ فيهما بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ١٨١).\n(^٢). غريب من حديث شعبة، لم يروه عنه إلا عبد الرحمن بن زياد، ولم يَرْوِ عنه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد قال أبو زرعة: لا بأس به، حدثنا عنه الحميدي.\nوقال أبو حاتم الرازي: صدوق. الجرح والتعديل (٥/ ٢٣٥).\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.\nوقد رواه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس.\nرواه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٥٧) من طريق أبي سعيد: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة به. وهذه متابعة جيدة.\nأبو سعيد الرازي: قال عنه الذهبي: رواياته مستقيمة، ولم أر أحدًا ضعفه. تاريخ الإسلام (٨/ ٥٣٥).\nومحمد بن أيوب، قال عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٩٨): كتبنا عنه، وكان ثقة صدوقًا.","vol":"3","page":145},{"text":"تجدنا غافلين (^١).\n[صحيح].\nالدليل الحادي عشر:\n(ث-٥٨٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن الْجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاء،\nعن أبي رافع، قال: كان عمر، يقرأ في صلاة الصبح بمائة من البقرة، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل، ويقرأ بمائة من آل عمران، ويتبعها بسورة من المثاني، أو من صدور المفصل (^٢).\n[حسن].\nوقوله: (كان عمر يقرأ) يدل على الكثرة، ولم يفرق عمر بين الطوال والمثاني والمفصل حيث كان يجمع بين هذه السور في قراءة الصبح.\nالدليل الثاني عشر:\n(ث-٣٨٦) ما رواه الطحاوي قال: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة،\nعن زيد بن وهب، قال: صلى بنا عمر ﵁ صلاة الصبح، فقرأ (بني إسرائيل والكهف) حتى جعلت أنظر إلى جدر المسجد، هل طلعت الشمس؟ (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل الثالث عشر:\n(ث-٣٨٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال:\nصليت خلف عمر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ١٨٠).\n(^٢). المصنف (٣٥٦٣).\n(^٣). شرح معاني الآثار (١/ ١٨٠).\n(^٤). سبق تخريجه في شروط الصلاة، وكتابي هذا جزء منه إلا أنه لم يطبع بعد، انظر (ث-١٥٨).","vol":"3","page":146},{"text":"بالنجم، فسجد، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل الرابع عشر:\n(ث-٣٨٨) روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nأنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح، فقرأ فيها بسورة يوسف، وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: والله إذن لقد كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل (^٣).\nورواه عبد الرزاق عن معمر، عن هشام بلفظ: ما حفظت سورة يوسف، وسورة الحج إلا من عمر من كثرة ما كان يقرؤهما في صلاة الفجر، فقال: كان يقرؤهما قراءة بطيئة.\n[صحيح إلا أن ذكر عروة وهم، والصحيح أن هشامًا سمعه من عبد الله بن عامر] (^٤).\nفأشار إلى كثرة قراءة عمر لسورة يوسف وسورة الحج، وهما ليستا من المفصل.\nالدليل الخامس عشر:\n(ث-٣٨٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن الزبير بن خريت، عن عبد الله بن شقيق،\nعن الأحنف قال: صليت خلف عمر، الغداة، فقرأ يونس وهود ونحوهما (^٥).\n[صحيح].\nالدليل السادس عشر:\n(ث-٣٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعيد بن إبراهيم،\n_________\n(^١). المصنف (٣٥٦٤).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٧٢).\n(^٣). الموطأ (١/ ٨٢).\n(^٤). انظر تخريجه في شروط الصلاة، جزء من هذا الكتاب لم يطبع بعد، (ث-١٥٩).\n(^٥). المصنف (٣٥٤٦).","vol":"3","page":147},{"text":"عن ثعلبة بن عبد الله بن صعير، أنه صلى مع عمر بن الخطاب، فقرأ بالحج، فسجد فيها سجدتين (^١).\n[صحيح] (^٢).\nولم أتعمد جمع كل الآثار الواردة في المسألة، وليس من شرط الكتاب جمع كل أحاديث الباب، فهذا أبو بكر قرأ البقرة وآل عمران في صلاة الصبح، وهذا عمر ﵁ كان يقرأ من البقرة، والإسراء ويوسف والحج والكهف ويونس وهود، وإذا لم تكن قراءة هذه السور من الطوال والمئين والمثاني من هذين الخليفتين الراشدين دليلًا على استحباب قراءة هذه السور بذاتها في صلاة الصبح، لم تكن قراءة بعض طوال المفصل دليلًا على استحباب قراءتها من هذا الحزب، فتحصل السنة إذا قرأ المصلي سورة طويلة من أي سورة شاء.\n* دليل من قيد القراءة بطوال المفصل للفذ والجماعة المحصورة إذا رغبت:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٢٥) ما رواه الشيخان من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم،\nعن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني والله لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان، مما يطيل بنا فيها، قال: فما رأيت النبي - ﷺ - قط أشد غضبًا في موعظة منه يومئذٍ، ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة (^٣).\n_________\n(^١). مصنف ابن أبي شيبة (٤٢٨٨).\n(^٢). ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٦٢) من طريق أبي داود، وروح،\nورواه الدارقطني في السنن (١٥٢٢) من طريق حجاج،\nوالحاكم في المستدرك (٣٤٧١)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٥٠) من طريق يزيد ابن هارون، وسعيد بن عامر.\nقالوا: حدثنا شعبة به.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٠٢)، وصحيح مسلم (٤٦٦).","vol":"3","page":148},{"text":"وجه الاستدلال:\nفي الحديث دليل على تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين. وفيه وعيد على من يسعى في تخلف الناس عن الجماعة بسبب التطويل.\nوقد غضب النبي - ﷺ - قبل أن يسأل المصلي المتأخر، أكانت إطالة الإمام موافقة للسنة أم مخالفة لها؟ وإذا كانت الزيادة مخالفة للسنة، أكانت كثيرة شاقة أم يسيرة محتملة؟\nوقد قال أهل الأصول: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فدل الحديث على أن مراعاة حال المأموم، وتأليفه على صلاة الجماعة أولى من مصلحة التطويل مطلقًا.\nوالجماعة لم تعقد إلا من أجل مصلحة الاجتماع، فإذا كان الإمام ينفر الناس عن الجماعة كان ذلك أدعى لتغييره، وتحبيب الناس لصلاة الجماعة الواجبة وتأليفهم وجمعهم عليها أولى بالمراعاة من زيادة مقدار القراءة، وهي سنة لا يؤثر تركها في صحة صلاتهم، وقد حصل أصل السنة بمطلق القراءة، حتى لو قرأ معها آية واحدة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٢٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.\nورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (^١).\nوجه الاستدلال:\nفأمر النبي - ﷺ - بتخفيف الصلاة، ولم يقيد هذا التخفيف بمقدار معين، والأمر المطلق جارٍ على إطلاقه، وهو أقوى من الفعل؛ لأن الفعل يدخله الاحتمال بخلاف القول، فدل الحديث على أن مراعاة أحوال المأمومين من السنة القولية.\nقال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٠٣)، وصحيح مسلم (١٨٥ - ٤٦٧).","vol":"3","page":149},{"text":"فليخفف) ولم يحد شيئًا، وإنما اختلفوا في أقل ما يجزئ من القراءة، وفي أَمَّ القرآن: هل يجزئ عنها غيرها من القرآن أم لا، وأجمعوا أن لا صلاة إلا بقراءة ...» (^١).\nونوقش:\nقال ابن القيم: التخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي - ﷺ - وواظب عليه لا إلى شهوة المأمومين، فإنه لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه، وقد علم أن من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به ... وهديه الذي واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر ﵄ قال كان رسول الله - ﷺ - يأمر بالتخفيف وَيَؤُمُّنَا بالصافات. فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي كان يأمر به، والله أعلم» (^٢).\nوقال ابن رجب: «واعلم أن التخفيف أمر نسبي، فقد تكون الصلاة خفيفة بالنسبة إلى ما هو أخف منها، فالتخفيف المأمور به الأئمة هو الذي كان النبي - ﷺ - يفعله إذا أَمَّ، فالنقص منه ليس بتخفيف مشروع، والزيادة عليه إن كان مما فعله الخلفاء الراشدون كتطويل القراءة في صلاة الصبح على ما كان يفعله أحيانًا أبو بكر فليس بمكروه، نص عليه الإمام أحمد وغيره» (^٣).\n* ورد هذا النقاش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الاعتبار في تطبيق السنن إلى رغبة الناس وإلا كان هذا إلزامًا للناس بما لم يوجبه الشرع عليهم، فالسنن لا إلزام فيها، وإنما يحمل الناس على الفروض والواجبات، وإطالة القراءة ليست واجبة بالإجماع.\nالوجه الثاني:\nعلى القول بأن تطبيق السنن لا يرجع فيها إلى رغبة الناس، فقد نص النبي - ﷺ - في هذه المسألة على المرجع، فقال النبي - ﷺ -: (اقتد بأضعفهم)، وهو حديث\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٢٧).\n(^٢). زاد المعاد (١/ ٢٠٧).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٢٢١).","vol":"3","page":150},{"text":"صحيح كما سيأتي فدل على أن الحكم في إطالة الصلاة وتقصيرها يختلف من جماعة إلى أخرى، وأن المحكم هو حال المأموم في تلك الجماعة، لا إلى مطلق السنة، وسيأتي الاستدلال بهذا الحديث، وبيان وجه الاستدلال به بشكل أوضح.\nوحمل جماعات المصلين في السنن على اختلافهم على العهد الأول دون اعتبار لحال الوقت ودون أخذ بالاعتبار حال تلك الجماعة قوة وضعفًا، وفراغًا وشغلًا غير ممكن، فالسابق اليوم إلى الخيرات إذا قيس بالمقتصد في العهد الأول احتقر عمله.\nوقد نقل النووي عن العلماء قولهم: «كانت صلاة رسول الله - ﷺ - تختلف في الإطالة والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغل هناك له، ولا لهم طَوَّل، وإذا لم يكن ذلك خفف» (^١).\nوكون النبي - ﷺ - الآمر بالتخفيف يطيل صلاته، فهذا محمول على علمه - ﷺ - بمن كان يصلي معه، ورغبتهم بإطالة الصلاة، وعليه يحمل ما ورد عن أبي بكر من الصلاة مرة بسورة البقرة ومرة بآل عمران، وما ورد عن عمر من الصلاة بالبقرة ويوسف والحج والإسراء ويونس وهود، فإن هذا المقدار مخالف للمقدار الذي كان يصلي به النبي - ﷺ -، بقدر الضِّعْفِ بل أكثر، إلا أن مخالفة الشيخين لمقدار قراءة النبي - ﷺ - مع علمهم بإنكار النبي - ﷺ - على من طَوَّل تطويلًا زائدًا محمول على ما ذكرت، بأن الإمام إذا علم من جماعته الرغبة بالتطويل، وكانت الجماعة محصورة، وخَلَتْ الجماعة من وجود مريض ومشغول فلا حرج من إطالة القراءة في صلاة الصبح، حتى ولو امتدت القراءة إلى الإسفار، وإذا جاز للإمام زيادة القراءة عن المقدار الوارد بالسنة تحقيقًا لرغبة الجماعة، جاز تخفيف القراءة عن المقدار الوارد بالسنة إذا ما رغبوا ذلك بجامع أن كُلًّا منهما لم ترد به السنة الفعلية، بل إن الإطالة على مقدار ما فعله النبي - ﷺ - وقع النهي عنه صريحًا والتحذير منه، والتخفيف عن المقدار الذي كان يقرأ به النبي - ﷺ - إذا أتم الأركان والواجبات لم يرد في النصوص الشرعية ما ينهى عنه، فكيف يُسَوَّغ ما وقع النهي عنه صريحًا، ووصف صاحبه بالمُنَفِّر، ومرة بالفتان، ولا يُسَوَّغ ما جاء في النصوص ما يدل على\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٧٤).","vol":"3","page":151},{"text":"جوازه من الأمر بالتخفيف، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٢٧) ما رواه مسلم من طريق مسعر، قال: حدثني الوليد بن سريع،\nعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس (^١).\nفهذا النبي - ﷺ - قد قرأ في صلاة الصبح من أواسط المفصل، وهو يفعل ذلك ليبين الجواز، وعدم الكراهة، فدل على أن التخفيف ليس مكروهًا.\nولم يقل بكراهة تخفيف القراءة في صلاة الصبح إلا الحنابلة، وهو قول ضعيف، ولا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، وإطالة القراءة في صلاة الصبح ليس من السنن المؤكدة، لأن السنة لا تتأكد إلا إذا واظب عليها النبي - ﷺ -، ولم يتركها حضرًا، ولا سفرًا، كالوتر وركعتي الفجر.\nوتخفيف القراءة في السفر مجمع عليه، وهذا دليل تركها في السفر، وحديث عمرو بن حريث ظاهره في صلاة الحضر، إذ لو كان ذلك في السفر لجرى تقييده، وقد صلى فيه بالتكوير فدل على ترك الإطالة أحيانًا، وكل ذلك يدل على أن الإطالة ليست من السنن المؤكدة، وأن من قرأ من قصار المفصل في صلاة الصبح فصلاته تامة.\n(ث-١٩٣) روى عبد الرزاق في المصنف، عن موسى الجهني،\nعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: كان أبي يطيل الصلاة في بيته، ويخفف عند الناس، فقلت: يا أبتاه لم تفعل هذا؟ قال: إنا أئمة يُقْتَدَى بنا (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوعلى التسليم بأن القراءة من قصار المفصل في صلاة الصبح مكروهة، فإن الكراهة ترفعها الحاجة، والحاجة إلى تخفيف القراءة في هذا العصر قائمة خاصة في وقت الصيف، حيث الناس قد ابتلوا بالسمر، وتأخير النوم.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦٤ - ٤٥٦).\n(^٢). المصنف (٣٧٢٩).\n(^٣). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ت عوامة (٤٦٩٩) حدثنا عباد بن العوام،\nوالطبراني في الكبير (١/ ١٤٣) ح ٣١٧، من طريق يحيى بن سعيد، كلاهما عن موسى الجهني به.","vol":"3","page":152},{"text":"الدليل الرابع:\nقال ابن عبد البر: التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه (^١).\nوقال الترمذي في جامعه: وهو قول أكثر أهل العلم اختاروا أن لا يطيل الإمام الصلاة مخافة المشقة على الضعيف، والكبير، والمريض (^٢). اهـ\nقال العراقي في طرح التثريب: وهو يقتضي خلافًا بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافًا، ثم ساق كلام ابن عبد البر السابق (^٣).\nوقال ابن عبد البر أيضًا: «لا أعلم بين أهل العلم خلافًا في استحباب التخفيف لكل من أَمَّ قومًا على ما شرطنا من الإتيان بأقل ما يجزئ، والفريضة والنافلة عند جميعهم سواء في استحباب التخفيف فيما إذا صليت جماعة بإمام» (^٤).\nوقال العيني: «استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين ... وهذا لا خلاف فيه لأحد» (^٥).\nوقد ساق ابن عبد البر بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: أيها الناس لا تُبَغِّضُوا اللهَ إلى عباده. فقال قائل منهم: وكيف ذلك؟ قال: يكون الرجل إمامًا للناس يصلي بهم، فلا يزال يطول عليهم حتى يبغض إليهم ما هم فيه أو يجلس قاصًّا، فلا يزال يطول عليهم حتى يبغض إليهم ما هم فيه (^٦).\nالدليل الخامس:\nذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب تخفيف القراءة في صلاة الصبح للمسافر؛ لكون السفر مظنة لوجود المشقة، ولأن للسفر أثرًا في إسقاط شطر الصلاة فلأن يؤثر في تخفيف القراءة من باب أولى، وحكى ابن عبد البر الإجماع على ذلك كما\n_________\n(^١). طرح التثريب (٢/ ٣٤٦)، ونيل الأوطار (٢/ ٢٧٢)، تحفة الأحوذي (٢/ ٣٣)، مرعاة المفاتيح (٤/ ٧٦).\n(^٢). سنن الترمذي (١/ ٤٦١).\n(^٣). طرح التثريب (٢/ ٣٤٦).\n(^٤). التمهيد (١٩/ ٩).\n(^٥). عمدة القارئ (٥/ ٢٤٠).\n(^٦). التمهيد (١٩/ ١٢).","vol":"3","page":153},{"text":"سيأتي نقل ذلك عنه (^١).\nجاء في التهذيب في اختصار المدونة: «ولا بأس أن يخفف قراءة الصبح في السفر بسبح ونحوها» (^٢).\nوقال ابن رجب: «قال أصحابنا: لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر» (^٣).\nوبوب أبو داود في السنن: قصر القراءة في السفر.\nوإنما خففت القراءة في السفر لمظنة المشقة، فيؤخذ منه أنه متى كان يشق على الناس طول القراءة؛ لسهر، أو عمل، أو قيام ليل، كما في العشر الأواخر من رمضان ونحوها، كان مطلوبًا من الإمام التخفيف قياسًا على التخفيف في السفر بجامع المشقة.\nوالناس اليوم ليسوا كالناس بالأمس، فهناك عادات اجتماعية تغيرت، ولقد كان الناس حين كنا صغارًا ينامون بعد صلاة العشاء، ولا يسمرون، كحالهم في عهد النبوة، فيقوم الناس إلى الصلاة وقد أخذ البدن راحته، واسترد عافيته ونشاطه، فكان يناسب إطالة القراءة في صلاة أول النهار، وعكسه المغرب لما كانت تقع في آخر النهار وبعد نشاط الناس في أعمالهم وحرثهم ناسب أن تخفف القراءة فيها، والناس اليوم على خلاف السابق، فهم ينامون في ساعة متأخرة، ابتلي بذلك الكبار قبل الصغار خاصة في الصيف، فإذا حرص هؤلاء على صلاة الجماعة في الفجر فينبغي إعانتهم على ذلك، وعلى الإمام أن يراعي هذه الحالة منهم، ويفرق بين ليالي الشتاء الطويلة والتي يمكن للمصلي ولو سهر أن يأخذ قسطًا من الراحة يكفيه قبل قيامه لصلاة الصبح وبين ليالي الصيف القصيرة، فمتى ما كان يشق على الناس طول القراءة كان مطلوبًا من الإمام التخفيف قياسًا على التخفيف في السفر بجامع المشقة.\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٣٤)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٤)، البحر الرائق (١/ ٣٥٩)، المدونة (١/ ١٥٧)، الاستذكار (١/ ٤٤١)، شرح التلقين (٢/ ٨٨٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٤٦)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٢٠٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٥٧).\n(^٢). التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٢٦).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٤٥).","vol":"3","page":154},{"text":"وكون السهر مكروهًا من غير حاجة لا يعني أبدًا ألا يكون علة في تخفيف القراءة في صلاة الصبح، كما أن السفر، ولو كان مكروهًا أو محرمًا علة في الترخص على الصحيح، وقد بحثت هذه المسألة في أحكام الطهارة.\nولينظر هذا الإمام إلى حاله إذا عرض له سهر لأي سبب من الأسباب أيحتاج إلى تخفيف صلاته، أم يطيل صلاته، ولو كان في ذلك مشقة عليه.\nوليس علاج السهر هو في إطالة القراءة في صلاة الصبح وإن شق ذلك على الناس، بل يحتاج أن يتوجه الأمر إلى علاج هذه الظاهرة، ثم بعد ذلك تطبق السنة، على أن القراءة من أوساط المفصل من السنة أيضًا، كما مر معنا قراءة النبي - ﷺ - لسورة التكوير.\nالدليل السادس:\n(ح-١٥٢٨) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، قال: سمعت سعيد بن المسيب، قال:\nحدث عثمان بن أبي العاص، قال: آخر ما عهد إليَّ رسول الله - ﷺ - إذا أممتُ قومًا، فأخف بهم الصلاة (^١).\nوروى أحمد من طريق حماد، عن الجُرَيْرِيِّ، عن أبي العلاء،\nعن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن الإمام مأمور بأن يقتدي بأضعف رجل في جماعته في قدر القيام والقراءة، فلئن كان تطويل القراءة سنة في صلاة الصبح من السنة الفعلية فهو ليس مطلقًا، بل\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٨٧ - ٤٦٨).\n(^٢). ورواه أحمد أيضًا (٤/ ٢١) عن عفان عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، فرقهما، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء به.\n(^٣). حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، والجريري وإن كان قد تغير بآخرة، إلا أن الحمادين قد رويا عنه قبل تغيره. انظر تخريجه في كتابي المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٩/ ١٣٠) ح ٥٦٦.","vol":"3","page":155},{"text":"مقيدًا بالسنة القولية بمراعاة أحوال المأمومين، وذلك يختلف باختلاف المصلين حضرًا وسفرًا، وشتاءً وصيفًا، والتزامًا وضعفًا، ورغبة في الإطالة وعكسها، وإذا رغب بعض الجماعة بالتخفيف لم يلزموا بالسنن؛ فالسنن لا تجري مجرى الإلزام.\nوقوله: (اقتد بأضعفهم) ظاهَرُهُ بأضْعَفِهِم بِنْيَةً، وإطلاقه يدخل فيه أضعفهم إيمانًا، تأليفًا له على حب الجماعة، وإقامة الصلاة مع المسلمين، فمراعاة الواجبات أولى من مراعاة السنن، ولا يبصر هذا إلا من رزق فقهًا وبصيرة، وتحمل مسؤولية سياسة الناس، وإحاطتهم بالنصح، والخوف عليهم، ومراعاة اختلافهم وتفاوتهم، وعدم تحميلهم من السنن ما يشق عليهم، والتدرج بهم، فيقرأ بهم من أواسط المفصل ويترقى بهم إلى بعض قصار طوال المفصل بين الحين والآخر بلا تنفير له، ولا يُكَرِّه عبادة الله لعباده.\nالدليل السابع:\nمراعاة الجماعة وردت فيه أحاديث كثيرة، من ذلك:\n(ح-١٥٢٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق غندر (محمد بن جعفر) حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي، قال:\nقدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، .... والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر ... الحديث (^١).\n(ح-١٥٣٠) ومنها ما رواه البخاري، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله، قال: سمعت زيد بن وهب،\nعن أبي ذَرٍّ الغفاري، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي - ﷺ -: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي - ﷺ -: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة (^٢).\nفكان ﵊ يدع الوقت الفاضل من تأخير العشاء إذا اجتمع\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٥٦٠)، وصحيح مسلم (٦٤٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٣٩).","vol":"3","page":156},{"text":"الناس حتى لا يشق عليهم، كما كان يدع أول الوقت في صلاة الظهر في الحر مع فضيلته رفقًا بالناس، ولهذا كان يصليها في غير أيام الحر إذا زالت الشمس لإدراك فضيلة أول الوقت.\nوقال الحنابلة: إن تقديم الصلاة في الفجر أفضل إلا إذا تأخروا، والتأخير في العشاء أفضل إلا إذا تقدموا (^١).\nوكل ذلك فيه ترك الأفضل من السنن مراعاة لأحوال المأمومين.\n(ح-١٥٣١) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة،\nأن أنس بن مالك، حدثه أن النبي - ﷺ - قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه (^٢).\nفهذا المثال من أبلغ ما يكون في ترك السنن من أجل مراعاة أحوال المأموم، حتى ولو كان هذا المأموم ممن لا تجب عليه الجماعة، ولم يَدْعُ النبي - ﷺ - هذه الأم إلى ترك رضيعها في البيت، أو تصلي في بيتها أفضل لها، بل ترك إطالة القراءة مراعاة لها مع أن حضورها مفضول، ولم ينظر لمصلحة الجماعة على حساب هذه المرأة، فدل على أن مراعاة المأموم مقدم على مراعاة سنة القراءة، والله أعلم.\n* دليل من قال: استحباب تخفيف قراءة الصبح وغيرها في السفر:\nالدليل الأول:\nحكى ابن عبد البر الإجماع على تقصير القراءة في السفر (^٣).\nوقال إبراهيم النخعي: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقرؤون في السفر بالسور القصار (^٤).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٣٢) ما رواه أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية يعني\n_________\n(^١). شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٤٩٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٠٩)،.\n(^٣). الاستذكار (١/ ٤٤١)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٤٥).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٤٥)، وإبراهيم لم يسمع من الصحابة رضوان الله عليهم.","vol":"3","page":157},{"text":"ابن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، مولى معاوية،\nعن عقبة بن عامر، قال: كنت أقود برسول الله - ﷺ - راحلته في السفر، فقال: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا؟ قلت: بلى. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾، فلما نزل صلى بهما صلاة الغداة، قال: كيف ترى يا عقبة؟ (^١).\n[حسن في الجملة] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ١٥٣).\n(^٢). حديث عقبة روي عنه من طرق كثيرة، بألفاظ مختلفة، وهو في صحيح مسلم (٢٦٤ - ٨١٤) من طريق بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة، وليس فيه ذكر الصلاة بهن، ولفظه: (ألم تر آيات أنزلت الليلة، لم ير مثلهن قط (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس﴾)،\nورواه مسلم (٢٦٥ - ٨١٤) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس به، بلفظ: (أنزل أو أنزلت عليَّ آيات لم ير مثله قط المعوذتين).\nفهذا الطريق هو أصح طريق روي فيه حديث عقبة، إلا أن يحمل حديث عقبة على أنه روايات متعددة، وليست حديثًا واحدًا، كما رجحه الحاكم في المستدرك، والله أعلم، وسوف أخرج لك بعض طرق هذا الحديث لأُبَيِّنَ لك الاختلاف في أسانيده، ولفظه.\nفقيل: عن القاسم بن عبد الرحمن مولى معاوية، عن عقبة.\nرواه معاوية بن صالح، واختلف عليه فيه،\nفقيل: عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عقبة بن عامر.\nتابع عبدُ الرحمن بن يزيد بن جابر، العلاء بن الحارث، فرواه عن القاسم، عن عقبة.\nوقيل: عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر، ومكحول لم يسمع من عقبة بن عامر.\nوقيل: معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر.\nوقد تابع خالد بن معدان عبد الرحمن بن جبير، فرواه عن جبير بن نفير، عن عقبة.\nهذا ملخص الاختلاف على معاوية بن صالح، وإليك تفصيل هذا الاختلاف عليه:\n\nفرواه ابن وهب كما في سنن أبي داود (١٤٦٢)، والمجتبى من سنن النسائي (٥٤٣٦)، وفي الكبرى (٧٧٩٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٥٢).\nوزيد بن الحباب كما في مسند أحمد (٤/ ١٤٩)، وصحيح ابن خزيمة (٥٣٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٥٢)، وفضائل القرآن للمستغفري (١١٠٧)، ومسند عقبة بن عامر لابن قُطْلُوْبَغَا (٨٦).\nوبشر بن السَّرِيِّ كما في تاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠١١)، =","vol":"3","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأسد بن موسى، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٣٥) ح ٩٢٦،\nوعبد الله بن صالح، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٣٥) ح ٩٢٦، وفي مسند الشاميين للطبراني (١٩٨٧)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخ أبي زرعة (ص: ٥٠٠)، خمستهم رووه عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عقبة بن عامر.\nورواه عبد الرحمن بن مهدي، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد في المسند (٤/ ١٥٣)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٨٧٧)، وهو في مسند عقبة بن عامر لابن قطلوبغا (٨٧).\nوعبد الله بن هاشم، كما في صحيح ابن خزيمة (٥٣٣)، وفضائل القرآن للمستغفري (١١٠٦)، كلاهما (أحمد وابن هاشم) عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عقبة بن عامر، كرواية الجماعة.\nخالفهما محمد بن بشار، كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٤٣٥)، وفي الكبرى (٧٨٠٠)، وفضائل القرآن للمستغفري (١١٢٩)، فرواه عن ابن مهدي، قال: حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر أن رسول الله - ﷺ - قرأ بهما في صلاة الصبح.\nوتابع ابن بشار على إسناده دون لفظه عمرو بن علي الفلاس، كما في سنن النسائي الكبرى (٧٨٠١)، فرواه عن ابن مهدي، قال: حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - ﷺ - قرأ في صلاة الصبح (بحم) السجدة.\nفالخطأ من معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، وثقه أحمد وابن مهدي والنسائي، وأبو زرعة، وابن سعد، وابن حبان.\nواختلف قول يحيى بن معين، فقال عنه مرة: ثقة، وقال في أخرى: ليس بمرضي، وقال أيضًا: صالح.\nوكان يحيى بن سعيد يضعفه ولا يرضاه. قال ابن حجر في مقدمة الفتح (١/ ٤٢٤): يحيى بن سعيد شديد التعنت في الرجال، لا سيما من كان من أقرانه. اهـ\nوقال أبو حاتم: صالح الحديث، حسن الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوأخرج له مسلم إلا أن أكثرها في المتابعات والشواهد.\nوقال يعقوب بن شيبة: قد حمل الناس عنه.\nومنهم من يرى أنه وسط، ليس بالثبت، ولا بالضعيف.\nومنهم من يضعفه، وقال ابن خراش: صدوق. اهـ وهو الأقرب إلا أن له غرائب وأوهامًا وتفردات، قال ابن عدي: له حديث صالح، وما أرى بحديثه بأسًا، وهو عندي صدوق، إلا أنه يقع في حديثه إفرادات. اهـ فالمحفوظ ما رواه الجماعة، عنه، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة بن عامر.\nوالقاسم بن عبد الرحمن وثقه ابن معين، وابن المديني ويعقوب بن سفيان، والترمذي، وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه مستقيم، لا بأس به، وإنما ينكر عنه الضعفاء.\nوقال البخاري كما في تهذيب التهذيب (٨/ ٣٢٣): «.... روى عنه العلاء بن الحارث، وابن جابر، =","vol":"3","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وكثير بن الحارث، ويحيى بن الحارث، وسليمان بن عبد الرحمن أحاديث مقاربة، وأما من يتكلم فيه، مثل: جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، وعلي بن زيد، وغيرهم، ففي حديثهم عنه مناكير واضطراب».\nوقال الإمام أحمد كما في الجرح والتعديل (٧/ ١١٣): «ما أرى هذا إلا من قبل القاسم».\nوقال ابن حبان كما في المجروحين (٢/ ٢١١): «كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله - ﷺ - المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها».\nوقد توبع في هذا الحديث كما سيتبين إن شاء الله تعالى.\nوفي إسناده العلاء بن الحارث، ثقة إلا أنه قد اختلط، ولم يتميز لي من سمع منه قبل الاختلاط ممن سمع منه بعده إلا أنه قد توبع.\nتابعه عليه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (ثقة)، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر، أنه بينما أنا أقود برسول الله - ﷺ - في نقب من تينك النقاب، إذ قال: ألا تركب يا عقب؟ فأجللت رسول الله - ﷺ - أن أركب مركب رسول الله - ﷺ -، ثم قال: ألا تركب يا عقب؟ فأشفقت أن تكون معصية، فنزل، وركبت هنيهة، ثم نزلت وركب رسول الله - ﷺ -، ثم قال: ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ فأقرأني (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، وأقيمت الصلاة، فتقدم، فقرأ بهما، ثم مرَّ بي، فقال: كيف رأيت يا عقب؟ اقرأ بهما كلما نمت وقمت. اهـ أي كلما اضطجعت للنوم وقمت منه.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٤).\nوأبو يعلى في مسنده (١٧٣٦) حدثنا أبو خيثمة.\nوالنسائي في المجتبى (٥٤٣٧) وفي الكبرى (٧٧٩٤)، أخبرني محمود بن خالد،\nوابن خزيمة (٥٣٤) أخبرنا أبو عمار، وعلي بن سهل الرملي.\nوالطحاوي في مشكل الآثار (١٢٤) من طريق محمد بن عبد العزيز الواسطي،\nوالطبراني في مسند الشاميين (٥٩٦) من طريق عمرو بن عثمان،\nوالمستغفري في فضائل القرآن (١١٠٢) من طريق محمد بن ميمون الخياط، كلهم رووه عن الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني القاسم بن عبد الرحمن به.\nتابع الوليد بن مسلم كل من:\nصدقة بن خالد كما في عمل اليوم والليلة لابن السني (ص: ٦٨٤)، وأمالي ابن سمعون الواعظ (٢٣٣).\nوعبد الله بن المبارك، كما في السنن الكبرى للنسائي (٧٧٩٥، ١٠٦٥٩)،\nوبشر بن بكر (هو التنيسي) كما في شرح مشكل الآثار للطحاوي (١٢٥)، ثلاثتهم رووه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.\nخالف كل هؤلاء سفيان الثوري، فرواه عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر. =","vol":"3","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه أبو أسامة حماد بن أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٢١٠)، ومسند أبي يعلى (١٧٣٤)، وسنن النسائي (٩٥٢، ٥٤٣٤)، والكبرى له (١٠٢٦، ٧٨٠٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٣٦)، والحاكم في المستدرك (٨٧٦، ٢٠٨٣)، وأمالي ابن بشران (٢٨٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٢)، والمستغفري في فضائل القرآن (١١٠٩، ١١٣٠، ١١٣١)، عن سفيان، عن معاوية بن صالح به، أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن المعوذتين [زاد: المستغفري وابن خزيمة والحاكم: أمن القرآن هما؟]، قال عقبة: فَأَمَّنَا رسول الله - ﷺ - بهما في صلاة الفجر.\nتابع حمادًا زيد بن أبي الزرقاء، كما في فضائل القرآن للمستغفري (١١٠٨)، ومسند الروياني (٢٤٤)، وصحيح ابن خزيمة (٥٣٦)، وصحيح ابن حبان (١٨١٨)، فرواه عن الثوري به.\nوقد توبع عبد الرحمن بن جبير، تابعه خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: أهديت للنبي - ﷺ - بغلة شهباء، فركبها، فأخذ عقبة يقودها، فقال رسول - ﷺ - لعقبة: اقرأ، قال: وما أقرأ يا رسول الله؟ قال: اقرأ (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق) فأعادها علي حتى قرأتها، فعرف أني لم أفرح بها جدًّا، فقال: لعلك تهاونت بها، فما قمت تصلي بمثلها.\nرواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٢٦)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٧) ح ٩٣٠، عن حيوة بن شريح.\nوالنسائي في المجتبى (٥٤٣٣)، وفي الكبرى (٧٧٩٣)، أخبرني عمرو بن عثمان.\nوالطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٧) ح ٩٣٠، من طريق علي بن بحر،\nوفي مسند الشاميين (١١٥٥) من طريق عيسى بن المنذر، أربعتهم، رووه عن بقية، قال: حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان به.\nفهذا إسناد حسن، ومتابعة في الجملة لرواية الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه إلا أنه اقتصر على سورة الفلق، ولم يذكر أنه صلى بها.\nوقد اختلف العلماء في الراجح من رواية معاوية بن صالح: أترجح رواية ابن وهب، وزيد بن الحباب، وأسد بن موسى، وعبد الله بن صالح، وبشر بن السَّرِيِّ، وابن مهدي من رواية أحمد وعبد الله بن هاشم، كلهم رووه عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن عقبة، أم ترجح رواية الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر؟\nفذهب أحمد بن صالح إلى أن الراجح فيه: معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم عن عقبة، فيما حكاه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه (١/ ٥٠٠) أي ترجيح رواية الجماعة، عن معاوية بن صالح على رواية الثوري.\nوذهب إلى هذا أيضًا أبو زرعة الرازي كما في علل ابن أبي حاتم (١٦٦٧).\nوصحح أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الدمشقي، وابن خزيمة الطريقين عن معاوية بن صالح، قال أبو زرعة الدمشقي: وهاتان الروايتان عندي صحيحتان، لهما جميعًا أصل بالشام، عن =","vol":"3","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= جبير بن نفير، عن عقبة، وعن القاسم، عن عقبة.\nوانظر كلام أبي حاتم في سبب ترجيحه الطريقين بكلام مهم جدًّا في العلل لابنه (١٦٦٧).\nوعلى هذا فلا يختلف أحمد بن صالح وأبو زرعة الدمشقي، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان على صحة حديث معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة، وإنما يختلفون في رواية جبير بن نفير عن عقبة، فأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي يصححانها، وأبو زرعة الدمشقي وأحمد بن صالح يرجحون عليها رواية القاسم عن عقبة، والله أعلم.\nالطريق الثاني: عبد الله بن خبيب، عن عقبة بن عامر في التعوذ بسورة الإخلاص والمعوذتين. وليس فيه الصلاة بالمعوذتين، فلا شاهد فيه لمسألتنا.\nرواه معاذ بن عبد الله بن خبيب (قال الدارقطني: ليس بذاك، ووثقه أبو داود ويحيى بن معين، وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم)، عن أبيه (له صحبة)، عن عقبة، وقيل: عن أبيه مرفوعًا بإسقاط عقبة بن عامر ﵁.\nورواه معاذ بن عبد الله بن خبيب، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة الأسلمي (ثقة)، عن معاذ، واختلف على الأسلمي في إسناده:\nفرواه الدراوردي (صدوق صحيح الكتاب) كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٤٣٠)، وفي الكبرى له (٧٧٩٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٤٦) ح ٩٥٢، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: بينا أنا أقود برسول الله - ﷺ - راحلته في غزوة إذ قال: يا عقبة، قل. فاستمعت، ثم قال: يا عقبة، قل. فاستمعت، فقالها الثالثة، فقلت: ما أقول؟، فقال: قل هو الله أحد فقرأ السورة حتى ختمها، ثم قرأ: قل أعوذ برب الفلق. وقرأت معه حتى ختمها، ثم قرأ: قل أعوذ برب الناس، فقرأت معه حتى ختمها، ثم قال: ما تعوذ بمثلهن أحد.\nخالفه: خالد بن مخلد القطواني (صدوق يتشيع وله أفراد)، كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٤٣١)، وفي الكبرى (٧٨٠٣) فرواه عن عبد الله بن سليمان الأسلمي، عن معاذ بن عبد الله ابن خبيب، عن عقبة بن عامر به. وأسقط من إسناده عبد الله بن خبيب.\nورواه زيد بن أسلم، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن أبيه، كنت مع رسول الله - ﷺ - في طريق مكة، فأصبت خلوة من رسول الله - ﷺ -، فدنوت منه، فقال: قل: فقلت: ما أقول؟ قال: قل. قلت: ما أقول. قال: قل أعوذ برب الفلق حتى ختمها. ثم قال: قل أعوذ برب الناس حتى ختمها، ثم قال: ما تعوذ الناس بأفضل منها.\nفجعله من مسند عبد الله بن خبيب، لا من مسند عقبة بن عامر ﵄.\nرواه محمد بن جعفر بن أبي كثير كما في فضائل القرآن لابن سلام (ص: ٢٧٠)، ومعجم الصحابة للبغوي (١٦٧٧)، والمكتفى في الوقف والابتداء لأبي عمرو الداني (ص: ٢٤٥).\nوحفص بن ميسرة كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٤٢٩)، والسنن الكبرى (٧٨٠٩)، =","vol":"3","page":162},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤٠٩٦).\nوروح بن القاسم كما في المعجم الأوسط للطبراني (٢٧٩٦)، ومعجم الصحابة لابن قانع (٢/ ١١٥)،\nوخارجة بن مصعب (متروك) كما في الأول من حديث أبي علي بن شاذان (٣٠)، كلهم رووه عن زيد بن أسلم، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه.\nورواه أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن عبد الله، عن أبيه، قال: أصابنا طَشٌّ وظلمة، فانتظرنا رسول الله - ﷺ - ليصلي لنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: قل. فَسَكَتُّ. قال: قل: قلت: ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا تكفيك كل يوم مرتين. هذا لفظ عبد الله بن أحمد في زوائد المسند.\nوفي رواية لأبي داود والترمذي والنسائي: تكفيك من كل شيء.\nرواه الضحاك بن مخلد كما في زوائد عبد الله بن أحمد في المسند (٥/ ٣١٢)، وفضائل القرآن للمستغفري (١١١٠، ١١١١)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٣٥١)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٣/ ١٦٣٠)،.\nوابن أبي فديك كما في سنن أبي داود (٥٠٨٢)، وسنن الترمذي (٣٥٧٥)، وسنن النسائي (٥٤٢٨)، والسنن الكبرى له (٧٨١١)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٤٩٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٥٧٢)، وعمل اليوم والليلة لابن السني (٨١)، والدعوات الكبير للبيهقي (٤٥)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٣٥١)، ومعرفة الصحابة لابن منده (ص: ٤٩١)، ومعرفة الصحابة لابي نعيم (٢/ ٩٨٩).\nوعبد الله بن وهب كما في تلخيص المتشابه للخطيب (١/ ١٩٨)، ثلاثتهم عن ابن أبي ذئب، عن أسيد بن أبي أسيد به.\nوقد زاد أسيد في الحديث التعوذ بالسور الثلاث في الصباح والمساء، ولم يذكر أحد غيره ذكر الصباح والمساء.\nفصار حديث معاذ بن عبيد الله بن خبيب، عن أبيه، تارة يرويه من مسند عقبة بن عامر، وتارة يرويه من مسند خبيب ﵁، هذا من جهة الاختلاف في السند، وهو ليس مؤثرًا؛ غايته أن يكون مسند خبيب مرسل صحابي، وهو لا يضر على الصحيح.\nومن جهة الاختلاف في المتن، فليس فيه الصلاة في المعوذتين موضع الشاهد، وقد روي بثلاثة ألفاظ:\nاللفظ الأول: جاء بالتعوذ بسورة الإخلاص والمعوذتين من مسند عقبة بن عامر.\nاللفظ الثاني: وجاء بالتعوذ بالمعوذتين من مسند عبد الله بن خبيب.\nاللفظ الثالث: التعوذ بالسور الثلاث حين تصبح وحين تمسي.\nفإن اعتبرنا هذا الحديث حديثًا آخر لعقبة بن عامر غير حديثه في القراءة بالمعوذتين في صلاة السفر كان المحفوظ فيه: أنه من مسند عقبة بن عامر، وفي التعوذ بالمعوذتين، أما ذكر سورة =","vol":"3","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإخلاص، والتعوذ بها صباحًا ومساء فغير محفوظ.\nوإن اعتبرناه حديثًا واحدًا، كان هذا اللفظ برواياته الثلاث شاذًّا، لمخالفته رواية القاسم بن عبد الرحمن وجبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، والله أعلم.\nالطريق الثالث: عن أبي سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر.\nرواه سعيد بن أبي سعيد المقبري، واختلف عليه فيه:\nفقيل: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عقبة بن عامر.\nرواه أبو داود في السنن (١٤٦٣)، والطحاوي في المشكل (١٢٧)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٤٥) ح ٩٥٠، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٥٢) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: بينا أنا أسير مع رسول الله - ﷺ - بين الجحفة والأبواء، إذا غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله - ﷺ - يتعوذ بـ (أعوذ برب الفلق) و(أعوذ برب الناس). وهو يقول: يا عقبة، تعوذ بهما، فما تعوذ بمثلهما، قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة.\nومحمد بن سلمة ثقة معروف بالرواية عن ابن إسحاق.\nوقيل: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عمن حدثه عن عقبة بن عامر.\nرواه الحميدي في مسنده (٨٧٤)، قال: حدثنا سفيان (هو ابن عيينة)، قال: حدثنا محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عمن حدثه، عن عقبة بن عامر، قال: تهبَّطت مع النبي - ﷺ - من ثنية، فقال لي: قل يا عقبة، فقلت: ما أقول يا رسول الله؟، وتفرقنا، فقلت: اللهم ردها عليَّ من نبيك، ثم التقينا، فقال لي: قل يا عقبة، فقلت: ما أقول يا رسول الله؟ ثم تفرقنا، فقلت: اللهم ردها عليَّ من نبيك، ثم التقينا، فقال لي: قل يا عقبة، فقلت: ما أقول يا رسول الله؟ فقال: (قل هو الله أحد)، و(قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، ما تعوذ متعوذ ولا استعاذ مستعيذ بمثلهن قط. ولم يذكر ابن عيينة الصلاة بها موضع الشاهد، وزاد سورة الإخلاص، وزيادتها شاذة.\nوقيل: عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر، بإسقاط الواسطة.\nرواه الليث بن سعد كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٤٣٨)، وفي الكبرى له (٧٧٨٩، ٨٠٠٩)، وسنن الدارمي (٣٤٨٣)، وفضائل القرآن للمستغفري (١١٠٣)، والبيهقي في الشعب (٢٣٢٩).\nوسليمان بن حيان كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٦٠٤)، كلاهما عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عقبة بن عامر.\nفصار ابن عجلان تارة يرويه عن سعيد المقبري، عمن حدثه عن عقبة، كرواية ابن عيينة عنه.\nوتارة يرويه عن سعيد المقبري، عن ابن عجلان.\nوقد رواه ابن إسحاق عن سعيد المقبري بتعيين الواسطة، فقال: عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة، =","vol":"3","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولعل هذا هو المحفوظ من حديث سعيد المقبري، وهي ترجح رواية ابن عيينة، عن ابن عجلان، غايته أنه أبهم الواسطة، وابن إسحاق عينها، والله أعلم.\nوقد قال يحيى بن سعيد: سمعت محمد بن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ، فجعلتها كلها عن أبي هريرة.\nالطريق الرابع: أبو عمران أسلم بن يزيد، عن عقبة بن عامر.\nرواه الليث بن سعد كما في مسند أحمد (٤/ ١٤٩، ١٥٩)، والمجتبى من سنن النسائي (٩٥٣، ٥٤٣٩)، وفي السنن الكبرى له (١٠٢٧، ٧٧٩٠)، وصحيح ابن حبان (٧٩٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣١١) ح ٨٦٠، وعمل اليوم والليلة لابن السني (٦٩٦)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٣٣١).\nوحيوة بن شريح، كما في مسند أحمد (١/ ٤/١٥٥)، ومسند الدارمي (٣٤٨٢)، ومسند الروياني (٢٥٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣١٢) ح ٨٦٢، وتاريخ المدينة لابن شبة (٣/ ١٠١١)، وهو في حديث أبي عبد الرحمن المقرئ للضياء (٤٠)،\nوعمرو بن الحارث كما في صحيح ابن حبان (١٨٤٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣١١) ح ٨٦١،\nويحيى بن أيوب كما في السنن الكبرى للنسائي (٧٧٩١)، ومستدرك الحاكم (٣٩٨٨)، وشعب الإيمان (٢٣٣١).\nوعبد الله بن لهيعة، رواه أحمد (٤/ ١٥٥)، والدارمي (٣٤٨٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣١٢) ح ٨٦٢، والضياء في الأحاديث المختارة (٤٠) عن أبي عبد الرحمن عبد الله ابن يزيد المقرئ، عن ابن لهيعة مقرونًا بحيوة بن شريح، وهو في حديث أبي عبد الرحمن المقرئ للضياء (٤٠)، خمستهم (الليث، وحيوة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وابن لهيعة) رووه عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، عن عقبة بن عامر.\nرواه الليث: بلفظ: اتبعت رسول الله - ﷺ - وهو راكب، فوضعت يدي على قدميه، فقلت: أقرئني من سورة يوسف. فقال: لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق.\nزاد الليث في رواية أخرى سورة الناس، وفي كلتا الروايتين ليس فيهما قراءتهما في الصلاة، موضع الشاهد.\nوزاد ابن لهيعة وحيوة، قال: يزيد بن أبي حبيب: لم يكن أبو عمران يدعها، وكان لا يزال يقرؤها في صلاة المغرب. اهـ فكانت قراءتهما في صلاة المغرب من فعل أبي عمران.\nورواه عمرو بن الحارث عند ابن حبان والطبراني: وفيه: .... يا عقبة بن عامر إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده من أن تقرأ: قل أعوذ برب الفلق، فإن استطعت أن لا تفوتك في صلاة فافعل، ولم يذكر سورة الناس.\nورواه يحيى بن أيوب، وفيه: .... فإن استطعت أن لا تفوتك فافعل، ولم يذكر الصلاة. =","vol":"3","page":165},{"text":"(ح-١٥٣٣) وروى أبو يعلى من طريق محمد بن عثمان، عن مُغَلِسٍ الخراسانيِّ، عن أيوب ابن يزيد، عن أبي رَزِين،\nعن عمرو بن عَبْسَة ﵁، قال: إن النبي - ﷺ - قرأ في الصبح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ وقال رسول الله - ﷺ -: الفلق: جهنم.\n[ضعيف] (^١).\n_________\n= وله طرق أخرى عن عقبة تركتها اقتصارًا، فقد رواه زياد بن الأسد، وفروة بن مجاهد اللخمي ومشرح بن هاعان وغيرهم عن عقبة بن عامر.\nويلاحظ على متون هذه الروايات الاختلاف بما يأتي:\nحديث عقبة في مسلم: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس).\nفهذا نص على أن عقبة كان يعلم قرآنية السورتين من أول ما أنزلت السورتان.\nبينما في رواية الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عقبة أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن المعوذتين، أمن القرآن هما؟\nوفي حديث معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة أن النبي - ﷺ - هو الذي بدأ عقبة بالكلام ولم يسأله عقبة، حيث قال له النبي - ﷺ -: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا.\nوفي رواية خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، أن النبي - ﷺ - طلب من عقبة أن يقرأ سورة الفلق، فلقنه إياها حتى قرأها، وليس فيه ذكر لسورة الناس، ولم يذكر أن النبي - ﷺ - صَلَّى بها، وإنما حَرَّضَ على الصلاة بها، حيث قال: ما قمت تصلي بمثلها.\nوفي رواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاةالغداة (قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، وليس فيه أن ذلك في السفر.\nوفي بعضها أن عقبة طلب من النبي - ﷺ - أن يقرئه سورة هود أو يوسف، فأخبره النبي - ﷺ - أنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده من أن تقرأ سورة الفلق.\nوفي بعض الروايات سيق الحديث بالتعوذ بسورة الفلق والناس، وليس فيه الصلاة بهما، وفي بعض الروايات قراءتهما في الصبح والمساء، وفي رواية: إذا نمت وإذا قمت.\nولولا أن أبا حاتم وأبا زرعة الرازي والدمشقي وأحمد بن صالح صححوه من طريق معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم، عن عقبة لقلت: إن المحفوظ هو رواية مسلم، وما عداه مضطرب، وهم أعلم، والله تعالى الأعلم.\n(^١). رواه في مسنده كما في إتحاف الخيرة المهرة (١٣٠٠).\nوسنده ضعيف، محمد بن عثمان وأيوب بن يزيد مجهولان، ومغلس الخراساني كناه ابن أبي الدنيا بأبي عليٍّ كما في صفة النار (٤٤). ولم أقف له على ترجمة.","vol":"3","page":166},{"text":"الدليل الثالث: من الآثار.\n(ث-٣٩٢) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن الحكم،\nعن عمرو بن ميمون قال: صحبت عمر بن الخطاب في سفر فقرأ بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (^١).\n[صحيح].\nورواه عبد الرزاق عن عبد الله بن كثير، عن شعبة، عن الحجاج، عن الحكم قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: فذكر نحوه، وقال: صلاة الفجر ... الأثر (^٢).\n[وسنده صحيح].\n(ث-٣٩٣) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش،\nعن المعرور بن سويد قال: كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر، فقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾، و﴿لإِيلَافِ قُرَيْش﴾ ... الأثر.\n[صحيح، ورواية الأعمش عن المعرور في الصحيحين].\n* دليل من قال: يقرأ من طوال المفصل مطلقًا:\n(ح-١٥٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن سالم،\nعن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات (^٣).\n[حسن].\nوجه الاستدلال:\nأراد ابن عمر أن يقول: إن التخفيف المأمور به هوما كان يفعله - ﷺ -، لا ما يشتهيه الناس.\n* ويجاب:\nأن هذا قول ابن عمر ﵁، وقول الصحابي حجة ما لم يخالف النص،\n_________\n(^١). المصنف (٢٧٣٥).\n(^٢). المصنف (٢٧٣٣).\n(^٣). المسند (٢/ ٢٦).","vol":"3","page":167},{"text":"أو يخالفه صحابي آخر، وقد قال النبي - ﷺ -: (اقتدِ بأضعفهم)، فالنبي - ﷺ - أعلم بجماعته من غيرهم، فكانت قراءته بالصافات؛ لأن من معه كانوا راغبين في الإطالة، فكانت قراءته - ﷺ - تخفيفًا في حقهم، فالتخفيف في كل قوم بحسب حالهم، وعليه يحمل قراءة أبي بكر وعمر بالبقرة كلها في صلاة الصبح مع علمهم بإنكار النبي - ﷺ - على معاذ التطويل، وأن هذا المقدار لم يحفظ أن النبي - ﷺ - قرأ بمثله في صلواته.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٣٥) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن آدم، حدثنا زهير، عن سماك قال:\nسألت جابر بن سمرة، عن صلاة النبي - ﷺ - فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء. قال: وأنبأني: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ﴾ ونحوها.\nفكان التخفيف أمرًا نسبيًّا، فما كان يستطال في هذا العصر هو من التخفيف في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، والمحكم في ذلك سنته - ﷺ -، وما كان يقرؤه.\n* وأجيب:\nقال سعيد حوى: «الذي عليه الفقهاء أن الإمام يراعي حال المأمومين، واستعدادهم، وهذا يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والبيئات، وأحوال الناس، فالعامل في أثناء العمل، والمسافر في أثناء السفر، والمبتدؤون بالصلاة، والمشغولون بحادث يطرأ، والمعتادون على الصلاة القصيرة، كل من هؤلاء يراعى حاله، وحكمة الإمام في هذه الأمور هي التي تقدر، ولقد رأيت أئمة يطيلون قليلًا عما ألفه الناس -وهو قليل- فيؤدي ذلك إلى فتنة، أو قطع الصلاة، وحتى إلى كلمة كفر، فلا بد للإمام أن يراعي هذا، وإذا اقتصر في بعض المواطن على الفاتحة، وآيات قصار معدودة فلا بأس» (^١).\nولقد أعطى النبي - ﷺ - الإمام حق تقدير الموقف، بقوله: (اقتدِ بأضعفهم) وتخفيف النبي - ﷺ - صلاته لسماع بكاء الصبي، كل ذلك يدل على أن هذا يختلف من جماعة إلى أخرى، وأن العوارض الطارئة تقدر بقدرها كالسهر، والسفر،\n_________\n(^١). الأساس في التفسير (٨/ ٤٦٨١).","vol":"3","page":168},{"text":"وجماعات الأسواق والطرق، وأيام الاختبارات، والعشر الأواخر من رمضان، ونحوها، والله أعلم.\n* دليل من قال: يجب على الإمام التخفيف مطلقًا:\n(ح-١٥٣٦) استدلوا بما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء، ورواه مسلم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فليخفف) أمر، والأصل في الأمر الوجوب.\nقال ابن عبد البر: «في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول الله - ﷺ - إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل، وقد بان في هذا الحديث العلة الموجبة للتخفيف، وهي عندي غير مأمونة على أحد من أئمة الجماعة؛ لأنه، وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث لهم من آفات بني آدم، ولذلك قال: فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء؛ لأنه يعلم من نفسه ما لا يعلم من غيره» (^٢).\nوذكر اليعمري نقلًا من شرح الزرقاني على الموطأ: «أن الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة، والغالب أن الإطالة تشق على بعض المأمومين فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا، قال: وهذا كما شرع القصر في السفر، وعلل بالمشقة، وهي مع ذلك تشرع مطلقًا عملًا بالغالب؛ لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك، (وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) ولمسلم: فَلْيُصَلِّ كيف شاء: أي مخففًا، أو مطولًا» (^٣).\nوعلة القصر للمسافر السفر، وأما المشقة فهي حكمة التشريع، لا علته، والتعليل بالحكمة فيه خلاف بين أهل الأصول ليس هذا محل بحثها.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٠٣)، وصحيح مسلم (١٨٥ - ٤٦٧).\n(^٢). الاستذكار (٢/ ١٦٣)، وكان قد ذكر مثل ذلك ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٣٣٣).\n(^٣). انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٧٨).","vol":"3","page":169},{"text":"* ونوقش:\nقال القسطلاني: «وتعقب بأن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل، لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتطويل، لا يؤمر إمامهم بالتخفيف لعارض لا دليل عليه» (^١).\n* الراجح:\nما ذهب إليه الجمهور، وأن الإمام محكم في تقدير ما تطيقه الجماعة، وما لا يطيقون، ولا ينبغي إلزامهم بالإطالة إذا كان بعضهم لا يرغب، سواء أعلم هذا منهم صريحًا، أم ظنه منهم، ومصلحة اجتماع الناس على الصلاة أهم من مراعاة إطالة القراءة، ومراعاة الواجبات أولى من مراعاة السنن، وإذا اختلفت الجماعة الواحدة فعليه أن يقرأ بمقدار أواسط المفصل، فإن النبي - ﷺ - لما قال لمعاذ: اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها، لا أفهم منه تخصيص ذلك في صلاة العشاء، وإن كانت صلاة العشاء تدخل دخولًا أوليًّا؛ لأن معاذًا يصلي بهم الصلوات كلها، وضرب له النبي - ﷺ - مقدارًا لِمَا يقرؤه في صلاته، فكان تخصيص هذا في صلاة معينة يحتاج إلى دليل، والإمام ينبغي له أن يكون مُلِمًّا بأحوال جماعته، فإذا كانت جماعته من المقتصدين، أو ممن دونهم لم يحملهم على حال المسارعين في الخيرات، كحال صحابة رسول الله - ﷺ -، خاصة فيما هو من باب السنن، فإذا رأى الإمام في جماعته من هو بحاجة إلى التأليف وكان تخفيف القراءة داعيًا لهم إلى المحافظة على صلاة الجماعة لم ينفرهم، ويتدرج بهم شيئًا فشيئًا حتى يألفوا القراءة الطويلة، وطوال المفصل فيه الطويل، وفيه الأطول، وفيه قصار الطوال على القول بأن القراءة من طوال المفصل سنة، وإذا طبق السنة بين الحين والآخر احتمل له ذلك الجماعة، ولم يكن هاجرًا للسنة، ولو أراد الشارع أن نلتزم السنة في جميع الأحوال لم يجعل حكمها سنة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). شرح القسطلاني (٢/ ٥٨).","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>فرع في استحباب قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* تفضيل سور معينة في قراءة الصلاة على غيرها سبيله التوقيف.\n* تعيين سورة بعينها في قراءة الصلاة، منه ما هو فرض كالفاتحة، ومنه ما هو سنة كتعيين السجدة والإنسان في صلاة الصبح من يوم الجمعة.\n* تفضيل السجدة والإنسان في فجر يوم الجمعة لم ينص الشارع على علته.\n* العلماء في التماس العلة على قولين: قيل لاشتمالها على سجدة، وقيل: لاشتمالهما على ذكر المبدأ، والمعاد، وخلق آدم ودخول الجنة والنار، وهذا أقرب، ولا يمتنع أن يكون التفضيل غير معلل.\n* لا أعلم في الفرائض الخمس تفضيلًا لسورة معينة بذاتها فيما يقرأ زائدًا على الفاتحة إلا ما كان في صلاة الجمعة وفي صبيحتها، ويمكن اعتباره من خصائص الجمعة.\n[م-٥٩٠] ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى استحباب قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر يوم الجمعة، وجوزه من المالكية ابن وهب، وصوَّبه اللخمي وابن يونس وابن بشير، وقال: على ذلك كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم، وحكاه النووي إجماعًا (^١).\n_________\n(^١). الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٧٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٨٥)، الثمر الداني (ص: ٢٢٢)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٣٤٦)، شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب (٢/ ٧٢٧)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤١)، المجموع (٣/ ٣٨١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، الإنصاف (٢/ ٣٩٩، ٤٠٠)، المغني (٢/ ٢٧١)، الفروع (٣/ ١٨٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٣٨).","vol":"3","page":171},{"text":"جاء في الدر المختار: «ولا يتعين شيء من القرآن لصلاة على طريق الفرضية ... ويكره التعيين كالسجدة و﴿هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] لفجر كل جمعة، بل يندب قراءتهما أحيانًا» (^١).\nقال النووي: واتفقوا على أنه يسن في صبح يوم الجمع (الم تَنزِيلُ) في الركعة الأولى، و(هَلْ أَتَى) في الثانية ....» (^٢).\nوكره مالك في المشهور تعمد قراءة ما فيه سجدة لمن يصلي الفريضة ولو في فجر الجمعة للإمام؛ ولو لم يكن ذلك على وجه المداومة كما لو اتفق له ذلك مرَّة، لأنها تشوش على المأموم، ثم ألحق به المنفرد حسمًا للباب، فإن قرأها بفرض عمدًا أو سهوًا سجد، ولا يكره تعمدها في النافلة، ولا يكره للمأموم الاقتداء بمن يتعمدها (^٣).\nوقيل عن مالك: لا يكره في مسجد يقل أهله؛ لأنه لا يخلط عليهم (^٤).\nواختلفوا في المداومة على قراءتهما في كل فجر.\nفقيل: تكره المداومة على ذلك، وهو مذهب الحنفية، وهو المنصوص عن أحمد، قال المرداوي: «على الصحيح من المذهب، وبه قال إسحاق والثوري، واختاره من الشافعية أبو إسحاق وابن أبي هريرة» (^٥).\n_________\n(^١). الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٧٤).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٨٥).\n(^٣). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠)، منح الجليل (١/ ٣٣٦)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤١٩، ٤٢٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤١٥)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٦١)، شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب (٢/ ٧٢٧).\n(^٤). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٦٨٢).\n(^٥). المبسوط (٢/ ٣٦)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٠٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٧)، الهداية شرح بداية المبتدئ (١/ ٥٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤).\nالإنصاف (٢/ ٣٩٩، ٤٠٠)، المغني (٢/ ٢٧١)، الفروع (٣/ ١٨٩)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٣٨)، مسائل حرب الكرماني، من أول كتاب الصلاة، تحقيق الغامدي (ص: ٨١)، الجامع لعلوم الإمام أحمد (٢١/ ١٥٥).\nوقال ابن تميم في مختصره (٢/ ٤٥٠): «ويستحب أن يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ [السجدة: ١] في الأولى و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] في الثانية، نص عليه، وقال: لا أحب المداومة على ذلك، وفيه وجه: يستحب أن يداوم».","vol":"3","page":172},{"text":"وقال بعض الحنابلة: ويتجه الحكم في كل سنة يخشَى اعتقاد وجوبها (^١).\nوقيل: تستحب المداومة عليهما، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، قال ابن رجب: «ورجحه بعض أصحابنا، وهو الأظهر، وكان السلف يداومون» (^٢).\nقال الرملي من الشافعية: «ويسن المداومة عليهما، ولا نظر إلى كون العامة قد تعتقد وجوبهما خلافًا لمن نظر إلى ذلك» (^٣).\n* دليل من قال: تستحب قراءتهما.\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٣٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج،\nعن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١] (^٤).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٣٨) ما رواه مسلم من طريق مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١)\n_________\n(^١). انظر: حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٧١).\n(^٢). نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ١٠٠)، حاشية الجمل (١/ ٣٥٩)، حاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج (٢/ ٥٦)، فتح الباري لابن رجب (٨/ ١٣٣).\n(^٣). نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥).\n(^٤). صحيح البخاري (٨٩١)، وصحيح مسلم (٦٦ - ٨٨٠).","vol":"3","page":173},{"text":"تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١]، وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين (^١).\n* دليل من قال: تستحب المداومة عليهما:\nالدليل الأول:\nحديث أبي هريرة المتفق عليه، وحديث ابن عباس في مسلم، فقد ورد الحديث بلفظ: (كان النبي - ﷺ - يقرأ ...) فإنَّ (كانَ) تفيد المداومة على ذلك.\nقال الحافظ: «وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم، لما تشعر الصيغة به من مواظبته - ﷺ - في ذلك أو إكثاره منه» (^٢).\n* ونوقش:\nقال ابن دقيق العيد: «ليس في هذا الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاءً قويًّا» (^٣).\nقال ابن حجر: «وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب فإن الصيغة ليست نصًّا في المداومة» (^٤).\nوكون الحديث ليس نصًّا، فهل نفي دلالة النص منه تمنع عنه دلالة الظاهر المستفاد من الفعل (كان)، فإن هذه الصيغة ظاهرها تدل على الدوام والاستمرار، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. أي كان، ولا يزال.\nودلالة الظاهر حجة، وإن لم يكن بقوة دلالة النص، ما لم يعارض الظاهر معارض يضعف دلالته، ولا معارض له هنا، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٣٩) ما رواه الطبراني في المعجم الصغير من طريق دحيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٤ - ٨٧٩).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٣٧٨).\n(^٣). إحكام الأحكام (١/ ٣٣٩).\n(^٤). فتح الباري (٢/ ٣٧٨).","vol":"3","page":174},{"text":"عن عبد الله بن مسعود أن النبي - ﷺ -، كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ يديم ذلك (^١).\n[المحفوظ أنه مرسل، وزيادة (يديم ذلك) زيادة منكرة] (^٢).\n_________\n(^١). المعجم الصغير للطبراني (٩٨٦).\n(^٢). الحديث رواه عن ابن مسعود: اثنان أبو وائل، وأبو الأحوص.\nأما أبو الأحوص فقد رواه عنه اثنان أيضًا: أبو فروة الهمداني عروة بن الحارث (ثقة)، ولم يذكر فيه زيادة (وكان يديم ذلك)، على اختلاف عليه في وصله وإرساله.\nورواه عنه أيضًا أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، إلا أنه اختلف عليه في ذكر زيادة (وكان يديم ذلك)، وهي زيادة منكرة، وإليك بيان ما أجمل.\n\nأما رواية أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص: فقد اختلف عليه:\nفرواه عمرو بن قيس الملائي (ثقة)، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعًا، وزاد فيه حرف (يديم ذلك)\nرواه الطبراني في المعجم الصغير (٩٨٦) حدثنا محمد بن بشر بن يوسف الأموي الدمشقي، حدثنا دحيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود به.\nوقد رواه الطبراني في الأوسط (٦٦٥٩)، وفي مسند الشاميين (٥١٥)، بالإسناد نفسه، وليس فيه لفظ: (يديم ذلك).\nقال الطبراني: «لم يروه عن عمرو بن قيس إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد بن مسلم، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن محمد بن بشر».\nقلت: الحمل في زيادة (يديم ذلك) على محمد بن بشر، فإنه أضعف رجل في الإسناد، (صالح إلا فيما رواه عن هشام بن عمار فإنه ثقة فيه) فكان تارة يذكر هذا الحرف، وتارة يسقطه، مما يدل على عدم ضبطه له، وإذا تفرد محمد بن بشر بهذا الحرف دون غيره ممن روى حديث ابن مسعود، ولم يحفظ هذا الحرف في جميع من روى هذه السنة من الصحابة، كحديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث ابن عباس في مسلم لم يدخل الباحث شك في نكارة مثل هذه الزيادة، والله أعلم.\nوتابع محمد بن عياش بن عمرو العامري (قال الدارقطني: صالح عزيز الحديث، وقال أبو حاتم: شيخ كوفي، لا أعلم روى عنه غير عبيد الله الحنفي) تابع عمرو بن قيس، فرواه عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله به مرفوعًا، وليس فيه زيادة (يديم ذلك).\nرواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٠) ح ١٠٠٨٥، من طريق عبيد الله بن عبد المجيد (أبي علي الحنفي)، حدثنا محمد بن عياش بن عمرو العامري به.\nقال الدارقطني في الأفراد كما في أطرافه (٣٩٣٥): «تفرد به أبو علي الحنفي عن محمد بن عياش عن أبي إسحاق». =","vol":"3","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وخالف عمرو بن قيس الملائي ومحمد بن عياش خالفهما شريك بن عبد الله النخعي، (صدوق سيئ الحفظ) كما في مسند أحمد (١/ ٢٧٢). ...\nوميسرة بن حبيب النهدي (ثقة) ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣١)، فروياه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص مرسلًا. ولفظ أحمد: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١].\nوذكر الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣١) أن عمرو بن قيس الملائي ممن رواه مرسلًا أيضًا، فكان الراجح في رواية أبي إسحاق السبيعي الإرسال، والمعروف من روايته ليس فيه زيادة (وكان يديم ذلك).\nوأما رواية أبي فروة الهمداني، عن أبي الأحوص. فقد اختلف عليه في وصله وإرساله، ولم يرد في روايته زيادة (وكان يديم ذلك).\nرواه عمرو بن أبي قيس كما في سنن ابن ماجه (٨٢٤)، والمعجم الأوسط (٦٦٥٩)، والصغير (٩٨٦)، ومسند الشاميين (٥١٥)، وفضائل القرآن للمستغفري (٩٦٦).\nومسعر بن كدام (ثقة)، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٠٨) ح ١٠١١٦، وفي الأوسط (٦٦٩٣)، وفي الصغير (٨٨٧)، وفضائل القرآن للمستغفري (٩٦٧)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٢٩/ ٩٣)، وفي إسناده: عبد الله بن سليمان بن يوسف العبدي (قال أبو أحمد ابن عدي: ليس بذاك المعروف).\nوعمران بن عيينة أخو سفيان بن عيينة (قال ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف)، كما في العلل الكبير للترمذي (١٤٩)، ومسند البزار (٢٠٦٦)، وفضائل القرآن للمستغفري (٩٦٥).\nوحمزة بن حبيب الزيات، (ثقة) كما في تاريخ بغداد (٢/ ١٨٠)، وفي إسناده بكر بن بكار، وهو ضعيف. أربعتهم (عمرو بن أبي قيس، ومسعر، وعمران، وحمزة) رووه عن أبي فروة (الهمداني على الأصح وهو عروة بن الحارث وليس الجهني مسلم بن سالم النهدي) عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا.\nقال الطبراني (٨٨٧): «لم يروه عن مسعر إلا أبو إسحاق الفزاري، تفرد به: عبد الله بن سليمان».\nوخالفهم كل من:\nسفيان بن عيينة، كما في مصنف عبد الرزاق (٢٧٣١)،\nوحجاج بن أرطاة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٥٤٤٢)،\nوسفيان الثوري وزهير بن معاوية، وزائدة، كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣٠)، خمستهم رووه عن أبي فروة، عن أبي الأحوص مرسلًا.\nورواه شعبة واختلف عليه:\nفرواه حجاج بن نصير (ضعيف) كما في حلية الأولياء (٧/ ١٨٣)، عن شعبة، عن أبي فروة، =","vol":"3","page":176},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود.\nقال أبو نعيم: غريب من حديث شعبة، عن أبي فروة، واسمه عروة بن الحارث، وتفرد به عنه حجاج بن نصير. اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٣٠): وخالفه أصحاب شعبة: غندر، ومعاذ، وابن مهدي، وغيرهم، فرووه عن شعبة، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص مرسلًا.\nوقال العقيلي في الضعفاء كما في اللسان (١/ ٢٨٣): رواه حجاج بن المنهال، عن شعبة، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهو أولى.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (٥٨٦): سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن أبي قيس وأبو مالك النخعي، فقالا: عن أبي فروة الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ... قال أبي: وَهِما في الحديث، رواه الخلق، فكلهم قالوا: عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، قال: كان النبي - ﷺ - ... مرسل».\nوقال الترمذي: سألت محمدًا، -يعني ابن إسماعيل البخاري-: عن هذا الحديث؟ فقال: روى عمرو بن أبي قيس، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله.\nوروى سفيان الثوري، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا، فكأنَّ هذا أشبه.\nقلت له: فإن زائدة روى عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، فلم يعرف حديث زائدة، ولا حديث عمران بن عيينة».\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٨/ ١٣١): «وإرساله أصح عند البخاري وأبي حاتم والدارقطني».\nهذا فيما يتعلق برواية أبي الأحوص، عن ابن مسعود، والاختلاف عليه في ذكر زيادة (وكان يديم ذلك).\nوأما رواية أبي وائل، عن ابن مسعود، فليس فيها موضع الشاهد (وكان يديم ذلك).\nفرواه عاصم بن بهدلة، واختلف عليه فيه:\nفرواه الحسين بن واقد كما في العلل للترمذي (١٤٧)، ومسند البزار (١٧٢٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٨٥) عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].\nوهو إسناد غريب جدًّا، أين أصحاب أبي وائل عن هذا الحديث؟.\nتابعه عبد الملك بن الوليد كما في مسند البزار (١٨٤٢)، فرواه عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش وأبي وائل، عن عبد الله به مرفوعًا.\nولا يفرح بهذه المتابعة، فإن عبد الملك بن الوليد بن معدان ضعيف، وقد روى أحاديث لا يتابع عليها، وقد تفرد بجمعه زر بن حبيش مع أبي وائل.\nقال البزار: «وهذه الأحاديث لا نعلم رواها عن عاصم، عن أبي وائل وزر فجمعهما إلا عبد الملك بن الوليد». =","vol":"3","page":177},{"text":"الدليل الثالث:\n(ث-٤٩٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن نمير، عن سفيان، عن جابر،\nعن الشعبي، قال: ما شهدت ابن عباس، قرأ يوم الجمعة إلا بتنزيل، وهل أتى (^١).\n[ضعيف جدًّا فيه جابر الجعفي متروك].\nالدليل الرابع:\nذكر ابن رجب في شرحه للبخاري معلقًا، فقال: قال الأعرج: كان مروان وأبو هريرة يقرءان في صلاة الصبح بـ ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ سورة السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [إلانسان:١].\nولم أقف عليه مسندًا.\n* تعليل من كره مداومة قراءتهما:\nالتعليل الأول:\nقراءتهما على الدوام يفضي إلى أن يعتقد بعض الناس وجوبهما (^٢).\nوزاد الحنفية بأن المداومة تكره لإيهامها التعيين، والفرض هو مطلق القراءة لقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nقال ابن دقيق العيد: «إذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة، فينبغي أن يترك\n_________\n= وخالفهما الحارث بن نبهان كما في سنن ابن ماجه (٨٢٢)، ومسند أبي يعلى (٨١٣)، والبزار (١١٥٨)، فرواه عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه.\nوالحارث متروك، وقد صوب البخاري والبزار رواية الحسين قال البخاري كما في علل الترمذي (١٤٨): «سألت محمدًا فقال: حديث الحسين بن واقد عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله أصح، قال محمد: والحارث بن نبهان منكر الحديث ضعيف». اهـ\nوقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، والحارث بن نبهان فقد تقدم ذكرنا له، وقد خالفه الحسين بن واقد، وعبد الملك بن الوليد بن معدان، فروياه عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، وهو عندي الصواب».\nوكون حديث الحسين بن واقد أصح من حديث الحارث بن نبهان لا يعني الصحة المطلقة.\n(^١). المصنف (٥٤٤٤).\n(^٢). انظر: فتح الباري لابن رجب (٨/ ١٣٣)، الإنصاف (٢/ ٤٠٠).","vol":"3","page":178},{"text":"في بعض الأوقات؛ دفعًا لهذه المفسدة .... وعلى كل حال فهو مستحب، فقد يترك المستحب لدفع المفسدة المتوقعة، وهذا المقصود يحصل بالترك في بعض الأوقات، لا سيما إذا كان بحضرة الجهال، ومن يخاف منه وقوع هذا الاعتقاد الفاسد» (^١).\nوأما قول الحنفية بأن الفرض مطلق القراءة فهو قول مرجوح ناقشت ذلك عند الكلام على وجوب قراءة الفاتحة، فارجع إليه إن شئت.\nالتعليل الثاني:\nأن المداومة على قراءتهما قد يعتقد بعض الجهلة بأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة، أو أنها ثلاث ركعات، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض الجهلة (^٢).\n* ورد هذا:\nقال ابن رجب: «اعتقاد فرضية ذلك بعيد جدًّا، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة، واتباع عمل الصحابة، وكان كثير من السلف يرى أن السجدة مقصودة قراءتها في فجر يوم الجمعة» (^٣).\n* تعليل كراهة قراءة سورتي السجدة والإنسان:\nاختلف المالكية في تعليل الكراهة:\nفقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفريضة، فإن لم يسجد دخل في وعيد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُون﴾ [الإنشقاق: ٢١]. وإن سجد زاد في سجود الفريضة.\nواعترض عليهم:\nقال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. اهـ\nوبأن تلك العلة موجودة في صلاة النافلة، ولا يكره تعمد السجود فيها.\nلا يراد بالآية سجود التلاوة، بل المقصود أنهم لا يخضعون لله ولا يستكينون له، وسجود التلاوة ليس بواجب على الصحيح، لا داخل الصلاة، ولا خارجها، وهي مسألة أخرى لا أحب الخوض فيها خشية الخروج عن مسألة البحث، وسوف\n_________\n(^١). إحكام الأحكام (١/ ٣٣٩).\n(^٢). فتح الباري (٨/ ١٣٣).\n(^٣). المرجع السابق.","vol":"3","page":179},{"text":"تأتي هذه المسألة في مظانها إن شاء الله تعالى.\n* جواب المالكية على هذا الاعتراض:\nذكر المالكية جوابًا لا أظنه شافيًا، قالوا: إن السجود لما كان نافلة، والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا، بخلاف الفرض.\nوإنما كان الجواب في نظري غير شافٍ؛ لأنهم قالوا: إذا تعمد قراءة سجدة في الفريضة فإنه يسجد، فلو كان السجود زيادة في الفريضة لمنعوه من السجود، فإن سجد بطلت صلاته، فإذا كانوا يأمرونه بالسجود إذا تعمد قراءتها لم تكن زيادة في صلاته، والله أعلم.\nالتعليل الثاني:\nقالوا: لأنه ربما يؤدي السجود في الصلاة إلى التخليط على المأمومين في فريضتهم،\nوهذا التعليل يقتضي أن الجماعة المحصورة إذا كان لا يؤدي إلى التخليط فلا كراهة في تعمد قراءة سورة فيها سجدة، وقد التزم ذلك بعض المالكية، وروي عن الإمام مالك ﵀.\nوخوف التخليط قد يُسَلَّم لو كان ذلك يقع في صلاة سرية، أما صلاة الصبح فإنها جهرية، ولو تصور وجود من يجهل سبب السجود فإن ذلك قد يقع في أول مرة يفعل الإمام ذلك، فإذا فعله تعلم الجاهل، وانتشرت السنة، ولا تترك السنة لجهل بعض الناس بها، ويمكن رفع الجهل بأن يقوم الإمام بدوره في توعية الناس بالسنن من خلال ما يلقيه على جماعته من دروس ومواعظ، والله أعلم.\nالتعليل الثالث:\nبأن أهل المدينة قد تركوا السجود فكان تركهم دليلًا على النسخ، وأن عمل أهل المدينة مقدم على حديث الآحاد (^١).\nقال الحافظ في الفتح: «أشار أبو الوليد الباجي في رجال البخاري إلى الطعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به لا سيما أهل المدينة» (^٢).\n_________\n(^١). انظر: حاشية الدسوقي (١/ ٣١٠).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٣٧٨).","vol":"3","page":180},{"text":"* ويجاب:\n(ث-٥٩٣) بأن ابن أبي شيبة قد روى في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال:\nصليت خلف عمر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفهذا عمر ﵁ مدني، وخليفة راشد، وسجد معه الصحابة وكبار التابعين، وهم من أهل المدينة، وكان سجوده في صلاة الصبح، وهي من الفرائض، فكان عمل أهل المدينة زمن عمر ﵁ ومعه الصحابة وكبار التابعين أحب إلينا من عمل أهل المدينة في عصر الإمام مالك عليه رحمة الله، ولا أريد الخروج عن مسألتنا إلى مسألة حكم السجود في المفصل إذا مر بآية سجدة، إلا بالقدر الذي لا يخرجنا عن مسألة بحثنا، والله أعلم.\nوقال الحافظ ابن حجر جوابًا على أبي الوليد الباجي، قال: «وليس كما قال، فإن سعدًا لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وكذا ابن ماجه والطبراني من حديث ابن مسعود (^٣)، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص (^٤)، والطبراني في الأوسط من حديث علي (^٥).\n_________\n(^١). المصنف (٣٥٦٤).\n(^٢). انظر تخريجه، (ث-٣٧٢).\n(^٣). سبق تخريجه قبل قليل عند ذكر حجة من قال: يداوم على قراءتهما، وهو حديث صحيح دون زيادة (يديم ذلك).\n(^٤). ضعيف جدًّا، فيه الحارث بن نبهان، وهو متروك، وسبق تخريجه، انظر تخريج (ح ١٥٣٩).\n(^٥). أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٥٤)، وابن المظفر في غرائب شعبة (١٤٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٨٣) من طريق إبراهيم بن زكريا المعلم الضرير، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: كان النبي ﵇ يقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١].\nقال أبو نعيم: «غريب من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث، تفرد به: إبراهيم بن زكريا».\nوإبراهيم بن زكريا، قال فيه ابن عدي في الكامل (١/ ٤١٢): حدث عن الثقات بالبواطيل.\nوقال فيه ابن حجر في التلخيص (١/ ٣٢٢): متهم.","vol":"3","page":181},{"text":"وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة: (أنه أم الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة). أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وكلام ابن العربي يشعر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة؛ لأنه قال: وهو لم يعلم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. اهـ وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد، فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طعن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البرقي، عن يحيى بن معين، وحكى أبو حاتم، عن علي بن المديني قال: كان سعد ابن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها، وقال الساجي: أجمع أهل المدينة على صدقه، وقد روى مالك، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم، قال: ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف، فأما أن يكون تكلم فيه فلا أحفظ ذلك» (^١).\n* الراجح:\nأن القراءة بهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة مستحب في أغلب الأوقات بشرطه، وذلك أن تكون الجماعة محصورة وترغب في ذلك، فإن كان في جماعته من يدعوه للتخفيف من مريض وذي حاجة، أو صادف ذلك أوقات عمل أو مناسبات دعت الناس للسهر، أو كان في الجماعة من لا يرغب في إطالة القراءة فلا ينبغي أن يشق على جماعته، فإن التخفيف سنة أيضًا، وإذا ترك قراءتهما لعذر فقد كتب له الأجر، كما جاء في الحديث: إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، وإذا كان بعض الجماعة يشق عليهم الإطالة كانت مراعاتهم أولى من تطبيق هذه السنة، فإن إلزام الناس بالسنن إلزام بما لم يلزمهم الله به، وحين سأل صحابي رسول - ﷺ - عن الصلوات الواجبة، فذكر له الصلوات الخمس،\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٣٧٨).","vol":"3","page":182},{"text":"فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تَطَّوَّع.\nقال الصحابي: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، لم يثرب عليه، وأقرَّه، بل بشره بالفلاح إن صدق، فترك الإطالة لا يضر الصلاة، ومراعاة واجبات الصلاة أولى من مراعاة السنن، وجمع الناس على صلاة الجماعة، وتأليفهم عليها، من أعظم القرب، قد وصف الرسول - ﷺ - عمل معاذ بأنه من الفتنة، والتنفير، وليس هذا خاصًّا في صلاة العشاء، ولا في إمام قرأ سورة البقرة، بل يعم ذلك كل إمام فتن الناس عن حضور الجماعة في تحري ما يشق عليهم في أمر لم يوجبه الله عليهم، وحمل الناس على عمل الصدر الأول في السنن إذا لم يرغب الناس في ذلك ليس من الحكمة، وقد ذكرت أدلة ذلك في المسألة السابقة، وقد نص المالكية والشافعية والإمام أحمد بأن إطالة القراءة في صلاة الصبح مقيد برغبة جماعة محصورة، ولا أظن الحنفية يخالفونهم في ذلك، ولا تلتفت لمن لا يقيم وزنًا لمراعاة جماعته باسم الحرص على السنن، فإن مثل هذا الشخص ليس مؤهلًا لرعاية الناس، فليس كل أحد قادرًا على أن يسوس الناس ويحوطهم برعايته وشفقته، ويقدم الأهم على المهم، ولو اتسعت حدقة عينه لنظر إلى باقي النصوص، وفي مقدمتها قول النبي - ﷺ -: (اقتد بأضعفهم)، ولَعَلِم أن مراعاتهم من السنة أيضًا، ومن ترك السنة لسنة أخرى فلم يتركها، وأكثر من يتشدد في ذلك هم الشباب الذين لم ينضجوا بعد، ولم يخالطوا الناس فيتعلموا كيف يعالجون تفاوتهم، وكيف يرتب أولوياته، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>المبحث الخامس في مقدار القراءة في صلاة الظهر</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قرأ النبي - ﷺ - بالظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقدر بعض الصحابة قيامه بالظهر بمقدار ثلاثين آية في كل ركعة، وكان أحيانًا يطيل القيام حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم ينقلب إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، واختلاف المنقول في قدر القراءة في الصلاة يدل على أن الأمر واسع.\n* قال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا».\n* قال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه - ﷺ - مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع».\n* الأصل في قيام الظهر أنه أقل من الصبح، وأطول من العصر والعشاء.\n[م-٥٩١] اختلف الفقهاء في المستحب في قدر القراءة في صلاة الظهر:\nفقيل: يقرأ في الظهر من طوال المفصل، وهو مذهب الحنفية، وقول أشهب من المالكية (^١).\nوقال محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية: يقرأ مثل الفجر أو دونه (^٢).\n_________\n(^١). الهداية في شرح البداية (١/ ٥٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٧٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، العناية شرح البداية (١/ ٣٣٥)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٨)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٥)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)،.\n(^٢). الأصل (١/ ١٦٢)، المبسوط (١/ ١٦٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٥)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٥)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (١/ ١٠٥).","vol":"3","page":184},{"text":"وقال المالكية والشافعية: الظهر تلي الصبح بالطول، أي دونها فيه، وهو رواية عن أحمد، وبه قال إسحاق (^١).\nقال في تحفة المحتاج: «يسن كما في الروضة وأصلها وغيرهما نقص الظهر عن الصبح بأن يقرأ فيها قريب طواله» (^٢).\nوقد يجمع بين القولين بأن يقال: طوال المفصل متفاوت في الطول، فيختار للظهر الطوال وللصبح الأطول، وبهذا يكون الظهر قريبًا من مقدار صلاة الصبح، وكلاهما من طوال المفصل.\nومحل الاستحباب عندهما: إذا كان منفردًا، أو كان إمامًا، وكانت الجماعة محصورة وآثروا التطويل، كما نبهت على ذلك في القراءة في صلاة الصبح (^٣).\nوقال ابن حزم: يقرأ في الظهر في كل ركعة مع أم القرآن نحو ثلاثين آية (^٤).\nوقيل: القراءة بالظهر بأواسط المفصل، وهو مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الحنفية (^٥).\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٤)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٥)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، كفاية النبيه (٣/ ١٤٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٩١٦).\nقال أبو زرعة العراقي في تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٠): «قولهما: (ويسن للصبح والظهر طوال المفصل) قد يفهم منه تساويهما، والذي في الرافعي والروضة أن الظهر أقل من الصبح».\n\nوقال حرب الكرماني في مسائله (١٢٣): «سألت أحمد بن حنبل: قلت: أتحب أن تكون القراءة في الظهر والعصر متقاربتين؟ قال: لا، ولكن يقرأ في الظهر بنحو من تنزيل السجدة، أو ثلاثين آية، أو نحو ذلك، وفي العصر على نصف من ذلك، وقال: أذهب إلى حديث أبي سعيد الخدري».\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، وانظر: روضة الطالبين (١/ ٢٤٨).\n(^٣). انظر: تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٠)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٦٨)، بداية المحتاج (١/ ٢٤٠).\n(^٤). المحلى، مسألة (٤٤٥).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٠)، الإنصاف (٢/ ٥٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، كشاف القناع (١/ ٣٤٢)، الممتع شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٥٤).","vol":"3","page":185},{"text":"* دليل من قال: يقرأ في الظهر من طوال المفصل أو دونه بقليل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٤٠) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته. ثم يتوضأ. ثم يأتي ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى مما يطولها.\nورواه مسلم من طريق ربيعة بن يزيد، قال: حدثني قزعة به (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٤١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (^٢).\nوجه الاستدلال:\nورواية (قدر ثلاثين آية) لا تختلف عن رواية تقدير القراءة بـ ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة لأن سورة السجدة قدرها ثلاثون آية، فإذا قورنت السجدة بطوال المفصل من جهة عدد الكلمات كانت السجدة أطول منهن، حيث تبلغ ثلاثة أوجه، وأطول سورة في المفصل تقصر عن ثلاثة أوجه، وإن قورنت بعدد الآيات كانت بعض\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦١ - ٤٥٤).\n(^٢). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).","vol":"3","page":186},{"text":"سور المفصل أطول منها حيث تبلغ سورة (ق) خمسًا وأربعين آية، والفارق يسير بين السجدة و(ق).\nالدليل الثالث:\n(ث-٦٩٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nلما نص على أن العشاء من أوساط المفصل، والمغرب من قصاره، والصبح من طواله، وكان يخفف العصر، فأطلق الإطالة في الظهر، فكانت أطول من العشاء والتي نص على مقدار القراءة بأوساط المفصل، وأقصر من الصبح والذي نص على مقدار القراءة بطوال المفصل، فهي بين الصبح والعشاء.\nالدليل الرابع: من الآثار:\n(ث-٣٩٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن جميل بن مرة،\nعن مورق العجلي قال: صليت خلف ابن عمر، الظهر فقرأ بسورة مريم (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n(ث-٣٩٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سيف،\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). سبق تخريجه في هذا المجلد، انظر (ث-٣٧٥)، وانظر: (ح ١٥٥٠).\n(^٣). المصنف (٣٥٧٦).\n(^٤). المصنف (٣٥٧٦).","vol":"3","page":187},{"text":"عن مجاهد، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ في الظهر بـ كهيعص (^١).\n[صحيح] (^٢).\n(ث-٣٩٩) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم،\nعن علقمة، قال: صليت إلى جنب عبد الله بالنهار، فلم أَدْرِ أي شيء قرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. [طه: ١١٤]، فظننت أنه يقرأ في طه (^٣).\n[صحيح].\n(ث-٠٠٤) منها ما رواه الطحاوي، قال: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان،\nعن جميل بن مرة، وحكيم أنهما دخلا على مورق العجلي فصلى بهم\n_________\n(^١). المصنف ت عوامة (٣٥٩٧) وفي طبعة دار الرشد (٣٥٧٧) تحرفت عمرو إلى عمر.\n(^٢). رواه سيف بن سليمان (ثقة) كما في مصنف ابن أبي شيبة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، وسنده صحيح.\nوتابعه أبو بشر جعفر بن إياس (ثقة، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيرهم) رواه ابن أبي شيبة (٣٧٤٩)، والطحاوي (١/ ٢١٩)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٠٣)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢١٦)، عن هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد به.\nقال يحيى القطان: كان شعبة يضعف حديث أبي بشر عن مجاهد، وقال: لم يسمع منه شيئًا.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٧٧٤)، ومن طريقه البيهقي في القراءة خلف الإمام (٢١٨) عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: سمعت عبد الله بن عمرو قرأ خلف الإمام في الظهر والعصر.\nورواه عبد الرزاق (٢٧٧٥) عن ابن عيينة،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢١٥)، من طريق شعبة.\nوالبخاري في القراءة خلف الإمام (٣٠) من طريق إسرائيل،\n\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (٢١٧، ٢٤٥) من طريق هشيم، أربعتهم (ابن عيينة، وشعبة، وإسرائيل، وهشيم)، عن حصين، قال: سمعت مجاهدًا يقول: صليت مع عبد الله بن عمرو الظهر والعصر، فكان يقرأ خلف الإمام.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٥٩).","vol":"3","page":188},{"text":"الظهر، فقرأ بقاف والذاريات أسمعهم بعض قراءته. فلما انصرف قال: «صليت خلف ابن عمر فقرأ بقاف والذاريات، وأسمعنا نحو ما أسمعناكم (^١).\n[صحيح].\n* دليل من قال: يقرأ من أواسط المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٤٢) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن سماك،\nعن جابر بن سمرة قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك (^٢).\nورواه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي الصبح بأطول من ذلك (^٣).\nورواه أحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حماد بن سلمة، عن سماك به، أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِق﴾ ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ ونحوها من السور (^٤).\n[اضطرب فيه سماك في تعيين السور، ورواية ابن مهدي عن شعبة أقربها] (^٥).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٤٣) روى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، يحدث،\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢١٠).\n(^٢). صحيح مسلم (١٧٠ - ٤٥٩).\n(^٣). صحيح مسلم (١٧١ - ٤٦٠).\n(^٤). مسند أحمد (٥/ ١٠٣، ١٠٦، ١٠٨)، سنن أبي داود (٨٠٥)، وسنن الترمذي (٣٠٧)، وسنن النسائي (٧٩٧).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر: (ح ١٥٤٥).","vol":"3","page":189},{"text":"عن عمران بن حصين، أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ -أو أيكم القارئ؟ فقال رجل أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (^١).\n* ونوقش:\nهذا الفعل يدل على جواز القراءة من أواسط المفصل أحيانًا، وليس فيه ما يدل على استحباب تحديد القراءة بهذا المقدار في كل صلاة، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٤٤) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا محمد بن معمر بن ربعي القيسي، أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، وثابت، وحميد،\nعن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسمعون منه النغمة في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ (^٢).\n[صحح أبو حاتم والدارقطني وقفه على أنس] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٨ - ٣٩٨).\n(^٢). صحيح ابن خزيمة (٥١٢).\n(^٣). اختلف في رفعه ووقفه:\nفرواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن ثابت، وقتادة وحميد عن أنس.\nرواه البزار (٧٢٦٢)، وابن خزيمة (٥١٢)، وابن حبان (١٨٢٤)، والضياء في المختارة (٢٥٤٠، ٢٥٤١)، عن محمد بن معمر، عن روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة به.\nوتابع حمادًا سفيان بن حسين، فرواه عن حميد الطويل وحده، عن أنس.\nرواه البخاري في القراءة خلف الإمام ت آل حطامي والشايع (٢٤٦، ٢٤٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٨)، والطبراني في الأوسط (٥٢٢٤)، من طريق عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، قال: حدثني أبو عبيدة (قال الطحاوي: هو حميد الطويل) عن أنس أن النبي - ﷺ - قرأ في الظهر: سبح اسم ربك الأعلى.\nقال الطبراني في الأوسط (٥/ ٢٤٩): «لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عباد بن العوام».\nوخالف حمادًا وسفيان بن حسين، كل من:\n\nالأول: حماد بن مسعدة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٥٧٥) فرواه عن حميد، قال: صليت خلف أنس الظهر، فقرأ بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وجعل يُسمِعنا الآية. =","vol":"3","page":190},{"text":"وليس في كونه موقوفًا ما يدفع الاحتجاج به، فآثار الصحابة رضوان الله عليهم صالحة للاحتجاج ما لم يخالف مرفوعًا، أو يخالف غيره من الصحابة، فالظن بهم أنهم يصلون كما كان النبي - ﷺ - يصلي بهم، وما اقتدى أحد برسول الله - ﷺ - مثل صحابته، وفي الصلاة هم أشد اقتداء.\nالدليل الرابع:\n(ث- ١٠٤) قال الترمذي في السنن: وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أَنِ اقرأ في الظهر بأوساط المفصل (^١).\n[لم أقف عليه موصولًا بهذا اللفظ] (^٢).\n_________\n= الثاني: معمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق (٢٦٨٧)، عن ثابت، كان أنس يصلي بنا الظهر والعصر، فربما أسمعنا من قراءته: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾. ومعمر في روايته عن ثابت كلام، لكنه صالح في المتابعات.\nالثالث: أبو شهاب الحناط، كما في المعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٤٢) ح ٦٧٨، عن حميد وعثمان البتي، قالا: صلينا خلف أنس بن مالك الظهر والعصر، فسمعناه يقرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾. وهذا إسناد حسن، أبو شهاب صدوق.\nورجح أبو حاتم في العلل (٣٣٤) و(٢٣١)، والدارقطني في العلل (١٢/ ٥٣) الموقوف.\nوأما ما رواه النسائي في المجتبى (٩٧٢)، وفي الكبرى (١٠٤٦) من طريق عبد الله بن عبيد قال: سمعت أبا بكر بن النضر قال: كنا بِالطَّفِّ عند أنس، فصلى بهم الظهر، فلما فرغ قال: إني صليت مع رسول الله - ﷺ - فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.\nفي إسناده أبو بكر بن النضر بن أنس فيه جهالة، لم يَرْوِ عنه سوى عبد الله بن عبيد ولم يوثقه أحد. والله أعلم.\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ١١٠).\n(^٢). هذا أحد الألفاظ التي تنسب إلى كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، فهو يروى بألفاظ مختلفة، منها:\nاللفظ الأول: ما ذكره الترمذي معلقًا، ولم أقف عليه موصولًا، وذكر ابن الملقن في التوضيح شرح الجامع الصحيح (٧/ ٧٦): أنه عند ابن شاهين بلفظ: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أنِ اقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره.\nولم أقف على إسناده لأنظر فيه.\nاللفظ الثاني: ما ذكره الزيلعي في نصب الراية، حيث أورده بلفظ: روي أن عمر رضي الله =","vol":"3","page":191},{"text":"الدليل الخامس:\nأن الصبح صلاة قصيرة، ووقتها واسع، فحسن تطويلها، والمغرب وقتها ضيق، فحسن تقصيرها، وبقية الصلوات سعة الوقت يقتضي التطويل، وكمال عددها يقتضي التقصير فاقتضت التسوية بينهما التوسط (^١).\nوهذا الكلام يصلح في التماس حكمة التشريع، لا في كونه دليلًا على مقادير القراءة، فالمقادير في كل شيء يحتاج إلى توقيف.\nووقت المغرب على القول بأن لها وقتين بداية ونهاية، وهو الصحيح فهو قريب من الفجر إلا أنه معكوس، فوقت الفجر يبدأ من الفجر الصادق: وهو البياض المعترض في الأفق، ثم يتلو ذلك حمرة تنتشر في الأفق تسبق طلوع الشمس، ثم ينتهي وقت الفجر بطلوع الشمس، واعكس هذه العلامات في وقت المغرب، فالمغرب يبدأ بغياب الشمس عكس الصبح الذي ينتهي بطلوع الشمس، ثم تنتشر حمرة في الأفق ويستمر وقت المغرب إلى حين زوال حمرة الشفق، وهي لا تزول\n_________\n= عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في الفجر والظهر: بطوال المفصل، وفي العصر. والعشاء: بأوساط المفصل، وفي المغرب: بقصار المفصل، قال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ، والغرابة عند الزيلعي تعني أنه لا أصل له بهذا اللفظ.\nاللفظ الثالث: رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٧٢)، عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره، قال:\nكتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل.\nوهذا إسناد ضعيف، وسبق تخريجه، انظر (ث-٣٨١).\nاللفظ الرابع: ما رواه مالك في الموطأ (١/ ٧)، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه،\n\nأن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن يدخلها صفرة، والمغرب إذا غربت الشمس، وأخر العشاء ما لم تنم، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل.\nوهذا إسناد صحيح، وهو المعروف من كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى، وسبق تخريجه، انظر (ث-٤٠٧)، و(ث-٣٨١).\n(^١). انظر: الممتع في شرح المقنع (١/ ٣٥٥).","vol":"3","page":192},{"text":"دفعة واحدة، وإنما تبدأ تخف تدريجيًّا شيئًا فشيئًا حتى تتحول إلى بياض مستطيل في الأفق مشوبًا بصفرة، وهذا يقابله في وقت الصبح (الفجر الصادق) فإذا كان الفجر الصادق علامة على طلوع الصبح، فإنه في المغرب على العكس من ذلك، فغيابه علامة على انتهاء وقت المغرب، فزيادة المغرب بركعة واحدة لا تحدث مثل هذا الفرق في القراءة من الانتقال من طوال المفصل إلى قصاره، ولعل الفارق أن صلاة الصبح تبدأ بعد نوم الناس وراحة أبدانهم، وقمة نشاطهم، بخلاف المغرب، فهو في آخر النهار بعد يوم حافل من العمل وطلب الرزق، والمعول على النصوص في تقدير القراءة بعد أن يعلم الإمام أنه لا يوجد ما يدعو للتخفيف، من شغل، أو سهر ونحوه، والله أعلم.\n* الراجح:\nاختلاف المنقول في قدر القراءة في الصلوات يدل على أن أمر القراءة واسع،\nوقد اختلف العلماء في الجمع بينها:\nفقيل: الأصل طول القراءة، والتخفيف في الظهر عارض، إما لبيان الجواز، أو مراعاة اختلاف الوقت أو مراعاة أحوال المأمومين.\nقال النووي: «واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كان بحسب الأحوال، فكان النبي - ﷺ - يعلم من حال المأمومين في وقت أنهم يؤثرون التطويل، فيطوِّل، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه، فيخفف، وفي وقت يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، كما ثبت في الصحيحين، والله أعلم» (^١).\nقال أبو بكر الأثرم: «الوجه في اختلاف الأحاديث في القراءة في الظهر أنه كله جائز، وأحسنه استعمالًا طول القراءة في الصيف، وطول الأيام، واستعمال التقصير في القراءة في الشتاء، وقصر الأيام، وفي الأسفار، وذلك كله معمول به» (^٢).\nالثاني: عكسه، أن الأصل التخفيف في قراءة الظهر، وأن تطويلها عارض.\nقال ابن القيم: وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانًا حتى قال أبو سعيد: كانت\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٨٤).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٣).","vol":"3","page":193},{"text":"صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله، فيتوضأ، ويدرك النبي - ﷺ - في الركعة الأولى مما يطيلها، رواه مسلم ....» (^١).\nالثالث: أن كل ذلك جائز على حد سواء.\nقال ابن عبد البر: «فكل ذلك من المباح الجائز، أن يقرأ المرء بما شاء مع أم القرآن ما لم يكن إمامًا يُطَوِّل على من خلفه، وبنحو ذلك تواترت الآثار في القراءة عن النبي -﵇- في الصلاة مرة يخفف وربما طول صنع ذلك في كل صلاة، وهذا كله يدل على أن لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين ويشهد لذلك قوله ﵇: (من أَمَّ الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا» (^٢).\nوأرى أن مقدار القراءة يختلف من جماعة لأخرى، فالجماعات التي في أسواق البيع والشراء يبادر بالإقامة، ولا يطيل الصلاة؛ لأنها تجمع فئات مختلفة من الناس، بعضهم من أهل السوق وبعضهم قد طرق السوق لحاجته من مكان بعيد، ويرغب في الانقلاب إلى مكانه أو قريته، فمثلهم يراعى في التخفيف، وأما الجماعات في الأحياء غير المطروقة، فإن الإمام يعلم حال جماعته، فيقتدي بأضعفهم، من كبير السن، أو كثير اللحم، أو صاحب مرض، فالإمام أدرى بما تطيق جماعته، فإذا علم من جماعته القوة والفراغ، والرغبة في إطالة الصلاة فإن المختار في مقدار القراءة لصلاة الظهر بأن تكون بين القراءة في الصبح والقراءة في العصر، فهي لا تبلغ قراءة الصبح في الطول، وفي نفس الوقت هي أطول من قراءة العصر والعشاء، وإذا قرأ أحيانًا بأوساط المفصل فلا حرج، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). زاد المعاد (١/ ٢٠٣).\n(^٢). الاستذكار (١/ ٤٢٦).","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>المبحث السادس في مقدار القراءة في صلاة العصر</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل في صلاة العصر التخفيف، وأن القراءة فيها أخف من القراءة في الصبح والظهر.\n* كان المأثور من قراءة النبي - ﷺ - في العصر مختلفة، فأحيانًا كانت قراءته على نحو قراءته في الظهر، وأحيانًا على النصف من قراءة الظهر، وكل ذلك يدل على أن الأمر واسع في تقدير القراءة.\n[م-٢٩٥] اختلف العلماء في مقدار القراءة في صلاة العصر:\nفقيل: يقرأ في العصر من أوساط المفصل، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية (^١).\nقال في الفروع: ونقل حرب في العصر نصف الظهر (^٢).\nوقيل: يقرأ من قصار المفصل، وهو مذهب المالكية (^٣).\n_________\n(^١). الهداية شرح البداية (١/ ٥٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٥)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤١)، البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، تحبير المختصر لبهرام (١/ ٢٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٥٢)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤١)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٨)، المجموع (٣/ ٣٨٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، الإنصاف (٢/ ٥٥)، المبدع في شرح المقنع (١/ ٣٩١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩١)، كشاف القناع (١/ ٣٤٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٣٥)، حاشية الخلوتي (١/ ٢٩٦)، شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ١٩٦).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٧٩).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٧)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٤).","vol":"3","page":195},{"text":"* دليل من قال: يقرأ في العصر من أوسط المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٤٥) ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن سماك،\nعن جابر بن سمرة قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك (^١).\nورواه مسلم من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وفي الصبح بأطول من ذلك (^٢).\nورواه أحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق حماد بن سلمة، عن سماك به، أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِق﴾ ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوج﴾ ونحوها من السور.\n[اضطرب فيه سماك في تعيين السور] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٧٠ - ٤٥٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١٧١ - ٤٦٠).\n(^٣). رواه زهير وزائدة، وإسرائيل في رواية، وجعفر بن الحارث بسند ضعيف،، رووه بذكر سورة (ق).\nورواه الثوري وإسرائيل بذكر سورة (الواقعة).\nورواه أبو عوانة ويزيد بن عطاء اليشكري بذكر سورتي (ق ويس).\nورواه شعبة بذكر قراءة الظهر، وقال: والصبح أطول من ذلك، ولم يحدد سورة.\nورواه حماد بن سلمة، فلم يذكر قراءة الصبح.\nورواه شعبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه مسلم (١٧٠ - ٤٥٩) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن سماك به، بلفظ: (كان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر بـ ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وفي العصر نحو ذلك. وفي الصبح أطول من ذلك). ولم يذكر السورة التي يقرأ فيها بالصبح، وزاد قراءة الظهر بـ ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾.\nومن طريق ابن مهدي أخرجه أحمد (٥/ ١٠١، ١٠٨)، والنسائي في المجتبى (٩٨٠)، وفي الكبرى (١٠٥٤)، والمستغفري في فضائل القرآن (٩٩٦). وأخرجه أبو داود (٨٠٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢١٨) ح ١٨٩٤، من طريق معاذ بن معاذ، عن شعبة به.\nورواه الطيالسي، عن شعبة، واضطرب فيه في تعيين السورة، على أربعة ألفاظ، راجع تخريج هذه الطرق بألفاظها فيما سبق من هذا المجلد (ح:).","vol":"3","page":196},{"text":"الدليل الثاني:\n(ث-٢٠٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٤٦) ما رواه مسلم، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، جميعًا عن هشيم، عن منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق،\nعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك» ولم يذكر أبو بكر في روايته: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ وقال: قدر ثلاثين آية (^٣).\nوجه الاستدلال:\nولا فرق بين روايتي التقدير بـ ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة أو التقدير بثلاثين\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ث-٣٧٥)، وانظر: (ح ١٥٥٠).\n(^٣). صحيح مسلم (١٥٦ - ٤٥٢).","vol":"3","page":197},{"text":"آية، فإن السجدة ثلاثون آية، والحديث يدل على أنهم قدروا قيامه - ﷺ - في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية، والظاهر أن الصحابي أراد بالتقدير فيما سوى الفاتحة؛ لكونها معلومة، فلم تدخل بالتقدير، فإذا قدرت القراءة في صلاة العصر بخمس عشرة آية في كل ركعة من الأوليين فذلك يعني أن القراءة من أوساط المفصل، والله أعلم.\n* دليل من قال: القراءة في العصر من قصار المفصل:\nالدليل الأول:\nيمكن أن يستدل لقول المالكية بحديث أبي سعيد الخدري المتقدم.\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث نص على أن القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر بمقدار خمس عشرة آية في كل ركعة، وأنهم قدروا قيامه - ﷺ - في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر: أي بمقدار خمس عشرة آية.\nوقوله: (حزرنا قيامه في الأخريين) فقيام مفرد نكرة مضافة إلى النبي - ﷺ -، فالمراد جميع قيامه في الركعة بما في ذلك قراءة الفاتحة، كما تفيده دلالة النكرة إذا أضيفت إلى معرفة، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ﴾ فـ (نعمة) وإن كانت بلفظ المفرد إلا أنها اكتسبت العموم بإضافتها إلى لفظ الجلالة، ولهذا قال: لا تحصوها، فإذا كان جميع قيامه خمس عشرة آية، وكان نصفها متعينًا للفاتحة، فالباقي هو مقدار القراءة، فتكون القراءة بمقدار سبع آيات إلى ثمان، وهذا دليل على أن القراءة في العصر من قصار المفصل، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٠٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ","vol":"3","page":198},{"text":"في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث نص على تخفيف العصر، ونص على أن العشاء من أوساط المفصل، فإذا لم تبلغ العصر أوساط المفصل فهي من قصاره، إلا أن قصار المفصل يتفاوت في الطول، فسورة الكوثر ليست بمقدار سورة البينة، والزلزلة، فيختار الأطول من قصار المفصل كالضحى والبينة للعصر، ويختار الأقصر للمغرب مثل الكافرون والإخلاص، وقريش ونحوها، والجميع يصدق عليه أنه من قصار المفصل، كما قيل في قراءة الظهر والصبح، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ث-٤٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش،\nعن إبراهيم قال: كانوا يعدلون الظهر بالعشاء، والعصر بالمغرب (^٣).\nوجه الاستدلال:\nالظاهر أن قول الإمام إبراهيم النخعي (كانوا يعدلون) يريد بذلك الصحابة، لأن التابعي لا يحتج بفعل تابعي مثله، إلا أن إبراهيم لم يثبت سماعه من صحابي وإن أدرك جماعة منهم، فهو مرسل، إلا أن المالكية يحتجون بالمرسل، فلا يعترض عليهم بالاحتجاج به، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، خلافًا للشافعي.\nوقد يحمل مرسل إبراهيم النخعي على الاتصال؛ قال يحيى بن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. اهـ\nوقال إبراهيم: إذا قلت: قال عبد الله فقد سمعته من غير واحد من الصحابة، وإذا قلت: حدثني فلان: فحدثني فلان، فيكون مرسله أقوى من مسنده، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن تقدير قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة أمر واسع، ولا بأس أن يقرأ\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٧٥)، وانظر: (ح ١٥٥٠).\n(^٣). المصنف (٣٥٨٥).","vol":"3","page":199},{"text":"الإمام من أوساط المفصل في العصر، وإذا قرأ أحيانًا من قصاره فلا بأس، والمهم أن يحرص أن تكون قراءته في العصر بين قراءته في الظهر وقراءته في المغرب، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المبحث السابع في مقدار القراءة في صلاة المغرب</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال ابن حجر: «لم أَرَ حديثًا مرفوعًا -يعني صحيحًا- فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل ...». اهـ والنفي موجه إلى تفضيل قصار المفصل مرفوعًا، لا نفي استحبابه موقوفًا، ولا نفي استحباب تخفيف القراءة فيها.\n* كان الصحابة ينتضلون بعد صلاة المغرب، وكانوا يبصرون مواقع نبلهم؛ لبقاء الضوء، وهو يدل دلالة التزام على تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وعلى مداومة التخفيف.\n* ذكر الترمذي في السنن: أن العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل، قال ابن رجب: وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه.\n* صح عن أبي بكر وعمر القراءة في المغرب بقصار المفصل، وقد نقل ابن رجب عن طائفة من السلف أنهم قالوا: إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كان عليه أبو بكر وعمر.\n* استحباب تخفيف القراءة في المغرب لا ينفي جواز القراءة أو استحبابها فيها من الطوال أحيانًا إذا علم أن ذلك لا يشق على الجماعة.\n[م-٥٩٣] ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب القراءة في المغرب بقصار المفصل (^١).\n_________\n(^١). الهداية في شرح البداية (١/ ٥٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٥)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٨)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٤)، البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٧)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٧)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤١)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٧)، المجموع (٣/ ٣٨٢، ٣٨٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٩)، المغني (١/ ٤٠٩)، الفروع (٢/ ١٧٩)، الإنصاف (٢/ ٥٥).","vol":"3","page":201},{"text":"والقول بجوازه بطوال المفصل ينبغي أن يقيد بشرطه كما قيدت القراءة في صلاة الصبح من طوال المفصل، فقد ذكرت أن الجمهور يشترطون أن يكون المصلي فذًّا، أو في جماعة محصورة وآَثَرَتْ التطويل.\n* دليل من قال: يقرأ في المغرب بقصار المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٤٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا أبو النجاشي صهيب مولى رافع بن خديج،\nقال: سمعت رافع بن خديج، يقول: كنا نصلي المغرب مع النبي - ﷺ -، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله (^١).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان الصحابة رضوان الله عليهم ينصرفون من الصلاة، ولو رمى أحدهم النبل عن قوسه لأبصر موقعه لبقاء الضوء، فهو يدل دلالة التزام على تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وإلا لما كان يمكنهم ذلك.\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٠٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٥٥٩)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٦٣٧).","vol":"3","page":202},{"text":"في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^١).\n[حسن] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٤٨) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (^٣).\n[انفرد به أحمد بن بديل، وهو معلول] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٧٥)، وانظر: (ح ١٥٥٠).\n(^٣). سنن ابن ماجه (٨٣٣).\n(^٤). أنكر أبو زرعة والدارقطني والخطيب في تاريخ بغداد هذا الحديث على أحمد بن بديل.\nقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٤٦٧): تفرد به حفص بن غياث عنه: أي عن: عبيد الله بن عمر».\nقلت: لم يرد الدارقطني إعلاله بحفص، فقد أعله في أكثر من موضع بأحمد بن بديل، وهو آفته. قال ابن عدي: لأحمد بن بديل أحاديث لا يتابع عليها عن قوم ثقات وهو ممن يكتب حديثه مع ضعفه. الكامل (١/ ٣٠٥).\nوقال الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٧): «رواه أحمد بن بديل، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ... ولم يتابع على ذلك».\nوقال أيضًا في العلل (١٣/ ١١٦): «حدث به أحمد بن بديل، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقال فيه: إن النبي - ﷺ - كان يقرأ في المغرب ... وليس هذا من الحديث بسبيل».\nوقال النضر قاضي همذان: «ذكرت هذا الحديث لأبي زرعة الرازي، فقال: من حدثك به؟ قلت: ابن بديل، قال: شرٌّ له».\nوقال الخطيب في تاريخ بغداد ت بشار (٥/ ٨٠): «مما أنكر عليه حديث أخبرناه أبو بكر البرقاني ...». ثم ساق الحديث بإسناده إلى أحمد بن بديل به.\nوأحمد بن بديل قد قال فيه ابن عدي ما علمت.\nوقال الدارقطني كما في تاريخ بغداد، ت بشار (٥/ ٨٠): فيه لين.\nوقال النسائي: لا بأس به.\nوقال ابن أبي حاتم: محله الصدق.\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث.\nوالحديث رواه ابن ماجه (٨٣٣)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٧) ح ١٣٣٩٥، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ١٥٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٣٢٠)، والمستغفري في فضائل القرآن (١٠٩١)، والخطيب في تاريخ بغداد، ت بشار (٥/ ٨٠)، والمزي في تهذيب الكمال (١/ ٢٧٢) عن أحمد بن بديل، حدثنا حفص بن غياث به.","vol":"3","page":203},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: «ولم أَرَ حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه، عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة.\nفأما حديث ابن عمر: فظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته.\nوأما حديث جابر بن سمرة: ففيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب» (^١).\nونفي ثبوته مرفوعًا، لا يعني نفي ثبوته موقوفًا على الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ﵄، ولا نفي ثبوت استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب كما دل عليه حديث رافع بن خديج، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٥٤٩) ما رواه ابن حبان من طريق أبي قلابة عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثني أبي، حدثني سعيد بن سماك بن حرب، حدثني أبي سماكُ بنُ حربٍ، قال:\nولا أعلم إلا جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله - ﷺ -: يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة: الجمعة، والمنافقون (^٢).\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٤٨).\n(^٢). صحيح ابن حبان (١٨٤١).","vol":"3","page":204},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٥٥٠) روى الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثني بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة، ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل (^٢).\n[أخطأ فيه زيد بن الحباب، ورفعه غير محفوظ] (^٣).\nالدليل السادس:\n(ث-٦٠٤) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن\n_________\n(^١). ومن طريق أبي قلابة أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٤٨، ٢٥٨).\nوفي إسناده سعيد بن سماك بن حرب لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل (٤/ ٣٢): متروك.\n(^٢). شرح معاني الآثار (١/ ٢١٤).\n(^٣). الحديث مداره على الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، ورواه عن الضحاك كل من: ...\nمحمد بن إسماعيل بن فديك (صدوق)، وعبد الله بن الحارث (ثقة)، والمغيرة بن عبد الرحمن ابن الحارث (صدوق)، وعثمان بن مكتل (ثقة)، وأبو بكر الحنفي (ثقة)، خمستهم رووه عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ -، أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.\nوخالفهم زيد بن الحباب، فرواه عن الضحاك بن عثمان به، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بقصار المفصل. فرفعه، ورفعه وهم.\nفالمرفوع منه التشبيه، وشبه الشيء لا يستلزم المساواة من كل وجه، فقد يكون الشبه الذي لحظه أبو هريرة إنما هو في مقدار قيامه في الصلاة، وأما تعيين السور فمقطوع.\nقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٥٩): «هذا حديث صحيح من حديث أبي هريرة، والمرفوع منه تشبيه أبي هريرة صلاة الأمير المذكور بصلاة رسول الله - ﷺ -، وما عدا ذلك موقوف إن كان الأمير المذكور صحابيًّا، أو مقطوع إن لم يكن».\nوقد سبق تخريج هذا الأثر، انظر: (ث-٣٧٥)، وانظر: (ح ١٥٥٠).","vol":"3","page":205},{"text":"الحسن وغيره، قال:\nكتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل (^١).\n[ضعيف، وقد اختلف فيه على ابن جدعان] (^٢).\nوالمعروف من كتاب عمر لأبي موسى أنه في المواقيت، لا في مقدار القراءة إلا في الصبح.\n(ث-٧٠٤) فقد رواه مالك، عن عمه أبي سهيل، عن أبيه،\nأن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن يدخلها صفرة، والمغرب إذا غربت الشمس، وأخر العشاء ما لم تنم، وصَلِّ الصبح، والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل السابع:\nذكر الترمذي في السنن: أن العمل عند أهل العلم على القراءة في المغرب بقصار المفصل (^٥)، قال ابن رجب: وهذا يشعر بحكاية الإجماع عليه (^٦).\nالدليل الثامن:\n(ث-٤٠٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، عن قيس بن الحارث،\nعن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٦٧٢).\n(^٢). سبق تخريجه، أنظر (ث-٣٨١، ٤٠٧).\n(^٣). الموطأ (١/ ٧).\n(^٤). ومن طريق مالك رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٣٦)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٣٧٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٥٤٤)، وفي المعرفة (٢/ ٢٩١، ٢٩٦).\n(^٥). سنن الترمذي (٢/ ١١٢).\n(^٦). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨).","vol":"3","page":206},{"text":"فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورة: سورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه. فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ [آل عمران: ٨] (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل التاسع:\n(ث-٤٠٩) ومنها ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن أبي إسحاق،\nعن عمرو بن ميمون، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب صلاة المغرب، فقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون (١) وَطُورِ سِينِين﴾ وفي الركعة الأخيرة: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ و﴿لإِيلَافِ قُرَيْش﴾ (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nونقل ابن رجب عن طائفة من السلف أنهم قالوا: إذا اختلفت الأحاديث فانظروا ما كان عليه أبو بكر وعمر.\nقال ابن رجب: يعني: «أن ما عملا به فهو الذي استقر عليه أمر النبي - ﷺ -، وقد\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ٧٩).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٦٦).\n(^٣). مصنف عبد الرزاق (٢٦٩٧).\n(^٤). رواه عبد الرزاق عن الثوري كما في إسناد الباب.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٩٣) حدثنا أبو الأحوص، كلاهما (الثوري، وأبو الأحوص) عن أبي إسحاق به.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٨) من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: حججت مع عمر بن الخطاب ﵁، فقرأ في الركعة الآخرة من المغرب ألم تَرَ ولإيلافِ.\nفزاد زهير أن هذا الفعل كان في السفر، ولم يذكر القراءة في الركعة الأولى، وزهير ثقة إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخرة، فرواية الثوري وأبي الأحوص هي المحفوظة، والله أعلم.","vol":"3","page":207},{"text":"تقدم عنهما القراءة في المغرب بقصار المفصل» (^١).\n(ث-٤١٠) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب،\nعن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح﴾ (^٢).\n[صحيح].\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر فتح الباري شرح البخاري (٧/ ٣٢).\n(^٢). المصنف (٣٥٩٧).","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الثامن قدر القراءة من بالمغرب من السور الطوال</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* ما فعله النبي - ﷺ - في صلاته أكثر من مرة لا يسوغ القول بكراهته.\n* اختار الحنابلة جواز القراءة من طوال المفصل في المغرب؛ لفعل النبي - ﷺ -، واستحباب تخفيف القراءة فيها؛ لكونه الأكثر من فعله - ﷺ -.\n* لو أراد مطلق الجواز لتحقق ذلك بفعله مرة واحدة، أما أن يتكرر فعله من النبي - ﷺ - بأحاديث مختلفة، وسور متنوعة، حتى قرأ بالمرسلات في مرضه، مع قيام داعي التخفيف، فلا يكفي القول بجوازه.\n* القراءة من طوال المفصل في المغرب من آخر ما حفظ عن النبي - ﷺ - قبل موته.\n* أنكر زيد بن ثابت على مروان قراءته في المغرب بقصار السور، وهذا يدل على أن القراءة بالطوال مستحب أحيانًا.\n* القراءة في المغرب من طوال المفصل دليل على ما قاله ابن عبد البر: وأنه لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين.\nقال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه - ﷺ - مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع».\n[م-٥٩٤] السنة في المغرب عند الأئمة الأربعة القراءة من قصار المفصل كما أبان عن ذلك المبحث السابق، فإن خالف الإمام وقرأ فيه من طوال المفصل:\nفقيل: يكره، وهو مذهب الحنفية، واختاره بعض أصحاب مالك، وحكاه الشافعي عن مالك، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١). قال أبو العباس القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٧٢): وما ورد في كتاب =","vol":"3","page":209},{"text":"قال الشافعي كما في سنن الترمذي: وذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال، نحو الطور والمرسلات (^١).\nوقال الحنابلة: لا يكره (^٢).\nونفي الكراهة يدل على الجواز.\nواختار القول بالجواز بعض أصحاب مالك حيث قالوا: إن ما ورد من قراءة السور الطوال في المغرب جاء لبيان الجواز، وهو أحد التأويلات في المذهب (^٣).\nونص الشافعية على جواز القراءة من طوال المفصل بالمغرب، ونقل عن الشافعي أنه يستحبه، وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي.\nقال ابن حجر: والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهية في ذلك ولا استحباب (^٤).\n_________\n= مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة، كقراءته في الفجر بالمعوذتين، كما رواه النسائي، وكقراءة الأعراف والمرسلات في المغرب فمتروك. أما التطويل: فبإنكاره على معاذ وبأمره الأئمة بالتخفيف، ولعل ذلك منه - ﷺ - حيث لم يكن خلفه من يشق عليه القيام وعلم ذلك، أو كان منه ذلك متقدمًا حتى خفف وأمر الأئمة بالتخفيف، كما قال جابر بن سمرة: وكان صلاته بعدُ تخفيفًا، ويحتمل أن يكون فعل ذلك في أوقات ليُبَيِّن جواز ذلك، أو يكون ذلك بحسب اختلاف الأوقات من السعة والضيق. وقد استقر عمل أهل المدينة على إطالة القراءة في الصبح قدرًا لا يضر من خلفه بقراءتها بطوال المفصَّل، ويليها في ذلك الظهر والجمعة، وتخفيف القراءة في المغرب، وتوسيطها في العصر والعشاء».\nوانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٨١)، تفسير القرطبي (١٠/ ٣٠٦)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٣).\nوقول أبي العباس القرطبي: (وكانت صلاته بعد تخفيفًا) المراد: صلاته بعد الصبح: من الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، أي أن القراءة فيهن أخف من الصبح، لا أن جميع صلاته كانت بعد تلك الصلاة تخفيفًا، فيفهم منه نسخ القراءة في الصبح من طوال المفصل. والله أعلم. (^١). سنن الترمذي (٢/ ١١٢).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٧٩)، المجموع (٣/ ٣٨٣).\n(^٣). مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، أسهل المدارك (١/ ٢١٨)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٤).\n(^٤). فتح الباري (٢/ ٢٤٨).","vol":"3","page":210},{"text":"ويمكن أن يكون الاستحباب مذهبًا لزيد بن ثابت ﵁ حيث أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، وإذا كان النبي - ﷺ - قرأ بمرضه بالمرسلات فهو يدل على أنه في الصحة يقرأ بأطول من ذلك.\nفصار الخلاف بين الأئمة الأربعة على ثلاثة أقوال:\nالكراهة، والجواز، والاستحباب أحيانًا.\n* دليل من قال: يكره القراءة في المغرب من طوال المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٥١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.\nورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (^١).\nوجه الاستدلال:\nفأمر النبي - ﷺ - بتخفيف الصلاة، والجمهور على أنه للاستحباب، وقد قيل: إنه على الوجوب، وسبق نقل الخلاف فيه.\nالدليل الثاني:\nكل الأدلة التي سقناها في المسألة السابقة على أن السنة في قراءة المغرب أن تكون من قصار المفصل يستدل بها هؤلاء على كراهة إطالة القراءة في صلاة المغرب، من ذلك: حديث رافع المتفق عليه أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب، وكانوا يبصرون مواقع نبلهم مما يدل على مداومة تخفيف القراءة فيها، وإذا كانت هذه هي السنة، فإن مخالفة السنة يوقع في المكروه.\n* ويناقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن هذه الأدلة لا تمنع كون النبي - ﷺ - يطيل القراءة في صلاة المغرب أحيانًا،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٠٣)، وصحيح مسلم (١٨٥ - ٤٦٧).","vol":"3","page":211},{"text":"كحديث زيد بن ثابت في قراءة النبي - ﷺ - سورة الأعراف، وحديث ابن عباس في قراءته سورة المرسلات، وحديث جبير بن مطعم في قراءته سورة الطور، فهذه الأحاديث صحيحة ومن أعلى شروط الصحة حيث وردت في المتفق عليه إلا حديث جبير بن مطعم ففي البخاري، وسوف يأتي تخريجها في أدلة القول الثاني.\nالوجه الثاني:\nأنه لا يوجد حديث صحيح ينص على استحباب القراءة في صلاة المغرب من قصار المفصل، وإن كان هذا هو قول الأئمة الأربعة عليهم رضوان الله.\nذكر الحافظ ابن حجر: بأنه لم يَرَ حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة بشيء من قصار المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه، عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، وظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول. قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة، وفيه سعيد بن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب (^١).\nالوجه الثالث:\nلو سلمنا أن السنة صريحة في استحباب قراءة قصار السور في المغرب، فإن ترك السنة لا يلزم منه الوقوع في المكروه.\nنعم يتوجه عند بعض الأصوليين القول بأن ترك السنن المؤكدة يوقع فيما يسمى خلاف الأولى، وهو درجة أخف من الكراهة، ليس بمنزلة ما نهى عنه الشارع بعينه لا على سبيل الإلزام، فإذا سلمنا أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السنن المؤكدة، فإنه يتوجه للقراءة نفسها، لا لمقدارها، فإذا قرأ آية فما فوقها فقد حصلت السنة، والزيادة في القراءة على مقدار السنة لا يمكن الحكم عليه بالكراهة، حتى لو لم ترد الزيادة، فكيف إذا حفظ في السنة القراءة من الطوال في المغرب، فكيف نكره ما فعله النبي - ﷺ - أكثر من مرة؟ بل شاء الله قدرًا أن تكون آخر صلاة صلاها في المغرب سورة المرسلات، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\nأن الرسول - ﷺ - قد أنكر على معاذ قراءة سورة طويلة في العشاء، وقال له: أفتان\n_________\n(^١). انظر: فتح الباري (٢/ ٢٤٨).","vol":"3","page":212},{"text":"أنت؟ اقرأ بسورة والليل إذا يغشى ونحوها، فإذا كَرِهَ له النبي - ﷺ - أن يقرأ في العشاء مع سعة وقتها، فصلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى بذلك (^١).\n* ويناقش:\nيمكن حَمْلُ كراهة التطويل لمعاذ وأمره بالتخفيف مراعاة لحال بعض جماعته ممن شكا للنبي - ﷺ - من تطويل معاذ، وإذا رغب بعض الجماعة بالتخفيف لزم الإمام ذلك، وكما كان النبي - ﷺ - يخفف لسماع بكاء الصبي رفقًا بأمه.\nوحَمْلُ التطويل في حال كانت الجماعة محصورة، ورغبوا في الإطالة، أو ظن الإمام منهم ذلك، ولم يكن بينهم رجل معذور؛ إذ لو كانت الإطالة مكروهة مطلقًا لما وجدت الشيخين أبا بكر وعمر يطيلان القراءة بعد وفاة النبي - ﷺ -، حتى صليا بالبقرة وآل عمران ونحوها من السور الطوال في بعض الصلوات، وقد علما إنكار النبي - ﷺ - على معاذ تطويله القراءة.\nالدليل الرابع:\nأن هناك من كره إطالة القراءة في صلاة المغرب بناء على أن وقت المغرب ليس لها إلا وقت واحد إذا غربت الشمس، وهي إحدى الروايتين عن مالك، والتي حكاها العراقيون عن المذهب، والشافعي في الجديد اعتمادًا على حديث إمامة جبريل للنبي - ﷺ - في تعليم المواقيت حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غابت الشمس.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nالصحيح أن وقت المغرب وقت طويل، يمتد إلى مغيب الشفق، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة كحديث بريدة، وحديث أبي موسى، وحديث عبد الله ابن عمرو (^٢)، وكلها في صحيح مسلم، وهي أحاديث مدنية، وحديث إمامة جبريل بالنبي - ﷺ - كان بمكة، وهو متأخر، وممن قال: إن وقت المغرب وقت طويل الحنفية، والحنابلة، ومالك في إحدى الروايتين، وهو مذهب الموطأ، والقول\n_________\n(^١). انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٨١).\n(^٢). صحيح مسلم (٦١٢).","vol":"3","page":213},{"text":"القديم للشافعي، وصححه النووي (^١).\nوسبق بحث المسألة في مسألة مستقلة عند الكلام على مواقيت الصلاة في المجلد الثالث من كتاب أحكام الصلاة.\nالوجه الثاني:\nأن الشافعية كانوا ممن قالوا: إن وقت المغرب وقت واحد، وقد اختلفوا فيمن دخل فيها في أول وقتها: هل له أن يطيلها ويمدها إلى مغيب الشفق، أم لا؟ على وجهين، ورجح كثير منهم جواز ذلك في الاستدامة دون الابتداء.\nورخص مالك للمسافر وحده أن يمد الميل ونحوه قبل أن ينزل ويصلي (^٢)، والله أعلم.\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٢١)، المبسوط (١/ ١٤٤)، تحفة الفقهاء (١/ ١٠١)، جاء في مواهب الجليل (١/ ٣٩٣): «والرواية الأخرى أن وقتها ممتد، وهي مذهبه في الموطأ ... وقد وقع في المدونة ما يتضمن ذلك في الذي يخرج من قرية يريد قرية أخرى، وهو غير مسافر، وعلى غير وضوء، فتغيب الشمس، ولا ماء معه، قال: إن طمع بإدراك الماء قبل مغيب الشفق لم يتيمم، وأخر الصلاة، وإن لم يطمع به تيمم .....\nولفظ المدونة: والمغرب إذا غابت الشمس للمقيمين، وأما المسافرون فلا بأس أن يمدوا الميل ونحوه، ثم ينزلوا، ويصلوا، فأخذ بعض الشيوخ من هذا: أن وقتها ممتد، وأخذ أيضًا من مسألة المتيمم الذي ذكرناها، وأخذ أيضًا من تأخيرها للجمع ليلة المطر، ومن قوله في المدونة في الجمع بين المغرب والعشاء للمسافر: ويجمع بين العشاءين بمقدار ما تكون المغرب في آخر وقتها قبل مغيب الشفق، والعشاء في أول وقتها بعد مغيب الشفق، فهذه أربعة مواضع من المدونة أخذ منها أن وقتها ممتد ....».\n\nثم قال الحطاب: وقد قال مالك في الجنائز: لا يصلى على الجنائز إذا اصفرت الشمس، فإذا غربت فإن شاء بدأ بالجنازة، أو بالمغرب، وقال في كتاب الحج: إذا طاف بعد العصر لا يركع حتى تغرب الشمس، فإذا غربت فهو مخير إن شاء بدأ بالمغرب أو بركعتي الطواف. وهذه المسائل تدل على أن وقتها ممتد. وانظر: عقد الجواهر لابن شاس (١/ ٨٠)، التلقين (١/ ٣٩٥)، البيان والتحصيل (١٧/ ٣٧٥)، الذخيرة (٢/ ١٥).\nوانظر القول القديم للشافعي في: روضة الطالبين (١/ ٢١)، المجموع (٣/ ٣١)، النجم الوهاج (٢/ ١٢)، فتح العزيز (٣/ ٢٣)، نهاية المطلب (٢/ ١٤)، الإنصاف (١/ ٤٣٤)، كشاف القناع (١/ ٢٥٣).\n(^٢). المدونة (١/ ١٥٦)، الذخيرة (٢/ ١٥)، مواهب الجليل (١/ ٣٩٥).","vol":"3","page":214},{"text":"* دليل من قال: يجوز القراءة بالمغرب من السور الطوال:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٥٢) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال:\nقال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصارٍ، وقد سمعت النبي - ﷺ - يقرأ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ (^١).\nولم يخرجه مسلم؛ لأن مروان بن الحكم ليس على شرطه (^٢).\nورواه النسائي من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج به، وفيه:\nما لي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور؟ قد رأيتُ رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ، قلت: يا أبا عبد الله (يعني عروة) ما طُولَى الطوليين؟ قال: الأعراف (^٣).\nورواه عبد الرزاق، عن ابن جريج به، بلفظ:\nما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟ وقد كان النبي - ﷺ - يقرأ في صلاة المغرب بطُولَى الطُّولَيَيْنِ. قال: قلت: وما طولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قال: الأعراف.\nقال: قلت لابن أبي مليكة: وما الطُّولَيَانِ؟ قال: فكأنه قال: من قبل رأيه: الأنعام، والأعراف (^٤).\nوقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر، ومحمد بن بكر.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٦٤).\n(^٢). أخرج البخاري لمروان بن الحكم من رواية عروة بن الزبير، وسهل بن سعد، وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرًا عندهم على المدينة قبل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا. انظر: هدي الساري، مقدمة فتح الباري (ص: ٤٤٣).\n(^٣). رواه النسائي في المجتبى (٩٩٠)، وفي الكبرى (١٠٦٤).\n(^٤). المصنف (٢٦٩١)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٥/ ١٨٩)، وأبو داود (٨١٢)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٢٢) ح ٤٨١١، وابن خزيمة (٥١٦)، والسراج في مسنده (١٦١)، وفي حديثه (١٣٩)، والمستغفري في فضائل القرآن (٧٩١).","vol":"3","page":215},{"text":"وابن خزيمة عن روح بن عبادة،\nوابن المنذر في الأوسط، وأبو العباس السراج في حديثه، وفي مسنده من طريق حجاج بن محمد، أربعتهم عن ابن جريج به (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٥٣) ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم،\nعن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: قرأ في المغرب بالطور (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٥٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة،\nعن ابن عباس ﵄، أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بني، والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب (^٣).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٥٥٥) ما رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الحسين بن حريث، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر، أن النبي - ﷺ -: قرأ بهم في المغرب بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّه﴾ [محمد: ١] (^٤).\n[المحفوظ أنه موقوف، وفي صلاة العشاء] (^٥).\n_________\n(^١). رواه أحمد (٥/ ١٨٨، ١٨٩)، وصحيح ابن خزيمة (٥١٦)، الأوسط لابن المنذر (٢/ ٣٣٧)، وحديث السراج (١٤١)، ومسنده (١٦١).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٦٥)، وصحيح مسلم (١٧٤ - ٤٦٣).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٦٣)، وصحيح مسلم (١٧٣ - ٤٦٢).\n(^٤). صحيح ابن حبان (١٨٣٥).\n(^٥). ومن طريق الحسين بن حريث أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٢) ح ١٣٣٨٠، وفي الأوسط (١٧٤٢)، وفي الصغير (١١٧).\nوقال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديث عن عبيد الله إلا أبو معاوية، تفرد به الحسين». =","vol":"3","page":216},{"text":"فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي - ﷺ - كان يقرأ أحيانًا بالسور الطوال، وهذه الكثرة لا تدل فقط على مطلق الجواز، بل تدل على الاستحباب أحيانًا بشرطه، وشرطه: أن تكون الجماعة محصورة، ويعلم رغبتهم في الإطالة، ولا يكون فيهم ضعيف أو ذو حاجة، وإلا فالأصل التخفيف.\n* وأجيب عن هذه الأدلة بتأويلات منها:\nالتأويل الأول:\nأن ذلك كان قبل النهي عن التخفيف، وكأن هذا القول يذهب إلى القول بأن القراءة بالطوال منسوخ، وقد صرح أبو داود في سننه بالنسخ.\nوحجة أبي داود على النسخ أن حديث زيد بن ثابت مروي عن طريق عروة، وقد ورد عن عروة أنه يقرأ في المغرب بقصار المفصل (^١).\n_________\n= قلت: أخطأ فيه أبومعاوية الضرير، وهو ثقة في الأعمش، ويهم في حديث غيره.\nقال الدوري: سمعت يحيى بن معين، يقول: روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير. تاريخه (١٩٢٠).\nوقد رواه جماعة عن عبيد الله، فرووه موقوفًا، وجعلوا القراءة في صلاة العشاء،\nفرواه عبد الله بن نمير كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦١٤)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يقرأ في العشاء بـ الذين كفروا، والفتح.\nوتابعه أبو زهير الكوفي (عبد الرحمن بن مغراء) كما في فضائل القرآن للمستغفري (٩١٢)،\nوعبد الوهاب الثقفي، وأنس بن عياض، ومحمد بن عبيد كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١٣/ ٢٦)، كلهم رووه عن عبيد الله بن عمر به موقوفًا، وجعلوه في صلاة العشاء.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٦٨١) عن عبد الله بن عمر (المكبر: ضعيف).\nورواه أيضًا عبد الرزاق في المصنف (٢٦٨٢)، عن معمر، كلاهما (عبد الله وأيوب) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقرأ في الظهر: الذين كفروا وإنا فتحنا لك فتحًا مبينًا.\nوقال ابن أبي خيثمة: «سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلا عن الزهري وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا ...».\n(^١). قال أبو داود في سننه (٨١٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا هشام بن عروة، أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون: والعاديات ونحوها من السور.\nقال أبو داود: هذا يدل على أن ذاك منسوخ. اهـ\nوهذا إسناد صحيح مقطوع على عروة: أي موقوف عليه.","vol":"3","page":217},{"text":"* ونوقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن أبا داود لو احتج على النسخ بالأمر بالتخفيف لكان له وجه؛ لأن عمل التابعي أو غيره لا ينسخ ما رواه من سنة النبي - ﷺ - بمجرد ترك العمل به حتى ولو كان التطويل واجبًا، فكيف إذا كان التطويل ليس واجبًا، ولا مستحبًّا دائمًا؛ لأن الراوي قد يترك العمل بالحديث الصحيح لمعارض أرجح فيما يراه، ويبقى الآخر محكمًا لم ينسخ، أو من جهة الفقه باجتهاد منه أن غيره أفضل منه، ولا يقتضي ذلك النسخ، أو لعذر من قبل جماعة المصلين، أو من قبله هو، أو لغير ذلك من الأعذار، فلا يتعين النسخ في الترك.\nالوجه الثاني:\nأن المصير إلى النسخ لا يمكن حتى يتعذر الجمع، ولم يتعذر هنا، فإنه لا تعارض بينهما ألبتة، فاختلاف مقدار القراءة مرده إلى اختلاف الأحوال والأوقات والفراغ والشغل.\nويمكن الجمع بينهما بأن القراءة من طوال المفصل في المغرب تجوز من غير كراهة؛ لفعل النبي - ﷺ -، والقراءة من قصار المفصل مستحبة؛ لكونها الأكثر من فعله - ﷺ -، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره ابن دقيق العيد.\nقال ابن دقيق العيد: «والصحيح عندنا أن ما صح في ذلك عن النبي - ﷺ - مما لم تكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة، كحديث جبير بن مطعم ﵁ في قراءة الطور في المغرب، وكحديث قراءة الأعراف فيها، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرجحان في الاستحباب، إلا أن غيره مما قرأه النبي - ﷺ - غير مكروه» (^١).\nالوجه الثالث:\nلا يمكن القول بالنسخ، والقراءة من طوال المفصل من آخر ما حفظ عن النبي - ﷺ -.\n(ح-١٥٥٦) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله،\n_________\n(^١). إحكام الأحكام (٢/ ١٨).","vol":"3","page":218},{"text":"عن عبد الله بن عباس ﵄، عن أم الفضل بنت الحارث، قالت: سمعت النبي - ﷺ -: يقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله (^١).\nقال ابن حجر: «كيف تصح دعوى النسخ، وأم الفضل ﵂ تقول: إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات» (^٢).\nالتأويل الثاني:\nذهب الطحاوي إلى أنه يحتمل أن الرسول - ﷺ - قرأ بعض الأعراف، لا كلها، بدليل أنهم كانوا ينصرفون من المغرب وإن أحدهم ليبصر مواقع نبله.\nقال الطحاوي: «فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله - ﷺ - مع صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك، وقد قرأ فيها الأعراف، ولا نصفها».\nوكذلك أجاب عن حديث جبير بن مطعم في قراءة سورة الطور، بأنه قرأ بعضها (^٣).\n* ونوقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن قول الصحابي قرأ بالأعراف الظاهر أنه قرأ بالسورة كلها، ولا يحمل الدليل على خلاف الظاهر إلا بدليل، ولا دليل.\nالوجه الثاني:\nلو أنه قرأ قدرًا يسيرًا من الأعراف والطور والمرسلات لما أنكر زيد بن ثابت على مروان قراءته في المغرب بقصار السور.\nالتأويل الثالث:\nأنه فعل ذلك لبيان الجواز، وحتى لا يعتقد أن القراءة من الطوال مكروهًا.\n* ويناقش:\nإن كان المقصود من الجواز الإباحة، فهو قول ضعيف، فالجواز يتحقق بفعله مرة واحدة، أما أن ينقل الصحابة عن الرسول - ﷺ - القراءة بالطوال بأحاديث مختلفة،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٤٢٩).\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٤٩).\n(^٣). انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٥).","vol":"3","page":219},{"text":"وسور متنوعة، حتى قرأ بالمرسلات في مرضه وداعي التخفيف قائم، فكيف كان يقرأ في صحته وقوته، ثم نجد من الصحابة من فعل ذلك من بعده، فلا يكفي القول بالجواز، ولو كان فعل النبي - ﷺ - لبيان الجواز لما أنكر زيد بن ثابت على مروان اقتصاره على قصار السور، فالإنكار لا يكون إلا لترك ما هو مشروع، والله أعلم.\nالتأويل الرابع:\nأن التطويل حيث علم النبي - ﷺ - بأن من خلفه لم يكن يشق عليهم التطويل، ويرغبون فيه (^١).\nوهذا يرجع إلى القول بأن الإطالة والتخفيف ترجع إلى اختلاف الأحوال وقد سبق، ويشهد لهذا التأويل أن العشاء وهي أطول وقتًا من المغرب، أرشد النبي - ﷺ - معاذًا إلى تخفيف القراءة فيها مراعاة لحال الجماعة، فالمغرب أولى.\nوهذا الحمل هو أقواها، وقد كشفت عن أدلته في القراءة في صلاة الصبح من طوال المفصل، فارجع إليه غير مأمور، والله أعلم.\nالدليل الخامس: من الآثار:\n(ث-٤١١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قرأ مرةً في المغرب بـ ﴿يس (١)﴾ (^٢).\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (^٣).\n_________\n(^١). المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٧٢، ٧٣).\n(^٢). المصنف (٣٥٩٩).\n(^٣). هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات.\nورواه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه:\nفرواه ابن علية (ثقة) كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٠٠)، عن ليث عن نافع، عن ابن عمر، أنه قرأ في المغرب بـ ﴿يس﴾ و﴿عم يتساءلون﴾.\nوقد وافق عبيد الله بن عمر على وقفه، إلا أنه زاد عليه قوله: (عم يتساءلون) وهي زيادة منكرة، انفرد بها ليث، وهو ضعيف.\nورواه عبد الله بن قبيصة كما في ضعفاء العقيلي (٢/ ٢٩٠)، والكامل لابن عدي (٥/ ٣١٩)، فرواه عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بياسين. وعبد الله بن قبيصة، قال فيه ابن عدي: حدث بأحاديث لم يتابع عليها.\nوقال أيضًا: ولعبد الله بن قبيصة أحاديث سوى ما ذكرت وفي بعض حديثه نكرة، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا فذكرته لأبين أن رواياته فيها نظر.","vol":"3","page":220},{"text":"وكونه موقوفًا، فلا يسقط الاحتجاج به كما بينت في مسألة سابقة، وأن آثار الصحابة رضوان الله عليهم صالحة للاحتجاج ما لم تخالف نصًّا، أو يخالفه صحابي مثله، وابن عمر قد جمع الفقه والحرص على الاقتداء، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن الأصل في المغرب التخفيف، وتستحب الإطالة فيها للفذ أحيانًا، أو لجماعة محصورة، ورغبت في الإطالة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>المبحث التاسع قدر القراءة في صلاة العشاء</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* قال ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا».\n* الأصل في قراءة العشاء أن تكون من أواسط السور.\n* أرشد النبي - ﷺ - معاذ بن جبل بأن يقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها.\n* لو قرأ الإمام في صلاة العشاء أحيانًا بالطوال فلا بأس إذا علم أن الجماعة لا يشق عليهم ذلك، ويرغبون في الإطالة.\n* قول النبي - ﷺ -: (اقتد بأضعفهم) دليل على أن مراعاة أحوال الجماعة أولى من مراعاة سنة القراءة.\n[م-٥٩٥] اتفق الأئمة الأربعة على استحباب القراءة في العشاء من أواسط المفصل (^١).\n_________\n(^١). كنز الدقائق (ص: ١٦٦)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٥)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٩)، البحر الرائق (١/ ٣٦٠)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٥)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، النوادر والزيادات (١/ ١٧٥)، البيان والتحصيل (١/ ٢٩٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧١)، لوامع الدرر (٢/ ١٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، الحاوي الكبير (٢/ ٢٣٧)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤١)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٧)، المجموع (٣/ ٣٨٢، ٣٨٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٥)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٩)، المغني (١/ ٤٠٩)، الفروع (٢/ ١٧٩)، الإنصاف (٢/ ٥٥).","vol":"3","page":222},{"text":"ولو قرأ أحيانًا بها من الطوال فلا بأس، فقد قرأ عمر بسورة يوسف.\nوقرأ ابن عمر فيها بسورة الفتح، وسورة محمد - ﷺ -.\nوقرأ ابن مسعود في الركعة الأولى أربعين آية من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل.\nوروي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قرأ في الركعة الأولى بالنجم.\nوسوف يأتي تخريجها في الأدلة، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كان ذلك لا يشق على الجماعة، وعلم رغبتهم في الإطالة، وإلا فالأصل التخفيف، والتقيد بما أرشد إليه النبي - ﷺ - معاذ بن جبل اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، ونحوها، وهذا الأمر مطلق يشمل جميع الصلوات، وتدخل العشاء دخولًا أوليًّا، والله أعلم.\n* الأدلة على أن القراءة بالعشاء من أوساط المفصل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٥٧) ما رواه البخاري من طريق سليم (هو ابن حيان الهذلي)، حدثنا عمرو بن دينار:\nحدثنا جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل ﵁، كان يصلي مع النبي - ﷺ -، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنَّا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذًا صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي - ﷺ -: يا معاذ، أفتان أنت؟ -ثلاثًا- اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ونحوها (^١).\nورواه البخاري من طريق غندر، عن شعبة، عن عمرو به، بلفظ: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي - ﷺ -، ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء، فقرأ بالبقرة،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦١٠٦).","vol":"3","page":223},{"text":"فانصرف الرجل، فكأنَّ معاذًا تناول منه، فبلغ النبي - ﷺ -، فقال: فتانٌ، فتانٌ، فتانٌ ثلاث مرار -أو قال: فاتنًا، فاتنًا، فاتنًا- وأمره بسورتين من أوسط المفصل، قال عمرو: لا أحفظهما (^١).\nورواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، وفيه: ... قال له النبي - ﷺ -: أتريد أن تكون فتانًا يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ث-٤١٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار،\nعن أبي هريرة أنه قال: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان -قال سليمان- كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل (^٣).\n[حسن] (^٤).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٥٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة،\nعن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في صلاة العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها من السور.\n[لم يَرْوِهِ عن بريدة إلا ابنه عبد الله، تفرد به عنه حسين بن واقد] (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٠١).\n(^٢). صحيح مسلم (١٧٩ - ٤٦٥).\n(^٣). المسند (٢/ ٣٠٠).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر: (ث-٣٧٥)، وانظر: ح (١٥٥٠).\n(^٥). الحسين بن واقد حسن الحديث إلا ما تفرد به عن عبد الله بن بريدة، فقد تكلم في ذلك الإمام أحمد.=","vol":"3","page":224},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٥٥٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق بكر (هو ابن عبد الله المزني)، عن أبي رافع، قال:\nصليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت﴾، فسجد، فقلت: ما هذه قال: سجدت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (^١).\nولا دلالة في هذا الحديث على قراءة الانشقاق بصلاة العشاء مرفوعًا إلى\n_________\n= قال أحمد: «ما أنكر حديث حسين بن واقد وأبي المنيب عن ابن بريدة».\nوقال عبد الله بن أحمد: «قال أبي: عبد الله بن بريدة الذي روى عنه حسين بن واقد: ما أنكرها، وأبو المنيب أيضًا، يقولون: كأنها من قبل هؤلاء».\n\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثني محمد بن علي الجوزجاني، قال: قلت لأبي عبد الله، يعني أحمد بن حنبل: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يروى عن بريدة عنه، وضعف حديثه.\nوقال الأثرم: ذكر أبو عبد الله حسين بن واقد، فقال: وأحاديث حسين ما أدري أي شيء هي، ونفض يده.\nوقال الأثرم عن أحمد: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله، ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول كانوا لِسليمان أحمدَ منهم لعبد الله.\nوقال في رواية أخرى عن وكيع: كان سليمان أصحهما حديثًا. اهـ\nعلمًا أن البخاري روى حديثًا لبريدة من رواية ابنه سليمان.\nوقال إبراهيم الحربي: عبد الله بن بريدة، وسليمان، لم يسمعا من أبيهما. انظر تهذيب التهذيب (٥/ ١٥٨).\nولعله يحمل على حديث بعينه، فالتصريح بسماع عبد الله من أبيه في السنن، وقد ولد سليمان وعبد الله توأمين لثلاث سنين خلون من خلافة عمر ﵁، وتوفي أبوهما في خلافة يزيد بن معاوية سنة: ٦٣ هـ وقد خرج البخاري في صحيحه (٤٣٥٠) رواية عبد الله عن أبيه، وهو ممن يشترط ثبوت السماع، وكذا خرج له مسلم (٢٣٥ - ٧٩٣).\nوالحديث أخرجه الترمذي (٣٠٩) من طريق زيد بن الحباب به.\nوأخرجه النسائي (٩٩٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١١٤) من طريق علي بن الحسين، كلاهما عن الحسين بن واقد به.\nقال الترمذي: حديث بريدة حديث حسن. إشارة إلى تضعيفه، فالحسن عند الترمذي: هو الضعيف إذا روي من أكثر من وجه، ولم يكن في إسناده متهم، كما سبق الكلام على ذلك.\n\n(^١). صحيح البخاري (١٠٧٨)، وصحيح مسلم (١١٠ - ٥٧٨).","vol":"3","page":225},{"text":"النبي - ﷺ -، إلا أن يكون الاستدلال به على فعل أبي هريرة، وإنما المرفوع منه أن أبا هريرة سجد بهذه السجدة خلف النبي - ﷺ -، فيحتمل أن يكون فعل ذلك في صلاة العشاء، ويحتمل أنه سجد بها في غيرها من الصلوات، ويحتمل أيضًا أنه سجد بها في غير صلاة، فتأمله، وقد ترجم له البخاري: باب الجهر في العشاء، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\n(ث-٤١٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن علي بن سويد بن منجوف قال:\nأخبرنا أبو رافع الصائغ قال: صلى بنا عمر صلاة العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين الأوليين ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت﴾ فسجد، وسجدنا معه (^١).\n[صحيح].\nويجوز القراءة في صلاة العشاء من طوال المفصل إذا لم يشق ذلك على جماعة المصلين، لآثار حفظت عن بعض الصحابة ﵃، من ذلك:\n(ث-٤١٤) ما رواه عبد الرزاق، قال: عن ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: أخبرني علقمة بن أبي وقاص قال:\nكان عمر بن الخطاب يقرأ في العشاء الآخرة سورة يوسف قال: وأنا في مؤخر الصف حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه، وأنا في مؤخر الصفوف (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n_________\n(^١). المصنف (٤٢٣٨، ٤٣٩٤).\n(^٢). مصنف عبد الرزاق (٢٧٠٣).\n(^٣). تابع عبد الرزاق أبو أسامة عند ابن أبي شيبة، حيث رواه في المصنف (٣٥٥٣٠) حدثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، قال: أخبرني علقمة بن وقاص، قال: كان عمر يقرأ في صلاة العشاء الآخرة بسورة يوسف وأنا في مؤخر الصفوف حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه.\nفهذه متابعة لعبد الرزاق متابعة تامة على إسناده ولفظه، وفيهما التصريح من ابن جريج بالتحديث.\nوهذه الطريق تدفع إيهام ما رواه ابن أبي شيبة مختصرًا في المصنف (٣٥٥٦)، عن أبي أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص، قال: سمعت عمر، ثم ذكر نحوه أي نحو رواية عبد الله بن شداد عن عمر في قراءة يوسف في صلاة الصبح، فظاهرها أنها موافقة في المتن لرواية عبد الله بن شداد، فتبين من إعادة ابن أبي شيبة لرواية أبي أسامة تامة أن قوله: (ثم ذكر نحوه) أي في السورة، لا في الصلاة، فإن رواية أبي أسامة وعبد الرزاق عن ابن أبي مليكة، عن علقمة، متفقة أنها في صلاة العشاء، خلافًا لرواية عبد الله بن شداد، والله أعلم.","vol":"3","page":226},{"text":"(ث-٤١٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nأن ابن عمر ﵁ كان يقرأ في العشاء بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ١]، والفتح (^١).\n[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا في صلاة المغرب، وهو شاذ] (^٢).\n(ث-٤١٦) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق،\nعن عبد الرحمن بن يزيد: أن ابن مسعود صلى بهم العشاء، فقرأ بأربعين من الأنفال، ثم قرأ في الثانية بسورة من المفصل (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n(ث-٤١٧) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زرارة بن أوفى،\nعن مسروق بن الأجدع قال: صليت مع عثمان العشاء الآخرة، فقرأ\n_________\n(^١). المصنف (٣٦١٤).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٥٥٥).\n(^٣). المصنف (٢٦٦٨).\n(^٤). ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٣) ح ٩٣٠٧.\nولم ينفرد به الثوري عن أبي إسحاق،\nفقد تابعه كُلٌ من معمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢٦٦٩)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٣) ح ٩٣٠٨.\n\nوأبي الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٠٩).\nوزهير بن معاوية (أبي خيثمة) كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٨)، وقد سمع من أبي إسحاق بآخرة، لكنه لم ينفرد به.\nوزائدة كما في المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٦٣) ح ٩٣٠٩، أربعتهم (معمر، وأبو الأحوص، وزهير، وزائدة) رووه عن أبي إسحاق به.","vol":"3","page":227},{"text":"بالنجم، فسجد فيها، ثم قام فقرأ بالتين والزيتون (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nوفي ختام هذه المسألة أكون قد مررت على تقدير القراءة في الصلوات الخمس، والذي يخرج منه الباحث أن القراءة بما تيسر ليس فيه تحديد، لا يزاد عليه، ولا ينقص عنه، فإطالة القراءة في صلاة الصبح هي أوكدها، وقد قرأ النبي - ﷺ - بالتكوير، ومع ذلك لا تجد سنة قولية يأمر فيها النبي - ﷺ - الأئمة بإطالة القراءة في صلاة الصبح، وإنما يؤثر ذلك من فعله ﵊، وهو أعلم بجماعته، وأما النصوص القولية: فهي صريحة بالقراء بما تيسر.\n(ح-١٥٦٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة، في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه .... إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن .... الحديث (^٣).\nومطلقه يشمل الصلوات كلها.\nومثله أمره - ﷺ - الأئمة بالتخفيف في قراءة الصلاة، وهي أحاديث في غاية الصحة، وإطلاق التخفيف فيها دليل على أنه لا تقدير في قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة، بحيث لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، وإلا لما جاء التخفيف مطلقًا، وإنما يرجع ذلك إلى اختلاف الأوقات والأحوال، ومراعاة أحوال بعض الجماعة، ولو كان واحدًا، والتفريق بين أوقات الإقبال على العبادة بنشاط وفراغ، وبين أوقات الشغل والتعب ونحوها كما قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: (اقتدِ بأضعفهم).\nيقول ابن عبد البر: «لا توقيت في القراءة عند العلماء بعد فاتحة الكتاب، وهذا إجماع من علماء المسلمين، ويشهد لذلك قوله ﵇ (من أم الناس فليخفف) ولم يحد شيئًا، وإنما اختلفوا في أقل ما يجزئ من القراءة، وفي أم القرآن:\n_________\n(^١). المصنف (٤٣٩٣).\n(^٢). في إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وقد تكلم في سماع مسروق من عثمان ﵁.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"3","page":228},{"text":"هل يجزئ عنها غيرها من القرآن أم لا، وأجمعوا أن لا صلاة إلا بقراءة ...» (^١).\nوقال الزرقاني في شرح الموطأ: «وتخفيفه - ﷺ - مرة، وربما طول يدل على أن لا توقيت في القراءة بعد الفاتحة، وهذا إجماع» (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٢٧).\n(^٢). شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٠٦).","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>الفصل الرابع في الأحكام العامة المتعلقة بالقراءة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المبحث الأول الجهر والإسرار في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الفرع الأول الجهر والإسرار بالصلاة المؤداة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجهر والإسرار من هيئات الصلاة لا من واجباتها.\n* الجهر والإسرار متلقى من الشارع ومنقول نقلًا متواترًا قولًا وعملًا.\n* البسملة آية من كتاب الله ولم تعط حكم القرآن في الجهر، والتأمين ليس من القرآن ويجهر به تبعًا للقراءة، والحجة الاتباع.\n* قال أبو هريرة: ما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفى منا أخفينا منكم، رواه مسلم.\n* من جهر فيما يُسَرُّ فيه أو أَسَرَّ فيما يُجْهَرُ فيه فلا سجود عليه على الصحيح.\n* أجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب والأخريين من العشاء.\n[م-٥٩٦] الصلاة بالنسبة للجهر والإسرار على ثلاثة أقسام:\nمنها ما يجهر بالقراءة في جميعها، كالصبح والجمعة.","vol":"3","page":230},{"text":"ومنها ما يسر بالقراءة فيها جميعًا، كالظهر والعصر.\nومنها ما يجهر في بعضها ويسر في بعضها، كالمغرب والعشاء، فيجهر في الأوليين منها، ويسر بالباقي، وكل هذا قد صح بالنقل المتواتر، ولم يختلف عليه الفقهاء، وكان الصحابة يعرفون قراءة النبي - ﷺ - فيما يسر به باضطراب لحيته، وبإسماعه إياهم الآية أحيانًا (^١).\nجاء في شرح مختصر الطحاوي للجصاص: «قال أبو جعفر: (ويسر القراءة في الظهر والعصر، ويجهر في الأوليين من المغرب والعشاء، وفي الصبح كلها).\nقال أبو بكر أحمد: قد ورد النقل بذلك متواترًا عن النبي - ﷺ - قولًا، وعملًا» (^٢).\nوقال النووي: «السنة الجهر في ركعتي الصبح والمغرب والعشاء، وفي صلاة الجمعة، والإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء، وهذا كله بإجماع المسلمين مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك» (^٣).\nواختلفوا في العيد، والاستسقاء، والكسوف وفي نوافل الليل غير التراويح جماعة، والجنازة إذا صلي عليها ليلًا، وفي قضاء الصلاة النهارية كالظهر ليلًا، وفي قضاء الليلية نهارًا، وفي ركعتي الطواف (^٤).\nوسوف يأتي عرض الخلاف فيها إن شاء الله تعالى في مظانها من هذا البحث (^٥).\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٢٩)، كنز الدقائق (ص: ١٦٥)، البحر الرائق (١/ ٣٥٥)، المبسوط (١/ ١٦)، النهر الفائق (١/ ٢٢٨)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٦٢)، المعونة على مذهب علماء المدينة (ص: ٢١٨)، شرح التلقين (١/ ٥٤١)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٥)، المجموع (٣/ ٣٩١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤١).\n(^٢). شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٦٢).\n(^٣). صحيح مسلم (١٦٣ - ٤٥٥).\n(^٤). انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٥).\n(^٥). انظر: تحفة الفقهاء (١/ ١٢٩)، نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخيار (٤/ ٣٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٥)، المجموع (٣/ ٣٩١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: ٤٠١)، بلوغ الغاية من تهذيب بداية الهداية (ص: ٦٣)،","vol":"3","page":231},{"text":"* الدليل على الجهر بالقراءة في صلاتي الصبح والجمعة:\n(ح-١٥٦١) ما رواه مسلم من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١]، وأن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين (^١).\n(ح-١٥٦٢) وروى مسلم من طريق ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد ابن جعفر، يقول: أخبرني أبو سلمة بن سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن المسيب العابدي،\nعن عبد الله بن السائب قال: صلى لنا النبي - ﷺ -: الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى، وهارون أو ذكر عيسى -محمد بن عباد يشك- أو اختلفوا عليه أخذت النبي - ﷺ - سعلة فركع وعبد الله بن السائب، حاضر ذلك (^٢).\n(ح-١٥٦٣) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة،\nعن أم سلمة، قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة، فطفت ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى جنب البيت، يقرأ: بالطور وكتاب مسطور (^٣).\nورواه البخاري، قال: حدثني محمد بن حرب، حدثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكرياء الغساني، عن هشام، عن عروة،\nعن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال، وهو بمكة، وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج، فقال لها رسول\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٤ - ٨٧٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١٦٣ - ٤٥٥)، وقد ذكره البخاري معلقًا، قال أبو عبد الله في باب الجمع بين السورتين في الركعة (١/ ١٥٤): ويذكر عن عبد الله بن السائب: قرأ النبي - ﷺ - المؤمنون في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون -أو ذكر عيسى- أخذته سعلة فركع.\n(^٣). صحيح البخاري (٤٦٤)، ومسلم (٢٥٨ - ١٢٧٦).","vol":"3","page":232},{"text":"الله - ﷺ -: إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك، والناس يصلون. ففعلت ذلك، فلم تُصَلِّ حتى خرجت (^١).\n[قوله: (صلاة الصبح) رواه الغساني، عن هشام، والغساني متكلم فيه، وتابعه أبو قبيصة الفزاري، وهو ضعيف، والراوي عنه مجروح] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٦٢٦).\n(^٢). رواه البخار ي ومسلم من طريق مالك، عن أبي الأسود (محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة، وأطلق الصلاة، ولم يبين نوع الطواف.\nورواه هشام بن عروة، عن أبيه، واختلف عليه في إسناده ولفظه:\nفقيل: عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة.\nرواه يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، وذكر صلاة الصبح، وأن الطواف كان للوداع.\nرواه البخاري في صحيحه كما في إسناد الباب (١٦٢٦).\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٦٩) ح ٥٧١، من طريق يحيى الحماني، حدثنا أبو قبيصة الفزاري، حدثنا هشام بن عروة به، بلفظ: إذا صلى الناس الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الصفوف، ثم اخرجي. بلفظ يحيى بن أبي زكريا الغساني.\nوهذه المتابعة على الطواف وعلى جنس الصلاة ضعيفة، فالحماني وإن كان حافظًا فهو مجروح، اتهموه بسرقة الحديث.\n\nوقبيصة الفزاري قال العقيلي: كثير الوهم لا يتابع على كثير من حديثه. الضعفاء الكبير (٢/ ٢٩٠).\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ. الجرح والتعديل (٥/ ١٤٢).\nوذكر ابن عدي له حديثين من مناكيره في الكامل (٥/ ٣٢٠)، ثم قال: وهذان الحديثان لم يتابع عبد الله بن قبيصة على متنهما، ولعبد الله بن قبيصة أحاديث سوى ما ذكرت، وفي بعض حديثه نكرة، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، فذكرته لأبين أن رواياته فيها نظر. الكامل (٥/ ٣٢٠).\nوذكره الذهبي في الضعفاء. المغني في الضعفاء (٣٣٠٦)، وفي الميزان (٢/ ٤٧٢).\nورواه عبدة بن سليمان عن هشام به، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣١٣٨)، والسنن الكبرى للنسائي (٣٨٩٠) وفي المجتبى (٢٩٢٦)، بلفظ: أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، ما طفنا طواف الخروج، فقال رسول الله - ﷺ -: إذا أقيمت الصلاة، فطوفي على بعيرك، من وراء الناس. ولم يذكر أنها صلاة الصبح، وذكر أن الطواف طواف الوداع، ولا يقارن الغساني بعبدة بن سليمان.\nورواه الطبري في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٦٦) من طريق يونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، =","vol":"3","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أم سلمة، أنها لم تكن طافت بالبيت طواف الخروج، فقالت: ذاك لرسول الله - ﷺ -، فأمرها أن تطوف إذا أقيمت الصلاة من وراء الناس، فلما أقيمت الصلاة طافت من وراء الناس على بعير. فذكر أنه طواف الوداع، ولم يذكر نوع الصلاة.\nورواه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٠٨) ح ٩٨١، من طريق يعقوب بن حميد، حدثنا محمد بن صالح، وأسامة بن حفص، عن هشام بن عروة به، بلفظ: (لم أطف بالبيت طواف الصدر، فقال: إذا صليتُ فطوفي من رواء الناس على بعيرك.\nوليس فيه ذكر الصلاة، وذكر عن الطواف بأنه طواف الصدر، بينما يفهم من رواية الغساني أنه طواف الوادع، وليس بينهما تعارض، فهناك من العلماء من يطلق على طواف الوداع طواف الصدر كالحنفية، لأن الناس يصدرون عنه إلى بلادهم.\nويعقوب بن حميد صدوق، وأسامة بن حفص مثله، وأما محمد بن صالح فلم أهتد له، فأخشى أن يكون خطأ، وأن الصحيح محمد بن فليح، فتحرفت فليح إلى صالح.\nفقد رواه الفاكهي في أخبار مكة (٤٧٣)، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ١٥) من طريق سفيان بن عيينة.\nورواه الفاكهي أيضًا (٤٧٤) حدثنا يعقوب بن حميد، قال: حدثنا ابن فليح، وأسامة بن حفص، عن هشام بن عروة، عن أبيه به، بلفظ: إذا صليت فطوفي على بعيرك من وراء الناس، وهم يصلون. ولم يذكر نوع الطواف ولا نوع الصلاة، وابن فليح سيئ الحفظ، إلا أنه قد توبع، تابعه أسامة بن حفص، وسفيان.\nوقد رواه أيضًا الطبري في تهذيب الآثار من مسند ابن عباس (٦٧) من طريق خالد بن مخلد، قال: حدثنا هشام بن بلال، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت: أم سلمة لرسول الله - ﷺ - حين أراد أن يصدر: إني لم أطف بالبيت، قال: فإذا صليت فطوفي، فلما أقيمت الصلاة، طافت على بعير.\nوهذا شاهد آخر على أن طواف الوداع يسمى طواف الصدر.\nوهشام بن بلال هو أبو حذيفة هشام الرازي شيخ أبي حاتم وأبي مسعود بن الفرات. انظر الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري (٦/ ٢٢٠).\nوأخرجه الإسماعيلي من طريق حسان بن إبراهيم، وعلي بن هاشم، ومحاضر بن المورع، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٨٧).\nفهؤلاء عبدة بن سليمان، ويونس بن بكير، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن فليح، وأسامة بن حفص وهشام بن بلال الرازي، وحسان بن إبراهيم، وعلي بن هاشم، ومحاضر بن المورع، وإن تابعوا يحيى بن أبي زكريا الغساني، في إسناده، عن هشام، عن عروة، عن أم سلمة، إلا أنهم لم يذكر واحد منهم أنها صلاة الصبح.\nوهم أكثر عددًا وأرجح من الغساني، فالغساني متكلم فيه، وإن أخرج له البخاري هذا =","vol":"3","page":234},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الحديث في المتابعات.\nقال الحافظ: «قوله: عن عروة، عن أم سلمة، كذا للأكثر، ووقع للأصيلي عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة. -يشير الحافظ إلى الاختلاف بين رواة صحيح البخاري- قال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨٦): وقوله: عن زينب زيادة في هذا الطريق، فقد أخرجه أبو علي بن السكن، عن علي بن عبد الله بن مبشر، عن محمد بن حرب، شيخ البخاري فيه، ليس فيه زينب.\nوقال الدارقطني في كتاب التتبع في طريق يحيى بن أبي زكريا هذه: هذا منقطع، فقد رواه حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أمها أم سلمة، ولم يسمعه عروة عن أم سلمة. انتهى».\nوقال الحافظ أيضًا (٣/ ٤٨٧): «وقد أخرج الإسماعيلي حديث الباب من طريق حسان بن إبراهيم، وعلي بن هاشم، ومحاضر بن المورع، وعبدة بن سليمان، وهو عند النسائي أيضًا من طريق عبدة كلهم عن هشام عن أبيه عن أم سلمة وهذا هو المحفوظ وسماع عروة من أم سلمة ممكن فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة وهو معها في بلد واحد».\nهذا يفيد عدم وهم يحيى بن أبي زكريا الغساني في إسناده، لكنه لا يرفع تفرده بزيادة أنها صلاة الصبح، فلم يذكر أحد هذا الحرف من طريق صحيح، وقد خالف الغساني كل من رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة.\nوأما ما رواه أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة.\nفهذا مع كونه حديثًا آخر، فليس فيه ذكر طوافها راكبة، فلا يصلح شاهدًا لحديث يحيى بن أبي زكريا، عن هشام في ذكر أن الصلاة حين طافت راكبة أنها كانت صلاة الصبح، لاستحالة أن يكون النبي - ﷺ - في صلاة الصبح بمكة يوم النحر، وقد اضطرب فيه أبو معاوية في لفظه، وفي وصله وإرساله.\nفرواه أحمد في المسند (٦/ ٢٩١)، وإسحاق في مسنده (١٨٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٢١).\nومسلم في كتاب التمييز (٥٢) حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب ومحمد بن حاتم.\nوالطحاوي في شرح مشكل الآثار (٣٥١٨)، وفي شرح معاني الآثار (٢/ ٢١٩)، والبيهقي في معرفة السنن (٧/ ٣١٢، ٣١٣) من طريق أسد بن موسى.\nوالطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (٢/ ١٥٠) حدثنا محمد بن عمرو بن يونس،\nوالبيهقي في معرفة السنن (٧/ ٣١٢) من طريق سعيد بن سليمان، كلهم عن أبي معاوبة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة، وفيه (.... أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة).\nقال مسلم في كتاب التمييز (ص: ١٨٦): «هذا الخبر وهم من أبي معاوية لا من غيره وذلك =","vol":"3","page":235},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أن النبي - ﷺ - صلى الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة وتلك سنة رسول الله - ﷺ - فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة وهو حينئذٍ يصلي بالمزدلفة .... هذا خبر محال، ولكن الصحيح من روى هذا الخبر عن أبي معاوية وهو أن النبي - ﷺ - أمر أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وكان يومها، فأحب أن توافي، وإنما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال توافي معه».\nوإذا لم يكن النبي - ﷺ - معها في صبيحة يوم النحر لم يصح أن يكون هذا متابعًا للغساني في ذكر قراءة النبي - ﷺ - سورة الطور في صلاة الصبح.\nوالرواية التي أشار إليها مسلم رواها أبو يعلى في مسنده (٧٠٠٠) من طريق أبي خيثمة،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢١٧) من طريق يحيى بن يحيى،\nوابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٢٩٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، كلهم عن أبي معاوية به، بلفظ: (توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة) وليس فيه توافي معه.\nوهذا هو الصحيح من حديث أبي معاوية، وهو غير حديثه في طوافها راكبة يوم الخروج من مكة، والرسول - ﷺ - يصلي في البيت، ويقرأ سورة الطور.\nقال الحافظ في الفتح (٣/ ٤٨٧): «ويحتمل أن يكون ذلك حديثًا آخر، فإن حديثها هذا في طواف الوداع، كما بيناه قبل قليل، وأما هذه الرواية فذكرها الأثرم، قال: قال لي أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة.\nقال أبو عبد الله: هذا خطأ، فقد قال وكيع: أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، قال: وهذا أيضًا عجيب، ما يفعل النبي - ﷺ - يوم النحر بمكة؟، وقد سألت يحيى بن سعيد يعني القطان عن هذا، فحدثني به عن هشام بلفظ: أمرها أن توافي ليس فيه هاء، قال أحمد: وبين هذين فرق. فإذا عرف ذلك تبين التغاير بين القصتين: فإن إحداهما: صلاة الصبح يوم النحر، والأخرى صلاة صبح يوم الرحيل من مكة».\nفإذا تبين أنهما حديثان فإن الحديث الذي ذكرت فيه أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الطور. لا يكون ذلك إلا في طواف الوداع، فإن النبي - ﷺ - أصبح يوم النحر في مزدلفة لا يختلف الرواة الذين نقلوا لنا حجته ﵊، ودفع إلى منى لرمي الجمار عندما أسفر، وأبو معاوية محمد بن خازم ثبت في الأعمش ويهم إذا روى عن هشام وغيره. قال أحمد: أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا، والله أعلم.\nوقد رواه غير أبي معاوية، فرواه الطحاوي في مشكل الآثار (٣٥٢٠) من طريق قبيصة.\nوالطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٠٨) ح ٩٨٢، من طريق عبد الجبار بن العلاء، كلاهما عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، أن النبي - ﷺ - أمرها أن تصلي الصبح بمكة.\nفأسقط سفيان زينب، ولم يذكر قوله: أن تصلي معه الصبح. =","vol":"3","page":236},{"text":"فكشفت هذه الرواية أن الصلاة كانت صلاة الصبح، وأن النبي - ﷺ - جهر فيها بالقراءة، وهو موضع الشاهد.\nقال الدارقطني في التتبع: «هذا مرسل» (^١).\nوقال النسائي: «عروة لم يسمع أم سلمة» (^٢).\nوقال الطحاوي: «عروة لا نعلم له سماعًا من أم سلمة» (^٣).\nقال ابن حجر: «إنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك، التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها، حاكيًا للخلاف فيه على عروة» (^٤).\nوقال الحافظ أيضًا: «وسماع عروة من أم سلمة ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد» (^٥).\nفاعتمد الحافظ على مجرد إمكان السماع، لا على العلم به.\nوالذي يظهر لي أن الخلاف على عروة في اتصاله وانقطاعه أن تُحْمَل الرواية المنقطعة على الرواية المتصلة والتي كشفت عن وجود واسطة بين عروة وأم سلمة، إلا أن النظر في تفرد يحيى بن أبي زكريا في ذكر أن الصلاة كانت صلاة الصبح، فإن\n_________\n= ورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٦٨) عن سفيان،\nورواه أحمد كما في العلل (٢/ ٣٦٨) عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقالا: توافي، قال أحمد: قال أبو معاوية: توافيه، وأخطأ فيه.\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٣٧٥٦)، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح بمنى.\nهكذا مرسلًا، وأخطأ فيه وكيع بقوله: (بمنى).\nوالذي يعنينا في هذا البحث بيان أن رواية أبي معاوية عن هشام عن أبيه في ذكر صلاة الصبح يوم النحر، لا تشهد لرواية البخاري من طريق يحيى بن أبي زكريا، عن هشام، عن أبيه في ذكر صلاة الصبح يوم الخروج من مكة. والله أعلم.\n(^١). التتبع (١٠٧).\n(^٢). سنن النسائي (٢٩٢٦).\n(^٣). شرح مشكل الآثار (٩/ ١٤١).\n(^٤). هدي الساري (١/ ٣٥٨).\n(^٥). فتح الباري (٣/ ٤٨٧).","vol":"3","page":237},{"text":"كنت ترى أن مثل هذه الزيادة يغتفر فيها تفرد الراوي الذي فيه لين، ولو خالف كل من روى الحديث عن هشام، عن أبيه، وخالف أيضًا من رواه عن عروة غير هشام، فلك أن تمشيه وهو ظاهر صنيع الإمام البخاري حيث اعتمد على هذه المتابعة في ذكر صلاة الصبح، والبخاري إمام في الحديث والفقه، وإن طلبت التشدد لم يكن لك إلا التوقف في قبولها، والله أعلم.\n(ح-١٥٦٤) وقد روى ابن خزيمة من طريق ابن وهب، عن مالك وابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير،\nعن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، قالت: شكوت أو اشتكيت، فذكرت لرسول الله - ﷺ -، فقال: طوفي مرور الناس وأنت راكبة، قالت: فطفت على جمل، ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى صقع البيت، فسمعته يقرأ في العشاء الآخرة وهو يصلي بالناس: ﴿وَالطُّور وَكِتَابٍ مَّسْطُور﴾ (^١).\n[منكر، تفرد به ابن لهيعة] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٥٢٣).\n(^٢). قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٥٣): «وأما ما أخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب عن مالك وابن لهيعة جميعًا عن أبي الأسود في هذا الحديث، قال فيه: قالت: وهو يقرأ في العشاء الأخرة، فشاذ، وأظن سياقه لفظ ابن لهيعة؛ لأن ابن وهب رواه في الموطأ عن مالك، فلم يعين الصلاة، كما رواه أصحاب مالك كلهم، أخرجه الدارقطني في الموطآت له من طرق كثيرة عن مالك، منها رواية ابن وهب المذكورة، وإذا تقرر ذلك فابن لهيعة لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف».\nولم أقف على رواية ابن وهب في مُوَطَّئِهِ، والله أعلم.\nوقد رواه يحيى بن يحيى بن كثير الليثي، كما في موطأ مالك (١/ ٣٧٠).\nوعبد الله بن يوسف كما في صحيح البخاري (٤٦٤).\nوإسماعيل بن أبي أويس كما في صحيح البخاري (١٦١٩).\nوعبد الله بن مسلمة القعنبي، كما في صحيح البخاري (١٦٣٣)، وسنن أبي داود (١٨٨٢)، ومستخرج أبي عوانة (٣٤٢٢)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢٩٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٢٧، ١٦٥).\nويحيى بن يحيى بن بكر النيسابوري كما في صحيح مسلم (٢٥٨ - ١٢٧٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ١٦٥). =","vol":"3","page":238},{"text":"(ح-١٥٦٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق شريك وابن عيينة، عن زياد بن علاقة،\nعن قطبة بن مالك سمع النبي - ﷺ - يقرأ في الفجر ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيد﴾.\nورواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن زياد بن علاقة به (^١).\n(ح-١٥٦٦) وروى مسلم من طريق جرير، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، مولى النعمان بن بشير،\nعن النعمان بن بشير، قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين، وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾، قال: «وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحد، يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين (^٢).\n* الدليل على الجهر بصلاتي المغرب والعشاء:\n(ح-١٥٦٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم،\n_________\n= وعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (٦/ ٢٩٠، ٣١٩)، ومسند أبي يعلى (٦٩٧٦)، وسنن ابن ماجه (٢٩٦١)، وصحيح ابن خزيمة (٢٧٧٦).\nوالإمام الشافعي كما في معرفة السنن والآثار (٧/ ٢٦١).\nوأبو خيثمة زهير بن حرب كما في مسند أبي يعلى (٦٩٧٦).\nوابن القاسم كما في سنن النسائي الكبرى (٣٨٨٩)، والمجتبى (٢٩٢٥).\n\nوعبيد الله بن سعيد كما في سنن النسائي (٢٩٢٧).\nومعلى بن منصور كما في سنن ابن ماجه (٢٩٦١).\nوبشر بن عمر كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٧٦)،\nومعن بن عيسى كما في صحيح ابن حبان (٣٨٣٠)،\nوعبد الرزاق كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٤٥) ح ٨٠٤،\nوسويد بن سعيد كما في مستخرج أبي نعيم (٢٩٣٩)،\nويحيى بن بكير كما في مستخرج أبي نعيم (٢٩٣٩)، ستة عشر راويًا كلهم رووه عن مالك، لم يقل واحد منهم أنها صلاة العشاء، أو أنها صلاة الصبح، وهذا هو المحفوظ، والله أعلم.\n\n(^١). صحيح مسلم (١٦٦ - ٤٥٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٦٢ - ٨٧٨).","vol":"3","page":239},{"text":"عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: قرأ في المغرب بالطور (^١).\n(ح-١٥٦٨) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة،\nعن ابن عباس ﵄، أنه قال: إن أم الفضل سمعته وهو يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: يا بني، والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب (^٢).\n(ح-١٥٦٩) وروى البخاري ومسلم من طريق معتمر، قال: سمعت أبي، قال: حدثني بكر، عن أبي رافع، قال:\nصليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّت﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم - ﷺ - فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (^٣).\n(ح-١٥٧٠) وروى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن عدي، قال:\nسمعت البراء: أن النبي - ﷺ - كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين: بالتين والزيتون (^٤).\n* الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء:\n(ح-١٥٧١) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عباد بن تميم،\nعن عمه، قال: خرج النبي - ﷺ - يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ورواه مسلم بنحوه (^٥).\n* الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف:\n(ح-١٥٧٢) روى البخاري ومسلم من طريق الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الرحمن بن نمر، أنه سمع ابن شهاب، يخبر عن عروة،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٦٥)، وصحيح مسلم (١٧٤ - ٤٦٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٦٣)، وصحيح مسلم (١٧٣ - ٤٦٢).\n(^٣). صحيح البخاري (١٠٧٨، ٧٦٦)، وصحيح مسلم (١١٠ - ٥٧٨).\n(^٤). صحيح البخاري (٧٦٧)، وصحيح مسلم (١٧٥ - ٤٦٤).\n(^٥). صحيح البخاري (١٠٢٤)، وصحيح مسلم (٨٩٤).","vol":"3","page":240},{"text":"عن عائشة، أن النبي - ﷺ - جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات. واللفظ لمسلم (^١).\n* الدليل على الإسرار في صلاتي الظهر والعصر:\n(ح-١٥٧٣) ما رواه البخاري من طريق جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قلت لخباب:\nأكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: من أين علمت؟ قال: باضطراب لحيته (^٢).\nقال ابن خزيمة: «فيه دليل على أنه كان يخافت بالقراءة في الظهر والعصر» (^٣).\nوالحديث فيه دليل على أن قراءة السر تكون بتحريك اللسان والشفتين، وبذلك يتحرك شعر اللحية، ومثله في الدعاء والذكر (^٤).\n(ح-١٥٧٤) وروى البخاري من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الركعة الأولى.\nورواه البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٠٦٥)، وصحيح مسلم (٥ - ٩٠١).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٧٧).\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٣/ ٤٠).\n(^٤). انظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٧).\n(^٥). رواه البخاري من طريق الأوزاعي (٧٧٨)،\nورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١)، من طريق همام.\nورواه البخاري (٧٥٩) من طريق شيبان.\nورواه البخاري (٧٦٢، ٧٧٩) من طريق هشام.\nورواه مسلم (١٥٤ - ٤٥١) من طريق الحجاج يعني الصواف.\nورواه أيضًا (١٥٥ - ٤٥١) من طريق أبان بن يزيد، كلهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.","vol":"3","page":241},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال الحافظ ابن حجر: «قوله: (باضطراب لحيته) فيه الحكم بالدليل؛ لأنهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته، لكن لابد من قرينة تعين القراءة دون الذكر والدعاء مثلًا؛ لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظَّروه بالصلاة الجهرية؛ لأن ذلك المحل هو محل القراءة، لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة: (كان يسمعنا الآية أحيانًا) قوي الاستدلال» (^١).\nقال ابن رجب في شرح البخاري: «قوله: (كان يسمعنا الآية أحيانًا) ظاهره: أنه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعَلَه ليعلِّمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر، فإنه حصل لبعضهم شكٌّ في ذلك كما تقدم، وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة، كما روي ذلك عن أنس وغيره، أو ليبيِّن جواز الجهر في قراءة النهار، وأن الصلاة لا تبطل به.\nوقالت طائفة من العلماء: «لم يكن إسماعهم الآية أحيانًا عن قصد، إنما كان يقع اتفاقًا عن غير قصد؛ فإنه - ﷺ - كان يقرأ لنفسه سرًّا، فربما استغرق في تدبر ما يقرؤه، أو لعله كان يقصد تحقيق القراءة، فيقع سماع قراءته للآية أحيانًا لذلك من غير أن يتعمد إسماعهم، أو أن يكون وقع الإسماع منه على وجه السهو؛ وفي هذا نظر.\nقال الشافعي: لا نرى بأسًا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ ليعلم من خلفه أنه يقرأ» (^٢).\nوهي مسألة خلافية، لعلي أفرد لها مبحثًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى.\n(ث-٤١٦) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج، عن عطاء، قال:\nقال أبو هريرة: في كل الصلاة يقرأ، فما أسمَعَنَا رسول الله - ﷺ - أسمَعَنَاكم،\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٤٥).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٦).","vol":"3","page":242},{"text":"وما أخفى منا أخفينا منكم ... الحديث (^١).\nورواه مسلم أيضًا من طريق حبيب المعلم، عن عطاء به (^٢).\nقال النووي: معناه: «ما جهر فيه بالقراءة جهرنا به، وما أسر أسررنا به. وقد اجتمعت الأمة على الجهر بالقراءة في ركعتي الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب والأخريين من العشاء» (^٣).\nوقال المازري في شرح التلقين: «الدليل على صحة ما قاله في هذا الفصل نقل الخلف له عن السلف وظهور العمل به في سائر الأعصار. وما نقل هذا النقل فينبغي اتباعه كما عولنا في عدد الركوع والسجود على النقل المستفيض» (^٤).\nوقال ابن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع: «اتفق أهل العلم على أن صلاة الفجر ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، وأن صلاة الظهر والعصر أربع أربع، لا يجهر بالقراءة في شيء منها، وأن المغرب ثلاث يجهر منها في الركعتين الأوليين، ولا يجهر في الثالثة، وأن العشاء الآخرة أربع، يجهر منها في الركعتين الأوليين، ولا يجهر في الأخيرتين» (^٥).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٣ - ٣٩٦).\n(^٢). صحيح مسلم (٤٤ - ٣٩٦).\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم.\n(^٤). شرح التلقين (١/ ٥٧٥).\n(^٥). الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ١٣٠).","vol":"3","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>الفرع الثاني في الإسرار في الصلاة الفائتة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* القضاء يحكي الأداء إلا في الجمعة؛ فإنها إذا فاتت فلا تقضى على صورتها.\n* لا اعتبار بوقت القضاء على الصحيح في هيئة الصلاة.\n* نام النبي - ﷺ - عن صلاة الصبح، فقام فقضاها، فقال أبو قتادة: (فصنع كما يصنع كل يوم) فعمومه يشمل الأقوال والأفعال والجهر والإسرار.\n* قال - ﷺ -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فهذا الأمر كما يشمل ركعات الصلاة، يشمل أيضًا هيئتها وكيفيتها.\n[م-٥٩٧] هناك من الفقهاء من فرق بين الإمام والمنفرد في حكم الإسرار والجهر مطلقًا سواء أكانت الصلاة قضاء أم أداء كالحنفية والحنابلة، لهذا سوف أفرد البحث في المنفرد في مسألة مستقلة، وأما المأموم فلا حظ له في الجهر مطلقًا، وسوف يأتينا بحثه كذلك إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة.\nوالبحث هنا في الإمام إذا قضى الصلاة الفائتة، وصلاته لا تخلو من أربع حالات:\nالأولى: أن تكون الصلاة نهارية وتقضى نهارًا، فالمشروع الإسرار فيها بلا خلاف.\nالثانية: أن تكون الصلاة ليلية وتقضى ليلًا، فالمشروع الجهر فيها بلا خلاف.\nقال النووي: «وأما الفائتة، فإن قضى فائتة الليل بالليل جهر بلا خلاف، وإن قضى فائتة النهار بالنهار أسر بلا خلاف ...» (^١).\nوقال المرداوي: لا أعلم فيه خلافًا (^٢).\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٩٠).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٥٧).","vol":"3","page":244},{"text":"واختلفوا في صلاة الليل تقضى نهارًا، وفي صلاة النهار تقضى ليلًا، أيكون الاعتبار بوقت القضاء، فما قضاه بالليل جهر، وما قضاه بالنهار أسر، أم أن القضاء يحكي الأداء، ولا اعتبار بوقت القضاء؟\nفقيل: القضاء يحكي الأداء، ولا اعتبار بوقت القضاء، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية، وحكاه من الحنابلة ابن مفلح والمرداوي قولًا في المذهب، وساقه ابن قدامة احتمالًا (^١).\nجاء في المدونة: «ويصلي صلاة النهار بالليل ويسر ويصلي صلاة الليل بالنهار ويجهر بصلاة الليل في النهار» (^٢).\nوقيل: الاعتبار بوقت القضاء، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (^٣).\nقال النووي: «وإن قضى فائتة النهار ليلًا، أو الليل نهارًا، فوجهان، حكاهما القاضي حسين والبغوي، والمتولي، وغيرهم:\nأصحهما: أن الاعتبار بوقت القضاء في الإسرار والجهر» (^٤).\nوقال الحنابلة: إن فاتته صلاة النهار لم يجهر مطلقًا سواء أقضاها في الليل أم في النهار؛ لأنها صلاة نهار، قال ابن قدامة والمرداوي: لا نعلم فيه خلافًا (^٥).\n_________\n(^١). الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: ٩٦، ٩٧)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٢٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٢٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦)، البحر الرائق (١/ ٢٧٦)، المحيط البرهاني (١/ ٣١٠)، (٢/ ١٢٢)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٣)، المدونة (١/ ٢١٥)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٩٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٦٣)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٦٥)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٣٢٧)، الثمر الداني (ص: ١٨٣)، الرسالة للقيرواني (ص: ٣٩)، مواهب الجليل (٢/ ٨، ٩)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٩٩)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٣١٢)، فتح العزيز (٣/ ٥٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٩)، الفروع (٢/ ١٨٧)، المغني (١/ ٤٠٨)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٩)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٦٠٤).\n(^٢). المدونة (١/ ٢١٥).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٩٠)، فتح العزيز (٣/ ٥٢٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٩).\n(^٤). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٩٠).\n(^٥). المغني (١/ ٤٠٨)، الإنصاف (٢/ ٥٧).","vol":"3","page":245},{"text":"وإن قضى صلاة الليل في النهار، لم يجهر على الصحيح من المذهب، جزم به في الكافي وقطع به أبو البركات اعتبارًا بالوقت؛ لأنها صلاة مفعولة بالنهار، فأشبهت الأداء (^١).\nوقيل: يخير لشبه الصلاة المقضية بالحالين، قال ابن قدامة: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد (^٢).\nهذه مجمل الأقوال، وهي ترجع إلى أربعة أقوال:\nالأول: أن القضاء يحكي الأداء، ولا اعتبار بوقت القضاء.\nالثاني: أن الاعتبار بوقت القضاء مطلقًا، فإن كان يقضي بالنهار أسر مطلقًا، وإن كان يقضي بالليل جهر مطلقًا.\nالثالث: يسر مطلقًا إلا أن يقضي صلاة ليل بالليل، لأنه إن فاتته صلاة النهار لم يجهر مطلقًا، سواء أقضاها في الليل أم في النهار، وإن فاتته صلاة الليل، فقضاها بالنهار لم يجهر، وهذا أضعفها؛ لكونه لم يطرد.\nالرابع: أنه مخير، إن شاء أسر، وإن شاء جهر.\n* دليل من قال: القضاء يحكي الأداء:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٧٥) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح،\nعن أبي قتادة في قصة نوم النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الصبح، فكان أول من استيقظ رسول الله - ﷺ -، والشمس في ظهره، وفيه: ... فقال: اركبوا، فركبنا حتى إذا ارتفعت الشمس ... أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم .... الحديث (^٣).\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٥٧)، تصحيح الفروع (٢/ ١٨٧).\n(^٢). المغني (١/ ٤٠٨)، الإنصاف (٢/ ٥٧).\n(^٣). صحيح مسلم (٣١١ - ٦٨١)، وهو في البخاري إلا أنه ذكر قضاء الفريضة وحدها، وقد سبق تخريجه، انظر ح (٦٣٥) من المجلد الثالث.","vol":"3","page":246},{"text":"وجه الاستدلال:\nقول أبي قتادة: (فصنع كما يصنع كل يوم) فإن عمومه يشمل الجهر، حيث كان يفعله كل يوم، فدل على أن القضاء يحكي الأداء.\n* ونوقش:\nبأن هذا محمول على استيفاء الأركان، ولا يشمل الجهر بالقراءة.\n* ورد هذا:\nبأن ظاهر قول أبي قتادة يعم الأقوال والأفعال، وقصره على الأفعال خلاف الظاهر بلا موجب.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٧٦) ما رواه محمد بن الحسن في الآثار، قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد،\nعن إبراهيم، قال: عرس رسول الله - ﷺ - ليلة فقال: من يحرسنا الليلة؟ فقال رجل من الأنصار شاب: أنا يا رسول الله أحرسكم فحرسهم حتى إذا كان مع الصبح غلبته عينه فما استيقظوا إلا بَحَرِّ الشمس، فقام رسول الله - ﷺ -، فتوضأ وتوضأ أصحابه، وأمر المؤذن فأذن، فصلى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة فصلى الفجر بأصحابه، وجهر فيها بالقراءة كما كان يصلي بها في وقتها (^١).\n[مرسل، ورجاله لا بأس بهم].\nوهو حجة مطلقًا عند الجمهور، وحجة إذا اعتضد وقد اعتضد بحديث أبي قتادة السابق، وبمرسل زيد بن أسلم في الموطأ (^٢).\nالدليل الثالث:\nأن الجهر والإسرار صفة للصلاة، لا صفة للوقت، ولذلك هناك صلوات\n_________\n(^١). الآثار (١٦٨).\n(^٢). روى مالك في الموطأ (١/ ١٤) عن زيد بن أسلم، أنه قال: عرس رسول الله - ﷺ - ليلة بطريق مكة ... فذكر نوم النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الصبح حتى استيقظوا وقد طلعت الشمس ... وفيه: ... يا أيها الناس إن الله قبض أرواحنا، ولوشاء لردها إلينا في حينٍ غيرِ هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها .... الحديث.","vol":"3","page":247},{"text":"تصلى في وقت واحد كالجمعة والظهر، إحداهما يجهر فيها، والأخرى لا يجهر فيها، ولا عبرة بالوقت، فكان القضاء يحكي الأداء من غير مراعاة للوقت التي صليت فيه، والله أعلم.\n* دليل من قال: الاعتبار بوقت القضاء:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٧٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن الأوزاعي،\nعن يحيى بن أبي كثير، قال: قالوا يا رسول الله، إن هاهنا من يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال: ارموهم بالبعر (^١).\n[مرسل، قال يحيى القطان: مراسيل يحيى شبه الريح] (^٢).\nولو صح فإنه محمول على الجهر في صلاة النهار أداء؛ لأن الأحاديث تحمل على الغالب، ولا يصح الاستدلال بعمومه على القضاء؛ لأن عمومه غير مراد بدليل أن صلاة الفجر والجمعة صلاة نهارية، ويجهر فيها، فهو من العام المخصوص.\nالدليل الثاني:\n(ث-٤١٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف حدثنا حفص، عن هشام،\nعن الحسن، قال: صلاة النهار عجماء، وصلاة الليل تسمع أذنيك (^٣).\n[موقوف على الحسن، ولا أصل له مرفوعًا] (^٤).\n* دليل من قال: يخير:\nقالوا: لشبه الصلاة المقضية بالحالين، فإذا قضى صلاة الليل بالنهار، فإن أسر باعتبار أن وقت القضاء كان في النهار فله ذلك، وإن جهر باعتبار أن الصلاة ليلية كان له ذلك، وكذلك يقال: إذا قضى صلاة نهارية بالليل.\n* دليل من قال: يسر إذا قضى صلاة النهار مطلقًا، وكذا إذا قضى صلاة الليل بالنهار:\nاستدل الحنابلة بأن المعتبر في قضاء صلاة النهار وقت الأداء بالإجماع، قال\n_________\n(^١). المصنف (٣٦٦٩).\n(^٢). سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى بالمبحث الذي يلي هذا المبحث.\n(^٣). المصنف (٣٦٦٤).\n(^٤). سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى بالمبحث الذي يلي هذا المبحث.","vol":"3","page":248},{"text":"ابن قدامة والمرداوي: لا نعلم فيه خلافًا (^١).\nوكيف يكون إجماعًا، وهو مخالف للسنة، حيث قضى النبي - ﷺ - صلاة الفجر بعد طلوع الشمس معتبرًا وقت الأداء، فجهر فيها، وصنع كما كان يصنع كل يوم، كما أنه مخالف لمذهب الحنفية والمالكية، وأحد الوجهين عند الشافعية.\nواستدلوا بأن المعتبر الإسرار في قضاء صلاة الليل بالنهار؛ باعتبارها صلاة فعلت بالنهار، فكان المعتبر وقت القضاء.\nفهذا القول لم يطرد، فهو اعتبر وقت الأداء في قضاء صلاة النهار مطلقًا، سواء أقضاها بالليل أم بالنهار، واعتبر وقت القضاء في قضاء صلاة الليل، فلم يعتبروا وقت الأداء دائمًا، ولا وقت القضاء دائمًا، ومثل هذا تَحَكُّمٌ لم يُبْنَ على دليل، بل هو مخالف للسنة كما ذكرت.\nوقد استغربه شيخنا ابن عثيمين في تعليقه على الكافي، فقال: «وهذا غريب يعني: إن قضى صلاة النهار في الليل لم يجهر، وإن قضى صلاة الليل في النهار لم يجهر، وكان مقتضى هذا أن تكون الثانية بالعكس يعني أنه إذا قضى صلاة النهار في الليل لم يجهر؛ لأنه قضى صلاة سر، نقول كذلك إذا قضى صلاة الليل في النهار جهر؛ لأنه قضى صلاة جهر» (^٢).\n* الراجح:\nأن المعتبر هو وقت الأداء، لا وقت القضاء، فالصلاة تقضى على نحو ما شرعت أداء، فإن شرع فيها الجهر قضاها جهرًا، ولو صلاها بالنهار، وإن شرعت الصلاة يسر فيها قضاها كذلك، ولو صلاها بالنهار، ولو قضى صلاة حضر في سفر صلاها تامة، ولو قضى صلاة سفر في حضر قصرها، وهكذا، فالقضاء يحكي الأداء، ولا عبرة بوقت القضاء؛ لأن الصلاة تقضى على نحو ما شرعت، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المغني (١/ ٤٠٨)، الإنصاف (٢/ ٥٧).\n(^٢). تعليقات ابن عثيمين على الكافي (١/ ٣٧٩).","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الفرع الثالث حكم الجهر والإسرار في موضعه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الأولى حكم الجهر والإسرار بالقراءة للإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الجهر والإسرار من هيئات الصلاة لا من واجباتها.\n* مواظبة النبي - ﷺ - على كل من الجهر والإسرار في موضعه، لا تجعل من هذه الصفة صفة واجبة.\n* يوجد سنن كثيرة واظب عليها النبي - ﷺ - وليست واجبة كالوتر وركعتي الفجر.\n* ملازمة السنة يجعل منها سنة مؤكدة، ولا ينقلها إلى الواجبات.\n* إذا لم يحفظ في الشرع أمر بالجهر أو بالإسرار في موضعه لم يمكن القول بالوجوب بمجرد الفعل.\n* غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك بن الحويرث مما كان النبي - ﷺ - يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي - ﷺ -.\n* كان النبي - ﷺ - ربما أسمع الصحابة الآية أحيانًا في الصلاة السرية، وظاهر الحديث أن هذا يتكرر منه ﵊، وأقل ما يدل عليه فعل النبي - ﷺ - الجواز.\n* إذا جازت المخالفة في الآية جازت المخالفة في أكثر منها؛ لأن الأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة الكثير إلا بدليل.\n[م-٥٩٨] عرفنا من خلال الفصل السابق المواضع التي يجهر فيها والمواضع التي يسر فيها بالقراءة أداء وقضاء، والسؤال: ما حكم الجهر بالقراءة والإسرار بها","vol":"3","page":250},{"text":"في موضعه؟ ولما كان المصلي قد يكون إمامًا، وقد يكون فذًّا، وقد يكون مأمومًا، نتناول في هذا البحث حكم الجهر بالقراءة للإمام:\n[م-٥٩٩] اختلف العلماء في ذلك:\nفقيل: هو واجب، وهو مذهب الحنفية، وقول ابن القاسم من المالكية، وقول عند الحنابلة (^١).\nوقيل: سنة، اختاره بعض الحنفية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٢).\nفلو جهر في موضع الإسرار بحيث أسمع غيره، أو أَسَرَّ في موضع الجهر بحيث اقتصر على حركة اللسان، ففي مذهب مالك خلاف راجع إلى الاختلاف في الجهر والإسرار في محله، أهو من السنن المؤكدة، أم هو من مستحبات الصلاة:\nفمن عَدَّهما من السنن المؤكدة، قال: إن تركهما سهوًا سجد إلا أن يكون شيئًا يسيرًا، وإن تركهما عمدًا لم يسجد، وهل يعيد الصلاة، فيه قولان في المذهب،\n_________\n(^١). قال في العناية (١/ ٥٠٤): «ولو جهر فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر تلزمه سجدتا السهو؛ لأن الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات».\nوانظر: بدائع الصنائع (١/ ١٦٠)، البحر الرائق (١/ ٣٥٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٢)، مراقي الفلاح (ص: ٩٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٣)، كنز الدقائق (ص: ١٦٠)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦١)، النوادر والزيادات (١/ ٣٥٤).\n(^٢). تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، التلقين (١/ ٤٣)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦١)، القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٣)، التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٣٦)، عقد الجواهر (١/ ٩٦)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤١٦)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣)، الأم (١/ ٢٣٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٨٩، ٣٩١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٣) نهاية المطلب (٣/ ٥٦).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٠٧): «الجهر في موضع الجهر، والإسرار في موضع الإسرار، لا خلاف في استحبابه، فإن جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر، ترك السنة، وصحت صلاته».\n\nوانظر: كشاف القناع (١/ ٣٣٢، ٣٤٤)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٦٠٣)، المبدع (١/ ٣٩٢)، الإنصاف (٢/ ٥٧)، الإقناع (١/ ١١٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢).","vol":"3","page":251},{"text":"أشهرهما يعيد، وبه قال ابن القاسم.\nومن عَدَّهما من مستحبات الصلاة لم يَرَ السجود في السهو ولا الإعادة في العمد، وهذا القول خلاف ما في المدونة، هذا ملخص مذهب الإمام مالك (^١).\nوقال الشافعية والظاهرية: يكره الجهر في موضع الإسرار، وعكسه، فإن فعل أجزأته صلاته، ولا سجود عليه، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (^٢).\nقال الماوردي: «الجهر والإسرار هيئة، ومخالفة الهيئات لا تبطل الصلاة، ولا توجب السهو قياسًا على هيئات الأفعال» (^٣).\nقال ابن حزم: «ويستحب الجهر في ركعتي صلاة الصبح، والأولتين من المغرب، والأولتين من العتمة، وفي الركعتين من الجمعة، والإسرار في الظهر كلها، وفي العصر كلها، وفي الثالثة من المغرب، وفي الآخرتين من العتمة، فإن\n_________\n(^١). جاء في المدونة (١/ ٢٢٤): ما قول مالك في هذا الذي صلى وحده، فأسر فيما يجهر فيه، أو جهر فيما يسر فيه، هل عليه سجدتا السهو؟ قال: نعم».\nوقال في مواهب الجليل (٢/ ١٥): «السجود إنما يسن إذا ترك سنة مؤكدة سهوًا».\nوقال في الصفحة نفسها: «وأما السنن المؤكدة إذا تركها عمدًا، فلا سجود أيضًا، واختلف هل تبطل الصلاة بتركها أم لا».\nوانظر: البيان والتحصيل (١/ ٤١٩، ٥٢٦)، إكمال المعلم (٢/ ٢٧٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٩١)، مواهب الجليل (٢/ ١٥، ٢٥)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٤)، المنتقى للباجي (١/ ١٦١).\nوقال ابن جزي في القوانين (ص: ٥٤): فإن تعمد ترك الجهر والإسرار، ففيه ثلاثة أقوال: البطلان، والسجود، والإجزاء دون سجود ...».\n(^٢). قال الشافعي في الأم (١/ ٢٣٦): «وإن خافت بالقراءة في الجمعة، أو غيرها مما يجهر فيه بالقراءة، أو جهر بالقراءة فيما يخافت فيه بالقراءة من الصلاة كرهت ذلك له، ولا إعادة، ولا سجود للسهو عليه».\n\nنص الحنابلة على أن من ترك الجهر في موضع الإسرار فقد ترك السنة، وصلاته صحيحة، وهل يكره فعله؟ ليس هناك نص صريح في المسألة، لكن يمكن تخريجها على قول المرداوي في الإنصاف (٢/ ٥٧): «يكره جهره -يعني المنفرد- نهارًا في صلاة النفل في أصح الوجهين». وهل يقاس الإمام على المنفرد؟ فيه تأمل.\nوقال ابن قدامة في المغني (٢/ ٧): «يكره أن يترك شيئًا من سنن الصلاة».\n(^٣). الحاوي الكبير (٢/ ١٥٠).","vol":"3","page":252},{"text":"فعل خلاف ذلك، كرهنا، وأجزأه» (^١).\nوقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: «من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا» (^٢).\nفصار الجهر والإسرار في موضعه يرجع إلى ثلاثة أقوال:\nأحدهما: يجب. والثاني: يسن، والثالث: شرط.\nفإن خالف فعلى القول بالوجوب: تحرم المخالفة.\nوعلى القول بالسنية: فقيل: يكره. وقيل: يعيد إن كان متعمدًا، ويسجد للسهو إن كان ساهيًا.\nوأضعف الأقوال القول بالشرطية، وحكيته دفعًا للاستدراك ليس إلا.\nونؤجل أدلة سجود السهو إلى موضعه من البحث، فالفقهاء أفردوه في مبحث مستقل.\n* دليل من قال: يجب الجهر والإسرار في محله:\nالدليل الأول:\nأمر الله تعالى في كتابه بإقامة الصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.\nوهذا أمر مجمل مفتقر إلى بيان، فجاءت السنة المبينة من فعله - ﷺ - في بيان إقامتها، ومن ذلك أنه كان يجهر في بعض الصلوات، ويسر في بعضها، فتكون هذه الأفعال لها حكم الأمر المجمل، فإذا كان الأمر بإقامة الصلاة للوجوب، فكذلك بيانه يأخذ حكمه.\n* ويناقش:\nبأن (أل) في الصلاة للعهد، لأن الصلوات الخمس قد نزلت مفسرة بمكة من صلاة جبريل بالنبي - ﷺ - كما في حديث ابن عباس، وحديث جابر وسبق تخريجهما، ثم جاءت آيات كثيرة مدنية بعد ذلك تأمر بإقامة الصلاة، فكان الخطاب متوجهًا لصلاة معهودة قد عرفوها، فلم تكن مفتقرة إلى البيان، وعليه فيكون قوله: ﴿وَأَقِيمُوا\n_________\n(^١). المحلى (٣/ ٢٥).\n(^٢). المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٥٤).","vol":"3","page":253},{"text":"الصَّلَاةَ﴾ نصًّا في إفادة وجوب الصلاة لا أكثر، وهو ليس بمجمل.\nالدليل الثاني:\nأن النبي - ﷺ - واظب على كل من الجهر والإسرار في موضعه، ولم يُخِلَّ به مرة واحدة، فصارت المواظبة على الجهر والإسرار في العبادة صفة لازمة، لملازمة النبي - ﷺ - على هذه الصفة، وأخذت صفة القراءة حكم القراءة نفسها، فإذا كانت القراءة واجبة فهي واجبة بالصفة التي تُلُقِّيَتْ عن الشارع من جهر وإسرار، فلا تنفك العبادة الواجبة عن صفتها، فمن خالف هذه الصفة فإنه يصدق عليه قوله - ﷺ - في حديث عائشة: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (^١).\nوقال - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والأصل في الأمر الوجوب (^٢).\n* ويناقش هذا الدليل من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا أن يكون بيانًا لمجمل، ويكون ذلك المجمل واجبًا، فيأخذ الفعل حكم ذلك المجمل، والمواظبة على الفعل ليست قرينة تصرف الفعل من الاستحباب إلى الوجوب، لوجود سنن كثيرة واظب عليها النبي - ﷺ - ولم يقل أحد بوجوبها، نعم الملازمة قد تجعل هذا الفعل من السنن المؤكدة، وإذا لم يحفظ في الشرع أمر بالجهر أو بالإسرار فلا يمكن القول بالوجوب.\nالوجه الثاني:\n(ح -١٥٧٨) أن دعوى المواظبة فيها نزاع، فقد روى البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا ... الحديث\n_________\n(^١). رواه مسلم (١٨ - ١٧١٨) من طريق سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة.\nورواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم في باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم، فأخطأ خلاف الرسول - ﷺ -، فحكمه مردود (٩/ ١٠٧).\n(^٢). رواه البخاري (٦٠٠٨) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث.","vol":"3","page":254},{"text":"ورواه مسلم (^١).\nفكان النبي - ﷺ - ربما أسمع الصحابة الآية أحيانًا في الصلاة السرية، وظاهر الحديث أن هذا يتكرر منه ﵊، وأقل ما يدل عليه فعل النبي - ﷺ - الجواز، وإذا جازت المخالفة في الآية جازت المخالفة في أكثر منها.\nقال ابن بطال: «وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه» (^٢).\n* ويناقش:\nبأن الجهر اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها سرية.\n* ورد هذا:\nبأننا لم نقل إن الجهر اليسير يخرج الصلاة عن السرية، ولكنه يرد دعوى أن النبي - ﷺ - واظب على الجهر والإسرار في موضعه.\nوإذا جاز ترك الإسرار في القليل جاز ذلك في الكثير خاصة أن النبي - ﷺ - لم يحفظ عنه نهي في الباب، ومن ادعى التحريم في الكثير فعليه الدليل.\nولم يقل أحد: إن ترك الجهر والإسرار في موضعه سنة، غايته أنه ترك مستحبًّا من مستحبات الصلاة، وأما التحريم فيحتاج إلى دليلٍ بَيِّنٍ، وحجة واضحة، والله أعلم.\nالوجه الثالث:\nأن الاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) على الوجوب فيه نظر كثير، وقد سبق أن بينت ذلك في مناقشة سابقة وذكرت بأن النبي - ﷺ - لم يكن يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي - ﷺ - قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك ابن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٥٧٤).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٧٧).","vol":"3","page":255},{"text":"أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي - ﷺ - يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي - ﷺ -، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي - ﷺ - المجردة الاستحباب، والله أعلم\nالدليل الثاني:\nذكر النووي في الخلاصة، عن أبي هريرة رفعه: من جهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر. ويقول: إن صلاة النهار عجماء (^١).\n[قال النووي: باطل لا أصله له. اهـ يعني مرفوعًا، والمعروف أنه من كلام الحسن وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومجاهد] (^٢).\n_________\n(^١). خلاصة الأحكام (١٢٤٣).\n(^٢). وروى ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٩) حدثنا وكيع، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: قالوا يا رسول الله، إن هاهنا من يجهرون بالقراءة بالنهار، فقال: ارموهم بالبعر.\n\nورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (ص: ١٦٩)، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي به.\nوهذا مرسل. وقال ابن هانئ كما في سؤالاته (٢٢١٥): سئل -يعني الإمام أحمد- عن مراسيل يحيى بن أبي كثير، قال: لا تعجبني؛ لأنه روى عن رجال ضعاف صغار. اهـ\nوقال يحيى القطان: مرسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح.\nوقد رواه يوسف بن يزيد الدمشقي كما في فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٥)، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن بريدة، عن النبي - ﷺ -. فوصله.\nقال صالح بن محمد الحافظ وغيره: خطأ لا أصل له.\nقال ابن رجب: ويوسف هذا ضعيف. إشارة إلى نكارة وصله.\nوقال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عمر بن عبد العزيز، عن النبي - ﷺ - مثل ذلك. وهذا مرسل أيضًا.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٤١٩٩) عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم الجزري، عن الحسن، قال: صلاة النهار عجماء، لا يرفع بها الصوت إلا الجمعة، والصبح، وما يرفع.\nصحيح من قول الحسن البصري.\nوقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٤) حدثنا حفص، عن هشام، عن الحسن، قال: صلاة النهار عجماء، وصلاة الليل تسمع أذنيك.\nوروى عبد الرزاق (٤٢٠٠) عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: صلاة النهار عجماء. =","vol":"3","page":256},{"text":"الدليل الثالث:\nأن الجهر فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة واجب ليستمع القوم لقراءته، لكونها أقيمت مقام قراءتهم؛ لوجود المقصود، وهو الاستماع، فلما قامت قراءة الإمام مقام قراءة المأموم وجب أن يكون الجهر فرضًا.\n* ونوقش:\nبأن الحنفية يحرمون القراءة خلف الإمام حتى في السرية، فلم يكن الاستماع في الصلاة الجهرية هو علة تحمل الإمام عن المأموم القراءة حتى يكون الجهر واجبًا، بل قراءة الإمام هي العلة عند الحنفية في تحمل القراءة عن المأموم، وليس الجهر.\n* دليل من قال: يستحب الجهر والإسرار في موضعه:\nالدليل الأول:\nلا يحفظ في النصوص الشرعية أمر شرعي من الشارع يأمر بالجهر في الجهرية والإسرار في السرية، والأصل عدم الوجوب.\n_________\n= وروى عبد الرزاق أيضًا (٤٢٠١) عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: سمعت أبا عبيدة يقول: صلاة النهار عجماء.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٥) حدثنا شريك، عن عبد الكريم، قال: صلى رجل إلى جنب أبي عبيدة، فجهر بالقراءة، فقال له: إن صلاة النهار عجماء، وصلاة الليل تسمع أذنيك.\nقال الحافظ ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ٨٤): «كثير من العلماء جعله حديثًا مرفوعًا منهم: ابن عبد البر (انظر التمهيد ٣/ ٣١٠) وابن الجوزي، ولا أصل لذلك، وحكي عن أبي حامد الإسفراييني، سأل الدارقطني عنه، فقال: لا أعرف صحيحًا، ولا فاسدًا».\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٤٦): قال الدارقطني وغيره من الحفاظ: هذا ليس من كلام النبي - ﷺ - ... وإنما هو قول بعض الفقهاء، ثم ذكر كلام أبي حامد، وسؤاله الدارقطني.\nوذكره السخاوي في المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة (٦٢٨)، والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (٢٧٤)، وصاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني (١٦٠٩)، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (٥٣)، وأسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (٨٢٥)، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (٢٢٦)، والمصنوع في معرفة الحديث الموضوع (١٨٠)، والجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (٢٣٤)، وغيرهم.","vol":"3","page":257},{"text":"الدليل الثاني:\nالجهر والإسرار إنما تلقيناه من السنة الفعلية، ودلالة أفعال الرسول - ﷺ - في أمور التعبد الأصل فيها الاستحباب، إلا أن تكون بيانًا لمجمل، فيأخذ الفعل حكم ذلك المجمل، فيبقى القول بالسنية هو المتيقن، والأصل براءة الذمة من اشتغالها بواجب لا دليل على وجوبه.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٧٩) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، حدثني عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بأم الكتاب وسورة معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا ... الحديث ورواه مسلم (^١).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٥٨٠) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران، قال: حدثنا سلم بن قتيبة قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق،\nعن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي - ﷺ - الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات (^٢).\n[حسن إن سلم من الاختلاف على سلم بن قتيبة، ويشهد له حديث أبي قتادة في الصحيحين] (^٣).\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٥٧٤).\n(^٢). المجتبى من سنن النسائي (٩٧١)، وفي السنن الكبرى له أيضًا (١٠٤٥).\n(^٣). الحديث رواه سلم بن قتيبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه محمد بن إبراهيم بن صدران كما في السنن الكبرى للنسائي (١٠٤٥)، وفي المجتبى (٩٧١).\nوعقبة بن مكرم البصري كما في سنن ابن ماجه (٨٣٠)، كلاهما ابن صدران وعقبة، قالا: حدثنا سلم بن قتيبة، عن هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق به.\nوخالفهما محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، عن سلم بن قتيبة، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي إسحاق، عن البراء. =","vol":"3","page":258},{"text":"وجه الاستدلال من الحديثين:\nلو كان الجهر محرمًا لما خالفه النبي - ﷺ - في بعض الآيات.\n* ونوقش هذا الاستدلال من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن المسألة مفروضة في الجهر والإسرار الكلي، لا في وقوع الجهر في الآية، وعلى التسليم فإنه دليل على جواز الجهر في السرية، فأين الدليل على جواز الإسرار في الجهرية، فالدليل أخص من الدعوى، فالجهر في آية واحدة لا ينافي السرية، والله أعلم.\n* وأجيب:\nبأن الجهر لا يخلو إما أن يكون مباحًا فالكثير منه والقليل سواء، أو يكون محظورًا فالقليل والكثير منه سواء، ولا يجوز أن يفرق في الحرام بين القليل والكثير إلا بنص يعتمد عليه في التفريق، والأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة الكثير.\n_________\n= أخرجه أبو يعلى كما في تحفة الأشراف (٢/ ٥٨) وليس في المطبوع.\nوأبو عبد الرحمن لم أعرفه، فإن كان ذلك محفوظًا حمل على أن لسلم بن قتيبة في هذا الحديث شيخين، وإلا عُدَّ هذا اضطرابًا في إسناده.\nوقال النووي في الخلاصة (١٢٠٨)، وفي المجموع (٣/ ٣٣٤): «رواه النسائي وابن ماجه بإسناد حسن».\nوقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٣٧): «هذا حديث حسن».\nوقد حسن إسناده الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١/ ١٢١) و(٢/ ١١١).\nوأطلق الحافظ ابن حجر الاختلاط على أبي إسحاق، وأعله به بعض العلماء المعاصرين وقال: لا ندري أسمع هاشم منه في الاختلاط أم قبله؟!\nوقال الذهبي في الميزان: .... شاخ ونسي ولم يختلط. ففرق بين حصول النسيان بسبب الكبر، وبين الاختلاط.\nوقال الذهبي كما في سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٩٤): ... كبر، وتغير حفظه تغير السن، ولم يختلط.\nوقال العلائي: لم يعتبر أحد من الأئمة ما ذكر من اختلاط أبي إسحاق، واحتجوا به مطلقًا، وذلك يدل على أنه لم يختلط في شيء من حديثه. المختلطين للعلائي (ص: ٩٤).","vol":"3","page":259},{"text":"الوجه الثاني:\nقد يكون الصحابي سمع منه الآية لقربه منه، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تَسْمَعُ أحيانًا بعضَ قراءة من بجانبك، أو تسبيحه أو دعاءه، وإن لم يقصد بذلك الجهر، فلا يلزم من سماع قراءة بعض الآي من الإمام أن يكون قصد بذلك الجهر.\nويشكل على هذا التوجيه أن ظاهر قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، أنه يسمع جميع المصلين لا بعضهم، وأنه يقصد إسماعهم، لا أن السماع يحصل بلا قصد.\nالوجه الثالث:\nربما جهر النبي - ﷺ - ليعلمهم أنه يقرأ، وحتى لا يظن أحد أن المشروع في الصلاة السرية السكوت بلا قراءة، كما ظن ذلك ابن عباس، فكان يسمعهم الآية أحيانًا لغرض التعليم، كما جهر بعض الصحابة بدعاء الاستفتاح لغرض التعليم، وليس الجهر فيه من السنة.\n* ويجاب:\nهذا الاحتمال صحيح، لكنه دليل على أن الجهر في السرية ليس حرامًا؛ إذ لو كان الإسرار واجبًا والجهر في السرية حرامًا لم يرتكب النبي - ﷺ - المحرم لمصلحة التعليم؛ لأنه يمكنه إخبارهم بذلك خارج الصلاة.\nالدليل الخامس: من الآثار.\n(ث-٤١٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي،\nأن سعيد بن العاص صلى بالناس الظهر والعصر فجهر بالقراءة، فسبح القوم، فمضى في قراءته، فلما فرغ صعد المنبر فخطب الناس، فقال: في كل صلاة قراءة، فإن صلاة النهار الخرس، وإني كرهت أن أسكت فلا ترون أني فعلت ذلك بدعة (^١).\n[صحيح].\n(ث-٤١٩) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا محمد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن أشعث بن أبي الشعثاء،\n_________\n(^١). المصنف (٣٦٤١).","vol":"3","page":260},{"text":"عن عبد الله بن زياد الأسدي، قال: سمعت قراءة عبد الله، في إحدى صلاتي النهار (^١).\n[صحيح] (^٢).\n(ث-٤٢٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم،\nعن علقمة، قال: صليت إلى جنب عبد الله بالنهار، فلم أدر أي شيء قرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. [طه: ١١٤]، فظننت أنه يقرأ في طه (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n(ث-٤٢١) ومنها ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا يوسف القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا أبو شهاب،\n_________\n(^١). المعجم الكبير للطبراني (٩/ ٢٧٧) ح ٩٣٨٩.\n(^٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١١٧): رواته ثقات.\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ١٩٦) ح ٨٩٦٢، من طريق أبي نعيم.\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤١)، وفي القراءة خلف الإمام (٢٠٧) من طريق علي بن حجر، كلاهما (أبو نعيم وعلي بن حجر) روياه عن شريك، عن أشعث بن سليم، عن عبد الله بن زياد، قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود، فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.\nهذا لفظ أبي نعيم. وهو إسناد صالح في المتابعات.\nوأما لفظ شريك، فقال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود ﵁ خلف الإمام، فسمعته يقرأ في الظهر والعصر.\nأخطأ فيه شريك بقوله: (خلف الإمام) فإن المحفوظ عن ابن مسعود أنه كان ينهى عن القراءة خلف الإمام، وقد ذكرت ذلك في قراءة الفاتحة خلف الإمام.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٣٦٥٩).\n(^٤). ورواه عبد الرزاق (٤٠٤٥) عن الثوري، عن الأعمش به، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٧٧) ح ٩٣٩٠. وقد سقط من مصنف عبد الرزاق شيخه الثوري.\n\nورواه البيهقي في الخلافيات (١٩١٧) وفي القراءة خلف الإمام له (٣٧٢) من طريق أبي معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش به.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٧) حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم به.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١١٧) رواه الطبراني في الكبير، ورجاله مُوَثَّقُون.","vol":"3","page":261},{"text":"عن حميد، وعثمان البتي، قالا: صلينا خلف أنس بن مالك الظهر، والعصر، فسمعناه يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (^١).\n[صحيح].\n(ث-٤٢٢) ومنها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:\nقلت لنافع: أكان ابن عمر يسمعك القراءة في التطوع بالنهار؟ قال: نعم، من السورة الشيء، وهو يسير (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nويرد على هذه الآثار من المناقشة ما ورد على حديث أبي قتادة المرفوع: (ويسمعنا الآية أحيانًا)، فارجع إليه.\nفهذا ابن عمر ﵄، وهو قد يسمع منه الشيء اليسير في صلاة النهار، ينهى عن الجهر في الصلاة السرية.\n(ث-٤٢٣) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير،\nعن ابن عمر، أنه رأى رجلًا يجهر بالقراءة نهارًا، فدعاه، فقال: إن صلاة النهار لا يجهر فيها، فأسر قراءتك (^٤).\n[بشر بن حرب ليس بالقوي] (^٥).\n_________\n(^١). المعجم الكبير (١/ ٢٤٢) ح ٦٧٨.\n(^٢). المصنف (٤١٩٨).\n(^٣). وروى حرب الكرماني في مسائل الصلاة ت الغامدي (٢٧٦)، حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن بشر بن حرب، قال: رأيت ابن عمر يصلي بالنهار، فكان يسمعنا قراءته.\n(^٤). المصنف (٣٦٦١).\n(^٥). ورواه البيهقي في الشعب (٢٤٥١) من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به. قال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٣٤٢): سألت أبي عن بشر بن حرب، فقلت: يعتمد على حديثه. فقال: ليس هو ممن يترك حديثه.\nوقال ابن هاني والمروذي: سألنا أبا عبد الله عن بشر بن حرب. فقال: نحن صيام، كأنه ضعفه. سؤالات ابن هاني (٦٦٤)، وسؤالات المروذي (١٥٠).\nوقال البخاري: رأيت علي بن المديني يضعفه.","vol":"3","page":262},{"text":"مما يدل على أن الجهر اليسير لا ينافي السرية، والبحث هو في الجهر الكلي في الصلاة السرية، والله أعلم.\n* دليل من قال: يكره الجهر والإسرار في غير موضعه.\nالمكروه عند الفقهاء قسمان:\nقسم: ورد النهي عنه بعينه إلا أن النهي لم يكن جازمًا، فهذا من المكروه المتفق عليه.\nوقسم ما خالف فيه سنة مؤكدة، فبعض العلماء يلحق هذا بالمكروه، ويعبر عنه بعض الأصوليين بخلاف الأولى، وهو أخف كراهة من القسم الأول الذي ورد النهي عنه بذاته، وترك الجهر والإسرار في موضعه ملحق بهذا القسم، وهو خلاف الأولى.\nوقد ينازع بعضهم في إلحاق هذا القسم بالمكروه؛ لأنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالمكروه ملحق بالمنهيات، والسنن ملحقة بالمأمورات، والله أعلم.\n* الراجح:\nقول الحنفية فيه قوة، وقول الجمهور أقوى، والأصل عدم الوجوب، ومن جهر في موضع الإسرار بغرض التعليم ففعله حسن، ومن جهر معتقدًا أن الجهر أفضل ففعله منكر؛ لأن مخالفة السنة لا يمكن أن تكون أفضل.\n\n* * *","vol":"3","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسألة الثانية حكم الجهر والإسرار بالقراءة للمنفرد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* إذا كان الإسرار مستحبًّا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو مستحب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.\n* يتبع المصلي المنفرد ما هو أخشع لقلبه، وأنشط على الصلاة.\n* استحباب الجهر للإمام من أجل الإسماع، والمنفرد لا يُسْمِعُ أحدًا.\n* إذا اختار المنفرد الجهر فلا يكون جهره بمنزلة جهر الإمام الذي يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ، وإنما هو وسط بين الجهر والإخفات.\n[م-٦٠٠] اختلف الفقهاء في حكم الإسرار للمنفرد في الصلاة السرية:\nفقال الحنفية: المخافتة في السرية واجبة في حق المنفرد على الأصح (^١).\nقال في بدائع الصنائع: «إن كان منفردًا، فإن كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت لا محالة، وهو رواية الأصل ...» (^٢).\nوجهه: إذا كان الإسرار واجبًا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو واجب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.\nوقد ناقشت مذهب الحنفية في وجوب الإسرار على الإمام في المسألة\n_________\n(^١). قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣١٩): «الإخفاء في صلاة المخافتة واجب على المصلي إمامًا كان أو منفردًا ... وهو واجب على الإمام اتفاقًا وعلى منفرد على الأصح، وأما الجهر في الصلاة الجهرية فواجب على الإمام فقط، وهو أفضل في حق المنفرد».\n\nوانظر: بدائع الصنائع (١/ ١٦١)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٢٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦)، المبسوط (١/ ١٧، ٢٢٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١٦١).","vol":"3","page":264},{"text":"السابقة، فانظره هناك.\nوقال الجمهور: الإسرار سنة في السرية (^١).\n* واستدلوا على الاستحباب:\nذكرنا الأدلة على أن الإسرار سنة في موضعه في حق الإمام في المسألة السابقة، وإذا كان الإسرار مستحبًّا في حق الإمام الذي يصلي بغيره، فهو مستحب في حق المنفرد الذي يصلي لنفسه من باب أولى.\nولأن الجهر والإسرار هيئة للذكر، فوجب أن يستوي حكمه في حق الإمام والمنفرد؛ فصلاة الإمام في حكم صلاة المنفرد؛ لأن نية الإمامة ليست بشرط، فلو صلى ولم يَنْوِ الإمامة، وصلى جماعة بصلاته صح اقتداؤهم به، وإن لم ينو الإمامة بهم، بخلاف الائتمام فإنه لا يصح إلا بنية.\nوأما الجهر في الجهرية:\nفقال الحنفية والحنابلة: يخير المنفرد، إن شاء خافت وإن شاء جهر، والجهر أفضل عند الحنفية (^٢).\n_________\n(^١). التلقين (١/ ٤٣)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦١)، القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٣٦)، عقد الجواهر (١/ ٩٦)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١٤٩، ١٥٠)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٢)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٨٩، ٣٩١)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٣) نهاية المطلب (٣/ ٥٦).\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٤٠٧): «الجهر في موضع الجهر، والإسرار في موضع الإسرار، لا خلاف في استحبابه، فإن جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر، ترك السنة، وصحت صلاته».\nوانظر: كشاف القناع (١/ ٣٣٢، ٣٤٤)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٦٠٣)، المبدع (١/ ٣٩٢)، الإنصاف (٢/ ٥٧)، الإقناع (١/ ١١٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢).\n(^٢). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ١٦١)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٢٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٢٥)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٢)، كشاف القناع (١/ ٣٤٣)، الإقناع (١/ ١١٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤١)، أخصر المختصرات (ص: ١١٢).","vol":"3","page":265},{"text":"* وجه التخيير:\nأن لكل من الجهر والإسرار ما يسوغه، فالجهر اعتبار بالوقت، حيث صلاة الليل جهرية، وغالب صلاة النهار سرية.\nوالمخافتة باعتبار أن الجهر من أجل الإسماع، وهولا يُسْمِعُ أحدًا. والله أعلم.\nواختار المالكية والشافعية أنه يسن له الجهر، وهو رواية عن أحمد (^١).\nقال القيرواني في الرسالة: «وأما الجهر فأن يسمع نفسه ومن يليه إن كان وحده» (^٢).\n* دليل من قال: يستحب الجهر:\nالدليل الأول:\n(ح-١٥٨١) ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن إسحاق، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح،\nعن أبي قتادة؛ أن النبي - ﷺ - خرج ليلةً، فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر بن الخطاب، وهو يصلي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي - ﷺ -، قال: يا أبا بكر، مررتُ بك وأنتَ تصلي تخفض صوتك؟ قال: قد أسمعتُ مَن ناجيتُ يا رسول الله. قال: وقال لعمر: مررتُ بك، وأنت تصلي رافعًا صوتك؟ قال: فقال: يا رسول الله! أوقظُ الوَسنانَ، وأطرد الشيطان، فقال النبي - ﷺ -: يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا (^٣).\n[المحفوظ أنه مرسل، ووصله شاذ] (^٤).\n_________\n(^١). مختصر خليل (ص: ٣٢)، التلقين (١/ ٤٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٦١)، الرسالة للقيرواني (ص: ٣٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩٠)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، منح الجليل (١/ ٢٥٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، البيان والتحصيل (٢/ ٩٢)، الذخيرة (٢/ ٢٠٧)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٣)،.\n(^٢). الرسالة (ص: ٣٣).\n(^٣). سنن أبي داود (١٣٢٩).\n(^٤). الحديث اختلف فيه على حماد بن سلمة:\nفرواه يحيى بن إسحاق السَّيلحِينيُّ، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن =","vol":"3","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رباح، عن أبي قتادة موصولًا.\nرواه أبو داود (١٣٢٩) حدثنا الحسن بن الصَّبَّاح.\nوالترمذي (٤٤٧)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (٤٢٧)، والطبراني في الأوسط (٧٢١٩)، عن محمود بن غَيْلان.\nوابن خزيمة (١١٦١)، وعنه ابن حبان (٧٣٣)، أخبرنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم صاحب السَّابِريِّ.\nوالحاكم (١/ ٣١٠)، وعنه البيهقي (٣/ ١٦) من طريق جعفر بن محمد بن شاكر.\nوابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٥٦) من طريق الحسن بن علي (الخلال)، كلهم رووه عن يحيى بن إسحاق السَّيلحِينيُّ به موصولًا.\nوخالفه موسى بن إسماعيل، فرواه عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\nأخرجه أبو داود (١٣٢٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٣/ ١٦) عن موسى بن إسماعيل به.\nقال الترمذي: «هذا حديث غريب، وإنما أسنده يحيى بن إسحاق عن حماد بن سلمة، وأكثر الناس إنما رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلًا».\n\nوقول الترمذي: أكثر الناس رووه مرسلًا دليل على أنه لم يتفرد بإرساله موسى بن إسماعيل، وإن كنت من خلال البحث لم أقف على غيره.\nوقال الطبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديث موصولًا عن حماد بن سلمة إلا يحيى بن إسحاق، ولا يروى عن أبي قتادة إلا بهذا الإسناد».\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال كما في العلل (٢/ ٢٢٢) ح (٣٢٧): «الصحيح عن عبد الله بن رباح؛ أن النبي - ﷺ -، مرسلًا، أخطأ فيه السَّالَحِينيُّ».\nوله شاهد ضعيف من حديث أبي هريرة.\nرواه أبو داود (١٣٣٠) من طريق أسباط بن محمد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بهذه القصة لم يذكر، فقال لأبي بكر: «ارفع من صوتك شيئًا»، ولعمر: اخفض شيئًا»، زاد: وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة، قال: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه إلى بعض، فقال النبي - ﷺ -: كلكم قد أصاب.\nومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٧)، وفي الشعب (٤/ ٥).\nورواه هشام بن عمار (١٠٤) حدثنا سعيد (هو ابن يحيى اللخمي)،\nوالخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٨٧)، وفي تلخيص المتشابه في الرسم (٢/ ٦٨٩) من طريق المُشْمَعِلِّ بن مِلْحَان، كلاهما عن محمد بن عمرو به.\nومحمد بن عمرو صدوق روى عنه مالك، إلا أنه متكلم في روايته عن أبي سلمة،\nوقد وثقه ابن معين إلا أنه تكلم في روايته عن أبي سلمة، فقال حين سئل عنه: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، =","vol":"3","page":267},{"text":"الدليل الثاني:\nأن الاعتبار بالصلاة في الجهر والإسرار، ولأنه إذا جهر في الصلاة الجهرية لم ينازع غيره، ولا هو مأمور بالإنصات إلى غيره، فكان حكمه حكم الإمام (^١).\n* الراجح:\nالقول بالتخيير فيه قوة، ويتبع المصلي ما هو أخشع لقلبه، وأنشط على الصلاة، فمن الناس من يكون حاله في الجهر أكثر تدبرًا وتلذذًا بالقرآن، ومن الناس من يجد خشوعه أكثر في الإسرار، وإذا جهر لا يكون جهره بمنزلة جهر الإمام الذي يسمع من خلفه، وإنما وسط بين الجهر والإخفات.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ١١٠].\n\n* * *\n_________\n= ثم يحدث به مرة أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠).\nوالباحثون يضربون انتقاد ابن معين لرواية محمد بن عمرو بنقل توثيقه عنه المطلق، والحق أن كلام ابن معين مقيد في روايته عن أبي سلمة، وتوثيقه في روايته عن غيره، هذا إذا روى عن أبي سلمة، ولم يختلف عليه، وأما إذا اختلف عليه في الوصل والإرسال فهذه علة توجب رد روايته كما هو الشأن في هذا الحديث.\nوسئل يحيى بن سعيد القطان عن محمد بن عمرو، فقال للسائل: تريد العفو، أو نشدد؟\nقال: بل شدد. قال: ليس ممن تريد.\nوقال المروذي: سألته (يعني أحمد) عن محمد بن عمرو، فقال: قد روى عنه يحيى، وربما رفع أحاديث يوقفها غيره، وهذا من قبله، وقد ورد على الأعمش، فلم يكرمه. سؤالاته (٥٨).\nوفضل أحمد بن حنبل سهيل بن أبي صالح عليه.\nقال الدارقطني في الغرائب والأفراد كما في أطرافه (٥٥٢٣): تفرد به أسباط بن محمد، عنه.\nوقال الدارقطني في العلل (٨/ ٢٣) «أرسله خالد بن عبد الله، والمعتمر بن سليمان، والدراوردي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهو أصح».\nوانظر جواب أبي زرعة لابن أبي حاتم في العلل (٢/ ١٣٩) ح ٢٧٠.\n(^١). انظر المهذب للشيرازي (١/ ١٤٢).","vol":"3","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المسألة الثالثة حكم الجهر بالقراءة للمأموم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار بالقراءة.\n* جهر المأموم بالقراءة فيه مفسدتان: منازعة الإمام، والتشويش على المأموم.\n* قول النبي - ﷺ - مالي أنازع القرآن نهي عن الجهر لا عن أصل القراءة.\n[م-٦٠١] اتفق العلماء على أن المأموم لا يشرع له الجهر بالقراءة خلف الإمام، لا فرق في ذلك بين الصلاة السرية والجهرية.\nقال النووي: «أجمعت الأمة على أن المأموم يسن له الإسرار، ويكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أم لا ...» (^١).\nوقال ابن قدامة: «وهذا الجهر مشروع للإمام، ولا يشرع للمأموم بغير اختلاف» (^٢).\nوحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع (^٣).\nوقال ابن حزم: فرض عليه الإسرار ... ولو جهر بطلت صلاته.\n(ح-١٥٨٢) ومستند الإجماع ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،\nعن عمران بن حصين، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر، أو العصر، فقال: أيكم قرأ خلفي بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فقال رجل: أنا، ولم أرد بها إلا الخير، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها (^٤).\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٩٠)، وانظر فتح المنعم شرح صحيح مسلم (٢/ ٤٩٣).\n(^٢). المغني لابن قدامة (١/ ٤٠٧).\n(^٣). المبدع (١/ ٣٩٢).\n(^٤). صحيح مسلم (٤٧ - ٣٩٨).","vol":"3","page":269},{"text":"فهذا الحديث ليس فيه النهي عن القراءة، وإنما يفهم منه النهي عن الجهر بالقراءة خلف الإمام.\nوقد روى أبو داود الطيالسي، وعمرو بن مرزوق ومحمد بن كثير العبدي، وشبابة عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين به، زاد في آخره: قال شعبة: فقلت لقتادة: كأنه كرهه، فقال: لو كرهه لنهى عنه (^١).\nقال البيهقي: إن كان كره النبي - ﷺ - من قراءته شيئًا فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإمام، ألا تراه قال: أيكم قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة؛ وإلا لم يسمِّ له ما قرأ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام، فأما أن يترك أصل القراءة فلا» (^٢).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: «ليس في هذا الحديث دليل على كراهية ذلك (يعني: القراءة خلف الإمام في السرية)؛ لأنه لو كرهه لنهى عنه، وإنما كره رفع صوت الرجل بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في صلاةٍ سُنَّتُها الإسرارُ بالقراءة» (^٣).\nوقال النووي عن قوله: (خالجنيها): «أي نازعنيها، ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه، والإنكار في جهره، أو رفع صوته بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة، بل فيه أنهم كانوا يقرؤون في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم» (^٤).\n\n* * *\n_________\n(^١). سبق تخريج هذه الطرق في المجلد السابق، في مسألة: (قراءة المأموم فاتحة الكتاب).\n(^٢). القراءة خلف الإمام للبيهقي (ص: ١٦٦).\n(^٣). التمهيد (١١/ ٥٢).\n(^٤). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٩).","vol":"3","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المسألة الرابعة حكم جهر المرأة بالقراءة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل أن كل ما ثبت للرجل في الصلاة ثبت ذلك في حق المرأة إلا بدليل.\n* إذا ورد خطاب شرعي بلفظ المذكر كان ذلك خطابًا للنساء إما لشمول الخطاب، أو بمقتضى القياس، إلا بدليل يقتضي تخصيص الحكم بالرجال، ولم يَأْتِ دليل يمنع المرأة من الجهر إذا كانت وحدها، أو بحضرة النساء.\n* صوت المرأة ليس بعورة على الصحيح.\n* قال ابن حزم: لم يختلف مسلمان في أن سماع الناس كلام نساء رسول الله - ﷺ - مباح للرجال، ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء.\n* قول ابن مسعود: المرأة عورة، يقصد به عورة المرأة إذا خرجت من بيتها، وليس في عورة المرأة وحدها، ولا عند محارمها، ولا في صلاتها.\n* حديث المرأة عورة على التسليم بصحته مرفوعًا خص منه بالإجماع وجه المرأة في الصلاة، ويخص منه صوت المرأة على الصحيح.\n* إذا لم تجهر المرأة بالتسبيح وشرع في حقها التصفيق بدلًا منه لم تجهر بالقرآن في حضرة الأجانب، وإن كان صوتها ليس بعورة.\n[م-٦٠٢] اختلف العلماء في جهر المرأة بالقراءة:\nفقيل: تسر القراءة في الصلاة مطلقًا، ولو كانت وحدها، ولو جهرت لم تفسد صلاتها، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، وقول للحنابلة، ووجه في مذهب الشافعية (^١).\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٦٠)، البحر الرائق (١/ ٢٨٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٠٦)، إكمال المعلم (٢/ ٣٣٢)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٦٣)، مواهب الجليل (١/ ٤٣٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦١)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٧٠)، المجموع (٣/ ٣٩٠)، الإنصاف (٢/ ٥٦)، المبدع (١/ ٣٩٢)،.","vol":"3","page":271},{"text":"قال ابن الهمام من الحنفية: لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهًا (^١).\nوقال القاضي حسين: «ولأصحابنا في صوت المرأة وجهان:\nأحدهما: هو عورة ... فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها.\nالثاني: لا، وهو الأصح» (^٢).\nوجاء في المدونة: «قال مالك في المرأة تصلي وحدها صلاة يجهر فيها بالقراءة، قال: تسمع المرأة نفسها، قال: وليس شأن النساء الجهر إلا الأمر الخفيف في التلبية، وغير ذلك» (^٣).\nوقال خليل في التوضيح: «وجهر المرأة كَسِرِّها، فتسمع نفسها فقط» (^٤).\nوقيل: تجهر مطلقًا، وبه قال ابن حزم (^٥).\nوقال الشافعية: إن كانت تصلي خالية، أو بحضرة نساء، أو رجال محارم جهرت بالقراءة، وإن صلت بحضرة أجنبي أَسَرَّتْ، وهو مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (^٦).\nقال في كشاف القناع: «ولا بأس بجهر امرأة في الجهرية إذا لم يسمعها أجنبي منها، بأن كانت تصلي وحدها، أو مع محرمها، أو مع النساء» (^٧).\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٦٠).\n(^٢). التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨١٣)، قال النووي في المجموع (٣/ ٣٩٠): «بالغ القاضي حسين ... ثم نقل قوله».\n(^٣). المدونة (١/ ١٦٣).\n(^٤). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٤٨).\n(^٥). المحلى (٢/ ٩٩).\n(^٦). المجموع (٣/ ٣٩٠)، الفروع (٢/ ١٨٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٥)، كشاف القناع (١/ ٣٤٣)، مطالب أولي النهى (٥/ ٢٢)، الفوائد المنتخبات في شرح أخص المختصرات (١/ ٢٠٠).\n(^٧). كشاف القناع (١/ ٣٤٣).","vol":"3","page":272},{"text":"وقيل: تجهر إذا صلت بالنساء، ولا تجهر إذا صلت وحدها، وهو اختيار ابن تيمية من الحنابلة (^١).\n* دليل من قال: لا تجهر مطلقًا:\nالدليل الأول:\nاستدل القائلون بالمنع مطلقًا على اعتبار أن المرأة عورة.\n(ح-١٥٨٣) لما رواه الترمذي من طريق عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، قال: المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (^٢).\n[صحيح موقوفًا، وجاء مرفوعًا، إلا أن الأكثر على وقفه] (^٣).\nإذا كانت المرأة عورة كان صوتها عورة كذلك، وإذا كانت منهية عن فعل يسمع له صوت خلخالها، فهي منهية عن رفع صوتها بالطريق الأولى.\n* ويناقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nالأثر موقوف، والحجة في المرفوع.\n* ويجاب:\nبأن الاحتجاج بالموقوف محل خلاف بين أهل الأصول، والأصح أنه حجة إذا لم يعارض نصًّا، ولم يخالفه قول صحابي آخر، وعلى التسليم بأنه ليس دليلًا فهو صالح باعتباره من أدوات الترجيح في مسائل الخلاف لكون الصحابي أقدر على فهم أحكام الشرع، لأخذه الأحكام من رسول الله - ﷺ - مباشرة.\nالوجه الثاني:\nبأن العموم قد يطلق ويراد به الخصوص، فالأثر يتكلم عن عورة المرأة إذا\n_________\n(^١) الإنصاف (٢/ ٥٧).\n(^٢). سنن الترمذي (١١٧٣).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر ح (٦٨٧) من المجلد الرابع.","vol":"3","page":273},{"text":"خرجت من بيتها، وليس في عورة المرأة وحدها، ولا عند محارمها، ولا في صلاتها.\nالوجه الثالث:\nعلى التسليم بصحته للاحتجاج، فإن العموم في قوله: (المرأة عورة) لا يشمل ما خُصَّ منه؛ لأن الخاص مقدم على العام.\nوقد خص منه بالإجماع وجه المرأة في الصلاة، وسبق الكلام عليه عند بحث عورة المرأة في الصلاة.\nويخص منه صوت المرأة، قال ابن حزم: «لم يختلف مسلمان في أن سماع الناس كلام نساء رسول الله - ﷺ - مباح للرجال، ولا جاء نص في كراهة ذلك من سائر النساء، وبالله تعالى التوفيق» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٨٤) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،\nعن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله - ﷺ - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وفيه ... قال رسول الله - ﷺ -: ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق، من رابه شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح الْتُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء (^٢).\nقال القاضي عياض: «عللوا اختصاص النساء بالتصفيق لأن أصواتهن عورة» (^٣).\n* ويناقش:\nبأن الحديث يحتمل: (إنما التصفيق للنساء) أي من فعل النساء، قال ذلك على وجه الذم، فنهى الرجال عن التشبه.\nويحتمل الحديث: إنما التصفيق مشروع للنساء أي في الصلاة، وهو الأرجح كما تفيده رواية أبي هريرة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني.\nوعلى الاحتمال الأول لا حجة فيه مطلقًا في مسألتنا؛ لأن الحديث إنما توجه\n_________\n(^١). المحلى (٢/ ٩٩).\n(^٢). البخاري (٦٨٤).\n(^٣). إكمال المعلم (٢/ ٣٣٢)، وانظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٥٦)، المسالك في شرح موطأ مالك (٤/ ٣١٢)، المنتقى للباجي (٢/ ٢١١).","vol":"3","page":274},{"text":"في النهي عن تشبه الرجال بالنساء بعادة التصفيق، ولا يؤخذ منه تشريع التصفيق للنساء في الصلاة.\nوعلى الاحتمال الثاني يكون ذلك خاصًّا بحضرة الرجال الأجانب، وليس مطلقًا، فعلى الاحتمالين لا يصح مستمسكًا بمنع المرأة مطلقًا عن الجهر بالصلاة، ولو كانت وحدها.\n* دليل من قال: تجهر مطلقًا:\nالدليل الأول:\nصوت المرأة ليس بعورة، ولقد كانت المرأة تأتي إلى النبي - ﷺ - فتسأله المسألة، وهو بين أصحابه، فيسمعها، ويقر أصحابه على سماعها، وما نهيت المرأة عن القول، وإنما نهيت عن الخضوع فيه.\nقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].\nوإذا جهرت المرأة في خطابها بمحضر الرجال في حاجاتها المباحة كالبيع والشراء، والاستفتاء، فالجهر بالقرآن أولى بالجواز.\n* ويناقش:\nصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- فإنه يخشى منه الفتنة.\n* ويجاب:\nإذا خشي منه الفتنة كما لو كان صوت المرأة فيه أنوثة غير معتادة، يخشى منه الافتتان فهذه حال خاصة، لا تأخذ حكمًا عَامًّا في كل النساء، كما حرم بعض الفقهاء النظر إلى الأمرد إذا خشي منه الفتنة، وإن لم يكن هذا حكمًا عَامًّا في النظر إلى كل أمرد.\nالدليل الثاني:\nوالأصل أن كل ما ثبت للرجل في الصلاة ثبت ذلك في حق المرأة إلا بدليل، فإذا ورد خطاب شرعي بلفظ المذكر كان ذلك خطابًا للنساء إما لشمول الخطاب، أو بمقتضى القياس، إلا بدليل يقتضي تخصيص الحكم بالرجال، ولم يَأْتِ دليل يمنع المرأة من الجهر، فتدخل في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية.","vol":"3","page":275},{"text":"* دليل من قال: لا تجهر في حضرة الأجانب:\n* الدليل الأول:\n(ح-١٥٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة،\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (^١).\nورواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سفيان به، وزاد: (في الصلاة) (^٢).\nورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وحده،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة.\nفزاد لفظ: (في الصلاة) وهي زيادة محفوظة (^٣).\nورواه مسلم من طريق الفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس، كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بمثله (^٤).\nأي بمثل رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ليس فيه زيادة (في الصلاة).\nورواه مسلم أيضًا من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٢٠٣)، وصحيح مسلم (١٠٦ - ٤٢٢).\nورواه مسلم (١٠٦ - ٤٢٢) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، ومحمد بن أبي حفصة، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن به.\nزاد حرملة في روايته عن ابن وهب عن يونس: قال ابن شهاب: وقد رأيت رجالًامن أهل العلم يسبِّحون ويشيرون.\n(^٢). النسائي في المجتبى (١٢٠٧)، وفي الكبرى (١١٣١).\n(^٣). المصنف (٤٠٦٨).\nوأخرجه ابن حبان (٢٢٦٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٤٩) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة، زاد البيهقي (في الصلاة).\nورواه السراج في مسنده (٦٩٣) من طريق عبد الرزاق به، وقرن به سعيد بن المسيب، وليس فيه زيادة (في الصلاة).\n(^٤). صحيح مسلم (١٠٧ - ٤٢٢).","vol":"3","page":276},{"text":"بمثله، وزاد: في الصلاة (^١).\nورواه أحمد من طريق هشام، عن محمد،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء بالصلاة (^٢).\n[سنده في غاية الصحة] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن المرأة لم يشرع لها التسبيح في الصلاة، وشرع لها بدلًا من ذلك التصفيق كله حتى لا تجهر بصوتها بحضرة الرجال الأجانب، وإن لم يكن صوتها عورة، وإذا لم تجهر بالتسبيح لم تجهر في القرآن في حضرة الأجانب.\n* دليل من قال: تجهر إذا صلت بالنساء، ولا تجهر إذا صلت وحدها:\nيمكن أن يستدل له بأن الجهر شرع من أجل إسماع المقتدي، فإذا صلت وحدها فلا حاجة للجهر.\nوكون الجهر لا حاجة له، لا ينفي على الأقل إباحته كالرجل إذا صلى وحده، يباح له الجهر أو يشرع، وإن كان لا يُسْمِعُ أحدًا، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن قول الشافعية والحنابلة وسط بين المانع مطلقًا، وبين المجيز مطلقًا، فإذا كانت المرأة في حضرة الرجال الأجانب لم يشرع لها الجهر، وإن كان صوتها على الأصح ليس بعورة، ولكن من باب سد الذرائع، ولو جهرت لم تبطل صلاتها، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٤٢٢).\n(^٢). المسند (٢/ ٥٠٧).\n(^٣). أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٧) حدثنا يزيد (هو ابن هارون).\nوأخرجه أبو يعلى (٦٠٤٢) من طريق حرب بن ميمون، كلاهما عن هشام به.\nولم يتفرد به هشام بن حسان، فقد رواه أحمد (٢/ ٤٩٢) من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بمثله.","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>الفرع الرابع في أقل الجهر وأعلاه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>المسألة الأولى في أقل الجهر</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أكمل الجهر إسماع جميع المأمومين، وأدناه إسماع بعضهم، وإذا لم يسمعه أحد فلم يقم بسنة الجهر.\n* المقصود من الجهر الإسماع، فإذا لم يسمعه أحد لم يخرج عن حد الإسرار.\n* إذا أسمع القارئ نفسه فقط في الصلاة السرية لم يخرج بصلاته عن حد الإسرار.\n[م-٦٠٣] ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأكثر مشايخ الحنفية إلى أن أقل الجهر أن يسمع من يليه (^١).\n_________\n(^١). الهداية شرح البداية (١/ ٥٥)، البحر الرائق (١/ ٣٥٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ٨٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٧)، الرسالة للقيرواني (ص: ٣٣)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، النوادر والزيادات (١/ ١٨٥)، منح الجليل (١/ ٢٥٢)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٦١)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٨)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٢٠٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥).\nقال الماوردي في الحاوي الكبير (٢/ ١٥٠): «وحد الجهر: هو أن يسمع من يليه، وحد الإسرار: أن يسمع نفسه».\nوانظر: المجموع (٣/ ٣٩٠)، أسنى المطالب (١/ ١٥٦)، كفاية النبيه (٣/ ١٥٥)، المنهاج القويم لشرح المقدمة الحضرمية (ص: ٩٩)، حاشية البجيرمي على شرح المنهج (١/ ١٧١)، المبدع شرح المقنع (١/ ٣٧٩)، النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر (١/ ٥٤)، مسائل حرب الكرماني ت الغامدي (ص: ١٤٣)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٤٣).","vol":"3","page":278},{"text":"جاء في البحر الرائق: «أكثر المشايخ على أن الصحيح أن الجهر أن يسمع غيره والمخافتة أن يسمع نفسه» (^١).\nوقال الخرشي: «وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلاه لا حد له» (^٢).\nوجاء في مسائل حرب الكرماني: «سئل أحمد عن القراءة في الصلاة التي يجهر فيها إذا سمع أذنيه؟ قال: يسمع من إلى جنبه» (^٣).\nلأن المقصود من الجهر إسماع المأموم، فإذا لم يسمعه أحد كانت قراءته سرية.\nوخالف الكرخي من الحنفية، فقال: أدنى الجهر أن يسمع نفسه، وأدنى المخافتة تصحيح الحروف؛ لأن القراءة فعل اللسان، ولا علاقة للأذن به (^٤).\nوَيُرَدُّ عليه:\nأن المطلوب في الجهر ليس مطلق الجهر، فالجهر في الصلاة الجهرية لم يشرع من أجل أن يسمع الإمام نفسه فقط، ولو أسمع نفسه في الصلاة السرية لا يعتبر أنه خرج بصلاته عن حد السرية، وإن اختلفوا في اشتراطه في حد القراءة، فتلك مسألة أخرى؛ بل شرع الجهر لإسماع المأموم، ويكفي إسماع بعضهم، فإذا لم يُسْمِعْ أحدًا منهم كان في حكم من أسر صلاته.\n* الراجح:\nأن أكمل الجهر إسماع جميع المأمومين، وأدناه إسماع بعضهم، وإذا لم يسمعه أحد فلم يقم بسنة الجهر، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٥٦).\n(^٢). شرح مختصر خليل للخرشي (١/ ٢٧٥).\n(^٣). مسائل حرب الكرماني (ص: ١٤٣).\n(^٤). العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦).","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المسألة الثانية في أعلى الجهر</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* يتفاوت الناس في قوة الصوت وحدته.\n* لا يتكلف الإمام في الجهر بالقراءة إلا بحدود ما أعطاه الله.\n* لا حد لأعلى الجهر؛ بشرط ألا يجهد نفسه، ولا يؤذي غيره.\n* إسماع جميع المصلين أفضل بلا تكلف، وليس بشرط في تحقيق سنة الجهر.\n* سمع عمر أبا محذورة وقد رفع صوته بالأذان، فقال: أما خشيت أن ينقطع مُرَيْطَاؤكَ؟ والمُريطَاء: ما بين السرة والعانة.\n[م-٦٠٤] قال الحنفية: يجهر بحسب حاجة الجماعة، فإن زاد فوق حاجة الجماعة فقد أساء (^١).\nوخالف أبو جعفر من الحنفية، فقال: كلما زاد في الجهر فهو أفضل بشرط ألا يجهد نفسه، ولا يؤذي غيره (^٢).\nوقال المالكية: لا حد لأعلاه، وهو الصواب (^٣).\nقال ابن ناجي التنوخي في شرح الرسالة: «وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وأعلاه لا حد له» (^٤).\n_________\n(^١). مراقي الفلاح (ص: ٢٥٣)، الدر المختار وحاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٢).\n(^٢). انظر الحاشية السابقة.\n(^٣). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٢)، حاشية الصاوي (١/ ٣١٨).\n(^٤). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٠).","vol":"3","page":280},{"text":"(ث-٤٢٤) لما رواه مالك في الموطأ، عن عمه أبي سهيل بن مالك،\nعن أبيه أنه قال: كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم بالبلاط (^١).\n[صحيح] (^٢).\nقال ابن عبد البر: «كان عمر مديد الصوت فمن هناك كان يبلغ صوته حيث وصف سامعه، وفيه تفسير لحديث: (لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) أنه في المنفردين، وأما قراءة الإمام في المكتوبة أو غيرها فلا» (^٣).\nقال أبو الوليد الباجي: «ذكر بعض أهل التفسير أن صوت عمر إنما سمع في ذلك المكان لجهارته وقوته» (^٤).\nوقال الباجي: «لا بأس أن يرفع الإمام صوته فيما يجهر فيه من الفرائض وكذا النوافل، وقد روى أشهب عن مالك لا بأس أن يرفع المتنفل ببيته صوته بالقراءة ولعله أنشط له وأقوى» (^٥).\n* فالراجح:\nأن الإمام يجهر بما يناسب صوته، ولا يجهد نفسه، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). موطأ مالك ت عبد الباقي (١/ ٨١).\n(^٢). ورواه إسماعيل بن جعفر في أحاديثه رواية علي بن حجر السعدي (٤٦٠، حدثنا أبو سهيل به، قال إسماعيل: فكان بينهما نحو من سبعمائة ذراع.\nورواه عبد الرزاق (٢٨٥٩) عن عبد الله بن عمر، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، قال: كانت تسمع قراءة عمر في صلاة الصبح من دار سعد بن أبي وقاص.\nوعبد الله بن عمر المكبر فيه ضعف.\n(^٣). انظر: الاستذكار (١/ ٤٣٨).\n(^٤). المنتقى للباجي (١/ ١٥١).\n(^٥). انظر شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفرع الخامس في جهر بعض المصلين على بعض</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* سمع النبي - ﷺ - أصحابه وقد جهر بعضهم على بعض بالقراءة، فنهاهم عن ذلك، وقال: لا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة.\n* إذا كان جهر بعض القراء على بعض موصوفًا بالأذية، فالأصل في أذية المسلم التحريم.\n* نهى الرسول - ﷺ - من جهر بعض المصلين على بعض، والأصل في النهي التحريم.\n* الأذى بالجهر إن كان يؤذي من بجانبه ويؤثر على خشوعه في الصلاة كان فعله محرمًا، وإن كان أدنى من ذلك فهو مكروه؛ لأنه أقل ما يدل عليه النهي.\n[م-٦٠٥] عرفنا حكم المنفرد في الجهر والإسرار، فإذا شرع له الجهر فعليه أن يتحرى الجهر الخفيف الذي لا يتأذى به نائم ولا مُصلٍّ آخر، فإن فعل:\nفقيل: يحرم، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقال مرعي الحنبلي: يتجه التحريم (^١).\nقال محمود محمد السبكي في الدين الخالص: «لا يجوز رفع الصوت في المسجد ولو بالقرآن والذكر» (^٢).\n_________\n(^١). حاشية الدسوقي (١/ ٣١٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٣٥)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٤٠٩)، منح الجليل (١/ ٣٤٠)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٨)، أسنى المطالب (١/ ٦٣، ١٥٦)، حاشية الجمل (١/ ٣٣٨، ١/ ٣٦٠»، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٤٣)، المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية (ص: ٩٩).\n(^٢). الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق (٣/ ٢٦٣).","vol":"3","page":282},{"text":"وقيل: يكره، وهو مذهب الشافعية، ونقله ابن مفلح عن صاحب الترغيب وغيره (^١).\nجاء في حاشية الجمل: «قوله: (إن لم يشوش على نائم) أي وإلا كره، وقيل: يحرم» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «إن كان قريبًا منه من يتهجد، أو من يُسْتَضَرُّ برفع صوته فالإسرار أولى» (^٣).\n* واستدل من قال بتحريمه أو كراهته أو جعله خلاف الأولى:\n(ح-١٥٨٦) بما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قبة له، فكشف الستور، وقال: كلكم مناجٍ به، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة (^٤).\n[صحيح] (^٥).\nفمن نظر إلى أن الأصل في النهي التحريم، وأن العلة هي أذية المسلم، ذهب إلى القول بالتحريم.\n_________\n(^١). قال البجيرمي في حاشيته على الخطيب (٢/ ٦٤): «المعتمد أنه إن شوش كره فقط ولا يحرم الجهر لأن الإيذاء غير محقق».\nتحفة المحتاج (٢/ ٥٧)، حاشية البجيرمي على الخطيب (٢/ ٦٤)، حاشية الجمل (١/ ٣٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٣)، نهاية المحتاج (٣/ ١٨٣)، الفروع (٢/ ٣٨٦).\n(^٢). حاشية الجمل (١/ ٣٦٠).\n(^٣). المغني (٢/ ١٠٢)، الكافي (١/ ٢٦٩).\n(^٤). المسند (٣/ ٩٤).\n(^٥). أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٤٢١٦)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٨٨٣)، وأبو داود في السنن (١٣٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣٨). وابن خزيمة (١١٦٢)، والحاكم (١١٦٩)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٧)، وفي الشعب (٢٤١٢)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٥٦)، وابن جميع الصيداوي في معجم الشيوخ (ص: ٢٩٨).\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وصححه ابن عبد البر، والنووي في المجموع، وابن حجر.","vol":"3","page":283},{"text":"ومن نظر إلى أن الجهر لا يؤدي إلى فساد صلاة الآخرين، وإلا كيف يصلي الإنسان تحية المسجد، والإمام يخطب الجمعة؛ نظر إلى أن النهي محمول على الكراهة، وأضعف الأقوال من اعتبر ذلك الإسرار أولى، فيكون الجهر خلاف الأولى، وهذا يصح فيما لم يرد فيه نهي خاص، أما ما ورد فيه نهي خاص فهو دائر بين التحريم والكراهة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفرع السادس الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل في أفعال النبي - ﷺ - أنها مقصودة، وأفعاله التعبدية على التأسي إلا أن يقوم دليل على الخصوصية.\n* لا يسوغ أن يحمل جهر النبي - ﷺ - بالآية أحيانًا على السهو من غير بيان؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يختلط المشروع بغيره.\n* لا بأس أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ لإعلام من خلفه أنه يقرأ لا سيما ممن يُنْظَرُ إلى فعله ويُقْتَدَى به.\n* الجهر والإسرار في موضعه من سنن الصلاة، والقول بوجوبه قول ضعيف.\n* لا يحفظ في السنة أمرٌ بالجهر والإسرار، والمنقول فعله - ﷺ - وأفعاله التعبدية على الاستحباب، لا على الوجوب إلا ما كان منها بيانًا لمجمل واجب.\n* ترك المستحب لمصلحة راجحة جائز بقدرها.\n* ترك الواجب عمدًا عند الحنفية لا يبطل الصلاة، وقال به المالكية في بعض المسائل.\n(ح-١٥٨٧) روى البخاري من طريق همام، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب، وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر وهكذا في الصبح، ورواه مسلم (^١).\n_________\n(^١). ورواه البخاري (٧٧٦) ومسلم (١٥٥ - ٤٥١).","vol":"3","page":285},{"text":"(ح-١٥٨٨) وروى النسائي، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران، قال: حدثنا سلم بن قتيبة قال: حدثنا هاشم بن البريد، عن أبي إسحاق،\nعن البراء قال: كنا نصلي خلف النبي - ﷺ - الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان، والذاريات (^١).\n[حسن إن سلم من الاختلاف على سلم بن قتيبة، ويشهد له حديث أبي قتادة في الصحيحين] (^٢).\nفقول أبي قتادة: (ويسمعنا الآية أحيانًا) قوله: (أحيانًا) يدل على تكرار ذلك منه، واختلفوا في ذلك: أكان ذلك من غير قصد، وإنما وقع سبق لسان؛ للاستغراق في التدبر، أم كان ذلك عن قصد؟\nوإذا كانت مقصودة: أكان يقصد - ﷺ - إخبارهم بأنه يقرأ حتى لا يظن أحد أن المشروع السكوت بلا قراءة، أم أن المقصود لكي يقفوا على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي، أم من أجل أن ينتبه غافلهم، أم أراد بذلك بيان جواز الجهر ببعض الآي في السرية؟ كل ذلك قيل به، ولا منافاة من إرادتها كلها أو أكثرها، وبعضها أرجح من بعض، وهل يؤخذ من الجهر بالآية جواز الجهر بالسرية والإخفات في الجهرية، أم يقال: إن الجهر في الآية جهر خفيف دون الجهر المعتاد، ومقدارها يسير فلا يستدل به على جواز الجهر بجميع قراءة الصلاة السرية، كل هذا كان محل بحث بين فقهائنا (^٣).\n[م-٦٠٦] إذا عرفت ذلك فتعال نقف على بعض كلام أهل العلم في المسألة:\nقال الحنفية: الإخفات والجهر واجب في موضعه فلا يجهر ولو بكلمة واحدة (^٤).\n_________\n(^١). المجتبى من سنن النسائي (٩٧١)، وفي السنن الكبرى له أيضًا (١٠٤٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٥٨٠).\n(^٣). انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٧٥)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٦)، فتح الباري لابن حجر (٢/ ٢٤٥)، شرح أبي داود للعيني (٣/ ٤٥٧)، عمدة القارئ (٦/ ١٥)، منحة الباري بشرح البخاري (٢/ ٤٦٩)،.\n(^٤). حاشية ابن عابدين (٢/ ٨١، ٨٢)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٦)، الأصل (١/ ٢٢٨)، مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠).","vol":"3","page":286},{"text":"قال في العناية: «الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات» (^١).\nفإن جهر عامدًا سواء أكان إمامًا أم منفردًا فقد أساء، وصلاته تامة، وإن جهر ساهيًا، وكان إمامًا وجب عليه سجود السهو بخلاف المنفرد.\nواختلف الحنفية في مقدار ما يتعلق به سجود السهو.\nفقيل: إذا جهر بكلمة واحدة، وجب عليه سجود السهو، وهذا هو ظاهر الرواية (^٢).\nقال ابن نجيم: «ظاهر الرواية وجوب السجود على الإمام إذا جهر فيما يخافت أو خَافَتَ فيما يجهر قَلَّ ذلك أو كَثُرَ وكذا في الظهيرية والذخيرة زاد في الخلاصة وعليه اعتماد شمس الأئمة الحلواني ...» (^٣).\n* وجه ظاهر الرواية:\nأن فرض القراءة عند أبي حنيفة يتأدى بآية واحدة، وإن كانت قصيرة، فإذا غير صفة القراءة في هذا القدر تعلق به السهو.\nوروي عن أبي يوسف: أنه إذا جهر بحرف واحد سجد (^٤).\nوحديث أبي قتادة رد عليهما (^٥).\nوقيل: إذا جهر بآية تامة، وتركوا ظاهر الرواية؛ لما فيها من الشدة، فالقليل عفو كما يدل عليه حديث أبي قتادة.\nوتَأَوَّلُوا قوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا) بأن الجهر بالآية لا يستلزم الجهر بتمامها، فإنك تقول: ضربت زيدًا، مع أنك لا تضرب إلا بعضه.\n_________\n(^١). العناية شرح الهداية (١/ ٥٠٤).\n(^٢). فيض الباري (٢/ ٣٥٢).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ١٠٤).\n(^٤). بدائع الصنائع (١/ ١٦٦)، تحفة الفقهاء (١/ ٢١٢).\n(^٥). قال في العناية (١/ ٥٠٤): «ولو جهر فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر تلزمه سجدتا السهو؛ لأن الجهر في موضعه والمخافتة في موضعها من الواجبات».\nوانظر: بدائع الصنائع (١/ ١٦٠)، البحر الرائق (١/ ٣٥٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٣٢)، مراقي الفلاح (ص: ٩٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، مجمع الأنهر (١/ ١٠٣)، كنز الدقائق (ص: ١٦٠)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ١٦١)، النوادر والزيادات (١/ ٣٥٤).","vol":"3","page":287},{"text":"وقال ابن الهمام: «الاحتراز عن الجهر بالكلية منها متعسر، فإن في مبادئ التنفسات غالبًا يظهر الصوت، وفي الحديث: (وكان يسمعنا الآية أحيانًا) وهو والله أعلم بهذا السبب» (^١).\nوهذا الحمل ضعيف؛ لأن النبي - ﷺ - لم يكن فعله غير مقصود، بحيث يظهر الصوت عند مبادئ التنفس بلا قصد مع قول الصحابي: (ويسمعنا)، وسوف أبين ضعف هذا الاحتمال عند عرض مذهب السادة الشافعية.\nوقيل: إذا جهر بما يتأدى به فرض القراءة وهي عندهما (أبي يوسف ومحمد) آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار، فإن جهر بأَقَلَّ من ذلك لم يتعلق به سجود السهو (^٢).\nقال ابن نجيم في البحر: «اختلف الترجيح على ثلاثة أقوال، وينبغي عدم العدول عن ظاهر الرواية الذي نقله الثقات من أصحاب الفتاوى» (^٣).\nزاد المصنف في منحه نقلًا من حاشية ابن عابدين: «وأنا أعجب من كثير من كُمَّلِ الرجال كيف يعدل عن ظاهر الرواية الذي هو بمنزلة نص صاحب المذهب إلى ما هو كالرواية الشاذة. اهـ.\nفتعقب ذلك ابن عابدين بقوله: لا عجب من كُمَّلِ الرجال كصاحب الهداية والزيلعي وابن الهمام حيث عدلوا عن ظاهر الرواية لما فيه من الحرج، وصححوا الرواية الأخرى للتسهيل على الأمة، وكم له من نظير ولذا قال القهستاني: ويجب السهو بمخافتة كلمة لكن فيه شدة. وقال في شرح المنية: والصحيح ظاهر الرواية، وهو التقدير بما تجوز به الصلاة من غير تفرقة؛ لأن القليل من الجهر في موضع المخافتة عفو أيضًا؛ ففي حديث أبي قتادة في الصحيحين ... (ويسمعنا الآية أحيانًا). ا هـ.\nففيه التصريح بأن ما صححه في الهداية ظاهر الرواية أيضًا، فإن ثبت ذلك فلا كلام، وإلا فوجه تصحيحه ما قلنا، وَتَأَيُّدُهُ بحديث الصحيحين، وقد قدمنا في\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٥٠٥)، وانظر: حاشيةالطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٣).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١٦٦)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٨٢)، تحفة الفقهاء (١/ ٢١٢)، فيض الباري (٢/ ١١٥).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ١٠٤، ١٠٥).","vol":"3","page":288},{"text":"واجبات الصلاة عن شرح المنية: «أنه لا ينبغي أن يعدل عن الدراية أي الدليل إذا وافقتها رواية» (^١).\n* واختلف جواب الحنفية عن حديث أبي قتادة: (ويسمعنا الآية أحيانًا).\nفقال بعضهم: إنه كان لتعليم ما يقرأ، لا أن الجهر في نفسه مقصود، فلا يكون الحديث دليلًا على أن الجهر في نفسه سنة، كما كان يجهر بعض الصحابة بالتسمية، وبدعاء الاستفتاح ولم يكن الجهر بهما سنة بل تعليمًا بأنه يقرأ (^٢).\nوهذا الجواب من أقوى الأجوبة، لكنه لا يخلص الحنفية، فلو كان الإخفات والجهر واجبين في محلهما لما جهر النبي - ﷺ - في السرية من أجل التعليم، فلا يتصور ارتكاب الحرام مع إمكان التعليم بالقول خارج الصلاة، وهو أبلغ من التعليم بالفعل؛ لأن الفعل يدخله من الاحتمالات ما لا يدخل القول.\nوقال علي القارئ الحنفي في شرح المشكاة: قوله: (وكان يسمعنا الآية أحيانًا) لا يجوز حمله على بيان الجواز؛ لأن الجهر والإخفاء واجبان على الإمام، إلا أن يراد ببيان الجواز سماع الآية أو الآيتين لا يخرجه عن السر (^٣).\nوقال في بدائع الصنائع: «لما ورد الحديث مُقَدَّرًا بآية أو آيتين ولم يرد بأزيد من ذلك كانت الزيادة تركًا للواجب، فيوجب السهو» (^٤).\n* وَيَرِدُ عليه:\nبأن الجهر لا يخلو إما أن يكون مباحًا، فالكثير منه والقليل سواء، أو يكون محظورًا، فالقليل والكثير منه سواء، ولا يجوز أن يُفَرَّق في الحرام بين القليل والكثير إلا بنص يعتمد عليه في التفريق، والأصل أن إباحة القليل دليل على إباحة\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (٢/ ٨٢).\n(^٢). فيض الباري (٢/ ٣٥٢)، وانظر: شرح المصابيح لابن الملك (١/ ٤٩٦).\nوقال الحسين بن محمود الشيرازي الحنفي في المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٢٩): قوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا) يعني يقرأ في صلاة الظهر سِرًّا، وربما يرفع صوته ببعض كلمات الفاتحة، أو السورة بحيث نَسْمَعُ حتى نعلم ما يقرأ من السورة».\n(^٣). انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٢/ ٦٨٨).\n(^٤). بدائع الصنائع (١/ ١٦٦).","vol":"3","page":289},{"text":"الكثير، هذا إذا كان الحنفية يقولون بإباحة الجهر في الآية والآيتين، فلا علاقة في مذهبهم بين ترتب السجود على الفعل وبين إباحة الفعل؛ لأن السجود متعلق بفعله سهوًا، والساهي لا إثم عليه، والنبي - ﷺ - لم يفعله ساهيًا، بدليل قول الصحابي: (ويسمعنا الآية أحيانًا) أي يقصد إسماعهم، والتحريم عند الحنفية يتعلق بفعله عامدًا، والعامد لا سجود عليه، ولو كان كثيرًا.\nولهذا جاء في التجريد للقدوري: «أن هذا فَعَلَه -يعني النبي - ﷺ - على وجه العمد، وعندنا لا يثبت السجود فيما تعمده» (^١).\nوهذا الجواب قد يدفع الإيراد عليهم بعدم سجود النبي - ﷺ - للسهو، ولكنه لا يُخَلِّصهم من القول بأن من جهر في صلاته عامدًا فقد أساء، فإن جهر النبي - ﷺ - أَقَلُّ ما يدل عليه هو الجواز، إن لم يدل على الاستحباب.\nوذكر في الخلاصة نقلًا من البحر الرائق: «أنه لو أسمع رجلًا أو رجلين لا يكون جهرًا، والجهر أن يسمع الكل» (^٢).\nوهذا من أضعفها؛ فهل يقول الحنفية فيما يجب فيه الجهر عندهم أنه لو أسمع بعض المأمومين لا يكون قائمًا بالواجب حتى يسمع الكل؟.\nولأن قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، ظاهره أنه يسمع جميع المصلين وأَقَلُّه أنه قد أسمع أغلبهم، لا بعضهم.\nهذا ملخص الأقوال في مذهب الحنفية، وكلامهم في مسألتين:\nإحداهما: أن الجهر والإخفات في موضعه واجب مطلقًا، فلا يجهر ولو بكلمة واحدة.\nالثانية: أنهم قد اختلفوا فيما يتعلق به سجود السهو، فقيل: إذا جهر بكلمة، وقيل: بحرف، وقيل: بآية ولو قصيرة، وقيل: بآية طويلة أو ثلاث آيات قصيرة.\nوالحق أن الجهر لا يتعلق به سجود سهو، سواء أكان ذلك بقدر ما جهر به النبي - ﷺ -، أم كان بأكثر من ذلك، وسواء أكان ساهيًا أم كان عامدًا، فلم يسجد النبي - ﷺ -\n_________\n(^١). التجريد للقدوري (٢/ ٧٠٨).\n(^٢). البحر الرائق (٢/ ١٠٥).","vol":"3","page":290},{"text":"حين جهر، ولو كان يختلف الحكم إذا زاد في جهره على مقدار الآية لبينه النبي - ﷺ -.\nوقد فصلت حكم الجهر بالقراءة في مسألة مستقلة سابقة، فارجع إليه إن رمت الوقوف على أدلتهم.\nوقيل: الإسرار في السرية شرط لصحة الصلاة، قال ابن أبي ليلى: من جهر فيما يسر به أعاد بهم الصلاة إن كان إمامًا (^١).\nوهذا القول شاذ، فإن الجهر والإسرار ليس فيهما إلا فعل الرسول - ﷺ -، ولم يحفظ في السنة أمر منه بهما، وأفعاله التعبدية على الاستحباب، لا على الوجوب، إلا ما كان منها بيانًا لمجمل واجب، وليس هذا منها.\nوقال ابن بطال: «وفى قول أبى قتادة: وكان يسمعنا الآية أحيانًا: دليل أنه كان ذلك من فعله على القصد إليه والمداومة عليه» (^٢).\nواعتبر القاضي عياض: أن الجهر بالآية في الصلاة السرية دون الجهر المعتاد بالصلوات الجهرية، وهو نوع من الجهر الخفيف، فإذا جهر بهذه الصفة فلا شيء فيه (^٣).\nهل أراد القاضي عياض أن يقول: إن الجهر الخفيف لا يعطى حكم الجهر، إن كان أراد ذلك فهو قول ضعيف، ومخالف للمذهب.\nفالمالكية يرون أن أدنى الجهر أن يسمع نفسه، ومن يليه (^٤)، وقد قال أبو قتادة: ويسمعنا الآية، فعبر بلفظ الجمع، فهو مقطوع بإسماع من يليه.\nوقال الشافعي: «لا نرى بأسًا أن يتعمد الرجل الجهر بالشيء من القرآن؛ ليعلم من خلفه أنه يقرأ» (^٥).\n_________\n(^١). المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٥٤).\n(^٢). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٣٧٧).\n(^٣). انظر إكمال المعلم (٢/ ٣٦٧).\n(^٤). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٧٦).\n(^٥). معرفة السنن والآثار (٣/ ٢٩١)، وانظر فتح الباري (٧/ ٨٦).","vol":"3","page":291},{"text":"ونفي البأس غاية ما يدل عليه هو الإباحة، وليس الاستحباب.\nوقال ابن دقيق العيد: «الجهر بالشيء اليسير من الآيات في الصلاة السرية جائز مغتفر، لا يوجب سهوًا يقتضي السجود» (^١).\nفجعله من الجائز المغتفر، وليس من الأمور المطلوب فعلها.\nكما أن الشافعي يرى أن المقصود بالجهر ليس الجهر نفسه، وإنما لإعلام من خلفه أنه يقرأ، وحتى لا يظن أحد أن المشروع في الصلاة السرية السكوت بلا قراءة، كما ظن ذلك ابن عباس، فكان يسمعهم الآية أحيانًا لغرض التعليم، كما جهر بعض الصحابة بدعاء الاستفتاح لغرض التعليم، وليس الجهر فيه من السنة.\nوقال النووي: «هذا محمول على أنه أراد به بيان جواز الجهر في القراءة السرية، وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، والله أعلم» (^٢).\nفهنا النووي جزم بأن الفعل لبيان الجواز، وساق القول بأنه فعله من غير قصد احتمالًا بصيغة التمريض، وفي شرح المهذب سوَّى بينهما.\nقال في المجموع: «وهذا محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر بالآية من غير قصد، أو أنه فعله لبيان جواز الجهر، وأنه لا تبطل به الصلاة، ولا يقضي سجود سهو، أو أنه ليعلمهم أنه يقرأ، أو أنه يقرأ السورة الفلانية» (^٣).\nفالقول بأنه سبق لسان قول ضعيف؛ لأن الأصل في أفعال النبي - ﷺ - أنها مقصودة، وأفعاله التعبدية على التأسي، وحَمْلُ فعله على السهو من غير بيان لا يسوغ؛ لأنه يؤدي إلى أن يختلط المشروع بغيره، فلووقع من غير قصد لجاء البيان حفظًا للشريعة من التلبيس والخلط، وقد تعهد الله بحفظ الشريعة، وهذا ما فهمه الصحابي ﵁ من قوله: (يُسْمِعُنا) دليل على أن المصطفى كان يتقصد إسماعهم، والنووي أَخَّر هذا القول وساقه بصيغة التمريض، وعلى طريقة\n_________\n(^١). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٢٦).\n(^٢). شرح النووي على مسلم (٤/ ١٧٥).\n(^٣). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٨٦).","vol":"3","page":292},{"text":"الاحتمال، فلم يكن هذا القول مقدمًا عند النووي.\nوالجزم بأنه جهر من أجل بيان الجواز قول ضعيف والله أعلم، فالأقوى منه القول بأنه أراد ليُعْلِمَ الأمة أنه يقرأ، وليقفوا على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي، فإن حاجة الأمة إلى معرفة هذا لصحة صلاتهم أشد من حاجتهم إلى معرفة جواز الجهر بالسِّريَّة، فإنه لو لم يعرفه المصلي ما ضَرَّ صلاته، ولو كان الفعل لبيان جواز الجهر لجهر النبي - ﷺ - بكل القراءة، ولما اقتصر على آية منها، خاصة أن الجهر بآية لا ينافي السرية، فلا دلالة فيه صريحة على جواز الجهر بكامل القراءة إلا عن طريق دلالة القياس، وذلك بالقول بجواز الجهر بكامل القراءة قياسًا على جواز الجهر بالآية منها، وقد ينازع المخالف بهذه الدلالة.\nقال ابن رجب: قوله: (كان يسمعنا الآية أحيانًا): ظاهره: أنه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر، فإنه حصل لبعضهم شَكٌّ في ذلك» (^١).\nقلت: يقصد به ابن عباس،\n(ح-١٥٨٩) فقد روى أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من طريق موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، قال:\nدخلت على ابن عباس، في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بَلَّغَ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس.\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٨٦).\n(^٢). رواه إسماعيل بن علية كما في مسند أحمد (١/ ٢٢٥)، وسنن الترمذي (١٧٠١)، ومشكل الآثار للطحاوي (٢١٨)، ومسند أحمد بن منيع (إتحاف الخيرة ٥٣٤).\nووهيب بن خالد كما في مسند الإمام أحمد (١/ ٢٤٩)،\nوعبد الوارث كما في سنن أبي داود (٨٠٨)، ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٤٠).\nثلاثتهم رووه عن موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس، =","vol":"3","page":293},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسنده صحيح، وهذا هو المحفوظ أنه عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن أبيه.\nورواه حماد بن زيد، واختلف عليه:\nفرواه يحيى بن حبيب بن عربي كما في سنن النسائي (١٤١)، وفي الكبرى له (١٣٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٧/ ٤٧، ٤٨)،\nوحميد بن مسعدة كما في المجتبى من سنن النسائي (٣٥٨١)، وفي الكبرى له (٤٤٠٦)، ومشكل الآثار للطحاوي (٢١٧).\nوأحمد بن عبدة كما في سنن ابن ماجه (٤٢٦)، وصحيح ابن خزيمة (١٧٥)،\nوسليمان بن حرب، كما في مشكل الآثار (٢١٦)، وشرح معاني الآثار (٣/ ٢٧١)، أربعتهم رووه عن حماد بن زيد، به، فقالوا: عن عبد الله بن عبيد الله موافقًا لرواية الجماعة، وهو المحفوظ.\nوخالفهم كل من:\nمسدد بن مسرهد كما في سنن الدارمي (٧٢٧)، وغريب الحديث لأبي إسحاق الحربي مختصرًا (٢/ ٤٠٦).\nومحمد بن أبي بكر المقدمي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٧٣) ح ١٠٦٤٢.\nومحمد بن عيسى الطباع كما في الثاني من أجزاء أبي علي بن شاذان (٤٠)، وذكر ذلك المزي في تهذيب الكمال (١٥/ ٢٥٤).\n\nومرجَّى بن رجاءكما في مشكل الآثار (٢٢٩)، وشرح معاني الآثار (٢/ ٤).\nوأسد بن موسى، كما في شرح معاني الآثار (٢/ ٤)، وأحكام القرآن للطحاوي (٧٨٥)، خمستهم رووه عن حماد بن زيد، عن أبي الجهضم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، فجعلوه عن (عبيد الله بن عبد الله) وهو وهم.\nإلا أن أسد بن موسى ومحمد بن أبي بكر روي عنهما أيضًا على الصواب (عبد الله بن عبيد الله).\nفقد أعاد الطحاوي رواية أسد بن موسى في شرح معاني الآثار (٣/ ٢٧١) فذكر (عبد الله بن عبيد الله) على الصواب.\nكما رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٧، ٤٨) من طريق محمد بن أبي بكر مقرونًا بيحيى بن حبيب بن عربي، كرواية الجماعة (عبد الله بن عبيد الله) ولعله حمله على رواية حبيب.\nورواه سعيد بن زيد مقرونًا مع أخيه حماد بن زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس.\nرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٤)، وفي أحكام القرآن (٧٨٥)، من طريق أسد بن موسى، قال: حدثنا سعيد وحماد ابنا زيد به.\nورواه الثوري، وحماد بن سلمة، عن أبي الجهضم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس. فوهما في اسمه.\nفأما رواية الثوري، عن أبي الجهضم. =","vol":"3","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواها أحمد (١/ ٢٢٣٢)، والترمذي في العلل الكبير (٢٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧٣) ح ١٠٦٤٣، عن وكيع،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٤٠) من طريق محمد بن كثير العبدي، كلاهما (وكيع والعبدي)، عن سفيان، عن أبي الجهضم، عن عبيد الله بن عبد الله به، بلفظ: أمرنا رسول الله - ﷺ - بإسباغ الوضوء.\nزاد البيهقي: ونهانا -ولا أقول: نهاكم- أن نأكل الصدقة، ولا نُنْزِيَ حمارًا على فرس.\nورواه أحمد (١/ ٢٣٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٣٧٠٤)، عن وكيع به، بلفظ: نهى رسول الله - ﷺ - أن نُنْزِيَ حمارًا على فرس.\nوخالف وكيعًا والعبدي في إسناده، كل من:\nعبد الرزاق كما في التفسير (١٠٩٧)، وفي المصنف (٦٩٤١) (وفي إسناد المصنف سقط، صححته من التفسير).\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في مستخرج الطوسي على الترمذي (١٤٣٥) كلاهما (عبد الرزاق، ومحمد بن يوسف) روياه عن الثوري عن أبي جهضم سالم البصري، عن رجل، (زاد الطوسي: من ولد العباس) عن ابن عباس قال: «نهانا رسول الله - ﷺ - ولا أقول نهاكم - أن نُنْزِيَ حمارًا على فرس، وأمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة.\nولفظ الطوسي: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نُنْزِيَ الْحُمُرَ على الخيل.\nوالمبهم في روايتهما قد بينه وكيع، والعبدي، وأنه عبد الله بن عبيد الله إلا أن الثوري أخطأ في اسمه، فقال: عبيد الله بن عبد الله.\nقال الترمذي في سننه (٤/ ٢٠٥): «روى سفيان الثوري هذا، عن أبي جهضم، فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس وسمعت محمدًا (يعني: البخاري) يقول: حديث الثوري غير محفوظ، ووهم فيه الثوري، والصحيح ما روى إسماعيل بن علية، وعبد الوارث بن سعيد، عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس. اهـ\nوقال نحوه في العلل الكبير (ص: ٣٨).\nوتعقب ذلك المزي، فقال في تهذيب الكمال (١٥/ ٢٥٤): «وفي نسبة الوهم إلى الثوري نظر؛ فإن حماد بن سلمة رواه عن أبي جهضم مثل رواية الثوري. وكذلك رواه محمد بن عيسى بن الطباع، عن حماد بن زيد». اهـ\nوأما رواية حماد بن سلمة، عن أبي الجهضم:\nفرواها الطيالسي في مسنده (٢٧٢٣)، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: قيل له: هل خصكم رسول الله - ﷺ - بشيء لم يعم به الناس؟، فقال: لا، إلا ثلاث، أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس. =","vol":"3","page":295},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= هكذا قال: (عن أبيه) والصواب: أنه من رواية عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عمه عبد الله بن عباس.\nورواه مسدد في مسنده كما في إتحاف الخيرة (١٠٧٦) حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي جهضم، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فسأله رجل ... وذكر الحديث.\nوكان قد رواه مسدد كما في إتحاف الخيرة (٥٣٤) في كتاب الطهارة باب المحافظة على الوضوء، فرواه عن حماد به، وقال: عبد الله بن عبيد الله على الصواب.\nوقد خَطَّأ أبو زرعة وأبو حاتم الرازي حماد بن سلمة كما في العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٦٥) رقم: ٤٤.\nوخطأ البخاري الثوري فيما نقله عنه الترمذي،\nوقد تابع الثوري وحماد بن سلمة تابعهم حماد بن زيد في إحدى روايتيه: من رواية مسدد ومحمد بن أبي بكر، ومحمد بن عيسى الطَّبَّاع عنه،\nوكذلك روى معاذ بن هشام، عن أبيه، عن أبي جهضم، فقال: عبيد الله بن عبد الله، ذكر ذلك ابن حبان في الثقات (٥/ ٧٠)، والذهبي في الثقات مما لم يقع في الكتب الستة (٧٤٣٩).\nفهذا الثوري وهشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد في إحدى روايتيه، يتفقون على ذكر (عبيد الله بن عبد الله بن عباس) فإما أن يكون الخطأ من هؤلاء جميعًا، وإما أن يكون الخطأ ممن حدثهم، فتكون العهدة على أبي جهضم، فهو وإن كان ثقة فإن الخطأ على الواحد أقرب من الخطأ على الجماعة.\nقال أحمد: أبو جهضم موسى بن سالم: ليس به بأس. قلت له: ثقة؟ قال: نعم. كما وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوق، مثله لا يقارن بالثوري وهشام، وحماد بن زيد، ومعهم حماد بن سلمة، والله أعلم.\nفإذا علمت هذا الاختلاف في إسناده: أهو من رواية عبد الله بن عبيد الله بن عباس (الثقة)، عن عمه عبد الله بن عباس، أم هو من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عباس (فيه جهالة) عن أبيه؟\nوعبيد الله بن عبد الله بن عباس ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣٢٠)، وسكت عليه، فلم يذكر فيه شيئًا. وذكره ابن حبان في ثقاته (٥/ ٦٩)، وما ذكر في ثقات ابن حبان دون توثيق ليس في درجة من عرفه ابن حبان ووثقه، ففيه جهالة.\nوقد رجح البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة أنه من رواية عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فيكون الحديث صحيحًا، وقد صحح الحديث الترمذي في السنن، فقال: حسن صحيح.\nوصححه ابن خزيمة حيث أخرجه في صحيحه.\nوصححه النووي في المجموع (٣/ ٣٦١).\nوإذا رجحنا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عباس المجهول فلم ينفرد به عن ابن عباس، فقد تابعه عكرمة عن ابن عباس، فكان الحديث صحيحًا، لا شك في صحته إن شاء الله تعالى إلا أنه قد رواه عنه على الشك: لا يدري أكان يقرأ أم لا؟ والشك في مشروعية العبادة كالجزم بعدم مشروعيتها؛ لأن كُلًّا منهما يؤدي إلى القول بعدم المشروعية، لأن الأصل في العبادات المنع، لكن ابن عباس أحيانًا يجزم بعدم قراءة النبي - ﷺ -، وأحيانًا يكون أكثر دقة في الحكم بحيث يقول: لا تقرأ؛ لأني لا أدري أكان النبي - ﷺ - يقرأ أم لا.","vol":"3","page":296},{"text":"رووه من هذا الطريق على الجزم بأن النبي - ﷺ - لم يكن يقرأ في الصلاة السرية.\nوجاء عنه على الشك، بأنه لا يدري أكان يقرأ أم لا.\n(ح-١٥٩٠) رواه أحمد وأبو داود من طريق هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: قد حفظت السُّنَّةَ كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله - ﷺ -، يقرأ في الظهر والعصر، أم لا .... الحديث (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٢/ ٢٤٩)، وأبو داود في السنن (٨٠٩).\n(^٢). الأثر مداره على عكرمة، عن ابن عباس.\nرواه حصين، عن عكرمة به، بلفظ: (قد حفظت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر أم لا ....). الحديث.\nرواه أحمد (١/ ٢٤٩)، وأبو داود في السنن (٨٠٩)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٤٦٥)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن (ص: ٣٦٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٥)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ١٣٠)، من طريق هشيم.\nورواه أحمد (١/ ٢٥٧) من طريق جرير، كلاهما عن حصين عن عكرمة به.\nورواه أيوب، عن عكرمة به، بلفظ: (قرأ النبي - ﷺ - فيما أمر وسكت فيما أمر، ﴿وما كان ربك نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١]).\nرواه البخاري (٧٧٤)، وأحمد (١/ ٣٦٠) عن إسماعيل بن علية.\nورواه أحمد (١/ ٣٣٤) من طريق عبد الوارث، كلاهما عن أيوب، عن عكرمة به.\nورواه أبو يزيد المدني، عن عكرمة به، بلفظ: (قرأ نبي الله - ﷺ -، في صلوات وسكت، فنقرأ فيما قرأ فيهن نبي الله، ونسكت فيما سكت، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه؟ فغضب منها، وقال: أيتهم رسول الله - ﷺ -؟).\nرواه سعيد بن أبي عروبة كما في مسند أحمد (١/ ٢٤٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٣٥٧) ح ١٢٠٠٥، كلاهما (ابن أبي عروبة وجرير) عن أبي يزيد المدني به.\n\nورواه الحكم بن أبان، عن عكرمة، بلفظ: (لم أسمع رسول الله - ﷺ - قرأ في الظهر والعصر، ولم يأمرنا، وقد بلَّغ).\nرواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٤٠) ح ١١٦١١، حدثنا علي بن المبارك الصنعاني، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز العدني، حدثنا الحكم بن أبان به.\nوهذا سند صالح في المتابعات، والله أعلم.","vol":"3","page":297},{"text":"فلعل ابن عباس يجزم أحيانًا بأن النبي - ﷺ - لم يكن يقرأ؛ لأنه الأصل، وأحيانًا يسوقه بالشك لعدم ثبوت القراءة عنده، والشك والجزم يؤديان إلى القول بعدم مشروعية القراءة.\nوصح عن ابن عباس القول بالقراءة في الصلاة السرية، فعلى هذا يكون المحفوظ عن ابن عباس قولين في المسألة (^١).\nوكون ابن عباس لم يقف على سنة القراءة، فإن من عَلِم حجةٌ على من لم يعلم، وإذا وقفت على غياب مثل هذه السنة الجلية عن ابن عباس، فاعتبر منها بأمرين:\nأحدهما: التماس العذر في غياب بعض السنن عن بعض الأئمة، فلا تثريب بعد ذلك على أحد من أهل العلم إذا جهل سنة من السنن، فلا يستغرب خفاء أي شيء على أي عالم مهما يبلغ بعد هذه المسألة، فالله ﷾ أبى أن يكون الكمال إلا له وحده، وفوق كل ذي علم عليم.\nالثاني: أن الله ﷾ قد يمتحن بعض الناس إذا خالف إمامهم سنة من السنن، أيتبعون إمامهم، أم يتبعون السنة؟ كما قال عمار عن عائشة: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم؛ لتتبعوه أو إياها. رواه البخاري (^٢).\nومع سعة علم ابن عباس وفقهه لم يكن يتوسع بالقياس وإلا لقال بقياس السرية على الجهرية حيث لم يبلغه نص في السرية.\n(ح-١٩٥١) وأما ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن الحسن يعني العرني، قال:\nقال ابن عباس ما ندري أكان رسول الله - ﷺ -، يقرأ في الظهر\n_________\n(^١). روى إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر، والعصر.\nوهذا سنده صحيح، وقد سبق تخريجه في القراءة خلف الإمام من المجلد السابق، وفي هذا دليل على أن لابن عباس قولًا آخر يرى فيه قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية، وقوله هذا الموافق للسنة، والموافق لقول عامة الأمة أولى من قوله الآخر، والله أعلم.\n(^٢). صحيح البخاري (٣٧٧٢).","vol":"3","page":298},{"text":"والعصر؟ ولكنا نقرأ (^١).\nقال ابن الجوزي: «قوله: (ويسمعنا الآية أحيانًا): ... وذلك لا يخرج الصلاة عن كونها صلاة إخفاء» (^٢).\nهذا أهم ما وقفت عليه من كلام فقهائنا عليهم رحمة الله تعالى، وهو يدور على احتمالين:\nأحدهما: أكان حصول هذا بقصد من النبي - ﷺ - أم كان سماع أبي قتادة لقراءة النبي - ﷺ - لقربه منه، ولا يعني هذا أنه قصد الجهر بها، وقد تَسْمَعُ أحيانًا بعضَ قراءة من بجانبك، أو تسبيحه أو دعاءه، وإن لم يقصد بذلك الجهر، فلا يلزم من سماع قراءة بعض الآي من الإمام أن يكون قصد بذلك الجهر.\nويشكل على الثاني: أن ظاهر قول الصحابي: (ويسمعنا الآية)، أنه يسمع جميع المصلين لا بعضهم، وأنه يقصد إسماعهم، وهو الاحتمال الأقوى؟\nالثاني: اختلافهم في الباعث على الجهر، والراجح فيه أن الجهر لإعلامهم بمشروعية القراءة في السرية، والوقوف على السورة التي كان يقرأ بها للتأسي بفعله - ﷺ -، وأما القول بأنه فعله لبيان أن الإسرار في السرية سنة؛ وليس بواجب، فهو قول مرجوح، لأن ذلك لو كان هو المقصود لجهر بالقراءة كلها، ولم يقتصر بالجهر على آية من القراءة؛ لأن الجهر بالآية لا يخرج صلاته عن حد الإسرار، فلم يحصل المقصود من الجهر، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المسند (١/ ٢٣٤)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٣٧)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٩) ح ١٢٧٠٠، عن وكيع به.\nوهذا إسناد منقطع، قال عبد الله بن أحمد كما في العلل ومعرفة الرجال (١/ ١٤٣): سمعت أبي يقول الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس شيئًا.\nوانظر: التاريخ الأوسط (١/ ٢٩٦)، المراسيل (١٥٥).\n(^٢). كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ١٤٢).","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث الثاني في السؤال عند آية الوعد والتعوذ عند آية الوعيد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الدعاء من جنس الذكر لا يبطل الصلاة فعله.\n* كان النبي - ﷺ - في صلاة النافلة إذا مَرَّت به آية رحمة سأل، أو آية عذاب استعاذ.\n* يستحب للمأموم في صلاة النافلة أن يؤمن على دعاء إمامه إذا سأل عند آية الرحمة، أو استعاذ عند آية العذاب، ما لم يمنعه ذلك من الاستماع والإنصات لقراءة إمامه، أو يشوش على غيره.\n* ما فعله النبي - ﷺ - في النافلة، ولم يفعله في الفريضة، فإن نهى عنه في الفريضة اختص الفعل بالنافلة، وإن لم يَنْهَ عنه لم يحرم فعله في الفريضة؛ لعدم النهي عنه، ولم يستحب فعله مع ترك النبي - ﷺ - له، فيبقى على الإباحة.\n[م-٦٠٧] إذا مَرَّ بآية رحمة هل يسأل؟ أو مَرَّ بآية تعوذ، هل يستعيذ؟\nقال الحنفية: يكره للإمام والمأموم مطلقًا، في الفرض والنفل، وحسن في التطوع للفذ (^١).\n_________\n(^١). جاء في الأصل (١/ ٢٠٣): «قلت: أرأيت الرجل يمر بالآية فيها ذكر النار، فيقف عندها، ويتعوذ بالله، ويستغفر الله، وذلك في التطوع، وهو وحده؟ قال: هذا حسن. قلت: فإن كان الإمام. قال: أكره له ذلك، قلت: فإن فعل. قال: صلاته تامة. قلت أرأيت الرجل يكون خلف الإمام، فيقرأ الإمام بسورة فيها ذكر الجنة وذكر النار، أو ذكر الموت، أينبغي لمن خلفه أن يتعوذ بالله من النار ويسأل الله الجنة؟ قال: يسمعون وينصتون أحب إلي ...».\nوانظر: المبسوط (١/ ١٩٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣٥)، المحيط البرهاني (١/ ٣٧٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٤٢)، البحر الرائق (١/ ٣٦٣). مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٠٤)، فيض القدير (٥/ ١٦٠)، التنوير شرح الجامع الصغير (٨/ ٤٤٧)، مختصر خلافيات البيهقي (٢/ ١٧٣).","vol":"3","page":300},{"text":"وقال الشافعية والحنابلة: يستحب مطلقًا للإمام وللمنفرد وللمأموم في الفرض والنفل، ونسبه النووي للجمهور، وبه قال ابن حزم (^١).\nوقيل: يكره في الفرض، ويجوز في النفل، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن هبيرة، وابن قدامة (^٢).\nقال ابن قدامة: «ويستحب للمصلي نافلة إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها؛ لما روى حذيفة ... وذكر الحديث ... ولا يستحب ذلك في الفريضة؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - في فريضة، مع كثرة من وصف قراءته فيها» (^٣).\nواختار شيخنا ابن عثيمين ﵀ جوازه في الفريضة، واستحبابه في النافلة.\n* دليل من قال: يكره للإمام والمأموم مطلقًا:\nأما كراهته للإمام في الفريضة: فلأن النبي - ﷺ - لم يفعله في المكتوبات وكذا الأئمة بعده إلى يومنا هذا فكان من المحدثات.\nوأما كراهته للإمام في النفل: فلأنه يثقل على من خلفه ويؤدي إلى تطويل الصلاة عليهم، وذلك مكروه.\nورأى ابن عابدين أن ذلك يصدق على التراويح؛ أما غيرها من نوافل الليل التي يقتدي به فيها واحد أو اثنان فلا يتم ترجيح الترك على الفعل، لما روينا: أي من حديث حذيفة السابق، اللهم إلا إذا كان في ذلك تثقيل على المقتدي، وفيه تأمل (^٤).\n_________\n(^١). التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ٩٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٦٢)، نهاية المطلب (٢/ ٢٢٦)، المجموع (٤/ ٦٦، ٦٧)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨٥٥)، فتح العزيز (٣/ ٣٦٠)، الحاوي الكبير (٢/ ١٩٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٦٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٠)، الإقناع (١/ ١٣٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٢)، كشاف القناع (١/ ٣٨٤)، المبدع (١/ ٤٤٠)، المحلى، مسألة (٤٥٠).\n(^٢). مرقاة المفاتيح (٢/ ٧٠٤)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٤٢، ١٤٣)، المقنع (ص: ٥٣)، المبدع (١/ ٤٤٠)، الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ٢٣٦)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٩٤)، الممتع شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٨٩).\n(^٣). المغني (١/ ٣٩٤).\n(^٤). انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٥).","vol":"3","page":301},{"text":"وأما كراهته للمأموم: فلأنه مأمور بالاستماع والإنصات لقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nفإذا سأل وتعوذ لم ينصت.\n(ح-١٥٩٢) واستدل بعضهم بما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،\nعن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إِلَيَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله - ﷺ -، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ - .... الحديث (^١).\nقال ابن حجر: أقصى ما تمسك به المانع حديث: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فهو محمول على ما عدا الدعاء جمعًا بين الأخبار (^٢).\n* دليل من قال: يستحب مطلقًا:\n(ح-١٥٩٣) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيحٌ سَبَّحَ، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ .... الحديث (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن ما صح في النافلة صح في الفريضة، إلا أن يأتي دليل يخص الفعل في\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣٣ - ٥٣٧).\n(^٢). فيض القدير للمناوي (٥/ ١٦٠)، شرح الجامع الصغير (٨/ ٤٤٧).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).","vol":"3","page":302},{"text":"الفريضة، كالصلاة على الراحلة فإنه - ﷺ - لما فعل ذلك في النافلة، قال الراوي: غير أنه لا يفعل ذلك في الفريضة، ولولا هذا الاستثناء لكان عموم الفعل في الصلاة يشمل الفريضة والنافلة؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد، فما صح في إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل.\n* دليل من قال: يستحب في النافلة ويكره في الفريضة:\nحديث حذيفة إنما ورد في صلاة الليل، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد، وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفعله - ﷺ -، ولو فعله لنقل، بل لكان نقله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى، وما تركه النبي - ﷺ - فالسنة تركه، فالترك من النبي - ﷺ - سنة كالفعل، فلا نتجاوز ما فعله النبي - ﷺ -.\nولأن القراءة في النفل يسن فيها التطويل، فإذا سأل عند آية الرحمة واستعاذ عند آية العذاب كان ذلك أحضر لقلبه، وأبلغ في التدبر بخلاف الفريضة فالسنة فيها التخفيف خاصة في الجماعة، والله أعلم.\n* دليل من قال: يجوز في الفريضة، ويستحب في النافلة:\nاستدل شيخنا على ترك الفعل في الفريضة بأنه ليس مستحبًّا فيها.\nفإن قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا تكرهون فعله كما كرهه بعض أهل العلم في صلاة الفرض؛ لأن النبي - ﷺ - قال: صلوا كما رأيتموني أصلي؟ فإذا تركه في الفريضة فاتركوه.\nفالجواب: أن ترك النبي - ﷺ - له لا يدل على تحريمه؛ لأنه لم يَنْهَ عنه في الفريضة، والدعاء من جنس الذكر لا يبطل فعله الصلاة، وقد قال النبي - ﷺ -: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن.\nلهذا نقول لا يستحب فعله في الفريضة، وفعله جائز ما لم يشق ذلك على المأمومين، وأما في النفل فهو مستحب، ولعل هذا القول هو أقواها، والله أعلم.\n* * *","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الثالث في حكم قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الألفاظ أقسام: منها ما يعتبر معناه دون لفظه كألفاظ العقود، ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه، كالتكبير، والتسبيح، والدعاء في الصلاة، ومنها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.\n* العلماء مجمعون على أن القرآن هو اللفظ والمعنى، ولا يُعَدُّ المعنى وحده قرآنًا، وبهذا فارق القرآن الحديث القدسي.\n* المطلوب في الصلاة قراءة القرآن، لا قراءة معناه.\n* ما كتب بلغة العجم من تفسير للقرآن لا يوصف بكونه منزلًا، ولا بكونه قرآنًا، ولا بكونه عربيًّا، ولا بكونه كلام الله الذي تكلم به سبحانه.\n* قال إمام الحرمين: ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع المسلمين كما أن تفسير شعر امرئ القيس ليس شعره.\n* إذا عجز الإنسان عن قراءة القرآن انتقل إلى بدله، وهو الذكر من تسبيح، وتهليل، وتحميد، ولم يجعل الله بدل القرآن تفسيره، ولا ترجمته إلى لغة أخرى.\n[م-٦٠٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: تجوز مطلقًا مع الكراهة، سواء أكان يحسن العربية أم كان لا يحسنها، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ويروى رجوعه عنه (^١).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٢٥٢)، المبسوط للسرخسي (١/ ٣٧)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠)، بدائع الصنائع (١/ ١١٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٤)، البحر الرائق (١/ ٣٢٤).","vol":"3","page":304},{"text":"وقيل: لا تجوز القراءة بها مطلقًا، وبهذا قال الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره ابن حزم من الظاهرية (^١).\nوقيل: إن كان يقدر على قراءة القرآن بالعربية فلا يجوز، وإن كان لا يحسن العربية جاز، وهو قول للحنابلة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو المعتمد في المذهب، ويروى رجوع أبي حنيفة في أصل المسألة إلى قولهما، ذكر ذلك في الهداية شرح البداية وفي البحر الرائق، وفي غيرهما، وإذا رجع العالم عن قوله لا يعد ذلك المرجوع عنه قولًا له (^٢).\n* دليل من قال: لا تجوز مطلقًا:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢].\nوقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣].\nوجه الاستدلال:\nقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فالأعجمي ليس بقرآن، وما كتب بلغة العجم فليس متصفًا بكونه منزلًا، ولا بكونه قرآنًا، ولا بكونه عربيًّا، ولا يوصف بكونه كلام الله الذي تكلم به سبحانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] فهو في أحسن حاله أن يكون ترجمة تفسيرية، وتفسير القرآن ليس قرآنًا.\nوقد نقل النووي عن إمام الحرمين قوله: «ترجمة القرآن ليست قرآنًا بإجماع\n_________\n(^١). انظر في المالكية: المدونة (١/ ١٦١)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٣٧)، عيون المسائل للقاضي عبد الوهاب (ص: ١٢٤)، التبصرة للخمي (١/ ٢٥٦)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣٧)، حاشية الصاوي (١/ ٣٠٩).\nوانظر في مذهب الشافعية: المجموع (٣/ ٣٧٩)، الخلافيات للبيهقي (٣/ ٢٣٢)، بحر المذهب للروياني (٢/ ١٥)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٣)، حلية العلماء للقفال (٢/ ٩٢)، نهاية المطلب (٢/ ٢٠٢)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٢٥).\n(^٢). الأصل للشيباني (١/ ١٥، ٢٥٢)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٠)، المبسوط (١/ ٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ١١٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٠)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٨، ٤٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٦)، البحر الرائق (١/ ٣٢٤).","vol":"3","page":305},{"text":"المسلمين، ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنًا، وليس ما لفظ به قرآنًا، ومن خالف في هذا كان مراغمًا جاحدًا، وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنًا» (^١).\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nفأمر الله بقراءة القرآن في الصلاة، والقرآن على اتفاق السلف: هو كلام الله تلقاه جبريل عن الله سبحانه، وبَلَّغَه جبريل إلى النبي - ﷺ -، وبَلَّغَه النبي - ﷺ - إلى أمته، وتجويز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة بدلًا عن القرآن من باب إثبات بدل الواجب، والأبدال في الواجبات الشرعية لا تصح إلا بتوقيف، ولا يوجد نص من الشارع يُجَوِّزُ قراءة ترجمة القرآن بدلًا من القرآن، والأصل في العبادات المنع.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٥٩٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعت هشام بن حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله - ﷺ -، وكدت أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله - ﷺ -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم ينكر على عمر اعتراضه على قراءة هشام بن حكيم، فلو جازت الترجمة لأنكر عليه اعتراضه في شيء جائز.\nالدليل الرابع:\nالألفاظ أقسام: منها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ العقود والطلاق والنكاح،\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٨٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٢٤١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٠ - ٨١٨).","vol":"3","page":306},{"text":"فتصح بلغة أهلها، ولو كان قادرًا على العربية على الصحيح.\nومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز، كالتكبير، والتسبيح، والدعاء في الصلاة، فهذه الألفاظ توقيفية، ولا إعجاز في لفظها، فتجب مع القدرة، وتجوز بغير العربية مع العجز.\nومنها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه بلفظه ومعناه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى، فالعلماء مجمعون على أن القرآن هو اللفظ والمعنى، وليس المعنى وحده يُعَدُّ قرآنًا، وبهذا فارق القرآن الحديث القدسي الذي كان معناه منسوبًا إلى الله، ولفظه منسوبًا للرسول - ﷺ -، والإعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال النظم العربي؛ لأن المعتمد في إعجاز القرآن هو اللفظ من حيث جزالة أسلوبه وفصاحته المجاوزة لحدود جزالة العرب، والجزالة والأسلوب يتعلقان بالألفاظ، وأما المعنى فهو تابع للفظ، ولهذا تحدى الله العرب أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، فلما كانت العشر مفتريات كانت من حيث المعنى لن تماثل الصدق، فدل على أنه تحداهم أن يأتوا بمثله من حيث اللفظ، وأن الإعجاز كان بألفاظه، والمعنى تبع.\nولا خلاف أن القرآن معجز، وليست ترجمته معجزة، فلا تكون الترجمة قرآنًا؛ لانعدام الإعجاز، ولهذا لا تشترط الطهارة لمس المترجم خلافًا للأصح عند الحنفية، ولا تحرم قراءته من الجنب، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ القرآن (^١).\nالدليل الخامس:\nإذا عجز الإنسان عن قراءة القرآن انتقل إلى بدله، وهو الذكر من تسبيح، وتهليل، وتحميد، ولم يجعل الله بدل القرآن تفسيره، ولا ترجمته في لغة أخرى.\n(ح-١٥٩٥) فقد روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،\nعن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني\n_________\n(^١). قال الحنفية: الجواز أقرب إلى القياس، والمنع أقرب إلى التعظيم، والصحيح المنع، انظر حاشية ابن عابدين (١/ ٢٩٣)، البحر الرائق (١/ ٢١١، ٢١٢)، الموسوعة الكويتية (١١/ ١٧٠).","vol":"3","page":307},{"text":"لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ﷿، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي - ﷺ -: أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (^١).\n[أرجو أن يكون حسنًا] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٣/ ٣٥٣).\n(^٢). تفرد به إبراهيم السَّكْسَكِيُّ، وهو من رجال البخاري، أخرج له البخاري في صحيحه حديثين: أحدهما: إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا. صحيح البخاري (٢٩٩٦).\nوالحديث الثاني: أن رجلًا أقام سلعة في السوق فحلف فيها: لقد أعطي بها ما لم يعط؛ ليوقع رجلًا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية [آل: عمران: ٧٧].\nولهذا قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه».\nوقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٧٥): إبراهيم هذا من فرسان البخاري، احتج به في صحيحه وإن كان الحاكم ذكره في مدخله في باب من أخرج له البخاري وذكر بشيء من الجرح، ثم غفل فذكره في: (باب من اتفقا عليه). اهـ قال في إكمال تهذيب الكمال (١/ ٢٣٨): وهو وهم منه، نص على ذلك غير واحد، والله أعلم.\nوقال عليُّ بن المديني: سألت يحيى بن سعيد، عن إبراهيم السكسكي، فقال: كان شعبة يضعفه، قال: كان لا يحسن يتكلم. الجرح والتعديل (١/ ١٣٢) و(٢/ ١١١)، والضعفاء للعقيلي (١/ ٥٧).\nوهذا ليس بجرح، بل إن حفظه للحديث، وعدم الاختلاف عليه في ألفاظه مع كونه لا يحسن أن يتكلم برهان على ضبطه وحفظه له.\n\nوفي سؤالات الحاكم للدارقطني (٢٦٩): قلت لعلي بن عمر: لم ترك مسلم حديثه؟ قال: تكلم فيه يحيى بن سعيد. قلت: بحجة؟ قال: هو ضعيف. قلت: لعل مسلمًا لم يحتج إليه ضرورة.\nوقال أحمد بن حنبل: ضعيف.\nوقال النسائي: ليس بذلك القوي، ويكتب حديثه. الكامل (١/ ٣٤٥).\nوقال ابن خلفون: قال أبو الحسن الدارقطني: تابعي صالح. قال ابن خلفون: وهو عندي في الطبقة الثالثة من المحدثين. انظر إكمال تهذيب الكمال (١/ ٢٣٨)، وحاشية تهذيب الكمال (٢/ ١٣٢).\nوقال ابن عدي في الكامل (١/ ٣٤٥): لم أجد له حديثًا منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه كما قال النسائي. =","vol":"3","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقال الذهبي في الميزان (١/ ٤٥): كوفي صدوق، لينه شعبة والنسائي، ولم يترك، قال النسائي: ليس بذاك القوي، وخرَّج له البخاري، وقال أحمد: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكر المتن.\nوقال في من تُكُلِّم فيه وهو موثَّق (٦): «لينه شعبة، وضعفه أحمد، حديثه حسن».\nوقال ابن القطان الفاسي كما في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٠٦): وإن كان قوم قد ضعفوا إبراهيم السكسكي، فلم يأتوا بحجة، وهو ثقة، وقد أخرج له البخاري.\nوانتقد ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٥٧٦) تضعيف النووي له، وقال: «وأما قول النووي في شرح المهذب: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي من رواية إبراهيم السكسكي، وهو ضعيف، وإدخاله إياه في فصل الضعيف من خلاصته؛ فليس بجيد منه ....».\nوخرج ابن حبان حديثه في صحيحه.\nوقال أبو زرعة العراقي في البيان والتوضيح لمن أُخرج له في الصحيح وقد مُس بضرب من التجريح (٣٢): «أما قول أحمد فغير مفسَّر، وأما ما حكاه يحيى بن سعيد [أي عن شعبة] فقد فُسِّر بما ليس بقادح».\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٣٤): صالح الحديث ....\nفالخلاصة: ضعفه يحيى القطان والإمام أحمد، والنسائي، وجرحه شعبة بما ليس بقادح، واختلف قول الدارقطني فيه، وأخرج له البخاري وابن حبان في صحيحيهما، ووثقه ابن القطان الفاسي وحسن حديثه الذهبي، فالذي يظهر لي، والله أعلم أن الرجل صدوق يخطئ، ولعل حفظ السكسكي لهذا الحديث، بهذا التفصيل، وعدم الاختلاف عليه في ألفاظه دليل على أن الحديث لا يدخل فيما أخطأ فيه من الأحاديث، والله أعلم.\nوقد روى الحديث عن إبراهيم جماعة منهم:\nالأول: أبو خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ.\nرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٧٤٧)، ومن طريقه الطبراني في الدعاء (١٧١١)، والدارقطني في السنن (١١٩٦)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٦٩).\nوأحمد (٤/ ٣٥٣)، وأبو داود في السنن (٨٣٢)، والدارقطني في السنن (١١٩٧)، والكناني في جزء البطاقة (٦)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص: ٤٩٤، ٤٩٥)، وأبو القاسم الكناني في حديثه (٦)، عن وكيع،\nوعبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده (٥٢٤)، والطبراني في الدعاء (٧١١)، وابن المقرئ في معجمه (ص: ٨٣)، عن أبي نعيم (الفضل بن دكين).\nوالبزار (٣٣٤٧)، والبيهقي في السنن (٢/ ٥٣٢)، من طريق يعلى بن عبيد، وزاد ذكر البسملة، وهي زيادة شاذة.\nوالبيهقي في القراءة خلف الإمام (١٨٥) من طريق الحسين بن حفص، كلهم (عبد الرزاق، =","vol":"3","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ووكيع، وأبو نعيم، ويعلى بن عبيد، والحسين بن حفص) رووه عن سفيان الثوري، عن أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ به. ولم يتفرد به أبو خالد الدالاني بل تابعه غيره، كما سيأتي بيانه في بقية تخريج طرقه.\nوخالف هؤلاء خالد بن نزار كما في الحلية لأبي نعيم (٧/ ١١٣)، والتدوين في أخبار قزوين (٣/ ٣٨٢)، روياه من طريق نصر بن مرزوق، حدثنا خالد بن نزار، حدثنا الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى به.\nقال أبو نعيم: «هذا حديث غريب، تفرد به عن الثوري: خالد بن نزار».\nولا يحتمل تفرد خالد بن نزار عن الثوري بهذا الإسناد، كيف وقد خالف الجماعة في سفيان، فالمعروف ما رواه الجماعة عن سفيان، وخالد بن نزار فيه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويخطئ.\nالطريق الثاني: مِسْعَرٌ، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ به.\nأخرجه أحمد (٤/ ٣٥٦)، والطبراني في الدعاء (١٧١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٢)، وفي الخلافيات ط الروضة (٢٣٥٤)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٨٤، ٥٨)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٣/ ١٠٢) ح ١٦٨، عن أبي نعيم (الفضل بن دكين).\nوابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٤١٩) حدثنا أبو أسامة.\nورواه أيضًا (٣٥٠٣٦) حدثنا أبو معاوية،\nوالقاضي أبو يوسف في الآثار (٥١)،\nوالنسائي في الكبرى (٩٩٨)، وفي المجتبى (٩٢٤) من طريق الفضل بن موسى.\nوالبزار (٣٣٤٥)، وابن منده في التوحيد (٢٦٨)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٣/ ١٠١) ح ١٦٦، من طريق أبي أحمد (يعني الزبيري)،\nورواه ابن حبان في صحيحه (١٨٠٩)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (١٣/ ١٠١) ح ١٦٧، من طريق عمر بن عليٍّ،\nوالدارقطني في السنن (١١٩٥)، والبيهقي في الشعب (٦٠٩)، من طريق عبيد الله بن موسى،\nوالحاكم في المستدرك (٨٨٠) من طريق جعفر بن عون،\nوابن بشران في أماليه (٩٣٦) من طريق خلاد بن يحيى، كلهم (أبو نعيم، وأبو أسامة، وأبو معاوية (محمد بن خازم)، وأبو يوسف القاضي، والفضل بن موسى، وأبو أحمد الزبيري، وابن عيينة، وعمر بن علي، وعبيد الله بن موسى، وجعفر بن عون، وخلاد بن يحيى) رووه عن مِسْعَرٍ، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ به.\nورواه سفيان بن عيينة، فكان مرة يرويه عن مسعر وحده، ومرة يرويه عن أبي خالد الدالاني ومسعر.\nفرواه ابن الجارود في المنتقى (١٨٩)، والدارقطني (١١٩٥) عن ابن المقرئ (محمد بن عبد الله بن يزيد). =","vol":"3","page":310},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الدارقطني في السنن (١١٩٥) من طريق أبي عبيد الله المخزومي سعيد بن عبد الرحمن.\nورواه الحاكم في المستدرك (٨٨٠) من طريق الحميدي، ثلاثتهم (ابن المقرئ وأبو عبيد الله المخزومي، والحميدي) رووه عن سفيان بن عيينة، عن مسعر وحده، عن السكسكي به.\nورواه الحميدي في مسنده (٧٣٤)، ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٥٩)،\nوابن حبان (١٨٠٨) من طريق إبراهيم بن بشار، كلاهما عن سفيان بن عيينة، قال: حدثنا يزيد أبو خالد الدالاني، ومسعر بن كدام، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلًا، قال للنبي - ﷺ -: علمني يا رسول الله شيئًا أقوله يجزئني من القرآن، فقال النبي - ﷺ -: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. قال سفيان: لا أعلم، إلا أنه قال: قال: ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nفجمع سفيان شيخيه: أبا خالد، ومسعرًا. ...\nوخالف الحميديَّ، وابنَ المقرئ، وأبا عبيد الله المخزومي، وإبراهيمَ بنَ بشار الرمادي، كل من:\nالأول: حامد بن يحيى، كما في أفراد الدارقطني (الأطراف: ٤٠٤٧)، فرواه عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى به.\nوحامد بن يحيى البلخي وإن كان ثقة، ومن أصحاب ابن عيينة، إلا أنه خالف الجماعة، ولم يتابع على ذكر إسماعيل بن خالد بدلًا من السكسكي، فهي رواية شاذة، والله أعلم.\nالثاني: عبدُ الله بنُ بزيع، كما في الأوسط للطبراني (٣٠٢٥) فرواه عن سفيان بن عيينة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي به.\nقال الطبراني: «لم يروه عن سفيان بن عيينة عن منصور إلا عبد الله بن بزيع، وإبراهيم هذا هو: إبراهيم السَّكْسَكِيٌّ، ولا يروى من حديث منصور إلا من هذا الوجه».\nوالمعروف رواية الجماعة، وعبد الله بن بزيع ضعيف، لينه الدارقطني، وقال فيه أيضًا: ليس بالقوي.\nالطريق الثالث: عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ.\nرواه أبو داود الطيالسي (٨٥١)، ومن طريقه البيهقي في الدعوات الكبير (١٢٣).\nورواه أحمد (٤/ ٣٨٢) حدثنا يزيد (يعني ابن هارون).\nورواه البزار (٣٣٤٦) من طريق أبي أحمد الزبيري،\nورواه الطبراني في الدعاء (١٧١٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ٣١)، من طريق عمرو بن مرزوق،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٣٢)، وفي القراءة خلف الإمام (١٨٤)، من طريق أبي النضر (هاشم بن القاسم)،\nورواه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٤٥)، والشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (١١٢٠)، من طريق عاصم بن علي، ستتهم (الطيالسي، ويزيد بن هارون، وأبو أحمد الزبيري، وعمرو بن مرزوق، وأبو النضر، وعاصم بن علي) رووه عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، =","vol":"3","page":311},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-١٥٩٦) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،\n_________\n= عن إبراهيم السَّكْسَكِيِّ به، بلفظ: (أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني لا أحسن القرآن، فهل شيء يجزئ من القرآن فقال رسول الله - ﷺ -: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم أدبر الرجل ثم رجع فقال: يا رسول الله، هذا لله فماذا لي؟ قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني، فعقدهن الرجل في يده عشرًا فقال رسول الله - ﷺ -: أما هذا فقد ملأ يديه خيرًا. هذا لفظ أبي داود الطيالسي، ولفظ الباقين بنحوه.\nوالطيالسي ويزيد بن هارون وأبو النضر وعاصم بن علي ممن سمع من المسعودي بعد اختلاطه، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، ومن سمع منه بالكوفة فصحيح، وسماع عمرو بن مرزوق قبل اختلاطه، وسماع أبي أحمد الزبيري قديم، وقد ضبط المسعودي هذا الحديث سندًا ومتنًا، ولم يخالف رواية مسعر، وأبي خالد الدالاني، وموافقته لهما دليل على ضبطه، فزال ما يخشى من اختلاطه، والله أعلم.\nالطريق الرابع: حجاج بن أرطاة، عن السكسكي. ...\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٧٩٧) حدثنا أبو معاوية، عن حجاج، عن إبراهيم السكسكي به، وحجاج بن أرطاة ضعيف، وأبو معاوية يخطئ فيما رواه عن غير الأعمش.\nوقد توبع فيه السكسكي، إلا أنه من طريق لا يصح.\nفقد رواه ابن حبان في صحيحه (١٨١٠)، وابن المقرئ في معجمه (١٧٢)، والضياء في المختارة (١٩١)، وأبو الحسين بن المظفر في حديثه (٧٠ - مخطوط) من طريق الفضل بن الموفق، قال: حدثنا مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرف، عن ابن أبي أوفى، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن، فعلمني ما يجزئني من القرآن ... فذكره.\nوعلقه ابن عبد الهادي في التنقيح (٧٨٢)، قال: وقال الطبراني: حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النَّيسابوريُّ حدثنا أبو أميَّة محمد بن إبراهيم، حدثنا الفضل بن موفَّق به.\nقد انفرد بهذا الاسناد الفضل بن الموفق، عن مالك بن مغول، وقد قال أبو حاتم الرازي كما في الجرح والتعديل (٧/ ٦٨): «ضعيف الحديث، كان شيخًا صالحًا، قرابةً لابن عيينة، وكان يروي أحاديث موضوعة».\nفمثل هذا لا يمكن أن يعتبر به، وقد تفرد عن مالك بن مغول بمثل هذا، فلو كان من حديثه، فأين أصحابه عنه، والله أعلم.","vol":"3","page":312},{"text":"عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته ... وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره (^١).\n[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ) يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (١٤٦٩).\n(^٢). حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع.\nفأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\n\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث، هذا لفظ الصحيحين من مسند أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته.\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة، =","vol":"3","page":313},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منه حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\nإذا عرفت هذا من حيث الجملة،\nفالحديث قد اختلف فيه على عليِّ بن يحيى بن خلاد:\nفرواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، كلهم رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رافع لم يذكر أحد منهم قوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبِّره)، وقد سبق تخريج هذه الطرق، انظر ح (١١٩٢).\nورواه يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، وذكر فيه زيادة: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله ... إلخ).\nأخرجه الطيالسي (١٣٨٢)، وأبو داود (٨٦١)، والنسائي في المجتبى (٦٦٧)، وفي الكبرى (١٦٣١)، وابن خزيمة (٥٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٤)، والبيهقي (٢/ ٣٨٠)، من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد به.\nويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد لم يَرْوِ عنه إلا إسماعيل بن جعفر، ولم يوثقه إلا ابن حبان، إلا أن ذلك لا يضر فيما توبع عليه، وأما ما انفرد به، فلا يقبل؛ لكونه يحمل علتين، كل واحدة منهما توجب رده.\nالأولى: تفرده، ومخالفته لكل من روى هذا الحديث ممن هم أوثق منه.\nالثاني: أن هذا الحرف لم يرد في حديث المسيء في صلاته من مسند أبي هريرة، وهو متفق عليه، مجمع على صحته.\nفإن قيل: قد تابعه شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى بن خلاد.\nفقد رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢)، وفي مشكل الآثار (٢٢٤٣) من طريق يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن عليِّ بن يحيى، عن عمه رفاعة أن النبي - ﷺ - كان جالسًا في المسجد فدخل رجل فصلى، ورسول الله - ﷺ - ينظر إليه فقال له: إذا قمت في صلاتك فكبر، ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله، وكبِّر، وهلل .... الحديث.\nوالوحاظي حسن الحديث، وقد تركه أحمد فلم يكتب عنه ربما للمذهب، إلا أن هذه المتابعة شاذة لا تصح؛ قد أخطأ فيها الوحاظي في إسناده، والمحفوظ أن حديث سليمان بن بلال، يرويه عن ابن عجلان، وليس عن شريك، ورواية ابن عجلان ليس فيها ما يتفرد به عن رواية الجماعة، ولا ما يخالف فيه حديث أبي هريرة في الصحيحين. ومن ذلك لم يرد فيه حرف: =","vol":"3","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره).\nكما أخطأ الوحاظي حين جعل الإسناد من رواية علي بن يحيى، عن عمه، والمحفوظ: أنه من رواية علي بن يحيى، عن أبيه، عن رفاعة، ومن لم يقم إسناده حتى أخطأ في إسناده مرتين كيف يمكن أن يقيم متنه؟\nوقد خالف إسماعيل بن أبي أويس الوحاظي، كما في المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٦) ح ٤٥٢١، فرواه عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن عليِّ بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن عمه، وهذا هو المعروف من رواية سليمان بن بلال، أنه يرويه عن ابن عجلان، وأنه من رواية علي بن يحيى، عن أبيه، عن عمه.\nفإن قيل: قد أثبت أبو حاتم كما في العلل لابنه رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر لكن جعلها عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة. انظر العلل (٢/ ٦٨) رقم: ٢٢١.\nفالجواب: ليس النزاع في إثبات رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وإنما في إثبات زيادته (فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره)، فإن ثبت هذا اللفظ عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر من غير رواية الوحاظي، فحينئذٍ ينتفي تفرد يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، وهذا الذي لم أقف عليه، والله أعلم، على أنه لو ثبت لم يخرج بهذه المتابعة من الشذوذ، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر (صدوق يخطئ) وراوية اثنين لم يعرفا بالضبط المتقن، في مقابل رواية الجماعة، وعلى رأسهم إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومعه محمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، لا يجعل من روايتهما الحكم بحفظها، فالجماعة مقدمة على الاثنين، ولو خالف شريك ويحيى ابن علي بن خلاد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لم أحكم لزيادتهما، فكيف وقد خالفا كل من رواه عن علي بن يحيى، كما أن هذا اللفظ مخالف لحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته، وهو أصح من حديث رفاعة، والذي لا تكاد تجد طريقًا يرويه عن علي بن يحيى إلا ويتفرد بزيادات وألفاظ عن سائر الرواة، وقد أفردت زيادة كل راوٍ على وجه الاستقلال في تخريج سابق، فانظر ح (١١٩٢)، ليظهر لك حجم اختلاف الرواة في لفظه، ولا يظهر لي أن الحمل على الرواة عن علي بن يحيى، بل الحمل عليه هو؛ أو على شيخه، لأن مثل إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة لا يمكن أن يُحَمَّل مثل هذه الزيادات على شذوذها، ومخالفتها لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ولو انفرد إسحاق بهذه الزيادات، وكانت باقي الطرق محفوظة من الاختلاف متفقة على معنى واحد لأمكن تحميلها إسحاق بن عبد الله، أما إذا كانت غالب الطرق مشتملة على أفراد وزيادات ليست في الطرق الأخرى كان الحمل على شيخهم، أو على من فوقه حيث لم يضبط لفظه، وليس على الرواة عنه، فلا يلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، بل يجب أن تكون العهدة عليه، أو على شيخه، هذا ما أعرفه من طريقة المحدثين. =","vol":"3","page":315},{"text":"قال الخطابي: «فإن كان رجلٌ ليس في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن؛ لعجزٍ في طبعه، أو سوءِ حفظه، أو عجمةِ لسانٍ، أو آفةٍ تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد القرآن ما علَّمه النبي - ﷺ - من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (أفضل الذكر بعد كلام الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)» (^١).\n_________\n= فإن قيل: ألم يُحَسِّنه الترمذي؟ فالجواب: بلى، ولكن تحسين الترمذي تضعيف له؛ لأن الترمذي له اصطلاح خاص فيما يقول عنه: إنه حسن، وليس على اصطلاح المتأخرين، وقد نقلته فيما سبق.\nفإن قيل: ألم يأخذ بالحديث الإمام أحمد، وكفى به إمامًا في العلل؟\nقال الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد الله (٢٨٧): «وزاد إسماعيل بن جعفر في حديث رفاعة بن رافع عن النبي - ﷺ -: (فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله، ثم اركع)، قال عبد الله: قال أبي: وكذلك أقول أنا: إن لم يحسن يقرأ يفعل كما أمره النبي - ﷺ - على حديث رفاعة بن رافع».\nفظاهره أنه يصحح هذا الحديث؛ حيث نسب الأمر إلى النبي - ﷺ - على حديث رفاعة بن رافع.\nفالجواب: من أخذ بكلام الإمام أحمد فهو حسبه، وقد قَلَّد لدينه حجة وخبيرًا في العلل، وإن كان قد سبق لي أن ذكرت رأيي في منهج الإمام أحمد عند الكلام على زيادة: (وإذا قرأ فأنصتوا)، عندما ذهب الإمام إلى تصحيحها من حديث أبي هريرة، وضعفها كثير من الأئمة، ولا مانع من إعادة الكلام لهذه المناسبة.\nفالإمام أحمد إذا ضَعَّف حديثًا، فلا أظن أن أحدًا من المتأخرين يستطيع أن ينهض لتصحيحه، بخلاف التصحيح، فإن الإمام قد يُغَلِّب جانب العمل والنظر الفقهي على الصنعة الحديثية، فالإعلال بالتضعيف أدق من القول بصحة الحديث، أو بالعمل به؛ لأن العمل قد يحكمه ويحيط به عوامل كثيرة، منها أحاديث، وآثار الباب ومقاصد الشريعة، وقواعدها ومصالحها، وما عليه أكثر السلف من حيث العمل، لا من حيث الصنعة، فلا ينشط الإمام لإعلال الحديث إلا لو كان لا يوجد في الباب إلا هذا الحديث، وأما التضعيف فيكون الاحتياط فيه أَشَدَّ؛ لأنه إبطال للدليل، والغالب أنه لا يصير إليه إمام من الأئمة إلا مع انقطاع النظر في إمكان تصحيحه، لهذا كان إعلال الحديث بالتضعيف مقدمًا على القول بالصحة، وهذا في الجملة، وإلا فكل واقعة لها حكمها، وأدوات الترجيح كثيرة ومتشعبة، ولا شك أن القول الفقهي في استحباب التحميد والتهليل والتكبير بدلًا من قراءة القرآن قول راجح من حيث النظر الفقهي؛ لثبوت ذلك من حديث ابن أبي أوفى، وهو قول الجمهور، كما سيأتي بحثه إن شاء الله في مسألة مستقلة، والله أعلم.\n(^١). معالم السنن (١/ ٢٠٧).","vol":"3","page":316},{"text":"الدليل السابع:\nالصلاة مبناها على التعبد والاتباع، والنهي عن الاختراع، وهذا يسد باب القياس، وإذا كان النبي - ﷺ - قد منع تغيير ألفاظ الأذكار المقيدة، ولو كانت بألفاظ عربية، فما بالك بتغير ألفاظ كلام الله ونقل معناه إلى لغة أخرى ومن كلام البشر، فالفرق بين كلام الله وكلام غيره، كالفرق بين الخالق والمخلوق.\n(ح-١٥٩٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:\nحدثني البراء بن عازب أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت .... قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (^١).\nفمنع الرسول - ﷺ - من استبدال لفظ النبي بالرسول، مع أن كل رسول فهو نبي.\n* دليل من قال: تجوز قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة مطلقًا:\nالدليل الأول:\nقال الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].\nوالعجم لا يعقلون الإنذار إلا بترجمة القرآن.\n* ونوقش بأكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nليس في الآية دليل على أن المترْجَمَ يجوز التعبد به بالصلاة، وهذا موضع النزاع، وإنما في الآية نص على جواز الإنذار بالقرآن، وباب الإنذار والبلاغ يختلف عن باب التعبد بالألفاظ، فالإنذار والبلاغ بابه أوسع، وفهمه ركن مقصود؛ لقيام الحجة عليهم، ويحصل لهم البلاغ بترجمة تفسير القرآن في لغتهم، وتفسير القرآن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١١)، وصحيح مسلم (٢٧١٠).","vol":"3","page":317},{"text":"ليس قرآنًا، بخلاف الصلاة، فإن التعبد بالقراءة فيها متعين، ولا يجوز بغير ما أنزل الله، سواء أفهم المصلي ما يقرؤه أم لا، فلو أن عربيًّا عجز عن حفظ الفاتحة لم يتعبد الله في صلاته بقراءة تفسيرها، ولو أبدل كلمة عربية بأخرى مرادفة لها ولو كانت عربية لم يكن ذلك قرآنًا، فكذلك الأعجمي.\nوإنما قلنا: ترجمة تفسير القرآن؛ لأن ترجمة القرآن ترجمة حرفية والتي تعني إبدال لفظة بلفظة أخرى تقوم مقامها غير ممكنة بخلاف التفسير، فإن القرآن كما يفسر بالعربية، يفسر باللغات الأخرى، وجميع التفسيرات ليست قرآنًا، ولأن الترجمة الحرفية تؤدي إلى ادعاء إمكان وجود مثلٍ للقرآن، وكل مثلٍ للقرآن فهو مستحيل، ويلزم منه تكذيب قوله ﵎: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].\nالوجه الثاني:\nقال أبو الطيب الطبري: «الإنذار للأعجمي بالقرآن حصل به، وإن كانت الترجمة طريقًا إلى معرفة ذلك، كما أن قاضيًا لو شهد عنده شاهدان بالعجمية، وترجم له عن شهادتهما، فإن الحق يثبت عنده بشهادتهما، لا بالترجمة عنهما، يدل على ذلك أنهما لو رجعا عن الشهادة بعد استيفاء الحق بها لألزمهما القاضي الغرم، ولم يلزم المترجم شيئًا» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٥٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: وفيه: .... قال رسول الله - ﷺ -: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفإذا كان بنو تميم وهوازن وعرب اليمن لم يلزموا بتعلم لغة قريش لغة القرآن،\n_________\n(^١). التعليقة الكبرى في الفروع، كتاب الصلاة، رسالة علمية (ص: ٣٤١).\n(^٢). صحيح البخاري (٢٤١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٠ - ٨١٨).","vol":"3","page":318},{"text":"بل أبيح لهم أن يقرؤوا القرآن بلغتهم، مع أنه من السهل عليهم أن يروضوا ألسنتهم على لسان قريش، فغير العرب أولى وأحرى.\n* ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن القرآن أُنْزِل على سبعة أحرف، وهي مسموعة من النبي - ﷺ -، ونقلت نقلًا صحيحًا، وكل هذه القراءات عربية منزلة، بخلاف المترجم إلى لغة العجم ترجمة حرفية، فهذه لم تسمع، فلا هي عربية ولا هي منزلة، بل هي محدثة، فالرسول - ﷺ - وجميع الصحابة ما قرؤوا في الصلاة إلا بهذا القرآن العربي، فوجب علينا اتباعهم، وإذا كانت الألسن المخالفة للعربية ليست من السبع، فكيف تجوز القراءة بها؟\nالوجه الثاني:\nأن القراءات الواردة لا تصح القراءة بها عند أئمة القراء إلا بثلاثة أركان: أن يصح سندها، وأن توافق رسم المصحف العثماني، وأن توافق العربية ولو في وجه من الوجوه، فإذا اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة لم تصح القراءة بها، واعتبرت من القراءات الشاذة، ولو كانت عربية، وأنتم تقولون يجوز القراءة بكل لسان، فكان الاستدلال أعمَّ من الدليل.\nالدليل الثالث:\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [فصلت: ٤٤]\nوجه الاستدلال:\nدلت الآية على جواز تسمية الأعجمي قرآنًا (^١).\n* ونوقش:\nهذا من غريب الاستدلال، فالآية تثبت عربية القرآن، وتنفي عنه العجمة، فالقرآن كله عربي، كما قال تعالى في الآية الثانية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، فكل حرف في القرآن فهو عربي، سواء أكان عربيًّا بالأصالة، أم كان عربيًّا بالتعريبِ، واستعمالِ العرب، ولا يصح الاستدلال بالقدرة الإلهية أن الله لو\n_________\n(^١). المبسوط للسرخسي (١/ ٣٧).","vol":"3","page":319},{"text":"شاء لجعله قرآنًا أعجميًّا فليس البحث في القدرة الإلهية، فالله قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه، وإنما شاء الله ﷾ قدرًا أن ينزله قرآنا عربيًّا، كما شاء الله ﷾ أن يجعل خاتم الأنبياء والرسل من العرب، ولو شاء الله لجعله من العجم، فالمترْجَمُ ليس هو القرآن الذي تكلم الله فيه، وأنزله على رسوله - ﷺ -، وتحدى به العرب بأن يأتوا بسورة من مثله.\nالدليل الرابع:\nأن القرآن يبقى قرآنًا ولو ترجم بغير العربية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِين﴾ [الشعراء:١٩٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. [الأعلى:١٨؛١٩]\nفلما كانت معاني القرآن موجودة في هذه الكتب، وهي كتب غير عربية، صح أن يقال: إنه فيها، فكذلك الترجمة حيث تشتمل على معاني القرآن.\n* ونوقش:\nبأن الموجود في الزبر الأولى ذكره، ووصفه، والإخبار عنه، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nالدليل الخامس:\nنسب إلى كتاب النهاية والدراية أن الفرس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية، وقد عرض ذلك على النبي - ﷺ -، ولم ينكر عليه.\n[لا أصل له، فلم يوقف له على إسناد] (^١).\n_________\n(^١). نسبه إلى النهاية والدراية الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٦/ ٣٦٥)، والزرقاني في مناهل العرفان (٢/ ١٥٩)، وهذا الكتاب لم يوقف عليه، ولا يدرى أذكره مسندًا أم معلقًا، ولا أعلم أهو من كتب الفقه أم هو من كتب الرواية، وإن كان ظاهر نقول الحنفية عنه في كتبهم أنهم ينقلون عنه المسائل وليس الروايات، ولم أقف على نقل واحد ينقلون عنه رواية بالأسانيد، ولو كان محفوظًا في الرواية لما انفرد فيه مصدر غير معروف، وقد تعهد الله بحفظ الشريعة، ومِنْ حِفْظها حِفْظُ ما يثبتها من الروايات التي تقوم بها الحجة على الخلق.\nوتفيد النقول عن كتاب النهاية والدراية أنه قال: كذا في المبسوط، انظر: مناهل العرفان =","vol":"3","page":320},{"text":"ولو صح ذلك عن سلمان ﵁ فإنه كتب تفسيرها، لا حقيقة الفاتحة، وقد تضاربت ألفاظ الرواية عن سلمان، فكان في بعضها أنه نقل ترجمة البسملة فقط، ذكر ذلك الزقاني في مناهل العرفان (^١).\n_________\n= (٢/ ١٥٩)، وصاحب النهاية والدراية بحسب كتب الحنفية ينقل عن المبسوط، فإن كان المبسوط هو كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني، فليس فيه هذا الأثر، وإن كان المبسوط هو كتاب السرخسي، فالأثر فيه، ولكن ليس مسندًا، فلا حجة فيه، وهو من مدونات الفقه.\nوقد نقل الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن هذه الرواية من كتاب النفحة القدسية في أحكام القرآن وكتابته بالفارسية للشُّرُ نْبُلالي، وهو فقيه حنفي كان مدرسًا بالأزهر، وتوفي سنة: ١٠٦٩ هـ\nكما ذكرها السرخسي في المبسوط (١/ ٣٧)، والنووي في المجموع (٣/ ٣٨٠) بلا إسناد.\nوقد أجاب عنه الزرقاني في مناهل العرفان من وجوه، فقال:\n«أولها: أن هذا خبر مجهول الأصل، لا يعرف له سند فلا يجوز العمل به.\nثانيها: أن الخبر لو كان لَنُقِلَ وَتَوَاتَرَ؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره.\nثالثها: أنه يحمل دليل وهنه فيه، ذلك أنهم سألوه أن يكتب لهم ترجمة الفاتحة فلم يكتبها لهم إنما كتب لهم ترجمة البسملة، ولو كانت الترجمة ممكنة وجائزة لأجابهم إلى ما طلبوا وجوبًا وإلا كان كاتمًا، وكاتم العلم ملعون.\n\nرابعها: أن المتأمل في الخبر يدرك أن البسملة نفسها لم تترجم لهم كاملة؛ لأن هذه الألفاظ التي ساقتها الرواية على أنها ترجمة للبسملة لم يُؤْتَ فيها بلفظ مقابل للفظ الرحمن، وكأن ذلك لعجز اللغة الفارسية عن وجود نظير فيها لهذا الاسم الكريم. وهذا دليل مادي على أن المراد بالترجمة هنا الترجمة اللغوية، لا العرفية على فرض ثبوت الرواية.\nخامسها: أنه قد وقع اختلاف في لفظ هذا الخبر بالزيادة والنقص وذلك موجب لاضطرابه ورده ...».\nوقد أعرضت عن ذكر الاختلاف في لفظه؛ لأني لم أقف على إسناده لأعرف وجوه الاختلاف من الرواة، وما هو الراجح منها، وهل هذا الاختلاف من الرواة له وجه من الترجيح، أم أنه يوجب الاضطراب؛ لتساوي الطرق.\n\n(^١). جاء في مناهل العرفان (٢/ ١٥٩): «قال الشُّرُ نْبُلالي في كتابه النفحة القدسية ما نصه:\nروي أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب لهم: (بسم الله الرحمن الرحيم بنام يزدان يحشايند) فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم وبعد ما كتب عرضه على النبي - ﷺ - كذا في المبسوط قاله في النهاية والدراية».\nويحتمل أن النقل يقصد به إلى آخر الفاتحة، ولكن نقل هذا المقدار وقصد ... إلخ.","vol":"3","page":321},{"text":"الدليل السادس:\nأن القرآن ذكر، فقامت ترجمته مقامه كالشهادتين في الإسلام، وقياسًا على جواز الذبح والتلبية والتسبيح والتكبير بالفارسية، وقياسًا على خطبة الجمعة حيث تصح بغير العربية.\n* وَرَدُّ هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nعدم التسليم بصحة الشهادة والذبحة والتلبية والتكبير وخطبة الجمعة بالفارسية، فالمسألة خلافية، ولا يصح الاحتجاج على المخالف بمسألة خلافية، بل الحجة هو الدليل، فأين الدليل على جواز مثل ذلك بغير العربية.\nالوجه الثاني:\nعلى التسليم بجواز الشهادة والذبح والتلبية بغير العربية فهناك فرق بين المسألتين، فالمقصود من هذه الأمور المعاني دون الألفاظ بخلاف القرآن.\nفالمراد من الشهادتين معرفة اعتقاده الباطن، والعجمية كالعربية في تحصيل ذلك، ذكره النووي في المجموع (^١).\nوالمقصود من خطبة الجمعة ذكر الله تعالى والموعظة، ولذلك جازت بكل كلام أدى هذا المعنى.\nوكذلك يقال في التلبية والذكر عند الذبح، والتسبيح بالأعجمية، بخلاف القرآن فإن المقصود هو لفظه، بأن يتعبد المصلي بالتقرب إلى ربه ومناجاته بتلاوة كلامه، والمعنى تبع له، والمترجم ليس هو كلام الله، فافترقا.\nالوجه الثالث:\nعلى القول بالصحة فإن الجواز ليس مطلقًا، بل مشروطًا بعدم القدرة على العربية، وقد سبق بيان خلاف العلماء في التكبير بلغة العجم، وعرضت أدلة الخلاف، ورجحت أنه لا يجوز التكبير بغير العربية للقادر على ذلك، وهو قول الجمهور، فانظر أدلة الخلاف في موضعه.\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٨٠).","vol":"3","page":322},{"text":"الدليل السابع:\nمن القياس، حيث أجازوا ترجمة القرآن قياسًا على جواز ترجمة حديث النبي - ﷺ -.\n* ونوقش:\nلا يجوز قياس الأدنى على الأعلى، فالقرآن مقصود لفظه ومعناه، ولا تجوز قراءة معناه في الصلاة، والحديث معتبر معناه دون لفظه؛ لأنه لا إعجاز فيه، ولم نتعبد بلفظه إلا ما كان منه من أذكار العبادة فإن لفظه مقصود مع القدرة.\nالدليل الثامن:\nقال مالك: أقرأ عبد الله بن مسعود رجلًا: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم (٤٣) طَعَامُ الأَثِيم﴾ [الدخان: ٤٣]، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: طعام الفاجر (^١).\n* ويناقش:\nبأن ابن مسعود قال ذلك على وجه التفسير، ولم يقل للرجل: قل ذلك في الصلاة، والله أعلم.\nالدليل التاسع:\nأن المقصود من إقامة الصلاة إقامة ذكر الله ﷾: قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\nوالمقصود من قراءة القرآن هو التدبر لمعانيه، والاعتبار بمواعظه، وامتثال أوامره، والوقوف عند نواهيه، فالمصلي إذا كان أعجميًّا لن يفهم شيئًا من القرآن البتة، أما إذا قرأ القرآن بالفارسية فقد فهم المعنى، وأحاط بالمقصود، وعرف ما فيه من الثناء على الله، ومن الترغيب في الآخرة، والتنفير عن الدنيا، ومعلوم أن العبادات ومنها الصلاة المقصود منها حصول هذه المعاني، وإن كانت قراءةَ ترجمةٍ\n* دليل من قال: الترجمة تجوز للعاجز دون القادر:\nمن قدر على قراءة القرآن بالعربية لم تصح صلاته بغير ذلك؛ لأن الواجب لا يتأدى مع القدرة إلا باللفظ والمعنى؛ ولأن القرآن معجز بلفظه ومعناه.\nومن عجز عن اللفظ، وقدر على المعنى بلغته صح ذلك منه؛ لأن التكليف مع\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (١٨/ ٤١٩).","vol":"3","page":323},{"text":"القدرة، وعجزه عن اللفظ يسقط عنه اللفظ وحده؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز، ولا يسقط عنه ما قدر عليه من القراءة بالمعنى، وذلك يعني جواز قراءة ترجمة القرآن بالعجز.\n* ونوقش هذا:\nبأن العبادات إذا عجز عنها، فمنها ما يسقط بالعجز، كما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط عن العاجز فرض زكاة الفطر، فإذا عجز عنها وقت الوجوب سقطت، ولم تثبت في ذمته حتى لو تمكن بعد ذلك لم تلزمه.\nومنها ما يسقط إلى بدل، وإذا نص على البدل تعين، فلا يجوز الانتقال إلى غيره، كما في التيمم فإنه بدل عن طهارة الماء عند تعذر استعماله، والإطعام بدل عن فرض الصيام إذا عجز عنه، ومنه قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن الشارع قد نَصَّ على البدل: وهو التسبيح والتحميد والتهليل كما مَرَّ معنا، فإيجاب بدل لم يَنُصَّ عليه الشارع يعتبر من تبديل الشريعة كإيجاب ترجمة القرآن بدلًا عن قراءة القرآن، ففي ذلك محذوران: ترك البدل المنصوص عليه، وتشريع بدل لم يَدُلَّ عليه دليل، والله أعلم.\n* الراجح:\nأنه لا يجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة مطلقًا، سواء أكان قادرًا على العربية أم كان عاجزًا، إلا أن العاجز له أن يقوم بالتسبيح والتحميد والتهليل بدلًا عن قراءة القرآن، والتسبيح والتحميد تجوز ترجمته للعاجز عن العربية، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>المبحث الرابع في القراءة الشاذة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الفرع الأول في تعريف القراءة الشاذة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فقد يجتمعان، وقد يفترقان.\n* كل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا.\n* لا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، بل هي جزء من الأحرف السبعة.\n* المصاحف العثمانية جزء من الأحرف السبعة، وليست هي الأحرف السبعة.\n* الصحيح في القراءة الصحيحة: أنها محدودة بالوصف، وليست معدودةً في قراءة أئمة بأعيانهم ما خالفها فهو الشاذ.\n* ما خالف القراءة الصحيحة قد يكون شاذًّا، وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون باطلًا.\nقبل تعريف القراءة الشاذة ينبغي لنا أن نعرف القراءات اصطلاحًا، ثم نذكر تعريف القراءة الشاذة فرعًا عنها.\nتعريف القراءات اصطلاحًا (^١):\n_________\n(^١). القراءات: جمع، مفردها قراءة، والقراءة: مصدر من الفعل: (قَرَأَ يَقْرَأُ) من باب: (فَعَلَ يَفْعَلُ)، ومادة (ق ر أ) تدور في لسان العرب حول معنى الجمع والاجتماع، فتقول: قرأت الشيء: إذا جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، فيكون معنى: قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا. انظر لسان العرب (١/ ١٢٨)، تاج العروس (١/ ١٠٢، ١٠٣).\nوفرق ابن قيم الجوزية بين قَرَى يَقْرِي (فَعَلَ يَفْعِل) وبين قرأ يقرأ الذي هو من باب (فَعَلَ يَفْعَلُ)، فهما أصلان مختلفان: فالأول: من الجمع والاجتماع، ومنه: قَرَيْتُ الماء في الحوض أَقْرِيهِ، أي: جَمَعْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيت القَرْيَةُ، ومنه قَرْيَةُ النمل: للبيت الذي تجتمع فيه؛ لأنه يَقْرِيهَا، أَيْ يَضُمُّهَا وَيَجْمَعُهَا.\n\nوأما المهموز: فإنه من الظهور والخروج، ومنه قِرَاءَةُ القرآن؛ لأن قارئه يظهره ويخرجه مقدرًا محدودًا، لا يزيد ولا ينقص، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، ففرق بين الجمع والقرآن، ولو كان واحدًا لكان تكريرًا محضًا ... إلخ. انظر زاد المعاد (٥/ ٥٦٤).","vol":"3","page":325},{"text":"القراءات: علم يعرف منه اتفاق الناقلين لكتاب الله، واختلافهم في اللغة، والإعراب، والحذف، والإثبات، والتحريك، والإسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطق، والإبدال من حيث السماع.\nأو يقال: علم يعرف منه اتفاقهم واختلافهم في اللغة والإعراب، والحذف والإثبات، والفصل والوصل، من حيث النقل (^١).\nوعرفها الشيخ عبد الفتاح القاضي:\nبأنه علم يعرف به كيفية النطق بالكلمات القرآنية، وطريق أدائها اتفاقًا واختلافًا مع عزو كل وجه لناقله (^٢).\nفتبين من تعريفها أنها علم يشتمل على:\nكيفية النطق بألفاظ القرآن، وكتابتها.\nبيان مواضع اتفاق نقلة القرآن واختلافهم.\nوعزو كل كيفية من كيفيات أداء القرآن إلى ناقلها، وتمييز الصحيح والشاذ منها.\nوإذا عرفنا القراءات، فما تعريف القراءة الشاذة؟\nيحسن أن نذكر إشارات تمهد لنا معرفة الوقوف على مواضع الاتفاق لننتقل\n_________\n(^١). لطائف الإشارات (١/ ١٧٠)، نقلًا من كتاب القراءات وأثرها في التفسير والأحكام (ص: ٨١).\n(^٢). البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة (ص: ٧).\nوقد اصطلح علماء القراءات في التفريق بين القراءة، والرواية، والطريق.\nفكل خلاف نسب لإمام من الأئمة العشرة مما أجمع عليه الرواة عنه فهو قراءة.\nوكل ما نسب للراوي عن الإمام فهو رواية.\nوكل ما نسب للآخذ عن الراوي، وإن سفل فهو طريق، فيقال: قراءة حمزة، برواية شعبة، وطريق عبيد بن الصباح، عن حفص، وهكذا.","vol":"3","page":326},{"text":"منها إلى مواضع الاختلاف:\nفالعلماء متفقون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.\n(ح-١٥٩٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: وفيه: .... قال رسول الله - ﷺ -: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (^١).\n(ح-١٦٠٠) وروى الشيخان من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود،\nعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ -، قال: أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف (^٢).\nولا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن.\nيقول ابن تيمية: «القراءات المنسوبة إلى نافع، وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، وذلك باتفاق علماء السلف والخلف ... (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢٤١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٠ - ٨١٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٣٢١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٨١٩).\n(^٣). الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٤/ ٤٢٢).\nوالسؤال من أين أتى هذا الوهم على العامة من اعتبار الأحرف السبعة، هي القراءات السبع؟\nفالجواب: ربما جاء هذا الوهم أن ابن مجاهد المتوفى سنة (٣٢٤) هـ اختار من القراءات سبع قراءات مشهورة، فظن بعض الناس أن الأحرف السبعة المذكورة في حديث الأحرف السبعة: هي القراءات السبع المشهورة؛ لمَّا وافق عددها عدد القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، وهو وهم قبيح، وقد لام بعض العلماء ابن مجاهد على اختيار هذا العدد لأنه أوقع من لايعلم في مثل هذا الوهم.\nيقول ابن الجزري في النشر (١/ ٢٤): «لا يجوز أن يكون المراد هؤلاء السبعة القراء المشهورين، وإن كان يظنه بعض العوام؛ لأن هؤلاء السبعة لم يكونوا خلقوا، ولا وجدوا».\nوقال أبو شامة (ت: ٦٦٥): «ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن: هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض الجهال». =","vol":"3","page":327},{"text":"واختلف المتأخرون في المصحف العثماني الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعون لهم بإحسان، والأمة بعدهم، أهو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، أم هو مجموع الأحرف السبعة؟ على قولين مشهورين، أصحهما، والذي عليه جماهير العلماء من السلف، والخلف وأئمة المسلمين أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، وليست مجموع الأحرف السبعة، ورجح ذلك ابن الجزري، وابن تيمية وغيرهما خلافًا لبعض الفقهاء وبعض القراء، وبعض المتكلمين (^١).\nوعلى هذا يوجد قراءات خارج القراءات السبع، والعشر تعتبر قراءات صحيحة، بل قد تكون أصح من القراءات السبع.\n_________\n(^١). الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٤/ ٤٢٢)، الحجة للقراء السبعة (ص: ٨)، الإبانة عن معنى القراءات (ص: ٣٢).","vol":"3","page":328},{"text":"وإذا كان ذلك كذلك: فما هو الضابط في الحكم على قراءة بأنها قراءة صحيحة؟\nوإذا حكمنا على قراءة ما بأنها شاذة، فهل يجوز القراءة بها في الصلاة؟\nوإذا كان لا يجوز القراءة بها في الصلاة، فهل تكون حجة في استنباط الأحكام باعتبارها خبرًا من الأخبار؟\nهذا ما سوف أعرج عليه في مباحث هذه الفقرة من البحث، وإن كانت هذه المسألة يطلب بحثها في علوم القرآن، فالمرجع في كل فن إلى خاصة أهله، وإن أُدْرِجَت هذه المسألة ضمن مباحث أصول الفقه حيث تذكر في مباحث دليل الكتاب، وليست من مسائل الفروع، إلا أن خوض بعض المتكلمين في المسألة يستفاد منه على حذر، فإن كلامهم للتنظير وليس لكثير منهم ممارسة من جهة التطبيق العملي، كخوضهم في شروط الحديث الصحيح وزيادة الثقة والشاذ، والموقف من تعارض الوصل والإرسال، والإسناد والوقف، فكان كلام كثير منهم لا علاقة له بما جرى عليه عمل أئمة العلل من المحدثين والذين يتعاملون مع الأحاديث فردًا فردًا، كما يتعامل الفقيه مع فروعه.\nفلنأخذ هذه المسائل مسألة مسألة، وليكن المدخل إليها في تعريف القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة.\nتعريف القراءة الشاذة:\n[م-٦٠٩] اختلف العلماء في تعريف القراءة الشاذة على أقوال، أصحها ما اختاره جمهور المحققين:\nيقول ابن الجزري في معرفة ضابط القراءة الصحيحة من القراءة الشاذة: «كل قراءة وافقت العربية، ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء أكانت عن السبعة، أم كانت عمن هو أكبر منهم» (^١).\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ٩).","vol":"3","page":329},{"text":"ويقول أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارًا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها، وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض».\nويقول ابن القيم: «لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام، وصحت في العربية، وصح سندها جازت القراءة بها، وصحت الصلاة بها اتفاقًا» (^١).\nفذكروا ثلاثة شروط أو أركان للقراءة الصحيحة:\nالركن الأول: أن يصح سندها، وبعضهم اشترط مع صحة الإسناد أن تنقل نقلًا متواترًا أو مستفيضًا (^٢).\nفما لم يصح سنده منها لا تثبت قراءةً، ولا يقرأ بها، وإن كان بعضهم يصفها بالقراءة الشاذة، فالذي يظهر لي أن ما لا يثبت قراءة لا توصف بالشذوذ، فإما أن تكون ضعيفة أو باطلة، وليس الشاذ في القراءة كالشاذ في الحديث، فالشاذ في القراءة قد تثبت قراءة، ولكن لا يقطع الباحث بقرآنيتها، ولا بعدمه؛ لعدم الإجماع عليها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والشاذ في الحديث لا يعتبر به؛ لأنه من قبيل الوهم؛ لمخالفة الثقة من هو أوثق منه في مخرج الحديث (^٣).\n_________\n(^١). أعلام الموقعين، تحقيق فضيلة الشيخ مشهور (٦/ ٢٠٥).\n(^٢). انظر تفسير ابن جزي (١/ ٢٣).\n(^٣). نقل ابن الجزري عن الإمام أبي محمد المكي في النشر قوله: فإن سأل سائل فقال: فما الذي يقبل من القرآن الآن فيقرأ به؟ وما الذي لا يقبل ولا يقرأ به؟ وما الذي يقبل ولا يقرأ به؟ ... ثم ذكر هذه الأقسام الثلاثة.\nفجعل القسمة ثلاثًا: الأول: ما جمع بين القرآن والقراءة، وهو ما اجتمع فيه شروط القراءة الصحيحة، فذلك الذي يعتبر قراءة وقرآنًا.\nوالثاني: ما لا يصح أن يكون قرآنًا، ولا يثبت قراءة، فذلك الذي لم يصح إسناده، أو نقله ثقة، ولا وجه له في العربية، وإذا لم يثبت قراءة، لم يوصف بالشذوذ، بل بالبطلان.\nوالثالث: ما كان قراءة، وليس بقرآن، وهو ما صح سنده، وكان له وجه في العربية، وخالف رسم المصاحف العثمانية، فهذا الذي يصدق عليه أنه شاذ، وجاء شذوذه من مخالفته رسم المصحف العثماني، وبهذا تعرف أن القول بأن ما اختل فيه شرط من شروط القراءة الصحيحة أطلق عليه شاذ أن في ذلك توسعًا غير مرضيٍّ، والله أعلم.","vol":"3","page":330},{"text":"فيكون قول ابن الجزري: متى اخْتَلَّ ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.\nالراجح أن (أو) على التقسيم، وليس على التخيير، فالبطلان: إذا كانت القراءة لم تصح سندًا، ولم توافق وجهًا بالعربية.\nوالضعيفة: ما كان إسنادها ضعيفًا، وإن وافقت العربية، ورسم المصحف.\nوالشاذ: ما صح إسنادها، ووافقت العربية، وخالفت الرسم.\nالركن الثاني: أن توافق العربية ولو بوجه، بأن يلتمس لها شاهد أو نظير تقاس عليه، أو لهجة ترد إليها، أو تأويل أو توجيه تُحمل عليه.\nالركن الثالث: أن توافق في الرسم أحد المصاحف العثمانية، سواء أكان مدنيًّا أم كوفيًّا أم شاميًّا، أم مصريًّا، ولا يشترط أن توافقها كلها، فقد توافق المصحف المدني، وتخالف الكوفي.\nيقول القرطبي: «وما وجد بين هؤلاء القراء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك لأن كلًّا منهم اعتمد على ما بلغه في مصحفه ورواه؛ إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض النسخ، ولم يكتبها في بعض، إشعارًا بأن كل ذلك صحيح، وأن القراءة بكل منها جائزة» (^١).\nفإن لم توافق أحد هذه المصاحف، بل خالفتها كلها فقد دخل في رسم الشاذ عند جمهور العلماء.\nوقيل في تعريف الشاذ:\nقال السيوطي في الإتقان: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده (^٢).\nفما صح سنده، وخالف العربية ورسم المصحف لم يكن شاذًّا عند السيوطي، بل يسميه آحادًا.\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ٥٤).\n(^٢). الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٦٥).","vol":"3","page":331},{"text":"وعرَّف ابن الصلاح الشاذ: بقوله: «ما نقل قرآنًا من غير تواتر واستفاضة» (^١).\nوعليه يكون ما عدا المتواتر شاذًّا عنده.\nفعند ابن الجزري ومكي: القراءة إذا لم يصح سندها ووافقت العربية ورسم المصحف، لم تقبل، ولم تقرأ، ولم تُسَمَّ شاذة بل هي قراءة ضعيفة، وتسمَّى شاذةً عند السيوطي وابن الصلاح.\nوإن خالفت العربية، فكذلك عند ابن الجزري ومكي، وهي آحادية عند السيوطي، وشاذة عند ابن الصلاح.\nوإن خالفت الرسم، وصح إسنادها، ووافقت العربية كانت عندهما وعند ابن الصلاح قراءة شاذة، تقبل، ولا تقرأ، وهي آحاد عند السيوطي.\nوإذا صح سندها، ووافقت العربية، والرسم، فهي قراءة وقرآن عندهما، وهي آحاد عند السيوطي، وشاذة عند ابن الصلاح.\nوتعريف مكي وابن الجزري أقرب للصواب.\nوسيأتي مزيد بحث في اشتراط التواتر في هذا الفصل، وفي الفصل الذي يليه إن شاء الله تعالى، فانظره لتعرف الخلاف في اشتراط ابن الصلاح.\nفمثال القراءة الصحيحة مما جَمَع هذه الأركان الثلاثة: قراءة: (مالك، ومَلِك)، (يَخْدَعُون يُخَادِعُون)، (وأوصَى ووصَّى)، (تَطَوَّعَ يطوع)، ونحو ذلك من القراءات المشهورة.\nومثال ما خالف وجه العربية: قراءة بعضهم: إنما يخشى الله من عباده العلماء برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء. ويصح أن تكون هذه القراءة مثالًا أيضًا للقسم الثالث؛ لأن ناقلها غير ثقة.\nومثال ما خالف فيه الرسم العثماني: قراءة ابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات. بزيادة (متتابعات).\nومنها: بعض قراءة الأعمش: وما أوتوا من العلم إلا قليلًا. قال الأعمش: هكذا في قراءتنا (^٢).\n_________\n(^١). البرهان في علوم القرآن (١/ ٣٣٢)، منجد المقرئين (ص: ٢٠).\n(^٢). صحيح البخاري (١٢٥).","vol":"3","page":332},{"text":"ومنها قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا (^١).\nومثال ما لم يصح إسناده من القراءات: فهذا كثير منها في كتب الشواذ، كما في قراءة: ننجيك ببدنك قرأها ننحيك بالحاء المهملة، وكالقراءة المنسوبة إلى أبي حنيفة، ولا تصح عنه.\nفإذا عرفت هذا فقد انقسم العلماء إلى قسمين في معرفة القراءة الصحيحة من الشاذة:\nأهي محدودة بالوصف مطلقًا، حتى ولو كانت من خارج القراءات السبع، أو العشر، أو غيرهما، أم هي القراءة الصادرة من قراء معينين، فما خرج عن قراءتهم فهو الشاذ، على خلاف في تحديد القراء، أهم السبعة أم العشرة؟ على قولين:\nفالأول: يرى أن ما استجمعت الأركان الثلاثة فهي قراءة صحيحة مطلقًا، سواء أكانت من القراءات السبع أم من العشر، أم من غيرهما، نص عليه أحمد، وهو المشهور من مذهبه (^٢).\nوالشاذة: كل قراءة اخْتَلَّ فيها ركنٌ أو أكثر من أركان القراءة الصحيحة.\nيقول السيوطي في الإتقان: «هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني ومكي والمَهْدَوِيُّ، وأبو شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه» (^٣).\nيقول ابن الجزري في طيبته:\nفكل ما وافق وجْهَ نَحْوِ ... وكان لِلرَّسْمِ احتمالًا يحوي\n_________\n(^١). انظر صحيح البخاري (٢٧٢٨).\n(^٢). قال في الإقناع (١/ ١١٩): «تصح -يعني الصلاة- بما وافق المصحف، وإن لم يكن من العشرة نصًّا، وكره أحمد قراءة حمزة، والكسائي، والإدغام الكبير لأبى عمرو ...».\n\nوقال في الإنصاف (٢/ ٥٨): وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته، وتحرم؛ لعدم تواتره، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ....».\nوجاء في الفروع (٣/ ١٨٣): «وتصح بما وافق مصحف عثمان ﵁ وفاقًا للأئمة، زاد بعضهم: على الأصح، وإن لم يكن من العشرة نص عليه ....».\nوانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، المبدع (١/ ٣٩٢).\n(^٣). الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٥٨).","vol":"3","page":333},{"text":"وصح إسنادًا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان\nوحيثما يختل ركن أثبِتِ ... شذوذه لو أنه في السبعة\nويقول المرداوي الحنبلي: «الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وعليه أصحابه: أن الشاذ: ما خالف مصحف عثمان بن عفان ﵁، الذي كتبه وأرسله إلى الآفاق، فتصح قراءة ما وافقه وصح سنده، وإن لم يكن من العشرة، نص عليه الإمام أحمد» (^١).\nويقول الشوكاني: «إذا تقرر لك إجماع أئمة السلف والخلف على عدم تواتر كل حرف من حروف القراءات السبع، وعلى أنه لا فرق بينها وبين غيرها إذا وافق وجهًا عربيًّا، وصح إسناده، ووافق الرسم ولو احتمالًا بما نقلناه عن أئمة القراء، تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل قراءة متصفة بتلك الصفة سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث أو من قراءة غيرهم» (^٢).\nوسيأتي مناقشة صحة الصلاة بها، وهل يلزم من ثبوتها قراءةً ثبوتها قرآنًا.\nوقسم المالكية والشافعية الشاذ إلى قسمين:\nالأول: شاذ مخالف للرسم العثماني، فهذا لا يقرأ به، وتبطل به الصلاة.\nالثاني: شاذ موافق لرسم المصحف، قال المالكية: فهذا لا تبطل به الصلاة، وإن حرمت القراءة به.\nوقال الشافعية: تصح صلاته بشرط ألا يتغير المعنى.\nوقد رسم المالكية هذا الشاذ في كل قراءة لم يقرأ بها السبعة واحتملت موافقته لرسم المصحف، وذلك نحو (أساء) في قوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فإنه قرئ شاذًّا فعلًا ماضيًا مهمل السين (أَسَاء) فهو موافق للرسم العثماني؛ إذ لم يكن فيه نقط ولا شكل، والسبعة قرأته بشين معجمة.\nومثله نحو (خَلَقْتُ) في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت﴾ فإنه قرئ شاذًّا بفتح الخاء المعجمة واللام، وضم التاء، وكذا رفعت ونصبت،\n_________\n(^١). التحبير شرح التحرير (٣/ ١٣٨٤).\n(^٢). نيل الأوطار (٢/ ٢٧٥).","vol":"3","page":334},{"text":"وسطحت، وهي قراءة شاذة، وإن وافقت رسم المصحف.\nوقال النووي: «وتصح القراءة بالشاذ إن لم يكن فيها تغيير المعنى، ولا معنى زيادة حرف، ولا نقصانه» (^١).\nوقال المالكية: ما وافق الرسم، ولم يقرأ به في الشاذ، ولا في غيره، فهذا معدود من اللحن (^٢).\nوقيل: المتواتر القراءات السبع، وما وراءها فهو الشاذ، اختاره ابن الحاجب من المالكية، والنووي والرافعي والرملي من الشافعية (^٣).\nيقول النووي: «القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه» (^٤).\nوقال في تحفة المحتاج: وتحرم القراءة بالشاذ مطلقًا ... وهو ما وراء السبعة، وقيل: العشرة (^٥).\nفجزم بشذوذ ما وراء السبعة، وقدمه، وحكى القول بالثاني بصيغة التمريض.\nوعلى هذا القول تكون القراءات الثلاث شاذة حتى ولو صح إسنادها، ووافقت العربية، ووافقت رسم المصحف.\nقال في مراقي السعود:\nتَوَاتُرُ السبع عليه أجمعوا ... ولم يكن في الوحي حَشْوٌ يَقَعُ (^٦).\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٤٢)، وانظر: تحفة المحتاج (٢/ ٣٨، ٣٩)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٨٥)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٥٢).\n(^٢). شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ١٩)، منح الجليل (١/ ٣٦٠)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٨)، لوامع الدرر (٢/ ٤٥٥)، الخرشي (٢/ ٢٥).\n(^٣). حاشية العدوي على الخرشي (٢/ ٢٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ١٩)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ٣٣٧)، المجموع (٣/ ٣٩٢)، أسنى المطالب (١/ ٦٣)، الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٣١١)، مغني المحتاج (١/ ١٥٣)، فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان (ص: ٢٧٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٦٩)، حاشية الجمل (١/ ٣٤٦).\n(^٤). المجموع (٣/ ٣٩٢).\n(^٥). تحفة المحتاج (٢/ ٣٩).\n(^٦). مراقي السعود (ص: ٩٩).","vol":"3","page":335},{"text":"وقد انتقد ذلك ابن العربي المالكي، فقال: إن ضبط الأمر على سبع قراءات ليس له أصل في الشريعة، وقد جمع قوم ثماني قراءات، وقد جمع آخرون: عشر قراءات، والأصل في ذلك كله عندي: أن النبي - ﷺ - لما قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف. انقسم الحال بقوم، فظن جاهلون أنها سبع قراءات، وهذا ما لا يصح في علم عالم، وتيمن آخرون بهذا اللفظ، فقالوا: تعالوا فلنجمع سبع قراءات، وكانت الأمصار جمة، وقد جمع قراؤها وقراءاتها حتى خطر هذا الخاطر، فجمع السبع، وهو ابن مجاهد .... إلخ (^١).\nيقول ابن تيمية: «لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعون من السلف والأئمة في أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة في جميع أمصار المسلمين (يعني القراءات السبع)؛ بل من ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة (هذا خارج القراء العشرة) أو قراءة يعقوب بن إسحاق الحضرمي (من القراء العشرة) ونحوهما كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائي فله أن يقرأ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف؛ بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وبشر بن الحارث، وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر بن القَعْقَاعِ وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاحٍ المدنيين وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحاق وغيرهم على قراء حمزة والكسائي. وللعلماء الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف عند العلماء؛ ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندهم قراءات العشرة أو الأحد عشر كثبوت هذه السبعة يجمعون ذلك في الكتب ويقرؤونه في الصلاة وخارج الصلاة وذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم.\nوأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المائة الرابعة وجرت له قصة مشهورة فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف ... إلخ (^٢).\n_________\n(^١). العواصم من القواصم (ص: ٣٦٠).\n(^٢). مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٢، ٣٩٣).","vol":"3","page":336},{"text":"وقيل: القراءات السبع مشهورة مستفيضة (^١).\nوقيل: السبع متواترة، والثلاث تمام العشر آحاد صحيحة، وما زاد عليهما فهو من الشاذ، اختاره ابن الملقن (^٢).\nفهذا القائل يذهب إلى تقسيم القراءات إلى ثلاثة أقسام، متواتر، وآحاد صحيح، وشاذ، ولعل من ذهب إلى هذا التقسيم غلب عليه اصطلاح علماء الحديث، ولكل فن اصطلاحه، ودلالته.\nوقد ضعف هذا القول السيوطي في الإتقان قائلًا: «وهذا الكلام فيه نظر، يعرف مما سنذكره، وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير ابن الجزري ...» ثم نقل كلام ابن الجزري السابق (^٣).\nوقيل: القراءات العشر كلها متواترة، وهي موافقة لرسم المصاحف العثمانية، وما زاد على العشر فهو شاذ، كقراءة الأعمش ويحيى بن وثاب، نص عليه ابن عابدين من الحنفية، وهو الأصح عند المالكية، واختاره من الشافعية البغوي، وتقي الدين السبكي وابنه تاج الدين، وكان يذهب إلى هذا القول ابن الجزري، ثم رجع عنه (^٤).\nوذكر البغوي في تفسيره الاتفاق على جواز القراءة بالعشر (^٥).\nيقول ابن الجزري: «الذي وصل إلينا متواترًا وصحيحًا مقطوعًا به قراءات الأئمة العشرة، ورواتهم المشهورين، هذا الذي تحرر من أقوال العلماء، وعليه\n_________\n(^١). انظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٧٣)، تفسير القاسمي (محاسن التأويل) (١/ ١٩٠).\n(^٢). الإتقان (١/ ٢٥٨).\n(^٣). الإتقان (١/ ٢٥٨).\n(^٤). انظر منجد المقرئين (ص: ٦٧)، الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٢٥٨)، البرهان في علوم القرآن (١/ ٣١٨)، مباحث في علوم القرآن للقطان (ص: ١٧٦)، نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٨٥)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٤٣٧)، حاشية العدوي على الخرشي (٢/ ٢٥)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ١٩)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٤٥٥)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ٣٣٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٩)، مغني المحتاج (١/ ١٥٣)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٨٥)، حاشيتي قليوبي وعميرة (١/ ١٦٩)، الحاوي في فقه مذهب الإمام أحمد (١/ ٣٠٢)،.\n(^٥). تفسير البغوي ط إحياء التراث (١/ ٥٥).","vol":"3","page":337},{"text":"الناس اليوم بالشام، والعراق، ومصر، والحجاز ...» (^١).\nويقول ابن عابدين: «القرآن الذي تجوز به الصلاة بالاتفاق هو المضبوط في مصاحف الأئمة التي بعث بها عثمان - ﵁ - إلى الأمصار، وهو الذي أجمع عليه الأئمة العشرة، وهذا هو المتواتر جملة وتفصيلًا، فما فوق السبعة إلى العشرة غير شاذ، وإنما الشاذ ما وراء العشرة وهو الصحيح، وتمام تحقيق ذلك في فتاوى العلامة قاسم» (^٢).\nوسبب الاختلاف بين الحَدِّ بالسبع أو الحَدِّ بالعشر اعتقادهم أن الشاذ من القراءات ما عدا المتواتر منها، وعليه اختلفوا في تحديد الشاذ لاختلافهم في تحديد المتواتر منها، فمن رأى أن القراءات السبع متواترة، رأى أن ما عداها شاذة، ومن رأى أن العشر كلها متواترة، جعل ما عدا العشر شاذَّةً، ولم يتفق القراء فضلًا عن غيرهم على تواتر جميع آحاد السبع فما بالك بدعوى تواتر آحاد العشر.\nويلزم من هذا القول أن جميع القراءات العشر موافقة لرسم المصحف العثماني، وأسانيدها إلى الأئمة صحيحة، فلا يوجد إذن خلاف بينه وبين القول الذي لا يحد القراءة الصحيحة بأئمة معينين، فالخلاف بينهم إنما هو من باب تحقيق المناط، هل كل قراءة من قراءات الأئمة العشرة موافقة لرسم المصحف العثماني، والطرق إليها كلها صحيحة، وموافقة للغة العربية، فتكون قراءة صحيحة لموافقتها شروط القراءة الصحيحة، بصرف النظر عن دعوى تواترها من غيره، أم أن دعوى أن الطرق إلى هؤلاء الأئمة فيها المتواتر وهو الأغلب، وفيها الآحاد\n_________\n(^١). كان هذا قولًا قديمًا لابن الجزري حين كان يذهب إلى اشتراط التواتر في ضابط القراءة الصحيحة، حيث يقول في منجد المقرئين ومرشد الطالبين (ص: ٢٤): «كل قراءة وافقت العربية مطلقًا، ووافقت أحد المصاحف العثمانية، ولو تقديرًا، وتواتر نقلها، هذه هي القراءة المتواترة المقطوع بها».\nثم رجع عن هذا القول إلى الاكتفاء باشتراط صحة النقل، كما نقلت ذلك عنه سابقًا في صدر هذا البحث، وكما سيأتي النقل عنه صريحًا بأنه رجع عن اشتراط التواتر.\nوانظر: تفسير الماتريدي (١/ ٦٠)، حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (١/ ١٥)،\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٦).","vol":"3","page":338},{"text":"الصحيح، وفيها الضعيف، وفيها الموافق لرسم المصحف وهو الأغلب، وفيها المخالف، فلا تتحقق دعوى أن جميع آحاد هذه القراءات فردًا فردًا قد توفرت فيها شروط القراءة الصحيحة، ويكون إطلاق الموافقة وصحة الإسناد أمرًا نسبيًّا، كإطلاق التواتر.\nوأما ما زاد على العشر، فيذهب أصحاب هذا القول إلى الحكم بشذوذه مطلقًا، ولو صح الإسناد، ووافقت القراءة رسم المصحف والقواعد العربية.\nوهذا خلاف حقيقي في رسم الشاذ، ومخالف للقول الذي يرى أن القراءة الصحيحة ليست محصورة في القراءات العشر، ولا في غيرها، وأن الشاذ ما اختل فيه ركن من أركان القراءة الصحيحة، وهو مذهب الإمام أحمد، نص عليه الإمام كما سبق، ورجحه ابن الجزري، والإمام أبو شامة، ونسبه السيوطي إلى أئمة المحققين من السلف والخلف، وصار إليه الشوكاني.\nيقول أبو شامة في المرشد الوجيز: «لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحيحة، وأنها أنزلت هكذا، إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذٍ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا على من تنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم، وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم» (^١).\nوقول أبي شامة والأخير من قولي ابن الجزري هو الصحيح المتعين.\nوقد قال حرب: «سألت أحمد عن قراءة حمزة، فقال: لا تعجبني، وكرهها كراهية شديدة» (^٢).\n_________\n(^١). المرشد الوجيز (ص: ١٧٤).\n(^٢). طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٠)، الجامع لعلوم الإمام أحمد (١٣/ ٤٣٣).","vol":"3","page":339},{"text":"ولو كانت متواترة عنده لما كرهها.\nوجاء في المغني لابن قدامة: «ولم يكره قراءة أحد من العشرة إلا قراءة حمزة والكسائي؛ لما فيهما من الكسر والإدغام، والتكلف، وزيادة المد» (^١).\nوفي الفروع: «ولم يكره غيرهما .... وعن أحمد ما يدل على أنه رجع عن الكراهة» (^٢).\nوقال حرب: «سمعت الحميدي يكره قراءة حمزة» (^٣).\nوقال ابن هانئ: «سمعت أبا عبد الله يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: لو صليت خلف من يقرأ قراءة حمزة أعدت الصلاة، أرى أني سمعته يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ذلك» (^٤).\nوقال الزركشي: «والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة، وأما تواترها عن النبي - ﷺ - ففيه نظر، فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تُكْمِلْ شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة ...» (^٥).\nويقول الإمام أبو شامة في المرشد الوجيز (ت: ٦٦٥): «غاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها .... أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي - ﷺ - في كل فرد فرد من ذلك، وهنالك تسكب العبرات، فإنها من ثم لم تنقل إلا آحادًا، إلا اليسير منها» (^٦).\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٥٤)، وانظر الفروع (٢/ ١٨٣).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٨٣، ١٨٤).\n(^٣). مسائل حرب الكرماني ت فايز حابس (٣/ ١٢٨٢).\n(^٤). مسائل ابن هانئ (١٩٥٤)، وانظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٣٤٨).\nوجاء في طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٩): قال علي بن عبد الصمد: سألت أحمد بن حنبل عن الصلاة خلف من يقرأ بقراءة حمزة، فقال: أكرهه.\nقلت: يا أبا عبد الله، إذا لم يدغم، ولم يكسر؟\n\nقال: إذا لم يدغم، ولم يضجع ذلك الإضجاع، فلا بأس به. اهـ وانظر: الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٣٥٧).\n(^٥). المرجع السابق (١/ ٣١٩).\n(^٦). المرشد الوجيز (ص: ١٧٨).","vol":"3","page":340},{"text":"ويقول ابن الجزري: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يَكْتَفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي - ﷺ - وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء أوافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم».\n* وأجاب القائلون باشتراط التواتر بأجوبة منها:\nالأول: القول بتواتر القراءات، أي من حيث الجملة، ولا يعني هذا التزامه في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء، بل القراءات كلها منقسمة إلى متواتر، وغير متواتر، ومن ذلك الخلاف في آية البسملة؛ إذ لو كانت متواترة لم يقع خلاف في قرآنيتها، وقد مر معنا ذكر الخلاف، والراجح فيه.\nقال القسطلاني في اللطائف نقلًا من تفسير القاسمي: «اشتراط التواتر بالنظر لمجموع القرآن، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم» (^١).\nفالقراءات كالحديث، منها ما نقل بالتواتر، ومنها ما نقل بالآحاد، وما نقل بالتواتر ليس بحاجة إلى أسانيد في إثباتها؛ لأن الأسانيد لا يعول عليها في التواتر، وإنما يعول على نقل الكافة عن الكافة، بخلاف الآحاد، وهذا ليس محل خلاف، وإنما الخلاف في دعوى تواتر كل ما ورد في القراءات السبع أو القراءات العشر.\nالثاني: لا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن؛ لأن ما بين دفتي المصحف متواتر، مجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها، وهو عهد الصحابة، وأما القراءات فمنها المتواتر، ومنها الآحاد، وهذا يرجع إلى التفريق بين القرآن والقراءات، وقد تقدم الاستدلال للتفريق بينهما، وهو قول متعين.\nالثالث: أن القراءة إذا صح سندها، ووافقت قواعد اللغة، ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم\n_________\n(^١). انظر تفسير القاسمي (محاسن التأويل) (١/ ١٨٦).","vol":"3","page":341},{"text":"القاطع، وإن كانت آحادًا.\nولا تنس ما هو مقرر في علم الأثر من أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة توجب ذلك (^١).\nالرابع: نقل القراءة بطريق الآحاد لا يدل على عدم تواترها عن غيرهم، فلقد كان يتلقاه أهل كل بلد يقرؤه منهم الجم الغفير عن مثلهم، والتواتر حاصل بهم، ولكن الأئمة الذي تصدوا لضبط الحروف، وحفظوا شيوخهم منها، وجاء السند من جهتهم قد تكون آحادًا.\nقال السخاوي: «ولا يقدح في تواتر القراءات السبع إذا أسندت من طريق الآحاد كما لو قلت: أخبرني فلان، عن فلان أنه رأى مدينة سمرقند (وقد علم وجودها بطريق التواتر) لم يقدح ذلك فيما سبق من العلم بها، فقراءة السبع كلها متواترة» (^٢).\nوجاء في الموسوعة القرآنية: «ليست القراءات كالحديث مخرجها كمخرجه إذا كان مدارها على واحد كانت آحادية- ليس الأمر كذلك- ولكنها إنما نسبت إلى ذلك الإمام اصطلاحًا، وإلا فأهل كل بلدة كانوا يقرؤونها، أخذوها أممًا عن أمم، ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل العلم بالقراءات لم يوافقه على ذلك أحد، بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها» (^٣).\nالخامس: أن الاستفاضة والشهرة تقوم مقام التواتر.\nفقد نقل ابن الجزري في النشر عن الإمام الكبير أبي شامة في مرشده أنه قال: «قد شاع عن ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين: أن القراءات السبع كلها متواترة: أي كل فرد فرد مما روى عن هؤلاء السبعة، قالوا: والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب، ونحن بهذا نقول، ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتفقت عليه الفرق من غير نكير له، مع أنه شاع، واشتهر،\n_________\n(^١). مناهل العرفان في علوم القرآن (١/ ٤٢٧).\n(^٢). انظر تفسير القاسمي (١/ ١٩٠).\n(^٣). الموسوعة القرآنية المتخصصة (ص: ٣١٨).","vol":"3","page":342},{"text":"واستفاض، فلا أقل من اشتراط ذلك؛ إذ لم يتفق التواتر في بعضها» (^١).\nوهذا قريب من الجواب الثالث، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن القراءة الصحيحة ما اجتمع فيها ثلاثة شروط:\nالأول: صحة إسنادها، وبعضها أقوى من بعض فما كان متواترًا فهو أقوى من المشهور منها، وما كان مشهورًا فهو أقوى من الآحاد مما لم يشتهر، كالحديث الصحيح، المتواتر أقوى مما اتفق عليه الشيخان، وما اتفق عليه الشيخان أقوى مما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري وحده أقوى مما انفرد به مسلم وحده، وهذا في الجملة، لا بالنظر إلى حديث بعينه، كما هو معلوم، وصحة الإسناد تكفي في إفادة العلم إذا اجتمع معها بقية الشروط.\nالثاني: أن توافق وجهًا في العربية، ولو مختلفًا فيه.\nالثالث: أن توافق رسم المصاحف العثمانية.\nوأن القراءة الشاذة: ما خالفت رسم المصاحف العثمانية، مما صح سندها، وكان لها وجه في العربية، فإن استفاضت صحت القراءة بها.\nوأما إذا لم يصح إسناد القراءة، وقد خالفت الرسم العثماني، فهذه باطلة، فلا تثبت قراءة فضلًا أن يقرأ بها، بل هي من قبيل الوهم، والله أعلم.\nأرجو أن أكون قد جَلَّيتُ هذه المسألة، فإن كان فإنه من توفيق الله لعبده، فله الحمد وله الشكر، وإن كانت الأخرى فلعل عذري أنني أتكلم في غير فني، فَلْيَلتَمِسْ القارئُ الكريم لي العذرَ، وحسبي أني بذلت جهدي والتوفيق بيد الله.\n* * *\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ١٣).","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الفرع الثاني الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، ولم تخالف رسم المصحف فإن القراءة بها في الصلاة صحيحة في الأصح، ولو كانت خارج القراءات العشر.\n* كل قراءة صح سندها، ولها وجه في العربية، وخالفت رسم المصحف فإنها تثبت قراءة على الصحيح، وهل تثبت قرآنًا؟ في ذلك خلاف.\n* لا نقطع بقرآنية ما خالف رسم المصحف؛ لمخالفتها ما أُجْمِعَ عليه، ولا ننفي قرآنيتها وقد صح سندها؛ لاحتمال أن تكون مسموعة من النبي - ﷺ -، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين فلا نؤدي بها فرض القراءة، ونحتاط للشريعة فلا نهدرها فيستفاد منها في الأحكام والتفسير، على قاعدة: واحتجبي منه يا سودة.\n* كل قراءة كانت جائزة في حياته - ﷺ - حتى مات، فهي جائزة إلى يوم القيامة ولو خالفت الرسم إذا اشتهرت واستفاضت.\n* كل ما لم يصح سنده، ولا وجه له في العربية، وخالف رسم المصحف فهذا باطل، لا يعد قراءة.\n* القراءات في زمن النبي - ﷺ - لم تكن متواترة بين الصحابة، وإلا لما اختلف عمر وهشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان، ولما اختلفوا في قرآنية البسملة.\n* قال الزركشي: القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان (^١).\n* قال الطوفي: اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر\n_________\n(^١). البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٣١٨).","vol":"3","page":344},{"text":"القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن (^١).\n* لم يشترط الصحابة ﵃ حين جمعوا القرآن من بعضهم التواتر، وكل ما لم يكن شرطًا في جمعه، لا يكون شرطًا في أدائه.\n* كوننا نقطع بأن بعض هذه القراءات الشاذة قد قرأ بها النبي - ﷺ -، وأخذها بعض الصحابة منه من حيث الجملة، لا يلزم منه القطع في أفراد هذه القراءات كالقول في حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها.\n* أصل المسألة يرجع إلى أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم نقطع بصوابه، أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فإن وافقت المصحف المجمع عليه قُبِلَت قراءة وقرآنًا ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، وإن خالفت الرسم، وكانت آحادًا ولم تشتهر فيتوقف في قرآنيتها، ويستفاد منها في التفسير والأحكام؟\n[م-٦١٠] اختلف العلماء في الصلاة بالقراءة الثابتة عن الصحابة ﵃ إذا كانت مخالفة لمصحف عثمان ﵁:\nفقال الأئمة الأربعة: لا يقرأ بها في الصلاة (^٢).\nفإن قرأ بها فاختلفوا في بطلان صلاته:\n_________\n(^١). شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٣).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٦) و(٦/ ٤٢٢)، جاء في المدونة (١/ ١٧٧): «سئل مالك عمن صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود؟ قال: يخرج، ويدعه، ولا يأتم به».\nوانظر: البيان والتحصيل (٩/ ٣٧٤)، التمهيد لاختصار المدونة (١/ ٢٥٢)، التمهيد لابن عبد البر (٨/ ٢٩٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٧)، مختصر خليل (ص: ٤٠)، التاج والإكليل (٢/ ٤٢١)، المجموع (٣/ ٣٩٢)، مغني المحتاج (١/ ١٥٣)، أسنى المطالب (١/ ٦٣)، الإنصاف (٢/ ٥٨)، الإقناع (١/ ١١٩)، الفروع (٣/ ١٨٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣).","vol":"3","page":345},{"text":"فقيل: تبطل مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره السرخسي من الحنفية (^١).\nوقيل: تبطل إن اقتصر عليها، فإن قرأ معها من القرآن ما يُؤَدِّي به فرض القراءة لم تفسد صلاته، وهو مذهب الحنفية، وقول لبعض الشافعية، واختاره بعض الحنابلة (^٢).\nقال في الإنصاف: «واختار المجد أنه لا يجزئ عن ركن القراءة، ولا تبطل الصلاة به، واختاره في الحاوي الكبير» (^٣).\nوقيل: إن خالفت الرسم بطلت صلاته، وإن لم تخالف الرسم، فصلاته صحيحة، وإنْ حَرُمَت القراءة بها، وهو مذهب المالكية (^٤).\nوقيل: إن قرأ بالشاذ صحت صلاته إن لم يغيِّر معنى، ولا زاد حرفًا، ولا نقصه، وهو مذهب الشافعية، وقياس قول أبي حنيفة في صحة القراءة بالفارسية (^٥).\n_________\n(^١). قال في الإنصاف (٢/ ٥٨): وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان لم تصح صلاته، وتحرم؛ لعدم تواتره، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ....».\nوانظر: الإقناع (١/ ١١٩)، الفروع (٢/ ١٨٣، ١٨٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، المبدع (١/ ٣٩٢). الحاوي في فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٢)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ٩٢)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٢).\n\nقال السرخسي في أصوله (١/ ٢٨٠): «لو صلى بكلمات تفرد بها ابن مسعود لم تجز صلاته لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر، وباب القرآن باب يقين وإحاطة، فلا يثبت من دون النقل المتواتر كونه قرآنًا، وما لم يثبت أنه قرآن فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر فيكون مفسدًا للصلاة».\n(^٢). المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٣٢٠)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٦٦)، البحر الرائق (١/ ٣٢٥)، النهر الفائق (١/ ٢٠٦).\nفي المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٥٢): «رأيت في فتاوى قاضي القضاة صدر الدين موهوب الجزري أن القراءة بالشواذ جائزة مطلقًا إلا في الفاتحة للمصلي، وذكر ابن الحميري المصري في فتاويه نحوه أيضًا إلا أنه أطلق المنع في الصلاة».\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٥٨)، وانظر الحاوي الكبير للعبدلياني (١/ ٣٠٣).\n(^٤). شرح الزرقاني على مختصر خليل (٢/ ١٩)، منح الجليل (١/ ٣٦٠)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣٢٨)، لوامع الدرر (٢/ ٤٥٥)، الخرشي (٢/ ٢٥).\n(^٥). قال النووي في الروضة (١/ ٢٤٢): «وتصح القراءة بالشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه». =","vol":"3","page":346},{"text":"فزاد الشافعية على شرط المالكية أن لا يتغير معها المعنى.\nوقيل: تصح الصلاة بالقراءة بها مطلقًا مع الكراهة، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة، ورجحها ابن الجوزي، واختارها ابن تيمية وابن القيم، وصوبها المرداوي في الإنصاف، ورجحها الشوكاني (^١).\nجاء في الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد: «وعن أحمد صحة الصلاة بما صح نقله من القراءات عن الصحابة؛ لأنها قراءة نقلها الثقات، فأشبهت ما في مصحف عثمان» (^٢).\n_________\n= وقال في المجموع (٣/ ٣٩٢): «قال العلماء فمن قرأ بالشاذ إن كان جاهلًا به أو بتحريمه عُرِّف ذلك، فإن عاد إليه بعد ذلك، أو كان عالما به عزر تعزيرًا بليغًا إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه، فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذة فإن لم يكن فيها تغير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصه صحت صلاته وإلا فلا».\n\nوانظر: المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٥٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٨، ٣٩)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٨٥)، أسنى المطالب (١/ ١٥١)، فتح الرحمن بشرح زبد ابن رسلان (ص: ٢٧٣).\nوأما تخريج الجواز على قول أبي حنيفة فوجهه: أن أبا حنيفة يرى جواز القراءة بالفارسية، بل بأي لسان كان إذا لم يتغير المعنى، لأن الاعتماد على المعنى، وهذا لا يختلف باختلاف اللغات، وإذا كان الأمر كذلك فبالعربية كانت أولى بالجواز.\nوانظر فتاوى قاضي خان (١/ ١٤٠)، وسوف أنقل نصه في آخر المسألة.\n\n(^١). التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٤٣)، شرح التلقين (٢/ ٦٧٩).\nوذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٢): قوله: «نقل إسماعيل بن سعيد، وحنبل: إذا قرأ بقراءة تثبت عن عبد الله فصلاته جائزة، ولا أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة».\nفظاهر هذا النص أنه يرى إباحة القراءة بها مع كراهيته لذلك، لقوله: ولا أحب أن يقرأها، وخَصَّ ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود؛ وعلل ذلك بكونها قراءة مستفيضة، ويفهم منه أن الإباحة ليست متجهةً في كل قراءة صحيحة خالفت رسم المصحف.\nوانظر الإنصاف (٢/ ٥٨)، الفروع (٢/ ١٨٥)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٣)، المغني (١/ ٣٥٥)، المبدع (١/ ٣٩٢)، الإقناع (١/ ١١٩)، الحاوي في فقه الإمام أحمد (١/ ٣٠٢).\n(^٢). الحاوي في الفقه على مذهب الإمام أحمد (١/ ٣٠٢)،.","vol":"3","page":347},{"text":"يقول ابن القيم: «لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان، وقد قرأ بها رسول الله - ﷺ - والصحابة بعده جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال» (^١).\nويقول الشوكاني: ومن عجائب الغلو وغرائب التعصب قولهم: إن القراءة الشاذة من جملة ما يوجب فساد الصلاة، وجعلوها من كلام الناس، وأنه لا يكون من كلام الله إلا ما تواتر، وهي القراءات السبع» (^٢).\n* دليل من قال: يحرم القراءة بها، فإن فعل بطلت صلاته:\nالدليل الأول:\nهذه القراءات الشاذة لم تثبت متواترة عن النبي - ﷺ -، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر.\nيقول النووي: «قال أصحابنا وغيرهم: .... لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة؛ لأنها ليست قرآنًا، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه، ومن قال غيره فغالط، أو جاهل، وأما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتها في الصلاة أو غيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ...» (^٣).\nولأن من تعريف العلماء للقرآن قولهم: المنقول إلينا بالتواتر.\nوالتواتر: هو ما رواه جماعة، عن جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه من غير تعيين عدد على الصحيح.\nوصاغ الآمدي الدليل بطريقة أخرى، فقال: «إن النبي - ﷺ - كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا: إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن\n_________\n(^١). أعلام الموقعين تحقيق مشهور (٦/ ٢٠٥).\n(^٢). السيل الجرار (ص: ١٤٦).\n(^٣). المجموع شرح المهذب (٣/ ٣٩٢)، وانظر التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٤٣)، مقدمة غرائب القرآن للنيسابوري (١/ ٢٣).","vol":"3","page":348},{"text":"فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي ﵇، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة» (^١).\nوكلام الآمدي هو دعوى في محل النزاع.\nويقول أبو القاسم النويري: عدم اشتراط التواتر قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم؛ لأن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب: هوما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر كما قال ابن الحاجب ... صرح بذلك جماعات كابن عبد البر، وابن عطية، والنووي، والزركشي، والسبكي، والإسنوي، والأذرعي، وعلى ذلك أجمع القراء، ولم يخالف من المتأخرين إلا مكي وتبعه بعضهم (^٢).\nومكي قد عاش بين (٣٥٥ إلى ٤٣٧)، فكيف يحسب على المتأخرين.\n* ونوقش هذا من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن المصحف الذي جمعه الخليفة عثمان ﵁، وأجمع عليه الصحابة ثابت بالتواتر القطعي، فهل جميع القراءات السبع أو العشر، أو غيرهما جميع آحادها متواترة، ما اتفق فيه القراء، والروايات والطرق وما اختلفت عليه؟\nفالمتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يمكن لأحد دفعه، يقول تاج الدين السبكي عن القراءات العشر: «متواترة معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله - ﷺ -، لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورًا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولو كان مع ذلك عاميًّا جِلْفًا لا يحفظ من القرآن حرفًا» (^٣).\n_________\n(^١). الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٠).\n(^٢). إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشرة، تحقيق أنس مهرة (ص: ٨)، وانظر: الإبانة عن معاني القراءات (ص: ١٢٣)، مدخل في علم القراءات (ص: ٥١).\n(^٣). النشر في القراءات العشر (١/ ٤٦).","vol":"3","page":349},{"text":"والسؤال: إذا كان هذا ما يفيده التواتر، فكيف يتصور أن هذه القراءات كلها متواترة، ثم يحصل الخلاف بين علماء القراءات فضلًا عن غيرهم في تواترها.\nفهناك من يثبت التواتر لجملتها، ويُقِرُّ بعدم ثبوت التواتر لآحادها فردًا فردًا وهو أقربها، وهناك من يثبت لها الشهرة والاستفاضة، وهي أقلُّ من التواتر، وهناك من يثبت التواتر للسبع، وينفيه عما عداها كما هو قول ابن الحاجب والنووي والرملي وغيرهم، وهناك من يثبته للقراءات العشر كالسبكي والبغوي، ويحكم بشذوذ ما وراء العشر، وهناك من ينفي اشتراط التواتر لصحة القراءة، وأن اشتراطه قول لبعض المتأخرين مخالفًا أئمة السلف، وهناك من يقول بعكس ذلك، وأن عدم اشتراط التواتر قول حادث، وهناك من يرى أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فهذا الاختلاف بحد ذاته دليل على عدم حصول التواتر في جميع آحاد القراءات السبع، ولو وقع التواتر لجميع آحاد القراءات السبع أو العشر لحصل العلم به لعموم الناس، ولم يختلف فيه العامة فضلًا عن العلماء، فضلًا عن علماء القراءات.\nفهذا النووي وهو يقول بتواتر القراءات السبع يقول في التبيان في آداب حملة القرآن: «تجوز قراءة القرآن بالقراءات السبع المجمع عليها، ولا يجوز بغير السبع، ولا بالروايات الشاذة المنقولة عن القراء السبعة» (^١).\nفلم يجعل النووي الروايات المنقولة عن القراء السبعة كلها مجمعًا عليها، بل هناك قراءات مجمع عليها عنهم، وهناك روايات منقولة عنهم هي من قبيل الشاذ، والله أعلم.\nوإذا كانت القراءات كلها متواترة، فكيف وقع الخلاف بين عمر ﵁ وهشام بن حكيم كما في الصحيحين في صفة قراءة سورة الفرقان.\nيقول الطوفي الحنبلي: «وأبلغ من هذا أنها في زمن النبي - ﷺ - لم تتواتر بين الصحابة، بدليل حديث عمر لمَّا خاصم هشام بن حكيم بن حزام ﵃، حيث خالفه في قراءة سورة الفرقان إلى رسول الله - ﷺ - ولو كانت متواترة بينهم لحصل العلم لكل منهما بها عن النبي - ﷺ - ثم لم يكن عمر ﵁ ليخاصم في ما تواتر عنده» (^٢).\n_________\n(^١). التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ٩٧).\n(^٢). شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٣).","vol":"3","page":350},{"text":"وإذا انقطع التواتر عنها في الصدر الأول، لم يحصل لها التواتر فيما بعده.\nوإذا كانت قراءة أحدهما آحادًا، ولهذا لم يعلم بها الآخر، فهل كونها آحادًا تكون شاذةً؛ لأنها فقدت صفة التواتر، وكيف يقول النبي - ﷺ - لكل واحد منهما: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسير منه، متفق عليه (^١)، ثم تكون شاذة.\nوكذلك يقال في البسملة، وكيف وقع الخلاف فيها بين القراء والفقهاء: بين من يقول: ليست قرآنًا مطلقًا، بل هي ذكر كتبت للتبرك بها، وبين من يقول: هي آية من كتاب الله على خلاف بينهم، أهي آية مستقلة، أم آية من الفاتحة ومن كل سورة، أم آية من الفاتحة فقط، فلو كان القرآن لا يثبت إلا بالتواتر لما اختلف فيها، والاختلاف فيها لا يمنع من كونها قرآنًا على الصحيح، والقول بأنها متواترة عند بعض القراء وليست متواترة في قراءة بعضهم، فهذا كدعوى الشيء ونقيضه، فلو تواترت لما جاز لأحد أن ينفي قرآنيتها؛ لأن التواتر يفيد العلم الضروري.\nقال القسطلاني في اللطائف نقلًا من تفسير القاسمي: اشتراط التواتر بالنظر لمجموع القرآن، وإلا فلو اشترطنا التواتر في كل فرد فرد من أحرف الخلاف انتفى كثير من القراءات الثابتة عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم (^٢).\nوقد نقل ابن الجزري عن الإمام مكي أبي محمد (٣٥٥ - ٤٣٧) شروط ما يقبل من القراءات وما لا يقبل.\n* فذكر من شروط ما يقبل قراءة وقرآنًا ثلاث خلال:\nالأولى: أن ينقل عن الثقات عن النبي - ﷺ -.\nوقد حاول بعض المعاصرين أن يأخذ من كلمة (الثقات) اشتراط التواتر، باعتبار الثقات جمعًا، وهذا من التكلف، فالتعبير بالثقات باعتبار طبقات السند، بأن يكون الإسناد من ابتدائه إلى منتهاه من رواية الثقة عن مثله، وعلى التنزل فليس كل جمع يدل على التواتر، بل ولا يدل على الاستفاضة والشهرة.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢٤١٩، ٦٩٣٦)، وصحيح مسلم (٢٧٠ - ٨١٨).\n(^٢). انظر تفسير القاسمي (محاسن التأويل) (١/ ١٨٦).","vol":"3","page":351},{"text":"الثانية: أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن سائغًا.\nالثالثة: أن يكون موافقًا لخط المصحف؛ لأن خط المصحف أخذ عن إجماع (^١).\nفجعل الإمام مكي القراءة، وإن كانت آحادية إذا وافقت المصحف العثماني فقد وافقت ما أجمع عليه، فقبلت قراءة، وقبلت قرآنًا، بخلاف ما صح سنده، وخالف ما أجمع عليه من خط المصحف، فيقبل قراءة، ولا يقبل قرآنًا.\nفلم يشترط مكي التواتر لثبوت القراءة، وهو من المتقدمين، فكيف يزعم أن القول بعدم اشتراط التواتر لم يقل به إلا المتأخرون.\nوذهب ابن الجزري إلى عَكْسِ قول أبي القاسم، حيث كان يرى أن اشتراط التواتر هو قول لبعض المتأخرين، وأنه مخالف لما عليه أئمة السلف والخلف.\nيقول ابن الجزري: «وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يَكْتَفِ فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ... وهذا مما لا يخفى ما فيه؛ فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره؛ إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترًا عن النبي - ﷺ - وجب قبوله، وقطع بكونه قرآنًا، سواء أوافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم، وقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف» (^٢).\nفابن الجزري، وهو من علماء القراءات كان يذهب إلى اشتراط التواتر موافقة لبعض المتأخرين كتقي الدين السبكي وتاج الدين السبكي، ثم ظهر له فساد هذا القول، فتركه ورأى أن في تركه موافقة لأئمة السلف والخلف.\nويقول الإمام أبو شامة في المرشد الوجيز (ت: ٦٦٥): «غاية ما يبديه مدعي تواتر المشهور منها .... أنه متواتر عن ذلك الإمام الذي نسبت تلك القراءة إليه بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلا أنه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي - ﷺ - في كل فرد فرد من ذلك، وهنالك تسكب العبرات، فإنها من ثم لم\n_________\n(^١). انظر: النشر في القراءات العشر (١/ ١٤).\n(^٢). النشر في القراءات العشر (١/ ١٣).","vol":"3","page":352},{"text":"تنقل إلا آحادًا، إلا اليسير منها» (^١).\nوبصرف النظر عن الراجح من هذا الخلاف فإن اختلافهم يقدح في صحة دعوى التواتر؛ فالتواتر إذا وقع أفاد العلم الضروري، الذي يضطر الإنسان إليه، بحيث لا يمكن دفعه، ولا يعول فيه على إسناد، ولا على غيره، ويحصل للعامي كما يحصل للعالم، واختلافهم في تواتر القراءات دليل على أنه من قبيل العلم النظري القائم على النظر والاستدلال، ويستفاد منه الظن، وليس القطع، مع القول بوجوب العمل به.\n* ولهذا اختلف العلماء في اشتراط التواتر على أربعة أقوال:\nأحدها: أن القرآن متواتر مطلقًا، سواء ما كان منه من جوهر اللفظ كمالك، وملك، أم كان منه من قبيل الأداء والهيئة: كالتفخيم والترقيق، والمدِّ والإدغام ونحو ذلك، وهذا قول الجمهور.\nالثاني: أن القرآن ليس متواترًا مطلقًا، لا في أصله، ولا في هيئته، عكس القول الأول.\nالثالث: أن القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، وهو اختيار ابن الحاجب وغيره.\nقال ابن الحاجب: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد، والإمالة، وتخفيف الهمزة ونحوه (^٢).\nيعني: فيما زاد على القدر المشترك في المد ونحوه، وإذا لم يثبت متواترًا فيكفي شهرته واستفاضته.\nقال ابن الجزري: ولا نعلم أحدًا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك (^٣).\nالرابع: التوقف في اشتراط التواتر في القرآن، وإليه ذهب ابن الأمير الصنعاني (^٤).\n_________\n(^١). المرشد الوجيز (ص: ١٧٨).\n(^٢). بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٦٢).\n(^٣). النشر في القراءات العشر (١/ ٣٠).\n(^٤). انظر: البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٣١٩)، الإتقان في علوم القرآن (١/ ٢٧٣)، معترك الأقران في إعجاز القرآن (١/ ١٢٢)، تفسير القاسمي (١/ ١٩١، ١٩٦)، النشر في القراءات العشر (١/ ٣٠)، منجد المقرئين (ص: ٧٢)، مناهل العرفان (١/ ٤٣٨)، شرح مختصر أصول الفقه للجراعي (١/ ٥٢٢)، الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع (١/ ٤١٢)، الاختيارات الأصولية للصنعاني. د. الحرازي رسالة دكتوراه (١/ ٤٦٦، ٤٦٧).","vol":"3","page":353},{"text":"والتوقف ليس حكمًا شرعيًّا؛ لأنه يتعلق بحال المجتهد.\nوالراجح: أن أكثر القراءات العشر متواترة خاصة فيما أجمعوا عليه، وهناك روايات عن القراء السبعة ليست متواترة، بل منها ما هو مشهور، ومنها ما هو من قبيل الآحاد، كما سبق بيانه في الفصل السابق.\nالوجه الثاني:\nلم يعرف عن أحد من أهل العلم أن التواتر شرط في قبول القراءة قبل جمع عثمان مصحفه، وحتى كثرت القراءات في القرن الثاني والثالث، فأراد العلماء ضبط هذا الاختلاف، وعليه يكون اشتراطه حادثًا، فما لم يكن شرطًا في صحة الصلاة قبل جمع عثمان لم يكن شرطًا بعد ذلك، وفي هذا رد على قول أبي القاسم النويري بأن عدم اشتراط التواتر قول حادث، بل عكسه هو الصحيح، وأن اشتراط التواتر هو الحادث، وأن ذلك لم يكن معروفًا في الصدر الأول.\nالوجه الثالث:\nأن التواتر قد يُسَلَّم فيما لم يختلف فيه القراء السبعة أو العشرة، واتفقت عليه الروايات والطرق، أما ما اختلفوا فيه من القراءات فلو كان متواترًا لما اختلفوا فيه.\nقال أبو العباس أحمد الشهير بابن حلولو القروي المالكي: قد اختلف الناس فيما اختلف القراء السبعة فيه، هل هو متواتر أو لا؟ ولا يعلم عن أحد إنكار القراءة بما اختلف فيه القراء من الحروف، أو صفة الأداء (^١).\nالدليل الثاني:\nحكى بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ.\nقال ابن عبد البر: «قال مالك: من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يُصَلَّ وراءه. قال ابن عبد البر: وعلماء\n_________\n(^١). انظر: نشر البنود على مراقي السعود (١/ ٨٣).","vol":"3","page":354},{"text":"المسلمين مجمعون على ذلك إلا قومًا شذوا لا يعرج عليهم» (^١).\nوقال الرازي في تفسيره: «اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة» (^٢).\nوبالغ ابن العربي، فحكى في القبس اتفاق الأمة على أن القراءة الشاذة لا توجب علمًا، ولا عملًا (^٣).\n* ويناقش:\nبأن الأمة لم تتفق على رسم الشاذ، حتى تتفق على تحريم القراءة به، وسبق لنا كلام العلماء في تعريف القراءة الشاذة:\nفقيل: ما خالف المصاحف العثمانية مطلقًا، سواء أكانت في القراءات السبع، أم في القراءات العشر، أم في غيرهما.\nوقيل: ما عدا القراءات السبع.\nوقيل: ما عدا القراءات العشر.\nوسبق لي نقل الخلاف في المبحث السابق.\nالدليل الثالث:\nهذه القراءات المخالفة لمصاحف عثمان ﵁ تحتمل أن تكون تفسيرًا سمعه الصحابي ﵁ من النبي - ﷺ - فظنه قرآنًا، والتفسير لا يقرأ به في الصلاة، وإن قرأ به بطلت صلاته ككلام الآدميين.\n* ويناقش:\nبأن هذا الاحتمال بعيد جدًّا، وكيف يظن بالصحابي بأنه لا يفرق بين القرآن والتفسير، وهم الأمنة على نقل الشريعة، وإذا فتح هذا الوسواس أبطل كثير من المبطلين السنة بهذا الاحتمال.\n_________\n(^١). التمهيد (٨/ ٢٩٣).\n(^٢). تفسير الرازي (١/ ٦٩).\n(^٣). القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص: ٣١٩)، وانظر: المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٥٧).","vol":"3","page":355},{"text":"* دليل من قال: تصح القراءة بالشاذ مع الكراهة:\nالدليل الأول:\nلا نزاع بين العلماء أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن، وقد تقدم نقل إجماع السلف والخلف على ذلك في الفصل السابق (^١).\nوالصحيح من أقوال أهل العلم، والذي عليه جماهير العلماء من السلف، والخلف وأئمة المسلمين أن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وليست هي مجموع الأحرف السبعة، ورجح ذلك ابن الجزري، وابن تيمية وغيرهما خلافًا لبعض الفقهاء وبعض القراء، وبعض المتكلمين (^٢).\nوإذا كان ذلك كذلك فإننا نقطع بأنه يوجد قراءات خارج القراءات السبع، والعشر تعتبر قراءات صحيحة، وإن خالفت رسم المصحف، بل قد تكون أصح من القراءات السبع.\nالدليل الثاني:\nهذه القراءات -التي اصطلح عليها بأنها شاذة؛ لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه- نقطع بأن بعضها قد قرأ به النبي - ﷺ -، وأخذها بعض الصحابة منه، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم قبل جمع عثمان مصحفه يقرؤون بقراءات لم يثبتها عثمان ﵁ في مصحفه، وكانوا يصلون بها، ولا يرى أحد منهم تحريم ذلك، ولا بطلان صلاتهم به، وهذا بينهم كالإجماع.\nفكيف نحكم على قراءتهم بأنها قراءة شاذة، ونحن نعلم أن الرسول - ﷺ - قد قرأ ببعض هذه القراءات، كما في قصة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم؟\nولهذا كان يشكل على ابن دقيق العيد تسمية هذه القراءات بالشذوذ، فقد نقل عنه أنه قال: «هذه الشواذ إذ نقلت نقل آحاد عن رسول الله - ﷺ -، فيعلم ضرورة أن\n_________\n(^١). الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٤/ ٤٢٢).\n(^٢). الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٤/ ٤٢٢)، انظر: مقدمة الحجة للقراء السبعة (ص: ٨)، الإبانة عن معنى القراءات (ص: ٣٢).","vol":"3","page":356},{"text":"رسول الله - ﷺ - قرأ بشاذ منها، وإن لم يعين، كما أن حاتمًا نقلت عنه أخبار في الجود كلها آحاد، ولكن حصل من مجموعها الحكم بسخائه، وإن لم يتعين ما تسخى به، وإذا كان كذلك فقد تواترت قراءة رسول الله - ﷺ - بالشاذ، وإن لم يتعين بالشخص، فيكف يسمى شاذًّا، والشاذ لا يكون متوترًا؟» (^١).\n* الجواب على الدليلين السابقين من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذه القراءات وإن كنا نقطع بأن بعضها قد قرأ به النبي - ﷺ -، وأخذها بعض الصحابة منه، لكن لا نستطيع القطع في أفراد هذه القراءات بأن الرسول - ﷺ - قد قرأها؛ فلا يلزم من تواتر قراءته بهذه الأفراد من حيث الجملة تواتر أفراده؛ لأن الصحابة ﵃ زمن عثمان لم يجمعوا عليها، فلا نقطع بقرآنيتها، ولا نجحدها، بل يستفاد منها في التفسير، وفي الأحكام، وخير مثال على ذلك حجة الوداع، فإن وقوعها متواتر، ولا يلزم من تواتر وقوعها تواتر الأخبار الواردة في صفتها، فلا تثبت آحاد هذه الأخبار لتواتر حجة الوداع، وقل مثل ذلك في أحاديث الشفاعة، وأحاديث رفع اليدين في الدعاء ونحوهما.\nيقول مكي نقلًا من كتاب النشر: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف، فهذا يقبل، ولا يقرأ به لعلتين:\nإحداهما: أنه لم يؤخذ بإجماع، إنما أخذ بأخبار الآحاد ولا يثبت قرآنًا يُقْرَأُ به بخبر الواحد. (يعني أنه يثبت قراءة، ولا يثبت قرآنًا).\nالعلة الثانية: أنه مخالف لما قد أجمع عليه، فلا يقطع على مغيبه وصحته، وما لم يقطع على صحته لا يجوز القراءة به، ولا يكفر من جحده، ولبئس ما صنع إذا جحده ... إلخ (^٢).\nوهذا يبتنى على أصل: وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة، فهل يجب القطع بكونه ليس منها؟\n_________\n(^١). منجد المقرئين ومرشد الطالبين لابن الجزري (ص: ٢٢).\n(^٢). النشر في القراءات العشر (١/ ١٥).","vol":"3","page":357},{"text":"قال ابن الجزري: «الذي عليه ا لجمهور أنه لا يجب القطع بذلك؛ إذ ليس ذلك مما وجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعيًّا، وهذا هو الصحيح عندنا، وإليه أشار مكي بقوله: ولبئس ما صنع إذا جحده، وذهب بعض أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه» (^١).\nقال الإمام أحمد فيما نقل عنه المروذي: قراءة العامة أعجب إليَّ، وإن قرأ بقراءة ابن مسعود لا أقول يعيد (^٢).\nفلم يتجرأ الإمام أحمد على إبطال صلاته؛ لعدم القطع بالمبطل.\nالوجه الثاني:\nأن هناك فرقًا بين القرآن والقراءة على القول الصحيح، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا، فكانت القسمة ثلاثة.\nالقسم الأول: ما اجتمعت فيه أركان القراءة الصحيحة السابق ذكرها بأن صح سندها، ووافقت العربية ورسم المصحف: فهي قراءة صحيحة، ويقرأ بها أيضًا، فكانت قرآنًا.\nوالقسم الثاني: لا يعتبر قراءة، ولا يقرأ به، وهو ما لم يصح سنده.\nوالقسم الثالث: ما ثبت قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا، وهو ما صح سنده، وصح وجهه في العربية، وخالف رسم المصحف.\nفإن قيل: كيف يكون قراءة، ولا يقطع بكونه قرآنًا؟\nفالجواب: أنه لما خالف رسم المصاحف العثمانية لم نقطع بكونه قرآنًا؛ لعدم إجماع الصحابة عليه، كما أننا لا نقطع بأنه ليس قرآنًا، فقد يكون قرآنًا سمعه الصحابي من النبي - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد قرأ به، إلا أن القرآن لا يثبت بالاحتمال، فيثبت قراءة، ولا يقرأ به؛ لعدم القطع بقرآنيته، ويستفاد منه في الأحكام والتفسير (^٣)، والله أعلم.\nويقول الزركشي في البرهان: «اعْلَمْ أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن: هو الوحي المنزل على محمد - ﷺ - للبيان والإعجاز، والقراءات: اختلاف\n_________\n(^١). المرجع السابق، الصفحة نفسها.\n(^٢). انظر تهذيب الأجوبة (ص: ٣٠٨) نقلًا من الجامع لعلوم الإمام أحمد، الفقه (٦/ ٣٥٣).\n(^٣). انظر: النشر في القراءات العشر (١/ ١٤).","vol":"3","page":358},{"text":"ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما» (^١).\nويقول الطوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة:\n«اعلم أن بعض من لا تحقيق عنده ينفر من القول بعدم تواتر القراءات، ظنًّا منه أن ذلك يستلزم عدم تواتر القرآن، وليس ذلك بلازم، لما ذكرناه أول المسألة، من الفرق بين ماهية القرآن والقراءات، والإجماع على تواتر القرآن» (^٢).\nواختار الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، وأبو محمد المكي، والإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة:\nأن ما وافق العربية، ولم يخالف رسم المصحف، وصح سنده، فهو قراءة يقرأ بها (أي قرآن)، لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم غيرهما.\nوما اختل فيها شرط منها فلا يقرأ بها، أي ليست قرآنًا، وإن اعتبرت قراءة (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٠١) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال:\nسمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: سمعت هشام بن حكيم ابن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله - ﷺ -، وكدت أن أَعْجَلَ عليه، ثم أَمْهَلْتُهُ حتى انصرف، ثم لَبَّبْتُهُ بردائه، فجئت به رسول الله - ﷺ -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، قال: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر (^٤).\nفدل هذا الحديث أن هناك فرقًا بين اختلاف القراء وبين اختلاف الفقهاء،\n_________\n(^١). البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٣١٨).\n(^٢). شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٣).\n(^٣). انظر النشر في القراءات العشر (١/ ٩، ١٤)، وانظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام (ص: ٨٤).\n(^٤). صحيح البخاري (٢٤١٩)، وصحيح مسلم (٢٧٠ - ٨١٨).","vol":"3","page":359},{"text":"فاختلاف القراء في القراءات من اختلاف صفات العبادة إذا وردت على وجوه متعددة، فكلها حق وصواب نَزَلَ من عند الله، وهو كلامه لا شك فيه، وإلى ذلك أشار النبي - ﷺ - حيث صَوَّب النبي - ﷺ - قراءة كل من المختَلِفَيْنِ، وقطع بأنها كذلك أنزلت من عند الله، فلا ترد القراءة لمجرد مخالفتها رسم المصحف إذا كان النقلة لها ثقاتًا، ووافقت العربية، بخلاف اختلاف الفقهاء: فهو اختلاف اجتهادي، والحق مظنون في أحدها لا في كلها، ولا يتعدد بتعدد الاختلاف.\n(ح-١٦٠٢) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم (النخعي)، عن مسروق،\nذَكَر عبد الله بن عمرو عبدَ الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي - ﷺ - يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبَيِّ بن كعب، ورواه مسلم (^١).\nالدليل الرابع:\nلم يكن مصطلح الشاذ معروفًا في عصر الوحي، ولا في خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حتى جمع الخليفة الراشد عثمان مصحفه، وكثر القراء في القرن الأول والثاني وكثرت اختلافاتهم، فظهر اصطلاح الشاذ، وكان الحكم بين هذه الاختلافات بعد صحة إسنادها، وموافقتها لكلام العرب الذي أنزل به القرآن، هو موافقتها أو مخالفتها لخط المصاحف العثمانية، فما وافقها كان قراءة وقرآنًا، وما خالفها حكم عليه بالشذوذ، ولا يعني مخالفتها للمصحف العثماني القطع ببطلانها؛ لأن المصاحف العثمانية حرف من الأحرف السبعة كما سبق، ولو كانت باطلةً لكانت باطلة في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان، والله أعلم.\n* يناقش:\nبما سبق ذكره بأن القراءات الشاذة لا نقطع ببطلانها إذا صح سندها، ووافقت العربية، ولكن لا نقطع بقرآنيتها أيضًا؛ لمخالفتها المصحف المجمع عليه، فنقبلها قراءة، ولا نقبلها قرآنًا، والصلاة إنما تصح بما نقطع بأنه قرآن، والله أعلم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٩٩٩)، وصحيح مسلم (١١٨ - ٢٤٦٤).","vol":"3","page":360},{"text":"* دليل من قال: تصح القراءة بالشاذة ما لم تخالف الرسم أو تغير المعنى:\nهذا القول مبني على تعريف القراءة الشاذة عند المالكية وبعض الشافعية، كالنووي والرافعي والرملي، حيث يرون أن القراءة المتواترة هي القراءات السبع، خلافًا للبغوي والسبكي حيث جعلوا العشر كلها متواترة، وما وراء ذلك فهو شاذ، وبالتالي قد توجد قراءات خارج القراءات السبع، بل وخارج القراءات العشر موافقة لرسم المصحف، وموافقة للعربية، وتكون مشهورة، ويحكمون بشذوذها؛ لكونها خارجة عن القراءات السبع، بدعوى اشتراط التواتر، وأن التواتر مختص بالسبع وقيل: بالعشر، فإذا صلى بهذه القراءة الشاذة لم تبطل صلاته عندهم، إلا أن تخالف الرسم زاد الشافعية: ويتغير معها المعنى، والحكم بصحة الصلاة بها حكم بقرآنيتها، حيث سقط بها فرض القراءة، وهو يضعف الحكم بشذوذها، وقولهم هذا اضطرهم إلى تقسيم القراءة الشاذة إلى قسمين: شاذة تفسد الصلاة، وشاذة لا تفسد.\nوالصحيح أن كل قراءة سقط بها فرض القراءة فهو قرآن وقراءة معًا، فلا مسوِّغ للحكم بشذوذها، وهو دليل على ضعف التحديد بالسبع أو بالعشر، فالقراءات الصحيحة أوسع من هذا العدد، والمطلوب بعد ثبوت إسنادها، وموافقتها العربية ألا تخالف رسم المصحف، سواء أكانت من السبع أم من العشر، أم من غيرهما، والله أعلم.\n* دليل من قال: إن أدى بالشاذ فرض القراءة لم تصح وإلا صحت:\nيختلف العلماء في المقدار الذي يؤدي به المصلي فرض القراءة، فالجمهور يرونه متعينًا في الفاتحة، والحنفية يرونه في مطلق القرآن.\nفإذا قرأ آية طويلة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند الحنفية، أو قرأ الفاتحة ولم يكن فيها حرف شاذ مع القراءة الشاذة صحت صلاته عند بعض الشافعية وبعض الحنابلة.\n* وجه القول بالصحة:\nإن اقتصر على القراءة بالشاذ لم تصح صلاته؛ لتركه القراءة المتواترة، ولأن فرض القراءة لم يتحقق وجوده.\nوإن لم يقرأ من المتواتر ما يؤدي به فرض القراءة، وقرأ معها قراءة شاذة لم","vol":"3","page":361},{"text":"تفسد صلاته؛ لأنه أتى بفرض القراءة المجزئة، فالفساد لا يكون من قراءة الشاذ، بل من تركه القراءة المتواترة.\nوقال بعض الحنابلة: إذا قرأ قراءة صحيحة فقد تحقق وجود الفرض المجزئ في صلاته، وشك في وجود المبطل؛ والأصل عدمه.\nولأن القراءة الشاذة تكون حينئذٍ بمنزلة الذكر في الصلاة، فلا تبطل به الصلاة، وهذا التعليل يلزم منه أن يدع من القراءة الشاذة ما يتعلق بالأخبار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه من الأذكار، فيكون كالكلام في الصلاة، فيخشى منه إفساد الصلاة.\nيقول قاضي خان في فتاويه: «ولو قرأ في صلاته ما ليس في مصحف الإمام نحو مصحف عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما إن لم يكن معناه في مصحف الإمام، ولم يكن ذلك ذكرًا، لا تهليلًا تفسد صلاته؛ لأنه من كلام الناس، وإن كان معناه ما كان في مصحف الإمام تجوز صلاته في قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، ولا تجوز في قياس قول أبي يوسف ﵀ أما عند أبي حنيفة فلأنه يُجَوِّزُ قراءة القرآن بأي لفظ كان ومحمد يُجَوِّزُ بلفظ العربية ولا يُجَوِّزُ بغيرها» (^١).\n* الراجح من الخلاف:\nأن ما خالف المصحف العثماني مما صح سنده، ووافق العربية لا يقطع بقرآنيته، ولا نقطع بعدمها، فنثبته قراءة، ونستفيد منه بالأحكام والتفسير، ونحتاط للصلاة ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، فلا نصلي به، فإن صلى به أحد لم نتجرأ على بطلان صلاته بالشك،\nأصل المسألة: أن القراءة الشاذة أهي مما نقطع بخطأ ناقلها لكونها تتوافر الدواعي على نقلها عادة أم لا نقطع بخطئه ولا نجزم بصوابه، فلو وافقت المصحف المجمع عليه لقبلت قراءة وقرآنًا حتى ولو لم تتواتر؛ لعدالة ناقلها، وموافقتها ما أجمع عليه من الصحابة، أما وقد خالفت الرسم، وكانت آحادًا فيتوقف في\n_________\n(^١). فتاوى قاضي خان (١/ ١٤٠، ١٤١)، وانظر: التقرير والتحبير على تحرير الكمال لابن الهمام (٢/ ٢١٣، ٢١٤).","vol":"3","page":362},{"text":"قرآنيتها، ولا نعطل الاستفادة منها في التفسير والأحكام، وإنما لم تكن الاستفاضة شرطًا في الصدر الأول فذلك لأن الإسناد كان عاليًا، فكلما نزل تطرق إليه احتمال الخطأ والوهم، ويقوى ذلك بمخالفته الرسم، ولذلك الإمام أحمد في رواية عنه قَبِل قراءة عبد الله، وعلل ذلك بكون قراءته مما اشتهر واستفاض.\nفقد ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: قوله: «نقل إسماعيل بن سعيد، وحنبل: إذا قرأ بقراءة تثبت عن عبد الله فصلاته جائزة، ولا أحب أن يقرأها، لأن قراءة عبد الله كانت مستفيضة» (^١)، فكانت استفاضتها جبرت ما فيها من المخالفة لرسم المصحف.\nواشترط بعض العلماء التتابع في كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود ﵁، ولم يقبل كثير منهم التتابع في قضاء رمضان لقراءة أُبَيِّ بن كعب (فعدة من أيام آخر متتابعات) (^٢)؛ لأن الأولى استفاضت واشتهرت بخلاف الثانية، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى (١/ ٢٢١).\n(^٢). ذكرها قراءة لأبي بن كعب تفسير الماتريدي (٢/ ٤٥)، تفسير الزمخشري (١/ ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٢/ ٤٢٢)، البحر المحيط في التفسير (٢/ ١٨٧)، ابن حجر في الفتح (٤/ ١٨٩).","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>الفرع الثالث في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الشاذ من الحديث يختلف عن الشاذ من القراءات، فلكل فن اصطلاحه.\n* الشاذ من الحديث يعارضه ما هو أوثق منه، فيعد من قبيل الوهم، والشاذ من القراءات ليس له معارض يوجب طرحه، وإنما فَقَدَ شرطًا من شروط كونه قرآنًا، ولا يلغي ذلك كونه قراءة.\n* القراءة والقرآن حقيقتان متغايرتان، فكل قرآن قراءة، وليس كل قراءة قرآنًا.\n* المنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي - ﷺ -، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة.\n* الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يُعَارِض نصًّا، ولم يعارضه أثرٌ مثله.\n* إذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي - ﷺ -، فالقراءة ا لشاذة أولى أن يكون لها حكم الرفع.\n[م-٦١١] اختلف العلماء في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام، في وجوب قطع اليمين لقراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما)، وفي وجوب التتابع في الصيام لقراءة أبي بن كعب وابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).\nفقيل: حجة ظنية يجب العمل بها في بناء الأحكام الفقهية.\nوهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وكثير من الشافعية، وعزاه الإسنوي للشافعي، وجمهور أصحابه كابن حامد والماوردي والقاضيين حسين وأبي الطيب","vol":"3","page":364},{"text":"والرافعي، واختاره ابن حجر الهيتمي والخطيب والرملي وغيرهم (^١).\n_________\n(^١). انظر في مذهب الحنفية: أصول السرخسي (١/ ٢٨١)، تيسير التحرير (٣/ ٩)، التقرير والتحرير على تحرير الكمال لابن الهمام (١/ ٢٩٤) و(٢/ ٢١٦)، فتح القدير (٥/ ٨١)، كشف الأسرار على المنار (١/ ١٨، ٢٠)، التجريد للقدوري (١٢/ ٦٤٢٩).\nاحتج الحنفية بالقراءة الشاذة إذا اشتهرت.\n\nجاء في فصول البدائع في أصول الشرائع (٢/ ٦): «يجوز العمل بالقراءات الشاذة إذا اشتهرت، كالخبر المشهور عند الحنفية، مثل قراءة ابن مسعود ﵁ في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات، بخلاف قراءة أُبَيِّ ﵁ في قضاء رمضان ...».\nوجه التفريق: أن القراءة الشاذة هي زيادة على النص، وهي عندهم نسخ، فلا تثبت بخبر الآحاد، وإنما تجوز بالمشهور لأنها في قوة المتواتر.\nجاء في أصول السرخسي (١/ ٢٦٩): «وبالخبر المشهور تثبت الزيادة على النص». وانظر الفصول في الأصول للجصاص (٢/ ٢٥٤)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٢/ ٢٩٤).\nوقال بعض الحنفية: إن قراءة ابن مسعود كانت مما يتلى من القرآن ثم نسخت تلاوته. انظر أصول السرخسي (٢/ ٨١).\nقال الإسنوي في التمهيد في تخريج الفروع على الأصول بعد أن نقل عن إمام الحرمين والآمدي والنووي أنهم نسبوا إلى الإمام الشافعي أنه لا يرى حجية القراءة الشاذة تخريجًا على قوله بعدم اشتراط التتابع في الصيام مع علمه بقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فقال الإسنوي في التمهيد (ص: ١٤٢): وما قالوه جميعًا خلاف مذهب الشافعي، وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي على أنها حجة، ... ثم أيد ذلك بأنه قد جزم به الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب في موضعين وجزم به القاضي حسين والمحاملي وابن يونس والرافعي في موضع واحد، ثم قال الإسنوي: «والذي وقع لإمام الحرمين، فقلده فيه النووي مستنده عدم إيجابه للتتابع في كفارة اليمين بالصوم مع علمه قراءة ابن مسعود السابقة، وهو وضع عجيب، فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك عن الشافعي، أو لقيام معارض».\nكما انتقد القرافي تخريج إمام الحرمين هذا في كتابه نفائس الأصول (٧/ ٣٠٥٠).\nونسي الإسنوي أن ينبه على أن الشافعي نص على التتابع في صيام كفارة اليمين خلافًا لقضاء رمضان في الأم (٢/ ١١٣)، وقال ابن كثير في التفسير ت سلامة (٣/ ١٧٧): ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع كما هو قول الحنفية والحنابلة؛ لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)».\nوانظر: الحاوي الكبير (٤/ ٣٤)، تحفة المحتاج (٦/ ٣٩٦)، مغني المحتاج (٥/ ١٣١)، نهاية المحتاج (٦/ ١٥).\nوقال الطوفي الحنبلي في شرح مختصر الروضة (٢/ ٢٥): «المنقول آحادًا نحو: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، حجة عندنا وعند أبي حنيفة، خلافًا للباقين».\nوانظر: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٥/ ٢٤٥٣)، الكافي لابن قدامة (٤/ ١٩٤)، المغني (٩/ ٥٥٤)، المبدع (٨/ ٨٠)، كشاف القناع (٦/ ٢٤٣)، روضة الناظر (١/ ٢٠٤)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٢١٤)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار (٢/ ١٣٩)، المحلى (٦/ ٣٤٥).","vol":"3","page":365},{"text":"وقيل: لا يحتج بالقراءة الشاذة على الأحكام الشرعية، وهو مذهب المالكية، وكثير من الشافعية ونسبه الجويني إلى ظاهر مذهب الشافعي، وتبعه على ذلك الغزالي والآمدي، وابن السمعاني والنووي وابن الملقن، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^١).\n* دليل من قال: القراءة الشاذة حجة في الأحكام:\nالدليل الأول:\nالصحابي عدل ثقة لا يمكن أن يحكيه قرآنًا ثم لا يكون قد سمعه من النبي - ﷺ -، وقد عُرِفَ عن الصحابة ﵃ حرصُهم على حفظ القرآن حتى إنهم كرهوا\n_________\n(^١). جاء في بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٤٦٢): «العمل بالشاذ غير جائز، مثل (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) ...». وعلل ذلك بأنه ليس بقرآن، ولا بخبر يصح العمل به. وانظر من الكتاب نفسه (١/ ٤٧٢).\nوجاء في نشر البنود (١/ ٨٣): «كما لا تجوز القراءة بالشاذ لا يجوز الاحتجاج به ولا العمل في الأحكام الشرعية ولذا لم يوجب مالك ولا الشافعي في كفارة اليمين بالله تعالى التتابع مع قراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات ...».\nوقال الباجي نقلًا من شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٢٧٨): الصحيح ما ذهب إليه الباقلاني أنه لا يحتج به لأنه إذا لم يتواتر فليس بقرآن وحينئذٍ لا يصح التعلق به».\nبداية المجتهد (٢/ ١٨٠)، الذخيرة للقرافي (٤/ ٦٥)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة (٢/ ٤٦٣)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ١٦٢)، تفسير القرطبي (٦/ ٢٨٣)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٣/ ٦٤٥)، قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٤١٤)، والمستصفى للغزالي (ص: ٨١)، وإحكام الأحكام للآمدي (١/ ٢٩٩)، المجموع وشرح مسلم للنووي (٥/ ١٣١)، الكافي لابن قدامة (٤/ ١٩٤)، المغني لابن قدامة (٩/ ٥٥٥)، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (ص: ٢١٤)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير لابن النجار (٢/ ١٣٩).","vol":"3","page":366},{"text":"التعاشير عليه غاية ما في الأمر أنها لم تنقل متواترة، وهذا لا يسقط حجيتها؛ لأنها مسموعة من النبي - ﷺ - في الجملة.\nالدليل الثاني:\nالمنقول بطريق الآحاد لا يخلو إما أن يكون قرآنًا أو خبرًا عن النبي - ﷺ -، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة فإن كان قرآنًا فالعمل به واجب، وإن كان خبرًا عن النبي - ﷺ -، فخبر الواحد العدل الثقة قد اتفق العلماء على وجوب العمل به، فيجب قبوله كسائر منقولاته.\nوقد يكون قرآنًا ونسخت تلاوته ولم يطلع على الناسخ، وقد يكون الصحابي سمعه تفسيرًا فظنه قرآنًا، فيثبت له رتبة الخبر، ففي الجملة لا يخرج عن كونه مسموعًا من النبي - ﷺ -، ومرويًّا عنه، وعلى كل تقدير فهو حجة.\nوأما احتمال كونه مذهبًا للراوي فهو بعيد جدًّا فلا يظن ذلك بآحاد المسلمين أن يدخل مذهبه في مصحفه ويدعي أنه قرآن فما بالك بالصحابة خير القرون، وقد توعد الله ﷾ من فعل ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]، ومع التسليم بأنه مذهب للصحابي فإن الأثر إذا جاء عن الصحابة مقدم على الرأي، إذا لم يعارض نصًّا، ولم يعارضه أثر مثله، والله أعلم.\n* ونوقش:\nبأنه لا يصح قرآنًا كما لا يصح خبرًا.\nأما كونه لا يصح قرآنًا؛ فلأنه لو كان قرآنًا لنقل نقلًا متواترًا؛ فاهتمام الصحابة بالقرآن يمنع تقصيرهم في كتاب الله حتى لا ينقل عنهم إلا بطريق الآحاد.\nوأما كونه لا يصح خبرًا؛ فلأن الصحابي لم يُصَرِّحْ بكونه خبرًا، جاء في الإحكام للآمدي: «أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يُصَرَّحْ بكونه خبرًا عن النبي - ﷺ - فليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب مع أنه مختلف في الاحتجاج به أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية مع أنه ليس بحجة بالاتفاق.","vol":"3","page":367},{"text":"وكيف وعدم الاحتجاج به فيه موافقة للنفي الأصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى» (^١).\nوسوف أعرض الرد على هذا الجواب في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n* دليل من قال: لا يحتج بالقراءة الشاذة:\nالدليل الأول:\nأن القراءة الشاذة لا تصح قرآنًا لعدم تواترها.\nقال الآمدي: «النبي - ﷺ - كان مكلفًا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه، فالراوي له إذا كان واحدًا إن ذكره على أنه قرآن، فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرًا عن النبي - ﷺ -، وبين أن يكون ذلك مذهبًا له، فلا يكون حجة» (^٢).\nبل لا يصح أن يكون خبرًا؛ لأن الخبر ما رواه الراوي صريحًا على أنه خبر عن النبي - ﷺ -، وهو لم يصرح بذلك، فكيف يقبل خبرًا، فتعين أن يكون مذهبًا له، وفي الاحتجاج بقول الصحابي خلاف معلوم في كتب الأصول.\n* ويجاب:\nناقشت اشتراط التواتر في الفصل السابق، وأن القرآن الذي جمعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة، ونقل نقلًا متواترًا، وأما القراءات فلا يشترط لثبوتها التواتر، فكل قراءة صح سندها، ووافقت العربية من وجه، فإن لم تخالف رسم المصحف فهي قراءة وقرآن؛ لموافقتها ما أجمع عليه الصحابة.\nوإن خالفت رسم المصحف، فلا نقطع بقرآنيتها؛ لمخالفتها ما أجمع عليه الصحابة، ولا نقطع بنفي ذلك عنها، بل نثبتها قراءة لعدالة نَقَلَتِهِا، ولا يقرأ بها في الصلاة احتياطًا لركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، ويستفاد منها في الأحكام والتفسير، وإن كنا لا نجزم ببطلان صلاة من صلى بها، وقد تقدم ذكر ذلك بالتفصيل\n_________\n(^١). الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٦٢).\n(^٢). الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٦٠)، وانظر المستصفى (ص: ٨١).","vol":"3","page":368},{"text":"والتدليل فلا حاجة لإعادته، فارجع إليه.\nوأما قولكم: إن النبي ﵇ كان يجب عليه إلقاء القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، فهذا دعوى في محل النزاع، فلا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه ﵇، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وقد جمعوه بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد.\nولوكان النبي - ﷺ - قد ألقاه على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم لما اختلفت مصاحف الصحابة، ولهذا اختلفوا في البسملة أهي آية من القرآن أم ذكرت للتبرك، واختلف عمر ﵁ مع هشام بن حكيم في صفة قراءة سورة الفرقان.\nولو سلمنا وجوب ذلك على النبي - ﷺ -، وأنه سمع منه جمع تقوم الحجة بقولهم، لكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطأ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بعضهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطأ بالسكوت، وعند ذلك يتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن؛ وقد زكاه النبي - ﷺ - وأمر بأخذ القرآن عنه، ولم يوجد ما يعارضه (^١).\nوأما قولكم: بأنه لا يقبل خبرًا؛ لأنه لم يصرح بأنه سمعه من النبي - ﷺ -، فهذا غير صحيح، فإن الصحابي حين رواه قرآنًا أثبت له أمرين:\nالأول: قرآنيته، والثاني: تلقيه من النبي - ﷺ -؛ لأن القرآن إنما يتلقاه الصحابة من النبي - ﷺ -، وليس بالاجتهاد والرأي، فإذا لم يثبت الأول؛ لكونه آحادًا حسب زعمكم، فقد ثبت الثاني؛ فإنه يلزم من رواية الصحابي على أنه قرآن أن يكون قد سمعه من النبي - ﷺ -، وهل يتلقى القرآن إلا منه - ﷺ -؟\nوإذا كان العلماء جعلوا أقوال الصحابة التي لا مجال للرأي فيها في حكم المرفوع، وهم لم يصرحوا بإضافة الخبر إلى النبي - ﷺ -، فهذا أولى أن يكون مرفوعًا؛ لأن الصحابي لما ظنه قرآنًا لزم منه سماعه من النبي - ﷺ -، فإذا لم يثبت أنه قرآن، فلا مجال لإسقاط سماعه من النبي - ﷺ -، والله أعلم.\n_________\n(^١). انظر: دراسات أصولية في القرآن الكريم (ص: ٥٠).","vol":"3","page":369},{"text":"الدليل الثاني:\nأن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على مصحف الإمام عثمان ﵁، وطرح ما سواه، فلا يعتد بما شذ عن مصحف الإمام، فكل زيادة لا توجد بين دفتي المصحف فهي غير معدودة في القرآن.\n* ويناقش:\nكون الصحابة أجمعوا على مصحف عثمان ﵁ فهذا مُسَلَّم.\nوأما القول بأنهم أجمعوا على طرح ما سواه فهذا غير مُسَلَّم، كيف والقرآن أنزل على سبعة أحرف بالإجماع، ومصحف عثمان لم يشتمل على السبعة كلها بالاتفاق، وأين النقل عن الصحابة ﵃ على إبطال ما عدا مصحف عثمان.\n(ح-١٦٠٣) فقد روى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى،\nعن أُبَيِّ بن كعب، أن النبي - ﷺ - كان عند أَضَاةِ بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا (^١).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٧٤ - ٨٢١).\nوقد توبع محمد بن جعفر في شعبة، تابعه جماعة من أصحاب شعبة،\nفرواه معاذ بن معاذ العنبري كما في صحيح مسلم (٨٢١).\nوأبو داود الطيالسي (٥٥٩)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٥٩٧)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (١٨٥٦).\nوحجاج بن محمد المصيصي كما في مستخرج أبي عوانة (٣٨٤٠)، وفضائل القرآن للقاسم بن سلام (ص: ٣٣٧).","vol":"3","page":370},{"text":"يقول ابن حزم: «فحرام على كل أحد أن يظن أن شيئًا أخبر رسول الله - ﷺ - أن أمته لا تطيق ذلك، أتى عثمان فحمل الناس عليه فأطاقوه، ومن أجاز هذا فقد كَذَّب رسول الله - ﷺ - في قوله لله تعالى: إن أمته لا تطيق ذلك، ولم ينكر الله تعالى عليه\n_________\n= وابن أبي عدي وموسى بن داود، كما في تفسير الطبري ط هجر (١/ ٣٥)،\nوعبد الرحمن بن زياد كما في مستخرج أبي عوانة (٣٨٤١).\nوشبابة بن سوار، كما في تفسير الطبري (١/ ٣٥)، ومشكل الآثار (٣١١٧)، ومسند الشاشي (١٤٥٦).\nوسعيد بن عامر كما في مستخرج أبي عوانة (٣٨٤٢)، ومسند الشاشي (١٤٥٥)،\nويحيى بن عباد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٣٦)، وفي الخلافيات (٢٣٥٥)، كلهم رووه عن شعبة به.\nولم ينفرد به شعبة، ولا يضره لو تفرد، فقد تابعه محمد بن جحادة (وهو ثقة)،\n\nرواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ١٢٨)، ومن طريقه القطيعي في جزء الألف دينار (٢٨)، والطبري في تفسيره (١/ ٣٤، ٤١)، وأبو عوانة في مستخرجه (٣٨٤٣)، والطبراني في الكبير (١/ ١٩٩) ح ٥٣٥، وابن حبان في صحيحه (٧٣٨) من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن الحكم، عن مجاهد به.\nقال الدارقطني كما في أطراف الغرائب والأفراد (٦٠٣): تفرد به عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عنه. اهـ يعني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\nوعبد الوارث وابن جحادة كل منهما ثقة.\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا الحديث خولف فيه الحكم، خالفه منصور بن المعتمر، رواه عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، مرسلًا.\nولم أقف على طريق منصور، ولعل مثل هذا لا يعل حديث الحكم بن عتيبة، وقد أخرج الشيخان حديث الحكم عن مجاهد، وقد رواه عن الحكم شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه إلا ما كان مسموعًا، والله أعلم.\nوقد توبع الحكم بن عتيبة، تابعه بكير بن الأخنس (ثقة)، عن مجاهد مختصرًا.\nرواه الطبراني في المعجم الصغير (١٠٥)، والشجري في الأمالي الخميسية (٥٣٦)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين (٢/ ٢٥٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ١٦١) من طريق يحيى بن آدم، عن قُطْبَة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد به.\nوهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وتفرد قطبة عن الأعمش يحتمل؛ لأنه ثقة فيه، مشهور بالرواية عنه.\nوله طرق كثيرة عن أبي بن كعب تركتها اقتصارًا.","vol":"3","page":371},{"text":"ذلك ولا جبريل ﵇ .... وأيضًا فإن الله تعالى آتانا تلك الأحرف فضيلة لنا، فيقول من لا يحصل ما يقول: إن تلك الفضيلة بطلت، فالبلية إذن قد نزلت حاشا لله من هذا» (^١).\nولقد كان بعض الصحابة ﵃ يقرأ بما سمعه من النبي - ﷺ -، كما وقع ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، وهشام بن حكيم، وما شرع في حياة النبي - ﷺ -، ومات عليه النبي - ﷺ - لا يتجرأ أحد من الصحابة رضوان الله عليهم على طرحه، وباب النسخ قد أغلق بوفاة النبي - ﷺ -، وكل ما كان جائزًا في حياته - ﷺ - حتى مات، فهو جائز إلى يوم القيامة.\n(ث-٤٢٥) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن إسماعيل ابن عبد الملك، قال: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فكان يقرأ بالقراءتين جميعًا، يقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، (وليلة بقراءة زيد) (^٢)، فكان يصلي خمس ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر صلى ست ترويحات.\nوكان الأعمش يقرأ ختمًا على حرف ابن مسعود، وختمًا من مصحف عثمان (^٣).\n* الراجح:\nأن القراءة الشاذة حجة ظنية في الأحكام، وفي التفسير، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٦٧).\n(^٢). تاريخ الإسلام للذهبي ت تدمري (٦/ ٣٦٩)، مرآة الجنان وعبرة اليقظان (١/ ١٥٦)، شذرات الذهب (١/ ٣٨٢)، معرفة القراء الكبار على الطبقات للذهبي (ص: ٣٨)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ١٨٩).\n(^٣). ذكر ذلك السرخسي في المبسوط (٣/ ٧٥)، والزركشي في البحر المحيط (٢/ ٢٢٢).","vol":"3","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* القراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كلها قرآن من عند الله.\n* الأصل جواز التلفيق بين القراءات الثابتة في الصلاة؛ ويصدق عليه أنه قرأ ما تيسر من القرآن.\n* لو قرأ في ركعة برواية، وقرأ بركعة أخرى برواية أخرى؛ صح التلفيق؛ لأن الكل من عند الله.\n* إذا قرأ كلمة أو جملة أو آية فأخذ يكررها بعدة قراءات فذلك يحرم فعله في الصلاة؛ لأنه محدث، لم يعرف في الصدر الأول.\n* إذا ترتب على التلفيق اختلال المعنى أو القراءة بهيئة لم يقرأ بها أحد حرم التلفيق.\n[م-٦١٢] التنقل بين القراءات في أثناء التلاوة، من غير الالتزام برواية معينة، كأن يقرأ وهو في موضع بضم الهاء، وفي موضع آخر بإسكانها، ويُعَبَّر عنه بـ (الخلط) وبـ (التلفيق)،اختلف العلماء في جوازه.\nفقيل: ممنوع مطلقًا، إما منع تحريم أو منع كراهة، وبهذا أخذ السخاوي، وهو أحد القولين عن ابن تيمية.\nقال السخاوي في كتابه جمال القراء: «وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ» (^١).\nوقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة» (^٢).\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ١٨).\n(^٢). مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠٤).","vol":"3","page":373},{"text":"وحجتهم: بأن جمع القراءات في الصلاة بدعة محدثة، لا تعرف في الصدر الأول، ولم يعرف عن الصحابة أنهم قرؤوا في الصلاة بأكثر من قراءة واحدة، وكفى بهذا حجة في الامتناع عن الفعل.\nوقيل: تجوز مطلقًا، حكاه الجزري عن أكثر الأئمة، وهو أحد القولين عن ابن تيمية (^١).\nقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة، أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، والله أعلم» (^٢).\nوقيل بالتفصيل، وهو أرجحها:\nقال ابن الجزري - ﵀: «والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير ... وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة.\nوأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها.\nفإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية، وتخليط على أهل الدراية.\nوإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول، لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه، أو حرام؛ إذ كُلٌّ من عند الله، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينًا على أهل هذه الملة ...» (^٣).\n_________\n(^١). النشر في القراءات العشر (١/ ١٨)، الفتاوى الكبرى (٢/ ١٨٦)، الزيادة والإحسان في علوم القرآن (٢/ ٣٠٢).\n(^٢). الفتاوى الكبرى (٢/ ١٨٦).\n(^٣). النشر في القراءات العشر (١/ ١٩).","vol":"3","page":374},{"text":"وقال النووي: «إذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها، فلو قرأ بعض الآيات بها، وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطًا بالأولى» (^١).\nواعتبار هذا الشرط يرجع لأمرين:\nالأول: ما قاله في تحفة المحتاج: «لاستلزامه هيئة لم يقرأ بها أحد» (^٢).\nالأمر الثاني: وجوب المحافظة على المعنى، فالتلفيق بين القراءات قد يترتب عليه اختلال المعنى، وليس كل قارئ للقرآن يعرف ما يخل بالمعنى مما لا يخل به.\nويقول فضيلة الشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي وفقه الله: «وأما التلفيق بين القراءات، فإذا كان في الكلمة الواحدة فهو محرم قطعًا، مثل من يجمع بين قراءتين متنافيتين؛ كالذي يرقق الراء في كلمة الآخرة، فإنه لا يحقق الهمزة، وهذا مثال في تحريف الكلمة الواحدة؛ لأنه لحن، وليس كلامًا من لغة واحدة.\nوإذا كان في الجملة الواحدة فمحل خلاف، فقيل بتحريمه، وقيل بكراهته.\nوإذا كان في الآية الواحدة، فهو مكروه قطعًا.\nوإذا كان في آيتين، ولم يكن على وجه التعليل، فهو خلاف الأولى.\nومع ذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يرى أن القراءات نفسها ملفقة من الحروف السبعة التي أنزلت على النبي - ﷺ -، فليست القراءة موافقة لحرف واحد، بل كل قراءة فيها أخذت من كل الحروف، ولا يمكن الجزم بهذا؛ لأن الجزم فيه صعب، ونحن نعلم أن النبي - ﷺ - أنزل عليه القرآن على سبعة أحرف؛ لكن لم يبين لنا أن هذا هو الحرف الأول، وهذا هو الحرف الثاني، وهذا هو الحرف الثالث ... بل قرأ بالجميع، وأَقَرَّ الناس على قراءة الجميع، فبالإمكان أن يحفظ فلان من الناس سورة التوبة على الحرف الأول، ويحفظ هو نفسه سورة يس مثلًا على الحرف الخامس، وسورة أخرى على الحرف السادس، ويلفق الجميع، فيكون قد حفظ القرآن بحروفه\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٩٢)، التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ٩٨)، مغني المحتاج (١/ ١٥٣).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٣٩).","vol":"3","page":375},{"text":"المتعددة، وهكذا» (^١).\n* الراجح من هذا الخلاف:\nأن التلفيق بين القراءات في الصلاة: إن كان في كلمة واحدة، فذلك بدعة، وأقل أحواله الكراهة، ويحرم إن ترتب عليه لحن، كما لو جمع بين ترقيق الراء وتحقيق الهمزة في كلمة (الآخرة)، فإن من رقق الراء لم يحقق الهمزة، ومن حقق الهمزة لم يرقق الراء.\nوإن كان التنوع في القراءات في آيات وسور مختلفة، فالمستحب أن يقرأ بقراءة واحدة، فإن قرأ بقراءة أخرى، فإن ذلك مباح بشرط:\nالأول: أن يأمن تشويش العوام، فإن القراءة بهم بقراءة لم يألفوها قد يفتح على نفسه بابًا من الخلاف، لا يمكنه رده.\n(ث-٤٢٦) وقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال علي: حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّبَ، الله ورسوله (^٢)؟\nالثاني: أن لا ينشأ عن ذلك قراءة لم يقرأ بها أحد.\nالثالث: أن لا يعود ذلك على الإخلال بمعنى الآيات.\nقال ابن حجر: واستدل بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن ... بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). دروس صوتيه مفرغة لفضيلة الشيخ باسم سلسلة الأسماء والصفات.\n(^٢). صحيح البخاري (٥/ ٤٢٤).\n(^٣). فتح الباري (٩/ ٣٨).","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الخامس في القراءة من المصحف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الفرع الأول القراءة من المصحف خارج الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* صح عن ابن مسعود أنه قال: أديموا النظر في المصحف، ويقصد به ﵁ النظر المصحوب بالتلاوة والاعتبار، لا مجرد النظر.\n* لا أعلم دليلًا مرفوعًا يقضي بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله.\n* التلاوة عبادة مقصودة، والغاية التعبد والتقرب إلى الله بتلاوة كلامه، وتدبره والاعتبار به، ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغايات.\n* إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فيجمع بينهما.\n[م-٦١٣] اختلف العلماء في أيهما أفضل القراءة من المصحف، أم القراءة من الحفظ؟\nفقيل: القراءة من المصحف أفضل؛ وهو قول أكثر أهل العلم، ونسب النووي القول به للقاضي حسين، وأبي حامد الغزالي، وجماعات من السلف، ونقل الغزالي في الإحياء عن كثير من الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقرؤون من","vol":"3","page":377},{"text":"المصحف، ويكرهون أن يخرج يوم، ولم ينظروا في المصحف.\nوروى ابن أبي داود القراءة في المصحف عن كثير من السلف حتى قال النووي: لم أَرَ فيه خلافًا (^١).\n* واستدلوا بأدلة كثيرة منها:\nالدليل الأول:\n(ث-٤٢٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: أديموا النظر في المصحف (^٢).\n[حسن موقوف على ابن مسعود] (^٣).\n* ويجاب:\nأحيانًا يطلق الشيء ويراد به لازمه، فإذا أطلق النظر في المصحف فالمراد منه النظر المصحوب بالتلاوة والتدبر؛ لأن ذلك هو الغاية من النظر في المصحف، لا مجرد مطلق النظر.\nومثله ما ورد في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق بالمساجد، لا يراد حب البقعة لذاتها، بل ما يصحب ذلك من ذكر الله وإقام الصلاة؛ لأن ذلك هو الغاية من إقامة المساجد، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال (٣٦) رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧].\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٠٤) روى أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن من طريق بقية ابن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن،\nعن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: فضل قراءة\n_________\n(^١). التبيان في حملة القرآن (ص: ١٠٠)، وانظر: تفسير القرطبي (١/ ٢٨)، إحياء علوم الدين (١/ ٢٧٩).\n(^٢). المصنف (٨٥٥٨).\n(^٣). ورواه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٧٩)، والفريابي في فضائل القرآن (١٥، ١٤٩) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٣٩، ١٤١) ح ٨٦٨٧، ٨٦٩٦، والبيهقي في الشعب (٢٠٢٨).","vol":"3","page":378},{"text":"القرآن نظرًا على من يقرؤه ظاهرًا كفضل الفريضة على النافلة (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٠٥) روى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب من طريق أبي سعيد بن عوذ المعلم المكي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي،\nعن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك ألفي درجة (^٣).\n[قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر] (^٤).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٠٦) روى ابن المقرئ في معجمه، والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم في الحلية من طريق الحر بن مالك العنبري، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف (^٥).\n[غريب من حديث شعبة، وقال الذهبي: باطل] (^٦).\n_________\n(^١). فضائل القرآن (ص: ١٠٤).\n(^٢). فيه أكثر من علة، في إسناده بقية بن الوليد، مدلس تدليس تسوية.\nوفي إسناده معاوية بن يحيى، قال ابن كثير: وهذا الإسناد ضعيف؛ فإن معاوية بن يحيى وهو الصدفي، أو الأطرابلسي، وَأَيًّا ما كان فهو ضعيف. انظر تفسير ابن كثير ت سلامة (ص: ٢١٠)\n(^٣). الطبراني في الكبير (١/ ٢٢١) ح ٦٠١، والبيهقي في الشعب (٢٠٢٦).\n(^٤). العلل لابن أبي حاتم (١٧٢٦)،\nفي إسناده أبو سعيد بن عوذ المكي، قال ابن عدي في الكامل (٩/ ٢٠٦): «ولأبي سعيد بن عوذ هذا غير ما ذكرت، ومقدار ما يرويه غير محفوظ».\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٥): «رواه الطبراني، وفيه أبو سعيد بن عوذ، وثقه ابن معين في رواية، وضعفه في أخرى، وبقية رجاله ثقات».\n(^٥). معجم ابن المقرئ (٤٩٨)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٠٢٧)، وحلية الأولياء (٧/ ١٠٩).\n(^٦). ميزان الاعتدال (١/ ٤٧١).\nوقال في ديوان الضعفاء (٨٧٤): له حديث منكر في قراءة المصحف. =","vol":"3","page":379},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٦٠٧) روى أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة، والبيهقي في شعب الإيمان من طريق حفص بن عمر بن ميمون، عن عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، عن ابن أسلم، عن عطاء بن يسار،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: أعطوا أعينكم حظها من العبادة. قيل: يا رسول الله، وما حظها من العبادة؟ قال: النظر في المصحف، والتفكر فيه، والاعتبار عند عجائبه. قال البيهقي: إسناده ضعيف (^١).\n[موضوع] (^٢).\nالدليل السادس:\n(ح-١٦٠٨) روى عفيف الدين أبو المعالي في فضل العلم عن سليمان بن\n_________\n= وقال أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٠٩): غريب، تفرد به الحر بن مالك. اهـ\nقلت: لو كان هذا من حديث شعبة لحفظه عنه أصحابه، ولما تفرد به الحر بن مالك.\n\nوقال ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٨٧): «وللحر عن شعبة، وعن غيره أحاديث ليست بالكثيرة، وأما هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد فمنكر».\nوقال أبو حاتم عن الحر بن مالك: لا بأس به.\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال ابن حجر في التقريب: صدوق.\nوأعله الذهبي بأن المصاحف اتخذت بعد النبي - ﷺ -. قال ابن حجر في لسان الميزان: وهذا التعليل ضعيف، ففي الصحيحين: أن النبي - ﷺ - نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو، وما المانع أن يكون الله أطلع نبيه على أن أصحابه سيتخذون المصاحف، لكن الحر مجهول الحال.\nقلت: ليس مجهولًا، وقد قال فيه أبو حاتم على تشدده: لا بأس به، لكن لا يحتمل تفرده عن شعبة بمثل هذا الحديث، وهو ما جعل ابن عدي يقول: إنه منكر.\n\n(^١). شعب الإيمان (٢٠٢٩).\n(^٢). في إسناده عنبسة بن عبد الرحمن الكوفي، قال أبو حاتم: متروك الحديث، كان يضع الحديث. وقال ابن حبان: هو صاحب أشياء موضوعة، لا يحل الاحتجاج به.\nونقل الترمذي في السنن (٥/ ٦٠)، عن البخاري أنه قال: ضعيف في الحديث ذاهب.\nوالراوي عنه حفص بن عمر ضعيف الحديث.\nوعزاه السيوطي في الجامع الصغير من رواية الحكيم الترمذي والبيهقي في الشعب.","vol":"3","page":380},{"text":"الربيع النهدي، حدثنا همام بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء،\nعن أبي هريرة مرفوعًا، قال: خمس من العبادة قلة الطعام عبادة، والقعود في المساجد عبادة، والنظر في المصحف من غير قراءة عبادة، والنظر في وجه العالم عبادة، وأظنه قال: والنظر في وجه الوالدين عبادة.\n[ضعيف جدًّا] (^١).\nالدليل السابع:\nأن القراءة من المصحف تشتمل على التلاوة والنظر، وقد صرح غير واحد من السلف أن النظر عبادة بخلاف الحفظ فهو يشتمل على التلاوة وحدها (^٢).\nولا أعلم دليلًا مرفوعًا بأن النظر في المصحف عبادة، وإن قال به كثير من السلف عليهم رحمة الله، فالتلاوة عبادة مقصودة، والغاية التدبر والاعتبار ومعرفة الله بمعرفة صفاته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والنظر والحفظ وسيلة لتحقيق هذه الغاية، والله أعلم.\nوقيل: القراءة من الحفظ أفضل مطلقًا، اختاره أبو محمد بن عبد السلام في أماليه، ونقل ذلك الزركشي في البرهان (^٣).\n* واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:\nالدليل الأول:\nأثنى الله على أهل العلم بكون القرآن في صدورهم، فقال تعالى:\n﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].\nالدليل الثاني:\nأن المقصود من التلاوة التدبر، لقوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [سورة ص: ٢٩].\n_________\n(^١). رواه عفيف الدين أبو المعالي في فضل العلم (١/ ١١٥) نقلًا من السلسلة الضعيفة للألباني (٤/ ٢٠١)، وقال: هذا إسناد ضعيف جدًّا، سليمان بن الربيع النهدي تركه الدارقطني، ومثله شيخه همام بن مسلم.\n(^٢). انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٦٨).\n(^٣). الأجوبة القاطعة أمالي ابن عبد السلام (ص: ٣٣٠)، البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٤٦٣).","vol":"3","page":381},{"text":"والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود، فكان مرجوحًا (^١).\nالدليل الثالث:\nترجم البخاري في صحيحه، فقال: باب القراءة عن ظهر قلب.\nثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي ... وفيه: قال النبي - ﷺ -: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا عَدَّها - قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن (^٢).\nقال ابن كثير في التفسير: هذه الترجمة من البخاري مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم (^٣).\nوقد يقال: إن الحديث دليل على فضل حفظ القرآن، وهذا ليس موضع خلاف، وأما المفاضلة بين الحفظ والقراءة من المصحف فلا دلالة في الحديث، لا نصًّا، ولا إشارة.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: «إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرًا من المصحف ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن القراءة، وعلم النبي - ﷺ - ذلك، فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن» (^٤) ..\nالدليل الرابع:\nكان النبي - ﷺ - يأمر يوم أحد بدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقول: قدموا أكثرهم قرآنًا.\n[أعله أبو حاتم الرازي بالانقطاع] (^٥).\n_________\n(^١). البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٤٦٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٥٠٣٠)، وصحيح مسلم (٧٦ - ١٤٢٥).\n(^٣). تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٦٨).\n(^٤). تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ٧٠).\n(^٥). اختلف فيه على حميد بن هلال: =","vol":"3","page":382},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقيل: عنه، عن هشام بن عامر.\nورواه أحمد (٤/ ١٦) وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص: ٩١)، وأبو داود (٣٢١٥)، والنسائي في المجتبى (٢٠١٥)، وفي الكبرى (٢١٥٣)، وأبو يعلى في المسند (١٥٥٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢١٤٤)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٧٣) ح ٤٤٩، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة (١/ ١٣١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٨٠)، من طريق سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.\nورواه أيوب السختياني، عن حميد بن هلال، واختلف على أيوب:\nفقيل: عنه، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر. كرواية سليمان بن المغيرة.\nرواه سفيان الثوري كما في سنن أبي داود (٣٢١٦)، والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (٣/ ١٥٥)، والنسائي في المجتبى (٢٠١٠، ٢٠١٨،)، وفي الكبرى (٢١٤٨)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٧٥١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٧٢) ح ٤٤٧، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٩٦)، وفي السنن الكبرى (٣/ ٥٨٠).\nوسفيان بن عيينة كما في مصنف عبد الرزاق (٦٥٠١)، وأحمد (٤/ ١٩)، والنسائي في المجتبى (٢٠١٨)، وفي الكبرى (٢١٥٦)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٧٢) ح ٤٤٤،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٥٥) من طريق الفريابي، حدثنا سفيان به. ولم يتميز لي سفيان، فيحتمل أنه الثوري، ويحتمل أنه ابن عيينة، وكلاهما روى عنه الفريابي، وكلاهما روى الحديث عن أيوب، وأيًّا كان فالمدار على ثقة.\nوإسماعيل بن علية، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٠)، وفضائل القرآن لابي عبيد (ص: ٩٠)، وسنن سعيد بن منصور (٢٥٨٢)، وتهذيب الآثار للطبري مسند عمر (٧٤٩)،\nومعمر بن راشد كما في مصنف عبد الرزاق مقرونًا بغيره (٦٥٠١)، وعنه أحمد (٤/ ٢٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٧٢) ح ٤٤٤.\nأربعتهم (الثوري، وابن علية، ومعمر وابن عيينة) عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام ابن عامر كرواية سليمان بن المغيرة.\nقال ابن أبي حاتم في المراسيل (١٧١): سمعت أبي يقول: حميد بن هلال لم يَلْقَ هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام أبو قتادة العدوي. ويقول بعضهم: عن أبي الدهماء. والحفاظ لا يدخلون بينهم أحدًا: حميد عن هشام. قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد عن هشام». اهـ\nفعلى هذا يكون أبو حاتم قد رجح أنه منقطع.\nوقد قال في الجرح والتعديل (٩/ ٦٣): هشام بن عامر بن عمار روى عنه حميد بن هلال مرسلًا.\nقلت: قد صرح حميد بالإخبار عن هشام بن عامر من رواية معمر، عن أيوب، إلا أن الباحث يخشى أن يكون هذا من تصرف الرواة عن حميد. =","vol":"3","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد خالف هؤلاء الأربعة عبد الوارث بن سعيد، فرواه عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء (قِرْفة بن بُهَيْس، وقيل: بُهَيْس) عن هشام بن عامر، فزاد في إسناده أبا الدهماء.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠)، وأبو يعلى في المسند (١٥٥٨) عن عبد الصمد.\nوالترمذي (١٧١٣)، وابن ماجه (١٥٦٠) حدثنا أزهر بن مروان،\nوالنسائي في المجتبى (٢٠١٧)، وفي الكبرى (٢١٥٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٧٣) ح ٤٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٥٥)، من طريق مسدد، ثلاثتهم (عبد الصمد، وأزهر، ومسدد) عن عبد الوارث، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي الدهماء به.\nوزيادة أبي الدهماء زيادة شاذة؛ لمخالفة عبد الوارث أربعة من أصحاب أيوب: وهم الثوري، وابن عيينة، ومعمر، وابن علية، والله أعلم. ...\nوقيل فيه: عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه هشام بن عامر.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٧٨٨)،\nوابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ١٣١)،\nويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ١٥٥)،\nوإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٠١٦)، وفي الكبرى (٢١٥٤).\nوإسماعيل بن إسحاق القاضي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٥٥).\nوأحمد بن ملاعب البغدادي كما في الدلائل للبيهقي (٣/ ٢٩٧) ستتهم رووه عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد، عن سعد بن هشام بن عامر، عن أبيه.\nوتابعه جرير بن حازم، فرواه عن حميد، عن سعد بن هشام به.\nرواه أحمد (٤/ ٢٠)، وأبو داود (٣٢١٧)، والنسائي في المجتبى (٢٠١١)، وفي الكبرى (٢١٤٩)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند عمر (٢/ ٥٢٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٨٠)، من طريق جرير بن حازم، عن حميد بن هلال، عن سعد بن هشام به.\nقال أبو حاتم الرازي كما في العلل لابنه (١٠٤٣): أيوب وسليمان بن المغيرة أحفظ من جرير بن حازم، إشارة إلى ترجيح رواية حميد، عن هشام بن عامر على الانقطاع.\nوخالفهم أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، رواه الطبراني (٢٢/ ١٧٢)، عنه،\nوالحارث بن أبي أسامة كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥١٧٤)، كلاهما عن سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن هشام بن عامر.\nوهذه متابعة لرواية سليمان بن المغيرة، وأيوب من رواية الثوري، وابن علية، ومعمر وابن عيينة عنه، وقد تم تخريجها.\nفصار سليمان بن حرب تارة يرويه عن حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام.\nوتارة يرويه عن حماد، عن أيوب، عن حميد، عن سعد بن هشام، عن أبيه.\nفالذي يظهر لي أن الراجح في الحديث أنه معلول بالانقطاع كما قال أبو حاتم الرازي، والله أعلم.","vol":"3","page":384},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٦٠٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (^١).\n[انفرد به قابوس عن أبيه، وهو ضعيف] (^٢).\n* ويجاب عن هذه الأدلة:\nبأن هذه الأحاديث دليل على فضل الحفظ فقط، ولا دلالة فيها على المفاضلة، إلا أن يقال: لما وردت أحاديث مرفوعة في فضل الحفظ، ولم ترد مثلها في فضل النظر في المصحف دلَّ ذلك على تفضيل الحفظ عليه.\nوقد يقال: إن المصحف لم يكن في عصر الوحي، إلا أن هذا الجواب لا يغني؛ لأنه وإن لم يكن في عصر الوحي فقد أذن الرسول - ﷺ - بكتابته، ونهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو (^٣)، وإذا كان الرسول - ﷺ - لا يعلم فالله سبحانه يعلم أن المصحف سيجمع في عصر الصحابة، وسيجمعون على فعل ذلك، وسيكون في بيوت المسلمين، حتى كانت عائشة يصلي بها غلامها، وهو يقرأ من المصحف، وحتى كان غلام أنس ﵁ يصلي خلف أنس، وهو يمسك المصحف؛ ليفتح على أنس إذا ارتجت عليه القراءة، والله أعلم.\n_________\n(^١). المسند (١/ ٢٢٣).\n(^٢). رواه أحمد (١/ ٢٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٣٢)، والدارمي (٣٣٤٩)، والترمذي (٢٩١٣)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٠٩) ح ١٢٦١٩، والحاكم في المستدرك (٢٠٣٧)، والبيهقي في الشعب (١٧٩٣)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (١٨٦)، وابن بطة في الإبانة (١٦٦)، وغيرهم من طريق جرير بن عبد الحميد به.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوصححه الحاكم، واستدرك عليه الذهبي وابن الملقن، فقالا: فيه قابوس أحد رواته، وهو لين.\nوضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٦٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر.\nورواه مسلم من طريق أخرى عن نافع.","vol":"3","page":385},{"text":"وقيل: يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأشخاص، اختاره النووي في الأذكار، وذكره ابن حجر في الفتح، واستحسنه السيوطي إلا أنه علق القول به إن كان قد قيل به (^١).\nقال النووي: «قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر، والتفكُّر، وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف» (^٢).\nوهذا القول أرجحها؛ لأن المطلوب من تلاوة القرآن تدبره، سواء أقرأ من المصحف أم قرأ ذلك حفظًا، ولو كان أحدهما أفضل من الآخر لجاءت النصوص الواضحة الفاصلة، فلمًّا لم تكن النصوص كاشفة دل على أنه لا فرق بينهما، إلا أن يعود ذلك على الخشوع والتدبر، فذلك يختلف من شخص لآخر، فإذا استويا في التدبر فالأولى أن يقرأ هكذا وهكذا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري (٩/ ٧٩)، البرهان في علوم القرآن (١/ ٤٦٣)، الإتقان في علوم القرآن (١/ ٣٧٤).\n(^٢). الأذكار للنووي ط ابن حزم (ص: ٢٠٦).","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>الفرع الثاني في القراءة من المصحف بالصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* يرجع الخلاف في القراءة من المصحف في الصلاة إلى اختلافهم في تقليب أوراق المصحف، والنظر فيه، أهو من العمل الكثير في الصلاة أم لا، وإذا كان كثيرًا، أيغتفر؛ لكونه لمصلحة الصلاة، أم لا، أم يفرق بين الحافظ وغيره، وبين الفرض والنفل؛ لكون النفل أوسع من الفرض.\n* ذكر الحنفية أنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، يقصدون بذلك ولم يحرك لسانه؛ لكون السكوت في الصلاة لا يقطع الموالاة.\n* حكى أبو الطيب الطبري الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما.\n* إذا اعتبرنا النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أَرَ فيها خلافًا، فإذا نظر فيه فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها.\n* عمل السلف على جواز القراءة من المصحف في النفل؛ لطول القيام في النفل فيحتاج إليه بخلاف الفرض.\n* هل يقال: ما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل؟ وقد سئل أحمد عن القراءة من المصحف في الفرض، فقال: لم أسمع فيه شيئًا، أم يقال: لم يكن من عمل الناس بالفرض، والأصل في العبادات المنع، الأول أقرب، وإبطال العبادة يفتقر إلى دليل، والأصل صحتها.\n* قلب الورقة إذا فرغ من قراءتها عمل يسير جدًّا، والعمل الكثير إذا كان متفرقًا غير متصل ولمصلحة الصلاة لا يبطلها.","vol":"3","page":387},{"text":"* صح في النفل الصلاة راكبًا وقاعدًا، وإلى غير القبلة، فالحركة الكثيرة إذا احتيج إليها في النفل لا تبطلها بخلاف الفرض، فيغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض.\n* الحاجة ترفع الكراهة، والضرورة ترفع التحريم.\n[م-٦١٤] وأما القراءة من المصحف في الصلاة فقد اختلف العلماء فيها على أقوال:\nفقيل: لا تجوز، وإن قرأ من المصحف فسدت صلاته، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم وحكاه عن ابن المسيب، والحسن البصري، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السلمي (^١).\nقال ابن حزم: «ولا تجوز القراءة في مصحف، ولا في غيره لِمُصَلٍّ، إمامًا كان أو غيره، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته» (^٢).\nوقيل: تحرم على الحافظ فقط، وتجوز لغيره، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nوقيل: تجوز القراءة من المصحف على خلاف بينهم:\nفقيل: تجوز مطلقًا في فرض ونفل، وهو مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^٤).\nقال النووي: «لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء أكان يحفظه\n_________\n(^١). الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: ٩٧)، الأصل للشيباني ط القطرية (١/ ١٧٧)، المبسوط (١/ ٢٠١)، النتف في الفتاوى للسغدي (١/ ٥١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٦٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٤٠٢)، البحر الرائق (٢/ ١١).\nواختلف عن أبي حنيفة في القدر المبطل، فالمشهور أنها تبطل بالقليل والكثير، وقيل: بالآية، وقيل: بقدر الفاتحة. انظر فتح القدير (١/ ٤٠٢).\nوقال ابن مفلح في الفروع (٢/ ٢٦٨): و«عنه تبطل فرضًا، وقيل: ونفلًا وفاقًا لأبي حنيفة».\nوانظر: المبدع (١/ ٤٤٠)، الإنصاف (٢/ ١٠٩).\n(^٢). المحلى، مسألة (٤٠١).\n(^٣). المبدع (١/ ٤٤٠)، الإنصاف (٢/ ١٠٩)، الفروع (٢/ ٢٦٨).\n(^٤). فتح العزيز (٤/ ١٣٠)، المجموع (٤/ ٩٥)، حلية العلماء (٢/ ٨٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٩٤)، البيان للعمراني (٢/ ٣١١)، أسنى المطالب (١/ ١٤٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٣)، الإنصاف (٢/ ١٠٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١١)، الإقناع (١/ ١٣٢)، كشاف القناع (١/ ٣٨٤).","vol":"3","page":388},{"text":"أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظه» (^١).\nوفقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يكره مطلقًا، وصلاته صحيحة (^٢).\nوقيل: يكره في الفريضة، وهو مذهب المالكية وقول عند الحنابلة (^٣)، واختلفوا في النافلة وقيام رمضان:\nفقيل: تجوز مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة، وبه قال الزهري وإسحاق وجماعة من السلف (^٤).\n«قال الإمام أحمد: «لا بأس أن يصلي بالناس القيام، وهو ينظر في المصحف. قيل له: الفريضة؟ قال: لم أسمع فيها شيئًا، وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف، فقال: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (^٥).\nوقيل: إن ابتدأ النافلة بالقراءة من المصحف جاز، وإن ابتدأ بغير مصحف فأراد النظر فيه في أثناء النفل كره، وهو مذهب المالكية (^٦).\nوقيل: تجوز في النفل لغير حافظ، فإن كان حافظًا كرهت كالفرض، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (^٧).\n_________\n(^١). المجموع (٤/ ٩٥).\n(^٢). المبسوط (١/ ٢٠١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣٦)، البحر الرائق (٢/ ١١).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٩)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٣٧٤، ٣٧٥)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣١٦)، الإنصاف (٢/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٤٤٠).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ١٠٩)، المبدع (١/ ٤٤٠)، مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٤٩٥).\n(^٥). شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١١).\n(^٦). قال خليل في مختصره في معرض بيان ما يكره (ص: ٣٩): «ونظر بمصحف في فرض، أو أثناء نفل، لا أوله».\nوقال الخرشي (٢/ ١١): «يكره قراءة المصلي في المصحف في صلاة الفرض، ولو دخل على ذلك من أوله؛ لاشتغاله غالبًا، ويجوز ذلك في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف، لا في الأثناء فيكره».\nوانظر: المدونة (١/ ٢٨٨)، الجامع لمسائل المدونة (٣/ ١١٩٠)، التاج والإكليل (٢/ ٣٨٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٨)، منح الجليل (١/ ٣٤٥)، جامع الأمهات (ص: ١٣٣)، شرح الزرقاني في مختصر خليل (١/ ٥٠١).\n(^٧). المغني (١/ ٤١١)، الإنصاف (٢/ ١٠٩)، الفروع (٢/ ٢٦٨).","vol":"3","page":389},{"text":"* هذه مجمل الأقوال في المسألة، وخلاصتها.\nالتحريم مطلقًا.\nالتحريم على الحافظ.\nالجواز مطلقًا.\nالكراهة مطلقًا.\nالتفريق بين الفريضة فيكره، واختلفوا في النافلة على أقوال منها:\nالجواز مطلقًا، والكراهة من الحافظ. والجواز إذا ابتدأ القراءة من المصحف وإلا فلا، فهذه سبعة أقوال.\n* دليل من قال: تحرم القراءة من المصحف وتفسد بها الصلاة:\nالدليل الأول:\nاحتج ابن حزم على التحريم بأن القراءة من المصحف عمل لم يَأْتِ بإباحته في الصلاة نص، وقد قال النبي - ﷺ -: إن في الصلاة لشغلًا، رواه البخاري (^١).\n* ونوقش:\nبأن قوله - ﷺ -: (إن في الصلاة لشغلًا) المراد منه الاشتغال بأفعال خارجة عن الصلاة.\n(ح-١٦١٠) فقد رواه البخاري من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،\nعن عبد الله، قال: كنت أُسَلِّمُ على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فيرد علي، فلمَّا رجعنا سلمت عليه، فلم يرد علي، وقال: إن في الصلاة لشغلًا (^٢).\nفكان في الصلاة شغل عن رد السلام على الغير، وهو ليس من فعل الصلاة ولا من مصلحتها، بخلاف القراءة من المصحف فإنه من مصلحة الصلاة فالاشتغال به لا حرج فيه، لا سيما إذا كان محتاجًا إلى ذلك.\nوالقول بأنه لم يرد نص بالإباحة غير مسلم؛ لأن النصوص الآمرة بالقراءة\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٢١٦).\n(^٢). صحيح البخاري (١٢١٦).","vol":"3","page":390},{"text":"مطلقة، والمطلق جارٍ على إطلاقه في الأصول، لا يقيد إلا بنص، ولم يَأْتِ نص ينهى عن القراءة من المصحف، بل جاء عن عائشة ما يدل على الإباحة كما سيأتي في أدلة القائلين بالجواز.\nالدليل الثاني:\nلأبي حنيفة في فساد الصلاة من القراءة من المصحف طريقتان في الاحتجاج:\nالطريقة الأولى:\nأن حمل المصحف، ووضعه عند الركوع، ورفعه عند القيام، وتقليب أوراقه، والنظر إليه، وفهمه والتفكر فيه، أعمال كثيرة ليست من أعمال الصلاة، ولا حاجة لتحملها في الصلاة، والعمل الكثير مفسد للصلاة.\nوقياس هذه الطريقة: أن المصحف لو كان موضوعًا بين يديه، ويقرأ منه من غير حمل، وتقليب أوراق، أو يقرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن، فإن الصلاة لا تفسد؛ لعدم المفسد، وهو العمل الكثير (^١).\nوسوف يأتي الجواب عنه في أدلة القائلين بالجواز دفعًا للتكرار.\nالطريقة الثانية:\nأنه يُلَقَّنُ من غيره، فوجب أن تبطل صلاته كما لو تلقن من معلم، وصححه السرخسي في المبسوط (^٢).\nوعليه فلو كان حافظًا للقرآن، وقرأ من المصحف بلا حمل صحت صلاته؛ لانتفاء العمل والتلقين، ومجرد النظر بلا حمل غير مفسد، وجزم به الرازي وتبعه السرخسي، وجزم به في الفتح والنهاية والتبيين، قال في البحر: وهو وجيه كما لا يخفى (^٣).\nوقريب من هذا التعليل، ما ذكره بعض الحنابلة: بأنه اعتمد في فرض القراءة\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢٠١)، مجمع الأنهر (١/ ١٢٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٣٦)، البحر الرائق (٢/ ١١).\n(^٢). المبسوط (١/ ٢٠١)، البحر الرائق (٢/ ١١).\n(^٣). حاشية ابن عابدين (١/ ٦٢٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٣٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٥٨) فتح القدير (١/ ٤٠٢).","vol":"3","page":391},{"text":"على غيره، كما لو اعتمد على حبل في قيامه (^١).\n* ونوقش:\nبأن التلقين في الصلاة منه ما هو مجمع على جوازه كما لو كان المُلَقِّن من جملة المصلين، فلو ارتجت القراءة على الإمام ففتح عليه أحد المصلين صح التلقين بالإجماع.\nوالتلقين من خارج الصلاة مختلف فيه، والأصح أنه لا يفسد، كالتلقين من داخلها.\nقال النووي: «وأما التلقين في الصلاة فلا يبطلها عندنا بلا خلاف» (^٢).\nهذا على التسليم بأن النظر في المصحف بمنزلة التلقين، وبينهما فرق:\nفالتلقين من رجل خارج الصلاة بمنزلة مخاطبته إذا لم يقصد المصلي القرآن، والأصل فيه المنع، وأما النظر في المصحف والقراءة منه فلا يتصور وجود خطاب بين اثنين حتى يعطى حكم التلقين من الناس، فهو كما لو قرأ آية مكتوبة في المحراب، أو على حائط المسجد، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ث-٤٢٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن العياش العامري، عن سويد بن حنظلة البكري أنه مر على رجل يؤم قومًا في المصحف، فضربه برجله (^٣).\nورواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عياش العامري،\nعن سويد بن حنظلة أنه مر بقوم يؤمهم رجل في المصحف، فكره ذلك في رمضان، ونَحَّى المصحف (^٤).\n[صحيح].\n_________\n(^١). المبدع (١/ ٤٤٠).\n(^٢). المجموع (٤/ ٩٥).\n(^٣). المصنف (٧٢٢٤).\n(^٤). المصاحف لابن أبي داود (ص: ٤٥٣).","vol":"3","page":392},{"text":"* ويناقش:\nبأنه صح عن عائشة ﵂ جوازه، فيحمل أثر سويد بن حنظلة على الكمال، أو مع عدم قيام الحاجة، ويحمل أثر عائشة ﵂ على الجواز، وعلى تقدير التعارض فإنه لا حجة لقول الصحابي إذا عارضه غيره، فيطلب مرجح خارجي.\nالدليل الرابع:\n(ث-٤٢٩) ما رواه ابن أبي داود في المصاحف من طريق نهشل بن سعيد، يحدث، عن الضحاك،\nعن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر ﵁ أن يؤم الناس في المصحف، ونهانا أن يؤمنا إلا المحتلم (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ث-٤٣٠) روى الخطيب في تاريخه من طريق أبي بلال الأشعري، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن سفيان الثوري، عن عياش بن عمرو العامري، عن نعيم بن حنظلة البكري،\nعن عمار بن ياسر أنه كان يكره أن يؤم الرجل الناس بالليل في شهر رمضان في المصحف، قال: هو من فعل أهل الكتاب (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). المصاحف لابن أبي داود (٤٤٩).\n(^٢). في إسناده علتان:\nإحداهما: نهشل بن سعيد، متروك، وكذبه إسحاق.\nالثانية: أن الضحاك قد صرح بأنه لم يسمع من ابن عباس ﵄، انظر تهذيب الكمال (١٣/ ٢٩٣، ٢٩٤).\nوقال يحيى القطان: كان شعبة ينكر أن يكون الضحاك لقي ابن عباس قط.\n(^٣). تاريخ بغداد (٩/ ١٣٠).\n(^٤). في إسناده أبو بلال الأشعري ضعفه الدارقطني.\nوعباس بن عمرو العامري الصحيح عياش بن عمرو العامري.\nونعيم بن حنظلة البكري وثقه العجلي وابن حبان، وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٧٠): لا يعرف.\nوأظن أن هذا التخليط من أبي بلال الأشعري، فإن الأثر روي عن عياش بن عمرو العامري، عن سويد بن حنظلة من قوله، وليس عن نعيم بن حنظلة، وليس فيه عمار بن ياسر، وقد سبق تخريجه، انظر (ث-٤٢٨)، والله أعلم.","vol":"3","page":393},{"text":"* أدلة القائلين بالكراهة:\nالدليل الأول:\nاستدلوا بأدلة القائلين بالتحريم؛ إلا أنهم حملوها على الكراهة.\nالدليل الثاني:\nالقراءة من المصحف ليس فيها إلا حمل المصحف بيده، والنظر فيه، وذلك جائز كما لو حمل شيئًا آخر إلا أننا قلنا بكراهتها من أجل أن في ذلك تشبهًا بفعل أهل الكتاب.\n* ويناقش بأكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nتعليل الكراهة بالتشبه يفتقر إلى أن يأتي في شريعتنا ما يدل على أنه من فعل أهل الكتاب، ولا أعلم دليلًا مرفوعًا يذكر أن ذلك من فعلهم، وروي عن ابن عباس ولا يصح عنه.\n(ث-٤٣١) فقد روى أبو يوسف في الآثار، أنه قال: وبلغني عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الرجل يؤم القوم، وهو ينظر في المصحف إنه يكره ذلك، وقال: كفعل أهل الكتاب (^١).\n[ضعيف لانقطاعه].\nوروي صحيحًا من قول إبراهيم النخعي.\n(ث-٤٣٢) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش،\n_________\n(^١). الآثار لأبي يوسف (١٧١).","vol":"3","page":394},{"text":"عن إبراهيم أنه كره أن يؤم الرجل في المصحف كراهة أن يتشبهوا بأهل الكتاب (^١).\n[صحيح عن إبراهيم، إلا أنه موقوف عليه].\nالوجه الثاني: إذا ثبت أن ذلك الفعل من أهل الكتاب فإنه لا يكفي حتى يثبت أن ذلك الفعل مختص بهم، فيصح التعليل بالكراهة لعلة التشبه، فلم يثبت الأول حتى يثبت الثاني.\nالوجه الثالث: لو سلمنا القول بالكراهة فإن الكراهة ترفعها الحاجة.\nالوجه الرابع: التابعون مختلفون في القراءة من المصحف حال الصلاة، وأكثرهم على الجواز، فيكون قول الإمام إبراهيم النخعي قول فقيه معارضًا بمثله.\nفهذا الزهري والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء بن أبي رباح، والحكم، وعائشة بنت طلحة وغيرهم لا يرون بأسًا من القراءة بالمصحف في الصلاة (^٢).\n* دليل من قال بالجواز مطلقًا:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿اقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠].\n_________\n(^١). المصنف (٧٢٢٦).\n(^٢). أما أثر الزهري فسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في أدلة القائلين بالجواز، وأما الآثار عن غيره، فإليك تخريجها:\nفقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٢١٥)، قال: حدثنا الثقفي، عن أيوب، قال: كان محمد لا يرى بأسًا أن يؤم الرجل القوم في المصحف. وسنده صحيح.\n\nوروى ابن أبي شيبة أيضًا (٧٢١٩)، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحكم في الرجل يؤم في رمضان يقرأ في المصحف، رخص فيه. وسنده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة (٧٢٢٠) حدثنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن الحسن ومحمد، قالا: لا بأس به. وسنده صحيح.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٢٢١) حدثنا أبو داود، عن رباح بن أبي معروف، عن عطاء، قال: لا بأس به. ورباح ضعفه ابن معين والنسائي، وقال أبو حاتم وأبو زرعة وأحمد: صالح. وحدث عنه أحمد.\nوقال ابن عدي: ما أرى بروايته بأسًا، ولم أجد له حديثًا منكرًا.\nوفي التقريب: صدوق له أوهام.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٧٢١٨) حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عائشة ابنة طلحة أنها كانت تأمر غلامًا أو إنسانًا يقرأ في المصحف يؤمها في رمضان. وسنده صحيح.","vol":"3","page":395},{"text":"وقال - ﷺ -: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، اتفق عليه البخاري ومسلم (^١).\nوالنصوص الشرعية مطلقة، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، فلم تفرق النصوص بين أن يقرأ ذلك عن حفظ أو نظر في المصحف، ومن قيد القراءة بأن تكون حفظًا فعليه الدليل، فالنصوص المطلقة جارية على إطلاقها لا يقيدها إلا نصوص مثلها، والأصل صحة الصلاة.\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٣٣) روى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبي بكر بن أبي مليكة،\nأن عائشة أعتقت غلامًا لها عن دبر، فكان يؤمها في رمضان في المصحف (^٢).\n[صحيح من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، ومن رواية عروة عنها، ورواه البخاري معلقًا عن عائشة مجزومًا به] (^٣).\n* ونوقش هذا:\nبأن أثر عائشة في النفل، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٥٦)، وصحيح مسلم (٣٤ - ٣٩٤).\n(^٢). المصنف (٧٢١٧).\n(^٣). ورواه أبو بكر بن أبي داود (٤٥٧) من طريق وكيع به.\nورواه ابن وهب في الجامع (٣٠٥)، وفي موطئه (٣٠٣)، وأبو بكر بن أبي داود في المصاحف (٤٥٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥٩)، وفي الخلافيات (٢١٦٨)، من طريق أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي - ﷺ - كان يؤمها غلامها ذكوان من المصحف.\nورواه البخاري تعليقًا مجزومًا به (١/ ١٤٠)، قال في صحيحه: وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف.\nجاء في فتح الباري لابن رجب (٦/ ١٦٩): «رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، وذكر أحمد أنه أصح من حديث ابن أبي مليكة؛ لأن هشام بن عروة لم يسمعه من ابن أبي مليكة، إنما بلغه عنه».\n\nقلت: رواه هشام بن عروة عن أبيه أيضًا في موطأ مالك، فقد رواه مالك في الموطأ (١/ ١١٦) عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن ذكوان أبا عمرو، وكان عبدًا لعائشة زوج النبي - ﷺ -، فأعتقته عن دبر منها، كان يقوم يقرأ لها في رمضان. اهـ ولم يذكر المصحف.","vol":"3","page":396},{"text":"الفرض، ولهذا صح النفل راكبًا، ومتجهًا لغير القبلة، وجالسًا مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة، والحاجة إلى فعله في النافلة أكثر؛ لطول القيام وكثرة القراءة، بخلاف الفريضة، فإنه مأمور بتخفيفها إذا صلى بالناس.\n* ورد هذا النقاش:\nبأن النفل والفرض عبادتان من جنس واحد، فما صح في؟ إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل يدل على افتراقهما، وما ذكر من صحة النفل راكبًا وقاعدًا من غير عذر كل ذلك ثبت بالنص الخاص الصريح على افتراق الفريضة عن النافلة، فأين النص الخاص الصريح على اختصاص القراءة من المصحف بالنافلة حتى يقال بمقتضاه، فلا اختصاص لأحدهما بصفة إلا بنص، وما لم يرد فيه نص فالأصل أن صفتهما واحدة، فيما يجب، ويستحب، ويكره، ويباح.\nفإن قيل: لم يكن من عمل الناس في الفريضة، والأصل في العبادات المنع.\nفالجواب: هذا صحيح لو أنه لم يثبت فعله في النافلة من قبل بعض الصحابة، أما وقد صح ذلك في النافلة فإبطال العبادة أو كراهتها يفتقر إلى دليل، والأصل صحة العبادة.\nالدليل الثالث:\n(ث-٤٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عيسى بن طهمان، قال:\nحدثني ثابت البناني، قال: كان أنس يصلي، وغلامه يمسك المصحف خلفه، فإذا تعايا في آية فتح عليه (^١).\n[حسن] (^٢).\nلو كان حمل المصحف في الصلاة مفسد للصلاة لما جاز حمله لمصلحة مظنونة، فقد يحتاج الإمام إلى الفتح وقد لا يحتاج، وكان يمكن للإمام إذا ارتجت عليه الآية أن يدعها وينتقل لغيرها، وإذا ارتجت عليه السورة انتقل إلى سورة أخرى، فإذا جاز حمل\n_________\n(^١). المصنف (٧٢٢٣).\n(^٢). عيسى بن طهمان حسن الحديث، قال النسائي وابن معين وأبو حاتم: لا بأس به، وخالفهم ابن حبان، فقال بضعفه.","vol":"3","page":397},{"text":"المصحف للفتح على الإمام جاز حمل المصحف للقراءة من باب أولى.\nالدليل الرابع:\nوقال أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: ٢٩٤)، في قيام الليل (كما في المختصر): «سئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام كان خيارنا يقرؤون في المصاحف» (^١).\n[تفرد به ابن أخي الزهري عن عمه ولعله يحتمل في نقل مثل هذا الأثر] (^٢).\nالدليل الخامس:\nالنهي عن القراءة من المصحف في الصلاة راجع إلى أحد أمرين:\nإما لحمل المصحف وقلب الصفحة إذا فرغ من قراءتها، ووضعه إذا ركع، وأخذه إذا رفع.\nوإما إلى النظر في المصحف والقراءة منه:\nفأما الأول فقد دَلَّ الدليل على أن جنسه لا يفسد الصلاة:\n(ح-١٦١١) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،\nعن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ -، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (^٣).\nفإذا لم يؤثر الحمل والوضع والرفع فيما ليس من مصلحة الصلاة، كان حمل المصحف ووضعه ورفعه لا يؤثر من باب أولى؛ لكونه لمصلحة الصلاة، وأداء سنة\n_________\n(^١). مختصر قيام الليل (ص: ٢٣٣).\n(^٢). رواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (٤٦٠) من طريق أبي الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب، عن عمه: عن رجل يصلي لنفسه، أو يؤم قومًا، هل يقرأ في المصحف؟ ... وذكر الأثر دون قوله: كان خيارنا يقرؤون في المصاحف.\n(^٣). صحيح البخاري (٥١٦)، وصحيح مسلم (٤١ - ٥٤٣).","vol":"3","page":398},{"text":"القراءة، فلم يبق إلا قلب الورقة من المصحف إذا فرغ من قراءتها، وهو عمل يسير جدًّا، لا يمكن أن يعود على الصلاة بالبطلان.\nولو سلمنا أنه من العمل الكثير فإنه ليس من الكثير المتصل، فإذا تفرق العمل الكثير لم يؤثر، ومع التسليم بأنه لا فرق بين الكثير المتصل والمتفرق، فإن الكثير إذا كان في مصلحة الصلاة ويؤدى به فرضها لا يبطلها، وسوف تكون الحركة في الصلاة موضع بحث إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.\nوأما النظر في المصحف والقراءة منه فليس من مبطلات الصلاة؛ لأن المنع إن كان من أجل النظر في المصحف فإن نظره إلى المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، الأصل فيه الإباحة، والمحرم منه رفع بصره إلى السماء كما في الحديث الصحيح: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم)، وهذا ليس منه، ولأنه لو نظر إلى مكتوب، وفهمه بقلبه لم تفسد صلاته بالإجماع، فكذلك نظره إلى المصحف.\nوإذا كان النظر والفكر لا يبطل الصلاة بالاتفاق في غير المصحف، ففيه أولى، فقد حكى أبو الطيب الطبري وغيره من الشافعية الإجماع على أنه لو تفكر طويلًا، أو نظر طويلًا لم تبطل صلاته، فكذلك إذا جمع بينهما.\nوإن كان المنع من أجل القراءة من المصحف، لا من أجل النظر إليه، فإن قراءة القرآن هي من عمل الصلاة، فكيف تكون سببًا في المنع، والله أعلم.\nالدليل السادس:\nأكثر أهل العلم على أن النظر في المصحف عبادة، قال النووي: لم أر فيه خلافًا، فإذا نظر فيه، فقرأ بلسانه ما يشرع له قراءته لم تبطل صلاته؛ لأن انضمام العبادة إلى عبادة أخرى لا يفسدها.\n* دليل من فرق بين الفرض والنفل:\nأثر عائشة وأثر أنس ﵄ في القراءة من المصحف ثابت في صلاة النفل، ولم يَأْتِ دليل على إباحته في الفريضة، والأصل في العبادات المنع، ولا يصح قياس","vol":"3","page":399},{"text":"الفريضة على النافلة؛ لأنه من قياس الأعلى على الأدنى، والنفل أوسع من الفرض، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض.\nولأن النفل خاصة قيام الليل يحتاج فيه المصلي إلى تطويل القراءة، فيحتاج القراءة من المصحف بخلاف الفريضة، ولأن القراءة من المصحف فيها فضيلة قراءة كامل القرآن، فيستفيد المسلم من تدبر كامل الكتاب، والإفادة من مواعظه بخلاف القراءة من الحفظ، فأكثر المسلمين لا يحفظون القرآن.\nوسبق الجواب على هذا الدليل بما يكفي في أدلة القائلين بالجواز.\n* التفريق بين الحافظ وغيره:\nأن الحافظ ليس محتاجًا لحمل المصحف والقراءة منه، فيحرم أو يكره له -بحسب الخلاف- حمل المصحف والنظر إليه، بخلاف غير الحافظ فإنه محتاج للنظر إلى المصحف.\n* دليل من قال يكره في الفرض وفي أثناء النفل دون أوله:\nأما كراهته في الفرض فسبق ذكر الأدلة والجواب عليه.\nوأما التفريق بين جواز النظر في المصحف من ابتداء النفل لا في أثنائه:\nفذلك أن الذي ينظر في المصحف في أثناء النفل إذا شك في قراءته فسيحمله ذلك على تقليب صفحات المصحف إلى أن يصل إلى موضع قراءته، فكان ذلك شغلًا في صلاته، والذي يصلي في المصحف من ابتداء النفل سوف يفتحه قبل أن يدخل في الصلاة، ويجعل أمامه الموضع الذي يريد قراءته في صلاته، فينظر من غير أن يشتغل بشيء إلا بتحويل الورقة التي أكمل قراءتها، وذلك يسير (^١).\n* الراجح:\nأن النظر في المصحف لا بأس به مطلقًا في الفرض والنفل، وكون الحاجة إليه في النفل أكثر منه الفرض فذلك لا يعني كراهته في الفرض، فالكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، وهي تقوم على أمرين:\nإما النهي غير الجازم، ولم يحفظ ذلك في النصوص الشرعية.\n_________\n(^١). انظر البيان والتحصيل (١/ ٤٦٣).","vol":"3","page":400},{"text":"وإما أن يترتب على الفعل ترك سنن مؤكدة بلا مصلحة تعود للعبادة، وهو ما يعبر به عند الأصوليين بخلاف الأولى، وهو أدنى درجات الكراهة، كما في قوله - ﷺ -: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) حين تيمم لرد السلام، فذكر الله لا يكره أبدًا؛ ولكنه في الطهر أكمل، فعبر عنه الفقهاء بخلاف الأكمل والأولى، وهذا أيضًا لا يتحقق في حمل المصحف في الفريضة، وإذا ترك وضع اليدين بعضهما على بعض في الصلاة بسبب حمل المصحف فقد تركهما إلى ما هو أولى منهما في العبادة، من كثرة القراءة وطول القيام، والمصاحف اليوم خفيفة الحمل، تحمل في الجيب، وبقدر الكف، فلو أن رجلًا نظر في المصحف في صلاة الصبح لم أكره له هذا الفعل إن احتاج إلى ذلك، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>الباب السابع في أحكام الركوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الفصل الأول في حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.\n* ذكر الرسول - ﷺ - للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.\n* القول بأن الرسول - ﷺ - ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.\n* القول بأن النبي - ﷺ - لم يعلم المسيء التكبير؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجب بعيد جدًّا، يحتاج للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، والأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.\n* التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.\n* فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.","vol":"3","page":402},{"text":"* ثبوت التكبير من فعله ﵊ يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة موجودين، ولم ينكر الترك.\n* كيف يظن بصحابة رسول الله - ﷺ - أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار.\n* القول بأن الحجة فيما فعله النبي - ﷺ - هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.\n[م-٦١٥] إذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير، وعامة العلماء على مشروعيته للانتقال إلى الركوع، واختلفوا في حكمه:\nفقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\n_________\n(^١). ذكر الحنفية سنن الصلاة فذكروا منها التكبير للركوع، انظر: تبيين الحقائق (١١٠٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٧٦)، البحر الرائق (١/ ٣٢٠)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠)، المبسوط (١/ ١٩)، فتح القدير (١/ ٢٩٧).\nوقال خليل في مختصره (ص: ٣٢): «وسننها سورة بعد الفاتحة .... وكل تكبيرة إلا الإحرام». واختلف المالكية فقال ابن القاسم: كل تكبيرة سنة مستقلة.\nوقال أشهب والأبهري: جميع تكبيرات الانتقال سنة واحدة.\nوقال اللخمي: هو فضيلة.\n\nوينبني على الأول حسب فروع المذهب: السجود لترك تكبيرتين سهوًا وبطلان الصلاة بترك السجود للسهو عن ثلاث تكبيرات دون الثاني، أما إذا ترك تكبيرة واحدة سهوًا فلا يسجد على كلا القولين.\nواعتبر البرزلي والحطاب الأول هو المشهور، ورجحه الخرشي. مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، لوامع الدرر (٢/ ١٠٠) الخرشي (١/ ٢٧٥)، وقال علي الأجهوري: كما في كفاية الطالب: والظاهر أنه المشهور؛ لأنهم رتبوا السجود في السهو على ترك اثنتين منه.\nوفي شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٦١): «لم أر من الأشياخ ما شهر الأول ولا رجحه، بل الأكثر أن جميعه سنة واحدة». وانظر الشرح الكبير (١/ ٢٤٣)، منح الجليل (١/ ٢٥٢، ٢٥٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٣)،، جواهر الدرر (٢/ ٧٨)، تحبير المختصر (١/ ٢٩٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم للإمام الشافعي (١/ ١٣٢)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٠٨)، المهذب (١/ ١٤٢)، فتح العزيز (٣/ ٣٨٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٧٤).\nوقال النووي في المجموع (٣/ ٣٩٦): «ويسن أن يكبر للركوع بلا خلاف عندنا».\nوانظر في مذهب الحنابلة: شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣)، الإنصاف (٢/ ١١٥)، المحرر (١/ ١١٦، ١١٧).","vol":"3","page":403},{"text":"قال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (^١).\nوقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة ...» (^٢).\nوقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال ابن المنذر: وبهذا قال أبو بكر الصديق، وعمر، وابن مسعود، وابن عمر وابن جابر ... وعوام أهل العلم» (^٣).\nفهذا لو صح عنهم صريحًا لم نرغب عن غيره، فليت شعري مَنْ الناسُ بعدَهُمُ؟ لكن المنقول عن الترمذي وابن المنذر والطحاوي وابن بطال وغيرهم أنهم كانوا يكبرون للركوع كما كان الرسول - ﷺ - يكبر، والفعل يدل على المشروعية، ولا مرية فيه، لكنه لا يستفاد بمجرده وجوب التكبير، ولا نفيه (^٤).\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤١٨)، وانظر: التمهيد (٩/ ١٨٤).\n(^٢). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ١٤٣).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٩٧)،\n(^٤). قال الترمذي بعد روايته لحديث ابن مسعود (٢/ ٣٤): «كان رسول الله - ﷺ - يكبر في كل خفض ورفع .... الحديث، قال: .... حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أصحاب النبي - ﷺ - منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٌّ، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وعليه عامة الفقهاء والعلماء». اهـ\n\nوقال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٤): «ثبتت الأخبار عن النبي - ﷺ - أنه كان يتمُّ التكبير، وثبت ذلك عن الخلفاء الراشدين المهديين، وهو قول عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر ... وفي الأخبار الثابتة التي رويناها عن رسول الله - ﷺ - حجة وكفاية. وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم نقصوا التكبير، ولا حجة في أحد مع رسول الله - ﷺ -، ولعل من ذكرنا عنهم أنهم نقصوا التكبير، إما أن يكونوا أَغْفَلُوا، أو كَبَّرُوا، فلم يُؤَدَّ عنهم، =","vol":"3","page":404},{"text":"وقال في بدائع الصنائع: «أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء» (^١).\nوقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^٣).\nقال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (^٤).\nوقيل: ركن إلا في حق المأموم فواجب، ذكره الزركشي من الحنابلة (^٥).\n_________\n= أو يكونوا دفعوا ذلك، فغير جائز دفع ما قد ثبتت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - وعمن ذكرنا ذلك عنه من أصحابه بقول أحد. فممن روي عنه أنه قال: لا يتم التكبير القاسم، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير».\nفأنت ترى ابن المنذر لم ينقل عدم إتمام التكبير إلا عن بعض التابعين، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة.\nوقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٢): «الآثار المروية عن رسول الله - ﷺ - في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها من بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا، لا ينكر ذلك منكِرٌ، ولا يدفعه دافع».\nوقال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٤٠٣): ممن كان يتم التكبير، ولا ينقصه في الصلاة في كل خفض ورفع: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وأبو هريرة، وابن الزبير، ومن التابعين: مكحول، والنخعي، وهو قول مالك، والأوزاعي، والكوفيين، والشافعي، وأبي ثور، وعوام العلماء ....».\n\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧).\n(^٢). قال في الإنصاف (٢/ ١١٥): «وواجباتها تسعة: التكبيرة غير تكبيرة الإحرام ...»، وانظر: الفروع (٢/ ٢٤٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣)، المحرر (١/ ١١٦، ١١٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي (١/ ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠).\n(^٣). شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣).\n(^٤). المحلى (٢/ ٢٨٦).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ١١٥)، الفروع (٢/ ٢٤٩).","vol":"3","page":405},{"text":"وقيل: ليس بسنة إلا في الجماعة، اختاره طائفة من العلماء (^١).\nقال ابن عبد البر: «قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة، وأما من صلى وحده، فلا بأس عليه ألا يكبر» (^٢).\nهذا ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى أربعة أقوال:\nقيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن إلا في حق المأموم، وقيل: ليس بسنة إلا في حق الجماعة.\n* دليل من قال: تكبيرات الانتقال سنة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦١٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٣).\nوجه الاستدلال:\nكون النبي - ﷺ - يأمره بتكبيرة الإحرام، ثم يأتي على الركوع والسجود والرفع منه فيذكره، ولا يذكر التكبير دليل على أن تكبيرات الانتقال ليست واجبة، فلو كانت واجبة لعلمه إياها؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nقال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة\n_________\n(^١). شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣)، وانظر: المغني (١/ ٣٥٧).\n(^٢). التمهيد لابن عبد البر (٧/ ٨٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"3","page":406},{"text":"الحصر أنه ﵇ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة» (^١).\n* ونوقش هذا الاستدلال:\nالجواب الأول:\nأن سكوت هذا الحديث عن إيجاب التكبير لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وكل هذه الأشياء لا تمنع من وجوبها في أدلة أخرى.\nهذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن التكبير لم يقم دليله، بخلاف التسليم، وقراءة الفاتحة، والتشهد على افتراض أن لفظة: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) محفوظة، وليست شاذة، وقد رواها النسائي والبيهقي، والحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، وسيأتي تخريجها في مظانها إن شاء الله تعالى.\nيقول ابن عبد البر: «إن التسليم قد قام دليله، وثبت النص فيه بقوله: (تحليلها التسليم)، وبأنه كان يسلم من صلاته طول حياته، فثبت التسليم قولًا وعملًا، وأما التكبير فيما عدا الإحرام فقد كان تركه الصدر الأول .... ولم يعب بعضهم تركه، بل جعلوه من باب الكمال والتمام، ولذلك قلنا: إن التكبير فيما عدا الإحرام سنة» (^٢).\nوكذلك قراءة الفاتحة قام دليلها بحديث عبادة المتفق عليه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)\nفإن قيل: إذا كان التكبير واجبًا فلماذا لم يذكر في حديث أبي هريرة؟\n* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nيحتمل أن التكبير لم يكن واجبًا أول الأمر، ثم وجب بعد ذلك.\n* ويناقش:\nالقول بأن الركوع والسجود تقدم وجوبه على وجوب التكبير بعيد جدًّا، يحتاج\n_________\n(^١). إحكام الأحكام ١/ ٢٥٧).\n(^٢). التمهيد (٧/ ٨٧).","vol":"3","page":407},{"text":"للقول به دليل بَيِّن من الوقوف على تاريخ التشريع، لأن التكبير إن شرع استحبابًا مع الركوع والسجود، ثم نسخ الاستحباب إلى الوجوب فهذا لو وقع لنقل وحفظ، والأصل أن حكمه قد استقر مع التشريع الأول، والانتقال عنه يحتاج إلى دليل صريح لا نزاع فيه، كما نقل نسخ التطبيق.\nوإن كان تشريع التكبير قد تأخر عن تشريع الركوع والسجود، بحيث إنهم كانوا يركعون ويسجدون ويرفعون من دون تكبير، ثم شرع التكبير بعد ذلك، فهذه دعوى لا دليل عليها، وهي أشد غرابة من الافتراض الأول؛ فلو تأخر تشريعه لنقل وحفظ.\nالجواب الثاني:\nربما كان الرسول - ﷺ - قد اقتصر على تعليمه ما أساء فيه فقط.\n* ويناقش:\nبأن هذا الافتراض بعيد جدًّا؛ لأنه قد ذَكَرَ له تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له تكبيرة الركوع والسجود، فكيف يتصور أنه قد أساء في تكبيرة الإحرام، وما أساء في تكبيرة الركوع والسجود، فإن من أحسن التكبير للركوع والسجود حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.\nالجواب الثالث:\nأن التكبير وإن لم يحفظ من حديث أبي هريرة، فقد حفظ من حديث رفاعة، فقد جاء فيه تكبيرات الانتقال، وهي قصة واحدة، وسوف نأتي على ذكره في أدلة القائلين بالوجوب إن شاء الله تعالى، ونجيب عنه، فانظره مشكورًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦١٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا الحسن بن عمران -رجل كان بواسط- قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث،\nعن أبيه، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - فكان لا يتم التكبير، يعني: إذا خفض، وإذا رفع (^١).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٣/ ٤٠٦).","vol":"3","page":408},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١). فيه علتان، إحداهما تفرد الحسن بن عمران به، وهو مجهول.\nقال فيه محمد بن جرير الطبري: الحسن بن عمران مجهول، لا يجوز الاحتجاج به. وانظر: التراجم الساقطة من كتاب إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ص: ١١١).\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٦٩): «قد نقل البخاري في التاريخ عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل، وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران، وهو مجهول».\nوقال عبد الحق في الأحكام (١/ ٣٩٨): شيخ ليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: لين الحديث.\nالثانية: الاختلاف في إسناده، فقد رواه شعبة، عن الحسن بن عمران واختلف فيه على شعبة:\nفقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى (هكذا مبهمًا)، عن أبيه.\nوقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.\nوقيل: عنه، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.\nهذا مجمل الاختلاف فيه على شعبة، وإليك تفصيله:\nفقد أخرجه يونس بن حبيب كما في مسند أبي داود الطيالسي (١٣٨٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٨٩).\nومحمد بن المثنى كما في سنن أبي داود (٨٣٧)، والجزء الرابع من الإغراب للنسائي (٤٢)، كلاهما روياه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به.\n\nورواه محمد بن بشار، واختلف عليه فيه:\nفرواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٣٠٠، ٣٠١)، وأبو داود في سننه (٨٣٧)، عن محمد ابن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، كرواية يونس بن حبيب، ومحمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي.\nوخالفهما: محمد بن عبد السلام كما في التمهيد لابن عبد البر (٧/ ٨٤)، فرواه عن محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، قال: سمعت سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث عن أبيه؛ أنه صلى خلف النبي - ﷺ - فلم يكن يتم التكبير، كان لا يكبر إذا خفض.\nومحمد بن عبد السلام الخشني القرطبي ثقة، ويمكن توهيمه وتقديم رواية البخاري وأبي داود لولا أنه قد رواه غيره، فقال: عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٩٧)، وعنه: ابن أبي غرزة في مسند عابس الغفاري (٤٣).\nومحمود بن غيلان كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٣٠٠)، والجزء الرابع من الإغراب للنسائي (٤٢)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٣/ ٣٣٨).\nوأبو هشام الرفاعي (محمد بن يزيد بن محمد العجلي) كما في معجم الصحابة للبغوي =","vol":"3","page":409},{"text":"* ونوقش:\nبأن الحديث ضعيف، فلا يقوى على معارضة أحاديث أن النبي - ﷺ - كان يكبر إذا ركع، ويكبر إذا سجد، وهي أحاديث في غاية الصحة، أو أنه محمول على أنه لم يسمع التكبير.\n_________\n= (١٩٢٩)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١٣/ ٣٣٦)، ثلاثتهم رووه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به.\nفكان الطيالسي تارة يبهم ابن عبد الرحمن بن أبزى، وتارة يسميه سعيدًا.\nورواه سليمان بن حرب كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ١٤٩)، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به، بلفظ: (صليت خلف رسول الله - ﷺ - فكان لا يتم الركوع).\nأراد لا يتم التكبير، فأخطأ، وأظن الحمل فيه على ابن قانع، قال الدارقطني: لا يدخل في الصحيح، وقال فيه أيضًا: كان يحفظ ويعلم، ولكنه كان يخطئ ويصر على الخطأ.\nوقال فيه أيضًا: يعتمد حفظه، ويخطئ خطأ كثيرًا، ولا يرجع عنه.\nقال أبو بكر الخطيب: لا أدري لماذا ضعفه البرقاني فقد كان ابن قانع من أهل العلم والدراية ورأيت عامة مشايخنا يوثقونه، ولكنه تغير في آخر عمره.\nوتكلم فيه الحافظ ابن حجر في أكثر من موضع من كتبه، وكان مما قال فيه: معروف بسوء الحفظ.\nوخالف الطيالسي وسليمان بن حرب كل من:\nيحيى بن حماد كما في معجم ابن الأعرابي (٣٥٤)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٢٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠).\nوروح بن عبادة كما في مسند أحمد (٣/ ٤٠٦)،\nوأبو عاصم النبيل، كما في التاريخ الكبير للبخاري (٢/ ٣٠٠)،\nوعمرو بن مرزوق كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠)، أربعتهم رووه عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه.\nهذا بيان الاختلاف على شعبة، فتارة يبهمه، وتارة يسميه عبد الرحمن، وتارة يسميه عبد الله، وعبد الرحمن وعبد الله أخوان، وسئل عنهما أحمد، فقال: «كلاهما عندي حسن الحديث». لكن علته الحسن بن عمران، وقد قال أحمد: هو حديث منكر، ما أراه محفوظًا.\nوقال النسائي: منكر الحديث.\nوقال البخاري: لا يصح.\nوقال الطيالسي فيما نقله البخاري: وهذا عندنا لا يصح.\nونقل المزي عن الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. والله أعلم.","vol":"3","page":410},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق حماد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله، قال:\nصليت خلف علي بن أبي طالب ﵁ أنا وعمران بن حصين، «فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد - ﷺ - أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد - ﷺ - (^١).\nورواه البخاري من طريق أبي العلاء، عن مطرف، عن عمران بن حصين، قال:\nصلى مع علي ﵁ بالبصرة فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما وضع (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦١٥) ما رواه البخاري من طريق همام، عن قتادة،\nعن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة، فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك؛ سنة أبي القاسم - ﷺ - (^٣).\nوجه الاستدلال من الأثرين:\nهذه الآثار تدل على أن التكبير في كل خفض ورفع لم يكن في منزلة الواجبات عندهم، ولولا ذلك ما قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -، ولا أنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، ولا نسبه إلى الحمق، وكيف يقبل صحابة رسول الله - ﷺ - تضييع هذا الواجب، حتى أصبح فعله بينهم مستغربًا، وكيف يظن بصحابة رسول الله - ﷺ - أنهم يرون التكبير واجبًا ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار، وحتى يقع استغرابه من عالم فقيه مثل عكرمة، ولو كان الترك من قبل الأمراء خاصة لوجد التخريج لهم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٦)، وصحيح مسلم (٣٣ - ٣٩٣).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٤).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٨٨).","vol":"3","page":411},{"text":"كل هذا يدل أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة، وقد فعله جماعة من السلف، وتركه جماعة، ولم يقل أحد ممن فعله للذي لم يفعله: إن صلاتك لا تتم إلا به، فكان هذا شأن السنن (^١).\n* وأجيب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن هذا مما أحدثه الناس بعد النبي - ﷺ -، حتى كان الأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، ولا حجة فيه، بل الحجة فيما فعله النبي - ﷺ -.\nقال ابن المنذر: «ولا حجة في أحد مع رسول الله - ﷺ - ... فغير جائز دفع ما ثبتت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بقول أحد».\n* ورد هذا الجواب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذا الكلام متوجه لو كان الناس يذهبون إلى القول بعدم مشروعية التكبير، أو كان هناك سنة مرفوعة صريحة في وجوب التكبير، ثم يدع الناس التكبير، فيقال: لا حجة في قول أحد، ولا في فعله إذا قضى الله ورسوله - ﷺ - أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره.\nفثبوت التكبير من فعله ﵊ يثبت مشروعيته، ولا جدال في ذلك، لكنه لا يستفاد من الفعل الوجوب، وكيف يستفاد مع ترك كثير من العامة التكبير في عصر كان الصحابة فيه متواجدين، ولم يُنْكَر الترك، والقول بأن الحجة فيما فعله النبي - ﷺ - هذا الكلام ظاهره التمسك بالسنة، وباطنه تقديم فهمنا على فهم الصحابة وعلى فهم السلف، فالتمسوا في فهم دينكم ما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، والقول بأن التكبير سنة هو مذهب أبي حنفية، ومالك والشافعي، ورواية عن أحمد، وكما قال ابن عبد البر: عليه جماهير الأمصار.\nالوجه الثاني:\nالقول بأن هذا مما أحدثه الأمراء لا يسلم، بل إن الترك كان من عامة الناس، مصحوبًا بإقرار الصحابة رضوان الله عليهم، وكانوا يصلون خلفهم، وهل في الناس من هو أنصح\n_________\n(^١). انظر بتصرف شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٠٣).","vol":"3","page":412},{"text":"من صحابة رسول الله - ﷺ -، ثم لا تجد نصًّا ينكر على من ترك التكبير. حتى خفي ذلك على عكرمة، وجعله يصف من يكبر بالأحمق، هذا لا نظنه من أنفسنا وإخواننا، فكيف نظنه بالصحابة رضوان الله عليهم.\nالجواب الثاني:\nأن الترك المنسوب في الصدر الأول إنما هو على ترك الجهر، لا على ترك التكبير، أو على نقصه إذا انحط إلى السجود، وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية؛ لأن الخفض يشاهد بالأبصار، فظنوا أن الإمام لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يرى ركوعه ويرى سجوده بخلاف الرفع من الركوع والسجود، فيحتاج للتكبير للإعلام به، لإمكان الاقتداء (^١).\n* ورد هذا:\nإذا لم يسمع التكبير من الإمام، فدعوى أنه يكبر سِرًّا خلاف الظاهر، ولهذا الصحابة رضوان الله عليهم استدلوا على قراءة النبي - ﷺ - في السرية على اضطراب لحيته، ولم يعتمدوا على قياس قراءته في السرية على قراءته في الجهرية؛ باعتبار الجميع عبادة من جنس واحد، فأين الدليل على أنه كان يكبر سرًّا.\nبل إن ما رواه البخاري عن عكرمة، حين قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت: لابن عباس: إنه أحمق ... فقوله: (فكبر ثنتين وعشرين) ظاهره يدل على أن الإنكار للتكبير، وليس متوجهًا للجهر به فقط، فحمل الإنكار على الجهر خلاف الظاهر.\nوإذا انتقص التكبير في حال الركوع وفي حال السجود، كان هذا دليلًا على عدم الوجوب، فإن الجهر في حال الركوع وفي حال السجود لم يكن من أجل وجوب التكبير، وإنما من أجل الاقتداء، فهو بمنزلة من يبلغ عن الإمام في حال ضعفه، فلا يجب التبليغ لذاته، ويؤخذ منه أنه لا يجب التكبير على المأموم، ولا على المنفرد لعدم الحاجة إلى الاقتداء به.\n_________\n(^١). انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٥٨٦، ٥٨٧، ٥٨٨).","vol":"3","page":413},{"text":"الدليل الخامس من الآثار:\n(ث-٤٣٥) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر،\nعن يزيد الفقير، قال: كان ابن عمر، ينقص التكبير في الصلاة.\nقال مسعر: إذا انحط بعد الركوع لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفهذا ابن عمر مع ما عرف منه من شدة احتياطه وتحريه ينقص من التكبير، فلو كان يرى أن التكبير حتم ما كان لينقص منه، وفيه جواب على من رأى أن انتقاص التكبير كان من إحداث الأمراء.\nوقوله: (لم يكبر) صريح في نفي التكبير، فحمله على نفي الجهر خلاف الظاهر، وقد سبق الجواب على ذلك.\n* دليل من قال: تكبيرات الانتقال واجبة أو ركن:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦١٦) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال:\nصليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً ... فذكر قصة، وفيه: ... قال أبو موسى: إن رسول الله - ﷺ - خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال - ﷺ -: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - ﷺ -: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله ﵎، قال على لسان نبيه - ﷺ -: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم .... الحديث (^٣).\n_________\n(^١). المصنف (١٣٨٠).\n(^٢). رجاله ثقات، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٦).\n(^٣). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).","vol":"3","page":414},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -، قال: (إذا كبروركع فكبروا ... وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا)، فأمر بالتكبير، والأصل بالأمر الوجوب.\n* ونوقش هذا الحديث:\nبأن حديث أبي موسى أخص من الدعوى لأنه أمر للمؤتم فقط، فلا يستفاد منه وجوب التكبير على المنفرد، ولا على الإمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المأموم لم يؤمر به ابتداء، وإنما سيق لبيان أن أفعاله تقع بعد فعل إمامه، لا قبله، ولا معه، ولهذا قال في الحديث: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)، فكان الأمر بالتكبير غير مراد منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا ...) (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦١٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،\nعن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي - ﷺ -: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٨٨)، وصحيح مسلم (٨٢ - ٤١٢).\n(^٢). سنن أبي داود (٨٥٧).","vol":"3","page":415},{"text":"[ذكر تكبيرات الانتقال في حديث رفاعة ليس بمحفوظ] (^١).\n_________\n(^١). حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع.\nفأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) وليس فيه ذكر تكبيرات الانتقال.\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد ابن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،\n\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منه حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\nإذا تبين لك هذا أُخَيَّ، فاعلم أن طريق إسحاق بن عبد الله قد انفرد بزيادات لم تأت في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.\nفمما تفرد به إسحاق في روايته: ...\n(١) لفظ (لا تتم صلاة أحدكم ...) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ...) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (... إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... وفي رواية: فأسبغ الوضوء).\n(٢) ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وقد سبق بحث حكم الاستفتاح، ولم يقل أحد بوجوبه، وإنما الخلاف وقع في استحبابه.\n(٣) تكبيرات الانتقال لم تذكر في سائر طرق حديث رفاعة إلا من طريق إسحاق، كما أنها لم تذكر في حديث أبي هريرة.\n(٤) قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.\n(٥) تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٦) تمكين الوجه والجبهة في السجود.\n(٧) ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر). =","vol":"3","page":416},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦١٨) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.\nورواه مسلم من طريق عقيل به (^١).\nفإن قيل: أفعال الرسول - ﷺ - لا تدل على الوجوب.\n_________\n= وكل ما زاده على حديث أبي هريرة مما انفرد به عن باقي الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، فهو حديثه، والله أعلم. وقد خرجت الحديث بكل ألفاظه، ولله الحمد في المجلد السابع، في الشرط الثالث من شروط تكبيرة الإحرام.\n(^١). ورواه مسلم (٢٨ - ٣٩٢) من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وحده.\nورواه البخاري (٨٠٣) من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع .... ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - ﷺ - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا.\nورواه مسلم كذلك (٣٠ - ٣٩٢) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، وحده عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (٢٧ - ٣٩٢) من طريق مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة به، بلفظ: كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فلما انصرف، قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -.\nورواه مسلم (٣١ - ٣٩٢) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة به، بنحو لفظ مالك.","vol":"3","page":417},{"text":"فالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين: مواظبة النبي - ﷺ - على هذا الفعل.\nوالأمر الثاني: قوله - ﷺ - في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.\n* ويجاب:\nبأنه سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي، فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: (لتأخذوا عني مناسككم)، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.\nوإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي - ﷺ - وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي - ﷺ - حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.\n(ح-١٦١٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nحدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (^١).\nومن المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي - ﷺ - يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، ولا شك أن المخاطب بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هو مالك بن الحويرث: لأن الخطاب موجه له ولرفقته في أصل التشريع، وتدخل الأمة معه تبعًا باعتبار عموم\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).","vol":"3","page":418},{"text":"أحكام الشريعة، وقد رآه مالك بن الحويرث يصلي جلسة الاستراحة، أكانت جلسة الاستراحة واجبة على مالك بن الحويرث، وقد رأى النبيَّ - ﷺ - يفعلها؟ وما يدري مالك بن الحويرث أن هذه الجلسة ليست واجبة، ومقامه عند النبي - ﷺ - عشرين يومًا، وقد أمر بأن يصلي كما رأى النبي - ﷺ - يصلي، فإن قلنا: إن جميع ما رآه مالك بن الحويرث واجب عليه أن يفعله، فقد خالفنا الإجماع، وإن قلنا: إن بعض ما رآه منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، كجلسة الاستراحة مثلًا، لم يصح الاستدلال بالحديث على وجوب التكبير، لهذا لا يمكن الاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن الاستدلال به على وجوب التكبيرات بهذا العموم، إلا لو كان النبي - ﷺ - قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي - ﷺ - يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي - ﷺ -، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي - ﷺ - المجردة الاستحباب، والله أعلم.\n* دليل من قال: لا يسن التكبير إلا في الجماعة:\nهذا القول نظر إلى أن التكبير من أجل إمكان الاقتداء، فالاقتداء بالإمام واجب، فإذا ركع أو سجد أو رفع وجب على المأموم أن يتابع الإمام في ذلك، ولا يمكنه العلم بذلك إلا عن طريق سماع التكبير، خاصة في حال الركوع والسجود، لهذا خُصَّ الأمر بالتكبير في حال الجماعة فقال في حديث أبي موسى السابق: (فإذا كبر فكبروا)، ولم يتوجه أمر بالتكبير إلا في حال الجماعة.\nوبه نفهم لماذا لم يعلمه النبي - ﷺ - المسيء في صلاته، لأنه يخاطبه في صلاته منفردًا، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ...) إلخ الحديث.\n* ويناقش:\nإذا كان التكبير لإمكان الاقتداء فهو واجب لغيره، ويكون واجبًا على الإمام","vol":"3","page":419},{"text":"وحده دون المأموم، ويجب في حال إذا لم يمكن العلم بانتقال الإمام إلا بالتكبير، كما في حال السجود، وقد يلحق به الرفع من الركوع، أما في الانحطاط للركوع وللسجود فالإمام يمكن رؤيته، والعلم بفعله، خاصة أن النبي - ﷺ - أمر الصف الذي خلفه أن يقتدوا به، وأن يقتدي كل صف بالصف الذي أمامه يشعر أن الاقتداء بالفعل، وليس بالتكبير.\n(ح-١٦٢٠) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،\nعن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم ... الحديث (^١).\nفقوله: (فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم) أي اقتدوا بأفعالي، وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي، فلم يتوقف الاقتداء على سماع التكبير، مع إمكان سماعه، أو التبليغ بالتكبير إذا لم يسمع، وجعل الاقتداء بالأفعال، مما يشعر أن الاقتداء لا يتوقف على التكبير إلا في بعض أفعال الصلاة كما سبق، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٣٠ - ٤٣٨).","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>الفصل الثاني\nفي حكم الركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\nقال الجوهري: ركن الشيء جانبه الأقوى، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾ [هود: ٨٠]: أي عز ومنعة.\n* الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.\n* كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.\n* قال - ﷺ -: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره بالركوع، والأصل في الأمر الوجوب.\n* لا يختلف العلماء أن الركوع ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة من دونه.\n* الركوع قربة بشرط أن يكون داخل الصلاة فلا يتقرب به إلى الله خارج الصلاة، وهذا باتفاق العلماء.\n[م-٦١٦] الركوع ركن من أركان الصلاة، دل على وجوبه الكتاب والسنة، والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفقوله: (اركعوا واسجدوا) أي صلوا، وإنما عبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء،","vol":"3","page":421},{"text":"كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يصح أن يقال: فتحرير يد، أوتحرير قدم؛ لأن حياة العبد تستقل دون ذلك العضو بخلاف الرقبة، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله - ﷺ -: من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. فإنه دليل على أن الركعة لا تستقل من دون السجود، وكإطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، دليل على أن القراءة جزء من ماهية الصلاة، وقد بينت السنة فرضية الفاتحة خاصة، والله أعلم.\nوأما السنة فأحاديث كثيرة، منها\n(ح-١٦٢١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره النبي - ﷺ - بالركوع، والأصل في الأمر الوجوب.\nوأما الإجماع فحكاه طائفة من الفقهاء على اختلاف مدارسهم الفقهية، فحكاه من الحنفية الزيلعي وابن نجيم (^٢).\nومن المالكية ابن عبد البر، والمازري، والقرافي، وابن جزي، وابن العربي (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). تبيين الحقائق (١/ ١٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٠٩)،.\n(^٣). الاستذكار (١/ ٥٢٨)، التمهيد (١٠/ ١٩٦، ٢١٢)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٤)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٠)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ٣١٠)، تحبير المختصر لبهرام (١/ ٢٨٧).","vol":"3","page":422},{"text":"ومن الشافعية النووي، والخطيب الشربيني والرملي (^١).\nومن الحنابلة ابن قدامة، والبهوتي وغيرهما (^٢).\nولأن الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية.\nونقل عن الإمام مالك أنه كفر من قال: إن الركوع سنة (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣٩٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٦).\n(^٢). المغني (١/ ٣٥٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧).\n(^٣). انظر: النوادر والزيادات (١/ ١٤٨).","vol":"3","page":423},{"text":"الفصل الثالث في رفع اليدين مع تكبيرات الانتقال\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المبحث الأول يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.\n* لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.\n* قال الإمام البخاري يروى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.\n* لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.\n* يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.\n* سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.\n[م-٦١٧] اختلف العلماء في رفع اليدين مع تكبيرة الركوع،\nفقيل: لا يرفع يديه في شيء من التكبيرات إلا في تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب الحنفية، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وهي أشهر الروايات عنه، وبه قال الثوري، والحسن بن حَيٍّ (^١).\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣)، المبسوط (١/ ١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ١٩٩)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٠٠)، المدونة (١/ ١٦٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٩٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧١)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٤)، الثمر الداني (ص: ٦٥١)،.\nجاء في التاج والإكليل نقلًا من الإكمال (٢/ ٢٣٩): «اختلف عن مالك في الرفع، فروي عنه: لا رفع إلا في الافتتاح، وهي أشهر الروايات».","vol":"3","page":424},{"text":"جاء في المدونة: «وقال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئًا خفيفًا ... قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفًا إلا في تكبيرة الإحرام» (^١).\nوقيل: يرفع يديه عند الرفع من الركوع، وهو رواية ابن عبد الحكم عن مالك (^٢).\nوقيل: يرفع يديه للركوع وللرفع منه، وهو رواية ابن وهب عن مالك، والمنصوص عن أحمد (^٣).\nجاء في البيان والتحصيل: «قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه» (^٤).\nوقال في التلقين: وعنه -أي عن مالك- في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان» (^٥).\nقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين؟ قال: لا» (^٦).\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٥)، وجاء في التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة (١/ ١٥٦) أن قوله: (إلا في تكبيرة الإحرام) ليس من كلام ابن القاسم، وإنما هو من كلام سحنون، فيكون في مذهب مالك قول بأنه لا يرفع يديه مطلقًا، لا في تكبيرة الإحرام، ولا في غيرها.\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٩)، شرح التلقين (٢/ ٥٤٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٤).\n(^٣). شرح التلقين (٢/ ٥٤٩)، الذخيرة (٢/ ٢١٩)، مناهج التحصيل (١/ ٢٤٣)، الإشراف للقاضي أبي محمد (١/ ٢٢٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٤).\n(^٤). البيان والتحصيل (١/ ٤١٣، ٤١٤).\n(^٥). التلقين (١/ ٤٤).\n(^٦). مسائل أبي داود (٢٣٦)، وانظر الجامع لعلوم الإمام أحمد (٦/ ٩٧).","vol":"3","page":425},{"text":"وقيل: يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، وإذا قام من اثنتين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وبه قال ابن وهب من المالكية (^١).\nقال البخاري في رفع اليدين للصلاة: «يروى عن سبع عشرة نفسًا (^٢)، من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع منهم أبو قتادة الأنصاري، وأبو أسيد الساعدي البدري، ومحمد بن مسلمة البدري، وسهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، وأنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - وأبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، ووائل بن حجر الحضرمي، ومالك ابن الحويرث، وأبو موسى الأشعري، وأبو حميد الساعدي الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأم الدرداء رضي الله تعالى عنهم» (^٣).\nوزاد البيهقي جماعة لم يذكرهم البخاري، منهم أبو بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وعبد الله بن جابر البياضي، وعقبة بن عامر (^٤).\nوقال غيره: رواه قريب من ثلاثين نفسًا من الصحابة، وقال غيره: رواه نيف وثلاثون من الصحابة (^٥).\n_________\n(^١). جامع الأمهات (ص: ٩٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٩)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٤)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٤)، الأم (١/ ١٢٦)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، المجموع (٣/ ٣٩٦)، العباب المحيط (١/ ٣٤٧)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢).\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٥)، ومسائل أبي داود (ص: ٥٠)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٠)، الفروع (٢/ ١٩٥)، المحرر (١/ ٦١)، المبدع (١/ ٣٩٣)، الإنصاف (٢/ ٥٩)، المقنع (ص: ٥٠)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٢)، الإقناع (١/ ١١٩).\n(^٢). لعل الأصح (سبع عشرة نفسًا).\n(^٣). رفع اليدين في الصلاة (ص: ٧)، وانظر الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٥٦).\n(^٤). انظر الخلافيات (٢/ ٣٥٦، ٣٥٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٨).\n(^٥). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٣٤).","vol":"3","page":426},{"text":"وقال البيهقي: «قد سمعت الحاكم أبا عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ يقول: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله - ﷺ - الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد الشاسعة غير هذه السنة. قال الإمام أحمد -يعني البيهقي-: وهو كما قال أستاذنا أبو عبد الله ﵁» (^١).\nقال ابن رجب: «وفي هذه العبارات تسامح شديد» (^٢).\nوقال ابن كثير: «إنما يصح ويروى عن بعض هؤلاء ... قال الشافعي: روى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا من الصحابة، وبهذا نقول، ونحو من هذا الكلام قال أحمد بن حنبل والبخاري رحمهم الله تعالى» (^٣).\nوقال الأوزاعي: «الذي بلغنا عن رسول الله - ﷺ - فيما اجتمع عليه علماء أهل الحجاز، والشام، والبصرة أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر للركوع ...» (^٤).\n_________\n(^١). الخلافيات (٢/ ٣٥١).\nوقد تعقب الحاكم والبيهقي، قال ابن دقيق العيد في الإمام كما في نصب الراية (١/ ٤١٧): «وجزْمُ الحاكم برواية العشرة ليس عندي بجيد؛ فإن الجزم إنما يكون حيث يثبت الحديث ويصح، ولعله لا يصح عن جملة العشرة».\nوقال ابن كثير في الأحكام الكبير (٣/ ٢٩٣): «اعلم أني فتشت مسند العشرة من مسند أحمد بن حنبل، ومعجم الطبراني، ومسند الحافظَيْنِ أبي بكر البزار، وأبي يعلى الموصلي، فلم أجد لغير من ذكرته روايةً في رفع اليدين؛ لا في الافتتاح، ولا الركوع، ولا الرفع منه، وليس ذلك في شيء من الكتب الستة أيضًا.\nولست أدري من أي موضع قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري ما قال: من أن هذه السنة رواها العشرة المشهود لهم بالجنة، ولم يروِ هو ذلك ولا شيئًا منه في مستدركه، ولا ابن حبان، ولا ابن خزيمة، ولا رأيت ذلك في كتاب مسند؛ إلا ما حكاه البيهقي عن الحاكم رحمهما الله تعالى، والله الموفق للصواب.\n\nوأما حديث أبي حميد الساعدي في وصف صلاة النبي - ﷺ - بحضرة عشرة من الصحابة، فوافقوه على ما ذكر، لكن العشرة ليسوا هم المشهود لهم بالجنة؛ لأنه قد سُمِّي كثير منهم في الرواية ....».\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٣٤).\n(^٣). الأحكام الكبير لابن كثير (٣/ ٢٨٤).\n(^٤). الأوسط (٣/ ١٤٧).","vol":"3","page":427},{"text":"وقيل: يرفع يديه في الركوع، والرفع منه، وللسجود، والرفع منه، أي في كل خفض ورفع، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم ابن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^١).\nوحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب (^٢).\nونقل المروذي عن أحمد أنه قال: «لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز» (^٣).\nفأهم هذه الأقوال ترجع إلى ثلاثة أقوال:\nلا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام.\nيقابله: يرفع يديه في كل خفض ورفع.\nوقيل: يرفع يديه للركوع والرفع منه، وزاد بعضهم: وعند القيام من اثنتين، ولا يرفع يديه للسجود، ولا للرفع منه. والله أعلم.\n_________\n(^١). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٧) أخبرنا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت نافعًا وطاوسًا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده صحيح.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٨) أخبرنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده ضعيف، فيه أشعث بن سوار ضعفه أحمد وغيره.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٢٧) عن ابن جريج، عن عطاء، وسنده صحيح.\n\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٣): «وقع في أواخر البويطي يرفع يديه في كل خفض ورفع، فيحمل الخفض على الركوع، والرفع على الاعتدال، وإلا فحمله على ظاهره يقتضي استحبابه في السجود أيضًا وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد نفاه ابن عمر، وأغرب الشيخ أبو حامد في تعليقه، فنقل الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة، وتعقب بصحة ذلك عن ابن عمر وابن عباس وطاوس ونافع وعطاء، كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية، وقد قال به من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر، وأبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو شاذ».\nوانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، المحلى (٣/ ١٠)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥١).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).","vol":"3","page":428},{"text":"* دليل من قال: لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الإحرام:\n(ح-١٦٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال:\nقال ابن مسعود: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة (^١).\n[أخطأ فيه الإمام سفيان، وقال بعض العلماء: أخطأ فيه وكيع، وقد رواه ابن إدريس عن عاصم ولم يذكر فيه نفيَ الرفع عن الركوع، وهو المحفوظ] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (١/ ٣٨٨).\n(^٢). أعل الحديث بعلتين:\nالأولى: أعلَّه بعضهم بأن عبد الرحمن بن الأسود لم يسمع من علقمة، قال ابن السمعاني في الاصطلام (١/ ٢٤٥): «قيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة».\nوقال المنذري كما في مختصر سنن أبي داود له (١/ ٢٢٣): حكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لا يثبت هذا الحديث، وقال غيره: لم يسمع عبد الرحمن من علقمة. اهـ\nهكذا حكي هذا القول، ولا يعرف قائله.\nوتعجب ابن التركماني في الجوهر النقي (٢/ ٧٧): من تعليل الحديث بقول رجل مجهول.\nوقال ابن القيم في تهذيب السنن (٢/ ٣١٨): «وأما إنكار سماع عبد الرحمن من علقمة فليس بشيء، فقد سمع منه، وهو ثقة، وأدخل على عائشة، وهو صبي». اهـ يريد ابن القيم أن يقول: إن من أدرك عائشة لا يبعد أن يسمع من علقمة.\n\nوقال الشيخ في الإلمام كما في نصب الراية (١/ ٣٩٥): وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في مراسيله، وإنما ذكره في كتاب الجرح والتعديل، فقال: وعبد الرحمن ابن الأسود دخل على عائشة، وهو صغير، ولم يسمع منها، وروى عن أبيه وعلقمة. ولم يقل: إنه مرسل. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: إنه مات في سنة تسعة وتسعين، فكان سنه سن إبراهيم النخعي، فإذا كان سنه سن النخعي فما المانع من سماعه من علقمة مع الاتفاق على سماع النخعي منه؟ ومع هذا كله فقد صرح الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب (المتفق والمفترق) في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة».\nالعلة الثانية: أعله الإمام أحمد، والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وأبو داود، وابن المبارك، وابن حبان والبيهقي، وغيرهم أعلوه برواية عبد الله بن إدريس، عن عاصم به، حيث لم يذكر رفع اليدين ولم ينفه، وعدم ذكره ليس نفيًا له، كما أنه لم يذكر التكبير للركوع، ولم يذكر القراءة، ولا الاستفتاح، وعدم ذكرهم ليس نفيًا لهم؛ لأن الحديث سيق من أجل ذكر التطبيق، =","vol":"3","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بخلاف رواية سفيان فإن فيها التصريح بنفي الرفع عن سائر التكبيرات عدا تكبيرة الإحرام.\nفإن قيل: لماذا العلماء أعلوا رواية سفيان برواية ابن إدريس، ولم يعلوا رواية ابن إدريس برواية سفيان؟ والثوري ليس أقلَّ حفظًا من ابن إدريس.\nفالجواب: أن تقديم رواية ابن إدريس على رواية سفيان راجع لأمرين:\nالأول: أن يحيى بن آدم قال: أملأ عَلَيَّ ابن إدريس الحديث من كتابه، وليس فيه (ثم لم يعد)، قال البخاري: فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل ربما حدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب».\nالأمر الثاني: أن أبا داود وابن حبان والحاكم قد ذكروا أن سبب الخطأ أنه قد اختصر من حديث طويل، وأن هذا الاختصار قد دخله ما دخله، على خلاف بينهم في من يتحمل هذا الخطأ في الاختصار، فقيل: وكيع، وقيل: سفيان، وقيل: عاصم بن كليب، وسوف يأتي النقل عنهم، فإذا رجعنا إلى رواية علقمة الطويلة، والتي يرى أن الحديث اختصر منها من غير طريق عبد الرحمن بن الأسود لم نجد فيها ما تضمنته رواية سفيان من الحصر بإثبات الرفع في التكبيرة الأولى، ونفيه عما عداها، لهذا قَدَّم العلماء رواية ابن إدريس الموافقة للرواية الطويلة التي اختصر منها هذا الحديث على رواية سفيان الثوري، هذا الكلام على علة الحديث بإيجاز، وإليك تفصيل ما أجمل.\nفالحديث مداره على عاصم بن كليب، وقد رواه عنه اثنان، عبد الله بن إدريس، وسفيان الثوري.\nفأما رواية سفيان الثوري، فرواه عنه جماعة:\nالأول: وكيع، عن سفيان.\nفرواه عنه تارة بصيغة الحصر، بلفظ: (لم يرفع يديه إلا مرة)، وفي رواية (إلا مرة واحدة)، وهما بمعنى واحد، فإن لفظ مرة، لا يعني إلا واحدة.\nرواه أحمد في إحدى روايتيه كما في المسند (١/ ٣٨٨)،\nوأبو خيثمة (زهير بن معاوية) كما في مسند أبي يعلى (٥٣٠٢)،\nوابن أبي شيبة في إحدى روايتيه كما في المصنف (٢٤٤١)،\nوعثمان بن أبي شيبة كما في سنن أبي داود (٧٤٨).\nوحميد بن الربيع اللخمي كما في مستخرج الطوسي (٢٣٧)، كلهم رووه عن وكيع بلفظ: (.... فلم يرفع يديه إلا مرة).\nزاد ابن أبي شيبة في رواية كما في مسنده (٣٢٣)،\nومحمد بن إسماعيل الأحمسي، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١١٢)، وفي الخلافيات (١٦٦٩) روياه عن وكيع، فقالا: (.... لم يرفع يديه إلا مرة واحدة)، فزادا حرف (واحدة).\nورواه النسائي عن محمود بن غيلان باللفظين، فقال في المجتبى (١٠٥٨): (إلا مرة واحدة) وقال في الكبرى (٦٤٩) (إلا مرة)، والخطب سهل. =","vol":"3","page":430},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهؤلاء كلهم اتفقوا على روايته بصيغة الحصر التي تثبت رفع اليدين مرة واحدة، دون ذكر موضع الرفع.\nورواه هناد عن وكيع كما في سنن الترمذي (١٧)، وقال: (... فلم يرفع يديه إلا في أول مرة) وهذا اللفظ تضمن الحصر كما هي رواية الجماعة عن وكيع، وزاد في بيان موضع الرفع، وأنه في تكبيرة الافتتاح، وهي أصرح من رواية الجماعة، لكنها ليست معارضة.\nوأعاد أحمد إسناده عن وكيع (١/ ٤٤٢) فقال: (... فرفع يديه في أول). اهـ أي في أول مرة، وليس في لفظه: (صيغة الحصر).\nورواه يحيى بن يحيى النيسابوري ونعيم بن حماد، والأول ثقة، والآخر كثير الخطأ، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ٢٢٤)، وفي مشكل الآثار (٥٨٢٦)، عن وكيع، بلفظ: (... كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود).\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٧١٠): «حدثني أبي قال حدثنا أبو عبد الرحمن الضرير قال: كان وكيع ربما قال: يعني ثم لا يعود. قال أبي: كان وكيع يقول هذا من قبل نفسه يعني ثم لا يعود».\nوقال الدارقطني في العلل (٥/ ١٧٣): ليس قول من قال: (ثم لم يعد محفوظًا). اهـ\nوقد رواه عبد الله بن المبارك عن سفيان، وذكر فيه: (ثم لم يعد)، وهذه متابعة لوكيع كما في الطريق التالي.\nالطريق الثاني: عبد الله بن المبارك، عن سفيان.\nأخرجه النسائي في المجتبى (١٠٢٦) أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان به، وفيه: (... فقام فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعد). فهذا النفي بعدم العود بعد أن أثبت الرفع أول مرة يفيد الحصر الوارد في رواية وكيع، فخرج وكيع من العهدة.\nوسويد بن نصر من أثبت أصحاب ابن المبارك. ورواه النسائي في الكبرى (١١٠٠): وقال: (... ثم لم يرفع). وهما بمعنى.\nقال ابن المبارك كما في خلافيات البيهقي (٢/ ٣٦٠): «لم يثبت عندي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ - رفع يديه أول مرة، ثم لم يرفع، وقد ثبت عندي حديث من يرفع يديه عند الركوع، وإذا رفع». اهـ\nالطرق الثالث، والرابع، والخامس، والسادس:\nرواه معاوية بن هشام القصار، وخالد بن عمرو السعيدي، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، كما في سنن أبي داود (٧٤٩) رووه عن سفيان به، قالوا: فرفع يديه في أوَّل مرةٍ. وقال بعضهم: مرة واحدة.\nوعلقه الإمام أحمد عن الأشجعي (عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي) كما في العلل رواية ابنه عبد الله (٧١١) فرفع يديه في أول شيء.\nوليس في رواية هؤلاء عن سفيان صيغة الحصر، وذكر رفع اليدين في أول مرة لا ينفي أن =","vol":"3","page":431},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يكون قد رفع يديه للركوع بخلاف صيغة الحصر، فإنها تنفي رفع اليدين في الركوع.\nوقد ذكر أحمد في العلل لابنه (٧٠٩) أن وكيعًا حدثه مرة فقال: (... فلم يرفع يديه إلا مرة) وحدثنا وكيع مرة أخرى بإسناده سواء، فقال: (... فرفع يديه في أول). فأشار أحمد إلى اختلاف وكيع في لفظه، مرة بصيغة الحصر، ومرة لا.\nوالقصار والسعيدي والنهدي لا يقارن أمثال هؤلاء بالإمام وكيع وابن المبارك، ولولا رواية الأشجعي المعلقة، والاختلاف على وكيع، فمرة يحدث به بصيغة الحصر، ومرة يحدث به بصيغة لا يستفاد منها الحصر كما أفاده الإمام أحمد ما عرجت على روايتهم.\nهذا ما يخص رواية سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب.\nوأما رواية عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب:\nفقد خالف في لفظه سفيان الثوري، فرواه ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال عبد الله: علَّمنا رسولُ الله - ﷺ - الصلاةَ، فكبر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعلُ ذلك، ثم أُمِرْنا بهذا، وأخذ بركبتيه.\nرواه أحمد (١/ ٤١٨، ٤١٩)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٤١)، وفي المسند (١٨٨)، والبخاري في رفع اليدين (٣٢)، وأبو داود (٧٤٧)، والنسائي في المجتبى (١٠٣١)، وفي الكبرى (٦٢٣)، والبزار في مسنده (١٦٠٨)، وابن الجارود في المنتقى (١٩٦) وابن خزيمة (٥٩٥)، وابن حبان كما في إتحاف المهرة (١٢٩٢٨)، والدارقطني (١٢٨١)،، والحاكم (٨١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٢، ١١٣).\nقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٣٧): «هذا إسناد ثابت صحيح». اهـ\nوقال في العلل (٥/ ١٧٢): «وإسناده صحيح».\nفلم يذكر عبد الله بن إدريس الرفع في الركوع، ولم ينفه، كما لم يذكر وضع اليدين على الصدر، والقراءة، والتكبير للركوع، وكأنه -كما قال عبد الرحمن المعلمي في التنكيل (٢/ ٧٧٣) - كان يهمه من ذكر القصة شأن التطبيق. اهـ فالحديث مسوق لهذا الشأن.\nبخلاف رواية سفيان الثوري فإنها صريحة في نفي الرفع عن كل التكبيرات عدا التحريمة.\nقال البيهقي في المعرفة (٢/ ٤٢٢) عن رواية ابن إدريس: «لم يتعرض للرفع، ولا لتركه بعد ذلك، وذكر تطبيق يديه بين فخذيه، وقد يكون رفعهما فلم ينقله، كما لم ينقل سائر سنن الصلاة، وقد يكون ذلك في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه، وخفيا جميعًاعلى عبد الله بن مسعود».\nوجاء في العلل للإمام أحمد رواية عبد الله (٧١٣): «قال أبي حديث عاصم بن كليب رواه ابن إدريس فلم يقل: ثم لا يعود. =","vol":"3","page":432},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال عبد الله (٧١٤): حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال أملاه عليَّ عبد الله بن إدريس من كتابه: عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: حدثنا علقمة عن عبد الله قال علمنا رسول الله - ﷺ - الصلاة، فكبر ورفع يديه، ثم ركع، وطبق يديه، وجعلهما بين ركبتيه فبلغ سعدًا ... وذكر الحديث، قال أبي: هذا لفظ غير لفظ وكيع، وكيع يثبِّج الحديث؛ لأنه كان يحمل نفسه على حفظ الحديث».\nوقال البخاري في رفع اليدين (ص: ٢٨) قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم، قال: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، ليس فيه: (ثم لم يعد) قال البخاري: فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل ربما حدث بشيء، ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب»، ثم ساق حديث ابن إدريس بإسناده، ثم قال: «وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود».\nوالمحفوظ يقابله الشاذ، فحكم بشذوذ رواية سفيان الثوري.\nفكانت رواية ابن إدريس أرجح عند الإمام أحمد والبخاري وأبي حاتم الرازي من رواية وكيع، عن سفيان على خلاف بينهم:\nفمنهم من جعل الوهم من وكيع، كالإمام أحمد وابن حبان، وسيأتي النقل عن ابن حبان قريبًا إن شاء الله تعالى.\nومنهم من جعل الوهم من الثوري، لأن عبد الله بن المبارك قد تابع وكيعًا، عن سفيان، فخرج وكيع من العهدة كما أشرت سابقًا.\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢٥٨): «هذا خطأ، يقال: وهِمَ فيه الثوري، وروى هذا الحديثَ عن عاصم جماعةٌ، فقالوا كلهم: إن النبي - ﷺ - افتتح فرفع يديه، ثم ركع فطبق، وجعلها بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري».\nوسواء كان الوهم من وكيع أو من سفيان، فالنتيجة واحدة، وأن رواية ابن إدريس، عن عاصم هي المحفوظة، خلافًا لما رواه وكيع، عن سفيان، عن عاصم.\nوقد دخل الوهم على سفيان من اختصاره الحديث، فإن المختصر قد يطبع فقهه للحديث حين إرادة اختصاره فيؤتى من ذلك؛ لأن الفقه غير معصوم.\nقال أبو داود في السنن (٧٤٨) عن رواية سفيان: «هذا مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ». اهـ\nووافق ابن حبان أبا داود على أنه مختصر من حديث طويل، وأن الاختصار لم يكن موفقًا.\nفقد نقل ابن القيم في تهذيب السنن (انظر: عون المعبود ٢/ ٣١٨): عن ابن حبان قوله: «قال أبو حاتم البستي في كتاب الصلاة له: هذا الحديث له علة توهنه، لأن وكيعًا اختصره من حديث طويل، ولفظة (ثم لم يعد) إنما كان وكيع يقولها في آخر الخبر من قِبَلِهِ، وقَبْلَها (يعني)، فربما أسقطت (يعني)». =","vol":"3","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذا الكلام من ابن حبان يُحَمِّلُ وكيعًا التبعة في اختصاره، وسبق التعليق على هذا.\nومنهم من حمل الاختصار عاصم بن كليب، قال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٦٠): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: إن حديث الثوري عن عاصم بن كليب مختصر من أصله، وعاصم بن كليب لم يخرج حديثه في الصحيح؛ وذلك أنه كان يختصر الأخبار يؤديها على المعنى، وهذه اللفظة: (لم يعد) غير محفوظة في الخبر». انتهى.\nفقول الحاكم: أن حديث الثوري مختصر من أصله، يوافق كلام أبي داود وابن حبان، أن الحديث مختصر من أصل طويل\nوقوله: (لم يخرج له في الصحيح) يريد صحيح البخاري، فقد روى له مسلم.\nوكونه لم يخرج له الإمام البخاري لا يلزم منه التضعيف، فقد وثقه ابن معين، وقال أحمد في رواية الميموني: ثقة، وقال أبو بكر الأثر عن أحمد: لا بأس بحديثه، ومر معنا أن الدارقطني قال عن رواية ابن إدريس، عن عاصم: إسناده صحيح.\nكما لا يوافق الحاكم على أن المختصر هو عاصم بن كليب، لأن رواية ابن إدريس عن عاصم تبرئ عاصمًا من الخلل في اختصار الحديث.\nوقول الإمام الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن كما في السنن (٢/ ٤١)، فالحسن عند الترمذي هو الحديث الضعيف إذا جاء من أكثر من وجه، ولم يكن في رواته متهم، فهو اصطلاح خاص له.\nبقي لنا من تخريج الحديث أن نذكر رواية علقمة الطويلة في التطبيق، والتي اختصر منها هذا الحديث، وجعلت العلماء يقدمون رواية ابن إدريس على رواية سفيان الثوري مع إمامته وإتقانه.\nفقد روى مسلم في صحيحه (٢٨ - ٥٣٤) من طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، أنهما دخلا على عبد الله، فقال: أَصَلَّى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -.\nورواه مسلم (٢٦ - ٥٣٤) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، قالا: أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أَصَلَّى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا، فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، قال: فلما ركع، وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه، قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك؛ فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك؛ فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه، وليجنأ، وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله - ﷺ -، فأراهم.\nفإن قيل: لعل حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن ابن مسعود، ليس هو حديث إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود.\nفالجواب أن الدارقطني قد ذكر في العلل (٥/ ١٧٢): أن أبا بكر النَّهْشَلي رواه عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله.\nوالنَّهْشَلي قد روى له مسلم، ووثقه أحمد، وقال ابن معين كما في تاريخه رواية الدوري (٢٣٤٨): كوفي ثقة. والله أعلم.","vol":"3","page":434},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٦٢٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أسباط، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه (^١).\nورواه أبو داود من طريق شريك، عن يزيد بن أبي زياد به، بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود (^٢).\nورواه الحميدي في مسنده، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،\nعن البراء بن عازب، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، قال سفيان: وقدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه، ثم لا يعود، فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذٍ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه أو ساء حفظه (^٣).\n[حسن إلا زيادة (ثم لا يعود) فإنه حدث بها يزيد بن أبي زياد بعد تغيره، وقد حدث به قبل تغيره فلم يذكر فيه: (ثم لا يعود)] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣٠٢).\n(^٢). سنن أبي داود (٧٥٠).\n(^٣). مسند الحميدي (٧٤١).\n(^٤). الحديث فيه علتان:\nالأولى: تفرد به يزيد بن أبي زياد، قال الحميدي: قلنا لقائل هذا -يعني للمحتجِّ بهذا- إنما رواه يزيد، ويزيد يزيد. اهـ انظر السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١١٠). =","vol":"3","page":435},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦٢٤) ما رواه أبو يعلى، قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة،\nعن عبد الله قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.\nوقد قال محمد: فلم يرفعوا أيديهم بعد التكبيرة الأولى (^١).\n[رفع الحديث، وذكر أبي بكر وعمر في لفظه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود بسند منقطع] (^٢).\n_________\n= وفي التحقيق لابن الجوزي (١/ ٣٣٥) «قال علي بن المديني ويحيى بن معين: هو ضعيف الحديث، لا يحتج بحديثه، وقال ابن المبارك: ارم به. وقال النسائي: متروك الحديث». اهـ\nولعل ذلك كان لتغيره كما قال يعقوب بن سفيان، قال في المعرفة والتاريخ (٣/ ٨١): «يزيد بن أبي زياد، وإن كان قد تكلم الناس فيه؛ لتغيره في آخر عمره، فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل منصور، والحكم والأعمش، فهو مقبول القول ثقة».\nالعلة الثانية: الاختلاف على يزيد بن أبي زياد في لفظه.\n\nفالحديث رواه يزيد بن أبي زياد، رواها أصحابه القدماء قبل قدومه الكوفة، وقبل تغير حفظه، كالثوري وشعبة، وهشيم، وأسباط وخالد بن عبد الله، وغيرهم، فلم يذكروا في حديثهم لفظ: (ثم لا يعود)، وقد حدث به بعد تغيره، وزاد لفظ: (ثم لا يعود)، فلا تثبت عنه،\nقال أحمد: هذا حديث واهٍ، قد كان يزيد بن أبي زياد يحدث برهة من دهره، لا يذكر فيه (ثم لا يعود) ثم أسنَّ بآخرةٍ، فكان يذكر فيه. انظر الأحكام الكثير لابن كثير (٣/ ٢٦٦).\nوقد سبق تخريجه، والكلام على طرقه، انظر (ح: ١٢٤٤)\n\n(^١). مسند أبي يعلى (٥٠٣٩).\n(^٢). اختلف فيه على حماد بن أبي سليمان:\nفرواه محمد بن جابر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله مرفوعًا، وموقوفًا على أبي بكر وعمر.\nرواه أبو يعلى كما في إسناد الباب، والدارقطني في السنن (١١٣٣)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤١)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٧٠)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٣٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٣)، وفي الخلافيات (١٧٠٥)، والإسماعيلي في معجم شيوخه (٣١٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٢٤)، وابن عديم في تاريخ حلب (٣/ ١٣٧٨)، من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل (إبراهيم بن كامجر) عن محمد بن جابر به. =","vol":"3","page":436},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أحمد في العلل ومعرفة الرجال (١/ ٣٧٢/٧١٦): «هذا ابن جابر أيش حديثه؟ هذا حديث منكر» قال عبد الله: أنكره جدًّا». يعني أباه.\nوقال الحاكم أبو عبد الله: «هذا إسناد مقلوب، لا نعلم أحدًا حدث به من أصحاب حماد بن أبي سليمان من المشهورين بالأخذ عنه، ولو كان محفوظًا لبادر بروايته أبو حنيفة وسفيان الثوري عن حماد؛ إذ كان يوافق مذهبهما ذلك، فأما محمد بن جابر بن سيار السحيمي فإنه قد تكلم فيه أئمة أهل الحديث، وأما إسحاق بن أبي إسرائيل فغير محتج برواياته».\nوإسحاق بن أبي إسرائيل، قد وثقه أبو داود والدارقطني، ويحيى بن معين، وقد تكلم فيه لقوله بالوقف، قال أحمد: واقفي مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيس.\n\nوآفة الحديث محمد بن جابر، قال فيه أبو حاتم: ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقن، وكان ابن مهدي يحدث عنه، ثم تركه بعد، وكان يروي أحاديث مناكير، وهو معروف بالسماع، جيد اللقاء، رأوا في كتبه لحقًا، وحديثه عن حماد فيه اضطراب.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد كما في مسائله لأبيه (ص: ٧٤): سألت يحيى عن محمد بن جابر، فتكلم فيه بكلام غليظ، وقال: ما يحدث عنه إلا من هو أشر منه.\nوخالف محمد بن جابر كل من:\n(١) حماد بن سلمة، فرواه عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود، أنه: كان إذا دخل الصلاة رفع يديه، ثم لا يرفع بعد ذلك.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٦١) ح ٩٣٠٠، والبيهقي في الخلافيات (١٧١٠).\nجاء في الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٦٥): «قال أبو عبد الله (يعني: الحاكم): فهذا هو المحفوظ، وإبراهيم النخعي لم ير ابن مسعود، والحديث منقطع، والعجب من محمد بن جابر أنه لم يرض بأن وَصَلَ هذا المنقطع، حتى زاد أيضًا في متنه السند؛ فأسنده إلى رسول الله - ﷺ -، ثم لم يقنعه ذلك إلى أن وصله بذكر أبي بكر وعمر ﵄».\nوقال الدارقطني: تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفًا عن حماد، عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي - ﷺ -، وهو الصواب».\nيريد أن إبراهيم، رواه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.\nوقال ابن عدي: «وهذا لم يوصله عن حماد غير محمد بن جابر، ورواه غيره عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله ولم يجعل بينهما علقمة».\n(٢) الثوري، عن حماد. قال: سألت إبراهيم عن ذلك، فقال: يرفع يديه أول مرة، وفي رواية: يرفع يديه في أول تكبيرة، مقطوع من قول إبراهيم.\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٥٣٥).\n= قال البخاري في رفع اليدين: حديث الثوري أصح عند أهل العلم .... اهـ","vol":"3","page":437},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٦٢٥) ما رواه الطحاوي من طريق نعيم بن حماد قال: حدثنا الفضل ابن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، وعن الحكم، عن مقسم،\nعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: ترفع الأيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات وبالمزدلفة، وعند الجمرتين (^١).\n[ضعيف، وقد اختلف في وقفه ورفعه] (^٢).\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (٢/ ١٧٦).\n(^٢). الحديث له أكثر من علة:\nالأولى: تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ.\nالثانية: الاختلاف عليه في وقفه ورفعه.\nفروي عنه عن نافع، عن ابن عمر. وعنه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس مرفوعًا.\nرواه الفضل بن موسى كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/ ١٧٦)، وفي إسناده نعيم بن حماد.\nوالمحاربي كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٠٣)، وضعفه، والبزار كما في كشف الأستار (٥١٩)، والبيهقي في الخلافيات (١٧٢٩، ١٧٣٠).\nووكيع، كما في رفع الأيدي للبخاري معلقًا (٨١)، ووصله البيهقي في الخلافيات (١٧٣١، ١٧٣٢)، ثلاثتهم عن ابن أبي ليلى به، بلفظ: ترفع الأيدي في سبعة مواطن ...) ليس فيه صيغة الحضر.\nورواه أبو معاوية الضرير كما في سنن سعيد بن منصور -نقلًا من الأحكام الكبير لابن كثير (٣/ ٢٧٢) - حدثنا ابن أبي ليلى به، بلفظ: (لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: في بدء الصلاة ...) وذكره، بصيغة الحصر مخالفًا من تقدم.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤١١٩) حدثنا أبو معاوية به، فاختصره، رواه بلفظ: (لا ترفع الأيدي عند الجمار).\nوقيل: عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس وحده مرفوعًا بلفظ: (ترفع الأيدي في سبع مواطن .....) ليس فيه صيغة الحصر.\n\nرواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٨٥) ح ١٢٠٧٢ من طريق عمران بن أبي ليلى (مقبول) حدثنا ابن أبي ليلى به. بلفظ: (لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن ....) بصيغة الحصر. وهذا اللفظ يفيد أنه لا يشرع الرفع في غير السبعة المذكورة.\nوقيل: عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس موقوفًا. =","vol":"3","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥٧٥٢) أخبرنا ابن فضيل، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواضع ... بصيغة الحصر.\nالعلة الثالثة: مخالفة ابن أبي ليلى لمن هو أثبت منه.\nفابن أبي ليلى لا يقبل ما يتفرد به، ولو لم يختلف عليه، بل ولو لم يخالف غيره، فكيف يقبل إذا اختلف عليه في وقفه ورفعه، وخالف من هو أوثق وأثبت منه، ففي روايته عن ابن عمر قد خالف ما رواه البخاري (٧٣٨)، ومسلم (٢٢ - ٣٩٠) من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك .... وكان لا يفعل ذلك في السجود. وهذا لفظ البخاري.\nفهذا يشهد على نكارة ما رواه ابن أبي ليلى عن نافع، عن ابن عمر.\nويخالف ما ثبت عن ابن عباس عند البخاري في رفع اليدين من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس، ﵄، كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، واستوى قائمًا فعل مثل ذلك. وسنده صحيح.\nكما سيأتي عنه إن شاء الله تعالى.\nالعلة الرابعة: الانقطاع، فالحكم لم يسمعه من مقسم.\nفقد نقل البخاري في رفع اليدين عن شعبة، أنه قال: الحكم لم يسمع من مقسم إلا أربعة أحاديث ليس فيها هذا الحديث ... وحديث الحكم عن مقسم مرسل، وانظر الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٧٤).\nقال البيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٧٤): قال الحاكم أبو عبد الله ﵀: هذا حديث واهٍ من أوجه كثيرة فذكر نحوًا مما ذكرت، وزاد: أن في جميع هذ الروايات: (ترفع الأيدي في سبع مواطن)، وليس في رواية منها: (لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن)، ويستحيل أن يكون: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وقد تواترت الأخبار المأثورة بأن الأيدي ترفع في مواطن كثيرة غير المواطن السبعة، فمنها الاستسقاء، ودعاء رسول الله - ﷺ - لدوس، ورفع رسول الله - ﷺ - يديه في الدعاء في الصلوات وأمره به، ورفع اليدين في القنوت في صلاة الصبح والوتر».\nوقال النووي في الخلاصة (١/ ٣٥٥): «وقد ثبت الرفع في مواضع كثيرة غير هذه، وجمعت معظمها في آخر صفة الصلاة من شرح المهذب».\nوله طريق آخر عن مقسم، عن ابن عباس، إلا أنه ضعيف أيضًا.\nرواه ابن جريج، فقال: حدثت عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعشية عرفة، وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت.\nرواه الشافعي في الأم (ص: ١٢٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١١٧) أخبرنا =","vol":"3","page":439},{"text":"الدليل الخامس:\n* دليل من قال: يرفع يديه للإحرام وللركوع والرفع منه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٢٦) ما رواه البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^١).\nوعموم قوله: (لا يفعل ذلك في السجود) يشمل حين يسجد، وحين الرفع منه.\n_________\n= سعيد بن سالم (صدوق يهم)،\nوالأزرقي في أخبار مكة (١/ ٢٧٩) من طريق مسلم بن خالد (صدوق كثير الأوهام).\nوابن أبي عمر العدني في مسنده كما في المطالب العالية (١٢٠١) من طريق هشام بن سليمان (مقبول)، ثلاثتهم عن ابن جريج به.\nوإسناده ضعيف؛ لإبهام الواسطة بين ابن جريج، وبين مقسم، ولا يبعد أن يكون الواسطة هو ابن أبي ليلى، فابن جريج يروي عن ابن أبي ليلى، فأبهمه لضعفه، فلا يضيف هذا الطريق شيئًا لرواية ابن أبي ليلى.\nوله طريق ثالث عن ابن عباس، انفرد به عطاء بن السائب.\nواختلف فيه على عطاء:\nفرواه ورقاء بن عمر بن كليب كما في مستخرج الطوسي (٧٨٦)، والمعجم الأوسط للطبراني (١٦٨٧)، وفي الكبير (١١/ ٤٥٢) ح ١٢٢٨٢، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به مرفوعًا.\nخالفه ابن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٥٠)، فرواه عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موقوفًا، قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت ... وذكر نحوه.\nوعطاء بن السائب كان قد اختلط، وابن فضيل سمع منه بعد الاختلاط، وورقاء لم يذكر فيمن سمع منه قديمًا. والله أعلم.\nفالخلاصة أن الحديث عن ابن عمر وابن عباس في عدم رفع الأيدي لا يصح عنهم، والله أعلم.\n\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٥).","vol":"3","page":440},{"text":"ورواه البخاري من طريق شعيب،\nومسلم من طريق ابن جريج، كلاهما عن ابن شهاب به، بنحوه، وفيه: .... ولا حين يرفع رأسه من السجود (^١).\nورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن الزهري به، بنحوه، وفيه: ... ولا يرفعهما بين السجدتين (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٢٧) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن خالد (يعني الحذاء)، عن أبي قلابة،\nأنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله - ﷺ - صنع هكذا (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٢٨) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،\nعن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه (^٤).\n* دليل من قال: يرفع يديه للقيام من الركعتين أيضًا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٢٩) روى البخاري من طريق عبد الأعلى، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع،\nأن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبَّر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٨).\n(^٢). مسلم (٢١ - ٣٩٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٧)، وصحيح مسلم (٣٩١).\n(^٤). صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).","vol":"3","page":441},{"text":"وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي - ﷺ - (^١).\n[ذكر الرفع إذا قام من الركعتين اختلف في ذكره، وفي وقفه ورفعه] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٩).\n(^٢). اختلف فيه على عبيد الله بن عمر:\nفي ثلاث مسائل: أحدها: الاختلاف في رفعه، ووقفه.\nالثانية: الاختلاف في رفع الأيدي إذا قام من الركعتين.\nوالثالثة: الاختلاف في رفع الأيدي إذا رفع رأسه من السجود.\nفرواه عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر، وقد انفرد بذكر الرفع إذا قام من الركعتين مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، ولم يذكر رفع الأيدي في السجود.\nورواه بقية بن الوليد عن عبيد الله مرفوعًا بذكر أوله، وهو الرفع إذا افتتح الصلاة، ولم يزد على ذلك.\nورواه عبد الوهاب الثقفي، وعبد الله بن إدريس، عن عبيد الله به، بذكر الرفع إذا قام من الركعتين موقوفًا على ابن عمر، ولم يذكر رفع الأيدي في السجود.\nورواه أيوب، وموسى بن عقبة، على اختلاف عليهما في رفعه ووقفه، مع اتفاقهما على عدم ذكر الرفع إذا قام من الركعتين، ولا إذا رفع من السجود.\nورواه أبو أسامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٩٦)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى.\nوقد انفرد في ذلك أبو أسامة مخالفًا عبد الأعلى، وعبد الوهاب، وابن إدريس، وأيوب، وموسى بن عقبة، وبقية، فكل هؤلاء رووه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، ولم يذكر أحد منهم رفع الأيدي في السجود،\nكما أنه مخالف لرواية مالك وابن جريج عن نافع.\nفقد رواه مالك، وابن جريج عن نافع موقوفًا، لا يختلف عليهم في وقفه، كما لا يختلف عليهم في عدم ذكر الرفع إذا قام من الركعتين، ولا إذا قام من السجود.\n\nكما رواه الليث، عن نافع به، بذكر الرفع إذا قام من الركعتين موقوفًا على ابن عمر، علقه أبو داود في سننه (٧٤١)، وهذه تشهد لرواية عبيد الله بن عمر من رواية الثقفي وابن إدريس عنه.\nهذا هو وجوه الاختلاف على عبيد الله بن عمر على سبيل الإجمال، وأنت تلحظ أن الرفع إذا قام من الركعتين مرفوعًا لا يرويه إلا عبد الأعلى عن عبيد الله بن عمر به.\nورواه عبد الوهاب الثقفي وابن إدريس، عن عبيد الله به، موقوفًا على ابن عمر.\nوفي الرفع من السجود لا يرويه عن عبيد الله بن عمر موقوفًا عليه إلا أبو أسامة حماد بن أسامة.\nفهذا الاختلاف على عبيد الله بن عمر مع ثقته وحفظه، ...\nفإما أن نحكم عليه بالاضطراب، وإما أن نرجح رواية الأكثر، وهو الرفع في ثلاثة مواضع =","vol":"3","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فقط، في الإحرام والركوع، والرفع منه، وهي تتفق مع رواية الإمام الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، فليس فيه الرفع إذا قام من الركعتين، ولا الرفع إذا قام من السجود، والله أعلم.\nونستبعد ما ينفرد به بعضهم، فنستبعد ما انفرد به أبو أسامة من رفع الأيدي إذا رفع من السجدة.\nونستبعد ما انفرد به عبد الأعلى من راية رفع الأيدي إذا قام من الركعتين مرفوعًا.\nومن أراد أن يقول بها فقهًا، لفعل ابن عمر، فقد قلد دينه مليًّا والأمر واسع، لكنها لا تثبت مرفوعة للنبي - ﷺ -، وقد نفى ابن عمر الرفع للسجود، والأحاديث التي ذكرت رفع الأيدي لم تذكر رفع الأيدي في القيام من الركعتين.\nهذا الإجمال في طرق عبيد الله بن عمر، وإليك التفصيل:\nرواه عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا، وزاد فيه: ذكر الرفع إذا قام من الركعتين.\nرواه البخاري (٧٣٩)، وأبو داود في السنن (٧٤١)، والبزار (٥٧٤٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٩٦).\nورواه عبد الوهاب الثقفي كما في رفع اليدين للبخاري (٧٩)، وعلقه أبو داود في سننه (٧٤١)، فرواه عن عبيد الله بن عمر موقوفًا بذكر الرفع إذا قام من الركعتين، ولفظه: عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، وإذا قام من الركعتين يرفعهما.\nورواه بقية بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر به برفع أوَّله، علقه أبو داود في السنن (٧٤١)، والدارقطني في العلل (١٣/ ١٣): بلفظ: كان إذا افتتح رفع يديه. ولم يزد على هذا. ...\nورواه عبد الله بن إدريس، قال: سمعت عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة، وإذا قام من الركعتين.\nرواه البخاري في رفع اليدين (١٠٦) حدثنا علي بن عبد الله (يعني المديني).\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٧٢) من طريق محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن ابن إدريس به.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤١٤) حدثنا ابن إدريس به، بلفظ: أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه.\nورواه الليث عن نافع به موقوفًا بذكر الرفع إذا قام من الركعتين، علقه أبو داود في السنن (٧٤١).\nورواه مالك، وابن جريج عن نافع به موقوفًا، علقه أبو داود في السنن (٧٤١)، ولم يذكرا الرفع إذا قام من الركعتين.\nورواه أيوب، وموسى بن عقبة على اختلاف عليهما في رفعه ووقفه، وذكرا فيه الرفع عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وليس فيه الرفع عند القيام من الركعتين.\nرواه أحمد (٢/ ١٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٧، ١٠٣) عن عفان.\nورواه البخاري في رفع اليدين (٥١) حدثنا موسى بن إسماعيل،\nوالطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٢) من طريق عبد الغفار بن داود، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، عن أيوب به، بلفظ: كان إذا كبر رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. ولم يذكر رفع اليدين إذا قام من الركعتين. =","vol":"3","page":443},{"text":"الدليل الثاني\n(ح-١٦٣٠) ما رواه النسائي من طريق المعتمر، قال: سمعت عبيد الله -وهو ابن عمر- عن ابن شهاب، عن سالم،\nعن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين يرفع يديه\n_________\n= ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٣) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن أيوب بن أبي تيمية، وموسى بن عقبة، عن نافع به، بلفظ: أنه كان يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائمًا من ركوعه حذو منكبيه، ويقول: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك.\nوهذه متابعة لحماد بن سلمة في روايته عن أيوب مرفوعًا.\nلكن رواه أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة به موقوفًا، علقه الدارقطني في العلل (١٣/ ١٥).\nوذكر الدارقطني في العلل (١٣/ ١٥) أن حماد بن زيد، رواه عن أيوب، عن نافع به، موقوفًا، فصار كل من أيوب وموسى بن عقبة قد اختلف عليهما في الرفع والوقف.\nقال أبو داود: الصحيح قول ابن عمر، ليس بمرفوع، قال أبو داود: وروى بقيَّةُ أوَّله عن عبيد الله، وأسنده، ورواه الثقفي، عن عبيد الله، وأوقفه على ابن عمر، قال فيه: وإذا قام من الركعتين يرفعهما، وهذا هو الصحيح.\nقال أبو داود: ورواه الليث بن سعد، ومالك، وأيوب، وابن جريج: موقوفًا، وأسنده حماد بن سلمة وحده عن أيوب، ولم يذكر أيوب، ومالك، الرفع إذا قام من السجدتين، وذكره الليث في حديثه .... إلخ.\nوقال الدارقطني: والموقوف عن نافع أصح.\nوقال البزار كما في مسنده (١٢/ ١٤٩): «هذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مسندًا إلا عبد الأعلى، وقد رواه غيره موقوفًا».\nوقال أبو داود في مسائله (٢٣٦): «سمع أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي. فقيل له: بين السجدتين، أرفع يدي؟ قال: لا».\nفواضح أن الإمام أحمد لا يفضل الرفع إذا قام من الركعتين؛ لذلك لا يفعله؛ لأنه لم يثبت عنده مرفوعًا، ولم يمنع منه لكونه ورد موقوفًا على ابن عمر من حديث عبيد الله بن عمر.\nفإن قيل: الإمام أحمد يأخذ بالآثار، فلماذا لم يأخذ به؟\nقيل: لعله للاختلاف على ابن عمر، فالأكثر على عدم ذكر الرفع من القيام من الثنتين. أما رفع الأيدي إذا رفع من السجود فنهى عنه الإمام أحمد؛ لأن ذكره شاذ، والشاذ من قبيل الوهم، والله أعلم.","vol":"3","page":444},{"text":"كذلك حذو المنكبين (^١).\n[لم يذكر الرفع من القيام من الركعتين إلا عبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله ورواه كبار أصحاب الزهري فلم يذكروا فيه الرفع من القيام من الركعتين، ولعل هذا هو المحفوظ] (^٢).\n_________\n(^١). المجتبى من سنن النسائي (١١٨٢).\n(^٢). رواه النسائي في المجتبى (١١٨٢)، وعنه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٠)،\nورواه ابن خزيمة في صحيحه (٦٩٣)، وعنه ابن حبان (١٨٧٧)، كلاهما (النسائي وابن خزيمة) روياه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان،\nورواه البزار في مسنده ولم يذكر لفظه (٦٠٠٣)، والروياني في مسنده (١٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك مقرونًا برواية يونس ومعمر ومحمد بن أبي حفصة، ثلاثتهم (المعتمر، وابن المبارك، وعبد الوهاب) رووه عن عبيد الله بن عمر به.\nولم يذكر ابن المبارك عند أبي عوانة الرفع من الركعتين، ولعل سبب ذلك أنه قرن برواية يونس ومعمر، عن الزهري، والله أعلم.\nوتابع عبيد الله بن عمر، أخوه عبد الله بن عمر (المكبر)، وفي حفظه لين، تابعه على ذكر الرفع من الركعتين.\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٥١٩)، عن عبد الله بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم قال: كان ابن عمر إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وإذا ركع رفعهما، فإذا رفع رأسه من الركعة رفعهما، وإذا قام من مثنى رفعهما، ولا يفعل ذلك في السجود. قال: ثم يخبرهم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله.\n\nقال عبد الله: سمعت نافعًا يحدث، عن ابن عمر مثل هذا، إلا أنه قال: يرفع يديه حتى يكونا حذو أذنيه.\nوقد خالف أصحاب الزهري عبيد الله بن عمر وأخاه عبد الله حيث رووه عنه، ولم يذكروا فيه الرفع عند القيام من الركعتين، منهم:\nالأول: يونس بن يزيد، رواه البخاري (٧٣٦)، ومسلم (٢٣ - ٣٩٠)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثاني: مالك، أخرجه في الموطأ (١/ ٧٥)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٥)، وأكتفي بالبخاري عن غيره.\nالثالث: سفيان بن عيينة، رواه مسلم (٢١ - ٣٩٠)، وأكتفي بالصحيح عن غيره اختصارًا.\nالرابع: شعيب بن أبي حمزة، رواه البخاري في الصحيح (٧٣٨)، وأكتفي بالصحيح عن غيره.\nالخامس: ابن جريج، رواه مسلم (٢٢ - ٣٩٠)، وأكتفي به عن غيره. =","vol":"3","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السادس: عقيل، رواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠).\nوكل هؤلاء روايتهم في الصحيحين أو في أحدهما، ورواه غيرهم من خارج الصحيح.\nالسابع: معمر، عن الزهري.\nرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٥١٧)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢)، والدارقطني في السنن (١١١٥).\nورواه أحمد (٢/ ٤٧)، وأبو يعلى (٥٥٦٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم.\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٨)، وفي الكبرى (٦٧٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك.\nورواه الروياني في مسنده (١٤٠٢) من طريق عبد الأعلى، ثلاثتهم عن معمر، عن الزهري به.\nالثامن: الزبيدي (محمد بن الوليد)، رواه أبو داود (٧٢٢)، والطبراني في مسند الشاميين (١٧٧٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥٦١)، عن محمد بن المصفى الحمصي (صدوق).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤١١) من طريق يزيد بن عبد ربه الحمصي (ثقة أوثق من روى عن بقية).\nورواه الطبراني في مسند الشاميين (١٧٧٧) حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق، حدثنا يحيى ابن عثمان،\nوالسراج في حديثه (٢٢٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١١) من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج (ضعيف)، أربعتهم (محمد بن المصفى، ويزيد بن عبد ربه، ويحيى بن عثمان، وأبي عتبة) رووه عن بقية، عن الزبيدي به.\nالتاسع: ابن أخي الزهري، رواه أحمد (٢/ ١٣٣، ١٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٨)، والسراج في مسنده (٩٠)، وفي حديثه (١٥٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١٤، ١١١٧).\nالعاشر: إبراهيم بن سعد، أخرجه الروياني في مسنده (١٤٠٢)، مقرونًا بغيره، وذكر أن اللفظ لغيره.\nالحادي عشر: أبو أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس (صدوق يهم)، عن الزهري، كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٨٠١)، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه .... الحديث.\nالثاني عشر: أبو حمزة يونس بن خباب (صدوق يخطئ ورمي بالرفض)، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٢).\nالثالث عشر: إبراهيم بن أبي عبلة، رواه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٧٩) ح ١٣١١١، وفي مسند الشاميين (٦٩).\nكل هؤلاء رووه عن الزهري، فلم يذكروا فيه ما ذكره عبيد الله بن عمر، من الرفع من القيام من الركعتين، وكان عبيد الله بن عمر قد روى عن نافع عن ابن عمر الرفع إذا قام من الركعتين، =","vol":"3","page":446},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦٣١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\n_________\n= رواه البخاري، وسبق تخريجه، انظر (ح ١٦٢٩)، فهل حمل عبيد الله بن عمر رواية الزهري على رواية نافع، واختلط عليه الأمر، أم أن تفرده بمثل هذا يحتمل له لضبطه وإتقانه ما لا يحتمل لغيره، وإن كنت أميل للأول، وأن الرفع ليس محفوظًا من رواية الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، والثقة مهما يبلغ قد يهم، ومتابعة عبد الله بن عمر العمري لا تجعل كفته راجحة؛ لضعفه، وقد خالف عبيد الله وأخوه الطبقة الأولى من أصحاب الزهري على رأسهم مالك، وابن عيينة، ويونس بن يزيد، وعقيل، ومعمر، وشعيب، والزبيدي، وابن جريج، فمن بقي من أصحاب الزهري من الطبقة الأولى لم يخالفهم عبيد الله؟ فإذا اتفق هؤلاء وغيرهم على رواية الحديث عن الزهري، فلم يذكروا هذا الحرف في روايته، وأكثرهم روايته مخرجة في الصحيحين أو في أحدهما، كان الجمع مقدمًا على الواحد، وإن كان ذلك مثل عبيد الله ابن عمر، وقد تحاشى البخاري ومسلم إخراج رواية عبيد الله عن الزهري، وخرج البخاري رواية عبيد الله ابن عمر عن نافع، فلعل ترك الشيخين لروايته عن الزهري بسبب تفرده، ومخالفته لأصحاب الزهري، والله أعلم.\nفإن قيل: إن ابن حجر قد نقل في الفتح (٢/ ٢٢٢)، والعراقي في طرح التثريب (٢/ ٢٦٤) عن البخاري قوله: «ما زاده ابن عمر، وعلي، وابن حميد في عشرة من الصحابة: من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة، فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم».\nفالجواب قد يكون قصد البخاري ثبوت ذلك عن ابن عمر بما أخرجه في صحيحه من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وهذا لا نزاع فيه، ولا يلزم من ذلك أن يكون الرفع محفوظًا من طريق عبيد الله، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ لأنك لا تستطيع أن تتجاهل إطباق أصحاب الزهري على روايتهم لحديثه دون هذه الزيادة، فلو كانت محفوظة أيغفلها كلهم، ويحفظها عبيد الله بن عمر وحده، والله أعلم.\nقال النسائي كما في تحفة الأشراف (٦٨٧٦) ط دار الغرب: لم يذكره عامة الرواة عن الزهري، وعبيد الله ثقة، ولعل الخطأ من غيره. اهـ\nونقل المزي عن حمزة الكناني أنه قال: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث: (وإذا قام من الركعتين) غير معتمر، عن عبيد الله، وهو خطأ، وبالله التوفيق».\nوكلامه صحيح إلا أن حمله التفرد على معتمر غير صحيح، فالحمل فيه ليس من قبل الرواة عن عبيد الله، بل هو من عبيد الله نفسه؛ لأن معتمرًا قد توبع، فخرج من العهدة، والله أعلم.","vol":"3","page":447},{"text":"عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن رِبْعِيٍّ، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تَبَاعَةً، قال: بلى. قالوا: فَاعْرِضْ. قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر، فركع، ثم اعتدل، فلم يصب رأسه، ولم يقنعه، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم رفع، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا، وقال: الله أكبر، ثم جافى، وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها، واعتدل حتى رجع كل عظم في موضعه، ثم هوى ساجدًا، وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها، حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبَّر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أَخَّرَ رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركًا، ثم سلم (^١).\n[الحديث صحيح في الجملة، وقد تفرد بذكر الرفع من القيام من الركعتين عبد الحميد بن جعفر، وهو صدوق له أوهام، والحديث في البخاري وليس فيه هذه الزيادة] (^٢)\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٢). روى الحديث عن أبي حميد الساعدي كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل،\nأما رواية عباس بن سهل، عن أبي حميد:\nرواه البخاري في رفع اليدين مختصرًا (٥) أخبرنا عبد الله بن محمد.\nوأبو داود بتمامه (٩٦٧) حدثنا أحمد بن حنبل،\n\nوالترمذي مختصرًا (٢٦٠، ٢٧٠، ٢٩٣)، وابن ماجه مختصرًا (٨٦٣)، وابن خزيمة مختصرًا (٦٤٠)، وابن حبان بتمامه (١٨٧١) كلهم عن محمد بن بشار.\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار مختصرًا (١/ ٢٢٣) حدثنا ابن مرزوق،\nورواه ابن خزيمة (٦٨٩) أخبرنا محمد بن رافع مقرونًا بمحمد بن بشار. =","vol":"3","page":448},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والدارمي في سننه (١٣٤٦) أخبرنا إسحاق بن إبراهيم.\nوالبزار في مسنده (٣٧١٢) حدثنا محمد بن المثنى، وأحال على رواية أخرى، كلهم رووه عن أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بأصبعه.\nهذا لفظ أبي داود، عن الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عامر العقدي به.\nوممن رواه بتمامه ابن حبان من طريق محمد بن بشار، عن أبي عامر، ولفظه: (اجتمع أبو حميد الساعدي وأبو أسيد الساعدي وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ -، فقال أبو حميد أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قام فكبَّر، ورفع يديه، ثم رفع يديه حين كبَّر للركوع، ثم ركع، فوضع يديه على ركبته كالقابض عليهما، فوتر يديه، فنحاهما عن جنبيه، ولم يصوب رأسه، ولم يقنعه، ثم قام فرفع يديه، فاستوى حتى رجع كل عضو إلى موضعه، ثم سجد أمكن أنفه وجبهته، ونَحَّى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عضو في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كَفَّه اليمنى على ركبته اليمنى وكفه اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه السبابة.\nقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي حميد بأحسن من هذين الإسنادين».\nوقد توبع أبو عامر العقدي،\nتابعه أبو داود الطيالسي كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٢٩٧)، عن فليح بن سليمان، حدثني العباس بن سهل الساعدي به، بنحوه.\nكما تابعه أحمد بن يزيد الحراني كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٥٤، ١٦٨).\nوفليح بن سليمان صدوق، كثير الخطأ، إلا أنه قد توبع أيضًا.\nأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٦٨١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن رسول الله - ﷺ - في صلاته إذا سجد العباس بن سهل بن سعد بن مالك بن ساعد، قال: جلست بسوق المدينة في الضحى مع أبي أُسَيْد مالك بن ربيعة، ومع أبي حميد صاحب رسول الله - ﷺ -، وهما من رهطه من بني ساعدة، ومع أبي قتادة الحارث بن ربعي، فقال بعضهم لبعض -وأنا أسمع- أنا أعلم بصلاة رسول الله - ﷺ - منكما، كل يقولها لصاحبه ... وذكر الحديث بتمامه. =","vol":"3","page":449},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإبراهيم بن سعد من أوثق أصحاب محمد بن إسحاق، فهذه متابعة حسنة لفليح بن سليمان، وبهذه المتابعة يكون حديث سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد حديثًا صحيحًا، وليس في هذا الطريق مع تنوع طرقه ذكر لرفع اليدين إذا قام من الركعتين.\nورواه البخاري في رفع اليدين (٦) من طريق يونس بن بكير، أخبرنا ابن إسحاق به مختصرًا.\nوأما رواية محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي، فيرويه عن محمد بن عطاء كل من:\nالأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nرواه البخاري في صحيحه (٨٢٨) من طريق الليث بن سعد، عن سعيد (يعني ابن أبي هلال) ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن محمد ثلاثتهم عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء به، بلفظ: (أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)، ولم يذكر الرفع إلا في تكبيرة الافتتاح.\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوعبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، قال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي، وذكره العقيلي في الضعفاء.\nوقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٧): وأما حديث أبي حميد بن جعفر؛ فإنهم يضعفون عبد الحميد، فلا يقيمون به حجة، فكيف يحتجون به في مثل هذا. اهـ\nولم يتفق على ضعف عبد الحميد، بل الأكثر على أنه صدوق، وقد يهم في الشيء.\nوقال أحمد: ثقة ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان يضعفه من أجل القدر. اهـ\nواختلف النقل عن يحيى بن سعيد القطان، فمرة نقل أنه كان يوثقه، ونقل أنه كان يضعفه، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد يوثقه، وكان سفيان الثوري يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس، وهو صالح. الجرح والتعديل (٦/ ١٠).\nوقال يحيى بن معين في رواية الدوري، عنه: ثقة، ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد. قال: قد روى عنه، وكان يضعفه، وكان يروي عن قوم ما كانوا يساوون شيئًا.\nوقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٥): «ولعبد الحميد غير ما ذكرت، وأرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه».\nوذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. =","vol":"3","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد تفرد عبد الحميد بن جعفر في ذكر الرفع إذا قام من الركعتين، وهو أحسن أحواله أن يكون صدوقًا، أتكون زيادته من زيادة الثقة، أم تكون زيادته شاذة، لعلتين: التفرد، والمخالفة.\nأما التفرد فلأنه لم يذكر هذا الحرف من حديث أبي حميد من غير طريقه.\nوأما المخالفة فقد شاركه بالرواية عن شيخه محمد بن عمرو بن حلحلة، وهو أوثق منه، وروى الحديث بتمامه، ولم يذكر هذا الحرف، وأخرج البخاري رواية محمد بن عمرو بن حلحلة، ولم يخرج رواية عبد الحميد بن جعفر، لأن عبد الحميد ليس على شرطه، وترك تخريجه الإمام مسلم، وهو على شرطه، وقد روى مسلم لعبد الحميد بن جعفر ما يقارب عشرين حديثًا، بعضها في الشواهد والمتابعات، وترك تخريج هذا الحديث.\nكما روى الحديث عباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي، فلم يذكر هذا الحرف، فليس عبد الحميد بن جعفر ممن تحتمل له المخالفة والتفرد، ولعل من صحح الحديث من الأئمة أراد بعضهم من ذلك في الجملة أي فيما توبع عليه عبد الحميد بن جعفر دون ما تفرد به مخالفًا لغيره، والله أعلم، فليس النزاع في صحة حديث أبي حميد الساعدي، وقد رواه البخاري في صحيحه، وإنما الاجتهاد في النظر فيما زاده عبد الحميد دون غيره، مخالفًا لرواية صحيح البخاري، ومخالفًا لكل من رواه، فالبحث في الحديث لا يُطوَّع للفقه، وإنما الفقه تابع وثمرة للبحث الحديثي، ولعل امتناع الإمام أحمد في نفسه عن الرفع في هذا الموضع وعدم نهيه لغيره عن الرفع يدلك على أن المقام مقام يعذر فيه المخالف، لوجود هذه الأحاديث، وما اختاره الإمام أحمد لنفسه هو ما تميل له نفسي، وأن أدلة الرفع في هذا الموضع ليست كأدلة الرفع في الركوع والرفع منه تتابعت على سنيتها أحاديث كالشمس، وهي سالمة في أسانيدها عن الاختلاف، وما يعارضها من أحاديث أخرى لا تثبت، ولا تقوى على مخالفتها، والله أعلم.\nهذا الكلام على طريق عبد الحميد بن جعفر من حيث الإجمال، وإليك التفصيل:\nالحديث رواه عن عبد الحميد بن جعفر يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وأبو أسامة، حماد بن أسامة، وهشيم بن بشير، وعبد الملك بن الصباح المسمعي.\nأما رواية يحيى بن سعيد القطان، فرواه عن عبد الحميد بن جعفر، واختلف عليه:\nفرواه أحمد في المسند (٥/ ٤٢٤)،\nومحمد بن بشار كما في سنن الترمذي (٣٠٤)، وابن ماجه (٨٦٢)، وسنن النسائي (١١٨١) وفي الكبرى له (١١٨٦)، وابن خزيمة (٥٨٧، ٦٥١، ٦٨٥).\nومحمد بن المثنى مقرونًا بابن بشار كما في سنن الترمذي (٣٠٤).\nومسدد مقرونًا بأبي عاصم، كما في سنن أبي داود (٧٣٠).\nويحيى بن حكيم كما في مسند البزار (٣٧١١)، رووه عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر به، بذكر رفع اليدين من القيام من الركعتين.\nوفيه عند أحمد والترمذي والبزار (... حتى إذا قام من السجدتين كبَّر، ورفع يديه حتى =","vol":"3","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يحاذي بهما منكبيه).\nوفي رواية ابن ماجه، قال: (.... فإذا قام من الثنتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه)، وهما بمعنى واحد.\nوخالفهم عمرو بن علي الفلاس كما في صحيح ابن حبان (١٨٦٥)، فرواه عن يحيى بن سعيد القطان، وذكر فيه: (وإذا قام من الركعتين كبر، ثم قام)، فذكر التكبير، ولم يذكر الرفع.\nالثاني: أبو عاصم الضحاك، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه أحمد بن حنبل كما في سنن أبي داود (٧٣٠)،\nومحمد بن بشار، كما في سنن الترمذي (٣٠٥)، وسنن ابن ماجه (١٠٦١)، وصحيح ابن خزيمة مختصرًا مقرونًا بغيره (٥٨٨، ٦٢٥)، وصحيح ابن حبان (١٨٦٧).\nوأبو بكرة كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣)،\nوأبو الحسن محمد بن سنان القزاز البصري ببغداد (٢/ ١٠٥)، أربعتهم رووه عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، وفيه: (... وإذا قام من الركعتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما كبر عند افتتاح الصلاة).\nورواه محمد بن يحيى الأزدي، كما في منتقى ابن الجارود (١٩٢)، وصحيح ابن خزيمة مختصرًا (٥٨٨، ٦٢٥)، وابن حبان (١٨٧٦) عن أبي عاصم به.\nرواه ابن الجاورد بلفظ: (.... إذا قام من الركعتين ....) كلفظ أحمد ومحمد بن بشار، وأبي بكرة والقزاز.\nورواه ابن حبان بلفظ: (... وإذا قام من الثنتين). وهما بمعنى.\nورواه الدارمي في سننه (١٣٩٦) عن أبي عاصم به، وقال: (... فإذا قام من السجدتين ...) وهي رواية بالمعنى.\nورواه الحسن بن علي الحلواني مقرونًا بمحمد بن بشار كما في سنن الترمذي (٣٠٥).\nوأحمد بن سعيد الدارمي مختصرًا، مقرونًا بغيره، كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٨، ٦٢٥).\nوتتفق رواية أبي عاصم الضحاك بن مخلد، مع رواية يحيى بن سعيد القطان على ذكر رفع اليدين إذا قام من الركعتين.\nالثالث: أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن حبان في صحيحه بتمامه (١٨٧٠) من طريق عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة به، وذكر الحديث، وفيه: (.... حتى إذا قام من الركعتين كبَّر، وصنع كما صنع في ابتداء الصلاة ....). وذكر الحديث.\nرواه ابن ماجه (٨٠٣) حدثنا علي بن محمد الطنافسي،\nوالبيهقي مختصرًا (٢/ ١٦٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي أسامة به مختصرًا، وليس فيه موضع البحث. =","vol":"3","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الطريق الرابع: عبد الملك بن الصباح المِسْمَعِيُّ، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن خزيمة (٦٧٧) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر المدني به، وفيه: (.... ثم يقوم من السجدتين، فيصنع مثل ما صنع حين افتتح الصلاة).\nالطريق الخامس: هشيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٨).\nوالبزار في مسنده (٣٧١٠) حدثنا الحسن بن عرفة،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٨) من طريق يحيى بن يحيى، ثلاثتهم عن هشيم بن بشير به مختصرًا، ليس فيه موضع البحث.\nهذا ما يتعلق بطرق الحديث.\nوقد نقل ابن رجب في كتابه شرح البخاري (٦/ ٣٣٧): عن الخلال، عن إسماعيل بن إسحاق الثقفي، قال: سئل أحمد بن حنبل عن حديث أبي حميد الساعدي، عن النبي - ﷺ - في رفع الأيدي، فقال: صحيح. اهـ\nوهذا التصحيح من الإمام أحمد محمول على تصحيح الحديث، لا على تصحيح رفع اليدين إذا قام من الركعتين؛ فلو كان هذا الحرف صحيحًا عند الإمام أحمد ما قال أبو داود في مسائله (ص: ٥١): سمعت أحمد سئل عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي؟ قال: لا. اهـ فكيف يختار لنفسه أن يترك سنة يراها صحيحة عنده، صحيح أنها ليست في الخلاف كالرفع من السجود، ولكن كون الخلاف فيها قويًّا، وكون حديث أبي حميد الساعدي صحيحًا لا يعني الذهاب إلى صحة ما تفرد به عبد الحميد بن جعفر، والله أعلم.\nوقال الإمام البخاري كما في قرة العينين برفع اليدين (ص: ٧٠): «وما زاد على ذلك أبو حميد ﵁ في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - كان يرفع يديه إذا قام من السجدتين، كله صحيح؛ لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فيختلفوا في تلك الصلاة بعينها، مع أنه لا اختلاف مع ذلك، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم».\nوقال الترمذي: حديث أبي حميد حديث حسن صحيح، وهذا تصحيح من الترمذي، ولا يعني تصحيح هذا الحرف؛ لأنه قاله حين روى الحديث من طريق فليح، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، وليس فيه زيادة (الرفع إذا قام من الركعتين)\nوقد رواه الترمذي من طريق يحيى بن سعيد القطان، ومن طريق أبي عاصم، كلاهما عن عبد الحميد به، ولم يصرح بصحته من هذا الطريق. والله أعلم.\nفعلى كل حال من رأى أن الرفع قد يستفاد من كثرة الأحاديث الواردة فهو قريب، ومن ترك الرفع إذا قام من الركعتين فقوله: أقرب وأحوط، والله أعلم.","vol":"3","page":453},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٦٣٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن أبي الزناد- عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل بن عبد الرحمن بن فلان بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -: أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته، وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك، وكبر (^١).\n[انفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وقد رواه جماعة عن موسى بن عقبة فلم يذكروا ما ذكره ابن أبي الزناد، في مقدمتهم ابن جريج] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (١/ ٩٣).\n(^٢). هذا الحديث سبق لي دراسته وتخريجه أكثر من مرة في هذا الكتاب إلا أن التخريج لما كان مرتبطًا بالفقه، وكان الحديث يشتمل على أحكام كثيرة، يكون التخريج في كل مسألة فقهية معنيًّا بموضع الاستشهاد، دون بقية ألفاظه، فإذا أعيد الاحتجاج بالحديث للفظ آخر منه اضطررت إلى إعادة تخريجه، ولا يغني تخريجه السابق، عن تخريجه اللاحق، لأن البحث في كل مسألة يكون متوجهًا إلى دراسة موضع الاحتجاج دون غيره من الألفاظ، لهذا على القارئ الكريم أن يتفهم الحاجة إلى إعادة تخريجه، ولو كان البحث حديثيًّا صرفًا في معزل من الفقه لتكلمت على جميع ألفاظه في موضع واحد، وانتهيت من تخريجه مرة واحدة، فالله المستعان.\nفالحديث مداره على الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁.\nويرويه عن الأعرج اثنان: عبد الله بن الفضل، ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون.\nأما يعقوب بن أبي سلمة فلم يرد في حديثه ذكر لرفع اليدين في الصلاة.\n\nوأما عبد الله بن الفضل، فرواه عنه اثنان: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وموسى بن عقبة، أما الأول فكذلك لم يرد في حديثه ذكر لرفع اليدين في الصلاة.\nوأما موسى بن عقبة، فاختلف عليه:\nفرواه ابن جريج (ثقة فقيه)، وإبراهيم بن طهمان (ثقة يغرب)، وعبد الله بن جعفر المديني (ضعيف)، وعاصم بن عبد العزيز الأشجعي (ضعيف) كلهم رووه عن موسى بن عقبة، فلم يذكروا في حديثهم رفع اليدين في الصلاة.\nوخالفهم عبد الرحمن بن أبي الزناد (صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد)، فرواه عن موسى =","vol":"3","page":454},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (حتى إذا قام من السجدتين كبر، ورفع يديه).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٦٣٣) ما رواه أبو داود في السنن من طريق يحيى بن أيوب، عن عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام،\nعن أبي هريرة، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبر للصلاة جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك، وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك (^١).\n_________\n= ابن عقبة، فزاد فيه (رفع اليدين في أربعة مواضع)، أتكون هذه الزيادة محفوظة مع مخالفتها لكل من روى الحديث، أم تكون شاذة لعلتي التفرد والمخالفة، فلو تفرد عبد الرحمن بن أبي الزناد لم يكن القلب مطمئنًّا بتفرده، كيف إذا انضم إلى ذلك جَمْعٌ من المخالفات، منها:\nأنه خالف جميع من رواه عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، وفي مقدمتهم ابن جريج، وإبراهيم بن طهمان، ولو خالف ابن جريج وحده لَرُدَّ حديثه.\nكما خالف من شارك موسى بن عقبة في روايته عن عبد الله بن الفضل، أعني به عبد العزيز ابن عبد الله بن أبي سلمة.\nكما خالف من شارك عبد الله بن الفضل في روايته عن الأعرج، أعني به يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، أيكون هذا الحرف محفوظًا في الحديث، ثم يجمع كل هؤلاء على عدم ذكره، ويتفرد به عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو غايته أن يكون حسن الحديث فيما حدث به بالمدينة، ضعيفًا فيما حدث به ببغداد إلا فيما رواه عنه الهاشمي فإنه مقارب، قاله ابن المديني، وهي ليست عبارة تمتين، إنما تعني أن حديثه من قبيل الحسن، وهذا القول مقبول بشرط ألا يخالف غيره، فأما إذا خالف غيره ممن هو أوثق منه، فلا يقبل ولو كان ثقة، فكيف إذا كان مقارب الحديث، فكان مقتضى القواعد الحكم بشذوذ هذا الحرف، ولهذا لا يستطيع الباحث أن يطمئن إلى زيادته حتى فيما ثبت من أحاديث أخرى، كالرفع في تكبيرة الافتتاح، والرفع مع الركوع والرفع منه، فهذا مقطوع باستحبابه من حديث ابن عمر ﵁، لكنها لا تثبت من حديث علي ﵁، لتفرد ابن أبي الزناد بها، فالفقه كما قلت: تابع للحديث، وثمرة عنه، وليس العكس.\nوقد سبق تخريج هذا الحديث في مسألة: (منتهى الرفع)، انظر: (ح: ١٢٥٤)، فأغنى ذلك عن إعادته، ولله الحمد.\n\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٨).","vol":"3","page":455},{"text":"[منكر، والمعروف رواية الصحيحين أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين، وقاله أبو حاتم الرازي] (^١).\n_________\n(^١). اختلف في على ابن جريج:\nفرواه عنه يحيى بن أيوب (صدوق سيئ الحفظ) كما في سنن أبي داود (٧٣٨)، ومشكل الآثار للطحاوي (٥٨٣٦).\nوعثمان بن الحكم الجذامي (ليس بالقوي)، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٩٥)، كلاهما عن ابن جريج به، بذكر الرفع إذا قام من الركعتين.\nورواه صالح بن أبي الأخضر، رواه أبو حاتم في العلل (٢٩١) من طريق حفص النجار (هو ابن عمر: أبو عمران الرازي الواسطي) (ضعيف)، عن صالح بن أبي الأخضر (ضعيف)، عن الزهري به، وفيه: (... وكان يرفع يديه إذا نهض من الركعتين، فإذا سلم التفت إلينا، وقال: إني أشبهكم صلاة بالنبي - ﷺ -.\nوهذه متابعة لابن جريج من رواية يحيى بن أيوب وعثمان بن الحكم الجذامي عنه.\nقال أبو حاتم: هذا خطأ؛ إنما يروى هذا الحديث: أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين.\nوخالف هؤلاء الضعفاء كل من:\nالأول: عبد الرزاق، كما في مصنفه (٢٤٩٦)، ومن طريقه أحمد (٢/ ٢٧٠)، ومسلم (٢٨ - ٣٩٢)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٧٨، ٦١١)، وأبو عوانة كما في مستخرجه (١٥٨٣، ١٥٩٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٦٤) مقرونًا بأبي عاصم، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٣)،\nالثاني: عبد الله بن المبارك رواه مختصرًا كما في سنن الترمذي (٢٥٤)، وليس فيه موضع البحث.\n\nالثالث: أبي عاصم الضحاك بن مخلد، كما في مسند البزار (٨٠٩٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٦٤) مقرونًا بعبد الرزاق، ثلاثتهم (عبد الرزاق، وابن المبارك، وأبو عاصم) رووه عن ابن جريج به،\nوفي رواية عبد الرزاق: (... ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس، ثم يقول: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -). وعبد الرزاق من أصحاب ابن جريج، والمقدمين فيه.\nوفي رواية أبي عاصم عند البزار: (.... ويكبر إذا قام من الثنتين. قال أبو هريرة: وأنا أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -).\nوقد رواه عقيل كما في صحيح البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٢٩ - ٣٩٢)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nوشعيب كما في صحيح البخاري (٨٠٣).\nومعمر كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٥٦)، وفي الكبرى (٧٤٦)، وسنن الدارمي (١٢٨٣)، ثلاثتهم رووه عن الزهري به بالاقتصار على ذكر التكبير دون رفع اليدين، فظاهر نكارة ما رواه أبو داود، والله أعلم ..","vol":"3","page":456},{"text":"* دليل من قال: يرفع يديه في كل خفض ورفع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٣٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم،\nعن مالك بن الحويرث، أنه رأى نبي الله - ﷺ - يرفع يديه في صلاته، إذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بها فروع أذنيه (^١).\n[الحديث صحيح إلا أن ذكر الرفع إذا سجد وإذا رفع من السجود ليس محفوظًا] (^٢)\n_________\n(^١). مسند أحمد (٣/ ٤٣٦).\n(^٢). حديث قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، رواه جماعة كثيرة عن قتادة، وبالرغم من أني سبق لي تخريج هذا الحديث، إلا أن التخريج السابق كانت عناية البحث متوجهة إلى مناسبات فقهية مختلفة، مما يستدعي إعادة البحث عند بحثه في مناسبة فقهية أخرى، والبحث الآن في ذكر رفع اليدين في السجود، وهذا هو الفرق بين تخريج الحديث في معزل عن الاحتجاج الفقهي، وبين تخريجه في سياق الاحتجاج به في حكم مسألة فقهية، فلو فتحت النقاش في جميع أحكام الحديث الفقهية ربما تعرضت لمسائل شتى لم يَأْتِ أوان بحثها، فأسأل الله ﷾ العون والتوفيق، وللقارئ الكريم الصبر والعذر.\nفقد رواه عن قتادة جماعة من أصحابه، منهم همام، وابن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وأبو عوانة، وحماد بن سلمة، وإليك تفصيل مروياتهم:\nالأول: همام بن يحيى، عن قتادة،\nرواه أحمد (٥/ ٥٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩٠) عن عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه حيال فروع أذنيه في الركوع والسجود.\nوقال أبو عوانة: (... حيال أذنيه ....).\n\nوعفان من أثبت أصحاب همام، وهمام من أصحاب قتادة، إلا أن هشامًا الدستوائي وشعبة، وابن أبي عروبة مقدمون عليه في قتادة، ونقل العقيلي في الضعفاء عن الحسن بن علي الحلواني، قال: سمعت عفان قال: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالف، فلا يرجع إلى كتابه، وكان يكره ذلك، قال: ثم رجع بعد، فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا. فاستغفر الله.\nوكان يحيى القطان لا يرضى حفظه ثم سكت عنه، وقال أبو حاتم الرازي: ثقة في حفظه شيء، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن سعد: ثقة ربما غلط، وقال يزيد بن زريع: همام =","vol":"3","page":457},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حفظه رديء، وكتابه صالح.\nوقال ابن محرز: سمعت علي بن المديني: سعيد أحفظهم عن قتادة، وشعبة بما يسمع وما لم يسمع، وهشام أروى القوم، وهمام أسندهم إذا حدث من كتابه، هم هؤلاء الأربعة أصحاب قتادة. اهـ انظر حاشية تهذيب الكمال (٣٠/ ٣٠٦).\nفالذي يظهر لي أن همَّامًا يأتي بعد شعبة وهشام وسعيد، وقد وهم في زيادة ذكر الرفع إذا سجد وإذا رفع منه، وقد خالف شعبة، وأبا عوانة، وهشامًا الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة من رواية أربعة من أصحابه على رأسهم يزيد بن زريع، وابن علية، فإذا خالف همامًا هؤلاء قطعنا بوهمه، ولم نقبل زيادته، والله أعلم ..\nالثاني: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nواختلف على سعيد فيه:\nفرواه محمد بن أبي عدي (ثقة سمع من ابن أبي عروبة بعد الاختلاط) كما في مسند أحمد (٣/ ٤٣٦)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٨٥، ١٠٨٦)، وفي الكبرى (٦٧٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٧، ٥٨٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٤).\nومحمد بن جعفر (ثقة سمع من سعيد بعد الاختلاط) كما في مسند أحمد (٣/ ٤٣٧)،\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى (ثقة، روى عن سعيد قبل تغيره، ومكثر من الرواية عنه) كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٨٦)، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وذكروا فيه: (رفع اليدين إذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود).\nوساق مسلم رواية ابن أبي عدي (٢٦ - ٣٩١)، واختصره مقتصرًا على قوله: (أنه رأى النبي - ﷺ -، وقال: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)، مما يوحي بأنه لم يَعْتَدَّ بزيادته، وإلا لذكرها.\nوخالفهم كل من:\nإسماعيل بن علية، كما في مسند أحمد (٥/ ٥٣)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٢٤، ٨٨١)، وفي الكبرى (٩٥٧، ١٠٩٨)\nوعبد الله بن نمير، كما في مصنف ابن أبي شيبة في المصنف مختصرًا (٢٤١٢) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٤).\nويزيد بن زريع (ثقة سمع من سعيد قبل تغيره، وهو مقدم في سعيد)، كما في رفع اليدين للبخاري (٦٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٥٦)، وفي الكبرى له (٦٤٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٣٠، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣٩)\nوخالد بن الحارث، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٤)، أربعتهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به، وليس فيه ذكر لرفع اليدين إذا سجد، وإذا رفع من السجود.\nفهؤلاء كلهم ثقات، وفيهم ابن زريع وهو من أثبت الناس في ابن أبي عروبة، وقد سمع منه قبل الاختلاط، كما أن خالد بن الحارث وابن علية ثقتان أيضًا وممن سمع من سعيد أيضًا =","vol":"3","page":458},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قبل اختلاطه، فيكون المحفوظ من حديث سعيد ليس فيه رفع اليدين إذا سجد، وإذا رفع من السجود، هذا ما يخص طريق سعيد بن أبي عروبة، والله أعلم.\nالثالث: هشام الدستوائي، عن قتادة به.\nرواه معاذ بن هشام، عن أبيه، واختلف فيه على معاذ:\nفرواه أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، كما في حديث السراج (٢٤٩٤، ٢٥٦٨)،\nومحمد بن المثنى كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٤٣، ١٠٨٧)، وشرح مشكل الآثار (٥٨٣٩) كلاهما عن معاذ بن هشام به، وفيه: (.... وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك).\nوفي حديث السراج: قال قتادة [لعل الصواب: قال أبو قدامة]: ولم أسمع أحدًا تابعه على السجود).\nوخالفهما الحميدي كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٧)، فرواه عن معاذ بن هشام، عن أبيه به، بلفظ: (كان إذا دخل في الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يجعلهما حيال أذنيه، وربما قال: حذا أذنيه، فإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك).\nورواية الحميدي عن معاذ هي الصواب، كيف وقد رواه جمع من هشام، فلم يذكروا ما ذكره ابنه معاذ، منهم:\nالأول: يزيد بن زريع، كما في سنن ابن ماجه (٨٥٩)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٤٦).\nالثاني: إسحاق بن إبراهيم، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٩، ومسند السراج (٩٤).\nالثالث والرابع: عبد الصمد، وأبو عامر (يعني العقدي)، كما في مسند أحمد (٥/ ٥٣)، أربعتهم رووه عن هشام الدستوائي، به، فلم يذكروا في حديثهم (رفع اليدين إذا رفع من السجود).\nالرابع: شعبة، عن قتادة،\nولم يختلف على شعبة في عدم ذكره رفع اليدين إذا سجد، أو رفع من السجود، رواه عن شعبة كل من.\nيحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٥/ ٥٣)،\nوآدم بن إياس، كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٩٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥.\nوأبي الوليد الطيالسي، كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٧)، وسنن الدارمي (١٢٨٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨٨)،\nوسليمان بن حرب كما في قرة العينين في رفع اليدين للبخاري (٧)، وصحيح ابن حبان (١٨٦٠)، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥،\nوحفص بن عمر الحوضي كما في سنن أبي داود (٧٤٥)، والمعجم الكبير للطبراني مقرونًا بغيره (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥،\nوعاصم بن علي كما في المعجم الكبير للطبراني مقرونًا بغيره (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٥، =","vol":"3","page":459},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي داود الطيالسي كما في مسنده (١٣٤٩)، ومن طريقه أبونعيم في معرفة الصحابة (٦٠٠٢) وعبد الرحمن بن مهدي كما في سنن الدارقطني (١١٢٣)،\nوالنضر بن شميل، كما في مسند السراج (٩٣)،\nوخالد بن الحارث كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٨٠) وفي الكبرى (٩٥٦)، عشرتهم رووه عن شعبة، عن قتادة، وليس في طريق منها ذكر رفع اليدين إذا سجد، أو رفع من السجود، وهو المحفوظ.\nالخامس: أبو عوانة، عن قتادة. وليس فيه ذكر رفع اليدين إذا سجد، وإذا رفع من السجود،\nرواه مسلم في صحيحه (٢٥ - ٣٩١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٢٢)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٧، والدارقطني في السنن (١١٢٣)، عن أبي كامل الجحدري،\nولفظه عند مسلم: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك) وبهذا اللفظ قد رواه أكثر من روى الحديث عن قتادة، ولعل هذا هو المحفوظ من ألفاظه.\nالسادس: سعيد بن بشير، عن قتادة.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٨٥) ح ٦٢٨، وفي مسند الشاميين (٢٦٩٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٤/ ٤٨)، من طريق عبد الحميد بن بكار السلمي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة به، بلفظ: (رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه إذا كبر حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع).\nالسابع: حماد بن سلمة، عن قتادة.\nرواه البخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٥٣)، حدثنا موسى بن إسماعيل.\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ٢٨٤) ح ٦٢٦، من طريق حجاج بن منهال، كلاهما عن حماد ابن سلمة، عن قتادة به، بلفظ: (كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه إلى فروع أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثله). اهـ وليس فيه ذكر الرفع إذا سجد، وإذا رفع من السجود.\nالثامن: عمران القطان، عن قتادة.\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٦) ح ٦٣١، حدثنا محمد بن خالد الراسبي، حدثنا مهلب بن العلاء، حدثنا شعيب بن بيان، حدثنا عمر بن القطان به، وليس فيه الرفع إذا سجد، وإذا رفع من السجود.\nوشيخ الطبراني، وشيخه فيهما جهالة.\nفتبين شذوذ (رفع اليدين عند السجود والرفع منه) لأن أكثر الطرق لم يرد فيه هذا الحرف، وكل من رواها قد اختلف عليه أصحابه، وكان الأكثر عنه عدم ذكرها، كهشام الدستوائي، وابن أبي عروبة، فكان الراجح من روايتهم ما وافق رواية شعبة، وأبي عوانة، وحماد بن سلمة، وسعيد بن بشير المتفقة على عدم ذكرها.\nومما يرجح رواية عدم ذكر الرفع في السجود أن الحديث قد جاء من غير رواية قتادة، ليس فيه هذه الزيادة، فقد روى البخاري (٧٣٧)، ومسلم (٣٩٢) من طريق أبي قلابة، عن مالك، أنه إذا صلى كبَّر، ورفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله - ﷺ - صنع هكذا. اهـ هذه هي المواضع الصحيحة الواردة في رفع اليدين، والسالمة من المعارضة، والله أعلم.","vol":"3","page":460},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٦٣٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن حميد،\nعن أنس، أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه في الركوع والسجود (^١).\n[شاذ، والمحفوظ وقفه على أنس، ليس فيه الرفع في السجود] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٢٤٣٤).\n(^٢). أخطأ فيه عبد الوهاب الثقفي في موضعين، في رفعه، وفي ذكر الرفع من السجود،\nوقد اختلف عليه في ذكر الرفع من السجود،\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٤)، وعنه أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣٧٥٢)،\nوبندار (محمد بن بشار) كما في سنن الدارقطني (١١٩)، كلاهما روياه عن عبد الوهاب الثقفي بذكر الرفع للسجود.\nورواه الترمذي في العلل الكبير (٩٩)، وابن ماجه (٨٦٦) حدثنا محمد بن بشار.\nوأبو يعلى الموصلي في مسنده (٣٧٩٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة،\nوالبخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين في رفع اليدين (٨) حدثنا محمد بن عبد الله ابن حوشب، ثلاثتهم رووه عن عبد الوهاب الثقفي به، بلفظ: كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. هذا لفظ أبي يعلى، ولم يذكر الرفع حال السجود، فكان الثقفي مرة يذكر الرفع في السجود، ومرة لا يذكره، مما يدل على عدم ضبطه.\nوقد توبع الثقفي على رفعه، دون الرفع من السجود، تابعه على ذلك يزيد بن هارون.\nأخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٠٢٧) من طريق أبي بكر عبد الرحمن ابن محمد بن علويه القاضي، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسد والي خراسان، حدثنا أبي عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع.\nوهذا الطريق موضوع، في إسناده أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علُّويه كان يركب الأسانيد على المتون. انظر ترجمته في اللسان (٥/ ١٢٦)، فهذه المتابعة لا تغني شيئًا.\nوقد رواه جمع عن حميد موقوفًا، ليس فيه الرفع للسجود، وهو المحفوظ،\n\nفرواه معاذ بن معاذ كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٣٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٣٨). وعبد الأعلى بن عبد الأعلى كما في رفع اليدين للصلاة للبخاري، انظر: قرة العينين برفع اليدين (٧٣)،\nويحيى بن سعيد القطان كما في رفع اليدين للبخاري انظر قرة العينين (٩٧)، ثلاثتهم رووه عن حميد، عن أنس أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. هكذا موقوفًا على أنس ليس فيه رفع اليدين للسجود.\nقال الدارقطني في السنن (٢/ ٤٢): «لم يروه عن حميد مرفوعًا غير عبد الوهاب، والصواب من فعل أنس». اهـ","vol":"3","page":461},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦٣٦) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر، ويفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد (^١).\n[منكر، والمعروف أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين] (^٢).\nوروى أبو طاهر المخلص في المخلصيات من طريق ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،\nأنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -.\nقال ابن صاعد: ليس أحد يقول: يرفع يديه إلا ابن أبي عدي، وغيره يقول: يكبر (^٣).\n[شاذ، ومحمد بن عمرو متكلم في روايته عن أبي سلمة، والمحفوظ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، كما هي رواية الصحيحين عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ١٣٢).\n(^٢). سبق تخريجه انظر: ح (١٢٦٤).\n(^٣). المخلصيات (١٢٢٥).\n(^٤). قال الدارقطني في العلل (٩/ ٢٨٣): «رواه عمرو بن علي، عن ابن أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -، ولم يتابع عمرو بن علي على ذلك، وغيره يرويه: أن النبي - ﷺ - كان يكبر في كل خفض ورفع، وهو الصحيح».\nونقله عنه ابن رجب في شرح البخاري وأقره (٦/ ٣٥٥، ٣٥٦).\nوقد رواه البخاري (٧٨٥)، ومسلم (٢٧ - ٣٩٢) من طريق مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف، قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -. وهو في الموطأ (١/ ٧٦).","vol":"3","page":462},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٦٣٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن بن اليحصبي،\nعن وائل بن حجر الحضرمي قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه مع التكبير (^١).\n[في إسناده اليحصبي مجهول] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٦٣٨) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا رِفْدَةُ بن قضاعة الغساني، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه،\nعن جده عمير بن حبيب، قال: كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة (^٣).\n(ح-١٦٣٩) ورواه ابن حبان في المجروحين، حدثنا محمد بن العباس الدمشقي، قال: حدثنا هشام بن عمار به، وفيه: أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه في كل خفض ورفع (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: ح (١٢٥٩).\n(^٣). سنن ابن ماجه (٨٦١).\n(^٤). المجروحين (١/ ٣٠٤).\n(^٥). رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩١٠)، ودحيم في فوائده (١٣١)، عن هشام بن عمار، ومن طريق هشام بن عمار، رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٨) ح ١٠٤، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٦٥)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٥٢٦٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٢٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣٠٤).\nغريب من حديث الأوزاعي، لم يروه عنه إلا رفدة بن قضاعة، قال البرقاني: سمعت الدارقطني يقول: رفدة بن قضاعة، متروك.\nوقال البخاري: في حديثه مناكير. التاريخ الكبير (٣/ ٣٤٣).\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال مهنا: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث، فقالا جميعًا: ليس بصحيح، قال أحمد: لا يعرف رفدة بن قضاعة، وقال يحيى: هو شيخ ضعيف. انظر: فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٦).","vol":"3","page":463},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-١٦٤٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه في كل خفض، ورفع، وركوع، وسجود وقيام، وقعود بين السجدتين، ويزعم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك (^١).\n[شاذ بهذا اللفظ، والحديث في البخاري مرفوعًا بغير هذا اللفظ] (^٢).\n_________\n(^١). مشكل الآثار (٥٨٣١).\n(^٢). الحديث اختلف فيه على نصر بن علي الجهضمي:\nفرواه أبو داود في السنن (٧٤١)،\nوالبزار في مسنده (٥٧٤٢)،\nوأبو الحسين عبد الله بن محمد السمناني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٣)، ثلاثتهم رووه عن نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل في الصلاة كبر، ورفع يديه، وإذا ركع وإذا قال: سمع الله لمن حمده، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ويرفع ذلك إلى رسول الله - ﷺ -.\nوخالفهم إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن موسى البغدادي، وإن كان ثقة إلا أنه قد خالف ثلاثة من الثقات رووه عن نصر بن علي فلم يذكروا ما ذكره، فتبين وهمه، وحفظهم.\nكما أنه قد خالف كل من رواه عن عبد الأعلى، منهم:\nعياش بن الوليد كما في صحيح البخاري (٧٣٩).\nوحسين بن معاذ بن خليف، وإسماعيل بن بشر بن منصور كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٦)، ثلاثتهم رووه عن عبد الأعلى به موافقين لرواية نصر بن علي الجهضمي من رواية أبي داود والبزار والسمناني عنه. فاتفاق هؤلاء الثقات، ومخالفة إسحاق بن إبراهيم بن يونس لهم يدل على ضبطهم ووهمه.\nوقد سبق لي بحث رواية البخاري والاختلاف فيها بين الرفع والوقف في أدلة القول السابق، والله أعلم.","vol":"3","page":464},{"text":"قال ابن رجب في شرح البخاري: «ويجاب عن هذه الروايات كلها على تقدير أن يكون ذكر الرفع فيها محفوظًا، ولم يكن قد اشتبه ذكر التكبير بالرفع، بأن مالك بن الحويرث ووائل بن حجر لم يكونا من أهل المدينة، وإنما كانا قد قدما إليها مرة أو مرتين، فلعلهما رأيا النبي - ﷺ - فعل ذلك مرة، وقد عارض ذلك نفي ابن عمر، مع شدة ملازمته للنبي - ﷺ -، وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها، فهذا يدل على أن أكثر أمر النبي - ﷺ - كان ترك الرفع فيما عدا المواضع الثلاثة والقيام من الركعتين» (^١).\nوهذا الجمع يتجه لو كانت الأحاديث التي ظاهرها التعارض صحيحة، فيقال بالجمع بدلًا من تعطيل أحدهما، أما إذا كانت الأحاديث في ترك رفع اليدين في السجود صحيحة بل في غاية الصحة، والأحاديث المقابلة إما شاذة، لا يعتبر بها، وإما منكرة، فإن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة سوف يكون على حساب دلالة الأحاديث الصحيحة، فإنك لا تجمع بين حديثين إلا قيدت مطلقًا، أو خصصت عامًّا، أو تأولت بأنك حملته على حال دون حال، على خلاف الظاهر مراعاة للحديث الضعيف مما يعود على جزء من دلالة الأحاديث الصحيحة بالبطلان، مع أن المقابل ليس بذلك القوة التي تجعلك تتحمل مثل هذا الإهدار، فإذا كانت ليست في الصحة بذاك، فلا ينبغي أن تزاحم بها الأحاديث الصحيحة، وإن كنت تعذر من اجتهد من أهل العلم، ورأى أن هذه الأحاديث صالحة للحجة، فهو وما ذهب إليه؛ إذ المسألة من مسائل الخلاف، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن الراجح في رفع الأيدي في الصلاة يكون في مواضع ثلاثة، عند تكبيرة الافتتاح، وإذا أراد الركوع، وإذا رفع من الركوع، هذه الأحاديث السالمة من المعارضة، يليها في الترجيح الرفع إذا قام من الركعتين، وأضعفها الرفع إذا أراد السجود، وإذا رفع من السجود، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري (٦/ ٣٥٤).","vol":"3","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المبحث الثاني في وقت ابتداء التكبير</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ -: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\n* التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.\n* لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي - ﷺ - لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.\n* الأصل في أفعال الرسول - ﷺ - الاستحباب.\n* إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويُعْطَى الأكثر حكم الكل.\n* إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.\n[م-٦١٨] اختلف العلماء في وقت ابتداء التكبير للركوع\nفقيل: يسن أن يبتدئ التكبير قائمًا، وقال به بعض الحنفية، وهو المنصوص عن الإمام الشافعي في الأم، وقطع به العراقيون، واختاره النووي في المجموع، وقال: هو المذهب، ورجحه متأخرو الشافعية، وصوبه الإسنوي في المهمات (^١).\n_________\n(^١). قال في مختصر القدوري (ص: ٢٧): «ثم يكبر، ويركع». =","vol":"3","page":466},{"text":"قال الإمام الشافعي في الأم: «وإذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا» (^١).\nوقيل: يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا (^٢).\n_________\n= وقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٣٣): «وفي بعض الروايات يكبر، ثم يهوي، وعبارة الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط».\nقال في العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٦): «بعد ما فرغ من قراءته، يكبر، ويركع، وهذه رواية القدوري، وهذا يقتضي أن يكون التكبير في محض القيام، وبه قال بعض مشايخنا».\n\nوتعقب هذا في مجمع الأنهر (١/ ٩٦)، فقال: «وفي القدوري: ثم يكبر ويركع، وفيه احتمال للمقارنة وضدها، ولأنه لا دلالة للواو على الترتيب، ولا يقتضي المقارنة، فلا يلزم أن يكون من محض القيام كما توهم».\nوانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢).\nالأم (١/ ١٣٢)، المجموع (٣/ ٣٩٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٥)، البيان للعمراني (٢/ ٢٠٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٧٤).\n(^١). الأم (١/ ١٣٢).\nوقال العمراني في البيان (٢/ ٢٠٦): «ويستحب أن يكبر للركوع، فيبتدئ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويأتي بهما في حالة واحدة، فيكون ابتداء رفع يديه، وهو قائم».\n(^٢). انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، الدر المختار (ص: ٦٨)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٦٤): «السنة التكبير حين الشروع إلا في قيام الجلوس، فإنه بعد أن يستقل قائما للعمل ....».\nوانظر: مختصر خليل (ص: ٣٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٥٧)، تهذيب المدونة (١/ ٢٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، شرح الزرقاني (١/ ٣٧٥)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٨).\nوقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ٣٨٧): «ويبتدئ به -يعني التكبير- في ابتداء الهُوِيِّ».\nوقال في الروضة (١/ ٢٥٠): «يستحب أن يكبر للركوع، ويبتدئ به في ابتداء الهوي».\nوقال في العباب المحيط (١/ ٣٤٧): «ويسن أن يبدأ بتكبيرة الانتقال قائمًا، لا مع ابتداء هويه خلافًا للعزيز والروضة».","vol":"3","page":467},{"text":"جاء في تهذيب المدونة: «ويكبر في حال انحطاطه لركوع أو سجود» (^١).\nوقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات.\nوقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة (^٢).\n* حجة من قال: يبدأ بالتكبير قائمًا ثم ينحني للركوع:\nيشرع للراكع أن يرفع يديه مع التكبير في أصح قولي أهل العلم، ويتعذر أو يتعسر أن يرفع يديه مع هويه للركوع، والأصل في الرفع أن يكون مقارنًا للتكبير وعليه يبدأ بالتكبير قائمًا رافعًا يديه فإذا حاذت يداه منكبيه انحنى للركوع، ثم أتم التكبير راكعًا، فإذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.\n* حجة من قال: يسن أن يبدأ بتكبيرات الانتقال من حين الشروع:\n(ح-١٦٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر\n_________\n(^١). تهذيب المدونة (١/ ٢٣٨).\n(^٢). قال في الإنصاف (٢/ ٥٩): وإن شرع فيه قبله، أو كمله بعده فوقع بعضه خارجًا عنه فهو كتركه ....». وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٨٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٠٣)، الفواكه العديدة (١/ ٨٩).","vol":"3","page":468},{"text":"حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس (^١).\nوجه الاستدلال:\nقول أبي هريرة أن النبي - ﷺ -: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\nقال الترمذي: «وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، ومن بعدهم، قالوا: يكبر الرجل، وهو يهوي للركوع والسجود» (^٢).\nوالأصل في أفعال الرسول - ﷺ - الاستحباب، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي - ﷺ - لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص، فلم يحفظ نص يأمر به الشارع المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الشروع، وأنه لو تعمد خلاف ذلك لبطلت صلاته، أو خالف ذلك ساهيًا لوجب أن يتدارك ذلك بسجود السهو، فإذا لم يثبت ذلك، فالأصل صحة الصلاة، وعدم وجوب سجود السهو.\n* حجة من قال: يجب أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع:\nالدليل الأول:\nقول النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة السابق: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\nفإن قيل: إن هذه أفعال، والفعل المجرد إذا كان على وجه التعبد يدل على المشروعية.\nفالجواب: أن أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة على الوجوب؛ لقوله في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فكانت جميع أفعاله - ﷺ - بيانًا لهذا المجمل في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والفعل إذا كان بيانًا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل إلا أن يدل دليل على أنه من السنن، كجلسة الاستراحة، ونحوها.\n* ويناقش:\nسبق لي مناقشة الاستدلال في حديث مالك على وجوب أفعال الصلاة، وأن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٩)، وساق مسلم إسناده، وأحال في لفظه على طريق آخر (٢٩ - ٣٩٢).\n(^٢). سنن الترمذي (٢/ ٣٤).","vol":"3","page":469},{"text":"مالك بن الحويرث قدم على النبي - ﷺ - فمكث عنده عشرين يومًا يصلي خلف النبي - ﷺ -، فقال له النبي - ﷺ - وهو ينصرف إلى أهله (صلوا كما رأيتموني أصلي) وإذا كان فيما شاهده مالك بن الحويرث من صلاة النبي - ﷺ - منه ما هو واجب، ومنه ما هو من السنن كجلسة الاستراحة، لم يكن قول النبي - ﷺ -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) مقصورًا على الأمر بالواجبات دون السنن، وإذا لم يكن دليلًا على الوجوب في حق من وجه له هذا الخطاب مباشرة، لم يدل على الوجوب فيمن دخل في عموم الخطاب بصورة غير مباشرة.\nالدليل الثاني:\nأن من كبر قبل الركوع، أو أتمه بعده، فركوعه لا يعتد به، قياسًا على من تمم قراءته راكعًا، أو أخذ في التشهد قبل القعود؛ لوقوع الذكر في غير محله.\n* ويناقش:\nلا نسلم أن التكبير إذا وقع جزء يسير منه قبل الشروع أو بعده أنه في حكم مَنْ أوقع التكبير كله في غير محله؛ فإذا أوقع أكثر التكبير في محله فللأكثر حكم الكل، واليسير مغتفر، المهم ألا يوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو يشرع فيه كله بعد الانتقال، فإن هذا التكبير في غير محله، فإن وقع ذلك منه لم يُعْتَدَّ به؛ لمخالفته السنة، وأما بطلان صلاته فإنه مبني على حكم تكبيرات الانتقال، والجمهور على أنها سنة، وهو الصواب لا سيما في حق المنفرد، والمأموم، وكذا في حق الإمام إلا أن يتوقف عليه اقتداء المأموم بالإمام، خاصة في حال الرفع من السجود والركوع، فيجب لغيره؛ والله أعلم.\n* حجة المالكية في تأخير التكبير إذا قام من الركعتين:\nذكر خليل في التوضيح وجهين لهذا:\nالأول: العمل، وكفى به. وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله فأمرهم بذلك، فلم ينكر ذلك عليه أحد.\nالثاني: أن التكبير على قسمين: إما مفتتح به ركن، كتكبيرة الإحرام. وإما في حال الحركة إذا انتقل عن ركن، كالتكبير للركوع وغيره، والجلوس الأول ليس","vol":"3","page":470},{"text":"بركن، فأخر التكبير ليفتتح به ركنًا وهو القيام، كتكبيرة الإحرام. وقيل: إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (^١).\n* الراجح:\nأرى أن تكبيرات الانتقال تنقسم إلى قسمين:\nتكبيرات يشرع معها رفع اليدين، كتكبيرة الركوع، والرفع منه، فهذا في حال الركوع له صفتان:\nالصفة الأولى: أن يكون الرفع مقارنًا للتكبير، وهذا مذهب الشافعية، وصفته كما قالوا: يكون ابتداء رفع يديه، وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى، وعللوا ذلك بأن الرفع حال الانحناء متعذر أو متعسر.\nالصفة الثانية: أن يرفع يده قبل التكبير، فإذا بلغت يداه حذاء منكبيه شرع في الهوي مكبرًا، فيكون رفع اليدين قبل الانحناء، ويكون الشروع في التكبير من حين أن يهوي للركوع.\nقال أحمد كما في مسائل أبي الفضل: «يرفع يديه عند الافتتاح، وقبل الركوع وبعد الركوع» (^٢).\nفظاهر كلام أحمد أن الرفع للركوع يكون قبل الشروع في التكبير والركوع، وبعد الفراغ من الركوع.\nوفي حال الرفع من الركوع سوف يقول سمع الله لمن حمده من حين أن يشرع في الرفع، سوف يتم رفع يديه إلى منكبيه بعد أن ينتصب قائمًا، ولا يمكنه أن ينهي رفع اليدين في حال الانتقال؛ لتعسره.\nوقسم من تكبيرات الانتقال لا يشرع معه رفع اليدين، كالهوي للسجود، والرفع منه، وكذا القيام من التشهد الأول على الصحيح، فالمشروع له أن يبتدئ التكبير من\n_________\n(^١). التوضيح شرح مختصر خليل (١/ ٣٦٤).\n(^٢). مسائل أحمد رواية أبي الفضل (٦٨٢).","vol":"3","page":471},{"text":"حين أن يشرع في الانتقال، ويتمه قبل الانتقال إلى الركن الذي يليه، وهذا على سبيل الأفضل، فلو ابتدأ التكبير قبل الانتقال وأتمه في الركوع، أو بدأ فيه حال الانتقال وأتمه بعده، فلا حرج إن شاء الله تعالى، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المبحث الثالث في مد تكبيرات الانتقال لتستوعب جميع المحل</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* القول في صفة العبادة كالقول في العبادة، الأصل فيها المنع إلا بدليل.\n* لو كان مد التكبيرات مشروعًا لكان أولى الناس بفعله، والمحافظة عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، ولو فعلوها لحُفِظَ ذلك، ونُقِلَ للأمة.\n* لا مجال لمد (الله أكبر) أكثر من المد الطبيعي في لفظ الجلالة، ومقداره حركتان، لا يزيد عليهما.\n* مَدُّ كلمة (أكبر) قد يخرجها من النطق الصحيح إلى اللحن القبيح، كما لو مد همزة (أكبر) أو مد الباء من (أكبر) فتصير (أكبار).\n[م-٦١٩] اختلف الفقهاء في استحباب استيعاب الانتقال بالتكبير، بحيث يكون ابتداؤه مع شروعه بالانتقال، وفراغه منه بفراغه من الانتقال:\nفقيل: يستحب، وهو قول المالكية، والحنابلة، والجديد من قولي الشافعي، قال النووي: وهو المذهب، ونص عليه في الأم، وقطع به العراقيون وغيره (^١).\nجاء في حاشية ابن عابدين: «السنة كون ابتداء التكبير عند الخرور، وانتهائه عند استواء الظهر» (^٢).\nوجاء في مواهب الجليل: «ويستحب أن يعمر الركن من أول الحركة إلى آخرها بالتكبير، فإن عجل أو أبطأ فلا شيء عليه، إلا في القيام في اثنتين فلا يكبر\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، حلية العماء للقفال (٢/ ١٠٣)، المجموع (٣/ ٢٩٩، ٣٩٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٣٨).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣).","vol":"3","page":473},{"text":"حتى يستوي قائمًا على المشهور» (^١).\nوهو معنى قول الحنابلة: يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال، وانتهاؤه مع انتهائه، فإن كمله في جزء من الانتقال، ولم يستوعبه به أجزأه (^٢).\nوقال الغزالي في الوسيط: «للشافعي ﵁ قولان:\nأحدهما: أن يمد التكبير إلى أن يستوي راكعًا ... والثاني: الحذف حِذارًا عن التغيير بالمد وهو جارٍ في تكبيرات الانتقالات كلها» (^٣).\n* وجه القول باستيعاب الانتقال بالتكبير:\nحتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.\n* ويناقش:\nبأن مد التكبير لكي يستوعب الانتقال من ركوع وسجود وقيام، هذا المد صفة في العبادة، وصفة العبادة خاصة الصلاة إما أن تكون مشروعة، فأولى الناس بفعلها النبي - ﷺ - وأصحابه. وإما أن تكون غير مشروعة.\nفإن كانت مشروعة، فما الحاجة إلى الاعتماد على دليل نظري في عبادة تتكرر كل يوم عشرات المرات، في النفل والفرض، ويشهدها المسلمون في صلواتهم، وتتوافر الهمم على نقل تلك الصفة، ثم لا يوجد أثر واحد يمكن الاعتماد علاه في مشروعيتها، أليس هذا كافيًا في نفي المشروعية عن هذه الصفة؟\nفالمطلوب أن يقول المصلي (الله أكبر) ليس فيها مد إلا مدًّا طبيعيًّا في لفظ الجلالة بمقدار حركتين، لا يزيد عليهما.\nوأما مَدُّ كلمة (أكبر) فقد يخرجها من النطق الصحيح إلى اللحن القبيح، كما لو مد همزة (أكبر) فتتحول الجملة الخبرية إلى استفهام، وهذا يخشى على صاحبه من\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٤٥٠)، وانظر: الفواكه الدواني (١/ ١٩٦)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٦٨)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٢، ٢٢٨)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: ١١٠).\n(^٢). فتح الباري (٧/ ٢١٢).\n(^٣). الوسيط (٢/ ١٢٧).","vol":"3","page":474},{"text":"بطلان صلاته، أو يقع في مد الباء من (أكبر) فتصير (أكبار)، فيتحول المعنى إلى (طبل)، فيتحرف المعنى، والله أعلم.\nوقال الحنفية والشافعي في القديم: لا يَمُدُّ التكبير (^١).\nقال ابن نجيم في البحر الرائق: «وكبر بلا مَدٍّ وركع» (^٢).\nقال النووي في المجموع: «وأما تكبيرات الانتقالات كالركوع والسجود ففيها قولان: القديم يستحب أن لا يَمُدَّها ....» (^٣).\n* حجة هذا القول:\nالحجة الأولى:\nقال الرافعي في شرح الوجيز: «روي أنه - ﷺ - قال: التكبير جزم، والتسليم جزم» (^٤).\nوفسر ابن نجيم: التكبير جزم: أي بلا مد، وذلك بحذفه من غير تطويل (^٥).\nقال الحافظ في التلخيص: «لا أصل له بهذا اللفظ، وإنما هو قول إبراهيم النخعي» (^٦).\nقلت: ولم يثبت ذلك عن إبراهيم النخعي، وإن اشتهر عنه ذلك.\n(ث-٤٣٦) فقد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن يحيى بن العلاء، عن مغيرة، قال: ... قال إبراهيم: التكبير جزم، يقول: لا يمد (^٧).\n[ضعيف جدًّا فيه يحيى بن العلاء متهم] (^٨).\nالدليل الثاني:\nقال الرافعي: «ولأنه لو حاول المد لم يأمن أن يجعل المد على غير موضعه، فيغير\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ١٩٩)، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٢)، فتح العزيز (٣/ ٣٨٨)، كفاية النبيه (٣/ ١٧٧).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٣٢).\n(^٣). المجموع (٣/ ٢٩٩).\n(^٤). فتح العزيز بشرح الوجيز (٣/ ٢٨٣).\n(^٥). البحر الرائق (١/ ٣٢٢).\n(^٦). تلخيص الحبير (١/ ٤٠٦).\n(^٧). المصنف (٢٥٥٣).\n(^٨). تكلمت عليه في الأذان، انظر الأثر (٣٨).","vol":"3","page":475},{"text":"المعنى، مثل أن يجعله على الهمزة فيصير استفهامًا» (^١).\nوسبق شرح هذا في مناقشة القول الأول.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٣٨٨).","vol":"3","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الفصل الرابع في صفة الركوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>المبحث الأول في الصفة المجزئة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أمر الشارع بالركوع، وليس له حقيقة شرعية، فيرجع في تقديره إلى اللغة.\n* من اعتبر الطمأنينة جزءًا من الركن، لا ركنًا مستقلًّا قال: الركوع له حقيقة شرعية.\n* الركوع في اللغة: هو الانحناء، فتتعلق الركنية بالأدنى منه.\n* وقيل: حد الركوع أن يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام؛ لأن ما قرب من الشيء أعطي حكمه، فما قرب من القيام ألحق بالقيام وما قرب من الركوع ألحق به، وهذا أقوى.\n* لا يشترط أن يقبض الراكع ركبتيه بيديه.\n[م-٦٢٠] اختلف العلماء في أقل الركوع:\nفقال الحنفية: المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل، وفي منية المصلي: طأطأة الرأس (^١).\nجاء في البحر الرائق: «واختلفوا في حد الركوع، ففي البدائع وأكثر الكتب: القدر المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل، وفي الحاوي: فرض الركوع انحناء الظهر، وفي منية المصلي: الركوع طأطأة الرأس، ومقتضى الأول لو طأطأ رأسه ولم\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٣)، بدائع الصنائع (١/ ١٠٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٠)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٠).","vol":"3","page":477},{"text":"يحن ظهره أصلًا مع قدرته عليه لا يخرج عن عهدة فرض الركوع، وهو حسن» (^١).\nوحجتهم على ذلك:\nأن الشارع أمرنا بالركوع، وليس له حقيقة شرعية، فيرجع في تقديره إلى اللغة، والركوع في اللغة: هو الانحناء، فتتعلق الركنية بالأدنى منه، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، فمطلق الانحناء يتحقق به أقل الإجزاء (^٢).\nوذهب الشافعية والحنابلة، وهو قول في مذهب الحنفية إلى أن أَقَلَّ الركوع أن ينحني معتدل الخلقة بحيث تنال راحتاه ركبتيه.\nوقال المالكية: بحيث تقرب راحتاه من ركبتيه، وفي رواية ابن شعبان: أخفه بلوغ يديه آخر فخذيه.\nوجمع بين القولين ابن شاس، فقال في الجواهر: «أقله أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، أو تقربان منهما» (^٣).\nوأرادوا بمعتدل الخلقة: أي لا طويل اليدين، ولا قصيرهما (^٤).\nوقيل: أن ينحني بحيث يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، قاله بعض الحنفية (^٥)، واختاره المجد من الحنابلة (^٦).\nوقد يقال: إنه متى حاذت يداه ركبتيه، فإنه إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، فيلتقي\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٠٩).\n(^٢). انظر تبيين الحقائق (١/ ١٠٦).\n(^٣). عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٣).\n(^٤). الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٧)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٦٤)، منح الجليل (١/ ٣٥١)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٦)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٦٥)، المجموع (٣/ ٤٠٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٥٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٤)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٦)، الإنصاف (٢/ ٥٩، ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٦).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)،.\n(^٦). الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٥٦).","vol":"3","page":478},{"text":"القولان، والله أعلم.\nوهل يشترط أن يقبض ركبتيه بيديه،؟ قولان في مذهب المالكية، أصحهما لا يشترط.\nفخلص لنا في المسألة خمسة أقوال:\nالأول: أدنى انحناء يجزئ في الركوع، وهذا مذهب الحنفية.\nالثاني: أن تحاذي كفاه ركبتيه، بحيث لو أراد قبض ركبتيه لقدر على ذلك، ولا يجب قبض الكفين على الركبتين، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.\nالثالث: أن تقرب راحتاه من ركبتيه بحيث تكون رؤوس أصابعه على آخر فخذيه بالقرب من ركبتيه، وهذا مذهب المالكية.\nالرابع: يجب أن يقبض ركبتيه بيديه، ولا يكفي مجرد الإمكان، وهو قول مرجوح في مذهب المالكية.\nالخامس: أن يكون إلى الركوع أقرب منه إلى القيام، اختاره بعض الحنفية وبعض الحنابلة.\nوأجد أن هذا الأخير هو أقرب هذه الأقوال؛ لأن ما قرب من الشيء يعطى حكمه في الشرع، فمطلق الانحناء إذا كان إلى القيام أقرب فهو في حد القيام، أو في فاصل بين القيام والركوع، وقد قال الحنفية: إن الرجل لو جاء إلى الإمام، وهو راكع، فحنى ظهره، ثم كبر تكبيرة الإحرام إن كان إلى القيام أقرب صحت تكبيرة الإحرام، وإن كان إلى الركوع أقرب لم تصح، فصححوا تكبيرة الإحرام وهو منحنٍ، وأعطوه حكم القيام إذا كان إلى القيام أقرب، وهكذا قال النووي من الشافعية (^١).\nقال في الجوهرة النيرة: «وحد القيام: أن يكون بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه» (^٢).\nفلم يخرج عن حد القيام بمجرد الانحناء، فتأمل قول الحنفية هذا مع قولهم في أقل الركوع المجزئ، والله أعلم.\n_________\n(^١). انظر: البحر الرائق (١/ ٣٠٨)،.\n(^٢). الجوهرة النيرة (١/ ٥٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٤، ٤٥٢، ٤٨٠)، النهر الفائق (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":479},{"text":"وقال النووي: «والأصح أنه متى انحنى بحيث يكون إلى حد الركوع أقرب لم يكن قائمًا» (^١).\nفهل قوله: لم يكن قائمًا أنه قد دخل في حد الركوع، أو أنه في فاصل بين الركوع والقيام، الأقرب الأول، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٩٧).","vol":"3","page":480},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المبحث الثاني في صفة الركوع الكامل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>الفرع الأول في وضع اليدين على الركبتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الركوع في اللغة: هو الانحناء تعظيمًا، فإذا انحنى في صلاته مطمئنًّا فيه، فقد تحقق منه فرض الركوع، وما زاد فهو من الكمال، ومنه وضع اليدين على الركبتين.\n* لا يختلف العلماء في مشروعية وضع اليدين على الركبتين على خلاف بينهم، أيستحب ذلك أم يجب، أم يشترط، والصواب الأول.\n* قال النبي - ﷺ - (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فأمره النبي - ﷺ - بالركوع، ولم يذكر له وضع اليدين، ولو كان واجبًا لذكره له.\n* الأمر بجعل الراحتين على الركبتين في حديث المسيء صلاته من مسند رفاعة شاذ على الصحيح.\n* الأمر بوضع اليدين على الركب جاء من أجل حمل الناس على ترك التطبيق والذي كان مشروعًا ثم نسخ، فلم يكن أمرًا مطلقًا، وإذا كان التطبيق ليس واجبًا كان بدله ليس واجبًا إلا بقرينة.\n[م-٦٢١] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية تمكين اليدين من الركبتين مفرقة الأصابع، واختلفوا في الوجوب:\nفقيل: وضع اليدين على الركبتين مستحب، فلو ترك ذلك صح ركوعه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب","vol":"3","page":481},{"text":"المالكية، وهو المعتمد (^١).\nجاء في مواهب الجليل نقلًا عن صاحب الطراز (^٢): «أما تمكين اليدين من الركبتين في الركوع فمستحب عند الكافة، وليس بواجب».\nوقال الدسوقي: «وضع اليدين على الركبتين مستحب على المعتمد كما تقدم، وتمكينهما منهما مستحبٌّ ثان» (^٣).\nوقال المحب الطبري الشافعي في التعليقة الكبرى: «وليس قبض الكفين على الركبتين من واجبات الركوع، ولكن يجب عليه أن يركع بحيث يقدر على ذلك إن أراده» (^٤).\nوقيل: وضع اليدين على الركبتين شرط، وهو ما فهمه الباجي واللخمي من المدونة خلافًا للمعتمد عند المالكية، وخلافًا لما فهمه صاحب الطراز وأبو الحسن منها (^٥).\nقال الإمام مالك كما في المدونة: «إذا أمكن يديه من ركبتيه وإن لم يسبح فذلك مجزئ عنه» (^٦).\n_________\n(^١). كره الحنفية كراهة تنزيهية ترك وضع اليدين على الركبتين، انظر: الأصل (١/ ٤)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٣)، المبسوط (١/ ٢١٠)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، مراقي الفلاح (ص: ١٢٩)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، كنز الدقائق (ص: ١٦٣).\nوَعَدَّ المالكية وضع اليدين على الركبتين من الفضائل، انظر: القوانين الفقهية لابن جزي (ص:٣٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٧)، مسائل أحمد رواية إسحاق والكوسج (٢/ ٦٩٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٥٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٤)، الفروع (٢/ ١٥٩)، المبدع (١/ ٣٩٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٦).\n(^٢). صاحب الطراز: هو سند بن عنان بن إبراهيم أبو علي الأزدي، الفقيه المالكي، كان فقيهًا فاضلًا شرح المدونة بكتاب سماه (الطراز)، واشتهر به بلغ نحو ثلاثين سفرًا، حتى غلب اسم الكتاب على اسمه، فكان المالكية يحكون أقواله بقولهم: قال صاحب الطراز، وقد توفي قبل إكماله سنة (٥٤١ هـ).\n(^٣). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٩).\n(^٤). التعليقة الكبرى للمحب الطبري، رسالة ماجستير لم تطبع (ص: ٣٤٩).\n(^٥). حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٩)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٣)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤).\n(^٦). المدونة (١/ ١٤٣).","vol":"3","page":482},{"text":"قال ابن ناجي في شرحها: «ظاهره أن وضع اليدين على الركبتين شرط لا يسمى ركوعًا إلا بذلك، وصرح بذلك الباجي، فقال: المجزئ من الركوع أن يمكن يديه من ركبتيه. وعزاه اللخمي لقول مالك فيها» (^١).\nوقيل: وضع اليدين على الركبتين واجب، وبه قال ابن حزم (^٢).\nوذهب جماعة من السلف إلى التطبيق، وهو أن يجعل المصلي إحدى كفيه على الأخرى، ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع (^٣).\n* دليل من قال: وضع اليدين على الركبتين مستحب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٤٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ... الحديث (^٤).\nوجه الاستدلال: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)\nفأمره النبي - ﷺ - بالركوع، ولم يذكر له وضع اليدين على الركبتين، والركوع ليس له حقيقة شرعية، لذا كان الرجوع في معناه إلى حقيقته اللغوية. فالركوع في اللغة: هو الانحناء تعظيمًا، فإذا انحنى في صلاته مطمئنًا فيه، فقد تحقق منه فرض الركوع، وما كان زائدًا على ذلك فهو من باب الكمال، ومنه وضع اليدين على الركبتين.\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٢٠).\n(^٢). المحلى، مسألة (٣٦٩).\n(^٣). المغني (١/ ٣٥٩).\n(^٤). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"3","page":483},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٦٤٣) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أَمْكَنَ يديه من ركبتيه، ثم هَصَرَ ظهره ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (أَمْكَنَ يديه من ركبتيه): جاء في المغرب في ترتيب المعرب: مَكَّنَهُ من الشيء، وَأَمْكَنَهُ منه أقدره عليه، ومنه الحديث: ثم أمكن يديه من ركبتيه أي مكنهما من أخذهما والقبض عليهما» (^٢).\nوإنما كان مستحبًّا؛ لأنه نَقَلَ لنا فعل النبي - ﷺ - والأصل في أفعال النبي - ﷺ - التعبدية أنها لا تدل بنفسها على الوجوب وإنما تدل على المشروعية.\nوقولي: (لا تدل بنفسها)؛ لإخراج ما كان بيانًا للمجمل، فإن الفعل قد يستفاد منه الوجوب لكن ليس بنفسه، وإنما بغيره، كما لو كان بيانًا لمجمل واجب.\nوقيدت الأفعال (بالتعبدية)؛ لإخراج ما فعله النبي - ﷺ - بمقتضى الجبلة أو موافقة للأعراف والعادات، فالأصل في هذه الأفعال الإباحة، كالنوم، وأكل الطعام ولبس العمامة، والإزار، وكالامتناع عن بعض الأطعمة، كامتناعه عن الضب والبصل والثوم، ونحوها.\n(ح-١٦٤٤) ورواه أحمد من طريق عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\nعن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن رِبْعِيٍّ، يقول: .... فذكر الحديث، وفيه: ... فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر، فركع، ثم\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٢). المغرب في ترتيب المعرب (ص: ٤٤٥).","vol":"3","page":484},{"text":"اعتدل، فلم يَصُبَّ رأسه، ولم يُقْنِعْهُ، ووضع يديه على ركبتيه .... الحديث (^١).\n[سبق تخريجه] (^٢).\n(ح-١٦٤٥) وروى أبو داود من طريق فليح بن سليمان،\nعن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - ... وفيه: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما ... الحديث (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٤٦) ما رواه أبو داود من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: قلت: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، قال: فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه ... الحديث (^٤).\n[صحيح] (^٥).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٤٧) ما رواه الإمام أحمد، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن عطاء ابن السائب، عن سالم أبي عبد الله، قال:\nقال عقبة بن عمرو: ألا أريكم صلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال: فقام فكبر، ثم ركع، فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٢). في مسألة رفع اليدين إذا أراد أن يركع من هذا المجلد.\n(^٣). سبق تخريجه، انظر تخريج (ح ١٦٣١).\n(^٤). سنن أبي داود (٧٢٦).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر ح (١٢٥٤).","vol":"3","page":485},{"text":"ركبتيه، حتى استقر كل شيء منه ... وذكر الحديث (^١).\n[إسناده قوي زائدة سمع من عطاء قديمًا على ما قاله الطبراني وابن حجر] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ١٢٠).\n(^٢). الحديث مداره على عطاء بن السائب، عن سالم أبي عبد الله، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات إلا عطاء بن السائب فإنه صدوق.\nوقد رواه جماعة من أصحاب عطاء،\nالأول: زائدة بن قدامة، عن عطاء.\nرواه أحمد (٤/ ١٢٠)، والنسائي في المجتبى (١٠٣٧)، وفي الكبرى (٦٢٩)، حدثنا حسين بن علي.\nورواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢١٤) ح ٦٧٠، من معاوية بن عمرو،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥)، من طريق يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن زائدة بن قدامة به.\nوهذا الطريق قد قدمته على غيره لأن زائدة بن قدامة روى عن عطاء قبل تغيره.\nقال الطبراني عن عطاء بن السائب كما في التهذيب (٧/ ٢٠٧): «ثقة، اختلط في آخر عمره، فما رواه عنه المتقدمون فهو صحيح، مثل: سفيان وشعبة وزهير وزائدة».\n\nوقال ابن حجر في هدي الساري: (٤٢٥): «وتحصل لي من مجموع كلام الأئمة: أن رواية شعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وزائدة، وأيوب، وحماد بن زيد عنه قبل الاختلاط، وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء فحديثه ضعيف؛ لأنه بعد اختلاطه؛ إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه». ...\nولم ينفرد به زائدة بن قدامة، تابعه جمع من الرواة كما سيتبين لك بالتخريج:\nالطريق الثاني: همام بن يحيى، عن عطاء بن السائب:\nرواه أبو داود الطيالسي (٦٥٤)،\nوأحمد (٤/ ١١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٩)، عن عفان.\nوالدارمي (١٣٤٣) أخبرنا أبو الوليد،\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٢٤٠) ح ٦٦٨، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥١)، من طريق حجاج بن المنهال، أربعتهم (الطيالسيان: أبو داود وأبو الوليد، وعفان، وابن منهال) رووه عن همام بن يحيى، عن عطاء بن السائب.\nوفيه: (... فكبر، فركع، فوضع كفيه على ركبتيه، وفُصِلَتْ أصابعه على ساقيه ...). هذا لفظ عفان عند أحمد والطحاوي.\nوفي لفظ أبي داود الطيالسي وأبي الوليد الطيالسي: (... وفرج بين أصابعه ...) وقال حجاج (.... وفرق بين أصابعه)، وهما بمعنى.\nالثالث: أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عطاء،\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢٤)، =","vol":"3","page":486},{"text":"وجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث السابق.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٦٤٨) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي حصين،\n_________\n= والنسائي في المجتبى (١٠٣٦)، وفي الكبرى (٦٢٨)، أخبرنا هناد بن السَّرِيِّ في حديثه،\nوالطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٢، من طريق عثمان بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن أبي الأحوص به، بنحوه. وفيه (.... فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه أسفل من ذلك ....).\nالرابع: إسماعيل بن علية، عن عطاء.\nرواه النسائي في المجتبى (١٠٣٨)، وفي الكبرى (٦٣٠) أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن عطاء بن السائب به، وفيه: (.... فلما ركع جافى بين إبطيه حتى لما استقر كل شيء منه رفع رأسه ...) ولم يذكر موضع الأصابع.\nالخامس: أبو عوانة، الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن عطاء بن السائب.\nأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٤) حدثنا يحيى بن حماد، أخبرنا أبو عوانة به، وفيه: (... ثم ركع فوضع كفيه على ركبتيه، وجافى بين إبطيه ...).\nالسادس: جرير بن عبد الحميد، عن عطاء.\nرواه أبو داود في السنن (٨٦٣)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده كما في إتحاف الخيرة (١٩٠٩) حدثنا زهير بن حرب.\nوالطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٢، من طريق عثمان بن أبي شيبة،\nوابن خزيمة في صحيحه (٥٩٨) أخبرنا يوسف بن موسى.\nوالحاكم في المستدرك (٨١٦) من طريق يحيى بن المغيرة، وقتيبة بن سعيد، خمستهم رووه عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء به، وفيه: (... فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك ....).\nالطريق السابع: خالد بن عبد الله الواسطي، عن عطاء. رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٠) ح ٦٦٩.\nالطريق الثامن: جعفر بن الحارث، عن عطاء، رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤١) ح ٦٧١.\nالطريق التاسع: حماد بن شعيب، عن عطاء. رواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٣، من طريق يحيى الحماني، حدثنا حماد بن شعيب، عن عطاء به. ويحيى وشيخه مجروحان.\nالطريق العاشر: مفضل بن مهلهل، عن عطاء، أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٦٨٧).\nهذا ما وقفت عليه من طرق الحديث إلى عطاء، وأصحها طريق زائدة؛ وهمام؛ فالأول صرح الطبراني بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، والثاني صرح الطحاوي في مشكل الآثار بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وأما جرير وأبو الأحوص، وابن علية فهم ممن روى عن عطاء بعد تغيره، فالحديث حسن، ولم أر في ألفاظه ما يمكن الحكم عليه بتفرد عطاء حتى أتوقف في قبوله، وما ورد في حديثه قد ورد معناه في أحاديث أخرى في الجملة، والله أعلم.","vol":"3","page":487},{"text":"عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر: إنما السنة الأخذ بالركب (^١).\n[منقطع] (^٢).\n_________\n(^١). سنن النسائي (١٠٣٥).\n(^٢). أبو عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عمر ﵁. انظر: الجرح والتعديل (٥/ ٣٧)، جامع التحصيل (٣٤٧)، وقد قال الترمذي في السنن (٢/ ٤٣): «حديث عمر حديث حسن صحيح». اهـ\nوقد رواه الثوري، عن أبي الحصين به، بلفظ: (إنما السنة الأخذ بالركب).\nرواه النسائي في المجتبى (١٠٣٥)، وفي الكبرى (٦٢٧).\nورواه إسرائيل كما في حديث أبي العباس السراج (٤٥٢)، بلفظ: (كنا إذا ركعنا طبقنا بأيدينا، ثم جعلنا بين هاتين -أفخاذنا- فقال عمر: إن من السنة أن نضرب بالأكف على الركب).\nورواه جماعة عن أبي الحصين بلفظ: (سُنَّتْ لكم الركب، فأمسكوا -وفي رواية: أَمِسُّوا. وفي رواية: فخذوا - بالركب).\nوالمرفوع منه قوله: (سُنَّتْ لكم الركب)، أما قوله: (فأمسكوا ... إلخ) فمن قول عمر ﵁.\nرواه عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عمر، بهذا اللفظ كل من:\nمِسْعَرٍ كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٠).\nوأبي بكر بن عياش كما في سنن الترمذي (٢٥٨.\nوسفيان بن عيينة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٣٨)، ومصنف عبد الرزاق (٢٨٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٥٤)، ومستخرج الطوسي (١٠٦ - ٢٣٨).\nوأخطأ عبد الرزاق حيث روى أن عمر هو الذي سن الركب، والمراد: أن ابن مسعود نقل أن السنة التطبيق ونقل عمر أن السنة الأخذ بالركب، لا أن ذلك من سنة عمر على وجه الاستقلال ورواه شعبة واختلف عليه فيه:\nفرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٦٢)،\nوعلي بن الجعد كما في الجعديات من رواية البغوي (٥٧٣).\nوبشر بن عمر وحيان بن هلال كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٩)،\n\nومسلم بن إبراهيم كما في حلية الأولياء لأبي نعيم (٤/ ١٩٣)، خمستهم رووه عن شعبة، عن أبي حصين به، بلفظ: أَمِسُّوا فقد سنت لكم الركب.\nوخالفهم محمد بن بشار (بندار) كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٣٤)، وفي الكبرى (٦٢٦)، فرواه عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عمر، قال: سنت لكم الركب، فأمسكوا بالركب.\nقال الدارقطني في العلل (٢/ ٢٤٣): «ورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبد الرحمن، عن عمر، ولم يتابع عليه، والمحفوظ حديث أبي حصين».","vol":"3","page":488},{"text":"* دليل من قال: قبض الركب باليدين شرط أو واجب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٤٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي - ﷺ - قال: جاء رجل ورسول الله - ﷺ - جالس في المسجد، فصلى قريبًا منه، ثم انصرف إلى رسول الله - ﷺ -، فسلم عليه فقال رسول الله - ﷺ -: أعد صلاتك، فإنك لم تُصَلِّ. قال: فرجع فصلى كنحو مما صلى، ثم انصرف إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: أعد صلاتك، فإنك لم تُصَلِّ. فقال: يا رسول الله، علمني كيف أصنع، قال: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك .... وذكر بقية الحديث (^١).\n[الحديث حسن والأمر بجعل الراحتين على الركبتين شاذ في الحديث] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣٤٠).\n(^٢). سبق لي بأكثر من مناسبة فقهية سابقة التطرق إلى حديث المسيء في صلاته وبينت أنه قد جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع.\nفأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) وليس فيه ذكر وضع اليدين على الركبتين، وإنما أمره بمطلق الركوع: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، محمد بن عمرو، ومحمد بن عجلان وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وداود بن قيس الفراء،، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده.\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة،\n\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منها حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، =","vol":"3","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مما اختلف عليه في ذِكْرِهِ حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\nإذا تبين لك هذا أُخَيَّ، فاعلم أن لفظ (إذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك) قد رواه محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه وفيه علتان:\nالعلة الأولى: الاختلاف على محمد بن عمرو في إسناده. وهذا دليل على عدم ضبطه.\nالعلة الثانية: الاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ذكر (إذا ركعت فاجعل راحتك على ركبتيك وامدد ظهرك).\nوإليك بيان هاتين العلتين.\nأما الاختلاف على محمد بن عمرو في إسناده:\nفقيل: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة بن رافع.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٤٠) ح ٤٥٢٩، من طريق عبد الوهاب الثقفي.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢٦) حدثنا عباد بن العوام، كلاهما عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى، عن رفاعة، بإسقاط يحيى بن خلاد.\nورواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو: واختلف على يزيد فيه:\nفرواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٤٠) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. ولم يقل: عن أبيه فأسقط (يحيى بن خلاد).\nوقيل: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، أحسبه عن أبيه، عن رفاعة.\nرواه ابن حبان (١٧٨٧) من طريق أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون به إلا أنه قال: عن علي ابن يحيى بن خلاد أحسبه عن أبيه. فلم يجزم بكونه عن أبيه. ورواية من جزم مقدمة على رواية من شك في إسناده.\nوقيل: عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة.\nرواه خالد بن عبد الله الواسطي كما في سنن أبي داود (٨٥٩)، عن محمد بن عمرو به، وهي توافق رواية إسحاق من رواية همام عنه، بذكر (يحيى بن خلاد) والد علي بن يحيى، جازمًا. ولم يذكر الوضوء.\nفأخشى أن يكون إسناد خالد بن عبد الله بذكر (عن أبيه) مزيدة في الإسناد، وليست منه خاصة أن تحفة الأشراف (٣/ ١٦٩) ح ٣٦٠٤، ذكر إسناده ونص على أنه لم يقل (عن أبيه) كرواية يزيد بن هارون، وكذلك نسخة سنن أبي داود في شرح عون المعبود (٨٤٤)، والمسند الجامع (٣٧٣٠)، والله أعلم.\nوقد رواه الجصاص في أحكام القرآن (٢/ ٢٢) والبخاري في القراءة خلف الإمام (٧)، من طريق وهب بن بقية، عن خالد، وليس فيه عن أبيه. =","vol":"3","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإذا كان الراجح في إسناد محمد بن عمرو أنه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه رفاعة، فقد أخطأ في إسقاط يحيى بن خلاد من إسناده، والله أعلم.\nهذا من حيث الاختلاف في إسناده،\nوأما الاختلاف في متنه فقد زاد في متنه بعض الحروف التي لم يتفق عليها بقية الرواة، من ذلك:\nالحرف الأول: قوله: (ثم اقرأ بأم القرآن) وقد ناقشت هذه الزيادة، وبينت شذوذها عند الكلام على فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة، انظر ح (١٣٦٨، ١١٩٤).\nالحرف الثاني: قوله: (امدد ظهرك)، وهذا الحرف تفرد به محمد بن عمرو، ولم يتابع عليه.\nالحرف الثالث: قوله: (إذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك)، الأمر بجعل اليدين على الركبتين.\nفرواه محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، وقد علمت ما في إسناده من إسقاط يحيى بن خلاد.\nوتابعه عليه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الله بن عون.\nأما طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، فرواه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة، فزاد يحيى بن خلاد في إسناده خلافًا للراجح من رواية محمد بن عمرو.\nوقد رواه عن إسحاق بن عبد الله اثنان:\nالأول: حماد بن سلمة، وليس فيه وضع اليدين على الركبتين، رواه بلفظ: (ثم يركع حتى تطمئن مفاصله] على اختلاف عليه في إسناده، لهذا لن أطيل في تخريجه هنا، وقد سبق تخريجه في موضع سابق، انظر الكلام على إسناده في ح (١١٩٤).\nوالثاني: همام بن يحيى، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبد الله بن يزيد المقرئ، كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٣٦)، وفي السنن الكبرى له (٧٢٦)، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٨٤)، عن همام، فذكر الركوع ولم يذكر وضع اليدين على الركبتين وفيه: (... ثم يكبر، فيركع، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي).\nورواه حجاج بن منهال وهشام بن عبد الملك (أبو الوليد الطيالسي) وهدبة بن خالد، عن همام، وفيه:: ... إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسر، ثم يكبر، فيركع، فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي .... الحديث.\nوظاهره أن هذه الأفعال جعلت في الحديث شرطًا لصحة الصلاة، للتعبير عنها بلفظ: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... وذكر بقية أفعال الصلاة، ومنها وضع الكفين على الركبتين. ولا يمكن حمل التمام على الكمال؛ لأن الوضوء، وتكبيرة الإحرام والركوع والسجود ليست من كمال الصلاة، وقد روي تامًّا ومختصرًا.\nفأخرجه أبو داود مختصرًا ليس فيه جملة البحث (٨٥٨) والدارقطني في السنن تامًّا (٣١٩)، والطبراني في الكبير تامًّا (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٥ من طريق هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال =","vol":"3","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه ابن ماجه مختصرًا أيضًا ليس فيه جملة البحث (٤٦٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار مختصرًا (١/ ٣٥) ليس فيه جملة البحث عن حجاج بن منهال وحده.\nوقد رواه عن حجاج بن منهال وحده تامًّا محمد بن أسلم الطوسي في الأربعين (١٠)، وابن الجارود في المنتقى (١٩٤)، والحاكم في المستدرك (٨٨١)، وعنه البيهقي في الخلافيات (١٤٦٧)، وفي السنن الكبرى (٢/ ١٤٧، ٤٨٧)، وابن حزم في المحلى (٢/ ٢٨٧).\nوأخرجه الدارمي تامًّا (١٣٦٨) أخبرنا أبو الوليد الطيالسي وحده.\nوالبزار في مسنده تامًّا كما في البحر الزخار (٣٧٢٧) حدثنا هُدْبَةُ.\nكلهم أخرجوه من طريق همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة ..\nورواه عفان، عن همام، كما في معرفة الصحابة لابن منده (ص: ٦٢٧) مقرونًا برواية حماد بن سلمة، وذكره إلى قوله: (... ثم يكبر فيركع فذكر الحديث بطوله) هكذا طوى الحديث عندما بلغ جملة البحث، فلم يتبين لي أوافق المقرئ في لفظه، أم وافق حجاجًا وأبا الوليد الطيالسي.\nوقد انفرد إسحاق بن عبد الله بزيادات لم تَأْتِ في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.\nفمما تفرد به إسحاق في روايته: ...\n(١) لفظ (لا تتم صلاة أحدكم ...) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ...) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (... إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... وفي رواية: فأسبغ الوضوء).\n(٢) ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وقد سبق بحث حكم الاستفتاح، ولم يقل أحد بوجوبه، وإنما الخلاف وقع في استحبابه.\n(٣) تكبيرات الانتقال لم تذكر في سائر طرق حديث رفاعة إلا من طريق إسحاق، كما أنها لم تذكر في حديث أبي هريرة.\n(٤) قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.\n(٥) تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٦) تمكين الوجه والجبهة في السجود.\n(٧) ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nوهناك ألفاظ لم ينفرد فيها إسحاق، ولكن اختلفوا في ذكرها، وليست مذكورة في حديث =","vol":"3","page":492},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٦٥٠) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن أبي يعفور، قال:\nسمعت مصعب بن سعد، يقول: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله، فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب (^١).\n_________\n= أبي هريرة في الصحيحين، منها وضع اليدين على الركبتين.\nفجاءت من طريق محمد بن عمرو، وقد علمت الاختلاف على محمد بن عمرو في إسناده.\nوجاءت من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد وقفت على تخريجه والاختلاف عليه فيه، فمنهم من ذكرها، ومنهم من لم يذكرها.\nوتابعهما على ذكر وضع اليدين على الركبتين عبد الله بن عون إلا أن السند إليه غريب، ضعيف.\nفأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٤٠) ح ٤٥٣٠، من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا شريك، عن عبد الله بن عون به، بإسقاط كلمة عن أبيه، ولفظه: إذا توجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بما شاء الله أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك، فإذا رفعت فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن سجودك، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى وافعل مثل ذلك في كل ركعة وسجدة.\nلم يروه عن عبد الله بن عون إلا شريك، وشريك النخعي سيئ الحفظ، وأين أصحاب ابن عون لو كان هذا من حديثه، كما أنه تفرد بإخراجه الطبراني، وهو محل الغرائب والمنكرات، فلا أظنه يثبت عنه.\nوقد رواه محمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، وابن عجلان، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، كلهم رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلم يذكروا هذا الحرف، كما أن زيادة هذا الحرف مخالف لحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته، حيث لم يذكر فيه هذا الحرف، لهذا أجد أن زيادة هذا الحرف في حديث رفاعة زيادة شاذة، لسببين:\nالسبب الأول: الاختلاف على عليِّ بن يحيى بن خلاد في ذكره، وما اختلف فيه الرواة عليه لم أقبله، لوجود الزيادات الكثيرة المختلف فيها عليه، والحمل فيها عليه، أو على أبيه، وليس على الرواة عنه؛ لأن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أَجَلُّ عندي من أن يروي هذه الزيادات الشاذة في طريقه مما لم تذكر في سائر الطرق، ولم تذكر في حديث أبي هريرة، وقد وقفت عليها.\nالسبب الثاني: أنه مخالف لما هو أصح منه في قصة المسيء في صلاته، فقد حفظها لنا أبو هريرة، وحديثه في الصحيحين، والله أعلم.\nوقد سبق لي تخريج حديث رفاعة، انظر رقم: ١١٩٤ إذا أحببت أن تقف على تخريجه من جميع طرقه، فلله الحمد.\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٠).","vol":"3","page":493},{"text":"(ح-١٦٥١) وروى أحمد من طريق ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال:\nقال عبد الله: علَّمنا رسولُ الله - ﷺ - الصلاةَ، فكبر ورفع يديه، ثم ركع وطبَّق بين يديه وجعلهما بين ركبتيه، فبلغ ذلك سعدًا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعلُ ذلك، ثم أُمِرْنا بهذا، وأخذ بركبتيه (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (أمرنا أن نضع أيدينا على الركب)، وقد أفاد بفائدتين.\nإحداهما: نسخ التطبيق.\nالثانية: الأمر بوضع اليدين على الركب.\nوإذا قال الصحابي (أمرنا بكذا) فهو مرفوع حكمًا؛ وهي من الصيغ المنتشرة بين الصحابة، وكان الصحابة يريدون منها إثبات الشرع وإقامة الحجة، كقول أم عطية في البخاري: (أمرنا أن نخرج الحُيَّضَ يوم العيدين وذوات الخدور) وقولها في البخاري: (نهينا عن اتباع الجنائز) وإذا رجع قول الصحابي (أمرنا بكذا) إلى الرسول - ﷺ - باعتباره صاحب الأمر والنهي الشرعي، فالأصل في الأمر الوجوب.\n* ونوقش:\nالقول بأن الأصل في الأمر الوجوب إنما هو في الأمر المجرد، والأمر بوضع اليدين على الركب جاء من أجل حمل الناس على ترك التطبيق والذي كان مشروعًا ثم نسخ، فهو ليس أمرًا مطلقًا، وإذا كان التطبيق ليس واجبًا كان بدله ليس واجبًا إلا بقرينة.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٥٢) ما رواه أبو يعلى من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الصدائي، حدثنا عباد المنقري، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب،\nعن أنس ﵁ في حديث طويل، وفيه: .... يا أنس، إذا ركعت،\n_________\n(^١). رواه أحمد (١/ ٤١٨، ٤١٩).\n(^٢). سبق تخريجه، أنظر (ص: ٣٥).","vol":"3","page":494},{"text":"فأمكن كفيك من ركبتيك، وفرج بين أصابعك، وارفع مرفقيك عن جنبيك (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٥٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه،\nعن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل: إذا قمت إلى الصلاة فركعت فضع يديك على ركبتيك، وافرج بين أصابعك، ثم ارفع رأسك حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وإذا سجدت فأمكن جبينك من الأرض ولا تنقر (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٥٨٩).\n(^٢). أخرج الترمذي بعضه مفرقًا، وليس في أي منها موضع الشاهد (٥٨٩، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨)، والطبراني في الصغير (٨٥٦)، وفي الأوسط (٥٩٩١)، من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري.\nورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣٦٢٤) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الصدائي (متهم) حدثنا عباد بن ميسرة المنقري (ضعيف)، كلاهما (عبد الله بن المثنى والمنقري) عن علي بن زيد بن جدعان به.\nقال أبو عيسى الترمذي (٥/ ٤٦): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ... وعلي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره».\nقال: وسمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد، وكان رفاعًا، ولا نعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس، رواية إلا هذا الحديث بطوله، وقد روى عباد بن ميسرة المنقري، هذا الحديث، عن علي بن زيد، عن أنس، ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيب.\nقال الترمذي: وذاكرت به محمد بن إسماعيل، يعني البخاري، فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس، هذا الحديث، ولا غيره. اهـ\nوذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٣١٧).\n(^٣). المصنف (٢٨٥٩، ٨٨٣٠).\n(^٤). تابع عبد الرزاق خلاد بن يحيى كما في أخبار مكة للفاكهي (٩١٨) فرواه عن عبد الوهاب بن مجاهد به.\nوهذا إسناد ضعيف جدًّا، عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر (متروك، وكذَّبه الثوري ولم يسمع من أبيه).\n\nوقد روي بإسناد أحسن من هذا، ولا يصح، رواه البزار في مسنده (٦١٧٧)، وابن حبان (١٨٨٧) من طريق يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، حدثني عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن سنان بن الحارث بن مصرف، عن طلحة بن مصرف، عن مجاهد به، في حديث طويل جدًّا.\nوفي إسناده سنان بن الحارث، ذكره البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح =","vol":"3","page":495},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والتعديل، وسكتا عليه.\nوذكره ابن حبان في الثقات. ولا يؤثر توثيقه عن غيره، ففيه جهالة.\nوفي إسناده يحيى بن عبد الرحمن الأرحبي، قال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني (٥٣٢): «كوفي صالح، يعتبر به ...».\nوقال أبو حاتم: شيخ لا أرى فِي حديثه إنكارًا، يروي عن عبيدة بن الأسود أحاديث غرائب.\nوعبيدة بن الأسود ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته، وكان فوقه ودونه ثقات. فالإسناد ضعيف، حيث لا يعرف عن ابن عمر إلا من هذا الإسناد إلا ما كان من إسناد عبد الرزاق، ولا يصلح للاعتبار؛ حيث في إسناده متهم.\nقال البزار: «وهذا الكلام قد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه، ولا نعلم له طريقًا أحسن من هذا الطريق ....».\nوقد جاء الحديث من مسند أنس ﵁:\nرواه مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (١١٣١)، والبزار في مسنده كما في كشف الأستار (١٠٨٣)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٩٤)، عن عطاف بن خالد (صدوق متكلم فيه).\nوالفاكهي في أخبار مكة (٩١٩) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن هشام بن سليمان (صدوق في حديثه بعض اضطراب) كلاهما (عطاف وهشام) عن إسماعيل بن رافع، عن أنس بن مالك بنحو حديث ابن عمر.\nوفي إسناده علتان:\nالأولى: الانقطاع، حيث لم يدرك إسماعيل بن رافع أنسًا، حيث جعله الحافظ من كبار أتباع التابعين.\nالثانية: أن إسماعيل بن رافع والذي عليه مدار الحديث رجل ضعيف.\nقال الترمذي: ضعفه بعض أهل العلم، وسمعت محمدًا يقول: هو ثقة مقارب الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي في رواية: ليس بثقة. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.\nوقال يعقوب بن سفيان: إسماعيل بن رافع، وصالح بن أبي الأخضر، وطلحة بن عمرو ليسوا بمتروكين، ولا يقوم حديثهم مقام الحجة.\nوله طريق آخر عن أنس لا يغنيك شيئًا، أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢٣)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٨)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٠٢) من طريق كثير بن عبد الله أبي هاشم، قال: رأيت أنس بن مالك يحدث معاوية بن قُرَّة، أن رسول الله - ﷺ - قال له: .... وإذا ركعت فضع يديك على ركبتيك، وَأَفْرِجْ بين أصابعك، وسبح ... الحديث.\nوكثير بن عبد الله لا يعبأ به، قال ابن أبي حاتم عن أبيه كما في الجرح والتعديل (٨٥٧): منكر ضعيف الحديث جدًّا شبه المتروك، بابه زياد بن ميمون. اهـ واتهمه ابن حبان بالوضع.\nوقال المعلمي في حاشيته على الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة (ص: ٤٠): =","vol":"3","page":496},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٦٥٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال:\nسمعت ابن عباس، يقول: سأل رجل النبي - ﷺ - عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: خلل أصابع يديك ورجليك -يعني إسباغ الوضوء- وكان فيما قال له: إذا ركعت، فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن -وقال الهاشمي مرة: حتى تطمئنا- وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض (^١).\n[معلول] (^٢).\n_________\n= «أحد الدجالين الذين ادَّعُوا السماع من أنس بعد موته بدهر، قال الحاكم: زعم أنه سمع من أنس وروى عنه أحاديث يشهد القلب أنها موضوعة».\nكما روي الحديث من مسند أُبَيِّ بن كعب:\nرواه الفاكهي في أخبار مكة (٩٢٠) حدثنا ميمون بن الحكم الصنعاني قال: ثنا محمد بن جُعْشُمٍ، عن ابن جريج قال: حدثت عن أبي بن كعب ﵁ قال: إن رجلين أتيا رسول الله - ﷺ - أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيف، فذكر نحو حديث ابن مجاهد.\nوميمون بن الحكم وشيخه محمد بن جعشم، فيهما جهالة، لم أقف على ترجمة لهما، ولإبهام من حدث ابن جريج، والله أعلم.\nكما روي الحديث من مسند عبادة بن الصامت:\nرواه الطبراني في الأوسط (٢٣٢٠) من طريق يحيى بن أبي الحجاج البصري، قال: أخبرنا أبو سنان عيسى بن سنان، قال: أخبرنا يعلى بن شداد بن أوس، عن عبادة بن الصامت به بنحوه.\nقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عبادة إلا بهذا الإسناد، تفرد به يحيى بن أبي الحجاج. اهـ\nويحيى بن أبي الحجاج البصري، قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: لا أرى بحديثه بأسًا.\nوعيسى بن سنان، ضعفه أحمد وابن معين، وقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث.\nوقال أبو زرعة: لين الحديث، وفي أخرى: مخلط ضعيف الحديث.\nفالحديث بكل أسانيده لا يصح، وأين أصحاب أنس وأصحاب ابن عمر عن هذا الحديث لو كان صحيحًا، والله أعلم.\n\n(^١). المسند (١/ ٢٨٧).\n(^٢). غريب من حديث ابن عباس ﵁، فلم يروه عن ابن عباس إلا صالح مولى التوأمة، =","vol":"3","page":497},{"text":"* وأجيب:\nبأن حديث ابن عباس تفرد به ابن أبي الزناد، ولا يحتمل تفرده، وعلى فرض أن يكون الحديث حسنًا، فإن المراد من الأمر بوضع اليدين على الركب ما صرح\n_________\n= ولا عن صالح إلا موسى بن عقبة، تفرد به ابن أبي الزناد، وقد أعل بأكثر من علة:\nالأولى: أنه تفرد به ابن أبي الزناد، وهو مدني، وتفرد العراقيون به عنه، وهي علة أخرى.\nقال ابن المديني: «ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول في حديثه عن مشيختهم: ولقنه البغداديون عن فقهائهم، عدَّهم: فلان وفلان وفلان».\nوقال عمرو بن علي: «فيه ضعف، فما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد، كان عبد الرحمن يخط على حديثه».\nوأجيب:\nبأن يعقوب بن شيبة، قال: «ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة».\nويجاب: بأن قوله: (رأيتها مقاربة) هذه العبارة لا تعطي صحة مطلقة لكل ما رواه سليمان الهاشمي عن ابن أبي الزناد، وإنما تكون مقاربة إذا سلم من التفرد، فإذا تفرد لم تكن مقاربة.\nالعلة الثانية: تفرد به صالح مولى التوأمة عن ابن عباس، وأين أصحاب ابن عباس؟\n\nسأل أبو داود الإمام أحمد: هو مقارب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله، وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع الحجة فلا. سؤالات أبي داود (١٥٩).\nوالتعليل بالتفرد أولى من التعليل بتغير صالح مولى التوأمة، فإن موسى بن عقبة ممن روى عنه قديمًا قبل تغيره، ولهذا قال الترمذي: حسن غريب، فالغرابة تحتمل إذا جاءت من ثقة، وأما إذا كانت الغرابة من ابن أبي الزناد، ومن صالح مولى التوأمة كان في النفس منها شيء.\nقال الترمذي في العلل الكبير (ص: ٣٤): «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وموسى بن عقبة سمع من صالح مولى التوأمة قديمًا، وكان أحمد يقول: من سمع من صالح قديمًا فسماعه حسن، ومن سمع منه أخيرًا، فكأنه يضعف سماعه، قال محمد: وابن أبي ذئب سماعه منه أخيرًا، ويروي عنه مناكير».\nوقد روى الحديث سعد بن عبد الحميد (صدوق له أغاليط) عن ابن أبي الزناد، فاقتصر على ذكر تخليل الأصابع.\nإذا وقفت على هذا، فقد روى الحديث الإمام أحمد (١/ ٢٨٧) حدثنا سليمان بن داود الهاشمي.\nورواه الترمذي في السنن (٣٩)، وفي العلل (٢١)، وابن ماجه (٤٤٧)، والطوسي في مستخرجه (٣٥)، والحاكم (٦٤٨) من طريق سعد بن عبد الحميد بن جعفر، كلاهما عن ابن أبي الزناد به. والله أعلم.","vol":"3","page":498},{"text":"به في الحديث وهو تحقيق الاطمئنان، وهوركن، وليس المقصود إيجاب وضع اليدين على الركبتين، فلو كان ذلك واجبًا لذكر في حديث المسيء في صلاته فقد جاء في حديث أبي هريرة: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، فكان المطلوب شيئين:\nأحدهما: الركوع وحقيقته اللغوية تتحقق بالانحناء.\nوالثاني: الاطمئنان فيه. وما زاد على ذلك فهو من كمال الركوع، لا من واجباته، فالتطبيق في الركوع في أول الأمر، وكذا بدله حين نسخ بوضع اليدين على الركب كلاهما من مستحبات الركوع، والله أعلم.\n* الراجح:\nأرى أن مذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة، والمعتمد من مذهب المالكية هو الأقوى، وأن وضع اليدين على الركب من كمال الركوع، لا من واجباته، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الفرع الثاني إذا نوى بالانحناء غير الركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* نية الصلاة تكفي عن نية بقية الأركان من قيام وركوع وسجود وقعود؛ لأن الصلاة عبادة واحدة، فتكفيها نية واحدة.\n* يشترط ألا ينوي بالانحناء غير الركوع، فإذا انحنى ناويًا غير الركوع لم يجزئه قولًا واحدًا؛ لقوله - ﷺ -: وإنما لكل امرئ ما نوى.\n* الحركة بين الركنين أهي جزء من الركن مقصودة لذاتها، أم هي وسيلة غير مقصودة، فلو انحنى لرفع شيء أو لحك موضع من بدنه فبلغ موضع الركوع فقصده فهل يجزئه الركوع؟ قولان للفقهاء، واعتباره ركنًا، أو واجبًا يجب سجود السهو بفواته سهوًا لا دليل عليه، والأصح عدم بطلان الصلاة بفواته؛ لأن إبطال العبادة يحتاج إلى شيء بَيِّن، والأصل الصحة.\n[م-٦٢٢] لا تشترط نية خاصة للركوع، ولسائر أفعال الصلاة، فإذا دخل في الصلاة بنية كفاه ذلك عن تجديد النية لأفعال الصلاة من ركوع وسجود وقعود؛ لأن الصلاة عبادة واحدة، فتكفيها نية واحدة، حتى لو ذهل عن النية لم تنقطع حكمًا، لوجود ما يسمى بالنية الحكمية: وهو استصحاب حكم النية ما دام لم يقطعها، لكن يشترط ألا ينوي بالانحناء غير الركوع، فإن انحنى ناويًا به غير الركوع لم يجزئه قولًا واحدًا.\nوإن انحنى لغير الركوع، فلما بلغ الركوع قصده، فقولان مبنيان على الاختلاف في الحركة للركن، أهي مقصودة في الصلاة أم لا؟\nفقال المالكية: إذا قرأ آية سجد، فانحط لها بنية السجود، فلما وصل إلى حد الركوع ذهل عنها ونوى الركوع:","vol":"3","page":500},{"text":"فقال مالك: يعتد بالركوع، بناء على أن الحركة للركن غير مقصودة، ولا سهو عليه لنقص الحركة، ولا لزيادتها.\nوعند ابن القاسم والشافعية والحنابلة: الحركة للركن مقصودة تابعة للركن، فإذا قصد بالحركة غير الركن لم يعتد بالركن (^١).\nقال النووي: «ويشترط أن لا يقصد بهويه غير الركوع، فلو قرأ في قيامه آية سجدة، فهوى ليسجد، ثم بدا له بعد بلوغه حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع، بل يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع، وهذا لا خلاف فيه، ولو سقط من قيامه بعد فراغ القراءة فارتفع من الأرض إلى حد الراكعين لم يجزه بلا خلاف» (^٢).\nقال في الفروع: «ولو انحنى لتناول شيء ولم يخطر بباله الركوع لم يجزئه» (^٣).\nوفي حاشية اللبدي على نيل المآرب: «فلو انحنى لتناول شيء، ولم يخطر بباله الركوع، ثم قصده وهو راكع، لم يجزئه، كالرفع منه، كما يأتي. وكذا يقال في السجود، وفي الرفع منه، ونحو ذلك» (^٤).\nوالقول ببطلان الركن يجعل الحركة بمنزلة الشرط للركن حيث تتقدمه، أو تعتبر ركنًا بذاتها، لا بمنزلة الواجبات؛ فلو كانت الحركة واجبة للركن لجبرت بالسهو عند نقصها، أو عند زيادتها، لكن القول ببطلان الركن شديد، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). شرح الخرشي مع حاشية العدوي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٨٦، ٤٨٩).\nوقال في تحفة المحتاج (٢/ ٥٩): «(و) يلزمه أنه (لا يقصد به) أي الهوي (غيره) أي الركوع لا أنه يقصده نفسه؛ لأن نية الصلاة منسحبة عليه».\nفبين أنه يجب عليه ألا ينوي به غير الركوع، لا أنه يجب عليه أن ينوي الركوع، فنية الركوع منسحبة عليه.\n(^٢). المجموع (٣/ ٤٠٨).\n(^٣). الفروع وتصحيح الفروع (٢/ ٢٠٦)، وانظر: الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٣).\n(^٤). حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨).","vol":"3","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>المبحث الثالث في مد الظهر ومجافاة المرفقين عن الجنبين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المتفق عليه في الركوع: الانحناء، والاطمئنان فيه، فهذان فرضان بالاتفاق.\n* ما زاد على (الركوع، والاطمئنان فيه، ووضع اليدين على الركبتين)، لا أعلم أحدًا قال بوجوبه من المتقدمين.\n* وضع الراحتين على الركبتين، وتفريج الأصابع، ومجافاة المرفقين عن الجنبين، ومد الظهر من سنن الركوع عند عامة العلماء.\n* القول بأن هذه الصفات شرط لحصول الاطمئنان قول في غاية البعد.\n* الاطمئنان في الصلاة ليس له حقيقة شرعية، تفارق حقيقته اللغوية.\n* الاعتماد في حقيقة الاطمئنان في الركوع على حقيقته اللغوية.\n* الاطمئنان في الركوع: هو السكون منحنيًا حتى يستوي كل عضو في مقره، وهو حاصل ولو لم يمد ظهره، ويضع يديه على ركبتيه، قال في الحديث المتفق عليه: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).\n* أجمع المسلمون على استحباب التجافي في الركوع والسجود.\n[م-٦٢٣] اتفق العلماء على مشروعية مد الظهر وبسطه في الركوع، بحيث لا يرفع رأسه ولا يخفضه، كما اتفقوا على استحباب أن يجافي الرجل المصلي مرفقيه عن جنبيه في حال الركوع والسجود إلا أن يؤذي من بجانبه، واختلفوا في وجوب ذلك:\nفقيل: هذه الهيئة من سنن الصلاة، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٢٩٧)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٠)، مختصر القدوري (ص: ٢٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٤)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٧١)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٤)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، الشرح الصغير (١/ ٣١٣)، وحاشية الدسوقي (١/ ٢٣٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٥٤)، لوامع الدرر (٢/ ٨٢)، منهاج الطالبين (ص: ٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٨)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٣)، المجموع (٣/ ٤٠٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٨)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٣)، الفروع (٢/ ١٩٥)، المبدع (١/ ٣٩٤)، الإقناع (١/ ١١٩)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":502},{"text":"قال ابن شاس في الجواهر: «وأكمله -يعني الركوع- أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا يجاوز في الانحناء الاستواء» (^١).\nوقال البغوي: «السنة في الركوع عند عامة العلماء: أن يضع راحتيه على ركبتيه، ويفرج بين أصابعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويسوي ظهره وعنقه، ورأسه» (^٢).\nوقيل: هذه الصفات واجبة، ولا يحصل الاطمئنان في الركوع إلا بها. اختاره الألباني صريحًا، ويمكن أن يفهم هذا القول من كلام ابن حزم (^٣).\n* دليل من قال: هذه الهيئات من السنن:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٥٥) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد ابن عمرو بن عطاء، وحدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن محمد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ... وذكر بقية الحديث (^٤).\n_________\n(^١). عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٣)، وانظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥).\n(^٢). شرح السنة (٣/ ٩٤).\n(^٣). تمام المنة (ص: ١٨٩)، وانظر المحلى (٢/ ٢٨٩).\n(^٤). صحيح البخاري (٨٢٨).","vol":"3","page":503},{"text":"وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب استواء الظهر في الركوع،\nقال ابن الجوزي: «هصر ظهره: أي مده وسواه. وقال الخطابي: ثناه وخفضه» (^١).\nوقال ابن رجب: «يظهر من تبويب البخاري تفسير الهصر بالاستواء والاعتدال، وكذا قال الخطابي قال: هصر ظهره: أي ثناه ثنيًا شديدًا في استواء من رقبته ومتن ظهره لا يقوسه، ولا يتحادب فيه» (^٢).\nوتفسير هصر الظهر بالاستواء من تفسير الفعل بلازمه؛ لأن هصر الظهر يدل على قدر زائد على مطلق الانحناء، فهو انحناء شديد، يلزم منه استواء الظهر.\n(ح-١٦٥٦) ورواه أحمد من طريق عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\nعن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن رِبْعِيٍّ، يقول: .... فذكر الحديث، وفيه: ... فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر، فركع، ثم اعتدل، فلم يَصُبَّ رأسه، ولم يُقْنِعْهُ، ووضع يديه على ركبتيه .... الحديث (^٣).\n[حسن في الجملة] (^٤).\nفقوله: (لم يَصُبَّ رأسه) من الصب، قال الخطابي: أي: لا يميله إلى أسفل.\nوقوله: (ولم يُقْنِعه) من أقنع رأسه: إذا رفعه، أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره، وهو من الأضداد.\n(ح-١٦٥٧) ورواه أبو داود من طريق فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، وَوَتَّرَ يديه\n_________\n(^١). كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ١٧٢).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٦٤).\n(^٣). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ح ١١٨٥، ١٧٤٨، ١٨٥١، ١٨٦٨).","vol":"3","page":504},{"text":"فتجافى عن جنبيه .... الحديث (^١).\n[صحيح من حديث عباس بن سهل، وقد سبق تخريجه] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (وَوَتَّرَ يديه) بتشديد التاء، أي جعلها كالوتر، شبه يد الراكع إذا مدَّها قابضًا على ركبته بالقوس إذا أوترت.\n(فنحاهما عن جنبيه) من نحى ينحي تنحية: إذا أبعد يديه عن جنبيه حتى كانت يده كالوتر مع القوس (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٥٨) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه، ولم يُصَوِّبْهُ ولكن بين ذلك ... وذكر الحديث (^٤).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٥٩) ما رواه أحمد من طريق زائدة، عن عطاء بن السائب، عن سالم أبي عبد الله، قال:\nقال عقبة بن عمرو: ألا أريكم صلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال: فقام فكبر، ثم ركع، فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه، حتى استقر كل شيء منه ... وذكر الحديث (^٥).\nورواه أحمد من طريق همام، حدثنا عطاء بن السائب وفيه: (... وجافى عن\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٤).\n(^٢). لم يتفرد به فليح، تابعه عليه محمد بن إسحاق، فالحديث صحيح بمجموع الطريقين، وقد سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٣١).\n(^٣). نسب هذا التفسير إلى النهاية الأحوذي في التحفة (٢/ ١٠٣)، ولم أجد ذلك في نهاية غريب الحديث، والله أعلم.\n(^٤). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٥). المسند (٤/ ١٢٠).","vol":"3","page":505},{"text":"إِبْطَيْهِ حتى استقر كل شيء منه ... الحديث (^١).\n[إسناده قوي زائدة وهمام سمعا من عطاء قديمًا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٦٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن عطاء قال: حدثنا طلحة بن زيد، عن راشد، قال:\nسمعت وابصة بن معبد، يقول: رأيت رسول الله - ﷺ -، فكان إذا ركع سَوَّى ظهره، حتى لو صُبَّ عليه الماء لَاسْتَقَرَّ (^٣).\n[ضعيف جدًّا بل موضوع] (^٤).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٤/ ١١٩).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (١٦٤٧).\n(^٣). سنن ابن ماجه (٨٧٢).\n(^٤). والحديث رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤٧) ح ٤٠٠٠ من طريق إبراهيم بن محمد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن عطاء به.\nوفي إسناده طلحة بن زيد الرقي، قال فيه الحافظ في التقريب: متروك، قال أحمد وعلي -يعني ابن المديني- وأبو داود: كان يضع يعني الحديث.\nوعبد الله بن عثمان بن عطاء، سئل عنه أبو حاتم، فقال: صالح.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن سهل الرملي يقول: هو أصلح من أبي طاهر موسى بن محمد المقدسي قليلًا، وكان أبو طاهر يكذب. الجرح والتعديل (٥/ ١١٣)\nوقال ابن حبان كما في الثقات (٨/ ٣٤٧): يعتبر حديثه إذا روى عنه غير الضعفاء.\nوفي إسناده أيضًا: راشد بن أبي راشد، قال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧): ما حدث عنه سوى طلحة بن زيد الرقي الواهي. اهـ\nوله شواهد لا يصح منها شيء، من ذلك:\nالشاهد الأول: عقبة بن عمرو.\n\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٤، وفي المعجم الأوسط (٥٢٠٥) من طريق عبد الملك بن الحسين، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي عبد الله البراد، عن عقبة بن عمرو ﵁، قال: كان النبي - ﷺ - إذا ركع عدل ظهره، حتى لو صب على ظهره ماء رَكَدَ.\nقال الطبراني في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إلا عبد الملك بن حسين. اهـ\nوهذا حديث منكر، عبد الملك بن حسين أبو مالك النخعي متروك، وقد رواه عطاء بن =","vol":"3","page":506},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= السائب، عن أبي عبد الله البراد به، فلم يذكر فيه قوله: (حتى لو صب على ظهره ماء ركد)، وهو المعروف، وسبق تخريجه.\nالشاهد الثاني: حديث ابن عباس.\nما رواه أبو يعلى (٢٤٤٧)، والطبراني (١٢/ ١٦٧) ح ١٢٧، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٠١)، من طريق سلام بن سليم، عن زيد العمي، عن أبي نضرة،\nعن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد استوى فلو صب على ظهره ماء لأمسكه.\nوفيه رواية الطبراني، وأبي نعيم، قال: (لاستقر).\nوهذا الحديث ضعيف جدًّا، في إسناده سلام بن سليم الطويل متروك، وفيه زيد العمي ضعيف.\nورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٥٩) ح ١٢٧٥٥، من طريق عُلَيْلَةَ بن بدر، حدثنا سيار بن سلامة، عن أبي العالية، عن ابن عباس قال: كان يعلمنا الركوع كما كان رسول الله - ﷺ -: يعلمهم، ثم يستوي لنا راكعًا حتى لو قطرت بين كتفيه قطرة من ماء ما تقدمت، ولا تأخرت.\nوعُلَيْلَةُ: متروك، وقد تفرد به عن سيار بن سلامة.\nالشاهد الثالث: البراء بن عازب.\nما رواه بحشل في تاريخ واسط (٢٤٧)، والدارقطني في العلل (٤٠٢) وفي المؤتلف (٣/ ١٢٩٧)، من طريق مصعب بن عبد الله بن مصعب الواسطي، حدثنا سلم بن سلام، عن سنان بن هارون، عن بيان بن بشر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، أن النبي - ﷺ - كان إذا ركع عدل ظهره حتى لو صب عليه ماء لاستقر.\nوهذا الإسناد له أكثر من علة:\nالعلة الأولى: سنان بن هارون، ضعفه يحيى بن معين، فقال: ليست أحاديثه بشيء إكمال تهذيب الكمال (٦/ ١٢٣).\nوذكره العقيلي في جملة الضعفاء، ونقل عن عباس، قال: سمعت يحيى يقول: سنان بن هارون وسيف بن هارون ضعيفان، وسنان أعجبهما إليَّ. الضعفاء الكبير (٢/ ١٧١).\nوقال في رواية: صالح. الجرح والتعديل (٤/ ٢٥٣).\nوقال النسائي: ضعيف. تهذيب الكمال (١٢/ ١٥٥).\nوقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير.\nوقال أبو حاتم: شيخ.\nووثقه الذهلي، وقال العجلي: كوفي لا بأس به، والراجح فيه قول الجمهور.\nالعلة الثانية: الاختلاف فيه على سنان بن هارون:\nفقد رواه سلم بن سلام، عن سنان، عن بيان، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب.\nورواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه (١/ ١٢٣)، وعنه أبو بكر القطيعي في جزء الألف دينار (٥٣)، قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي، قال: أُخبِرت عن سنان بن هارون، حدثنا بيان، =","vol":"3","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليِّ بن أبي طالب ﵁، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع لو وضع قدح من ماء على ظهره لم يُهرق.\nوالراوي عن سنان مبهم، وجعله من مسند علي بن أبي طالب، وآفته سنان بن هارون.\nورواه الثوري، عن مسلم أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختلف على الثوري فيه.\nفرواه أبو يحيى الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن (صدوق يخطئ) كما في علل ابن أبي حاتم معلقًا (٣٩٧)، عن الثوري، عن مسلم أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب.\nخالفه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٨٧٢)،\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٣٢)، وعلل ابن أبي حاتم معلقًا (٣٩٧)، فروياه عن الثوري، عن مسلم أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع لو صب على ظهره ماء لاستقر. زاد عبد الرزاق كان رسول الله - ﷺ - ركوعه وسجوده وقيامه بعد الركعة متقاربًا.\nوهذا هو المحفوظ من حديث الثوري أنه مرسل. وكل من ابن مهدي وعبد الرزاق، مقدم على أبي يحيى الحماني لو كان منفردًا، فكيف إذا اتفقا على مخالفته.\nوقد توبع الثوري من رواية عبد الرزاق وابن مهدي عنه، تابعه شعبة، وعبد الله بن إدريس.\nفقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٩٢) عن ابن إدريس،\nوأبو داود في المراسيل (٤٣) من طريق شعبة، كلاهما عن أبي فروة الجهني، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى مرسلًا. وهو المحفوظ. قال أبو حاتم: ليس ذكره عن البراء بمحفوظ.\nوقال ابن رجب في الفتح بعد أن ساق الاختلاف فيه (٧/ ١٦٦): «وخرجه أبو داود في مراسيله، من طريق شعبة، عن أبي فروة، عن ابن أبي ليلى مرسلًا، وهو أصح».\nالشاهد الرابع: أبو برزة الأسلمي.\nأخرجه الطبراني في الأوسط (٥٦٧٦) من طريق صالح بن زياد، عن يحيى بن سعيد العطار، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن جمهان، عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع لو صب على ظهره ماء لاستقر.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حماد بن سلمة إلا يحيى بن سعيد العطار الحمصي، تفرد به صالح بن زياد. اهـ\nقلت: صالح بن زياد ثقة، لكن آفته: يحيى بن سعيد العطار، قال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال الدارقطني: ضعيف. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٥٩).\nوقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه.\nوقال العقيلي: منكر الحديث.\nوقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به. تهذيب التهذيب =","vol":"3","page":508},{"text":"الدليل الخامس:\nالإجماع على استحباب المجافاة من الرجل حال الركوع والسجود،\nقال الطحاوي في شرح معاني الآثار: «جاءت السنة بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون على ذلك» (^١).\nقال النووي: «لا أعلم في استحبابها -يعني المجافاة- خلافًا لأحد من العلماء، وقد نقل الترمذي استحبابها في الركوع والسجود عن أهل العلم مطلقًا» (^٢).\nوقال ابن رجب: «أجمع عليه أئمة الأمصار» (^٣).\n* دليل من قال: يجب استواء الظهر.\n(ح-١٦٦١) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، وكان من أصحاب النبي - ﷺ - قال: جاء رجل ورسول\n_________\n= (٤/ ٣٥٩)،وقال أبو داود: جائز الحديث. وفي التقريب: ضعيف.\nالشاهد الخامس: حديث أنس.\nأخرجه الطبراني في الصغير (٣٦)، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الصدفي المضري، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن أنس بن مالك، أن النبي - ﷺ - كان إذا ركع؛ لو جعل على ظهره قدح ماء لاستقر من اعتداله.\nقال الطبراني: لم يروه عن محمد بن ثابت إلا يحيى بن أيوب، تفرد به عمرو بن الربيع.\nشيخ الطبراني: أحمد بن إسحاق الصدفي فيه جهالة، ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (٢١/ ٥٢)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ٢٤)، ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا. انظر: إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص: ٦٧).\nومحمد بن ثابت البناني ضعيف، منكر الحديث، روى عن أبيه ما لا يتابع عليه. قال ابن حبان: يروي عن أبيه ما ليس من حديثه، كأنه ثابت آخر، لا يجوز الاحتجاج به.\nفتبين من هذه الشواهد أن استواء الظهر ثابت، لا يختلف فيه من حديث أبي حميد الساعدي عند البخاري، وأن حرف: (حتى لو صب عليه الماء لاستقر) لا يثبت من حديث صحيح، وتفرد الضعفاء بحرف لا يزيده إلا ضعفًا.\n\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٠).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤١٠).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٥٥).","vol":"3","page":509},{"text":"الله - ﷺ - جالس في المسجد، فصلى قريبًا منه، ثم انصرف إلى رسول الله - ﷺ -، فسلم عليه فقال رسول الله - ﷺ -: أعد صلاتك، فإنك لم تُصَلِّ ... فردده، وفيه فقال الرجل: علمني كيف أصنع، قال: إذا استقبلت القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك .... (^١).\n[الحديث حسن ولفظ: (اجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك) شاذ] (^٢).\nقال الشيخ الألباني عليه رحمة الله في تمام المنة: «يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي:\n(١) وضع اليدين على الركبتين.\n(٢) تفريج أصابع الكفين.\n(٣) مَدُّ الظهر.\n(٤) التمكين للركوع، والمكث فيه، حتى يأخذ كل عضو مأخذه» (^٣).\nوأما وضع اليدين على الركبتين مفرقة الأصابع فقد أفردته في مسألة مستقلة؛ لأن هناك من أصحاب مالك من قال بوجوب ذلك، فكان الخلاف فيه بين أهل القياس، وقد وافق ابن حزم أحد قولي المالكية، فقال في المحلى: إن وضع اليدين على الركبتين فرض (^٤).\nوقد ترجح لي في المسألة السابقة أن وضع اليدين على الركبتين ليس بفرض، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، والمعتمد في مذهب مالك.\nفيبقى المتفق عليه في الركوع: الانحناء، والاطمئنان فيه، فهذان فرضان\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣٤٠).\n(^٢). لفظ (إذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن لركوعك) قد رواه محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه وفيه علتان:\nالعلة الأولى: الاختلاف على محمد بن عمرو في إسناده. وهذا دليل على عدم ضبطه.\nالعلة الثانية: الاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ذكر (إذا ركعت فاجعل راحتك على ركبتيك وامدد ظهرك). وقد سبق الكلام على طريق محمد بن عمرو في المسألة السابقة، ولله الحمد.\n(^٣). تمام المنة (ص: ١٨٩).\n(^٤). المحلى (٢/ ٢٨٦).","vol":"3","page":510},{"text":"بالاتفاق، واختلفوا في وجوب وضع اليدين على الركبتين.\nوأما ما زاد على هذه الثلاثة: (الركوع، والاطمئنان فيه، ووضع اليدين على الركبتين)، فلا أعلم أحدًا قال بوجوبه من المتقدمين إلا ما يمكن أن يفهم من كلام ابن حزم، وليس بالصريح، وهو محسوب من المتأخرين.\nيقول ابن حزم في المحلى: «من العظائم التي نعوذ بالله ﷿ منها أن يقول رسول الله - ﷺ -: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل كذا أو كذا، وافعلوا كذا وكذا، فيقول قائل بعد أن سمع هذه الأخبار: إن الصلاة تتم دون ذلك، مقلدًا لمن أخطأ ممن لم يبلغه الخبر، أو بلغه فتأوَّل غير قاصدٍ لخلاف رسول الله - ﷺ -، وكذلك من الباطل والتلاعب بالسنن أن ينص رسول الله - ﷺ - على أمور ذكر أن الصلاة لا تتم إلا بها، فيقول قائل من عند نفسه: بعض هذه الأمور هو كذلك، وبعضها ليس كذلك، فإن أَقْدَمَ كاذبٌ على دعوى الإجماع في شيء من ذلك فقد كذب على جميع الأمة. وادعى ما لا علم له به» (^١).\nفكأن ابن حزم يذهب إلى صحة حديث رفاعة بن رافع ﵁ في كل ألفاظه، فكل ما ورد الأمر به فهو يرى وجوبه في الركوع، ويلزمه أن يذهب إلى وجوب مَدِّ الظهر، حيث ورد في بعض ألفاظه، وإن لم يصرح ابن حزم في أكثر من وجوب الركوع، والطمأنينة، ووضع اليدين على الركبتين. ولم يتعرض لِمَدِّ الظهر، والله أعلم.\nولو قيل: إن وضع اليدين على الركبتين وتفريج الأصابع ومد الظهر من واجبات الركوع للأمر بها في حديث رفاعة، لا أنها شرط لتحقيق الاطمئنان، ولا أن الاطمئنان في الركوع لا يحصل إلا بها، لأمكن البحث في صحة القول بالوجوب بناء على صحة هذه الزيادات التي انفرد بها حديث رفاعة في قصة المسيء في صلاته، ولم تذكر في حديث أبي هريرة، وهو في الصحيحين.\nوأما القول بأن الاطمئنان لا يحصل إلا بها، وأن الإخلال بها إخلال بالاطمئنان الذي هو ركن من أركان الصلاة، فهذا محل البحث. والقول به فرع عن مسألة\n_________\n(^١). المحلى (٢/ ٢٨٩).","vol":"3","page":511},{"text":"أخرى: هل الاطمئنان في الركوع له حقيقة شرعية، أم حقيقة لغوية؟\nفإن كان الاعتماد على حقيقة الاطمئنان في اللغة، فهو حاصل، ولو لم يضع يديه على ركبتيه، ولم يمد ظهره، فالركوع هو الانحناء تعظيمًا.\nوالاطمئنان فيه: هو السكون منحنيًا حتى يستوي كل عضو في مقره، وهذا حاصل ولو لم يمد ظهره، ويضع يديه على ركبتيه، كما قال في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).\nوإن زعمنا أن الاطمئنان له حقيقة شرعية، تفارق حقيقته اللغوية، فهذا يحتاج إلى أمرين:\nأحدهما: التصريح بأن الركوع له حقيقة شرعية، ولم أقف على قائل به من المتقدمين.\nالثاني: أن يثبت ذلك بأحاديث لا نقاش في صحتها، أما الاعتماد على الزيادات التي وردت في حديث رفاعة مع الاختلاف الشديد في ألفاظه، فلا أظن ذلك صحيحًا، وهو يؤدي إلى القول بأن دعاء الاستفتاح وتكبيرات الانتقال ركن، وهو قول ضعيف، وقل مثل ذلك في جميع زيادات حديث رفاعة، ولو صحت هذه الزيادات في حديث رفاعة لم يستفد منها هذه الدلالة، بحيث يجعل كل هذه الزيادات أركانًا في العبادة، وشرطًا في حصول الاطمئنان في الركوع، بل هي قدر زائد على الاطمئنان، فيصح أن يقال على فرض ثبوتها: إن هذه واجبات للركوع، والإخلال بها يدخل في الإخلال بالواجبات، ولا يدخل في الإخلال بالأركان، فمن تركها سهوًا جبرها بسجود السهو على القول بثبوت هذه الزيادات، ويكون القول بمثل ذلك فرعًا عن الحكم بصحة حديث رفاعة، لا أنها من الأركان، ولا أنها شرط لحصول الركن.\nولولا أن قول الألباني عليه رحمة الله ربما يرجع إلى قول ابن حزم نفسه، وإنْ لم أقف عليه صريحًا لم أتعقب هذا القول، فإني لست كَلِفًا بتعقب أقوال العلماء المعاصرين، واختياراتهم الفقهية والحديثية، وعلى طالب العلم أن يقول اجتهاده في المسألة متلمسًا الحق ما استطاع دون تعصب، ودون أن يتعرض للرموز من أهل السنة، فلا صوابك بحسب ظنك","vol":"3","page":512},{"text":"يرفعك إلى منزلتهم، ولا خطؤهم بحسب ظنك ينال من قدرهم، وأعوذ بالله أن يكون هذا مرادًا للنفس، فمن وجد في نفسه شيئًا من ذلك فليعلم أن الشيطان قد تمكن منه، وأوقعه في نوع من البغي والطغيان دون أن يشعر، بل لعلماء السنة حتى مع أولئك الذين نختلف معهم في الشأن العام لهم كلهم فوق ما للمسلم من ولاء، ونصرة، ومحبة، لهم العرفان بتثمين ما بذلوه من أعمارهم في خدمة هذا العلم، وتعظيمهم عند العامة والخاصة، ونشر محاسنهم، والكف عن أخطائهم، وأكثر ما يحرم طالب العلم وتنزع البركة من سعيه، هو اشتغاله بغمز العلماء وطلبة العلم، ونشر خطئهم، والتقليل من مكانتهم في مسائل يسعها اختلاف الاجتهاد، فإن كان مع هذه البلوى يرى في نفسه أنه أحسن حالًا منهم، فأحسن الله عزاءنا فيه، بل هم بين الأجر والأجرين، والخطأ لا يعصم منه أحد، من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى قيام الساعة، والاختلاف معهم في بعض الشأن العام كالاختلاف معهم في مسائل الاجتهاد في سائر المسائل الفقهية موضع الاجتهاد، فليس هذا الخلف مبررًا لمحو حسناتهم، وإنكار حسن أثرهم في الناس، وتعليمهم الخير، وتثمين ما يقدمونه في سبيل ذلك، ولعلك أنت المخطئ فيما تظن أنك مصيب فيه، فاحمل بعضهم على طريقة الإمام الزهري، وبعضهم على طريقة الإمام الثوري، وبعضهم على طريقة ابن المبارك، وكلهم عدول، وأئمة هدى، والله أعلم.\n* الراجح:\nأن الفرض في الصلاة الركوع والاطمئنان فيه، وما زاد على ذلك فهو من المستحبات، وأن تسوية الظهر التعويل في استحبابه على حديث أبي حميد الساعدي حيث ترجم له البخاري في صحيحه باب استواء الظهر في الركوع، واحتج له بقوله: (ثم هصر ظهره) وقد فسر البخاري الهصر بالاستواء والاعتدال، وعلى حديث عائشة ﵂: (وكان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه، ولم يُصَوِّبْهُ ولكن بين ذلك). والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>المبحث الرابع وجوب الطمأنينة في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الحكم بركنية الفعل في الصلاة تثبت بالدليل القطعي كما تثبت بالدليل الظني خلافًا للحنفية.\n* الدلالات اللفظية متعلقة باللغة، وما يقتضيه اللفظ من معنى، وما يوجبه من عمل، وكونه قطعيًّا أو ظنيًّا متعلقٌ بطرق ثبوته، لا في دلالته.\n* دلالة الظني قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية.\n* إذا صح الدليل الظني أفاد العلم ووجوب العمل كالقطعي.\n* إذا دلَّ الدليل الظني على الركنية أو الشرطية ولم يعارضه ما هو أقوى منه وجب العمل بدلالته، ولو كانت ظنية.\n* الصلاة الشرعية: ما جمعت شيئين: القيام بالأركان، والطمأنينة فيها، وترك أحدهما مبطل مطلقًا، بخلاف الواجب فسهوه لا يبطل بالاتفاق، وفي إبطال الصلاة بتعمد تركه خلاف.\n* الطمأنينة وصف زائد على مجرد الركوع والسجود والاعتدال منهما.\n* قال - ﷺ -: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) فإذا ثبتت ركنية الاطمئنان في الجلسة بعد السجود ثبت مثلها في القيام من الركوع حيث لا فرق.\n[م-٦٢٤] يختلف الفقهاء في حكم الطمأنينة في محالها الأربعة: في الركوع، والسجود، وفي الاعتدال منهما، وقد ذهب الخلاف في المسألة إلى أربعة أقوال:\nفقيل: الطمأنينة سنة في الصلاة كلها، وهو تخريج ضعيف في مذهب الحنفية،","vol":"3","page":514},{"text":"وأحد القولين في مذهب المالكية (^١).\nقال الدسوقي في حاشيته: «قوله: (وطمأنينة): اعلم أن القول بفرضيتها صححه ابن الحاجب، والمشهور من المذهب: أنها سنة، ولذا قال زَرُّوق كما في بن (يعني: حاشية البناني): من ترك الطمأنينة أعاد في الوقت على المشهور، وقيل: إنها فضيلة» (^٢).\nفكأنه رتب السنية على القول بإعادتها في الوقت، وليس بلازم، فالمالكية قد يقولون بالإعادة في الوقت لترك بعض الواجبات، وهذا ما يفهم من كلام زرُّوق نفسه (^٣).\nوقيل: الطمأنينة فرض فيها كلها، وبه يقول أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة، وقال خليل في التوضح: على الأصح، واختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي من المالكية (^٤).\n_________\n(^١). ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست بفرض، وبهذا أخذ علماء الحنفية، واختلفوا في المراد منه:\nفقيل: المراد منه أن الطمأنينة سنة في الصلاة كلها، وهو تخريج أبي عبد الله الجرجاني من علماء الحنفية، وهو قول ضعيف في المذهب.\nوقيل: المراد منه وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى هذا تخريج الإمام الكرخي.\nجاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤): «وتعديل الأركان هو سنة عندهما في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي، واجب ... قال في البحر: وبهذا يضعف قول الجرجاني».\nوحكى المازري المالكي قولين في حكم الطمأنينة كما في شرح التلقين (٢/ ٥٢٤)، قال: «اختلف الناس في إيجاب الطمأنينة في الركوع والسجود ... والمذهب على قولين عندنا: أحدهما: إيجابها. والثاني: إثباتها فضيلة ...»، وشهر الدسوقي القول بالسنية.\nوحكى القاضي عياض قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان: في الطمأنينة، وفي الاعتدال، أحدهما أنهما من السنن.\nوانظر: التاج والإكليل (٢/ ٢٢١)، منح الجليل (١/ ٢٥١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤١)، حاشية الصاوي (١/ ٣١٦).\n(^٢). حاشية الدسوقي (١/ ٢٤١).\n(^٣). قال الشيخ زَرُّوق: من ترك الطمأنينة أعاد في الوقت على المشهور ... وقيل: بعدم فرضية الطمأنينة، والقول بوجوبها هو الأصح. اهـ فتأمل كيف جعل القول بعدم الفرضية في مقابل من قال: يعيد في الوقت، ثم صرح أن القول بالوجوب هو الأصح، فلا ينافي ذلك الإعادة بالوقت.\n(^٤). انظر قول أبي يوسف من الحنفية في: تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، البحر الرائق (١/ ٣١٦). =","vol":"3","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويطلق المالكية في عباراتهم الاعتدال، والطمأنينة، والسؤال: أهما لفظان لمسمى واحد، أم بينهما اختلاف؟\nجاء في التاج والإكليل (٢/ ٢٢١) نقلًا عن نص شارح التهذيب: «أنه يعبر عن الطمأنينة بالاعتدال، وعن الاعتدال بالطمأنينة، ونقل أنهما لمسمًّى واحد».\nوالصحيح التفريق بينهما، وأن الاعتدال غير الطمأنينة، فيقصدون بالاعتدال: أن يعتدل قائمًا في رفعه من الركوع، وأن يعتدل جالسًا في رفعه من السجود، فهو خاص في هذين الموضعين.\nجاء في الفواكه الدواني (١/ ١٨١): «والفرق بين الطمأنينة والاعتدال: أن الاعتدال نصب القامة والطمأنينة: استقرار الأعضاء زمنًا ما».\nوقد بَيَّن الدسوقي في حاشيته (١/ ٢٤٢) أن بين الاعتدال وبين الطمأنينة عمومًا وخصوصًا من وجه باعتبار التحقق، وإن تخالفا في المفهوم.\nفيوجد الاعتدال والطمأنينة معًا: إذا نصب قامته في القيام أو في الجلوس، وبقي حتى استقرت أعضاؤه في محالها زمنًا ما.\nويوجد الاعتدال فقط: إذا نصب قامته في القيام أو في الجلوس ولم يبق حتى تستقر أعضاؤه.\n\nوتوجد الطمأنينة فقط: فيمن استقرت أعضاؤه في غير القيام والجلوس كالركوع والسجود، فإنه ليس فيه اعتدال.\nإذا عرفت الفرق بين الاعتدال والطمأنينة، فما حكم كل واحد منهما؟\nاختلف المالكية في حكمهما، فالأصح عند اللخمي وابن الجلاب، وخليل أن الاعتدال والطمأنينة فرض (ركن) في الصلاة، وبعضهم يعبر عن الفرض بالواجب، ولا يريد التفريق بينهما، وتاركهما يعيد الصلاة أبدًا في الوقت وغيره.\nقال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٩٣): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة ... والاعتدال والطمأنينة على الأصح ...».\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٧): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه».\nوقال في أسهل المدارك (١/ ٢٠٥): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام».\nوقال في التلقين (١/ ٤٣): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين».\nوانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٧٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٢)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٤). =","vol":"3","page":516},{"text":"والمقصود بالفرض الركنية، وهذان قولان متقابلان.\nجاء في مجمع الأنهر: «وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة ... فرض في الكل» (^١).\nوقيل: الطمأنينة واجبة، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^٢).\n....................................................\n_________\n= وقيل: الطمأنينة فضيلة وهو قول في مقابل الأصح، والاعتدال سنة، وعليه فتاركهما يعيد في الوقت.\nقال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدًا، فلا يعتد بتلك الركعة، ومن رفع رأسه من السجود فلم يعتدل جالسًا حتى سجد الأخرى، فليستغفر الله ولا يعد .... قال محمد ابن رشد: قوله فيمن رفع رأسه من الركوع أو السجود فلم يعتدل قائمًا، أنه يستغفر الله ولا يعد؛ يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اهـ\nوانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٢٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، طرح التثريب (٣/ ١٦١)، البيان والتحصيل (١/ ٣٥٤)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠، ٥٠٩)، الوسيط في المذهب (٢/ ٨٦)، المجموع (٣/ ٤١٠)، فتح العزيز (١/ ٤٦٠).\nوقال إمام الحرمين: في قلبي من عدها ركنًا في الاعتدال من الركوع، وكذا في الاعتدال من السجود شيء، فإن النبي - ﷺ - لم يتعرض للطمأنينة فيهما في قصة المسيء في صلاته. انظر: كفاية النبيه (٣/ ٢٦٣).\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٣٦٠)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإنصاف (٢/ ١١٣)، شرح الزركشي على الخرقي (٢/ ٤)، الفروع (٢/ ٢٤٦)، الإقناع (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٣٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٩٨).\n\n(^١). مجمع الأنهر (١/ ٨٨).\n(^٢). ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست بفرض، وبهذا أخذ علماء الحنفية، واختلفوا في المراد منه:\nفقيل: المراد منه وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى هذا تخريج الإمام الكرخي، خلافًا لتخريج أبي عبد الله الجرجاني. قال في الهداية (١/ ٥١): «.... وفي تخريج الكرخي ﵀ واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا عنده». =","vol":"3","page":517},{"text":"قال في البحر الرائق: «تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله .... واجب على تخريج الكرخي، وهو الصحيح كما في شرح المنية، والذي نقله الجَمُّ الغفير أنه واجب عند أبي حنيفة ومحمد، فرض عند أبي يوسف» (^١).\nقال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (^٢).\nوقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) ومن بعده من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (^٣).\nهذا هو ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى قولين:\nالقول الأول: أن الطمأنينة من أركان الصلاة.\nالقول الثاني: أن الطمأنينة ليست من الأركان على خلاف بينهم: أتلحق بالواجبات أم بالسنن؟\nفإذا وفقنا الله ﷾ لمعرفة أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، فلننتقل إلى مذاكرة أدلتهم فيما ذهبوا إليه.\n* دليل من قال: الطمأنينة ليست من أركان الصلاة:\nاستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\n_________\n= وقال في معارف السنن للبنوري (٣/ ٨): «وعلى قول الكرخي مشى في الكنز، والوقاية، والملتقى، وعامة المتون، وهو مقتضى الأدلة».\nوجاء في البحر الرائق (١/ ٣١٧): «قال علماؤنا: الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الانتقال من ركن إلى ركن ليس بركن، وكذلك الاستواء بين السجدتين وبين الركوع والسجود».\nوانظر: فتح القدير (١/ ٣٠٢، ٣٠٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤)، المبسوط (١/ ١٨٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٠).\n\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣١٦).\n(^٢). فتح القدير (١/ ٣٠٢).\n(^٣). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).","vol":"3","page":518},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن الله أمر بالركوع والسجود مطلقًا، والركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، وهذا هو الركن، وليس من شرط حصول الركن الطمأنينة فيه، لأن الطمأنينة صفة زائدة على مقدار الركوع والسجود، ولهذا لم يذكر الله الطمأنينة في الآية، ولأن الطمأنينة شرعت لإكمال الركن، وما كان مشروعيته للإكمال فهو من السنن.\nكما أن الله لم يأمر بالآية بالاعتدال منهما، فدل ذلك على أنه ليس بفرض\nهذا توجيه الآية لمن قال: إن الطمأنينة سنة.\n* ورد هذا:\nبأن الله قد أمر بالقيام في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والاعتدال من الركوع قيام.\nوقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]. وهذا الأمر مجمل، وقد بينه النبي - ﷺ - بفعله، وقد داوم النبي - ﷺ - على الطمأنينة في الركوع والسجود وعلى الاعتدال منهما والطمأنينة فيهما،\n(ح-١٦٦٢) فقد روى البخاري من طريق شعبة، عن ثابت، قال:\nكان أنس ينعت لنا صلاة النبي - ﷺ -، فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع، قام حتى نقول: قد نسي (^١).\nوالفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل، فيكون مأمورًا به، والأصل في الأمر الوجوب.\nوقال النبي - ﷺ - للمسيء في صلاته كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (^٢).\nفأمره بالطمأنينة في الركوع والسجود، وأمره بالاعتدال والطمأنينة فيه قائمًا\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٢٥١)، ورواه مسلم بنفس الإسناد وأحال على لفظ يحيى بن سعيد (٤٦ - ٣٩٧).","vol":"3","page":519},{"text":"وجالسًا، فدل ذلك على وجوبه، وإذا كان واجبًا في الصلاة، ثم انتفت الصلاة للإخلال به، وأمر بالإعادة أكثر من مرة من أجل ذلك دل على ركنيته.\n* دليل من قال: الطمأنينة واجبة:\nفهؤلاء قالوا: الأمر بالركوع والسجود ثبت بالآية الكريمة، فأفادت الآية فرضية الركوع والسجود؛ لأن الدليل قطعي، والفرض (الركن) يثبت بالدليل القطعي.\nوحديث أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وحديثه في الصحيحين، حيث أمره بالطمأنينة، فقال في الركوع: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا).\nوقال في السجود (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وكان قد قال له قبل ذلك: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، فأمره بالإعادة، دليل على وجوب الطمأنينة، لا على ركنيتها؛ لأن الدليل الظني لا يفيد إلا الوجوب، ولا يفيد الركنية.\nفإن قيل: لماذا لا يفيد الركنية؟\nأجابوا: لو قلنا: إنه يفيد الركنية لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية، حيث أصبح حكم الآية -والذي هو مطلق الركوع والسجود- لا يكفي لصحتهما، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد، لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله من كتاب أو سنة متواترة، أما الآحاد فلا يصلح ناسخًا للكتاب عندنا، ومع ذلك لا نهمل هذا الخبر، وإنما يصلح خبر الآحاد أن يكون مكملًا للقرآن.\nفالدليل القطعي يدل على فرضية (ركنية) الركوع والسجود.\nوأما الطمأنينة فثبتت بدليل ظني، فنقول بوجوبها؛ لأن الواجب يثبت بالدليل الظني، بخلاف الفرض (الركن) فلا يثبت إلا بدليل قطعي، لهذا حملنا أمره بالطمأنينة وإعادة الصلاة في حديث المسيء في صلاته على الوجوب، لا على الركنية.\nومثل هذا القول قال الحنفية بحكم قراءة الفاتحة، فالقرآن طلب قراءة ما تيسر من القرآن بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهو عام في الفاتحة وغيرها، وهذا دليل قطعي، فثبت أن الفرض (الركن) هو مطلق القراءة.\nوخبر الآحاد جاء بقراءة فاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)","vol":"3","page":520},{"text":"وهذا دليل ظني، فحملوا قراءتها على الوجوب لا على الركنية، أي حتى لا يؤدي ذلك إلى تغيير حكم الكتاب بخبر الآحاد، وقد اصطلح الحنفية على إطلاقهم على هذا المسألة في كتب الأصول بما يسمى (الزيادة على النص) بخبر الآحاد نسخ.\nبقي الجواب على أمر النبي - ﷺ - له بالإعادة، قالوا: لا إشكال في ذلك، فترك الواجب نقص في الصلاة، فأمر بجبره بالإعادة، أو من باب الزجر عن المعاودة، وهذا دليل على ضعف من قال: إن الطمأنينة من سنن الصلاة.\nوقوله: (فإنك لم تُصَلِّ) دليل على أن ترك ذلك ليس من باب السنن، لأن ترك السنن لا يلحق بالعدم، فالحكم بالعدم لا يكون إلا بانعدامها أصلًا وذلك لا يكون إلا بترك الركن وهذا لا يمكن الحمل عليه؛ لأنه دليل ظني، أو يكون بانتقاصها وذلك يكون بترك الواجب، وهو الراجح، ويدل عليه ما جاء في آخر حديث المسيء صلاته فإنه قال فيه: (فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصته من صلاتك) فسماها صلاة، والباطلة ليست صلاة.\nوقال إمام الحرمين: «في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء، فإن النبي - ﷺ - في حديث الأعرابي ذكر الطمأنينة في الركوع والسجود، وأما الاعتدال قائمًا وجالسًا فلم يتعرض للطمأنينة، فإنه قال: (ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسًا)، وهذا الركن من الأركان القصيرة أيضًا، ولو وجبت الطمأنينة فيه لما امتنع مده كما في الركوع والسجود» (^١)\n* ويناقش:\nأما التفريق بين الفرض والواجب: وأن الأول يثبت بدليل قطعي الثبوت، مثل نص القرآن، والمتواتر، وإجماع الأمة.\nوالواجب يثبت بدليل ظني الثبوت، كأخبار الآحاد، والقياس، وما كان مختلفًا في وجوبه كالمضمضة والاستنشاق، فهذا اصطلاح للحنفية، وظاهر كلام الإمام أحمد (^٢).\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٦٢).\n(^٢). قال أبو يعلى في العدة في أصول الفقه عن التفريق بين الفرض والواجب (٢/ ٣٧٦): هذا ظاهر كلام أحمد ﵀، ذكره في مواضع، فقال في رواية أبي داود، وابن إبراهيم:\n«المضمضة والاستنشاق لا تسمى فرضًا؛ ولا يسمى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى.\nقال أبو يعلى: فقد نفى اسم الفرض عن المضمضة والاستنشاق مع كونهما واجبين عنده.\nوقال أيضًا ﵀ في رواية المروزي، وقد سأله عن صدقة الفطر: أفرض هي؟ فقال: ما أجترئ أن أقول: إنها فرض.\n\nوكذلك نقل الميموني عنه، وقد سأله هل يقول: بر الوالدين فرض؟ فقال: لا، ولكن أقول: واجب، ما لم يكن معصية».","vol":"3","page":521},{"text":"ولو كان الأمر مجرد اصطلاح لم يكن هناك مشاحة فيه، وأما أن يبنى على هذا: التفريق بين دلالة السنة والكتاب، فهذا قول ضعيف جدًّا، فالدلالات متعلقها اللغة، وما تقتضيه من معنى، وما توجبه من عمل، ولا فرق في ذلك بين مصادر التشريع من كتاب وسنة، فالسنة قرينة الكتاب، ومبينة له، فإذا صحت فإنها تفيد العلم، ووجوب العمل كالقطعي.\nوكون الدليل ظنيًّا أو قطعي الثبوت متعلق بطرق ثبوته، ولا علاقة له بما يقتضيه النص من معنى، وما يوجبه من عمل، فقطعي الثبوت وظني الثبوت قد تكون دلالتهما قطعية كما لو كانت الدلالة نصية لا تحتمل إلا معنى واحدًا، وقد تكون دلالتهما ظنية، كما لو كانت دلالتهما من قبيل الظاهر، الذي يحتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر، وقد تكون دلالتهما مجملة مفتقرة إلى مبين ومفسر، وإنما الفرق بين قطعي الثبوت وظنيه أن الظني تجوز مخالفته لدليل، فإذا دلَّ الدليل الظني على الركنية أو الشرطية ولم يعارضه ما هو أقوى منه وجب العمل بدلالته، ولو كانت ظنية.\nوأما دعوى أن الزيادة على النص نسخ، فهذا أيضًا من أصول الحنفية، والجمهور على خلافه:\nفالنسخ: هو رفع حكم الخطاب، وحكم الخطاب في الآية وهو الأمر بالركوع والسجود في الصلاة لم ينسخ، وإنما انضم إليه وجوب شيء آخر، وهو الطمأنينة، وهذا لا يسمى نسخًا، كما أن تخصيص العام أو تقييد المطلق لا يسمى نسخًا على الصحيح؛ لأنه لا يرفع حكم الخطاب بالكلية.\nولو سلمنا أنه نسخ، فإن نسخ القطعي بالظني جائز شرعًا، وواقع عملًا،\n(ح-١٦٦٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن","vol":"3","page":522},{"text":"عبد الله بن دينار،\nعن عبد الله بن عمر، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم، فاستداروا إلى الكعبة (^١).\nفالاستقبال إلى بيت المقدس قطعي، وخبر نسخه والتوجه إلى الكعبة جاء عن طريق خبر رجل واحد، فهو ظني، وعمل به الصحابة ممن كان يصلي بقباء، وأَقَرَّ النبي - ﷺ - عملهم، فدل على جواز رفع حكم القطعي بالظني.\nولم نستفد ركنية الطمأنينة من قوله في الحديث: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا) فهذا إنما يفيد الوجوب فقط، وإنما استفدنا الركنية من قوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، فالنفي يدل على انعدام الصلاة لانعدام الطمأنينة، وأول ما يتوجه الانعدام للوجود، فإذا وجدت صورة الصلاة مع الحكم بنفي الصلاة، كان النفي متوجهًا للصلاة الشرعية (أي نفي الصحة)، وهذا بذاته يدل على ركنية الطمأنينة.\nوقل مثل ذلك في قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).\nوكون الطمأنينة لا تسمى ركوعًا ولا سجودًا، وإنما هي صفة في الركوع والسجود وكذا في الاعتدال منهما لا يمنع أن تكون الطمأنينة ركنًا مستقلًّا بذاته، فالفاتحة ركن مستقل، والقيام لها بمقدار الفاتحة ركن مستقل آخر، وكون القيام صفة ملازمة لركنية الفاتحة، ومقدرًا بقدرها، لا يمنع أن يكون القيام ركنًا بذاته.\nكما استدل الحنفية بأدلة عقلية، من قولهم: إن الرفع والاعتدال ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة للانتقال من ركن إلى آخر.\nوهذا يمكن النظر في قبوله لولا أن هذا الدليل النظري يعارضه أدلة نقلية في غاية الصحة، ولا يمكن للدليل النظري أن يعارض النصوص الشرعية، فالنظر مجاله إما في فهم النص وإما في حال غياب النص، أما إذا ورد النص الشرعي فلا يمكن معارضته بالدليل النظري.\nوسوف أسوق الأدلة النقلية على ركنية الطمأنينة في المواضع الأربعة، في الركوع\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٠٣)، صحيح مسلم (٥٢٦).","vol":"3","page":523},{"text":"والاعتدال منه، وفي السجود، والاعتدال منه عند الكلام على أدلة الشافعية والحنابلة.\nوأما قول إمام الحرمين فهو من قبيل الوهم:\n(ح-١٦٦٤) فقد رواه البخاري في الصحيح من طريق عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، في قصة المسيء صلاته، وفيه: .... ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nولم يتفرد به عبد الله بن نمير، بل تابعه على ذلك يحيى بن سعيد القطان فقد رواه البخاري ومسلم، من طريقه عن عبيد الله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، بمثله، وفيه: (... ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) إلا أنه لم يذكر السجدة الثانية (^٢).\nوإذا ثبت الاطمئنان في الجلسة بعد السجود ثبت مثله في القيام بعد الركوع، حيث لا فرق، وكان معنى قوله: (حتى تعتدل قائمًا) بمعنى قوله: (حتى تطمئن جالسًا).\nوالطمأنينة تتحقق في الرفع من الركوع بالاعتدال قائمًا، وفي الركوع والسجود إذا أقام صلبه فيهما، وهو بمعنى الاعتدال، وبمعنى إتمام الركوع والسجود، فهو من تنوع الألفاظ والمقصود منها واحد، وهو تحقق الطمأنينة في أقل ما يجب على المصلي.\n* دليل من قال: الطمأنينة فرض في المواضع الأربعة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٦٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٢٥١)، ورواه مسلم بنفس الإسناد وأحال على لفظ يحيى بن سعيد (٤٦ - ٣٩٧).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥٢).","vol":"3","page":524},{"text":"لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال من أكثر من وجه:\nالأول: قوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فأمره بإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا بفساد الصلاة.\nالوجه الثاني: نفى عنه الصلاة الشرعية، لانعدام الطمأنينة في الركوع، والسجود، والاعتدال منهما، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها.\n* واعترض على هذا الاستدلال:\nبأن الأمر بإعادة الصلاة ليس دليلًا على الخلل في الأركان، وإنما هو لجبر النقص الحاصل بترك الواجب، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، ويجبر بالسجود إن كان ساهيًا.\n(ح-١٦٦٦) ويدل لذلك ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه،\nعن عمه وكان بَدْرِيًّا في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه: .... قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك (^٢).\nوروى أبو داود في السنن من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وقال في آخره: فإذا فعلت\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). سنن النسائي (٦٤٤).","vol":"3","page":525},{"text":"هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك ... (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك) فلو كان ترك الطمأنينة مفسدًا لما سماها صلاة، والباطلة لا تسمى صلاة، ولأن النبي - ﷺ - تركه يتم صلاته، ولو كان عدم الاطمئنان مفسدًا لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما أقره على الاستمرار فيها بعد فسادها.\n* ورد هذا الجواب:\nالجواب الأول:\nأن النبي - ﷺ - لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه، وحمل النفي على الكمال لا يصح؛ لأن طلب الكمال لا يوجب إعادة الصلاة عدة مرات.\nالجواب الثاني:\nأن حديث رفاعة وإن كان حسنًا في الجملة إلا أن فيه حروفًا قد اختلف رواة حديث رفاعة في ذكرها ومنها قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، فالصحيح أنه حرف شاذ، لا يصلح للحجة، والله أعلم] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٥٦).\n(^٢). الحديث يرويه علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة.\nوقد رواه عن علي بن خلاد بزيادة (وما انتقصت من شيء فإنما تنتقص من صلاتك) ثلاثة: ... الأول: يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه.\nأخرجه الطيالسي (١٣٨٢)، وأبو داود (٨٦١)، والنسائي في المجتبى (٦٦٧)، وفي الكبرى (١٦٣١)، وابن خزيمة (٥٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٤)، والبيهقي (٢/ ٣٨٠) من طريق إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن جده رفاعة.\nورواه الترمذي (٣٠٢) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، عن جده رفاعة، ولم يذكر عن أبيه، وهو وهم.\n\nويحيى بن علي بن خلاد مجهول، لم يَرْوِ عنه إلا إسماعيل بن جعفر، ولم يوثقه إلا ابن حبان، والله أعلم. =","vol":"3","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الراوي الثاني: محمد بن عجلان، عن علي بن خلاد، واختلف على ابن عجلان فيه:\nفرواه يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٤/ ٣٤٠)، ومسند أبي يعلى (٦٦٢٣)، ومسند البزار (٣٧٢٦) والمعجم الكبير للطبراني (٤٥٢٣)، وصحيح ابن حبان (١٧٨٧).\nوأبو خالد الأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٨)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٧٦)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٤.\nوبكر بن مضر كما في سنن النسائي (١٠٥٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢١).\nوسليمان بن بلال كما في المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٦) ح ٤٥٢١، أربعتهم رووه عن ابن عجلان به، بذكر زيادة هذا الحرف (وما انتقصت من ذلك فإنما تنتقص من صلاتك).\nوخالفهم الليث بن سعد، فرواه عن ابن عجلان به، دون ذكر (وما انتقصت شيئًا ...). .\nأخرجه النسائي في المجتبى (١٣١٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢١) عن قتيبة بن سعيد. والطبراني في الكبير (٥/ ٣٧) ح ٤٥٢٢ من طريق عبد الله بن صالح (كاتب الليث) كلاهما عن الليث بن سعد، حدثني محمد بن عجلان به.\nوتابعه حيوة بن شريح، عن ابن عجلان في عدم ذكر هذه الزيادة.\nأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٤٥) من طريق حجاج بن رشدين، عن حيوة به.\nوحجاج بن رشدين ضعفه ابن عدي، وقال مسلمة بن قاسم في كتاب الصلة: لا بأس به، وقال الخليلي: هو أمثل من أبيه. وقال أبو زرعة: لا علم لي به. ولم يذكر ابن يونس فيه جرحًا. انظر لسان الميزان (٢/ ٥٦٠).\nومع الاختلاف على ابن عجلان في ذكر هذا الحرف، فقد اختلف عليه في إسناده:\nفرواه من سبق عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه.\nورواه النضر بن عبد الجبار (ثقة)، كما في مشكل الآثار (١٥٩٤) قال: أخبرنا ابن لهيعة والليث، عن محمد بن عجلان، عن من أخبره عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، وساقه مختصرًا.\nفزاد في الإسناد رجلًا مبهمًا بين ابن عجلان وبين علي بن يحيى بن خلاد. ...\nوابن عجلان مدلس فإن كان هذا الطريق محفوظًا فهو علة في رواية ابن عجلان فإنه معروف بالتدليس، والله أعلم.\nوأخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (١١٢) من طريق بكير بن الأشج، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة، ولم يقل: عن أبيه.\nفالاختلاف على ابن عجلان في إسناده ولفظه مما يضعف روايته، ويخشى أن يكون قد سمعه من يحيى بن علي بن خلاد المجهول، والله أعلم.\nالطريق الثالث: داود بن قيس، عن علي بن يحيى بن خلاد، بزيادة (وما انتقصت من شيء ...).\nأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣٧٣٩)، والنسائي في المجتبى (١٣١٤)، وفي الكبرى =","vol":"3","page":527},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١٢٣٨)، والطبراني في الكبير (٤٥٢٠) والحاكم في المستدرك (٨٨٣). وهذا أصح الطرق الثلاثة ممن روى هذه الزيادة، والله أعلم. ...\nوخالف هؤلاء كل من: ...\nإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كما في سنن أبي داود (٨٥٨) كما في إسناد الباب، وسنن النسائي (المجتبى) (١١٣٦)، وفي الكبرى (٧٢٢)، وسنن ابن ماجه (٤٦٠)، وسنن الدارمي (١٣٢٩)، ومسند البزار (٣٧٢٧)، وابن الجارود في المنتقى (١٩٤)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣٥) والمعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٧) رقم: ٤٥٢٥ وسنن الدارقطني (١/ ٩٥)، ومستدرك الحاكم (١/ ٢٤١) والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٤٤) و(٢/ ٣٤٥).\nومحمد بن إسحاق، كما في سنن أبي داود (٨٦٠)، وصحيح ابن خزيمة (٥٩٧، ٦٣٨)، والمعجم الكبير للطبراني (٥/ ٣٩) ح: ٤٥٢٨، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ١٣٣، ١٣٤)، فروياه عن علي بن يحيى بن خلاد دون ذكر زيادة: (وما انتقصت من شيء ....).\nوتابعهما على عدم ذكر الزيادة كل من محمد بن عمرو، وشريك بن أبي نمر، وعبد الله بن عون، على اختلاف عليهم في الإسناد:\nفأما رواية محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خلاد:\nفرواها يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، واختلف على يزيد فيه:\nفرواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٤٠) عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن رفاعة. ولم يقل: عن أبيه فأسقط (يحيى بن خلاد).\nورواه ابن حبان (١٧٨٧) من طريق أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون به إلا أنه قال: عن علي ابن يحيى بن خلاد أحسبه عن أبيه. فلم يجزم بكونه عن أبيه.\nوخالفه خالد بن عبد الله، فرواه أبو داود (٨٥٩) من طريقه، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، بذكر (يحيى بن خلاد) والد علي بن يحيى، جازمًا.\nفأخشى أن يكون إسناد خالد بن عبد الله بذكر (عن أبيه) مزيدة في الإسناد، وليست منه خاصة أن تحفة الأشراف (٣/ ١٦٩) ح ٣٦٠٤، ذكر إسناده ونص على أنه لم يقل (عن أبيه) كرواية يزيد بن هارون، وكذلك نسخة سنن أبي داود في شرح عون المعبود (٨٤٤)، والمسند الجامع (٣٧٣٠)، والله أعلم.\nوأما رواية شريك بن أبي نمر: فأخرجها الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٤٣) وفي شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢) عنه، عن علي بن يحيى به، بإسقاط كلمة (أبيه)، واختصر الحديث فلم يذكر فيه الوضوء.\nوأما رواية عبد الله بن عون فأخرجها الطبراني في الكبير (٤٥٣٠) من طريق شريك (سيئ الحفظ)، عن عبد الله بن عون به، بإسقاط كلمة عن أبيه، ولم يذكر الوضوء.\nفالخلاصة: أن الحديث بزيادة (وما انتقصته من شيء فإنما تنتقصه من صلاتك).\nروى هذه الزيادة يحيى بن علي (مجهول) وابن عجلان (صدوق) على اختلاف فيه عليه في إسناده ولفظه، وداود بن قيس، رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة. =","vol":"3","page":528},{"text":"والحكم نفسه يقال لزيادة أنس بن عياض فقد تفرد بهذه الزيادة عن عبيد الله ابن عمر، وقد خالفه جماعة من الثقات رووه عن عبيد الله بن عمر، ولم يقل أحد منهم هذا الحرف، منهم عبد الله بن نمير، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى وحماد بن أسامة، وعيسى بن يونس، وعبد الرحيم بن سليمان، وعقبة بن خالد، كلهم رووه عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وليس فيه هذا الحرف.\nكما رواه يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وليس فيه ما ذكره أنس بن عياض، مما يدل على شذوذ هذه الزيادة (^١).\n_________\n= ورواه دون هذه الزيادة كل من: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، وشريك بن أبي نمر، وعبد الله بن عون.\nهذه هي الطرق التي وقفت عليها من حديث رفاعة في قصة المسيء في صلاته، وحديث المسيء في صلاته قد رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.\nورواه رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر فتح الباري (ح ٧٩٩)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض بألفاظ لم يتفقوا عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، مما يجعل الباحث لا يجزم بكونها محفوظة في الحديث إلا ما وافق منها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأما ما انفرد فيه حديث رفاعة مما اختلف على الرواة في ذكره ففي النفس منه شيء؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه ومنها هذه اللفظة موضع الشاهد (وما انتقصت من شيء فإنما تنتقصه من صلاتك).\nوقد تكلم على هذا الاختلاف أبو داود في السنن (٨٥٨، ٨٦٠، ٨٦١)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٢، ٨٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣).\n\n(^١). رواه عبد الله بن نمير كما في صحيح البخاري (٦٢٥١)، وصحيح مسلم (٤٦ - ٣٩٧)، وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nوحماد بن أسامة كما في صحيح البخاري (٦٦٦٧)، وصحيح مسلم (٤٦ - ٣٩٧)، وأكتفي بهما عن غيرهما.\nوعيسى بن يونس كما في صحيح ابن خزيمة (٤٥٤)، ومستخرج أبي عوانة (١٦١٠)، وحديث أبي العباس السراج (٢٥٢٨)،\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى كما في حديث أبي الفضل الزهري (٣٠٢)، وحديث أبي العباس السراج (٢٥٢٧).\nوعبد الرحيم بن سليمان (ثقة) وعقبة بن خالد (صدوق)، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٤)، ستتهم رووه عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ليس فيه ما ذكره أنس بن عياض.\nكما رواه البخاري (٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥٢)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وليس فيه ما ذكره أنس بن عياض، فاتفاق كل هؤلاء على عدم ذكر هذا الحرف من حديث عبيد الله بن عمر يدل على ضبطهم ووهم أنس بن عياض، وإنما يعرف هذا الحرف من مسند رفاعة بن رافع، فلعله دخل على أنس بن عياض حديثه في حديث أبي هريرة، والله أعلم.","vol":"3","page":529},{"text":"الجواب الثالث:\nعلى فرض صحة الزيادة في حديث رفاعة، فإن النبي - ﷺ - إنما سمى فعله صلاة بحسب ما يعتقده المصلي، بدليل أن النبي - ﷺ - أمره بالركوع والسجود، فيلزم على هذا الفهم أن تُسَمِّيَ ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضًا؛ لأنه من جملة ما انتقصه من صلاته.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٦٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر،\nعن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال النبي - ﷺ -: لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٣٦٢٩٥).\n(^٢). هذا الإسناد مداره على الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري، وقد رواه عامة أصحاب الأعمش عنه، وقد روي عنه بلفظ: (لا يقيم صلبه) ورواه بعضهم: (لا يقيم ظهره) وهما بمعنى واحد، فالظهر يطلق عليه صلب.\nوقد رواه عن الأعمش:\nأبومعاوية، كما في المصنف (٢٩٥٦، ٣٦٢٩٥)، وسنن الترمذي (٢٦٥)، والمنتقى لابن الجاورد مقرونًا بغيره (١٩٥)، وصحيح ابن خزيمة مقرونًا بغيره (٥٩١، ٦٦٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٩٢)، ومختصر الأحكام (٢٤٧)، وسنن الدارقطني (١٣١٥).\nووكيع كما في المسند (٤/ ١٢٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٦، ٣٦٢٩٥)، وسنن ابن =","vol":"3","page":530},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ماجه (٨٧٠)، وصحيح ابن خزيمة مقرونًا بغيره (٥٩١، ٦٦٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٩٢)، ومستخرج أبي عوانة مقرونًا بغيره (١٦١١)، وسنن الدارقطني (١٣١٥، ١٣١٦).\nوشعبة، كما في مسند أحمد (٤/ ١١٩)، ومسند أبي داود الطيالسي (٦٤٦)، وسنن أبي داود (٨٥٥)، والبغوي كما في الجعديات (٧٣٥)، وشرح مشكل الآثار (٢٠٥)، صحيح ابن حبان (١٨٩٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٩).\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٨٥٦، ٣٧٣٦)، وشرح مشكل الآثار (٢٠٦، ٣٨٩٦، ٣٨٩٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٦).\nوابن عيينة كما في مسند الحميدي (٤٥٩)،\n\nوعبد الله بن نمير، كما في مسند أحمد (٤/ ١٢٠)، وشعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٥٥).\nوابن أبي زائدة كما في المسند (٤/ ١٢٠).\nوأبو عوانة كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٢١٣) ح ٥٨١،\nويعلى بن عبيد كما في سنن الدارمي (١٣٦٦)، والمنتقى لابن الجارود مقرونًا بغيره (١٩٥)، وسنن الدارقطني (١٣١٦).\nوعيسى بن يونس، كما في المجتبى من سنن النسائي (١١١١)، وفي الكبرى (٧٠٣)،\nوالفضيل بن عياض، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٢٧)،\nومحمد بن ربيعة مقرونًا بغيره كما في المنتقى لابن الجارود (١٩٥)، ومستخرج أبي عوانة مقرونًا بغيره (١٦١١).\nوعبيد الله بن موسى مقرونًا بغيره كما في المنتقى لابن الجارود (١٩٥)، ومستخرج أبي عوانة (١٦١١)، وسنن الدارقطني (١٣١٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٦، ١٦٩)، وفي معرفة الصحابة لأبي نعيم (٥٤٠١).\nومحمد بن فضيل مقرونًا بغيره، كما في صحيح ابن خزيمة (٥٩١، ٦٦٦)، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٤٥).\nوابن أبي عدي كما في صحيح ابن خزيمة (٥٩٢)،\nوجرير بن عبد الحميد كما في مختصر الأحكام للطوسي (٢٤٦).\nوعبد الرحمن بن محمد المحاربي مقرونًا بغيره كما في مستخرج أبي عوانة (١٦١١)، وسنن الدارقطني (١٣١٦).\nويعقوب بن إبراهيم أبو يوسف، كما في شرح مشكل الآثار (٣٩٠٠)،\nوعبد الله بن إدريس، كما في سنن الدارقطني (١٣١٥)،\nوحماد بن سعيد مقرونًا بغيره كما في سنن الدارقطني (١٣١٥)،\nوأبو أسامة حماد بن أسامة كما في سنن الدارقطني (١٣١٦). =","vol":"3","page":531},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال الشافعي وأحمد وإسحاق: «من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة ....» (^١).\nلكن السؤال: ما معنى: (يقيم صلبه في الركوع والسجود)؟، أتكون إقامة الصلب (الظهر) صفة في الركوع والسجود كما يفيده حرف (في) أم المقصود بإقامة الصلب اعتداله منهما؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:\nفقيل: المقصود به هو الاعتدال، وبه قال القاضي عبد الوهاب المالكي، وابن يونس في الجامع، وابن عبد البر، وابن تيمية، وجماعة من العلماء (^٢).\nقال القاضي عبد الوهاب في الإشراف: «والرفع من الركوع واجب ... فإن انحط ساجدًا، وهو راكع فلا يجزئه على الظاهر من المذهب، ورأيت في بعض الكتب عن مالك أو عن بعض أصحابه: إنه يجزئه، وليس بشيء يعول عليه، ودليلنا على أنه لا يجزيه خلافًا لأبي حنيفة قوله ﵇: (لا يجزئ الرجل صلاة لا يقيم فيها\n_________\n= وعمر بن حفص كما في مسند أبي العباس السراج (٣٢٦)، كلهم رووه عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال الدارقطني: هذا إسناد ثابت صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن حبان وذلك بتخريجه في صحيحيهما، وكذا صححه البيهقي.\nوخالف الجماعة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، فرواه عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.\nرواه أبو عوانة (١٦١٣)، والطوسي في مستخرجه (٢٤٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٢٦) من طريق يحيى بن أبي بكير، عن إسرائيل به.\nوهذا إسناد شاذ، ولا أدري من أين الوهم، أهو من يحيى أم من شيخه.\nقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٧٦): «تفرد به يحيى بن أبي بكير عن إسرائيل». والله أعلم.\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ٥١).\n(^٢). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤١٩، ٤٢٠)، الإشراف (١/ ٢٤٦)، الاستذكار (٢/ ١٦٤)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٦١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٠)، مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٣٤).","vol":"3","page":532},{"text":"صلبه في الركوع والسجود)» (^١).\nوهذا ما فهمه ابن عبد البر المالكي، فقد نقل عن مالك أنه قال: «من لم يرفع رأسه ويعتدل في ركوعه وسجوده ويقم في ذلك صلبه لم تجزئه صلاته» (^٢).\nوفسر ابن عبد البر إقامة الصلب في الركوع والسجود بالاعتدال، وقال: ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال ولم نعد قول أبي حنيفة وبعض أصحابنا خلافًا؛ لأنهم محجوجون بالآثار، وبما عليه الجمهور (^٣).\nوقال ابن عبد البر نقلًا من التاج والإكليل: الاعتدال فرض لقوله - ﷺ -: لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده» (^٤).\nوقال في الاستذكار: «وعلى هذا جماعة من أهل العلم فيمن لم يقم صلبه من ركوعه وسجوده» (^٥).\nفجعل (من) بدلًا من قوله: (في ركوعه وفي سجوده).\nوقال ابن تيمية: «هذا الحديث نص صريح في وجوب الاعتدال ... وذلك أن قوله: (يقيم ظهره في الركوع والسجود) أي: عند رفعه رأسه منهما، فإن إقامة الظَّهْر تكون من تمام الركوع والسجود؛ لأنه إذا ركع كان الركوع من حين ينحني إلى أن يعود فيعتدل، ويكون السجود من حين الخرور من القيام أو القعود إلى حين يعود فيعتدل، فالخفض والرفع هما طرفا الركوع والسجود، وتمامهما، فلهذا قال: (يقيم صلبه في الركوع والسجود)، ويبين ذلك أن وجوب هذا من الاعتدالين كوجوب إتمام الركوع والسجود» (^٦).\nوقال محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير: قوله: «(لا يقيم الرجل\n_________\n(^١). الإشراف (١/ ٢٤٦).\n(^٢). الاستذكار (٢/ ١٦٤).\n(^٣). المرجع السابق (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٥٦١).\n(^٤). التاج والإكليل (٢/ ٢٢٠).\n(^٥). الاستذكار (٢/ ١٦٥).\n(^٦). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٣٤).","vol":"3","page":533},{"text":"فيها صلبه في الركوع) عند الانتصاب منه (والسجود) عند القعود بين السجدتين وهذا هو الاطمئنان ....» (^١).\nوقيل: معنى (يقيم صلبه -وفي رواية ظهره- في الركوع والسجود): أي يطمئن فيهما، فعبر عن الطمأنينة في الركوع والسجود بإقامة الصلب، وعبر بنفي الإجزاء الدال على ركنية الطمأنينة.\nفالشرع تارة يعبر عن الطمأنينة فيهما بإتمام الركوع والسجود.\nوتارة يعبر عنها بإقامة الصلب في الركوع والسجود.\nوقد يصرح بالطمأنينة كما قال للمسيء في صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وكلها بمعنى واحد، اختاره بعض الحنفية، وهو ظاهر كلام الماوردي في الحاوي، ونص عليه أحمد، واحتج به ابن قدامة في المغني على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وصرح به المناوي في فيض القدير (^٢).\nقال في الفتاوى الهندية نقلًا من شرح منية المصلي: «ويكره أن يبزق في الصلاة، وكذا ترك الطمأنينة في الركوع والسجود، وهو أن لا يقيم صلبه كذا في المحيط، وكذا في القومة التي بينهما وفي الجلسة التي بين السجدتين» (^٣).\nففرق بين القومة (وهي الاعتدال) وبين إقامة الصلب في الركوع والسجود.\nوقال ابن هانئ في مسائل الإمام أحمد: «سمعت أبا عبد اللَّه -وقد صلينا يومًا إلى جنب رجل لا يتم ركوعه، ولا سجوده- يقول: يا هذا أقم صلبك في الركوع والسجود، وأحسن صلاتك» (^٤).\nفقوله: (لا يتم ركوعه) أي لا يطمئن فيه، فوجهه إلى إقامة صلبه في الركوع والسجود.\nولو أراد الشارع من إقامة الصلب في الركوع والسجود الاعتدال، لقال: (حتى يقيم\n_________\n(^١). التنوير شرح الجامع الصغير (١١/ ٨٨).\n(^٢). الحاوي الكبير (٢/ ١١٨، ١١٩)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦٠).\n(^٣). الفتاوى الهندية (١/ ١٠٧).\n(^٤). مسائل ابن هانئ للإمام أحمد (١٩٥٠).","vol":"3","page":534},{"text":"صلبه من الركوع والسجود)، فالتعبير بـ (في) دليل على أن إقامة الصلب فيهما، لا منهما.\nقال في مجمع بحار الأنوار: وفيه: (حتى يقيم ظهره ..) أي: لا يجوز صلاة من لا يُسَوِّي ظهره في الركوع والسجود، والمراد الطمأنينة (^١).\nوقال المناوي في فيض القدير: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود) أي لا تصح صلاة من لا يسوي ظهره فيهما والمراد منه الطمأنينة وهي واجبة فيهما ...» (^٢).\nولعل هذا القول أقوى من الأول، ولو أن الحديث أطلق إقامة الصلب لكان المتبادر حمله على الاعتدال، لأن أكثر ما يقام الصلب في حال الاعتدال لا في حال الركوع والسجود، ولكنه لما قيد ذلك في الركوع والسجود، حمل معنى إقامة الصلب أي تسويته راكعًا وذلك يعني افتراض الطمأنينة، وأيًا كان المعنى، فهو دليل على الركنية، حيث عبر بنفي الإجزاء، سواء أقلنا: إن ذلك في الركوع والسجود، أم حملنا ذلك على الطمأنينة في الاعتدال منهما، فالحديث رد على مذهب الحنفية القائلين بأن الطمأنينة ليست من الفرائض، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٦٨) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن سليمان، قال: سمعت زيد بن وهب، قال:\nرأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع والسجود، قال: ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا - ﷺ - عليها (^٣).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٦٩) ما رواه البخاري من طريق همام، حدثنا قتادة،\nحدثنا أنس بن مالك ﵁: أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: أتموا الركوع والسجود، فوالذي نفسي بيده، إني لأراكم من بعد ظهري إذا\n_________\n(^١). مجمع بحار الأنوار (٤/ ٣٤٤)، وانظر: مرعاة المفاتيح (٣/ ١٩٤).\n(^٢). فيض القدير (٦/ ٣٩٠)، وانظر: التيسير بشرح الجامع الصغير له أيضًا (٢/ ٤٩٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩١).","vol":"3","page":535},{"text":"ما ركعتم، وإذا ما سجدتم (^١).\nورواه مسلم من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة به (^٢).\n* ويناقش:\nبأن هذا الدليل يدل على وجوب إتمام الركوع والسجود، والركنية قدر زائد على الوجوب.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٦٧٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا أيوب بن عتبة، حدثنا عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان،\nعن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: لا ينظر الله ﷿ إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده (^٣).\n[رواه ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر، فقال في لفظه: (لا يقيم صلبه في الركوع والسجود)، وهو المحفوظ] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٦٤٤)،.\n(^٢). صحيح مسلم (١١١ - ٤٢٥).\n(^٣). المسند (٤/ ٢٢).\n(^٤). اختلف في إسناده على عبد الله بن بدر،\n\nفقيل: عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحيم بن علي بن شيبان، عن أبيه مرفوعًا.\nرواه أيوب بن عتبة، واختلف عليه في إسناده:\nفرواه أبو النضر هاشم بن القاسم، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٢)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٥/ ٥٥١)،\nوحجاج بن محمد كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٨/ ٤٢١) من طريق عثمان بن عبد الله بن أبي جميل القرشي (فيه جهالة) عن حجاج بن محمد، كلاهما عن أيوب بن عتبة، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه به، بلفظ: (لا ينظر الله إلى رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده).\nوخالفهما يزيد بن هارون كما في مسند أحمد (٤/ ٢٣)، فرواه عن أيوب بن عتبة، حدثنا عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الله بن علي بن شيبان السحيمي، قال: حدثني أبي، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده.\nوقوله: (عبد الله بن علي بن شيبان) خطأ قطعًا، والبلاء من أيوب بن عتبة، فإنه منكر الحديث، =","vol":"3","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خاصة ما روى عنه أهل العراق، وهذا منه.\nقال أبو داود عن أيوب: صحيح الكتاب. وقال عنه أخرى منكر الحديث.\nوضعفه علي بن المديني، وقال البخاري: هو عندهم لين. وقال النسائي: مضطرب الحديث.\nوخالف ملازم بن عمرو اليمامي، أيوب بن عتبة، كما في مسند أحمد (٤/ ٢٣)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٧)، وعنه ابن ماجه (٨٧١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٧٨).\nورواه البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٦٠)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٥٥١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٩٤)، وفي المشكل (٣٩٠١)، وابن خزيمة (٥٩٣، ٦٦٧، ٨٧٢)، وابن حبان (١٨٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٤٩)، فرواه عن عبد الله بن بدر، أن عبد الرحمن بن علي حدثه، أن أباه علي بن شيبان حدثه، أنه خرج وافدًا إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فصلينا خلف النبي - ﷺ -، فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله - ﷺ -، قال: يا معشر المسلمين، إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود.\nوهذا إسناد صحيح، وملازم بن عمرو قد وثقه أحمد، وابن معين وأبو زرعة، والنسائي والدارقطني، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق لا بأس به، وبقية رجاله ثقات، وهو مقدم على أيوب بن عتبة،\nوعبد الله بن بدر جد ملازم بن عمرو، ثقة أيضًا، قال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين، وأبو زرعة وأحمد العجلي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.\nوعبد الرحمن بن علي بن شيبان، وثقه ابن حبان والعجلي، وابن حجر وأبو العرب التميمي وابن حزم، وقد روى عنه ثلاثة، عبد الله بن بدر، وهو أكثر من روى عنه، وعلي بن عبد الرحمن، ويزيد ابن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، وروايتهما عنه في سنن أبي داود، فيكون المحفوظ من لفظه: (لا يقيم صلبه في الركوع والسجود) كحديث أبي مسعود البدري، وليس (لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده). والله أعلم.\nوقيل: عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي، عن رسول الله - ﷺ -، دون ذكر أبيه.\nورواه عبد الوارث بن سعيد، واختلف عليه فيه:\nفرواه عبد الصمد بن عبد الوارث كما في مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٣)، ومعجم الصحابة للبغوي (١٨٣١)، عن أبيه، قال: حدثنا أبو عبد الله الشَّقَرِيِّ، قال: حدثني عمر بن جابر اليمامي، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي، عن أبيه ... فذكره.\nورواه مسدد كما في التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٢٦١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١٤٧).\nوعمران بن ميسرة كما في التاريخ الكبير (٦/ ٢٦١)،\nوشيبان بن فروخ كما في معجم الصحابة للبغوي (١٨٣٠)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٤٦٧٦).\nوسعيد المري كما في معجم الصحابة لابن قانع (٤٦٧٦)، =","vol":"3","page":537},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-١٦٧١) ما رواه الإمام أحمد من طريق أبي جعفر السويدي، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة،\nعن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها\n_________\n= وإسحاق بن أبي إسرائيل كما في الكامل لابن عدي (٤/ ٣٦٣)، خمستهم (مسدد، وعمران، وشيبان، والمري، وإسحاق) رووه عن عبد الوارث بن سعيد، عن أبي عبد الله الشَّقَرِيِّ، عن عمر بن جابر، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ -.\nقال البغوي: هكذا قال شيبان في هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عليِّ، قال: قال رسول الله - ﷺ - وأوهم فيه، وإنما رواه عبد الرحمن بن علي، عن أبيه عن النبي - ﷺ -.\nوقيل: عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي، عن طلق بن علي.\nرواه عكرمة بن عمار، واختلف عليه إسنادًا ومتنًا،\nفرواه عبيد بن عقيل المقرئ كما في المعجم الكبير للطبراني (٨/ ٣٣٨) ح ٨٢٦١،\nوأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٤٠)،\nوالنضر بن محمد كما في الترغيب والترهيب للأصبهاني الملقب بقوام السنة (١٩١٥).\nوغسان بن عبيد كما في الثالث عشر من فوائد ابن المقرئ (٥٢)، رووه عن عكرمة بن عمار، عن عبد الله بن بدر، عن عبد الرحمن بن علي، عن طلق بن علي، بلفظ: لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم ظهره في ركوعه وسجوده.\nوخالفهم وكيع بن الجراح كما في المسند (٤/ ٢٢) فرواه عن عكرمة بن عمار، عن عبد الله بن زيد أو بدر، -أنا أشك- عن طلق بن علي. بلفظ: (لا ينظر الله إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه من خشوعها وسجودها).\nورواه مسدد كما في إتحاف الخيرة (١٩٢٧) عن عكرمة، عن عبد الله بن بدر من دون شك.\nفخالف في إسناده ولفظه.\nورواه معاوية بن أبي سلام، كما في العلل لابن أبي حاتم (٤٣٦)،\nويحيى بن أبي كثير كما في أسد الغابة ط دار الفكر (٢/ ٤٦٧) كلاهما، عن عكرمة، عن طلحة السحيمي، عن رسول الله - ﷺ -.\nقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٣٦٣): أرى أنه عكرمة بن عمار.\nفتبين من الاختلاف على عكرمة من اضطرابه فيه، والله أعلم، والمحفوظ رواية ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، والله أعلم.","vol":"3","page":538},{"text":"أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (^١).\n[غريب من حديث الوليد بن مسلم لم يروه عنه إلا أبو جعفر السويدي والحكم بن موسى، وأنكره أبو حاتم وابن المديني وغيرهما] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٥/ ٣١٠).\n(^٢). اختلف فيه على الأوزاعي،\nفرواه الحكم بن موسى كما في مسند الدارمي (١٣٦٧)، وأبو يعلى الموصلي في المعجم (١٥٠)، وابن خزيمة في صحيحه (٦٦٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٤)، والطبراني في الأوسط (٨١٧٩)، وفي الكبير (٣/ ٢٤٢) ح ٣٢٨٣، والحاكم في المستدرك (٨٣٥)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٣٩٩٦)، وفي الخلافيات (٢٢٤٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٠٠٣)، ودحيم في فوائده (٥٩)، والبغوي في معجم الصحابة (٤٣١).\nوأبو جعفر السويدي كما في مسند أحمد (٥/ ٣١٠) كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه مرفوعًا.\nأعله أبو حاتم الرازي والدارقطني بتفرد الحكم بن موسى، عن الوليد بن مسلم.\nقال الدارقطني كما في العلل (٦/ ١٤١): «تفرد به: الحكم بن موسى عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه».\nوقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٤٨٧): «كذا حدثنا الحكم بن موسى! ولا أعلم أحدًا روى عن الوليد هذا الحديث غيره».\nفانظر كيف علل أبو حاتم الحديث لتفرد الحكم بن موسى، وهو وإن كان ثقة، إلا أنه ليس من أصحاب الوليد بن مسلم، فالوليد شامي، والحكم بن موسى عراقي، فكأنه يقول: أين أصحاب الوليد بن مسلم لو كان هذا من حديثه.\n\nوروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ت بشار (٩/ ١٢٦) بإسناده، عن عثمان بن سعيد الدارمي، قال: قدم علي بن المديني بغداد، فحدثه الحكم بن موسى بحديث أبي قتادة: (إن أسوأ الناس سرقة)، فقال له علي: لو غيرك حدث به كنا نصنع به، أي لأنك ثقة ولا يرويه غير الحكم. اهـ وانظر: بغية الطلب في تاريخ حلب (٦/ ٢٨٧٨).\nولم يتفرد به الحكم بن موسى، فقد تابعه أبو جعفر السويدي (محمد بن النُّوشَجان وثقه أبو داود) كما في مسند أحمد (٥/ ٣١٠).\nوقال أبو زرعة كما في العلل لابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٤): حدثني محمد بن أبي عتاب؛ قال: حدثني أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبو جعفر السويدي، عن الوليد بن مسلم، كما رواه الحكم بن موسى».\nوقال الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ١٢٦): «وقد تابع الحكم عليه أبو جعفر السويدي فرواه =","vol":"3","page":539},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن الوليد بن مسلم هكذا».\nوقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا الوليد، ولا رواه عن الوليد إلا الحكم بن موسى، وسليمان بن أحمد الواسطي».\nوسليمان الواسطي متروك: فهل الحمل على الوليد بن مسلم، لأن متابعة أبي جعفر السويدي تخرج الحكم بن موسى من العهدة.\nأم أن الحمل على كل من الحكم وأبي جعفر السويدي.\nفأبو حاتم كأنه يرى أن الحمل على من رواه عن الوليد بن مسلم، ويستدل لذلك بأن الوليد بن مسلم قد صنف كتاب الصلاة، وليس فيه هذا الحديث. اهـ\nولأن الحديث لو كان من حديث الوليد بن مسلم لوجدته عند أصحابه من أهل الشام، وهم أولى من تفرد الأغراب عنه.\nوقد يقال: علته عنعنة الوليد بن مسلم، وهذه العلة هي أقرب ما يعلل به هذا الحديث؛ فهي أولى من اعتبار العلة تفرد الأوزاعي، لأن الأوزاعي إمام، وأولى من إعلال الحديث بالحكم بن موسى وهو لم يتفرد به، فلم يبق الحمل إلا على الوليد بن مسلم، والوليد بن مسلم كان يسوي حديث الأوزاعي، والله أعلم.\nقال المعلمي في مقدمته على الفوائد المجموعة (ص: ١١): «إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر ....».\nوقد أعله بعنعنة الوليد بن مسلم البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ١٩٥).\nوقد خالف الوليد بن مسلم عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين (كاتب الأوزاعي صدوق ربما أخطأ، قال أبو حاتم: كان كاتب ديوان ولم يكن صاحب حديث)، فرواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨٨٨)، والحاكم في المستدرك (٨٣٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٨٤٨)، من طريق هشام بن عمار.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٦٥) من طريق محمد بن عثمان التنوخى، كلاهما عن عبد الحميد بن أبي العشرين به.\nوقد اختلف العلماء في أيهما أصح؟ قال ابن أبي حاتم كما في العلل (٢/ ٤٢٣): قلت لأبي: فأيهما أشبه عندك؟ قال: جميعًا منكرين؛ ليس لواحد منهما معنى. قلت: لم؟ قال: لأن حديث ابن أبي العشرين لم يرو أحد سواه، وكان الوليد صنف (كتاب الصلاة)، وليس فيه هذا الحديث. اهـ\nوقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٤١): «يشبه أن يكون حديث أبي هريرة أثبت، والله أعلم».\nوقال الحاكم: كلا الإسنادين صحيحان ولم يخرجاه. =","vol":"3","page":540},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولعل كلام أبي حاتم هو الأقرب، والله أعلم، في الباب حديث أبي سعيد، وعبد الله بن مغفل، ومرسل النعمان، وكلها بأسانيد ضعيفة خلا مرسل النعمان فإسناده صحيح.\nأما حديث أبي سعيد الخدري، فرواه أبو داود الطيالسي (٢٣٣٣)، وأحمد (٣/ ٥٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٦٠)، وأبو يعلى (١٣١١)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٩٩٠)، والبزار كما في كشف الأستار (٥٣٦) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد.\nوهذا الحديث غريب من حديث سعيد، تفرد به علي بن زيد بن جدعان، وليس بالقوي، فالحديث صالح في الشواهد.\nوأما حديث عبد الله بن مغفل، فرواه الطبراني في الصغير (٣٣٥)، وفي الأوسط (٣٣٩٢)، وفي الدعاء (٦١)، من طريق زيد بن الحريش، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف، عن الحسن،\nعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله - ﷺ -: أسرق الناس من يسرق صلاته. قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها، وأبخل الناس من بخل بالسلام.\nقال الطبراني: لم يروه عن عوف إلا عثمان بن الهيثم تفرد به زيد بن الحريش، ولا يروى عن عبد الله بن مغفل إلا بهذا الإسناد.\nوزيد بن الحريش الأهوازي لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، وروى له ابن حبان حديثًا واحدًا في صحيحه (١٣٤٥)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة، والحاكم في المستدرك، والبيهقي، وروى له الطبراني في معاجمه الثلاثة، وقد تفرد بهذا الحديث، فلا يحتمل تفرده.\nوقد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٥٦١)، وسكت عليه.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٥١)، وقال: ربما أخطأ.\nوقال ابن القطان الفاسي كما في اللسان (٣/ ٥٥٠): مجهول الحال. اهـ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٠): رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله ثقات. اهـ ولم أقف عليه في الكبير.\nوالمعروف عن الحسن البصري أنه مرسل، فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٦٧)، حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها.\nقال الإمام أحمد: ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء،؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. تهذيب الكمال (٢٠/ ٨٣)، شرح علل الترمذي (١/ ١٩٢)، جامع التحصيل (ص: ٧٨)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٢).\nوقال ابن سيرين: حدثوا عمن شئتم يعني من المراسيل إلا عن الحسن وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث. جامع التحصيل (ص: ٧٨).\nوروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، قال: ربما حَدَّثْنا الحسن بالحديث، ثم =","vol":"3","page":541},{"text":"وقد يعترض على الحديث بأن الراوي قد تردد في لفظه: أقال: لا يتم ركوعها، ولا سجودها، أم قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؟\nوالجواب:\nأن معناهما واحد، وهو وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، فمن أتم ركوعه وسجوده، فقد أقام صلبه فيهما.\nقال ابن تيمية: «وهذا التردد في اللفظ ظاهره أن المعنى المقصود من اللفظين واحد، وإنما شك في اللفظ كما في نظائر ذلك» (^١).\nالدليل السابع:\n(ث-٤٣٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن نمر، عن الزهري،\n_________\n= أسمعه بعد يحدث به، فأقول: من حدثك يا أبا سعيد؟ فيقول: ما أدري غير أني سمعته من ثقة، فأقول: أنا حدثتك به. جامع التحصيل (ص: ٧٨).\nوخالفهم ابن المديني ويحيى بن سعيد القطان، وأبو زرعة.\nروى محمد بن أحمد المقدمي، قال: سمعت علي بن المديني يقول: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها. شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٧).\nوهذا المرسل قد رواه عنه يونس بن عبيد، وهو من أثبت أصحاب الحسن.\nوقال ابن عدي: سمعت الحسن بن عثمان يقول: سمع أبا زرعة يقول: كل شيء يقول الحسن: قال رسول الله - ﷺ - وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٦).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: إلا حديثًا أو حديثين. شرح علل الترمذي (١/ ٥٣٦).\nفلا أقل من الاعتبار بمرسل الحسن البصري، إذا رواه عنه الثقات، والله أعلم.\nوأما مرسل النعمان فرواه مالك في الموطأ (١/ ١٦٧) عن يحيى بن سعيد، عن النعمان بن مرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: ما ترون في الشارب، والسارق والزاني؟ وذلك قبل أن ينزل فيهم، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هن فواحش، وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته، قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها.\nوهذا مرسل صحيح الإسناد إلى النعمان بن مرة.\nوعن مالك رواه الشافعي في مسنده (ص: ١٦٣).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٣٦٤) من طريق ابن بكير، ومن طريق الشافعي، كلاهما عن مالك.\nورواه عبد الرزاق (٣٧٤٠) عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد به. وهذه متابعة للإمام مالك.\n(^١). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٣٦).","vol":"3","page":542},{"text":"حدثني حرملة، مولى أسامة بن زيد: أنه بينما هو مع عبد الله بن عمر، إذ دخل الحجاج بن أيمن، فلم يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: أعد، فلما ولى، قال لي ابن عمر: من هذا؟ قلت: الحجاج بن أيمن بن أم أيمن. فقال ابن عمر: لو رأى هذا رسول الله - ﷺ - لأحبه فذكر حُبَّهُ وما ولدت أمُّ أيمن (^١).\n* الراجح:\nأن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، وفرض من فروضها، في الركوع، وفي الاعتدال منه، وفي السجود، وفي الاعتدال منه، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٧٣٧).","vol":"3","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>الفصل الخامس في أذكار الركوع والسجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* الأصل عدم وجوب التسبيح.\n* الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.\n* كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.\n* لم يعلم النبي - ﷺ - المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لَعَلَّمَهُ.\n* القول بأن الرسول - ﷺ - علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًّا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.\n* يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.\n* القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.\n* لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.\n* إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.","vol":"3","page":544},{"text":"* سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.\n* لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.\n* لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين.\n[م-٦٢٥] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.\nوقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاءً موقوتًا (^١).\nوتأوله أصحابه، قال ابن رشد الجد: قوله: «لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله: إنه لا يراه، معناه لا يراه من حَدِّ السجود الذي لا يجزئ دونه، لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع» (^٢).\nوهذا التأويل متعين، وهو ما يليق بإمامة مالك ﵀، وسعة علمه وحفظه.\nقال سحنون كما في المدونة: «قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع، كان يكره التسبيح في الركوع؟ فقال: لا» (^٣).\nقال زروق في شرح الرسالة: التسبيح مستحب، والتعيين غير لازم، ثم فسر قول مالك في المدونة بأنه معنى قول الشيخ، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث (^٤).\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٨)، وانظر: التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).\n(^٢). البيان والتحصيل (١/ ٣٦١).\n(^٣). المدونة (١/ ١٦٨).\n(^٤). شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٤).","vol":"3","page":545},{"text":"وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على (سبحان ربي العظيم)؛ لئلا يظن أنها فرض؛ وهذا يقتضي أن مالكًا أنكر أن تكون فرضًا واجبًا. وهذا قوي ظاهر بخلاف جنس التسبيح فإن أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا» (^١).\n(ح-١٦٧٢) والدليل على مشروعية التسبيح ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: ... ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^٢).\n[م-٦٢٦] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:\nفقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٣).\n_________\n(^١). مجموع الفتاوى (١٦/ ١١٦).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٣). الأصل للشيباني (١/ ٥)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣، ٣٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨، ٢١٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠، ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١، ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨، ٣٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢، ٥٤).\n\nواعتبر المالكية التسبيح في الركوع والسجود من مندوبات الصلاة، انظر مختصر خليل (ص: ٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٢)، الخرشي (١/ ٢٨١)، شرح التلقين (٢/ ٥٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩، ١٢٠)، المهذب (١/ ١٤٣)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠، ٣٩٢)، المجموع (٣/ ٤١١، ٤٣٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠، ٢٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١، ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩).\nوانظر رواية الإمام أحمد بأن التسبيح سنة في: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، المغني (١/ ٣٦٢)، الفروع (٢/ ٢٤٩).","vol":"3","page":546},{"text":"وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعد من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:\nفقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nوقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي - ﷺ - من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (^٢).\nولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حَدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك الله وبحمدك، ونحو ذلك (^٣).\nوقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية (^٤).\n_________\n(^١). ذكر ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٩٤) أن في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال، أحدها القول بالوجوب.\nوانظر في مذهب الحنابلة: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠، ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، الإنصاف (٢/ ١١٥)، الإقناع (١/ ١٣٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠)، الفروع (٢/ ٢٤٩).\nوقد عده من مفردات الحنابلة كل من الناظم المفيد الأحمد (ص: ١٩)، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ١١٥)، وغيرهم.\nوانظر قول الإمام إسحاق: تفسير القرطبي (١/ ١٧٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤).\nونسب المازري والقاضي عبد الوهاب القول به للإمام داود الظاهري انظر: شرح التلقين (٢/ ٥٤٧، ٥٥٦)، والإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤)، فإن ترك التسبيح عمدًا بطلت صلاته عند الإمام أحمد خلافًا لداود، وإن تركه سهوًا سجد للسهو.\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٢).\n(^٣). انظر: شرح التلقين (١/ ٥٥٦).\n(^٤). جاء في البحر الرائق (١/ ٣٣٣): «روي عن أبي مطيع البلخي أن التسبيحات ركن، لو تركه لا تجوز صلاته كما في الذخيرة، والذي في البدائع عنه: أن من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لا تجوز صلاته. قال وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقًا عن شرط التسبيح، فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عملًا بالدليلين بقدر الإمكان اهـ».\nوعن أحمد رواية أن التسبيح ركن، انظر: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الفروع (٢/ ٢٤٩).\nوانظر نسبة القول للظاهرية في شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤).","vol":"3","page":547},{"text":"هذه أقوال أئمتنا الفقهاء عليهم رحمة الله، وننتقل بعد حصر الأقوال إلى عرض الحجج والبراهين.\n* دليل من قال: التسبيح سنة:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم وجوب التسبيح، والأدلة في التسبيح إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة تقتضي الوجوب، ولكنها ضعيفة، والأصل عدم تأثيم المصلي، والأصل أيضًا براءة ذمته حتى يصح دليل في الوجوب سالمًا من النزاع.\nالدليل الثاني:\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nوجه الاستدلال:\nقال الشافعي: «لم يذكر في الركوع والسجود عملًا غيرهما، فكانا الفرض، فمن جاء بما يقع عليه اسم ركوع أو سجود، فقد جاء بالفرض عليه، والذكر فيهما سنة اختيار، وهكذا قلنا في المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه» (^١).\n* ويناقش:\nالآية ذكرت الركوع والسجود، وزادت السنة الطمأنينة فيهما، وإذا جازت الزيادة على دلالة الآية بدليل آخر، لم تمنع الآية زيادة وجوب التسبيح في الركوع والسجود لدليل آخر أيضًا.\n* ويرد:\nالآية لا تمنع وجوب التسبيح بدليل آخر، والقائل بعدم الوجوب ينازع في ثبوت دليل صحيح يقتضي وجوب التسبيح.\n_________\n(^١). الأم (١/ ١٣٣).","vol":"3","page":548},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦٧٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - علمه واجبات الصلاة، ولم يذكر له التسبيح في الركوع والسجود، فلوكان واجبًا لعلمه إياه، فمن كان لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما.\nقال النووي: «لو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة؛ لأنها تقال سرًّا، وتخفى، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمهما فهذه أولى» (^٢).\nورد هذا الاستدلال:\nبأن النبي - ﷺ - لم يعلمه كل الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام.\nوالسؤال: لماذا لم يعلمه النبي - ﷺ - التسبيح في الركوع والسجود؟\nوالجواب لا يخلو من ثلاثة احتمالات:\nالاحتمال الأول: أن يكون النبي - ﷺ - اقتصر على تعليمه ما أساء فيه، دون غيره.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤١٥).","vol":"3","page":549},{"text":"* ويجاب عن هذا:\nبأن هذا احتمال بعيد جدًّا، بحيث لا يتصور أن المصلي يخل بالطمأنينة في الركوع والسجود، ثم يكون قد سبَّح في ركوعه، وسجوده، فلو أنه قد سبَّح في ركوعه، ولو مرة واحدة لكان قد اطمأن في صلاته؛ لأن الطمأنينة بقدر تسبيحة واحدة على الصحيح، فلما أمره بالاطمئنان بالركوع والسجود لإخلاله به لزم منه الإخلال بالتسبيح من باب أولى، ولما لم يأمره بالتسبيح دل ذلك على عدم وجوبه في الصلاة.\nالاحتمال الثاني: أن يكون النبي - ﷺ - لم يأمره بالتسبيح لأنه لم يكن واجبًا حين ذاك، ثم شرع وجوبه فيما بعد.\n* ويجاب على هذا:\nبأن تجويز هذا الاحتمال نظريًّا غير ممتنع، ولكنه من حيث تطبيقه على الواقع بعيد،\nلأن التشريع الأول قبل وجوب التسبيح، لا يخلو: إما إن يكون الركوع شرع أول ما شرع خاليًا من الذكر، ثم شرع الذكر.\nوإما أن يكون التشريع الأول كان التسبيح مستحبًّا، ثم ألزم الناس به بعد ذلك.\nوفي الحالين لو كان هذا هو الواقع لنقل للأمة النصوص التي تبين لنا التدرج في التشريع، ولاحتاج الصحابة إلى النصوص التي تبين لهم أن الركوع الذي كان مشروعًا دون تسبيح، أو كان الذكر فيه مستحبًّا قد رفع، وأصبح واجبًا عليهم التسبيح في الركوع والسجود، حتى ينتقل الناس إلى الحكم الجديد، كما حفظت لنا النصوص نسخ التطبيق بالركوع والسجود والذي كان معمولًا به في صدر الإسلام، وكما حفظت لنا النصوص نسخ توسط الإمام في الصف إذا كان يصلي معه اثنان، إلى مشروعية تقدم الإمام إذا كانوا ثلاثة، فلما لم ينقل لنا في تاريخ تشريع الصلاة أن الذكر في الركوع لم يكن مشروعًا ثم شرع، وكذلك لم ينقل لنا أنه كان مستحبًّا، ثم ألزم الناس بالتسبيح، كان تصور التدرج في التشريع ضعيفًا جدًّا، والأصل عدم التدرج في التشريع، وعدم وقوع النسخ، والله أعلم.\nالاحتمال الثالث: أن يكون التسبيح في الركوع والسجود ليس واجبًا، وهو أقواها، والله أعلم.","vol":"3","page":550},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٦٧٤) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nظاهر حديث علي ﵁ أنه قد يترك النبي - ﷺ - التسبيح أحيانًا، ويكتفي بالثناء، فلو كان الركوع والسجود لا يجزئ من دون التسبيح لذكره.\n* وأجيب:\nبأن هذا الثناء من جملة الأنواع المذكورة في السنة، فكل واحد لا ينفي الآخر.\n* ورد هذا الجواب:\nبأن ما ترك نقله علي ﵁ ظاهر أنه ليس دليلًا على نفيه، كالقراءة مثلًا، وما ذكره مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه، واعتبرت دلالته من قبيل الظاهر: وهو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر من أجل هذا الاحتمال.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٦٧٥) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف\n_________\n(^١). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).","vol":"3","page":551},{"text":"أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمر في الركوع بالتعظيم للرب، وأمر في السجود بالاجتهاد في الدعاء، وإذا كان التعظيم والدعاء فيهما ليسا واجبين، مع صحة الأمر بهما في هذا الحديث الصحيح، فكيف يجب التسبيح فيهما، مع أن الأمر بالتسبيح لم يثبت بدليل صحيح، غاية ما جاء فيه أن النبي - ﷺ - كان يسبح فيهما، وهذا لا يكفي للقول بالوجوب، وكل حديث روي فيه الأمر بالتسبيح فهو معلول.\n* ونوقش:\nالأمر بتعظيم الرب هذه الصيغة إما أن تكون دلالتها مطلقة، وإما أن تكون مجملة، فإن كانت من قبيل المجمل فقد بينه النبي - ﷺ - وقد نقل عنه أنه كان يسبح كما في حديث حذيفة في مسلم.\nوإن كان من قبيل الإطلاق، فلا دلالة فيه على وجوب التسبيح، لكنه لا ينفي وجوب التسبيح بدليل آخر، وقد يكون المراد من سياق حديث ابن عباس دفع ما قد يتوهمه البعض من أن الواجب في الركوع والسجود الاقتصار على التسبيح، فأشار الحديث بأن السجود من مواضع الدعاء، فيجتهد فيه المصلي بالدعاء مع التسبيح المستفاد من الأدلة الأخرى، وأن الركوع موضع لتعظيم الرب، فيجتهد فيه المصلي بالثناء المتضمن للتعظيم مع التسبيح.\n* ورد هذا الجواب من وجهين:\nالوجه الأول:\nكون الحديث لا ينفي إيجاب التسبيح بدليل آخر، هذا صحيح لكن النزاع بين\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩)، وقد تكلم الإمام أحمد في إسناده، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في حكم الدعاء في الركوع.","vol":"3","page":552},{"text":"الفريقين إنما هو في ثبوت صحة هذا الدليل الآخر، فالقائل بعدم الوجوب وهم جمهور الفقهاء يرون أن الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود لم يثبت في حديث صحيح، وكل الأحاديث الصحيحة بالتسبيح لا تفيد الوجوب، والمشروعية ليست محل النزاع.\nالوجه الثاني:\nتعظيم الرب ليس من قبيل المجمل، بل هو مطلق؛ لأن الإجمال هو ما احتمل أكثر من معنى، ولم يترجح أحدها، فالأمر بتعظيم الرب في الركوع لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وأما تنزيه الرب بالتسبيح فهو فرد من أذكار كثيرة كان النبي - ﷺ - يعظم فيها ربه، وقد مر معنا حديث علي ﵁ في مسلم، وفيه: (وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^١).\nفهذا نوع من التعظيم في الركوع، ودعوى أنه كان يقوله مع التسبيح فهو مجرد دعوى، وظاهر حديث عليٍّ الاقتصار عليه، ولو سلم أنه كان يقوله مع التسبيح فكلاهما من قبيل الذكر المسنون؛ لأن الفعل لا يقتضي الوجوب، والأمر بأحدهما لا يثبت في حديث صحيح.\nالدليل السادس:\nأن الركوع والسجود ركنان في الصلاة فلم يجب فيهما تسبيح كالقيام (^٢).\n* ويناقش:\nبأن كل ركن له ذكر واجب يناسبه، فالقيام مختص بأعلى الذكر، وهو قراءة القرآن، والفاتحة فيه ركن، وليست واجبة على الصحيح، والركوع والسجود مختص بالتسبيح؛ لأن المصلي منهي عن قراءة القرآن حال الركوع والسجود، فوجب بدله، وهو التسبيح، كما يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز المصلي عن\n_________\n(^١). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).\n(^٢). انظر: الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب المالكي (١/ ٢٤٤).","vol":"3","page":553},{"text":"القراءة حسًّا، ويكون التسبيح في حقه واجبًا، فكذلك يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز عنه شرعًا، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي.\n* ويرد هذا النقاش:\nإذا اعتبرنا التسبيح بدلًا عن القرآن، فالسؤال: أهو بدل على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب، فالثاني يمكن تسليمه، والأول هو محل النزاع، ووجوب البدل يحتاج إلى دليل صحيح يقضي بوجوبه، وهو محل الخلاف، فإذا صح الأمر بالتسبيح سواء اعتبرنا مشروعيته أصالة وهو الصحيح، أو بدلًا عن القرآن قلنا بوجوبه، والمخالف ينازع في وجود هذا الدليل، والله أعلم.\nا* دليل من قال: التسبيح واجب:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].\nوجه الاستدلال:\nأمر الله ﷾ بالتسبيح، والأمر يقتضي الوجوب، وقد أجمع العلماء على عدم وجوبه في غير الصلاة، فدل على وجوبه فيها.\n* ويناقش:\nالأمر بالتسبيح مطلق، فإذا حمل على الوجوب فالامتثال يحصل بفعله مرة واحدة، وتقييده بالصلاة، وتكراره في كل صلاة، لا يستفاد من الآيتين.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٧٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:\nسمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (^١).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ١٥٥).","vol":"3","page":554},{"text":"[منكر] (^١).\n_________\n(^١). الحديث أعل بأكثر من علة:\nالعلة الأولى: تفرد به إياس بن عامر، وهو قليل الحديث، وكل ما يروى له مرفوعًا مما وصل إلينا خمسة أحاديث، أربعة منها من مسند علي بن أبي طالب، وهو مذكور من شيعته، ثلاثة من هذه الأربعة تفرد بها ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عنه، فلا تثبت، فيبقى من الأحاديث المرفوعة اثنان: حديثه هذا، وفيه تفرد، حيث لا يعرف الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود إلا في هذا الإسناد.\n\nوحديث اعتراض عائشة والنبي - ﷺ - يصلي صلاته من الليل، وهذا الحديث قد تفرد به إياس ابن عامر بذكره من مسند علي، والحديث معروف من مسند عائشة ﵂.\nوإذا كانت هذه مروياته المرفوعة التي وصلت لنا، فكيف يتصور أن مثله يحتمل تفرده برواية الأمر بالتسبيح بالركوع والسجود.\nوإليك بيان أحاديثه الأربعة بإيجاز، لأن الشرط في تخريج الأحاديث التي تساق في كشف حال الراوي لا أتوسع في تخريجها؛ لأن ذكرها جاء عرضًا، فمنها:.\nالحديث الأول: ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٢٩) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: فرض النبي - ﷺ - أربع صلوات: صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الكسوف ركعتين، وصلاة المناسك ركعتين. اهـ فأطلق للمناسك صلاة تخصها. وقد يكون الحمل فيه على ابن لهيعة.\nالحديث الثاني: رواه الطبراني في الأوسط (٩٣٥٧)، والدارقطني في السنن (٣٦٤٥)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٣٨)، والحازمي في الاعتبار (ص: ١٧٧)، من طريق ابن لهيعة، بالإسناد السابق، بلفظ: نهى رسول الله - ﷺ - عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى بن أيوب إلا ابن لهيعة.\nقال الحازمي: غريب من هذا الوجه، وقد روي من طرق تقوي بعضها بعضًا، وضعفه ابن القطان الفاسي كما في نصب الراية (٣/ ١٨٠).\nوالحديث في الصحيحين بغير هذا اللفظ، رواه البخاري (٤٢١٦)، ومسلم (٢٩ - ١٤٠٧) من طريق الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب أن النبي - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. بغير هذا اللفظ.\nوما قيل عن الطريق السابق يقال عن هذا الإسناد.\nوالحديث الثالث: رواه الطبراني في الأوسط (٨٥٩٠)، من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب، عن النبي - ﷺ -، قال: الولاء لمن أعتق. =","vol":"3","page":555},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وشيخ الطبراني منتصر بن محمد فيه جهالة.\nوقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن موسى بن أيوب إلا ابن لهيعة، تفرد به عبيد بن أبي قرة، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. قلت: عبيد صدوق له مناكير.\nوالحديث الرابع: رواه أحمد في المسند (١/ ٩٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٣٠، ٤٦٢)، عن أبي عبد الرحمن المقرئ،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٣٠) حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي (عبد الله بن وهب) كلاهما (أبو عبد الرحمن وابن وهب) عن موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: كان رسول الله - ﷺ - يسبح من الليل يعني يصلي، وعائشة ﵂ معترضة بينه وبين القبلة.\nوالحديث لا يروى من مسند علي بن أبي طالب إلا بهذا الإسناد، والحديث معروف في الصحيحين من مسند عائشة ﵂.\nقال العقيلي في الضعفاء الكبير (٥/ ٤٣٠): «المتن معروف بإسناد جيد من غير هذا الوجه».\nفإذا كان جُلُّ ما يروى عن إياس بن عامر على قلته لم يثبت عنه، ولم يَرْوِ عنه أحد إلا ابن أخيه موسى بن أيوب، فكيف يقبل تفرده بحديث الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود، ولا يعرف بالسنة الأمر بالتسبيح إلا من هذا الطريق، فلو كان ثقة في نفسه، وكانت هذه أحاديثه التي تروى عنه، لم يقبل الباحث ما يتفرد به، كيف وقد اختلف الرواة فيه.\nفالإمام البخاري ذكره في التاريخ الكبير (١٤١٣)، وسكت عليه، وكذا فعل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢٨١).\nوذكر ابن يونس أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري -صاحب تاريخ مصر- إياس بن عامر في تاريخه، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكل ما ذكره فيه، أنه قال: كان من شيعة عليٍّ، والوافدين عليه من أهل مصر، وشهد معه مشاهده. اهـ\nقال ابن حجر عن ابن يونس كما في اللسان: أعلم الناس بالمصريين.\nوروى له ابن خزيمة في صحيحه حديثين: الأمر بالتسبيح، وحديث اعتراض عائشة في قبلة النبي - ﷺ -، وهو يصلي من مسند علي ﵁.\nونفس ابن خزيمة في التصحيح كنفس ابن حبان والعجلي، والله أعلم.\nوروى له الحاكم حديثًا واحدًا الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود، وقال: (١/ ٣٤٧): «هذا حديث حجازي صحيح الإسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، ومستقيم الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة». ولم يَرْتَضِ كلامه ذلك الذهبي، وسوف تأتي عبارته بعد قليل، وقوله: اتفقا على الاحتجاج برواته ليس صحيحًا، فموسى بن أيوب الغافقي لم يحتجا به في الصحيح.\nوقال العجلي: لا بأس به. =","vol":"3","page":556},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره في صحيحه (٥/ ٢٢٦)، وقال: من ثقات المصريين.\nوأدرج اسمه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٠٢) في ثقات التابعين من أهل مصر، وروى له حديث الأمر بالتسبيح، وكلام ابن يونس المصري مقدم عليه، لأنه من أهل بلده، ولو كان من الثقات لذكر توثيقه، ولو كان من ثقات المصريين لذكر ذلك ابن أبي حاتم والبخاري حيث ذكراه، وسكتا عليه، ولم يرو عنه إلا ابن أخيه، ومع قلة أحاديثه المرفوعة إلا أن جلها لا يصح، وفيها تفرد.\nوقال ابن حجر: صدوق، فتعقبه مصنفو تحرير التقريب، فقالوا: مجهول، لم يذكره في الثقات إلا ابن حبان، وقال العجلي: لا بأس به، وقال الذهبي: ليس بالقوي.\nوقال الذهبي متعقبًا تصحيح الحاكم كما في تلخيص المستدرك (١/ ٢٠٦): إياس ليس بالمعروف.\nوفي التهذيب: عن الذهبي، من خط الذهبي في تلخيص المستدرك: ليس بالقوي.\nوأيًّا كان إياس، فإن تفرده في الأمر بالتسبيح مع نكارة الأحاديث التي تروى عنه وقلتها لا يمكن للباحث أن يمشيه، اعتمادًا على كلام ابن حبان والعجلي ويعقوب بن سفيان، والله أعلم.\nالعلة الثانية: موسى بن أيوب الغافقي، وإن كان ثقة إلا أن الإمام علي بن المديني قد أنكر عليه ما رواه عن عمه إياس بن عامر، روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة في سؤالاته لابن المديني (٢٢٩): وعن موسى بن أيوب الغافقي -يعني أنه سأله عنه- فقال: كان ثقة وأنا أنكر من أحاديثه أحاديث رواها عن عمه فكان يرفعها. اهـ\nوقال ابن رجب في الفتح (٧/ ١٧٦): «موسى -يعني ابن أيوب- وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة».\nذكر ابن معين خطأ، والصواب أن هذا منسوب لعلي بن المديني، والخطأ ليس من ابن رجب، وإنما نقله ابن رجب عن العقيلي في الضعفاء (٤/ ١٥٤).\nالعلة الثالثة: الاختلاف على موسى بن أيوب في لفظه، وإن كان هذا الاختلاف يمكن الترجيح فيه، فليس علة مؤثرة، كما سيتبين لك عند تخريج لفظ الحديث.\nفتبين بهذا أن الأمر بالتسبيح منكر، والله أعلم.\nتخريج الحديث:\nالحديث رواه موسى بن أيوب، واختلف عليه:\nفرواه أبو عبد الرحمن بن يزيد المقرئ كما في مسند أحمد (٤/ ١٥٥)، وسنن الدارمي (١٣٤٤)، ومسند أبي يعلى (١٧٣٨)، والدعاء للطبراني (٥٣٢، ٥٨٤)، وفي شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٠٠، ٦٧٠)، والشريعة للآجري (٦٧٥)، والمستدرك للحاكم (٨١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٢)، وفي الدعوات الكبير له (٨٠).\nوعبد الله بن المبارك، كما في سنن أبي داود الطيالسي (١٠٩٣)، وسنن أبي داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وابن خزيمة (٦٠١)، وابن حبان (١٨٩٨)، ومستدرك الحاكم (٨١٨)، =","vol":"3","page":557},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٦٧٧) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق ابن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،\nعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (^١).\n[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (^٢).\n_________\n= وتفسير الثعلبي (٩/ ٢٢٦)، وتفسير البغوي (٥/ ٢٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٥٦)،\nوعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٥)، ومسند الروياني (٢٦٤)،\nويحيى بن أيوب الغافقي المصري (صدوق وفي بعض أحاديثه أوهام ومناكير)، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٥).\nويحيى بن يعلى الأسلمي (شيعي ضعيف ليست له رواية في أمهات السنة وله حديث واحد في صحيح ابن حبان وأكثر من روى له الطبراني في الكبير) كما في الأوسط لابن المنذر مقرونًا برواية ابن المبارك (٣/ ١٥٦).\nوابن لهيعة (ضعيف) كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٢٢) ح ٨٩١. ستتهم (المقرئ، وابن المبارك وابن وهب، ويحيى بن أيوب ويحيى بن يعلى، وابن لهيعة) رووه عن موسى بن أيوب، حدثني عمي إياس بن عامر الغافقي، سمعت عقبة بن عامر به.\nوخالفهم الليث بن سعد،\nفرواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢٢) ح ٨٩٠، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٨٤) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني موسى بن أيوب، عن رجل من قومه قد سماه، عن عقبة بن عامر به وزاد في حديثه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات).\nورواه أحمد بن عبد الله بن يونس كما في سنن أبي داود (٨٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٢٢)، عن الليث، فقال: عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، وزاد مع التسبيح قوله: (وبحمده).\nقال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة، وقال أيضًا: انفرد أهل مصر بإسناد هذا الحديث.\n\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (٣٤٧).\n(^٢). الحديث مداره على ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، =","vol":"3","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن ابن مسعود ﵁.\nرواه أبو داود الطيالسي (٣٤٧)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٨٨٦).\nومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، كما في الأم للشافعي (١/ ١٣٣).\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٧٥)، وسنن ابن ماجه (٨٩٠)، والشريعة للآجري (٦٧٦).\nوأبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٧٥)،\nوأبو نعيم كما في التاريخ الكبير (١٢٩٦)،\nوأبو عامر (هو عبد الملك العقدي) كما في سنن أبي داود (٨٨٦)،\nوعيسى بن يونس، كما في سنن الترمذي (٢٦١)،\nوخالد بن عبد الرحمن كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢).\nومعن بن عيسى القزاز، كما في الدعاء للطبراني (٥٤١)،\nويزيد بن هارون كما في مسند الشاشي (٨٩٨).\nآدام (هو ابن أبي إياس) كما في سنن الدارقطني (١٢٩٩)،\nوجعفر بن عون كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٣).\nوعبد الله بن وهب كما في السنن الكبرى (٢/ ١٥٩)، كلهم رووه عن ابن أبي ذئب به.\nوالحديث فيه علتان:\nإحداهما: الانقطاع، عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عم أبيه عبد الله بن مسعود، قاله أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم. انظر: سنن أبي داود (٨٨٦)، جامع التحصيل (٥٩٨)، سؤالات البرقاني (٣٨٥).\n\nالعلة الثانية: جهالة إسحاق بن يزيد الهذلي، لا يعرف له رواية في أمهات السنة، إلا هذا الحديث عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم ينقل توثيقه عن غيره، لهذا قال ابن حجر في التقريب: مجهول.\nقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٠٥): مرسل.\nوقال الترمذي: «حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يَلْقَ ابن مسعود».\nوتابعه مجهول مثله، فقد تابعه عمر بن شيبة، كما في مسند الشاشي (٨٩٩) من طريق عبد الله ابن وهب، أخبرني حيوة، سمعت عمر بن شيبة بن أبي كثير مولى معقل بن سنان الأشجعي يحدث، أنه سمع عون بن عبد الله بن عتبة، يخبر، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: من قال إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات قد أدى حق ركوعه، ومن قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد أدى حق سجوده.\nوعمر بن شيبة قليل الرواية، تجنبه أصحاب الأمهات من كتب السنة، وروى له الدارقطني حديث الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، مرة مرفوعًا، ومرة موقوفًا، وأخرج له ابن أبي شيبة أثرًا عن أبي هريرة موقوفًا، وأخرج له الطبراني في الكبير حديثين وفي إسنادهما الواقدي، وهو متروك، هذا كل ما وصل إلينا من حديثه، وقد ترجم له أبو حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ١١٥)، فقال: روى عنه أبو أويس المدني، سألت أبي عنه، فقال: مجهول.\nوقد خالفهما من هو أوثق منهما:\nفقد رواه محمد بن أبان كما في التاريخ الكبير (١٢٩٦).\nومحمد بن عجلان كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٥٦١) كلاهما عن ابن عون، عن ابن مسعود، قال: ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود. هذا لفظ ابن عجلان.\nولفظ محمد بن أبان (كان ابن مسعود يفعله).\nومحمد بن عجلان صدوق، ومحمد بن أبان، قال فيه ابن عبد البر: «هو شيخ يمامي ثقة، وحسبك برواية يحيى بن أبي كثير والأوزاعي عنه».","vol":"3","page":559},{"text":"الدليل الرابع:\nاستدل ابن تيمية على وجوب التسبيح في السجود بوجوبه في سجود التلاوة، قال في مجموع الفتاوى:\nقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، يدل على أن التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وإنه من لم يكن إذا ذكر بها يخر ساجدًا، ويسبح بحمد ربه فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات التي ليس فيها سجود، وهي جمهور آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وأما آيات السجدة فبضع عشرة آية. وقوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ يتناول جميع الآيات فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا فإن عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح، فمن لم يسبح في السجود فقد عصى الله ورسوله، وإذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه.\n* ويناقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nإذا لم يجب سجود التلاوة على الصحيح، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية، لم يجب توابعه، ولا فرق في حكم سجود التلاوة في الصلاة وخارجها؛ لأن المقتضي واحد، وهو تلاوة آية السجدة.","vol":"3","page":560},{"text":"الوجه الثاني:\nما الحاجة إلى استخدام دليل القياس على ما يجب للركوع والسجود، وهو عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، والركوع والسجود ركن من أركان الصلاة، والأصل المقيس عليه سجود عارض، وهو من سنن التلاوة، فالتسبيح في الركوع والسجود آكد في الاستحباب من ذكر سجود التلاوة، ولقد بلغ الرسول - ﷺ - صحابته كيف يصلون، بما يحصل به البلاغ، وتقوم به الحجة، فهل يحتاج إلى القياس لمعرفة حكم التسبيح؟.\nالوجه الثالث:\nالاستدلال بدليل على وجوب التسبيح في غير ما سيق له دليل على ضعف الاستدلال من جهة، ودليل آخر على عدم وجود أدلة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود؛ لأننا لا نحتاج إلى القياس إلا مع غياب النص في الفرع المقتضي لوجوب التسبيح في الركوع والسجود، وغياب النص في الصلاة المفروضة مع قيام الحاجة إلى معرفة الحكم لو كان واجبًا دليل على عدم الوجوب.\nالوجه الرابع:\nالقول بأن التذكير بآيات الله يشمل جميع آيات القرآن، وأن التذكير بهذه الآيات موجب للسجود والتسبيح، فإن كان المقصود بالسجود الخضوع وبالتسبيح تعظيم الله ﷾ وتنزيهه، فهذا مسلم، وهو لا يستفاد منه وجوب التسبيح في سجود الصلاة، وإن كان المقصود بالسجود سجود التلاوة فهذا لا يشرع في غير آيات التلاوة، ولو سجد في غير آيات التلاوة في الصلاة لبطلت صلاته.\nالوجه الخامس:\nلو سلمنا بوجوب التسبيح في السجود، فأين الدليل على وجوبه في الركوع؟\nالوجه السادس:\nالتعبير بالحصر لا يدل على الوجوب قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...﴾ الآية [٢: الأنفال].","vol":"3","page":561},{"text":"وانتفاء هذه الصفة لا يدل على انتفاء صفة الإيمان فكذلك استخدام الحصر في سجود التلاوة والتسبيح فيه لا يدل على وجوبهما حتى يمكن تعدية الحكم إلى الفرع، وهو التسبيح في الركوع والسجود.\nوكذلك قال - ﷺ -: إنما شرع الرمي والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله، وليس الذكر فيها واجبًا فيها مع استخدام الحصر.\nالدليل الخامس:\n(ث-٤٣٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:\nقال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٢٥٦٣).\n(^٢). في إسناده أكثر من علة:\nالأولى: أنه تفرد به عاصم بن ضمرة عن علي، والأكثر على ضعفه، منهم ابن المبارك، وأبو داود، والشافعي، وابن حبان، وابن عدي.\nوقال أحمد والثوري: عاصم أعلى من الحارث، وهذه العبارة لا تفيد توثيقًا؛ لأن الحارث ضعيف جدًّا.\nووثقه ابن المديني ويحيى بن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. وانظر أثر علي ﵁: (إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته) فقد وثقت كلام أهل الجرح في عاصم، والله أعلم.\nالعلة الثانية: إن سَلِم الأثر من الإعلال بتفرد عاصم بن ضمرة لم يَسْلَم من أبي بكر بن عياش، فإنه لم يَرْوِهِ عن أبي إسحاق إلا هو، وقد ساء حفظه لما كبر، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: أبو بكر وشريك في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابًا، وأبو إسحاق له أصحاب، فأين هم عن هذا الأثر لو كان صحيحًا عن علي بن أبي طالب.\nالعلة الثالثة: المخالفة لما صح عن علي ﵁ مرفوعًا، فإن مسلمًا روى عن علي ﵁ مرفوعًا، وليس موقوفًا، وقد ذكر ما يقوله في الركوع بنحو هذا الأثر، وليس فيه التسبيح.\nفقد رواه مسلم (٢٠١ - ٧٧١) من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: ... وفيه: وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث، وسبق تخريجه عند الكلام على دعاء الاستفتاح، فاقتصر على الثناء، ولم يذكر التسبيح، فلو كان الركوع لا يجزئ من دون التسبيح لذكره.","vol":"3","page":562},{"text":"وجه الاستدلال:\nالتعبير بالإجزاء دليل على انتفائه بانتفاء التسبيح.\nالدليل السادس:\nاستدلوا بالقياس على وجوب الذكر في القيام.\nوجه القياس:\nقالوا: إن الركوع والسجود من أركان الصلاة، فكان فيهما ذكر واجب كالقيام.\n* ويناقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nهذا القياس إما أن يكون من قياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس، ولا حجة فيه على الصحيح، كإلحاق بعض الفقهاء المني بالمذي بالنجاسة لشبهه به وارتباط خروجهما باللذة،\nوإما أن يكون من قياس العلة، بجامع أن الصلاة مأمور بفعلها لإقامة ذكر الله تعالى، فالركن لا يصح أن يكون خاليًا من الذكر، فيتعين التسبيح.\nفإن كان من قياس العلة، فالذكر في القيام على نوعين:\nأحدهما: سنة، وهو دعاء الاستفتاح، وكذلك قراءة ما تيسير من القرآن.\nوالثاني: ركن: وهو قراءة الفاتحة.\nوليس في القيام ذكر واجب، يمكن أن يلحق به حكم التسبيح، فإن صح قياس ذكر الركوع والسجود على ذكر القيام فإن قياسه على ما هو ركن في القيام قول ضعيف، فلا يبقى إلا قياسه على ما هو مستحب، كالاستفتاح وقراءة ما تيسر، ولأن قياس الذكر على الذكر أقرب من قياس الذكر على الفاتحة.\nالوجه الثاني:\nجاء في أسنى المطالب: «إنما وجب الذكر في قيام الصلاة، والتشهد ولم يجب","vol":"3","page":563},{"text":"في الركوع ولا في السجود؛ لأن القيام والقعود يقعان للعادة وللعبادة فاحتيج إلى ذكر يخلصهما للعبادة، والركوع، والسجود يقعان خالصين لله تعالى إذ هما لا يقعان إلا للعبادة فلم يجب الذكر فيهما» (^١).\n* دليل من قال: التسبيح ركن من أركان الصلاة:\nأطلق القرآن على الصلاة اسم التسبيح، فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُون﴾ [الروم: ١٨].\n(ح-١٦٧٨) وروى مسلم من طريق عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب،\nعن أبيه، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله .... وذكر بقية الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه أطلق على الصلاة اسم التسبيح، فدل على أنه من أركانها، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يصح أن يقال: فتحرير يد، أوتحرير قدم؛ لأن حياة العبد تستقل من دون ذلك العضو بخلاف الرقبة، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله - ﷺ -: من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. فإنه دليل على أن الركعة لا تستقل من دون السجود، وكإطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، دليل على أن القراءة جزء من ماهية الصلاة، وقد بينت السنة على فرضية الفاتحة خاصة، وقد بينت السنة أن محل التسبيح في الصلاة هو الركوع والسجود، والله أعلم.\n_________\n(^١). أسنى المطالب (١٤٥، ١٥٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٨ - ٦٨٩).","vol":"3","page":564},{"text":"* ويناقش:\nاستدل بعض العلماء بهذا الدليل على وجوب التسبيح، ولو صح هذا التوجيه لكان يقتضي أن يكون التسبيح ركنًا؛ وليس واجبًا (^١)؛\nلهذا سقت هذا الدليل لمن قال: بركنية التسبيح، كما قيل في حديث: (لا صلاة لمن لم يذكر اسم الله عليه) اعترضوا على الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التسمية، بأن الحديث لو صح لكان يقتضي ركنية التسمية، وليس وجوبها.\nوالفرق أن هذا الحديث ضعيف، بخلاف الاستدلال بإطلاق التسبيح على الصلاة فإنه في الكتاب والسنة.\nوالقول بأن التسبيح ركن من أركان الصلاة مخالف لمذهب الأئمة الأربعة، وإن كان روي عن الإمام أحمد، وهو خلاف المعتمد في المذهب.\n* وأما الجواب على عن هذا الاستدلال فمن أوجه:\nالوجه الأول:\nسميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله ﵎ وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص في الركوع والسجود، فلا يدخل في اصطلاح إطلاق الجزء على الكل.\nقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين﴾ أي المصلين على أحد القولين، فكان هذا قبل شريعتنا.\nالوجه الثاني:\nقد يعكس هذا الدليل، فيقال: أطلقت السُّبْحةُ على صلاة التطوع لكونها\n_________\n(^١). جاء في مجموع الفتاوى (١٦/ ١١٥): «القرآن سماها تسبيحًا، فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود، كما سماها الله (قرآنًا)، وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام، وسماها (قيامًا) و(سجودًا) و(ركوعًا) وبينت السنة علة ذلك ومحله ...».\nفالقرآن والقيام والسجود والركوع كلها أركان، فما بال التسبيح يكون من الواجبات، والموجب واحد، وهو تسمية الصلاة بجزء منها، فكان مقتضى الاستدلال أن يكون التسبيح ركنًا، ولذلك إذا نسي التسبيح سهوًا، أيجبره سجود السهو، وتصح الصلاة وتخلو الصلاة منه، أم لابد من الإتيان به؛ لأنها لا تستقل الصلاة من دونه، وقد أطلق على الصلاة اسم التسبيح، كما لا تستقل الصلاة من دون القيام والركوع والسجود؟.\nولو كان ركنًا أو واجبًا لذكر في حديث المسيء صلاته، فلما أغفله من الذكر دل على سنيته.","vol":"3","page":565},{"text":"شبيهة بالتسبيح في عدم الوجوب.\n(ح-١٦٧٩) روى مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته (^١).\n(ح-١٦٨٠) وروى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، قالا:\nأتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا ... وفيه: ... قال إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة (^٢).\nأي نافلة، ولا يصح حمل السبحة على مطلق الصلاة؛ لأنه يجعل المعنى: اجعلوا صلاتكم معهم صلاة، فيكون لغوًا.\nقال الزمخشري في الفائق: «المكتوبة والنافلة وإن التقتا في أن كل واحدة منهما مسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من قبل أن التسبيحات في الفرائض نوافل، فكأنه قيل: النافلة سبحة على أنها شبيهة الأذكار في كونها غير واجبة، وفي حديث ابن عمر كان يصلي سبحته في مكانه الذي يصلي فيه المكتوبة» (^٣).\nوقال ابن الأثير: «وإنما خصت النافلة بالسُّبْحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة» (^٤).\nالوجه الثالث:\nقد يكون إطلاق التسبيح على الصلاة باعتباره من مقاصد الصلاة، وكونه من\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٣١ - ٧٠٠).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٦ - ٥٣٤).\n(^٣). انظر: الفائق في غريب الحديث (٢/ ١٤٧).\n(^٤). النهاية في غريب الحديث (٢/ ٣٣١).","vol":"3","page":566},{"text":"مقاصد الصلاة لا يعني أن الصلاة لا تصح إلا به، فالحج والطواف والسعي والرمي من مقاصدها إقامة ذكر الله.\nفالخشوع روح الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ [المؤمنون: ٢]. وخشوع القلب ليس من أركان الصلاة بالإجماع، ولا من واجباته على الصحيح، وقد حكي الإجماع على عدم وجوبه، ولا تعاد الصلاة لفواته.\n(ح-١٦٨١) وروى الإمام أحمد من طريق، سفيان (الثوري)، عن عبيد الله بن أبي زياد قال: سمعت القاسم قال:\nقالت عائشة: قال رسول الله - ﷺ - إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة، ذكر الله ﷿ (^١).\n[الراجح وقفه] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٦/ ٦٤).\n(^٢). رواه عن عائشة القاسم بن محمد، وعطاء،\nأما رواية عطاء: فرواها ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٨٩٦١)، وأخبار مكة للفاكهي (٣٣٢)،\nوحبيب المعلم، كما في أخبار مكة للفاكهي (١٤٢٣)، كلاهما عن عطاء، عن عائشة موقوفًا.\nوأما رواية القاسم، فرواها عنه اثنان:\n\nأحدهما: ابن أبي مليكة، عنه، عن عائشة موقوفًا، ذكر ذلك البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٣٦).\nالثاني: عبيد الله بن أبي زياد، مختلف في توثيقه، وليس بالقوي، وهذه علة، وكان يرويه مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا، وهذه علة أخرى، وإذا كان الرفع قد تفرد به لم يقبل.\nفرواه سفيان بن عيينة، كما في مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة (١٥٥٧٠)\nوأبو عاصم كما في سنن الدارمي (١٨٩٥)، كلاهما عن عبيد الله بن أبي زياد به موقوفًا.\nقال أبو عاصم: كان يرفعه.\nورواه الثوري مرفوعًا، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٥٥٧١)، مسند أحمد (٦/ ٦٤، ١٣٩)، وسنن الدارمي (١٨٩٦)، وصحيح ابن خزيمة (٢٧٣٨)، ومستدرك الحاكم (١٦٨٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٢٣٦)، وفي شعب الإيمان (٣٧٨٧).\nقال البيهقي في السنن (٥/ ٢٣٦): ورواه قتيبة عن سفيان، فلم يرفعه.\nورواه محمد بن بكر كما في مسند أحمد (٦/ ٧٥)،\nوعيسى بن يونس كما في سنن أبي داود (١٨٨٨)، وسنن الترمذي (٩٠٢)، وصحيح ابن خزيمة (٢٨٨٢، ٢٩٧٠)، والمنتقى لابن الجارود (٤٥٧). =","vol":"3","page":567},{"text":"فقوله: (إنما جعل الطواف والسعي والرمي لإقامة ذكر الله ﷿) حصر بأنه ما شرع إلا من أجل هذه الغاية، فإن دل الحديث على وجوب الذكر فيها دل هذا على وجوب التسبيح في الصلاة.\nوالأمر بذكر الله في الحج مستفيض بالقرآن والسنة، والذكر ليس من أركان الحج، ولا من واجباته.\nقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّين (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].\nفالذكر مأمور به الحاج في كل أحواله، فالحاج في عرفات يذكر الله حتى إذا أفاض من حيث أفاض الناس أمر بالاستغفار، فإذا حَلَّ في مزدلفة أمر بالذكر عند المشعر الحرام، فإذا طاف وسعى ورمى أمر بإقامة ذكر الله فيها، بل عبر الشارع بما يفيد الحصر، وأنه لم يشرع إلا من أجل ذلك، فإذا فرغ من مناسكه أمر بالذكر ختامًا\n_________\n= ويحيى بن سعيد مرفوعًا كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٣٨).\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢٣٦): ورواه يحيى القطان، عن عبيد الله فلم يرفعه، وقال: قد سمعته يرفعه، ولكني أهابه.\nويحيى بن أبي زائدة كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٣٨)،\nومكي بن إبراهيم كما في صحيح ابن خزيمة (٢٧٣٨)، ومستدرك الحاكم (١٦٨٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٢٣٦) ستتهم (الثوري، ومحمد بن بكر، وعيسى بن يونس، والقطان، وابن أبي زائدة، ومكي بن إبراهيم) رووه عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة مرفوعًا، وقد رواه الثوري وأبو عاصم والقطان عن عبيد الله بن أبي زياد به موقوفًا كما أشرت إليه في التخريج، ونقلته من كتاب البيهقي.\nفكان المحفوظ من رواية عائشة الوقف، وهي رواية عطاء، عنها، ورواية القاسم من رواية ابن أبي مليكة، عنها، والراجح من رواية عبيد الله بن أبي زياد ما وافق ابن أبي مليكة، لا ما خالفه، والله أعلم.","vol":"3","page":568},{"text":"لمناسكه، ومع ذلك فهذا الذكر مأمور به أمرًا صحيحًا صريحًا وكونه من مقاصد الحج، فلا يعني أنه من أركانه ولا من واجباته، فكذلك تسبيح الله وذكره في الصلاة من مقاصد الصلاة، ولا يقتضي ذلك أن يكون من أركانه، ولا من واجباته، وكأن الذكر في العبادة أعم من أن يكون بالقول، فكأن الرمي والطواف والسعي إذا أقامها العبد فقد تحقق منه ذكر الله تعالى في هذه الأفعال، وكذلك يقال في الصلاة: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فكأن إقامة الصلاة من قيام وركوع وسجود هذه الأفعال من الذكر الفعلي، ولهذا لم يذكر التسبيح في حديث المسيء صلاته، واقتصر في الأركان على الأفعال، وعلى تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، ولم يذكر التسبيح، والله أعلم.\nالوجه الرابع:\nرد الحنفية على صاحبهم أبي مطيع البلخي، بأن القول بأن التسبيح ركن، وهو قد ثبت بدليل ظني يؤدي إلى نسخ حكم الدليل القطعي بالظني، وهذا لا يصح عند الحنفية.\nوجه القول بذلك:\nأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفقوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) مقتضاه صحة الركوع والسجود بمطلق الفعل، ولو لم يكن فيهما تسبيح، هذا ما يفيده مطلق الآية، وهي قطعية الثبوت، فإذا قلنا: إن التسبيح ركن بدليل ظني، فذلك يعني أنه لا يصح الركوع والسجود بمطلق الفعل حتى يسبح فيهما، وهذا يلزم منه تغيير حكم الآية، وتغيير حكم الآية يعني نسخ المقطوع بالمظنون، وهذا لا يصح عند الحنفية، ولهذا جاء في أصولهم: إن الزيادة على نص الكتاب نسخ، يعني يشترط له ما يشترط للنسخ عندهم.\nقال الكسائي في بدائع الصنائع: «وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال: من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لم تجزه صلاته، وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عَمَلًا بالدليلين بقدر الإمكان» (^١).\nوقد ناقشت هذا الاستدلال في بحث الطمأنينة في الركوع في مبحث سابق،\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨).","vol":"3","page":569},{"text":"فارجع إليه إن شئت.\n\n* الراجح:\nمشروعية التسبيح ليست محل خلاف، والأمر بالتسبيح لم يصح في السنة المرفوعة مع حاجة كلِّ مُصَلِّ إلى هذا الحكم لو كان واجبًا، ولم يؤثر القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وما روي عن علي ﵁، موقوفًا، لا يصح، كما لم يؤثر عن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، وإنما حفظ القول بالوجوب عن الإمام أحمد وقد عَدَّها أصحابه من مفرداته، وله رواية أخرى توافق رواية الجمهور، فكان قوله الموافق للجمهور أولى من الرواية التي تخالفهم، ولم يوافق الإمام أحمد إلا الإمام إسحاق، وهو معدود من طبقة الإمام أحمد، والإمام داود الظاهري، وهو في طبقة عبد الله بن الإمام أحمد، فلا يطمئن الباحث إلى الجزم بالوجوب، فلو كان واجبًا لحفظ من النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق بما يصحح ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الثاني صيغة التسبيح في الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* أمر الرسول - ﷺ - بتعظيم الله في الركوع ولم يعلق ذلك بقدر معين، ولا بصيغة معينة.\n* كل ما صح في السنة من تعظيم وتحميد، وتسبيح، وتهليل وتقديس فهو مشتمل على التعظيم المأمور به، وتحصل بفعله السنة.\n* التسبيح فرد من أنواع كثيرة، ولا يتعين التعظيم بالتسبيح.\n* ربما ترك النبي - ﷺ - التسبيح كله إلى التعظيم بغير التسبيح كحديث علي في مسلم: وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي، فما ذكره عَلِيٌّ مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه.\n[م-٦٢٧] اختلف العلماء في التسبيح هل له صيغة معينة:\nفقيل: يتعين التسبيح بلفظ: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وفي السجود (سبحان ربي الأعلى)، وهذا قول الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٤)، الأم (١/ ١٣٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩)، المهذب (١/ ١٤٣)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠)، المجموع (٣/ ٤١١)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، كفاية النبيه (٣/ ١٧٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦١)، الكافي (١/ ٢٥٠)، الفروع (٢/ ١٩٦)،شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٦)، المبدع (١/ ٣٩٥)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":571},{"text":"قال في الفروع: ويتعين سبحان ربي العظيم خلافًا لمالك (^١).\nوقيل: لا يتعين التسبيح بلفظ معين وهو مذهب الإمام مالك، ورجحه إسحاق، واختاره ابن تيمية (^٢).\nقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاء موقوتًا (^٣).\nونقله ابن يونس عن المدونة في الجامع، وزاد: ولم يكره التسبيح في الركوع (^٤).\nوقال زروق في شرح الرسالة: التسبيح مستحب، والتعيين غير لازم، ثم فسر قول مالك في المدونة بأنه معنى قول الشيخ، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث (^٥).\nوقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي - ﷺ - من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (^٦).\nوقال ابن تيمية: والأقوى أنه يتعين التسبيح إما بلفظ (سبحان) وإما بلفظ (سبحانك) ونحو ذلك .... وقد نقل عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: (سبحان ربي العظيم) و(سبحان ربي الأعلى)، وأنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) و(سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت)، وفي بعض روايات أبي داود (سبحان ربي العظيم وبحمده) ... وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وفي السنن أنه كان يقول: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة). فهذه كلها تسبيحات (^٧).\n* حجة الجمهور على تعين التسبيح بلفظ معين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٨٢) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،\n_________\n(^١). الفروع (٢/ ١٩٦).\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٨)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).\n(^٣). المدونة (١/ ١٦٨).\n(^٤). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).\n(^٥). شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٤).\n(^٦). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٢).\n(^٧). مجموع الفتاوى (١٦/ ١١٥).","vol":"3","page":572},{"text":"عن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: ... ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^١).\n* ونوقش:\nالحديث دليل على مشروعية التسبيح بهذه الصيغة، ولا دلالة فيه على أن هذه الصيغة متعينة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٨٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:\nسمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (^٢).\n[منكر] (^٣).\n* ونوقش:\nبأن دلالته صريحة على وجوب هذه الصيغة، إلا أن الحديث لا يصح.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٨٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق ابن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،\nعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). المسند (٤/ ١٥٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٧٦).\n(^٤). مسند أبي داود الطيالسي (٣٤٧).","vol":"3","page":573},{"text":"[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (^١).\n* ونوقش:\nلو صح لكان فيه دليل، لكن المرفوع لا يصح، والموقوف لا دلالة فيه على تعيين صيغة معينة للتسبيح.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٨٥) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن صالح بن العوام، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده،\nعن أبي بكرة، ﵁، أن رسول الله - ﷺ - كان يسبح في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.\nقال البزار: «هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن أبي بكرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وعبد الرحمن بن بكار معروف نسبه صالح الحديث» (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\n_________\n(^١). سبق تخريجه في المسألة السابقة.\n(^٢). مسند البزار (٣٦٨٦).\n(^٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٨): رواه البزار والطبراني في الكبير ... ثم نقل كلام البزار.\nولم أجده في الطبراني، ولعله في الجزء المفقود.\nوالحديث إسناده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن بكار، لم أقف على من ترجمه، ففيه جهالة. وبكار بن عبد العزيز، ذكره البخاري في التاريخ الكبير، فلم يذكر فيه شيئًا. (٢/ ١٢٢)، وقال البخاري كما في ترتيب علل الترمذي الكبير: مقارب الحديث.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو داود: ليس بذاك.\nوقال البزار كما في كشف الأستار (٢٦٧): ليس به بأس.\nوقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو من جملة الضعفاء الذي يكتب حديثهم. الكامل (٢/ ٢١٩).\nوفي اللسان (٥/ ١٩٥): حديثه غير محفوظ، ومشاه بعضهم. اهـ\nوقال المعلمي: «... بكار ضعيف، وأبوه لم يوثق توثيقًا معتبرًا».\nواستشهد به البخاري في صحيحه، تهذيب الكمال (٤/ ٢٠٢).\nوقال الذهبي: فيه لين، كما في الكاشف (٦٢٠).\nوشيخ البزار محمد بن صالح بن العوام قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٣٣) لم أجد من ترجمه. اهـ إلا أن يكون المذكور في تاريخ بغداد (٥/ ٣٦١) باسم محمد بن صالح بن أبي العوام أبو جعفر الصائغ، سكت عليه الخطيب، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا.","vol":"3","page":574},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٦٨٦) ما رواه البزار، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة، قال: أخبرنا أبو يحيى الحماني، عن السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق،\nعن عبد الله قال: إن من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا. وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.\nقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن مسروق، عن عبد الله إلا من هذا الوجه، والسَّرِيُّ بن إسماعيل هذا فليس بالقوي» (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل السادس:\n(ح-١٦٨٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة بن عبد الله،\nأن ابن مسعود كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم -ثلاثًا فزيادة- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده -ثلاثًا فزيادة- قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي - ﷺ - كان يقوله (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). مسند البزار (١٩٤٧).\n(^٢). الحديث رواه البزار (١٩٤٧) حدثنا محمد بن عبيد بن ثعلبة.\nورواه الطبراني في الدعاء (٥٣٩، ٥٨٧) والدارقطني في السنن (١٢٩٣)، من طريق محمد بن إسماعيل الْأَحْمَسِيِّ، كلاهما عن أبي يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، عن السري بن إسماعيل به.\nوالسري بن إسماعيل متروك الحديث.\n(^٣). مصنف عبد الرزاق (٢٨٨٠).\n(^٤). ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في الدعاء (٥٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٨٥).\nتفرد به عن يحيى بن أبي كثير بشر بن رافع، قال أحمد: ليس بشيء ضعيف الحديث.\nوقال الميموني في سؤالاته (٤٥٧): سمعته -يعني أحمد- بشر بن رافع ما أراه قويًّا في الحديث.","vol":"3","page":575},{"text":"الدليل السابع:\n(ث-٤٣٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:\nقال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n* ونوقشت هذه الأدلة:\nبأن هذه الأدلة مع ضعفها ليس فيها من الدلالة زيادة على حديث حذيفة في مسلم، وقد صدرت به الأدلة، وليس فيه ما يدل على تعيين هذه الصيغة، والرسول - ﷺ - أمر بتعظيم الرب في الركوع، والتعظيم بالتسبيح فرد مما يقال في الركوع، ولا ينحصر التعظيم في التسبيح، فكل ما ثبت عن النبي - ﷺ - من تعظيم وتحميد، وتسبيح وتهليل وتقديس فهو مشتمل على التعظيم المأمور به، وتحصل السنة بفعله.\n* دليل من قال: لا يتعين التسبيح بلفظ معين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٦٨٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،\nعن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٦٨٩) ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،\n_________\n(^١). المصنف (٢٥٦٣).\n(^٢). سبق تخريجه في المسألة السابقة.\n(^٣). صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).","vol":"3","page":576},{"text":"أن عائشة نبأته أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٩٠) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة،\nعن عائشة قالت: افتقدت النبي - ﷺ - ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٦٩١) ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد،\nعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٣ - ٤٨٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢١ - ٤٨٥).\n(^٣). سنن أبي داود (٨٧٣).\n(^٤). الحديث رواه أحمد (٦/ ٢٤) والنسائي في المجتبى (١٠٤٩، ١١٣٢)، وفي الكبرى (٧٢٢)، من طريق الليث بن سعد.\nوأبو داود (٨٧٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٤٣٩)، من طريق ابن وهب.\nورواه الترمذي في الشمائل (٢٩٦)، والبزار في مسنده (٢٧٥٠)، والطبراني في الدعاء (٥٤٤)، وفي الكبير (١٨/ ٦١) ح ١١٣، وفي مسند الشاميين (٢٠٠٩)، والروياني في مسنده (٦٠٤)، والفريابي في فضائل القرآن (١٢١)، والبغوي في شرح السنة (٩١٢)، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث.\nوالبزار في مسنده (٢٧٥١) من طريق زيد بن الحباب، أربعتهم (الليث، وابن وهب، وعبد الله بن صالح، وزيد بن الحباب) رووه عن معاوية بن صالح به.\nوفي إسناده معاوية بن صالح، وثقه أحمد وأبو زرعة، وكان يحيى بن سعيد القطان: لا يرضاه، ولينه ابن معين، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى.","vol":"3","page":577},{"text":"قال ابن المنذر بعد أن ذكر هذه الآثار: «للمرء أن يقول بأي خبر شاء من هذه الأخبار؛ إذ الاختلاف في ذلك من جهة المباح، فأي تسبيح، أو تعظيم، أو ذكر أتى به مما ذكرناه في هذه الأخبار فصلاته مجزية» (^١).\nوقال ابن عبد البر: «وهذا كله يدل على أن لا تحديد فيما يقال في الركوع والسجود من الذكر والدعاء ....» (^٢).\nودعوى أن النبي - ﷺ - يقول هذه الأنواع من التسبيح في النافلة دون الفريضة، أو يقول ببعضها في الفريضة مع لزوم صيغة (سبحان ربي العظيم في الركوع) و(سبحان ربي الأعلى) في السجود فهذه دعوى تفتقر إلى سنة صريحة، والأصل عدم الجمع، كما أن إطلاق الصلاة في هذه الأحاديث يدل على العموم، وليس فيها ما يدل على أن ذلك مختص في النافلة، ولو صح أنه قال ذلك في النافلة، فما صح فيها صح في الفريضة؛ لأن الصلاة جنس واحد إلا بدليل يدل على الاختصاص.\nقال ابن تيمية: «والجمع بين صيغتي تسبيح بعيد بخلاف الجمع بين التسبيح والتحميد والتهليل والدعاء. فإن هذه أنواع والتسبيح نوع واحد فلا يجمع فيه بين صيغتين» (^٣).\nالدليل الخامس:\nربما ترك النبي - ﷺ - التسبيح كله إلى التعظيم بغير التسبيح، كما يفيده حديث علي ابن أبي طالب ﵁،\n(ح-١٦٩٢) فقد روى مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج،\n_________\n(^١). الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٣/ ١٥٨).\n(^٢). التمهيد (١٦/ ١٢٠، ١٢١).\n(^٣). مجموع الفتاوى (١٦/ ١١٦).","vol":"3","page":578},{"text":"عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^١).\n* وأجيب:\nبأن هذا الثناء من جملة الأنواع المذكورة في السنة، فلا ينفي التسبيح.\n* ورد هذا الجواب:\nبأن ما ترك نقله علي ﵁ ظاهر أنه ليس دليلًا على نفيه، كالقراءة مثلًا، وما ذكره مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه.\nالدليل السادس:\n(ح-١٦٩٣) وروى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمر بتعظيم الرب في الركوع، ولم يعلق ذلك بحد معين، أو صيغة\n_________\n(^١). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).","vol":"3","page":579},{"text":"معينة، وكل ما صح في السنة إذا فعله في الركوع أو في السجود فقد تم ركوعه وسجوده، وقد بينت في المسألة السابقة أن التسبيح ليس بواجب، فضلًا أن يجب في التسبيح صيغة معينة، والله أعلم.\n* الراجح:\nالقول بأن التسبيح مستحب، ولا يتعين بقول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، ولا بقول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"3","page":580},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث الثالث في زيادة (وبحمده) مع التسبيح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* لا يصح حديث بلفظ: (سبحان ربي العظيم وبحمده)، ولا بلفظ: (سبحان ربي الأعلى وبحمده).\n* زيادة (وبحمده) مع التسبيح لا يصح إلا أن يكون بلفظ (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).\n* إذا خالفت الأحاديث الضعيفة أحاديث أصح منها لم يعتبر بكثرتها، وكان انفراد الضعفاء بذكرها مما يزيدها ضعفًا.\n* الاقتصار على الصحيح أولى بالاتباع، ولهذا قال الإمام أحمد: أما أنا فلا أقول وبحمده. حرصًا منه ﵀ على الاتباع ولم يتعرض إلى أن زيادة (وبحمده) من الذكر الحسن، فالاتباع أحسن ما هدي إليه العبد.\n[م-٦٢٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: يستحب أن يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) وأن يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، اختاره القيرواني من المالكية في الرسالة، وتبعه عليه بعضهم، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها المجد بن تيمية، وصاحب مجمع البحرين، وقال في الفائق وغيره: ولا يجزئ غير هذا اللفظ (^١).\n_________\n(^١). الرسالة للقيرواني (ص: ٢٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٨)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٤)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٠)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٦)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٧)، الثمر الداني (ص: ١٠٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٢)، شرح ابن ناجي التنوخي (١/ ١٤٣)، المجموع (٣/ ٤١٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٣)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٢)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، الفروع (٢/ ١٩٦).","vol":"3","page":581},{"text":"جاء في المغني لابن قدامة: «روى أحمد بن نصر عن الإمام أحمد، أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود، سبحان ربي العظيم أعجب إليك، أو سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: قد جاء هذا، وجاء هذا، وما أدفع منه شيئًا.\nوقال أحمد: إن قال: وبحمده في الركوع والسجود أرجو أن لا يكون به بأس» (^١).\nوقال النووي: «قال أصحابنا ويستحب أن يقول سبحان ربي العظيم وبحمده ...» (^٢).\nوقيل: الأفضل الاقتصار على قول سبحان ربي الأعلى من غير زيادة وبحمده، نص عليه الحنفية في أمهات كتبهم، فلم يذكروا فيها زيادة (وبحمده)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٣).\nوسأل حرب الكرماني الإمام أحمد: «يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده؟ قال: أما أنا فلا أقوله. قلت: وكذلك في الركوع؟ قال: نعم» (^٤).\nوقال ابن المنذر في الإشراف: كان الشافعي وأحمد وأصحاب الرأي يقولون: يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، ولم يقولوا وبحمده (^٥).\n* دليل من قال: يستحب زيادة (وبحمده):\nالدليل الأول:\nمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٦١).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤١٢).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٤).\nانظر مسائل حرب الكرماني (٣٦١)، ومسائل أحمد رواية عبد الله (٢٦٦)، الفروع (٢/ ١٩٦)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦١)، الكافي (١/ ٢٥٠)، الفروع (٢/ ١٩٦)،شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٦)، المبدع (١/ ٣٩٥)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤).\n(^٤). مسائل حرب الكرماني (٣٦١).\n(^٥). الإشراف على مذاهب العلماء (٢/ ٢٩).","vol":"3","page":582},{"text":"وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥].\nوجه الاستدلال:\nدلت الآية أنه لا يؤمن بآيات الله إلا القوم الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجدًا لله، وقالوا سبحان الله وبحمده.\n* ونوقش:\nبأن السجود المذكور في الآية يحتمل أكثر من معنى:\nالأول: حقيقة السجود عند تلاوة الآيات، ويكون مطلق الآيات المذكورة في الآية لا يقصد به كل آيات الله وإنما عنى بالآيات آيات خاصة فيها ذكر السجود، ويكون معنى قوله: وسبحوا بحمد ربهم: أي قالوا: سبحان الله وبحمده.\nوإذا حملت الآية على هذا المعنى كان فيها دليل على مسألتنا.\nالمعنى الثاني: يحتمل أن يراد بالسجود وذكر خرور الوجه كناية عن الخضوع لله، والانقياد له والاستسلام لحكمه، كما في قوله تعالى في الانشقاق: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُون (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُون﴾ [الانشقاق: ٢١]، فليس المسلم فضلًا عن غيره مأمورًا بالسجود عند قراءة مطلق القرآن، فالمقصود بالسجود هنا: الخضوع لله، فيكون المعنى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ يراد بالآيات البراهين والحجج ومنها القرآن ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ أي وعظوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ كناية عن الخضوع والانقياد، وتكون الآيات على إطلاقها ليس خاصًّا بآيات السجدة.\n﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ التسبيح في الآية: إما يراد به الصلاة، فيكون المعنى: أي صلوا حمدًا لربهم، قاله سفيان، وإطلاق التسبيح على الصلاة معروف في الكتاب والسنة، وقد مر معنا الاستشهاد على ذلك.\nوإما يراد به تعظيم الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من الشرك، والولد، وهذا أعم، اختاره بعض المفسرين، وعلى كلا التفسيرين لا يكون في الآية حجة على مشروعية صيغة خاصة في تسبيح السجود، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nقال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم﴾ [الطور: ٤٨].","vol":"3","page":583},{"text":"فكان التسبيح مصحوبًا بالحمد، فدل على مشروعيته فيه.\n* ويناقش:\nبأن قوله: ﴿حِينَ تَقُوم﴾ يحتمل أكثر من معنى:\nالأول: قيل المعنى، إذا قمت من نومك فقل: سبحان الله وبحمده.\nالثاني: حين تقوم من المجلس، فيكون ذلك كفارة له.\nالثالث: حين تقوم في الصلاة، فيكون دليلًا على مشروعية دعاء الاستفتاح، اختاره ابن شعبان من المالكية (^١).\nالرابع: أن معنى ﴿﴿وَسَبِّحْ﴾: أي صَلِّ، قال الطبري: «أولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: وصلِّ بحمد ربك حين تقوم من منامك ... وإنما قلت: هذا القول أولى القولين بالصواب، لأن الجميع مجمعون على أنه غير واجب أن يقال في الصلاة: سبحانك وبحمدك» (^٢).\nوفي كل هذه الأقوال ليس في الآية ما يدل على التسبيح في السجود.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٦٩٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الليث يعني ابن سعد، عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، عن رجل من قومه،\nعن عقبة بن عامر، بمعناه وزاد، قال: فكان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا.\nقال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة (^٣).\n[هذه الزيادة منكرة] (^٤).\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٤٦٩.\n(^٢). تفسير الطبري ت شاكر (٢٢/ ٤٨٨).\n(^٣). سنن أبي داود (٨٧٠).\n(^٤). الحديث رواه الليث بن سعد، عن موسى بن أيوب، واختلف عليه:\nفرواه عبد الله بن صالح، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٢٢) ح ٨٩٠، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٨٤) حدثني موسى بن أيوب، عن رجل من قومه قد سماه، عن عقبة بن عامر به وزاد في حديثه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، =","vol":"3","page":584},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات). وليس فيه (وبحمده).\n\nورواه أحمد بن عبد الله بن يونس كما في سنن أبي داود (٨٧٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٢٢)، عن الليث، فقال: عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر به، بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا). فزاد مع التسبيح قوله: (وبحمده).\nقال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة، وقال أيضًا: انفرد أهل مصر بإسناد هذا الحديث.\nوخالف الليث بن سعد جماعة من الرواة:\nفرواه أبو عبد الرحمن بن يزيد المقرئ كما في مسند أحمد (٤/ ١٥٥)، وسنن الدارمي (١٣٤٤)، ومسند أبي يعلى (١٧٣٨)، والدعاء للطبراني (٥٣٢، ٥٨٤)، وفي شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٠٠، ٦٧٠)، والشريعة للآجري (٦٧٥)، والمستدرك للحاكم (٨١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٢)، وفي الدعوات الكبير له (٨٠).\nوعبد الله بن المبارك، كما في سنن أبي داود الطيالسي (١٠٩٣)، وسنن أبي داود (٨٦٩)، وابن ماجه (٨٨٧)، وابن خزيمة (٦٠١)، وابن حبان (١٨٩٨)، ومستدرك الحاكم (٨١٨)، وتفسير الثعلبي (٩/ ٢٢٦)، وتفسير البغوي (٥/ ٢٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٥٦)،\nوعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٥)، ومسند الروياني (٢٦٤)،\nويحيى بن أيوب الغافقي المصري (صدوق وفي بعض أحاديثه أوهام ومناكير)، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٥).\nويحيى بن يعلى الأسلمي (شيعي ضعيف ليست له رواية في أمهات السنة وله حديث واحد في صحيح ابن حبان وأكثر من روى له الطبراني في الكبير) كما في الأوسط لابن المنذر مقرونًا برواية ابن المبارك (٣/ ١٥٦).\nوابن لهيعة (ضعيف) كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٣٢٢) ح ٨٩١. ستتهم (المقرئ، وابن المبارك وابن وهب، ويحيى بن أيوب ويحيى بن يعلى، وابن لهيعة) رووه عن موسى ابن أيوب، حدثني عمي إياس بن عامر الغافقي، سمعت عقبة بن عامر، قال: لما نزلت: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم.\nوليس فيه زيادة عبد الله بن صالح: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات).\nولا زيادة أحمد بن يونس: (... وبحمده ثلاثًا).\nوالحديث منكر في كل ألفاظه الثلاثة، قد تفرد به إياس بن عامر، لم يروه عنه إلا موسى بن أيوب، وقد تكلمت عن مرويات إياس بن عامر في حديث سابق، ولله الحمد.","vol":"3","page":585},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٦٩٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى قلت أنا لحفص: وبحمده؟ قال: نعم، إن شاء الله ثلاثًا (^١).\n[ضعيف انفرد بزيادة وبحمده من حديث حذيفة ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف ت عوامة (٢٥٧١).\n(^٢). اختلف فيه على حفص بن غياث سندًا ومتنًا،\nأما الاختلاف في المتن:\nفرواه أبو بكر بن أبي شيبة كما في المصنف (٢٥٧١)، والطبراني في الدعاء (٥٤٢، ٥٩٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٩).\nومحمد بن المثنى كما في مسند البزار (٢٩٢١)،\nوعبد الله بن عمر بن أبان كما في سنن الدارقطني (١٢٩٢)، وتاريخ بغداد (١١/ ٣٨٩).\nوالأشج كما في تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٩)،\nورواه مسدد، وسعيد بن سليمان، ونعيم بن حماد، وأبو الشعثاء علي بن الحسن، كما في الدعاء للطبراني (٥٤٢، ٥٩٢)، ثمانيتهم رووه عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بزيادة (وبحمده).\nورواه يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن أبان، وسلم بن جنادة كما في صحيح ابن خزيمة (٦٠٤، ٦٦٨) قالوا: حدثنا حفص بن غياث به، وليس فيه زيادة (وبحمده).\nقال البزار: وهذا الحديث رواه حفص، فقال: فيه في وقت: (وبحمده ثلاثًا)، وترك في وقت، (وبحمده)، وأحسبه أتي من سوء حفظ ابن أبي ليلى، وقد رواه المستورد، عن صلة، عن حذيفة، ولم يقل: وبحمده. اهـ\nقلت أخرج هذه الرواية مسلم في صحيحه، (٢٠٣ - ٧٧٢)، وهذا هو المعروف من حديث حذيفة.\nهذا وجه الاختلاف في لفظه.\nوأما وجه الاختلاف في إسناده:\nفرواه من سبق عن حفص، عن ابن أبي ليلى، هكذا.\nوخالفهم سحيم الحراني كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٥)، فرواه عن حفص، عن مجالد (يعني ابن سعيد) عن الشعبي به، فأخطأ، والصواب رواية الجماعة، عن حفص عن ابن أبي ليلى وسحيم الحراني: هو محمد بن القاسم الحراني، قال عنه أبو حاتم: صدوق.","vol":"3","page":586},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٦٩٦) ما رواه عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي عبيدة ابن عبد الله،\nأن ابن مسعود كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم -ثلاثًا فزيادة- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده -ثلاثًا فزيادة- قال أبو عبيدة: وكان أبي يذكر أن النبي - ﷺ - كان يقوله (^١).\nوقد سقطت من رواية عبد الرزاق قول (وبحمده) في الركوع\nفقد رواه الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري راوي مصنف عبد الرزاق، عن عبد الرزاق به، وفيه: قال: كان إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا فزيادة ... إلخ (^٢).\n[ضعيف] (^٣).\nالدليل السادس:\n(ح-١٦٩٧) ما رواه الدارقطني من طريق السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: من السنة أن يقول الرجل في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده (^٤).\n[ضعيف جدًّا] (^٥).\nالدليل السابع:\n(ح-١٦٩٨) ما رواه أحمد من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري، عن شهر\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (٢٨٨٠).\n(^٢). الدعاء للطبراني (٥٤٠).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٨٧).\n(^٤). سنن الدارقطني (١٢٩٣).\n(^٥). سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه.","vol":"3","page":587},{"text":"ابن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم،\nأن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم، وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي - ﷺ - التي صلى لنا بالمدينة فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم ... وفيه: ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبَّر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، ثم كبر فركع فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرار .... الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٥/ ٣٤٣).\n(^٢). الحديث مداره على شهر بن حوشب، وقد اختلف عليه في إسناده:\nفقيل: عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري،\n\nرواه عنه هكذا، عبد الحميد بن بهرام، وبديل بن ميسرة، وقتادة، وداود بن أبي هند.\nولم يقل أحد منهم فيه (سبحان الله وبحمده) عدا عبد الحميد بن بهرام على اختلاف عليه.\nوقيل: عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري بإسقاط عبد الرحمن بن غنم،\nرواه عنه شمر بن عطية، وأبو المنهال سيار بن سلامة، وابن أبي حسين، وليث بن أبي سليم ولم يذكر أحد منهم في لفظه، قوله: (سبحان الله وبحمده)، وهذا الاختلاف في إسناده الحمل فيه على شهر بن حوشب، فالأكثر على ضعفه.\nوقد انفرد شهر بذكر التسبيح بهذه الصيغة (سبحان الله وبحمده)، والمعروف (سبحان ربي العظيم وبحمده) في الركوع، (وسبحان ربي الأعلى وبحمده) في السجود، ولم أقف على أحد يرويه بلفظ: (سبحان الله وبحمده) إلا ما كان من رواية شهر بن حوشب، وتفرده بهذه الصيغة، والاختلاف عليه في ذكرها، فلم تَأْتِ إلا من طريق واحد على كثرة من روى هذا الحديث عنه، والاختلاف عليه أيضًا في إسناده، كل ذلك يجعل الباحث يضعف حديث شهر ابن حوشب، ولا يعتبر به، والله أعلم، وإليك تفصيل ما أجمل من التخريج.\nأما تخريج من رواه عن شهر بذكر عبد الرحمن بن غنم في إسناده، فقد رواه جماعة، منهم:\nالأول: عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب.\nأخرجه مطولًا ومختصرًا الإمام أحمد (٥/ ٣٤١ - ٣٤٢ و٣٤٣).\nفرواه بذكر (سبحان الله وبحمده) في الركوع.\nوأبو النضر كما في مسند أحمد (٥/ ٣٤٣)، وفي المتحابين في الله لابن قدامة (٤٦).\nويحيى بن حسان كما في المعجم الكبير للطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٤) ح ٣٤٢٢،\nوعامر بن سنان الرقي كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (٦٧/ ١٩٥)، ثلاثتهم عن عبد الحميد =","vol":"3","page":588},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن بهرام، عن شهر بن حوشب به.\nرواه وكيع مختصرًا، كما في مسند أحمد (٥/ ٣٤١)، في ذكر صفة الصف في الصلاة، حيث صف الرجال، فالولدان، فالنساء.\nورواه مختصرًا بذكر فضل المتحابين في الله\nابن المبارك في الزهد (٧١٤)، وفي المسند (٧)،\nويحيى بن حسان كما في تفسير ابن جرير الطبري (١٥/ ١٢٢)،\nوأبو صالح كاتب الليث كما في تفسير ابن أبي حاتم (١٠٤٥٢)،\nوعلي بن الجعد كما في الإخوان لابن أبي الدنيا (٦)، أربعتهم، رووه عن عبد الحميد بن بهرام به.\nهذا ما يتعلق برواية عبد الحميد بن بهرام، وقد قال يحيى بن سعيد القطان: «من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام». الجرح والتعديل (٦/ ٨).\nفالحديث ذكر جملة من الألفاظ، ومنها جملة البحث، وهو قوله في الركوع (سبحان الله وبحمده) فهذه الجملة لها علتان:\nالأولى: أنه انفرد فيها شهر بن حوشب، ولم يتابع عليها.\nالثانية: أنه قد اختلف عليه في ذكرها، فرواها عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب بذكر التسبيح بحمد الله على اختلاف عليه في ذكرها.\nورواه جماعة عن شهر ولم يذكروا فيه هذا الحرف، منهم بديل بن ميسرة، وقتادة، وداود بن أبي هند، وأبو المنهال، وليث بن أبي سليم، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم لفظ: (سبحان الله وبحمده)، وإليك تخريج مروياتهم باختصار.\nالثاني: بديل بن ميسرة، عن شهر بن حوشب.\nرواه عياش بن الوليد الرقام، واختلف عليه فيه:\nفرواه عيسى بن شاذان كما في سنن أبي داود (٦٧٧).\nوابن أبي داود (إبراهيم بن سليمان بن داود) كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٦٩)،\nوأحمد بن يوسف السلمي، كما في سنن البيهقي (٣/ ١٣٨)، ثلاثتهم رووه عن عياش الرقام، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا قرة بن خالد، حدثنا بديل، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري: ألا أحدثكم بصلاة النبي - ﷺ -، قال: فأقام الصلاة، وصف الرجال، وصف خلفهم الغلمان، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال: هكذا صلاة. قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال: صلاة النبي.\nوفي رواية الطحاوي: فذكر الصلاة، وسلم عن يمينه، وعن شماله.\nوفي رواية البيهقي: فجعل إذا سجد، وإذا رفع رأسه كبَّر، وإذا قام من الركعتين كبَّر، وسلم عن يمينه وعن شماله، ثم قال: هكذا صلاة، قال: عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال: صلاة النبي - ﷺ -.\nوليس فيه قول: (سبحان الله وبحمده). =","vol":"3","page":589},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والإسناد إلى شهر كله ثقات.\nوخالف هؤلاء العباس بن الفضل الأسفاطي كما في المعجم الأوسط للطبراني (٤٢٣٣)، وفي الكبير (٣/ ٢٨١) ح ٣٤١٦، فروا ه عن عياش بن الوليد الرقام، أخبرنا عبد الأعلى، قال: أخبرنا قرة بن خالد، قال: أخبرنا بديل بن ميسرة، قال: أخبرنا شهر بن حوشب، قال: قال أبو مالك الأشعري به. فأسقط عبد الرحمن بن غنم.\nوالعباس صدوق، ورواية الجماعة عن عياش هي المحفوظة بذكر عبد الرحمن بن غنم.\nوتابع العباس بن الفضل الواقفي عبد الأعلى، ولا يفرح بمتابعته، فهو متروك، والإسناد إليه ضعيف.\nقال عبد الله بن أحمد في المسند (٥/ ٣٤٤): وجدت في كتاب أبي بخط يده: حُدِّثت عن العباس بن الفضل الواقفي -يعني: الأنصاري من بني واقف-، عن قرة بن خالد: حدثنا بديل: حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: قال أبو مالك الأشعري: ألا أحدثكم بصلاة رسول الله - ﷺ -؟ قال: وسلم عن يمينه، وعن شماله، ثم قال: وهذه صلاة رسول الله - ﷺ -، وذكر الحديث.\nالثالث: قتادة، عن شهر بن حوشب،\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٤٩٩)، وعنه أحمد (٥/ ٣٤٢)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٠) ح ٣٤١١، عن معمر.\nورواه أحمد (٥/ ٣٤١)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٤/ ٣٥٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٠) ح ٣٤١٢، من طريق أبان العطار.\nورواه أحمد (٥/ ٣٤٢) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة.\nورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٠) ح ٣٤١٣، من طريق يزيد بن زريع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة،\nورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٨١) ح ٣٤١٤، من طريق طلحة بن عبد الرحمن.\nأربعتهم: (معمر، وأبان، وسعيد بن أبي عروبة وطلحة) رووه عن قتادة، عن شهر بن حوشب، وليس فيه قول. (سبحان الله وبحمده) ويزيد بن زريع ممن روى عن ابن أبي عروبة قبل تغيره.\nالرابع: داود بن أبي هند، عن شهر بن حوشب.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٤)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٩٠) حدثنا حمد بن فضيل،\nورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٨١) ح ٣٤١٥، من طريق خالد (يعني ابن عبد الله الواسطي)، كلاهما عن داود بن أبي هند، عن شهر بن حوشب به، بلفظ: (قوموا صلوا؛ حتى أصلي لكم صلاة رسول الله - ﷺ -. قال: فصفوا خلفه فكبر، ثم قرأ ثم ركع، ثم رفع رأسه فكبر، ففعل ذلك في صلاته كلها). وليس في حديثه قول: (سبحان الله وبحمده) في الركوع.\nأما تخريج من رواه عن شهر بإسقاط عبد الرحمن بن غنم من إسناده، فرواه جماعة منهم:\nالأول: ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب.\nرواه أحمد (٥/ ٣٤٤)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في بغية الباحث (١٥١) =","vol":"3","page":590},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من طريق أبي معاوية شيبان بن عبد الرحمن.\nوالطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٩١) ح ٣٤٣٦، من طريق عبد الله بن إدريس.\nورواه أيضًا (٣/ ٢٩١) ح ٣٤٣٧، من طريق عبد السلام بن حرب.\nوابن ماجه (٤١٧) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن الثوري،\nومحمد بن الحسن الشيباني (١/ ١٤٢) أخبرنا سفيان الثوري،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٣٨) من طريق مصعب بن ماهان، حدثنا سفيان الثوري، كلهم (أبو معاوية، وابن إدريس، وابن حرب والثوري) رووه عن ليث، عن شهر به حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك به، ولم يذكر قوله: (سبحان الله وبحمده)، وليث مشهور بالضعف.\nوفي إسناد أحمد: (حدثنا أبو معاوية -يعني شيبان- وليث) فقرنهما، وهو هكذا في أطراف المسند (٧/ ٧١)، وفي إتحاف المهرة (١٤/ ٣٦٠)، والمعروف أن شيبان يروي عن الليث، وقفت له على تسعة وثلاثين حديثًا، ولم أقف له على حديث واحد يرويه عن شهر بن حوشب عدا هذا الحديث، وفي بغية الباحث، قال: حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث إلا أنه زاد الحارث في مسنده (عبد الرحمن بن غنم) وقد نقل الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٣٧) إسناد أبي أسامة، فلم يذكر فيه عبد الرحمن بن غنم، مما يدل على أنه خطأ من النساخ، وانظر فضل الرحيم الودود (٦٧٧).\nالثاني: أبو المنهال، عن شهر بن حوشب.\nأخرجه أحمد (٥/ ٣٤٢)، وأبو يعلى (٦٨٤٢)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٩١) ح ٣٤٣٥، والحارث بن أبي أسامة كما في زوائده (١١٠٩)، كلهم رووه من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن أبي المنهال، عن شهر، قال: كان منا رجل معشر الأشعريين قد صحب رسول الله - ﷺ -، وشهد معه المشاهد الحسنة الجميلة، قال: عوف حسبت أنه يقال له: مالك أو أبو مالك الأشعري، قال: ... وذكر الحديث في فضل المتحابين في الله.\nوأسقط من إسناده عبد الرحمن بن غنم.\nالثالث: شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب.\nرواه مالك بن سعير كما في المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٢٩٠) ح ٣٤٣٤.\nوالجرح بن مليح كما في المتحابين في الله لابن قدامة (٤٥)، كلاهما عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري به، بفضل المتحابين في الله.\nوالأعمش لم يسمع من شمر بن عطية، انظر: جامع التحصيل (٢٥٨).\nالرابع: ابن أبي حسين (عبد الله بن عبد الرحمن)، عن شهر بن حوشب.\nرواه معمر بن راشد في الجامع (٢٠٣٢٤)، ومن طريق معمر رواه أحمد (٥/ ٣٤١)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٩٠) ح ٣٤٣٣، والبيهقي في الأسماء والصفات (٩٧٦)، وفي الشعب (٨٥٨٨) في فضل المتحابين في الله.\nوهذا إسناد صحيح إلى شهر بن حوشب.\nفالاختلاف على شهر في إسناده، والاختلاف عليه في ذكر (سبحان الله وبحمده) فإنها لم ترد إلا في طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري على اختلاف عليه في ذكرها، وانفراده بهذه الصيغة يجعل الباحث يحكم بنكارة هذا الحرف من حديث شهر، والله أعلم.","vol":"3","page":591},{"text":"* دليل من قال: لا يستحب زيادة وبحمده مع قوله سبحان ربي العظيم:\nالدليل الأول:\nجميع الأحاديث الصحيحة جاءت بالتسبيح ليس فيها زيادة (وبحمده).\n(ح-١٦٩٩) من ذلك ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: ... ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^١).\nالدليل الثاني:\nزيادة (وبحمده) في التسبيح لم تثبت في حديث صحيح، والقول بأن مجموع هذه الأحاديث الضعيفة يقوي بعضها بعضًا، هذا يمكن الذهاب إليه لولا أنه لم يرد في الأحاديث الصحيحة ما يدل على اقتصار النبي - ﷺ - على قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وقول (سبحان ربي الأعلى) في السجود.\nفإذا خالفت الأحاديث الضعيفة أحاديث أصح منها لم يعتبر بكثرتها، وكان انفراد الضعفاء بذكر هذه السنة يزيدها ضعفًا، والاقتصار على الصحيح أولى بالاتباع.\nولهذا قال الإمام أحمد: أما أنا فلا أقول وبحمده. حرصًا منه ﵀ على الاتباع ولم يتعرض إلى أن زيادة (وبحمده) من الذكر الحسن، فالاتباع لا يفوقه غيره أبدًا (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). انظر: المدخل لابن الحاج (١/ ٢٢١).","vol":"3","page":592},{"text":"* الراجح:\nأن زيادة وبحمده بصيغة (سبحان ربي العظيم وبحمده) أو (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، لا تثبت من حديث صحيح، فإن أحب المصلي زيادة وبحمده، على سبيل الاتباع جاء بها بلفظ: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، فهذه الصيغة ثابتة بحديث متفق عليه لا نزاع في ثبوته.\n(ح-١٧٠٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،\nعن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^١).\nوعدم ثبوتها لا يعني تحريم ذكرها، فإن قالها أحد لم ينكر عليه ذلك، لأن المقام مقام ثناء.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).","vol":"3","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>المبحث الرابع أقل ما تحصل به سنة التسبيح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المقادير والأعداد تحتاج إلى توقيف.\n* لا أعلم دليلًا من الكتاب ولا من السنة، ولا من الإجماع يقدر عددًا معينًا في تسبيح الركوع والسجود لا يجزئ أقل منه.\n* الامتثال يتحقق بفعل ذلك مرة واحدة، فما زاد كان أكمل.\n* أمر النبي - ﷺ - بتعظيم الرب في الركوع، وأطلق، فيصدق على الكثير والقليل.\n[م-٦٢٩] اختلف العلماء في أقل عدد يحصل به سنة التسبيح في الركوع والسجود:\nفقيل: أقل ما يحصل به الذكر في الركوع تسبيحة واحدة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وكره الحنفية الاقتصار على تسبيحة واحدة، وهو قول محمد بن الحسن (^١).\nجاء في الفتاوى الهندية: «لو ترك التسبيح أصلًا، أو أتى به مرة واحدة يجوز ويكره» (^٢).\nوقال أبو داود في مسائله: «سمعت أحمد سئل عمن سبح تسبيحة في سجوده، قال: تجزئه» (^٣).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨)، فتح القدير لابن الهمام (١/ ٢٩٨)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٠)، المفاتيح في شرح المصابيح (٢/ ١٤٧)، شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٩٧)، المجموع (٣/ ٤١٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٥١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢، ٢٣)، المغني (١/ ٣٦١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، كشاف القناع (١/ ٣٤٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥، ٢٥٤)، الإنصاف (٢/ ٦٠، ٧٠)، الفروع (٢/ ١٩٦)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٦)، المبدع (١/ ٣٩٦)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٥).\n(^٢). الفتاوى الهندية (١/ ٧٣).\n(^٣). مسائل أبي داود (ص: ٥٥).","vol":"3","page":594},{"text":"وقال بعض الحنابلة: يكره للإمام أن ينقص عن ثلاث أدنى الكمال في الركوع والسجود، ولا يكره للمنفرد؛ ليتمكن المأموم من سنة المتابعة (^١).\nوقيل: أقل عدد يجزئ في التسبيح ثلاث، اختاره بعض الحنفية (^٢).\nوقال مالك: ليس عندنا في الركوع والسجود قول محدود (^٣).\nإن قصد به نفي العدد، رجع إلى قول الجمهور وأنه يجزئ تسبيحة واحدة، وإن أراد به نفي وجوب التسبيح، فقد ناقشت هذا القول في مشروعية التسبيح في مسألة سابقة.\n* دليل من قال: أقل التسبيح مرة واحدة:\nالدليل الأول:\nاشتراط عدد معين في التسبيح لا يجزئ أقل منه يحتاج إلى توقيف، ولا أعلم دليلًا من الكتاب ولا من السنة، ولا من الإجماع يقدر عددًا معينًا في تسبيح الركوع والسجود لا يجزئ أقل منه، وإذا كان ذلك كذلك فالامتثال يتحقق بفعل ذلك مرة واحدة، فإن زاد كان أكمل، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٠١) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس ... ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء،\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٧٩).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨).\nوقال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٩٤): «والحاصل أن في تثليث التسبيح في الركوع والسجود ثلاثة أقوال عندنا، أرجحها من حيث الدليل الوجوب تخريجًا على القواعد المذهبية، فينبغي اعتماده».\n(^٣). قال في بداية المجتهد (١/ ١٣٧): «قال مالك: ليس في ذلك قول محدود».\nوانظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٢/ ٣٥)، الأوسط (٣/ ١٨٥).","vol":"3","page":595},{"text":"فقمن أن يستجاب لكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمر بالركوع بتعظيم الرب، وأطلق ذلك، فيصدق على الكثير والقليل، فإذا سبح الله مرة واحدة فقد امتثل.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٠٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:\nسمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (^٢).\n[منكر] (^٣).\nقال ابن قدامة: «النبي - ﷺ - أمر بالتسبيح في حديث عقبة ولم يذكر عددًا، فدل على أنه يجزئ أدناه» (^٤).\nالدليل الرابع:\n(ث-٤٤٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:\nقال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه (^٥).\n[ضعيف] (^٦).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).\n(^٢). المسند (٤/ ١٥٥).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٧٦).\n(^٤). المغني (١/ ٣٦١).\n(^٥). المصنف (٢٥٦٣).\n(^٦). سبق تخريجه، انظر (ث-٤٣٨).","vol":"3","page":596},{"text":"* دليل من قال: يشترط ثلاث تسبيحات:\n(ح-١٧٠٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،\nعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (^١).\n[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nمفهوم قوله: (فقد تم ركوعه وذلك أدناه) أن من نقص عن ذلك لم يتم ركوعه، وأن الثلاث هي أدنى الواجب.\n* وأجيب بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن التسبيح كله ليس بواجب، كما تقدم بحثه في مسألة سابقة.\nالجواب الثاني:\nأن هذا الحديث لا يصح، انفرد برفعه إسحاق بن يزيد الهذلي، وهو مجهول، وقد خالفه من هو أوثق منه، محمد بن أبان ومحمد بن عجلان، روياه عن عون، فلم يذكر فيه وذلك أدناه.\nالجواب الثالث:\nعلى فرض صحة الحديث، فإن المقصود بقوله: (وذلك أدناه) أي أدنى الكمال، وليس أدنى الواجب.\nجاء في مجمع الأنهر: قوله: «(فقد تم ركوعه وذلك أدناه)، لم يُرِدْ به أدنى الجواز وإنما أُرِيَد به أدنى الكمال؛ لجواز الركوع بتوقف قدر التسبيحة، بل أقل، ولو بلا ذكر» (^٣).\n_________\n(^١). مسند أبي داود الطيالسي (٣٤٧).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٧٧).\n(^٣). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٦)، وانظر: المبسوط للسرخسي (١/ ٢١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨).","vol":"3","page":597},{"text":"ونقل القاضي حسين عن الإمام الشافعي في التعليقة قوله: «ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدني الكمال، ولم يرد به أنه لا يجزئ أقل من الثلاث، لأنه لو سبح مرة أو مرتين، كان آتيًا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال هو الثلاث» (^١).\nوقال الخرقي: «ويقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثًا وهو أدنى الكمال وإن قال مرة أجزأه» (^٢).\n* الراجح:\nأن السنة تحصل بالتسبيح مرة واحدة، فإذا فعل فقد حصل السنة من جهة، وأدرك الطمأنينة المفروضة من جهة.\n\n* * *\n_________\n(^١). التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٢)، وانظر: مختصر المزني (ص: ١٠٧)، المجموع (٣/ ٤١٢).\n(^٢). مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، وانظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٧٩).","vol":"3","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المبحث الخامس أعلى الكمال في تسبيح الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n* المقادير تقوم على التوقيف.\n* لا يوجد في الشرع دليل يقضي باستحباب قدر معين في عدد التسبيح.\n* أمر النبي - ﷺ - بتعظيم الرب في الركوع، ولم يعلق ذلك بقدر معين.\n* استحباب عدد معين من التسبيح حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\n* إطالة السجود والركوع تبعًا للقيام ما لم يشق على المأمومين.\n* إطالة السجود والركوع للمنفرد تبعًا للقيام ونشاطه في العبادة، فإن قَصَّر القيام أو فتر خفف سائر الأركان، فإن الله لا يمل حتى تملوا.\n* كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء من غير تقدير ذلك بحد معين.\n* تحري قطع التسبيح على وتر لا دليل عليه.\n* قطع العبادة على وتر يتوقف على ورود الشرع؛ لأن العبادات توقيفية، لا أنه يستحب قصد الإيتار في كل شيء، فلا يأكل، ولا يشرب، ولا يلبس إلا وترًا.\n[م-٦٣٠] لا يدخل في هذا البحث مقدار التسبيح في ركعتي الطواف، وسنة الفجر، وركعتي افتتاح صلاة الليل؛ لأن السنة فيها تخفيف الصلاة بما في ذلك القيام والركوع والسجود إلا أن الطمأنينة مقدار مفروض لا يجوز الإخلال به.\nولا يدخل في هذا البحث تسبيح المأموم، وذلك أن مقدار الكمال في تسبيحه مرتبط بمتابعة إمامه.\nويبقى البحث معنا في مقدار كمال التسبيح في حق الإمام والمنفرد، فاختلف","vol":"3","page":599},{"text":"العلماء في كمال التسبيح في حقهما إلى أقوال كثيرة، منها:\nالقول الأول: مذهب الحنفية.\nقالوا: يستحب أن يختم على وتر، خمس، أو سبع، أو تسع.\nوقيل: عشر تسبيحات، وظاهر مذهب الحنفية عدم التفريق بين الإمام والمنفرد (^١).\nالقول الثاني: مذهب الشافعية.\nأعلى الكمال في مذهب الشافعية إحدى عشرة تسبيحة لغير الإمام، وأما الإمام فتكره الزيادة على ثلاث، قالوا إلا أن يكون إمامًا لجماعة محصورة، ورضوا بالتطويل (^٢).\nالقول الثالث: مذهب الحنابلة.\nالصحيح من مذهب الحنابلة أن أعلى الكمال في حق الإمام عشر تسبيحات، وأما المنفرد فلا حد له ما لم يَخَفْ سهوًا (^٣).\nوقيل: التسبيح للإمام ثلاث تسبيحات.\nوقيل: التسبيح في حق الإمام ما لم يشق على المأمومين، وبه قال القاضي أبو يعلى من الحنابلة.\nجاء في المغني: «قال القاضي (أبو يعلى): الكامل في التسبيح إن كان منفردًا ما لا يخرجه إلى السهو، وفي حق الإمام ما لا يشق على المأمومين» (^٤).\nوقيل: التسبيح للمنفرد بقدر قيامه، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\n_________\n(^١). الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، البحر الرائق (١/ ٣٣٤)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٩٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٤).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤١٢)، كفاية الأخيار (ص: ١١٦)، أسنى المطالب (١/ ١٥٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٣)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٧).\n(^٣). الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (١/ ٥٤)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، المبدع (١/ ٣٩٦).\n(^٤). المغني لابن قدامة (١/ ٣٦١).\n(^٥). المبدع (١/ ٣٩٦).","vol":"3","page":600},{"text":"القول الرابع:\nاختار الحسن وإسحاق أن أعلى الكمال قدر سبع تسبيحات، وهو مروي عن الحسن، وبه قال بعض الحنفية، وبعض الحنابلة (^١).\nالقول الخامس:\nقال ابن المبارك: الأفضل للمنفرد خمس، وللإمام ثلاث وبه قال الثوري (^٢).\nالقول السادس: مذهب المالكية.\nليس لكمال التسبيح حد مقدر، وهو مذهب المالكية، واختاره السبكي من الشافعية (^٣).\nفصارت الأقوال ترجع إلى قولين:\nالقول الأول: لا حد لأعلاه، وهو مذهب المالكية، واختيار السبكي من الشافعية، وبه قال الحنابلة في حق المنفرد.\nالقول الثاني: يقدر أعلى الكمال بعدد معين، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم في تقدير هذا العدد، أهو خمس، أم سبع، أم تسع، أم عشر أم إحدى عشرة، على خلاف بينهم في التفريق بين الإمام والمنفرد:\nفقيل: لا فرق بين الإمام والمنفرد.\nوقيل: هذا في حق المنفرد، واختلفوا في حق الإمام:\nفقيل: لا يزيد على ثلاث، وقيل: لا يزيد على خمس.\nوقيل: يسبح ما لم يشق على المأمومين.\nفإن قيل: كيف يعرف هذا، قيل: إما بتصريحهم، وإما بمعرفة حالهم، ونشاطهم في العبادة كما لو كانوا جماعة محصورة.\nوقيل: يختلف مقدار التسبيح للمنفرد بحسب طول القيام وقصره.\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٧٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، الإنصاف (٢/ ٦١)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦١)، المبدع (١/ ٣٩٦).\n(^٢). بحر المذهب للروياني (٢/ ٤٤)، شرح التلقين للمازري (٢/ ٥٥٦).\n(^٣). البيان والتحصيل (١/ ٣٦١)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، شرح زروق على متن الرسالة (١/ ٢٣٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، الثمر الداني (ص: ١١٣)، أسهل المدارك (١/ ٢٠١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، شرح مسائل التعليم (ص: ٢٢٧) ..","vol":"3","page":601},{"text":"* دليل من قال: يسبح عشر تسبيحات:\n(ح -١٧٠٤) استدلوا بما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، قال: أخبرني أبي، عن وهب بن مانوس، عن سعيد بن جبير،\nعن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحدًا أشبه بصلاة رسول الله - ﷺ - من هذا الغلام -يعني عمر بن عبد العزيز- قال: فحزرنا في الركوع عشر تسبيحات، وفي السجود عشر تسبيحات (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ١٦٢).\n(^٢). الحديث مداره على وهب بن مانوس، عن سعيد بن جبير، عن أنس بن مالك،\nرواه أحمد بن حنبل (٣/ ١٦٢)،\nوأبو داود (٨٨٨) وعنه البيهقي (٢/ ١٥٩) عن أحمد بن صالح\nوأبو داود (٨٨٨) وعنه البيهقي في السنن (٢/ ١٥٩)، والنسائي في المجتبى (١١٣٥)، وفي الكبرى (٧٢٥) حدثنا محمد بن رافع،\n\nوالبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٨)، والطبراني في الدعاء (٥٤٣) عن علي بن المديني، ورواه البزار كما في مسنده (٧٤٧٢) حدثنا سلمة بن شبيب، وأحمد بن منصور بن سيار، كلهم (أحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح، ومحمد بن رافع، وعلي بن المديني وسلمة بن شبيب، وابن سيار) رووه عن عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبيه، سمعت وهب ابن مانوس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوفي الحديث أكثر من علة:\nالعلة الأولى: لا يعرف لسعيد بن جبير رواية عن أنس في أمهات كتب السنة غير هذا الحديث الذي تفرد به وهب بن مانوس.\nالعلة الثانية: أن هذا الأثر عن أنس بذكر تقدير التسبيحات قد تفرد به وهب بن مانوس، ووهب رجل فيه جهالة، روى عنه إبراهيم بن عمر بن كيسان (صدوق) وإبراهيم بن نافع (ثقة)، ولم يوثقه أحد إلا ابن حبان ذكره في ثقاته على قاعدته أن الأصل في الراوي العدالة،\nوقد أخرج له أبو داود والنسائي وأحمد هذا الحديث، ولا يصح.\nوروى له النسائي وأحمد حديثًا آخر عن ابن عباس في الذكر بعد الرفع من الركوع.\nالعلة الثالثة: أن الأثر عن أنس قد روي عنه من وجه أصح من هذا، وليس فيه ذكر التسبيحات فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥/ ٣٣٢)، وأبو طاهر المخلص في السادس من المخلصيات (١٢٦٤ - ٢٤٥)، من طريق الضحاك بن عثمان عن يحيى بن سعيد، أو عن شريك بن أبي نمر لا يدري أيهما حدثه عن أنس بن مالك قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز. قال الضحاك: فكنت أصلي وراءه فيطيل الأوليتن من الظهر، ويخفف الآخرتين، ويخف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.\nوليس فيه تقدير تسبيح الركوع والسجود، قد خرجت هذا الأثر فيما سبق (انظر المجلد التاسع الملف الأول).","vol":"3","page":602},{"text":"* دليل من قال: أعلى الكمال سبع تسبيحات:\nلعل هذا القول رأى أن العدد سبعة له مزية على غيره، فالطواف بالبيت سبعة، والسعي بين الصفا والمروة سبعة، ورمي الجمرات سبعة، وأيام الأسبوع سبعة، والسموات سبع، والأرض مثلهن، والسجود على سبعة أعضاء، وأعطى من المثاني سبعًا، فاستحب في التسبيحات أن يكون العدد سبعًا، والله أعلم.\n* دليل من قال: يقطعه على خمس أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشرة:\nهذه الأقوال على اختلافها يذهب قائلوها إلى تحري قطع التسبيح على وتر؛\n(ح-١٧٠٥) لعموم ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: لله تسعة وتسعون اسمًا، من حفظها دخل الجنة، وإن الله وتر يحب الوتر (^١).\nفالحديث دل على أن الوتر أفضل من الشفع، و(أل) في اللغة تأتي للعهد، فتحمل على شيء معين معهود، كما لو حملنا (يحب الوتر) أي يحب صلاة الوتر.\nوتأتي (أل) للجنس فتدل على العموم، فيكون المعنى أن الوتر في كل شيء محبوب ومقدم على الشفع.\nوالظاهر أن (أل) في الوتر للجنس؛ لأنه لا معهود جرى ذكره حتى يمكن أن يحمل عليه، فيكون الوتر محبوبًا ومقدمًا على الشفع، وأنه للعموم، إلا أن أصحاب هذا القول اختلفوا على قولين:\nالأول: يرى أن الوتر مقدم مطلقًا في كل شيء حتى ولو لم يحفظ في الشرع فعله\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤١٠)، وصحيح مسلم (٥ - ٢٦٧٧).","vol":"3","page":603},{"text":"على وتر، نُسِب هذا القول لابن عمر، ورجحه ابن الملقن كما سيأتي معنا.\n(ح-١٧٠٦) فقد روى أحمد من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع،\nعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله وتر يحب الوتر، قال نافع: وكان ابن عمر لا يصنع شيئًا إلا وترًا (^١).\nوأثر ابن عمر في إسناده عبد الله بن عمر العمري ضعيف.\nوإذا كان الشرع راعى الوتر حتى في باب الأذى، فغيره من القربات من باب أولى.\n(ح-١٧٠٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن أبي إدريس الخولاني،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: ... ومن استجمر فليوتر (^٢).\nولهذا بنى هؤلاء الفقهاء استحباب الوتر في أعلى كمال التسبيح فقالوا: يسبح خمسًا، وسبعًا، وتسعًا، وإحدى عشرة.\nقال في ملتقى الأبحر: «ويقول ثلاثًا سبحان ربي العظيم وهو أدناه وتستحب الزيادة مع الإيتار للمنفرد» (^٣).\n(ح-١٧٠٨) وروى البخاري مسندًا في صحيحه عن أنس، قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات.\nثم أتبعه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال البخاري: وقال مرجا بن رجاء حدثني عبيد الله، قال: حدثني أنس، عن النبي - ﷺ - ويأكلهن وترًا (^٤).\nقال ابن الملقن في التوضيح: فإن قلت: فما الحكمة في كونها وترًا؟\nقلت: لأنه - ﷺ - كان يحب الوتر في كل شيء استشعارًا بالوحدانية، فإنه وتر يحب الوتر (^٥).\n_________\n(^١). المسند (٢/ ١٠٩).\n(^٢). صحيح البخاري (١٦١)، وصحيح مسلم (٢٢ - ٢٣٧).\n(^٣). ملتقى الأبحر (ص: ١٤٥).\n(^٤). صحيح البخاري (٩٥٣).\n(^٥). التوضيح شرح الجامع الصحيح (٨/ ٧٧).","vol":"3","page":604},{"text":"فقول ابن الملقن: «يحب الوتر في كل شيء، أي سواء مما نص الشارع على استحباب إيتاره، أو لم يعلم فيه نص من الشارع، فقطعه على وتر محبوب.»\nالقول الثاني: حملوا حديث (إن الله وتر يحب الوتر) على محبة الوتر في أشياء استحب الشارع قطعها على وتر، ويكون العموم في الحديث نسبيًّا، وذلك مثل أكل التمرات حين الخروج إلى صلاة العيد، ومثله تغسيل الموتى: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)، ومثله قطع الاستجمار على وتر، ومثله صلاة الوتر.\nويكون معنى محبة الله له: أنه أمر به، وأثاب على فعله، وما لم يرد في الشرع استحباب إيتاره فلا يتقصد فعله على وتر.\nقال فضيلة الشيخ عبد الله البسام: «ليس المراد بقوله: (إن الله وتر يحب الوتر) أنه يقصد الإيتار في كل شيء، فلا يأكل إلا وترًا، ولا يشرب إلا وترًا، ولا يلبس إلا وترًا، لأن الإيتار من أمور العبادة، والعبادة تتوقف على ورود الشرع بها، فما ورد من العبادات وقصد الشارع أن يقطعه على وتر، فهذا القصد داخل في مسمى العبادة، كأكله تمرات وترًا عند ذهابه لصلاة عيد الفطر ... والشرع مبني على التوقيف، فلا يشرع منه إلا ما شرعه الله ورسوله» (^١).\n* دليل من قال: لا تقدير للتسبيح بعدد معين:\nالدليل الأول:\nالمقادير تقوم على التوقيف، ولا يوجد في الشرع دليل يقضي باستحباب حَدٍّ معين لعدد التسبيح في الركوع والسجود، والاستحباب حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٠٩) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة،\n_________\n(^١). توضيح الأحكام من بلوغ ا لمرام (٢/ ٤٢٦).","vol":"3","page":605},{"text":"يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمر بتعظيم الرب في الركوع، ولم يعلق ذلك بعدد معين.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى،\nعن البراء، قال: كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (^٢).\nفكان النبي - ﷺ - يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، ولم يقدر في الركوع والسجود حدًّا معينًا وإنما كان يطيل القيام للقراءة والقعود للتشهد.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٧١١) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بِتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٢).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).","vol":"3","page":606},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (فكان ركوعه نحوًا من قيامه) ولم يقدر في ذلك حدًّا معينًا.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٧١٢) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nكان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي - ﷺ -، وذاك في غير وقت صلاة، فقام، فأمكن القيام، ثم ركع، فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصب هُنَيَّةً (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ركع فأمكن الركوع)، إشارة إلى الطمأنينة فيه، ولم يقدر في ذلك قدرًا معيَّنًا.\n* الراجح:\nأن قطع الشيء على وتر يحتاج إلى توقيف، لأنه صفة في العبادة، والقول في صفة العبادة كالقول في العبادة الأصل فيه المنع إلا بتوقيف، ولو سلمنا أنه يستحب قطع التسبيح على وتر، فما الدليل على استحباب أن يكون الوتر خمسًا، أو سبعًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة، فهذا الاختلاف كله دليل على أنه لم يرد في العدد تقدير معين، وأن صلاة النبي - ﷺ - كان فيها نوع من التناسب بين طول القيام وطول المواضع الأربعة، فإذا أطال القيام كما في صلاة الليل، وصلاة الفذ فإنه يطيل تبعًا لذلك مقدار الركوع والسجود والاعتدال منهما، وإذا خفف القيام خفف في إتمام هذه المواضع الأربعة دون أن يُسْتَحب لذلك عدد معين، وأن الإمام مأمور بالتخفيف، فلا يطيل الركوع والسجود بما يشق على المأموم، دون أن يُحَدَّ في ذلك حَدٌّ معينٌ، والله أعلم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٢).","vol":"3","page":607},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لم يرد في النصوص تقدير في أقل الكمال ولا في أعلاه.\n• من قدرها بثلاث تسبيحات إن كان المقصود به مقدارها من الوقت فالأمر قريب، وإن كان المقصود استحباب العدد فلا دليل عليه.\n• المقادير تحتاج إلى توقيف.\n[م-٦٣١] ذهب جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية والحنابلة، إلى أن أقل الكمال ثلاث تسبيحات (^١).\nورواه أبو مصعب، عن مالك، وهو مخالف لما في المدونة (^٢).\nوقال مالك في المشهور عنه: لا توقيت بعدد، ولا يخص التسبيح بلفظ معين (^٣). ...\nجاء في لوامع الدرر: «التسبيح غير محدود بواحدة أو بثلاث، ولا مخصوص\n_________\n(^١). مجمع الأنهر (١/ ٩٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، المبسوط (١/ ٢١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، بدائع الصناع (١/ ٢٠٨)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٠)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، مراقي الفلاح (ص: ٩٩)، الأم (١/ ١٣٣)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٣)، المجموع (٣/ ٤١١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٢)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠، ٣٩١)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، المغني (١/ ٣٦١)، الفروع (٢/ ١٩٦)، المبدع (١/ ٣٩٦)، الإنصاف (٢/ ٦٠)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).\n(^٢). الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٠٦)، وانظر القوانين الفقهية (ص: ٤٥).\n(^٣). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٤، ٢٢٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٦)، شرح التلقين (٢/ ٥٥٦)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨)، لوامع الدرر (٢/ ١٠٣).","vol":"4","page":5},{"text":"بلفظ معين، خلافًا لمن يقول: إن أقله ثلاث» (^١).\n• دليل من قال: أدنى الكمال ثلاث:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧١٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،\nعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (^٢).\n[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧١٤) ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا حفص بن غياث، عن محمد بن أبي ليلى، عن الشعبي، عن صلة،\nعن حذيفة أن النبي - ﷺ - كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا (^٤).\n[ضعيف] (^٥).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧١٥) ما رواه أحمد من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري، عن شهر ابن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم،\nأن أبا مالك الأشعري جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم، وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي - ﷺ - التي صلى لنا بالمدينة\n_________\n(^١). لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٢٨).\n(^٢). مسند أبي داود الطيالسي (٣٤٧).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٧٧).\n(^٤). سنن الدارقطني (١٢٩٢).\n(^٥). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر (ح ١٦٩٥).","vol":"4","page":6},{"text":"فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم ... وفيه: ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبَّر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، ثم كبر فركع فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرار .... الحديث (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٧١٦) ما رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، عن موسى بن أيوب: عن عمه (إياس بن عامر)،\nسمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم (^٣).\nورواه أبو داود من طريق الليث، حدثني موسى بن أيوب الغافقي من أهل مصر، عن رجل من قومه قد سماه، عن عقبة بن عامر به، وزاد:\nفكان رسول الله - ﷺ - إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا (^٤).\n[منكر، والزيادة أشد نكارة] (^٥).\nفهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة إلا أن مجموعها قد يفيد استحباب الثلاث.\nوقد يقال: إن انفراد الضعفة بهذا العدد يجعل في النفس شيئًا من قبوله، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\nقال الترمذي في السنن: «والعمل على هذا عند أهل العلم يستحبون ألا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات» (^٦).\n_________\n(^١). مسند أحمد (٥/ ٣٤٣).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٩٨).\n(^٣). المسند (٤/ ١٥٥).\n(^٤). سنن أبي داود (٨٦٩، ٨٧٠).\n(^٥). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٧٦).\n(^٦). سنن الترمذي (٢/ ٤٦).","vol":"4","page":7},{"text":"قوله: عند أهل العلم أي أكثرهم، وإلا فالمالكية لا يرون تقدير ذلك بعدد معين.\n• دليل من قال: لا تقدير فيه بعدد معين:\nتوقيت الركوع بعدد معين يحتاج إلى توقيف، ولم يصح فيه شيء، فكل ما زاد على الطمأنينة فهو داخل في الكمال، والوارد قوله - ﷺ -: أما الركوع فعظموا فيه الرب، ولم يعلق ذلك بحد، وصيغ التسبيح الواردة في الركوع والسجود كثيرة، كلها تدل على أنه ليس للتسبيح صيغة معينة يقدر فيها أعلى الكمال وأدناه، وتنوعها يدل على منع التحديد.\n• الراجح:\nأن الطمأنينة فرض، والزيادة عليها داخل في حد الكمال، ومن قدرها بثلاث تسبيحات إن كان المقصودُ به مقدارَها فالأمر قريب، وإن كان المقصودُ استحبابَ العدد فلا دليل عليه. والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• ورد النهي عن القراءة في الركوع والسجود في حديثين لابن عباس وعليٍّ ﵄.\n• الأصل في النهي التحريم، وهو قول الأكثر، إلا أنه ينبغي ألا يتشدد في الصوارف.\n• تعامل الفقهاء مع الصوارف يختلف من مسألة إلى أخرى.\n• قد يتساهل الفقهاء في الصارف فيصرفون النهي لقرينة لفظية، أو معنوية أو لعمل كثير من الصحابة، أو لكون النهي يتعلق بالآداب، أو لكونه يتعلق بالصحة.\n• يتساهل بعض الفقهاء في الصارف إذا كانت أحاديث النهي قد تكلم فيها.\n• حديث ابن عباس تكلم في إسناده الإمام أحمد، وحديث علي ضعفه البخاري.\n• قد تكون علة النهي صارفة للنهي عن التحريم إلى الكراهة.\n• الراجح في علة النهي عن القراءة في الركوع والسجود كون الركوع والسجود موضع ذلة وخضوع للعبد ينزه عنه كلام الرب.\n• إذا كان الراكع والساجد يذكر الله بأسمائه وصفاته، ولا ينزه أسماء الرب ولا صفاته في الركوع والسجود، فكلامه صفة من صفاته، وإن وجد فرق بينهما فهو ما يجعل النهي للكراهة، لا للتحريم، وهو قول الأئمة الأربعة.\n• الركوع والسجود موضع للذكر، ومحل لتعظيم الرب، والقرآن أعظم الذكر، ولولا النهي لقيل: إن قراءة كتاب الله من تعظيم الله.\n• القراءة مشروعة في القيام بالإجماع، فإذا ذكر المصلي ما كان مشروعًا في القيام في محل الركوع والسجود أو في أي موضع في الصلاة لم يَأْتِ بما ينافي صلاته، فلا يكون مبطلًا، وإذا لم يكن مبطلًا كان مكروهًا.","vol":"4","page":9},{"text":"[م-٦٣٢] اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:\n\nفقيل: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). قال في تحفة الفقهاء (١/ ٢٤٦): «ويكره أن يقرأ في غير حالة القيام؛ لأن الركوع والسجود محل الثناء والتسبيح دون القراءة».\nقوله: (في غير حالة القيام) يشمل الركوع والسجود، والجلوس.\nوقد نص الحنفية على كراهة قراءة القرآن في حالين:\nإحداهما: أن يقرأ قائمًا، ثم يتمها راكعًا، فهذه قد صرحوا أن الكراهة فيها تنزيهية.\n\nالثانية: القراءة في غير حالة القيام كما لو قرأ في حالة الركوع والسجود، والجلوس، فهذه قد نص الحنفية في كتبهم على أن حكمها الكراهة، والسؤال: أتحمل الكراهة على التحريمية بناء على أصول الحنفية، واصطلاحهم في ذلك: بأن المنهي عنه بدليل قطعي يعبر عنه بالتحريم، وهو في مقابل ترك الفرض.\nوالمنهي عنه بدليل ظني يعبر عنه بالكراهة، وهي كراهة تحريمية إلا لصارف، وهو في مقابل ترك الواجب، ولا يقصدون بالكراهة الكراهة التنزيهية، إلا أن يكون هناك قرينة تفيد أن النهي لا يمنع من الفعل فيحمل على التنزيهية.\nلم أجد في كتب الحنفية نصًّا صريحًا يبين لي نوع الكراهة، في هذه المسألة، وهي أشد من مسألة أن يقرأ القرآن قائمًا فيركع قبل إتمامها فيتمها راكعًا، لأن ذلك يصدق على قراءة كلمة أوكلمتين من الآية بخلاف قصد القراءة في حال الركوع والسجود.\nفيحتمل أن الكراهة للتحريم حيث أوجب الحنفية في أحد القولين السهو على من قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده، والسبب الموجب للسهو عند الحنفية هوترك الواجب انظر: تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي (١/ ١٩٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣).\nوهو ما يفهم من كلام ابن نجيم في البحر الرائق حيث أوجب تكبيرة الإحرام بلفظ (الله أكبر)؛ لثبوته بالسنة، ومواظبة النبي - ﷺ - عليه، قال: كما قلنا: في قراءة القرآن مع الفاتحة، وفي قراءة القرآن في الركوع والسجود. انظر البحر الرائق (١/ ٣٢٣).\nويحتمل أن الكراهة على ظاهرها، كراهة تنزيهية على القول بأنه لا يجب على من قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده سجود السهو؛ وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، وقد علل الزيلعي سقوط السهو: بأنه ثناء، وهذه الأركان موضع للثناء. انظر بدائع الصنائع (١/ ١٦٧).\nانظر مصطلح الحنفية في الكراهة: في البحر الرائق (١/ ٢٦٢)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٤٣).\nوانظر قول الحنفية في مسألة البحث في: فتح القدير (١/ ٣٣٢)، درر الحكام شرح غرر =","vol":"4","page":10},{"text":"جاء في تحفة المحتاج: «وتكره القراءة في غير القيام للنهي عنها» (^١).\nوقال القرطبي في المفهم: مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع (^٢).\nوقال ابن رجب: أكثر العلماء على كراهة القرآن في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا (^٣).\nإلا أن يأتي بالقرآن بقصد الدعاء والثناء فلا يكره (^٤).\nوقيل: تجوز القراءة في الركوع والسجود، وروي عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ البقرة في سجوده (^٥)، واختاره جماعة من التابعين، ونسبه ابن رشد للإمام البخاري (^٦).\n_________\n= الأحكام (١/ ١١٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٥٤، ٤٧٣، ٥٢٣)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٨٢، ٣٥١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٦، ١٢٨)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، البحر الرائق (١/ ٣٢٣).\nونص المالكية على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد، انظر: مختصر خليل (ص: ٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٨)، الخرشي (١/ ٢٩١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٣٩)، منح الجليل (١/ ٢٦٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٨٦)، تحبير المختصر (١/ ٣١٤)، جواهر الدرر (٢/ ١٥٦).\nوكره الشافعية قراءة القرآن في الركوع والسجود وفي سائر أفعال الصلاة غير القيام، انظر: أسنى المطالب (١/ ١٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، المجموع (٣/ ٤١٤)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٦)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٥١)، ...\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٣٦٢)، الإقناع (١/ ١٢٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، التعليقة الكبرى\n\nللقاضي أبي يعلى (١/ ٥٠٣).\n\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٦١).\n(^٢). المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٨٥).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٨).\n(^٤). الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ١٤١)، أسنى المطالب (١/ ١٥٧)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، غمز عيون البصائر (١/ ٩٢، ٩٣) و(٢/ ٤٥)، المحلى بالآثار (٣/ ٦٤).\nقال المالكية: تكره القراءة في الركوع والسجود إلا إن قصد بها الدعاء في السجود، وإنما خصوا الدعاء في السجود لأن الإمام مالكًا لا يرى الدعاء في الركوع. ومقتضاه أنه لو نوى في القرآن الثناء جاز ذلك في الركوع.\n(^٥). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٨).\n(^٦). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٨٠٦٤) حدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن علي بن =","vol":"4","page":11},{"text":"وقيل بتحريم القراءة على خلاف بين القائلين بالتحريم:\nفقيل: تحرم قراءة القرآن مطلقًا في الركوع والسجود، وهو قول للشافعية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، ورجحه الشوكاني (^١).\nوقيل: تحرم قراءة الفاتحة خاصة وتكره قراءة غيرها.\nوهو قول لبعض المالكية، وقول عند الشافعية، حكاه الخراسانيون وجهًا في مذهب الشافعية، وصاحب الحاوي (^٢).\nوقيل: تحرم القراءة في الركوع، وتجوز في السجود، حكاه ابن رشد عن الإمام مالك (^٣).\nقال ابن رشد في البيان: «ولا اختلاف في أنه لا تجوز قراءة القرآن في الركوع،\n_________\n= مدرك، عن إبراهيم، عن الربيع بن خثيم، قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن، وهو راكع، أو ساجد، ﴿قل هو الله أحد الله الصمد﴾.\nوسنده صحيح إلى الربيع بن خثيم.\nوروى ابن أبي شيبة في المصنف (٨٠٦٦) حدثنا عبيدة بن حميد، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: كان عبيد بن عمير يقرأ في الركوع، والسجود. وسنده حسن.\nوقال ابن رشد في بداية المجتهد: (١/ ١٣٦): «اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود ... وبه أخذ فقهاء الأمصار، وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك، وهو مذهب البخاري؛ لأنه لم يصح الحديث عنده، والله أعلم».\n\nولعل ابن رشد فهم هذا من ترجمة البخاري في صحيحه، قال في الصحيح، باب القراءة في الركوع والسجود، قال ابن بطال في شرح البخاري (٢/ ٤١٥): «ولم يدخل فيه حديثًا بجواز ذلك، ولا بمنعه ...».\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ١٨٦): بوب البخاري على هذا، ولم يخرج فيه شيئًا». اهـ\nفربما لما رأى ابن رشد أن الترجمة مطلقة ولم يجزم بها بشيء رأى أن ظاهر الترجمة الجواز، ومال إليه الزين بن المنير كما نقل ذلك الحافظ في الفتح (٢/ ٢٨٢).\nوظاهر الترجمة أعم من الجواز أو المنع، فربما وضع الترجمة ليضع فيها حديثًا يدل على الجواز أو المنع، ثم عرض له مانع فبقيت الترجمة بلا حديث يطابقها، أو لم يجد في الباب حديثًا على شرطه. انظر: فتح الباري (٢/ ٢٨٢)، المتواري على أبواب البخاري (ص: ١٠٦).\n\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٩٧)، نيل الأوطار (٢/ ٢٨٨).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤١٤، ٤٣٤)،.\n(^٣). البيان والتحصيل (١٨/ ٦٣، ٦٤).","vol":"4","page":12},{"text":"واختلف في قراءته في السجود، فروي عن مالك إجازة ذلك» (^١).\nولو عبر بالمنع لكان أدق؛ لأن حكاية الاتفاق في أن القراءة في الركوع لا تجوز مخالف للمعتمد من المذهب، ولقول الجمهور بأنه مكروه.\nورخص بعضهم في قراءة النفل في الركوع دون الفرض، ولا أعلم وجهًا للتفريق بين الفرض والنفل (^٢).\n• واختلفوا في علة النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود:\nفقيل: إن الركوع والسجود علامة على غاية الذل والخضوع، فناسبهما الدعاء والتسبيح، وهما وإن كانا سببًا في عزة العبدورفعته؛ إلا أنه ينزه عنه كلام الرب.\nوقيل: بأنه موطن دعاء، ورد هذا بأن الوقوف في عرفات وعند المشعر الحرام موطن للدعاء، ولا تكره القراءة فيه، ثم القول بأنه موطن دعاء يصدق على السجود دون الركوع (^٣).\nفهذه ستة أقوال هي المأثورة عن فقهائنا، من القول بالكراهة مطلقًا، إلى القول بالتحريم مطلقًا، إلى القول بالجواز مطلقًا، إلى تحريم قراءة الفاتحة وكراهة غيرها، إلى تحريم القراءة في الركوع دون السجود، إلى التفريق بين الفرض والنفل. والله أعلم.\n• دليل من قال: بالتحريم:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧١٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو تُرَى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (١٨/ ٦٣).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٩).\n(^٣). انظر التعليقة الكبرى للقاضي أبي يعلى (١/ ٥٠٣).","vol":"4","page":13},{"text":"أن يستجاب لكم (^١).\n[أعله الإمام أحمد فيما نقله الحافظ ابن رجب] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).\n(^٢). الحديث رواه سفيان بن عيينة عن سليمان بن سحيم كما في صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩)، وأكتفي به عن غيره، وقد رواه عن سفيان كبار أصحابه، أحمد بن حنبل، والحميدي، والشافعي، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وجمع كثير غيرهم.\nولم يتفرد به سفيان وإن كان لا يضره لو تفرد به، فقد تابعه على ذلك:\nإسماعيل بن جعفر، كما في صحيح مسلم (٢٠٨ - ٤٧٩)، وهو في أحاديث إسماعيل بن جعفر من رواية علي بن حجر (٤٤٦)، وأكتفي بصحيح مسلم.\nوالدراوردي كما في مستخرج أبي عوانة (١٨٢٤)، ومشكل الآثار (٥٧٦١)، كلاهما عن سليمان بن سحيم به.\nولم يتفرد به سليمان بن سحيم،\nتابعه ابن جريج كما في صحيح ابن خزيمة (٦٠٢)، ومسند السراج (٢٩٤)، وفي حديثه أيضًا (٢٦، ٢٧، ١٠٦٧، ١٠٦٨)، وقد صرح ابن جريج بالتحديث.\nفالحديث تفرد به إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس.\nقال أحمد: إسناده ليس بذاك، نقل ذلك الحافظ ابن رجب في شرحه للبخاري (٧/ ١٨٨).\n\nقال ابن رجب: إبراهيم هذا وأبوه لم يخرج لهما البخاري شيئًا. المرجع السابق.\nوإبراهيم بن عبد الله بن معبد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٩٥٨)، ولم يذكر فيه شيئًا.\nوكذلك فعل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٠٨).\nوذكره ابن حبان في ثقاته في أتباع التابعين، وأخرج له مسلم في صحيحه، وقال ابن حجر: صدوق اعتمادًا على تخريج مسلم حديثه، وتصحيح ابن خزيمة وابن حبان له، وقد روى له مسلم حديثين:\nأحدهما هذا الحديث.\nوالثاني: حديثه عن ابن عباس أن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي - ﷺ -، تًسَلِّمُ عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول - ﷺ -، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة.\nقال البخاري كما في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٣): ولا يصح فيه ابن عباس.\nوهذا الحديث قد تكلم فيه الحفاظ، وصوابه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ميمونة، ولم يسمع منها، جزم بنفي السماع ابن حبان. =","vol":"4","page":14},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٧١٨) ما رواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم ابن عبد الله بن حنين، أن أباه، حدثه،\nأنه سمع علي بن أبي طالب، قال: نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا (^١).\n[اختلف في إسناده على إبراهيم بن عبد الله بن حنين] (^٢).\n_________\n= وقد فهم الحافظ من كلام البخاري هذا أن رواية إبراهيم بن معبد عن ميمونة متصلة، فقال: فهذا مشعر بصحة روايته - أي: إبراهيم - عن ميمونة عند البخاري، وقد علم مذهبه في التشديد في هذه المواطن. اهـ\nقال ابن حبان في ترجمة إبراهيم بن عبد الله بن معبد: وقد قيل: إنه سمع من ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وليس ذلك بصحيح عندنا، فلذلك أدخلناه في أتباع التابعين. اهـ\nفأحاديثه قليلة عن أبيه، كما أن أباه عبد الله بن معبد مقل الرواية عن ابن عباس، فله عنه خارج مسلم ستة أحاديث مع هذين الحديثين، فرغم قرابته من ابن عباس إلا أنه مقل عنه، فقد يكون الإمام أحمد لحظ تفرد إبراهيم عن أبيه، وتفرد أبيه عن ابن عباس، فلم يحتمل تفردهما مع قلة مروياتهما، فأين أصحاب ابن عباس لو كان هذا الحديث من حديثه.\n\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٩ - ٤٨٠).\n(^٢). هذا الحديث اختلف فيه اختلافًا كثيرًا،\nفقيل فيه: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، ليس فيه عليٌّ.\nوقيل فيه: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، عن عليٍّ.\nوقيل فيه: عن عبد الله بن حنين، عن عليٍّ.\nوقيل فيه: عن حنين، عن عليٍّ.\nوقيل فيه: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن عليٍّ.\nهذه أصول الاختلاف في طرق الحديث في الجملة، وإليك تفصيلها، ثم بيان ما هو الراجح منها، وموقف العلماء من هذه الاختلافات.\nالطريق الأول: عن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب.\nرواه ابن عجلان كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، ومسند أحمد (١/ ٨١)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٤١، ٥٢٦٧) وفي السنن الكبرى له (٦٣٣، ٩٤١٤)، ومسند أبي يعلى (٣٠٤، ٥٣٧)، وشرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٠)، ومسند البزار (٤٥٧)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٢٨)، ومسند أبي العباس السراج (٢٩٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٠)، ومستخرج أبي نعيم (٢/ ٩٦)، عن يحيى بن سعيد القطان، عنه.\nورواه أبو يعلى (٤٢٠) حدثنا القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني =","vol":"4","page":15},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي به، فجعله من مسند علي بن أبي طالب.\n\nوالضحاك بن عثمان كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٤٢، ٥١٧٣)، وفي السنن الكبرى له (٦٣٤، ٩٤١٣)، ومسند البزار (٤٥٨)، ومسند السراج (٢٩٨)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣١)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٣٥)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٦٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٩٦)، كلاهما ابن عجلان، والضحاك روياه عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس، عن علي ابن أبي طالب ﵁، رواه ابن عجلان في النهي عن القراءة راكعًا وساجدًا.\nورواه الضحاك بن عثمان في ذكر النهي عن القراءة في الركوع، ولم يذكر السجود.\nورواه داود بن قيس واختلف عليه:\nفرواه أبو عامر العقدي كما في صحيح مسلم (٢١٢ - ٤٨٠)، ومسند أبي يعلى (٦٠٣، ٦٠٤)، ومسند البزار (٤٥٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٢٦)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٦٣).\nوأبو علي الحنفي كما في المجتبى من سنن النسائي (١١١٨، ٥١٧٢)، وفي السنن الكبرى له (٧٠٩، ٩٤١٢)،\nوعثمان بن عمر كما في المجتبى من سنن النسائي (٥١٧٢، ١١١٨)، وفي السنن الكبرى له (٧٠٩، ٩٤١٢)،\nوجعفر بن هشام العسكري والقعنبي كما في مسند أبي العباس السراج (٢٩٩)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٣٣)،\nويحيى القطان ووكيع وابن وهب، كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٣/ ٧٩)، ثمانيتهم رووه عن داود بن قيس، عن إبراهيم بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي بذكر ابن عباس، وفي النهي عن القراءة راكعًا وساجدًا.\nوفي رواية داود بن قيس عند أبي يعلى (٦٠٣): (عن ابن حنين) ولم يسمِّه.\nوقال الدارقطني في العلل (٣/ ٧٩): واختلف على داود بن قيس ... فقال القعنبي: عنه، عن إبراهيم، عن ابن عباس، عن علي، ولم يذكر أباه. اهـ\nوالذي وقفت عليه من رواية القعنبي عند أبي العباس السراج بذكر أبيه في إسناده، فتأمل.\nوخالف كل هؤلاء عبد الله بن نافع، كما في شرح معاني الآثار مختصرًا (٤/ ٢٦٠)، ومستخرج أبي عوانة بتمامه (٨٥٤٢)، فرواه عن داود بن قيس، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي.\nالطريق الثاني: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباسٍ، ليس فيه عليٌّ.\nورواه شعبة، واختلف عليه فيه:\nفرواه محمد بن جعفر كما في صحيح مسلم (٢١٤ - ٤٨١)، وسنن النسائي (٥٢٦٦)، وفي الكبرى له (٩٤١١)، وفي الإغراب للنسائي (١٧٦)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٧٢). =","vol":"4","page":16},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وحجاج بن أرطأة كما في حديث أبي سعيد الأشج (٧٩)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة بالإسناد نفسه مختصرًا (٢٤٧٣٢).\nووهب بن جرير كما في مستخرج أبي عوانة (١/ ٤٩٣)،\nوالنضر بن شميل رواه البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٠)، وذكر ذلك الدارقطني في العلل (١/ ١٢٧) (٣/ ٨٥) أربعتهم عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، ولم يذكروا عليًّا.\nوخالفهم أبو قطن، فرواه عن شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين، عن علي، ولم يذكر ابن عباس. العلل (٣/ ٨٥).\nوأبو بكر: هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، ثقة.\nالطريق الثالث: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي. ليس فيه ابن عباس.\nرواه معمر كما في صحيح مسلم (٣١ - ٢٠٧٨)، ومصنف عبد الرزاق (٢٨٣٢، ١٩٤٧٦، ١٩٩٦٤)، ومسند أحمد (١/ ١١٤)، وسنن أبي داود (٤٠٤٥)، وسنن الترمذي (١٧٣٧)، والنسائي مختصرًا في الكبرى (٩٥٧٤)، ومسند أبي يعلى (٤١٥)، ومستخرج أبي عوانة (٨٥٣٩)، والسراج في حديثه (٢٩)، وفي مسنده (٢٩٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٩٤).\nوصالح بن أبي الأخضر كما في مسند البزار (٩١٩)،\nويونس بن يزيد، كما في صحيح مسلم (٢٠٩ - ٤٨٠) و(٣٠ - ٢٠٧٨)، والمجتبى من سنن النسائي (١١١٩، ٥١٧٤)، والسنن الكبرى له (٧١٠، ٩٤١٥)، وابن حبان (١٨٩٥)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٦٠)، ثلاثتهم عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁ في النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.\nوقد تابع الزهري كل من:\nيزيد بن أبي حبيب كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٦٩)، وفي خلق أفعال العباد (ص: ١٠٩)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٤٣، ٥٢٦٨، ٥٣١٨)، وفي الكبرى له (٦٣٥، ٩٤١٦، ٩٤٩٥)، ومستخرج أبي عوانة (١/ ٤٩٣)، ومستخرج أبي عوانة ت الجامعة الإسلامية (١٨٧٥)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٦٥)، والسنن الكبرى للبيهقي معلقًا (٢/ ١٢٥).\nومحمد بن عمرو كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، ومصنف ابن أبي شيبة (٨٠٦٠)، وسنن أبي داود (٤٠٤٦)، والمجتبى من سنن النسائي (٥١٧٥)، والسنن الكبرى له (٩٤١٧)، ومسند أبي يعلى (٢٧٦، ٤١٤)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٣٦).\nومحمد بن إسحاق كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، ومسند أحمد (١/ ٩٢)، ومسند أبي يعلى (٣٢٩)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٣٧)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (١٠٧٠).\nوزيد بن أسلم كما في صحيح مسلم (٢١١ - ٤٨٠)، =","vol":"4","page":17},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والوليد بن كثير، كما في صحيح مسلم (٢١٠ - ٤٨٠)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٢٧) [وسقط منه (ذكر أبيه) والتصحيح من ط الجامعة الإسلامية (٥/ ١٦١)]، ومستخرج أبي نعيم (١٠٦١)، والسنن الكبرى للبيهقي معلقًا (٢/ ١٢٥، ٥٩٤).\nوالحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، كما في خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ١١٠)،\nوإسحاق بن أبي بكر، كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٥٧١)،\nكلهم (يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عمرو، وابن إسحاق، والوليد بن كثير، والحارث، وإسحاق بن أبي بكر) رووه عن إبراهيم، عن أبيه عن علي ﵁، وكلهم ذكروا النهي عن القراءة راكعًا إلا الزهري فإنه قال: راكعًا وساجدًا.\nورواه أسامة بن زيد، واختلف عليه في إسناده: المسند المعلل (٢١/ ١٣٥).\nفرواه ابن وهب كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، ومسند أحمد (١/ ١٣٢)، ومسند السراج (٣٠٢)، وفي حديثه (٣٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٣٤)، عن أسامة بن زيد، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁.\nورواه وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٤٧٣١)، ومسند أحمد (١/ ١٣٢)، والتاريخ الكبير (١/ ٢٩٩)، وابن ماجه (٣٦٠٢)، ومسند السراج (٣٠٠)، وفي حديثه أيضًا بانتقاء الشحامي (٣٤).\nوعثمان بن عمر كما في مسند أحمد (١/ ١٣٢)،\nوأبو أسامة (حماد بن أسامة) كما في مسند أبي العباس السراج (٣٠٠)، وحديثه بانتقاء الشحامي (٣٤)، كلهم رووه عن أسامة بن زيد، عن عبد الله بن حنين، بإسقاط إبراهيم.\nجاء في مستخرج أبي عوانة (١/ ٤٩٣) بعد أن ساق الحديث من رواية أسامة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، قال أسامة: فدخلت على عبد الله بن حنين، وهو في بيته يومئذٍ شيخ كبير، وعليه ملحفة معصفرة كثيرة العصفر، فسألته عن هذا الحديث، فقال عبد الله: سمعت عليًّا يقول: نهاني رسول الله - ﷺ - ولا أقول نهاكم، عن تختم الذهب، ولباس المعصفر، وذكر الحديث، ولم يذكر السجود.\nفكان أسامة قد سمع الحديث من إبراهيم، عن أبيه، ثم سمعه من أبيه.\nوتابع إبراهيم بن عبد الله بن حنين: شريك بن أبي نمر.\nرواه سليمان بن بلال كما في التاريخ الكبير (٥/ ٦٩).\nوإسماعيل بن جعفر كما في أحاديثه من رواية علي بن حجر (٤١٣)، والسنن الكبرى للنسائي (٩٥٧٦)، كلاهما (سليمان، وإسماعيل) روياه عن شريك بن أبي نمر، عن عبد الله بن حنين، عن علي، ليس فيه إبراهيم بن عبد الله بن حنين.\nخالفهما زهير، كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٥٧٥)،\nوالدراوردي كما في فوائد الكوفيين لأبي الغنائم النرسي (٧)، وذكر ذلك الدارقطني في العلل (٣/ ٨١)،=","vol":"4","page":18},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والبخاري في التاريخ الكبير معلقًا (١/ ٢٩٩) ثلاثتهم عن شريك بن أبي نمر، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي ﵁.\nفصار شريك تارة يرويه عن إبراهيم بن عبد الله، عن أبيه، وتارة يرويه عن أبيه مباشرة،\nوقد ذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٤٠): في ترجمة عبد الله بن حنين، روى عن علي ابن أبي طالب، روى عنه ابنه إبراهيم، وشريك بن أبي نمر من رواية أنس بن عياض عن شريك.\nوكذا نص الدارقطني في المؤتلف والمختلف (١/ ٣٧٢)، على رواية شريك عن عبد الله بن حنين.\nوقد أشار الدارقطني في العلل إلى الاختلاف على شريك بن أبي نمر، قال في العلل (٣/ ٨١): واختلف على شريك بن أبي نمر: فرواه الدراوردي، عن شريك، عن إبراهيم بن عبد الله، عن أبيه، عن علي.\nوخالفه إسماعيل بن جعفر، فرواه عن شريك، عن عبد الله بن حنين، عن علي». اهـ\nكما تابع إبراهيم بن عبد الله بن حنين محمد بن المنكدر، رواه حاتم بن إسماعيل، عن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن المنكدر، واختلف على حاتم بن إسماعيل.\nفرواه قتيبة بن سعيد، كما في صحيح مسلم (٤٨٠)، وحديث أبي العباس السراج بانتقاء الشحامي (٣٨)، ومسند السراج (٣٠٣)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٧١)،\nوعبد الرحمن بن يونس، كما في التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٦٩)، وخلق أفعال العباد له كذلك (ص: ١١٠).\nوعثمان بن أبي شيبة، كما في مستخرج أبي نعيم (١٠٧١)،\nوالنفيلي (عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل الحراني) كما في مستخرج أبي عوانة (١/ ٤٩٣)، كلهم رووه عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنين، عن علي ﵁. فهذه متابعة تامة لإبراهيم بن عبد الله بن حنين.\nوخالفهم إبراهيم بن هارون البلخي (صدوق) كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٥٧٢) فرواه عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد بن علي، عن محمد بن المنكدر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي. ورواية الجماعة أولى أن تكون هي المحفوظة.\nورواه نافع مولى ابن عمر، رواه عنه مالك، وأيوب، وزيد بن واقد، والليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر، وقد اختلف فيه على نافع:\nفقيل: عنه، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁، وهذه رواية الأكثر عن مالك، ولعلها هي المحفوظة عن مالك.\nوقيل: عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي، بإسقاط عبد الله بن حنين، وإبراهيم لم يسمع من علي ﵁.\nوقيل: عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن بعض موالي العباس عن علي.\nوقيل: عن نافع، عن جده حنين، عن علي ﵁، بإسقاط إبراهيم وأبيه، وجعل =","vol":"4","page":19},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرواية عن جد إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي.\nوقيل: عن نافع، عن علي ﵁. وإليك تفصيل رواية نافع.\nأما رواية مالك عن نافع، فقد اختلف فيه على مالك:\nفرواه يحيى بن يحيى الليثي كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠) و(٢٩ - ٢٠٧٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٥)، وهو في موطأ مالك رواية يحيى بن يحيى الليثي (١/ ٨٠).\nوالشافعي كما في السنن المأثورة (١٧٠)، ومعجم ابن الأعرابي (١٣٤٧).\nوالقعنبي (عبد الله بن سلمة) كما في سنن أبي داود (٤٠٤٤)،\nومعن بن عيسى كما في سنن الترمذي (٢٦٤)،\nوقتيبة بن سعيد كما في سنن الترمذي (٢٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي (٦٣٦)، وفي المجتبى (١٠٤٤)،\nوإسماعيل بن أبي أويس، كما في خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ١٠٩)،\nوعبد الرحمن بن القاسم كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٤١٨)، وفي المجتبى (٥٢٦٩)، وعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٠)، ومستخرج أبي عوانة (٨٥٣٨)،\nوإسحاق بن عيسى، كما في مسند أحمد (١/ ١٢٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٨٤٠، ٨٥٣٨)،\nوعبد الله بن يوسف كما في مستخرج أبي نعيم (١٠٦٤)،\nوأحمد بن أبي بكر كما في صحيح ابن حبان (٥٤٤٠)، كلهم أحد عشر راويًا رووه عن مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، بالنهي عن القراءة في الركوع، ولم يذكر السجود.\nقال الدارقطني في العلل (٣/ ٨٢): رواه مالك عن نافع، وضبط إسناده، فقال: عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nورواه روح بن عبادة، كما في مسند البزار (٩١٨)، أخبرنا مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، أحسبه عن أبيه، عن علي به. ولم يجزم بذكر أبيه. ...\nورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (١/ ١٢٦) عن مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي بن أبي طالب، بإسقاط أبيه، وهذا منقطع، إبراهيم بن عبد الله لم يسمع من الإمام علي ﵁. ورواية ابن مهدي عن مالك رواية شاذة.\nوأما رواية أيوب، عن نافع، فقد اختلف فيه على أيوب:\nفرواه وهيب كما في مستخرج أبي عوانة (١٨٤٠)، وعلل الدارقطني (٣/ ٨٧). ... والحارث بن نبهان، ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١/ ١٢٦)، و(٣/ ٨٨)، كلاهما (وهيب والحارث) روياه عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي، وهذه متابعة لمالك كما في رواية الجماعة عنه.\nورواه حماد بن زيد كما في مسند أبي يعلى (٤١٣)، عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن =","vol":"4","page":20},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حنين، عن علي،\nقال الدارقطني في العلل (١/ ١٢٦): وكذلك قاله الحسن بن أبي جعفر عن أيوب. اهـ فأسقطا (عبد الله بن حنين والد إبراهيم)، وهذا إسناد منقطع، إبراهيم لم يسمع من علي ﵁.\nتابعه زيد بن واقد كما في المجتبى للنسائي (٥١٧٦) وفي السنن الكبرى (٩٤١٩)، وفي موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (١/ ٣٧٧).\nوبرد بن سنان كما ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٣/ ٨٤)، فروياه عن نافع، عن إبراهيم مولى علي، عن علي. وإبراهيم لم يسمع من علي ﵁.\nورواه سعيد بن أبي عروبة كما في المجتبى للنسائي (٥١٧٩)، وفي الكبرى (٩٤٢٢) فرواه عن أيوب، عن نافع، عن مولى للعباس، أن عليًّا قال: ... وذكر الحديث، فأبهم (مولى العباس).\nوخالفهم إسماعيل بن علية،\nفرواه عبد الله بن أحمد في زوائده في المسند (١/ ١٢٦) وأبو يعلى (٦٠١) عن أبي خيثمة،\nورواه أحمد (١/ ١٢٦) كلاهما (أحمد وأبو خيثمة زهير بن حرب) عن إسماعيل بن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن فلان بن حنين، عن جده حنين، عن علي بن أبي طالب، بإسقاط والد إبراهيم (عبد الله بن حنين).\nقال أبوخيثمة: إن إسماعيل رجع عن قوله: (عن جده حنين)، زاد أبو يعلى: فقال بعد: عن إبراهيم بن فلان بن حنين، عن أبيه.\nوقد رواه البزار في مسنده (٩١٧) حدثنا مؤمل بن هشام (ثقة)، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي.\nفوافق رواية إسماعيل رواية وهيب، كما أنها موافقة لرواية مالك، عن نافع، من رواية الأكثر عنه، والله أعلم.\nورواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن علي. ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٣/ ٨٣).\nورواه الليث بن سعد كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٥٧٣)، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن بعض موالي العباس عن علي.\nورواه عبيد الله بن عمر، واختلف على عبيد الله:\nفرواه حماد بن سلمة، كما في المجتبى للنسائي (٥١٧٧)، وفي الكبرى (٩٤٢٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٢)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن حنين مولى ابن عباس، عن علي بإسقاط إبراهيم بن عبد الله بن حنين وأبيه.\nورواه بشر بن المفضل كما في المجتبى للنسائي (٥١٧٨)، وفي الكبرى (٩٤٢١).\nوعبد الله بن نمير كما في سنن ابن ماجه (٣٦٤٢)،\nوالمعتمر بن سليمان وعبد الوهاب الثقفي ذكر ذلك الدارقطني في العلل (١/ ١٢٦)، =","vol":"4","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أربعتهم رووه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن حنين مولى علي، عن علي ﵁.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١١٢): «كذا قال عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن حنين مولى علي عن علي لم يقل عن أبيه والصواب فيه عن أبيه».\nفحمل ابن عبد البر قول نافع (عن ابن حنين) على إبراهيم بن عبد الله بن حنين، والذي يظهر لي أن ابن حنين أراد به (عبد الله بن حنين) فهو ابن حنين، ولا ينسب الرجل إلى جده إلا بقرينة، فقوله: ولم يقل عن أبيه خطأ من ابن عبد البر ﵀، وكون نافع رواه عن إبراهيم، في رواية مالك، لا تمنع من روايته عن عبد الله بن حنين، كما وقع ذلك في سائر الاختلافات في طريق الحديث، ونافع اختلف عليه اختلافًا كثيرًا، فروايته عن عبد الله بن حنين أحد أوجه الاختلافات عن نافع.\nورواه زائدة وإسماعيل بن عياش، وعبدة بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن إبراهيم، عن علي ﵁، ذكر ذلك الدارقطني في العلل (٣/ ٨٣)، وإبراهيم لم يسمع من علي.\nورواه يحيى بن أبي كثير، واختلف عليه:\nفرواه حرب بن شداد كما في المجتبى من سنن النسائي (٥١٨٠) وفي الكبرى (٩٤٢٣) عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عمرو بن سعيد الفدكي، أن نافعًا أخبره، قال: حدثني ابن حنين، أن عليًّا حدثه به، بالنهي عن القراءة راكعًا.\nورواه أبو إسماعيل (إبراهيم بن عبد الملك) كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٢٧١)، وفي الكبرى (٩٤٢٥) عن يحيى بن أبي كثير، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن ابن حنين، عن علي بالنهي عن القراءة راكعًا.\nورواه الوليد بن مسلم كما في المجتبى من سنن النسائي (٥١٨٢)، قال: حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى، عن علي به.\nويحيى بن أبي كثير لم يدرك عليًّا، ولا من أدرك عليًّا\nورواه شيبان، عن يحيى، واختلف على شيبان:\nفرواه الحسن بن موسى، كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٢٧٢)، وفي الكبرى (٩٤٢٦)، عن شيبان، عن يحيى، عن خالد بن معدان، أن ابن حنين أخبره، أن عليًّا قال: ... وذكره.\nخالفه أبو نعيم كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٤٢٧)، والتاريخ الكبير (١/ ٢٩٩)، فرواه عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن حنين أن عليًّا ....\nهذه طرق حديث عبد الله بن حنين، وقد طوى تخريج الحديث من هذا الطريق تخريجه من طريقين آخرين، وهما:\nالطريق الرابع: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن عليٍّ.\nالطريق الخامس: عن إبراهيم، عن عليٍّ.\nفهذه الطرق الخمسة منها طريقان ضعفهما ظاهر، لا يحتاج إلى نظر كبير. =","vol":"4","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: رواية الحديث من طريق حنين عن علي ﵁.\nوقد جاء عنه من طريقين:\nالطريق الأول: رواه عبد الله بن أحمد في زوائده في المسند (١/ ١٢٦) وأبو يعلى (٦٠١) عن أبي خيثمة،\nورواه أحمد (١/ ١٢٦) كلاهما (أحمد وأبو خيثمة زهير بن حرب) عن إسماعيل بن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع، عن إبراهيم بن فلان بن حنين، عن جده حنين، عن علي بن أبي طالب، بإسقاط والد إبراهيم (عبد الله بن حنين).\nقال أبوخيثمة: إن إسماعيل رجع عن قوله: (عن جده حنين)، زاد أبو يعلى: فقال بعد: عن إبراهيم بن فلان بن حنين، عن أبيه.\nخالفه وهيب، والحارث بن نبهان، فروياه عن أيوب، عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي، وهو المحفوظ، لموافقته رواية الزهري ويزيد بن حبيب، ومحمد بن عمرو، وابن إسحاق، وزيد بن أسلم، وأسامة بن زيد والوليد بن كثير، وغيرهم، حيث رووه عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nولموافقته أيضًا ورواية مالك من رواية أكثر أصحابه، عن نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nوقد سبق تخريج الاختلاف على أيوب، كما سبق ذكر الاختلاف على نافع، فارجع إليه إن شئت.\nالطريق الثاني: ما رواه النسائي في المجتبى (٥١٧٧)، وفي الكبرى (٩٤٢٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٢)، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع مولى ابن عمر، عن حنين مولى ابن عباس، عن علي بإسقاط إبراهيم بن عبد الله بن حنين وأبيه.\nقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١٤٤٣): «سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن حنين مولى ابن عباس، عن علي .... وذكر الحديث.\nقال أبي: هذا خطأ، إنما هو عبيد الله، عن نافع، عن ابن حنين، وهم فيه حماد». اهـ\nومن الطرق الظاهرة الضعف: رواية الحديث من طريق إبراهيم بن نافع عن علي ﵁، فإبراهيم لم يدرك عليًّا ﵁.\nقال المزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٢٤): «روى عن علي بن أبي طالب، ولم يسمع منه».\nفإذا استبعدنا من الاختلافات كل من رواه عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن علي للانقطاع، واستبعدنا منها من رواه عن حنين عن علي.\nفيبقى النظر في ثلاثة طرق:\nأحدها: طريق عبد الله بن حنين، عن ابن عباس ﵁،\nفهذا الطريق تفرد به أبو بكر عبد الله بن حفص بن عمر، بن سعد بن وقاص الزهري، ثقة، روى له الجماعة، ولم يتابع عليه، فإن كان محفوظًا فيكون ابن عباس قد أرسله، وإلا فقد خالفه جماعة، منهم إبراهيم بن عبد الله بن حنين، وهو من آل بيت عبد الله بن حنين، وآل =","vol":"4","page":23},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الرجل أعلم بحديثه من الغريب، فهو مقدم على أبي بكر.\nكما أن إبراهيم قد توبع، ولم يُتَابَعْ أبو بكر، فقد تابع إبراهيم كل من:\nمحمد بن المنكدر، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر، وأسامة بن زيد ونافع من رواية عبيد الله ابن عمر عنه، على اختلاف عليهم قد كشف عنه تخريج الحديث.\nوإن كنت أميل إلى أن طريق أبي بكر ليس محفوظًا؛ لتفرده به، ومخالفته لمن هم أكثر منه عددًا، ورواية مسلم له ليست تصحيحًا لأن مسلمًا ساق الاختلافات في طرق الحديث، وليس ذلك ذهابًا منه إلى تصحيحها كلها.\nالثاني: طريق عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، عن علي ﵄.\nوالثالث: طريق عبد الله بن حنين، عن علي ﵁.\nوعبد الله بن حنين يروي عن ابن عباس، وروايته في الصحيحين، وهو مكثر في الرواية عن علي، وقد اختلف العلماء في الموقوف من الطريقين:\nالاجتهاد الأول: هناك من العلماء من يرى أن الطريقين كليهما محفوظ، فيرى أن عبد الله بن حنين سمعه من ابن عباس، عن علي، ثم سمعه من علي.\nجاء في التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ١١٤): «يجوز أن يسمعه من ابن عباس، عن علي، ثم يسمعه من علي.\nويجوز أن يسمعهما منهما معًا، وقد ذكر علي بن المديني عن يحيى بن سعيد، أنه كان يذهب إلى أن عبد الله بن حنين سمعه من ابن عباس، ومن علي، ويقول: كان مجلسهما واحدًا وتحفظاه جميعًا».\nالاجتهاد الثاني: من العلماء من رجح طريق عبد الله بن حنين، عن علي بن أبي طالب، على طريق، عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، عن علي.\nقال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٧٠): «.... وقال ابن عجلان، وداود بن قيس، والضحاك بن عثمان: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، عن على ﵃، ولا يصح فيه ابن عباس».\nمفهومه: أنه يصح من الطريق الذي ليس فيه ابن عباس.\nكما يفهم من كلام الدارقطني ترجيح طريق عبد الله بن حنين، عن علي، وسبب الترجيح لديه الكثرة، وقوة الحفظ، وهما من طرق الترجيح المتفق عليهما.\nيقول الدارقطني في العلل (٣/ ٧٨، ٨٠): ... رواه محمد بن عجلان، وداود بن قيس، والضحاك بن عثمان وعبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة، فاتفق هؤلاء الأربعة، عن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ..... وخالفهم جماعة أكثر منهم عددًا، فرووه عن إبراهيم بن عبد الله، عن أبيه، عن علي، ولم يذكروا فيه ابن عباس، رواه الزهري، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nوتابعه الوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وإسحاق بن أبي بكر، ومحمد بن إسحاق، =","vol":"4","page":24},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، وزيد بن أسلم، فرووه عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، أنه سمعه من علي، لم يذكروا فيه ابن عباس».\nفقول الدارقطني: خالفهم جماعة أكثر منهم عددًا إشارة إلى ترجيح الكثرة.\nوقد اجتمع في الكثرة مرجحان: الحفظ، فابن عجلان والضحاك وداود بن قيس لا يعدلون بالزهري وحده، فما بالك بمن تابعه، وقد رواها هكذا نافع، عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nمن رواية مالك، رواها أكثر أصحابه هكذا عنه، فهذان الإمامان الجبلان لا يعدلهما أحد من طبقتهما.\nقال الدارقطني في العلل موصولًا بالكلام السابق (٣/ ٨٢): «... ورواه نافع، مولى ابن عمر، عن إبراهيم، واختلف على نافع، فرواه مالك بن أنس، عن نافع، وضبط إسناده، فقال: عن نافع، عن إبراهيم، عن علي ....».\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٠): «ولم يصح فيه ابن عباس، وما روى مالك عن نافع أصح».\nفوافق مالك الزهري ومن معه بذكر الحديث من رواية إبراهيم، عن أبيه، عن علي، ليس فيه ابن عباس.\nوقال الدارقطني في الإلزامات والتتبع (١٣٧): «وأخرج مسلم حديث إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن ابن عباس عن علي: نهاني رسول الله أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا من رواية ابن عجلان وداود بن قيس والضحاك بن عثمان عنه.\nوقد خالفهم جماعة أحفظ منهم وأعلى إسنادًا وأكثر عددًا، منهم: نافع، والزهري، وزيد بن أسلم، ويزيد بن أبي حبيب، وأسامة بن زيد، والوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو، وابن إسحاق وشريك بن أبي نمر، واختلف عنه، وعن نافع، وعن أسامة بن زيد.\nوتابعهم محمد بن المنكدر عن عبد الله بن حنين عن علي ....». ...\nوالاجتهاد الثالث في الحديث: من أهل العلم من ضعفه جملة، ورأى أن هذه الاختلافات تعود بالضعف على الحديث، فلا يرى شيئًا منها محفوظًا.\nقال الترمذي: «سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: «ليس هو عندي بمحفوظ، وأراه أراد حديث عبد الله بن حنين عن علي عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن لبس المعصفر وعن خاتم الذهب». ...\nفقد يكون البخاري رأى أن كثرة الاختلاف على إبراهيم بن عبد الله بن حنين، في روايته للحديث عن أبيه جعلته ضعيفًا، إذ يبعد أن يكون محفوظًا ثم يختلف عليه هذا الاختلاف الذي مر معك ما وقفت عليه عنه.\nوالاجتهاد الرابع: منهم من أطلق الصحة على الحديث، كالترمذي، قال أبو عيسى الترمذي: حديث علي حديث حسن صحيح. والله أعلم.\nوإن كنت أميل إلى تصويب طريقة الدارقطني رحمه الله تعالى، وأن الحديث من رواية عبد الله بن حنين، عن علي، ليس في إسناده ابن عباس، والله أعلم.","vol":"4","page":25},{"text":"• دليل من قال: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود:\nاستدلوا بأدلة القائلين بالتحريم وهما حديثان:\nحديث ابن عباس، وحديث علي بن أبي طالب ﵄، وسبق ذكرهما.\nبقي البحث في الصارف للنهي من التحريم إلى الكراهة.\nوهذا مبحث أصولي يرجع فيه إلى الاختلاف في دلالة النهي المجرد، هل الأصل فيه التحريم، أم الكراهة، أم هو مشترك بينهما، كاختلافهم في الأمر، هل الأصل فيه الوجوب، أو الاستحباب، أو أنه مشترك بينهما والقرينة هي التي تحدد دلالة الأمر،\nوإذا رجحنا أن الأصل في النهي التحريم، وهو قول الأكثر، فإنه لا ينبغي أن يتشدد في الصارف، ومن ذلك، فقد يكون الصارف قرينة لفظية، أو عمل الصحابة، أو قرينة معنوية كأن يكون الأمر والنهي من الآداب، أو يتعلق في الصحة، وقد تكون علة الأمر والنهي صارفة لهما من الوجوب والكراهة، وقد ناقشت هذا عند الكلام على حكم تحية المسجد، فارجع إليه.\nإذا عرفت ذلك فما هو الصارف للنهي في مسألتنا؟\nفالراجح في العلة أن الركوع والسجود هو موضع خضوع وذل للعبد ينزه عنه كلام الرب.\nهذه العلة المستنبطة لا تجعل النهي للتحريم، لأن تذلل العبد لربه قربة وعزة له.\nقال الشاعر:\nوإذا تذللتْ الرقابُ تواضعًا ... منا إليك فعزها في ذلها.\nوتذلل العبد في عمل القلب وفي خضوع البدن، وكلاهما لا يلحق القرآن، وإلا كان ذكر الله في الركوع والسجود لا يليق، فإذا كان الراكع والساجد يذكر الله بأسمائه وصفاته، ولا ينزه أسماء الرب ولا صفاته في الركوع والسجود، فكلامه صفة من صفاته، وإن وجد فرق بينهما فهو ما يجعل النهي للكراهة، لا للتحريم، فالركوع والسجود موضع للذكر، ومحل لتعظيم الرب، والقرآن أعظم الذكر، ولولا النهي لقيل: إن قراءة كتاب الله من تعظيم الله، وهو مشروع في القيام بالإجماع، فإذا ذكر المصلي ما كان مشروعًا في القيام في محل الركوع والسجود أو في أي موضع في الصلاة لم يَأْتِ بما ينافي صلاته،","vol":"4","page":26},{"text":"فلا يكون مبطلًا، وإذا لم يكن مبطلًا كان مكروهًا.\nوربما أيضًا يُلْحَظ أن الأحاديث الواردة في الباب قد تكلم فيها بعض العلماء، فلا يتشدد في موجبها.\nفحديث ابن عباس: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ...) قد تكلم في إسناده الإمام أحمد، فقال: إسناده ليس بذاك، ولعله لتفرد إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، وتكلمت على هذا حين تخريج الحديث.\nوحديث علي بن أبي طالب قد تكلم فيه الإمام البخاري، ولم يخرجه في صحيحه، وفي أسانيده اختلاف كثير، وكان بعض الصحابة وبعض التابعين يقرؤون القرآن في السجود، وإن كان هذا ليس بحجة، حيث لا يعارض المرفوع بالموقوف لكن إذا أضيف ذلك مع قلة من قال بالتحريم كان ذلك مراعًى في الترجيح، فربما لهذا ولما سبق ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بكراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود.\n• دليل من قال: تحرم قراءة الفاتحة وتكره قراءة غيرها:\nأما كراهة غير الفاتحة:\nفقد استدلوا بما استدل به الجمهور، وسبق ذكر دليلهم، وتوجيهه.\nوأما وجه التفريق بين قراءة الفاتحة وغيرها:\nفذكروا أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، وقراءتها في الركوع والسجود نقل لهذا الركن إلى غير موضعه، وهذا محرم تبطل به الصلاة، كما لو ركع أو سجد في غير موضعيهما.\n• ويناقش:\nبأن الأحاديث لم تفرق بين الفاتحة وغيرها، فالنص لا يخصصه إلا نص مثله، أو إجماع، والفاتحة إنما تكون ركنًا في الصلاة في موضعها، وأما إذا قرئت في غير موضعها فهي سورة من القرآن لا غير، ولذلك لو كرر الفاتحة في القيام لم تبطل صلاته على الصحيح؛ لأن قراءتها في المرة الثانية ليست ركنًا، لأنه قد أدى الركن في القراءة الأولى، والله أعلم.","vol":"4","page":27},{"text":"• دليل من قال: تحرم القراءة في الركوع دون السجود:\n(ح-١٧١٩) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه،\nعن علي بن أبي طالب، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع (^١).\nورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين،\nأن أباه، حدثه، أنه سمع علي بن أبي طالب، يقول: نهاني النبي - ﷺ - عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب والمعصفر (^٢).\nورواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنين، عن علي ولم يذكر في السجود (^٣).\n(ح-١٧٢٠) وروى مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عبد الله بن حنين،\nعن ابن عباس أنه قال: نهيت أن أقرأ وأنا راكع (^٤).\n• ونوقش:\nبأن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، قد اختلف عليه في ذكر السجود، ومن زاد السجود عددًا لا بأس به، وعلى رأسهم الإمام الزهري، فهي زيادة من ثقة، ولو فرض أن ذكر السجود غير محفوظ من حديث علي بن أبي طالب، فهو محفوظ من حديث إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه عن ابن عباس، رواه مسلم، وسبق تخريجه (^٥).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٩ - ٢٠٧٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٣٠ - ٢٠٧٨).\n(^٣). صحيح مسلم (٤٨٠).\n(^٤). صحيح مسلم (٢١٤ - ٤٨١).\n(^٥). اختلف على إبراهيم بن عبد الله بن حنين، في ذكر السجود:\nفرواه يونس كما في صحيح مسلم (٢٠٩ - ٤٨٠)،\nومعمر كما في صحيح مسلم (٣١ - ٢٠٧٨)، كلاهما عن الزهري.\nوالوليد بن مسلم كما في صحيح مسلم (٢١٠ - ٤٨٠).\nوزيد بن أسلم كما في صحيح مسلم (٢١١ - ٤٨٠).\nوداود بن قيس كما في صحيح مسلم (٢١٢ - ٤٨٠) خمستهم، رووه عن إبراهيم بن عبد الله =","vol":"4","page":28},{"text":"• دليل من قال: تجوز القراءة في الركوع والسجود:\nالدليل الأول:\nلعل أصحاب هذا القول رأوا أنه لم يصح في الباب حديث يمنع من القراءة في الركوع والسجود، فحديث ابن عباس تكلم في إسناده الإمام أحمد،.\nوأما حديث علي ﵁ فربما نظروا إلى كثرة الاختلاف في إسناده ولفظه،\nفقيل: عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس.\nوقيل: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي.\n_________\n= ابن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁ بذكر السجود.\nوخالفهم كل من:\nنافع مولى ابن عمر، من رواية مالك عنه، كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)، وهو في موطأ مالك (١/ ٨٠).\nويزيد بن حبيب، كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠).\nوأسامة بن زيد، كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)\nومحمد بن عمرو، كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)،\nومحمد بن إسحاق، كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠) خمستهم رووه عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي، ولم يذكروا فيه النهي عن القراءة في السجود.\nكما رواه الضحاك بن عثمان كما في صحيح مسلم (٢١٣ - ٤٨٠)\nوابن عجلان، كما في صحيح مسلم، (٢١٣ - ٤٨٠)، كلاهما روياه عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن ابن عباس، عن علي، وليس فيه النهي عن القراءة في السجود.\nفهؤلاء سبعة من الرواة رووه عن إبراهيم، وليس فيه ذكر النهي عن القراءة في السجود.\nكما رواه محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن حنين في صحيح مسلم (٤٨٠)، وليس فيه النهي عن القراءة في السجود. وهذه متابعة تامة لإبراهيم بن عبد الله بن حنين.\n\nكما رواه أبو بكر بن حفص في صحيح مسلم (٢١٤ - ٤٨١)، عن عبد الله بن حنين، عن ابن عباس، وليس فيه النهي عن القراءة في السجود.\nوكنت قد توسعت في تخريج هذه الطرق في أدلة القائلين بالتحريم، لهذا اكتفيت في هذا المقام على صحيح مسلم، للتنبيه على الاختلاف على إبراهيم بن عبد الله بن حنين.\nوهذا الاختلاف على إبراهيم بن عبدالله بن حنين في ذكر السجود يضاف إلى الاختلاف الكثير عليه في إسناده.\nوهذه الأسباب هي ما دفعت الإمام البخاري إلى عدم تخريج الحديث في صحيحه، وإن كان بعض طرقه على شرطه، كما جعلته يقول بجواز القراءة في الركوع والسجود بحسب ما فهم بعض العلماء من ترك الترجمة مطلقة، ولم يخرج تحتها أي حديث يدل على الجواز والمنع، والله أعلم.","vol":"4","page":29},{"text":"وقيل: عن إبراهيم، عن أبيه، عن علي.\nوقيل: عن إبراهيم، عن علي.\nوقيل: عن حنين، عن علي.\nوأحيانًا يذكر النهي عن القراءة في الركوع والسجود، وأحيانًا يذكر النهي عن القراءة في الركوع فقط.\nفنظر إلى أن هذا الاختلاف نوع من الاضطراب يوجب رد الحديث.\nوإذا لم يصح في الباب شيء، فالأصل أن قراءة القرآن جائزة؛ لأن الركوع والسجود محل للذكر، والقرآن أفضل الذكر، والفرق بين القرآن وسائر الأذكار كالفرق بين الخالق والمخلوق، وما ذكر العبد ربه بشيء أفضل من التقرب إليه بكلامه.\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن القول بالكراهة وسط بين القائلين بالتحريم على قلتهم، وبين القائلين بالجواز على قلتهم، والقلة والكثرة ليست من وسائل الترجيح مع قوة الأدلة، وأما إذا كانت علة النهي لا تبلغ التحريم، وأحاديث الباب قد تُكُلِّم فيها، كان القول بالكراهة لم يهمل النهي في هذه الأحاديث، ولم يبلغ بالنهي أعلاه، وهو التحريم، ويكفي أن القول بالكراهة هو قول الأئمة الأربعة في المعتمد من مذاهبهم، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الدعاء في الركوع كتعظيم الرب في السجود لا يكرهان، وإن استحب الإكثار من الدعاء في السجود، والتعظيم في الركوع.\n• لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه.\n• الشرط في حديث ابن عباس (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) إذا قصد به التكثير فلا مفهوم له، فلا يكره التعظيم في السجود، ولا الدعاء في الركوع.\n• منطوق حديث عائشة أن النبي - ﷺ - كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) مقدم على مفهوم حديث ابن عباس؛ لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع.\n• علة الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود كونه أقرب للإجابة، وهذه العلة لا تقتضي تخصيصًا، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة.\n[م-٦٣٣] اختلف العلماء في حكم الدعاء في الركوع والسجود،\nفقيل: يكره مطلقًا، وهو قول مالك (^١).\nوقيل: يكره الدعاء في الركوع والسجود زيادة على التسبيح في الفريضة\n_________\n(^١). جاء في المدونة (١/ ١٦٨): «كان مالك يكره الدعاء في الركوع، ولا يرى به بأسًا في السجود.\nقلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع، وكان يكره التسبيح في الركوع؟ فقال: لا».\nوانظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٢)، المنتقى للباجي (١/ ١٤٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٦٠).","vol":"4","page":31},{"text":"دون النافلة، وهو رواية عن أحمد (^١).\nوحملها بعض الحنابلة في حق الإمام إذا طول بدعائه على المأمومين، أونقص بدعائه عن التسبيح عن أدنى الكمال، أما في غير هاتين الحالتين فلا كراهة فيه (^٢).\nوقيل: الدعاء في الركوع لا يشرع إلا ما ورد به النص، من قول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، اختاره الشيخ ابن باز من المعاصرين، وقول شيخنا ابن عثيمين قريب منه (^٣).\nوهو قول ملفق من قول مالك وقول البخاري ومن وافقه الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.\nوقيل: يستحب، وهو مروي عن ابن مسعود، وظاهر اختيار البخاري في صحيحه، وقال ابن رجب: وهو قول أكثر العلماء، واختاره الخطيب من الشافعية (^٤).\nقال ابن رجب في فتح الباري: «وأما الدعاء في الركوع، فقد دل حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا على استحبابه، وعلى ذلك بوب البخاري هاهنا، وهو قول أكثر العلماء، وروي عن ابن مسعود» (^٥).\nوقال القرطبي في المفهم عكس قول ابن رجب، فقال: «مذهب الجمهور كراهة القراءة والدعاء في الركوع» (^٦).\n_________\n(^١). شرح العمدة لابن تيمية، صفة الصلاة (ص: ٩٤)، المبدع (١/ ٤٠٥)، المغني (١/ ٣٥٧).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٤).\n(^٣). الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري (١/ ٢٢٩)، وقوله: لا يشرع، يحتمل التحريم، ويحتمل الكراهة؛ ولا يدخل فيه نفي الاستحباب لأن العبادة إذا لم تكن مشروعة فأقل أحوالها الكراهة، لهذا اعتبرت قوله تلفيقًا بين قولي الإمام مالك والإمام البخاري.\nوقال شيخنا ابن عثيمين في فتح ذي الجلال والإكرام (٢/ ١٠٤): هذا الدعاء -يعني سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي- مستثنى فيقال: ادعوا بهذا في الركوع كما فعل النبي - ﷺ - ويكون هذا مستثنى من قوله: (عظموا فيه الرب)».\n(^٤). قال البخاري في صحيحه (١/ ١٥٨): باب الدعاء في الركوع، ثم ساق بإسناده حديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي. وانظر: إكمال المعلم (٢/ ٣٩٩).\n(^٥). فتح الباري (٧/ ١٨٣).\n(^٦). المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٨٥).","vol":"4","page":32},{"text":"وهو أقرب من قول ابن رجب، فلم أجد في مذهب الجمهور نصًّا على استحباب الدعاء في الركوع، فلعله يقصد به استحباب سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي.\nوقيل: يجوز الدعاء في الركوع، اختاره بعض المالكية، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر (^١).\n• دليل مالك على كراهة الدعاء في الركوع:\n(ح-١٧٢١) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^٢).\n[سبق تخريجه في المسألة السابقة].\nوجه الاستدلال:\nقال أبو الوليد الباجي: «وجه الدليل منه أنه أمر بتعظيم الله تعالى في الركوع وهذا يقتضي إفراده لذلك.\nووجه ثانٍ: وهو أنه خص كل حالة من الحالتين بنوع من العمل، فالظاهر اختصاصه به، وإلا بطلت فائدة التخصيص، فلا يعدل عن هذا» (^٣).\n• ويناقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nالأمر بتعظيم الله في الركوع إما أن يكون للوجوب، فيكون الدعاء في الركوع\n_________\n(^١). قال القاضي عياض في إكمال المعلم (٢/ ٣٩٦): «وذهب طائفة من العلماء إلى جواز الدعاء فيهما، وفى مختصر أبى مصعب نحوه». وانظر: شرح التلقين (٢/ ٥٩٢)، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٣١٥).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩).\n(^٣). المنتقى للباجي (١/ ١٤٩).","vol":"4","page":33},{"text":"محرمًا، ولم يقل أحد بتحريم الدعاء في الركوع، وإما أن يدل على استحباب تعظيم الرب في الركوع، فلا يقتضي كراهة الدعاء، لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه من حيث القواعد الأصولية، فلو أن المصلي سجد وعظم الله في السجود، ولم يدع لم يكن ذلك مكروهًا، فكذلك إذا دعا في الركوع لم يفعل ما يقتضي الكراهة، فلا يترتب على ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلا تلازم بين ترك المستحب والوقوع في المكروه، ذلك لأن المكروه عند الفقهاء قسمان:\nالقسم الأول: متفق على كراهته، وهو ما نهى الشارع عنه، لا على سبيل الإلزام، والدعاء في الركوع ليس منه؛ لأنه لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الدعاء في الركوع، كما لم يحفظ فيها نهي صريح عن التعظيم في السجود.\nالقسم الثاني من المكروه: وهو مختلف في كراهته، وهو ترك السنن المؤكدة، ويعبر عنه بعض الأصوليين بخلاف الأولى، والأذكار في الركوع والسجود لا تعد عند المالكية من السنن المؤكدة حتى يقتضي تركها الكراهة عندهم.\nإذا تقرر هذا علم أن ترتب كراهة الدعاء في الركوع على الأمر بتعظيم الله في الركوع، أو على الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود، لا تساعد عليه القواعد الأصولية.\nالوجه الثاني:\nأن قوله: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب ... إلخ).\nمنطوقه: الأمر بتعظيم الله في الركوع، والإكثار من الدعاء في السجود.\nومفهوم الشرط: الامتناع عن الدعاء في الركوع، والامتناع عن تعظيم الله في السجود، والجمهور القائلون بجواز الاحتجاج بالمفهوم، ومنه مفهوم الشرط لا يقولون: إن كل مفهوم حجة، بل يضعون لذلك شروطًا إذا تخلف شرط منها لم يكن حجة، ويرجع إليها في كتب الأصول.\nفقد يأتي المنطوق، ولا مفهوم له إذا ذكر للترغيب أو للتنفير.\nقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فَوَصْفُ الربا بكونه أضعافًا مضاعفة جاء للتنفير، وليس لتقييد الحكم بهذا الوصف، فلا يفهم منه جواز القليل من الربا، وهذا المثال في مفهوم الصفة.","vol":"4","page":34},{"text":"ومثال مفهوم الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فالشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ لا مفهوم له، فالتحريم ثابت مطلقًا.\nوالشرط بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود لا مفهوم له؛ لأنه جاء بقصد الترغيب في الإكثار من التعظيم في الركوع، فلا ينافي ذلك جواز التعظيم في السجود، وكذلك الشرط في السجود جاء بقصد الترغيب من الإكثار من الدعاء في السجود المفهوم من قوله: (فاجتهدوا فيه)، فلا ينافي ذلك جواز القليل منه في الركوع، كما ورد ذلك في السنة، فالمصلي إذا لم يمنع من التعظيم في السجود، لم يمنع من الدعاء في الركوع، فالمستحب أن تكون وظيفة الركوع إظهار التعظيم فيه أكثر من السجود، وفي السجود أن يكون الدعاء فيه أكثر من الركوع.\nقال ابن حجر: «لا مفهوم له فلا يمتنع الدعاء في الركوع كما لا يمتنع التعظيم في السجود» (^١).\n• ورد هذا الوجه:\nلا يصح حمل الاجتهاد في الدعاء في السجود على جواز القليل منه في الركوع؛ لأن حديث عائشة ﵂ في الصحيحين، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي (^٢).\nفقد صرحت عائشة بوقوع الكثير بقولها: (كان يكثر أن يقول في ركوعه) فلا يصح الجمع بين حديث ابن عباس وحديث عائشة، بحمل حديث عائشة على جواز القليل منه في الركوع اختار ذلك الفاكهاني (^٣).\n• وتعقب هذا الرد:\nقال ابن حجر: «وهو عجيب؛ فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة على قوله: (اللهم اغفر لي) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء، المشعر بتكثير الدعاء ولم يرد أنه كان يقول ذلك في بعض\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٨١).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢٧١ - ٤٨٤).\n(^٣). انظر فتح الباري (٢/ ٣٠٠)، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ٥١٨).","vol":"4","page":35},{"text":"الصلوات دون بعض حتى يعترض عليه بقول عائشة كان يكثر» (^١).\nالوجه الثالث:\nأن الدعاء في الركوع لا ينافي التعظيم، والتعظيم في السجود لا ينافي الدعاء، ولذلك قال الزهري: تعظيم الرب والثناء عليه عند العرب دعاء (^٢).\nأتى أمية بن أبي الصلت ابن جدعان يطلب نائلة، فقال:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياءُ\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناءُ\nفهذا مخلوق اكتفى بالثناء عليه عن المسألة، فكيف بالخالق ﷿.\nالوجه الرابع:\nإذا ثبت أن النبي - ﷺ - كان يدعو في الركوع فلا يعارض هذا المنطوق بالمفهوم لأن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم بالإجماع، وسوف نذكر الأدلة على أن النبي - ﷺ - كان يدعو في الركوع إن شاء الله عند ذكر أدلة القائلين بالاستحباب.\nالوجه الخامس:\nأن الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود دون الركوع، ليس لأن الركوع ليس موضعًا للدعاء؛ فالدعاء من جملة الذكر، وإنما معلل بأنه أقرب في إجابة الدعاء من غيره، ومنه الركوع، لقوله: (فقمن أن يستجاب لكم).\n(ح-١٧٢٢) وروى مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -، قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو، ساجد، فأكثروا الدعاء (^٣).\nوكونه أقرب لإجابة الدعاء لا يقتضي التخصيص، وإلا لكان المسلم مأمورًا ألا يدعو إلا في مواطن الإجابة، فالصلاة كلها موضع للدعاء، وقد جاء الأذن\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٣٠٠).\n(^٢). التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (٧/ ١٦٦).\n(^٣). صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).","vol":"4","page":36},{"text":"بالدعاء في آخر التشهد، في قوله - ﷺ - في حديث ابن مسعود: (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) (^١)، فإذا كان الأمر بالإكثار من الدعاء في السجود لا يقتضي قصر الدعاء عليه، لم يمنع المصلي من الدعاء في الركوع، لأن الدعاء في ذاته قربة، وذكر لله.\nوقد اشترك الركوع والسجود بالتسبيح، وهو من جملة تعظيم الرب؛ لأن تنزيه الله سبحانه يستلزم تعظيمه، واشتركا في النهي عن قراءة القرآن فيهما، فلا مانع من الاشتراك في الدعاء، وإن خص السجود بكثرة الدعاء تَحَرِّيًا للإجابة.\nقال القرطبي: «والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع» (^٢).\n• دليل من قال: يستحب الدعاء في الركوع:\n(ح-١٧٢٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق،\nعن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^٣).\n(ح-١٧٢٤) ورواه مسلم من طريق مفضل، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق،\nعن عائشة، قالت: ما رأيت النبي - ﷺ - منذ نزل عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ... [النصر: ١] يصلي صلاة إلا دعا، أو قال فيها: «سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي (^٤).\n(ح-١٧٢٥) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك. قالت: قلت يا رسول الله، ما هذه\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٩٦٨).\n(^٢). نقلًا من كتاب الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٢٥/ ٨٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).\n(^٤). صحيح مسلم (٢١٩ - ٤٨٤).","vol":"4","page":37},{"text":"الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [لنصر: ١] إلى آخر السورة.\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - طلب منه إذا رأى علامة في أمته أن يستغفر الله مسبوقًا بالتسبيح والتحميد، والثناء إذا سبق الدعاء فهو مسوق من أجله، لكونه من آدابه وسببًا في الإجابة، فالجملة كلها دعاء، والثناء جزء منه، كما في حديث: (سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يُصَلِّ على النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: عَجِلَ هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم لِيُصَلِّ على النبي - ﷺ -، ثم ليدعُ بعد بما شاء).\nفقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) فقوله: (إذا صلى) أي إذا دعا، فيكون التسبيح والتحميد من آداب الدعاء وجزءًا من الدعاء، سيق من أجله.\nوقد طلب من النبي - ﷺ - هذا الدعاء إذا رأى نصر الله والفتح، وهو مطلق، يشمل داخل الصلاة وخارجها، فكان النبي - ﷺ - يقوله خارج صلاته، كما يقوله في صلاته، وقد تحرى النبي - ﷺ - أن يدعو به في ركوعه وسجوده، ولم يفرق بين الركوع والسجود؛ فعلم أنهما موضع للدعاء.\nوكونه قليلًا فهذا لأنه هو المطلوب من النبي - ﷺ -، فلم يتجاوز ما طلب منه، ومن السنة أن يختم العمل بالاستغفار جبرًا للنقص، فالصلاة إذا انتهى منها المصلي استغفر الله ثلاثًا، وفي الحج، لما كان الحج عرفة، فإذا فرغ الإنسان من عرفة، ثم أفاض منها، طلب منه الاستغفار، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله.\nفالرسول - ﷺ - لما طُلِبَ منه إذا رأى الفتح أن يستغفر الله كان ذلك إيذانًا بقرب أجله، وعلامة على قيام الرسول - ﷺ - برسالته، وقد تحرى النبي - ﷺ - في استغفاره في صلاته أن يجعله في الركوع والسجود، ولو لم يكن الركوع مَحلًّا للاستغفار لخصص ذلك الاستغفار في السجود.\n• دليل من قال: يجوز الدعاء في الركوع:\nهؤلاء حاولوا الجمع بين حديث ابن عباس: (أما الركوع فعظموا فيه الرب،","vol":"4","page":38},{"text":"وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء).\nوبين حديث عائشة: (كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي).\nفحملوا حديث ابن عباس على استحباب الدعاء في السجود.\nوحملوا حديث عائشة على الجواز.\n• دليل من قال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا فيما ورد في حديث عائشة:\nهؤلاء جمعوا بين حديث ابن عباس وحديث عائشة.\nفحملوا حديث ابن عباس على منع الدعاء في الركوع.\nواستثنوا منه الدعاء الوارد بحديث عائشة: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).\nفالعموم الذي في حديث ابن عباس خص منه ما ورد في حديث عائشة.\n• وتعقب هذا:\nيبدو لك من النظرة الأولى أن هذا القول هو الأقوى، لأن فيه إعمالًا لكلا الدليلين، لكنه في الحقيقة نزعة ظاهرية، فالذي شرع في الركوع (اللهم اغفر لي)، كيف يقال: لا يشرع قول: (اللهم ارحمني)، وأي فرق بينهما، إلا أن ذاك دعاء بالمغفرة، وهذا دعاء بالرحمة، والرحمة جنس والمغفرة نوع، ولو قيل بأن المنصوص أولى، وتفضيل الدعاء بالاستغفار بالركوع على غيره لكان له وجه، أما أن يقال: لا يشرع الدعاء في الركوع إلا بهذه الصيغة، فهذا محل نظر.\nولو فتح هذا لكان لقائل أن يقول: إن هذا الدعاء كان خاصًّا بالنبي - ﷺ -، ومشروطًا برؤية علامة في حياته إذا رآها، فالأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار ليس مأمورًا به قبل رؤية هذه العلامة، وما كان خاصًا ومشروطًا بعلامة لا يصح القول به مطلقًا على العموم ودون شرطه، لو قيل هذا لكان أسعد من القول بأنه خاص بهذه الصيغة، فلا يشرع الدعاء بغيرها في الركوع.\nولم أقف على أحد من الأئمة الأربعة خصص الجواز بالاستغفار، ولولا أنه قول ملفق من قولين لقلت: إنه قول محدث، ولو سلكنا بالاستدلال هذا الطريق لجعلنا","vol":"4","page":39},{"text":"المطلوب من المصلي أن يقتصر في أدعية الركوع والسجود على الوارد فحسب، والصواب أن الركوع والسجود مأذون للعبد أن يزيد على المقدار الوارد في السنة إذا كان من جنس الوارد، ما لم يكن إمامًا يشق على المأمومين، والله أعلم.\n• الراجح:\nيستحب القليل من الدعاء بالركوع، والوارد أولى من غيره، كما أن الأولى أن يكثر الدعاء بالسجود، فهو أحرى بالإجابة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الرفع من الركوع مقصود لغيره.\n• كونه مقصودًا لغيره لا ينافي ركنيته.\n• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.\n• القول بأن الرفع يأخذ حكم الاعتدال؛ لأنه وسيلة إليه، يجعل الرفع ملحقًا بالأركان كالاعتدال.\n• جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته.\n• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خُرِّجَ مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة.\n• لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله - ﷺ -: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ.\n[م-٦٣٤] علمنا في مسألة سابقة حكم الركوع والسجود والاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، ونريد أن نقف في هذا البحث على حكم الرفع من الركوع وحكم الرفع من السجود، هل يعطى حكم الركوع والاعتدال، أو هو حركة للانتقال ليس مقصودًا لذاته؟","vol":"4","page":41},{"text":"[م-٦٣٥] في هذه المسألة اختلف الفقهاء إلى أقوال بل حتى أصحاب المذهب الواحد تجد عندهم اختلافًا في حكمه، وإليك تفصيلها بحسب كل مذهب.\nالقول الأول: مذهب الحنفية. وفيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أن الرفع من الركوع سنة، نص عليه من أصحاب المتون صاحب كنز الدقائق، فلو انحط من ركوعه ساجدًا صحت صلاته.\nوأما الرفع من السجود فلا بد منه؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى، والواجب من الرفع قيل: أن يكون إلى الجلوس أقرب منه إلى السجود، وقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، وعلى كلا القولين، لا يجب الاعتدال، لا من الركوع، ولا من السجود في الأصح عند الحنفية.\nفإن تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين (^١).\nقال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (^٢).\nوقال الزيلعي: «وتكبير السجود والرفع منه ... لأن التكبير عند الرفع منه سنة، وكذا الرفع نفسه .... فالمقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (^٣).\nوقال أبو البركات في كنز الدقائق: وسننها -أي الصلاة- رفع اليدين للتحريمة ... وتكبير الركوع والرفع منه ...» (^٤).\nقال في مراقي الفلاح: «ويسن الرفع من الركوع على الصحيح» (^٥).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٥)، مراقي الفلاح (ص: ٩٩).\n(^٢). التجريد للقدوري (٢/ ٥٣٣).\n(^٣). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، وانظر: البحر الرائق (١/ ٣٢١).\n(^٤). كنز الدقائق (ص: ١٦٠).\n(^٥). مراقي الفلاح (ص: ٩٩).","vol":"4","page":42},{"text":"• حجة هذا القول:\nأن الرفع من الركوع ومن السجدة الأولى الغرض منه تحصيل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين، والراجح في المذهب أن الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين سنة (^١)، فكذلك الانتقال إليهما، لأن الرفع وسيلة، وليس مقصودًا بذاته، والوسائل لها حكم الغايات، وإنما يكون الرفع ركنًا إذا كان الانتقال إلى ركن، وكذلك يكون واجبًا إذا كان الانتقال إلى واجب.\n• ونوقش هذا:\nهذا الكلام يصح لو كان الاعتدال سنة، فيكون للوسيلة حكم الغاية، إلا أننا لا نسلم أن الاعتدال من الركوع ومن السجود سنة، لقيام أدلة نقلية في غاية الصحة، تبين أنهما من أركان الصلاة، وإذا كانا من أركان الصلاة كان الانتقال يأخذ حكم الانتقال من ركن إلى ركن، فهو جزء من الأركان لأنه وسيلة إليه، ولا يحصل إلا به.\nالثاني من الأقوال في مذهب الحنفية:\nأن الرفع من الركوع واجب، وإذا تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وهو أحد الأقوال في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام وابن نجيم (^٢).\nجاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى القاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (^٣).\nفَتَرَتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون (^٤).\n_________\n(^١). جاء في الهداية (١/ ٥١): «ثم القومة والجلسة سنة عندهما». وانظر: تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠١)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧٥)، النهر الفائق (١/ ٢٠٢).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣١٧، ٣٢٠)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٣٣)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٧).\n(^٤). انظر: منحة الخالق على البحر الرائق (٢/ ١٠٢) ... .","vol":"4","page":43},{"text":"وفي وجوب السهو، أهو لترك الرفع، أم من أجل ترك الاعتدال من الركوع، وهو ما يسميه الحنفية (القومة)؟\nوللجواب على ذلك نقول: إن الرفع يأخذ حكم الاعتدال من الركوع والسجود، وقد ذهب المتأخرون من الحنفية كابن الهمام وابن نجيم إلى القول بوجوب القومة والجلسة.\nقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما (أي الطمأنينة فيهما) فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين» (^١).\nوإذا كان الاعتدال من الركوع والسجود واجبًا، فالرفع واجب تبعًا؛ لأنه وسيلة إليه، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (^٢).\nقال ابن نجيم: «ومقتضى الدليل وجوب الطمأنينة في الأربعة (يعني: الركوع والسجود، والاعتدال من الركوع ومن السجود) ووجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته .... والقول بوجوب الكل هو مختار المحقق ابن الهمام، وتلميذه ابن أمير حاج، حتى قال: إنه الصواب، والله الموفق للصواب» (^٣).\nإذا عرفنا كيف تخرج القول بوجوب الرفع من الركوع ومن السجود، نأتي إلى دليل القائلين بالوجوب من الحنفية.\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).\n(^٢). الانتقال عند الحنفية يقسمونه إلى قسمين:\nانتقال من ركن إلى ركن، كالانتقال من الركوع إلى السجود، فهذا فرض.\nيقول الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٢١٠): «وإذا اطمأن قائمًا ينحط للسجود؛ لأنه فرع من الركوع، وأتى به على وجه التمام، فيلزمه الانتقال إلى ركن آخر، وهو السجود؛ إذ الانتقال من ركن إلى ركن فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن». اهـ\n\nوقال الكاساني أيضًا (١/ ٢٠٩): «إذا اطمأن راكعًا رفع رأسه ... فيحتاج فيه إلى بيان المفروض والمسنون.\nأما المفروض: فقد ذكرناه وهو الانتقال من الركوع إلى السجود؛ لما بينا أنه وسيلة إلى الركن، فأما رفع الرأس وعوده إلى القيام، فهو تعديل الانتقال، وإنه ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، بل هو واجب، أو سنة عندهما». وانظر: تحفة الفقهاء (١/ ٩٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٧)، وانظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).","vol":"4","page":44},{"text":"• دليل القول بالوجوب:\nالدليل الأول:\nأن الركوع والسجود فرض (ركن) لأنه ثبت بدليل قطعي، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nوأما الاعتدال من الركوع والجلسة من السجود فثبتت بدليلي ظني، وهو حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته، قال - ﷺ -: (... ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (^١).\nالدليل الظني لا يفيد الركنية، وإنما يفيد الوجوب.\n• ورد هذا:\nبأنه سبق لي مناقشة الحنفية على هذا التفريق عند الكلام على ركنية الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما، فارجع إليه إن شئت منعًا لتكرار الكلام.\nالدليل الثاني:\nجاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه، واقترن ذلك بمواظبة النبي - ﷺ - على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، مما يدل أن الاعتدال من الركوع والاعتدال من السجود ملحقان بالواجبات، لا بالسنن، وإذا كان الاعتدال واجبًا كان الرفع واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n• وأجيب:\nبأن الرسول - ﷺ - قال للمسيء: (ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ) دليل على أن ترك ذلك ليس من باب الواجبات، لأنه يجبرها سجود السهو، ولا من باب السنن، لأن تركها لا يلحق بالعدم، فالحكم بالعدم لا يكون إلا بانعدامها أصلًا، وذلك\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٢٥١)، ورواه مسلم بنفس الإسناد وأحال على لفظ يحيى بن سعيد (٤٦ - ٣٩٧).","vol":"4","page":45},{"text":"لا يكون إلا بترك الركن.\nالثالث من الأقوال في مذهب الحنفية:\nأن الرفع من الركوع والسجود فرض (أي ركن) وروي ذلك عن أبي حنيفة، وحكاه الطحاوي عن الأئمة الثلاثة، وقال أبو يوسف: الركوع والسجود والاعتدال منهما كلها فرائض (أركان) (^١).\nقال الزيلعي في تبيين الحقائق: «روي عن أبي حنيفة أن الرفع منه فرض، والصحيح الأول (يعني أنه سنة)؛ لأن المقصود الانتقال، وهو يتحقق بدونه، بأن ينحط من ركوعه» (^٢).\nفإن قيل: كيف يكون الرفع والاعتدال من الركوع، والاعتدال من السجود من أركان الصلاة، وهذه لم تثبت إلا بدليل ظني؟ فإن هذا مخالف لأصول المذهب عند الحنفية.\n• أجيب:\nبأن الحنفية قد اختلفوا في المراد بالركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فذهب أبو حنيفة ومحمد أن معناهما لغوي، وهو معلوم، فلا يحتاج إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الرفع منهما والاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز؛ لأن الظني لا ينسخ القطعي، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.\nوعند أبي يوسف معنى الركوع والسجود شرعي، وهو غير معلوم، فيحتاج إلى البيان، وقد جاء حديث المسيء في صلاته فخرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (إنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا للآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤، ٤٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٠)،.\n(^٢). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).","vol":"4","page":46},{"text":"الصلاة؛ لكونها وقعت بيانًا للآية، وإذا كان الاعتدال من الركوع ومن السجود من جملة الفروض (أي الأركان) كان الرفع من الركوع ومن السجود انتقالًا من ركن إلى ركن، فيأخذ الرفع حكم الركن؛ لأنه وسيلة إليه.\nيقول الكاساني في بدائع الصنائع: «الانتقال من ركن إلى ركن فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن» (^١).\nوعلى هذا اختلفت أحكام الحنفية في الرفع من الركوع ومن السجود تبعًا لاختلافهم في حكم الاعتدال منهما.\nفمن قال: الاعتدال منهما سنة، جعل الرفع سنة؛ لكونها انتقالًا من ركن إلى سنة، ومن جعل الاعتدال منهما واجبًا، جعل الرفع واجبًا؛ لكونه انتقالًا من ركن إلى واجب فالانتقال وسيلة، يأخذ حكمه من حكم الموضع الذي ينتقل إليه.\nهذه أقوال المسألة في مذهب السادة الحنفية، وأدلتهم على كل قول، مع مناقشتها، والله أعلم.\nالقول الثاني: مذهب المالكية وفيه قولان:\nالأول: يرى أن الرفع من فروض الصلاة (أي من أركانها)، وتبطل بتعمد تركه، وإن تركه سهوًا رجع محدودبًا حتى يصل إلى حالة الركوع، ثم يرفع، ويسجد لسهوه، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ابن القاسم (^٢).\nقال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل: «من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد؛ ومن خر من ركعته ساجدًا، فلا يعتد بتلك الركعة ... وأحب إليَّ للذي خر من الركعة ساجدًا قبل أن يرفع رأسه، أن يتمادى في صلاته ويعتد بها، ثم يعيد الصلاة» (^٣).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).\n(^٢). قال القاضي عبد الوهاب في الإشراف (١/ ٢٤٦): «والرفع من الركوع واجب ... فإن انحط ساجدًا، وهو راكع فلا يجزئه على الظاهر من المذهب ...».\nوانظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٣٩)، النوادر والزيادات (١/ ١٨٣، ٣٥٦)، التلقين (١/ ٤٢)، البيان والتحصيل (٢/ ٥٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٥٧)، الخرشي (١/ ٢٧٢)، شرح التلقين (١/ ٦٢٥).\n(^٣). البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤).","vol":"4","page":47},{"text":"جاء في الجامع لابن يونس: والصواب أن الرفع فرض (^١).\nوقال ابن رشد في المقدمات: «أما الرفع من الركوع فالاختلاف فيه في المذهب، روى عيسى عن ابن القاسم أنه لا يعتد بتلك الركعة التي لم يرفع منها رأسه، واستحب أن يتمادى ثم يعيد ...» (^٢).\nفالرفع من الركوع عند فقهاء المالكية فرض، والاعتدال منه سنة على المشهور من المذهب -وسبق تحرير الخلاف في الطمأنينة- فصار الرفع أوكد عندهم من الاعتدال علمًا أن الرفع وسيلة للاعتدال.\nوقد قال المالكية: إذا قرأ آية سجدة، فانحط لها بنية السجود، فلما وصل إلى حد الركوع ذُهِلَ عنها ونوى الركوع:\nفقال مالك: يعتد بالركوع، بناء على أن الحركة للركن غير مقصودة، ولا سهو عليه لنقص الحركة، ولا لزيادتها خلافًا لابن القاسم فهو يرى أن الحركة للركن مقصودة تابعة للركن، فإذا قصد بالحركة غير الركن لم يعتد بالركن (^٣).\nوهذا إنما يضعف القول بأن الاعتدال سنة، ولا يعود بالضعف على القول بركنية الرفع فهو الأقوى؛ لأنه وسيلة إلى الاعتدال، فيأخذ حكمه، وإذا كنت قد رجحت أن الاعتدال ركن، فالرفع ركن مثله، والله أعلم.\n• دليل المالكية على ركنية الرفع من الركوع:\nجاء الأمر بالرفع من الركوع في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته معللًا الأمر له بالإعادة بقوله: (ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ)، ولا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي وكأنه لم يفعل، وصلاته في حكم العدم، وقد قال له النبي - ﷺ - حين طلب التعليم بما أخل به، قال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، وتقدم تخريجه،\n_________\n(^١). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٢٠، ٤٢١).\n(^٢). المقدمات والممهدات (١/ ١٦١).\n(^٣). شرح الخرشي مع حاشية العدوي (١/ ٣٥٥، ٣٥٦)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٤٨٦، ٤٨٩).","vol":"4","page":48},{"text":"وقد اقترن ذلك بمواظبة النبي - ﷺ - على هذا الفعل، وعدم الإخلال به، ولو مرة واحدة، كل ذلك يدل على ركنية الرفع من الركوع.\nالقول الثاني في المذهب المالكي:\nأن الرفع سنة، فلو خَرَّ من ركعته ساجدًا فإن كان ساهيًا سجد قبل السلام؛ لتركه السنة، وإن كان متعمدًا استغفر الله، ولا إعادة عليه، وهي رواية علي بن زياد عن مالك، وهو في مقابل المشهور (^١).\nقال ابن ناجي في شرح الرسالة: «اختلف المذهب في الرفع من الركوع فقيل فرض وهو نقل الأكثر وقيل سنة حكاه ابن رشد» (^٢).\n• حجة هذا القول:\nالدليل الأول:\nأن القرآن ذكر الركوع والسجود ولم يذكر الرفع. قال تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفالذي تضمنه القرآن ما يقع عليه اسم الركوع والسجود، والزائد عليه تطوع.\nقال خليل في التوضيح: «ومقابل الأشهر رواية عن مالك يرى أن الرفع سنة، ووجهه: التمسك بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يذكر الرفع، وهو بعيد» (^٣).\n• ويناقش:\nبأن حديث المسيء في صلاته قد أمره النبي - ﷺ - بالرفع من الركوع والسجود، وقد خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة لما تقدم من قوله: (إنك لم تُصَلِّ)، فكان الأمر بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ مجملًا، وحديث المسيء في صلاته مبينًا لما يجب فعله في الصلاة (^٤).\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (٢/ ٥٥)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦١)، النوادر والزيادات (١/ ٣٥٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٠).\n(^٢). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٤).\n(^٣). التوضيح شرح جامع الأمهات (١/ ٣٥٧).\n(^٤). انظر: التبصرة للخمي (١/ ٢٨٥).","vol":"4","page":49},{"text":"الدليل الثاني:\nأن الرفع وسيلة، والركوع متميز عن السجود فلا حاجة إلى الرفع بخلاف الرفع من السجود فهو للفصل بين السجدتين، فلو ذهب صارت السجدتان واحدة.\n• ويناقش:\nبأن الوسائل لها أحكام الغايات، فإذا كان الاعتدال ركنًا على الصحيح، فالرفع وسيلة إليه، وكونه وسيلة لا يعني عدم وجوبه، فالوضوء وسيلة لفعل الصلاة، وهو شرط فيها.\nالقول الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة وفيه قولان:\nالأول: أن الرفع والاعتدال ركنان، ذكره الحاوي من الشافعية، ونص عليه ابن قدامة، والزركشي في شرح الخرقي، وابن مفلح في الفروع وابن النجار في منتهى الإرادات (^١).\nقال الماوردي في الحاوي في بيان فرائض الصلاة: «.... الخامس: الركوع. السادس: الطمأنينة فيه. السابع: الرفع من الركوع. الثامن: الاعتدال فيه ...» (^٢).\nوقال ابن قدامة في الكافي: «الرفع والاعتدال الركن السادس والسابع» (^٣).\nوقال الزركشي في شرح الخرقي: «أما الرفع من الركوع والاعتدال عنه ففرضان» (^٤).\nوقد صرح الشافعية بأن الرفع من الركوع مقصود، ولهذا اشترطوا ألا يقصد بالرفع شيئًا آخر، فلو قصد بالرفع شيئًا آخر غيره حتى إذا بلغ الاعتدال نواه لم يصح عندهم، وليس هذا خاصًّا بالرفع من الركوع، بل يشمل كل حركات الانتقال، سواء أكانت الحركة في الرفع من الركوع، أم في الهُوِيِّ إلى الركوع أم إلى السجود، أم في\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٥١٢، ٤١٦، ٤٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٢)، المهذب (١/ ١٥٥)، حلية العلماء للشاشي (٢/ ٩٩). فتح العزيز (٣/ ٤١٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (١/ ١٥٣)، البيان للعمراني (٢/ ٢١١).\n\nوقد ذكر ابن مفلح في الفروع (٢/ ٢٤٦) أن الرفع ركن خلافًا لأبي حنيفة، وأن الاعتدال ركن وفاقًا للشافعي. وانظر: المبدع (١/ ٤٤٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، المغني (١/ ٣٦٥)، منتهى الإرادات (١/ ٢٣٦).\n(^٢). الحاوي الكبير (٢/ ١٢٢)، وكذلك فعل في الإقناع له (ص: ٤٢).\n(^٣). الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، وانظر العمدة في الفقه (ص: ٢٦).\n(^٤). شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٨).","vol":"4","page":50},{"text":"الرفع من السجود، فالحركة للركن مقصودة (^١).\nقال النووي: «الرفع إلى الاعتدال من الركوع مقصود، ولهذا قال الأصحاب: يشترط ألا يقصد صرفه عن ذلك» (^٢).\nأي لا ينوي غيره.\nوعلى القول بأن الرفع مقصود فإن ذلك يعني أن غيره لا يقوم مقامه، فهو مقصود ليس لذاته، بل لغيره، للفصل بين الأركان (^٣).\nوحتى على القول بأن الرفع غير مقصود، فهو لا ينافي الركنية، فقد صرح الشافعية بأن الاعتدال غير مقصود لنفسه، وفي الوقت نفسه هو ركن عندهم بلا خلاف.\nقال النووي في الروضة في الاعتدال عن الركوع: «وهو ركن لكنه غير مقصود لنفسه» (^٤). لعلهم يقصدون أنه مقصود لغيره.\nوقال في شرح المهذب: «الاعتدال من الركوع فرض وركن من أركان الصلاة لا تصح إلا به بلا خلاف عندنا» (^٥).\n_________\n(^١). قال النووي في المجموع (٣/ ٤٠٨): «لو قرأ في قيامه آية سجدة، فهوى ليسجد، ثم بدا له بعد بلوغه حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع، بل يجب أن يعود إلى القيام، ثم يركع، وهذا لا خلاف فيه، ولو سقط من قيامه بعد فراغ القراءة فارتفع من الأرض إلى حد الراكعين لم يجزه بلا خلاف».\nوفي حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨): «فلو انحنى لتناول شيء، ولم يخطر بباله الركوع، ثم قصده وهو راكع، لم يجزئه، كالرفع منه، كما يأتي. وكذا يقال في السجود، وفي الرفع منه، ونحو ذلك».\nوقال في الفروع (٢/ ٢٠٦): «ولو انحنى لتناول شيء ولم يخطر بباله الركوع لم يجزئه».\nوانظر: الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٣).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٤/ ٧٥).\n\nقال في تحفة المحتاج (٢/ ٥٩): «(و) يلزمه أنه (لا يقصد به) أي الهُوِيِّ (غيره) أي الركوع لا أنه يقصده نفسه؛ لأن نية الصلاة منسحبة عليه».\nفبين أنه يجب عليه ألا ينوي به غير الركوع، لا أنه يجب عليه أن ينوي الركوع، فنية الركوع منسحبة عليه.\n(^٣). انظر: نهاية المحتاج (٢/ ٢٢٥).\n(^٤). الروضة (١/ ٢٥١)، وهو بحروفه في أصل الروضة، انظر: فتح العزيز (٣/ ٣٩٩).\n(^٥). المجموع (٣/ ٤١٦).","vol":"4","page":51},{"text":"والذي يترتب على القول بأن الاعتدال غير مقصود، اعتباره وهو في الاعتدال كأنه لم يفرغ من الركوع؛ لأن الذي هو فيه تبع له (^١).\nالثاني من القولين:\nأن الرفع داخل في الاعتدال، وواجب له، اختاره الرافعي، وبعض الحنابلة.\nقال في فتح العزيز: «واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين (يقصد الرفع والطمأنينة)، بل له واجب ثالث: أن لا يقصد بالارتفاع شيئًا آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه، فاعتدل فزعًا منها لم يعتد به» (^٢).\nفأدخل الارتفاع من الركوع من واجبات الاعتدال، واشترط ألا يقصد بالرفع غيره، فأما نية الرفع نفسه فليست بشرط؛ لأن نية الصلاة كافية.\nوفي منهاج الطالبين ذكر من الفروض: الركوع والاعتدال، ولم يذكر الرفع (^٣)، فلماذا أهمله؟ هل لأن الرفع داخل في الاعتدال لاستلزامه له، كما يفهم من كلام الرافعي السابق؟\nوقد راجعت شراح المنهاج كتحفة المحتاج، ونهاية المحتاج، ومغني المحتاج فلم يذكر أحد منهم النص على ركنية الرفع من الركوع.\nولم يذكر أبو الخطاب الحنبلي في الهداية، ولا ابن قدامة في المقنع، ولا أبو البركات في المحرر، ولا الحجاوي في الزاد، ولا البلباني في أخصر المختصرات لم يذكروا الرفع من الركوع.\nقال في الهداية: «وأركانها خمسة عشر: وذكر منها: الركوع والطمأنينة فيه، والاعتدال عنه» (^٤).\n_________\n(^١). انظر: روضة الطالبين (١/ ٣٧٠).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٤١٠).\n(^٣). قال في منهاج الطالبين (ص: ٢٦، ٢٧): «الخامس: الركوع، وأقله أن ينحني .... السادس: الاعتدال قائمًا مطمئنًّا».\n(^٤). الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، وانظر: المقنع (ص: ٥٣)، والشرح الكبير على المقنع (١/ ٦٤٠)، المبدع شرح المقنع (١/ ٤٤١)، الممتع شرح المقنع (١/ ٣٩١)، وأخصر المختصرات ط الركائز (ص: ٩١).","vol":"4","page":52},{"text":"وقال أبو البركات في المحرر: «والفرض من ذلك: القيام ... والركوع، والاعتدال عنه» (^١).\nوقد نص في الإقناع على أن الرفع داخل في الاعتدال، قال الحجاوي في الإقناع: «والركوع ... والاعتدال بعده، فدخل فيه الرفع» (^٢).\nوقال البهوتي في كشاف القناع شارحًا: «(فدخل فيه) أي في الاعتدال عن الركوع (الرفع منه) لاستلزامه له، هكذا فعل أكثر الأصحاب، وفرق في الفروع والمنتهى وغيرهما بينهما، فعدوا كُلًّا منهما ركنًا؛ لتحقق الخلاف في كل منهما» (^٣).\nفصار الخلاف عند الحنابلة كالخلاف عند الشافعية، منهم من يرى أن الرفع ركن مستقل بنفسه، ومنهم من يرى أن الرفع داخل في الاعتدال، وكونه داخلًا في الاعتدال فإنه يأخذ حكمه، وهو الركنية.\n• الدليل على ركنية الرفع من الركوع:\nسبق لنا الاستدلال على ركنية الرفع عند الاستدلال للقول الثالث في مذهب الحنفية، وما يرد عليه من نقاش، فأغنى ذلك عن إعادته.\nفصارت الأقوال في الرفع من الركوع ثلاثة: قيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: ركن، وهو أرجحها.\n\n* * *\n_________\n(^١). المحرر (١/ ٦٨).\n(^٢). الإقناع (١/ ١٣٣).\n(^٣). كشاف القناع (١/ ٣٨٧).","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السنة أن تكون أذكار الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ -: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\n• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون أذكار الانتقال في أثنائه، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي - ﷺ - لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة الصلاة من الخلل.\n• الأصل في أفعال الرسول - ﷺ - الاستحباب.\n• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.\n• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، فكان كما لو تشهد قائمًا، أو قرأ الفاتحة جالسًا.\n• إيقاع التكبير في غير محله كتركه، والراجح أنه من ترك السنن، لا مِنْ تَرْكِ الواجبات.\n[م-٦٣٦] المقصود بالتسميع قول: سمع الله لمن حمده.\nوقيل: سمع بمعنى قَبِلَ واستجاب الله لمن حمده، كما يستعاذ من دعاء لا يسمع، أي: لا يستجاب، فهي جملة خبرية يراد منها الدعاء باستجابة التحميد، جاء في الحديث: وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد","vol":"4","page":54},{"text":"يسمع الله لكم، رواه مسلم: أي يستجيب لكم (^١).\nوقيل: خبر يراد به الحث على الحمد.\nقال ابن العربي في المسالك شرح الموطأ: قوله: «سمع الله لمن حمده، يحتمل أن يكون خبرًا عن فضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون دعاء إلى الله وإن جاء بلفظ الخبر، وهو أظهر» (^٢).\n[م-٦٣٧] السنة في موضع التسميع أن يقول هذا الذكر من حين يرفع رأسه من الركوع، فلا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه.\nفإن كمله في جزء من الرفع أجزأ؛ لأنه لم يخرج به عن محله بلا نزاع.\nوإن خَرَجَ جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتمَّ جزءًا منه بعد الاعتدال فالجمهور على صحته، ويعطى الأكثر حكم الكل، وهو قول في مذهب الحنابلة لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، خاصة في الرفع من الركوع لقصره.\nوقيل: لا يجزئه، كمن كمل قراءته راكعًا، أو أتى بالتشهد قبل قعوده، وهو قياس مذهب الحنابلة.\nوإن أوقع التسميع كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد ذكر الذكر في غير موضعه، فكان كما لو أتى بالتشهد قائمًا، فالخلاف فيه يرجع إلى حكم من ترك التسميع.\nفالجمهور على أن التسميع سنة، فإذا فعله في غير موضعه لم يؤثر ذلك على صحة صلاته.\nوالحنابلة: التسميع واجب، فكان فعله في غير موضعه في حكم من ترك واجبًا، إن تركه سهوًا جبره بسجود السهو، وإن تركه عمدًا بطلت صلاته.\nوأدلة هذه المسألة سبق ذكرها في مسألة سابقة عند الكلام على وقت ابتداء التكبير للركوع، فقد فصلت القول فيه هناك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وأغنى عن إعادته المسألة في سائر أذكار الانتقالات، فليتنبه لذلك، ولله الحمد، وأما حكم\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).\n(^٢). المسالك في شرح موطأ مالك (٢/ ٣٨٤).","vol":"4","page":55},{"text":"التسميع فسوف أفرد له المباحث التالية في حق الإمام والمنفرد والمأموم إن شاء الله تعالى أسأل الله عونه وتوفيقه.\n\n* * *","vol":"4","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأصل عدم وجوب التسميع.\n•لا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم التأثيم.\n• لم يذكر التسميع في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لعلمه؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n• القول بأن النبي - ﷺ - علم المسيء ما أخَلَّ به بعيد جدًّا؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره، فالتسميع أولى أن يجهله؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.\n• المواظبة على التسميع لا تكفي دليلًا على وجوبه، وإنما تدل على توكيد الاستحباب.\n• واظب النبي - ﷺ - على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض.\n[م-٦٣٨] اختلف العلماء في حكم التسميع للإمام بعد اتفاقهم على مشروعيته:\nفقيل: سنة، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، الدر المختار (ص: ٦٥)، البحر الرائق (١/ ٣٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٧)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٣)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٥)، الاستذكار (١/ ٤١٨) و(٢/ ١٧٨)، المجموع (٣/ ٤١٤)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، المغني (١/ ٣٦٢)، الفروع (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":57},{"text":"قال النووي في شرح المهذب: «وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كل ذلك سنة ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدًا أو سهوًا، لكن يكره تركه عمدًا.\nهذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء.\nقال الشيخ أبو حامد: وهو قول عامة الفقهاء.\nقال صاحب الحاوي: وهو مذهب الفقهاء كافة» (^١).\nوقيل: واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعدها المرداوي وناظم المفردات وغيرهما من مفردات مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق وداود (^٢).\nقال ابن قدامة: «والمشهور عن أحمد: أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي -بين السجدتين- والتشهد الأول، واجب. وهو قول إسحاق، وداود. وعن أحمد: أنه غير واجب» (^٣).\nوقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم (^٤).\nهذه مجمل الأقوال، وأما أدلتها فإليك ما وقفت على ذلك منها:\n• دليل من قال: التسميع سنة:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم وجوب التسميع، ولا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٤١٤).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ١١٥)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، المبدع (١/ ٤٤٣)، الإقناع (١/ ١٣٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، حاشية ابن قاسم (٢/ ١٢٨).\nوانظر: قول الإمام إسحاق في المغني (١/ ٣٦٢)، والشرح الكبير على المقنع (١/ ٦٤٣)، عون المعبود (٣/ ٨٧)، النظم المفيد الأحمد (ص: ١٩)، مغني ذوي الأفهام (ص: ٣٧).\n(^٣). المغني (١/ ٣٦٢).\n(^٤). المحلى مسألة (٣٦٩).","vol":"4","page":58},{"text":"وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم تأثيم المصلي.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٢٦) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) ولم يذكر له التسميع، ولو كان واجبًا لعلمه، لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد اقتصر النبي - ﷺ - على إرشاد المسيء في صلاته إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه.\nقال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه ﵇ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة» (^٢).\nولا يعترض على الحديث في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إذا ورد\n_________\n(^١). البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧).\nورواه البخاري (٦٢٥١) ومسلم (٤٦ - ٣٩٧) من طريق عبد الله بن نمير،\nورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر ... وذكر الحديث\n(^٢). إحكام الأحكام ١/ ٢٥٧).","vol":"4","page":59},{"text":"حديث صحيح صريح في الوجوب، ولم يَأْتِ دليل يقضي بوجوب التسميع على الإمام، وكون النبي - ﷺ - يفعله في أحاديث صحيحة، فهذا يدل على مشروعيته، ولا نزاع فيه، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، وأما القول بأنه علمه ما أخَلَّ به فهذا بعيد؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره فالتسميع أولى؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.\nالدليل الثالث:\nكل الأدلة التي ساقها الجمهور مستدلين بها على عدم وجوب تكبيرات الانتقال، عند الكلام على حكم التكبير للركوع، يستدل بها على عدم وجوب التسميع، فإذا كان الراجح في تكبيرات الانتقال عدم الوجوب، فكذلك التسميع قياسًا عليها، بجامع أنه ذكر من أذكار الانتقال، إلا أنه خاص بالانتقال من الركوع إلى الاعتدال وهذا لا يشكل فرقًا، فارجع إليها، فذكرها هناك يغني عن إعادتها هنا.\n• دليل من قال بوجوب التسميع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٢٧) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،\nعن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي - ﷺ -: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته (^١).\n[ذكر التسميع في حديث رفاعة ليس بمحفوظ] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٥٧).\n(^٢). حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع. =","vol":"4","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (٧٩٣) ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) وليس فيه ذكر التسميع.\nوأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.\nويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،\nوحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة.\nوقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منه حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.\n\nإذا تبين لك هذا أُخَيَّ، فاعلم أن طريق إسحاق بن عبد الله قد انفرد بزيادات لم تَأْتِ في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.\nفمما تفرد به إسحاق في روايته: ...\n(١) لفظ (لا تتم صلاة أحدكم ...) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ ...) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (... إذا قمت إلى الصلاة فكبر ... وفي رواية: فأسبغ الوضوء).\n(٢) ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وقد سبق بحث حكم الاستفتاح، ولم يقل أحد بوجوبه، وإنما الخلاف وقع في استحبابه.\n(٣) تكبيرات الانتقال لم تذكر في سائر طرق حديث رفاعة إلا من طريق إسحاق، كما أنها لم تذكر في حديث أبي هريرة.\n(٤) قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.\n(٥) تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٦) تمكين الوجه والجبهة في السجود.\n(٧) ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).\nوكل ما زاده على حديث أبي هريرة مما انفرد به عن باقي الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، فهو حديثه، والله أعلم. وقد خرجت الحديث بكل ألفاظه، ولله الحمد في المجلد السابع، في الشرط الثالث من شروط تكبيرة الإحرام.","vol":"4","page":61},{"text":"• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول: شذوذ زيادة (التسميع) في حديث رفاعة.\nالوجه الثاني: لو صحت زيادة إسحاق بذكر التسميع في حديث المسيء في صلاته لكان التسميع وما ذكر معه ركنًا من أركان الصلاة، لقوله في الحديث: (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده).\nفالحنابلة لما رأوا الحديث ضعيفًا عاد ذلك بالضعف على مأخذ الحكم، فهم لا يذهبون إلى القول بالركنية مع أن دلالة اللفظ تقتضيه؛ وذلك لضعف الحديث، ولا يقولون بالاستحباب؛ لأنه يقتضي إهدار الحديث الضعيف، فيتوسطون إلى القول بالوجوب، وهذا لا يساعد عليه لفظ الحديث.\nومثل هذا صنعوا مع حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، فكانت دلالة الحديث تقتضي شرطية التسمية للوضوء، فلما كان الحديث ضعيفًا، نزل الحنابلة في أحد القولين إلى القول بوجوب التسمية وهو نزول عن دلالة اللفظ، ثم قالوا بسقوط التسمية مع النسيان مع أنها من المأمورات، والمأمورات لا تسقط بالنسيان بخلاف المنهيات، ولكن لضعف مأخذ الوجوب لم يرتبوا الحكم عليه بما تقتضيه دلالة اللفظ، وذلك لما اعتراه من ضعف في أسانيده، فكذلك صنعوا مع حديث رافع بن رفاعة ﵁، فقالوا بوجوب التسميع مع أن دلالة اللفظ تقتضي الركنية، ومن عيوب الدليل كونه لا يطابق المدلول.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٢٨) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،\nعن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا رفع ظهره من الركوع،","vol":"4","page":62},{"text":"قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^١).\nوفي الباب حديث أبي هريرة ﵁ في الصحيحين (^٢)، وحديث البراء\nفيهما (^٣)، وحديث ابن عمر في البخاري (^٤)،\nوحديث رفاعة بن رافع في البخاري (^٥).\nوغيرها من الأحاديث الكثيرة، كلها تدل على أن النبي - ﷺ - كان يقول في\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).\n(^٢). رواه البخاري (٧٨٩) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة ... الحديث.\nورواه مسلم (٢٨ - ٣٩٢) من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب به.\nورواه البخاري (٧٩٥) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا لك ولك الحمد ... الحديث.\n(^٣). رواه البخاري (٦٩٠)، ومسلم (١٩٨ - ٤٧٤) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء -وهو غير كذوب-، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي - ﷺ - ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده.\n(^٤). رواه البخاري (٧٣٥) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، وكان لا يفعل ذلك في السجود.\nورواه البخاري (٧٣٦) ومسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق يونس بنحوه، إلا أن مسلمًا أحال على رواية ابن جريج عن الزهري، برفع الأيدي، ولم يذكر التسميع.\nورواه البخاري (٧٨٩)، ومسلم (٢٩ - ٣٩٢) من طريق عقيل، عن ابن شهاب به بنحوه في البخاري، وفي مسلم اختصر لفظه.\n\nورواه البخاري (٧٣٩) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه ... وذكر نحوه، وقال في آخره: ورفع ذلك ابنُ عمرَ إلى نبي الله - ﷺ -.\n(^٥). رواه البخاري (٧٩٩) من طريق علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يوما نصلي وراء النبي - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه ... الحديث.","vol":"4","page":63},{"text":"صلاته: سمع الله لمن حمده، ويواظب على ذلك، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة لبيان الجواز.\nفإن قيل: أفعال الرسول - ﷺ - لا تدل على الوجوب؟\nفالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين:\nأحدهما: المواظبة من النبي - ﷺ - على هذا الفعل، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة.\nالثاني: قوله - ﷺ - في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.\n• ونوقش:\nسبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب في مسألة حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع فارجع إليه إن شئت.\nوأما الاستدلال بالمواظبة على الوجوب فالمواظبة لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي - ﷺ - واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، وكما واظب على راتبة الفجر، وسنة الوتر، فلم يكن يدعهما حضرًا، ولا سفرًا، ولم يكن ذلك كافيًا للقول بوجوبهما.\n• دليل من قال: بركنية قول سمع الله لمن حمده:\nاستدل ابن حزم بحديث رفاعة السابق، (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده).\nوإذا كانت الصلاة لا تصح بلا وضوء، فكذلك لا تصح من غير قول المصلي: سمع الله لمن حمده، إلا أن الوضوء لما كان متقدمًا على الصلاة اقتضى الحديث شرطيته، ولما كان التسميع جزءًا من الصلاة اقتضى الحديث ركنيته.","vol":"4","page":64},{"text":"وقوله: (لأحد من الناس) عام دخل فيه الإمام والمنفرد.\n• ونوقش من وجهين:\nالأول: أن ذكر التسميع في الحديث شاذ.\nالثاني: أن لفظ: (لا تتم صلاة أحدكم) نفي التمام يأتي على معنيين:\nتارة يراد بنفي التمام أي لم تبلغ رتبة الكمال، وهذا لا يكون إلا في ترك السنن.\nوتارة يراد به إثبات النقص، والنقص قد يكون لترك ركن، أو لترك واجب، وإذا احتمل أمرين أخذنا بالمتيقن، وهو الوجوب، وهذا يصح تخريجًا للحنابلة للاستدلال بحديث رفاعة على الوجوب.\nوفي الحديث ما يدل على أن المراد نقص الواجبات، وليس الأركان:\n(ح-١٧٢٩) فقد روى أبو داود من طريق يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده،\nعن رفاعة بن رافع، أن رسول الله - ﷺ - فقص هذا الحديث قال فيه: فتوضأ كما أمرك الله جل وعز، ثم تشهد، فأقم ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله»، وقال فيه: «وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك (^١).\nوجه الاستدلال:\nفقوله: (انتقصت من صلاتك) فأثبت الصلاة مع قيام النقص، فلو كان النقص من قبيل نقص الأركان لم تبق صلاته، ولكانت في حكم العدم، ولو كان من نقص المستحبات لم ينسب النقص إلى الصلاة.\n• ورد هذا الاستدلال بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nأن حديث رفاعة وإن كان حسنًا في الجملة إلا أن فيه حروفًا قد اختلف رواة حديث رفاعة في ذكرها، ومنها قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، فالصحيح أنه حرف شاذ، لا يصلح للحجة، والله أعلم] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٦١).\n(^٢). الحديث بزيادة (وما انتقصته من شيء فإنما تنتقصه من صلاتك). =","vol":"4","page":65},{"text":"الجواب الثاني:\nأن النبي - ﷺ - لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.\nالجواب الثالث:\nأنه قد ذكر مع التسميع ما لا يختلف في ركنيته، كتكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، فالتفريق بينها وبين التسميع في الحكم لا يساعد عليه اللفظ.\nالجواب الرابع:\nعلى فرض صحة الزيادة في حديث رفاعة، فإن النبي - ﷺ - إنما سمى فعله صلاة بحسب ما يعتقده المصلي، بدليل أن النبي - ﷺ - أمره بالركوع والسجود، فيلزم على هذا\n_________\n= روى هذه الزيادة يحيى بن علي (فيه جهالة) وداود بن قيس، وابن عجلان (صدوق) على اختلاف عليه في إسناده ولفظه، رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة.\nورواه دون هذه الزيادة كل من: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، وشريك بن أبي نمر، وعبد الله بن عون.\nهذه هي الطرق التي وقفت عليها من حديث رفاعة في قصة المسيء في صلاته، وحديث المسيء في صلاته قد رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.\nورواه رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر فتح الباري (ح ٧٩٩)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض بألفاظ لم يتفقوا عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، مما يجعل الباحث لا يجزم بكونها محفوظة في الحديث إلا ما وافق منها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأما ما انفرد فيه حديث رفاعة مما اختلف على الرواة في ذكره ففي النفس منه شيء؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه ومنها هذه اللفظة موضع الشاهد (وما انتقصت من شيء فإنما تنقصه من صلاتك).\nوقد تكلم على هذا الاختلاف أبو داود في السنن (٨٥٨، ٨٦٠، ٨٦١)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٨٢، ٨٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٢، ٢٤٣)، والبيهقي في السنن (٢/ ٣٧٣). وقد سبق لي تخريج هذه الزيادة في نفس المجلد، فأغنى هذا عن إعادته هنا، ولله الحمد.","vol":"4","page":66},{"text":"الفهم أن تسمي ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضًا؛ لأنه من جملة ما انتقصه من صلاته.\n• الراجح:\nالذي يتعين قول الجمهور، وهو أن التسميع للإمام من السنن، وليس من الواجبات، ولا من الأركان، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المبحث الثالث حكم التحميد للإمام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) سيق لبيان تحميد المأموم وموضعه، ولم يتعرض لتحميد الإمام لا نفيًا ولا إثباتًا، والسكوت لا يصلح دليلًا على نفيه إذا ثبت بأدلة أخرى.\n• منطوق الأحاديث الصحيحة الصريحة المتكاثرة بتحميد الإمام مقدم على الأحاديث التي لم تتعرض لتحميد الإمام.\n• إذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة.\n• حديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) الأمر للمأموم بالتحميد لا يقتضي الوجوب؛ لأن الأمر سيق لبيان وقت تحميد المأموم، كالأمر بالتأمين في حديث: (إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا: آمين).\n• إذا لم يجب التسميع على الإمام على الصحيح، وقد سبق بحثه، لم يجب التحميد على الإمام؛ لأنه فرع عنه.\n• الفرق بين تحميد الإمام وتحميد المأموم أن تحميد الإمام من أذكار الاعتدال، وتحميد المأموم من أذكار الرفع من الركوع.\n[م-٦٣٩] اختلف العلماء في مشروعية التحميد للإمام:\nفقيل: لا يشرع التحميد للإمام، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، الهداية للمرغيناني (١/ ٥٠)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦١٤)، المبسوط (١/ ٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، المدونة (١/ ١٦٧)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٥)، شرح التلقين (١/ ٥٨٥)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤٠)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٧)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣)، بداية المجتهد (١/ ١٦٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٣)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٠).","vol":"4","page":68},{"text":"قال مالك كما في المدونة: «وإذا قال (يعني الإمام): سمع الله لمن حمده فلا يقل هو: اللهم ربنا لك الحمد، ولكن يقول ذلك من خلفه» (^١).\nوقيل: يشرع له التحميد، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واختاره عيسى بن دينار وابن نافع من المالكية، وحكي رواية شاذة عن مالك، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وبه قال صاحبا أبي حنفية: أبو يوسف ومحمد، والإمام ابن راهويه على خلاف في حكمه:\nفقيل: سنة، وهو قول الشافعية، وصاحبي أبي حنيفة، وقال بمشروعيته بعض المالكية.\nوقيل: واجب، وبه قال أحمد، وإسحاق.\nوقيل: فرض، وبه قال ابن حزم، كالخلاف السابق في التسميع (^٢).\nقال ابن قدامة: «يشرع قول (ربنا ولك الحمد) في حق كل مُصَلٍّ، في المشهور عن أحمد، وهذا قول أكثر أهل العلم» (^٣).\n• دليل من قال: يشرع للإمام التحميد:\n(ح-١٧٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٧).\n(^٢). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦١٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٧)، إكمال المعلم (٢/ ٢٦٨)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٨)، شرح التلقين (٢/ ٥٨٦)، الأم (١/ ١٣٥)، مختصر المزني مطبوع مع الأم (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٣)، الوسيط (٢/ ١٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٥١)، مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٦٢)، مسائل أحمد وإسحاق (٢٦٨)، المبدع (١/ ٣٩٧، ٤٤٣)، الإنصاف (٢/ ٦٢، ٦٤)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٦).\n(^٣). المغني (١/ ٣٦٥).","vol":"4","page":69},{"text":"أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد ....\nهذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (^١).\nورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد، وكان النبي - ﷺ - إذا ركع، وإذا رفع رأسه يكبر، وإذا قام من السجدتين، قال: الله أكبر (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٣٢) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،\nعن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٥).\n(^٤). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).","vol":"4","page":70},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٧٣٣) روى البخاري من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نمر، سمع ابن شهاب، عن عروة،\nعن عائشة ﵂، جهر النبي - ﷺ - في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر، فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد .... الحديث (^١).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٧٣٤) روى البخاري عن معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه،\nأنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله - ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (^٢).\nوله شاهد من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (^٣).\nوثانٍ: من حديث حذيفة في مسلم (^٤).\nوثالث: من حديث علي بن أبي طالب في مسلم (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٠٦٥).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٠٦٩، ٤٥٥٩).\n(^٣). صحيح البخاري (٤٥٦٠).\n(^٤). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢) من طريق جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة .... وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ... الحديث.\nوقد رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، وأبي معاوية، عن الأعمش به، وليس فيه زيادة (ربنا لك الحمد).\n(^٥). رواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١) من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون ابن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.","vol":"4","page":71},{"text":"ورابع: من حديث أبي سعيد الخدري في مسلم (^١).\n• وأجيب عن هذه الأحاديث:\nبأن هذه الأحاديث محمولة على المنفرد توفيقًا بينها وبين الأحاديث الدالة على أن الإمام لا يأتي بالتحميد كما سيأتي في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.\n• ورد هذا بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nلا يوجد ما يعارض هذه الأحاديث حتى تحمل على المنفرد، وسكوت بعض الأحاديث عن تحميد الإمام لا يعد معارضًا.\nالجواب الثاني:\nبعض هذه الأحاديث صريح أن النبي - ﷺ - قال ذلك، وهو إمام، كما في حديث الكسوف، والقنوت.\nالجواب الثالث:\nالأحاديث التي لم يصرح فيه بأن النبي - ﷺ - كان إمامًا محمولة عليه.\nإما لأن الأحاديث إنما تحمل على الغالب من فعل النبي - ﷺ -، وليس على النادر، والغالب من صلاة النبي - ﷺ - كونه إمامًا، وما يصليه النبي - ﷺ - من النوافل فغالبه يكون في البيت، وقد قال النبي - ﷺ -: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، متفق عليه (^٢).\nفحملُ الأحاديث على الظاهر خير من حَمْلِها على النادر، ولأن هذا الحكم لو كان خاصًّا بالمنفرد لبينه الراوي منعًا للبس.\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣١)، وصحيح مسلم (٧٨١).","vol":"4","page":72},{"text":"وإما لأن إطلاق الأحاديث يقتضيه، فالمطلق على إطلاقه، فيدخل الإمام كما يدخل المنفرد، فلما أطلق الراوي الأحاديث كان تخصيصها بالمنفرد تخصيصًا بلا مخصص ومخالفًا لإطلاق هذه الأحاديث، فيكون دخول الإمام لشمول اللفظ.\nوعلى التنزل أن هذه الأحاديث نص في المنفرد، فيدخل الإمام بمقتضى القياس؛ لأن أحكامهما واحدة كما سأبينه في دليل مستقل إن شاء الله تعالى.\nفكان دخول الإمام، إما لكون الأحاديث محمولة على الإمام، لكونه الغالب من فعل النبي - ﷺ -، أو لشمول اللفظ، أو بمقتضى القياس.\nقال ابن دقيق العيد تعليقًا على حديث ابن عمر: «فإن الظاهر أن ابن عمر إنما حكى وروى عن حالة الإمامة، فإنها الحالة الغالبة على النبي - ﷺ - في الفرائض، وغيرها نادر جدًّا فيها، وإن حمل اللفظ على العموم دخل فيه المنفرد والإمام» (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-١٧٣٥) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا عمرو ابن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة،\nعن أبيه، قال: قال النبي - ﷺ -: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد.\nورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (^٢).\n[ضعيف جدًّا] (^٣).\n_________\n(^١). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٣٨).\n(^٢). سنن الدارقطني (١٢٨٤)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (١٧٦٤).\n(^٣). تفرد به سعيد بن عثمان الخزاز قال ابن القطان: لا أعرفه لسان الميزان (٣/ ٣٨).\nوعمرو بن شمر وشيخه جابر الجعفي متروكان.\nقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٤٤): «وحديث بريدة: إسناده ساقطٌ، وعمرو وجابر: ضعيفان، وكذلك سعيد بن عثمان، وشيخ ابن عقدة وأبوه: لا يعرفان».\nوقال البيهقي: جابر الجعفي ومن دونه أكثرهم ضعفاء.","vol":"4","page":73},{"text":"الدليل السابع:\nالقياس على المنفرد، فإذا كان المنفرد يأتي بالتحميد على الصحيح فالإمام مثله؛ لأن أحكامهما واحدة، فالإمام منفرد في حق نفسه، ونية الإمامة ليست شرطًا لصحة إمامته، فلو صلى منفردًا ولم يَنْوِ الإمامة فائتم به جماعة صح الاقتداء على الصحيح، فكان ما يصدق على المنفرد يصدق على الإمام، بخلاف المأموم فلا بد من نية الائتمام.\nقال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك،، فأردنا أن ننظر في الإمام، هل حكمه حكم من يصلى وحده أم لا؟ فوجدنا الإمام يفعل في صلاته كلها من التكبير، والقراءة، والقيام، والقعود، والتشهد مثل ما يفعله من يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكامه من الأشياء التي توجب فسادها .... وكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواءً بخلاف المأموم فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (^١).\n• ويناقش:\nلا تصح حكاية الإجماع في تحميد المنفرد، وكيف غفل الطحاوي عليه رحمة الله عن الرواية الأخرى عن أبي حنيفة والتي يرى فيها أن المنفرد لا يأتي بالتحميد.\nالدليل الثامن:\nأن التسميع حَثٌّ على التحميد، وتحريضٌ عليه، فلا ينبغي أن يأمر بالبر، وينسى نفسه حتى لا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤].\nولا حاجة في الحقيقة إلى استدعاء هذه الآية للاحتجاج بها في هذا الموضع، ولولا أن الكاساني من الحنفية استدل بها لم أذكرها؛ فالاستدلال بدليل في غير\n_________\n(^١). شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).","vol":"4","page":74},{"text":"سياقه في شأن الصلاة التي تتكرر كل يوم، دليل على ضعف الاستدلال، وفي المسألة نصوص متفق على صحتها، ودلالتها صريحة، وهي نص في محل النزاع، تنقل لنا أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين التسميع والتحميد، وإذا فتح الاستدلال بهذه الآية فتح مجالًا للاعتراض على القول الذي لا ينبغي الخلاف فيه مع كثرة الأحاديث في الصحيحين، ولذلك اعترض بعضهم على هذا الاستدلال، فقال: إن الإمام إذا أتى بالتسميع فقد صار دالًّا على التحميد، والدال على الخير كفاعله، فلا حاجة إلى تحميد الإمام لفظًا، فانتقلنا من دلالة النص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، إلى استدعاء آية في غير ما سيقت له، وهذا إنما يلجأ له بعض الفقهاء إذا أعوزه الدليل في المسألة، أما مع هذه النصوص الكثيرة المتفق عليها فلا حاجة إلى هذا النوع من الاستدلال، والمصلي إذا ترك التسميع والتحميد فقد ترك سنة، فكيف يكون الترك منافيًا للعقل، والذي ختمت به الآية.\n• دليل من قال: لا يشرع التحميد للإمام:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).\nورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).\nورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (^٣).\nورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٦، ٣٢٢٨)، وصحيح مسلم (٧١ - ٤٠٩).\nورواه مسلم (٨٧ - ٤١٥) عن الأعمش، عن أبي صالح به.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٢٢).","vol":"4","page":75},{"text":"أبا هريرة بنحوه (^١).\nورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - بمثله (^٢).\nوفي الباب حديث أنس في الصحيحين (^٣).\nوحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث أفرد الإمام بالتسميع، وأفرد المأموم بالتحميد على وجه المقابلة، وإذا كان المأموم لا يشرع له التسميع على الصحيح، لم يشرع التحميد للإمام (^٥).\nولأن هذه الأحاديث أحاديث قولية، والقول مقدم على الفعل.\n• ونوقش هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن الاستدلال بحديث: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) من الاستدلال بالمفهوم؛ لأنه جعل حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به، ويسميه بعضهم دليل الخطاب، وعلماء الأصول متفقون على أن المفهوم ليس بحجة إذا عارض المنطوق، فالمنطوق مقدم عليه، وقد ثبت المنطوق\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٨٨ - ٤١٦).\n(^٢). صحيح مسلم (٨٩ - ٤١٧).\n(^٣). رواه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٨٠ - ٤١١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا.\nوقد رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق الليث،\nوالبخاري (٨٠٥، ١١١٤)، ومسلم (٧٧ - ٤١١) من طريق ابن عيينة.\nورواه البخاري (٧٣٢، ٧٣٤) من طريق شعيب،\nورواه مسلم (٧٩ - ٤١١) من طريق يونس،\nورواه أيضًا (٨١ - ٤١١) من طريق معمر، كلهم (الليث، وابن عيينة، وشعيب، ويونس) عن ابن شهاب به.\n(^٤). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤) من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى.\n(^٥). انظر: شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٧).","vol":"4","page":76},{"text":"بأدلة صحيحة صريحة بأسانيد كالشمس، منها حديث ابن عمر في الصحيحين، وحديث أبي هريرة فيهما، وحديث حذيفة، وابن أبي أوفى وعلي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري وكلها في مسلم، فلا يترك منطوق هذه الأحاديث الصريحة، ودلالتها نصية لمفهوم المخالفة في بعض الأحاديث. فالاحتجاج بالمفهوم مختلف فيه من حيث الأصل، والمنطوق أقوى من المفهوم بالاتفاق فتقديم المفهوم إهدار لمنطوق هذه الأحاديث بلا مسوغ.\nيقول ابن رشد الحفيد: «والحق في ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده.\nوحديث ابن عمر يقتضي نصًّا أن الإمام يقول ربنا ولك الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب فإن النص أقوى من دليل الخطاب» (^١).\nالوجه الثاني:\nحديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد) ليس لبيان القسمة بين قول الإمام وقول المأموم، وإنما سيق لبيان وقت تحميد المأموم وأن قول المأموم (ربنا لك الحمد) يكون عقب قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) وسكت الحديث عن تحميد الإمام، والسكوت عن تحميد الإمام لا ينفيه، كما أن حديث: (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين)، لم يمنع من تأمين الإمام بأدلة أخرى (إذا أمن الإمام فأمنوا)، فكذلك تحميد الإمام.\nيقول القاضي عياض عن التعلق بهذا الاستدلال: «وفى هذا التعلق نظر؛ لأن القصد بالحديث تعليم المأموم ما يقول، ومجمل قوله له، ولا يعتمد على إسقاط ذكر ما يقول الإمام بذلك، لأنه ليس هو الغرض بالحديث، وعلى هذه الطريقة جرى الأمر في اختلاف قول مالك في الإمام، هل يقول: (آمين) في صلاة الجهر؟ فقال في أحد قوليه: لا يقولها ... (^٢).\nالدليل الثاني:\nيقول الكاساني: «أن الذكر يقارن الانتقال، فإذا قال الإمام مقارنًا للانتقال:\n_________\n(^١). بداية المجتهد (١/ ١٦١).\n(^٢). إكمال المعلم (٢/ ٢٦٨).","vol":"4","page":77},{"text":"سمع الله لمن حمده يقول المقتدي مقارنًا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي، فينقلب المتبوع تابعًا والتابع متبوعًا، ومراعاة التبعية في جميع أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان» (^١).\nولو كان الإمام يجمع الأمرين لقال ﵇: إذا قال الإمام: ربنا ولك الحمد، فقولوا: ربنا ولك الحمد، حتى يكون ابتداء قولهم بعد انتهاء قوله، كما قال: وإذا كبر فكبروا، ولم يكن للفرق بينهما معنى.\n• وأجيب:\nأن القول بأن الإمام إذا شرع له التحميد وقع تحميده بعد المأموم، وهذا مخالف لسنة الإمامة، فيقال: هذا نظر في مقابل النص، والنص مقدم، مع أنه لا يلزم تقدم المأموم على الإمام، لأن ذكر الرفع من الركوع في حق الإمام (سمع الله لمن حمده)، وذكر الرفع في حق المأموم: (ربنا ولك الحمد)، والمأموم يشرع بالرفع بعد فراغ الإمام منه، فيتفق الإمام والمأموم في وقت التحميد، إلا أن الإمام يذكر التحميد من أذكار الاعتدال، والمأموم من أذكار الرفع، واتفاقهما معًا في وقت التحميد لا يخالف سنة الصلاة كما يتفقان في التأمين.\nولو فرض اختلافهما فلا إشكال أيضًا؛ لأن السنة في التحميد الإسرار، فلا يجهر به أحد منهما، فلا يظهر أثر للمخالفة، وإنما يكره تقدم المأموم على الإمام فيما يجهر به كل منهما، ولذلك في الصلاة السرية قد يفرغ المأموم قبل الإمام من قراءة الفاتحة، ويؤمن قبله، ولا أثر لهذا السبق.\nالدليل الثالث:\nاستدلوا بحديث أبي هريرة في الصحيحين: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ...) (^٢). قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء.\nوهذا من غريب الاستدلال، فإنه فرع على هذا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، فخالفوا الحديث.\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).","vol":"4","page":78},{"text":"الدليل الرابع:\nقالوا: بأن قول الإمام سمع الله لمن حمده دعاء، وقول المأموم ربنا ولك الحمد تأمين وقد بَيَّنَّا أن من سبيل الدعاء أن يَدْعُوَ واحد، ويؤمن غيره (^١).\n• ويجاب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن هذا من قياس الشبه وهو من أضعف أنواع القياس، لا يحتج به جمهور الأصوليين، فكيف يكون حجة إذا كان مصادمًا للنص، والقول بأن التسميع دعاء قد قيل به، وقد قيل إن المعنى حث المأموم على التحميد.\nوعلى التسليم بأنه دعاء، فليس تحميد المأموم من قبيل التأمين، وإنما هو من قبيل الامتثال، لأن التأمين دعاء بصيغة خاصة، وهو قول: (آمين)، فكل تأمين دعاء، وليس كل دعاء تأمينًا.\nومن الدعاء ما لا يشرع له تأمين عقبه، كالصلاة على النبي - ﷺ -، فإذا سمع الرجل أحدًا يصلي على النبي - ﷺ -، وهي جملة دعائية استحب للسامع أن يصلي على النبي - ﷺ -، وليس بالتأمين، فكذلك هنا، فكان التحميد امتثالًا لقول الإمام: سمع الله لمن حمده.\nوعلى التنزل بأنه بمنزلة التأمين فإنه لا يمنع الداعي من التأمين خاصة إذا جاء النص بذلك كما يشرع للإمام التأمين على دعاء الفاتحة قال - ﷺ -: إذا أمن الإمام فأمنوا.\nالجواب الثاني:\nأن بعض العلماء يرى أن قوله (سمع الله لمن حمده) إخبار عن إجابة الدعاء، وقول: (ربنا لك الحمد) شكر لله ﷿ على قبول الدعاء فلا يشرع للمأموم أن يجمع بينهما.\nهذا ما يتعلق بمشروعية التحميد\nوأما اختلاف القائلين بالمشروعية بين القول بالسنية وهو قول الجمهور وبين القول بالوجوب، وهو مذهب الحنابلة، أو الركنية، وهو قول ابن حزم، فقد ذكرت\n_________\n(^١). المعونة على مذهب (ص: ٢٢٢).","vol":"4","page":79},{"text":"أدلتهم في الخلاف في حكم التسميع فالأدلة واحدة، ومحلهما واحد، وهما من أذكار الانتقال، فإذا كان التسميع قد تبين لنا أنه لا يجب على الإمام فالتحميد من باب أولى لا يجب على المأموم؛ لأنه فرع عنه.\nوأما القول بأنه وجب على المأموم للأمر به؛ لقوله في الحديث: (إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد)، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا وجب على المأموم وجب على الإمام من باب أولى.\n• فالجواب:\nأن التحميد لا يجب على المأموم حتى يصح القياس عليه، والأمر في الحديث سيق لبيان وقت تحميد المأموم، ومتى يشرع له التحميد، ولو كان الأمر سيق لوجوب التحميد نفسه لجاء الأمر به على وجه الاستقلال، وهذا الحديث يشبه حديث (إذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) فالتأمين ليس واجبًّا مع الأمر به، فكذلك التحميد، والأصل أن يقاس المأموم على الإمام، وليس العكس، فإذا كان التسميع لا يجب على الإمام كما بينت في مسألة سابقة، فالتحميد فرع عنه، لا يجب على المأموم، لأنهما ذكران محلهما واحد، شرعا للانتقال من ركن إلى آخر.\nوإذا كان التكبير للانتقال للركوع ليس بواجب على الصحيح، فكذلك التسميع والتحميد، لكون التسميع والتحميد بدلًا عن التكبير في غير الرفع من الركوع.\nانظر الخلاف في حكم التكبير للركوع في مسألة مستقلة، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يختلف العلماء في مشروعية التسميع للإمام والتحميد للمأموم.\n• قال - ﷺ -: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، دل الحديث بالمنطوق أن تحميد المأموم عقب تسميع الإمام مباشرة بلا فاصل، وَدَلَّ بالالتزام أن التسميع لا يشرع في حق المأموم.\n• قول الإمام: سمع الله لمن حمده إخبار عن إجابة الدعاء في أحد القولين، وقول الإمام والمأموم: ربنا ولك الحمد عقبه شكر لله ﷿ على ذلك، وإخبار المأموم بالتسميع بعد إخبار الإمام لا معنى له.\n• ذكر الرفع من الركوع في حق الإمام سمع الله لمن حمده، وفي حق المأموم ربنا ولك الحمد، والانتقال من ركن إلى آخر إنما يُسَنُّ له ذكرٌ واحدٌ لا ذكران كسائر أذكار الانتقال.\n• عَلَّمَ النبي - ﷺ - الأعرابي الصلاة، ولم يعلمه تكبيرات الانتقال، ولا التسميع والتحميد، ولو كان واجبًا لعلمه إياه.\n• إذا لم يجب التسميع على الإمام على الصحيح، وقد سبق بحثه، لم يجب التحميد على المأموم؛ لأنه فرع عنه.\n[م-٦٤٠] لم أقف على خلاف للعلماء في أن المأموم يشرع له التحميد، على خلاف بينهم في حكمه، فقيل: سنة، وقيل: واجب، وقيل: فرض. على الخلاف في حكم التسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال وقد سبق تحرير الخلاف فيها، والأدلة واحدة، والراجح أن التحميد سنة.","vol":"4","page":81},{"text":"[م-٦٤١] واختلفوا في حكم التسميع للمأموم:\nفقيل: لا يشرع التسميع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، على خلاف بينهم في حكمه:\nفقال الحنفية: لا يجوز.\nوقال بعض المالكية: يكره (^١).\nقال في الفروع: «المأموم يحمد فقط (وهـ م)» (^٢): أي وفاقًا لأبي حنيفة ومالك.\nوقيل: يشرع له التسميع: وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، ورجحه من المالكية عيسى بن دينار، وابن نافع، وبه قال عطاء وابن سيرين، وأبو بردة ابن أبي موسى الأشعري، وإسحاق (^٣)،\nعلى خلاف بينهم في حكمه:\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٥)، فتح القدير (١/ ٢٩٨)، المبسوط (١/ ٢٠)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٢)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ٢٠٤)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٢)، شرح التلقين (٢/ ٥٨٥، ٥٨٦)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، مقدمات ابن رشد (١/ ١٦٤)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٥١)، مسائل أحمد رواية أبي الفضل (٣/ ٢٣٩)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥٧٨)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٣)، الفروع (٢/ ١٩٨)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، المبدع (١/ ٣٩٨)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥، ٢١٨).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٩٨).\n(^٣). قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٣٤): «حكاه الأقطع رواية عن أبي حنيفة، وهو غريب فإن صاحب الذخيرة نقل أنه لا يأتي بالتسميع بلا خلاف بين أصحابنا». وانظر: النهر الفائق (١/ ٢١٥).\nوانظر قول عيسى بن دينار وابن نافع في المنتقى لأبي الوليد الباجي (١/ ١٦٤)، شرح التقلين للمازري (٢/ ٥٨٧).\n\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٢)، الوسيط (٢/ ١٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، شرح مشكل الوسيط (٢/ ١٢١). وانظر رواية الإمام أحمد في الفروع (٢/ ١٩٨)، الإنصاف (٢/ ٦٤).\nوقد نقل الجمع بين التسميع والتحميد للمأموم عن جماعة من التابعين وإسحاق كل من:\nابن رجب في فتح الباري (٧/ ١٩٣)، والبيهقي في معرفة السنن (٣/ ١٢)، وفي السنن الكبرى تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٣/ ٥٤٠)، والعراقي في طرح التثريب (١/ ٣٠٣)، وابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ١٧٤).","vol":"4","page":82},{"text":"فقيل: سنة، وهو مذهب الشافعية.\nوقيل: واجب، كما في قول إسحاق.\nوقيل: فرض، كما في قول ابن حزم، على الخلاف في حكم التسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال وقد سبق تحرير الخلاف فيها.\nقال ابن قدامة: «لا أعلم في المذهب خلافًا أنه لا يشرع للمأموم قول: (سمع الله لمن حمده) ... وقال ابن سيرين، وأبو بردة، وأبو يوسف، ومحمد، والشافعي، وإسحاق: يقول ذلك كالإمام» (^١).\nوقال مالك: في مختصر ما ليس في المختصر: «للمأموم أن يجمع بينهما»، نقل ذلك ابن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام (^٢).\nوجاء في المحلى: «وقول (سمع الله لمن حمده) عند القيام من الركوع فرض على كل مُصَلٍّ، من إمامٍ، أو منفردٍ، أو مأموم، لا تجزئ الصلاة إلا به» (^٣).\nعلى ما سبق تحريره في حكم التسميع، والله أعلم.\n• دليل من قال: لا يشرع له التسميع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٣٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٦٧).\n(^٢). الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٦٠).\n(^٣). المحلى بالآثار (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":83},{"text":"الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).\nورواه الشيخان من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).\nورواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة (^٣).\nورواه مسلم من طريق شعبة، عن يعلى هو ابن عطاء، سمع أبا علقمة سمع أبا هريرة بنحوه (^٤).\nورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - بمثله (^٥).\nوفي الباب حديث أنس في الصحيحين (^٦).\nوحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (^٧).\n• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الحديث ليس فيه حصرٌ، وغايةُ ما في الحديث السكوتُ عن إتيان المأموم بالتسميع، والإمام بالتحميد، فإذا كان لا ينفي تحميد الإمام، فلا ينفي تسميع المأموم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٦، ٣٢٢٨)، وصحيح مسلم (٧١ - ٤٠٩).\nورواه مسلم (٨٧ - ٤١٥) عن لأعمش، عن أبي صالح به.\n(^٣). صحيح البخاري (٧٢٢).\n(^٤). صحيح مسلم (٨٨ - ٤١٦).\n(^٥). صحيح مسلم (٨٩ - ٤١٧).\n(^٦). رواه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٨٠ - ٤١١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا.\nوقد رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق الليث،\nوالبخاري (٨٠٥، ١١١٤)، ومسلم (٧٧ - ٤١١) من طريق ابن عيينة.\nورواه البخاري (٧٣٢، ٧٣٤) من طريق شعيب،\nورواه مسلم (٧٩ - ٤١١) من طريق يونس،\nورواه أيضًا (٨١ - ٤١١) من طريق معمر، كلهم (الليث، وابن عيينة، وشعيب، ويونس) عن ابن شهاب به.\n(^٧). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤) من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى.","vol":"4","page":84},{"text":"الوجه الثاني:\nأن النبي - ﷺ - لم يعلمهم التسميع لعلمهم به فكان النبي - ﷺ - يجهر به، وكان الصحابة يتابعونه فلم يحتج إلى التنبيه عليه بخلاف (ربنا ولك الحمد) فإن النبي - ﷺ - لم يكن يجهر به، فاقتصر إخبارهم بما يتوقع أنهم كانوا يجهلونه لهذا أعلمهم به، فيكون معنى الحديث: فقولوا: ربنا ولك الحمد: أي مع ما قد علمتموه من قول: سمع الله لمن حمده (^١).\n• ورد هذا النقاش:\nبأن الفاء في قوله: (إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) تأتي في اللغة للترتيب والتعقيب، كما في قوله: (إذا كبر فكبروا) فكان مقتضى الحديث أن المأموم يقول: (ربنا ولك الحمد) عقب قول الإمام (سمع الله لمن حمده) بلا فصل، فيفهم منه أن المؤتم لا يقول إلا ذلك، بخلاف الإمام فإنه ليس في الحديث ما يمنع مشروعية التحميد له بدليل آخر، والله أعلم.\n• دليل من قال: يجمع المأموم بين التسميع والتحميد:\n(ح-١٧٣٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد .... ورواه مسلم (^٢).\nوفي الباب حديث ابن عمر في البخاري (^٣).\nوحديث عائشة فيه أيضًا (^٤)، وحديث حذيفة في مسلم (^٥)،\nوحديث ابن أبي\n_________\n(^١). انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٢/ ٥٦٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٥).\n(^٤). صحيح البخاري (١٠٦٥).\n(^٥). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢) من طريق جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة .... وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ... الحديث.\n\nوقد رواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، وأبي معاوية، عن الأعمش به، وليس فيه زيادة (ربنا لك الحمد).","vol":"4","page":85},{"text":"أوفى في مسلم (^١)، وحديث علي بن أبي طالب في مسلم (^٢)، وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (^٣).\nوإذا ثبت بهذه الأحاديث أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين التسميع والتحميد،\n(ح-١٧٣٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nحدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (^٤).\nومن المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا فيجمع بين التسميع والتحميد، ولئن كان المخاطب بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) هو مالك بن الحويرث ورفقته في أصل التشريع، فإن الأمة تدخل معه تبعًا باعتبار عموم أحكام الشريعة، والأمر لهم بالصلاة كما كان النبي - ﷺ - يصلي مطلق، يشمل الإمام، والمأموم والمنفرد، فلزم من الخطاب أن المصلي يجمع بين التسميع والتحميد.\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦) من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، عن ابن أبي أوفى.\n(^٢). رواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١) من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه الماجشون ابن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب.\n(^٣). رواه مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.\n(^٤). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).","vol":"4","page":86},{"text":"• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن هذا العموم أو الإطلاق الذي في حديث مالك بن الحويرث مخصوص ومقيد بالأحاديث الأخرى التي رواها أبو هريرة وأنس وأبو موسى، وغيرهم وقد ذكرتها في أدلة القول الأول، والتي تقول: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، والخاص مقدم على العام؛ لأن العام دلالته على مسألة النزاع ظنية، والأحاديث الخاصة في موضع النزاع دلالتها على مسألة الخلاف قطعية، فلا يقدم العام على الخاص باتفاق جمهور أهل الأصول.\nالوجه الثاني:\nأن أذكار الصلاة التي كان النبي - ﷺ - لا يجهر بها من التسبيح، والتحميد، والتشهد، لن يدركها مالك بن الحويرث ورفقته بمجرد الرؤية البصرية لأفعال صلاة النبي - ﷺ -، فإما أن يكون مالك ورفقته لا يفعلونها، ويكتفون بالأفعال فقط التي وقع عليها بصرهم، ولا أظن ذلك، لأن ذلك نقص في صلاتهم، وصلاة من وراءهم ممن يتعلم منهم.\nوإما أن يكونوا قد تعلموها عن طريق التفقه خارج الصلاة مدة إقامتهم والتي بلغت عشرين يومًا؛ وهذا هو الراجح، لأنه لا سبيل إلى الوقوف عليها من الرؤية البصرية لصلاة النبي - ﷺ -؛ لكونه لا يجهر بها، كما أخذ الصحابة قراءة النبي - ﷺ - في الصلاة السرية من اضطراب لحيته ﵊، فكذلك يقال: من جملة ما تعلموه خارج الصلاة: أن التسميع من الأحكام الخاصة بالإمام والمنفرد، وأن التحميد من الأفعال المشروعة للجميع، فيكون معنى قوله: (كما رأيتموني) رؤية بصرية فيما يدرك بالرؤية، ورؤية علمية فيما لم يدرك بالرؤية البصرية مما علموه من صلاة النبي - ﷺ - مدة إقامتهم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٤٠) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عثمان الخزاز، حدثنا","vol":"4","page":87},{"text":"عمرو بن شمر، عن جابر، عن عبد الله بن بريدة،\nعن أبيه، قال: قال النبي - ﷺ -: يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد.\nورواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا، سعيد بن عثمان الخزاز به (^١).\n[ضعيف جدًّا، قال الذهبي في التنقيح: رواه الدارقطني بسند ساقط] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nهذا الأمر مطلق، يشمل جميع أحوال الصلاة، ومنه حالة الاقتداء.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٤١) ما رواه الدارقطني في سننه من طريق أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو، حدثنا يحيى بن عمرو بن عمارة بن راشد أبو الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن ابن ثابت بن ثوبان، يقول: حدثني عبد الله بن الفضل، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ -، قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: سمع الله لمن حمده (^٣).\n[اضطرب فيه ابن ثوبان، وهو صدوق يخطئ].\nفقد رواه الدارقطني من طريق يزيد بن محمد بن عبد الصمد، حدثنا يحيى بن عمرو بن عمارة به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فليقل من وراءه: اللهم ربنا ولك الحمد.\nقال الدارقطني: هذا هو المحفوظ بهذا الإسناد (^٤).\n(ح-١٧٤٢) وقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١). سنن الدارقطني (١٢٨٤)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (١٧٦٤).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٧٣٥).\n(^٣). سنن الدارقطني (١٢٨٥)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (١٧٦٦).\n(^٤). سنن الدارقطني (١٢٨٦)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في الخلافيات (١٧٦٧).","vol":"4","page":88},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).\nهذا هو المحفوظ من حديث الأعرج، عن أبي هريرة، لا ما رواه ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن أبي هريرة، واضطرب فيه، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن السنة في حق المأموم التحميد، ولا يشرع له التسميع، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل حديث صح في حق الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد.\n• الإمام منفرد في حق نفسه.\n• أحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته.\n• قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد.\n[م-٦٤٢] اختلفوا في المنفرد:\nفقيل: المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ورواية الحسن عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو الأصح في المذهب (^١).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، فتح القدير (١/ ٢٩٩)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٦)، المدونة (١/ ١٦٧)، شرح التلقين (٢/ ٥٨٨)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٢٠٧)، بداية المجتهد (١/ ١٦٠)، شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٩٥)، المعونة (ص: ٢٢١)، التلقين (١/ ٤٦)، الذخيرة للقرافي (١/ ٢١٨)، الخرشي (١/ ٢٧٥)، الشرح الكبير (١/ ٢٤٨)، الأم (١/ ١٣٢)، الوسيط (٢/ ١٢٩)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٩)، المجموع (٣/ ٤١٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٤)، المبسوط (٢/ ١٢٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٠، ١٦١)، نيل المآرب (١/ ١٤٠)، الهداية (ص: ٨٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، المغني (١/ ٣٦٦)، المبدع (١/ ٣٩٦)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).","vol":"4","page":90},{"text":"قال ابن عابدين: المعتمد «أن المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد ...».\nوقيل: المنفرد يكتفي بالتحميد فقط، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، ورجحه السرخسي وغيره من المشايخ، وهو رواية عن أحمد (^١).\nوقيل: المنفرد يأتي بالتسميع فقط، وهو رواية المعلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنفية، ورواية عن أحمد (^٢).\nدليل من قال: يجمع بين التسميع والتحميد:\nالدليل الأول:\nكل حديث صح في الإمام أنه يجمع بين التسميع والتحميد فهو صالح للاحتجاج به في حق المنفرد؛ لأن الإمام منفرد في حق نفسه، وأحكام الإمام وأحكام المنفرد واحدة، ونية الإمامة ليست شرطًا في صحة إمامته، والمنفرد يجب عليه أن يتأسى بفعل الرسول - ﷺ -.\n(ح-١٧٤٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد .... (^٣).\nوفي الباب حديث ابن عمر في البخاري (^٤).\nوحديث عائشة، في البخاري (^٥).\n_________\n(^١). شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦١٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٩، ٣٠٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩، ٢١٠)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٦)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦٤).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، الفروع (٢/ ١٩٨).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).\n(^٤). صحيح البخاري (٧٣٥).\n(^٥). صحيح البخاري (١٠٦٥).","vol":"4","page":91},{"text":"وحديث ابن أبي أوفى في مسلم (^١).\nوحديث حذيفة في مسلم (^٢).\nوحديث علي بن أبي طالب في مسلم (^٣).\nوحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (^٤).\nوالظاهر من إطلاق هذه الأحاديث عموم أحوال صلاة النبي - ﷺ - جماعة ومنفردًا، ولوكان هذا خاصًّا بالإمامة لجاء التنبيه عليه من الرواة.\nوقد احتج الطحاوي على مشروعية التحميد للإمام بقياسه على المنفرد.\nقال الطحاوي: «لما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قوله سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد ثبت أن الإمام يقولها» (^٥).\nالدليل الثاني:\nحكى بعض العلماء الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما.\nقال ابن عبد البر: «لا أعلم خلافًا أن المنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، أو ولك الحمد» (^٦).\nوقال الطحاوي: «قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك» (^٧). يعني الجمع بين التسميع والتحميد.\nوقال العيني في شرح سنن أبي داود: «وأما المنفرد فيجمع بينهما بلا خلاف» (^٨).\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).\n(^٢). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٣). رواه مسلم (٢٠٢ - ٧٧١).\n(^٤). رواه مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.\n(^٥). شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).\n(^٦). التمهيد (٦/ ١٤٨)، الاستذكار (٢/ ١٧٨).\n(^٧). شرح معاني الآثار (١/ ٢٤٠).\n(^٨). شرح سنن أبي داود للعيني (٤/ ٣٣).","vol":"4","page":92},{"text":"ولا يثبت الإجماع لوجود الخلاف فيه كما هو واضح من عرض الأقوال، ولذلك عبارة العيني في شرح البخاري وفي البناية شرح الهداية أشار إلى الخلاف بقوله: والمنفرد يجمع بينهما في الأصح (^١).\nوهي أدق من عبارته في شرح سنن أبي داود السابقة\nوقال مثله القسطلاني في إرشاد الساري (^٢).\nومحمد الأمين بن عبد الله الأُرَمي في شرح مسلم (^٣).\n• دليل من قال: المنفرد يكتفي بالتحميد:\nأن قوله: (سمع الله لمن حمده) يراد منها حث المصلين على التحميد، والمنفرد ليس معه غيره ليحثهم عليه، فكانت حاجته إلى التحميد فقط.\n• ويجاب:\nبأن جملة (سمع الله لمن حمده) مختلف في تأويلها على قولين: أيراد منها الدعاء أم الخبر؟\nوعلى الأول لا يمنع المنفرد من أن يتقدم التحميد الدعاء له بالقبول والإجابة.\nوعلى التأويل الثاني وأن المراد منه الخبر والحث على التحميد، فلا يمتنع أن يحث المصلي نفسه على ذلك، ولا يستبعد أن تكون ألفاظ العبادة يغلب عليها التوقيف على مراعاة المعنى، ولذلك يقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ... بكاف المخاطب، مع أن النبي - ﷺ - ليس شاهدًا لصلاته، ولا سامعًا لسلامه، ويسلم المنفرد، وليس خلفه من يسلم عليهم، ويشرع الرمل في طواف القدوم وليس ثمت مشركون في مكة، ويؤذن المنفرد ويقيم ولولا ينتظر أحدًا يصلي معه، والله أعلم.\n• دليل من قال: يكتفي بالتسميع:\n(ح-١٧٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١). عمدة القارئ (٦/ ٦٢)، البناية شرح الهداية (٢/ ٢٣٠).\n(^٢). إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٢/ ١٠٤).\n(^٣). الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (٧/ ٦٣).","vol":"4","page":93},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (^١).\nوجه الاستدلال:\nإذا كان الإمام يقتصر على قول سمع الله لمن حمده، والمأموم على قول: ربنا لك الحمد، فالمنفرد إمام نفسه؛ ويشرع له ما يشرع للإمام، لأن أحكام صلاتهما واحدة، فلا يشرع له التحميد، والله أعلم.\n• ويناقش:\nسبق الخلاف في المشروع للإمام، ورجحت أنه يجمع بين التسميع والتحميد، وناقشت دلالة هذا الحديث، فانظر في الخلاف في تحميد الإمام، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن المنفرد يشرع في حقه التسميع والتحميد، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).","vol":"4","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>المبحث الأول في مشروعية الرفع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.\n• لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.\n• لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.\n• يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.\n[م-٦٤٣] اختلف في مشروعية رفع اليدين مع الرفع من الركوع:\nفقيل: لا يرفع يديه، وهو مذهب الحنفية، ورواية ابن القاسم عن الإمام مالك، وهي أشهر الروايات عنه، وبه قال الثوري، والحسن بن حَيٍّ (^١).\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣)، المبسوط (١/ ١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (١/ ١٩٩)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٠٠)، المدونة (١/ ١٦٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٩٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧١)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٤)، الثمر الداني (ص: ٦٥١)،.\nجاء في التاج والإكليل نقلًا من الإكمال (٢/ ٢٣٩): «اختلف عن مالك في الرفع، فروي عنه: لا رفع إلا في الافتتاح، وهي أشهر الروايات».","vol":"4","page":95},{"text":"جاء في المدونة: «وقال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض، ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئًا خفيفًا ... قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفًا إلا في تكبيرة الإحرام» (^١).\nوقيل: يرفع يديه عند الرفع من الركوع، وهو رواية ابن عبد الحكم عن مالك، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٢).\nجاء في البيان والتحصيل: «قال ابن وهب: صليت مع مالك في بيته، فرأيته يرفع يديه في أول ركعة، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه حذو منكبيه» (^٣).\nوقال في التلقين: وعنه -أي عن مالك- في رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان» (^٤).\nوقد ذكرت أدلة المسألة عند الكلام على رفع اليدين مع تكبيرة الركوع، فارجع إليه، فقد جمعت الخلاف في رفع اليدين في مواضع الصلاة، وذكرت أدلة كل قول، وما يرد عليها من مناقشة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، وإنما اقتضى التذكير في المسألة بخصوصها عند موضعها، والحمد لله.\n* * *\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٥)، وجاء في التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة (١/ ١٥٦) أن قوله: (إلا في تكبيرة الإحرام) ليس من كلام ابن القاسم، وإنما هو من كلام سحنون، فيكون في مذهب مالك قول بأنه لا يرفع يديه مطلقًا، لا في تكبيرة الإحرام، ولا في غيرها.\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٩)، شرح التلقين (٢/ ٥٤٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٤)، مناهج التحصيل (١/ ٢٤٣)، الإشراف للقاضي أبي محمد (١/ ٢٢٨)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٤)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، المجموع (٣/ ٣٩٦)، العباب المحيط (١/ ٣٤٧)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٥)، ومسائل أبي داود (ص: ٥٠)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٠)، الفروع (٢/ ١٩٥)، المحرر (١/ ٦١)، المبدع (١/ ٣٩٣)، الإنصاف (٢/ ٥٩)، المقنع (ص: ٥٠)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٢)، الإقناع (١/ ١١٩).\n(^٣). البيان والتحصيل (١/ ٤١٣، ٤١٤).\n(^٤). التلقين (١/ ٤٤).","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>المبحث الثاني في صفة رفع اليدين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره.\n• رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين.\n• رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب.\n• السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي - ﷺ - من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي - ﷺ -، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.\n[م-٦٤٤] اختلف العلماء القائلون بمشروعية رفع اليدين للرفع من الركوع في صفة الرفع:\nفقيل: يرفع يديه مع ابتداء رفع رأسه قبل أن يَسْتَتِبَّ قائمًا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة، زاد الشافعية: ويكون انتهاؤه مع انتهاء رفعه (^١).\n_________\n(^١). تحفة المحتاج (٢/ ٦٢)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، المغني (١/ ٣٦٤)، حاشيتا قليوبي وعميرة (١/ ١٧٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥)، الفروع (٢/ ١٩٧)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، المبدع (١/ ٣٩٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٦)، الإنصاف (٢/ ٦١)، الإقناع (١/ ١٢٠).","vol":"4","page":97},{"text":"ومعلوم أنه يشرع له مع ابتداء رفع رأسه أن يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد، فيكون الرفع على هذا مقارنًا لرفع الرأس من الركوع، وفي الوقت نفسه مصاحبًا للذكر الخاص بالرفع.\nوقال القاضي ابن كج من الشافعية: يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين (^١).\n• واستدل من قال: يرفع يديه مقارنًا للرفع والذكر:\n(ح-١٧٤٥) ما رواه البخاري، حدثنا محمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله (يعني ابن المبارك)، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله،\nعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (^٢).\nفجعل الرفع من اليدين وقول سمع الله لمن حمده إذا رفع رأسه للركوع، وإذا كان وقت التسميع بالاتفاق حين يرفع رأسه، فكذلك رفع اليدين.\nورواه النسائي أخبرنا سويد بن نصر، قال: أنبأ عبد الله بن المبارك به، بلفظ:\nرأيت رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (^٣).\nوسويد بن نصر راوية ابن المبارك، وإن لم يخرجا عنه في الصحيح.\nوتابعه عبدان وعلي بن إبراهيم البناني كما في السنن الكبرى للبيهقي (^٤).\nورواه البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،\n_________\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٤١٢)، الهداية إلى أوهام الكفاية مطبوع بخاتمة كفاية النبيه (٢٠/ ١٢٦).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٣٦).\n(^٣). سنن النسائي (٨٧٧).\n(^٤). السنن الكبرى للبيهقي تحقيق فضيلة الشيخ عبد الله التركي (٣/ ٤٧٥).","vol":"4","page":98},{"text":"أن ابن عمر، كان إذا دخل في الصلاة كبر، ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله - ﷺ - (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (إذا ركع رفع يديه وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه)،\nفإذا كان قوله: (إذا ركع رفع يديه) لا يحمل على معنى: إذا فرغ من الركوع رفع يديه بالاتفاق، فكذلك قوله: (إذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه) لا يراد منه: إذا فرغ من التسميع، كما في الحديث المتفق عليه: (إذا أمن الإمام فأمنوا) فإذا هنا تفيد المعية أي مع تأمين الإمام، فكذلك يحمل قوله: (إذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه) أي مع الركوع والتسميع، لا قبلُ، ولا بعدُ.\nومثله قوله: (إذا دخل في الصلاة كبر) لا يريد أن المعنى إذا فرغ من الدخول في الصلاة كبَّر، بل يريد اقتران الدخول بالتكبير، فكذلك يقال: اقتران الرفع بالتسميع.\nوقيل: يرفع يديه بعد اعتداله، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\nوعلى هذا القول يكون الرفع بعد فراغ الإمام من قول: سمع الله لمن حمده، وبعد فراغ المأموم من قول: ربنا ولك الحمد.\n• واستدلوا على ذلك:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم،\nعن أبيه، رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع -وقال سفيان: مرة، وإذا رفع رأسه- وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٩).\n(^٢). الفروع (٢/ ١٩٧)، المبدع (١/ ٣٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦١).\n(^٣). مسند أحمد (٢/ ٨).","vol":"4","page":99},{"text":"[رواه سفيان بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) على اختلاف عليه، ورواه غيره بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع)، وهو المحفوظ] (^١).\n_________\n(^١). أشار الإمام أحمد عليه رحمة الله أن سفيان يروي رفع اليدين بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) وربما رواه بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع).\nوالحديث مداره على الزهري، عن سالم، عن أبيه ابن عمر ﵄.\nرواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، واختلف عليه:\n\nفرواه علي بن المديني في رفع اليدين بالصلاة للبخاري، كما في قرة العينين (٢)، ومعجم ابن الأعرابي (١٢٥٧).\nويحيى بن يحيى التميمي، كما في مسلم (٢١ - ٣٩٠).\nوابن أبي عمر كما في سنن الترمذي (٢٥٥)،\nوقتيبة بن سعيد كما في سنن الترمذي (٢٥٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٢٥)، وفي الكبرى له (١٠٩٩)،\nوعبد الله بن المبارك كما في معجم ابن الأعرابي (١٩٢٩)،\nوالبيقهي في السنن الكبرى (٢/ ٣٦) من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم (ثقة)، ستتهم رووه عن سفيان به، وذكروا رفع اليدين من الركوع بلفظ: (... وإذا رفع رأسه من الركوع ...).\nوقوله: (إذا رفع من الركوع ...) أي إذا أراد.\nوخالف هؤلاء كل من:\nالإمام أحمد كما في المسند (٢/ ٨)، وعنه أبو داود في السنن (٧٢١).\nوالحميدي كما في مسنده (٦٢٦)،\nوالإمام الشافعي كما في مسنده (ص: ١٧٦)،\nوعمرو بن محمد الناقد كما في مسند أبي يعلى (٥٤٨١)،\nويونس بن عبد الأعلى كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٢)، وفي مشكل الآثار (٥٨٢٧)،\nوعلي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبي عمر الضرير كما في سنن ابن ماجه (٨٥٨)،\nومحمد بن رافع في آخرين واللفظ له كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٣)،\nوعبد الله بن محمد الزهري في آخرين، واللفظ له كما في مستخرج الطوسي (٢٣٦)،\nوأحمد بن عبدة كما في مسند البزار (٦٠٠٢)،\nومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، كما في منتقى ابن الجارود (١٧٧)، ومستخرج الطوسي (٢٣٦).\nوهارون بن إسحاق، ويوسف بن موسى كما في المنتقى لابن الجارود (١٧٧).\nومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو الربيع الزهراني كما في صحيح ابن حبان (١٨٦٤).\nوأبي نعيم عبيد بن هشام الحلبي كما في المعجم الصغير للطبراني (١١٦٨).\nومحمد بن عيسى، كما في فوائد تمام (١١٣)، =","vol":"4","page":100},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وسعدان بن نصر المُخَرِّمِيُّ كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢) والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠١)، وفي الخلافيات له (١٤٧٣)، وكما في مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم وإسماعيل الصفار (٦٣٤)، وجزء من أحاديث ابن المقير (١٣٢٢).\nوعبد الله بن أيوب المخرمي، كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢)، والخلافيات للبيهقي في آخرين (١٦٣٥).\nوشعيب بن عمرو كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٧٢).\nوالحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني كما في معجم ابن الأعرابي (١٣٤٨)، والخلافيات للبيهقي (١٦٣٥).\nومحمد بن الحجاج بن إياس بن نذير أبو الفضل الكوفي كما في الخلافيات للبيهقي (١٦٣٥).\nكلهم (أحمد والحميدي، والشافعي، وعمرو الناقد، ويونس بن عبد الأعلى، وعلي بن محمد، وهشام بن عمار، وأبو عمر الضرير، وعبد الله بن محمد الزهري، وأحمد بن عبدة، وابن المقرئ، وهارون بن إسحاق، ويوسف بن موسى، وابن نمير، وأبو الربيع الزهراني، وعبيد بن هشام، ومحمد بن عيسى، وسعدان بن نصر، وعبد الله بن أيوب المخرمي، وشعيب بن عمرو، والزعفراني، ومحمد بن الحجاج) رووه عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه وذكروا أن رفع اليدين بعدما يرفع رأسه من الركوع.\nوقد رواه كبار أصحاب الزهري كالإمام مالك، ويونس، ومعمر، وعبيد الله بن عمر، وشعيب، وابن جريج، وابن أخي الزهري، وهشيم، وغيرهم، فذكروا الحديث بلفظ: (وإذا رفع رأسه من الركوع) فاتفاقهم على هذا اللفظ، ومخالفتهم لرواية سفيان، تدل على ضبطهم وشذوذ ما رواه سفيان بن عيينة، وقد تجنب البخاري ومسلم إخراج الحديث من رواية سفيان بن عيينة مع كون الإسناد على شرطهما، ولعل ذلك لمخالفة سفيان كبار أصحاب الزهري، وقد أشار الإمام أحمد إلى اختلاف سفيان بن عيينة في لفظه، فتارة يرويه برواية الجماعة، وتارة يخالفهم، وهو الأكثر عنه، وإليك تخريج بعض هذه الطرق عن الزهري:\nالأول: مالك بن أنس، عن الزهري.\nرواه مالك، واختلف عليه:\nفرواه يحيى بن أبي يحيى كما في الموطأ (١/ ٧٥)،\nوعبد الله بن مسلمة كما في صحيح البخاري (٧٣٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٣٤).\nوأبو مصعب الزهري، كما في روايته للموطأ (٢٠٤)،\nومحمد بن الحسن كما في روايته للموطأ (٩٩)،\nوالشافعي كما في مسنده (ص: ٢١٢)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٧٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠).=","vol":"4","page":101},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٢/ ١٨)، وسنن النسائي (١٠٥٧)، وفي الكبرى (٦٤٨).\nوقتيبة بن سعيد كما في سنن النسائي (٨٧٨)، وفي الكبرى (٩٥٤)\nوعبد الله بن المبارك كما في سنن النسائي (١٠٥٩)، وفي الكبرى (٦٥٠)، وصحيح ابن حبان (١٨٦١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٠).\nوابن وهب كما في جامعه (٣٨٦)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣).\nوعثمان بن عمر كما في سنن الدارمي (١٢٨٥).\nوخالد بن مخلد كما في سنن الدارمي (١٣٤٧)،\nوإسماعيل بن أبي أويس كما في مسند أبي يعلى (٥٤٩٩)،\nوعبد الله بن يوسف في رفع اليدين للبخاري، كما في قرة العينين (١١)، كلهم رووه عن مالك، عن الزهري فذكروا رفع اليدين بلفظ: (... وإذا رفع من الركوع ...).\nورواه عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، واختلف عليه:\nفرواه هارون بن سليمان كما في الخلافيات للبيهقي (٢/ ٣٢٩)، عن مالك به، بلفظ: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع ...)، وهذا المحفوظ أنه لفظ ابن عيينة، عن الزهري.\nوخالفه أحمد بن حنبل فرواه في المسند (٢/ ٦٢) عن عبد الرحمن بن مهدي به، بلفظ الجماعة: (كان يرفع يديه إذا استفتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع).\nالثاني: يونس بن يزيد، عن الزهري.\nرواه البخاري (٧٣٦) عن محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري به، بلفظ: (.... إذا قام في الصلاة رفع يديه ... وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده ...).\nورواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق سلمة بن سليمان، عن ابن المبارك به مختصرًا. وأكتفي بالصحيحين عن غيرهما.\nالثالث: شعيب، عن الزهري.\nأخرجه البخاري في الصحيح (٧٣٨) بلفظ: (... رفع يديه حين يكبر ... وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثله، وقال: ربنا ولك الحمد ...)، وأكتفي فيه بالصحيح عن غيره.\nالرابع: ابن جريج، عن الزهري.\nرواه مسلم (٢٢ - ٣٩٠) بلفظ: (... إذا قام للصلاة رفع يديه ... ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك .....). وأكتفي به بالصحيح عن غيره.\nالخامس: معمر عن الزهري. ...\nرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٥١٧)، عن معمر بلفظ: (.... وإذا رفع رأسه من الركعة =","vol":"4","page":102},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رفعهما ....).\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٧٢)، والدارقطني في السنن (١١١٥).\nورواه أحمد (٢/ ٤٧)، وأبو يعلى (٥٥٦٤)، عن إسماعيل بن إبراهيم،\nورواه النسائي في المجتبى (١٠٨٨)، وفي الكبرى (٦٧٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك،\nورواه الروياني في مسنده (١٤٠٢) من طريق عبد الأعلى، ثلاثتهم عن معمر، عن الزهري به، بلفظ: (... يرفع يديه إذا دخل إلى الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع ....).\nالسادس: عبيد الله بن عمر، عن الزهري.\nرواه النسائي في المجتبى (١١٨٢)، وفي الكبرى (١١٠٦)، والطحاوي في مشكل الآثار (٥٨٣٠)،\nوابن خزيمة في صحيحه (٦٩٣)، وابن حبان (١٨٧٧)، من طريق المعتمر بن سليمان،\nورواه البزار في مسنده (٦٠٠٣)، والروياني في مسنده (١٤٠٢)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد،\nورواه أبو عوانة في مستخرجه (١٥٧٩) من طريق ابن المبارك ثلاثتهم (المعتمر، وابن المبارك، وعبد الوهاب) رووه عن عبيد الله بن عمر به، بلفظ: (كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع ....).\nولفظ ابن حبان (١٨٦٨) من طريق عبد الوهاب: (... إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده)، وهما بمعنى واحد.\nالسابع: عقيل، عن الزهري.\nرواه الليث عن عقيل، واختلف عليه:\nرواه مسلم (٢٣ - ٣٩٠) من طريق حجين بن المثنى،\nوحجاج بن محمد كما في مستخرج أبي نعيم (١٥٧٨)، وسنن الدارقطني (١١١٣)، كلاهما عن الليث، عن عقيل به، مختصرًا، ليس فيه اللفظ موضع البحث، ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر).\nورواه عبد الله بن صالح كاتب الليث، في رفع اليدين للبخاري كما في قرة العينين (٧٨)، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب به، بلفظ: (... وبعدما يرفع رأسه من الركوع) كرواية سفيان عن الزهري، ولم يقل ذلك عن عقيل إلا عبد الله بن صالح، وهو صالح الحديث، وله مناكير.\nوخالفه من هو أوثق منه في الليث،\nفرواه يحيى بن عبد الله بن بكير كما في مسند أبي العباس السراج (٩٥)، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٨٥٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٠٢)، وفي الخلافيات (١٦٣٩)، فرواه عن الليث بن سعد به، حدثني عقيل، عن الزهري به، بلفظ: =","vol":"4","page":103},{"text":"وجه الاستدلال: قوله: (وبعدما يرفع رأسه من الركوع) صريح أن رفع اليدين بعد رفع الرأس، لا قبله، ولا معه.\n• وأجيب:\nبأن المحفوظ من الحديث: (وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما)، كما كشف ذلك تخريج الحديث، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٤٧) ما رواه أبو داود، حدثنا الإمام أحمد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم\n_________\n= (.... وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك ...). مثل رواية مالك ويونس ومعمر وغيرهم من أصحاب الزهري، وهذا هو المحفوظ من رواية الليث، عن عقيل\nالثامن: هشيم، عن الزهري.\nأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٢٨).\nوالبخاري في رفع اليدين للصلاة كما في قرة العينين (٧٧) حدثنا قتيبة،\nوالسراج في حديثه (٧١، ١٧٢٦)، وفي مسنده (٩٨) حدثنا داود بن رُشَيْد، وهناد بن السَّرِيِّ، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣) من طريق الإمام أحمد، كلهم عن هشيم، عن الزهري به، بلفظ: (كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع ...).\nالتاسع: ابن أخي الزهري، عن عمه.\nرواه أحمد (٢/ ١٣٣، ١٣٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٨)، والسراج في مسنده (٩٠)، وفي حديثه (١٥٩٤)، والدارقطني في السنن (١١١٧) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه (الزهري) به، بلفظ: (... ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه ....).\nهذه طرق بعض الرواة ممن رواه عن الزهري مخالفين له لسفيان بن عيينة في لفظه، وإذا شئت أن تستكمل ما بقي من طرقه فقد خرجته في المجلد السابع عند الكلام على رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، فارجع إليه، وبالله التوفيق.","vol":"4","page":104},{"text":"يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلًا .... (^١).\n[اضطرب عبد الحميد بن جعفر في موضع رفع اليدين بعد الركوع، فتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه) وتارة يرويه بلفظ: (يقول: سمع الله لمن حمده ورفع يديه، بالواو] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٠).\n(^٢). الاحتجاج بالحديث في محل موضع رفع الأيدي في هذا الحديث معلول بعلتين:\nالأول: أن الحديث مداره على محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ويرويه اثنان عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nالأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوروايته في صحيح البخاري (٨٢٨) بلفظ: (رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ... الحديث).\nولم يذكر رفع الأيدي في الرفع من الركوع.\n\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوعبد الحميد صدوق ربما وهم، وتكلم فيه الطحاوي بلا حجة، وقال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي.\nواختلف النقل عن يحيى بن سعيد القطان، فمرة نقل أنه كان يوثقه، ونقل أنه كان يضعفه، ومع تفرد عبد الحميد بن جعفر في ذكر موضع رفع الأيدي إذا رفع رأسه من الركوع، فقد رواه بثلاثة ألفاظ مما يدل على اضطرابه في ضبطه، من ذلك:\nاللفظ الأول: رواه بلفظ: (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم رفع، واعتدل).\nوالمتبادر بإطلاق الرفع، أنه يقصد به الرفع من الركوع، لعطف الاعتدال عليه.\nرواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٢٤)،\nويحيى بن حكيم كما في مسند البزار (٣٧١١)، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد ابن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء، عن أبي حميد الساعدي.\nاللفظ الثاني: (ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه) بالعطف، وهذا يقتضي المشاركة، بلا ترتب بينهما. =","vol":"4","page":105},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رواه محمد بن بشار كما في سنن الترمذي (٣٠٤)، وسنن ابن ماجه (٨٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٨٧).\nومحمد بن المثنى، كما في سنن الترمذي (٣٠٤)،\nوعمرو بن علي الفلاس كما في صحيح ابن حبان (١٨٦٥)، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد القطان.\nوعبد الملك بن الصباح المسمعي كما في صحيح ابن خزيمة (٦٧٧)، كلاهما يحيى بن سعيد القطان، والمسمعي، روياه عن عبد الحميد بن جعفر به.\nوتابعهما هشيم عن عبد الحميد بمعناه، عند ابن أبي شيبة في المصنف (٢٤٣٨)، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ: (... إذا ركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه).\nفهؤلاء ثلاثة من الرواة (القطان، والمسمعي، وهشيم) رووا رفع الأيدي مع قول سمع الله لمن حمده.\nاللفظ الثالث: (ثم قال: سمع الله لمن حمده ثم رفع يديه)، بلفظ (ثم) المتقضية للترتيب.\nرواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، واختلف عليه:\nفرواه أحمد بن حنبل كما في سنن أبي داود (٧٣٠)،\nوالدارمي (١٣٩٦)،\nوأبو بكرة كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣)،\nومحمد بن سنان القزاز البصري كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٥)، أربعتهم (أحمد، والدرامي وأبو بكرة والقزاز) عن أبي عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر به، بلفظ (ثم يرفع يديه).\nورواه محمد بن بشار كما في سنن ابن ماجه (١٠٦١) حدثنا أبو عاصم به، بلفظ (ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه ...).\nورواه محمد بن يحيى كما في المنتقى لابن الجارود (١٩٢) أخبرنا أبو عاصم به، بلفظ: (... فيقول: سمع الله لمن حمده يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا ....)، ليس فيه الواو، ولا ثم، والأظهر دلالتها على الاقتران.\nورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر واختلف عليه:\nفرواه عمرو بن عبد الله الأودي كما في صحيح ابن حبان (١٨٧٠)، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبد الحميد بن جعفر به، وفيه: (... ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه).\nورواه عبد الله بن محمد بن شاكر كما في السنن البيهقي (٢/ ١٩٦) حدثنا أبو أسامة به، بلفظ: (.... ثم رفع رأسه، فقال: سمع الله لمن حمده ثم رفع يديه ....).\nورواه علي بن محمد الطنافسي كما في سنن ابن ماجه (٨٠٣)، عن أبي أسامة به مختصرًا برفع اليدين في تكبيرة الإحرام.\nفإن كان ثَمَّةَ ترجيح، فترجيح رواية الواو على رواية ثم: أي أن المحفوظ (ثم يقول: سمع الله لمن حمده ورفع يديه) أولى من لفظ (ثم يرفع يديه) لأن الروايات الموافقة لحديث ابن عمر في الصحيحين، أولى من إثبات صفة تخالف حديث ابن عمر مع اضطراب رواية في لفظه، فتارة يرويه بالواو، وتارة يرويه بثم، والراوي ليس بالقوي، والله أعلم.","vol":"4","page":106},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٧٤٨) رواه ابن ماجه حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثنا عباس بن سهل الساعدي، قال:\nاجتمع أبو حميد، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، إن رسول الله - ﷺ - قام، فكبر، ورفع يديه، ثم رفع حين كبر للركوع، ثم قام فرفع يديه، واستوى حتى رجع كل عظم إلى موضعه .... الحديث (^١).\n[اختلف على فليح بن سليمان في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم ذكر موضع رفع اليدين في الرفع من الركوع] (^٢).\n_________\n(^١). سنن ابن ماجه (٨٦٣).\n(^٢). الحديث مداره على أبي عامر العقدي، عن فليح، عن عباس بن سهل الساعدي، عن أبي حميد الساعدي.\nرواه محمد بن بشار عن أبي عامر العقدي كما في سنن ابن ماجه (٨٦٣)، وابن حبان (١٨٧١) وفيه (ثم قام فرفع يديه، فاستوى ...). فجاء الرفع بعد القيام مفرعًا عنه بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب.\nورواه الترمذي مختصرًا (٢٦٠، ٢٧٠، ٢٩٣)، وابن خزيمة مختصرًا (٦٤٠) عن محمد بن بشار به، ليس فيه موضع البحث.\nورواه أبو داود الطيالسي كما في صحيح ابن خزيمة (٥٨٩، ٦٠٨) عن أبي عامر العقدي به، وجاء فيه: (... ثم رفع رأسه، فاستوى قائمًا حتى عاد كل عظم منه إلى موضعه ....). ولم يذكر موضع رفع اليدين.\nوهذه الرواية أرجح؛ لأن أبا داود الطيالسي مقدم على بندار من جهة،\nومن جهة أخرى فإن رواية أبي داود الطيالسي موافقة لرواية الإمام البخاري.\nفقد رواه البخاري في الصحيح (٨٢٨) من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد بلفظ: (... فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه)، ولم يذكر رفع اليدين =","vol":"4","page":107},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (قام فرفع يديه واستوى) فذكر القيام أولًا، وجاء بعده رفع اليدين بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وأما الاستواء فذكر مع رفع اليدين بالواو الدالة على الاشتراك بلا ترتيب بين الاستواء ورفع اليدين.\n• ويجاب:\nبأن الحديث قد اختلف في ذكر رفع اليدين، والمحفوظ عدم الرفع، وفي إسناده فليح صدوق كثير الخطأ، فلا يمكن به إثبات صفة في الرفع معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، والله أعلم.\nوقيل: يرفع المأموم يديه مع رفع رأسه رواية واحدة؛ وكذا المنفرد إن قلنا: لا يشرع له التحميد، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nقال ابن قدامة: ولا تختلف الرواية في أن المأموم يبتدئ الرفع عند رفع رأسه؛\n_________\n=ومرجح ثالث، أن زيادة بندار معارضة لحديث ابن عمر في الصحيحين، من كون رفع اليدين إذا رفع رأسه من الركوع مع قول سمع الله لمن حمده، فلا تقوى زيادة بندار، وهي عنه، عن فليح بن سليمان، والأول قال أبو داود: لولا سلامة في بندار ترك حديثه.\nوفليح صدوق كثير الخطأ، فلا يقدر هذا الإسناد على معارضة حديث ابن عمر، وهو في الصحيحين، والله أعلم، ولا يمنع من القول بأن حديث فليح حسن في الجملة إلا هذا الحرف منه، ولا يمكن تقويته برواية عبد الحميد بن جعفر فإن هذا الحرف من حديث عبد الحميد قد اضطرب فيه حميد كما تبين لك في التخريج، لكن يتقوى به الحديث في الجملة دون جملة البحث، والله أعلم.\nوقد رواه جملة من الرواة عن أبي عامر العقدي، فاختصروه، ولم يذكروا جملة البحث، منهم:\nالأول: الإمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي كما في سنن أبي داود (٩٦٧).\nالثاني: عبد الله بن محمد في رفع اليدين للبخاري مختصرًا كما في قرة العينين (٥).\nالثالث: ابن مرزوق كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٢٣).\nالرابع: محمد بن رافع كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨٩).\nالخامس: إسحاق بن إبراهيم كما في سنن الدارمي (١٣٤٦)\nالسادس: محمد بن المثنى كما في مسند البزار (٣٧١٢) كل هؤلاء رووه عن أبي عامر العقدي، عن فليح به مختصرًا، ليس فيه جملة البحث.\n\n(^١). المبدع (١/ ٣٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦٢).","vol":"4","page":108},{"text":"لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال، والرفع إنما جعل هيئة للذكر، بخلاف الإمام.\nيعني أن له ذكرًًاحال قيامه وذكرًا وهو قائم.\n• الراجح:\nأن المشروع في رفع اليدين أن يكون مع التسميع إن كان المصلي إمامًا أو فَذًّا، ومع التحميد إن كان المصلي مأمومًا، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الرفع إلى المنكبين مما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والرفع إلى الأذنين من أفراد مسلم، وما اتفق عليه الشيخان أرجح من غيره.\n• رجح البخاري رواية الرفع إلى المنكبين؛ لأنه لم يختلف على ابن عمر في ألفاظ الحديث، واختلفت ألفاظ روايات الرفع إلى الأذنين، أهو إلى الأذنين، أم هو إلى فروع الأذنين، أم هو قريب من الأذنين.\n• رواية الرفع إلى المنكبين هو قول أكثر السلف، قاله ابن رجب.\n• السنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي - ﷺ - من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي - ﷺ -، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.\n[م-٦٤٥] اختلف القائلون بمشروعية رفع اليدين في الرفع من الركوع في منتهى الرفع.\nفقيل: يرفع يديه حذو منكبيه، بحيث لا يجاوز بأصابعه منكبيه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم.\nوقيل: يرفع يديه إلى أن تحاذي رؤوس أصابعه أذنيه، والمراد من الأذن هو شحمتها وأسفلها، لا أعلاها حتى لا يكون تكرارًا مع القول التالي.\nوقيل: يرفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، وبهذا جمع الشافعي رحمه","vol":"4","page":110},{"text":"الله بين الروايات المختلفة.\nوقيل: يرفع يديه في تكبيرة الإحرام حذو منكبيه، وفي غير الإحرام دون ذلك قليلًا، رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر.\nوقيل: يرفع يديه حيال صدره، وهو رواية أشهب عن مالك.\nوقيل: بالتخيير، إن شاء رفع يديه حذو منكبيه، وإن شاء حذاء أذنيه، قال حرب الكرماني: «ربما رأيت أحمد يرفع يديه إلى فروع أذنيه، وربما رفعهما إلى منكبيه، وربما رفعهما إلى صدره، ورأيت الأمر عنده واسعًا» (^١).\nوالقول في منتهى رفع اليدين هنا كالقول في منتهى الرفع في تكبيرة الإحرام، فقد فصلت الأقوال هناك، ووثقتها، وذكرت أدلتها مع تخريجها، وذكر ما يرد عليها من مناقشة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٤٠).","vol":"4","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.\n• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.\n• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.\n• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول - ﷺ -: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).\n• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).\n[م-٦٤٦] سبق لنا الخلاف في الرفع من الركوع، وأن الأقوال فيه ثلاثة: سنة، وواجب، وفرض، فمن قال: إنه سنة لم يوجب الاعتدال لأنه فرع عنه (^١)\n_________\n(^١). قال المازري في شرح التلقين (١/ ٥٢٦): «قدمنا اختلاف المذهب في إيجاب الرفع من الركوع، فإن لم نقل بإيجابه، وهو مذهب أبي حنيفة لم نوجب الاعتدال الذي هو فرع عنه، وإن قلنا بإيجابه، وهو مذهب الشافعي، فهل يجب الاعتدال؟ .. =","vol":"4","page":112},{"text":"ومن قال: إن الرفع فرض، أو واجب، وهو قول الجمهور، فقد اختلفوا في حكم الاعتدال، والخلاف فيه كالتالي:\nقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (^١).\nقال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين،\n_________\n= وقال القرافي بعد أن حكى مذهب ابن القاسم في الرفع من الركوع، قال في الذخيرة (٢/ ١٩٠): «إذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال، فروى ابن القاسم: لا يجب، وعند أشهب: يجب؛ لظاهر الحديث، وقال القاضي أبو محمد: يجب ما هو إلى القيام أقرب».\nفحكى الأقوال في مذهب المالكية مفرعة على القول بوجوب الرفع، وهو قول ابن القاسم.\nويطلق الحنفية لفظ (القومة) ويريدون به الاعتدال من الركوع.\nولفظ (القعدة والجلسة): على الاعتدال من السجود. قال في مراقي الفلاح (ص: ٩٤): «القومة والجلسة والرفع من الركوع». فجعل القومة غير الرفع من الركوع، وانظر: البحر الرائق (١/ ٣١٧)، الفتاوى الهندية (١/ ٧٢، ١٠٧).\n\n(^١). قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٦٤): «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور في المذهب السنية، وروي وجوبهم». اهـ وقوله: (وتعديلهما) أي تسكين الجوارح فيهما، حتى تطمئن مفاصله. انظر التعريفات الفقهية لمحمد عميم (ص: ٥٨).\nوانظر: المبسوط (١/ ١٨٩)، فتح القدير (١/ ٣٠١، ٣٠٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥١)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).\nقال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد .... قال محمد بن رشد: قوله ... يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اهـ\nوحكى عياض كما في التاج والإكليل (٢/ ٢٢١): قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان في الاعتدال، أحدهما: أنه من السنن.\nوانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٤)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٢٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).","vol":"4","page":113},{"text":"وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (^١).\nوقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها ...» (^٢).\nوقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\nقال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض ... ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (^٤).\nوقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).\n(^٢). البيان والتحصيل (١/ ٣٥٤).\n(^٣). المبسوط (١/ ١٨٩)، قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٩٣): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة ... والاعتدال والطمأنينة على الأصح ...».\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٧): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه».\nوقال في أسهل المدارك (١/ ٢٠٥): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام».\nوقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٤١): «فإن تركه -يعني الاعتدال- ولو سهوًا بطلت على الأصح».\nوانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٧٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤)، الشامل في فقه مالك (١/ ١٠٢)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨١)، منح الجليل (١/ ٢٥١).\nالأم للشافعي (١/ ١٢٤، ١٣٥)، الوسيط (٢/ ٨٦)، فتح العزيز (٣/ ٢٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٩١٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٧)، المغني (٢/ ٣)، المحرر (١/ ٦٨)، شرح الزركشي (٢/ ٣)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإقناع (١/ ١٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧).\n(^٤). التاج والإكليل (٢/ ٢٢٠)، وانظر: التمهيد (١٩/ ٧)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٧).","vol":"4","page":114},{"text":"الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (^١).\nوقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (^٢).\nوهذا في الحقيقة ليس قولًا مستقلًّا، وإنما يبين متى يتحقق الاعتدال من الركوع، فإذا رفع حتى كان إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته إياه، وإن كان إلى الركوع أقرب كان في حكم الراكع الذي لم يرفع، ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود، بناء على قاعدة: ما قارب الشيء يعطى حكمه.\nوقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (^٣).\nقال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (^٤).\nوقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (^٥).\nوجاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى قاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (^٦).\nفَتَرتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو\n_________\n(^١). المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).\n(^٢). قال في التلقين (١/ ٤٣): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين».\nوانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، شرح التلقين (١/ ٥٢٦)،.\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٧)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، فتح القدير (١/ ٣٠٢).\n(^٤). فتح القدير (١/ ٣٠٢).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).\n(^٦). البحر الرائق (١/ ٣١٧).","vol":"4","page":115},{"text":"عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون (^١).\nفتبين من عرض الأقوال، أن الأقوال ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.\nإذا علمت الأقوال فلننتقل إلى معرض الأدلة، ومناقشتها أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.\n• دليل من قال: الاعتدال سنة:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nوجه الاستدلال:\nأن الله أمر بالركوع والسجود مطلقًا، والركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، وهذا هو الركن، ولم يأمر الله بالآية بالاعتدال منهما، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، فالركن هو الركوع والسجود، فأما رفع الرأس حتى يعتدل قائمًا فليس بفرض، إلا أنه في السجود لابد من رفع الرأس؛ لأنه لا يمكن الانتقال من سجدة إلى سجدة أخرى دون رفع الرأس، والواجب من الرفع القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، فلا يشترط الاعتدال جالسًا من السجود.\nولو ركع المصلي، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو.\nفتبين أن الحنفية لا يرون ركنية الاعتدال من الركوع، والسجود (^٢).\n_________\n(^١). انظر: منحة الخالق على البحر الرائق (٢/ ١٠٢).\n(^٢). جاء في فتاوي قاضي خان فيما يوجب السهو نقلًا من البحر الرائق (١/ ٣١٧): «المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو. انتهى. وفي المحيط لو ترك تعديل الأركان أو القومة التي بين الركوع والسجود ساهيًا لزمه سجود السهو انتهى. فيكون حكم الجلسة بين السجدتين كذلك؛ لأن الكلام فيهما واحد».\nويقصد بقوله: (تعديل الأركان) أو تعديل الانتقال، أي الاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، فتركهما لا يبطل الصلاة عند الحنفية. وانظر: بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)، المحيط البرهاني (١/ ٣٣٨)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).","vol":"4","page":116},{"text":"• ونوقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nأن الآية ذكرت الركوع والسجود، وأرادت حقيقة الصلاة، لا مسمى الركوع والسجود، وإطلاق الجزء على الكل إذا كان الجزء ركنًا أساسيًّا في الكل معروفًا في لغة العرب، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولا يقال: المقصود بالرقبة العضو الخاص، بل قصد العبد كله، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله - ﷺ -: (من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ولم يقصد بالحديث إدراك السجود، ومنه إطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالمقصود بالقراءة صلاة الفجر، لا القراءة نفسها، ومنه إطلاق التسبيح على الصلاة، فلا يراد به لفظ (سبحان الله)، فأطلق الركوع والسجود، وأراد به كامل الصلاة، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nلو حملنا الآية على الركوع والسجود الخاص فإن الآية أفادت ركنية الركوع والسجود، ولكنها لا تنفي ركنية غيرهما بدليل آخر، فالقيام والقراءة من جملة الأركان المتفق عليها، فكذلك الاعتدال، وقد دلت السنة على ركنية الاعتدال.\n(ح-١٧٤٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن","vol":"4","page":117},{"text":"جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nفلما انتفت الصلاة بانتفاء الاعتدال بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ) دل ذلك على ركنية الاعتدال في الصلاة.\n• واعترض الحنفية على الاستدلال بالحديث:\nبأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، وحديث أبي هريرة ظني الثبوت، فلا يفيد الركنية.\n• ورد هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي. وقد سبق لي مناقشة الحنفية في هذا الأصل عند بحث حكم الطمأنينة في الصلاة، فانظره هناك.\nالوجه الثاني:\nلو تنزلنا أن الركنية لا تثبت بالدليل الظني، فإنه لا يمنع من إثبات الركنية بالدليل الظني إذا كان ذلك من قبيل بيان المجمل.\nفالخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه في حقيقة الركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفأبو حنفية ومحمد بن الحسن يذهبان إلى أن حقيقة الركوع والسجود لغوية، وهي معلومة باللغة، فلا يحتاجان إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز على أصلهم؛ لأنه يؤدي إلى نسخ القطعي بالظني، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.\nويرى أبو يوسف أن حقيقة الركوع والسجود شرعية، وهي غير معلومة إلا من قبل الشرع، فيحتاج إلى البيان، وقد خرج حديث المسيء في صلاته مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":118},{"text":"أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا لما أجمل في الآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض الصلاة حتى على أصول الحنفية.\nالدليل الثاني للحنفية:\nالاعتدال ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة للفصل بين الأركان، فلا يكون ركنًا.\n• ورد هذا من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن هذا نظر في مقابل النص فيكون نظرًا فاسدًا، ولا تعارض النصوص الشرعية بالنظر، فالعقل مجاله في فهم النص والقياس عليه، فإذا ورد النص الشرعي وكانت دلالته نصية فلا يمكن معارضته بالدليل النظري.\nالوجه الثاني:\nكون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية، فالركنية تستفاد من انتفاء الصلاة بانتفاء الفعل، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول - ﷺ -: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم فيما أساء فيه، قال له: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، هذا في الاعتدال من الركوع، وقال في الاعتدال من السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).\nفإذا أمر الشارع بشيء، وحكم على الصلاة بالعدم عند الإخلال به كان ذلك الشيء ركنًا بصرف النظر، أكان الاعتدال مقصودًا في نفسه أم غير مقصود.\nالوجه الثالث:\nلو كان الاعتدال غير مقصود، لاكتفى الشارع من الرفع بمقدار يسير، لا ينتهي حتى يعتدل قائمًا ويطمئن جالسًا، فلما أمر بالرفع من الركوع حتى يعتدل قائمًا، وبالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، دل ذلك على أن الاعتدال مقصود في نفسه، فالقيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فَرَّقَ بين قيام وقيام","vol":"4","page":119},{"text":"وقعود وآخر فعليه الدليل.\n• دليل من قال: الاعتدال واجب:\nالركن لا يثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، ولهذا قلنا بركنية الركوع والسجود للأمر بهما في الآية الكريمة.\nوأما الأمر بالاعتدال فلم يثبت إلا في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، حيث أمره بالاعتدال في الركوع، فقال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) وقال في السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).\nوقد واظب النبي - ﷺ - على الاعتدال فيهما، ولم يخل به ولا مرة واحدة، فدل ذلك على وجوبهما، ولم نقل بركنيتهما؛ لأن الحديث ظني الثبوت، والفرضية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، من آية كريمة، أو حديث متواتر، أو إجماع، وهذا ما لم يوجد هنا، فلو قلنا بركنية الاعتدال لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية فإن إطلاقها يفيد صحة الصلاة بمطلق الركوع والسجود، ولو لم يعتدل منهما، فأفاد الحديث أن الصلاة لا تصح بالركوع والسجود حتى يعتدل منهما، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهو ما يسميه الحنفية في الأصول: الزيادة على النص نسخ، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد؛ لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.\n• وأجيب:\nسبق لي مناقشة هذا الدليل عند الكلام على حكم الطمأنينة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فلله الحمد.\n• دليل من قال: الاعتدال فرض:\n(ح-١٧٥٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى","vol":"4","page":120},{"text":"الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\n• الاستدلال به من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأمره بإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد الصلاة.\nالوجه الثاني: نفى عنه الصلاة الشرعية، لانعدام الاعتدال في الركوع، والسجود، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل في أركانها.\n• واعْتُرِضَ:\nبأن الأمر بإعادة الصلاة ليس دليلًا على الخلل في الأركان، وإنما هو لجبر النقص الحاصل بترك الواجب، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، ويجبر بالسجود إن كان ساهيًا.\n(ح-١٧٥١) ويدل على ذلك ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه،\nعن عمه وكان بدريًّا في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه: .... قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك (^٢).\n(ح-١٧٥٢) وروى أبو داود في السنن من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله ابن عمر، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وقال في آخره: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك ... (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). سنن النسائي (٦٤٤).\n(^٣). سنن أبي داود (٨٥٦).","vol":"4","page":121},{"text":"وجه الاستدلال من الحديث من وجهين:\nالوجه الأول:\nقوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك) فلو كان ترك الاعتدال مفسدًا لما سماها صلاة، فإن الباطلة لا تسمى صلاة.\nالوجه الثاني:\nلأن النبي - ﷺ - تركه يتم صلاته، ولو كان ترك الاعتدال مفسدًا لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما أقره النبي - ﷺ - على الاستمرار فيها بعد فسادها.\n• ورد هذا الجواب من ثلاثة أوجه:\nالجواب الأول:\nأن النبي - ﷺ - لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.\nالجواب الثاني:\nترديده في الصلاة مع فسادها أبلغ في التعليم، حتى إذا اشتدت حاجته لمعرفة الصواب، قال: علمني، فعلمه النبي - ﷺ -، فلا ينسى ذلك.\nالجواب الثالث:\nأن حديث: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، لا يصح (^١).\nالراجح:\nأن الاعتدال من الركوع ومن السجود من أركان الصلاة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ص: ١٢٩) من هذا المجلد.","vol":"4","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل ذكر استُحِبَّ للإمام فهو مستحب للمأموم أصله سائر الأذكار إلا بدليل كالتسميع، فهو خاص للإمام والمنفرد دون المأموم.\n• زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، قاله رجل من الصحابة، وأقره النبي - ﷺ -.\n• اختلف في الباعث على الحمد بهذه الصفة: أهو من أجل الرفع من الركوع، أم كان بسبب العطاس، وكل من العطاس والاعتدال من الركوع مقتضٍ للحمد.\n• حمله على العطاس آكد؛ لأنه لم ينقل أن الرسول - ﷺ - قال في صلاته ولو مرة واحدة، (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولا حث أحدًا من الصحابة على فعله، ولم يُعِدَّ الأئمة الأربعة هذه الصفة من صيغ التحميد.\n• لا تثبت زيادة (لربي الحمد) من صيغ التحميد.\n[م-٦٤٧] اختلف الفقهاء في استحباب الزيادة على التسميع والتحميد:\nالقول الأول:\nلا تستحب الزيادة على قول: ربنا ولك الحمد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبه قال الحنابلة في حق المأموم فقط (^١).\nسئل أبو حنيفة في الرجل يرفع رأسه من الركوع: قال: «يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت» (^٢).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢١)، العناية (١/ ٢٩٩)، الأصل (١/ ٥)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٨).\n(^٢). الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: ٨٨)، وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٩).","vol":"4","page":123},{"text":"وكره مالك قول: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه؛ لئلا يعتقد أنها من فرائض الصلاة، أو من فضائلها (^١).\nوقال ابن شعبان: تبطل صلاة قائله، وهو ضعيف جدًّا (^٢).\nالقول الثاني: مذهب الشافعية:\nاتفق الشافعية على استحباب زيادة: أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، للمنفرد وللإمام إذا صلى بجماعة محصورة ورضوا التطويل.\nقال النووي في الروضة: «ويستحب لغير الإمام، وله إذا رضي القوم أن يزيد، فيقول: أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد (^٣)، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ويكره للإمام هذه الزيادة إلا برضاهم» (^٤).\nواختلفوا في زيادة: (ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)، وفي زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه).\nفقيل: تستحب زيادة (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) مطلقًا للإمام والمنفرد والمأموم، وهو المعتمد في مذهب الشافعية،\n_________\n(^١). التنبيه على مبادئ التوجيه (١/ ٤١٣).\n(^٢). شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٦).\n(^٣). قال النووي في الروضة (١/ ٢٥٢): هكذا يقوله أصحابنا في كتب المذهب: (حق ما قال العبد، كلنا لك عبد)، والذي في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث، أن رسول الله - ﷺ -، كان يقول: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد). بزيادة ألف في (أحق) وواو في (وكلنا) وكلاهما حسن. لكن ما ثبت في الحديث أولى».\nوقال في المجموع (٣/ ٤١٨): «كلاهما صحيح المعنى، لكن المختار ما وردت به السنة الصحيحة، وهو إثبات الألف والواو».\nوليس الجواز معلقًا فقط على صحة المعنى، بل لابد معه من موافقة السنة؛ لأن أذكار العبادة من الأذكار المقيدة، وهي توقيفية، بخلاف الذكر المطلق.\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٥٢).","vol":"4","page":124},{"text":"ونص عليه النووي في المنهاج والروضة، والشيرازي في التنبيه (^١).\nقال النووي في الروضة: «فإذا استوى قائمًا، قال: ربنا لك الحمد، أو: ربنا ولك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، يستوي في استحباب هذين الذكرين الإمام والمأموم والمنفرد» (^٢).\nولم يذكر في الاستحباب (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) وعليه جمهور الشافعية (^٣).\nوذكر النووي في التحقيق مثل ما في الروضة، وزاد عليه: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، قال العراقي: وهو غريب (^٤).\nوقال الخطيب في المغني والرملي في النهاية: «زاد في التحقيق بعده: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ولم يذكره الجمهور» (^٥).\nوقيل: لا تستحب الزيادة على ربنا ولك الحمد إلا برضا الجماعة المحصورة، مال إليه إمام الحرمين، ونص عليه النووي في المجموع، واستغربه الخطيب والرملي لمخالفته ما في الروضة والتحقيق (^٦).\nقال في المجموع: «إنما يأتي بهذا كله إذا رضي المأمومون بالتطويل، وكانوا محصورين، فإن لم يكونوا كذلك اقتصر على: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد) (^٧).\n_________\n(^١). منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٨)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٢)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ١٣٨)، بداية المحتاج (١/ ٢٤٣)، التنبيه (ص: ٣١)، حلية العلماء للقفال (٢/ ١١٨).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٥٢).\n(^٣). الأم (١/ ١٣٥)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الإقناع للماوردي (ص: ٣٩)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٢)، الوسيط (٢/ ١٢٩، ١٣٠)، فتح العزيز (٣/ ٤٠٦)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١١١).\n(^٤). تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٣)، وكذا قال في أسنى المطالب (١/ ١٥٨).\n(^٥). مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٢).\n(^٦). انظر: مغني المحتاج (١/ ٣٦٨)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٥٣).\n(^٧). المجموع (٣/ ٤١٧، ٤١٨).","vol":"4","page":125},{"text":"فهذه ثلاثة نقول عن النووي مختلفة، قال الإسنوي في المهمات: وما ذكره -يعني النووي- في هذه المسألة غريب جدًّا، فإنه ذكر ثلاث مقالات متخالفة، وجزم بكل منها» (^١).\nوقال إمام الحرمين: «وقد روي أنه - ﷺ - يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما يقول العبد، كلنا لك عبد ... إلخ.\nولعل هذه الدعوات تليق بالمنفرد، فأما الإمام فيقتصر على قوله: (سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد) فإنه مأمور بالتخفيف» (^٢).\nولم يذكر إمام الحرمين استحباب حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.\nوجزم بذلك العز بن عبد السلام في اختصاره للنهاية (^٣).\nالقول الثالث: مذهب الحنابلة:\nاستحب الإمام أحمد للإمام والمنفرد: أن يقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ولا يسن ذلك للمأموم (^٤).\n_________\n(^١). المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٧٧).\n(^٢). نهاية المطلب (٢/ ١٦١).\n(^٣). قال العز بن عبد السلام في الغاية في اختصار النهاية (٢/ ٥٧): «ويقول في الرفع من الركوع: (سمع الله لمن حمده، ربَّنا لك الحمدُ)؛ إِمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا، ولا يزيدُ الإِمامُ على ذلك، ويقول غيره: (ربَّنا لك الحمد ملءَ السموات، وملء الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجْدِ، أحقُّ ما قال العبد كلُّنا لك عبد: لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ)».\n(^٤). قال أبو داود في مسائل أحمد (ص: ٥١): «سمعت أحمد، سئل: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع مع الإمام؟ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ويقول من خلفه: ربنا ولك الحمد، وإن شاءوا: اللهم ربنا لك الحمد، لا يزيدون على ذلك.\nسمعت أحمد: سئل عن إمام رفع رأسه، فأطال القيام، قال: لا يقول من خلفه إلا ربنا ولك الحمد، أو اللهم ربنا لك الحمد».\nوقال أحمد كما في مسائل أبي الفضل (٣٠٩): «يقول إذا رفع رأسه من الركوع: (ربنا ولك الحمد). وإذا كان وحده أو كان إمامًا يقول: (سمع اللَّه لمن حمده). والذي نختار أن يقول: =","vol":"4","page":126},{"text":"قال في الإنصاف: وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب (^١).\nواختلف الحنابلة: في زيادة (أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد .. إلخ) أو غيرها مما ورد؟ على روايتين عن الإمام أحمد ﵀:\nفقيل: لا تستحب الزيادة على قول: (وملء ما شئت من شيء بعد)، وهي رواية الفضل بن زياد عن الإمام أحمد، واختاره الخرقي، وهي ظاهر عبارة المنتهى، والتنقيح (^٢).\nقال في المنتهى: «فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، ويحمد فقط مأموم» (^٣).\nوقيل: يستحب للإمام والمنفرد أن يزيد مع قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد) أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد ... إلخ أو غيرها مما ورد. وصحح ذلك في الإنصاف تبعًا للمغني والشرح، ونص عليه في الإقناع (^٤).\nونقل أبو الحارث كما في كتاب الروايتين لأبي يعلى: سألت أحمد، إذ قال: سمع الله لمن حمده، فليقل ربنا ولك الحمد، وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، ويقول: ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، وإن شاء قال بعدها: أهل الثناء والمجد. قال أبو عبد الله: وأنا أقول ذلك. قلت: إن صلى وحده أو كان إمامًا يقول ذلك؟ قال: نعم إن كان إمامًا، أو صلى وحده» (^٥).\nوعلى كلتا الروايتين: لم يذكر الحنابلة استحباب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.\n_________\n= (ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)، وإذا كان خلف الإِمام قال: (ربنا ولك الحمد). فقط لا يزيد».\nوانظر: الإقناع (١/ ١٢٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٦)، كشاف القناع (١/ ٣٩١)،\n(^١). الإنصاف (٢/ ٦٤).\n(^٢). المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٤)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، منتهى الإرادات (١/ ٢١٥).\n(^٣). منتهى الإرادات (١/ ٢١٥).\n(^٤). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٦)، الإقناع (١/ ١٢٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨).\n(^٥). المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٤).","vol":"4","page":127},{"text":"قال ابن قدامة: «ظاهر المذهب أنه لا يسن للمأموم، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو قول أكثر الأصحاب» (^١).\nوقيل: يستحب للمأموم أن يزيد (ملء السموات وملء الأرض ... إلخ)، اختاره أبو الخطاب، وصاحب النصيحة، والمجد في شرحه، وصاحب الحاوي الكبير، والشيخ تقي الدين (^٢).\nهذه مجمل الأقوال، وملخصها كالتالي:\nقيل: لا يستحب الزيادة على التحميد مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقال به الحنابلة في حق المأموم، في الصحيح من المذهب.\nوقيل: لا تستحب الزيادة على ربنا ولك الحمد، إلا أن يكون فذًّا أو إمامًا لجماعة محصورة، ورَضِيَتْ بالإطالة،، حكاه النووي في المجموع جازمًا به.\nوقيل: تستحب الزيادة على التحميد بقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، للإمام والمنفرد والمأموم، وهو المعتمد في مذهب الشافعية، وبه قال الحنابلة لغير المأموم.\nوقيل: تستحب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ذكره النووي في التحقيق، وهو خلاف ما عليه جمهور الشافعية.\nوقيل: تستحب زيادة: أهل الثناء والمجد ... إلخ مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، وصححه في الإنصاف والشرح الكبير، والإقناع، وقال به الشافعية بشرط أن يكون فذًّا أو إمامًا لجماعة محصورة ورضوا بهذا.\nوقيل: يستحب للإمام والمأموم والمنفرد مطلقًا زيادة: ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، وهو رواية عن أحمد.\nفهذه ستة أقوال محفوظة لفقهائنا عليهم رحمة الله، ونستطيع أن نلفق منها القول الصحيح فيما ظهر لي، وهو أنه يستحب زيادة على ا لتحميد: ملء السموات\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٦٧).\n(^٢). الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٣)، الإنصاف (٢/ ٦٤)، المحرر (١/ ٦٢)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥١)، المغني (١/ ٣٦٧).","vol":"4","page":128},{"text":"وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، فإن زاد عليها: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد .... إلخ فهذا أكمل.\nولا تستحب زيادة (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه)، ولا زيادة (لربي الحمد) فإن قال ذلك باعتبار أن المقام مقام يحمد فيه الرب، واعتقد أن الحمد المطلق يجوز في هذا المقام فأرجو أنه لا بأس به، وإن كان الاقتصار على الثابت أحب إليَّ. والله أعلم.\n• دليل من قال: لا تشرع الزيادة على قول ربنا لك الحمد:\n(ح-١٧٥٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ... (^١).\nوفي الباب حديث أنس في الصحيحين (^٢).\nوحديث أبي موسى الأشعري في مسلم (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٥٤) ما رواه البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله صلى - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد -قال عبد الله بن صالح، عن\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٤)، وصحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤).\n(^٢). رواه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٨٠ - ٤١١) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أنس مرفوعًا.\nوقد رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٧٨ - ٤١١) من طريق الليث،\nوالبخاري (٨٠٥، ١١١٤)، ومسلم (٧٧ - ٤١١) من طريق ابن عيينة.\nورواه البخاري (٧٣٢، ٧٣٤) من طريق شعيب،\nورواه مسلم (٧٩ - ٤١١) من طريق يونس،\nورواه أيضًا (٨١ - ٤١١) من طريق معمر، كلهم (الليث، وابن عيينة، وشعيب، ويونس) عن ابن شهاب به.\n(^٣). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤) من طريق قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى.","vol":"4","page":129},{"text":"الليث: ولك الحمد- ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.\nوجه الاستدلال من الحديثين:\nالحديث الأول بَيَّن بالسنة القولية الاقتصار على التسميع والتحميد، والحديث الثاني بَيَّن بالسنة الفعلية الاقتصار عليهما، فلا تشرع الزيادة عليهما.\n• ويناقش:\nبأن الحديث دليل على جواز الاقتصار على التسميع والتحميد، وهذا ليس موضع خلاف، وليس في دلالة الحديثين ما يمنع من الزيادة عليهما، وقد ثبتت الزيادة بأحاديث متفق على صحتها.\n• دليل من قال: لا تشرع الزيادة على التحميد إلا للمنفرد، أو برضا الجماعة المحصورة:\n(ح-١٧٥٥) الإمام مأمور بالتخفيف لما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلى لنفسه فليُطوِّلْ ما شاء.\nورواه مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي الزناد به (^١).\nودلَّ حديث أبي هريرة وأنس وأبي موسى على الاقتصار على التسميع والتحميد، وأن من اقتصر على التحميد والتسميع، فصلاته تامة.\nفيكره للإمام الزيادة على تمام صلاته إلا أن يكون منفردًا، أو إمامًا لجماعة محصورة ورضوا الإطالة.\nوحملوا الأحاديث الواردة في الزيادة على التسميع والتحميد بأنه قد علم من جماعته القوة والرغبة في الزيادة، جمعًا بين الأحاديث.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٠٣)، وصحيح مسلم (١٨٥ - ٤٦٧).","vol":"4","page":130},{"text":"• ويجاب على ذلك:\nبأنه لو عكس الأمر لكان أحق، فالمنفرد يصلي لنفسه، فإذا خفف فلا حرج عليه ما دام التخفيف لا يؤثر على صحة صلاته.\nوأما الإمام فإن صلاة الجماعة مرتبطة بصلاته، فهو مأمور بأن يطلب لهم الكمال، وكل من تصرف لغيره فهو مطلوب منه الكمال، والزيادة يسيرة جدًّا، لا تلحق المأمومَ منها مشقةٌ حتى يكلف الإمام موافقة جماعته، بخلاف الإطالة في القراءة فإن القيام فيها طويل، ويلحق الناس مشقة في الإطالة، وقد يصلي خلف الإمام الضعيف، والسقيم وذو الحاجة، فاعتبرت مراعاتهم، والتماس رغبتهم؛ لقوله - ﷺ -: اقتد بأضعفهم.\n• دليل من قال: لا تستحب زيادة أهل الثناء والمجد إلا برضا الجماعة أو للمنفرد:\nاستدلوا بما استدل به القول السابق، بأن الإمام مأمور بالتخفيف.\n• دليل من قال: تشرع زيادة (ملء السموات) إلى قوله (من شيء بعد) مطلقًا:\n(ح-١٧٥٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن عبيد بن الحسن،\nعن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^١).\n• دليل من قال: تستحب زيادة حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.\n(ح-١٧٥٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يوما نصلي وراء النبي - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم، قال: أنا، قال:\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).","vol":"4","page":131},{"text":"رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (^١).\n• ويناقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nهذا الحديث تفرد به علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة ولم يخرج البخاري لعلي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة إلا هذا الحديث، وأحاديث علي بن يحيى بن خلاد قليلة جدًّا، لا تتجاوز تسعة أحاديث أو عشرة، جلها عن أبيه، عن عمه رفاعة، منها حديث المسيء في صلاته، وفيه اختلاف كثير عليه في إسناده، ومتنه، وتفرد بزيادات كثيرة لم تذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته، وقد سبق تخريجه، والتفرد يعتبر علة عند المتقدمين في الجملة، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nالاختلاف هل كان الحمد بسبب العطاس، أو كان الحمد بسبب الصلاة، أو كان الحمد في موضع الاستفتاح، فإن كان الحمد بسبب العطاس لم تُسْتَحَبَّ هذه الصيغة داخل الصلاة.\n(ح-١٧٥٨) فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق رفاعة ابن يحيى بن عبد الله بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع،\nعن أبيه قال: صليت خلف النبي - ﷺ - فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله - ﷺ - انصرف فقال: «من المتكلم في الصلاة؟» فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء: أنا يا رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: قلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها.\n_________\n(^١). رواه البخاري (٧٩٩).","vol":"4","page":132},{"text":"[حسن] (^١).\nوقد ذهب الحافظ ابن حجر على اعتبار الحديثين لقصة واحدة.\nقال في الفتح: «لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عطاسه وقع عند رفع رأسه، ولا مانع أن يكني عن نفسه؛ لقصد إخفاء عمله، أو كُنِّيَ عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف فلا يتضمن إلا زيادة لعل الراوي اختصرها» (^٢).\n(ح-١٧٥٩) وروى مسلم من طريق عفان، حدثنا حماد، أخبرنا قتادة، وثابت، وحميد،\nعن أنس، أن رجلًا جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ فأرم القوم، فقال: أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا. فقال رجل: جئت وقد حفزني النفس، فقلتها، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها، أيهم يرفعها (^٣).\nفإن لم يحمل حديث أنس ﵁ على تعدد القصة وإلا كان\n_________\n(^١). رواه قتيبة بن سعيد كما في سنن أبي داود (٧٧٣)، والترمذي (٤٠٤)، والنسائي في المجتبى (٩٣١)، وفي الكبرى (١٠٠٥)، ومستدرك الحاكم (٥٠٢٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢٧١٣)، والبيهقي في الدعوات الكبير (٢٤٩).\n\nوسعيد بن عبد الجبار كما في سنن أبي داود (٧٧٣) مقرونًا بقتيبة، والطبراني في الكبير (٥/ ٤١) ح ٤٥٣٢، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٦)، وفي شعب الإيمان (٤٠٧٣)، وفي الدعوات الكبير (٢٤٩).\nوبشر بن عمر كما في مسند البزار (٣٧٣٢).\nوفي إسناده معاذ بن رفاعة، روى له البخاري في صحيحه (٣٩٩٢، ٣٩٩٣) في فضل أهل بدر، ووثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وفي التقريب: صدوق.\nورفاعة بن يحيى ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: صدوق، وقال الذهبي في الكاشف: ثقة.\n(^٢). فتح الباري (٢/ ٢٨٦).\n(^٣). صحيح مسلم (١٤٩ - ٦٠٠).","vol":"4","page":133},{"text":"هذا من الاختلاف في موضع الحمد.\nالوجه الثالث:\nكون الأئمة الأربعة لم يذهبوا إلى استحباب هذا الذكر، إلا وجهًا قال به النووي في التحقيق، وهو خلاف ما عليه جمهور الشافعية، مع إقرار النبي - ﷺ - على هذا الفعل، وترتب هذا الفضل العظيم، ولعل ذلك يرجع إلى أحد أمور:\nالأول: الاختلاف في الحديث أقال الصحابي ذلك من أجل موضع التحميد، أم كان من أجل العطاس.\nالأمر الثاني: كون النبي - ﷺ - لم ينقل، ولا مرة واحدة أنه فعل هذا في صلاته، ولم يأمر به، فالسنة القولية والفعلية في صفة التحميد مقدمة على السنة التقريرية والتي جاءت بمبادرة من الصحابي ولم يكن هذا الذكر معهودًا في الصلاة، ولو كان هو الأفضل لعلمه النبي - ﷺ - صحابته، وهو أحرص الناس على تعليم أمته ما ينفعهم، فلماذا لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه فعله، ولو مرة واحدة، أو حث على فعله بعد ذلك؟ وأما الثواب الذي ذكره النبي - ﷺ - على افتراض أن الحديث محفوظ، فهو إما دليل على أن الحمد في الرفع من الركوع من الحمد المطلق، وللعبد أن يحمد ربه بما يراه مناسبًا للمقام؛ لأن الصحابي فعل ذلك من عند نفسه، لا بتوجيه من النبي - ﷺ -، وإقرار النبي - ﷺ - يدل على جواز الحمد بما يراه الإنسان مناسبًا، وهو لا يدل على تفضيل هذه الصيغة على غيرها، فيكون الأجر مرتبًا على الحمد، لا على تعيين الصيغة، وإلا لفعلها النبي - ﷺ -، أو حث على فعلها.\nقال ابن حجر: «يستدل بهذا الحديث على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور» (^١).\nوإما أن يكون هذا الثواب دليلًا على الجواز، مثله مثل ذلك الرجل الذي كان يكرر سورة الإخلاص، في كل ركعة، لكونها صفة الرحمن، فكان يحبها، فأحبه الله لذلك، وأي ثواب أعظم من أن ينال العبد مقام محبة الله له، ومع ذلك لم يكن\n_________\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":134},{"text":"هذا الثواب دليلًا على المشروعية، وإنما هو من العبادة الجائزة؛ لكون النبي - ﷺ - لم يفعلها، ولم يأمر بفعلها، فلم يتجاوز الإقرار والثواب حكم الإباحة.\n• دليل من قال: تستحب كل زيادة ثبتت بها السنة مطلقًا:\nسبق لنا الاستدلال على مشروعية زيادة (ملء السموات وملء الأرض ...) بحديث عبد الله بن أبي أوفى في مسلم.\nوسبق لنا الاستدلال على مشروعية زيادة: (حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه) من حديث رفاعة بن رافع، عند الإمام البخاري.\n(ح-١٧٦٠) ومنها: ما رواه مسلم من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية ابن قيس، عن قزعة،\nعن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٦١) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (^٢).\n(ح-١٧٦٢) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس،\nعن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - من الليل، فلما دخل في الصلاة\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٥ - ٤٧٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٠٦ - ٤٧٨).","vol":"4","page":135},{"text":"قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع وكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه .... حتى قرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام، شعبة الذي يشك في المائدة والأنعام (^١).\n[زيادة (لربي الحمد) وزيادة قراءة المائدة أو الأنعام تفرد بها أبو حمزة طلحة ابن يزيد، فإن كان الرجل المبهم صلة بن زفر كما ظن النسائي وشعبة، فهي ليست محفوظة، وإلا كانت زيادة منكرة] (^٢).\n_________\n(^١). مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٩٨).\n(^٢). حديث حذيفة رواه صلة بن زفر، عن حذيفة.\nورواه ابن أخي حذيفة، عن حذيفة،\nورواه طلحة بن يزيد، عن حذيفة، ولم يدركه، وكلها ليس فيها قوله: (لربي الحمد).\nورواه رجل من عبس عن حذيفة، وفيه زيادة (لربي الحمد).\nأما رواية رجل من عبس، عن حذيفة:\nفرواها أبو داود الطيالسي (٤١٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥).\nوابن المبارك كما في الزهد والرقائق (١٠١)،\nومحمد بن جعفر كما في مسند أحمد (٥/ ٣٩٨)، والشمائل للترمذي (٢٧٥)، ومسند البزار (٢٩٣٤).\nوأبو الوليد الطيالسي كما في سنن أبي داود (٨٧٤)، والدعاء للطبراني (٥٢٣).\nوعلي بن الجعد كما في البغويات (٨٧)، وسنن أبي داود (٨٧٤)،\nويزيد بن زريع كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٦٩)، وفي الكبرى (٦٦٠، ١٣٨٣)،\nوخالد بن الحارث كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٤٥)، وفي الكبرى (٧٣٥)،\nومعاذ بن معاذ كما في تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٣١٣).\nويحيى بن أبي بكير قاضي كرمان كما في مشكل الآثار (٧١٢)، كلهم رووه عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي كما في السنن الكبرى: أبو حمزة عندنا -والله أعلم- طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة بن زفر.\nوقال أبو داود الطيالسي: شعبة يرى أنه صلة بن زفر، كما في مسنده (٤١٦)، وفي السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٧٥)، وفي الدعوات الكبير له (٩٧).\nوقال ابن صاعد: وهذا الذي لم يُسَمَّ هو عندي صلة بن زفر العبسي =","vol":"4","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=فذكر دعاء الاستفتاح (الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة)، وذكر فيه: (لربي الحمد) فيما قاله بعد الرفع من الركوع، وذكر فيه (قراءة المائدة أو الأنعام)، ورتب السور التي قرأها في صلاته كما هي في مصحف عثمان، البقرة، فآل عمران، فالنساء.\nوأما رواية طلحة عن حذيفة:\nفرواها العلاء بن المسيب -مخالفًا فيه شعبة- عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة طلحة بن يزيد، عن حذيفة. بإسقاط الرجل المبهم.\nرواه محمد بن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٩٨، ٧٦٩٧)،\nويحيى بن زكريا كما في مسند أحمد (٥/ ٤٠٠).\nوالنضر بن محمد كما في السنن الكبرى للنسائي (١٣٨٢).\nوحفص بن غياث كما في سنن ابن ماجه (٨٩٧)،\nوزهير بن معاوية كما في الدعاء للطبراني (٥٢٤)، ومستدرك الحاكم (١٢٠١)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٨٤).\nوجعفر بن زياد الأحمر كما في الدعاء للطبراني (٥٢٤)، كلهم رووه عن العلاء بن المسيب به.\nوطلحة لم يسمع من حذيفة، كما قال النسائي.\nوشعبة مقدم على العلاء بن المسيب، ورواية العلاء بن المسيب ليس فيها (لربي الحمد).\nفإن كان الرجل المبهم هو صلة بن زفر، كما ظن النسائي وشعبة، وابن صاعد فقد اختلف عليه:\nفرواه المستورد بن الأحنف كما في صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢)، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ليس فيه (دعاء الاستفتاح)، وليس فيه (لربي الحمد) وليس فيه (قراءة المائدة أو الأنعام) وذكر أنه قرأ البقرة، فالنساء فآل عمران خلافًا لرواية أبي حمزة، وهو المحفوظ.\nوأما رواية ابن أخي حذيفة، عن حذيفة:\nفرواها حماد بن سلمة كما في مسند أحمد (٥/ ٣٨٨، ٣٩٦)، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة، قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال: الحمد لله ذي الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، وكان ركوعه مثل قيامه وسجوده مثل ركوعه، فانصرف وقد كادت تنكسر رجلاي.\nأخطأ فيه حماد بن سلمة، فقال: ابن عم حذيفة\nورواه زائدة بن قدامة كما في مسند أحمد (٥/ ٤٠١)، ومسند ابن أبي شيبة كما في المطالب العالية (٥٧٨)، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه الفريابي في فضائل القرآن (١٢٠)، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني ابن أخي حذيفة، عن حذيفة بنحوه، ولم يذكر السبع الطوال،\nوابن أخي حذيفة لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي ففيه جهالة، ولم يذكر لفظ: (لربي الحمد) =","vol":"4","page":137},{"text":"• الراجح:\nاستحباب زيادة: ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الْجَدُّ منك لجد للإمام والمنفرد والمأموم، وأما زيادة: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا وزيادة لربي الحمد فلا أراها محفوظة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n= وقال: (ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده ذا الملكوت وذا الجبروت والكبرياء والعظمة) فذكر هذا في دعاء الاعتدال من الركوع، وليس في دعاء الاستفتاح كما هي رواية أبي حمزة.\nفقوله: (لربي الحمد) لم يروها عن حذيفة إلا رجل من عبس، عن حذيفة،\nفإن كان هو صلة بن زفر كما ظن شعبة والنسائي، فيكون قد اختلف فيه على ذكره، فرواه طلحة بن يزيد عن صلة بن زفر به، بذكره.\nورواه مسلم من طريق المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر به، ولم يذكرها، والمستورد مقدم على طلحة بن يزيد، والله أعلم.","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• غياب النصوص الشرعية الكاشفة عن حكم مسألة ما يراد منه شرعًا التوسعة على الخلق، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\n• الأصل عدم مشروعية قبض اليدين إلا بدليل.\n• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل.\n• القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع.\n• إذا أطلق القيام في الصلاة فالمراد منه قيام ما قبل الركوع؛ لأن الألفاظ تحمل على المتبادر المعهود، خاصة إذا كان اللفظ من الراوي، فكلام الراوي ليس محكمًا ككلام الشارع، منطوقه ومفهومه حجة.\n• نقل وائل بن حجر في صفة صلاة النبي - ﷺ - في قيامه الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع فقط، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلو عاد النبي - ﷺ - إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين في ثلاثة مواضع، فلما اكتفى بنقل الرفع دون القبض علم أنه تركه، ويلزم من ترك القبض الإرسال.\n• كان علي ﵁ يضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، فما بعد حتى مخالف لما قبلها.\n[م-٦٤٨] اختلف العلماء في هذه المسألة:\nفقيل: إذا قام من الركوع أرسل يديه، ولا يقبض اليسرى باليمنى، وهو مذهب","vol":"4","page":139},{"text":"الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (^١).\nقال في منح الجليل: «وكره قبضهما بفرض بأي هيئة كان» (^٢).\nوقيل: يسن وضع اليمنى على اليسرى كما في القيام قبل الركوع، وهو قول في مذهب الحنفية، والهيتمي من الشافعية، ورجحه ابن قاسم في حاشيته على الروض، واختاره ابن حزم من الظاهرية، ورجحه محمد بن إبراهيم، وشيخنا ابن عثيمين والشيخ ابن باز (^٣).\nقال ابن حزم في المحلى: ويستحب أن يضع المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة، في وقوفه كله فيها» (^٤).\nوقيل: إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله، نص عليه الإمام أحمد، وهو المذهب (^٥).\nهذا مجمل الأقوال في المسألة:\n• دليل من قال: يرسل يديه:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم المشروعية إلا بدليل؛ ولأن القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٠١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٦)، الفتاوى الهندية (١/ ٧٣)، الهداية شرح البداية (١/ ٤٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٨٧).\nوفي مذهب المالكية يسدل يديه قولًا واحدًا بعد الرفع من الركوع، وكذلك يندب إرسال يديه على المعتمد في المذهب بعد تكبيرة الإحرام في الفرض، إن فعله للاعتماد، أو لم يقصد الاستنان انظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، منح الجليل (١/ ٢٦٢)، مختصر خليل (ص: ٣٣)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٤)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٧)، التوضيح لخليل (١/ ٣٣٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠١)، الفروع (٢/ ١٩٩)، الإنصاف (٢/ ٦٣)، المبدع (١/ ٣٩٩).\n(^٢). منح الجليل (١/ ٢٦٢).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ٢٠١)، البحر الرائق (١/ ٣٢٦)، حاشية الروض المربع (٢/ ٤٩)، فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢/ ٢١٧)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٣/ ١٦٠، ١٦١)، مجموع فتاوى ابن باز (١١/ ٣٠).\n(^٤). المحلى (٣/ ٢٩).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٦٣)، الفروع (٢/ ١٩٩)، الإقناع (١/ ١٢٠)، كشاف القناع (١/ ٣٤٨)، المبدع (١/ ٣٩٩)، النكت والفوائد على المحرر (١/ ٦٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٦)، حاشية الخلوتي (١/ ٣٠٢).","vol":"4","page":140},{"text":"توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع. والقياس على قيام ما قبل الركوع لا يصح؛ لأن القياس إن كان من قياس الشبه بأن هذا قيام يشبه قيام ما قبل الركوع، فهذا من أضعف أنواع القياس عند الأصوليين.\nوإن كان من قياس العلة، فلا تعلم علة منصوصة حتى يمكن للمجتهد التماس العلة؛ لتعدية الحكم.\nوهناك فرق بين القيام الأول والثاني يمنع من الإلحاق:\nمن ذلك: أن قيام ما قبل الركوع طويل، ومتفق على ركنيته، ويشتمل على قراءة طويلة ومنها قراءة الفاتحة، وهي ركن آخر، فاجتمع في القيام ركنان، ويسبق القراءة دعاء الاستفتاح، وقد قال بعض العلماء: إن القبض فيه نوع من الاعتماد لطول القيام.\nوأما قيام ما بعد الركوع، فهو قيام قصير، ويجوز فيه الاقتصار على قول: (ربنا ولك الحمد)، والذكر فيه مسنون على الصحيح، والغاية منه الاعتدال، والقيام فيه مقدار لطيف جدًّا من أجل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، فإذا اعتدل قائمًا أجزأه ذلك بالإجماع، لقوله - ﷺ - في حديث المسيء في صلاته: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، وقال في الحديث المتفق عليه: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا الاعتدال مختلف في ركنيته، كما أنه مختلف في وجوب الطمأنينة فيه، فلا يقاس الأدنى على الأعلى.\nثم الاحتجاج بالقياس دليل على ضعف القول؛ إذ لو كان القبض مشروعًا لحفظ في النصوص ما يدل على مشروعيته، ولما احتجنا إلى باب القياس في عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، فالقياس دليل على غياب النص، لأن حقيقة القياس: قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، وغياب النص دليل على عدم المشروعية، ويبعد أن يكون مشروعًا ثم يهمل نَقَلَةُ الشريعةِ النصوصَ القاضية بمشروعيته، ولو وجد نص لحفظ للأمة لأن حفظه من حفظ الدين، وحفظ الدين قد تعهد الله به.\nولهذا إذا عجز عن القيام فصلى جالسًا، أيقبض يديه اعتبارًا بأنه بدل عن القيام أم يرسلهما اعتبارًا بالهيئة، فهيئة الجلوس لا يشرع فيها القبض ولأن الحكم تعبدي، جاء النص في قبض اليدين قائمًا، وثبوتها في البدل يفتقر إلى نص، والبدل","vol":"4","page":141},{"text":"لا يأخذ صفة المبدل من كل وجه؟ فيه تأمل.\n• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الاستدلال في القبض ليس قائمًا على القياس، وإنما هو من قبيل الاستدلال بالعام على بعض أفراده، وبينهما فرق.\n• وأجيب:\nسوف أبين في مناقشة أدلة القول الثاني أن القيام في الصلاة إذا أطلق حُمِلَ على قيام ما قبل الركوع، ولا يُحْمَلُ على غيره إلا بدليل، فانظره هناك.\nالوجه الثاني:\nأن إرسال اليدين في الصلاة صفة في العبادة، فيحتاج القول به إلى توقيف؛ لأن النبي - ﷺ - إما أن يكون قد قبض يديه، أو أن يكون قد أرسلهما، وإما أن يكون قد فعل هذا مرة، وهذا مرة، فما اعترض به على عدم وجود النقل في القبض، يعترض به على عدم وجود النقل في الإرسال.\n• ورد هذا النقاش:\nبأن الإرسال لا نقول به باعتباره صفة مطلوبة في العبادة، وإنما باعتبار أن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، فالذي يريد أن ينقل الإنسان عن طبيعته هو المطالب بالنص، كما قلت ذلك في المسافة بين القدمين إذا قام في الصلاة، وقلت ذلك في موضع نظر المصلي وهو قائم، وسوف أجلي هذه النقطة وضوحًا إن شاء الله تعالى في الدليل الثالث.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٦٣) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،\nعن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع،","vol":"4","page":142},{"text":"فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه (^١).\nوجه الاستدلال:\nذكر وائل بن حجر ﵁ في قيام ما قبل الركوع أن النبي - ﷺ - رفع يديه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، وذكر في قيام ما بعد الركوع الرفع فقط، ولم يذكر القبض، فلو عاد إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين حين عاد إليه للركوع وللرفع منه، وهذا كالنص في نقل عدم القبض، ويلزم منه الإرسال.\nالدليل الثالث:\nقال - ﷺ - في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) (^٢)، وسكت الشارع من غير نسيان عن القبض، وما سكت عنه فهو عفو، فالسدل لا يحتاج القول به إلى دليل إثبات، لأن إرسال اليدين بمقتضى الأصل، فالقاعدة الشرعية: أن مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فمن قال بالإرسال لا يطالب بالدليل؛ لأنه لا يقول بالإرسال باعتباره صفة في العبادة مطلوبة، وإنما باعتبار أنه لم يقم دليل يقتضي تغيير وضع اليدين عن طبيعتها، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\n(ث-٤٤١) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، حدثنا عبد السلام ابن شداد الحريري أبو طالوت، أخبرنا غزوان بن جرير الضبي، عن أبيه، قال:\nكان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده (^٣).\n[حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٣)، صحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٣). المصنف (٣٩٤٠).\n(^٤). وتابع وكيعًا مسلم بن إبراهيم كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٥)، قال: حدثنا عبد السلام ابن أبي حازم: ثنا غزوان بن جرير، عن أبيه؛ أنه كان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب، قال: =\n....................................................\n_________\n= كان عليٌّ إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبه ..... قال البيهقي: هذا إسناد حسن.\nفهذا وكيع ومسلم بن إبراهيم روياه عن عبد السلام بن أبي حازم بذكر منتهى قبض اليد، وهو الركوع.\n\nوعلَّقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه من كتاب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، قبل ح (١١٩٨)، قال البخاري: ووضع عليٌّ كفَّه على رسغه الأيسر، إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبًا. وليس فيه قوله: (حتى يركع)، وواضح أن البخاري ساقه بتصرف ليستشهد به على وضع اليمنى على اليسرى، ولم يتوجه لبحث منتهى الرفع.\nوهذا ذهاب من البخاري إلى صحة هذا الأثر عن علي، وحسنه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٤٤٣)، وقد سبق تخريج الأثر، في المجلد السابع.","vol":"4","page":143},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل منتهى القبض الركوع وما بعد حتى مخالف لما قبلها.\n• دليل من قال: السنة قبض اليسرى باليمنى إذا رفع من الركوع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٦٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،\nعن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.\nقال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي - ﷺ -. قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي (^١).\nوإسماعيل: هو ابن أبي أويس.\n• ويناقش:\nبأن قوله (في الصلاة) فيه إجمال، لأننا لو قلنا: بظاهره لكان مقتضاه أنه يقبض في كل صلاته، وهذا غير ممكن، والقاعدة في المجمل أن يحمل على المبين، هذه قاعدة الراسخين في العلم، والنصوص الأخرى التي فَصَّلت وضع اليد اليمنى على اليسرى كحديث وائل بن حجر قد نص على أنه لما دخل في الصلاة كبر،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٤٠).","vol":"4","page":144},{"text":"ورفع يديه ووضع اليمنى على اليسرى، وحين أراد الركوع رفع يديه وكبر، وحين رفع من الركوع ذكر أنه رفع يديه، ولم يذكر القبض، فتعين وضع اليد اليمنى على اليسرى في قيام ما قبل الركوع؛ لأنه هو المبين في الأحاديث، ولا يصح الاستدلال بالمجمل على المبين.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٦٥) روى النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى ابن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، عن علقمة بن وائل،\nعن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله (^١).\n• ويجاب بأجوبة منها:\nالجواب الأول:\nحديث علقمة بن وائل، عن أبيه، رواه قيس بن سليم العنبري وموسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به بلفظ (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض ...)،\nورواه وكيع عن موسى بن عمير العنبري بلفظ: (رأيت رسول الله - ﷺ - واضعًا يمينه على شماله في الصلاة)، وليس فيه إطلاق القيام، موضع الاحتجاج، واللفظان فيهما إجمال (^٢).\nورواه عبد الجبار بن وائل، عن علقمة في مسلم مفصلًا، فذكر في القيام الأول: التكبير، ورفع اليدين، وقبضهما، وذكر في الاعتدال من الركوع: رفع اليدين فقط، فلو كان في هذا الرفع قبض لذكره (^٣).\n_________\n(^١). سنن النسائي (٨٨٧).\n(^٢). رواه ابن المبارك كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٨٧)، وفي الكبرى (٩٦٣)، ومن طريق النسائي أخرجه الدارقطني في السنن (١١٠٤)، عن موسى بن عمير، وقيس بن سليم العنبري، قالا: حدثنا علقمة به.\nورواه أبو نعيم كما في المعرفة والتاريخ للفسوي (٣/ ١٢١)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٩) ح ١ والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣)، عن موسى بن عمير وحده به.\nوخالفهما وكيع كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٦)، ومصنف ابن أبي شيبة ت عوامة (٣٩٥٩)، فرواه عن موسى ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به، بلفظ: رأيت رسول الله - ﷺ - واضعًا يمينه على شماله في الصلاة. زاد ابن أبي شيبة (تحت السرة). ولم يذكر لفظ (إذا كان قائمًا ...).\n(^٣). رواه مسلم (٥٤ - ٤٠١) من طريق عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم =\n....................................................\n_________\n= أنهما حدثاه، عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه.\nوقد سبق تخريج رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، انظر (ح ١٢٨٢).","vol":"4","page":145},{"text":"كما رواه كليب بن شهاب الجرمي، عن وائل بن حجر، بمثل ما رواه عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل (^١).\n_________\n(^١). رواه عاصم بن كليب، عن أبيه كليب الجرمي، عن وائل.\n\nورواه عن عاصم أكثر من عشرين نفسًا، تامًّا ومختصرًا، يزيد بعضهم على بعض، وممن رواه عن عاصم تامًّا مفسرًا لموضع القبض، بشر بن المفضل، وزائدة بن قدامة، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعبد الله بن إدريس، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقيس بن الربيع، وغيرهم، وعاصم حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات، وإليك تخريج رواية بعضهم.\nالأول: بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب.\nرواه أبو داود (٧٢٦، ٩٥٧)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، قال: فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما، مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه .... الحديث.\nومن طريق مسدد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧) ح ٨٦، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥).\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٥)، وفي الكبرى (١١٨٩) أخبرنا إسماعيل بن مسعود.\nوابن ماجه (٨١٠، ٨٦٧) حدثنا بشر بن معاذ الضرير،\nوالبزار (٤٤٨٥) حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، أربعتهم رووه عن بشر بن المفضل به.\nفهذه الرواية توضح أن القيام الأول في الصلاة فيه التكبير، والرفع والقبض، والقيام الثاني، فيه الرفع فقط، كرواية علقمة بن وائل من طريق عبد الجبار عنه.\nالطريق الثاني: عبد الواحد بن زياد (ثقة)، عن عاصم بن كليب.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٦)، قال: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر الحضرمي قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه، قال: فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما ركع وضع يديه على =","vol":"4","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه، بذلك الموضع .... الحديث.\nوالاستدلال بهذا الطريق كالاستدلال بالطريق السابق.\nرواه يونس بن محمد كما في مسند الإمام أحمد (٤/ ٣١٦)، ومن طريق الإمام أحمد رواه الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٤).\nورواه مسدد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٠٤)،\nوصالح بن عبد الله الترمذي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٠)، ثلاثتهم (يونس، ومسدد، وصالح) عن عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب به.\nالثالث: زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب.\nرواه الإمام أحمد (٤/ ٣١٨)، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي، ... أن وائل بن حجر الحضرمي، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله - ﷺ -، كيف يصلي قال: فنظرت إليه قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد ثم قال: لما أراد أن يركع، رفع يديه مثلها ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد، فجعل كفيه بحذاء أذنيه .... الحديث.\nورواه الدارمي (١٣٩٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤)، عن معاوية بن عمرو.\nوالبخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (٣٠)، والنسائي في المجتبى (٨٨٩، ١٢٦٨)، وفي الكبرى (٩٦٥، ١١٩٢)، من طريق عبد الله بن المبارك.\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٩٣)، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي.\nوالبيهقي في السنن الكبرى مختصرًا (٢/ ٤٣) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، ومعاوية بن عمرو، وابن المبارك، وابن مهدي، والطيالسي، وعبد الله بن رجاء) رووه عن زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.\nالطريق الرابع: زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب.\nرواه أحمد (٤/ ١٣٨)، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب، أن أباه أخبره، أن وائل بن حجر أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، فقام فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، ثم قال: حين أراد أن يركع، رفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يديه على ركبتيه، ثم رفع فرفع يديه مثل ذلك، ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه .... الحديث.\nومن طريق الإمام أحمد أخرجه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧). =","vol":"4","page":147},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فهذه الطرق إلى عاصم بن كليب كلها صحيحة.\nالطريق الخامس: أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب.\nرواه أبو داود الطيالسي (١١١٣)، قال: حدثنا سلام بن سليم، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل الحضرمي، قال: صليت خلف النبي - ﷺ - فقلت: لأحفظن صلاته، فافتتح الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى بلغ أذنيه، وأخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر، ورفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ووضع كفيه على ركبتيه حين ركع، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ثم سجد فافترش قدمه اليسرى فقعد عليها .... الحديث.\nومن طريق أبي الأحوص رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣، ٢٣٠، ٢٥٩)، وابن المقرئ في الأربعين (٤٢)، والدارقطني في السنن (١١٣٤)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١).\nالطريق السادس: عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٣٥)، حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين كبر أخذ بشماله بيمينه.\nورواه ابن حبان بتمامه (١٩٤٥) من طريق سلم بن جنادة، قال: حدثنا ابن إدريس به، بلفظ: قدمنا المدينة، وهم ينفضون أيديهم من تحت الثياب، فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ -، قال: فكبر حتى افتتح الصلاة، ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر، ورفع يديه، ثم سجد ... الحديث.\nوسلم بن جنادة كوفي لا بأس به، وربما خالف، وقد تابعه على تفصيل قبض اليدين من سبق ذكرهم.\nومن طريق ابن إدريس رواه البخاري في رفع اليدين (٧١) والنسائي في المجتبى (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣)، والترمذي في السنن (٢٩٢)، وابن ماجه (٨١٠، ٩١٢)، وابن الجارود في المنتقى (٢٠٢) وابن خزيمة في صحيحه (٤٧٧، ٦٤١، ٦٩٠، ٧١٣).\nالطريق السابع: قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب.\nرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٩، قال: حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه)، حدثنا أسد بن موسى، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: رأيت النبي - ﷺ - افتتح الصلاة، وكبر ورفع يديه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر فرفع يديه فوضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه، فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه ...\nرواه الطبراني في الأوسط مختصرًا (٥٤٨٥) من طريق أبي بلال الأشعري (ضعفه الدارقطني) ورواه أيضًا في الكبير مختصرًا (٢٢/ ٣٩) ح ٩٣ من طريق يحيى الحماني (حافظ مجروح) كلاهما عن قيس بن الربيع (صدوق تغير بآخرة)، عن عاصم بن كليب به.","vol":"4","page":148},{"text":"فهذان الطريقان قد فَصَّلَا ما أُجْمِلَ في رواية قيس بن سليم وموسى بن عمير، والمفسِّر قاضٍ على المُجْمَل ومقدم عليه في الاستدلال.\nولا يصح في الاستدلال أن يستدل بالمجمل على المفسر، كما لا يصح أن يستدل بالعام على الخاص، ولا بالمطلق على المقيد، هذا الجواب من حيث الصنعة الحديثية، وهناك جواب آخر من حيث الفقه.\nالجواب الثاني:\nلو فرضنا أن الحديث محفوظ بلفظ: (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض ...)،\nفالقيام إذا أطلق في الصلاة لا يحمل إلا على القيام المعهود والمتبادر عند الإطلاق وهو قيام ما قبل الركوع، والألفاظ تحمل على المتبادر والمعهود عند الإطلاق على الصحيح، فإذا أريد به الاعتدال من الركوع جاء مقيدًا، كما أنه إذا أطلق الجلوس في الصلاة لم يطلق إلا على جلوس التشهد، فإذا أريد به الجلوس بين السجدتين جاء مقيدًا، ولذلك لما قال ابن عمر عن النبي - ﷺ -: (كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ..). الحديث رواه مسلم (^١).\nفحمل الفقهاء قوله: (إذا جلس) على التشهد؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق ولم يحملوه على عمومه، فيشمل حتى جلوس ما بين السجدتين، فكذلك قوله: (إذا كان قائمًا في الصلاة) يحمل على القيام المعهود.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١١٦ - ٥٨٠).","vol":"4","page":149},{"text":"وقد تكلم أهل الأصول، في العام أيدخل فيه الصور النادرة، وغير المعهودة على قولين، وإذا كان هذا الخلاف في ألفاظ الشارع، وهي ألفاظ محكمة، ومفهومها حجة كمنطوقها، بخلاف ألفاظ الرواة، فإن ألفاظها يدخلها ما يدخلها، ومفهومها ليس بحجة، وحديث: (رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله) ليس لفظًا نبويًّا، فيجب أن يحمل على المتبادر والمعهود من ألفاظهم.\nوإطلاق القيام في الصلاة على قيام الرفع من الركوع فيه نظر، فالمطلوب هو الاعتدال من الركوع، (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) متفق عليه، فإذا اعتدل قائمًا فقد حصل الفرض المطلوب، فالقيام فيه لتحصيل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، ومقداره لطيف جدًّا فإذا اعتدل وأقام صلبه، ورجع كل عظم إلى مفصله فقد أجزأه ذلك، وما زاد فهو من القدر المسنون، وليس في هذا القيام ذكر واجب، فالتحميد للمأموم من أذكار الرفع، وقد نص أحمد على أن المأموم لا يزيد عليه، وعلى اختيار الإمام أحمد لا يشرع للمأموم ذكر إذا رفع من الركوع.\nوالتحميد في حق الإمام من أذكار الاعتدال، ولا يجب عليه؛ لأن ذِكْرَ الانتقال في حقه هو التسميع، فكان هذا القيام خلوًا من ذكر واجب، وكل ذكر يقال بعد الرفع من الركوع فهو مسنون، وكون النبي - ﷺ - أحيانًا قد يطيل القيام فيه تبعًا لإطالة الركوع فهذا كما قلت مسنون.\nوقد اختلف الفقهاء في الاعتدال أهو مقصود لذاته، أم لا، وسبق مناقشة هذا عند الكلام على حكم الاعتدال.\nالدليل الثالث:\nلا نعلم أحدًا ذكر عن النبي - ﷺ - أنه أرسل يديه في الصلاة بعد الركوع، ولا عن الصحابة ﵃ وأرضاهم، فالأصل في هذا الضم كما يضم قبل الركوع، ومن زعم أنه يرسلهما فعليه الدليل، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان إبقاء للسنة على حالها.\n• ويجاب عن هذا الدليل:\nالوجه الأول:\nالقول بأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه أرسل يديه بعد الركوع، إن كان المقصود","vol":"4","page":150},{"text":"لم ينقل بهذا اللفظ فمسلَّم، ولا يلزم أن يكون الدليل بلفظ الإرسال، وإن كان المقصود لم ينقل ترك القبض فلا يسلم،\n(ح-١٧٦٦) فقد روى علقمة بن وائل، وكليب الجرمي عن وائل بن حجر، أنه قال: لأنظرن إلى رسول الله - ﷺ -، كيف يصلي قال: فنظرت إليه، قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، ثم لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها ... ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد ... الحديث.\nفذكر في القيام الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلما كرر النبي - ﷺ - رفع اليدين في ثلاثة مواضع نقل ذلك وائل بن حجر، ولما لم يكرر القبض لم ينقله، واكتفى بنقل الرفع، ويلزم من ترك القبض الإرسال.\nالوجه الثاني:\nالقول بأن الأصل في الصلاة ضم اليدين غير مسلم، فإن الأصل بقاء الإنسان على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بسنة، ولا توجد سنة محفوظة في قبض اليدين بعد الرفع من الركوع، قد شرحت هذا فيما سبق.\nالوجه الثالث:\nالقول بأنه لا يعلم عن أحد من الصحابة ﵃ إرسال اليدين، غير مسلم،\nفقد نقلت في أدلة القول السابق أثر علي ﵁، أنه كان إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحكَّ جسده (^١).\n[حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل\n_________\n(^١). المصنف (٣٩٤٠).\n(^٢). سبق تخريجه، أنظر (ث-٤٤١).","vol":"4","page":151},{"text":"منتهى القبض الركوع إلا أن يحك جسده، أويصلح ثوبه، وما بعد حتى مخالف لما قبلها، وعلى فرض أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك، فإنه يعكس، فيقال: لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم القبض فيما بعد الركوع، والإرسال هو الأصل كما بينت في أدلة القول السابق، فلا حاجة فيه إلى دليل فكل شيء لم يرد فيه سنة، فإن الإنسان يبقى على طبيعته، والإرسال هو الوقوف الطبيعي للإنسان، فإذا أراد أن ينتقل عنه إلى صفة أخرى كان مطالبًا بالدليل.\n• الراجح:\nفي كلا القولين قوة، والأمر واسع ولا ينبغي أن تكون المسألة محل تنازع وتبديع، ولعل غياب النصوص الحاسمة في هذا الموضع يراد منه شرعًا التوسعة على العباد، وإن كنت أميل إلى أن الإرسال أقوى من القبض، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تنوع الأدعية من كمال الشريعة، وله حكمه وفوائده وأسراره البليغة.\n•الصفات المتنوعة في العبادة إذا صحت لا يكره شيء منها، ومنها صيغ التحميد، وأدعية الاستفتاح، وتنوع الأذان، والتشهد في الصلاة.\n•الصفات المتنوعة يشرع الأخذ بكل ما ورد، بشرط ثبوتها، وعدم قيام مانع يمنع من القول بالتنوع، كما لو كانت الحادثة لم تقع إلا مرة واحدة، واختلفت الروايات في صفتها، فلا سبيل إلى إثبات التنوع فيها.\n• يلزم من التزام نوع واحد هجر السنن الباقية، وفيه ذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات والتشهد، بخلاف التنوع فإن فيه إحياءً لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابةً للسنة من جميع وجوهها.\n• تفضيل بعض الصيغ على بعض إذا لم يكن مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول - ﷺ - لبعضها على بعض، أو لأنه ثبت أن بعضها كان أكثر استعمالًا، أو كان التفضيل عائدًا لكمال المعنى، أو لأن الآخر إنما فعل في حالات قليلة، أو لداعي الحاجة، أو لبيان الجواز، فالأصل التسوية بينها.\n[م-٦٤٩] ورد للتحميد أربع صيغ.\nالأولى: ربنا لك الحمد وردت في أحاديث، منها.\nالحديث الأول:\n(ح-١٧٦٧) رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به،","vol":"4","page":153},{"text":"فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث (^١).\nالحديث الثاني:\n(ح-١٧٦٨) رواه البخاري حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٢).\n(^٢). رواه ابن شهاب الزهري عن شيخيه أبي بكر بن الحارث وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، تارة يجمع الزهري شيخيه، وتارة يفرد هما.\nأما رواية ابن شهاب، عن أبي بكر بن الحارث وحده، عن أبي هريرة فرواها عنه جماعة:\nالأول: عقيل بن خالد، عن ابن شهاب.\nرواه يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، واختلف على ابن بكير:\nفرواه الإمام البخاري في صحيحه (٧٨٩) عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل به، وفيه (.... ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو. وفي نسخة البخاري والتي في فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٢١) فيها زيادة (الواو).\nورواه عبيد بن عبد الواحد، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٩٧)،\n\nوعبيد بن شريك كما في السنن الكبرى (٢/ ١٨٢)، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، به، وفيه: (... ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو.\nقال البخاري: وقال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد. أي بزيادة الواو.\nورواه بالوجهين بزيادة الواو وحذفها أحمد بن إبراهيم بن ملحان\nفرواه أبو نعيم في مستخرجه (٨٦٥) حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن بكير به، وفيه: (... ثم يقول، وهو قائم: ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٤)، من طريق أحمد بن عبيد الصفار،\nوفي الخلافيات (١٧٦١) من طريق أحمد بن إسحاق الفقيه، كلاهما عن أحمد بن إبراهيم بن ملحان، حدثنا يحيى بن بكير به، بزيادة الواو.\nورواه حجاج بن محمد واختلف عليه:\nفرواه أحمد (٢/ ٤٥٤)، عن حجاج، عن ليث، عن عقيل به، دون زيادة الواو. =","vol":"4","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه يوسف بن سعيد بن مُسَلَّم، (ثقة حافظ) كما في مسند أبي عوانة (١٥٨٠)، حدثنا حجاج به، بزيادة الواو: ربنا ولك الحمد.\nورواه حُجَيْنُ بن المثنى، كما في صحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢)، وسنن النسائي (١١٥٠)، وفي الكبرى له (٧٤٠)، عن الليث به، وفيه: (... ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو، إلا أن مسلمًا ساق إسناده، وقال: بمثل حديث ابن جريج، ورواية ابن جريج، عن ابن شهاب، فيها زيادة الواو.\nالثاني: ابن جريج، عن ابن شهاب.\nورواه ابن جريج مرة بالواو، ومرة بحذفها.\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٢٤٩٦) عن ابن جريج بتمامه، وفيه: (... ثم يقول: وهو قائم: ربنا لك الحمد)، دون زيادة الواو.\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (٨٦٤). وعبد الرزاق من من أثبت الناس في ابن جريج.\nوتابع عبد الرزاق على حذف الواو أبو عاصم الضحاك بن مخلد، كما في مسند البزار (٨٠٩٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٦٤).\nورواه عبد الرزاق عن ابن جريج في موضع آخر مختصرًا (٢٩٥٤)، وفيه: (... يقول: وهو قائم: ربنا ولك الحمد)، بزيادة الواو، ومن طريق عبد الرزاق رواه مسلم (٢٨ - ٣٩٢)، وصحيح ابن خزيمة (٥٧٨، ٦١١).\nومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو عوانة وذكر طرفًا منه، وكذا ابن خزيمة (٦٢٤)، وليس فيه موضع الشاهد (١٥٨٣، ١٥٩٢)،\nورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٠)،حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، وأحال في لفظه على لفظ سابق.\nورواه الترمذي (٢٥٤) من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج به، بذكر بعضه، وليس فيه موضع البحث.\nفتبين بهذا أن ابن جريج، يرويه عن الزهري مرة بزيادة الواو، ومرة بحذفها، والراوي عنه اللفظين عبد الرزاق، وهو من أثبت أصحاب ابن جريج، وتابعه أبو عاصم الضحاك بن مخلد على حذف الواو عند البزار، فيصعب الترجيح بينهما.\nالثالث: صالح بن كيسان، عن ابن شهاب.\nرواه صالح بن كيسان بزيادة الواو، كما في حديث أبي العباس السراج (٢٤٩٣)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٨١) إلا أن أبا عوانة أحال على لفظ سابق، عن ابن شهاب، وفيه زيادة الواو (ربنا ولك الحمد)،\nفصارت رواية أبي بكر بن الحارث وحده، عن أبي هريرة،\nجاء عنه بلفظ: (ربنا لك الحمد)، رواه الليث في إحدى روايتيه، وحجاج بن محمد في =","vol":"4","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إحدى روايتيه، وحجين بن المثنى، ثلاثتهم، عن ابن شهاب، عن أبي بكر به.\nوجاء عنه بلفظ: (ربنا ولك الحمد) رواه الليث في إحدى روايتيه، وحجاج بن محمد في إحدى روايتيه، وابن جريج، وصالح بن كيسان، كلهم عن ابن شهاب به.\nوأما رواية ابن شهاب، عن أبي بكر بن الحارث مقرونًا بأبي سلمة، عن أبي هريرة.\nفرواها جماعة عن ابن شهاب، منهم:\nالأول: شعيب بن أبي حمزة، واختلف عليه:\nفرواه البخاري كما في صحيحه (٨٠٣)،\nوعثمان بن سعيد الدارمي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٩٤)،\nوعثمان بن سعيد بن كثير الحمصي وبقية بن الوليد كما في سنن أبي داود (٨٣٦)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٩٨).\nوأبو أمية كما في مستخرج أبي عوانة، ولم يذكر لفظه (١٥٨٢)، خمستهم، عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن شهاب به، بزيادة الواو.\nورواه أبو زرعة الدمشقي كما في مسند الشاميين للطبراني (٣١٣٥)، عن أبي اليمان، وعلي بن عياش، عن شعيب به، وفيه: (... ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو.\nالثاني: معمر، كما في مسند أحمد (٢/ ٢٧٠)، وسنن النسائي (١١٥٦)، وفي الكبرى (٧٤٦)، والدارمي (١٢٨٣)، وحديث أبي العباس السراج (٢٤٩١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٩٩)\nالثالث: صالح بن كيسان، كما في حديث أبي العباس السراج (٢٤٩٢).\nالرابع: محمد بن أبي عتيق كما في حديث أبي العباس السراج (١٢٨٩)، ومسنده (١٣٤٠). ثلاثتهم (معمر، وصالح، وابن أبي عتيق) رووه عن ابن شهاب به، بزيادة (الواو) في قوله: (ربنا ولك الحمد).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١) من طريق النعمان بن راشد، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ولم يذكر لفظه، وأحال على رواية سابقة مختصرة، ليس فيها موضع البحث.\nوأما رواية الزهري، عن أبي سلمة وحده.\nفرواه مالك كما في صحيح البخاري (٧٨٥)، وصحيح مسلم (٢٧ - ٣٩٢)، عن ابن شهاب به، مختصرًا، بلفظ: فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -، وهو في الموطأ (١/ ٧٦)، وأكتفي بالصحيحين.\nورواه النسائي بتمامه في المجتبى (١٠٢٣)، وفي الكبرى (١٠٩٧)، وابن حبان مثله (١٧٦٧) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة به، وذكر فيه (وإذا رفع رأسه من الركعة، قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو. =","vol":"4","page":156},{"text":"فأنت ترى طريق ابن شهاب، مع اتحاد مخرجه، قد اختلف أصحابه عليه، ولا تستطيع الترجيح، وأصحابه المختلفون من الطبقة الأولى، بل الواحد منهم يرويه تارة بزيادة الواو، وتارة بحذفها.\nالحديث الثالث:\n(ح-١٧٦٩) روى البخاري، حدثنا قتيبة بن سعيد، من طريق ليث، عن ابن شهاب،\nعن أنس بن مالك، أنه قال: خَرَّ رسول الله - ﷺ - عن فرس، فَجُحِشَ، فصلى لنا قاعدًا فصلينا معه قعودًا، ثم انصرف، فقال: إنما الإمام - أو إنما جعل الإمام - ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث. (^١).\n_________\n= ومن طريق يونس رواه مسلم (٣٠ - ٣٩٢) إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن ابن شهاب.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٢٤٩٥)، ومن طريقه أحمد (٢/ ٢٧٠)، والنسائي في المجتبى (١٠٦٠)، في الكبرى (٦٥١)، وابن خزيمة في صحيحه (٥٧٩)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩١)، وابن المقرئ في الأربعين (٣٤)، وأبو العباس السراج في حديثه (٢٤٩٦)، عن معمر، عن الزهري به، واقتصر على ذكر مواضع التكبير من الصلاة، إلا أحمد والنسائي فذكرا فيه: (وإذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد)، فزادا فيه اللهم، وزاد أحمد الواو، وحذفها النسائي.\nوقد رواه غير الزهري عن أبي سلمة، إلا أنها خارج الصحيحين، فلم أنشط لتخريجها؛ لأن الكلام في رواية الزهري، والله أعلم.\n\n(^١). رواه البخاري (٧٣٣) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، دون زيادة الواو (ربنا لك الحمد).\nورواه مسلم (٧٨ - ٤١١) عن قتيبة بن سعيد، إلا أن مسلمًا ساق إسناده، ولم يذكر لفظه\nورواه الترمذي في السنن (٣٦١) بإسناد البخاري، قال: حدثنا قتيبة،\nوابن حبان (٢١١٣) من طريق يزيد بن موهب،\nوابن وهب في الجامع (٣٧٥)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (١٦١٧)، ثلاثتهم (قتيبة، ويزيد وابن وهب) عن الليث به، بزيادة الواو (ربنا ولك الحمد)، وقد قرن ابن وهب روايته عن الليث برواية جماعة من شيوخه.\nورواه مالك كما في صحيح البخاري (٦٨٩) ومسلم (٨٠ - ٤١١) إلا أن مسلمًا ساق إسناده، وقال: بنحو حديثهم، وهو في موطأ مالك (١/ ١٣٥)، وأكتفي بالصحيحين.\nوشعيب في إحدى روايتيه كما في صحيح البخاري (٧٣٢)، ورواه أبو عوانة (١٦١٩) من طريق شعيب، فقال (ربنا لك الحمد). =","vol":"4","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن جريج كما في مسند البزار (٦٣٦٤)، وحديث أبي العباس السراج (٦٠٨).\nوإسحاق بن راشد (في روايته عن الزهري بعض الوهم) كما في المعجم الأوسط للطبراني (١٦٢٧)، ورواه الطبراني في مسند الشاميين بالإسناد نفسه (٦٦) دون زيادة الواو.\nوإبراهيم بن أبي عبلة، (ثقة) كما في المعجم الأوسط (٣٦٣٦)،\n\nوزكريا بن يحيى المروزي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣١)،\nوأيوب السختياني كما في مسند البزار (٦٢٥٨)، وحديث أبي العباس السراج (٤٧٦).\nوعبيد الله بن عمر كما في مسند البزار (٦٢٥٩)،\nقال البزار: ولا نعلم رواه عن أيوب إلا الطفاوي، ولا عن عبيد الله بن عمر إلا ابن مقدم وعدي بن الفضل. اهـ يشير إلى أنه غريب من حديث أيوب وعبيد الله.\nكلهم (مالك، وشعيب، والليث، وابن جريج، وابن راشد، وابن أبي عبلة وزكريا، وأيوب، وعبيد الله العمري) رووه عن ابن شهاب، عن أنس بزيادة الواو.\nورواه يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، واختلف على يونس:.\nفرواه بحر بن نصر، كما في الجامع لابن وهب (٣٧٥) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٩)،\nويونس بن عبد الأعلى، وأبو عبيد الله، كما في مستخرج أبي عوانة (١٦١٧)،\nومحمد بن عبد الله كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٢)، أربعتهم رووه عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد وقرنهم برواية مالك والليث، عن ابن شهاب بلفظ: (ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو كرواية الجماعة عن ابن شهاب.\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥٦٣٩) حدثنا يونس (هو ابن عبد الأعلى)، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن يزيد (هو يونس)، ومالك، أن ابن شهاب أخبرهم، قال: أخبرني أنس به، وفيه: (ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو، وأخشى أن يكون حذف الواو من تصرف النساخ.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٠٣) بالإسناد نفسه، ولم يذكر لفظه.\nورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه: على أربعة ألفاظ،\nاللفظ الأول: رواه عنه أكثر أصحابه بلفظ: (ربنا ولك الحمد).\nرواه الإمام أحمد في مسنده (٣/ ١١٠)،\nوعلي بن المديني كما في صحيح البخاري (٨٠٥)،\nوأبو نعيم كما في صحيح البخاري (١١١٤)،\nويحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبو كريب كما في صحيح مسلم (٧٧ - ٤١١)،\nوابن أبي شيبة، كما في المصنف (٧١٣٤) وعنه مسلم في صحيحه (٧٧ - ٤١١) مقرونًا بمجموعة من مشايخه، ومن طريقه أخرجه ابن حبان مقرونًا برواية أبي خيثمة (٢١٠٢)،\nوهشام بن عمار كما في سنن ابن ماجه (٨٧٦)، =","vol":"4","page":158},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن المقرئ كما في المنتقى لابن الجارود (٢٢٩)،\nوإسحاق بن أبي إسرائيل كما في مسند أبي يعلى (٣٥٩٥).\nوأحمد بن شيبان الرملي، كما في مستخرج أبي عوانة (١٦١٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١١٢).\nوزكريا بن يحيى بن أسد المروزي، كما في مستخرج أبي عوانة (١٦١٥).\nوأبو خيثمة (زهير بن معاوية) في إحدى روايتيه كما في صحيح ابن حبان (١٩٠٨).\nوعبد الرحيم بن منيب كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١١٢).\nوأحمد بن أبان وخالد بن يوسف، كما في مسند البزار (٦٢٦١)،\nكلهم رووه عن سفيان، عن الزهري، عن أنس وفيه: (... ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو.\nاللفظ الثاني: (ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو.\nرواه هناد بن السَّرِيِّ كما في المجتبى من سنن النسائي (٧٩٤)، وفي الكبرى (٨٧١)، عن ابن عيينة به.\nوأعاده النسائي في سننه في المجتبى بالإسناد نفسه (١٠٦١)، وفي الكبرى (٦٥٢)، وفيه: قال: ربنا ولك الحمد.\nورواه أبو يعلى في المسند (٣٥٥٨) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة (زهير بن معاوية) قالا: حدثنا ابن عيينة به، بتمامه، وفيه: (ربنا لك الحمد) دون زيادة الواو.\nورواه ابن حبان (١٩٠٨) عن أبي يعلى، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا سفيان به، وفيه: (... ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو كرواية الجماعة.\nوتابع ابن عيينة على هذا اللفظ إبراهيم بن أبي عبلة عند الطبراني في مسند الشاميين (٦٦) بحذف الواو، وأعاده بالمعجم الأوسط بالإسناد نفسه بزيادتها، وتقدم تخريجها.\nاللفظ الثالث: (اللهم ربنا لك الحمد) بزيادة اللهم دون زيادة الواو.\nرواه ابن أبي شيبة كما في المصنف (٢٥٩٣) عن سفيان مختصرًا، بلفظ: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد. بزيادة اللهم دون زيادة الواو.\nورواه الحميدي في مسنده (١٢٢٣) عن سفيان بتمامه بهذه الزيادة.\nاللفظ الرابع: (اللهم ربنا ولك الحمد) بزيادة اللهم وزيادة الواو.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦١٣٤)، عن سفيان به.\nكما رواه معمر بن راشد بزيادة الواو وحذفها:\nفرواه عبد الرزاق في المصنف (٤٠٧٨)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٣/ ١١٠، ١٦٢)، وعبد بن حميد (١١٦١)، وأبو عوانة في مستخرجه مختصرًا (١٦١٨)، وساق مسلم إسناده (٨١ - ٤١١)، وأبو نعيم في مستخرجه (٩١٧) بزيادة الواو.\nوقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٩٠٩) عن معمر، عن الزهري به مختصرًا دون زيادة الواو (ربنا لك الحمد) إلا أن يكون خطأ من النساخ.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦١٣٤) عن ابن عيينة، عن الزهري، وفيه: اللهم ربنا ولك الحمد، فزاد اللهم، وزاد الواو.\nورواه زمعة بن صالح (ضعيف) كما في سنن أبي داود الطيالسي (٢٢٠٤)، عن ابن شهاب، فذكره بلفظ: اللهم ربنا ولك الحمد","vol":"4","page":159},{"text":"فهذا حديث ابن شهاب عن أنس، رواه الليث في إحدى روايتيه عن ابن شهاب بلفظ: ربنا لك الحمد.\nورواه مالك وشعيب، ومعمر، ويونس، عن ابن شهاب، بزيادة الواو.\nورواه سفيان بن عيينة، عن الزهري بالصيغ الأربع، والحديث مخرجه واحد، والخلاف بين كبار أصحاب الزهري، فلعل المحفوظ من لفظه رواية الأكثر: (ربنا ولك الحمد)، بزيادة الواو، والله أعلم.\nالحديث الرابع:\n(ح-١٧٧٠) رواه مسلم من طريق جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة .... وفيه: ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ... الحديث (^١).\n• الصيغة الثانية: ربنا ولك الحمد، جاءت بأحاديث منها:\nالحديث الأول:\n(ح-١٧٧١) روى البخاري من طريق شعيب، قال: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ... الحديث (^٢).\n_________\n(^١). رواه مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). اختلف فيه على أبي الزناد:\nفرواه شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، واختلف عليه: =","vol":"4","page":160},{"text":"وقد سبق لك الاختلاف فيه على الزهري، من حديثه عن أنس.\nومن حديثه عن أبي بكر بن الحارث، وأبي سلمة، عن أبي هريرة.\n_________\n= فرواه أبو اليمان كما في صحيح البخاري (٧٣٤)، وحديث أبي العباس السراج (١١٧٥)، عن شعيب، عن أبي الزناد به، وفيه: (... ربنا ولك الحمد).\nورواه بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه به، كما في مستخرج أبي عوانة (١٦٢٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١١٩) وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد) لفظ أبي عوانة بزيادة اللهم وحذف الواو، ولفظ البيهقي بزيادة الواو.\n\nورواه المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي كما في صحيح مسلم (٨٦ - ٤١٤)، ومستخرج أبي نعيم (٩٢٣)، وسنن البيهقي (٣/ ١١٣) عن أبي الزناد به، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد) لفظ مسلم بزيادة (اللهم وحذف الواو)، ولفظ أبي نعيم والبيهقي بزيادة الواو.\nورواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني (في حفظه شيء) كما في مسند أبي يعلى (٦٣٢٦)، عن أبي الزناد به، وفيه: (ربنا لك الحمد) بحذف اللهم، وحذف الواو.\nورواه الإمام مالك كما في موطأ الجوهري (٥٢٤)، وصحيح ابن حبان (٢١٠٧)، عن أبي الزناد به، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد)، وهذه متابعة لرواية شعيب، من رواية ابنه بشر بن شعيب.\nورواه ابن عجلان كما في حديث السراج (٤٩٠)، عن أبي الزناد به، وفيه: (ربنا ولك الحمد).\nورواه ورقاء بن عمر اليشكري (صدوق) كما في حديث السراج (٦٩٥) عن أبي الزناد، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد).\nورواه سفيان بن عيينة، كما في مسند الحميدي مختصرًا بذكر بعضه (٩٨٨)، وليس فيه موضع الشاهد.\nفصار حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بأربعة ألفاظ:\nاللفظ الأول: ربنا لك الحمد، بحذف اللهم، والواو، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق، فهذه ليست محفوظة، ولا يحتمل تفرد عبد الرحمن بن إسحاق.\nاللفظ الثاني: ربنا ولك الحمد، وهذه رواية البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة، ورواية ابن عجلان كلاهما عن أبي الزناد.\nاللفظ الثالث: اللهم ربنا لك الحمد، بزيادة اللهم، وحذف الواو، وهذه رواية مسلم من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، ورواية مالك كما في مسند الموطأ للجوهري، وورقاء بن عمر اليشكري، ثلاثتهم عن أبي الزناد.\nاللفظ الرابع: اللهم ربنا ولك الحمد، بزيادة اللهم، وزيادة الواو، من رواية البيهقي وأبي نعيم في مستخرجه من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد.\nفهذا حديث مخرجه واحد، روي من وجوه أربعة.","vol":"4","page":161},{"text":"الحديث الثاني:\n(ح-١٧٧٢) رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^١).\nالحديث الثالث:\n(ح-١٧٧٣) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه،\nعن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها، أيهم يكتبها أول (^٢).\n• الصيغة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد دون زيادة الواو، جاءت بأحاديث منها.\nالحديث الأول:\n(ح-١٧٧٤) رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٣٥).\nورواه البخاري (٧٣٦) من طريق يونس وذكر التسميع ولم يذكر صيغة التحميد\nومن طريق يونس رواه مسلم أيضًا (٢٣ - ٣٩٠) إلا أن مسلمًا أحال على رواية ابن جريج عن الزهري، برفع الأيدي، ورواية ابن جريج لم يذكر فيها التسميع والتحميد.\nورواه البخاري (٧٣٨) من طريق شعيب، عن الزهري به، وفيه: (... وقال: ربنا ولك الحمد). وهذه متابعة لرواية مالك. وأكتفي فيه بالصحيحين.\n(^٢). رواه البخاري (٧٩٩).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩٦، ٣٢٢٨)، ورواه مسلم (٧١ - ٤٠٩).","vol":"4","page":162},{"text":"الحديث الثاني:\n(ح-١٧٧٥) رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال: إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد .... الحديث (^١).\nالحديث الثالث:\n(ح-١٧٧٦) روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال:\nصليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً ... فذكر قصة، وفيه: ... قال أبو موسى: إن رسول الله - ﷺ - خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: - ﷺ -: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - ﷺ -: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله ﵎، قال على لسان نبيه - ﷺ -: سمع الله لمن حمده .... الحديث (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٥٦٠).\nورواه مسلم (٢٩٤ - ٦٧٥) من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب به، بنحوه، وفيه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) بحذف اللهم، وزيادة الواو.\n(^٢). الحديث رواه أصحاب قتادة، منهم:\nالأول: أبو عوانة، عن قتادة.\n\nرواه أبو كامل الجحدري مقرونًا بجماعة معه واللفظ له، كما في صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤)، ومسند البزار (٣٠٥٧)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٧).\nويحيى بن عبد الحميد، كما في مستخرج أبي نعيم مقرونًا بغيره (٨٩٧)،\nوقتيبة بن سعيد مقرونًا بغيره كما في مستخرج أبي نعيم (٨٩٧)، ثلاثتهم عن أبي عوانة =","vol":"4","page":163},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (الوضاح بن عبد الله اليشكري)، عن قتادة وفيه: (اللهم ربنا لك الحمد).\nورواه عمرو بن عون كما في سنن أبي داود (٩٧٢)،\nوعفان بن مسلم كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٣٨)، وأبو عوانة في مستخرجه ولم يذكر لفظه (١٦٨٤)، والبيهقي في القراءة خلف الإمام (٣٠٦)، كلاهما عن أبي عوانة به، وفيه: (اللهم ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو، وقرنه عفان بمجموعة من شيوخه.\nوقرن البيهقي في القراءة خلف الإمام أصحاب رواية أبي عوانة بأصحاب قتادة هشام ومعمر وغيرهما، وفي لفظه: (اللهم ربنا لك الحمد).\nورواه خالد بن خداش كما في الدعاء للطبراني (٥٧٨)، عن أبي عوانة مقرونًا بغيره، وفيه: (... فقولوا: ربنا لك الحمد) بحذف اللهم والواو.\nفصار أبو عوانة روي عنه بثلاثة ألفاظ: (اللهم ربنا لك الحمد)، وروي عنه بلفظ: (اللهم ربنا ولك الحمد) بزيادة الواو، والثالث: (ربنا لك الحمد)، بحذف اللهم والواو، واللفظ الأول أقواها؛ لأنه في صحيح مسلم، ويوافق إحدى روايتي هشام الدستوائي كما سيأتي تخريجها إن شاء الله تعالى.\nالثاني: هشام الدستوائي، عن قتادة، رواه هشام واختلف عليه:\nفرواه أبو داود الطيالسي (٥١٩)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (١٦٨١)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٠٢).\nومعاذ بن هشام كما في صحيح مسلم (٦٣ - ٤٠٤)، كلاهما روياه عن هشام الدستوائي، عن قتادة به، وفيه: (اللهم ربنا لك الحمد).\nورواه يحيى بن سعيد القطان، عن هشام، واختلف على يحيى بن سعيد:\nفرواه الإمام أحمد كما في المسند (٤/ ٤٠٩)، وعنه أبو داود (٩٧٢)،\nومحمد بن بشار (بندار) كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٨٠)، وفي الكبرى (١٢٠٤)، ومسند الروياني (٥٤٨)، وصحيح ابن خزيمة مختصرًا (١٥٨٤) ومقرونًا بغيره واللفظ لغيره (١٥٩٣)،\nومسدد بن مسرهد كما في صحيح ابن حبان (٢١٦٧)، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا هشام به، وفيه: (اللهم ربنا لك الحمد)، بزيادة اللهم، وحذف الواو.\nورواه عبيد الله بن سعيد أبو قدامة السرخسي، كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٧٢)، وفي الكبرى (٧٦٢)، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا هشام به، وفيه: (... ربنا لك الحمد) بحذف اللهم، وحذف الواو.\nورواه ابن أبي عدي كما سنن ابن ماجه (٩٠١) عن هشام مقرونًا بسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وذكر طرفًا منه، ليس فيه موضع البحث.\nفأرى المحفوظ عن هشام الدستوائي ما رواه أحمد ومحمد بن بشار، ومسدد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام، =","vol":"4","page":164},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهي موافقة لرواية أبي داود الطيالسي ومعاذ بن هشام، عن هشام، وأما رواية عبيد الله بن سعيد وإن كان ثقة، إلا أن مخالفته للإمام أحمد تجعل روايته شاذة، وقد توبع أحمد في لفظه، ولم يتابع على هذا عبيد الله بن سعيد من هذا الوجه، والله أعلم.\nالثالث: همام بن يحيى، عن قتادة.\nرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٨) من طريق عفان بن مسلم، عن همام مقرونًا بأبي عوانة، وأبان، عن قتادة به، وفيه: (... اللهم ربنا ولك الحمد)، بزيادة اللهم وزياة الواو.\nورواه الطحاوي أيضًا في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١، ٢٦٥)، وفي مشكل الآثار (٥٤٢٤)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٨٣) مختصرًا ليس فيه جملة البحث.\nالرابع: معمر بن راشد، عن قتادة.\nورواه معمر كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦٥، ٢٩١٣) ومن طريق عبد الرزاق رواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، وأبو عوانة في مستخرجه ولم يذكر لفظه، (١٦٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٣٩، ٢٠١)، عن قتادة به، وفيه: (... فقولوا: ربنا لك الحمد ...).\nورواه أحمد (٤/ ٣٩٣) بنفس الإسناد إلا أنه ذكر طرفًا منه، ليس فيه جملة البحث.\nومعمر بن راشد، متكلم في روايته عن قتادة، سمع منه، وهو صغير.\nوأخرجه مسلم (٦٤ - ٤٠٤) من طريقين عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في المتابعات، واختصر لفظه، وليس فيه موضع البحث.\nوأخرجه عبد الرزاق (٢٦٤٧)، ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه (٨٩٩). عن معمر بذكر طرف منه، ليس فيه جملة البحث.\nالخامس: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nرواه يزيد بن زريع، كما في مسند أبي يعلى (٧٢٢٤)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٨)، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد)، هذا لفظ أبي يعلى، ولم يذكر أبو نعيم لفظه.\nورواه الإمام أحمد كما في المسند (٤/ ٤٠١، ٤٠٥)،\nومؤمل بن هشام كما في المجتبى من سنن النسائي (٨٣٠)، وفي الكبرى (٩٠٦)، كلاهما عن إسماعيل بن علية، وفيه: (... ربنا لك الحمد) ليس فيه اللهم، ولا زيادة الواو.\nوأعاد ذكره أحمد بالإسناد نفسه (٤/ ٤٠٥)، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد ...)، بمثل رواية يزيد بن زريع.\nورواه محمد بن الصباح كما في مستخرج أبي نعيم (٨٩٨)، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية به، ولم يذكر لفظه.\nورواه ابن أبي شيبة (٢٥٩٥) أخبرنا أبو أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، وفيه: (... اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم). =","vol":"4","page":165},{"text":"الحديث الرابع:\n(ح-١٧٧٧) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد (^١).\nورواه مسلم، من طريق شعبة، عن يعلى وهو ابن عطاء، سمع أبا علقمة،\nسمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إنما الإمام جُنَّةٌ، فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه (^٢).\n_________\n= ورواه مسلم (٤٠٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، به، وساق إسناده، ولم يذكر لفظه.\nوقطعه ابن أبي شيبة في المصنف بحسب اختلاف الأبواب عن أبي أسامة وليس فيه جملة البحث (٢٩٨٨، ٣٥٢٩، ٧١٥٨)، وفي تحقيق عوامة (٨٠٤٨).\nورواه أبو نعيم في مستخرجه (٨٩٨) من طريق ابن أبي شيبة، عن أبي أسامة ولم يذكر لفظه.\nكما رواه خالد بن الحارث كما في السنن الكبرى للنسائي (٦٥٥)، وفي المجتبى (١٠٦٤)،\nوسعيد بن عامر الضبعي كما في سنن الدارمي (١٣٥١، ١٣٩٨)،\nوعبد الأعلى كما في مسند البزار مقرونًا بغيره (٣٠٥٦)،\nومحمد بن عبد الله الأنصاري كما في مسند الروياني (٥٧٠)، أربعتهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة، فقالوا فيه: (... اللهم ربنا لك الحمد) بحذف الواو.\nورواه بعض الرواة عن سعيد مختصرًا بذكر طرف منه، وليس فيه جملة البحث، منهم:\nسعيد بن عامر الضبعي كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١، ٢٦٤)، وفي مشكل الآثار (٥٤٢٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٢٠).\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما في سنن ابن ماجه (٩٠١)، ومحمد بن أبي عدي كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣).\nوعبدة بن سليمان، كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٨٤، ١٥٩٣).\nوبقي بعض الطرق راجع تخريجها فقد سبق لي تخريج طرقه في مسألة القراءة خلف الإمام عند الكلام على زيادة (وإذا قرأ فأنصتوا). طلبًا للاختصار.\n(^١). صحيح مسلم (٨٧ - ٤١٥).\n(^٢). صحيح مسلم (٨٨ - ٤١٦).","vol":"4","page":166},{"text":"ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن حيوة، أن أبا يونس مولى أبي هريرة، حدثه قال:\nسمعت أبا هريرة يقول، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ... الحديث (^١).\nالحديث الخامس:\n(ح-١٧٧٨) روى مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن،\nعن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^٢).\nالحديث السادس:\n(ح-١٧٧٩) ما رواه مسلم من طريق هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء،\nعن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد (^٣).\nالحديث السابع:\n(ح-١٧٨٠) ما رواه مسلم من طريق يوسف الماجشون، حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٨٩ - ٤١٧).\n(^٢). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٠٦ - ٤٧٨).","vol":"4","page":167},{"text":"المشركين ... وذكر دعاء الاستفتاح وفيه: وإذا رفع، قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد .... الحديث (^١).\nالصيغة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد.\n(ح-١٧٨٢) رواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد (^٢).\nالحديث الثاني:\n(ح-١٧٨٣) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم،\nعن ابن عمر أنه سمع النبي - ﷺ - يقول في صلاة الفجر، ورفع رأسه من الركوع، قال: اللهم ربنا ولك الحمد في الأخيرة، ثم قال: اللهم العن فلانًا وفلانًا، فأنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون﴾ [آل عمران: ١٢٨] (^٣).\nفهذه أربع صيغ في التحميد مأثورة، وأكثر الأحاديث على صيغتين:\nإحداهما: ربنا ولك الحمد، بزيادة الواو وحذف اللهم،\nوالثانية: اللهم ربنا لك الحمد بزيادة اللهم وحذف الواو.\nواتفق الفقهاء على جواز هذه الصيغ الأربع، واختلفوا في الأفضل:\nفالحنابلة اعتمدوا في التفضيل على كثرة الرواية.\nولهذا قال ابن رجب: «قال أصحابنا: فإن قال: (ربنا ولك الحمد) فالأفضل إثبات الواو، وإن زاد في أولها: (اللهم) فالأفضل إسقاطها، ونص عليه أحمد في رواية حرب؛ لأن أكثر أحاديثها كذلك» (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠١ - ٧٧١).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٤٦).\n(^٤). فتح الباري شرح البخاري (٧/ ١٩٦).","vol":"4","page":168},{"text":"واختار الشافعية التخيير بلا تفضيل بينها، استنادًا على ثبوتها كلها. فكل ما صح عن النبي - ﷺ -، فالمصلي مخير بين الصيغ الأربع.\nواختلف الحنفية في الأفضل.\nفقال ابن نجيم: «المراد بالتحميد واحد من أربعة ألفاظ: أفضلها: اللهم ربنا ولك الحمد كما في المجتبى، ويليه: اللهم ربنا لك الحمد، ويليه: ربنا ولك الحمد، ويليه المعروف: ربنا لك الحمد، فما في المحيط من أفضلية الثاني فمحمول على أفضليته على ما بعده لا على الكل كما لا يخفى؛ لما صرحوا به من أن زيادة الواو توجب الأفضلية» (^١).\nواختار بعض الحنفية: الأفضل ربنا لك الحمد دون الواو (^٢).\nجاء في العناية: «ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، وهو أظهر الروايات، وروي: ربنا ولك الحمد، وروي: اللهم ربنا لك الحمد» (^٣).\nوفي شرح الطحاوي نقلًا من البناية شرح الهداية: «اختلفت الأخبار في التحميد، في بعضها يقول: ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا لك الحمد، وفي بعضها: اللهم ربنا ولك الحمد، والأول أظهر» (^٤).\nومتون الحنفية تذكر (ربنا لك الحمد) فهل يكون هذا دليلًا على ترجيح القول الثاني، وأنه هو المختار عندهم؟ (^٥).\nوقيل: الأشهر: ربنا ولك الحمد، بالواو.\nجاء في بدائع الصنائع، قال: «واختلفت الأخبار في لفظ التحميد، في بعضها: ربنا ولك الحمد، وفي بعضها: ربنا لك الحمد، والأشهر الأول» (^٦).\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣٥).\n(^٢). مجمع الأنهر (١/ ٩٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦).\n(^٣). العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨).\n(^٤). البناية شرح الهداية (٢/ ٢٢٧).\n(^٥). الهداية (١/ ٥٠)، الأصل للشيباني (١/ ٤)، المبسوط (١/ ٢٠)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٩)،.\n(^٦). بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).","vol":"4","page":169},{"text":"وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي من الحنفية: أنه لا فرق بين قوله ربنا لك الحمد، وبين قوله: ربنا ولك الحمد (^١).\nفهل أراد أنه لا فرق من حيث المعنى، أم أراد من حيث التفضيل، يحتمل، لكن صاحب تبيين الحقائق وصاحب المحيط ساقوا كلامه في الاختلاف ما هو الأفضل.\n• الراجح:\nأرى أن الأمر واسع، والتنوع أكمل، فيعمل هذا تارة، وهذا تارة، إصابة للسنة من جميع وجوهها، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المحيط البرهاني (١/ ٣٦٢).","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الخير والبركة والثواب كله في اتباع السنة تطويلًا أو تخفيفًا، فما ورد عن النبي - ﷺ - تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه؛ لأن النبي - ﷺ - لا يفعل إلا الأفضل.\n• السنة في الركوع والسجود والاعتدال منهما أن تكون قريبًا من السواء.\n• كان النبي - ﷺ - أحيانًا يخفف قيامه وأحيانًا يطيله بحسب اختلاف الأحوال والأوقات، والركوع والسجود والاعتدال تبع لذلك.\n• إطالة ما ورد فيه التخفيف، أو تخفيف ما ورد فيه الإطالة مخالف للسنة ومنقص لبركة العبادة، ولا يبطل الصلاة إذا لم يؤثر ذلك على الأركان والواجبات.\n• مصلحة مراعاة أحوال المأموم أولى من مصلحة مراعاة بعض السنن، قال - ﷺ -: اقتد بأضعفهم، وذم الرسول - ﷺ - المنفرين عن الجماعة.\n[م-٦٥٠] اختلف الفقهاء في حكم تطويل مقدار الاعتدال من الركوع بالذكر:\nفقيل: لا يشرع طول القيام بعد رفع الرأس من الركوع، هذا مذهب الحنفية والمالكية، وعبر الدسوقي من المالكية: فقال: يسن ترك التطويل في الرفع من الركوع ومن السجود زيادة على الطمأنينة وعلى الزائد عليها استنانًا (^١).\nوقيل: يحرم التطويل، وهذا مذهب الشافعية، واختلفوا في بطلان صلاته إذا فعله عمدًا على ثلاثة أقوال، أصحها بطلان صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٠)، البحر الرائق (٢/ ٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٧٧)، مواهب الجليل (٢/ ٢٠)، شرح الخرشي (١/ ٣٠٨)، الفواكه الدواني (١/ ٢١٨)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٣٢٨).","vol":"4","page":171},{"text":"كالقنوت في موضعه، والتسبيح في صلاة التسابيح، وهذا مذهب الشافعية (^١).\nومقدار التطويل المحرم عندهم أن يزيد على الذكر المشروع فيه قدر الفاتحة في الاعتدال، ويزيد على أقل التشهد في الجلوس (^٢).\nجاء في روضة الطالبين: «الاعتدال عن الركوع ركن قصير، أُمِر المصلي بتخفيفه، فلو أطاله عمدًا بالسكوت أو القنوت أو بذكر آخر ليس بركن، فثلاثة أوجه:\nأصحها عند إمام الحرمين وقطع به صاحب التهذيب: تبطل صلاته إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت، أو في صلاة التسبيح.\nوالثاني: لا تبطل.\nوالثالث: إن قنت عمدًا في اعتداله في غير موضعه بطلت. وإن طول بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل» (^٣).\nوقيل: يشرع له تطويله بما ليس ركنًا في الصلاة كالفاتحة والتشهد، رجحه النووي والأذرعي من الشافعية (^٤).\nقال الأذرعي: إنه الصحيح مذهبًا ودليلًا، ونقله عن نص الشافعي (^٥).\nواستحب ابن القيم تطويل هذين الركنين (^٦).\n• دليل من قال: يسن ترك التطويل في الاعتدال من الركوع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٨٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال:\n_________\n(^١). روضة الطالبين (١/ ٢٥٢)، المجموع (٤/ ١٢٦)، نهاية المطلب (١/ ٩٢)، فتح العزيز (٤/ ١٤٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٧، ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥، ٤٣٠).\nوقد أخذ الشافعية القول بالبطلان من قول الإمام بأنه إذا أطال الاعتدال ساهيًا سجد للسهو، قال القاضي حسين: وهذا يدل على أنه لو فعل ذلك عامدًا بطلت صلاته؛ لأن ما اقتضى سهوه السجود أبطل عمده الصلاة. انظر: كفاية النبيه (٣/ ٤٧١).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٧٧).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ٢٩٩).\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٩٩)، المجموع (٤/ ١٢٧).\n(^٥). انظر: مغني المحتاج (١/ ٤٣٠).\n(^٦). تهذيب السنن مع عون المعبود (٣/ ٧٥).","vol":"4","page":172},{"text":"أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد ....\nهذا لفظ البخاري، ورواه مسلم بالإسناد نفسه إلا أنه أحال في لفظه على رواية ابن جريج، عن الزهري، ولفظه مطابق للفظ عقيل (^١).\nورواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... الحديث (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٨٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله،\nعن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٨٦) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن،\nعن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا رفع ظهره من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٩ - ٣٩٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٥).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٣٥).\n(^٤). رواه مسلم (٢٠٢ - ٤٧٦).","vol":"4","page":173},{"text":"فظاهر هذه الأحاديث أن كان يكتفي بذلك، وهو دليل على أنه ركن قصير.\n• دليل من قال: يحرم تطويل الاعتدال من الركوع على القدر المسنون:\nقالوا: المصلي مأمور بتخفيف هذا الركن، ولهذا لا يسن فيه تكرار الذكر المشروع، بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصودًا لنفسه، بل للفصل بين الركوع والسجود، وإنما وجبت فيه الطمأنينة ليكون المصلي على سكينة، فإذا كان مأمورًا بالتخفيف فإن تطويله تغيير لوضعه كما لو قصر الطويل فلم يتم الواجب.\nولأن تطويله يخل بالموالاة بين أركان الصلاة، سواء طوله بسكوت، أوقنوت في غير موضعه، أو ذكر آخر (^١).\nقال ابن دقيق العيد: «وفائدة الخلاف فيه: أن تطويله يقطع الموالاة الواجبة في الصلاة. ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعي: إنه إذا طوله بطلت الصلاة، وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنًا، كقراءة الفاتحة أو التشهد» (^٢).\nوخرج بعض الشافعية البطلان على تطويل جلسة الاستراحة عمدًا (^٣).\n• ويناقش:\nلا نسلم أن المصلي مأمور بالتخفيف، انظر أدلة من قال: يشرع التطويل.\nكما أن تكرار الذكر في القيام مختلف فيه، فيرى بعضهم أنه يستحب تكرار التحميد إذا أطال الركوع والسجود حتى يقرب قيامه من ركوعه وسجوده، ويحتج بحديث حذيفة عند أحمد، وأن النبي - ﷺ - كان يقول: لربي الحمد (^٤)، وسبق تخريجه في المسألة السابقة.\nولو سلمنا أنه مأمور بالتخفيف، فإن التخفيف يكون سنة، لا واجبًا، ومخالفة\n_________\n(^١). مغني المحتاج (١/ ٤٣٠)، نهاية المحتاج (٢/ ٧١)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (٢/ ٢٥٣).\n(^٢). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٤٤).\n(^٣). انظر: نهاية المحتاج (١/ ٥١٩).\n(^٤). مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٩٨).","vol":"4","page":174},{"text":"السنة تنقص من ثواب الطاعة، ولا تبطل الصلاة، ولذلك فالسنة في قراءة الفجر أن تكون من الطوال، ولو خففها لم تبطل بالاتفاق، فكذلك العكس.\nوالقول بأنه يخل بالموالاة بين أفعال الصلاة غير مسلم، لأن معنى الموالاة ألا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويل الأركان فوات الموالاة، فالزائد على المشروع إذا كان متصلًا به أخذ حكمه كما لو طول القيام والركوع والسجود عن القدر الواجب.\nكما أن القول بأنه يخل بالموالاة مبني على أنه ركن قصير، وأن تقصيره ملحق بالواجبات، وكلاهما غير مسلم.\nولا يصح القياس على تطويل جلسة الاستراحة؛ لأن تسميتها جلسة اصطلاح فقهي، فالجلوس فيها هي صفة في النهوض، لا يقصد فيها الجلوس، فإذا طولها عمدًا أحدث جلسة في صلاته، وخرجت عن كونها صفة في النهوض.\n• دليل من قال: يشرع التطويل\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٨٧) ما رواه مسلم من طريق حماد (يعني ابن سلمة)، أخبرنا ثابت،\nعن أنس، قال: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله - ﷺ - في تمام، كانت صلاة رسول الله - ﷺ - متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله - ﷺ -، إذا قال: سمع الله لمن حمده قام، حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم (^١).\nقوله: (أوهم في صلاته): أي وقع في الوهم، بأن نسي أنه في الاعتدال من الركوع، وليس في القيام.\nقال بعضهم: هذا يفعله على الدوام لقوله: (كان) الدالة على المواظبة.\nويحتمل أنه يفعله أحيانًا؛ لأنه لو كان هذا دأبه في الصلاة لم ينسب إذا فعله إلى\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١/ ٣٤٤).","vol":"4","page":175},{"text":"الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة.\nقال الطحاوي: قوله: «(حتى نقول قد أوهم) يوهم أن العادة جرت على خلافه؛ لأنه يحتمل أنه كان يفعله مرة ويتركه مرة».\nولأن أدلة القول الأول هي أدلة فعلية، وهي نص بأن النبي - ﷺ - ربما اقتصر على قول ربنا ولك الحمد في اعتداله من الركوع.\nوإذا كان قيام النبي - ﷺ - في الصلوات متفاوتًا، فكذلك قيامه من الركوع والسجود، فقد نقل في السنة أنه يصلي الظهر حتى يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ويعود إلى أهله فيتوضأ، ويدرك الركعة الأولى، ونقل أيضًا أنه قرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل مثل ذلك في سائر صلاته، فالمغرب ربما قرأ فيها من الطوال، وربما قرأ فيها من قصار المفصل، وإذا كان هذا شأنه في القيام، فقل مثل ذلك في الاعتدال من الركوع والسجود.\nقال النووي: «كله يدل على أنه - ﷺ - كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جرى في بعض الأوقات» (^١).\nوهو محمول على صلاة الفريضة جماعة؛ لأنه قارن بين فعل النبي - ﷺ - وفعل خليفتيه، وقد حمله بعضهم على النافلة، وهو خلاف إطلاق الحديث.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٨٨) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد ابن الأحنف، عن صلة بن زفر،\nعن حذيفة، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتَعَوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده،\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٨٨).","vol":"4","page":176},{"text":"ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (^١).\nهذا وإن كان في صلاة النافلة، فإذا كان لا يبطل النافلة لم يبطل الفريضة، وأما استحباب التطويل في الجماعة فهو مقيد بما لا يشق على المأمومين؛ لحديث: إذا أم أحدكم في الناس فليخفف.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الحكم، عن ابن أبي ليلى،\nعن البراء، قال: كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء. هذا لفظ البخاري (^٢).\nفكان النبي - ﷺ - يسوي بين المواضع الأربعة: الركوع، والاعتدال منه والسجود، والجلسة بين السجدتين فيمكث فيها زمنًا قريبًا من السواء، وظاهره في الفرض والنفل ما لم يشق ذلك على المأمومين؛ لأن الأمور المستحبة لا يلزم بها المأموم.\n• الراجح:\nأن الاعتدال من الركوع والسجود تبع لمقدار الركوع والسجود، والركوع والسجود يسن إطالتهما أوتخفيفهما تبعًا لتخفيف القيام وطوله، فإذا كانت السنة في الصلاة تخفيف القيام فإنه يخفف الركوع والسجود، والاعتدال تبع لهما، وإذا كانت السنة في الصلاة إطالة القيام فإن الركوع والسجود يشرع تطويلهما، والاعتدال تبع لهما. فسنة الفجر وركعتا الطواف، ونحوهما السنة تخفيفها، وصلاة الفجر وقيام الليل السنة تطويل القيام، فيطيل الركوع والسجود والاعتدال على ما جاء في حديث البراء، وحديث حذيفة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٢).","vol":"4","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>الباب العشر في أحكام السجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الأول في تعريف السجود</span>\nتعريف السجود اصطلاحًا (^١):\nيختلف تعريف السجود في الصلاة عند الفقهاء بحسب اختلافهم في الأعضاء التي يجب السجود عليها، فالجمهور خلافًا لأبي حنيفة يتفقون على وجوب وضع الجبهة على الأرض، ويختلفون في وجوب السجود على الباقي كالأنف واليدين والركبتين والقدمين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.\nفتعريف السجود على مذهب أبي حنيفة: وضع بعض الجبهة أو الأنف على الأرض أو ما يقوم مقامها.\nوتعريف السجود بحسب مذهب الجمهور: وضع بعض الجبهة على الأرض أو ما يقوم مقامها (^٢).\n_________\n(^١). السجود في اللغة: من سَجَد إذا خضع وتطامن وانحنى إلى الأرض يسجُد سُجُودًا، وإنما قيل للواضع جَبهته بالأرض سَاجدًا لتطامنه، قال تعالى: ﴿تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا﴾.\nوأسجَد الْبَعِير: إذا طأطأ رَأسه وانحنى.\nوسجدت النخلة: إذا مالت. انظر الصحاح (٢/ ٤٨٤)، وغريب الحديث لابن قتيبة (١/ ١٦٨)، الزاهر في معاني كلمات الناس (١/ ٤٧).\n(^٢). جاء في التاج والإكليل (٢/ ٢١٥): «السجود وهو مس الأرض وما اتصل بها من سطح محل المصلى كالسرير بالجبهة». فلم يذكر مس الأرض بالأنف لأنهم لا يرون وجوب السجود على الأنف. وانظر: حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٧٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨١).\n\nوعرف الشافعية السجود: بأنه مباشرة بعض جبهة المصلي ما يصلي عليه من أرض أو غيرها. انظر: فتح القريب المجيب في شرح ألفاظ التقريب (ص: ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٩).","vol":"4","page":178},{"text":"وتعريفه بحسب مذهب الحنابلة: وضع بعض الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين على الأرض أو ما في حكمها.\nوإذا أحببنا أن نضع تعريفًا يطوي الخلاف بين الجمهور والحنابلة يمكن أن نقول:\nالسجود: هو التعبد لله بوضع ما يجب وضعه في السجود على الأرض أو ما في حكمها تعبدًا لله تعالى (^١).\nولمعرفة ما يجب وضعه في السجود راجع حكم صفة السجود المجزئة، فقد خصصت مبحثًا خاصًّا يكشف لك اختلاف الفقهاء.\n\n* * *\n_________\n(^١). عرفه الحنابلة بأنه وضع جزء من كُلٍّ من جبهته وأنفه وكفيه وركبتيه وأطراف أصابع قدميه. انظر دليل الطالب لنيل المطالب (ص: ٣٤)، منار السبيل في شرح الدليل (١/ ٨٤)","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>الفرع الأول في فضل السجود</span>\n[م-٦٥١] السجود هو الخضوع لله، وهو على نوعين:\nخضوع كوني لحكم الله وقهره وإرادته القدرية، وهذا يقع من جميع المخلوقات قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾ [الرعد: ١٥].\nوخضوع شرعي، وهو التذلل لله والخضوع له بوضع أعلى ما في الإنسان على الأرض تعبدًا له سبحانه، عند وجود أسبابه الشرعية، كالصلاة، ومواضع سجود التلاوة والشكر وذلك لتجدد النعم واندفاع النقم.\nوالساجد أذل ما يكون لربه، وأخضع له، وذلك أشرف حالات العبد، فلهذا كان أقرب ما يكون من ربه في هذه الحالة، وبأن السجود هو سر العبودية، فإن العبودية هي غاية الذل مع كمال الحب، يقال: طريق معبد، أي ذللته الأقدام ووطأته، وأذل ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا (^١).\nوقد ورد فضل السجود في الكتاب والسنة، من ذلك:\nأن الله ﷾ أطلق السجود على كامل الصلاة، لأهميته منها.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَأَىئِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمعنى: إذا سجدوا: أي إذا أكمل الذين معك صلاتهم وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها (^٢).\n_________\n(^١). انظر: زاد المعاد (١/ ٢٢٩).\n(^٢). انظر: تفسير السعدي (ص: ١٩٨).","vol":"4","page":180},{"text":"قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ﴾ [السجدة: ١٥].\nقال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].\nوقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [الزمر: ٩].\n(ح-١٧٩٠) وروى الشيخان من طريق عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة من حديث طويل في صفة البعث والشفاعة، وفيه: (... كل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود ...). الحديث (^١).\n(ح-١٧٩١) ومنها ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،\nحدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ - فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (^٢).\nفهذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي - ﷺ - إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.\n(ح-١٧٩٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:\nلقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: عليك بكثرة\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٦)، وصحيح مسلم (٢٩٩ - ١٨٢).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩).","vol":"4","page":181},{"text":"السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.\nقال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (^١).\nفدل على أن السجود من أعظم أسباب نيل المطلوب وهو رفع الدرجات، وفي زوال المرهوب، وهو تكفير السيئات.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٩٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،\nعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (^٢).\nفالمصلي قريبٌ من الله في كل حالاته وأقرب (أفعل التفضيل) ما يكون، وهو ساجد، وفي هذا دليل على فضل السجود لله ﷾.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• خص القيام بالقراءة، والركوع بتعظيم الرب، والسجود بكثرة الدعاء.\n• القيام أفضل من السجود بذكره، والسجود أفضل بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة المنفكة عن الفاعل.\n• يختار الفاعل من طول القيام أو كثرة السجود ما كان أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة، فإن الله لا يمل حتى تملوا.\n• كون السجود لا يقع إلا عبادة، بخلاف القيام فمنه العادة، ومنه العبادة لا يقتضي تفضيل السجود؛ فإن التسبيح والتهليل والذكر لا يقع إلا عبادة، والقيام بالصلاة أفضل منه.\n• أفضل الصلاة طول القنوت، أي دوام الطاعة، فهو بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها.\n[م-٦٥٢] قال ابن رشد: «لا اختلاف في أن الكثير من الصلاة أفضل من القليل، وإنما اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء مدة الصلاة» (^١).\nفقيل: طول القيام أفضل، وهو قول الإمام أبي حنفية، وأحد القولين عن محمد بن الحسن، وهو مذهب الشافعية، وأحد القولين عند المالكية، واستظهره ابن رشد في التحصيل، وهو رواية عن أحمد (^٢).\n_________\n(^١). انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٧)، والبيان والتحصيل (١/ ٣٧٩).\n(^٢). سأل محمد بن الحسن أبا حنفية كما في الأصل (١/ ١٥٩)، فقال: «طول القنوت والقيام في =","vol":"4","page":183},{"text":"قال الكاساني: «قال أصحابنا: طول القيام أفضل» (^١).\nوجاء في كنز الدقائق: «وطول القيام أحب من كثرة السجود» (^٢).\nوقيل: كثرة السجود أفضل، وهو أحد القولين عن محمد بن الحسن، وأحد القولين في مذهب المالكية، واستظهره الدردير في الشرح الكبير، وهو رواية عن أحمد، قال في الإنصاف: والصحيح من المذهب: أن كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام (^٣).\nجاء في مختصر خليل: «وهل الأفضل كثرة السجود، أو طول القيام، قولان» (^٤)، فأطلق الخلاف، قال الدردير في شرحه: «ولعل الأظهر الأول» (^٥).\nوقال أبو يوسف من الحنفية: إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن\n_________\n= التطوع أحب إليك أم كثرة السجود؟ قال: طول القيام أحب إلي، وأي ذلك فعل فحسن».\nوانظر: تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي (ص: ٤٠٩) بدائع الصنائع (١/ ٢٩٥)، فيض القدير (٢/ ٤٢)، البحر الرائق (٢/ ٥٩)، المبسوط (١/ ١٥٨)، تبيين الحقائق (١/ ١٧٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٦٨)، النهر الفائق (١/ ٢٩٩)، البيان والتحصيل (١/ ٣٧٩)، مواهب الجليل (٢/ ٨١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٣١٩)، المعلم بفوائد مسلم (١/ ٤٥٠)، إكمال المعلم (٣/ ٨٨، ٨٩)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٥)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٠٧)، ضوء الشموع شرح المجموع (١/ ٤٤٢)، المجموع (٣/ ٢٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٨)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٠٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٣٤)، شرح النووي على صحيح مسلم (٦/ ٢٠)، المغني (٢/ ١٠٣)، الإنصاف (٢/ ١٩٠)، الفروع (٢/ ٤٠٢).\n\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢٥٩).\n(^٢). كنز الدقائق (ص: ١٧٧).\n(^٣). نقله صاحب المجتبى عن محمد بن الحسن، انظر: البحرالرائق (٢/ ٥٩)، مراقي الفلاح (ص: ١٤٨)، مجمع الأنهر (١/ ١٣٢)، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (١/ ١٧٣).\nوانظر في مذهب المالكية: منح الجليل (١/ ٣٥٠)، شرح الخرشي (٢/ ١٦)، التاج والإكليل (٢/ ٣٩٥)، البيان والتحصيل (١/ ٣٧٩).\nوانظر في مذهب الحنابلة: الإنصاف (٢/ ١٩٠)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٩٠)، المغني (٢/ ١٠٣)، المحرر (١/ ٨٦)، الفروع (٢/ ٤٠٢).\n(^٤). مختصر خليل (ص: ٣٩).\n(^٥). الشرح الكبير (١/ ٣١٩).","vol":"4","page":184},{"text":"فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلا فطول القيام أفضل (^١).\nوقيل: كثرة الركوع والسجود أفضل في النهار، وطول القيام أفضل في الليل، اختاره بعض المالكية، وبعض الحنابلة، وبه قال إسحاق بن راهويه واستثنى رجلًا له جزء يحييه بالليل يأتي عليه بالليل، فكثرة الركوع والسجود أحب إِلَيَّ؛ لأنه يأتي على جزئه، وقد ربح الركوع والسجود (^٢).\nوقيل: هما سواء، وبه قال أشهب من المالكية، وهو رواية عن أحمد (^٣).\nوتوقف الإمام أحمد في رواية، فقد سئل، فقال: فيه حديثان، ولم يَقْضِ فيه بشيء، يشير إلى حديث جابر، وحديث كعب، وسيأتي الاستدلال بهما (^٤).\nوالتوقف ليس من أحكام الشرع، فالمتوقف هو ملتبس عليه الأمر، فلم يحرر في المسألة قولًا، وله أسباب كثيرة، وفي هذه المسألة قد يكون التوقف لتعارض الأدلة.\nوقيل: يتبع المصلي ما كان أنفع لقلبه، وهو يختلف من شخص لآخر، اختاره بعض شيوخ المالكية (^٥).\nهذه مجمل الأقوال في المسألة:\n• دليل من قال: طول القيام أفضل:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٩٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير،\n_________\n(^١). البحر الرائق (٢/ ٥٩)، بدائع الصنائع (١/ ٢٥٩).\n(^٢). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٣١٩)، التاج والإكليل (٢/ ٣٩٥)، نقله ابن مفلح في الفروع (٢/ ٤٠٢)، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ١٩٠)، عن الشيخ عبد القادر في الغنية وابن الجوزي في المذهب ومسبوك الذهب (٢/ ٤٠٢)، وانظر: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٦٦١).\n(^٣). النوادر والزيادات (١/ ٥٢٦)، المحرر في فقه الإمام أحمد (١/ ٨٦)، الفروع (١/ ٨٦)، الإنصاف (٢/ ١٩٠).\n(^٤). انظر: مسائل أحمد وإسحاق (٢/ ٦٥٩، ٦٦٠)، كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (٣/ ٧٦).\n(^٥). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦٣).","vol":"4","page":185},{"text":"عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: أفضل الصلاة طول القنوت (^١).\nورواه مسلم من طريق أبي معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال النووي: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (^٣).\nفهو نص في محل النزاع، حيث دل أفعل التفضيل على تفضيل القيام على غيره من أركان الصلاة.\n• ونوقش:\nبأن القيام هو أحد الأقوال في تفسير القنوت، ولم يتفق العلماء على هذا التفسير، وأصل القنوت دوام الطاعة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]. فتناول القنوت حال السجود كما تناول حال القيام.\nفيكون حديث جابر بمعنى حديث عائشة: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (^٤).\nقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ١١٦]: أي مطيعون، سواء، أكانت طاعة اختيار كالطاعة الشرعية أم كانت طاعة كونية قدرية، بمعنى الخضوع لحكمه وقهره.\nوقال تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لا يصح أن يفسر القنوت بالقيام؛ لأن التقدير سيكون، وقوموا لله قائمين.\nوقد قيل في تفسيرها: قوموا لله في صلاتكم مطيعين له فيما أمركم به فيها، ونهاكم عنه، وممن قال ذلك مجاهد والشعبي، وجابر بن زيد، وعطاء ومقاتل (^٥).\nونظيرها، قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ [التحريم: ١٢]، يعني من المطيعين (^٦).\nقال تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، أي الطائعين والطائعات.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٦٤ - ٧٥٦).\n(^٢). صحيح مسلم (١٦٥ - ٧٥٦).\n(^٣). شرح النووي على مسلم (٦/ ٣٦).\n(^٤). البخاري (٦٤٦٥)، وصحيح مسلم (٢١٨ - ٧٨٣).\n(^٥). تفسير الطبري تحقيق شاكر (٥/ ٢٢٨)، تفسير مجاهد (ص: ٢٣٩)، تفسر مقاتل.\n(^٦). تفسير مقاتل (١/ ٢٠١).","vol":"4","page":186},{"text":"وقيل: القنوت: السكوت، لحديث زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى كُلٌّ لَّهُ قَانِتُون﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت (^١).\n• ورد هذا:\n(ح-١٧٩٥) بأن أبا داود روى في سننه، فقال: حدثنا ابن حنبل يعني أحمد، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير،\nعن عبد الله بن حبشي الخثعمي، أن رسول الله - ﷺ - سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام (^٢).\n[المحفوظ مرسلًا، بلفظ (طول القنوت)] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٤٥٣٤)، وصحيح مسلم (٣٥ - ٥٣٩).\n(^٢). سنن أبي داود (١٣٢٥).\n(^٣). رواه جماعة عن حجاج بلفظ: (طول القنوت) وهو في المسند بلفظ: (طول القنوت) فلعل من رواه بلفظ: (طول القيام) رواه بالمعنى بحسب تفسيره للقنوت، والحديث فيه أكثر من علة:\n\nالعلة الأولى: تفرد بوصله علي بن عبد الله البارقي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله ابن حبشي الخثعمي، ولا يحتمل تفرده، كما أنه تفرد بلفظ: (طول القيام).\nوهو صدوق له أوهام، والحديث في مسند أحمد (٣/ ٤١١)، ومن طريقه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٠٨٥)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٢١٠)، بلفظ: (طول القنوت).\nوقد رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤) من طريق الإمام أحمد، وفيه: (طول القيام).\nورواه عبد الوهاب الوراق بن الحكم الرقي كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٥٢٦)، وفي الكبرى (٢٣١٧).\nوأحمد بن عبيد الله بن إدريس أبو بكر النرسي كما في فوائد مكرم البزاز (١١١).\nوأحمد بن إبراهيم الدورقي في إحدى روايتيه، في قيام الليل لمحمد بن نصر كما في المختصر (ص: ١٢٩).\nوإسحاق بن منصور (الكوسج) كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٦٥)،\nوعبد الله بن الحكم (هو القطواني) كما في معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤٠٨٥)، خمستهم رووه عن حجاج بن محمد به بلفظ: (طول القنوت).\nوقد رواه زهير بن حرب مختصرًا ليس فيه جملة البحث، كما في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥). =","vol":"4","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه جماعة عن حجاج بلفظ: (طول القيام)، إليك بعضهم:\nالأول: أحمد بن عبد الله بن أبي السفر، كما في سنن الدارمي (١٤٦٤)،\nالثاني: علي بن ميمون أبو الحسن العطار كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٥٢٠)، واختصره مقطعًا في كتاب الجهاد (٢٦، ٤٠، ٢٣٤).\nالثالث: أحمد بن إبراهيم الدورقي في إحدى روايتيه كما في تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر (٣٠٧)،\nالرابع: علي بن معبد كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٩٩).\nالخامس: أحمد بن الوليد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٤)، و(٤/ ٣٠٢)، و(٩/ ٢٧٦)،\nالسادس: إسحاق بن أبي إسحاق أبو يعقوب الصفار كما في معجم ابن الأعرابي (١١٨٨).\nالسابع: هارون بن عبد الله كما في معجم الصحابة للبغوي (١٦٩٦)، واختصره النسائي في المجتبى وليس فيه جملة البحث (٤٩٨٦).\nالثامن: زياد بن أيوب مقرونًا بهارون بن عبد الله كما في معجم الصحابة للبغوي (١٦٩٦)، وغيرهم، كل هؤلاء رووه بلفظ (طول القيام).\nالعلة الثانية: أن البارقي قد خالفه من هو أوثق منه، فرواه مرسلًا\nفقد رواه عبد الرزاق في المصنف (٤٨٤٤) عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت عبيد بن عمير يحدث، قال: قيل: أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأهريق دمه، قيل: فأي الصلوات أفضل؟ قال: طول القنوت .... وذكر الحديث مرسلًا.\nوعمرو بن دينار مقدم على البارقي، وقد رواه عنه ابن عيينة، وهو من أثبت أصحابه، ورواه بلفظ (طول القنوت).\nورواه صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه عبيد بن عمير مرسلًا.\nأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٦٢٠).\nقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: وهذا الأقوى.\nوهذه متابعة لرواية عمرو بن دينار على إرساله، إلا أ ن عبد الله لم يسمعه من أبيه، وقف على ذلك عمران بن حدير.\nفقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٤٣)، عن عمران بن حدير، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه -ولم يسمعه من أبيه- عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nوهذا فيه علتان: الإرسال والانقطاع.\nقال أبو حاتم كما في العلل (١٩٤١): «.... قد صح الحديث عن عبيد بن عمير عن النبي - ﷺ - مرسلًا، واختلفوا فيمن فوق عبيد بن عمير، وقصر قوم مثل جرير بن حازم وغيره، فقالوا: عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن النبي - ﷺ -، لا يقولون: عبيد، وحديث عمران بن حدير أشبه؛ =","vol":"4","page":188},{"text":"الدليل الثاني:\nولأن طول القيام هو فعل النبي - ﷺ -، حيث كان يقوم من الليل حتى تتورم\n_________\n= لأنه بين عورته».\nالعلة الثالثة: الاختلاف في إسناده،\nفرواه البارقي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي، الخثعمي.\nورواه عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، عن النبي - ﷺ - مرسلًا.\nورواه الزهري، وبديل بن ميسرة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه عبيد بن عمير مرسلًا. وكل هذه قد تقدم تخريجها.\nورواه جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد، عن النبي - ﷺ -. ليس فيه عبيد بن عمير، علقه ابن أبي حاتم في العلل (١٩٤١)، وقال: قصر قوم مثل جرير بن حازم وغيره، فقالوا: عن عبد الله ابن عبيد بن عمير، عن النبي - ﷺ -، لا يقولون: عبيد.\nورواه سويد أبو حاتم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن قتادة الليثي.\nأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٥)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٤٥، ٨٨٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩٩)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨١٢٣)، وفي الكبير (١٧/ ٤٨) ح ١٠٣، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٥٧)، وابن بشران في الأمالي (٦٠١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩٢٦٢)، وأبو يعلى في المعجم (١٢٩)، وعنه ابن زيدان في مسنده (٤٠)، وابن بشران في الفوائد (٧٥١)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٢٩)، وقال: (طول القنوت).\nوسويد هو ابن إبراهيم الجحدري أبو حاتم الحناط، ضعفه النسائي ويحيى بن معين، وقال يحيى في رواية: أرجو ألا يكون به بأس.\nوقال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني: لين يعتبر به.\nوذكره الدارقطني في الضعفاء والمتروكين.\nقال الحافظ: صدوق سَيِّئُ الحفظ، له أغلاط.\nوتابع سويدًا أبو بدر الحلبي،\nرواه الطبراني في الكبير (١٧/ ٤٩)، ومن طريقه أبو موسى المديني في اللطائف (٥٦٥)، والحاكم في المستدرك (٦٦٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٥٧)، من طريق بكر بن خنيس، عن أبي بدر، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده.\nقال الحاكم: أبو بدر الراوي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، اسمه بشار بن الحكم، شيخ من البصرة، وقد روى عن ثابت البناني غير حديث. اهـ\nوضعف الحديث الذهبي.\nوضعفه الهيثمي بسبب بكر بن خنيس.","vol":"4","page":189},{"text":"قدماه، ولا يزيد على إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة (^١).\nقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: «في الأخبار المروية في صفة صلاة النبي - ﷺ - بالليل دليل على اختياره طول القيام، وتطويل الركوع والسجود، لا على كثرة الركوع والسجود، وذلك أن أكثر ما صح عن النبي - ﷺ - أنه صلى من الليل ثلاث عشرة ركعة بالوتر، وقد صلى إحدى عشرة ركعة، وتسع ركعات وسبعًا فطول فيها القراءة والركوع والسجود جميعًا، فذلك دليل على تفضيل التطويل على كثرة الركوع والسجود» (^٢).\nالدليل الثالث:\nولأن قراءة القرآن تكثر بطول القيام، وله بكل حرف عشر حسنات، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التسبيح، ولأن القيام ركن، والقراءة ركن، فيجتمع في طول القيام ركنان، وفي الركوع والسجود ركن وسنة.\nالدليل الرابع:\nأن الله خص القيام بأشرف الأذكار وهو قراءة القرآن، فكان ركنه أفضل الأركان، وخص السجود بالتسبيح والدعاء، ولا مقارنة بينهما.\n• ونوقش:\nبأن هذا التفضيل راجع إلى الأذكار، فالسجود في نفسه أفضل من القيام وإن كان ذكر القيام أفضل.\n• دليل من قال: كثرة السجود أفضل من طول القيام:\nالدليل الأول:\n(ح-١٧٩٦) ما رواه مسلم من طريق هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة،\nحدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ - فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال:\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١٤٧)، وصحيح مسلم (١٢٥ - ٧٣٨).\n(^٢). تعظيم قدر الصلاة (١/ ٣٢٢).","vol":"4","page":190},{"text":"أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (^١).\nوجه الاستدلال:\nبأن هذا الصحابي طلب منصبًا عظيمًا فأرشده النبي - ﷺ - إلى الأسباب الموصلة إليه، وهو كثرة السجود.\n• ويناقش:\nبأن كثرة السجود كناية عن كثرة الصلاة ولا يلزم منه تقصير القيام، جمعًا بينه وبين ما اختاره النبي - ﷺ - لنفسه حيث كان يطيل القيام، ولا يتجاوز إحدى عشرة ركعة، كما في حديث عائشة ﵂، وجمعًا بينه وبين حديث جابر ﵁، أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٧٩٧) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:\nلقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.\nقال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (^٢).\n• ويناقش:\nترتب هذا الثواب على السجود لا يلزم منه أن يكون أفضل من القيام، فإن هذا الثواب قد ترتب على من خرج إلى المسجد متطهرًا لا يخرجه إلا الصلاة، علمًا أن المشي إلى الصلاة من الوسائل وليس مقصودًا لذاته:\nففي حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال رسول الله - ﷺ -: إذا توضأ، فأحسن\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٦ - ٤٨٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨).","vol":"4","page":191},{"text":"الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (^١).\nوفي رواية للبخاري: لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (^٢).\nولا شك أن أجر القيام في الصلاة أعظم من أجر المشي إليها.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٧٩٨) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث،\nعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا الدعاء (^٣).\n• ونوقش:\nبأن هذا الفضل للسجود من حيث سماع الدعاء، ولهذا قال: فأكثروا من الدعاء، فالقيام خص بالقرآن، والركوع خص بكثرة التعظيم للرب، والسجود خص بكثرة الدعاء لحظ العبد، وليس تخصيصه بالدعاء بأشرف من تخصيص القيام بقراءة القرآن، ومناجاة الرب بكلامه.\nالدليل الرابع:\nأن السجود لا يقع إلا عبادة، فلا يباح بحال إلا لله، ويجب في الفرض والنفل، والقيام منه ما هو عبادة، ومنه ما ليس كذلك، فيباح في غير الصلاة للوالدين وللعالم، ويسقط في النفل مع القدرة عليه، فما تمحض للعبادة كان أشرف.\n• ونوقش:\nكون السجود لا يقع إلا عبادة، لا يعني تفضيله على عبادة القيام، فالتسبيح\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٤٧)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٦٤٩).\n(^٢). البخاري (٤٧٧) ..\n(^٣). صحيح مسلم (٢١٥ - ٤٨٢).","vol":"4","page":192},{"text":"والتهليل وسائر الأذكار لا يقع إلا عبادة، ولا يعني تفضيلها على القيام في الصلاة.\n• دليل من قال: تفضيل طول القيام بالليل وكثرة السجود بالنهار.\nالدليل الأول:\nأن صلاة الليل قد خصت باسم القيام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢].\n(ح-١٧٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن،\nعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد هو ابن علاقة،\nأنه سمع المغيرة، يقول: قام النبي - ﷺ - حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٠١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه أخبره،\nأنه سأل عائشة ﵂، كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٧)، وصحيح مسلم (١٧٣ - ٧٥٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٨٠ - ٢٨١٩).\n(^٣). صحيح البخاري (١١٤٧)، وصحيح مسلم (١٢٥ - ٧٣٨).","vol":"4","page":193},{"text":"فذكرت عائشة محافظة النبي - ﷺ - على العدد، وكان القيام يتفاوت، فربما قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة كما في حديث حذيفة في مسلم (^١).\nوربما قرن بين النظائر من المفصل، عشرين سورة، سورتين في كل ركعة كما في حديث ابن مسعود ﵁ (^٢).\nمما يدل على أن النبي - ﷺ - كان يتطلب طول القيام في صلاة الليل، تبعًا لنشاطه، وحافظ على العدد، فلم يتطلب كثرة السجود، وأما في النهار فكان يخفف السنن.\n• دليل من قال: القيام أفضل إلا لمن كان له ورد من الليل:\nقالوا: لأن القيام في صلاته لا يختلف إذا قدره في ورد معين، ويربح كثرة الركوع والسجود.\n• دليل من قال: هما سواء:\nفي كل منهما فضيلة تخصه، فالقيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته، فاستويا في الفضيلة.\n• دليل من قال: يتبع المصلي ما هو أنفع لقلبه:\nكُلٌّ من طول القيام وكثرة السجود عمل حسن، فإذا كان المصلي يرى في طول القيام أنه أنفع لقلبه، وذلك بتلذذه بترتيل القرآن، وتدبره، والوقوف عند آية الرحمة، ليسأل، وعند آية العذاب ليستعيذ، فطول القيام في حقه أفضل، وإذا كان ما معه من القرآن قليلًا، ويتلذذ بإظهار التذلل والافتقار، وكثرة الإلحاح بالدعاء فالسجود في حقه أفضل، والله أعلم.\n• الراجح:\nالقيام أفضل من السجود من حيث الذكر، والسجود أفضل من القيام بهيئته، هذا من حيث المقارنة المطلقة، وأما من حيث ما يفعله المتنفل ويختاره لنفسه،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٧٥)، وصحيح مسلم (٨٢٢).","vol":"4","page":194},{"text":"فأرى أن يتبع ما هو أنفع لقلبه، وأنشط على العبادة؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن كانت السنة جارية بأنه إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفف القيام خفف الركوع والسجود، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الفصل الأول في حكم السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.\n• كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.\n• قال - ﷺ -: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، والأصل في الأمر الوجوب.\n• لا يختلف العلماء أن السجود ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.\n• السجود قربة داخل الصلاة مطلقًا، وقربة خارج الصلاة إن كان له سبب شرعي صحيح، من سهو، أو تلاوة، أو شكر، ولا يتقرب به إلى الله بلا سبب.\n[م-٦٥٣] السجود إن كان في الصلاة فهو ركن بالاتفاق لا تتم الصلاة إلا به، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفعبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وقد سبق الكلام على مثل هذا في حكم الركوع.\nوأما السنة، فأحاديث كثيرة، منها\n(ح-١٨٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،","vol":"4","page":196},{"text":"عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال من أكثر من وجه:\nالأول: قوله: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، وبالطمأنينة فيه. والأصل في الأمر الوجوب.\nوقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فكان التقصير بالسجود وبالطمأنينة فيه موجبًا لإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد العبادة، وقد نفى عنه الصلاة الشرعية، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها.\nوأما السجود خارج الصلاة فإن كان له سبب، من سهو، أو تلاوة، أو شكر لحصول نعمة أو دفع نقمة، فهذا سجود مشروع.\n[م-٦٥٤] وأما التقرب بالسجود خارج الصلاة من غير سبب، ففيه وجهان للشافعية،:\nأحدهما: يجوز، وصححه المحب الطبري الشافعي (^٢)، ويمكن أن يستدل له بما يلي:\nالدليل الأول:\nقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].\nفأمرهم بالسجود، فدل على أنه عبادة مستقلة، وإن كان جزءًا من الصلاة.\n• ونوقش:\nالأمر بالسجود: أمر بالصلاة، وأطلق السجود على الصلاة لكونه ركنًا فيه، كما\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). فيض القدير (٤/ ٣٣٤)، التنوير شرح الجامع الصغير (٧/ ٢٨٠).","vol":"4","page":197},{"text":"تقدم مثل ذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فإنه لا يوجد ركوع مستقل عن الصلاة، فكذلك السجود، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٠٣) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:\nلقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.\nقال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان (^١).\nويجاب عنه بما أجيب به الآية الكريمة، فالعلماء فهموا منه كثرة السجود في الصلاة، ولهذا تكلموا في أيهما أفضل، طول القيام في الصلاة أم كثرة السجود، كما سيأتي بحث ذلك في مسألة تالية إن شاء الله تعالى.\nالدليل الثالث:\nإذا جاز التقرب بالسجود على وجه الاستقلال عن الصلاة بسبب جاز التقرب بالسجود بغير سبب كالركعة، وبه فارق السجود الركوع فإنه لم يشرع استقلالًا مطلقًا، لا بسبب، ولا بغيره.\n• ونوقش:\nبأن القُرَبَ يشترط لفعلها إما إذن من الشارع بالفعل مطلقًا، أو سبب شرعي صحيح يُجَوِّز فعلها، فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٥ - ٤٨٨).","vol":"4","page":198},{"text":"بسجدة منفردة، وإن كانت قربة.\nوالوجه الثاني:\nلا يجوز السجود بلا سبب، وهو مذهب الحنفية، وبه قال إمام الحرمين والغزالي ورجحه الرافعي، وهو الصحيح عندهم، ويمكن تخريجه على مذهب كراهة الإمام مالك سجود الشكر لانفراده عن الصلاة بحجة أن النبي - ﷺ - لم يفعله، ولم يأذن بفعله، فالسجدة التي لا سبب لها أولى بالمنع (^١).\nواستدلوا على التحريم:\nبأن العبادات توقيفية، تفتقر إلى إذن من الشارع، والأصل فيها الحظر إلا بدليل، ولا دليل على جواز التعبد بالسجود دون سبب شرعي.\nوقياسًا على الركوع، فإنه لو تطوع بركوع مفرد، كان حرامًا بالاتفاق، فكذلك السجود، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤١٩)، فتح العزيز (٤/ ٢٠٠)، فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين (ص: ١٤٢)، المدونة (١/ ١٩٧)، عيون المسائل (ص: ١٢٦)، البيان والتحصيل (١/ ٣٩٣)، شرح التلقين (٢/ ٨٠٧)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ٢٦٤).","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>الفصل الثاني في صفة السجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>المبحث الأول في صفة التجزئة</span>\nالسجود ركن من أركان الصلاة، له أقلُّ، وله أكمل.\nأما أقلُّه فهو ما اشتمل على أمرين، واختلف في الثالث:\nالأول: أن يسجد على الأعضاء التي يجب السجود عليها.\nوهذا موضع قد اختلف الفقهاء فيه اختلافًا كبيرًا، حتى تجد في المذهب الواحد أقوالًا وروايات مختلفة، لهذا سيكون ذكر أقل ما يجزئ ينبني على تحرير الخلاف في هذه المسألة، واختيار الراجح منها، وهو اجتهاد يخطئ الباحث فيه ويصيب، ويكفي القارئ أن يقف على أقوال الأئمة في هذه المسألة، وأما اختياري فهو يعنيني أنا بالدرجة الأولى، وكونه صوابًا أو خطأ فالأجر من الله على الحالين، وهو بين يدي القارئ ليمحصه، ويتفحصه، ويختار منه ما يراه صوابًا، وقد بذلت وسعي، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.\nالثاني: أن يطمئن في السجود، فما لم يطمئن في سجوده فكأنه لم يسجد، كما قال - ﷺ - للمسيء (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فإذا سجدت على ما يجب عليك السجود عليه، وحققت الطمأنينة كما قال - ﷺ -: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فقد فعلت أقل ما يجزئ في السجود.\nالثالث: التسبيح فيه إما مطلقًا أو بلفظ: (سبحان ربي الأعلى) وهذا على مذهب الحنابلة، وهو مذهب مرجوح، والجمهور على استحباب التسبيح.","vol":"4","page":200},{"text":"إذا عرفت ذلك نأتي لبيان هذين الأمرين، وسوف أقدم الخلاف في الطمأنينة في السجود؛ لأن البحث فيها لن يتفرع، ثم أنتقل إلى مسألة بيان الأعضاء التي يجب السجود عليها في أقوال أئمتنا وفقهائنا، أسأل الله وحده العون والتوفيق\n\n* * *","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة\n• الصلاة الشرعية: ما جمعت شيئين: القيام بالأركان، والطمأنينة فيها، وترك أحدهما مبطل مطلقًا، بخلاف الواجب فسهوه لا يبطل بالاتفاق، وفي إبطال الصلاة بتعمد تركه خلاف.\n• الطمأنينة وصف زائد على مجرد الركوع والسجود والاعتدال منهما.\n• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.\n• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة.\n• قال - ﷺ - للمسيء صلاته: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم، قال فيما قال له: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، فدل على أن الاطمئنان في السجود تنتفي الصلاة بانتفائه، وهذا دليل على ركنيته.\n[م-٦٥٥] اختلف العلماء في حكم الطمأنينة في السجود:\nفقيل: الطمأنينة سنة في الصلاة كلها، وهو تخريج ضعيف في مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية (^١).\n_________\n(^١). ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست بفرض، وبهذا أخذ علماء الحنفية، واختلفوا في المراد منه:\nفقيل: المراد منه أن الطمأنينة سنة في الصلاة كلها، وهو تخريج أبي عبد الله الجرجاني من علماء الحنفية، وهو قول ضعيف في المذهب.\nوقيل: المراد منه وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى هذا تخريج الإمام الكرخي. =","vol":"4","page":202},{"text":"وقيل: الطمأنينة فرض فيها كلها، وبه يقول أبو يوسف من الحنفية، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة، وقال خليل في التوضح: على الأصح، واختاره ابن الحاجب والجلاب واللخمي من المالكية (^١).\n_________\n= جاء في حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤): «وتعديل الأركان هو سنة عندهما في تخريج الجرجاني، وفي تخريج الكرخي، واجب ... قال في البحر: وبهذا يضعف قول الجرجاني».\nوحكى المازري المالكي قولين في حكم الطمأنينة كما في شرح التلقين (٢/ ٥٢٤)، قال: «اختلف الناس في إيجاب الطمأنينة في الركوع والسجود ... والمذهب على قولين عندنا: أحدهما: إيجابها. والثاني: إثباتها فضيلة ...»، وشهر الدسوقي القول بالسنية.\nوحكى القاضي عياض قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان: في الطمأنينة، وفي الاعتدال، أحدهما أنهما من السنن.\nوانظر: التاج والإكليل (٢/ ٢٢١)، منح الجليل (١/ ٢٥١)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤١)، حاشية الصاوي (١/ ٣١٦).\n\n(^١). انظر قول أبي يوسف من الحنفية في: تبيين الحقائق (١/ ١٠٦)، البحر الرائق (١/ ٣١٦).\nوقال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٩٣): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة ... والاعتدال والطمأنينة على الأصح ...».\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٧): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه».\nوقال في أسهل المدارك (١/ ٢٠٥): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام».\nوانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٧٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٢)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٥)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٤). التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٢٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، طرح التثريب (٣/ ١٦١)، البيان والتحصيل (١/ ٣٥٤)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠، ٥٠٩)، الوسيط في المذهب (٢/ ٨٦)، المجموع (٣/ ٤١٠)، فتح العزيز (١/ ٤٦٠).\nوقال إمام الحرمين: في قلبي من عدها ركنًا في الاعتدال من الركوع، وكذا في الاعتدال من =","vol":"4","page":203},{"text":"والمقصود بالفرض الركنية، وهذان قولان متقابلان.\nجاء في مجمع الأنهر: «وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة ... فرض في الكل» (^١).\nوقيل: الطمأنينة واجبة، وليست بفرض، وهو المشهور من مذهب الحنفية (^٢).\nقال في البحر الرائق: «تسكين الجوارح في الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله .... واجب على تخريج الكرخي، وهو الصحيح كما في شرح المنية، والذي نقله الجَمُّ الغفير أنه واجب عند أبي حنيفة ومحمد، فرض عند أبي يوسف» (^٣).\nهذا هو ملخص الأقوال في المسألة، وهي ترجع إلى قولين:\nالقول الأول: أن الطمأنينة من أركان الصلاة.\n_________\n= السجود شيء، فإن النبي - ﷺ - لم يتعرض للطمأنينة فيهما في قصة المسيء في صلاته. انظر: كفاية النبيه (٣/ ٢٦٣).\n\nوانظر في مذهب الحنابلة: المغني (١/ ٣٦٠)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإنصاف (٢/ ١١٣)، شرح الزركشي على الخرقي (٢/ ٤)، الفروع (٢/ ٢٤٦)، الإقناع (١/ ١٣٣)، كشاف القناع (١/ ٣٨٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٩٨).\n\n(^١). مجمع الأنهر (١/ ٨٨).\n(^٢). ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن الطمأنينة في الركوع والسجود ليست بفرض، وبهذا أخذ علماء الحنفية، واختلفوا في المراد منه:\nفقيل: المراد منه وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى هذا تخريج الإمام الكرخي، خلافًا لتخريج أبي عبد الله الجرجاني. قال في الهداية (١/ ٥١): «.... وفي تخريج الكرخي ﵀ واجبة حتى تجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا عنده».\nوقال في معارف السنن للبنوري (٣/ ٨): «وعلى قول الكرخي مشى في الكنز، والوقاية، والملتقى، وعامة المتون، وهو مقتضى الأدلة».\nوجاء في البحر الرائق (١/ ٣١٧): «قال علماؤنا: الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الانتقال من ركن إلى ركن ليست بركن، وكذلك الاستواء بين السجدتين وبين الركوع والسجود».\nوانظر: فتح القدير (١/ ٣٠٢، ٣٠٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٢)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤)، المبسوط (١/ ١٨٨)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٥٠).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٦).","vol":"4","page":204},{"text":"الثاني: أن الطمأنينة ليست من الأركان على خلاف بينهم: أتلحق بالواجبات أم بالسنن؟\nوقد سبق بحث هذه المسألة في هذا المجلد عند الكلام على حكم الطمأنينة في الصلاة، فأغنى ذلك عن ذكر الأدلة، وإنما اقتضى التذكير بها في هذا الموضع حتى لا يظن القارئ أن حكم الطمأنينة في السجود قد أغفل من البحث.\n• والراجح:\nأن الطمأنينة ركن في القيام والركوع والسجود والاعتدال منهما، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• ثبت الأمر بالسجود على الجبهة، والأصل في الأمر الوجوب.\n• الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\n• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف، والسجود عليه ثابت بالسنة الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب.\n• استيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع.\n• الأنف تابع للجبهة، في السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لم يجزئه.\n[م-٦٥٦] اتفق الفقهاء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء،\n(ح-١٨٠٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ... الحديث (^١).\n[م-٦٥٧] واختلف العلماء في هذا الأمر، أهو للوجوب أم للندب؟\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).","vol":"4","page":206},{"text":"وعلى القول بأنه للوجوب، أهو شامل لجميع الأعضاء، أم يختص ببعضها دون بعض؟\nأما الخلاف في الجبهة:\nفقيل: السجود على الجبهة ركن من أركان الصلاة على التعيين، فلو ترك السجود عليها في حال الاختيار لا يجزئه، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وبه قال صاحباه وزفر، وإليه صح رجوع الإمام إليه، وعليه الفتوى، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nقال ابن عابدين: «وأما جواز الاقتصار على الأنف فشرطه العذر على الراجح» (^٢).\nوقال النووي: «أما الجبهة فجمهور العلماء على وجوبها، وأن الأنف لا يجزي عنها» (^٣).\nوقال أبو حنيفة: الفرض: الجبهة، أو الأنف من غير تعيين، فإن اقتصر على\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣، ٢١٠)، المبسوط (١/ ٣٤)، مختصر القدوري (ص: ٢٧)، كنز الدقائق (ص: ١٦٣)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨، ٤٩٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣).\nوقال خليل في مختصره (ص: ٣٢): «وسجود على جبهته -أي من فرائض الصلاة- وأعاد لترك أنفه بوقت، وسن على أطراف قدميه، وركبتيه، كيديه على الأصح».\nوقال ابن القاسم كما في التاج والإكليل (٢/ ٢١٦): «إن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدًا».\nوانظر: منح الجليل (١/ ٢٥٠)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٠).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، المجموع (٣/ ٤٢٢، ٤٢٤)، فتح العزيز (٣/ ٤٥١)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، المهذب (١/ ١٤٥)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٩)، الإقناع (١/ ١٢١)، الكافي (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥١)، مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: ١٧١)، المغني (١/ ٣٧٠)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٠)، الإنصاف (٢/ ٦٧).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٤٧).\n(^٣). المجموع (٣/ ٤٢٤).","vol":"4","page":207},{"text":"الأنف وحده جاز مع الكراهة، وإن اقتصر على الجبهة فقولان عن أبي حنيفة:\nففي التحفة والبدائع: لا يكره عنده.\nوفي المفيد والمزيد والدر المختار يكره الاقتصار على أحدهما (^١).\nقال ابن المنذر عن قول أبي حنيفة: «وهو قول لا أحسب أن أحدًا سبقه إليه، ولا تبعه عليه» (^٢).\nوأبو حنيفة عاصر التابعين، ومع ذلك انظر كيف تعقبه ابن المنذر في كون هذا القول لم يسبق إليه، فماذا يقول ابن المنذر فيما يتفرد به ابن حزم مع تأخره، ويخالف فيه الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.\nولم ينفرد به أبو حنفية، قال ابن رجب: «ولو اقتصر على أنفه دون جبهته لم\n_________\n(^١). اختلف الحنفية في تفسير الكراهة أهي للتحريم، أم للتنزيه، على قولين:\nولم يستبعد ابن الهمام في الفتح حمل الكراهة على التحريم بناء على أصول المذهب.\nوجه حملها على التحريم: أن الأمر بالسجود على الأنف جاء بطريق الآحاد، وهو ظني الثبوت، والأمر بالسجود نفسه جاء بالقرآن وهو قطعي الثبوت، فيكون السجود فرضًا، والسجود على الأنف واجبًا؛ وترك الفرض يعبر عنه الحنفية بالتحريم، وترك الواجب يعبر عنه الحنفية بالكراهة ويقصدون التحريمية، كما قال الحنفية: القراءة في الصلاة ركن، وقراءة الفاتحة واجبة، قال أصحاب هذا التفسير: فلو قلنا بركنية السجود على الأنف لزم منه الزيادة على الكتاب، والزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ القطعي، فكان مقتضى الأمر بالسجود على الأنف بحديث ابن عباس، وهو آحاد، والمواظبة عليه من النبي - ﷺ - دليل على وجوبه، لا على ركنيته، وترك الواجب يكره تحريمًا لا تنزيهًا.\nوسبق لي مناقشة الحنفية في تأصيلهم هذا، والمهم عندي هنا فهم القول، لا بيان صوابه من ضعفه. انظر فتح القدير (١/ ٣٠٤)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩، ٤٩٩)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥، ٣٣٦).\nوجاء في بدائع الصنائع (١/ ١٠٥): «قال أبو حنيفة: هو الجبهة أو الأنف من غير تعيين، حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه، غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة».\n\nوانظر: الأصل (١/ ١٣، ٢١٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣).\n(^٢). الأوسط (٣/ ١٧٧)، وانظر: المجموع (٣/ ٤٢٥).","vol":"4","page":208},{"text":"يجزئه عند أحد من العلماء ممن أوجب السجود على الأنف غير أبي حنيفة، وهي رواية عن الثوري، رواها عنه حسان بن إبراهيم» (^١).\nوعند أبي الفرج المالكي في الحاوي أن من اقتصر على الأنف دون الجبهة تجزئه صلاته ويعيد في الوقت (^٢).\n• دليل الجمهور على أن السجود على الجبهة فرض:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٠٥) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح ابن سليمان، عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ... الحديث (^٣).\n[حسن في الجملة، وسبق تخريجه] (^٤).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ... الحديث (^٥).\nوجه الاستدلال:\nأنه ذكر الجبهة بالنص، وأشار إلى الأنف فدل على أن الأنف تابع للجبهة، في\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٥٧).\n(^٢). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٩)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٧).\n(^٣). سنن أبي داود (٧٣٤).\n(^٤). انظر تخريجه في هذا المجلد، (ح ١٧٤٨).\n(^٥). صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).","vol":"4","page":209},{"text":"السجود، وليس العكس، كما أن الأذن تبع للرأس في المسح، ولو اكتفى بمسح الأذن عن مسح الرأس لا يجزئه.\n• دليل أبي حنيفة القائل بأن الفرض: الجبهة أو الأنف من غير تعيين:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nوجه الاستدلال:\nأن الأمر في الآية تعلق بالسجود مطلقًا من غيرتعيين، ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه، فلا يجوز تعيين غيره، والأنف بعض الوجه كالجبهة، ولا إجماع على تعيين الجبهة، فلا يجوز تعيينها، فيبقى الأمر على التخيير بين الجبهة والأنف.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nإن كان المقصود بالإجماع إجماع الأمة فلا يصح؛ لأن الحنابلة يقولون بوجوب السجود على جميع الأعضاء بما فيها الأنف.\nوإن كان المقصود بالإجماع إجماع الحنفية، فغير مسلم أيضًا فهذا زفر يقول بوجوب السجود على جميع الأعضاء عدا الأنف، ومحمد بن الحسن وأبو يوسف يقولان بوجوب السجود على الجبهة على وجه التعيين، فلا يصح دعوى الإجماع لا في مذهب الحنفية، ولا في أقوال الأئمة.\nالوجه الثاني:\nأن الأمر بالسجود في الآية مجمل، وقد بينه النبي - ﷺ - في حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، فأشار إلى الأنف، وسبق ذكره، وتخريجه.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٠٧) روى البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف","vol":"4","page":210},{"text":"القدمين ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لما ذكر الجبهة أشار إلى الأنف، وفيه إشارة إلى أنهما في حكم العضو الواحد، واستيعاب العضو الواحد في السجود ليس بواجب بالإجماع، كما لو سجد على كفه دون أصابعه، أو سجد على بعض أصابع رجليه فلا تتعين الجبهة دون الأنف.\n• ونوقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الذي أشار بيده على أنفه إنما هو طاوس، وليس من فعل ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وسوف أبين ذلك عند البحث على حكم السجود على الأنف.\nالوجه الثاني:\nأن الأنف تابع للجبهة وليس العكس، ولهذا نص على الجبهة بالذكر، وأشار إلى الأنف، والتابع تابع، لا يستقل بنفسه، فالسجود عليه وحده إسقاط لما هو فرض أصالة، واستغناء بالتابع عن الأصل.\nالدليل الثالث:\nأن الأنف محل للسجود بالإجماع، بدليل جواز السجود عليه عند العذر، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.\n• ونوقش من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول:\nجواز السجود على الأنف عند العذر مسألة خلافية، فالمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أنه إذا عجز بالجبهة أومأ ما أمكنه، فلا يصح الإلزام.\nالوجه الثاني:\nعلى فرض جواز الاكتفاء بالأنف عند العذر، فلا يصح القياس عليه في غير المعذور،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).","vol":"4","page":211},{"text":"فقياس الصحيح على المعذور قياس مع الفارق، فالضرورة لها أحكامها، والعذر يسقط به القيام والركوع وغيرهما من الفرائض المجمع عليها، فلا يصح القياس عليه.\nالوجه الثالث:\nلم يثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من الصحابة، القول بجواز الاقتصار على الأنف، والمقصود بالسجود التذلل والخشوع، ولا يقوم الأنف مقام الجبهة في ذلك.\nالدليل الرابع:\nأن الأنف أحد محلي سجود الوجه، فجاز الاقتصار عليه كالجبهة.\n• ونوقش:\nالأنف محل لكمال السجود، وما كان كذلك لا يجوز الاقتصار عليه، ألا ترى أن الكفين والركبتين وأصابع القدمين محل لكمال السجود، ولا يجوز الاقتصار عليها دون الجبهة، وكذلك الأذنان محل لكمال المسح على الرأس، ولو اقتصر على مسحهما لم يجزه (^١).\n• الراجح:\nأن السجود على الأنف وحده لا يجزئ، وكراهة أبي حنيفة الاقتصار على الأنف وحده قد اختلف أصحابه في تفسيرها، فذهب بعضهم إلى أنها كراهة تحريمية، وعليه يكون السجود على الأنف واجبًا، والقول بأنها كراهة تنزيهية ليس هو المعتمد في مذهب الحنفية، فالفتوى في المذهب على أنه لا يجزئ السجود على الأنف، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر التعليقة الكبرى لأبي الطيب الطبري (ص: ٣٩٤).","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>المسألة الثانية حكم السجود على الأنف</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية السجود على الأنف.\n• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف.\n• ذكر الأنف في حديث ابن عباس إن كان بالعبارة فهو مدرج في الحديث، أخطأ فيه عبد الله بن وهب،، وإن كان بالإشارة فهو من فعل طاوس مقطوعًا عليه.\n• السجود إن كانت حقيقته لغوية، فلا تتوقف على السجود على الأنف، وإن كانت شرعية فالمحفوظ من حديث ابن عباس أمرت بالسجود على سبعة أعظم، ليس منها الأنف، وهو في الصحيحين.\n• استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا.\n• إن جعل الأنف والجبهة كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وإن جعل الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وهو خلاف حديث ابن عباس.\n• المواظبة على السجود على الأنف لا يكفي في الدلالة على الوجوب فقد واظب النبي - ﷺ - على الوتر، وسنة الفجر، ولم يدل ذلك على وجوبهما.\n[م-٦٥٨] الأنف من أعضاء السجود، لا يختلف العلماء على ذلك، ومستندهم حديث ابن عباس المتفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في وجوب السجود عليه:\nفقيل: السجود على الأنف سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وصححها أبو يعلى من الحنابلة، وكره أبو حنيفة في أحد","vol":"4","page":213},{"text":"القولين والشافعية الاقتصار على الجبهة، واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت (^١).\nقال النووي: «إن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في الأم كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور» (^٢).\nقال في ملتقى الأبحر: «ويسجد بأنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما ... جاز مع الكراهة» (^٣).\nوقيل: السجود على الأنف واجب وليس بفرض، وهو قول في مذهب\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣، ٢١٠)، فتح القدير (١/ ٣٠٤)، وحاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٩، ٤٩٩)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٨)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٧)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٣)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦).\nوجاء في التهذيب في مختصر المدونة (١/ ٢٣٩): «السجود على الأنف والجبهة جميعًا، فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعادها أبدًا، ومن سجد على جبهته دون الأنف فصلاته مجزئة عنده، ولا يعيد».\nوعلل في منح الجليل (١/ ٢٥٠) الإعادة في الوقت بأنه مراعاة للقول بوجوبه، والراجح ندبه. اهـ أي من باب مراعاة الخلاف، وهو أصل عند المالكية.\nوانظر: مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٠)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٩).\nوكره الشافعية الاقتصار على الجبهة، انظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، المجموع (٣/ ٤٢٤)، فتح العزيز (٣/ ٤٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، ... المهذب (١/ ١٤٥)، حواشي الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٤)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٢، ٥١٥).\n\nقال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٢٥): «نقل الحارث: إن سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، وهو أصح؛ لأن أحمد قد أجاز السجود على كور العمامة. وذلك لما روى في حديث ابن عمر وأنس أن النبي - ﷺ - قال: إذا سجدت فَمَكِّنْ جبهتك من الأرض، فظاهر هذا أنه إذا مكن جبهته أجزأه، وإن لم يكن أنفه؛ لأنه قد أتى بالسجود على الجبهة فأجزأه، كما لو أتى به مع الأنف». وانظر: المبدع (١/ ٤٠٢)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٦٣)، الإنصاف (٢/ ٦٦)، المقنع (ص: ٥١).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤٢٤)، وانظر: فتح العزيز (٣/ ٤٥٥).\n(^٣). ملتقى الأبحر (ص: ١٤٧).","vol":"4","page":214},{"text":"الحنفية (^١).\nوقيل: السجود على الأنف ركن، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، اختاره الأوزاعي وابن حبيب من المالكية، وقواه النووي، وبه قال جماعة من المحدثين (^٢).\nقال النووي في المجموع: «وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولًا للشافعي: إنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا، وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًّا في الدليل» (^٣).\nوقال الحافظ في الفتح: «وعن الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي أيضًا» (^٤).\nفتحصل الخلاف في السجود على الأنف مع الجبهة ثلاثة أقوال:\nسنة، وواجب، وركن. فإذا انتهيت من الأقوال، فلننزل إلى معرض الحجة والبرهان.\n• دليل الجمهور على أن السجود على الأنف سنة:\nالدليل الأول:\nلا يوجد دليل صحيح يأمر بالسجود على الأنف، وما جاء في السنة الصحيحة فهو إما مجرد فعل من النبي - ﷺ -، وهو لا يقتضي الوجوب، وإما من كلام طاوس، رواه ابنه عنه، وأدرجه بعض الرواة عن ابنه في الحديث فظن أنه مرفوع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند تخريج حديث ابن عباس.\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٣٠٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨، ٤٩٩)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥، ٣٣٦)، وانظر المسألة السابقة فقد فصلت الخلاف بين الحنفية في تفسير هذه الكراهة، والاختلاف في ثبوتها.\n(^٢). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٩)، الإقناع (١/ ١٢١)، الكافي (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥١)، مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: ١٧١)، المغني (١/ ٣٧٠)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٠)، الإنصاف (٢/ ٦٧).\nوانظر قول ابن حبيب في التبصرة للخمي (١/ ٢٨٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٥).\n(^٣). المجموع (٣/ ٤٢٤)، وانظر البيان للعمراني (٢/ ٢١٧).\nوقال النووي في الروضة (١/ ٢٥٦): «وحكى صاحب (البيان) قولًا غريبًا أنه يجب وضع الأنف مع الجبهة».\n(^٤). فتح الباري (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧).","vol":"4","page":215},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٨٠٨) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، قال: أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن حديث ابن عباس ذكر أن السجود على سبعة أعظم، ثم فصلها: الجبهة، والكفان، والركبتان والقدمان، وكون الأنف يدخل معها فهذا من باب الكمال، لا من باب الشرط؛ لأن اشتراط الأنف في السجود سيجعل الأعضاء ثمانية، والقول إن الأنف من الجبهة ليس صحيحًا، فالأنف من الوجه، ولا يسمى جبهة، لا لغة، ولا شرعًا، فلو حلف أن يقبل جبهته فقبل أنفه لم يصح.\n• وأجيب:\nبأن الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس، رواه عمرو بن دينار في الصحيحين، عن طاوس، عن ابن عباس فلم يذكر الأنف.\nورواه عبد الله بن طاوس في الصحيحين، عن أبيه، وأشار إلى الأنف حين ذكر الجبهة، وهذه زيادة من ثقة فتكون مقبولة، وليس الأنف من الجبهة من جهة التسمية، ولكنهما عضو واحد من حيث الحكم الشرعي، والمستفاد من الإشارة إلى الأنف فكان تابعًا للجبهة في الحكم، لا عضوًا مستقلًّا عنها، ولا أن الأنف يسمى جبهة.\n(ح-١٨٠٩) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: أمرت أن أسجد على\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).","vol":"4","page":216},{"text":"سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر (^١).\nورواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن عبد الله بن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين (^٢).\n• ورد هذا:\nبأن ذكر الأنف بالعبارة مدرج في الحديث، والصحيح أن الأنف ذكر بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨١٢)، ومسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٣١ - ٤٩٠).\n(^٣). الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس،\nرواه عمرو بن دينار، عن طاوس كما في الصحيحين، لا يختلفون عليه في عدم ذكر الأنف في حديث ابن عباس.\nتابعه أبو بشر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٨١).\nوليث بن أبي سليم كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٨٢، ٨٠٥٠)، والمعجم الأوسط (٤٧٣٧)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٣٢٣، ٣٢٤، ٣٣١).\nوسقيف بن بشر الشيباني كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٣٢٩)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ٤٩) ح ١١٠٠٦، وتلخيص المتشابه في الرسم للخطيب (٢/ ٨٤٣)، ثلاثتهم عن طاوس به، ليس فيه ذكر للأنف.\nوسقيف بن بشر، فيه جهالة، ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٤٣٦)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢٥٤٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٢٢)، وسكتا عليه.\nوذكره ابن قُطْلُوْبَغَا في الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة.\nورواه عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس واختلف على ابن طاوس:\n\nفرواه وهيب بن خالد كما في البخاري (٨١٢)، ومسلم (٢٣٠ - ٤٩٠) عن ابن طاوس، به، بلفظ: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه .... الحديث.\nوالذي أشار على أنفه هو طاوس، وليس ابن عباس فضلًا أن يكون مرفوعًا.\nورواه يحيى بن أيوب الغافقي (صدوق ربما أخطأ) كما في المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٢٣) ح ١٠٩١٩، حدثني عبد الله بن طاوس به، وليس فيه ذكر للأنف. =","vol":"4","page":217},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:\nفرواه عمرو الناقد كما في صحيح مسلم (٢٢٩ - ٤٩٠)،\nوأحمد كما في المسند (١/ ٢٢٢)،\nوسعيد بن عبد الرحمن المخزومي في إحدى روايتيه، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٣٤)،\nومحمود بن آدم كما في المنتقى لابن الجارود (١٩٩)،\nومحمد بن يوسف الفريابي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٦)، كلهم رووه عن ابن عيينة، عن ابن طاوس به، وليس فيه ذكر للأنف، كرواية عمرو بن دينار، عن طاوس.\nورواه الشافعي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٨)، عن سفيان به، قال: أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونهى أن يكفت منه الشعر والثياب. قال سفيان: وزاد ابن طاوس: فوضع يده على جبهته، ثم أمَرَّ بها على أنفه حتى بلغ بها طرف أنفه، قال: وكان أبي يعد هذا واحدًا.\nوهذا صريح من الشافعية أن ذكر الأنف واحتسابه من الجبهة من كلام طاوس، ليس من كلام ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nوتابع الشافعي الحميدي فرواه في مسنده (٥٠١) عن سفيان به، بلفظ: (أُمِرَ النبي - ﷺ - أن يسجد منه على سبع: على يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونُهِىَ إن شاء الله أن يكف الشعر والثياب) قال سفيان: وأرانا ابن طاوس فوضع يده على جبينه، ثم مر بها حتى بلغ بها طرف أنفه، وكان أبي يعد هذا واحدًا.\nفهذا الحميدي وهو من أثبت أصحاب سفيان، فصل المرفوع عن المقطوع، فقوله: (وكان أبي يعد هذا واحدًا)، صريح أن إدخال الأنف في الجبهة من قول طاوس، ليس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nورواه هشام بن عمار كما في سنن ابن ماجه (٨٨٤) حدثنا سفيان، عن ابن طاوس به، بلفظ: (أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكف شعرًا، ولا ثوبًا) قال ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا.\nورواه محمد بن منصور المكي كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٩٨)، قال: حدثنا سفيان، عن ابن طاوس به، بلفظ: (أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبع، ونُهِيَ أن يكفت الشعر والثياب على يديه وركبتيه وأطراف أصابعه)، قال سفيان: قال لنا ابن طاوس: ووضع يديه على جبهته وأمرها على أنفه. قال: هذا واحد.\nفبين أن ذكر الأنف من طاوس، وليس مرفوعًا للنبي - ﷺ -.\nورواه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في إحدى روايته كما في صحيح ابن خزيمة (٦٣٥)، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس به، بنحوه، وفيه: وكان ابن طاوس يمر يده على جبهته وأنفه، يقول: هو واحد.\nورواه علي بن المديني كما في السنن المبرى للبيهقي (٢/ ١٤٨)، عن سفيان، به، وقال: إلا =","vol":"4","page":218},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٨١٠) ما رواه مسلم من طريق ابن الهاد (يزيد بن عبد الله)، عن محمد ابن إبراهيم، عن عامر بن سعد،\nعن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه (^١).\nالدليل الرابع\n(ح-١٨١١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن\n_________\n= أن ابن طاوس أخبرنا أن طاوسًا كان يقول بيده على جبهته، وأنفه، وأَمَرَّ ابن طاوس يده على أنفه وجبهته. قال ابن طاوس: كان أبي يقول: وهو واحد، واليدين والركبتين والرجلين. اهـ\nفهذا الشافعي والحميدي وابن المديني وهم من أخص أصحاب ابن عيينة، وهشام بن عمار، ومحمد بن منصور المكي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كلهم رووه عن سفيان بن عيينة به، صريحًا أن ذكر الأنف جاء من كلام طاوس، مقطوعًا عليه، وليس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nورواه ابن جريج، واختلف عليه:\nفرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٩٧٤) عن ابن جريج، عن ابن طاوس به، بلفظ: (أمر النبي - ﷺ - أن يصلي على سبع: على كفيه، وركبتيه، وأطراف قدميه، وجبينه -ثم مَرَّ يمسح طاوس إذا قال: وجبينه، ثم مَرَّ حتى يمسح أنفه- ولا يكف شعرًا، ولا الثياب) قال ابن طاوس: لا أدري أي السبع كان أبوه يبدأ.\nفالمسح إلى الأنف من فعل طاوس، ليس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nوعبد الرزاق مقدم في ابن جريج، ومن أثبت أصحابه.\nوخالفه عبد الله بن وهب، كما في صحيح مسلم (٢٣١ - ٤٩٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٩٦)، وفي الكبرى (٦٨٧)، وصحيح ابن خزيمة (٦٣٦)، ومستخرج أبي عوانة (١٥٠٧، ١٨٦٥)، ومستخرج أبي نعيم (١٠٩١)، وسنن البيهقي (٢/ ١٤٨)، عن ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس به، بلفظ: (أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب، الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين). فانفرد ابن وهب بذكر الأنف بالعبارة، وليس بالإشارة، فجعلها ثمانية وليست سبعة. وقد أخطأ فيه عبد الله بن وهب.\nتابعه زمعة بن صالح (ضعيف) كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٣٤٠)، فرواه عن ابن طاوس به، بلفظ: (أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: على الجبين، والأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف الرجلين)، والله أعلم.\n\n(^١). صحيح مسلم (٤٩١).","vol":"4","page":219},{"text":"عبد العزيز بن عبيد الله، قال: قلت لوهب بن كيسان: يا أبا نعيم، ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك من الأرض؟ قال: ذلك إني سمعت جابر بن عبد الله، يقول: «رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٢٦٩٧).\n(^٢). رواه ابن أبي شيبة في المصنف كما في إسناد الباب، وفي المسند كما في المطالب العالية (٢)، وأبو داود الطيالسي (١٩٠٠)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (٣٢٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١٣٤٦)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٩٩)، والدارقطني في السنن (١٣٢٠) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن وهب بن كيسان، عن جابر.\nوفي إسناده عبد العزيز بن عبيد الله لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش،\nقال أبو حاتم: ... لم يَرْوِ عنه أحد غير إسماعيل بن عياش، وهو عندي عجيب، ضعيف، منكر الحديث، يكتب حديثه، يروي أحاديث مناكير، ويروي أحاديث حسانًا.\nوقال أبو داود: ليس بشيء.\nوقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.\nوقال أحمد: كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص، فإذا هو عندهم معروف، ولا أعلم أحدًا روى عنه غير إسماعيل. اهـ\nقال ابن عدي: «وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعبد العزيز هذا مناكير كلها، وما رأيت أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل بن عياش».\nوقال الدارقطني: «تفرد به: عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب، وليس بالقوي».\nوتابع حكيم بن عامر، وهب بن كيسان.\n\nرواه ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٢١) وأبو يعلى (٢١٧٦)، والطبراني في الأوسط (٤٣٢) وفي مسند الشاميين (١٤٧٠)، وتمام في فوائده (٤٢٨)، وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٤٧) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على جبهته على قصاص الشعر.\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حكيم بن عمير إلا أبو بكر بن أبي مريم.\nقلت: تفرد به أبو بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير، وهو ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيتُهُ فاختلط.\nقال الدارقطني: أبو بكر بن أبي مريم متروك.\nوقال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلما يوافقه الثقات.\nوضعفه أحمد، وأبو زرعة، وابن معين وغيرهم. =","vol":"4","page":220},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض.\n• ويناقش:\nالحديث لا يصح، ولو صح لم يكن نصًّا في السجود على الجبهة وحدها؛ لأن قصاصة الشعر إن كانت على مقدم رأسه فالسجود عليها يمنع من السجود على الجبهة، والسجود عليها فرض، وإن كانت قصاصة الشعر على الجبهة، كما كان الرسول - ﷺ - له شعر كثير يبلغ شحمة أذنيه فإذا كان هذا طوله في جانب الوجه، فإنه قد يضرب على جبهته من مقدم رأسه، فالسجود عليها لا ينفي السجود على الأنف، ولأن الحديث: يقول: ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك؟ فلم ينف السجود على الأنف، وإنما نفى تمكين السجود عليهما معًا على الجبهة وعلى الأنف، وتمكين السجود إن قصد به الاستيعاب فهو ليس واجبًا، وإن قصد به الطمأنينة فهي ركن، لا يصح السجود إلا به، وعلى كل حال فالحديث شديد الضعف، لا يمكن أن يعارض به حديث ابن عباس المتفق عليه لو كان ذكر الأنف محفوظًا في الحديث، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\nإن اعتبرنا الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وإن اعتبرنا الأنف مع الجبهة عضوًا واحدًا، لم يجب السجود على الأنف؛ لأن استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا، ولأنهما إذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، وربما استنتج من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وقد تبين من المسألة السابقة شذوذ القول بجواز الاقتصار في\n_________\n= وجاء الحديث من طريق ثالث، إلا أنه ضعيف جدًّا،\nرواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٨) من طريق عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن ابن سابط عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على كور العمامة.\nوفي إسناده عمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وكلاهما متروك.\nفهذه الطرق الثلاثة منها طريقان ضعيفان جدًّا، لا يعتبر بهما طريق وهب بن كيسان، وعبد الرحمن بن سابط، وأمثلها طريق حكيم بن عمير، إلا أنه ضعيف.","vol":"4","page":221},{"text":"السجود على الأنف.\n• ونوقش:\nبأن استيعاب العضو ليس واجبًا بالإجماع هذا في الجملة، لكنه لما ذكر الجبهة وأشار على الأنف دل على أن السجود لا يتحقق بأحدهما، فلو استوعب جبهته بالسجود، ولم يسجد على أنفه لم يتم سجوده، ولو سجد على بعض جبهته وبعض أنفه أجزأه.\n• ورد هذا:\nهذا الجواب صحيح لو صح الأمر بالسجود على الأنف سواء أكان على وجه الاستقلال أم كان على وجه التبع للجبهة، لكنه لم يصح، وقد بينت في كلام سابق أن ذكر الأنف جاء مدرجًا في الحديث، وأن الصحيح أنه من كلام طاوس، ليس من كلام ابن عباس فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، هذا هو الدليل الذي يمكن التعويل عليه في سقوط وجوب السجود على الأنف، وكل ما يذكر من الأدلة غير هذا فلا يسلم من الاعتراض عليه، ولولا أنه ذكر من أدلة المسألة لم أعرج عليه.\nالدليل السادس:\nأن الوجه عضو واحد في السجود، فيجزئ عنه جزء منه كاليدين، وأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة على الأرض، وإن لم يضع الأنف على الأرض.\n• دليل من قال: السجود على الأنف فرض (ركن):\nالدليل الأول:\n(ح-١٨١٢) رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن عبد الله بن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين (^١).\n[أدرج عبد الله بن وهب ذكر الأنف بالعبارة، والصحيح أن الأنف ذكر\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٣١ - ٤٩٠).","vol":"4","page":222},{"text":"بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه، وسبق بيان ذلك].\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨١٣) ما رواه مسلم من طريق أبي ضمرة، حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد،\nعن عبد الله بن أنيس، أن رسول الله - ﷺ -، قال: أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله - ﷺ -، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين (^١).\n• وجه الاستدلال على الوجوب من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الله ﷾ أمرنا بالصلاة بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]، وهذا الأمر فيه إجمال، وقد بين لنا النبي - ﷺ - كيفية إقامة الصلاة، فكان إذا سجد سجد على جبهته وأنفه، وقد واظب النبي - ﷺ - على هذا الفعل، فلم يُخِلَّ به، ولا مرة واحدة، فكان فعله ﵊ بيانًا لذلك المجمل في الآية الكريمة، فيأخذ الفعل حكم الأمر في الآية، فيكون واجبًا، وهذا الاستدلال أقوى من الاستدلال بحديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والذي سبق أن بينت أكثر من مرة بأنه لا يصح الاستدلال به على وجوب أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة.\nالوجه الثاني:\nأن سجود النبي - ﷺ - على أنفه مع وجود الطين دليل على وجوب السجود على الأنف، فلو لم يكن واجبًا لصانه عن التلوث بالطين.\n• ورد هذا الاستدلال من جوابين:\nالجواب الأول:\nلا نسلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، من اللفظ المجمل؛ ذلك أنه\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢١٧ - ١١٦٧).","vol":"4","page":223},{"text":"لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج صلى جبريل بالنبي - ﷺ - صبيحة ذلك اليوم، وبين لهم كيفية الصلاة ومواقيتها فإذا قيل لهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٥٦]، بعد ذلك كان لفظ الصلاة منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، فلم يؤمروا بها إلا ومسماها معلوم عندهم، فلا إجمال.\nالجواب الثاني:\nسلمنا أن قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، من اللفظ المجمل، فإن هذا المجمل لا يمنع من قيام دليل مستقل يبين أن بعض أفعال الصلاة ليست واجبة، كدعاء الاستفتاح، وجلسة الاستراحة، ونحوهما، فحديث ابن عباس نص في محل النزاع وقد بين أن النبي - ﷺ - أمر بالسجود على سبعة أعظم، الجبهة، والكفين، والركبتين والقدمين، هذا منطوقه، ومفهومه: أن السجود على الأنف ليس واجبًا، أما كون النبي - ﷺ - لم يصنه عن التلوث بالطين، فهذا يدل على أن تحصيل سنة السجود على الأنف أكبر من صيانته من الطين، لكن دلالته على الوجوب ضعيفة، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨١٤) ما رواه الدارقطني من طريق سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا ناشب بن عمرو الشيباني، حدثنا مقاتل بن حيان، عن عروة،\nعن عائشة، قالت: أبصر رسول الله - ﷺ - امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض، فقال: ما هذه؟ ضعي أنفك بالأرض؛ فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في السجود.\nقال الدارقطني: «ناشب ضعيف، ولا يصح مقاتل، عن عروة» (^١).\n[ضعيف جدًّا، تفرد به ناشب، وهو منكر الحديث] (^٢).\n_________\n(^١). سنن الدارقطني (١٣١٧).\n(^٢). ناشب بن عمرو الشيباني لا يعرف بالرواية إلا عن مقاتل، ولم يرو عنه إلا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي التميمي.\nوسليمان هذا قال فيه أبو حاتم: صدوق مستقيم الحديث لكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان في حَدٍّ لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم.\nقال ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٣٩٢): «إن قالوا: قد قال الدارقطني ناشب ضعيف، قلنا =","vol":"4","page":224},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٨١٥) ما رواه الترمذي في العلل من طريق حرب بن ميمون، عن خالد الحذاء، عن عكرمة،\nعن ابن عباس، قال: أتى النبي - ﷺ - على رجل يسجد على جبهته، ولا يضع أنفه على الأرض قال: ضع أنفك يسجد معك.\nقال أبو عيسى: وحديث عكرمة عن النبي - ﷺ - أصح (^١).\n[الصحيح عن عكرمة مرسلًا] (^٢).\n_________\n= ما قدح فيه غيره، ولا يقبل التضعيف حتى يتبين سببه».\nفتعقبه الذهبي في تنقيح التحقيق (١/ ١٦٩): «هذا الكلام يدل على هوى المؤلف وقلة علمه بالدارقطني؛ فإنه ما يضعف إلا من لا خير فيه».\n\nوقال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٥٦): هذا الكلام يدل على قلة علم المؤلف بالدارقطني، فإن الدارقطني قَلَّ أن يضعف رجلًا، ويكون فيه طب، ولا يطلب بيان السبب في التضعيف إلا إذا عارضه تعديل، وقد تكلم البخاري في ناشب أيضًا، وقال: هو منكر الحديث». وهو جرح شديد.\nوقد أعله الدارقطني بعلة أخرى، حيث قال: ولا يصح مقاتل عن عروة.\nوقال ابن القطان الفاسي: لا يصح. انظر: بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٩٤).\n\n(^١). العلل الكبير للترمذي (١٠٢).\n(^٢). حديث ابن عباس ﵄ روي مرفوعًا، وموقوفًا، ومرسلًا، وهو المعروف.\nأما المرفوع، فقد روي من ثلاثة طرق:\nالطريق الأول: رواه حرب بن ميمون، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.\nرواه الترمذي في العلل (١٠٢)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (١/ ١٨٧)، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان (١/ ٢٣٤)، والخطيب في موضع أوهام الجمع والتفريق (١/ ١٠٢).\nقال الخطيب: لم يسند هذا الحديث عن خالد الحذاء غير حرب بن ميمون، وغيره يرسله .... اهـ\nوحرب بن ميمون العبدي الأصغر، وليس له رواية عن خالد الحذاء إلا هذا الحديث، وقد تفرد به عن خالد الحذاء، قال ابن حجر: متروك الحديث مع عبادته.\nوقال أبو زرعة: لين.\nوقال الفلاس وغيره: حرب بن ميمون الأصغر ضعيف، وحرب بن ميمون الأكبر ثقة.\nالطريق الثاني: عن عاصم الأحول، عن عكرمة، وقد رواه جماعة عن عاصم، مرفوعًا ومرسلًا. فرواه عنه شعبة، واختلف عليه: =","vol":"4","page":225},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه الجراح بن مخلد، واختلف عليه:\nفرواه عبد الله بن سليمان بن الأشعث، كما في سنن الدارقطني (١٣١٨)، قال: حدثنا الجراح بن مخلد، عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قال: لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض.\nوخالفه إبراهيم بن عبد السلام كما في مستدرك الحاكم (٩٩٨)، فرواه عن الجراح بن مخلد، قال: حدثنا أبو قتيبة، حدثنا شعبة، عن عاصم به موقوفًا على ابن عباس.\n\nوالمعروف من رواية أبي قتيبة أنه يرويه عن شعبة مرفوعًا، أخطأ فيه إبراهيم بن عبد السلام، حيث رواه موقوفًا، وإبراهيم ضعفه الدارقطني، انظر سؤالات الحاكم (٥٢، ١١٩).\nوقد رواه سليمان بن عبيد الله الغيلاني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٩)، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا شعبة به مرفوعًا، وهو المعروف من حديث أبي قتيبة.\nخالف أبا قتيبة الأسود بن عامر (شاذان) كما في الحادي عشر من فوائد ابن البختري (١٢٤)، وأبو داود الطيالسي كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٢٩٤)،\nوأبو زيد الهروي (سعيد بن الربيع) كما في تهذيب الآثار للطبري (٢٩٥)، ثلاثتهم رووه عن شعبة، عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا، كرواية الجماعة عن عاصم، وهو المعروف.\nورواه الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، واختلف على الثوري:\nفرواه سلم بن قتيبة، كما في سنن الدارقطني (١٣١٩)، والحاكم (٩٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٩)، عن الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، بلفظ: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، ما يصيب أنفه من الأرض، فقال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين.\nوخالفه الحسين بن حفص، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٠).\nوعبد الرزاق كما في المصنف (٢٩٨٢)، فروياه عن الثوري، حدثني عاصم الأحول، عن عكرمة مرسلًا، كرواية الجماعة عن عاصم.\nقال البيهقي: وكذلك رواه سفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان عن عاصم الأحول، عن عكرمة مرسلًا.\nقال الدارقطني قال لنا أبو بكر: لم يسنده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة والصواب عن عاصم عن عكرمة مرسلًا.\nوقال الدارقطني: «ورواه غيره عن شعبة، عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا».\nوقال البيهقي في المعرفة (٣/ ٢٢): «وأما حديث عكرمة أن النبي - ﷺ - ... وذكر الأثر فإنما هو مرسل، وإنما أسنده بذكر ابن عباس فيه: أبو قتيبة، عن سفيان، وشعبة، عن عكرمة، وغلط فيه».\nوقد رواه عبدة بن سليمان كما في العلل الكبير للترمذي (١٠١)،\nوأبو إسحاق الفزاري كما في المراسيل لأبي داود (٤٤)،\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٨١)، =","vol":"4","page":226},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٩٥)،\nوجرير بن عبد الحميد كما في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٢٩٢).\nوإسماعيل بن علية كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٢٩٣).\nومحاضر بن المورِّع كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٧٥)،\nوسفيان بن عيينة ذكر ذلك البيهقي في السنن (٢/ ١٤٩) ستتهم رووه عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا.\nقال أبو داود: وقد أسند هذا الحديث، وهذا أصح. يعني المرسل\nوقال ابن رجب في شرح البخاري (٧/ ٢٥٧): «وصحح الحاكم وصله، وصحح الأكثرون إرساله، منهم أبو داود في مراسيله، والترمذي في علله، والدارقطني، وغيرهم، وإلى ذلك يميل الإمام أحمد، وهو مرسل حسن».\nخالف كل هؤلاء سعيد بن الفضل كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٣١٢)، قال: حدثنا عاصم الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: من سجد فلم يضع أنفه على الأرض فلم يُصَلِّ. هكذا موقوفًا.\nوسعيد بن الفضل، قليل الرواية، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٤/ ٥٥): شيخ بصري ... ليس بالقوي منكر الحديث.\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (١٦٨٥)، وذكر أنه روى عن عاصم، ورأى ابن سيرين، وتوضأ، وحرك خاتمه، ولم يذكر فيه شيئًا.\nوقال أبو زرعة كما في الضعفاء في أجوبته على أسئلة البرذعي (٢/ ٤٨٩): لا أعرفه، فقال لي أبو حاتم، وكان حاضرًا: أعرفه منكر الحديث.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٧٠).\nالطريق الثالث: عن منصور بن زاذان، عن عاصم.\nرواه الطبراني في الأوسط (٤١١١)، وفي الكبير (١١/ ٣٣٣) ح ١١٩١٧، من طريق محمد ابن حمير قال: أخبرنا الضحاك بن حُمْرَةَ، عن منصور، عن عاصم البجلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض في سجوده لم تقبل صلاته.\nقال الطبراني في الأوسط: «لم يرو هذا الحديث عن منصور بن زاذان إلا الضحاك، تفرد به: محمد بن حمير، وعاصم البجلي هو: عاصم بن سليمان الأحول».\nوآفته الضحاك بن حمرة، قال النسائي: ليس بثقة.\nوقال البخاري: منكر الحديث، مجهول. انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٣٢٢).\nوبهذه الطرق السابقة، أكون قد خرجت الحديث مرفوعًا، ومرسلًا، وبقي تخريجه موقوفًا.\nوأما روايته موقوفًا، فرواه سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.\nرواه عبد الرزاق كما في المصنف (٢٩٧٨)، عن سماك.\nوقد رواه عبد الرزاق كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٥٧) عن إسرائيل، عن سماك، =","vol":"4","page":227},{"text":"وهو مرسل حسن، فيكون حجة على الجمهور ممن يرى المرسل حجة، كالحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨١٦) ما رواه الطبراني من طريق سليمان القافلاني، عن محمد ابن سيرين،\nعن أم عطية، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله لا يقبل صلاة مَن لا يصيب أنفُه الأرضَ (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل السادس:\n(ح-١٨١٧) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح\n_________\n= وأخشى أن يكون سقط من مصنف عبد الرزاق إسرائيل، فإني لم أجد لعبد الرزاق رواية عن سماك إلا هذا الحديث، ولم يدركه، فسماك توفي عام ١٢٣ هـ وعبد الرزاق توفي عام ٢١١ هـ.\nوأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٨٨)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٧٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٠).\nوإبراهيم بن طهمان كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٠)، ثلاثتهم (إسرائيل وأبو الأحوص، وابن طهمان) رووه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا: (إذا سجدت فألزق أنفك بالأرض) هذا لفظ عبد الرزاق.\nولفظ أبي الأحوص: (إذا سجد أحدكم فليلزق أنفه بالحضيض، فإن الله قد ابتغى ذلك منكم).\nوخالفهم شريك، كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٣٣٢) فرواه عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك. وهذا من المرفوع حكمًا.\nورواية سماك عن عكرمة مضطربة، خاصة رواية المتأخرين من أصحابه، وهذه من رواية المتأخرين منهم، فيكون الراجح في رواية عكرمة الإرسال، وهي رواية الأكثر، والله أعلم.\n\n(^١). رواه الطبراني في الأوسط (٤٧٥٨)، وفي الكبير (٢٥/ ٥٥) ح ١٢٠.\n(^٢). تفرد به عن ابن سيرين سليمان بن أبي سليمان القافلاني، بياع الأقفال، قال النسائي: متروك الحديث، وقال في لسان الميزان (٤/ ١٥٧): متروك الحديث، بصري مُقِلٌّ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٢٦): رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سليمان بن محمد القافلاني، وهو متروك. اهـ","vol":"4","page":228},{"text":"ابن سليمان،\nعن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه .... الحديث (^١).\n[حسن في الجملة، وسبق تخريجه] (^٢).\nالدليل السابع:\n(ح-١٨١٨) ما رواه أحمد، من طريق الأعمش، عن عبد الجبار بن وائل،\nعن أبيه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده (^٣).\n[ضعيف، والمعروف أن عبد الجبار يرويه عن أخيه علقمة، عن وائل بن حجر] (^٤).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٤).\n(^٢). انظر تخريجه في هذا المجلد (ح ١٧٤٨).\n(^٣). المسند (٤/ ٣١٧).\n(^٤). اختلف فيه على عبد الجبار بن وائل،\n\nفرواه الأعمش كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٧) وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري، مسند ابن عباس (٣٠١)، والمعجم الكبير للطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٩) ح ٦٢، ومستخرج الأحكام للطوسي (٢٥٤).\nوحجاج بن أرطأة كما في مسند أحمد (٤/ ٣١٥، ٣١٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٦٨٧)، وفي مسنده كما في إتحاف الخيرة (١٣٤١)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٢٩٨، ٢٩٩)، ومسند البزار (٤٤٧٨)، ومستخرج الطوسي (٢٥٣، ٢٥٥، ٢٥٦)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٣٠) ح ٦٦، ٦٧، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٠/ ١٣٠)، كلاهما عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه.\nوعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، وسبق الكلام على هذا في تخريج سابق، انظر (ح ١٢٨٩).\nوخالفهم محمد بن جحادة، فرواه عن عبد الجبار بن وائل، عن أخيه علقمة بن وائل، عن أبيه، وهو في مسلم (٥٤ - ٤٠١)، وليس فيه ذكر للسجود على الأنف والجبهة، وهو المعروف، وقد سبق تخريجه، انظر (١٢٧٦). =","vol":"4","page":229},{"text":"• ونوقش:\nبأن الحديث فيه دليل على مشروعية السجود على الأنف، وليس هذا محل خلاف، ولا دلالة فيه على الوجوب.\nالدليل الثامن:\n(ح-١٨١٩) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: السجود على الجبهة فريضة، وعلى الأنف تطوع (^١).\n[موضوع] (^٢).\n• دليل من قال: السجود على الأنف واجب، وليس بفرض:\nهذا القول لا يأتي إلا على أصول الحنفية، وتوجيه الدليل كالتالي:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧].\nفالأمر بالسجود ثبت بالآية الكريمة، فأفادت الآية فرضية السجود؛ لأن الدليل قطعي الثبوت، والفرض يثبت بالدليل القطعي.\nوحديث الأمر بالسجود على الأنف ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة،\n_________\n= ورواه المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن أبي، أنه رأى النبي - ﷺ - يرفع يديه مع التكبيرة، ويضع يمينه على يساره في الصلاة.\nوقد سبق تخريجه، انظر ح (١٢٧٦)، وليس فيه ذكر وضع الجبهة والأنف، والمسعودي أبهم الواسطة بين عبد الجبار وأبيه، ورواه محمد بن جحادة، وحفظ الواسطة بينهما.\n\n(^١). الكامل لابن عدي (٧/ ٣٦١)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٤٦).\n(^٢). انفرد به محمد بن الفضل بن عطية، قال أحمد: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب. العلل رواية عبد الله (٣٦٠١)\nوقال يحيى بن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.\nوقال الدارقطني: متروك، سؤالات البرقاني (٤٥٢).\nوفي التقريب: كذبوه.","vol":"4","page":230},{"text":"والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين. رواه مسلم (^١).\nوهو ظني الثبوت؛ لأنه من أحاديث الآحاد، فإذا أنْضَمَّ إليه مواظبة النبي - ﷺ - على السجود على الأنف، أفاد ذلك الوجوب دون الركنية؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي، من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع.\nفإن قيل: لماذا لا يفيد الركنية؟\nأجابوا: لو قلنا: إنه يفيد الركنية لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية، حيث أصبح حكم الآية -والذي هو مطلق السجود لا يكفي لصحته إلا إذا سجد على أنفه، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد، لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله من كتاب أو سنة متواترة، أما الآحاد فلا يرفع حكم القطعي عندنا، ومع ذلك لا نهمل هذا الخبر، وإنما يصلح خبر الآحاد أن يكون مكملًا للقرآن، لهذا قلنا: الأمر بالسجود على الأنف، والمواظبة على ذلك يجعل السجود على الأنف واجبًا فقط، وليس بفرض\nومثل هذا القول قال الحنفية بحكم قراءة الفاتحة، فالقرآن طلب قراءة ما تيسر من القرآن بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وهو عام في الفاتحة وغيرها، وهذا دليل قطعي، فثبت أن الفرض (الركن) هو مطلق القراءة.\nوخبر الآحاد جاء بقراءة فاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وهذا دليل ظني، فحملوا قراءتها على الوجوب لا على الركنية، أي حتى لا يؤدي ذلك إلى تغيير حكم الكتاب بخبر الآحاد، وقد اصطلح الحنفية على إطلاقهم على هذا المسألة في كتب الأصول بما يسمى (الزيادة على النص) نسخًا.\n• وأجيب:\nسبق لي مناقشة هذا القول بتوسع عند الكلام على ركنية الطمأنينة، فارجع إليه إن شئت منعًا للتكرار، ويزاد عليه:\nبأن السجود في الآية مطلق لم يذكر جبهة ولا أنفًا، وحقيقة السجود إن كانت لغوية: فهو يطلق على الخضوع والتطامن والانحناء إلى الأرض تقول سجدت النخلة: إذا مالت.\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٣١ - ٤٩٠).","vol":"4","page":231},{"text":"وقال بعض الحنفية: وضع بعض الوجه مما لا سخرية فيه. اهـ\nووضع بعض الوجه يتحقق بالأنف كما يتحقق في الجبهة.\nفاعتبارُ السجود على الجبهة فرضًا والسجود على الأنف واجبًا مع أن ذكر الجبهة في السجود لم يثبت إلا بدليل ظني تَحَكُّمٌ، فيجب أن يقال: السجود على الجبهة واجب كالأنف؛ لأن ذكر الجبهة والأنف متلقى من أحاديث الآحاد، والمواظبة على الفعل تعمهما، فلا فرق فيه بين الأنف والجبهة.\nوإن كان السجود له حقيقة شرعية، وهو وضع الوجه واليدين والركبتين والقدمين على الأرض فهو يشمل الجبهة كما يشمل الأنف، لأننا تلقينا حقيقته الشرعية من فعل النبي - ﷺ -، ومواظبته على هذا الفعل، فالتفريق بين الجبهة والأنف في الحكم، ليس دقيقًا بالنسبة إلى دلالة اللفظ، والله أعلم (^١).\n• الراجح:\nاستحباب السجود على الأنف، حيث لم يثبت لي الأمر بالسجود على الأنف، ومفهوم حديث ابن عباس في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أمرت بالسجود على سبعة أعظم، فذكرها، ولم يذكر الأنف، فدل على أن السجود على الأنف من سنن السجود، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر بتصرف البحر الرائق (١/ ٣٣٥، ٣٣٦).","vol":"4","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين واجب، سواء أقلنا: يسجد عليها أصالة، أم قلنا: يسجد عليها تبعًا للوجه، فقد أمر الشارع بالسجود عليها، والأصل في الأمر الوجوب.\n• التفريق بين الجبهة وغيرها في الحكم تفريق لا يقوم على حجة.\n• قال ابن عمر: اليدان تسجدان كما يسجد الوجه. اهـ وكذا يقال في الركبتين والقدمين.\n[م-٦٥٩] اختلف الفقهاء في حكم السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين:\nفقيل: السجود عليها سنة، وهو ظاهر مذهب المالكية، وأشهر القولين عند الشافعية (^١).\n_________\n(^١). وقال خليل في مختصره (ص: ٣٢): «وسجود على جبهته -أي من فرائض الصلاة ... وسن على أطراف قدميه، وركبتيه، كيديه على الأصح».\n\nوقال خليل في شرحه، فقال في التوضيح (١/ ٣٥٩): «كون السجود عليهما سنة ليس بالصريح في المذهب. قال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه سنة في المذهب، وإليه أشار بقوله: فيما يظهر أي من المذهب».\nوهل السجود على اليدين والركبتين وأطراف القدمين سنة في كل سجدة، أو سنة في المجموع، قولان في مذهب المالكية، ويترتب على الخلاف، وجوب السهو لترك السنة، ولا يجب في ترك بعضها كما لو ترك السجود على إحدى القدمين أو إحدى الركبتين، وينزل الخلاف في المذهب في بطلان الصلاة بترك السنة، لا في ترك بعضها.\nوانظر: مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٠)، الذخيرة =","vol":"4","page":233},{"text":"قال الشيرازي في المهذب: «وأما السجود على اليدين والركبتين والقدمين ففيه قولان أشهرهما: أنه لا يجب» (^١).\nوقيل: السجود عليها فرض، اختاره زفر من الحنفية، وهو أحد القولين عند المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، قال النووي: وهذا هو الأصح، والراجح في الدليل، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يجب السجود على اليدين، وهو قول في مقابل الأصح عند المالكية (^٣).\nوقال الحنفية: السجود على اليدين والركبتين سنة، وأما القدمان، ففيهما ثلاث روايات:\nالأولى: أن السجود عليهما معًا فرض فإن رفعهما أو إحداهما لم يصح؛ لأن\n_________\n= (٢/ ١٩٤)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٥٥)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٨٧)، والتاج والإكليل (٢/ ٢١٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، المجموع (٣/ ٤٢٢، ٤٢٤، ٤٢٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٥١، ٤٥٤، ٤٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)،.\nالمجموع (٣/ ٤٢٤)، فتح العزيز (٣/ ٤٥٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦).\n\n(^١). المهذب (٣/ ٤٢٦).\n(^٢). جامع الأمهات (ص: ٩٧)، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٥٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، المذهب في ضبط مسائل المذهب (١/ ٢٥٦).\nوفي شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٦): ظاهر كلام اللخمي وغيره أن ذلك واجب، وقول ابن العربي: أجمعوا على وجوب السجود على السبعة الأعضاء قصور».\nوانظر: مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، المهذب (١/ ١٤٥)، المجموع (٣/ ٤٢٧، ٤٢٨)، منهاج الطالبين (ص: ٢٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٧٩)، الإقناع (١/ ١٢١)، الكافي (١/ ٢٥٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥١)، مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: ١٧١)، المغني (١/ ٣٧٠)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٠)، الإنصاف (٢/ ٦٧).\n(^٣). القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٢).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٥٩): «يتخرج في وجوب السجود على اليدين قولان من القولين اللذين ذكرهما سحنون في بطلان صلاة من لم يرفعهما من الأرض، فعلى البطلان يكون السجود عليهما واجبًا، وإلا فلا». وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠).","vol":"4","page":234},{"text":"السجود مع رفعهما بالتلاعب أشبه منه بالتعظيم والإجلال، وهو موافق لمذهب الحنابلة.\nالرواية الثانية: الفرض وضع إحدى القدمين، كما لو قام على قدم واحدة في الصلاة صح قيامه، فكذلك سجوده.\nالرواية الثالثة: عدم الفرضية، وظاهره أن وضعهما سنة كاليدين، ورجحه التُّمُرْتَاشِيُّ والبابرتي، وهو موافق لمذهب الجمهور (^١).\nفخلصت الأقوال إلى أربعة أقوال:\nالسجود عليها سنة، وقيل: فرض، وقيل: يجب السجود على اليدين فقط، وقيل: السجود على إحدى القدمين فرض.\n• دليل من قال: السجود عليها سنة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٢٠) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -: (سجد وجهي) فإن النبي - ﷺ - لم يذكر غير الوجه، فدل على أنه هو المقصود بالسجود، وبه يسمى ساجدًا، فلو وضع على الأرض يديه وركبتيه وقدميه ولم يضع وجهه لم يُسَمَّ ساجدًا، بخلاف ما إذا سجد وجهه، فدل على أن غيره من الأعضاء تبع للوجه.\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٩)، البحر الرائق (١/ ٣٣٦)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٥).\n(^٢). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).","vol":"4","page":235},{"text":"• ونوقش من أكثر من وجه:\nالوجه الأول:\nأن الوجه يطلق ويراد به الذات، قال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠].\nفلو كان المراد به هو الوجه الاصطلاحي لما أضاف السمع إلى الوجه، في قوله: (وشق سمعه) فإن السمع من الرأس، ولو كان من الوجه لوجب غسل الأذنين.\nوقد يقال: لما ذكر السمع والبصر دل على أن المقصود بالوجه حقيقته، وليس الذات، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nمنطوق حديث عليٍّ ﵁: أن الوجه يسجد، ومفهومه أن غير الوجه لا يسجد.\nوحديث ابن عباس ﵄: منطوقه: أمرت بالسجود على سبعة أعضاء.\nومن شروط الاستدلال بالمفهوم ألا يعارض منطوقًا، فإن عارض منطوقًا لم يكن حجة بإجماع الأصوليين، فكيف يقدم مفهوم حديث عليٍّ على منطوق حديث ابن عباس رضي الله عن الجميع.\nالوجه الثالث:\nلا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه، فتخصيص الوجه بالذكر لكون الوجه أشرف وأعظم مافيه الإنسان.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٢١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، قال:\nسمعت ابن عباس، يقول: سأل رجل النبي - ﷺ - عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: خلل أصابع يديك ورجليك -يعني إسباغ الوضوء- وكان فيما قال له: إذا ركعت، فضع كفيك على ركبتيك حتى تطمئن -وقال الهاشمي مرة: حتى تطمئنا- وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، حتى","vol":"4","page":236},{"text":"تجد حجم الأرض (^١).\n[معلول] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٢٢) ما رواه أبو داود من طريق همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه،\nعن عمه رفاعة بن رافع، في قصة الرجل المسيء صلاته، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ... وذكر له صفة الوضوء، وكان مما قال له: ... ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه - قال همام: وربما قال: جبهته من الأرض- حتى تطمئن مفاصله وتسترخي وفي آخره قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك (^٣).\n[حسن في الجملة إلا حروفًا انفرد بها واختلف في ذكرها على راوي الحديث علي بن يحيى بن خلاد، ومنه لفظ (فيمكن جبهته من الأرض) فإنه حرف شاذ] (^٤).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٢٣) ما رواه عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه،\nعن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل: إذا قمت إلى الصلاة فركعت فضع يديك على ركبتيك، وافرج بين أصابعك، ثم ارفع رأسك حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وإذا سجدت فأمكن جبينك من الأرض ولا تنقر (^٥).\n[ضعيف].\nوجه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاثة:\nأن النبي - ﷺ - قال: إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، فأفرد الجبهة بالذكر،\n_________\n(^١). المسند (١/ ٢٨٧).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٦٥٤).\n(^٣). سنن أبي داود (٨٥٨).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر ح (١١٨٧).\n(^٥). المصنف (٢٨٥٩، ٨٨٣٠).","vol":"4","page":237},{"text":"فدل على مخالفتها لغيرها في الحكم.\n• ويجاب عن الاستدلال بهذا الأحاديث الثلاثة:\nالجواب الأول:\nأن هذه الأحاديث ضعيفة.\nالجواب الثاني:\nأن المراد بتمكين الجبهة إشارة إلى الاطمئنان بالسجود، ولذلك قابله بالنقر في حديث ابن عمر: (فأمكن جبينك من الأرض ولا تنقر)، فأمره بتمكين الجبهة، ونهاه عن النقر.\nوقال في حديث رفاعة في قصة المسيء: (ثم يسجد فيمكن جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله)، فالغاية من التمكين تحصيل الطمأنينة، كقوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فإذا لم يمكن جبهته لم تطمئن مفاصله، ولذلك قال في رواية محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع عند أبي داود وغيره: (إذا سجدت فمكن لسجودك)، فذكر التمكين للسجود وأطلق، فلم يخص به عضوًا دون غيره، ففهم منه العموم، وأن المراد من التمكين الطمأنينة، وذكر الجبهة في بعض ألفاظه لا يقتضي التخصيص، كما هو معلوم من القاعدة الأصولية التي تقرر: أن ذكر فرد من أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يقتضي التخصيص كقوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فذكر الوسطى لا يخصص العام.\nالجواب الثالث:\nسلمنا أن هذا الأمر يدل على وجوب السجود على الجبهة، فأين الدليل على سقوط السجود عن الأعضاء الباقية، فالاستدلال بهذه الأحاديث على عدم وجوب السجود على اليدين والركبتين والقدمين استدلال بالمفهوم، والاستدلال بحديث ابن عباس استدلال بالمنطوق، ولا حجة بالمفهوم إذا عارض المنطوق كما بينت في الجواب على الدليل الأول.\nقال ابن دقيق العيد: «استدل لعدم الوجوب بقوله - ﷺ - في حديث رفاعة (ثم يسجد فيمكن جبهته) وهذا غايته: أن تكون دلالته دلالة مفهوم وهو مفهوم لقب،","vol":"4","page":238},{"text":"أو غاية. والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه» (^١).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٢٤) ما رواه مسلم من طريق بكير، أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه،\nعن عبد الله بن عباس أنه رأى عبدالله بن الحارث يصلي، ورأسه معقوص من ورائه، فقام، فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: مالك، ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي، وهو مكتوف (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأجمع العلماء على أن المصلي لو صلى وشعره معقوص فصلاته صحيحة، فكذلك المكتوف، وهو يدل على أن السجود على غير الجبهة ليس بواجب.\nالدليل السادس:\nلو وجب السجود على غير الجبهة لوجب الإيماء بها عند العجز عن وضعها على الأرض كما وجب الإيماء بالرأس عند العجز عن السجود على الوجه، وإذا كان الإيماء بها لا يجب فلا يجب وضعها، وأما أمره - ﷺ - بالسجود على الأعضاء السبعة فلا يمتنع أن يؤمر بفعل الشيء ويكون بعضه مفروضًا، وبعضه مسنونًا، ولا يكون وجوب بعضه دليلًا على وجوب باقيه.\n• ويناقش:\nالاستدلال بعدم الوجوب بالقول بأنه إذا عجز عن السجود على الوجه سقط السجود على بقية الأعضاء، فيه خلاف بين الفقهاء، فلا يصح الإلزام، وسوف يأتينا البحث فيه في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.\nالدليل السابع:\nإن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، وهو المقصود منه بحيث يضع أشرف الأعضاء على الأرض تعبدًا وخضوعًا لله.\n_________\n(^١). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٣٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٣٢ - ٤٩٢).","vol":"4","page":239},{"text":"• ويناقش:\nبأن حديث ابن عباس دل على إثبات زيادة على المسمى، وكون الجبهة أشرف الأعضاء، ومقصودة بالسجود لا يعني عدم وجوب السجود على بقية الأعضاء، فهذه العلة المستنبطة التي ذكرت لا تكفي لصرف الأمر الوارد في حديث ابن عباس من الوجوب إلى الاستحباب، كيف وقد جمع الأمر الشرعي بين الجبهة وبين بقية الأعضاء بالسجود عليها، فإذا أفاد حديث ابن عباس وجوب السجود على الجبهة فإنه يفيد بالدرجة نفسها وجوب السجود على بقية الأعضاء المذكورة معها، وإلا كان هذا تفريقًا في دلالة نص واحد بلا دليل من الشرع.\n• دليل من قال: يجب السجود على اليدين والركبتين والقدمين:\n(ح-١٨٢٥) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، قال: أُمِرَ النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونُهِيَ أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^٢).\nفهذا حديث في غاية الصحة، اتفق عليه الشيخان، والأمر للنبي - ﷺ - أمر لأمته إلا بدليل، ونص في محل النزاع، لا يمكن دفعه، لا فرق فيه بين الجبهة وسائر الأعضاء، وإذا ورد النص بطل النظر إلا في فهمه والقياس عليه.\n• دليل من قال: يجب السجود على اليدين دون الركبتين والقدمين:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٢٦) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن البراء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (^٣)\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٣٤ - ٤٩٤).","vol":"4","page":240},{"text":"وردَّ: بأن اليد فرد من أفراد العام، وذكرها في حكم يوافق العام لا يقتضي تخصيصًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٢٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر، رفعه قال: إن اليدين تسجدان، كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه، فليضع يديه، وإذا رفعه، فليرفعهما (^١).\n[رفعه شاذ، والمحفوظ وقفه على ابن عمر] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن الحديث لم يذكر في السجود مع الوجه إلا اليدين، فدل على وجوب\n_________\n(^١). المسند (٢/ ٦).\n(^٢). رواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، واختلف فيه على أيوب:\n\nفروه ابن علية كما في مسند أحمد (٢/ ٦)، وسنن أبي داود (٨٩٢)، والنسائي في المجتبى (١٠٩٢)، وفي الكبرى (٦٨٣)، وابن خزيمة (٦٣٠)، ومستخرج الطوسي (١٢٠ - ٢٥٢)، ومسند السراج (٣٣٩)، ومستدرك الحاكم (٨٢٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٥)،\nووهيب بن خالد كما في المنتقى لابن الجارود (٢٠١)، ومسند السراج (٣٣٨)، كلاهما عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوخالفهما حماد بن زيد كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٤)، فرواه عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه. موقوفًا على ابن عمر.\nتابع أيوب على رفعه ابن أبي ليلى كما في الأوسط للطبراني (٦٣٦) فرواه عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال النبي - ﷺ -: إذا سجدت فضع كفيك على الأرض؛ فإن الكفين يسجدان كما يسجد الوجه.\nوابن أبي ليلى سيئ الحفظ.\nوخالفهم في نافع كل من:\nعبيد الله بن عمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٧١٣)،\nومالك في الموطأ (١/ ٢٣١)، ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٥٤).\nوابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٣٤).\nوعبد الله بن عمر العمري (فيه ضعف) كما في المصنف (٢٩٣٥)، أربعتهم رووه عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا.\nفعبيد الله بن نافع، ومالك من أثبت أصحاب نافع، وتابعهم ابن جريج فتبين شذوذ رواية أيوب من رواية ابن علية ووهيب عنه.","vol":"4","page":241},{"text":"السجود عليهما مع الوجه.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن الأثر المحفوظ موقوف على ابن عمر، فلا يعارض به حديث ابن عباس المرفوع إلى النبي - ﷺ -.\nالوجه الثاني:\nأن الحديث غايته أنه يثبت السجود لليدين، وهذا لا يقتضي تخصيصًا؛ لأن ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العام في حكمه لا يقتضي تخصيصًا؛ فاليدان فرد من أفراد العموم في حديث ابن عباس.\n• دليل من قال: يكفي السجود على أحد القدمين:\nهذا القول قاسه على قيام الرجل في الصلاة على إحدى القدمين، فإذا كان ركن القيام يحصل بإحدى القدمين، فكذلك ركن السجود يحصل بالسجود على إحدى القدمين.\nولا أدري هذا القياس، أهو من قياس العلة، فلا أذكر علة منصوصة ولا مستنبطة في تخصيص هذه الأعضاء دون غيرها، أم هو من قياس الشبه، وذلك أضعف أنواع القياس وجمهور الأصوليين على عدم الاحتجاج به.\nوقد أمر النبي - ﷺ - بالسجود على سبعة أعضاء، والتفريق بين القدمين والركبتين واليدين مخالف للسنة، فما جمع بينها في الأمر لا يفرق بينها في الحكم.\n\n* * *","vol":"4","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• نهى النبي - ﷺ - عن بسط الذراعين انبساط الكلب، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.\n• ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويقصد به الذم الشديد. • أغلب نصوص الشريعة تشبه الكافر بالحيوان، وقد يشبه المسلم بالحيوان كما شبه الشارع العائد في هبته بالكلب، وهو يدل على تحريم الرجوع بالهبة بعد لزومها.\n[م-٦٦٠] اختلف العلماء في رفع الذراعين عن الأرض إذا سجد:\nفقيل: يكره أن يفترش ذارعيه في السجود، وحمله ابن نجيم على كراهة التحريم، ونقله ابن عابدين ولم يتعقبه، ولم أجده لغيره، وكل كتب الحنفية أطلقت الكراهة دون تفسير (^١).\nوقال ابن حزم: لا يحل للمصلي أن يفترش ذراعيه في السجود (^٢).\nوقيل: يستحب رفع ذراعيه، ويكره تنزيهًا افتراشهما حال السجود، وهو\n_________\n(^١). الحنفية يفرقون بين المكروه تحريمًا، وبين المحرم، فالأول ما ثبت النهي عنه من غير صارف بدليل ظني، والثاني: ما ثبت النهي عنه بدليل قطعي.\nوأما الكراهة التنزيهية: فهو في حق ما ثبت النهي عنه مع وجود صارف يصرفه عن التحريم. انظر: البحر الرائق (٢/ ٢٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٤)، ونص على الكراهة: الأصل (١/ ٦)، المبسوط (١/ ٢٢)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٦٩)، فتح القدير (١/ ٤١٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١٤١)، الهداية (١/ ٦٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٣).\n(^٢). المحلى، مسألة: (٣٩٠).","vol":"4","page":243},{"text":"مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nقال ابن القاسم كما في المدونة: «قال مالك: كره أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود» (^٢).\n• دليل من قال بالتحريم:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٢٨) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة،\nعن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (^٣).\nقال ابن رجب: «قوله: (اعتدلوا في السجود) يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنما يكون مع التجافي (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن الرسول - ﷺ - نهى عن بسط الذراعين انبساط الكلب، ودلالته على التحريم من وجهين:\nالأول: أن الأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة.\nالثاني: ليس لنا مثل السوء، فالتشبيه بالحيوان لا يأتي إلا ويحمل على الذم الشديد، ولم يشبه في الحيوان في كتاب الله إلا في الأمور المحرمة،\nقال تعالى عن الكفار: ﴿إِنْ هُمْ إِلَاّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان: ٤٤].\n_________\n(^١). الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٩)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، حاشية العدوي على كفاية الطالب (١/ ٢٧٠)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، شرح زروق (١/ ٢٣٠)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، المجموع (٣/ ٤٣١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٤٨)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، المغني (١/ ٣٧٣)، المبدع (١/ ٤٢٤)، الإقناع (١/ ١٢٧)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧)، كشاف القناع (١/ ٣٧١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٧٥).\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٩).\n(^٣). صحيح البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٢٣٣ - ٤٩٣).\n(^٤). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٠).","vol":"4","page":244},{"text":"وقال تعالى عن العالم الذي انسلخ من آيات الله، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦].\nوقال عن علماء بني إسرائيل ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].\nومرتكب المكروه لا يستحق الذم حتى يشبه بالحيوان، وإن استحق تارك المكروه الثواب.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٢٩) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء،\nأنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظَكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: فإذا سجد وضع يديه غيرَ مُفترِشٍ ولا قابِضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ... الحديث (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٣٠) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، ﴿بالحمد لله رب العالمين﴾، ... فذكر الحديث بطوله، وفيه: وكان ينهى عن عقبة الشيطان. وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٣١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).","vol":"4","page":245},{"text":"ذراعيه افتراش الكلب (^١).\n[صحيح] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٣٢) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن إياد، عن إياد، عن\nالبراء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (^٣).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٣١٥).\n(^٢). الحديث رواه أبو معاوية كما في مسند أحمد (٣/ ٣١٥)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)، وسنن الترمذي (٢٧٥)،\nووكيع كما في مسند أحمد (٣/ ٣١٥)، وسنن ابن ماجه (٨٩١)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)،\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٣٠، ٤٦٢٣)، وعنه أحمد (٣/ ٣٨٩)،\nومحمد بن فضيل كما في مسند أحمد (٣/ ٣٠٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)،\nوحفص بن غياث كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)،\nوأبو خالد الأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥١)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)،\nوزائدة بن قدامة كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥٦).\nوجرير بن عبد الحميد كما في مسند أبي يعلى (٢٠٠٨)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤)،\nوعبد الله بن نمير كما في مسند أبي يعلى (٢٢٨٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٤).\nوأبو جعفر الرازي كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٩٨٨).\nوعمار بن رزيق كما في معجم ابن الأعرابي (٨٠٠)،\nوداود الطائي كما في المعجم الأوسط (١٧٣١)، والحلية لأبي نعيم (٧/ ٣٦٥).\n\nأخرجه الترمذي (٢٧٥). وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه \"مختصر الأحكام\" (٢/ ١٣٧ - ١٣٨/ ٢٦٢). وابن ماجه (٨٩١). وابن خزيمة (١/ ٣٢٥/٦٤٤). وابن حبان في الصلاة (٣/ ١٨٢/٢٧٨١ - إتحاف المهرة). وأحمد (٣/ ٣٠٥ و٣١٥ و٣٨٩). وعبد الرزاق (٢/ ١٧١/٢٩٣٠) و(٣/ ١٦/٤٦٢٣). وابن أبي شيبة (١/ ٢٣١/٢٦٥١) و(١/ ٢٣٢/٢٦٥٦) (٢/ ٤٧٥/٢٦٧١ - ط عوامة) (٢/ ١٠٤/٢٦٦٨ - ط الرشد). وأبو يعلى (٤/ ١٠/٢٠٠٨) و(٤/ ١٩١/٢٢٨٥). وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (٢٩٨٨). وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٠/١٤٤١). وابن الأعرابي في المعجم (٨٠٠). والطبراني في الأوسط (٢/ ١٦٥/١٥٩١) و(٢/ ٢٠٣/١٧٣١) و(٤/ ٣٧٩/٤٤٨٣).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٣٤ - ٤٩٤).","vol":"4","page":246},{"text":"وفي الباب أحاديث أخرى، وأكتفي بما ذكرت اقتصارًا واختصارًا.\n•دليل من قال: يستحب رفع الذراعين ويكره تنزيهًا بسطهما:\nحملوا أحاديث النهي على الكراهة، والصارف لهم ما يلي، أن القول بالكراهة هو قول عامة أهل العلم، بما فيهم أهل الحديث.\nقال الترمذي بعد أن ساق حديث جابر السابق: «حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، ويكرهون الافتراش كافتراش السبع» (^١).\nإلا أن ابن نجيم في البحر الرائق قد حمل الكراهة في المذهب على التحريم، فإن كان قد سبق إلى هذا في المذهب، فالخلاف في النهي يكون قديمًا، وظاهر الأدلة على التحريم، وإلا فكتب الحنفية ابتداءً من كتاب الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني إلى آخر كتب الشروح في المذهب يطلقون الكراهة بلا تفسير.\nوإن كان تفسير ابن نجيم انفرد به، ولم يوافق عليه في المذهب لم يقبل منه؛ لتأخره، وكان التحريم من مفردات ابن حزم، ولا عبرة بما يتفرد به؛ لا لكونه من أهل الظاهر، ولكن لتأخره، فيكون محجوجًا باتفاق العلماء قبله، حتى ولو عُدَّ هذا الاتفاق من الإجماع السكوتي، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ٦٥).","vol":"4","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>الفرع الأول في السنن القولية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام فهي سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.\n• ذكر الرسول - ﷺ - للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.\n• القول بأن الرسول - ﷺ - ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.\n• الأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.\n•التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.\n• فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.","vol":"4","page":248},{"text":"[م-٦٦١] اختلف العلماء في حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود:\nفقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.\nقال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (^١).\nوقال ابن الملقن: «قال بسنية تكبير الانتقالات الخلفاء الأربعة ...» (^٢).\nوقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الإحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» (^٣).\nوقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^٥).\nقال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (^٦).\nوقد سبق لي ذكر أدلة المسألة ومناقشتها عند بحث حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود، فارجع إليها في هذا المجلد، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n\n* * *\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤١٨)، وانظر: التمهيد (٩/ ١٨٤).\n(^٢). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ١٤٣).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٩٧)،\n(^٤). قال في الإنصاف (٢/ ١١٥): «وواجباتها تسعة: التكبيرة غير تكبيرة الإحرام ...»، وانظر: الفروع (٢/ ٢٤٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣)، المحرر (١/ ١١٦، ١١٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي (١/ ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠).\n(^٥). شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣).\n(^٦). المحلى (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ -: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\n• التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.\n• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي - ﷺ - لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.\n• الأصل في أفعال الرسول - ﷺ - الاستحباب.\n• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.\n• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.\n[م-٦٦٢] يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا (^١).\n_________\n(^١). انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، بدائع الصنائع =\n....................................................\n_________\n= (١/ ٢٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، الدر المختار (ص: ٦٨)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٦٤): «السنة التكبير حين الشروع إلا في قيام الجلوس، فإنه بعد أن يستقل قائما للعمل ....».\nوانظر: مختصر خليل (ص: ٣٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٥٧)، تهذيب المدونة (١/ ٢٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، شرح الزرقاني (١/ ٣٧٥)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٨).\nوقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ٣٨٧): «ويبتدئ به -يعني التكبير- في ابتداء الهُوِي».\nوقال في الروضة (١/ ٢٥٠): «يستحب أن يكبر للركوع، ويبتدئ به في ابتداء الهوي».\nوقال في العباب المحيط (١/ ٣٤٧): «ويسن أن يبدأ بتكبيرة الانتقال قائمًا، لا مع ابتداء هويِّه خلافًا للعزيز والروضة».","vol":"4","page":250},{"text":"جاء في تهذيب المدونة: «ويكبر في حال انحطاطه لركوع أو سجود» (^١).\nوقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات.\nوقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة (^٢).\nوقد سبق لي بحث هذه المسألة في مبحث وقت ابتداء التكبير عند الكلام على أحكام الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولكن أعدت التذكير بالأقوال حتى يعلم أن هذه المسألة لم تهمل من البحث.\n\n* * *\n_________\n(^١). تهذيب المدونة (١/ ٢٣٨).\n(^٢). قال في الإنصاف (٢/ ٥٩): وإن شرع فيه قبله، أو كمله بعده فوقع بعضه خارجًا عنه فهو كتركه ....». وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٨٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٠٣)، الفواكه العديدة (١/ ٨٩).","vol":"4","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الأصل عدم وجوب التسبيح.\n• الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.\n• كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.\n• لم يُعَلِّم النبي - ﷺ - المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لعلمه.\n• القول بأن الرسول - ﷺ - علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.\n• يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.\n• القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.\n• لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.\n• إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.\n• سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.","vol":"4","page":252},{"text":"• لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.\n• لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين؟.\n[م-٦٦٣] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.\nوقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاء موقوتًا (^١).\nوتأوله أصحابه بأن معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة،\n[م-٦٦٤] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:\nفقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (^٢).\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٦٨)، وانظر: التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٣٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥٠٨).\n(^٢). الأصل للشيباني (١/ ٥)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢١)، البحر الرائق (١/ ٣٣٣، ٣٢١)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٨، ٢١٠)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠، ٥٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥١، ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٨، ٣٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢، ٥٤).\nواعتبر المالكية التسبيح في الركوع والسجود من مندوبات الصلاة، انظر مختصر خليل (ص: ٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٢)، الخرشي (١/ ٢٨١)، شرح التلقين (٢/ ٥٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٨)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٨)، منح الجليل (١/ ٢٥٩)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٣).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٣٣)، الحاوي الكبير (٢/ ١١٩، ١٢٠)، المهذب (١/ ١٤٣)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠، ٣٩٢)، المجموع (٣/ ٤١١، ٤٣٢)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠، ٢٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١، ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٩).\nوانظر رواية الإمام أحمد بأن التسبيح سنة في: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠)، المغني (١/ ٣٦٢)، الفروع (٢/ ٢٤٩).","vol":"4","page":253},{"text":"وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعُدَّ من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:\nفقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة (^١).\nوقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي - ﷺ - من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء (^٢).\nولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك اللهم وبحمدك، ونحو ذلك (^٣).\nوقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية (^٤).\n_________\n(^١). ذكر ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٩٤) أن في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال، أحدها القول بالوجوب.\nوانظر في مذهب الحنابلة: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٠، ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، الإنصاف (٢/ ١١٥)، الإقناع (١/ ١٣٤)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠)، الفروع (٢/ ٢٤٩).\nوقد عده من مفردات الحنابلة كل من الناظم المفيد الأحمد (ص: ١٩)، والمرداوي في الإنصاف (٢/ ١١٥)، وغيرهم.\nوانظر قول الإمام إسحاق: تفسير القرطبي (١/ ١٧٢)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤).\nونسب المازري والقاضي عبد الوهاب القول به للإمام داود الظاهري انظر: شرح التلقين (٢/ ٥٤٧، ٥٥٦)، والإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٤٤)، فإن ترك التسبيح عمدًا بطلت صلاته عند الإمام أحمد خلافًا لداود، وإن تركه سهوًا سجد للسهو.\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ١٨٢).\n(^٣). انظر: شرح التلقين (١/ ٥٥٦).\n(^٤). جاء في البحر الرائق (١/ ٣٣٣): «روي عن أبي مطيع البلخي أن التسبيحات ركن، لو تركه لا تجوز صلاته كما في الذخيرة، والذي في البدائع عنه: أن من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لا تجوز صلاته. قال وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود =\n....................................................\n_________\n= مطلقًا عن شرط التسبيح، فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عملا بالدليلين بقدر الإمكان اهـ».\nوعن أحمد رواية أن التسبيح ركن، انظر: الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٧)، الفروع (٢/ ٢٤٩).\nوانظر نسبة القول للظاهرية في شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤١٤).","vol":"4","page":254},{"text":"وقد سبق أن ذكرت أدلة المسألة في حكم التسبيح في الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد، وإنما اقتضى الإشارة إلى المسألة للتذكير بها، وربما طلب الباحث حكمها في مظانها فلم يجدها، فيظن أن البحث أغفلها، والحمد لله.\n\n* * *","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>مطلب\nفي بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة</span>\n[م-٦٦٥] ورد في السجود أذكار وأدعية متنوعة، منها:\n(ح-١٨٣٣) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،\nعن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين ... وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي ... وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^١).\n(ح-١٨٣٤) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم هو ابن صبيح أبي الضحى، عن مسروق،\nعن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (^٢).\n(ح-١٨٣٥) ومنها ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،\nأن عائشة نبأته أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: في ركوعه وسجوده: سبوح\n_________\n(^١). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).\n(^٢). صحيح البخاري (٤٩٦٨)، وصحيح مسلم (٢١٧ - ٤٨٤).","vol":"4","page":256},{"text":"قدوس، رب الملائكة والروح (^١).\n(ح-١٨٣٦) ومنها ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: قلت لعطاء: كيف تقول أنت في الركوع؟ قال: أما سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فأخبرني ابن أبي مليكة،\nعن عائشة قالت: افتقدت النبي - ﷺ - ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن، وإنك لفي آخر (^٢).\n(ح-١٨٣٧) ومنها ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (^٣).\n(ح-١٨٣٨) ومنها ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد،\nعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة، فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة (^٤).\n[حسن] (^٥).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٣ - ٤٨٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢١ - ٤٨٥).\n(^٣). صيح مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦).\n(^٤). سنن أبي داود (٨٧٣).\n(^٥). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر (ح ١٦٩١).","vol":"4","page":257},{"text":"(ح-١٨٣٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه، وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره (^١).\nفيستحب للمصلي أن ينوع من هذه الأذكار، ليأتي بجميع ما ورد في السنة.\nقال ابن المنذر بعد أن ذكر هذه الآثار: «للمرء أن يقول بأي خبر شاء من هذه الأخبار؛ إذ الاختلاف في ذلك من جهة المباح، فأي تسبيح، أو تعظيم، أو ذكر أتى به مما ذكرناه في هذه الأخبار فصلاته مجزية» (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢١٦ - ٤٨٣).\n(^٢). الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (٣/ ١٥٨).","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الإسناد ولو كان من ابتدائه إلى منتهاه ثقة عن ثقة، فلا يعتبر به إذا كان شاذًّا، لأنه من قبيل الوهم، فكيف إذا كان الإسناد منكرًا، كرواية شريك، عن عاصم، عن أبيه، عن وائل بن حجر.\n• لا يصح حديث في صفة الهوي إلى السجود، وقلة الأحاديث الواردة في الباب مع ضعفها دليل على أن الأمر واسع، وأن المصلي يعمل ما هو أهون عليه، فالكبير والثقيل يحتاج إلى تقديم اليدين، والشاب عكسه.\n• أصح أثر ورد في الباب أثر عمر، وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى.\n• على افتراض صحة أثر عمر فإنه حكاية فعل، لا ندري أكان فعله تعبدًا، أم لكونها أهون عليه؛ لأن المصلي لا بد له في هويه إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.\n• الهوي يتعلق بأحكام الصلاة، والصحابة لهم عناية بأحكامها، فإذا لم توجد سنة صحيحة مرفوعة، ولا آثار عن الصحابة إلا عن عمر، وهو حكاية فعل مختلف في وصلها وإرسالها، وعن ابنه ولا يثبت، فالاحتياط للعبادة ألا نجزم باستحباب صفة معينة إلا بدليل صريح.\n[م-٦٦٦] اختلف العلماء في صفة الهوي للسجود،\nفقيل: يقدم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، وهذا مذهب الجمهور من","vol":"4","page":259},{"text":"الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورواية عن مالك (^١).\nقال الترمذي والخطابي وبهذا قال أكثر العلماء، وحكاه أيضًا القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء (^٢).\nوقيل: يقدم يديه، ثم ركبتيه، وهو المعتمد في مذهب المالكية، قال ابن رشد: هو أولى الأقوال بالصواب، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الأوزاعي، ونقله الشوكاني عن العترة (^٣).\nوقال الأوزاعي: «أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم» (^٤).\nوقيل: تقديم اليدين على الركبتين فرض، وهو قول شاذ (^٥).\nوروى ابن عبد الحكم، عن مالك: يقدم أيهما شاء، وروى ابن حبيب:\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٣٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٤١)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٨)، الأم (١/ ١٣٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥)، المجموع (٣/ ٤٢١)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٤)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٥)، مختصر الخرقي (ص: ٢٢)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٣)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٣٩٩)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٧).\n(^٢). قال الترمذي في السنن (٢/ ٥٧): «والعمل عليه عند أكثر أهل العلم».\nوقال الخطابي في معالم السنن (١/ ٢٠٨): «اختلف الناس في هذا، فذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين». وانظر: المجموع للنووي (٣/ ٤٢١).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٧)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٤١)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٨)، منح الجليل (١/ ٢٦٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٣٢)، الفروع (٢/ ٢٠٠)،.\nوانظر قول الأوزاعي: في الحاوي الكبير (٢/ ١٢٥)، المهذب (١/ ١٤٤)، حلية العلماء للقفال (٢/ ١٢٠).\n(^٤). قال حرب الكرماني في مسائله (٤٢٣): حدثنا محمد بن المصفى، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، قال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.\n(^٥). قال ابن حزم في المحلى، مسألة (٤٥٦): «وفرض على كل مُصَلٍّ أن يضع -إذا سجد- يديه على الأرض قبل ركبتيه ولا بد».","vol":"4","page":260},{"text":"لا تحديد (^١).\nوأما الجبهة والأنف:\nفقيل: يضعهما دفعة واحدة، وهو قول في مذهب الحنفية، وبه صرح الرافعي في المحرر، ونقله في المجموع عن الْبَنْدَنِيجِي، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: يقدم الجبهة على الأنف وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (^٣).\nقال في البدائع: «ومنها أن يضع جبهته ثم أنفه، وقال بعضهم: أنفه ثم جبهته» (^٤).\nوقيل: يقدم أيهما شاء، اختاره أبو حامد من الشافعية (^٥).\nوقيل: يقدم أنفه، ثم جبهته، اختاره بعض الحنفية (^٦).\nولا ترتيب بينهما؛ لأنه عضو واحد.\n• دليل من قال: يقدم ركبتيه، ثم يديه.\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٤٠) ما رواه أبو داود من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (^٧).\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٤١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٧)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٤٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٥)،.\n(^٢). المجموع (٣/ ٤٢٤)، تحرير الفتاوى للعراقي (١/ ٢٥٧)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٤٧)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٩٧).\n(^٣). تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).\n(^٤). بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).\n(^٥). تحرير الفتاوى للعراقي (١/ ٢٥٧)، الغرر البهية شرح البهجة الوردية (١/ ٣٣٢)، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: ٩٧).\n(^٦). الدر المختار (ص: ٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨).\n(^٧). سنن أبي داود (٨٣٨).","vol":"4","page":261},{"text":"[منكر، تفرد به شريك، عن عاصم، وقد رواه عشرون نفسًا فلم يقل أحد منهم ما قاله شريك، وقد اضطرب في إسناده، وفي متنه، وشريك ليس له عن عاصم غير هذا الحديث، فجمع في حديثه بين النكارة والاضطراب والتفرد] (^١).\n_________\n(^١). الحديث مداره على عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، رواه ما يقارب العشرين نفسًا عن عاصم، فلم يقل واحد منهم: كان يضع يديه قبل ركبتيه.\nورواه شريك، وهو سيئ الحفظ، فذكر أن النبي - ﷺ - كان يضع يديه قبل ركبتيه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.\nولو كان شريك ثقة لم يقبل منه تفرده بما لم يتابعه عليه أحد من أصحاب عاصم، فكيف وهو سيئ الحفظ، فالنكارة ظاهرة على روايته، والمنكر لا يمكن الاعتبار به، ولا تقويته، وأعجب ممن يحاول أن يقويه بمرسل من هنا أو موقوف من هناك، فإذا كان الشاذ، وهو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه لا يعتبر به، فكيف يعتبر بالمنكر.\n\nوإذا أضيف على ذلك اضطراب شريك في حديثه عن عاصم، سندًا ومتنًا ازداد ظلمة على ظلمته، واستوحشت النفس من قبول روايته، فالحديث انطوى على أربع أو خمس علل:\nالأولى: تفرد شريك بهذا اللفظ عن عاصم.\nالعلة الثانية: مخالفته لكل أصحاب عاصم، ممن روى هذا الحديث، مثل الثوري، وشعبة، وزائدة بن قدامة، وعبد الله بن إدريس، وابن عيينة، وأبي الأحوص، وابن فضيل، وزهير بن معاوية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبي عوانة الضحاك بن عبد الله اليشكري، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم كثير حتى قاربوا العشرين راويًا، فلو كان هذا الحرف من حديث عاصم كيف غاب عنهم، وحفظه شريك، مع سوء حفظه.\nالعلة الثالثة: شريك لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث، وأثر موقوف على عليٍّ، فتفرده، ومخالفته لأصحاب عاصم، مع قلة روايته مما يزيد من نكارته وغرابته.\nقال يزيد بن هارون كما في سنن الترمذي (٢/ ٥٦): «لم يروِ شريك عن عاصم بن كليب غير هذا الحديث الواحد». يقصد مرفوعًا، وقد تحققتُ من صحة كلامه عن طريق البحث الحاسوبي.\nولهذا ضعفه الترمذي واستغربه، فقال في السنن (٢/ ٥٦): «هذا حديث حسن غريب، لا نعرف أحدًا رواه مثل هذا غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ...».\nوكونه قول أكثر أهل العلم لا يجعل الحديث المنكر صالحًا للاحتجاج، بل لو أجمع العلماء على سنية وضع الركبتين قبل اليدين كان الاحتجاج بالإجماع وليس بالحديث المنكر، ولهذا حكم بضعفه وغرابته الإمام الترمذي، فالحسن عند الترمذي هو الحديث الضعيف، وكونك تذهب بالفقه إلى ترجيح تقديم الركبتين يجب أن يكون هذا بمعزل عن الحكم على الحديث من حيث الصنعة الحديثية، فالعمل عند أكثر أهل العلم لا يرفع حديثًا معلولًا. =","vol":"4","page":262},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال ابن أبي داود نقلًا من سنن الدارقطني (٢/ ١٥٠): «تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك: ليس بالقوي فيما يتفرد به، والله أعلم». وأقره الدارقطني، ولم يتعقبه.\nالعلة الرابعة: اضطراب شريك في إسناده،\nفقال مرة: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.\nوقال في أخرى: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن خاله.\nوقال في إسناد ثالث: عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه.\nوقال في إسناد رابع: عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه.\nوقال في إسناد خامس: شريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه،\nفإذا لم تكن رواية شريك مضطربة، فلا يُعْرَفُ في الأحاديث حديث مضطرب.\nواضطرب في متنه، ولفظه، فمرة يذكر رفع اليدين للسجود، وهو مخالف لحديث ابن عمر المتفق عليه أنه كان لا يرفع يديه إذا سجد، فلا أدري كيف على هذا الاختلاف من التفرد، والمخالفة، والاضطراب يمكن للباحث أن يقبل حديث شريك، ويحتج به، أو يقويه بغيره.\nالعلة الخامسة: قال الترمذي في السنن (٢/ ٥٦): وروى همام عن عاصم مرسلًا، ولم يذكر فيه وائل بن حجر.\nيقصد رواية همام عن شقيق أبي الليث، عن عاصم، وقال الترمذي في العلل الكبير (ص: ٦٩)،: «وروى همام بن يحيى عن شقيق عن عاصم بن كليب شيئًا من هذا مرسلًا، لم يذكر فيه: عن وائل بن حجر، وشريك بن عبد الله: كثير الغلط والوهم».\nورواه أبو داود في السنن (٧٣٦، ٨٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٢) من طريق حجاج (يعني ابن منهال):\nورواه أبو داود في المراسيل (٤٢)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ١٧) من طريق عفان،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (٥٩١١) من طريق أبي عمر الحوضي، ومن طريق حبان بن هلال،\nوعن همام: عن شقيق أبي الليث، حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين، نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه. هكذا مرسلًا، قال البيهقي في المعرفة (٣/ ١٧): وهو المحفوظ.\nوشقيق أبو الليث فيه جهالة، لا يعرف بغير رواية همام.\nوالغريب أن بعضهم يحاول تقوية رواية شريك بهذا المرسل، والمخرج واحد، فكل هذه العلل تبين عوار رواية شريك، عن عاصم، هذا الكلام في الحديث من حيث الجملة وإليك التخريج على وجه التفصيل: =","vol":"4","page":263},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: رواية يزيد بن هارون، عن شريك، عن عاصم.\nرواه أبو داود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي في المجتبى (١٠٨٩، ١١٥٤)، وفي الكبرى (٦٨٠، ٧٤٤)، وابن ماجه (٨٨٢)، والدارمي (١٣٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٧، والبزار في مسنده (٤٤٨٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٥)، والطوسي في مستخرجه (٢٥١)، وابن خزيمة (٦٢٦، ٦٢٩)، وابن حبان (١٩١٢)، والدارقطني (١٣٠٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٢)، من طرق عن يزيد ابن هارون، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.\nهذه رواية يزيد بن هارون، عن شريك، عن عاصم، ورواه غيره، عن شريك، فلم يذكر صفة الهوي في السجود.\nالثاني: عثمان بن أبي شيبة، عن شريك.\nرواه عثمان بن أبي شيبة، عن شريك بلفظ: (رأيت النبي - ﷺ - حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية.\nرواه أبو داود (٧٢٨) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤١، ٤٤٢)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٢٧).\nورواه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٤٢) من طريق المعمري، كلاهما (أبو داود والمعمري) عن عثمان بن أبي شيبة، عن شريك به.\nالثالث، والرابع: محمد بن سعيد الأصبهاني، ويحيى الحماني.\nرواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦) من طريق محمد بن سعيد الأصبهاني.\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٦، من طريق يحيى الحماني (حافظ متهم بسرقة الأحاديث)، كلاهما عن شريك به، ولفظ الطحاوي: (أتيت النبي - ﷺ - فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه، إذا كبر، وإذا رفع، وإذا سجد، فذكر من هذا ما شاء الله، قال: ثم أتيته من العام المقبل، وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره.\nواقتصر الطبراني على رفع الأيدي حذاء الأذنين حين افتتح الصلاة.\nالخامس: يحيى بن آدم، عن شريك.\nرواه أحمد (٤/ ٣١٨)، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا شريك، به، بلفظ: (أنه سمع النبي - ﷺ - يقول في الصلاة آمين).\nالسادس: يحيى بن أبي بكير، عن شريك.\nرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٤١) ح ١٠٢، بلفظ: (أن النبي - ﷺ - جهر بآمين).\nهكذا رواه عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن سعيد الأصبهاني، والحماني، ويحيى بن آدم، =","vol":"4","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويحيى بن أبي بكير، خمستهم رووه عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، فاتفقوا مع يزيد بن هارون في إسناده، وخالفوه في لفظه، ولم يقل أحد منهم ما ذكره يزيد بن هارون، عن شريك.\nفإن قيل: إن ابن حبان قد ذكر في الثقات (٦/ ٤٤٤): سماعُ المتقدمين منه، الذين سمعوا منه بواسط، ليس فيه تخليط، مثل يزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق؛ وسماع المتأخرين منه بالكوفة، فيه أوهام كثيرة».\nفالجواب عنه من وجهين:\nالأول: أننا لو فرضنا أن شريكًا ثقة، وخالف عشرين نفسًا رووه عن عاصم، واضطرب في إسناده لم يقبل منه، كيف، وهو أحسن أحواله، أن يكون صدوقًا، وليس معروفًا بالرواية عن عاصم، فليس له إلا هذا الحديث، فكيف يقدم على أصحاب عاصم؟.\nالوجه الثاني: أن ما ذكره ابن حبان ليس دقيقًا، فقد قال يزيد بن هارون كما في حلية الأولياء (٧/ ٢١٣): «قدمت الكوفة، فما رأيتُ بها أحدًا إلا يُدَلِّسُ ما خلا مِسْعَرًا وشريكًا». فدل على سماعه منه بالكوفة، وانظر: الكفاية في علم الرواية (ص ٣٦١)، وجامع التحصيل (ص: ١١٤).\nفهذا يدل على أن يزيد بن هارون سمع منه بالكوفة أيضًا، وبعد ما ساء حفظه.\nوخالف هؤلاء كل من:\nزكريا بن يحيى زحمويه كما في المعجم الكبير للطبراني رواه (١٨/ ٣٣٦) ح ٨٦١.\nوسعيد (هو ابن منصور)، كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ٧٣).\nوإبراهيم بن عبد الله الهروي كما في طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ (٣/ ٥٦٧)، وتاريخ أصبهان لأبي نعيم (٢/ ١٣١).\nوالوركاني (محمد بن جعفر) ومحرز بن عون، كما في معجم الصحابة لابن قانع (٢/ ٣٣٠)، خمستهم رووه عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن خاله، بلفظ: أتيت النبي - ﷺ - في الشتاء، فوجدتهم يصلون في البرانس والأكسية، وأيديهم فيها. والحمل في هذا التخليط على شريك.\nوخالف كل هؤلاء وكيع، فرواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وأبو داود (٧٢٩) عن وكيع، عن شريك عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، بلفظ: (أتيت النبي - ﷺ - في الشتاء، قال: فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم.\nفهنا جعل الحديث من رواية عاصم، عن علقمة بدلًا من عاصم بن كليب، وهو شاهد على اضطراب شريك في إسناده ..\nهذه وجوه الاختلاف على شريك في روايته عن عاصم بن كليب.\nورواه شريك من غير طريق عاصم بن كليب:\nفقيل: عن شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه. =","vol":"4","page":265},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٨٤١) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا همام، حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل،\nعن أبيه، أن النبي - ﷺ -، فذكر حديث الصلاة، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه (^١).\n[إسناده منقطع عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وقد رواه عفان وعبد الوارث عن همام، عن عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل فوصلاه، وليس فيه قوله: (فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض)، وهو المعروف] (^٢).\n_________\n= رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٣) ح ١١، من طريق عمر بن محمد بن الحسن الأسدي، عن شريك به، بلفظ: (أنه سمع النبي - ﷺ - لما قال: ولا الضالين، قال: آمين). ...\nورواه الأسود بن عامر، واختلف عليه فيه:\nفرواه أحمد (٤/ ٣١٨)،\nومحمد بن إسحاق الصغاني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٨٤) عن أسود بن عامر، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، بلفظ: (سمعت النبي - ﷺ - يجهر بآمين).\nوخالفهما أبو كريب، فرواه مسلم في التمييز (٣٨) عنه، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن سماك، عن علقمة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله يجهر بآمين.\nوالمحفوظ من رواية أبي إسحاق، أنه يرويه عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، وسبق تخريجه.\nفواضح أن شريك بن عبد الله النخعي قد اضطرب في إسناده، ولفظه، فمرة يرويه عن عاصم ابن كليب، ومرة يقول عن أبيه عن وائل بن حجر، ومرة يقول عن أبيه عن خاله، وثالثة يقول عن عاصم بن كليب عن علقمة بن وائل عن أبيه.\nوأحيانًا يرويه عن غير عاصم بن كليب، فيرويه عن أبي إسحاق، عن علقمة،\nومرة عن سماك عن علقمة، فواضح شدة اضطراب شريك في إسناده، كما لم يسلم لفظه من زيادات شاذة.\nوقد رواه ما يقارب من عشرين نفسًا، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، جلهم أوثق من شريك، وأكثر رواية منه عن عاصم، فلم يذكروا صفة الهوي من لفظ الحديث، وقد خرجت طرقهم وسقت ألفاظهم في بحث سابق، انظر تخريجها في (ح ١٢٤٧)، فأغنى ذلك عن تكرارها، ولله الحمد.\n\n(^١). سنن أبي داود (٨٣٩).\n(^٢). اختلف على عبد الجبار بن وائل في إسناده ولفظه، =","vol":"4","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فرواه همام، عن عبد الجبار، واختلف على همام فيه:\nفرواه عفان وعبد الوارث، عن همام، عن عبد الجبار بن وائل، عن أخيه علقمة بن وائل، عن أبيه وائل بن حجر، وليس فيه (ذكر صفة الهوي للسجود).\nأخرجه مسلم (٥٤ - ٤٠١)، وأحمد (٤/ ٣١٧، ٣١٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٥٩٦)، والطحاوي في أحكام القرآن (١/ ١٨٨)، وابن خزيمة مختصرًا (٩٠٦)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩)، والبيهقي في السنن، من طريق عفان، عن همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل ومولى لهم، عن أبيه، أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه.\nوهذا هو المحفوظ من حديث همام، وعفان من أثبت أصحاب همام، وكل من خالفه في هذا الحديث في إسناده أو لفظه، فالقول قول عفان.\nولم ينفرد به عفان، فقد تابعه عبد الوارث بن سعيد (ثقة).\nأخرجه أبو داود في السنن (٧٢٣) حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي (ثقة ثبت)،\n\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧)، وفي أحكام القرآن (٣٣٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨) ح ٦١ من طريق أبي معمر المقعد: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج (ثقة)،\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٦١٩)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨)، ح ٦١، عن محمد بن عبيد بن حساب (ثقة).\nوابن خزيمة (٩٠٥)، وأبو نعيم في مستخرجه مقرونًا بغيره (٨٨٩) عن عمران بن موسى القزاز (صدوق)،\nوابن حبان (١٨٦٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي (ثقة)،\nخمستهم (عبيد الله، وأبو معمر، ومحمد بن عبيد، وعمران وابراهيم بن الحجاج السامي) رووه عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، قال:: كنت غلامًا لا أعقِلُ صلاةَ أبي، قال: فحدثني وائل بن علقمة، عن أبي: وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - فكان إذا كبر رفع يديه، قال: ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه، وأدخل يديه في ثوبه قال: فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم سجد ووضع وجهه بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضا رفع يديه حتى فرغ من صلاته ... قال أبو داود: روى هذا الحديث همام، عن ابن جحادة لم يذكر الرفع مع الرفع من السجود.\nوليس فيه صفة الهوي للسجود.\nوخالفهما حجاج بن منهال، وأبو عمر الحوضي في إسناده، ولفظه: =","vol":"4","page":267},{"text":"وإذا كانت رواية شريك، لا تصلح للاعتبار، فكذلك رواية حجاج بن منهال، وأبي عمر الحوضي، عن همام، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، لا تصلح للاعتبار؛ ليس لأنها فقط منقطعة، فالضعيف غير مدفوع عن الاعتبار، وإنما لأنها خالفت رواية عفان بن مسلم، وعبد الوارث، عن همام، وهي رواية موصولة، وفي صحيح مسلم، والمنكر والشاذ لا يصلحان للاعتبار.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٤٢) ما رواه البيهقي من طريق أبي كريب، حدثنا محمد بن حجر، ثنا\n_________\n= أما المخالفة في إسناده، فروياه عن همام، عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه بإسقاط علقمة، فصار الإسناد منقطعًا.\nوأما لفظه: فزادا فيها صفة الهوي للسجود.\nرواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٦٠) ح ٦٠، حدثنا علي بن عبد العزيز.\nوأبو جعفر البختري كما في مجموع مصنفات أبي جعفر (٣٦ - ٧٠٥) قال: حدثنا حنبل: كلاهما عن حجاج بن منهال: حدثنا همام: حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل ابن حجر، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع قال هكذا بثوبه، وأخرج يديه، ثم رفعهما، وكبر وركع فلما أراد أن يسجد، وقعت ركبتاه على الأرض قبل كفيه، فلما سجد وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه»، قال: همام: وأكبر علمي أن في حديث محمد بن جحادة، فإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه.\nورواه أبو داود (٧٣٦، ٨٣٩)، حدثنا محمد بن معمر.\nوالقطيعي في جزء الألف دينار (١٨٢)، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩)، عن إبراهيم بن عبد الله بن مسلم (الْكَشِّيِّ)، كلاهما عن حجاج بن منهال به، مختصرًا.\nوتابع أبو عمر الحوضي حجاجًا في إسناده، فرواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٧) ح ٦٠، وأبو نعيم في مستخرجه (٨٨٩) مقرونًا برواية حجاج بن منهال.\nوالمحفوظ رواية عفان وعبد الوارث عن همام بذكر علقمة بن وائل، وليس فيه ذكر صفة الهوي للسجود.\nفهذان اختلافان على همام، وفيه اختلاف ثالث:\nقيل: عن همام: عن شقيق أبي الليث، حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين، نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه. هكذا مرسلًا، ليس فيه وائل بن حجر.\nوقد سبق تخريجه في أثناء الكلام على الدليل الأول.","vol":"4","page":268},{"text":"سعيد بن عبد الجبار، عن عبد الجبار بن وائل، عن أمه،\nعن وائل بن حجر قال: صليت خلف رسول الله - ﷺ -، ثم سجد وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٤٣) ما رواه ابن خزيمة، قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى ابن سلمة بن كهيل، حدثني أبي، عن أبيه، عن سلمة، عن مصعب بن سعد،\nعن سعد قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (^٣).\n[منكر] (^٤).\n• ونوقش هذا:\nقال البيهقي: «هذا إن كان محفوظًا دل على النسخ، غير أن المحفوظ عن\n_________\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٣).\n(^٢). قال ابن التركماني في الجوهر النقي: «محمد بن حجر قال الذهبي: له مناكير، وأم عبد الجبار هي أم يحيى لم أعرف حالها ولا اسمها».\nقال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن وائل بن حجر بهذا الإسناد».\nومحمد بن حجر بن عبد الجبار: قال البخاري: «فيه نظر»، وهذا جرح شديد، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: ليس بالقوي عندهم. وقال أبو حاتم: «كوفي شيخ».\nهكذا رواه أبو كريب محمد بن العلاء (وهو ثقة حافظ) وقد خالفه كل من:\nبشر بن موسى كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٢/ ٤٩) ح ١١٨،\nوإبراهيم بن سعد كما في مسند البزار (٤٤٨)، كلاهما عن محمد بن حجر بن عبد الجبار ابن وائل الحضرمي، حدثني عمي سعيد بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أمه أم يحيى، عن وائل ابن حجر قال: حضرت رسول الله - ﷺ - وقد أُتِي بإناء فيه ماء .... فذكر في حديث طويل صفة وضوء النبي - ﷺ - وصفة صلاته مفصلة، فروايتهما أتم من رواية أبي كريب، وليس فيه صفة الهوي للسجود، والحمل في هذا الاختلاف على محمد بن حجر بن عبد الجبار.\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٦٢٨).\n(^٤). ومن طريق ابن خزيمة أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٤).\nوفي إسناده إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروك، وفيه أيضًا: ابنه إبراهيم، وهو ضعيف.\nقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٩١): «وهذا لو صح لكان قاطعًا للنزاع، لكنه من أفراد إبراهيم ابن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، وهما ضعيفان».","vol":"4","page":269},{"text":"مصعب، عن أبيه: حديث نسخ التطبيق» (^١).\nوقال الحازمي وابن القيم بمثل ما قال البيهقي (^٢).\n(ح-١٨٤٤) يريد البيهقي الإشارة إلى ما رواه البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن أبي يعفور، قال:\nسمعت مصعب بن سعد، يقول: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله، فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب (^٣).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٤٥) ما رواه الدارقطني من طريق العلاء بن إسماعيل العطار، حدثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول،\nعن أنس، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - كبر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل مفصل منه في موضعه، ثم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه (^٤).\n[منكر] (^٥).\n_________\n(^١). معرفة السنن (٣/ ١٩).\n(^٢). الاعتبار (ص: ١٦٠)، زاد المعاد (١/ ٢٢٧).\n(^٣). صحيح البخاري (٧٩٠).\n(^٤). سنن الدارقطني (١٣٠٨)، ومن طريقه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٣١٠).\n(^٥). الحديث رواه الحاكم (٨٢٢)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢٦٣٢)، من طريق العباس بن محمد الدوري، حدثنا العلاء بن إسماعيل العطار به.\nوسئل أبو حاتم عن الحديث الذي رواه فقال: منكر، انظر لسان الميزان (٥/ ٤٦٢).\nوالحديث فيه علتان، الأولى: تفرد العلاء بن إسماعيل العطار، قال ابن القيم: مجهول، كما في حاشية ابن القيم على السنن مع عون المعبود (٣/ ٥٠).\nونقل ابن حجر في التلخيص (١/ ٦١٧) عن البيهقي أنه قال: تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول. اهـ ولعل كلمة: وهو مجهول من كلام الحافظ، لا من كلام البيهقي، لأن الموجود في السنن الكبرى قوله: تفرد به العلاء بن إسماعيل.\nالعلة الثانية: المخالفة، فقد خالفه عمر بن حفص بن غياث، وهو من أثبت الناس في أبيه =","vol":"4","page":270},{"text":"الدليل السادس:\n(ث-٤٤٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعلى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، أن عمر، كان يقع على ركبتيه (^١).\n[اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى] (^٢).\nويناقش:\nهذا أصح أثر نقل في المسألة، مع الاختلاف في وصله وإرساله، وهو حكاية فعل، لا ندري أكان عمر ﵁ فعله تعبدًا أم لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لابد له إما أن يقدم يديه، أو يقدم ركبتيه إذا هوى للسجود، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على قصد الصفة ونفي الاستحباب عن غيرها.\n_________\n= فرواه، عن أبيه، عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، وغيره عن عمر موقوفًا عليه. وهذا هو المعروف، وسوف يأتي تخريج أثر عمر ﵁ في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.\n(^١). المصنف (٢٧٠٤).\n(^٢). الأعمش مكثر عن النخعي، فلا تضر عنعنته عند من يعتبر العنعنة علة، انظر الميزان (٢/ ٢٢٤).\nوقد اختلف فيه على الأعمش:\nفرواه يعلى بن عبيد الطنافسي (ثقة إلا في حديثه عن الثوري) كما في منصف ابن أبي شيبة (٢٧٠٤)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٥)، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ﵁ موصولًا.\nتابعه حفص بن غياث، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٦) عن الأعمش قال: حدثني إبراهيم، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود، فقالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير ووضع ركبتيه قبل يديه.\nوخالفهما الثوري ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٥٥)،\n\nووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٠٣)،\nوأبو معاوية كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (٦٥٠).\nأربعتهم، الثوري، ومعمر، ووكيع، وأبو معاوية، رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، أن عمر كان إذا ركع يقع كما يقع البعير، ركبتاه قبل يديه، ويكبر، ويهوي.\nوهذا منقطع، إبراهيم لم يدرك عمر ﵁، وليس له رواية عن أحد من الصحابة، وأبو معاوية من أثبت أصحاب الأعمش، وكذا الثوري ووكيع، فأخشى أن يكون إرسال هؤلاء علة في الرواية الموصولة، والله أعلم.","vol":"4","page":271},{"text":"الدليل السابع:\n(ث-٤٤٣) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أبي ليلى، عن نافع،\nعن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه (^١).\n[منكر، وروي عن ابن عمر خلافه، وهو المعروف] (^٢).\nالدليل الثامن:\n(ث-٤٤٤) ما رواه الطحاوي من طريق الحجاج بن أرطاة، أخبرهم، قال:\nقال إبراهيم النخعي: حفظ عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن ركبتيه كانتا تقعان إلى الأرض قبل يديه (^٣).\n[ضعيف، لانقطاعه، ولضعف حجاج] (^٤).\nالدليل التاسع:\nاستدل الطحاوي من جهة النظر، فقال: «العلماء متفقون على أنه إذا سجد، فإن الرأس يضعها بعد الركبتين واليدين، لا قبلهما، وفي الرفع من السجود يقدم الرأس، ثم اليدين، ثم الركبتين، فما كان الرأس مؤخرًا عند السجود، مقدمًا في الرفع، فالنظر أن تكون اليدان في السجود مؤخرتين كذلك؛ لأنهما مقدمتان في الرفع» (^٥).\nوقال نحوه ابن القيم، ولكن بلفظ آخر، فقال: «المصلي في انحطاطه ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولًا، ثم الذي من فوقه، ثم الذي من فوقه حتى ينتهي\n_________\n(^١). المصنف (٢٧٠٥).\n(^٢). محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيئ الحفظ، وقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم عقب ح (٨٠٢)، قال البخاري: قال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. اهـ وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله في أدلة القول الثاني.\n(^٣). شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٦).\n(^٤). في إسناده الحجاج بن أرطاة، ضعيف، ومدلس، وقد قال: قال إبراهيم، كما أن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود.\n(^٥). شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٦).","vol":"4","page":272},{"text":"إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السجود ارتفع أعلى ما فيه أولًا، ثم الذي دونه حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه» (^١).\n• دليل من قال: يضع يديه قبل ركبتيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك الجمل، وليضع يديه، ثم ركبتيه (^٢).\n[معلول، تفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن وليس له رواية عن أبي الزناد إلا هذا الحديث] (^٣).\n_________\n(^١). كتاب الصلاة لابن القيم (ص: ١٦٦).\n(^٢). المسند (٢/ ٣٨١).\n(^٣). الحديث رواه محمد بن عبيد الله (ثقة) كما في التاريخ الكبير (١/ ١٣٩)، وسنن الدارقطني (١٣٠٥)،\nومروان بن محمد (ثقة) كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٩١)، والسنن الكبرى له (٦٨٢)، وسنن الدارقطني (١٣٠٤).\nويحيى بن حسان (ثقة) كما في سنن الدارمي (١٣٦٠)، ثلاثتهم رووه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁.\nورواه سعيد بن منصور، واختلف عليه:\nفرواه أحمد بن حنبل كما في المسند (٢/ ٣٨١)،\nوأبو داود في السنن (٨٤٠)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٣).\nوصالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المصري (صدوق)، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٤)، ومشكل الآثار (١٨٢).\nوعبد الرحمن بن معدان كما في فوائد تمام (٧٢٠)،\nوخلف بن عمرو العكبري (ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٣)،\nومحمد بن علي (هو الصائغ ثقة) كما في الدلائل في غريب الحديث (٥٣٩)، ستتهم رووه =","vol":"4","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ... عن سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد به، وقالوا: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وفي رواية: (ثم ركبتيه).\nوخالفهم: الحسن بن علي بن زياد، فرواه عن سعيد بن منصور به، كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٣)، بلفظ: (وليضع يديه على ركبتيه).\nوالحسن بن علي بن زياد السري ترجم له الذهبي في تاريخ الإسلام (٦/ ٩٣٢)، والسمعاني في الأنساب (٧/ ١٣٦) فلم يذكرا فيه شيئًا، فالرواية هذه خطأ قطعًا، ولا ينبغي أن يحكم على لفظ الحديث بالاضطراب بسبب هذه الرواية لنكارتها، فقد خالف فيها الحسن بن علي بن زياد الإمام أحمد والإمام أبا داود ومحمد بن علي الصائغ، وخلف بن عمرو، وهم ثقات، فلو كان ثقة لم يقبل منه مخالفة الإمام أحمد، كيف وهو فيه جهالة.\nوتابع عبد الله بن نافع الصائغ الدراوردي في رواية الحديث من هذا الوجه، إلا أنه لم يذكر فيه (وليضع يديه قبل ركبتيه).\nرواه أبو داود (٨٤١)، والترمذي في السنن (٢٦٩)، والنسائي في المجتبى (١٠٩٠)، وفي الكبرى (٦٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٤) من طريق قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الله بن نافع به، بلفظ: يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل.\nوليس فيه (وليضع يديه قبل ركبيته).\nوخالف هؤلاء في لفظه، عبد الله بن سعيد المقبري، فرواه عن جده، عن أبي هريرة إذا سجد أحدكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٠٢)، وأبو يعلى في المسند (٦٥٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٣) من طريق محمد بن فضيل، عن عبد الله بن سعيد به.\nوعبد الله بن سعيد متروك، قال فيه أحمد: منكر الحديث متروك.\nوقال البخاري: عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن جده، قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس، ويقال له: أبو عباد. التاريخ الكبير (٥/ ١٠٥).\nقال البيهقي: عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف.\nالحديث أعل بأكثر من علة:\nالعلة الأولى: الاضطراب في لفظه، فمنهم من يقول: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، ومنهم من يقول: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، ومنهم من يقول: (وليضع يديه على ركبتيه)، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا.\nويجاب عن هذه العلة:\nبأن من شروط الاضطراب استواء وجوه الاختلاف، وقد تبين أن لفظ: (وليضع يديه على ركبتيه)، تفرد به الحسن بن علي بن زياد، عن سعيد بن منصور، وأصحاب سعيد كالإمام أحمد =","vol":"4","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأبي داود، وغيرهم رووه عن سعيد بن منصور كرواية الجماعة، فهي من قبيل الوهم.\nوأما لفظ: (فليضع يديه على ركبتيه) فهذا اللفظ تفرد به عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو متروك، فلا يعارض بها رواية الدراوردي.\nويبقى النظر في حذف جملة (وليضع يديه قبل ركبتيه) زادها الدراوردي، ولم يذكرها عبد الله بن نافع الصائغ، وسوف أفرد الكلام على هذه العلة على وجه الاستقلال، إنما أوردت هاهنا مناقشة دعوى الاضطراب في لفظه.\nالعلة الثانية: تفرد محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية عن أبي الزناد بهذا الحديث، ولم يعرف بالرواية عن أبي الزناد، وليس له عن أبي الزناد في كتب السنة إلا هذا الحديث، فمثله لا يحتمل تفرده، وقد قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية ويحب الخلوة، وأبو الزناد له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين أصحاب أبي الزناد مالك والثوري وابن عيينة، وابنه عبد الرحمن، والليث وشعيب، وغيرهم من أصحابه المكثرين عنه، أين هم من هذا الحديث الذي يتعلق بالصلاة، فلو كان هذا من حديث أبي الزناد، لما انفرد عنهم راو بهذا الحديث الذي هو أصل في الباب، فلا يرويه إلا رجل لا يعرف بالرواية عنه إلا بهذا الحديث.\nولهذا استغربه الترمذي، فقال في السنن (٢/ ٧٥): «حديث أبي هريرة حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه».\nوحق للإمام أبي عبد الله البخاري أن يشكك في سماع النفس الزكية من أبي الزناد، فقال كما في التاريخ الكبير (١/ ١٣٩): «ولا يتابع عليه، ولا أدري سمع من أبي الزناد، أم لا؟».\nفأشار بهذه العبارة المختصرة إلى علتين: الأولى تفرده، بقوله: لم يتابع عليه.\nوالثانية: كونه لا يعرف بالرواية عنه، فقال: ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟.\nوبعضهم يرد على الإمام البخاري بأن هذا بناء على علو شرطه في اشتراط العلم بالسماع، وهذا ليس دقيقًا، فالبخاري يصحح أحاديث كثيرة في أجوبته للترمذي، وقد يقال: علو شرطه خَصَّ به ما يرويه في كتابه الجامع الصحيح، وهذا ليس منها.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٣): «ينفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي، وقد رواه عبد الله بن نافع مختصرًا»\nالعلة الثالثة: تفرد الدراوردي عن النفس الزكية، بقوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه)،\nفقد رواه عبد الله بن نافع الصائغ (صدوق فيه لين)، عن النفس الزكية، دون هذا الحرف، ولفظه: (يعمِدُ أحدُكم في صلاته، فيبرُك كما يبرُك الجمل).\nفعبد الله بن نافع والدراوردي يتفقان في الرواية عن النفس الزكية بالنهي عن التشبه ببروك البعير، وينفرد الدراوردي بلفظ: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، ولا يعرف الدراوردي بالرواية عن النفس الزكية، وليس للدراوردي من الرواية عنه إلا هذا الحديث.\nقال الدارقطني في الأفراد: «تفرد به الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي =","vol":"4","page":275},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن أبي الزناد».\nوقال البيهقي: «يتفرد به: محمد بن عبد الله بن الحسن، وعنه الدراوردي».\nوالدراوردي وعبد الله بن نافع حالهما متقاربة، فكل واحد منهما في حفظه شيء، وكتابه صحيح، وابن نافع فقيه، وثقة فيما يرويه عن مالك، وإذا روى عن غيره تعرف وتنكر.\nوالدراوردي أشهر من ابن نافع، وأكثر رواية منه، وخرج له مسلم، فالنظر والاجتهاد بين هذين الطريقين، أيكون عبد الله بن نافع اختصره كما يراه البيهقي (٢/ ١٤٤)، أو يكون الدراوردي زاد في الحديث ما ليس منه، فوهم.\nفيطلب مرجح من خارج روايتهما؛ لأن حالهما متقاربة، وإن كان الدراوردي في الرواية أكثر وأشهر، وذاك في الفقه أكبر،\nفقد رواه أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أبي هريرة أنه قال: (لا يبركن أحدكم بروك البعير الشارد ولا يفترش ذارعيه افتراش السبع) وهذا موقوف، وإسناده صحيح.\nوليس فيه (وليضع يديه قبل ركبتيه) صحيح أن مخرجه مختلف، ولكن لا يمنع من ترجيح كفة عبد الله بن نافع بهذه الرواية، وسوف أتكلم على هذا الطريق في العلة التالية.\nالعلة الرابعة: أعله بعضهم بأنه قد روي عن أبي هريرة موقوفًا، فقد رواه أبو القاسم السُرَّقَسْطِيُّ في (غريب الحديث) (٥٣٨)، من طريق محمد بن علي، أخبرنا سعيد بن منصور، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله بن الأشج حدثه، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أبي هريرة أنه قال: (لا يبركن أحدكم بروك البعير الشارد ولا يفترش ذارعيه افتراش السبع) وهذا موقوف، وإسناده صحيح.\nوهذا اللفظ قريب من لفظ عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن الحسن.\nإلا أن الحكم بإعلال المرفوع بالموقوف يعكر عليه أمران:\nأحدهما: أن هذا الأثر الموقوف مخرجه مختلف، عن حديث الدراوردي.\nالثاني: أن محمد بن علي قد رواه عن سعيد بن منصور بالطريقين جميعًا، الموقوف والمرفوع انظر الدلائل في غريب الحديث (٥٣٨، ٥٣٩)، مما يدل على أن كلا الطريقين محفوظان عن سعيد بن منصور، والله أعلم.\nقال السُرَّقَسْطِيُّ: لا يرم بنفسه معًا كما يفعل البعير الشارد غير المطمئن المواتر، ولكن لينحط مطمئنًا يضع يديه، ثم ركبتيه. اهـ\nفكان الأثر لا ينهى عن مطلق البروك، وإنما ينهى عن بروك البعير الشارد، الذي لا يستقر ويطمئن في بروكه فلا يصل إلى الأرض حتى يثور مرة أخرى، إشارة إلى الاستعجال وعدم الاطمئنان في الصلاة، وليس الأمر يتعلق بصفة الهوي بالركبتين أو باليدين.\nالعلة الخامسة: إعلال الحديث بانقلاب لفظه على الراوي.\nذهب بعض أهل العلم إلى أن الأظهر أن الحديث منقلب على الراوي، لأن قوله: (وليضع يديه =","vol":"4","page":276},{"text":"الدليل الثاني:\n(ث-٤٤٥) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (^١).\n[روي مرفوعًا وموقوفًا، ولا يصح أي منهما] (^٢).\n....................................................\n_________\n= قبل ركبتيه) يخالف صدر الحديث (فلا يبرك كما يبرك البعير)، فقد يكون لفظ الحديث: (ولا يضع يديه قبل ركبتيه) حتى يتفق آخر الحديث مع أوله، ويتفق مع حديث وائل بن حجر، وقد جزم ابن القيم بقلب الحديث، وهو أول من أعله بذلك، انظر زاد المعاد (١/ ٢٢٣).\nوجه كونه منقلبًا: أن النبي - ﷺ - قال: (لا يبرك كما يبرك البعير)، ولم يقل: (لا يبرك على ما يبرك عليه البعير)، والفرق بين التعبيرين واضح، فالحديث نهى عن الكيفية، ولم ينه عن العضو الذي يبرك عليه البعير، فإذا تأملنا كيفية بروك البعير فإنه ينحني مقدم جسمه قبل مؤخره كما هو مشاهد، فإذا سجد الإنسان، وقدم يديه صار مشابهًا للبعير في انحناء المقدم قبل المؤخر، إذا علمنا ذلك، كان قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) مناقضًا لقوله: (فلا يبرك كما يبرك البعير)، فلا يبعد أن يكون الراوي قلب الحديث، فبدلًا من قوله: (ولا يضع يديه قبل ركبتيه) قال: (وليضع يديه قبل ركبتيه). انتهى بتصرف من كلام شيخنا ابن عثيمين ﵀.\nوإذا علمنا أن هذه اللفظة لم ترد في لفظ عبد الله بن نافع، وإنما تفرد بها الدراوردي، وهو سيئ الحفظ، فربما كان الحمل عليه في هذا اللفظ.\nوقد يقال: إن التشبه بالكيفية يستلزم أن يبرك على الركب، فهذا علقمة والأسود قالا: حفظنا عن عمر في صلاته أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير، فوصفا نزول عمر على ركبتيه أنه خر كما يخر البعير. فإذا كانت (ما) مصدرية كان اللفظ كخرور البعير، فوصفوا الخرور على الركب كخرور البعير، ويلزم منه أن الخرور على اليدين لا يوصف بذلك، والله أعلم، وسبق تخريج أثر عمر ﵁، وإذا كان عمر يخر كما يخر البعير كان ذلك دليلًا على أن النهي ليس عن مطلق بروك البعير، وإنما عن بروك الجمل الشارد، ولأن الأصل عدم انقلاب لفظ الحديث على الراوي.\nلهذه العلل أو بعضها ضعفه الإمام البخاري بالانقطاع، والدارقطني والبيهقي بالتفرد، واستغربه الترمذي، وقال حمزة الكناني نقلًا من فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢١٨): هو منكر.\nوقال المناوي في الفيض (١/ ٣٧٣): «أعله البخاري والترمذي والدارقطني بمحمد بن عبد الله بن حسن وغيره».\n\n(^١). صحيح البخاري (١/ ١٥٩).\n(^٢). الحديث مداره على عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.\nأخرجه أبو داود في الصلاة من رواية ابن العبد، ولم يذكره أبو القاسم كما في التحفة (٨٠٣٠)، =","vol":"4","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن إسحاق أبي يعقوب شيخ ثقة، وعن محمد بن يحيى، عن أصبغ، كلاهما عن الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه، زاد ابن يحيى في حديثه: وكان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك.\nقال المزي: قال أبو داود: روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث مناكير.\nفالأثر معلول بأكثر من علة:\nالعلة الأولى: أن هذا الأثر تفرد به الدراوردي، وهو متكلم في حفظه.\nالعلة الثانية: أنه من حديثه عن عبيد الله بن عمر، وقد قال النسائي: حديثه عن عبيد الله بن عمر منكر. وقال أحمد: ربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر. اهـ وعبد الله ضعيف، بخلاف أخيه عبيد الله فهو ثقة.\nالعلة الثالثة: الاختلاف على الدراوردي في وقفه ورفعه.\nفرواه إسحاق ابن أبي إسرائيل كما في سنن أبي داود رواية ابن العبد كما في التحفة (٨٠٣٠)،\nوأبو نعيم الحلبي عبيد بن هشام (في التقريب: صدوق تغير في آخر عمره فتلقن) كما علل الدارقطني (١٣/ ٢٤)، كلاهما عن الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. قال الدارقطني: وهو الصواب.\nوخالفهم أصبغ بن الفرج، كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٤)، وصحيح ابن خزيمة (٦٢٧)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٥)، وسنن الدارقطني (١٣٠٣).\nومحرز بن سلمة كما في مستدرك الحاكم (٨٢١)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٤).\n\nوعبد الله بن وهب كما في الاعتبار للحازمي (ص: ٧٧)، وعلل الدارقطني (١٣/ ٢٤)، ثلاثتهم رووه عن الدراوردي به، مرفوعًا، وهذا التخليط من قبل الدراوردي، فإنه سيئ الحفظ.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. اهـ ومسلم ينتقي من حديث عبد العزيز بن محمد، فلا يقال لأحاديثه إذا كانت خارج الصحيح إنها على شرط مسلم، وقد ذكر بعد هذا في معرض الترجيح بين أثر ابن عمر وحديث وائل، فقال: فأما القلب في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أميل لروايات في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين. اهـ\nولم أقف في الآثار عن الصحابة إلا عن عمر وابنه ﵄.\nالعلة الرابعة: أن حديث ابن عمر هو في وضع اليدين في السجود، وليس في تقديم اليدين في الهوي للسجود.\nقال البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٤): والمشهور عن عبد الله بن عمر ثم ساق بإسناده إلى أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه، فإذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه». اهـ ...\nفوقع وهم من الدراوردي في هذا الحديث، فظن أن قوله: (فليضع يديه ...) أنه في الهوي للسجود، وليس كذلك. =","vol":"4","page":278},{"text":"• دليل من قال: الأمر واسع:\nلا يصح في الباب سنة مرفوعة، والأصل عدم الاستحباب احتياطًا للعبادة، ولو كان هناك سنة في صفة الهوي لحفظها الله ﷾ لنا، ولسخر من الصحابة من يعتني بنقل هذه الصفة بما يحفظ لنا سنة نبينا،\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: ١٢].\nوقال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].\nفالله قد تكفل بحفظ شريعته، فإذا لم يوجد في السنة المرفوعة إلا حديثان:\nأحدهما: حديث شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل.\nوهذا الحديث قد جمع أربع علل كل واحدة تسقط حديثه، منها:\nالأولى: أن شريكًا لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.\nوالثاني: أنه سيئ الحفظ.\nوالثالث: أن حديث عاصم قد رواه عشرون نفسًا، منهم أئمة وثقات، كسفيان ابن عيينة، والثوري، وزائدة، وقد ذكرتهم في التخريج، وخرجت ألفاظهم، فلا يذكر أحد منهم ما ذكره شريك، وأي نكارة أشنع من هذا، أن يخالف الضعيف أئمة الحديث، فينفرد عنهم وهو لا يعرف بالرواية عن عاصم، وليس له إلا هذا الحديث.\nوالرابع: أن شريكًا قد اضطرب في حديث عاصم اضطرابًا كثيرًا، لا في لفظه، ولا في إسناده ما لو اضطرب فيه الإمام مالك لرد حديثه، كيف وهذا الاضطراب جاء من رجل سيئ الحفظ، ثم تجد بعد ذلك من يقول: حديث وائل أرجح من حديث أبي هريرة، أو يحاول أن يعتبر به.\n_________\n= وقال البيهقي في المعرفة (٣/ ١٨): «والمحفوظ عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما». اهـ\nرواه إسماعيل بن علية كما في مسند أحمد (٢/ ٦) وسنن أبي داود (٨٩٢)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٩٢)، وفي الكبرى (٦٨٣)، ومسند أبي العباس السراج (٣٣٩)، وصحيح ابن خزيمة (٦٣٠)، ومستدرك الحاكم (٨٢٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٥).\nووهيب بن خالد كما في المنتقى لابن الجارود (٢٠١)،، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٤٧)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٧)، كلاهما عن أيوب، عن نافع به.","vol":"4","page":279},{"text":"والحديث الثاني: حديث أبي هريرة، وهو حديث غريب تفرد به محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، عن أبي الزناد، ولا يعرف بالرواية عنه، وليس له عنه إلا هذا الحديث، فكيف يكون لأبي الزناد عبد الله بن ذكوان حديث في الصلاة، محل عناية الرواة، ثم لا يعرف ذلك أصحابه المكثرون عنه، والمهتمون بجمع حديثه، وينفرد عنهم رجل لا يعرف بالرواية عنه، ولو كان الحديث في الآداب لقيل ربما قاله أبو الزناد مرة، ثم لم يحدث به، أما أن يكون الحديث في الصلاة، محل عناية العلماء، وفي مسألة ليس فيها كثير أحاديث لو علم بها أحد من الأئمة لسافر يقطع الأرض ليسمع هذا الحديث، فلقد كانوا يضربون أكباد الإبل في طلب ما هو أقل أهمية من هذا الحديث، وكل أحاديث الرسول - ﷺ - مهمة، ثم لا يحدث به أبو الزناد أصحابه، ولا يعرفون هذا من حديثه، حتى ابنه عبد الرحمن ابن أبي الزناد، ومن أهل بيته لا يعرف هذا عنه، ويرويه رجل يحب العزلة والبادية، ولا يعرف بطلب الحديث، وليس له عن أبي الزناد إلا هذا الحديث اليتيم، فلا يمكن قبول مثل ذلك، ولا تصور وقوعه.\nهذا من جهة السنة المرفوعة، وقل مثل ذلك من جهة الآثار، كيف لم يَعْتَن الصحابة بحكم المسألة، ولا يوجد أثر واحد قولي، يهدينا إلى سنة نبينا في الهُوِيِّ، وكل الموجود حكاية فعل عن عمر ﵁، وقد اختلف في وصله وإرساله، وإرساله أقوى وأكثر، وعلى افتراض صحته لا ندري أكان عمر فعل هذا لكونه أهون عليه؛ لأن المصلي لابد له في هويه: إما أن يقدم يديه أو يقدم ركبتيه، بخلاف القول فهو أصرح في الدلالة على تعيين الصفة، ونفي الاستحباب عن غيرها.\nوأما أثر ابن عمر فمداره على الدراوردي، وقد اختلف عليه فيه في رفعه ووقفه، واختلط عليه من حديث نافع في سجود اليدين مع الوجه، فظنه في تقديم اليدين على الركبتين.\nأتظن أن صفة الهوي من أحكام الصلاة، ويقصر الصحابة في نقل هذه السنة مع عنايتهم الشديدة بأحكام الصلاة، فهل الاحتياط أن نجزم بالاستحباب، أو الاحتياط في العبادة ألا نجزم به إلا بدليل صريح، ونقول: الأمر واسع، اعمل","vol":"4","page":280},{"text":"ما هو أسهل عليك، دون أن تعتقد أن هناك صفة مستحبة للهوي، والله أعلم.\n• الراجح:\nهذه المسألة مثلها مثل بعض المسائل في الصلاة وغيرها، تجد أن النصوص فيها قليلة ضعيفة، والآثار ليست حاسمة، وتجد أقوال الفقهاء فيها متكاثرة، كالمسح على الجبيرة، وقد مرت معنا في الطهارة.\nفالجمهور على تقديم الركبتين، خلافًا لمالك، وبعض أهل الحديث، والعترة، فإن كنت تريد في الترجيح أن تتشدد وتطلب دليلًا صحيحًا صريحًا ستجد أقوى الأقوال بأن الأمر واسع هو الأحظ، لكون النصوص ليست كاشفة عن حكم المسألة.\nوإن كنت تريد أقوال الفقهاء فستجد أن قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية على تقديم الركبتين فإنه يسعك ما وسع القوم، وأَكْرِمْ بهم سلفًا وفقهًا، ومن اقتدى بهم فقد اقتدى بأهل هدى، وليست كل مسألة خلافية يتكشف بعد البحث خيطها الأبيض من خيطها الأسود، وحسبك أنك بذلت وسعك، وأثرت نقاطًا يتأملها القارئ من بعدك فقد ترزق المسألة بشخص يسد الثغرات، ويتجاوز العثرات، وما التوفيق إلا من الله العليم الحكيم.\n\n* * *","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.\n• لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.\n• قال الإمام البخاري يروى عن سبع عشرة نفسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم.\n• لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.\n• يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.\n• سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي، قال: لا.\n[م-٦٦٧] اختلف العلماء في حكم رفع اليدين إذا كبر للسجود أو رفع منه،\nفقيل: لا يرفع يديه مع التكبير للسجود، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣)، المبسوط (١/ ١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، المدونة (١/ ١٦٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٩٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧١)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٤)، الثمر الداني (ص: ٦٥١)،.\nجاء في التاج والإكليل نقلًا من الإكمال (٢/ ٢٣٩): «اختلف عن مالك في الرفع، فروي عنه: =","vol":"4","page":282},{"text":"وقيل: يستحب رفع اليدين للسجود، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^١).\nوحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب (^٢).\nونقل المروذي عن أحمد أنه قال: لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز» (^٣).\n_________\n= لا رفع إلا في الافتتاح، وهي أشهر الروايات».\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٢٦)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، المجموع (٣/ ٣٩٦)، العباب المحيط (١/ ٣٤٧). ...\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٥)، ومسائل أبي داود (ص: ٥٠)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٠)، الفروع (٢/ ١٩٥)، المحرر (١/ ٦١)، المبدع (١/ ٣٩٣)، الإنصاف (٢/ ٥٩)، المقنع (ص: ٥٠)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٢)، الإقناع (١/ ١١٩).\n\n(^١). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٧) أخبرنا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت نافعًا وطاوسًا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده صحيح.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٨) أخبرنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده ضعيف، فيه أشعث بن سوار ضعفه أحمد وغيره.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٢٧) عن ابن جريج، عن عطاء، وسنده صحيح.\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٣): «وقع في أواخر البويطي يرفع يديه في كل خفض ورفع، فيحمل الخفض على الركوع، والرفع على الاعتدال، وإلا فحمله على ظاهره يقتضي استحبابه في السجود أيضًا وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد نفاه ابن عمر، وأغرب الشيخ أبو حامد في تعليقه، فنقل الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة، وتعقب بصحة ذلك عن ابن عمر وابن عباس وطاوس ونافع وعطاء، كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية، وقد قال به من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر، وأبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو شاذ».\nوانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، المحلى (٣/ ١٠)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥١).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).","vol":"4","page":283},{"text":"وقد تكلمت عن أدلة المسألة عند الكلام على حكم رفع الأيدي مع تكبيرات الانتقال، والسجود فرد منها، فارجع إليه إن شئت.\n\n* * *","vol":"4","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• وضع اليدين في السجود صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية.\n• لم يثبت في السنة القولية موضع اليدين في السجود، أيضعهما حذو منكبيه، أو حذو أذنيه، وما ورد كله من السنة الفعلية.\n• لم يثبت حديث في وضع اليدين في السجود حذاء المنكبين.\n• أحسن ما ورد في الباب حديث وائل وأنه سجد بين كفيه.\n[م-٦٦٨] اختلف العلماء في موضع الكفين حال السجود:\nفقال الحنفية والمالكية: يضع كفيه حذاء أذنيه، زاد المالكية: أو دون ذلك (^١).\nوجاء في المدونة: قال مالك: يوجه بيديه إلى القبلة، قال: ولم يَحُدَّ لنا أين يضعهما (^٢).\nوقال ابن شاس في الجواهر: «واستحب المتأخرون أن يسجد بين كفيه، ولم\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣٠٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨).\nقال القيرواني في الرسالة (ص: ٢٨): «تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك».\nوقال في الشرح الكبير (١/ ٢٤٩): «ونُدِبَ وضعهما حَذْوَ أذنيه، أو قربهما».\nقال زروق في شرحه على الرسالة: «قوله: (أو دون ذلك) يحتمل أن يكون تخييرًا في الفعل من القائل الواحد، ويحتمل أن يكون على قولين، فهو تخيير في النقلين، كقوله: ثمانية أيام، أو عشرة».\nوانظر: القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٦٩)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٩)،.\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٩)، وانظر التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤١).","vol":"4","page":285},{"text":"يحدَّ مالك في ذلك حدًّا» (^١).\nوقيل: يضع كفيه حذو منكبيه، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (^٢).\nوقيل: كلاهما سنة، اختاره جماعة من أهل العلم (^٣).\nوإذا كان الجميع سنة، فالمصلي بالخيار إن شاء فعل هذا أو فعل هذا، والأفضل أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة؛ ليتحقق فعل السنة بوجوهها المتنوعة، ولأننا لو لازمنا سنة واحدة ماتت السنة الأخرى،\nقال ابن المنذر: «... الساجد بالخيار إن شاء وضع يديه حذاء أذنيه، وإن شاء جمعهما حذو منكبيه» (^٤).\nوقال ابن الهمام في الفتح: «ولو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعًا للمرويات بناء على أنه كان - ﷺ - يفعل هذا أحيانًا وهذا أحيانًا، إلا أن بين الكفين أفضل؛ لأن فيه من تخليص المجافاة المسنونة ما ليس في الآخر كان حسنًا» (^٥).\nوقال البنوري في معارف السنن: «ولا يبعد أن يجمع بين الروايات كما جمعوا في رفع اليدين بأن يكون الكفان حذو المنكبين، والأصابع حذاء الأذنين، وقد استحسنوه من الشافعي في الرفع، والله أعلم» (^٦).\n• دليل من قال: يضع كفيه حذاء أذنيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٤٧) ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا محمد بن جحادة، حدثني\n_________\n(^١). عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥)،.\n(^٢). الحاوي الكبير (٢/ ١١٨)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٦)، المجموع (٣/ ٤٣٠)، منهاج الطالبين (ص: ٢٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٥٢)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١١٥).\n(^٣). الأوسط (٣/ ١٦٩)، فتح القدير (١/ ٣٠٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨)، مرعاة المفاتيح (٣/ ٧٢)، مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧)، مجموع الفتاوى والرسائل لشيخنا ابن عثيمين (١٣/ ٣٧٦)، رفع اليدين في الصلاة لابن القيم ت علي العمران (ص: ٢٩١).\n(^٤). الأوسط (٣/ ١٦٩).\n(^٥). فتح القدير (١/ ٣٠٣).\n(^٦). معارف السنن (٣/ ٣٧).","vol":"4","page":286},{"text":"عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،\nعن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه (^١).\nوجه الاستدلال:\nيلزم من السجود بين الكفين أن تكون يداه حذاء أذنيه.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٤٨) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر قال: رمقت رسول الله - ﷺ -، فلما سجد كانت يداه حذو أذنيه (^٢).\n[حسن] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٥٤ - ٤٠١).\n(^٢). المصنف (٢٩٤٨).\n(^٣). رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٩٤٨، ٢٥٢٢)، ومن طريقه أحمد في المسند (٤/ ٣١٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨١، والخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (١/ ٤٣٠)، عن سفيان به.\nورواه أحمد (٤/ ٣١٨) حدثنا عبد الله بن الوليد، حدثني سفيان به.\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣) من طريق مؤمل (يعني: ابن إسماعيل)، قال: حدثنا سفيان به، بلفظ: (رأيت النبي - ﷺ - حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه. ومؤمل سيئ لحفظ، لكنه قد توبع.\nورواه أحمد (٤/ ٣١٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٦٧) عن وكيع،\nورواه أيضًا (٤/ ٣١٨) حدثنا يحيى بن آدم وأبو نعيم (الفضل بن دكين).\nورواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩) وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (٣٧٠٩) من طريق أبي نعيم وحده.\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٣)، وفي الكبرى (١١٨٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٨، من طريق محمد بن يوسف الفريابي،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٠) من طريق الحسين بن حفص، =","vol":"4","page":287},{"text":"ورواه أحمد من طريق زائدة، حدثنا عاصم به، وفيه: (... ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه ...) الحديث (^١).\nتابعه زهير بن معاوية، عن عاصم به، وفيه: (... ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه ....) الحديث (^٢).\nورواه البيهقي في السنن من طريق خالد بن عبد الله، ثنا عاصم بن كليب به، وفيه: (... فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، فلما سجد وضع يديه فسجد بينهما ...) الحديث (^٣).\nورواه الطبراني في الكبير من طريق قيس بن الربيع، عن عاصم به، وفيه ... فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه ..» (^٤).\n_________\n=والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) ح ٩٥، من طريق علي بن قادم، ستتهم (وكيع، ويحيى، وأبو نعيم، والفريابي والحسين بن حفص وعلي بن قادم) رووه عن سفيان به مختصرًا.\nوقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^١). رواه أحمد (٤/ ٣١٨)، حدثنا عبد الصمد.\nوالنسائي في المجتبى (٨٨٩، ١٢٦٨) وفي الكبرى (٩٦٥، ١١٩٢)، من طريق عبد الله بن المبارك.\nوالدارمي (١٣٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن خزيمة (٤٨٠، ٧١٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٩)، عن معاوية بن عمرو،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٢، وابن حبان في صحيحه (١٨٦٠) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤٣) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، وابن المبارك، ومعاوية بن عمرو، وابن مهدي، وأبو الوليد الطيالسي، وابن رجاء) عن عاصم بن كليب به.\nوقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^٢). رواه أحمد (٤/ ٣١٨)، ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٧)، حدثنا أسود بن عامر،\nورواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦) ح ٨٤، من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، كلاهما عن زهير بن معاوية به.\n(^٣). السنن الكبرى (٢/ ١٨٨).\n(^٤). رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٣) ح ٧٩، قال: حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه)، حدثنا","vol":"4","page":288},{"text":"[حسن] (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن من سجد بين يديه كانت يداه حذاء أذنيه.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٤٩) ما رواه الترمذي من طريق حفص بن غياث، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، قال:\nقلت للبراء بن عازب: أين كان النبي - ﷺ - يضع وجهه إذا سجد، فقال: بين كفيه (^٢).\n[منكر، رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق به موقوفًا بغير هذا اللفظ] (^٣).\n_________\nأسد بن موسى، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: رأيت النبي - ﷺ - افتتح الصلاة، وكبر ورفع يديه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر فرفع يديه فوضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه، فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه ...\nرواه الطبراني في الأوسط مختصرًا (٥٤٨٥) من طريق أبي بلال الأشعري (ضعفه الدارقطني) ورواه أيضًا في الكبير مختصرًا (٢٢/ ٣٩) ح ٩٣ من طريق يحيى الحماني (حافظ مجروح) كلاها عن قيس بن الربيع (صدوق تغير بآخرة)، عن عاصم بن كليب به.\nوقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^١). أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٧) من طريق الحماني،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨) من طريق مسدد،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣) من طريق وهب بن بقية، ثلاثتهم (الحماني، ومسدد ووهب بن بقية) رووه عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم به، وقد اقتصر الطحاوي على ذكر إسناده وأحال على لفظ سابق، وساق لفظه البيهقي تامًّا واختصره الخطيب، وذكرا فيه رفع اليدين حيال الأذنين في تكبيرة الإحرام.\nوقد سبق تخريج حديث عاصم بن كليب، وتتبع أكثر طرقه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^٢). سنن الترمذي (٢٧١).\n(^٣). ومن طريق حفص بن غياث رواه أبو يعلى في مسنده (١٦٦٩)، والطوسي في مستخرجه (١٢٦ - ٢٥٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧).\nفي إسناده حجاج بن أرطاة كثير الخطأ، وقد خالفه شعبة وسفيان، فرووه عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا بغير هذا اللفظ، وهو المعروف.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف تحقيق عوامة (٢٦٩١) حدثنا وكيع،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٤) من طريق عفان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم، =","vol":"4","page":289},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٨٥٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن سالم البراد، قال:\nأتينا أبا مسعود الأنصاري، في بيته، فقلنا: علمنا صلاة رسول الله - ﷺ -، فصلى، فلما سجد وضع كفيه قريبا من رأسه (^١).\n[الحديث حسن إلا قوله: (قريبًا من رأسه) انفرد بها أبو الأحوص، عن عطاء] (^٢).\n• دليل من قال: حذو منكبيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٥١) ما رواه أبو داود من طريق عبد الملك بن عمرو، أخبرني فليح،\n_________\n= وأبي عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق، أربعتهم، عن شعبة.\nورواه ابن أبي شيبة أيضًا (٢٦٩٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٤/ ٣٠٨)، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، كلاهما (شعبة، وسفيان)، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا، بلفظ: السجود على أَلْيَةِ الكف، فخالفا حجاجًا في إسناده ولفظه.\n\n(^١). مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٨).\n(^٢). الحديث مداره على عطاء بن السائب، عن سالم البراد، عن أبي مسعود:\nرواه أبو الأحوص عن عطاء بن السائب، واختلف عليه:\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٥٢٤)، عن أبي الأحوص به، وذكر: (فلما سجد وضع كفيه قريبًا من رأسه).\nورواه هناد بن السَّرِيِّ كما في المجتبى من سنن النسائي (١٠٣٦)، وفي الكبرى (٦٢٨)،\nوعثمان بن أبي شيبة كما في المعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٢٤٢) ح ٦٧٢، كلاهما عن أبي الأحوص به، وليس فيه قوله: (فلما سجد وضع كفيه قريبًا من رأسه).\n\nوقد رواه زائدة بن قدامة، وهمام، وابن علية، وأبو عوانة، وجرير بن عبد الحميد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وجعفر بن الحارث، وحماد بن شعيب، ومفضل بن مهلهل، كلهم رووه عن عطاء بن السائب، فلم يذكروا ما ذكره أبو الأحوص، وأصحها طريق زائدة؛ وهمام؛ فالأول صرح الطبراني بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، والثاني صرح الطحاوي في مشكل الآثار بأنه ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط، وأما جرير وأبو الأحوص، وابن علية فهم ممن روى عن عطاء بعد تغيره، فالحديث حسن في الجملة إلا ما تفرد به أبو الأحوص، وقد سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر ح (١٦٤٧) (ص: ٩٠) من هذا المجلد، والله أعلم.","vol":"4","page":290},{"text":"حدثني عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله ﷺ فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول - ﷺ - فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه (^١).\n[الحديث حسن إلا ما انفرد به فليح ومنه قوله: (ووضع كفيه حذو منكبيه)] (^٢).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٤).\n(^٢). روى حديث أبي حميد الساعدي كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل،\nأما رواية عباس بن سهل، عن أبي حميد:\nفرواه أحمد بن حنبل كما في سنن أبي داود (٩٦٧)،\nومحمد بن بشار كما في صحيح ابن حبان (١٨٧١)، كلاهما أحمد وابن بشار، روياه عن أبي عامر العقدي بتمامه، عن فليح بن سليمان به، وذكرا فيه (ووضع كفيه حذو منكبيه).\nوقد روى الترمذي (٢٦٠، ٢٧٠، ٢٩٣)، وابن ماجه (٨٦٣)، وابن خزيمة (٦٨٩)، رواية محمد بن بشار مختصرة، ليس فيها جملة البحث.\nوقد رواه بعضهم عن أبي عامر العقدي مختصرًا ليس فيه جملة البحث، منهم:\nعبد الله بن محمد كما في رفع اليدين للبخاري (٥).\nوابن مرزوق كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣)،\nومحمد بن رافع مقرونًا بمحمد بن بشار واللفظ لمحمد بن بشار كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨٩).\nوإسحاق بن إبراهيم كما في سنن الدارمي (١٣٤٦).\nومحمد بن المثنى كما في مسند البزار (٣٧١٢) وأحال على رواية أخرى، أربعتهم رووه عن أبي عامر العَقَدِيِّ به مختصرًا.\nوتابع أبا عامر العقدي، كل من:\n\nالأول: أحمد بن يزيد الحراني (قال الذهبي: ضعفه أبو حاتم، ومشاه غيره) كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٨)، أخبرنا فليح به، وفيه: (وجعل يديه حذو منكبيه). وهذه متابعة لا بأس بها لأبي عامر العقدي في ذكر صفة جعل اليدين حذو المنكبين.\nالثاني: أبو داود الطيالسي، كما في صحيح ابن خزيمة مختصرًا (٥٨٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (٢٩٧)، عن فليح بن سليمان، حدثني العباس بن سهل الساعدي به، وذكر صفة السجود بقوله: (رأيت رسول الله - ﷺ - سجد فأمكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه) ولم يذكر منه وضع الكفين حذو المنكبين. =","vol":"4","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وفليح بن سليمان صدوق، كثير الخطأ، إلا أنه قد توبع في أصل الحديث، ولم يتابع على ذكر وضع اليدين حذو المنكبين.\nأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٦٨١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن رسول الله - ﷺ - في صلاته إذا سجد العباس بن سهل بن سعد بن مالك بن ساعد، قال: جلست بسوق المدينة في الضحى مع أبي أُسَيْد مالك بن ربيعة، ومع أبي حميد صاحب رسول الله - ﷺ -، وهما من رهطه من بني ساعدة، ومع أبي قتادة الحارث بن ربعي، فقال بعضهم لبعض -وأنا أسمع- أنا أعلم بصلاة رسول الله - ﷺ - منكما، كل يقولها لصاحبه فقالوا لأحدهم: فقم فصلِّ بنا حتى ننظر أتصيب صلاة رسول الله - ﷺ - أم لا؟ فقام أحدهما فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قرأ بعض القرآن، ثم ركع، فأثبت يديه على ركبتيه حتى اطمأن كل عظم منه، ثم رفع رأسه، فاعتدل حتى رجع كل عظم منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم وقع ساجدًا على جبينه، وراحتيه، وركبتيه وصدور قدميه راجلًا بيديه حتى رأيت بياض إبطيه ما تحت منكبيه، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه، ثم رفع رأسه فاعتدل على عقبيه وصدور قدميه حتى رجع كل عظم منه إلى موضعه، ثم عاد لمثل ذلك قال: ثم قام فركع أخرى مثلها قال: ثم سلم فأقبل على صاحبيه، فقال لهما: كيف رأيتما؟ فقالا له: أصبت صلاة رسول الله ﷺ، هكذا كان يصلي.\nفقد ساق الحديث ابن إسحاق بتمامه، وليس فيه ذكر وضع اليدين حذو المنكبين، وإبراهيم بن سعد من أوثق أصحاب محمد بن إسحاق، فهذه متابعة حسنة لفليح بن سليمان على أصل الحديث، إلا أنها تبين تفرد فليح عن العباس بن سهل بلفظ: (ووضع كفيه حذو منكبيه).\nوقد روى حديث أبي حميد من غير طريق العباس بن سهل، وليس فيه: (ووضع كفيه حذو منكبيه)، كما سيأتي في الطريق التالي.\nوأما رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، فقد رواه عن محمد بن عمرو اثنان:\nأحدهما: محمد بن عمرو بن حلحلة، كما في صحيح البخاري (٨٢٨) ولفظه: (أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)، ولم يذكر ما ذكره فليح بن سليمان.\nالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء.\nوعبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، قال أبو حاتم الرازي: محله الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في كتاب الضعفاء: ليس بقوي، وذكره العقيلي في الضعفاء. =","vol":"4","page":292},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٨٥٢) ما رواه أحمد من طريق عبد الواحد، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر الحضرمي قال: أتيت النبي - ﷺ - فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه»، قال: فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه، بذلك الموضع ... الحديث (^١).\n[المحفوظ من حديث وائل بن حجر أنه رفع يديه حذاء أذنيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه بذلك الموضع] (^٢).\n• دليل من قال: يفعل هذا مرة وهذا مرة:\nهذا القول احتج بمجموع الأحاديث الواردة في الباب، فإن شاء وضع يديه حذاء المنكبين، وإن شاء وضعهما حذاء أذنيه؛ والاختلاف بين هذه الأحاديث إنما هو من اختلاف التنوع، وليس التضاد، فلا حاجة إلى نزعة الترجيح بينها مع إمكان العمل بها كلها فيفعل هذا تارة، وهذا تارة، ويكون الاختلاف في هذا من قبيل تنوع\n_________\n= انظر تخريج الحديث في (ص: ٥١) من هذا المجلد، فقد خرجته هناك مستوفًى، وإنما أعدت تخريجه لأن تخريجه السابق لم يتوجه إلى دراسة هذا الحرف منه، والله أعلم.\n(^١). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٢). الحديث رواه سفيان بن عيينة وعبد الواحد بن زياد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ابن حجر، أن النبي - ﷺ - رفع يديه حاذى منكبيه.\nورواه أكثر من عشرين راويًا، على رأسهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وأبو الأحوص، وشعبة، وعبد الله بن إدريس، وابن فضيل، وزهير بن معاوية، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبو عوانة الضحاك بن عبد الله، وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن مسلم، وغيرهم، رووه عن عاصم بن كليب به، بأنه رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه، وهو المحفوظ من حديث وائل، ولعله دخل على ابن عيينة حديثه الذي رواه مسلم من طريقه، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر وفيه أنه رفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، بحديثه عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل، والله أعلم، وقد سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٤٧) ..","vol":"4","page":293},{"text":"صفة العبادة، كالتنوع الوارد في دعاء الاستفتاح، والتنوع الوارد في أنواع التشهد في الصلاة، ونحوها، ليس شيء منها مهجورًا.\nوالسنة في العبادة الواردة على صفات متعددة أن يفعل هذه تارة، وهذه تارة؛ لإصابة السنة في جميع وجوهها؛ ولأن هذا أبلغ في متابعة النبي - ﷺ - من الاقتصار على صفة واحدة، وحتى لا تهجر سنة محفوظة عن النبي - ﷺ -، وليتحرر المتعبد من غلبة العادة على عباداته.\n• ويناقش:\nهذا الكلام جيد لو ثبت حديث في وضع اليدين في السجود حذو المنكبين وما ورد في حديث أبي حميد الساعدي في سنن أبي داود قد تفرد به فليح بن سليمان، والحديث في البخاري وليس فيه صفة وضع اليدين في السجود، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن المصلي يسجد بين كفيه لحديث وائل، وأما وضع اليدين حذو المنكبين في السجود فلم يصح فيه حديث، وإن كان رفع اليدين في تكبيرة الإحرام حذاء المنكبين أصح من وضعهما حذاء الأذنين، ولو كان يصح قياس فيما لا تعلم علته لقيل: إن آخر الركعة معتبر بأولها، فكما يرفع يديه في الإحرام حذاء المنكبين، فكذلك في آخرها يضع يديه حذاء المنكبين، ولكن لم يتوفر شروط صحة القياس، ومنها أن يكون الرفع معللًا، وأن توجد العلة في الفرع، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>المسألة الرابعة في استحباب ضم أصابع يديه في السجود وتوجهها إلى القبلة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• أعضاء المصلي تبقى على طبيعتها إلا أن يأتي في السنة ما يخالف ذلك.\n• لم يصح في ضم الأصابع في السجود حديث مرفوع.\n• صح ضم الأصابع في السجود من فعل ابن عمر موقوفًا عليه، وحسبك به.\n• السنة في الأصابع في السجود الضم، وفي الركوع التفريج.\n• غياب النصوص الصحيحة المرفوعة عن حكم مسألة ما يقصد به التوسعة على الخلق، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\n[م-٦٦٩] يستحب للمصلي أن يبسط كفيه، وأن يضم أصابعهما بخلاف الركوع، وأن يستقبل بها القبلة، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية اختاره ابن شعبان، ونص عليه أبو زيد القيرواني في الرسالة (^١).\nقال النووي في المجموع: «والسنة أن يضم أصابع يديه ويبسطها إلى جهة القبلة» (^٢).\n_________\n(^١). الأصل (١/ ٦)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، المحيط البرهاني (١/ ٣٣٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢٢)،ملتقى الأبحر (ص: ١٤٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٨)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، الثمر الداني (ص: ١١١)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٩)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤١)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٨٧)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٣١)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب (١/ ١٤٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٨)، الوسيط للغزالي (٢/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٣)، المغني (١/ ٣٧٤)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، المبدع (١/ ٤٠٤)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).\n(^٢). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٣١).","vol":"4","page":295},{"text":"وقال ابن قدامة: «ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض، مستقبلًا بهما القبلة» (^١).\nوقيل: لا حد في ذلك، بل يفعل ما تيسر عليه، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، نص عليه ابن الحاجب في جامع الأمهات، وهو ظاهر تصرف خليل في مختصره، وفي التوضيح (^٢).\n• دليل من استحب ضم الأصابع وتوجيهها إلى القبلة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٥٣) ما رواه ابن خزيمة من طريق الحارث بن عبد الله الْهَمَذَانِيِّ يعرف بابن الخازن، حدثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل،\nعن أبيه (وائل بن حجر)، أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد ضم أصابعه (^٣).\n[شاذ بهذا اللفظ، ولم يسمع هشيم من عاصم] (^٤).\n_________\n(^١). المغني لابن قدامة (١/ ٣٧٤).\n(^٢). قال في جامع الأمهات (ص: ٦٩): «ولا حد في تفرقة الأصابع وضمها في ركوع أو سجود، أو جلوس وجلوس التشهد كغيره».\nتجاهل خليل ذكره في المختصر، وفي التوضيح شرح عبارة جامع الأمهات، ولم يتعقبه، انظر التوضيح (١/ ٣٥٥).\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٦٤٢).\n(^٤). أخرجه ابن خزيمة (٥٩٤، ٦٤٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩)، ح ٢٦، والدارقطني في السنن (١٢٨٣)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٦٩)، عن موسى بن هارون بن عبد الله البزاز،\nوالطبراني في الكبير (٢٢/ ١٩) ح ٢٦،\nوابن حبان (١٩٢٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٢)، عن الحسن بن سفيان بن عامر.\nوالحاكم (٨٢٦) من طريق أحمد بن علي البار، ثلاثتهم عن الحارث بن عبد الله الهَمَذَانِيِّ به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٦٨): «هذا الحديث صحيح ...».\nوأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وهذا منهما تصحيح للحديث.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٣٥): «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن».\nوفيه علتان الأولى: هشيم لم يسمعه من عاصم، جاء في العلل رواية عبد الله (١٤٥٩): سمعت أبي يقول لم يسمع هشيم من عاصم بن كليب ....». وانظر المراسيل لابن أبي حاتم (٨٦٣). =","vol":"4","page":296},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٨٥٤) ما رواه البيهقي في السنن من طريق محمد بن سلمة، عن الفزاري، عن أبي إسحاق،\nعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد فوضع يديه بالأرض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة (^١).\n[تفرد به الفزاري عن أبي إسحاق، وليس له عن أبي إسحاق إلا هذا الحديث] (^٢).\n_________\n= العلة الثانية: خالف هشيمًا أصحاب عاصم، في إسناده ومتنه.\n\nأما المخالفة في إسناده فقد رواه قرابة عشرين راويًا، عن عاصم بن كليب، فقالوا: عن أبيه، عن وائل، في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ولم يذكروا في إسناده علقمة بن وائل.\nوأما المخالفة في لفظه، فلم يذكر أحد من العشرين أن في لفظه (وضم أصابعه).\nوأما حديث علقمة بن وائل عن أبيه، فقد رواه عبد الجبار، عن علقمة بن وائل عن أبيه، وحديثه في مسلم، وليس فيه ذكر (ضم الأصابع).\nوقد تابع عمرو بن عون الحارث الهَمَذَانِيَّ بتفريج الأصابع.\nرواه الحاكم في المستدرك (٨١٤)، قال: حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن صفوان الجمحي، بمكة، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - كان إذا ركع فرج بين أصابعه. ولم يذكر ضم الأصابع.\nوهذا إسناد ضعيف، فشيخ الحاكم فيه جهالة، وقد تفرد به، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن شيخه عمرو بن عون، وكلاهما له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين أصحابهما لو كان هذا الحديث من حديثهما.\n\n(^١). السنن الكبرى (٢/ ١٦٢).\n(^٢). الفزاري هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث ثقة إلا أنه لا يعرف بالرواية عن أبي إسحاق، وليس له عن أبي إسحاق إلا هذا الحديث في الكتب التي وصلت إلينا، ولم يتابع عليه، وقد سمع منه بآخرة، ولم يَرْوِ في كتب السنة إلا عند البيهقي وهو نازل جدًّا، وليست هذه علة، ولكن لو كان محفوظًا، لوجدته في كتب السنن، خاصة أن الحديث يتعلق بأحكام الصلاة، وهي محل عناية العلماء، وقد روي حديث أبي إسحاق عن البراء بألفاظ مختلفة، ليس منها ما ذكره أبو إسحاق الفزاري وأصح ما روي عن أبي إسحاق، عن البراء، ما رواه الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا بغير هذا اللفظ، وهو المعروف.\nفرواه ابن أبي شيبة في المصنف تحقيق عوامة (٢٦٩١) حدثنا وكيع، =","vol":"4","page":297},{"text":"ورواه السراج في مسنده والبيهقي من طريق الحسين بن علي الصدائي، حدثني أبي علي بن يزيد، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق،\nعن البراء، قال: كان النبي - ﷺ - إذا ركع بسط ظهره، وإذا سجد وجه أصابعه قبل القبلة، فتَفاجَّ.\n[ضعيف، وهو في أصابع القدمين] (^١).\nقال ابن الجوزي في غريب الحديث: تفاجت عليه أي فرجت رجليها للحلب (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٥٥) روى ابن أبي شيبة من طريق أبي خالد الأحمر، عن حارثة، عن عمرة،\nعن عائشة، قالت: كان النبي - ﷺ - إذا سجد وضع يديه وجاه القبلة (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n= والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٤) من طريق عفان بن مسلم، ومسلم بن إبراهيم، وأبي عمر الحوضي، وعمرو بن مرزوق أربعتهم، عن شعبة.\nورواه ابن أبي شيبة أيضًا (٢٦٩٠)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث (٤/ ٣٠٨)، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، كلاهما (شعبة، وسفيان)، عن أبي إسحاق، عن البراء موقوفًا، بلفظ: السجود على أَلْيَةِ الكف. والله أعلم.\n\n(^١). رواه السراج في مسنده (٣٥٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٢).\nوفيه علتان: إحداهما: في إسناده علي بن يزيد الصدائي فيه لين، قال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، منكر الحديث عن الثقات.\nوقال ابن عدي: ولعلي بن يزيد غير ما ذكرت أحاديث غرائب وعامة ما يرويه مما لا يتابع عليه. اهـ وقد تفرد به عن ابن أبي زائدة.\nالعلة الثانية: أن زكريا بن أبي زائدة ممن روى عن أبي إسحاق بآخرة.\n(^٢). غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ١٧٦)، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤١٢)، لسان العرب (٢/ ٣٣٩)، الغريبين في القرآن والحديث (٥/ ١٤١٢).\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٢٧١٢).\n(^٤). الحديث مداره على حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، رواه مختصرًا ومطولًا كل من:\nالأول: أبو خالد الأحمر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٧١٢، ٢٥٢٧).\nالثاني عبدة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٦)، وإسحاق بن راهويه (١٠٠٨)، وسنن ابن ماجه (١٠٦٢)، الدعاء للطبراني (٣٨٣)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٦٩).","vol":"4","page":298},{"text":"الدليل الرابع:\nأصح ما ورد في الباب أثر عن ابن عمر ﵁،\n(ث-٤٤٦) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن نافع،\nعن ابن عمر، أنه كان يقول: إذا سجد أحدكم فليستقبل القبلة بيديه، فإنهما يسجدان مع الوجه (^١).\n[صحيح] (^٢).\n_________\n= الثالث: ابن أبي زائدة، كما في مسند أبي يعلى (٤٦٨٧، ٤٧٩٦، ٤٨٦٤)، الدعاء للطبراني (٣٨٤).\nالرابع: أبو بدر (شجاع بن الوليد) كما في سنن الدارقطني (٢٢٤)،\nالخامس: جعفر الأحمر (هو ابن زياد) كما في سنن الدارقطني (٢٢٤)،\nالسادس: سفيان الثوري كما في مسند البزار (٣٠٧).\nوفي إسناده حارثة بن أبي الرجال، قال أحمد: ليس هو بذاك.\nوقال ابن حبان: تركه أحمد ويحيى.\nوقال النسائي: متروك.\nوقال يحيى بن معين: ليس بثقة.\nوقال البخاري: لم يعتد أحمد بحارثة بن أبي الرجال.\n\nقال ابن عدي: «وبلغني عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه؛ فإذا أول حديث قد أخرج في جامعه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: أول حديث في الجامع يكون عن حارثة».\n(^١). المصنف (٢٧١٣).\n(^٢). رواه مالك وابن جريج عن نافع، ولم يذكرا وضع اليدين وجاه القبلة.\nرواه مالك كما في الموطأ (١/ ١٦٣) عن نافع بن عبد الله بن عمر كان يقول: من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه.\nورواه مالك أيضًا (١/ ١٦٣) عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه جبهته، قال نافع، ولقد رأيته في يوم شديد البرد وإنه «ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء.\nفكأن نافعًا فهم من قوله: (فليضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته) مباشرة اليدين للأرض كما تباشر الجبهة.\nورواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٣٤) قال: أخبرني نافع، أن ابن عمر، كان =","vol":"4","page":299},{"text":"(ث-٤٤٧) وروى البيهقي في السنن من طريق الحسين بن أحمد بن منصور سجادة، حدثنا أبو معمر، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن نافع،\nعن ابن عمر ﵄ قال: يكره أن لا يميل بكفيه إلى القبلة إذا سجد (^١).\n[حسن].\n(ث-٤٤٨) وروى عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن حفص بن عاصم قال:\nصليت إلى جنب ابن عمر ففرجت بين أصابعي حين سجدت، فقال: يا ابن أخي، اضمم أصابعك إذا سجدت، واستقبل القبلة، واستقبل بالكفين القبلة، فإنهما يسجدان مع الوجه (^٢).\n[عبد الله بن عمر العمري ضعيف].\nوقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال:\nصليت إلى جنب حفص بن عاصم، فلما سجدت فرجت بين أصابعي، وأملت كفي عن القبلة، فلما سلمت، قال: يا ابن أخي إذا سجدت، فاضمم أصابعك، ووجه يديك قبل القبلة، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه.\n[صحيح وهو يبين أن الكلام مقطوع على حفص بن عاصم، وليس موقوفًا على ابن عمر]\n_________\n= يقول: إذا سجد أحدكم فليضع يديه مع وجهه، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، وإذا رفع رأسه فليرفعهما معه.\nويمكن أن يقال: إن وضع اليدين اتجاه القبلة من دلالة الالتزام، فإذا كان سجود الجبهة يستلزم اتجاه القبلة، وكانت اليد تسجد، فإن ذلك يعني أن تكون باتجاه القبلة، فإنه لا يوجد بضع من المصلي يسجد، ولا يتجه في سجوده للقبلة.\nورواه عبد الله بن عمر العمري (ضعيف) عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليرفع يديه، فإن اليدين تسجدان مع الوجه.\n\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٢).\n(^٢). المصنف (٢٩٣٣).","vol":"4","page":300},{"text":"• دليل من قال: الأمر واسع:\nلعله اعتمد على كون المسألة ليس فيها حديث صحيح مرفوع، ولو كان من صفة الصلاة المقصودة لحفظ فيه سنة عن النبي - ﷺ -، لاهتمام الصحابة وعنايتهم بمكملات صلاتهم، وتكرار العبادة وعلانيتها واجتماعهم عليها.\nوأثر ابن عمر مع صحة إسناده إلا أنهم لم يتفقوا على معناه، فهل كان في مباشرة اليدين للأرض كما يباشر الأرض بجبهته، كما هو رواية مالك، أو كان في توجيه الأصابع للقبلة، كما هو في رواية عبيد الله بن عمر، والله أعلم.\n(ث-٤٤٩) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد،\nعن ابن عمر: أنه سئل عن الرجل، إذا سجد، كيف يضع يديه؟ قال: يضعهما حيث تيسرا، أو كيفما جاءتا (^١).\n[رجاله ثقات إلا أن الإمام أحمد تكلم في رواية مغيرة عن إبراهيم من قبل كثرة التدليس عنه، وليست بعلة فقد توبع] (^٢).\n• الراجح:\nمن رأى أن غياب النصوص الشرعية الصحيحة المرفوعة في حكم مسألة ما يقصد به التوسعة على الخلق، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، رأى أن الأمر واسع إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١). المصنف (٢٦٦٩).\n(^٢). فقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٧٠)، حدثنا هشيم، قال: أخبرني حصين، عن أبي حازم، قال: قلت لابن عمر: أكون في الصف، وفيه ضيق، كيف أضع يدي؟ قال: ضعهما حيث تيسر.\nفرواية الأسود بن يزيد تدل على أنه يضعهما مطلقًا حيث تيسر، مع سعة المكان وضيقه، مما يدل على أن ما ذكر في السؤال من ضيق الصف في رواية أبي حازم ليست قيدًا في فتوى ابن عمر ﵄، وإنما وقع اتفاقًا في السؤال.","vol":"4","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المسألة الخامسة في الهيئة المستحبة في سجود القدمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الفرض في استقبال القبلة متعلق بالبدن خاصة، أما سائر الأعضاء كالوجه وأصابع اليدين والرجلين فاستقبال القبلة فيها من المستحبات.\n• إذا كان الالتفات بالوجه في الصلاة جائزًا للحاجة ويكره لغيرها، فمن باب أولى أن يكون توجيه الأصابع إلى القبلة في الصلاة ليس بواجب.\n• استقبال القبلة بأطراف الأصابع ثبت من السنة الفعلية، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب.\n• جواز الصلاة بالنعال والخفاف دليل على أن استقبال القبلة بأطراف الأصابع ليس بواجب؛ إذ لوكان واجبًا لوجب خلعها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n[م-٦٧٠] تكلمت في مبحث سابق عن اتفاق العلماء بأن القدمين من الأعضاء السبعة التي أمرنا بالسجود عليها على خلاف بينهم في الأمر، أهو للوجوب أم للاستحباب؟\nوقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يستحب للمصلي إذا نصب قدميه في السجود أن يوجه أطراف أصابعه إلى القبلة (^١).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٧)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩)، الهداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، كنز الدقائق (ص: ١٦٤)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٨)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٢١)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، المجموع (٣/ ٤٣١)، فتح العزيز (٣/ ٤٩٤)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٧)، المغني (١/ ٣٧٣).","vol":"4","page":302},{"text":"وقيل: يضع أطراف أصابعه على الأرض من غير أن يوجهها إلى القبلة، اختاره إمام الحرمين وتبعه الغزالي، وهو قول في مذهب الحنابلة (^١).\nقال إمام الحرمين: «ظاهر النص أنه يضع أطراف أصابع رجليه على الأرض في السجود، ونقل المزني أنه يضع أصابعه بحيث تكون مستقبلة للقبلة، وهذا يتضمن أنه يتحامل عليها، ويوجه رؤوسها إلى قُبالة القبلة. والذي صححه الأئمة أنه لا يفعل ذلك بل يضع أصابعه من غير تحامل عليها» (^٢).\nقال النووي: «وتابعه عليه الغزالي في البسيط، ومحمد بن لهى في المخيط، وهو شاذ مردود مخالف للأحاديث الصحيحة السابقة، ولنص الشافعي، ولما قطع به الأصحاب أنه يستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (^٣).\nوقيل: يخير بين أن يسجد على أطراف أصابعه، وبين أن يجعل بطونها على الأرض، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٤).\nوقيل: يجب جعل باطن أطرافها إلى القبلة إلا أن تكون في نعال أو خف، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٥).\nويستثنى من ذلك إذا كانت القدم في نعل أو خف، فيكفي السجود على أطراف النعل أو الخف.\n_________\n(^١). نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، المجموع (٣/ ٤٣١)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، الفروع (٢/ ٢٠٣).\nوقال ابن تميم الحنبلي في مختصره (٢/ ١٤٢): «ثم يكبر، ويخر ساجدًا، ويضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويكون صدور قدميه على الأرض، ويفتح أصابعه نحو القبلة، أويكون على أطراف أصابعه».\n(^٢). نهاية المطلب (٢/ ١٦٩).\n(^٣). المجموع (٣/ ٤٣١).\n(^٤). انظر: المرجعين السابقين.\n(^٥). الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٥)، مختصر ابن تميم (٢/ ١٤٣).","vol":"4","page":303},{"text":"فتحصل الخلاف في المسألة على أربعة أقوال:\nفقيل: يستحب السجود على أطراف الأصابع موجهة إلى القبلة، وهذا قول الأكثر.\nوقيل: يجب جعل باطن أطراف الأصابع إلى القبلة إلا أن تكون في نعال أو خف.\nوقيل: يستحب السجود على أطراف الأصابع، ولا يتوجه بها إلى القبلة.\nوقيل: يتخير بينهما.\n• دليل من قال: يستحب أن تكون أطراف أصابعه إلى القبلة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٥٦) ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -،\nفقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة .... الحديث (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٥٧) ما رواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الحميد ابن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\nعن أبي حميد الساعدي قال: كان النبي - ﷺ - إذا أهوى إلى الأرض ساجدًا جافى عضديه عن إبطيه، وفتخ أصابع رجليه (^٢).\nورواه أحمد مطولًا حدثنا يحيى بن سعيد به، وفيه: (... ثم هوى ساجدًا وقال: الله أكبر، ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه ....) (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٢). النسائي (١١٠١).\n(^٣). المسند (٥/ ٤٢٤).","vol":"4","page":304},{"text":"[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^١).\nوالفتخ كما في شرح البخاري لابن رجب: «هو أن يكسر أصابعه فيثنيها حتى تكون أطرافها مواجهة للقبلة، ولو لم يفعل ذلك كانت أطرافها إلى غير القبلة» (^٢).\n• دليل من قال: يسجد على أطراف أصابعه، ولا يستقبل بها القبلة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٥٨) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان .... الحديث (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٥٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،\nعن ابن عباس ﵄، قال: قال النبي - ﷺ -: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ... الحديث (^٤).\nفذكر أن السجود على أطراف القدمين، فإذا وقعت أطراف أصابعه على الأرض مع بقية أعضاء السجود فقد تم سجوده.\nولأن توجيه أطراف أصابع القدمين إلى القبلة لا يكون إلا بالتحامل عليها، وهذا فيه مشقة.\n• ويجاب عن هذا:\nبأن السجود على أطراف الأصابع هذا أدنى ما يقع عليه السجود، وكماله إنما\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٦١).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٣/ ٥١).\n(^٣). صيح مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦).\n(^٤). صحيح البخاري (٨١٢)، وصحيح مسلم (٢٣٠ - ٤٩٠).","vol":"4","page":305},{"text":"يكون في توجيه أطراف أصابعه إلى القبلة كما هو في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري.\n• دليل من قال: يجب أن يستقبل بأطراف أصابعه القبلة:\nاستدل أصحاب هذا القول بوجوب السجود على القدمين، وسبق بحث الخلاف فيها، والدليل على الوجوب.\n(ح-١٨٦٠) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، قال: أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^٢).\nفالأمر بالسجود على القدمين مجمل، وحديث أبي حميد في البخاري (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ...) (^٣)، وإن كان من السنة الفعلية إلا أنه جاء بيانًا لذلك المجمل، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل، فتكون هذه الصفة واجبة.\n• ويجاب:\nلو كانت هذه الصفة واجبة لما صح السجود على القدمين بالخف والنعل، ولوجب خلع النعال والخفاف في الصلاة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلما صح السجود فيها دل على أن استقبال القبلة بأطراف الأصابع من الأمور المستحبة.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).\n(^٣). صحيح البخاري (٨٢٨).","vol":"4","page":306},{"text":"• الراجح:\nاستحباب استقبال القبلة بأطراف أصابعه، والسنة في هذا صريحة والحديث فيها في البخاري، والقول بوجوب هذه الصفة قول ضعيف، انفرد به بعض الحنابلة، فالسجود على القدمين سواء كان بأطراف القدمين أو بظهورهما كاف في القيام بفرض السجود، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>المسألة السادسة في استحباب المجافاة في السجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>المطلب الأول في استحباب مجافاة العضدين عن الجنبين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• المجافاة في السجود صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية.\n• سنة المجافاة متفق على استحبابها، قال ابن عمر: اسجد كيف تيسر عليك.\n• تطبيق السنن مقيد بشرط ألا يؤذي من بجانبه، فإن آذى حرمت المجافاة.\n[م-٦٧١] يستحب للمصلي إذا سجد أن يجافي -أي يباعد- عضديه عن جنبيه، وهذه السنة متفق عليها بين الأئمة الأربعة (^١).\nقال الحنفية والحنابلة: الاستحباب مقيد بشرط ألا يؤذي من بجانبيه، فإن آذى بسببها من بجانبيه لم تستحب؛ لأنه لا يرتكب سنة بفعل محرم،\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٦)، المبسوط (١/ ٢٢)، الهداية (١/ ٥١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٣١، ٢١٠)، البحر الرائق (١/ ٣٣٨)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٢٠)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٥٧)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، الأم (١/ ١٣٧)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٤٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥١)، المغني (١/ ٣٣١)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).","vol":"4","page":308},{"text":"وأذية المؤمنين محرمة (^١).\n• والأدلة على استحباب هذه الصفة كثيرة، نذكر منها:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جعفر بن ربيعة، عن ابن هرمز،\nعن عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٦٢) ما رواه مسلم من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم،\nعن ميمونة بنت الحارث، قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه (^٣).\nورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم،\nعن ميمونة، قالت: كان النبي - ﷺ - إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت (^٤).\nورواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم به، بلفظ:\nكان رسول الله - ﷺ - إذا سجد خَوَّى بيديه -يعني جنح- حتى يرى وضح إِبْطَيْهِ من ورائه .... الحديث (^٥).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٦٣) ما رواه أحمد، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣٢٥)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤).\n(^٢). البخاري (٣٩٠)، وصحيح مسلم (٢٣٥ - ٤٩٥).\n(^٣). صحيح مسلم (٢٣٩ - ٤٩٧).\n(^٤). صحيح مسلم (٢٣٧ - ٤٩٦).\n(^٥). صحيح مسلم (٢٣٨ - ٤٩٧).","vol":"4","page":309},{"text":"ابن كليب، عن أبيه،\nعن وائل الحضرمي قال: صليت خلف رسول الله - ﷺ -، فكبر حين دخل، ورفع يده، وحين أراد أن يركع، رفع يديه، وحين رفع رأسه من الركوع، رفع يديه، ووضع كفيه، وجافى، وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه (^١).\nورواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة به، وفيه: (... وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده ...). الحديث (^٢).\nورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، عن شعبة به، وفيه: (.... وقال حين سجد: هكذا، وجافى يديه عن إبطيه ....). الحديث (^٣).\n[حسن] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ووضع كفيه، وجافى) يعني عن إبطيه في سجوده كما في رواية وهب بن جرير.\nوقوله: (وخوَّى في سجوده)، قال ابن الأثير في النهاية: «أي جافى بطنه عن\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٢). المسند (٤/ ٣١٦).\n(^٣). صحيح ابن خزيمة (٦٩٨).\n(^٤). رواه شعبة، فذكر رفع الأيدي للتكبير، ولم يذكر صفة الرفع وبيان منتهاه:\nفقد رواه أحمد (٤/ ٣١٦) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٠)، عن هاشم بن القاسم،\nورواه أحمد (٤/ ٣١٦) وابن خزيمة في صحيحه (٦٩٧) عن محمد بن جعفر،\nورواه أحمد مختصرًا (٤/ ٣١٩) حدثنا أسود بن عامر،\n\nوالبخاري في رفع اليدين (٢٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، وفي الدعاء (٦٣٧)، عن مسلم بن إبراهيم،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٥) ح ٨٣، من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوابن خزيمة (٦٩٨) من طريق وهب بن جرير،\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١) من طريق النضر (يعني ابن شميل) سبعتهم، رووه عن شعبة، به.\nوحديث عاصم قد رواه ما يقارب من عشرين نفسًا عن عاصم، وقد سبق تخريجها، انظر (ح ١٢٤٧).","vol":"4","page":310},{"text":"الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه، حتى يخوى ما بين ذلك» (^١).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٦٤) ما رواه النسائي من طريق يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\nعن أبي حميد الساعدي قال: كان النبي - ﷺ - إذا أهوى إلى الأرض ساجدًا جافى عضديه عن إبطيه، وفتخ أصابع رجليه (^٢).\nورواه أحمد مطولًا حدثنا يحيى بن سعيد به، وفيه: (... ثم هوى ساجدًا وقال: الله أكبر، ثم جافى وفتح عضديه عن بطنه، وفتح أصابع رجليه ....) (^٣).\n[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (^٤).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن،\nحدثنا أحمر، صاحب رسول الله - ﷺ -، قال: «إن كنا لنأوي لرسول الله - ﷺ - مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد (^٥).\n[حسن] (^٦).\n_________\n(^١). النهاية في غريب الحديث (٢/ ٩٠).\n(^٢). النسائي (١١٠١).\n(^٣). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٤). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٦١).\n(^٥). المسند (٥/ ٣٠).\n(^٦). الحديث مداره على عباد بن راشد، عن الحسن، عن أحمر بن جزء، ورواه عن عباد جماعة منهم:\nوكيع كما في مسند أحمد (٥/ ٣٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦٤١)، وفي المسند (٦٠٤)، وابن ماجه (٨٨٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٦٥٥)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦).\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في مسند أحمد (٤/ ٣٤٢)، وأبو يعلى (١٥٥٢)، والمفاريد لأبي يعلى (٦٤).\nوعفان بن مسلم كما في مسند أحمد (٥/ ٣١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢)، ومعرفة =","vol":"4","page":311},{"text":"وفي الباب أحاديث كثيرة، وما ذكرته كافٍ في الاحتجاج لهذه السنة.\nقال ابن حجر: «وهذه الأحاديث ظاهرها وجوب التفريج المذكور لكن أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة ﵁، قال: اشتكى أصحاب النبي - ﷺ - مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب» (^١).\nوهذه الأحاديث التي ذكرتها لا تدل على الوجوب، لأنها حفظت عن النبي من السنة الفعلية، والفعل لا يدل بنفسه على الوجوب، ولو حفظ من النبي - ﷺ - الأمر بالمجافاة لم يكن ذلك وحده ليقتضي الوجوب حتى يكون ذلك هو ما فهمه الصحابة من كلام رسول الله - ﷺ -، وحفظ ذلك، ولو عن واحد منهم، فإذا لم يفهم الصحابة من كلام الرسول - ﷺ - الوجوب، ولم يفهم ذلك التابعون، ولا تابعوهم وكان القول بالوجوب عاريًا من أقوال القرون المفضلة، ثم ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب المجافاة لم يكن القول بالوجوب له حظ من النظر، وإن نزع إلى ذلك أحيانًا أهل الظاهر كما هي طريقتهم في فهم النصوص، واعتمادهم على اللغة فقط في فهم دلالة النصوص، واللغة إحدى الأدوات وليست الأداة الوحيدة،\nفإذا أضيف إلى مسألتنا ما نقله بعض أهل العلم من الإجماع على استحباب المجافاة، كما سيأتي نقله في دليل خاص، فقد أغلق باب احتمال حكاية الوجوب، والله أعلم.\nوانظر إلى حديث أم عطية في الصحيحين: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا (^٢).\nفقول أم عطية: (ولم يعزم علينا) هذا الفهم الذي تتحدث عنه أم عطية رضي\n_________\n= الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤).\nومسلم بن إبراهيم كما في سنن أبي داود (٩٠٠)، ومعجم ابن الأعرابي (١١٠٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤).\n\nوأبو نعيم الفضل بن دكين كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١/ ٢٧٩) ح ٨١٣، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٣٤).\n\n(^١). فتح الباري (٢/ ٢٩٢).\n(^٢). صحيح البخاري (١٢٧٨)، وصحيح مسلم (٩٣٨).","vol":"4","page":312},{"text":"الله عنها خارج دلالة النهي اللغوية، ولا يحيط به إلا من شاهد التنزيل، وسمع الخطاب من النبي - ﷺ -، لن يعطاه من تعامل مع دلالة النصوص اللغوية بمعزل عن فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وعن فهم من أَخَذَ عنهم واتبعهم بإحسان، وهم التابعون ﵏.\nوقل مثل ذلك لو أن طالب علم جاء إلى لفظ (السفر) في اللغة وأراد أن يطبق أحكام القصر والفطر على دلالة النص اللغوية، فرخص في الفطر والقصر بمجرد الظهور عن البلد؛ باعتبار أن حقيقة السفر هو السفور والظهور، فلما كان مضطرًا في فهم حقيقة السفر إلى الرجوع إلى عمل الصحابة وفهم السلف كان ذلك واجبًا في التعامل مع بقية النصوص الشرعية، والله أعلم.\nوحين قال عطاء في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. قال: ما أراه إلا واجبًا. أخذ ذلك فقط من دلالة الأمر، والأصل فيه الوجوب، ولم يأخذ ذلك من فهم الصحابة رضوان الله عليهم.\nقال له تلميذه ابن جريج: أتأثره عن أحد؟ قال: لا (^١).\nفأراد ابن جريج أن ينبه شيخه إلى أن القول بالوجوب يحتاج إلى أن يكون مأثورًا عن أحد من الصحابة، لأن ابن جريج لم يرد بسؤاله أن يكون مأثورًا عن أحد من التابعين لأن قول عطاء وهو إمام من التابعين كافٍ.\nفإذا كان ذلك في حق عطاء، وقد أدرك مائتين من الصحابة، فما ظنك بغيره من المتأخرين.\nومما يدل على نفي الوجوب، ما حفظ عن ابن عمر ﵄،\n(ث-٤٥٠) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو عاصم (هو النبيل) (^٢)، عن ابن جريج، عن نافع، قال: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد (^٣).\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (١٥٥٧٦) بسند صحيح.\n(^٢). في المطبوع (حدثنا عاصم)، وهو خطأ، وفي المخطوط (حدثنا أبو عاصم) على الصواب.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦٠).","vol":"4","page":313},{"text":"[صحيح].\n(ث-٤٥١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب، قال:\nسأل رجل ابن عمر، أضع مرفقي على فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك (^١).\n[صحيح].\nالدليل السادس:\nحكى الطحاوي إجماع المسلمين على الاستحباب (^٢).\nوقال النووي في شرح مسلم: وهذا أدب متفق على استحبابه (^٣).\nوقد ذكر العلماء من الحكمة في المجافاة أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، وليأخذ كل عضو من البدن بحظه من العبودية والخضوع، فيجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، وعضديه عن جنبيه، ليستقل كل عضو منه بالعبودية، ويبقى الحكمة الأولى هي الاتباع، ولا أبلغ منها حكمة، فإن النبي - ﷺ - بعث في الأميين يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فكل تعاليمه - ﷺ - حكمة وتزكية (^٤).\n* * *\n_________\n(^١). مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٦١).\n(^٢). انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٠).\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩).\n(^٤). كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (٢/ ٣٥٤).","vol":"4","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>المطلب الثاني في استحباب مجافاة الفخذين عن البطن</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• مجافاة البطن عن الفخذين سنة متفق عليها بين الفقهاء.\n• قال - ﷺ - اعتدلوا في السجود، والاعتدال أن تكون فيه وسطًا فلا تبالغ في مَدِّ الظهر، ولا تقبضه فيلصق البطن على الفخذ والفخذ على الساق.\n• إمكان مرور البهيمة من تحته - ﷺ - إذا سجد فيه دلالتان على المجافاة:\nمجافاة البطن عن الفخذ المأخوذ من إمكان مرور البهيمة بين يديه.\nومجافاة اليدين عن الجنبين، وهي من دلالة الالتزام، فإنه لو ألصق يديه بجنبيه ما أمكن للبهيمة مرورها بين يديه\n[م-٦٧٢] ذهب الأئمة الأربعة إلى استحباب مجافاة البطن عن الفخذين في الصلاة (^١).\n_________\n(^١). الهداية (١/ ٥١، ٥٢)، كنز الدقائق (ص: ١٦٤)، الدر المختار (ص: ٦٩)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٦)، البحر الرائق (١/ ٣٣٨، ٣٣٩)، مجمع الأنهر (١/ ٩٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٣)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦١٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٥٧)، الثمر الداني (ص: ١١٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٥)، الأم (١/ ١٣٧)، مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب في فقه الإمام الشافعي (١/ ١٤٥)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥١)، المغني (١/ ٣٣١)، الفروع (٢/ ٢٠٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، المبدع (١/ ٤٠٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).","vol":"4","page":315},{"text":"قال ابن قدامة ﵀: «وجملته أن من السنة أن يجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه إذا سجد؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك في سجوده» (^١).\nوقد استدلوا على هذه السنة المتفق عليها بما يلي:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٦٦) بما رواه أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة، عن عاصم بن كليب، قال: سمعت أبي يحدث،\nعن وائل الحضرمي أنه رأى النبي - ﷺ - صلى فكبر، فرفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وخوَّى في ركوعه، وخوَّى في سجوده .... الحديث (^٢).\n[حسن] (^٣).\nوقوله: (وخوَّى في سجوده)، قال الجوهري في الصحاح: «خَوَّى البعير تَخْوِيَةً: إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده، والطائر إذا أرسل جناحيه» (^٤).\nوقال في أساس البلاغة: «خوى الرجل في سجوده ... وهو أن يبقى بينه وبين الأرض خواء ...» (^٥).\nوقال ابن الأثير في النهاية: «أي جافى بطنه عن الأرض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه، حتى يخوى ما بين ذلك» (^٦).\nفهنا أطلق قوله: (وخوَّى) ليشمل مجافاة البطن عن الفخذ، ومجافاة العضد عن الجنب، ليجعل بينه وبين الأرض خواء: أي هواء وفجوة؛ لأن أصل الخواء كما\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٧٣).\n(^٢). المسند (٤/ ٣١٩).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^٤). الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٣٣٣).\n(^٥). أساس البلاغة (١/ ٢٧٢).\n(^٦). النهاية في غريب الحديث (٢/ ٩٠)، وانظر غريب الحديث لابن الجوزي (١/ ٣١٤).","vol":"4","page":316},{"text":"قال الهروي: المكان الخالي، ومنه يقال: خوى الرجل: إذا خلا جوفه (^١).\nوقال الشافعي في الأم: «أحب للساجد أن يكون مُتَخَوِّيًا، والتخوية: أن يرفع صدره عن فخذيه، وأن يجافي مرفقيه وذراعيه عن جنبيه، حتى إذا لم يكن عليه ما يستر تحت منكبيه رأيت عفرة إبطيه ....» (^٢).\nوقال في اللباب في علوم الكتاب: «(... إذا سجد خوَّى) أي خلا عن عضده وجنبيه، وبطنه وفخذيه» (^٣).\nالدليل الثاني\n(ح-١٨٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق،\nعن البراء بن عازب أنه وصف السجود، قال: فبسط كفيه، ورفع عجيزته، وخَوَّى، وقال: هكذا سجد النبي - ﷺ - (^٤).\n[اختلف على شريك في ذكر كلمة (خَوَّى)، والأكثر على عدم ذكرها] (^٥).\n_________\n(^١). انظر الغريبين في القرآن والحديث للهروي (٢/ ٦٠٧)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٩٠).\n(^٢). الأم (١/ ١٣٧، ١٣٨).\n(^٣). اللباب في علوم الكتاب (٤/ ٣٥٠).\n(^٤). مسند أحمد (٤/ ٣٠٣).\n(^٥). رواه أبو كامل كما في مسند أحمد (٤/ ٣٠٣)، عن شريك، وذكر كلمة (وخوى).\nوتابعه على ذكر كلمة (خوى) كل من:\n\nسعيد بن سليمان (سعدويه ثقة) كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦)،\nوعبد الحميد الحماني في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣١)، والحماني في التقريب: صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء.\nورواه أسود بن عامر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٥٠) عن شريك به، فقال: (فاعتمد على كفيه، ورفع عجيزته فقال: هكذا كان النبي - ﷺ - يسجد).\nوبنحو هذا اللفظ رواه كل من:\nالربيع بن نافع كما في سنن أبي داود (٨٩٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٦٦).\nوعلي بن حجر المروزي كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٠٤)، وفي الكبرى (٦٩٥)، وصحيح ابن خزيمة (٦٤٦). =","vol":"4","page":317},{"text":"فأطلق كلمة (خوى) لتشمل مجافاة البطن عن الفخذين ومجافاة اليدين عن الجنبين.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٦٨) ما رواه أبو داود في السنن من طريق بقية، حدثني عتبة يعني ابن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي،\nعن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - قال: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه (^١).\n[انفرد عبد الله بن عيسى بقوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) وهو حرف شاذ] (^٢).\n_________\n= ومعلى بن منصور كما في مسند الروياني (٢٨٠)،\nوزهير كما في مسند علي بن الجعد (٢٥١٠)، فهؤلاء خمسة من الرواة رووه عن شريك، عن أبي إسحاق به، ولم يقل أحد منهم (خَوَّي).\nوشريك وإن كان سيئ الحفظ إلا أنه ثقة في أبي إسحاق، وسماعه قديم.\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٣٤٨): سمعتُ أبي يقول: قال شريك، عن أبي إسحاق. فقال: كان ثبتًا فيه. قال شريك: وقال له إنسان: ما أكثر حديثك عن أبي إسحاق. فقال: وددت أني كتبت نَفَسَه، وكان يتلهف عليه.\nولم ينفرد شريك بلفظ (خوى) فقد رواه ابن مخلد البزار في حديثه عن شيوخه (٢٩٧ - ٤٠) من طريق أبي الجواب الأحوص بن جواب، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق به، ولفظه: (كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد خوى).\n\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٥).\n(^٢). حديث أبي حميد الساعدي رواه كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل.\nأما محمد بن عطاء فرواه عنه اثنان.\nالأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، وحديثه في صحيح البخاري (٨٢٨)، وليس في لفظه قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه).\nوالثاني: عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن عطاء،\nرواه عن عبد الحميد بن جعفر، يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وأبو أسامة، حماد بن أسامة، وهشيم بن بشير، وعبد الملك بن الصباح المسمعي، وغيرهم وليس في رواية عبد الحميد بن جعفر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) وقد سبق تخريج رواية عبد الحميد بن جعفر، وهي خارج الصحيحين.\nوأما رواية عباس بن سهل، فرواها عنه ثلاثة: =","vol":"4","page":318},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأول: فليح بن سليمان (صدوق كثير الخطأ).\nالثاني: محمد بن إسحاق، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨١)، وقد اتفق فليح وابن إسحاق على عدم ذكر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)، وقد سبق تخريج هذه الطرق فيما سبق، انظر (ص: ٤٧٣) من هذا المجلد.\nالثالث: عيسى بن عبد الله، عن عباس بن سهل، وقد اختلف عليه في إسناده، كما اختلف عليه في لفظه، فرواه الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله وليس فيه (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه).\n\nورواه عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الله، فزاد قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)، فواضح شذوذ هذا الحرف حيث لم يذكر إلا في هذا الطريق.\nوسواء اعتبرنا العهدة في هذه الزيادة على عتبة بن أبي حكيم، أو كانت من شيخه عيسى بن عبد الله، فلا يحتمل التفرد بهذه الزيادة، والمخالفة لكل من روى حديث أبي حميد الساعدي.\nفعيسى بن عبد الله قليل الحديث، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وقد وصمه بالجهالة كل من علي بن المديني، وابن القطان الفاسي، وفي التقريب: مقبول.\nوعتبة بن أبي حكيم، قال الآجري عن أبي داود، سألت يحيى بن معين عنه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمنكر الحديث.\nوقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كان أحمد يوهنه قليلًا، وقد سئل عنه أبي، فقال: صالح، لا بأس به. الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٠، ٣٧١)،\nوقال النسائي: ضعيف، وفي موضع آخر: ليس بالقوي.\nوقال دحيم: لا أعلمه إلا مستقيم الحديث. وهو أعلم بأهل الشام من غيره.\nوعلى كل حال فحديثه من قبيل الحسن ما لم يخالف، كيف وقد تفرد بمثل هذا اللفظ الذي لم يرد في كل طرق حديث أبي حميد الساعدي.\nإذا علمت هذا، نأتي لتخريج طريق عيسى بن عبد الله، فهو الطريق الذي لم يخرج سابقًا من طرق حديث أبي حميد الساعدي.\nفقد اختلف عليه في إسناده:\nفقيل: عن عيسى بن عبد الله، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد.\nرواه أبو داود في السنن (٧٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٦)،\nورواه الطبراني في الكبير (١/ ٤٣٣) ح ٧٦٣، كلاهما (أبو داود والطبراني) عن عمرو بن عثمان، عن بقية،\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٠) من طريق إسماعيل بن عياش، كلاهما (بقية بن الوليد وابن عياش) عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى -وفي رواية الطبراني: عبد الله بن عيسى وهو خطأ، وفي رواية ابن عياش: عيسى بن عبد الرحمن- عن =","vol":"4","page":319},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العباس بن سهل به، بذكر قوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه).\nوالصواب في اسمه: عيسى بن عبد الله بن مالك الدار.\nوقيل: عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل أو عياش ابن سهل الساعدي، بذكر واسطة بين عيسى والعباس بن سهل.\nولفظه بتمامه من طريق الوليد بن شجاع السكوني قال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا الحسن بن الحر قال: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء أحد بني مالك، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، أنه كان في مجلس كان فيه أبوه -وكان من أصحاب النبي ﷺ- وفي المجلس أبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد الساعدي، من الأنصار، وأنهم تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، قالوا: فأرنا، قال: فقام يصلي وهم ينظرون فبدأ يكبر، ورفع يديه حذاء المنكبين، ثم كبر للركوع، فرفع يديه أيضًا، ثم أمكن يديه من ركبتيه غير مقنع ولا مصوب، ثم رفع رأسه، وقال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ثم رفع يديه، ثم قال: الله أكبر، فسجد، فانتصب على كفيه، وركبتيه، وصدور قدميه وهو ساجد، ثم كبر، فجلس، وتورك إحدى رجليه، ونصب قدمه الأخرى، ثم كبر فسجد الأخرى، فكبر، فقام، ولم يتورك، ثم عاد فركع الركعة الأخرى، وكبر كذلك، ثم جلس بعد الركعتين حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام، كبر، ثم ركع الركعتين الأخيرتين، فلما سلم، سلم عن يمينه: سلام عليكم ورحمة الله، وسلم عن شماله: سلام عليكم ورحمة الله.\nقال الحسن بن الحر: وحدثني عيسى أن مما حدثه أيضا في المجلس في التشهد: أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ثم يشير في الدعاء بإصبع واحدة. اهـ\nروى أبو داود بعضه (٧٣٣، ٩٦٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٠) و(٤/ ٣٥٤)، وفي مشكل الآثار (٦٠٧١، ٦٠٧٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٢٩) ح ٥٧٣٨، وابن حبان بتمامه (١٨٦٦)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه (٢٤٠)، وأبو العباس في مسنده (١٠٠، ١٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٦)، من طريق أبي بدر شجاع بن الوليد، حدثني زهير أبو خيثمة، حدثنا الحسن بن الحر، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء به.\nفأخطأ في إسناده في ذكر واسطة بين محمد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد، وهذا الخطأ من قبل عيسى بن عبد الله حيث لم يضبط إسناده، كما لم يضبط لفظه، وقد خالفه كل من:\nمحمد بن عمرو بن حلحلة، كما في صحيح البخاري (٨٢٨).\nوعبد الحميد بن جعفر، فروياه عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ليس بينهما واسطة، وهو المحفوظ.\nقال البيهقي (٢/ ١٤٧): «روى عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن =","vol":"4","page":320},{"text":"الدليل الرابع\n(ح-١٨٦٩) روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، قال: سمعت قتادة،\nعن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (^١).\nقال ابن رجب: «قوله: (اعتدلوا في السجود) يريد به: اعتدال الظهر فيه، وذلك لا يكون مع افتراش الذراعين، إنما يكون مع التجافي (^٢).\nفالحديث أمر بالاعتدال في السجود، ونهى عن بسط الذراعين.\nفالاعتدال في السجود لا يراد منه تسويته فإن ذلك يعني استواء أسفل الظهر بعنقه، ومعلوم أن أسفل الظهر في السجود أعلى من العنق، وإنما أراد بالاعتدال: التوسط بين الافتراش والقبض قاله ابن حجر.\nفلا يمد ظهره مدًّا مبالغًا فيه يخرجه عن حد الاعتدال، ولا يقبضه بحيث يبسط ذارعيه على الأرض ويلصق بطنه بفخذيه، بل يكون وسطًا بينهما وذلك برفع البطن\n_________\n= سهل، عن أبي حميد، ولم يذكر محمدًا في إسناده، والصحيح أن محمد بن عمرو بن عطاء قد شهده من أبي حميد الساعدي».\nوقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٦/ ٢٥٥): «رواه الحسن بن الحر، عن عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب (يعني: عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل الساعدي).\nوخالفه عتبة بن أبي حكيم فرواه عن عيسى، عن العباس نفسه، لم يذكر محمد بن عمرو.\nورواه عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، وأسقطا العباس من إسناده».\nقلت: والمعروف في إسناد الحديث، أن عيسى بن عبد الله، وفليحًا، وابن إسحاق يروونه عن العباس بن سهل، عن أبي حميد، ليس فيه محمد بن عمرو بن عطاء.\nوأن محمد بن عمرو بن حلحلة، وعبد الحميد بن جعفر يرويانه، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي حميد، ليس فيه العباس بن سهل، وكل من خالف ذلك فقد أخطأ في إسناده، والله أعلم.\n\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٢٣٣ - ٤٩٣).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٠).","vol":"4","page":321},{"text":"عن الفخذين، ورفع المرفقين عن الأرض.\nيقول شيخنا ابن عثيمين ﵀ في تفسير الاعتدال في السجود: «اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تهصرون فينزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون كما يفعل بعض الناس إذا سجد، يمتد حتى يقرب من الانبطاح، فهذا لا شك أنه من البدع، وليس بسنة فما ثبت عن النبي - ﷺ - ولا عن الصحابة فيما نعلم أنَّ الإنسانَ يمدُّ ظهره في السجود، إنَّما مَدُّ الظهر في حال الركوع، أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده» (^١).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٧٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، واسع بن حبان،\nعن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله ابن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله - ﷺ - على لبنتين، مستقبلًا بيت المقدس لحاجته. وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله.\nقال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض (^٢).\nفقول ابن عمر موقوفًا عليه: (لعلك من الذين يصلون على أوراكهم) قال ذلك على وجه التحذير له من الصلاة عليها، وقد فسر مالك الصلاة على الأوراك بأن يلصق بطنه بفخذيه إذا سجد، وهو خلاف هيئة السجود المشروعة، من مجافاة البطن عن الوركين.\nالدليل السادس:\nنقل الإجماع الشوكاني في نيل الأوطار بأنه لا خلاف في مشروعية التفريج\n_________\n(^١). الشرح الممتع (٣/ ١٢١).\n(^٢). صحيح البخاري (١٤٥).","vol":"4","page":322},{"text":"بين الفخذين في السجود، ورفع البطن عنهما (^١).\nالدليل السابع:\n(ح-١٨٧١) فقد روى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم،\nعن ميمونة، قالت: كان النبي - ﷺ - إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت (^٢).\nقال في الهداية: «ويجافي بطنه عن فخذيه؛ لأنه ﵊ كان إذا سجد جافى حتى إن بهمة لو أرادت أن تمر بين يديه لمرت» (^٣).\nوقال الشوكاني: «والمراد أنه لم يجعل شيئًا من فخذيه حاملًا لبطنه، بل يرفع بطنه عن فخذيه، حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت» (^٤).\nفإن قيل:\n(ح-١٨٧٢) قد رواه مسلم من طريق مروان بن معاوية الفزاري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم به، بلفظ:\nكان رسول الله - ﷺ - إذا سجد خَوَّى بيديه -يعني جنح- حتى يرى وضح إِبْطَيْهِ من ورائه .... الحديث (^٥).\nورواه مسلم من طريق جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم،\nعن ميمونة بنت الحارث، قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه (^٦).\nفلماذا لا يحمل مرور البهيمة بين يديه على المجافاة،\nقيل: إن إمكان مرور البهيمة من تحته إذا سجد فيه دلالتان على المجافاة:\n_________\n(^١). انظر: نيل الأوطار (٢/ ٢٩٧).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٣٧ - ٤٩٦).\n(^٣). الهداية شرح البداية (١/ ٥١، ٥٢)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩).\n(^٤). نيل الأوطار (٢/ ٢٩٧).\n(^٥). صحيح مسلم (٢٣٨ - ٤٩٧).\n(^٦). صحيح مسلم (٢٣٩ - ٤٩٧).","vol":"4","page":323},{"text":"مجافاة البطن عن الفخذ المأخوذ من إمكان مرور البهيمة بين يديه.\nومجافاة اليدين عن الجنبين، وهي من دلالة الالتزام، فإنه لو ألصق يديه بجنبيه ما أمكن للبهيمة مرورها بين يديه، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>المطلب الثالث في مجافاة المرأة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• خطاب الرجل في الأحكام تدخل فيه المرأة إما بشمول الخطاب أو بمقتضى القياس إلا بدليل.\n• النساء دخلن في أكثر الأوامر المطلقة في الشرع كالأمر بالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك فدل أن دخولهن إما بمقتضى الشرع، أو بمقتضى اللغة.\n• وضعت اللغة ضميرًا مذكرًا خاصًّا بالذكور، وضميرًا مؤنثًا خاصًّا بالإناث، ولم تضع ضميرًا له دلالة على الجمع بين الذكور والإناث، فإذا كانت العبادات لا تخص الذكور وحدهم ولا الإناث وحدهم كان الضمير المذكر يعم الجميع إلا بدليل.\n• المرأة كالرجل في الصلاة إلا ما استُثْنِيَ، وقد صح استثناء التجافي من عموم خطاب: صلوا كما رأيتموني أصلي.\n• المرأة خالفت الرجل في بعض العبادات، فلا ترمل في الطواف والسعي، ولا تصعد على الصفا والمروة، وتصفق إذا سها الإمام في الصلاة، ولا يشرع لها الأذان لصلاتها، فالقول بمفارقة المرأة الرجل في التجافي ليس بعيدًا عن الأثر ومقتضى القياس.\n[م-٦٧٣] اختلف الفقهاء في المرأة أتجافي يديها عن جنبيها، وبطنها عن فخذيها كالرجل أم أن حكمها يختلف عن حكم الرجل؟\nفقيل: لا تستحب المجافاة للمرأة، بل يشرع لها أن تلزق بطنها بفخذيها؛ وعضديها بجنبيها، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة،\nزاد السمرقندي الحنفي في التحفة والكاساني في البدائع وابن عابدين في","vol":"4","page":325},{"text":"حاشيته: وأن تفترش ذراعيها (^١).\nقال السمرقندي: «أما المرأة فينبغي أن تفترش ذراعيها وتنخفض ولا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بطنها بفخذيها لأن هذا أستر لها» (^٢).\nوقال ابن جزي في آداب السجود: «وهي ثمانية: أن يجافي بين ركبتيه، وبين مرفقيه وجنبيه، وبين بطنه وفخذيه، وهو التفريج، ولا تفرج المرأة» (^٣).\nوقال الشافعي في الأم: «وأحب للمرأة في السجود أن تضم بعضها إلى بعض وتلصق بطنها بفخذيها وتسجد كأستر ما يكون لها» (^٤).\nوقيل: هي كالرجل، وهو قول في مذهب المالكية، ومذهب الظاهرية (^٥).\nجاء في شرح ابن ناجي التنوخي نقلًا من المختصر: «جلوسها، وكل شأنها في صلاتها كالرجل إلا في اللباس» (^٦).\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣٣٩)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، الثمر الداني على شرح الرسالة (ص: ١١٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٤٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، الثمر الداني على شرح الرسالة (ص: ١١٢)، القوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٤٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٩)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٩١)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٤٩)، الأم (١/ ١٣٨)، مختصر المزني (ص: ١٠٩)، الحاوي الكبير (٢/ ١٦١)، نهاية المطلب (٢/ ١٦٩)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٣)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٠٩، ٥٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٨١٢)، المغني (١/ ٤٠٣)، الفروع (٢/ ٢٢٢)، الإنصاف (٢/ ٩٠)، المبدع (١/ ٤٢١)، الإقناع (١/ ١٢٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٥).\n(^٢). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، وانظر بدائع الصنائع (١/ ٢١٠).\n(^٣). القوانين الفقهية (ص: ٤٦).\n(^٤). الأم (١/ ١٣٨).\n(^٥). لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٣٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٦)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦١)، تحبير المختصر لبهرام (١/ ٣٠٤).\n(^٦). شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٦١).","vol":"4","page":326},{"text":"• دليل الجمهور على استحباب ترك المجافاة للمرأة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٧٣) ما رواه أبو داود في المراسيل، قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، أخبرنا حيوة بن شريح، عن سالم بن غيلان،\nعن يزيد بن أبي حبيب، أن رسول الله - ﷺ - مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فَضُمَّا بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل (^١).\n[مرسل حسن، وهو حجة لمن يحتج بالمرسل، وهم الجمهور] (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٥٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: نا أبو عبد الرحمن المقري، عن سعيد بن أيوب، عن يزيد بن حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج،\nعن ابن عباس أنه سئل عن صلاة المرأة، فقال: تجتمع وتحتفز (^٣).\n[رجاله ثقات إلا أنه منقطع] (^٤).\n_________\n(^١). المراسيل لأبي داود (٨٧).\n(^٢). ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣١٥).\nقال الذهبي في اختصار السنن (٢/ ٦٦٢): خرَّجه أبو داود في المراسيل، وهو من أضعف المراسيل. اهـ\nولعل الذهبي اعتمد في حكمه على تجريح الدارقطني، فقد انفرد بتجريحه، قال الدارقطني كما في سؤالات البرقاني (٢٠٥): متروك.\nوهو معارض بقول الإمام أحمد: ما أرى به بأسًا. العلل (٣٣٤٧)، الجرح والتعديل (٤/ ١٨٧).\nوقال أبو داود كما في سؤالات الآجري (٥٢٩): لا بأس به.\nوقال النسائي ليس به بأس. تهذيب الكمال (١٠/ ١٦٨).\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨٣٣١)، ووثقه العجلي.\nوقال ابن يونس كما في تاريخه (٥٢٤): كان فقيهًا. وفي التقريب: ليس به بأس\nوقال الهيثمي في مجموع الزوائد في إسناد فيه سالم بن غيلان، قال: رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان، وهو ثقة. مجمع الزوائد (٨/ ٣٧).\nفجرح الإمام الدارقطني غير مفسر، وقد عورض بتوثيق جملة من الأئمة.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٧٨).\n(^٤). تفرد به عن ابن عباس بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، وليس له عن ابن عباس إلا هذه الرواية، ولم يدرك ابن عباس ﵁.","vol":"4","page":327},{"text":"فهذا الأثر الصحيح يعتضد به المرسل السابق، فيكون حجة حتى على مذهب الشافعية الذي يشترطون للاحتجاج بالحديث المرسل أن يعتضد.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٧٤) ما رواه البيهقي من طريق أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، عن عمر بن ذر، عن مجاهد،\nعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - إذا جلست المرأة في الصلاة وضعت فخذها على فخذها الأخرى، وإذا سجدت ألصقت بطنها في فخذيها كَأَسْتَرِ ما يكون لها، وإن الله تعالى ينظر إليها ويقول: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لها (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ث-٤٥٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث،\nعن علي ﵁، قال: إذا سجدت المرأة فَلْتَحْتَفِرْ، ولتضم فخذيها (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\nالدليل الخامس:\nمن النظر، فإن المرأة إذا جمعت نفسها، وانضمت فإنه أستر لها والمرأة مأمورة\n_________\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٣١٥).\n(^٢). ومن طريق أبي مطيع البلخي أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٥٠١)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٢٠٠).\nوفي إسناده أبو مطيع: الحكم بن عبد الله البلخي، صاحب أبي حنيفة، فقيه بصير بالرأي علامة كبير الشأن، كان ابن المبارك يعظمه ويبجله لعلمه ودينه، ولكنه واهٍ في ضبط الأثر، فالأثر ضعيف جدًّا. انظر: لسان الميزان (٣/ ٢٤٦).\n(^٣). المصنف لابن أبي شيبة (٢٧٧٧).\n(^٤). في إسناده الحارث بن عبد الله مجروح العدالة.","vol":"4","page":328},{"text":"بالستر، فلا يؤمن أن يبدو شيء منها وقت التجافي.\nومقتضى هذا التعليل أنها لو كانت وحدها، أو مع نساء فيشرع في حقها التجافي كالرجل، كما قيل ذلك في الجهر بالقراءة إذا أمت النساء.\n• دليل من قال: تستحب لها المجافاة:\n(ح-١٨٧٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nحدثنا مالك، قال: أتينا إلى النبي - ﷺ - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سَأَلَنَا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم. زاد البخاري: وصلوا كما رأيتموني أصلي ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -: صلوا كما رأيتموني أصلي، فالخطاب شامل للرجال والنساء، ولم يرد في السنة ما يقتضي استثناء النساء من عموم هذا الخطاب، والأصل أن ما ثبت للرجل ثبت للمرأة إلا بدليل.\n• ويناقش:\nبأن هذا العموم صحيح في الجملة وقد ورد مرسل حسن، وأثر عن ابن عباس صحيح، فكان الأثر يعضد المرسل، فيكون المرسل حجة عند الأئمة الأربعة، وإذا صح الاحتجاج بالمرسل صح استثناء هذه المسألة من عموم موافقة المرأة للرجل في الأحكام.\nيقول الشافعي، وهو الذي لا يرى الاحتجاج بالمرسل، يقول في الرسالة:\nفمن شاهد أصحاب رسول الله - ﷺ - من التابعين، فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي - ﷺ -، اعتبر عليه بأمور: .... هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد كذلك كان دلالة يقوى له مرسله. ...\nوإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، قولًا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله - ﷺ -، كانت في هذه دلالة على أنه لم\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢).","vol":"4","page":329},{"text":"يأخذ مرسله إلا عن أصل يَصِحُّ إن شاء الله، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي - ﷺ -» (^١).\nوقد رأينا المرأة تخالف الرجل في بعض العبادات، فلا ترمل في الطواف والسعي، ولا تصعد على الصفا والمروة، وتصفق إذا سها الإمام في الصلاة، ولا يشرع لها الأذان لصلاتها، فالقول بمفارقة المرأة الرجل في التجافي ليس بعيدًا عن الأثر ومقتضى القياس.\n• الراجح:\nأن المرأة لا تجافي في صلاتها كما يجافي الرجل، وترفع مرفقيها عن الأرض، فقول بعض الحنفية أنها تفترش ذراعيها قول ضعيف، ولم يتفق عليه في المذهب، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). الرسالة (ص: ٤٦١).","vol":"4","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>المطلب الرابع في المجافاة بين الفخذين وكذا الركبتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• المجافاة بين الفخذين لا يصح فيه حديث مرفوع.\n• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل.\n• أمرنا بالاعتدال في السجود، والاعتدال فيه أن يكون الفخذان وسطًا فلا يفرج بين فخذيه ولا يتكلف الضم.\n[م-٦٧٤] يلزم من المجافاة بين الفخذين أن يجافي بين الركبتين لأن الركبة في أسفل الفخذ.\nاستحب المالكية، والشافعية، والحنابلة للمصلي أن يفرق بين ركبتيه إذا سجد (^١).\nواستدلوا على ذلك بحديثين:\nالحديث الأول:\n(ح-١٨٧٦) ما رواه أبو داود في السنن من طريق بقية، حدثني عتبة يعني ابن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي،\nعن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - قال: وإذا سجد فرج بين\n_________\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٢٤٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٦)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٢)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٧٠)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١٠٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٠)، عقد الجواهر لابن شاس (١/ ١٠٥)، فتح العزيز (٣/ ٤٧١)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، الوسيط (٢/ ١٤٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٦)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨)، كشاف القناع (١/ ٣٥٣)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٥٣).","vol":"4","page":331},{"text":"فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه (^١).\n[انفرد عبد الله بن عيسى بقوله: (وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) وهو حرف شاذ] (^٢).\nالحديث الثاني:\n(ح-١٨٧٧) ما رواه السراج في مسنده والبيهقي من طريق الحسين بن علي الصدائي، حدثني أبي علي بن يزيد، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق،\nعن البراء، قال: كان النبي - ﷺ - إذا ركع بسط ظهره، وإذا سجد وجه أصابعه قِبَل القبلة، فتَفاجَّ.\n[ضعيف] (^٣).\nقال ابن الجوزي في غريب الحديث: تفاجت عليه أي فرجت رجليها للحلب (^٤).\nهذه هي الأحاديث الواردة في الباب، ولا يصح منها شيء.\n(ح-١٨٧٨) ويعارضهما ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، حدثنا الليث، عن دراج، عن ابن حجيرة،\nعن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ -، قال: إذا سجد أحدكم، فلا يفترش يديه افتراش الكلب، وليضم فخذيه (^٥).\n[غريب من حديث أبي هريرة، وفي إسناده دراج مختلف فيه] (^٦).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٥).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٨٦٨)، وانظر أيضًا (ح ١٧٤٨، ١٨٥١).\n(^٣). رواه السراج في مسنده (٣٥٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٦٢).\nوسبق تخريجه (ص: ٥٠٤).\n(^٤). غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ١٧٦)، وانظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤١٢)، لسان العرب (٢/ ٣٣٩)، الغريبين في القرآن والحديث (٥/ ١٤١٢).\n(^٥). سنن أبي داود (٩٠١).\n(^٦). الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا ابن حجيرة، تفرد به دراج.\nوعبد الرحمن بن حجيرة ثقة، وله عن أبي هريرة ستة وعشرون حديثًا، أكثرها من رواية دراج بن سمعان عنه، عن أبي هريرة، إلا واحدًا من رواية عبد الله بن الوليد بن قيس المصري، وهو ضعيف، وآخر من رواية سعيد بن يزيد الثقة.\nفأكثرها أحاديث غريبة الإسناد، ودراج بن سمعان، قد اختلفوا فيه، فوثقه بعضهم كابن معين، =","vol":"4","page":332},{"text":"وجمع بعض العلماء بين حديث أبي حميد في التفريج بين الفخذين، وبين حديث أبي هريرة في ضمهما، فقال السهارنفوري: لا معارضة بينهما، فإن معنى قوله: (إذا سجد فرج بين فخذيه): أي باعد بين فخذيه وبين بطنه، ثم أكده بقوله: (غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)» (^١).\nولا يعين عليه اللفظ، وكلا الحديثين من قبيل الضعيف، فلا يتكلف في الجمع بينهما.\nوإذا لم يكن هناك سنة واضحة على الاستحباب فالأفضل أن تكون المسافة بينهما ما تقتضيه هيئة الساجد بلا تكلف، فلا يفرج بين فخذيه، ولا يتكلف ضمهما، إن كان ذهب إلى هذا أحد من السلف، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n= واعتمد ابن حبان والحاكم توثيق ابن معين فصححا له.\nومنهم من قال: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد كأبي داود.\nوقال أحمد: دراج وحيي وزبان أحاديثهم مناكير. العلل (٤٤٨٢).\nوقال النسائي: ليس بالقوي. الضعفاء (١٨٧).\nوقال أبو حاتم الرازي: في حديثه صنعة. قال المعلمي اليماني: يعني: أنه يتصرف فيه، ولا يأتي به على الوجه.\nوقال ابن عدي: عامة الأحاديث التي أمليتها عن دراج مما لا يتابع عليها.\nوقال الدارقطني: متروك كما في سؤالات البرقاني (١٤٢).\nوقال في أخرى: ضعيف حكاه الحاكم عنه (٢٦١).\nولم يتابع دراج بن سمعان على قوله: (وليضم فخذيه)، فلا يحتمل تفرده فهي زيادة منكرة.\nوقد رواه أبو داود (٩٠١) من طريق ابن وهب،\nرواه ابن عبد الحكم كما في فتوح مصر والمغرب (ص: ٣١٢)، وابن خزيمة (٦٥٣)، وابن حبان (١٩١٧) عن عبد الله بن عبد الحكم،\nوابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٦) من طريق أبي صالح كاتب الليث، ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن دراج أبي السمح به.\n\nقال ابن عبد الحكم كما في فتوح مصر: لم يرو الليث عن درّاج إلّا هذا الحديث. وكذا قال ابن حبان في صحيحه.\nوقد حسن الحديث ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٩٤).\n\n(^١). بذل المجهود (٥/ ١٧١).","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المطلب الخامس في المجافاة بين القدمين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يوجد دليل صحيح في رص العقبين، والأصل عدم الاستحباب.\n• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون المصلي على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل\n• غياب النص عن حكم مسألة ما يراد منه التوسعة على المصلي، وما كان ربك نسيًا.\n[م-٦٧٥] اختلف العلماء في استحباب التفريج بين القدمين في السجود،\nفقيل: ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب التفريج بين القدمين تفريجًا وسطًا، قدره الشافعية بمقدار شبر.\nقال النووي: «قال الشافعي والأصحاب: يستحب للساجد أن يفرج بين ركبتيه، وبين قدميه، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: يكون بين قدميه قدر شبر» (^١).\nوقال في الإقناع: «ويفرق بين ركبتيه ورجليه» (^٢).\nوفي المستوعب: «يكره أن يلصق كعبيه» (^٣).\n_________\n(^١). مختصر المزني (ص: ١٠٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٩)، المهذب للشيرازي (١/ ١٤٦)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٣١)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٥٦، ٨١٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٩)، المغني (١/ ٣٧٤)، الإقناع (١/ ١٢١)، المبدع (١/ ٤٠٥)، الروض المربع (ص: ٩٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥٣)، الإنصاف (٢/ ٦٩)، الفروع (٢/ ٢٠٣).\n(^٢). الإقناع (١/ ١٢١).\n(^٣). نقله في الفروع، وحمله على صفة السجود (٢/ ٢٠٣)، ونقله صاحب الإنصاف (٢/ ٦٩) وظاهره أنه في حال القيام.","vol":"4","page":334},{"text":"وقال بكر أبو زيد: «لم أر في كتب الحنفية والمالكية شيئًا، ورأيت في كتب الشافعية والحنابلة استحباب التفريق .... تحصل من هذا أنه لا ذكر لجمع العقبين حال السجود في شيء من المذاهب الأربعة ....» (^١).\nوقيل: السنة أن يلصق عقبيه، اختاره أبو السعود من الحنفية، وترجم ابن خزيمة من الشافعية في صحيحه فقال: باب ضم العقبين في السجود، واختاره ابن تميم من الحنابلة (^٢).\n• دليل من قال: لا يستحب أن يلصق عقبيه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٧٩) ما رواه أبو داود في السنن من طريق بقية، حدثني عتبة يعني ابن أبي حكيم، حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل الساعدي،\nعن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - ﷺ - قال: وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nأن القدمين تبع للفخذين ما دام لم يرد في القدمين سنة صحيحة تبين صفة وضعهما.\n• وأجيب:\nبأنه لا يلزم من تفريج الفخذين تفريج القدمين، فيمكن للمصلي أن يفرج بين فخذيه ويضم قدميه.\nالدليل الثاني:\nلا يوجد دليل صحيح في رص العقبين، والأصل عدم الاستحباب.\n_________\n(^١). لا جديد في أحكام الصلاة (ص: ٦٩).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، صحيح ابن خزيمة (١/ ٣٢٨)، مختصر ابن تميم (٢/ ١٤٦).\n(^٣). سنن أبي داود (٧٣٥).\n(^٤). سبق تخريجه. انظر: (ح ١٨٦٨)، وانظر أيضًا (ح ١٧٤٨، ١٨٥١).","vol":"4","page":335},{"text":"الدليل الثالث:\nإذا عدم الدليل كان الإنسان حرًّا في وضع قدميه، إما أن يضعهما على طبيعتها تبعًا لفخذيه؛ لأن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل\nوإما أن يكون مخيرًا بأن يضعهما كيف تيسر له، لأن غياب النص فيه توسعة للمصلي فيكون الخيار له، وما كان ربك نسيًّا.\n• دليل من قال: يستحب أن يرص عقبيه:\n(ح-١٨٨٠) ما رواه ابن خزيمة من طريق ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عمارة بن غزية قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عروة بن الزبير يقول:\nقالت عائشة زوج النبي - ﷺ -: فقدت رسول الله - ﷺ - وكان معي على فراشي، فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة، فسمعته يقول: أعوذ برضاك من سخطك .... الحديث (^١).\n[غريب من حديث عروة، وفي إسناده يحيى بن أيوب، وقد تفرد بقوله: (راصًّا عقبيه)، والحديث في مسلم من طريق آخر، وليس فيها قوله: (راصًّا عقبيه)] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٦٥٤).\n(^٢). رواه ابن خزيمة (٦٥٤)، وعنه ابن حبان (١٩٣٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٧٢)، والحاكم في المستدرك (٨٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣٤٨)، من طريق سعيد بن أبي مريم به.\nولم يتابع يحيى بن أيوب المصري على قوله: (راصًّا عقبيه)، وهو صدوق سيئ الحفظ.\nقال أحمد في رواية: سيئ الحفظ.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوالحديث أصله في صحيح مسلم بغير هذا الإسناد، وينظر كيف تفرد بهذا الحديث أبو النضر سالم ابن أبي أمية عن عروة بهذا الحديث، وهو مقل في روايته عنه، وعروة له أصحاب يعتنون بروايته، وقد يكون الحمل على يحيى بن أيوب المصري في إسناد الحديث مع ما تفرد به من لفظه.\nقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، لا أعلم أحدًا ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث» =","vol":"4","page":336},{"text":"• ويجاب:\nقال بكر أبو زيد: لا يعرف في رصِّ الساجد عقبيه آثار عن السلف من الصحابة ﵃، فمن بعدهم، وأنه لم يتم الوقوف على تفريع لأَحد من الفقهاء بمشروعية رَصِّ العقبين حال السجود سوى كلمة ابن تميم، ومن معه ممن لم يُسَمَّ من الحنابلة، ولَعَلَّها من شاذ التفقه.\nفبقي أن يقال: المشروع للساجد: هو تفريج القدمين؛ استصحابًا للأَصل حال القيام في الصلاة .... ولأَن سنة السجود: الاعتدال في الهيئة، والمجافاة، والتفاج، وتفريق الأَعضاء، أعضاء السجود، ومنها التفريق بين الركبتين، والفخذين، والقدمان تابعان للفخذين، فتكون السنة فيهما كذلك.\n_________\n=علق الشيخ بكر أبو زيد في كتابه لا جديد في أحكام الصلاة (ص:٧٤):وهذه كلمة استقرائية مفيدة شذوذ هذه اللفظة ونكارتها، وأن ترجمة ابن خزيمة لهذه الرواية بقوله: «باب ضم العقبين في السجود» تعني فقه هذه الرواية التي أَسندها مع صرف النظر عن صحتها من عدمها، لا أنها صحيحة في نفس الأَمر ويقع هذا كثيرًا في تراجمه فتدبر».\nقال الشيخ ابن باز ﵀ كما في فتاوى نور على الدرب (٨/ ٢٩٤): «أما ما يروى أنه - ﷺ - كان ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبل بأطراف أصابعه القبلة) فهذا فيه نظر، الظاهر أنه شاذ، ومخالف للأحاديث الصحيحة ... والمحفوظ أنه - ﷺ - كان يقيم قدميه، كل واحدة منفردة عن الأخرى». اهـ\nوالحديث في مسلم من طريق أصح، وليس فيه قوله: (راصًا عقبيه).\nفقد رواه مسلم (٢٢٢ - ٤٨٦) من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة، قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك ... الحديث.\nقال شيخنا ابن عثيمين كما في فقه العبادات (ص: ١٦١): «معلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضها قد ضم إلى بعض، وكذلك جاء صريحًا في صحيح ابن خزيمة ﵀ أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود». اهـ\nولا يلزم من وقوع اليد على القدمين أن تكون ملتصقتين، نعم قد يدل على أنه لا يفرج بينهما تفريجًا شديدًا هذا إذا فسرنا قوله: (فوقعت يدي) أنها إحدى يديها، واليد نكرة مضافة إلى معرفة، فقد تريد بها كلتا يديها، واللغة تحتمله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فـ (نعمة) مفردة مضافة إلى معرفة، فعمت.","vol":"4","page":337},{"text":"فثبت بهذا: أن السنة في القدمين حال السجود هو التفريق باعتدال على سَمْتِ البدن، دون غلو في التفريج، ولا جفاء في الإِلصاق ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والله تعالى بأَحكامه أَعلم.\n• الراجح:\nأن الأمر واسع، ليس فيه سنة كاشفة، بقاء القدمين على طبيعتهما أقرب.\n\n* * *","vol":"4","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>الفصل الثالث في تعذر السجود على أحد الأعضاء السبعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>المبحث الأول إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يسقط السجود بالوجه إذا عجز عن الباقي.\n• الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا.\n• كل ما كان جزءًا من العبادة، وهو مشروع في نفسه، فيجب فعله مع القدرة عليه عند تعذر فعل الجميع.\n[م-٦٧٦] إن قدر المصلي على السجود بالوجه وعجز عن السجود على غيره كما لو قطعت يده، أو أصابع قدمه، فإنه يسقط عنه السجود على ذلك العضو، ولا يسقط عنه السجود بالوجه مع القدرة عليه بالاتفاق.\nقال الخطيب في مغني المحتاج: «محل وجوب وضع هذه الأعضاء إذا لم يتعذر وضع شيء منها، وإلا فيسقط الفرض، فلو قطعت يده من الزند لم يجب وضعه، ولا وضع رجل قطعت أصابعها لفوت محل الفرض» (^١).\nوقال ابن قدامة: «وإن عجز عن السجود على بعض هذه الأعضاء، سجد على بقيتها» (^٢).\n_________\n(^١). مغني المحتاج (١/ ٣٧٣).\n(^٢). المغني (١/ ٣٧١).","vol":"4","page":339},{"text":"• وجه القول بالسقوط:\nإما لأن السجود على هذه الأعضاء ليس بواجب أصلًا، فلو ترك السجود عليها في حال القدرة صح سجوده، ففي العجز من باب أولى، وهو قول الجمهور، وسبق بحث الخلاف في حكم السجود على غير الجبهة كالأنف واليدين والركبتين والقدمين، في المباحث السابقة، فانظر العزو إليها.\nوأما وجه سقوط السجود عند القائلين بالوجوب وهم الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية والشافعية:\nفهم يسقطون السجود على ذلك العضو؛ لتعذره بالعجز، فمن شرط التكليف القدرة، فلا واجب مع العجز، فما عجز عنه كله سقط كله، وما عجز عن بعضه سقط ما عجز عنه، ولزم القيام بالباقي، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n(ح-١٨٨١) وروى البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\nولأن السجود على الجبهة مقصود بنفسه، والسجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، فلا يسقط ما وجب قصدًا مع القدرة عليه بالعجز عما وجب من باب التكميل واللواحق، فالساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع يديه على الأرض، أو رفع قدميه أو إحداهما حال السجود، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا.\nولأن كل ما كان جزءًا من العبادة، وهو مشروع في نفسه، فيجب فعله مع القدرة عليه عند تعذر فعل الجميع، والله أعلم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).\n(^٢). نهاية المحتاج (١/ ٥١٢)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٣)، حاشية الجمل (١/ ٣٧٦)،.","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>المبحث الثاني إذا تعذر السجود بالجبهة وقدر على الباقي</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.\n• الميسور لا يسقط بالمعذور.\n• السجود على الأنف إيماء وزيادة.\n• الإيماء رخصة للضرورة، فلو أراد تحمل الضرورة، وسجد على جبهته وأنفه لأجزأه كجنب أبيح له التيمم لبرد وغيره فتركه، واغتسل، فكذلك إذا سجد على أنفه.\n[م-٦٧٧] إذا تعذر السجود بالجبهة، وقدر على الأنف وبقية الأعضاء:\nفقيل: يلزمه السجود على الأنف، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حبيب من المالكية، ورجحه اللخمي، وهو رواية عن أحمد (^١).\nقال في تحفة الفقهاء: «وأجمعوا -يعني أئمة الحنفية- أنه لو وضع الأنف في حال العذر جاز» (^٢).\nقال اللخمي في التبصرة: «إذا كانت بجبهته جراح، فقال في المدونة: يومئ بجبهته، وعلى قول ابن حبيب: يومئ بالجبهة، ويسجد على الأنف، وهو الصواب» (^٣).\n• واستدل أصحاب هذا القول:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٨٢) بما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٣٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، الفروع (٢/ ٢٠٠).\n(^٢). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٥).\n(^٣). التبصرة للخمي (١/ ٢٨٧).","vol":"4","page":341},{"text":"عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\nالدليل الثاني:\nولأن الميسور لا يسقط بالمعسور.\nالدليل الثالث:\nولأن حديث ابن عباس اعتبر الجبهة والأنف كالعضو الواحد؛ لأنه سجود بالوجه، ولهذا عد النبي - ﷺ - أعضاء السجود سبعة، ولو كان في معنى العضوين لكانت ثمانية، وإذا كانا كذلك كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ.\nوقيل: إذا عجز عن السجود بالجبهة كان فرضه الإيماء، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (^٢).\nقال اللبدي في حاشيته على نيل المآرب: قوله: «(ومن عجز بالجبهة لم يلزمه غيرها): ظاهره أنه لا يلزمه السجود بالأنف» (^٣).\n• دليل من قال: من عجز بالجبهة سقط عنه السجود على الأنف:\n(ح-١٨٨٣) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^٤).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٧)، المدونة (١/ ١٦٧)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٥)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٢)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٢٩)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٨٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، كشاف القناع (١/ ٣٥١)، مطالب أولي النهى (٢/ ٤٥٢)، الإقناع (١/ ١٢١).\n(^٣). حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨).\n(^٤). صحيح البخاري (٨٠٩).","vol":"4","page":342},{"text":"عن ابن عباس، قال: أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن المحفوظ في حديث ابن عباس ذكر الجبهة دون الأنف، فإذا عجز بالسجود على الجبهة سقط فرض الوجه، وأما الأنف فالسجود عليه على وجه التبع للجبهة، لأن حديث ابن عباس ذكر الجبهة بالعبارة، وأشار على الأنف، والإشارة من فعل طاوس، كما بينت ذلك عند الكلام على تخريج الحديث، وهذا الدليل يتوافق مع مذهب المالكية دون مذهب الحنابلة.\nوعلى فرض أن يكون السجود على الأنف مأمورًا به، فإن الأنف ذكر على وجه التبع للجبهة، وإلا لكان السجود على ثمانية أعضاء، والتابع لا يستقل بنفسه، فحيث سقط فرضها سقط تابعها.\nوإذا قلنا: لا يجب السجود على الأنف وحده، فلو سجد على أنفه هل يجزئه؟ فيه قولان في مذهب المالكية.\nسأل سحنون ابن القاسم كما في المدونة: «أرأيت من كانت في جبهته جراحات وقروح، لا يستطيع أن يضعها على الأرض، وهو يقدر على أن يضع أنفه، أيسجد على أنفه في قول مالك، أم يومئ؟ قال: بل يومئ إيماءً .... قلت لابن القاسم: أتحفظ عنه إن هو سجد على الأنف دون الجبهة شيئًا قال: لا أحفظ عنه في هذا شيئًا. قلت: فإن فعل أترى أنت عليه الإعادة؟ قال: نعم في الوقت وغيره» (^٢).\nفإن خالف فرضه، وسجد على أنفه:\nفقيل: يجزئه، لأنه إيماء وزيادة، وهذا اختيار أشهب من المالكية، بل قال أشهب: هو أبلغ من الإيماء. اهـ\nوقياسًا على الرجل يغسل رأسه في الوضوء بدلًا من مسحه، فإنه يجزئ عنه.\nواختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم:\nفاختار ابن يونس وشيخه عتيق: أنه موافق لقول أشهب؛ لأن الإيماء ليس له\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).\n(^٢). المدونة (١/ ١٦٧).","vol":"4","page":343},{"text":"حد ينتهي إليه، فهو لو أومأ حتى قارب الأرض بأنفه لأجزأه باتفاق، فليس زيادته بالسجود على أنفه بالذي يبطل إيماءه.\nولأن الإيماء رخصة للضرورة، فلو أراد تحمل الضرورة، وسجد على جبهته وأنفه لأجزأه كجنب أبيح له التيمم لبرد وغيره فتركه، واغتسل، فكذلك لو سجد على أنفه.\nواختار ابن القصار: أن قول ابن القاسم مخالف لقول أشهب؛ وإليه ذهب شيوخ ابن يونس؛ لأنه لم يَأْتِ بالأصل، وهو السجود على الجبهة، ولا ببدله، وهو الإيماء (^١).\n• وسبب الخلاف:\nالاختلاف في الحركة بين الأركان، أهي فرض مقصودة في نفسها، أم هي وسيلة، والمقصود هو الركوع والسجود.\nفإن قيل: هي مقصودة في نفسها حسن القول بأن المأمور به في الإيماء نهاية ما يقدر عليه من الإيماء، لا سيما إذا قلنا: إن الإيماء ليس ببدل، وإنما السجود والحركة إليه كفرضٍ واحدٍ، عجز عن بعضه، وقدر على بعض، فيجب ألا يُتْرَك شيء من المقدور عليه لأجل المعجوز عنه، فيجب عليه أن يأتي من الإيماء ما يطيقه، فلو قصر عن طاقته فسدت صلاته، فيكون السجود على الأنف هو فرضه، باعتبار أنه قادر أن يبلغ بالإيماء إلى هذا الحد، فوجب عليه، ولأنه أقرب للأصل.\nوإن قيل: الحركة بين الأركان وسيلة، وليست مقصودة في نفسها، حسن القول بأنه لا يؤمر أن يبلغ بالإيماء إلى نهاية ما يقدر عليه، فيكفي ما يسمى إيماء مع القدرة على أكثر منه، خاصة إذا اعتبرنا أن الإيماء بدل عن السجود، فإذا سجد على أنفه فقد خالف فرضه، وصار كمن سجد بدلًا عن الركوع، فإنه لا يعتد بذلك، وإن كان زاد على مقدار الركوع (^٢).\n* * *\n_________\n(^١). قال ابن جزي في القوانين (ص: ٤٦): «ومن كان بجبهته قروح تؤلمه إن سجد أومأ عند ابن القاسم، وسجد على الأنف عند أشهب». وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٩٥)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٩)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٥).\n(^٢). انظر شرح الخرشي (١/ ٢٩٧)، شرح التلقين (٢/ ٨٦٨).","vol":"4","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>المبحث الثالث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• إذا ذكر القرآن أعضاء السجود خَصَّ الوجه بالذكر، فكان دليلًا على أنه هو المقصود أصالة بالسجود، والباقي تبع.\n• الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا.\n• لو لزمه السجود على هذه الأعضاء كما يلزمه السجود على الجبهة للزمه الإيماء بها في حال العجز، كما لزمه الإيماء بالجبهة في حال العجز عن السجود على الوجه.\n• الإيماء بدل عن السجود، فلو ألزم بالسجود على بقية الأعضاء لجمع فيه بين البدل والمبدل منه.\n[م-٦٧٨] إذا عجز عن السجود بالجبهة والأنف وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فهل يلزمه ذلك، أما القائلون بأن السجود على الأعضاء الأربعة مستحب، وهو قول الجمهور فلا يلزمه ذلك؛ لأنه إذا لم يلزمه في حال القدرة، ففي حال العجز من باب أولى، وأما على القول بالوجوب، فاختلفوا:\nفقيل: لا يلزمه، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ٢١٧)، البحر الرائق (٢/ ١٢٣)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٩٨)، مراقي الفلاح (ص: ١٦٦)، فتح العزيز (٣/ ٤٥٤)، المجموع (٣/ ٤٢٦)، الحاوي الكبير (٢/ ١٢٦)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٧١)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١١)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١١٤).","vol":"4","page":345},{"text":"قال ابن رجب في القواعد: «المريض إذا عجز في الصلاة عن وضع وجهه على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا للسجود على الوجه وتكميلًا له» (^١).\nوقيل: يلزمه ذلك، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، ومال إليه الخلوتي في حاشيته على منتهى الإرادات، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين، وشيخه السعدي (^٢).\n• دليل من قال: لا يلزمه السجود على غير الوجه:\nاعتمد الجمهور في استدلالهم على قاعدة: أن المقصود بالسجود هو الوجه وبقية الأعضاء تبع له، سواء أقلنا: السجود على بقية الأعضاء من الواجبات أم من المستحبات، فإذا سقط الفرض عن الأصل وهو الوجه، سقط الفرض عن التابع.\nوعمدتهم في تأصيل ذلك ثلاثة أدلة:\nالدليل الأول:\nأن كل موضع ذكر فيه السجود في الشرع، فإنما خص الوجه بالذكر دليل على أن سجود الوجه هو المقصود، ولم يَأْتِ قط، سجد قدمي أو ركبتي.\nقال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].\nوقال تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧].\nوجاء في مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁: ... وإذا سجد، قال: ... سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (^٣).\n_________\n= وقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٧١): «وإن سقط السجود على الجبهة لعارض من مرض أو غيره سقط عنه السجود على غيره؛ لأنه الأصل، وغيره تبع له، فإذا سقط عن الأصل سقط عن التبع». اهـ وانظر: حاشية اللبدي على نيل المآرب (١/ ٥٨)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، الفروع (٢/ ٢٠٠)، المبدع (١/ ٤٠٢)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨).\n(^١). القواعد لابن رجب (ص: ١١).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٦٧)، حاشية الخلوتي على منتهى الإرادات (١/ ٣٠٣)، الفتاوى السعدية (ص: ١٤٧)، الشرح الممتع (٤/ ٣٣٧).\n(^٣). مسلم (٢٠١ - ٧٧١).","vol":"4","page":346},{"text":"الدليل الثاني:\nأن الساجد على الوجه يسمى ساجدًا، ولو لم يضع غيره على الأرض، ولو وضع كل أعضاء السجود على الأرض غير وجهه لا يسمى ساجدًا، فتعلق التسمية بسجود الوجه دليل على أنه هو المقصود بالسجود.\nالدليل الثالث:\nأنه لو لزمه السجود على هذه الأعضاء كما يلزمه السجود على الجبهة للزمه الإيماء بها في حال العجز، كما لزمه الإيماء بالجبهة في حال العجز عن السجود على الوجه، فلما سقط عنه الإيماء بها عند عجزه بالسجود عليها سقط وجوب السجود عليها على وجه الاستقلال؛ لأن وجوب السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعًا لغيره على وجه التكميل واللواحق، فالتابع لا يستقل بنفسه، فحيث سقط الأصل سقط التابع.\nالدليل الرابع:\nولأن الإيماء بدل عن السجود، والقاعدة: أنه لا يجمع بين البدل والمبدل منه.\n• دليل من قال: يجب السجود على بقية الأعضاء:\nالدليل الأول:\nمن القرآن قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٨٤) من السنة ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: ... إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم. ورواه مسلم (^١).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٢٨٨)، وصحيح مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧).","vol":"4","page":347},{"text":"فالشرع أَمَرَ بالسجود على الأعضاء السبعة على الأرض، ولم يفرق بين عضو وآخر، فإذا تعذر السجود عليها كلها سقط الفرض، وإن عجز عن بعضه سقط ما عجز عنه، ولزم القيام بالباقي، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nالدليل الثالث:\nالاستدلال بالقاعدة الفقهية: الميسور لا يسقط بالمعسور.\nقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: «(قاعدة) وهي أن من كلف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما قدر عليه ويسقط عنه ما عجز عنه لقوله ﷾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﵇: (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وبهذا قال أهل الظاهر» (^١).\n\n* * *\n_________\n(^١). قواعد الأحكام في مصالح الأنام (٢/ ٧).","vol":"4","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>الفصل الرابع في السجود على الحائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>المبحث الأول في السجود على حائل منفصل عن المصلى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل فراش لا إسراف فيه ولا مخيلة، ولا يشغل المصلي بزخرفته فالصلاة عليه جائزة.\n• لا يحفظ قول بتحريم الصلاة على البسط إذا كان منفصلًا عن المصلي.\n• كراهة الصلاة على الفرش قول ضعيف؛ لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل.\n[م-٦٧٩] اتفق الفقهاء على جواز السجود على حائل لدفع شدة حر أو شدة برد أو خشونة أرض أو جرح بجبهة ونحوها.\nواختلفوا في حكمه إذا كان لغير حاجة:\nفقيل: يجوز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nقال في البحر الرائق: «لو سجد على حائل بينه وبين الأرض منفصل عنه فإنه\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، المبسوط (١/ ٢٠٥، ٢٠٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٠)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٣)، فتح العزيز (٣/ ٤٦٢، ٤٦٣)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٠)، أسنى المطالب (١/ ١٦١)، المجموع (٣/ ٤٢٣، ٤٢٤، ٤٢٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٧)، كشاف القناع (١/ ٣٥٢، ٣٥٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٥١).","vol":"4","page":349},{"text":"يصح بالأولى كالسجادة والحصير» (^١).\nوقال ابن رجب في شرح البخاري:: «تجوز الصلاة على غير جنس ما ينبت من الأرض: كالصوف والجلود، ورخص في الصلاة على ذلك أكثر أهل العلم، وقد روي معناه عن: عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وابن عباس، وأنس، وروي عن ابن مسعود، وضعف الرواية في ذلك عنه الإمام أحمد، وهو قول أكثر العلماء بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد» (^٢).\nوقال المالكية: يكره على ثوب أو بساط، إلا أن يكون معدًّا لفرش المسجد موقوفًا عليه، أو كان السجود على ما تنبته الأرض مما لا رفاهية فيه ولا زينة كالحصير والخمرة، فلا بأس بالسجود عليه، وتركه أحسن (^٣).\n• دليل من قال بالجواز مطلقًا:\nالدليل الأول:\nالأصل الجواز، وعدم الكراهة، ولم يحفظ في النصوص نهي عن السجود على البسط والفرش، وكل فراش لا إسراف فيه ولا مخيلة فالصلاة عليه جائزة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة،\nعن أنس بن مالك، أن جدته مليكة دعت رسول الله - ﷺ - لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فَأُصَلِّيَ لكم قال أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسوَدَّ\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٣٧)،.\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٣/ ٢٥).\n(^٣). الشرح الكبير للشيخ الدردير (١/ ٢٥٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٦)، الخرشي (١/ ٢٩٠)، منح الجليل (١/ ٢٦٨)، لوامع الدرر هتك أستار المختصر (٢/ ١٦٥)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٤)، الثمر الداني (ص: ١١١)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٨٤)، النوادر والزيادات (١/ ٢٢٤).","vol":"4","page":350},{"text":"من طول ما لُبِسَ، فنضحته بماء، فقام رسول الله - ﷺ -، وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم انصرف (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٨٦) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان،\nعن جابر، قال: حدثنا أبو سعيد الخدري، أنه دخل على رسول الله - ﷺ -، فوجده يصلي على حصير يسجد عليه (^٢).\nقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم إلا أن قومًا من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابًا (^٣).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٨٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nعن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي، في قبلته فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن رجب: «إن عائشة ﵂ كانت تنام على فراش النبي - ﷺ - الذي ينام هو وعائشة عليه، وكان يقوم فيصلي من الليل، وهي نائمة معترضة بين يديه على الفراش، وكانت رجلاها في قبلته، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجلها ليسجد في موضعها، وهذا يدل على أنه كان يسجد على طرف الفراش الذي كانت نائمة عليه، وكانت رجلاها عليه، والله أعلم ...» (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٣٨٠)، صحيح مسلم (٢٦٦ - ٦٥٨).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٧١ - ٦٦١).\n(^٣). سنن الترمذي (١/ ٤٣٤).\n(^٤). صحيح البخاري (٣٨٢)، وصحيح مسلم (٢٧٢ - ٥١٢).\n(^٥). شرح البخاري لابن رجب (٣/ ٢٧).","vol":"4","page":351},{"text":"الدليل الخامس:\n(ث-٤٥٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن توبة، عن عكرمة ابن خالد، عن عبد الله بن عامر قال:\nرأيت عمر بن الخطاب: يصلي على عبقري، قلت: ما العبقري؟ قال: لا أدري (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوالعبْقَري: الوَشْيُ، منسوبٌ إلى عَبْقَرَ، قريةٍ باليَمن.\nوكلُّ جَيِّدٍ عَبْقَرِي.\nورجل عَبْقَرِيٌّ: ليس فوقه شيء (^٣).\nفظهر أنها من فرش الزينة.\nولذلك قال ذو الرمة يذكر ألوان الرياض:\nحتى كأن رياض القف ألبسها ... من وَشْىِ عَبْقَرَ تجليل وتنجيد (^٤).\n• دليل من قال: يكره الصلاة على غير ما ينبت على الأرض مما فيه رفاهية:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٨٨) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير، قال:\nأخبرنا جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا (^٥).\nوجه الاستدلال:\nاستدل به الهادي على كراهة ما ليس من الأرض بناء على أن لفظ الأرض ذكر\n_________\n(^١). المصنف (١٥٤٠).\n(^٢). الأوسط (٥/ ١١٥).\n(^٣). المنجد في اللغة (ص: ٢٦١).\n(^٤). غريب الحديث للقاسم بن سلام (١/ ٨٧).\n(^٥). صحيح البخاري (٣٣٥)، وصحيح مسلم (٣ - ٥٢١).","vol":"4","page":352},{"text":"على سبيل الامتنان، فكما لا يتيمم بغير الأرض فلا يصلي على شيء من الثياب ونحوها مما لا تنبته الأرض (^١).\n• وأجيب بجوابين:\nالجواب الأول:\nهذا الاستدلال يقتضي أن الصلاة على الأرض شرط، ولا قائل به، فلما كرهوا الصلاة على الثياب دل على صحة الصلاة عليها، وإنما كرهت الصلاة على الثياب لأن فيها توسعًا بالترفه، وهو منافٍ لكمال التذلل والخضوع والمسكنة.\nقال الشوكاني في الجواب على هذا الاستدلال: «التنصيص على كون الأرض مسجدًا لا ينفي كون غيرها مسجدًا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط على أن السجود على البسط ونحوها سجود على الأرض كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر الفرس راكب على الفرس، وقد صح أن رسول الله - ﷺ - صلى على البسط، وهو لا يفعل المكروه» (^٢).\nالجواب الثاني:\nأجاز المالكية الصلاة على الفرش المعدة للمسجد كالموقوفة عليه، وهذه ليست مما تنبته الأرض، وإذا جاز على الموقوفة جاز على المملوكة، فالوقف لا علاقة له بالصلاة، وإنما تعلقه بالملكية، ومحلها الذمة.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا أبو حمزة، عن أبي صالح،\nأن أم سلمة، رأت نسيبًا لها ينفخ إذا أراد أن يسجد، فقالت: لا تنفخ، فإن رسول الله - ﷺ - قال لغلام لنا يقال له: رباح: ترب وجهك يا رباح (^٣).\n_________\n(^١). انظر: نيل الأوطار (٢/ ١٤٨).\n(^٢). نيل الأوطار (٢/ ١٤٨).\n(^٣). المسند (٦/ ٣٢٣).","vol":"4","page":353},{"text":"[ضعيف] (^١).\n_________\n(^١). فيه علتان:\nالأولى: مدار هذا الإسناد على أبي صالح، وفيه جهالة، قيل: مولى طلحة بن عبيد الله، وقيل: مولى أم سلمة، وقد سماه المغيرة بن مسلم السراج عند الطبراني بـ (زاذان).\nالعلة الثانية: الاختلاف في إسناده.\nفرواه حماد بن سلمة، واختلف عليه فيه:\nفرواه كامل بن طلحة الجحدي (لا بأس به كان أحمد يثني عليه ورمى أبو داود بكتبه)، كما في مسند أبي يعلى (٦٩٥٤) حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح.\nولم يتابع كامل بن طلحة في جعل الحديث من رواية عاصم، عن أبي صالح.\n\nوخالفه عفان بن مسلم، وهو أوثق منه كما في مسند أحمد (٦/ ٣٢٣)،\nوموسى بن إسماعيل كما في معرفة الصحابة لابن منده (ص: ٦٢٤)، كلاهما عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو حمزة، عن أبي صالح أن أم سلمة ... وذكر الحديث.\nولم ينفرد به حماد بن سلمة من هذا الوجه، بل تابعه عليه كل من:\nأبي الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦٥٤٩).\nوزائدة بن قدامة كما في مسند إسحاق بن راهويه (١٩٠٤)، ومستخرج الطوسي (٢٢١ - ٣٥٣)، ومستدرك الحاكم (١٠٠١)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٣٥٨)،\nوعباد بن العوام كما في سنن الترمذي (٣٨١)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٠٥٢)،\nوعبد الوارث بن سعيد، كما في الكنى والأسماء للدولابي (٨٨٨).\nويزيد بن زريع كما في مستخرج الطوسي (٢٢٠ - ٣٥٢)،\nوحماد بن زيد كما في سنن الترمذي (٣٨٢)، والمعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٢٤) ح ٧٤٢، كلهم عن ميمون أبي حمزة (ضعيف)، عن أبي صالح، عن أم سلمة.\nورواه المغيرة بن مسلم السراج (لا بأس به)، كما في المعجم الكبير للطبراني (٢٣/ ٣٩٤) ح ٩٤٢، عن ميمون، عن زاذان، قال: رأت أم سلمة ... وذكر الحديث، وقد انفرد بقوله: زاذان، فربما كان هذا اسم أبي صالح مولى أم سلمة.\nقال الترمذي: «وحديث أم سلمة إسناده ليس بذاك، وميمون أبو حمزة قد ضعفه بعض أهل العلم». قلت: لم ينفرد به أبو حمزة، تابعه اثنان.\nالأول: سعيد أبو عثمان الوراق (فيه جهالة) كما في مسند أحمد (٦/ ٣٠١)، عن أبي صالح، قال: دخلت على أم سلمة ... وذكر الحديث.\nالثاني: داود بن أبي هند (ثقة) كما في صحيح ابن حبان (١٩١٣)، ومسند الشاميين للطبراني (١٩٠٣)، عن أبي صالح، مولى آل طلحة بن عبيد الله، قال: كنت عند أم سلمة ... فذكر نحوه، فجعل أبا صالح مولى آل طلحة، ولم يتابع داود بن أبي هند على نسبته. =","vol":"4","page":354},{"text":"• ويجاب:\nلا يفهم من قوله: (ترب وجهك) اشتراط التراب، لجواز الصلاة على السفينة والحصر، وإنما أنكر عليه النبي - ﷺ - نفخ التراب وهو في الصلاة كراهة أن يتعفر وجهه به، فقال له: ترب وجهك، وليس فيه النهي عن الصلاة على الفرش.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٩٠) ما رواه ابن أبي شيبة في مسنده كما في المطالب العالية، قال: حدثنا يزيد بن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه،\nعن شريح أنه سأل عائشة ﵂ أكان رسول الله - ﷺ - يصلي على الحصير فإني سمعت في كتاب الله ﷿ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ قالت عائشة ﵂ لا لم يكن رسول الله - ﷺ - يصلي عليه.\n[شاذ انفرد به يزيد بن المقدام، وهو لا بأس به، فلا يقوى على معارضة\n_________\n= وعلته أبو صالح مولى أم سلمة، قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام منتقدًا عبد الحق الإشبيلي في تضعيفه الحديث بميمون أبي حمزة، وعدم تضعيفه الحديث بأبي صالح، فقال: (٣/ ٢٥٥): «اعتراه فيه ما يعتري أكثر الناظرين فيه ما لم يحققوا، وذلك أنهم يظنونه أبا صالح: ذكوان السمان، الثقة المأمون، وليس به، إنما هو ذكوان مولى أم سلمة، وقد بين ذلك ابن الجارود في كتاب (الكنى)، ذكر أبا صالح ذكوان السمان، ثم ذكر بعده أبا صالح ذكوان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، روى عنه ميمون أبو حمزة. فإذا الأمر فيه هكذا، فأبو صالح هذا مجهول الحال، ولا أعلم له غير هذا».\nوجهله الذهبي في الديوان، وقال في الميزان: لا يعرف، ولعله ذكوان السمان، لا، بل هو ذكوان مولى لأم سلمة. اهـ\nوقد روي بإسناد أصح من هذا،\nفأخرجه النسائي كما في تحفة الأشراف (١٣/ ٣٠)، عن الحسين بن عيسى البسطامي، عن أحمد بن أبي طيبة وعفان بن سيار، كلاهما عن عنبسة بن الأزهر، عن سلمة بن كهيل، عن كريب مولى ابن عباس، عن أم سلمة، قالت: مرَّ النبي - ﷺ - بغلام لنا يقال له: رباح، وهو يصلي، فنفخ، فقال: ترب وجهك.\nوسنده حسن. أحمد بن أبي طيبة (صدوق له أفراد)، وعفان بن سيار (صدوق يهم)، وعنبسة ابن الأزهر (صدوق ربما أخطأ) وباقي رجاله ثقات.","vol":"4","page":355},{"text":"أحاديث الصحيحين من أحاديث الثقات] (^١).\n• الراجح:\nالذي لا شك فيه جواز الصلاة على كل حائل منفصل مما لا إسراف فيه ولا مخيلة، ولا زخرفة يمكن أن تشغل المصلي عن الخشوع وتدبر ما يقرأ. والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٤٤٨).\nقال ابن رجب في الفتح (٢/ ٢٥٦): «وهذا غريب جدًا، ويزيد بن المقدام: قال أبو حاتم: يكتب حديثه».\nوأكثر المفسرين فسروا الآية بأن الحصير في الآية بمعنى الحصر والحبس قال تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي أي حبستم.\nوعلى تقدير أن يكون الحصير هو الفراش، وأن المعنى وجعلنا جهنم للكافرين فراشًا أيعني هذا كراهة الفرش في الدنيا، فالكفار لهم شراب في جهنم، ولباس، ومهاد، ولا يعني كراهة شراب الدنيا، ولباسها، ومهادها لمطلق التسمية.","vol":"4","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المبحث الثاني في السجود على حائل متصل بالمصلي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>الفرع الأول في السجود على عضو من أعضاء المصلي</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل هيئة أو صفة في السجود تخالف الهيئة المنقولة في صفة السجود فإنها لا تشرع.\n• السجود على اليدين أو الفخذين إن كان للضرورة فالضرورة تقدر بقدرها.\n• إذا تعذر السجود بالجبهة على الأرض وسجد على يديه أجزأه لأنه إيماء وزيادة.\n[م-٦٨٠] اختلف الفقهاء في المصلي يسجد على يده أو على فخذه، أو على عضو من أعضائه:\nفقال الحنفية: إن سجد على كفه، وهي على الأرض جاز مطلقًا على الأصح.\nقال الزيلعي: «ولو سجد على كفه وهي على الأرض: جاز على الأصح» (^١).\nوالتعليل: لأن هيئة السجود موجودة، فصح بعذر وبغيره.\nوإن سجد على فخذه جاز إن كان بعذر، لا بغيره على الصحيح.\n• وجه القول بالجواز:\nلأن العذر يجعل فرضه الإيماء، فإذا سجد على فخذه فهو إيماء وزيادة.\nوإن سجد على ركبته لا يجوز في الوجهين، لكن الإيماء يكفيه إن كان فعله من عذر (^٢).\nقال ابن الهمام: ولم نعلم فيه خلافًا (يعني في عدم الجواز) ... وكان عدم\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١١٧).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٣٨)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧٢)، تبيين الحقائق (١/ ١١٧).","vol":"4","page":357},{"text":"الخلاف فيه لكون السجود يقع على حرف الركبة، وهو لا يأخذ قدر الواجب من الجبهة (^١).\nوقال الشافعية والحنابلة: لا يجوز السجود على عضو من أعضائه، وهو قول عند الحنفية (^٢).\nقال الروياني في بحر المذهب: «وعليه أن يسجد على الأرض، أو على حائل منفصل منه كالبساط والحصير» (^٣).\nويفهم من قوله: (وعليه أن يسجد على الأرض) أنه لو سجد على عضو من أعضائه لم تصح صلاته.\nوقال الشيرازي: «إن سجد على حائل متصل به دون الجبهة لم يجزئه» (^٤).\nفعموم قوله: (على حائل متصل) يشمل ما إذا كان الحائل المتصل ثوبًا أو عضوًا.\nوقال ابن قدامة: «وإن سجد على يديه لم يصح، رواية واحدة؛ لأنه سجد على عضو من أعضاء السجود، فالسجود يؤدي إلى تداخل السجود» (^٥).\nوليس في المسألة نص يمكن التحاكم إليه، فالسجود على عضو من أعضائه إن كان لعذر، فالضرورة لها أحكامها، وإن كان من غير عذر لم يقبل منه، لأنه خلاف ما نقل لنا من صفة سجود الرسول - ﷺ -، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). فتح القدير (١/ ٣٠٦).\n(^٢). الشافي في شرح مسند الشافعي (١/ ٦٢٠)، أسنى المطالب (١/ ١٦١)،.\n(^٣). بحر المذهب (٢/ ٥٠).\n(^٤). المهذب للشيرازي (١/ ١٤٥).\n(^٥). المغني (١/ ٣٧٢).\n\nوقال في المبدع (١/ ٤٠٤): «إذا سجد على يديه لم يجزئه قولًا واحدًا؛ لأن السجود عليهما يفضي إلى تداخل أعضاء السجود. قال القاضي في الجامع: لم أجد عن أحمد نصًّا فيها، ويجزئه إن قلنا: لا يجب السجود على غير الجبهة، وإن قلنا بالوجوب، فلا؛ لئلا يتداخل محل السجود بعضه في بعض».","vol":"4","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>الفرع الثاني في السجود على حائل متصل ليس من أعضاء المصلي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>المسألة الأولى في مباشرة الأرض بالقدمين والركبتين في السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يجب كشف الركبة للسجود؛ لأن الركبتين إما عورة، أو مظنة لكشفها.\n• ثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي في نعليه، وهو دليل على أنه لا يستحب مباشرة الأرض بالقدمين.\n[م-٦٨١] إذا صلى الرجل وقدماه وركبتاه لم تباشر الأرض حال السجود، فهذا جائز بالإجماع.\nحكى الإجماع ابن جزي وابن بطال من المالكية (^١).\nونقل الإجماع ابن الملقن في التوضيح (^٢).\nوقال الزركشي في شرح الخرقي: «لا يجب عليه مباشرة المصلَّى بشيء من أعضاء سجوده، وهو إجماع في القدمين، والركبتين» (^٣).\nوالمرداوي في الإنصاف (^٤).\nبل قال في الإنصاف: بل يكره كشف ركبتيه على الصحيح من المذهب، وعنه لا يكره (^٥).\n_________\n(^١). القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٨).\n(^٢). التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٧/ ٢٣٤).\n(^٣). شرح الزركشي (١/ ٥٦٨).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٦٨).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٦٨).","vol":"4","page":359},{"text":"فأما القدمان فلأن النبي - ﷺ - ثبت أنه كان يصلي في نعليه وفي خفيه، كما في حديث أبي سعيد الخدري.\n(ح-١٨٩١) فقد روى الإمام أحمد، قال: ثنا يزيد، أنا حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري،\nأن رسول الله - ﷺ - صَلَّى، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا. قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسه بالأرض ثم لْيُصَلِّ فيهما (^١).\nوأما الركبتان فلا تكشفان إما لأنهما عورة، أو لقربهما منها، فانكشافهما مظنة لكشفها.\nوتقدم أن العورة هي السوأتان وما قرب منهما، فالفخذ فضلًا عن الركبة ليس بعورة، لا في النظر، ولا في الصلاة على الصحيح من أقوال أهل العلم، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٢٠، ٩٢).","vol":"4","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المسألة الثانية في مباشرة الأرض باليدين حال السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل حائل جاز السجود عليه منفصلًا جاز متصلًا، دليله: الركبتان والقدمان.\n• الأصل جواز السجود على الحائل إلا بدليل.\n• مسمى السجود يحصل بوضع أعضاء السجود دون كشفها.\n• الفرض بالسجود: التذلل والخشوع بوضع الوجه وسائر أعضاء السجود على الأرض، وهو يحصل بحائل وبغير حائل.\n[م-٦٨٢] اختلف الفقهاء في وجوب مباشرة الأرض باليدين حال السجود:\nفمن قال: لا يجب السجود على غير الجبهة وهو قول الجمهور، لم يوجب مباشرة الأرض باليدين في السجود، وقد تكلمت عن حكم السجود على اليدين.\nومن قال: يجب السجود على اليدين، وهو قول في مذهب المالكية وقول في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة، فالأصح في مذهبهم أنه لا يجب مباشرة اليدين على الأرض (^١).\nقال النووي: «وإذا أوجبنا وضع الكفين لم يجب كشفهما على الأظهر» (^٢).\nونسب النووي القول بالجواز إلى أبي حنيفة والجمهور (^٣).\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ٣٤٧)، المنتقى للباجي (١/ ٢٨٧)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٥)، شرح زروق على الرسالة (١/ ١٣٢)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٣٠٧)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٦٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، روضة الطالبين (١/ ٣٥٧)، كفاية النبيه (٣/ ١٨٦)، مسائل أحمد رواية ابن هانئ (٢٢٦)، الإنصاف (٢/ ٦٨).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٣٥٧).\n(^٣). فتح الباري (١/ ٤٩٣).","vol":"4","page":361},{"text":"وقال المرداوي: وهو الصحيح من المذهب ... وعليه الأصحاب، وقطع به أكثرهم (^١).\nونفي الوجوب لا ينفي القول باستحباب مباشرة الأرض باليدين.\nقال المازري في إكمال المعلم: «مباشرة الأرض باليدين وهو المستحب عند جميعهم، وكرهوا السجود واليدان في الثياب» (^٢).\nقال ابن حبيب: «يستحب مباشرة الأرض بوجهه ويديه» (^٣).\nزاد ابن الحاجب: وفي غيرهما مخير (^٤).\nفظاهره أن ما عدا الوجه واليدين لا تستحب مباشرته الأرض، وهو ظاهر المدونة (^٥).\nوقال ابن جزي: «وأما اليدان فيستحب مباشرة الأرض بهما» (^٦).\nوقال ابن قدامة: والمستحب مباشرة المصلَّى بالجبهة واليدين ليخرج من الخلاف، ويأخذ بالعزيمة (^٧).\nوهل يكره السجود على اليدين بحائل متصل؟ قولان.\nأحدهما: يكره، وهو قول الأكثر، وتقدم قول المازري: «وكرهوا السجود واليدان في الثياب» (^٨).\nوفي كشف المخدرات: «وكره ترك المباشرة باليدين والجبهة والأنف بلا عذر من نحو برد وحرٍّ ومرض» (^٩).\nوجاء في الإنصاف نقلًا من صاحب الروضة: «إذا سجد ويده في كمه من غير\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٦٨).\n(^٢). إكمال المعلم (٢/ ٢٩٢).\n(^٣). المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٦٢)، وقول اللخمي انظره في التاج والإكليل (٢/ ٢٥٤).\n(^٤). جامع الأمهات (ص: ٩٨)، وانظر: التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٦٠).\n(^٥). انظر: مواهب الجليل (١/ ٥٤٦).\n(^٦). القوانين الفقهية (ص: ٤٦).\n(^٧). المغني (١/ ٣٧٣).\n(^٨). إكمال المعلم (٢/ ٢٩٢).\n(^٩). كشف المخدرات (١/ ١٣٥).","vol":"4","page":362},{"text":"عذر كره، وفي الإجزاء روايتان، فعلى المذهب: يكره سترهما، وعنه لا يكره ...» (^١).\nوالثاني: لا يكره، حكاه المرداوي في الإنصاف وفي تصحيح الفروع (^٢).\nجاء في مسائل أحمد لابن هانئ: «قلت أيسجد الرجل ويداه في طيلسانه؟ قال: لا بأس به» (^٣).\nوقال في المستوعب نقلًا من الإنصاف: «ظاهر ما نقله أكثر أصحابنا: لا فرق بين وجود العذر وعدمه. قال في الفروع: كذا قال، وليس بمراد» (^٤).\nوقيل: يجب مباشرة اليدين للأرض في السجود، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، وحكاه صاحب الإنصاف رواية عن أحمد (^٥).\nقال الماوردي في الحاوي: «وأما الكفان، ففي وجوب المباشرة بهما قولان:\nأحدهما: ... أن المباشرة بهما واجبة ....\nوالقول الثاني: وهو أصح أن المباشرة بهما غير واجبة» (^٦).\nوجاء في مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: قلت: يسجد، ويداه في ثوبه؟ قال: من برد أو علة، فأما لغير علة فلا. قال إسحاق: كما قال» (^٧).\nفخلصت الأقوال في اليدين إلى ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٦٩).\n(^٢). جاء في تصحيح الفروع (٢/ ٢٠١): «ففي كراهة حائل متصل ... روايتان، وذكرهما القاضي ومن بعده، وحكاهما وجهين في الرعاية الكبرى ...\nإحداهما: يكره، وهو الصواب ...\nوالرواية الثانية: لا يكره». اهـ\n(^٣). مسائل أحمد رواية ابن هانئ (٢٢٦).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٦٩)، الفروع (٢/ ٢٠١).\n(^٥). قال في الإنصاف (٢/ ٦٨): «وعنه يجب قال القاضي في موضع من كلامه: اليد كالجبهة في اعتبار المباشرة، ونقل صالح: لا يسجد ويداه في ثوبه إلا من عذر، وقال ابن عقيل: لا يسجد على ذيله أو كمه».\n(^٦). الحاوي الكبير (٢/ ١٢٧، ١٢٨).\n(^٧). مسائل أحمد وإسحاق (٢٢٢)، وانظر: شرح البخاري لابن رجب (٣/ ٣٠).","vol":"4","page":363},{"text":"أحدها: يجب كشفهما.\nوالثاني: يستحب كشفهما.\nوالثالث: يكره السجود، ويداه في كميه.\nوالفرق بين هذا والذي قبله، أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فالصلاة في النعال مستحبة، ولو صلى حافيًا لم يكره، وذكر الله تعالى على طهارة مستحب، ولو ذكر الله محدثًا لم يكره. وإذا أحطت علمًا بالأقوال في المسألة، فإليك ما يمكن مذاكرته في الأدلة، والله المستعان وحده.\n• دليل من قال: لا يجب مباشرة الأرض باليدين حال السجود:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٩٢) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، قال: أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقال ابن بطال: وقد أجمعوا أنه يجوز السجود على الركبتين، والقدمان مستورة بالثياب، وهي بعض الأعضاء التي أمر المصلي بالسجود عليها، كذلك سائر الأعضاء إلا ما أجمعوا عليه من كشف الوجه» (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٩٣) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).\n(^٣). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٨).","vol":"4","page":364},{"text":"ابن محمد الدراوردي، عن إسماعيل بن أبي حبيبة،\nعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي - ﷺ - فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يده في ثوبه إذا سجد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣٣٤).\n(^٢). الحديث فيه أكثر من علة:\nالعلة الأولى: الاختلاف في إسناده على إسماعيل بن أبي حبيبة،\n\nفرواه الدراوردي كما في مسند ابن أبي شيبة (٧٩٦)، ومصنفه (٢٧٢٨)، ومسند أحمد (٤/ ٣٣٤)، وسنن ابن ماجه (١٠٣١)، وابن شبة في تاريخ المدينة (١/ ٦٦)، عن إسماعيل ابن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن، قال: جاءنا النبي - ﷺ - ... وذكر الحديث مرسلًا ليس فيه أبوه، وجده. وعبد الله بن عبد الرحمن ليس له صحبة، فقوله: جاءنا خطأ إلا أن يعني أنه جاء قومه.\nقال المزي في التحفة (٥/ ٢٨٢): «كذا قال. وإنما هو عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده ثابت بن الصامت».\nوقد أخطأ فيه الدراوردي باسمه، فقال: عن إسماعيل بن أبي حبيبة، وإنما هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي.\nورواه إسماعيل بن أبي أويس كما في سنن ابن ماجه (١٠٣٢)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢١٤٧)، ومسند الشاشي (١١٩٤)، والمعجم الكبير للطبراني (٢/ ٧٦) ح ١٣٤٤، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٥)، والضعفاء للعقيلي (٢/ ٣٢٥)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١٣٣٦).\nوسعيد بن أبي مريم كما في صحيح ابن خزيمة (٦٧٦)، ومسند الشاشي (١١٩٥)،\nومعن بن عيسى كما في تاريخ المدينة لابن شبة (١/ ٦٧)، ومعجم الصحابة لابن قانع (١/ ١٢٩)، ثلاثتهم عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - صلى في بني عبد الأشهل، وعليه كساء متلفف به، يضع يديه عليه، يقيه برد الحصى.\nوفي صحيح ابن خزيمة وضعفاء العقيلي، وتاريخ المدينة لابن شبة: عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده.\nالعلة الثانية: ضعف إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، قال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال النسائي: ضعيف.\nوقال الدارقطني: متروك. =","vol":"4","page":365},{"text":"الدليل الثالث:\n(ث-٤٥٥) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمِّه (^١).\n(ث-٤٥٦) وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو أسامة، عن هشام،\nعن الحسن، قال: إن أصحاب النبي - ﷺ - يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته (^٢).\n[هشام بن حسان ثقة إلا أن روايته عن الحسن فيها مقال] (^٣).\nالدليل الرابع:\nولأن كل حائل جاز السجود عليه منفصلًا جاز متصلًا، دليله: الركبتان والقدمان.\n_________\n= وقال البخاري: منكر الحديث، كما في التهذيب (١/ ٥٨). وهو من الجرح الشديد.\nوقال أبو حاتم الرازي: شيخ ليس بالقوي، يكتب حديثه، ولا يحتج به، منكر الحديث.\nوقال أحمد كما في رواية أبي طالب عنه: ثقة.\nالعلة الثالثة: عبد الله بن عبد الرحمن، اختلف في اسمه، فقيل: عبد الله بن عبد الرحمن، ورجح ذلك المزي.\nوقيل: عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت، ورجح ذلك أبو زرعة، وفي كل الأحوال فيه جهالة، لم يَرْوِ عنه إلا ابن أبي حبيبة، ولم يؤثر توثيقه عن معتبر.\nجاء في العلل لابن أبي حاتم (٥٢٤): «سئل أبو زرعة عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت .. وذكر الحديث.\nوروى هذا الحديث عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن مشيخة بني عبد الأشهل: أن رسول الله - ﷺ - ... وذكر الحديث.\nوروى إسحاق الفروي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - صلى.\nفقال أبو زرعة: الصحيح حديث الفروي».\nالعلة الرابعة: عبد الرحمن بن ثابت، مختلف في صحبته، والراجح أنه لا صحبة له، وهو مجهول تفرد بالرواية عنه ابنه. لهذا الحديث لا يصح، والله أعلم.\n(^١). صحيح البخاري (٢/ ٦٨).\n(^٢). المصنف (٢٧٣٩).\n(^٣). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٣) من طريق زائدة، عن هشام به.","vol":"4","page":366},{"text":"قال ابن بطال: «أجمع الفقهاء أنه يجوز السجود على اليدين في الثياب، وإنما كره ذلك ابن عمر، وسالم، وبعض التابعين» (^١).\nوالإجماع فيه نظر، فهناك قول بالوجوب عند الشافعية، وهو رواية عند الحنابلة كما سيأتي بيانه في القول التالي. (^٢).\n• دليل من قال بالكراهة أو بالتحريم:\nالدليل الأول:\n(ث-٤٥٧) بما رواه مالك أيضًا عن نافع،\nأن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه جبهته، قال نافع، ولقد رأيته في يوم شديد البرد وإنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء (^٣).\n[صحيح].\nالدليل الثاني:\nقال ابن بطال: «وحجة من كره ذلك أن اليدين حكمهما حكم الوجه لا حكم الركبتين، وقياسًا على أن اليدين من المرأة تبع للوجه في كشفهما في الإحرام، فكذلك اليدان تبع للوجه في كشفهما في السجود» (^٤).\n• ويناقش:\nلم يُسَلَّم الحكم في الأصل حتى يُسَلَّم في الفرع، فلا يجب أن يباشر المصلي بجبهته الأرض حتى يصح القياس، ولو صح القياس كان إلحاق الحائل المتصل بالحائل المنفصل أولى بالقياس؛ لأن الحائل في الجميع قد حال بين العضو وبين الأرض، أما كونه متصلًا أو منفصلًا فلا أثر له في الحكم، وإنما يختلف الحكم في الثوب المتصل إذا لحقته نجاسة، وكان يتحرك بحركته؛ ولم يباشر السجود عليه،\n_________\n(^١). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٣٥).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٦٨).\n(^٣). الموطأ (١/ ١٦٣).\n(^٤). شرح البخاري لابن بطال (٢/ ٤٣٥).","vol":"4","page":367},{"text":"أيعطى حكم ما ستر به العورة؛ لكونه متصلًا به، أم لا؛ لكونه لم يستر عورته، ولم يباشر السجود عليه.\nولو صح القياس لكان القياس على القدمين أولى بالقياس حيث ثبت جواز السجود عليهما مع وجود الحائل، وهما من أعضاء السجود التي أمرنا بالسجود عليها، فصحة الحائل لبعض الأعضاء دليل على صحته لسائرها.\n• الراجح:\nاستحباب مباشرة الأرض باليدين حال السجود لأثر ابن عمر ﵄، وهو حكاية فعل، ولا يكره السجود على حائل؛ لأن فعل ابن عمر لا يؤخذ منه غير الاستحباب، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>المسألة الثالثة في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل حائل جاز السجود عليه منفصلًا جاز متصلًا، دليله: الركبتان والقدمان.\n• الأصل جواز السجود على الحائل إلا بدليل.\n• مسمى السجود لا يختلف بين السجود على الحائل المتصل والمنفصل\n• حقيقة السجود يحصل بوضع أعضاء السجود على الأرض دون كشفها.\n• الفرض بالسجود: التذلل والخشوع بوضع الوجه وسائر أعضاء السجود على الأرض، وهو يحصل بحائل وبغير حائل.\n• المعنى لكراهة السجود على الحائل المتصل إما لما فيه من حركة المصلي في بسطه كل ما أراد السجود، أو لما فيه الترفع عن تتريب الوجه بالتراب.\n• لا مكروه مع الحاجة، ولا محرم مع الضرورة.\n[م-٦٨٣] اختلف العلماء في الرجل يسجد على طرف ثوبه:\nفقيل: يكره أن يسجد على طرف ثوبه، فإن كان لدفع حرٍّ أو برد، أو خشونة أرض فلا كراهة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والمعتمد في مذهب الحنابلة (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، الهداية شرح البداية (١/ ٥١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٢)، اللباب في الجمع بين السنة والكتاب (١/ ٢٣٨)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٥)، البحر الرائق (١/ ٣٣٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٥٤)، مختصر خليل (ص: ٣٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٩١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٣)، شرح التلقين (٢/ ٥٢٩)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٦٠)، شرح ابن ناجي على متن الرسالة (١/ ١٤٥)، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (١/ ١٠٥)، جامع الأمهات =","vol":"4","page":369},{"text":"قال ابن القاسم في المدونة: «وقال مالك فيمن سجد على كور العمامة، قال: أحبُّ إليَّ أن يرفع عن بعض جبهته حتى يمسَّ بعضُ جبهته الأرضَ، قلت له: فإن سجد على كور العمامة؟ قال: أكرهه؛ فإن فعل فلا إعادة عليه» (^١).\nوقيل: يجب مباشرة الأرض بالجبهة، وهو مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة (^٢).\nقال الشافعية: إذا سجد على طرف ثوبه، فإن كان يتحرك بحركته لم يجزه، فإن كان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل، وأعاد السجود، وإن كان لا يتحرك بحركته، فوجهان، أصحهما الجواز، وهو مذهب الشافعية (^٣).\nقال النووي: «إن حال دون الجبهة حائل متصل به، فإن سجد على كفه، أو كور عمامته، أو طرف كمه، أو عمامته، وهما يتحركان بحركته في القيام والعقود، أو غيرهما لم تصح صلاته بلا خلاف عندنا؛ لأنه منسوب إليه. وإن سجد على ذيله، أو كمه، أو طرف عمامته، وهو طويل جدًّا، لا يتحرك بحركته، فوجهان، الصحيح أنه تصح صلاته، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والرافعي، قال إمام الحرمين: لأن هذا الطرف في معنى المنفصل.\nوالثاني: لا تصح، وبه قطع القاضي حسين في تعليقته كما لوكان على ذلك الطرف نجاسة، فإنه لا تصح صلاته، وإن كان لا يتحرك بحركته» (^٤).\n_________\n= (ص: ٩٧)، الإنصاف (٢/ ٦٧)، المغني (١/ ٣٧١)، الإقناع (١/ ١٢١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٨)، كشاف القناع (١/ ٣٥٢).\n\n(^١). المدونة (١/ ١٧٠).\n(^٢). فتح العزيز (٣/ ٤٥٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٦)، المجموع (٣/ ٤٢٣)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٠)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٣)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٢)، الفروع (٢/ ٢٠١)، المبدع (١/ ٤٠٢).\nوقال الزركشي في شرح الخرقي (١/ ٥٦٩): «أما الجبهة ففي المباشرة بها قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد، أصحهما عند أبي البركات، واختارها أبو بكر والقاضي: لا يجب».\n(^٣). انظر: نهاية المحتاج (١/ ٥١٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٠).\n(^٤). المجموع (٣/ ٤٢٣، ٤٢٤).","vol":"4","page":370},{"text":"• دليل من قال: يكره، والصلاة صحيحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٩٤) ما رواه البخاري، حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا غالب القطان، عن بكر بن عبد الله،\nكنا نصلي مع النبي - ﷺ - في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن وجهه من الأرض بسط ثوبه، فسجد عليه.\nورواه مسلم حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا بشر بن المفضل به (^١).\nورواه البخاري حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا بشر به، وفيه: (... كنا نصلي مع النبي - ﷺ - فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود) (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، فأخذ منه دلالتين:\nإحداهما: أن الأصل والمعتاد عدم بسطه.\nالثانية: أنه متصل؛ لأن المنفصل لا يتعلق السجود عليه بطرف الثوب، ولقد كان الرسول - ﷺ - يصلي على الحصير، وعلى الخمرة، ولم يقيد ذلك بالحاجة.\n• ونوقش هذا:\nحمل الشافعية الحديث على أنه يسبط ثوبًا لا يلبسه، أو على طرف ثوب لا يتحرك بحركته.\n• وأجيب:\nبأن قوله (بسط ثوبه، فسجد عليه) دليل على أن البسط معقب بالسجود، وإذا كان يبسطه، وهو في الصلاة فالظاهر أن ذلك في ثوبه المتصل به، وليس في بساط منفصل عنه، وكما أفادته الرواية الثانية عند البخاري في ذكر طرف الثوب.\nولأن ثياب الصحابة لم تكن من الطول بحيث لا تتحرك بالحركة، وحين سئل\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١٢٠٨)، وصحيح مسلم (١٩١ - ٦٢٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٣٨٥).","vol":"4","page":371},{"text":"النبي - ﷺ - عن الصلاة في الثوبين، قال: أَوَلِكُلِّكُمْ ثوبان؟\nالدليل الثاني:\n(ح-١٨٩٥) ما رواه البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين (^١).\nورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار به (^٢).\nوجه الاستدلال:\nفأمر الله بالسجود على سبعة أعضاء، فإذا جاز السجود بالإجماع على حائل متصل بالقدم، جاز ذلك على سائر الأعضاء قياسًا عليه.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٨٩٦) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، مولى عبد الله بن عباس،\nعن عبد الله بن عباس، قال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ -، في يوم مطير، وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٠٩).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٢٧ - ٤٩٠).\n(^٣). المسند (١/ ٢٦٥).\n(^٤). هذا الحديث تفرد به الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، قال أحمد: له أحاديث منكرة.\nوقال البخاري: قال علي (يعني ابن المديني) تركت حديثه، وتركه أحمد.\n\nوقال أبو زرعة: ليس بقوي.\nوقد رواه عن الحسين كل من:\nمحمد بن إسحاق، كما في مسند أحمد (١/ ٢٦٥)، وأبو يعلى في مسنده (٢٤٧٠)،\nوإبراهيم بن محمد التيمي كما في مصنف عبد الرزاق (١٣٦٩)، =","vol":"4","page":372},{"text":"وجه الاستدلال:\nإذا جاز أن يجعل حائلًا متصلًا بين الأرض وبين يديه جاز ذلك في الجبهة؛ قياسًا عليه، بجامع أن كُلًا منهما من أعضاء السجود.\n• ونوقش:\nبأن الحديث ضعيف، وهو في اليدين، وليس في الجبهة، والجبهة هي الأصل في السجود، وبقية الأعضاء تبع لها، ألا ترى أنه لو وضع كل أعضاء السجود دون الجبهة لا يسمى ساجدًا بخلاف العكس.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٨٩٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال عبد الله بن أحمد: وسمعته أنا من عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي، عن إسماعيل بن أبي حبيبة،\nعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي - ﷺ - فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعًا يده في ثوبه إذا سجد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الخامس:\n(ح-١٨٩٨) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الله بن محرر قال: أخبرني يزيد بن الأصم،\n_________\n= وشريك بن عبد الله النخعي، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٧٧٠، ٣١٦٢)، ومسند أحمد (١/ ٢٥٦، ٣٠٣، ٣٢٠)، ومسند أبي يعلى (٢٥٧٦، ٢٦٨٧)، والمعجم الأوسط للطبراني (٨٦٨٠)، وفي الكبير (١١/ ٢١٠) ح ١١٥٢٠، ١١٥٢١، وفوائد تمام (٢٢)، ثلاثتهم عن الحسين بن عبد الله به.\nوالمعروف وقفه على ابن عباس في الصلاة في الثوب الواحد، ليس فيه أنه سجد عليه، انظر مصنف عبد الرزاق (١٣٨١، ١٥٤٥، ٣٨٣٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣١٨٣، ٣١٨٩، ٦١٩١، ٢٣٩١).\n\n(^١). المسند (٤/ ٣٣٤).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٨٩٣).","vol":"4","page":373},{"text":"أنه سمع أبا هريرة يقول: كان رسول الله - ﷺ - يسجد على كور عمامته.\nقال ابن محرر: وأخبرني سليمان بن موسى، عن مكحول، عن النبي - ﷺ - مثل ذلك (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nقال البيهقي: ما روي عن النبي - ﷺ - من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك (^٣).\nقال الحافظ: يعني مرفوعًا (^٤).\nوفي الباب من حديث أنس، ومن حديث جابر، ومن حديث ابن أبي أوفى، ولا تستحق أن تشتغل بها؛ لأنها تدور على متهمين بالكذب.\nالدليل السادس:\n(ث-٤٥٨) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كميه (^٥).\n(ث-٤٥٩) وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو أسامة، عن هشام،\nعن الحسن، قال: إن أصحاب النبي - ﷺ - يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته (^٦).\n[هشام بن حسان ثقة إلا أن روايته عن الحسن فيها مقال] (^٧)\n_________\n(^١). مصنف عبد الرزاق (١٥٤٦).\n(^٢). في إسناده عبد الله بن محرر، سئل عنه أحمد، فقال: ترك الناس حديثه، وقال الدارقطني وابن حجر في التقريب: متروك.\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٥٠٠): هذا حديث باطل.\n(^٣). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٥٣).\n(^٤). تلخيص الحبير ط قرطبة (١/ ٤٥٥).\n(^٥). صحيح البخاري (٢/ ٦٨).\n(^٦). المصنف (٢٧٣٩).\n(^٧). ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥٣) من طريق زائدة، عن هشام به.","vol":"4","page":374},{"text":"• دليل من قال: يجب مباشرة الأرض بالجبهة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٨٩٩) ما رواه أحمد، من طريق شعبة،\nعن أبي إسحاق، قال: سمعت سعيد بن وهب، يقول:\nسمعت خبابًا، يقول: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الرمضاء، فلم يُشْكِنَا (^١).\nورواه عبد الرزاق وأحمد من طريق الثوري، عن أبي إسحاق به (^٢).\nوهو في صحيح مسلم من طريق زهير، وأبي الأحوص، فرقهما، عن أبي إسحاق (^٣).\nوإنما قدمت رواية شعبة والثوري لقدم سماعهما من أبي إسحاق.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فلم يشكنا) أي لم يُزِلْ شكوانا، وقد شكوا حر الرمضاء في الوجوه والجباه مما يدل أنهم طلبوا السجود على حائل متصل.\nفقد رواه البيهقي من طريق عيسى بن يونس، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب،\nعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا (^٤).\n_________\n(^١). رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٤٨)، وعنه أحمد في المسند (٥/ ١٠٨)، وأبو عوانة في مستخرجه (١٠١٠).\n(^٢). رواه عبد الرزاق في المصنف (٢٠٥٥)،\nوأحمد (٥/ ١١٠) حدثنا عبد الرحمن،\nوالحميدي (١٥٢، ١٥٣)، والشاشي في مسنده (١٠١٧) حدثنا وكيع، ثلاثتهم عن الثوري به.\n(^٣). رواه مسلم (١٩٠ - ٦١٩) من طريقين عن زهير.\nورواه مسلم (١٨٩ - ٦١٩) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، كلاهما عن أبي إسحاق به. وهو في المصنف (٣٢٧٤).\nورواه غيرهم عن أبي إسحاق به، ولا حاجة لتطويل التخريج، وهو في مسلم.\n(^٤). رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٥١)، وفي الخلافيات (٢٢٤٨).","vol":"4","page":375},{"text":"• وأجيب بجوابين:\nالأول: [أن زيادة جباهنا وأكفنا زيادة منكرة] (^١).\nالجواب الثاني:\nليس فيه أنهم طلبوا السجود على الحائل فلم يُزِلْ شكواهم، كيف وقد كان يصلي على الحصير والخمرة، وإنما طلبوا الإبراد بالظهر، فأبى ذلك، وقد جاء في صحيح مسلم: قال زهير كما في صحيح مسلم: قلت لأبي إسحاق أفي الظهر؟ قال: نعم قلت: أفي تعجيلها قال: نعم. اهـ والراوي أعلم بما روى.\nوقد تقدم حديث أنس في البخاري: (... كنا نصلي مع النبي - ﷺ - فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود) (^٢).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٠٠) ما رواه أحمد من طريق عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري،\nعن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلي مع رسول الله - ﷺ - الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفي لتبرد، حتى أسجد عليه من شدة الحر (^٣).\n_________\n(^١). فيه علتان:\nالأولى: أنها من رواية زكريا بن أبي زائدة، وروايته عن أبي إسحاق بآخرة، فإسنادها ضعيف.\nالثاني: أنه قد اختلف فيه على زكريا بن أبي زائدة،\nفرواه عيسى بن يونس (ثقة)، عن زكريا بن أبي زائدة كما في رواية البيهقي، وزاد حرف (في جباهنا وأكفنا).\nوقد خالفه، يحيى بن زكريا بن زائدة (ثقة) وعبد الرحيم بن سليمان قرنهما، كما في مسند أبي العباس السراج (١١٣٠)، وحديثه (١٠٠٩)، كلاهما عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق به، بلفظ الجماعة، ليس فيه (جباهنا وأكفنا).\nوقد رواه شعبة والثوري وأبو الأحوص وزهير وتقدم تخريجها، كما رواه جماعة غيرهم، وقد تركت ذكرهم اقتصارًا، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره زكريا بن أبي زائدة، والحمل عليه، فإن روايته عن أبي إسحاق متأخرة، والله أعلم.\n(^٢). صحيح البخاري (٣٨٥).\n(^٣). المسند (٣/ ٣٢٧).","vol":"4","page":376},{"text":"[حسن] (^١).\nوجه الاستدلال:\nلو كان السجود على الحائل المتصل جائزًا لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف، ووضعها للسجود عليها.\n• وأجيب:\nبأنه يحتمل أنه لم يكن في ثوبه فضلة، وقد تقدم لنا في البخاري من حديث جابر ﵁، وفيه: (... قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟، قلت: كان ثوب -يعني ضاق- قال: فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتَّزِرْ به) (^٢).\nوفي رواية لمسلم: (.... كانت علي بردة ذهبت أن أخالف بين طرفيها فلم تبلغ لي، وكانت لها ذباذب فنكستها، ثم خالفت بين طرفيها، ثم تواقصت عليها، ثم جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - ﷺ -، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ... فجعل رسول الله - ﷺ - يرمقني، وأنا لا أشعر، ثم فطنت به، فقال هكذا، بيده -يعني شد وسطك- فلما فرغ رسول الله - ﷺ -، قال: يا جابر، قلت: لبيك، يا رسول الله قال: إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشددْه على حقوك) (^٣).\nفلم يكن في ثيابهم فضلة، فضلًا عن تصور فضلة لا تتحرك بحركتهم، كما حملوا عليه حديث أنس ﵁ المتفق عليه في السجود على طرف الثوب.\n_________\n(^١). رواه عباد بن العوام كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٢٧٥)، ومسند أحمد (٣/ ٣٢٧)، ومسند أبي يعلى (١٩١٦)، وسنن أبي داود (٣٩٩)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٨١)، والسنن الكبرى له (٦٧٢)، ومسند أبي العباس السراج (١٠٢٧)، وفي حديثه (١٥٤٣)، ومستدرك الحاكم (٧٠١)، والسنن الكبرى للبيهقي (١/ ٦٤٤) و(٢/ ١٥١).\nومحمد بن بشر كما في مسند أحمد (٣/ ٣٢٧).\nوعبد الوهاب الثقفي كما في صحيح ابن حبان (٢٢٧٦)، ثلاثتهم عن محمد بن عمرو به.\nومحمد بن عمرو حسن الحديث إن شاء الله تعالى.\n(^٢). صحيح البخاري (٣٦١).\n(^٣). صحيح مسلم (٣٠١٠).","vol":"4","page":377},{"text":"الدليل الثالث:\n(ث-٤٦٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب،\nعن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄، لا يسجد على كور العمامة (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوهو لا يدل على التحريم، بل هو متسق مع قول الجمهور بكراهة السجود على الحائل المتصل، ولو دل على التحريم لم يكن معارضًا لحديث أنس المتفق عليه، فالموقوف لا يعارض المرفوع.\n• الراجح:\nالقول بالكراهة أقوى القولين، وأعدلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق أدلة المسألة: «ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة: أنه يرخَّص في ذلك عند الحاجة، ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة (^٣)، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المصنف (٢٧٥٧).\n(^٢). ولم ينفرد به أيوب، وإن كان لا يضره لو تفرد، فقد تابعه عبيد الله بن عمر كما في مصنف عبد الرزاق (١٥٧٠)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ١٧٩) عن نافع به، ولفظ عبد الرزاق: (كان ابن عمر، لا يسجد على كور العمامة).\nولفظ ابن المنذر في الأوسط (كان يكره أن يسجد على كور عمامته حتى يكشفها).\n(^٣). مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٧٢).","vol":"4","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>الباب الحادي عشر في الرفع من السجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>الفصل الأول في مشروعية التكبير للرفع من السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل تكبيرة عدا تكبيرة الإحرام فهي سنة إلا أن يتوقف عليها اقتداء المأموم بالإمام فتجب لا لذاتها، وإنما لإمكان الاقتداء.\n• ذكر الرسول - ﷺ - للمسيء في صلاته تكبيرة الإحرام، ولم يذكر له غيرها من تكبيرات الانتقال، ولو كانت واجبة لذكرها.\n• القول بأن الرسول - ﷺ - ذكر للمسيء ما قصر فيه بعيد جدًّا، كيف يتصور أن المسيء قد أساء في تكبيرة الإحرام، وأحسن جميع تكبيرات الانتقال؟ فمن أحسن تكبيرات الانتقال حري به أن يحسن التكبير للإحرام من باب أولى، خاصة أنها هي التي تدخله في الصلاة.\n• القول بأن النبي - ﷺ - لم يعلم المسيء التكبير؛ لأنه لم يكن واجبًا ثم وجب بعيد جدًّا، يُحْتَاجُ للقول به دليلًا بَيِّنًا من الوقوف على تاريخ التشريع، والأصل أن التكبير شرع مع الركوع والسجود، فالقول بأن التكبير كان مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب دعوى لا دليل عليها من النصوص.\n•التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف على أنه واجب لازم من واجبات الصلاة.\n• فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله - ﷺ -، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق.\n[م-٦٨٤] اختلف العلماء في حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للرفع","vol":"4","page":379},{"text":"من السجود:\nفقيل: جميع تكبيرات الانتقال سنة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.\nقال ابن عبد البر: «وعلى هذا القول جماعة من فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث» (^١).\nوقال النووي: «وهذه كلها عندنا سنة إلا تكبيرة الإحرام فهي فرض، هذا مذهبنا، ومذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» (^٢).\nوقيل: جميع تكبيرات الانتقال واجبة، وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة (^٣).\nوقيل: التكبير ركن، حكاه الزركشي في شرح الخرقي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^٤).\nقال في المحلى: «والتكبير للركوع فرض» (^٥).\nوقد سبق لي ذكر أدلة المسألة ومناقشتها عند بحث حكم تكبيرات الانتقال، ومنها التكبير للسجود، فارجع إليها في هذا المجلد، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.\n\n* * *\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤١٨)، وانظر: التمهيد (٩/ ١٨٤).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣٩٧)،\n(^٣). قال في الإنصاف (٢/ ١١٥): «وواجباتها تسعة: التكبيرة غير تكبيرة الإحرام ...»، وانظر: الفروع (٢/ ٢٤٩)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣)، المحرر (١/ ١١٦، ١١٧)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الكافي (١/ ٢٦٢)، المبدع (١/ ٤٤٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٨)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠).\n(^٤). شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٥٣).\n(^٥). المحلى (٢/ ٢٨٦).","vol":"4","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>الفصل الثاني في وقت ابتداء التكبير للرفع من السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ -: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).\n• التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.\n• لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي - ﷺ - لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.\n• الأصل في أفعال الرسول - ﷺ - الاستحباب.\n• إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.\n• إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.\n[م-٦٨٥] يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا (^١).\n_________\n(^١). انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (١/ ٣٣٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٩٣)، بدائع الصنائع =","vol":"4","page":381},{"text":"وقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يشرع في الرفع من السجود، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات.\nوقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة (^١).\nوقد سبق لي بحث هذه المسألة في مبحث وقت ابتداء التكبير عند الكلام على أحكام الركوع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولكن أعدت التذكير بالأقوال حتى يعلم أن هذه المسألة لم تهمل من البحث.\n\n* * *\n_________\n= (١/ ٢٠٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٢)، الدر المختار (ص: ٦٨)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٠).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٦٤): «السنة التكبير حين الشروع إلا في قيام الجلوس، فإنه بعد أن يستقل قائمًا للعمل ....».\nوانظر: مختصر خليل (ص: ٣٣)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٥٧)، تهذيب المدونة (١/ ٢٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٥)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٠)، الفواكه الدواني (١/ ١٧٩)، شرح الزرقاني (١/ ٣٧٥)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (١/ ٣٢٨).\nوقال الرافعي في فتح العزيز (٣/ ٣٨٧): «ويبتدئ به -يعني التكبير- في ابتداء الهُوِي».\nوقال في الروضة (١/ ٢٥٠): «يستحب أن يكبر للركوع، ويبتدئ به في ابتداء الهوي».\nوقال في العباب المحيط (١/ ٣٤٧): «ويسن أن يبدأ بتكبيرة الانتقال قائمًا، لا مع ابتداء هويِّه خلافًا للعزيز والروضة».\n\n(^١). قال في الإنصاف (٢/ ٥٩): وإن شرع فيه قبله، أو كمله بعده فوقع بعضه خارجًا عنه فهو كتركه ....». وانظر: شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٨٩)، مطالب أولي النهى (١/ ٥٠٣)، الفواكه العديدة (١/ ٨٩).","vol":"4","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>الفصل الثالث في رفع اليدين مع الرفع من السجود</span>\nلمدخل إلى المسألة:\n• رفع اليدين في الصلاة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.\n• لا يختلف الفقهاء في رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، ويختلفون فيما عدا ذلك.\n• قال الإمام البخاري: يروى عن سبع عشرة نفسًا من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، ثم ذكرهم. اهـ ولم ينقل ذلك عنهم في السجود.\n• لا يصح حديث في رفع اليدين في كل خفض ورفع، والمحفوظ كان يكبر في كل خفض ورفع.\n• يرفع يديه للإحرام وللركوع وللرفع منه، هذه المواضع الثلاثة سالمة من المعارضة، والأصح أنه لا يرفع يديه إذا قام من الركعتين، والرفع في غير هذه المواضع الأربعة وهم.\n• سئل أحمد عن الرفع إذا قام من الثنتين، قال: أما أنا فلا أرفع يدي، فقيل له: بين السجدتين أرفع يدي؟ قال: لا.\n[م-٦٨٦] اختلف العلماء في حكم رفع اليدين إذا كبر للسجود أو رفع منه،\nفقيل: لا يرفع يديه مع التكبير للسجود، وهو مذهب الأئمة الأربعة (^١).\n_________\n(^١). الأصل (١/ ١٣)، المبسوط (١/ ١٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٧)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، المدونة (١/ ١٦٥)، التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٩٦)، البيان والتحصيل (١/ ٤١٣)، النوادر والزيادات (١/ ١٧١)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، القوانين الفقهية (ص: ٤٣)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٣١)، الشرح الصغير (١/ ٣٢٤)، الثمر الداني (ص: ٦٥١)،.\nجاء في التاج والإكليل نقلًا من الإكمال (٢/ ٢٣٩): «اختلف عن مالك في الرفع، فروي عنه: =","vol":"4","page":383},{"text":"وقيل: يستحب رفع اليدين للرفع من السجود.\nوقد ذهب إلى هذا بعض أهل الحديث، كالقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو قول مرجوح عن الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (^١).\nوحمل القاضي أبو يعلى هذه الرواية على الجواز دون الاستحباب (^٢).\nونقل المروذي عن أحمد أنه قال: لا يرفع يديه بين السجدتين، فإن فعل فهو جائز» (^٣).\n_________\n= لا رفع إلا في الافتتاح، وهي أشهر الروايات».\n\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٢٦)، المهذب للشيرازي (١/ ١٣٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٦٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٥)، نهاية المحتاج (١/ ٤٩٨)، فتح العزيز (٣/ ٣٩٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٥٠)، المجموع (٣/ ٣٩٦)، العباب المحيط (١/ ٣٤٧). ...\nوانظر في مذهب الحنابلة: مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢/ ٥١٥)، ومسائل أبي داود (ص: ٥٠)، مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: ٧٠)، الفروع (٢/ ١٩٥)، المحرر (١/ ٦١)، المبدع (١/ ٣٩٣)، الإنصاف (٢/ ٥٩)، المقنع (ص: ٥٠)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٥٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٣)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٤٢)، الإقناع (١/ ١١٩).\n\n(^١). روى ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٧) أخبرنا ابن علية، عن أيوب، قال: رأيت نافعًا وطاوسًا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده صحيح.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٧٩٨) أخبرنا يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين. وسنده ضعيف، فيه أشعث بن سوار ضعفه أحمد وغيره.\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٢٧) عن ابن جريج، عن عطاء، وسنده صحيح.\nوقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٣): «وقع في أواخر البويطي يرفع يديه في كل خفض ورفع، فيحمل الخفض على الركوع، والرفع على الاعتدال، وإلا فحمله على ظاهره يقتضي استحبابه في السجود أيضًا وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد نفاه ابن عمر، وأغرب الشيخ أبو حامد في تعليقه، فنقل الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة، وتعقب بصحة ذلك عن ابن عمر وابن عباس وطاوس ونافع وعطاء، كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية، وقد قال به من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر، وأبو علي الطبري، والبيهقي، والبغوي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وهو شاذ».\nوانظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٩٥)، المحلى (٣/ ١٠)، بداية المجتهد (١/ ١٤٢)، فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥١).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٦/ ٣٥٢).","vol":"4","page":384},{"text":"وقد تكلمت عن أدلة المسألة عند الكلام على حكم رفع الأيدي مع تكبيرات الانتقال، والرفع من السجود فرد منها، فارجع إليه إن شئت.\n\n* * *","vol":"4","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الرفع من السجود مقصود لغيره.\n• كونه مقصودًا لغيره لا ينافي ركنيته.\n• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته.\n• القول بأن الرفع يأخذ حكم الاعتدال؛ لأنه وسيلة إليه، يجعل الرفع ملحقًا بالأركان كالاعتدال.\n• جاء الأمر بالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته.\n• حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة.\n• لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله - ﷺ -: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ.\n\n[م-٦٨٧] اختلف الفقهاء في حكم الرفع من السجود،\nالقول الأول: مذهب الحنفية، واختلفوا في المذهب على أقوال:\nأحدها: أن الرفع من السجود لا بد منه؛ لأنه لا يتصور أن يقوم بسجدتين دون أن يرفع من الأولى.\nوالواجب من الرفع، قيل: أن يكون إلى الجلوس أقرب منه إلى السجود.\nوقيل: يكفي القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين.","vol":"4","page":386},{"text":"فإن تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع لم يجب الرفع على أحد القولين (^١).\nقال القدوري في التجريد: «فإن سجد على وسادة، ثم أزيلت، فَانْحَطَّ إلى الأرض جاز ذلك عن السجدة الثانية من غير رفع» (^٢).\nوقال الزيلعي: «وتكبير السجود والرفع منه ... لأن التكبير عند الرفع منه سنة، وكذا الرفع نفسه .... فالمقصود الانتقال، وقد يتحقق بدونه، بأن يسجد على الوسادة، ثم تنزع ويسجد على الأرض ثانيًا، ولكن لا يتصور هذا إلا عند من لا يشترط الرفع حتى يكون أقرب إلى الجلوس» (^٣).\nوقيل: يجب الرفع من السجود ولو تمكن من الفصل بين السجدتين بلا رفع (^٤).\nقال ابن عابدين: «وجوب نفس الرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين للمواظبة على ذلك كله، وللأمر في حديث المسيء صلاته» (^٥).\nوقيل: الرفع من السجود فرض، روي ذلك عن أبي حنيفة، وحكاه الطحاوي عن الأئمة الثلاثة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٥)، مراقي الفلاح (ص: ٩٩).\n(^٢). التجريد للقدوري (٢/ ٥٣٣).\n(^٣). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، وانظر: البحر الرائق (١/ ٣٢١).\n(^٤). البحر الرائق (١/ ٣١٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٦).\n(^٥). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).\n(^٦). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤، ٤٦٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧)، درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/ ٧١)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٠)، البيان والتحصيل (٢/ ٥٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٣)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، منح الجليل (١/ ٢٥٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (... ١/ ٣٥٦).\nوأما الشافعية والحنابلة، فأحيانًا يذكرون الرفع كركن مستقل بنفسه، وأحيانًا يكتفون بذكر الجلسة بين السجدتين؛ فإنه يغني عن ذكر الرفع، فالرفع داخل في الاعتدال.\nيقول ابن قاسم في حاشيته (٢/ ١٢٥): «يغني عن ذكر الاعتدال قوله: والجلوس بين السجدتين، كما أغنى عن ذكر الرفع من الركوع ذكر الاعتدال عنه».\nوقد بينت ذلك في الرفع من الركوع بنقل النصوص عن أئمة المذهب، فارجع إليه إن شئت","vol":"4","page":387},{"text":"قال الزيلعي في تبيين الحقائق: «روي عن أبي حنيفة أن الرفع منه فرض» (^١).\nوقال ابن رشد في البيان: «وأما الرفع من السجود، فلا اختلاف أنه فرض؛ إذ لا يتم السجود إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، والله ﷾ أعلم، وبه التوفيق» (^٢).\nومع أن المالكية يتفقون بأن الرفع من السجود فرض؛ لأن السجدة وإن طالت لا يتصور أن تكون سجدتين فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى تكون سجدتين، وهذا الاتفاق لا يعارض اختلافهم في الجلسة بين السجدتين، أهي فرض أم سنة؛ لأن هذا الاختلاف في الاعتدال، لا في أصل الفصل (^٣).\nهذه أقوال الأئمة الفقهاء، وقد سبق أن ذكرت أدلة المسألة في مسألة الرفع من الركوع، فأدخلت معها الرفع من السجود لكون الأدلة فيهما واحدة، فأغنى ذلك عن تكرارها هنا، ولله الحمد.\n\n* * *\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).\n(^٢). البيان والتحصيل (٢/ ٥٤).\n\nوفي لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٨٨): «الرفع من السجود فرض باتفاق؛ لأنه لو لم يرفع منه فهو سجدة واحدة، إذ السجدة ولو طالت لا تتصور سجدتين، فلا بد من فصل بين السجدتين برفع حتى تكونا اثنتين مع أنه لا يمكن الإتيان بما بعد السجود من الأركان إلا بالرفع منه. وفي إجزاء صلاة من لم يرفع يديه أو إحداهما بين السجدتين مع الرفع الفرض، قولان، المشهور الإجزاء. كما في الحطاب عن الذخيرة؛ لأن الأصل الوجه، وأما اليدان فتبع له، والتابع لا يضر تركه».\n(^٣). انظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٦).","vol":"4","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.\n• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.\n• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.\n• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول - ﷺ -: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).\n• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، لقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).\n[م-٦٨٨] اختلف الفقهاء في حكم الاعتدال من السجود،\nفقيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد (^١).\n_________\n(^١). قال ابن عابدين في حاشيته (١/ ٤٦٤): «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور في المذهب السنية، وروي وجوبهما». اهـ وقوله: (وتعديلهما) أي تسكين الجوارح فيهما، حتى تطمئن مفاصله. انظر التعريفات الفقهية لمحمد عميم (ص: ٥٨).\nوانظر: المبسوط (١/ ١٨٩)، فتح القدير (١/ ٣٠١، ٣٠٢)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥١)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).\nقال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (٢/ ٥٣، ٥٤): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد .... قال محمد بن رشد: قوله ... يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوط، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اهـ\nوحكى عياض كما في التاج والإكليل (٢/ ٢٢١): قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان في الاعتدال، أحدهما: أنه من السنن.\nوانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، القوانين الفقهية (ص: ٤٠)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٤)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ٢٢٣)، المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣) ..","vol":"4","page":389},{"text":"قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين، وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف» (^١).\nوقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها ...» (^٢).\nوقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (^٣).\n_________\n(^١). تبيين الحقائق (١/ ١٠٧).\n(^٢). البيان والتحصيل (١/ ٣٥٤).\n(^٣). المبسوط (١/ ١٨٩)، قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: ٩٣): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة ... والاعتدال والطمأنينة على الأصح ...».\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٧): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه».\nوقال في أسهل المدارك (١/ ٢٠٥): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين =","vol":"4","page":390},{"text":"قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض ... ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال» (^١).\nوقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض» (^٢).\nوقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا (^٣).\nوقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو (^٤).\nقال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب» (^٥).\nوقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب\n_________\n= اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام».\nوقال الدردير في الشرح الكبير (١/ ٢٤١): «فإن تركه -يعني الاعتدال- ولو سهوًا بطلت على الأصح».\nوانظر: التفريع لابن الجلاب (١/ ٧٢)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٤)، الشامل في فقه مالك (١/ ١٠٢)، كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٦٧)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨١)، منح الجليل (١/ ٢٥١).\nالأم للشافعي (١/ ١٢٤، ١٣٥)، الوسيط (٢/ ٨٦)، فتح العزيز (٣/ ٢٥٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٦٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٦١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٠٠)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٩١٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٧)، المغني (٢/ ٣)، المحرر (١/ ٦٨)، شرح الزركشي (٢/ ٣)، المبدع (١/ ٤٤١)، الإقناع (١/ ١٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧).\n(^١). التاج والإكليل (٢/ ٢٢٠)، وانظر: التمهيد (١٩/ ٧)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٧).\n(^٢). المقدمات الممهدات (١/ ١٦٣).\n(^٣). قال في التلقين (١/ ٤٣): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين».\nوانظر: التوضيح لخليل (١/ ٣٥٧)، شرح التلقين (١/ ٥٢٦)،.\n(^٤). البحر الرائق (١/ ٣١٧)، مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، فتح القدير (١/ ٣٠٢).\n(^٥). فتح القدير (١/ ٣٠٢).","vol":"4","page":391},{"text":"السنية، وروي وجوبهما، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) ومن بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب» (^١).\nفتبين من عرض الأقوال أنها ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.\nوقد سبق لي أن ذكرت مسألة الاعتدال من السجود مع مسألة الاعتدال من الركوع، لأن أدلتهما والخلاف فيهما واحد، فارجع إليها إن شئت، إنما اقتضى عند المرور على موضعها من البحث التذكير بها مخافة أن يظن من يراجع هذا الموضع فقط من الكتاب أن الكتاب قد غفل عنها، والله الموفق.\n\n* * *\n_________\n(^١). حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٤).","vol":"4","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• السنة في صفة الجلوس في الصلاة صفتان: الافتراش والتورك.\n• لا تتعين في القعود في الصلاة هيئة للصحة، لكن الإقعاء المنهي عنه مكروه.\n• من قال: إن صفة الجلوس كلها افتراش، أو كلها تورك فقد قصر في الأخذ بجميع ما ورد في السنة في صفة الجلوس.\n• من افترش في جميع صلاته أخف ممن تورك فيها كلها؛ لأن المفترش قد ترك سنة التورك، ومن تورك في غير موضعه فقد خالف السنة، وترك السنة أولى من مخالفتها؛ لأن تركها من قبيل الجائز، ومخالفتها تحريف لها.\n• أسعد الأقوال في مواضع الافتراش والتورك هو مذهب الحنابلة، وبه تجتمع الأدلة، والله أعلم.\n[م-٦٨٩] الجلوس في الصلاة في ثلاثة مواضع، في الجلسة بين السجدتين، وفي التشهد الأول، وفي الأخير.\nوالمأثور في صفة الجلوس في الصلاة صفتان:\nالافتراش: وصفته أن يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويوجه أصابع اليمنى إلى القبلة.\nوالتورك: هو الاعتماد على الورك، بأن يفرش اليسرى تحت رجله اليمنى فيقعد عليها وينصب اليمنى، ويوجه أصابعه للقبلة، ويفضي بأليته اليسرى إلى الأرض، فتصير رجلاه من الجانب الأيمن.\nواختلف الفقهاء في صفة الجلوس في الصلاة بمواضعه الثلاثة، بين","vol":"4","page":393},{"text":"السجدتين، وفي التشهد الأول، والأخير.\nفقال الحنفية: صفة الجلوس كله في الصلاة الافتراش (^١).\nوقال المالكية: صفة الجلوس كله في الصلاة التورك (^٢).\nوذهب الشافعية والحنابلة إلى أن السنة في الجلسة بين السجدتين والتشهد الأول الافتراش، وفي التشهد الأخير التورك، إلا أن الحنابلة قالوا: لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان كالثلاثية والرباعية، وقال الشافعية يتورك في كل تشهد يعقبه سلام، ولو كانت ثنائية (^٣).\nقال النووي في المجموع: «مذهبنا أنه يستحب أن يجلس في التشهد الأول مفترشًا وفي الثاني متوركًا فإن كانت الصلاة ركعتين جلس متوركًا» (^٤).\nهذه مجمل الأقوال في صفة الجلوس في الصلاة، ومنها الجلوس بين السجدتين، والله أعلم.\n• دليل الحنفية على أن الجلوس كله افتراش:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٠١) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة،\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٧)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٢٦٩)، فتح القدير (١/ ٣١٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢١١)، البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٧)، شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦٢٤)، التجريد للقدوري (٢/ ٥٥٣).\n(^٢). التهذيب في اختصار المدونة للبراذعي (١/ ٢٤٠)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١١)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٩)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٧٦)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٣٧)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٨)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ١٢٩)، كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٧٤)،.\n(^٣). المجموع (٣/ ٤٥٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٠)، الوسيط (٢/ ١٤٦)، فتح العزيز (٣/ ٤٩٢)،.\n(^٤). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٥٠).","vol":"4","page":394},{"text":"بـ الحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يُصَوِّبْهُ ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد، حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن عائشة ﵂ وصفت جلوس رسول الله - ﷺ - في صلاته فلم تذكر غير الافتراش، وهو مطلق، فيشمل الجلوس بين السجدتين، والتشهد الأول والأخير، فكانت هذه صفة جلوسه في الصلاة من غير فرق بين جلوس وجلوس.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٠٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عبد الله، أنه أخبره:\nأنه كان يرى عبد الله بن عمر ﵄، يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إنك تفعل ذلك، فقال: إن رِجْلَيَّ لا تحملاني (^٢).\nورواه النسائي من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر به، ولفظه: (من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى) (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٠٣) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: ثنا عاصم بن كليب الجرمي، قال: سمعت أبي، يقول:\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٨٢٧)، وهو في الموطأ (١/ ٨٩).\n(^٣). سنن النسائي (١١٥٨).","vol":"4","page":395},{"text":"سمعت وائل بن حجر الحضرمي، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى .... الحديث (^١).\nورواه أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (... فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها ....) (^٢).\nورواه ابن إدريس عن عاصم بن كليب به، وفيه: (... وثنى رجله اليسرى، ونصب اليمنى) (^٣).\n_________\n(^١). مسند الحميدي (٩٠٩).\n(^٢). رواه أبو داود الطيالسي (١١١٣)، قال: حدثنا سلام بن سليم، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل الحضرمي، قال: صليت خلف النبي - ﷺ - فقلت: لأحفظن صلاته، فافتتح الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى بلغ أذنيه، وأخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر، ورفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ووضع كفيه على ركبتيه حين ركع، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ثم سجد فافترش قدمه اليسرى فقعد عليها .... الحديث.\nومن طريق أبي الأحوص رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤) ح ٨٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٦، ٢٢٣، ٢٣٠، ٢٥٩)، وابن المقرئ في الأربعين (٤٢)، والدارقطني في السنن (١١٣٤)، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣١).\nوقد رواه عشرون راويًا عن عاصم، بعضهم مختصرًا وبعضهم مطولًا، يزيد بعضهم على بعض، وقد سبق لي تخريج هذه الطرق، ولله الحمد، انظر رقم (١٢٤٧).\nوقد خرجت طرق عاصم كلها فيما سبق، انظر ح (١٢٤٧).\n(^٣). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٢٣)، أخبرنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، «أن النبي - ﷺ - جلس فثنى اليسرى، ونصب اليمنى، يعني في الصلاة.\nورواه الترمذي (٢٩٢)، حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس به، ولفظ: (قدمت المدينة، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ -، فلما جلس، يعني للتشهد،: افترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى، يعني، على فخذه اليسرى، ونصب رجله اليمنى).\nورواه ابن خزيمة (٦٩٠، ٧١٣) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج، أخبرنا ابن إدريس به، وفيه: (... وثنى رجله اليسرى، ونصب اليمنى).\n\nورواه سلم بن جنادة كما في صحيح ابن حبان بتمامه (١٩٤٥)، قال: حدثنا ابن إدريس به، وفيه: (.... فلما جلس افترش قدميه ....). =","vol":"4","page":396},{"text":"ورواه جعفر بن زياد الأحمر، عن عاصم بن كليب به، ولفظه: (صليت مع النبي - ﷺ -، فلما سجد افترش اليسرى ونصب اليمنى) (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن حديث وائل بن حجر لم يذكر في صفة الجلوس إلا الافتراش، ولو كان هناك تورك لنقله.\n• دليل من قال: صفة الجلوس كله في الصلاة التورك:\nأورد مالك في صفة الجلوس عن ابن عمر حديثًا وأثرًا.\n(ح-١٩٠٤) أما الحديث فما رواه مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن ابن القاسم،\nعن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره أنه: كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، قال: ففعلته وأنا يومئذٍ حديث السن، فنهاني عبد الله وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسرى. فقلت له: فإنك تفعل ذلك. فقال: إن رِجْلَيَّ لا تحملاني (^٢).\n[صحيح وهو في البخاري وتقدم تخريجه].\n_________\n= ورواه غيرهم مختصرًا ومقطعًا، وليس فيه جملة البحث،\nفقد أخرجه النسائي في المجتبى (١١٠٢)، وفي الكبرى (٦٩٣) أخبرني أحمد بن ناصح،\nوابن الجارود في المنتقى (٢٠٢) وابن خزيمة عن علي بن خشرم،\nوابن ماجه (٨١٠، ٩١٢) حدثنا علي بن محمد،\nوابن خزيمة (٦٩٠، ٧١٣) عن عبد الله بن سعيد،\nكما رواه أيضًا ابن أبي شيبة في المصنف مقطعًا الحديث مستشهدًا به في مواضع من مصنفه: (٢٤١٠، ٢٦٦٦، ٢٤٢٦، ٣٩٣٥، ٨٤٤٢، ٢٩٦٧٩)، كلهم (ابن ناصح، وابن خشرم، وعلي بن محمد، وعبد الله بن سعيد، وابن أبي شيبة) عن ابن إدريس به.\nوقد رواه عشرون راويًا عن عاصم، بعضهم مختصرًا وبعضهم مطولًا، يزيد بعضهم على بعض، وقد سبق لي تخريج هذه الطرق، ولله الحمد، انظر رقم (١٢٤٧).\n\n(^١). تفرد به الطبراني من هذا الوجه، فقد أخرجه في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٨) ح ٩٢.\nوانظر للوقوف على طرقه، ح (١٢٤٧).\n(^٢). الموطأ (١/ ٨٩، ٩٠).","vol":"4","page":397},{"text":"(ث-٤٦١) ثم أعقبه مالك بأثر رواه عن يحيى بن سعيد،\nأن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه. ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك (^١).\nوقد حاول الزرقاني أن يحمل حديث ابن عمر الذي له حكم الرفع، والذي نص على الافتراش أن يحمله على فعله الذي نص على التورك.\nيقول الزرقاني: «فتبين من رواية القاسم ما أُجْمِلَ في رواية ابنه عبد الرحمن، ولهذا أتى الإمام بها تلو تلك، ولم يَكْتَفِ بهذه لتصريح الأولى بأنه السنة المقتضية للرفع، بخلاف هذه، فحسن منه ذكرهما معًا» (^٢).\nوهذا الحمل لا يساعد عليه اللفظ، فالمرفوع صريح بالافتراش، والموقوف صريح بالتورك، وحمل أحدهما على الآخر دون دليل من اللفظ غير مقبول، فالمخالفة بين ما رواه ابن عمر مرفوعًا، وبين ما فعله واضحة، ولعل الجمع بينهما بما يتفق مع حديث أبي حميد الساعدي أولى، فيحمل المرفوع على التشهد الأول، ويحمل الموقوف على التشهد الثاني، والله أعلم.\n• دليل الشافعية على أن التورك في الجلسة الأخيرة، ولو كانت الصلاة ثنائية:\n(ح-١٩٠٥) استدلوا بما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث، وفيه: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته (^٣).\n_________\n(^١). الموطأ (١/ ٩٠).\n(^٢). شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٣٦).\n(^٣). صحيح البخاري (٨٢٨).","vol":"4","page":398},{"text":"فأخذ الشافعية من قوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) أن السنة التورك في الركعة الأخيرة مطلقًا ولو كانت الصلاة ثنائية لأن قوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) يصدق على الثنائية والثلاثية والرباعية، ولو أراد التشهد الأخير لقال: (فإذا جلس في التشهد الأخير).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٠٦) ما رواه أبو داود، حدثنا الإمام أحمد، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر، أخبرني محمد بن عمرو بن عطاء، قال:\nسمعت أبا حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، قالوا: فلم؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبةً، قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ... وذكر الحديث وفيه: (... .. حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر، قالوا: صدقت هكذا كان يصلي النبي - ﷺ - (^١).\n[حسن في الجملة].\nهذا طريق آخر لحديث أبي حميد الساعدي، فقوله: (حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا) فخص التورك في الجلسة التي فيها التسليم، وهو يشمل الثنائية كما يشمل الثلاثية والرباعية.\nالدليل الثالث:\nمن النظر، فإن الافتراش خص التشهد الأول؛ لأنه قصير، وخص التورك في التشهد الذي يعقبه السلام ولو كانت الصلاة ثنائية؛ لأنه طويل، فناسب فيه أن يتورك المصلي ويستريح.\n• دليل الحنابلة في اختصاص التورك في صلاة فيها تشهدان:\nأخذوا من حديث عائشة في مسلم وحديث وائل بن حجر في ذكر الافتراش في التشهد\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٣٠).","vol":"4","page":399},{"text":"فقط ولم يذكر التورك على أن السنة في الصلاة الافتراش إذا كانت ذات تشهد واحد.\nوحملوا حديث أبي حميد الساعدي في البخاري أنه ذكر التورك لأنه ذكر في الحديث تشهدين.\n(ح-١٩٠٧) فقد ورى مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ الحمد لله رب العالمين ... وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ... الحديث (^١).\nفهذا الحديث محمول على صلاة ذات تشهد واحد.\n(ح-١٩٠٨) وكذلك ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: ثنا عاصم بن كليب الجرمي، قال: سمعت أبي، يقول:\nسمعت وائل بن حجر الحضرمي، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ورأيته إذا جلس في الصلاة أضجع رجله اليسرى ونصب اليمنى .... الحديث (^٢).\nورواه أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (... فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها ....) (^٣).\nفقوله: (فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى) محمول على صلاة فيها تشهد واحد.\n(ح-١٩٠٩) وأما ما رواه البخاري من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة،\nعن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبي - ﷺ -، فذكرنا صلاة النبي - ﷺ -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ... وذكر الحديث، وفيه: فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٢). مسند الحميدي (٩٠٩).\n(^٣). سبق تخريجه في أدلة القول الأول.","vol":"4","page":400},{"text":"في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته (^١).\nفهنا ذكر التورك لأنه ذكر جلستين للتشهد، فأخذ الحنابلة من إطلاق قوله: (إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى) يشمل ما إذا كانت الركعتان في صلاة ثنائية، أو كانت أكثر من ذلك كالثلاثية والرباعية.\nوقوله: (وإذا جلس في الركعة الآخرة) أي زائدًا على الركعتين؛ لأنه بين السنة في الجلوس في الركعتين.\n• الراجح:\nأما مذهب الحنفية والمالكية فهم أخذوا أحد طرفي السنة، وتركوا السنة الأخرى، وأما مذهب الشافعية والحنابلة فقد أخذوا سنة الافتراش وسنة التورك، وإن كان تفصيل الحنابلة أرى أنه أقرب من مذهب الشافعية، وفيه تجتمع الأدلة، والله أعلم، والافتراش والتورك على الاستحباب، وليس منه شيء واجب، فإذا جلس المصلي على أي هيئة جلس فقد تم فرضه، إلا أن الإقعاء مكروه، وسيأتي بيان الخلاف فيه، وما يكره منه.\nقال ابن شاس في الجواهر: فلا تتعين في القعود هيئة للصحة، لكن الإقعاء مكروه (^٢).\nوقال مثله الغزالي في الوسيط (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٨).\n(^٢). عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠١)، مواهب الجليل (٢/ ٤).\n(^٣). الوسيط (٢/ ١٠٢).","vol":"4","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الإقعاء لفظ يدخل تحته صور كثيرة، منها ما هو منهي عنه باتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه، والراجح أنه سنة.\n• قال النووي: الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان.\n• روي الإقعاء المسنون عن العبادلة، ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير.\n• الأفضل أن يفعل الإقعاء أحيانًا؛ لأن صفة الافتراش في الجلوس أشهر من الإقعاء.\n[م-٦٩٠] أشهر صور الإقعاء في الصلاة نوعان:\nالأول: منهي عنه بالاتفاق في الصلاة، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، ونسبه لأهل اللغة (^١).\nقال النووي: الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان:\nأحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم ابن سلام، وآخرون من أهل اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي» (^٢).\nقال ابن رشد: «لا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة» (^٣).\nوقال ابن قدامة: «لا أعلم أحدًا قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة» (^٤).\n_________\n(^١). .\n(^٢). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٩).\n(^٣). بداية المجتهد (١/ ١٤٩).\n(^٤). المغني (١/ ٣٧٦).","vol":"4","page":402},{"text":"وقال النووي: «هو مكروه باتفاق العلماء» (^١).\nوذهب الحنفية إلى كراهته كراهة تحريم، وصرح المالكية بتحريمه (^٢).\nوالنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، ونسبه أبو عبيد للفقهاء، وهذا النوع مختلف فيه.\nفقيل: يكره وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وجعله الرافعي من الشافعية أحد الأوجه في تفسير الإقعاء المكروه، وهو المذهب عند الحنابلة (^٣).\n_________\n(^١). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٢١٥).\n(^٢). البحر الرائق (٢/ ٢٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٣)، وصرح بعض المالكية أن الإقعاء أربعة أنواع، ثلاثة مكروهة، والممنوع منها واحد، يقصدون بالممنوع ما كان على تفسير أبي عبيدة ﵀، انظر: منح الجليل (١/ ٢٧١)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٨٧)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٧٤).\n(^٣). الإقعاء في الصلاة عند الحنفية نوعان.\nالأول: تفسير الكرخي: وهو أن يقعد على عقبيه، ناصبًا رجليه، واضعًا يده على الأرض.\nوالثاني: تفسير الطحاوي: أن يضع أليتيه على الأرض واضعًا يديه عليها، وينصب فخذيه، ويجمع ركبته إلى صدره.\nوصحح أكثر الحنفية تفسير الطحاوي، وكونه أصح أن هذا هو المراد في الحديث بإقعاء الكلب، لا أن ما قاله الكرخي غير مكروه، بل يكره كذلك أيضًا. انظر: فتح القدير لابن الهمام (١/ ٤١١)، البحر الرائق (٢/ ٢٤)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٣٤٨).\nوأما حكم الإقعاء فقال أكثر الحنفية بكراهة الإقعاء بنوعيه، فالأول كراهته لأن النبي - ﷺ - نهى عن عقب الشيطان، والثاني: لأنه بهذه الصفة يشبه إقعاء الكلب.\n\nوأطلقوا الكراهة، ولم يفسروها بأنها للتحريم أو للتنزيه. انظر: الأصل (١/ ١١)، المبسوط (١/ ٢٦)، شرح مختصر الطحاوي (١/ ٦٢٤)، فتح القدير (١/ ٤١١)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٥)، الهداية شرح البداية (١/ ٦٤)، فتح القدير (١/ ٤١١).\nوحمل بعضهم الكراهة على كراهة التحريم، وظاهره للنوعين معًا. البحر الرائق (٢/ ٢٤)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٤٣)، تبيين الحقائق (١/ ١٦٣).\nوذكر صاحب المُغْرِب كما في البحر الرائق (٢/ ٢٤) بأن الإقعاء على تفسير الطحاوي مكروه كراهة تحريم لاتفاق العلماء على كراهته.\nوالإقعاء على تفسير الكرخي مكروه كراهة تنزيه للاختلاف في حكمها، والله أعلم. =","vol":"4","page":403},{"text":"قال ابن رشد: «رأى قوم أن معنى الإقعاء الذي نهي عنه: هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وأن يجلس على صدور قدميه، وهو مذهب مالك» (^١).\nوقال ابن زرقون: «كره مالك الصفتين معًا» (^٢)، يعني الإقعاء بصورتيه.\nوقال أبو الخطاب الحنبلي في الهداية: «ولا يقعي؛ فيمد ظهر قدميه، ويجلس على عقبيه، أو يجلس على أليتيه، وينصب قدميه، فإنه منهي عنه» (^٣).\nوقيل: يستحب، روى البويطي عن الشافعي استحبابه، واستحبه النووي وابن الصلاح والبيهقي، وقال المتأخرون منهم: والافتراش أفضل منه، واستحبه أحمد في رواية (^٤).\nقال الخطيب الشربيني: «روى البويطي عن الشافعي أنه يجلس على عقبيه ويكون صدور قدميه على الأرض، وتقدم أن هذا نوع من الإقعاء مستحب، والافتراش أفضل منه» (^٥).\nوقيل: الإقعاء جائز، وهو رواية عن أحمد (^٦).\n_________\n= وانظر في مذهب المالكية: المدونة (١/ ١٦٨)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤١)، البيان والتحصيل (١/ ٢٥٧)، النوادر والزيادات (١/ ١٨٧)، القوانين الفقهية (ص: ٣٩، ٤٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢٦٢)، مواهب الجليل (١/ ٥٥٠)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (١/ ١٥٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠)، المهذب (١/ ١٤٧)، الهداية إلى أوهام الكفاية (٢٠/ ١٢٨)، كفاية النبيه (٣/ ١٩٢)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٥٥)، التهذيب في فقه الإمام الشافعي (٢/ ١٢٠)، الإنصاف (٢/ ٩١)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٧)، كشاف القناع (١/ ٣٧١)، مسائل حرب الكرماني تحقيق الغامدي (ص: ١٨٦).\n\n(^١). بداية المجتهد (١/ ١٤٩)،.\n(^٢). التاج والإكليل (٢/ ٢٦٢).\n(^٣). الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٤).\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٣٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٥٠)، نهاية المحتاج (١/ ٤٦٩)، شرح مشكل الوسيط (٢/ ٩٣)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (٣/ ٣٦)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٤١)، الإنصاف للمرداوي (٢/ ٩١)، المقنع (ص: ٥٢).\n(^٥). مغني المحتاج (١/ ٣٧٥).\n(^٦). الإنصاف (٢/ ٩١).","vol":"4","page":404},{"text":"• دليل من قال: يكره الإقعاء:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩١٠) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ الحمد لله رب العالمين، ... وذكر الحديث، وفيه: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) فذكر الافتراش، وهي سنة الجلوس، ونهى عن عقبة الشيطان، وليس في الجلوس صفة منهي عنها إلا الإقعاء، فيحمل عليها، قال ابن الهمام: وعقبة الشيطان: الإقعاء (^٢).\nوقال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: «وفسر بأن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه. وقد سمي ذلك أيضًا الإقعاء» (^٣).\nوحملها النووي على الصفة المتفق على النهي عنها، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كما يفرش الكلب وغيره من السباع (^٤).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩١١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني حماد بن سلمة، عن قتادة،\nعن أنس بن مالك، «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الإقعاء، والتورك في\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٢). فتح القدير (١/ ٤١٠).\n(^٣). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٣٦).\n(^٤). شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ٢١٤).","vol":"4","page":405},{"text":"الصلاة، قال عبد الله: كان أبي قد ترك هذا الحديث (^١).\n[اختلف فيه على قتادة، والنهي عن التورك شاذ] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (٣/ ٢٣٣).\n(^٢). أخرجه يحيى بن إسحاق كما في مسند أحمد (٣/ ٢٣٣)، ومسند البزار (٤٥٨٨)، ومشكل الآثار (٦١٧٤)، وحديث أبي العباس السراج (٩٤١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٣) عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس.\nوظاهر الإسناد الصحة، إلا أن الخطأ فيه ظاهر، حيث نهي فيه عن التورك، ولم يَأْتِ إلا بهذا الإسناد الغريب، وهو مخالف لحديث أبي حميد الساعدي في البخاري، والخطأ يحتمل أن يكون من حماد بن سلمة، فإنه قد تغير بآخرة، وهو ثقة فيما يرويه عن ثابت وحميد الطويل وأضرابهما، وصدوق في روايته عن غيرهم، وقد سبق أن قسمت أحاديث حماد إلى ثلاثة أقسام، وقد يكون الخطأ من الراوي عنه.\nوخالف حمادًا سعيد بن بشير فرواه عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة هذا الحديث.\n\nورواه البزار في مسنده (٤٥٨٧) من طريق محمد بن بكار، قال: حدثنا سعيد بن بشير به، أمرنا رسول الله - ﷺ - ألا نستوفز في صلاتنا.\nتفرد بهذا سعيد بن بشير، وهو ضعيف.\nقال البزار: وهذا الحديث أظن أن يحيى بن إسحاق أخطأ فيه، وسعيد بن بشير فلا يحتج بحديث له إذا تفرد به، والحديث المحفوظ رواه حماد بن سلمة وغيره، عن قتادة، عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: إذا صلى أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب، أو السبع، هذا هو الحديث عندنا والله أعلم.\nقلت: رواه شعبة كما في صحيح البخاري (٨٢٢)، ومسلم (٢٣٣ - ٤٩٣)، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، قال: اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب.\nوقد روي الحديث من طريق سعيد بن المسيب، عن أنس، ولا يصح.\nأخرج الترمذي بعضه مفرقًا، وليس في أي منها موضع الشاهد (٥٨٩، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨)، والطبراني في الصغير (٨٥٦)، وفي الأوسط (٥٩٩١)، من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري.\nورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣٦٢٤) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الصدائي (متهم) حدثنا عباد بن ميسرة المنقري (ضعيف)، كلاهما (عبد الله بن المثنى والمنقري) عن علي بن زيد بن جدعان به.\nقال أبو عيسى الترمذي (٥/ ٤٦): هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ... وعلي بن زيد صدوق، إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره».\nقال: وسمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد، وكان رفاعًا، ولا نعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس، رواية إلا هذا الحديث بطوله، وقد روى عباد بن ميسرة المنقري، هذا الحديث، عن علي بن زيد، عن أنس، ولم يذكر فيه: عن سعيد بن المسيب. =","vol":"4","page":406},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٩١٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، أخبرنا علي بن مسهر، عن ليث، عن مجاهد،\nعن أبي هريرة، قال: «نهاني خليلي أن أقعي كإقعاء القرد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= قال الترمذي: وذاكرت به محمد بن إسماعيل، يعني البخاري، فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس، هذا الحديث، ولا غيره. اهـ\nوذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (٢/ ٣١٧).\n\n(^١). المصنف (٢٩٣٢).\n(^٢). الحديث رواه ليث بن أبي سليم، واختلف عليه:\nفقيل: عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة.\nرواه علي بن مسهر كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٣٢)،\nوعبد الواحد، كما في غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٥٥)، كلاهما عن ليث به، بلفظ: نهاني خليلي وقال عبد الواحد: نهى النبي - ﷺ - أن أقعي إقعاء القرد.\nورواه حفص بن غياث كما في سنن البيهقي (٢/ ١٧٣) عن ليث به، أمرني رسول الله - ﷺ - بثلاثة، ونهاني عن ثلاثة: أمرني بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أنام إلا على وتر، وركعتي الضحى. ونهاني عن الالتفات في الصلاة التفات الثعلب، وأقعي إقعاء القرد، وأنقر نقر الديك. فذكر ثلاثة مأمورات، وثلاثة منهيات.\nورواه علي بن عاصم كما في المسند (٢/ ٤٩٩)، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي - ﷺ -: أن لا أنام إلا على وتر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى.\nولم يذكر الإقعاء، كما لم يذكر المنهيات الثلاثة، وهذا ثابت عن أبي هريرة بسند أصح من هذا، فرواه الشيخان البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٨٥ - ٧٢١) من طريق أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة ..\nوقيل: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد وشهر بن حوشب، عن أبي هريرة.\nرواه أحمد (٢/ ٤٩٧)، قال: حدثنا معتمر، عن ليث، عن مجاهد، وشهر، عن أبي هريرة، قال: أوصاني خليلي بثلاث: أن لا أنام إلا على وتر، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن لا أدع ركعتي الضحى.\nفقرن بمجاهد شهر بن حوشب، وذكر المأمورات الثلاثة دون المنهيات، كرواية علي بن عاصم، عن ليث في مسند أحمد. =","vol":"4","page":407},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقيل: عن ليث بن أبي سليم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة.\n\nرواه البزار في مسنده (٩٦٢٤)، حدثنا محمد بن علي الأهوازي\nورواه الطبراني في الأوسط (٥٢٧٥) حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، كلاهما عن معافى ابن سليمان، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث به، بلفظ: أوصاني خليلي وصفيي - ﷺ - بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى، وأن لا أنام إلا على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني: إذا سجدت أن أقعي إقعاء القرد، أو أنقر نقر الغراب، أو ألتفت التفات الثعلب»\nقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن سعيد بن جبير إلا حبيب بن أبي ثابت، ولا عن حبيب إلا ليث، ولا عن ليث إلا موسى بن أعين، تفرد به: المعافى بن سليمان\nوفي لفظ البزار: والغسل يوم الجمعة أو ركعتي الضحى. أبو بكر يشك.\nوهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة ﵁، إلا من هذا الوجه، وقد روي عن أبي هريرة ﵁، من طرق كثيرة.\nفأنت ترى أن ليث بن أبي سليم قد اضطرب في إسناده، فمرة يجعله من رواية مجاهد، عن أبي هريرة، ومرة يجعله من رواية سعيد بن جبير عن أبي هريرة، ومرة يقرن مع مجاهد شهر ابن حوشب، ومرة يذكر المأمورات فقط، ومرة يذكر معها المنهيات، وفي ثالثة يقصر لفظه في النهي عن الإقعاء، وهو متفق على ضعفه.\nورواية شهر بن حوشب رواه أخص أصحابه، بذكر المأمورات دون ذكر المنهيات، وهو المعروف من لفظه كما في الصحيحين.\nرواه البزار في مسنده (٩٧٩٢)،\nوالبغوي في الجعديات (٣٤٢٢) حدثنا علي بن الجعد.\nوإسحاق بن راهويه (١٤٩) أخبرنا وكيع، ثلاثتهم (البزار، وعلي، ووكيع) رووه عبد الحميد ابن بهرام، عن شهر، عن أبي هريرة، قال أوصاني خليلي بثلاث الوتر قبل النوم وركعتي الضحى وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.\nوعبد الحميد بن بهرام مقدم على الليث في روايته عن شهر بن حوشب، ولم يذكر في لفظه المنهيات، ومنها الإقعاء، وهو المعروف.\nوتابع ليثًا يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وقد اختلف عليه في إسناده أيضًا:\nفقيل: عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن جبر.\nرواه شريك بن عبد الله النخعي (سيئ الحفظ) كما في مسند أحمد (٢/ ٣١١)،\nوعبد العزيز بن مسلم كما في مشكل الآثار للطحاوي (٦١٧٧)، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله - ﷺ - بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب. =","vol":"4","page":408},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٩١٣) ما رواه أحمد من طريق إسرائيل بن يونس، حدثنا أبو إسحاق، عن الحارث،\nعن علي، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: يا علي، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ وأنت راكع، ولا وأنت ساجد، ولا تُصَلِّ وأنت عاقص شعرك، فإنه كفل الشيطان، ولا تُقْعِ بين السجدتين، ولا تعبث بالحصى، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفتح على الإمام، ولا تختم بالذهب، ولا تلبس القسي، ولا تركب على المياثر (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= هذا لفظ شريك، وأما لفظ عبد العزيز بن مسلم، نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقعي في صلاتي إقعاء الذئب على العقبين.\nوخالفهما محمد بن فضيل (صدوق) كما في مسند أحمد (٢/ ٢٦٥)،\nوأبو عوانة (ثقة) كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٧١٦)، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد، عمن سمع أبا هريرة، أمرني خليلي - ﷺ - بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيام من الشهر، والوتر قبل النوم ونهاني عن ثلاث: عن الالتفات في الصلاة كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء القرد، ونقر كنقر الديك.\nفجمع مع ضعف يزيد بن أبي زياد، إبهام الراوي.\n(^١). المسند (١/ ١٤٦).\n(^٢). الحديث فيه أكثر من علة:\nالأولى: ضعف الحارث الأعور.\nالثانية: أبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث، قال أبو داود كما في السنن (٩٠٨): «أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها».\nالحديث مداره على أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁،\nورواه إسرائيل بن يونس كما في مصنف عبد الرزاق (٢٨٢٢)، ومسند الطيالسي (١٧٨)، ومسند أحمد (١/ ١٤٦)، وسنن الترمذي (٢٨٢)، وسنن ابن ماجه (٨٩٤)، وعبد بن حميد كما في المنتخب (٦٧)، ومشكل الآثار للطحاوي (٤٨٨٣، ٦١٧٥)، وفي شرح معاني الآثار مختصرًا (٤/ ٢٦٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٣٠١)،\nويونس بن أبي إسحاق، كما في سنن أبي داود مختصرًا ليس فيه جملة البحث (٩٠٨)، =","vol":"4","page":409},{"text":"الدليل الخامس:\n(ث-٤٦٢) ما رواه مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛\nأنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (^١).\n[صحيح] (^٢).\n• ويناقش:\nبأن ابن عباس أضاف الإقعاء إلى السنة، ولا يضيف ذلك إلا ومعه زيادة علم.\n• دليل من قال: من الإقعاء ما هو مسنون في الصلاة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩١٤) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع طاوسًا يقول:\nقلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك - ﷺ - (^٣).\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٦٣) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن ابن طاوس،\nعن أبيه، أنه رأى ابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس يُقْعُون بين السجدتين (^٤).\n_________\n= ومسند البزار (٨٥٤)،\nوالثوري، كما في مشكل الآثار (٦١٧٦، ٤٨٨٥)،\nوحجاج بن أرطاة، كما في مسند أحمد (١/ ٨٢)، ومسند البزار (٨٤٣)،\nومحمد بن إسحاق كما في مسند مسدد، المطالب العالية (٣٨١)، كلهم عن أبي إسحاق به.\n\n(^١). الموطأ (١/ ٨٩).\n(^٢). ومن طريق مالك رواه عبد الرزاق في المصنف (٣٠٤٤).\nورواه محمد بن الحسن الشيباني كما في روايته للموطأ (١٥٣)، ولفظه: رأيت ابن عمر يجلس على عقبيه بين السجدتين في الصلاة، فذكرت ذلك له، فقال: إنما فعلته منذ اشتكيت. اهـ\n(^٣). صحيح مسلم (٣٢ - ٥٣٦).\n(^٤). مصنف عبد الرزاق (٣٠٢٩).","vol":"4","page":410},{"text":"[صحيح] (^١).\nالدليل الثالث:\n(ث-٤٦٤) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال:\nأخبرني عطاء، أنه رأى ابن عمر يفعل في السجدة الأولى من الشفع والوتر خصلتين قال: رأيته يقعي مرةً إقعاءً جاثيًا على أطراف قدميه جميعًا، ومرة يثني رجله اليسرى فيبسطها جالسًا عليها، واليمنى يقوم عليها يحدبها على أطراف قدميه جميعًا، قال: رأيته يصنع ذلك في السجدة الأولى من السجدتين، وفي السجدة الثالثة من الوتر، ثم يثبت فيقوم (^٢).\n[صحيح] (^٣).\n• دليل من قال: الإقعاء جائز.\nلعله نظر إلى أن أكثر فعل النبي - ﷺ - هو الافتراش، فحمل ما ورد من الإقعاء على الجواز، وليس على السنية، والله أعلم.\n• الراجح:\nأن الإقعاء بهذه الصفة سنة يفعل أحيانًا، وهو من تنوع صفة الجلوس، والأفضل في العبادات التي وردت على صفات متنوعة أن تفعل على جميع وجوهها، ولا يلزم صفة واحدة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١). ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٢).\nوروى عبد الرزاق في المصنف (٣٠٣٣)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١١/ ٥٠) ح ١١٠١٠، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: من السنة أن يمس عقبك أليتيك. وسنده صحيح.\n(^٢). المصنف (٣٠٣٤).\n(^٣). ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٢).","vol":"4","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الخلاف في هذه المسألة فرد من الخلاف في مسائل سابقة، كالخلاف في أذكار الركوع والسجود وتكبيرات الانتقال والتسميع والتحميد، ينزع الحنابلة فيها إلى الوجوب، وهي من مفرداتهم، ويخالفهم الجمهور، فيذهبون إلى الاستحباب، وهو الحق.\n• لا يصح حديث مرفوع في ذكر معين بين السجدتين.\n• الجلوس بين السجدتين ركن طويل، وإذا كان كذلك فلا يخلو من ذكر كالقيام، ولو كان النبي - ﷺ - يسكت فيه لم يتعمد تطويله.\n• المصلي لم يتعبد بالسكوت المحض، فهو إما يذكر الله بفعله، أو يستمع إلى الذكر من خلال استماعه لقراءة إمامه.\n• قد تقرر جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها.\n• عمل الإمام أحمد بالحديث لا يلزم منه الصحة، لأن العمل أوسع، فالإمام أحمد كثيرًا ما يضعف أحاديث باب من الأبواب، ولا يمنعه ذلك من العمل بها، كالتسمية في الوضوء في إحدى الروايتين عنه.\n[م-٦٩١] اختلف العلماء في الجلسة بين السجدتين، هل يشرع فيها ذكر ودعاء،\nفقال الحنفية: لا يشرع في الفريضة شيء، وله أن يدعو بالمغفرة في صلاة النافلة كالتهجد (^١).\n_________\n(^١). بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٨، ٥٠٥)، التجريد للقدوري (٢/ ٥٤٧)، مراقي الفلاح (ص: ٢٦٨)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨)، النهر الفائق (١/ ٢٠٨).","vol":"4","page":412},{"text":"سئل أبو حنيفة في الرجل يرفع رأسه من الركوع: قال: «يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت، وكذلك بين السجدتين يسكت» (^١).\nوجاء في منحة الخالق: «مصلي النافلة ولو سنة يسن له أن يأتي بالأدعية الواردة، نحو ملء السموات والأرض إلى آخره بعد التحميد، واللهم اغفر لي وارحمني بين السجدتين» (^٢).\nوقال الشافعية والحنابلة والمالكية يدعو بين السجدتين على اختلاف بينهم في حكمه كما سيأتي (^٣).\nواختلف القائلون بمشروعية الدعاء في حكمه، وهل يتعين بصيغة معينة؟\nفقيل: يجوز الدعاء بين السجدتين، اقتصر عليه ابن الجلاب، وابن الحاجب، وهو ظاهر عبارة خليل.\nقال ابن الجلاب: «ولا بأس بالدعاء في أركان الصلاة كلها سوى الركوع، فإنه يكره فيه الدعاء» (^٤).\nوقال في لوامع الدرر: «لا يكره للمصلي أن يدعو بين السجدتين على الصحيح، وأما في السجود فمندوب» (^٥).\nوقال في جواهر الدرر: «لا بين سجدتيه، أي: لا يكره عند الرفع من الأولى،\n_________\n(^١). الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: ٨٨)، وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٢٩٩)، تبيين الحقائق (١/ ١١٨).\n(^٢). منحة الخالق (١/ ٣٢٦)، وانظر: مجمع الأنهر (١/ ٩٩)، حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٦٨)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٨٨).\n(^٣). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢)، والتاج والإكليل (٢/ ٢٥٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٥)، الخرشي (١/ ٢٩٠)، (٣/ ٤٣٧)، منهاج الطالبين (ص: ٢٨) تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٧)، انظر المغني (١/ ٣٧٧)، المبدع (١/ ٤٠٦)، كشاف القناع (١/ ٣٥٤)، مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٥٢)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢٣٢)، مختصر الخرقي (ص: ٢٣)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٤)، الفروع (٢/ ٢٤٩)، الإنصاف (٢/ ٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).\n(^٤). التفريع (١/ ٧٢)، وانظر: تحبير المختصر لبهرام (١/ ٣١١).\n(^٥). لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٦١).","vol":"4","page":413},{"text":"بل هو جائز على الصحيح، واقتصر عليه الجلاب وابن الحاجب وجماعة» (^١).\nوقيل: يستحب، نص عليه كثير من شراح خليل، منهم الدردير في شرح خليل، وهو مذهب الشافعية، وبه قال أحمد في رواية (^٢).\nوقيل: يجب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (^٣).\nهذا الخلاف في حكمه، وأما في صيغته:\nفقال المالكية والشافعية: لا يتعين الدعاء فيه بصيغة معينة، واستحب الشافعية الدعاء الوارد في حديث ابن عباس.\nقال الدردير في الشرح الكبير: «وحيث جاز له الدعاء دعا بما أحب من جائز شرعًا وعادة» (^٤).\nقال في المجموع: «ولا يتعين هذا الدعاء بل أي دعاء دعا به حصلت السنة، ولكن هذا الذي في الحديث أفضل. واعلم أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب» (^٥).\n_________\n(^١). جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (٢/ ١٥٢).\n(^٢). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢)، والتاج والإكليل (٢/ ٢٥٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٥)، الخرشي (١/ ٢٩٠).\nوقسم الزرقاني الدعاء في الصلاة إلى ثلاثة أقسام، منه ما هو جائز، كالدعاء قبل الركوع.\nومنه ما هو مندوب بدعاء خاص، كالدعاء بعد الرفع من الركوع.\nومنه ما هو مندوب بأي دعاء كان كالدعاء بين السجدتين. انظر شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٨٣).\nوقال في الفواكه الدواني (١/ ١٨٤): «اقتصر خليل على عدم كراهة الدعاء، حيث قال: لا بين سجدتيه. قال شارحه: أي فلا يكره الدعاء بين السجدتين، والحكم أنه يستحب كاستحبابه بعد التشهد الأخير ...».\nوانظر: تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٧).\n(^٣). المغني (١/ ٣٧٧)، المبدع (١/ ٤٠٦)،مسائل أحمد رواية أبي داود (ص: ٥٢)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢٣٢)، مسائل حرب (٣٣٤)، مختصر الخرقي (ص: ٢٣)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٤)، الفروع (٢/ ٢٤٩)، الإنصاف (٢/ ٧٠)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٥).\n(^٤). الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢).\n(^٥). المجموع (٣/ ٤٣٧).","vol":"4","page":414},{"text":"وقال الحنابلة في المعتمد: يجب أن يقول: رب اغفر لي، وإن زاد عليه لم يكره (^١).\nوقال أحمد في رواية حرب: يقول الرجل في جلسته بين السجدتين: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واجبرني. وإن شاء قال ثلاث مرات: رب اغفر لي. كل ذلك جائز (^٢).\nهذا مجمل الاختلاف في المسألة.\nوأضعف الأقوال مذهب الحنفية القائلين بعدم مشروعية الدعاء في الفريضة.\nيليه قول الحنابلة القائلين بالوجوب.\nويقف قول الجمهور وسطًا بين القولين، فهم يرون استحباب الدعاء، ولا يتعين عندهم في صيغة معينة، والوارد أفضل من غيره.\nوالخلاف في هذه المسألة فرد من الخلاف في مسائل سابقة، كالخلاف في أذكار الركوع والسجود وتكبيرات الانتقال والتسميع والتحميد، ينزع الحنابلة فيها إلى الوجوب، وهو من مفرداتهم. ويخالفهم الجمهور، فيذهبون إلى الاستحباب، وهو الحق، وإذا أردت أن تحيط بأدلة هذه المسألة فانظر أدلة تلك المسائل، فاستكمالها يوقفك على تصور هذه المسائل، ومنزع كل قول، والله أعلم.\n• دليل القائلين بأنه لا يشرع فيه دعاء:\nلم يصح في الدعاء بين السجدتين حديث صحيح، والأصل عدم المشروعية\n_________\n(^١). الواجب عند الحنابلة أن يقول: رب اغفر لي، وإن قال: رب اغفر لنا، أو اللهم اغفر لنا فلا بأس، انظر: رواية الكوسج (٢٣٢)، وأبي داود (ص: ٥٢)، وابن هانئ (٢٢٣)، وحرب الكرماني (٣٣٤)، وهو المذهب عند المتأخرين، ولا يكره الزيادة عليها على الصحيح من المذهب، كما لو زاد (وارحمني وعافني واجبرني) لورود ذلك في حديث ابن عباس، انظر: الكافي (١/ ٢٥٤)، المبدع (١/ ٤٠٦)، كشاف القناع (١/ ٣٥٤)، المغني (١/ ٣٧٧)، الإقناع (١/ ١٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٩).\nوقيل: تكره الزيادة عليها، وعنه يستحب في النفل، وقيل: والفرض. انظر الإنصاف (٢/ ٧١).\nقال ابن رجب كما في شرحه للبخاري (٧/ ٢٧٦): «واستحب الإمام أحمد ما في حديث حذيفة (رب اغفر لي)، فإنه أصح عنده من حديث ابن عباس)» يعني أصح من حديث (اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني).\n(^٢). مسائل حرب الكرماني (٣٣٥).","vol":"4","page":415},{"text":"حتى لم يثبت حديث صحيح في الباب.\n• ويناقش:\nقال النفراوي المالكي في الفواكه الدواني: «قد تقرر جواز العمل بالأحاديث في فضائل الأعمال وإن فرض ضعفها» (^١).\nوإذا كان الإمام مالك وأحمد والشافعي يرون مشروعية هذا الدعاء، فقد خرج الأمر عن حد البدعة، وكان النظر في الأدلة هل تقتضي الوجوب، أو الاستحباب.\n• دليل من قال: باستحباب الدعاء بين السجدتين:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم الوجوب، وعلى فرض ثبوت حديث في الباب فإنه مجرد فعل، وأفعال الرسول - ﷺ - التعبدية، تدل على المشروعية، ولا تدل على الوجوب إلا لو كانت بيانًا لمجمل واجب، وهذا لم يتحقق في مسألتنا هذه.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩١٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، ... وذكر الحديث، وفيه: ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) ولم يأمره في الجلسة بين السجدتين بغير الاطمئنان، فدل على أن الذكر ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له القراءة، وتكبيرة الإحرام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد سبق بيان أن حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة.\n_________\n(^١). الفواكه الدواني (١/ ١٨٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":416},{"text":"• ونوقش:\nبأن سكوت الحديث عن الدعاء بالمغفرة لا ينفي وجوبه بأدلة أخرى، فهو لم يذكر التشهد، ولا الجلوس له، ولا السلام، ولا قراءة الفاتحة، وعدم ذكر هذه الأشياء لم يمنع من وجوبها في أدلة أخرى\nورد هذا النقاش:\nهذا الكلام صحيح، إلا أن المخالف ينازع بأن الدعاء بالمغفرة لم يقم دليل على وجوبه، وثبوت فعله من النبي - ﷺ - ليس كافيًا للقول بالوجوب، والاستدلال بحديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) من أضعف أنواع الاستدلال، فإن صلاة النبي - ﷺ - مشتملة على الواجب والمسنون، فلا بد من قيام دليل خاص يقضي بوجوب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين.\nوالقول بأن الرسول - ﷺ - ذكر للمسيء في صلاته ما أساء فيه فقط غير متصور في هذه المسألة؛ لأن من أساء الاطمئنان في الجلسة فقطعًا لن يتمكن من قول الدعاء الوارد؛ فلو دعا بين السجدتين للزم منه حصول الاطمئنان؛ بخلاف العكس، فالاطمئنان قدر أقل من الذكر المشروع.\nكما أن الدعوى بأن احتمال أن يكون الذكر بين السجدتين لم يكن واجبًا وقت الواقعة بعيد جدًّا؛ لأنه لم يحفظ في النصوص أن الذكر كان مستحبًّا ونسخ إلى الوجوب، كما نقل ذلك في بعض أحكام الصلاة التي مر عليها تغيير، كالتطبيق، وموضع وقوف الإمام إذا كانوا ثلاثة وغيرها من الأحكام التي تغيرت، فلما لم ينقل في تاريخ التشريع أن هذا الذكر تغير حكمه من الاستحباب إلى الوجوب كان ذكر ذلك مجرد دعوى، وتجويز ذهني، لا رصيد له في الواقع.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩١٦) ما رواه مسلم من طريق حماد (يعني ابن سلمة)، أخبرنا ثابت،\nعن أنس، قال: ما صليت خلف أحدٍ أوجز صلاةً من صلاة رسول الله - ﷺ - في تمام، كانت صلاة رسول الله - ﷺ - متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله - ﷺ -، إذا قال:","vol":"4","page":417},{"text":"سمع الله لمن حمده قام، حتى نقول قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم (^١).\nقوله: (أوهم في صلاته): أي وقع في الوهم، بأن نسي أنه في الاعتدال من الركوع، وليس في القيام.\nقال بعضهم: هذا يفعله على الدوام لقوله: (كان) الدالة على المواظبة.\nويحتمل أنه يفعله أحيانًا؛ لأنه لو كان هذا دأبه في الصلاة لم ينسب إذا فعله إلى الوهم؛ لاعتيادهم عليه، وإنما ينسب إلى الوهم إذا فعل فعلًا على خلاف العادة.\nوجه الاستدلال:\nفيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل، وإذا كان كذلك فلا يخلو من ذكر كالقيام، ولو كان النبي - ﷺ - يسكت فيه لم يتعمد تطويله، فالمصلي لم يتعبد بالسكوت المحض، فهو إما يذكر الله بفعله، أو يستمع إلى الذكر من خلال استماعه لقراءة إمامه.\n• دليل القائلين بالوجوب:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس،\nعن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - من الليل، فلما دخل في الصلاة قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، قال: ثم قرأ البقرة، ثم ركع وكان ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فكان قيامه نحوًا من ركوعه، وكان يقول: لربي الحمد لربي الحمد، ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه، كان يقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه فكان ما بين السجدتين نحوًا من السجود، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي»، حتى قرأ البقرة، وآل عمران،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١/ ٣٤٤).","vol":"4","page":418},{"text":"والنساء، والمائدة أو الأنعام، شعبة الذي يشك في المائدة والأنعام (^١).\n[قوله (رب اغفر لي) وزيادة قراءة المائدة أو الأنعام تفرد بها أبو حمزة طلحة ابن يزيد، فإن كان الرجل المبهم صلة بن زفر كما ظن النسائي وشعبة، فهي ليست محفوظة، لمخالفتها رواية المستورد بن الأحنف من رواية الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد، عن حذيفة، وإلا كانت زيادة منكرة] (^٢).\n_________\n(^١). مسند الإمام أحمد (٥/ ٣٩٨).\n(^٢). الحديث رواه أبو حمزة طلحة بن يزيد رجل من الأنصار، عن رجل من بني عبس عن حذيفة، وذكر الدعاء بين السجدتين.\nورواه المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، كما في صحيح مسلم، وليس فيه الدعاء بين السجدتين، رواه الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف به، ورواه أصحاب الأعمش، عنه منهم:\nأبو معاوية، كما في صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢)، ومسند أحمد (٥/ ٣٨٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٣٧٠٤، ٦٠٤٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٤٦)، وفي الكبرى (٦٣٨)، وفضائل القرآن للفريابي (١١٨)، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (٣١٥)، وصحيح ابن خزيمة (٥٤٢، ٦٠٣، ٦٦٠، ٦٦٩)، وصحيح ابن حبان (١٨٩٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٩).\n\nوجرير، كما في صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٣٣)، وفي الكبرى (٧٢٣)، وفي تعظيم قدر الصلاة للمروزي (٣١٢، ٣١٥)، وصحيح ابن حبان (٢٦٠٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٢٢).\nوعبد الله بن نمير كما في صحيح مسلم (٢٠٣ - ٧٧٢)، ومسند أحمد (٥/ ٣٩٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٧٠٤)، وسنن النسائي في المجتبى (١٦٦٤)، وفي الكبرى (١٣٨١)، وفضائل القرآن للفريابي (١١٨)، ومستخرج أبي عوانة (١٧٠٦، ١٨٠١، ١٨١٨، ١٨٩٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٩).\nوشعبة، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٤١٥)، ومسند أحمد (٥/ ٣٨٢، ٣٩٤)، وسنن أبي داود (٨٧١)، وسنن الترمذي (٢٦٢، ٢٦٣)، والمجتبى من سنن النسائي (١٠٠٨)، وفي الكبرى (١٠٨٢، ٧٦٢٩)، وسنن الدارمي (١٣٤٥)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٣٥)، وصحيح ابن خزيمة (٥٤٣)، وصحيح ابن حبان (١٨٩٧، ٢٦٠٤، ٢٦٠٥)، في فضائل القرآن لابن الضريس (٥)، والطوسي في مستخرجه (١١١ - ٢٤٣)، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي (٣١٣، ٣١٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٣٩، ١٧٥)،\nوالثوري كما في مصنف عبد الرزاق (٢٨٧٥، ٤٠٤٦)، وحلية الأولياء (٨/ ٢٤٦).\nوحفص بن غياث كما في السنن الكبرى للنسائي (١٠٨٣)، =","vol":"4","page":419},{"text":"وجه الاستدلال:\nاحتج الإمام أحمد وإسحاق بهذا الحديث، فقال إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله: «قلت: ما يقول بين السجدتين؟ قال: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) حديث حذيفة.\nقال إسحاق: إن شاء قال ذلك ثلاثًا، وإن شاء قال: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني؛ لأن كليهما يُذكران عن النبي - ﷺ - بين السجدتين» (^١).\n• ويناقش:\nبأن عمل الإمام أحمد بالحديث لا يلزم منه الصحة، لأن العمل أوسع، فالإمام أحمد كثيرًا ما يضعف أحاديث باب من الأبواب، ولا يمنعه ذلك من العمل بها، كالتسمية في الوضوء في إحدى الروايتين عنه، ولهذا تخير إسحاق بين حديث حذيفة وحديث ابن عباس، وكلاهما ضعيف.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩١٨) روى ابن خزيمة من طريق حفص بن غياث، أخبرنا العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة،\nوالأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: قام رسول الله - ﷺ - من الليل يصلي، فجئت فقمت إلى جنبه، فافتتح البقرة، فقلت يريد المائة، فجاوزها، فقلت: يريد المائتين، فجاوزها، فقلت: يختم، فختم ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم قرأ آل عمران، ثم ركع قريبًا مما قرأ، ثم رفع فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، قريبًا مما ركع، ثم سجد نحوًا مما رفع، ثم رفع فقال: رب اغفر لي نحوًا مما سجد ... الحديث.\n_________\n= ومحمد بن فضيل، كما في مستخرج أبي عوانة (١٨١٩)،\nوأبو عوانة كما في شرح معاني الآثار (١/ ٣٤٦)، كلهم رووه عن الأعمش به، فلم يذكر أحد من أصحاب الأعمش في هذا الحديث الدعاء بين السجدتين. فتبين بهذا شذوذ رواية أبي حمزة، عن رجل من بني عبس، وانظر ح: (١٧٥٧).\n\n(^١). مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢٣٢).","vol":"4","page":420},{"text":"ورواه ابن ماجه بالطريقين مقتصرًا منه على جملة: أن النبي - ﷺ - كان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي (^١).\n[ضعيف] (^٢).\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩١٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا كامل، عن حبيب،\nعن ابن عباس، قال: بت عند خالتي ميمونة، قال: فانتبه رسول الله - ﷺ - من الليل فذكر الحديث، قال: ثم ركع، قال: فرأيته قال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه، فحمد الله ما شاء أن يحمده، قال: ثم سجد، قال: فكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، قال: ثم رفع رأسه، قال: فكان يقول فيما\n_________\n(^١). صحيح ابن خزيمة (٦٨٤)، وسنن ابن ماجه (٨٩٧)، ورواه النسائي في المجتبى (١٠٠٩) وفي الكبرى (١٠٨٢، ١٠٨٣)، مختصرًا، والآجري في الشريعة (٦٧٣)، وليس فيه جملة البحث.\n(^٢). أخطأ فيه العلاء بن المسيب، في إسناده، وفي لفظه،\n\nأما الخطأ في الإسناد، فإن طلحة بن يزيد لا يرويه عن حذيفة، وإنما يرويه عن رجل من بني عبس، عن حذيفة، كما تقدم تخريجه من رواية شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة (طلحة بن يزيد) عن رجل من بني عبس، عن حذيفة.\nوقد روى النسائي وحده رواية العلاء بن المسيب في المجتبى (١٦٦٥)، وفي الكبرى (١٣٨٢)، والدارمي (١٣٦٣)، والحاكم في المستدرك (١٠٠٣)، والبيهقي مختصرًا (٢/ ١٣٧، ١٥٧)، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - في رمضان فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي مثل ما كان قائمًا ... وذكر الحديث. واللفظ للنسائي.\nقال النسائي: «هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئًا، وغير العلاء بن المسيب، قال في هذا الحديث، عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة». اهـ\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوأما الخطأ في لفظه: فالدعاء بين السجدتين يعرف من حديث طلحة بن يزيد، عن رجل من بني عبس، عن حذيفة، ولا يعرف من حديث الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة.\nفقد رواه أصحاب الأعمش، فلم يذكر أحد منهم الدعاء بين السجدتين، وسبق تخريجه قبل قليل.","vol":"4","page":421},{"text":"بين السجدتين: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وارزقني، واهدني (^١).\n[منكر تفرد به كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، وحديث مبيت ابن عباس في الصحيحين، وليس فيه هذه الزيادة المنكرة] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (١/ ٣١٥).\n(^٢). الحديث رواه أسود بن عامر كما في مسند أحمد (١/ ٣١٥) عن كامل بن العلاء، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن ابن عباس. دون ذكر سعيد بن جبير.\nورواه يحيى بن آدم كما في مسند أحمد (١/ ٣١٥) عن كامل بن العلاء، عن حبيب بن ثابت، عن ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nورواه زيد بن الحباب كما في سنن أبي داود (٨٥٠)، وسنن الترمذي (٢٨٤، ٢٨٥)، ومسند البزار (٥١٢٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٢٥) ح ١٢٣٦٣، وشعار أصحاب الحديث لأبي الحاكم (ص: ٥٩)، ومستدرك الحاكم (٩٦٤، ١٠٠٤)، والدعوات الكبير للبيهقي (٩٨)،\nوإسماعيل بن صبيح كما في سنن ابن ماجه (٨٩٨)،\nوعبيد بن إسحاق العطار كما في الدعاء للطبراني (٦١٤)، والمعجم الكبير (١٢/ ٢٠) ح ١٢٣٤٩،\nوخالد بن يزيد الطَّبيب كما في شعار أهل الحديث لأبي الحاكم (٧٨) والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٧٥)، كلهم عن كامل بن العلاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄.\nوالحديث أُعِلَّ بعلل كثيرة، منها:\nالأولى، تفرد به كامل بن العلاء عن حبيب بن أبي ثابت، وهو مختلف فيه. قال الدارقطني كما في أطراف الغرائب (٢٣١٣): تفرد به كامل بن العلاء.\n\nوقال الترمذي: غريب.\nوقال ابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٢٧): «كان ممن يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل من حيث لا يدري، فلما فحش ذلك من أفعاله بطل الاحتجاج بأخباره، وهو الذي روى عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس كان رسول الله - ﷺ - يقول: بين السجدتين ... وذكر الحديث». اهـ\nووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال ابن عدي: ولكامل غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، ولم أَرَ من المتقدمين فيه كلامًا فأذكره، إلا أني رأيت في بعض رواياته أشياء أنكرتها، فذكرته من أجل ذلك، ومع هذا أرجو أن لا بأس به. اهـ\nوكان مما استنكره ابن عدي هذا الحديث حيث رواه في ترجمته.\nوفي التقريب: صدوق يخطئ. =","vol":"4","page":422},{"text":"• الراجح:\nالقول بالاستحباب قول وسط بين قول الحنفية الذين قالوا: لا يشرع فيه دعاء،\n_________\n= العلة الثانية: أنه قد خالفه من هو أوثق منه، في إسناده ومتنه.\nفقد رواه حصين بن عبد الرحمن كما في صحيح مسلم (١٩١ - ٧٦٣)، وسنن أبي داود (٥٨، ١٣٥٣)، وسنن النسائي في المجتبى (١٧٠٥)، وفي الكبرى (٤٠٢)، وصحيح ابن خزيمة (٤٤٩).\nوسفيان الثوري كما في سنن النسائي (١٧٠٤)، وفي الكبرى (١٣٤٦) وحديث السراج (٢٤٧٨) وفوائد ابن أخ ميمي الدقاق (٥٧٩)، والفوائد المنتقاة عن الشيوخ العوالي للحربي (٤٦)، كلاهما روياه عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس في قصة مبيته عند خالته ميمونة، ولم يذكر قصة الدعاء بين السجدتين.\nكما أنه قد رواه جماعة عن سعيد بن جبير، ولم يذكر أحد منهم دعاء ما بين السجدتين.\nفقد رواه الحكم بن عتيبة، كما في صحيح البخاري (١١٧، ٦٩٧)، ومسند أبي داود الطيالسي (٢٧٥٤)، ومسند أحمد (١/ ٣٤١، ٣٥٤)، وسنن أبي داود (١٣٥٦، ١٣٥٧)، والنسائي في الكبرى (٤٠٦)، وسنن الدارمي (١٢٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٨٧، ٣٠٨) و(٣/ ٣٠٩، ٣١٠)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٥) ح: ١٢٣٦٥، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٢).\nعبد الله بن سعيد بن جبير، كما في صحيح البخاري (٦٩٩)، ومسند أحمد (١/ ٣٦٠)، والنسائي في المجتبى (٨٠٦)، وصحيح ابن حبان (٢١٩٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٧٦).\nوأبو بشر جعفر بن إياس، كما في صحيح البخاري (٥٩١٩)، ومصنف ابن أبي شيبة (٤٩٢٤)، ومسند الطيالسي (٢٧٤٢)، ومسند أحمد (١/ ٢١٥، ٢٨٧)، وسنن أبي داود (٦١١)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٥٥) ح ١٢٤٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١٣٥).\nويحيى بن عباد، كما في سنن أبي داود (١٣٥٨)، وسنن النسائي الكبرى (٤٠٥، ١٣٤٤)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٣١) ح ١٢٣٨٠، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٢).\nوأبو هاشم الرماني، كما في مسند أحمد (١/ ٣٥٢)، والمعجم الكبير للطبراني (١٢/ ٦٠) ح ١٢٤٧١، خمستهم رووه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وليس فيه ما ذكره كامل بن العلاء عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير.\nكما رواه جماعة عن ابن عباس من غير طريق سعيد بن جبير، فلم يذكر ما ذكره كامل بن العلاء، فقد رواه كريب مولى ابن عباس، وروايته في الصحيحين.\nوعامر الشعبي، وروايته في البخاري،\nوعلي بن عبد الله بن عباس، وتقدم تخريج روايته،\nوعطاء بن يسار، وطاوس، وطلحة بن نافع، وأبو جمرة، فلو كان هذا الحرف من حديث ابن عباس لم ينفرد به مثل كامل بن العلاء، فالنكارة على حديثه ظاهرة، والله أعلم.","vol":"4","page":423},{"text":"وبين قول الحنابلة القائلين بالوجوب بالرغم من أن الأحاديث في الباب ضعيفة، ومجرد أفعال لا تقتضي الوجوب، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يوجد أدلة خاصة في صفة وضع اليدين بين السجدتين.\n• الأئمة يتفقون على استحباب أن يبسط كفيه على فخذيه أو يجعلهما على ركبتيه.\n• قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة خاص بالتشهد، والقول باستحباب ذلك في الجلسة بين السجدتين قول شاذ.\n• وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين إما أن يرسلهما على جنبيه، ولا قائل به، والتعبد به بدعة، وإما أن يضعهما على فخذيه، وهو قول عامة العلماء.\n[م-٦٩٢] يستحب أن يضع يديه قريبًا من ركبتيه منشورة أصابعه، مضمومة إلى القبلة، وهو مذهب المالكية والشافعية (^١).\nوقال الحنفية والحنابلة: يبسط يديه على فخذيه مضمومتي الأصابع، وهو قريب من مذهب المالكية والشافعية (^٢).\n_________\n(^١). القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٥)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٣)، الثمر الداني (ص: ١١٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٢٢)، فتح العزيز (٣/ ٤٧٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٧).\n(^٢). قال في نور الإيضاح (ص: ٦٠): «ثم رفع رأسه مكبرًا وجلس بين السجدتين واضعًا يديه على فخذيه». وانظر شرحه مراقي الفلاح (ص: ١٠٧).\nوقال في الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٦٩): «(ويجلس بين السجدتين مطمئنًّا) لما مرَّ، ويضع يديه على فخذيه كالتشهد».\nوانظر في مذهب الحنابلة: شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٩)، الفروع (١/ ٢٠٥)، المبدع (١/ ٤٠٦)، الإقناع (١/ ١٢٢)، والله أعلم.","vol":"4","page":425},{"text":"قال النووي في المجموع: «وهل يستحب أن تكون أصابعه مضمومة كما في السجود، أو مفرقة، فيه وجهان: أصحهما مضمومة لتتوجه إلى القبلة» (^١).\nوقال في تحفة المحتاج: «ولا يضر في أصل السنة انعطاف رؤوسهما على الركبة» (^٢).\n• ويستدلون على هذه الصفة:\n(ح-١٩٢٠) بما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها (^٣).\nفقوله: (إذا قعد في الصلاة) مطلق، يشمل كل قعود في الصلاة.\n(ح-١٩٢١) ومنها ما رواه مسلم من طريق عثمان بن حكيم، حدثني عامر بن عبد الله بن الزبير،\nعن أبيه، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه (^٤).\n(ح-١٩٢٢) ومنها ما رواه أبو داود من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي، قال: فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، وذكر الحديث، وفيه: ... ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض ثنتين وحلق حلقة ورأيته يقول: هكذا وحلق بشر الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة (^٥).\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٤٣٧).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٧٧).\n(^٣). صحيح مسلم (١١٤ - ٥٨٠).\n(^٤). صحيح مسلم (١١٢ - ٥٧٩).\n(^٥). سنن أبي داود (٧٢٦).","vol":"4","page":426},{"text":"[حسن] (^١).\nهذا الإطلاق في حديث وائل، ورد في بعض الروايات ما يقيده بالتشهد،\nفقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شعبة، عن عاصم بن كليب به، وفيه: ... فلما قعد يتشهد وضع فخذه اليمنى على اليسرى، ووضع يده اليمنى وأشار بإصبعه السبابة، وحلق بالوسطى (^٢).\nوالعجب أنه لم ينقل لنا في السنة صفة وضع اليدين حال الجلوس، والعلماء يحتجون بالأحاديث التي تحكي صفة وضع اليدين في التشهد، بجامع أن صفة وضع اليدين في الجلوس واحدة، لا فرق فيها بين أن يكون الجلوس بين السجدتين وبين أن يكون في التشهد.\nوهل يأخذون بالقياس من كل وجه، بحيث يستحبون قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة بين السجدتين كما يستحبون ذلك في التشهد؟\nفالجواب: لا، القبض والإشارة يخصونه بالتشهد، فلو كان الاعتماد على القياس لكان مقتضاه استحباب الإشارة بالإصبع، كاستحبابه في التشهد، فمقتضى القياس التسوية بينهما، أما أن تحتج بالقياس ثم تنتقي من صفة وضع اليدين بالتشهد ما تشاء بلا حجة، فهذا نوع من التحكم.\nوقد جاء في كفاية الطالب الرباني: «تنبيه: ظاهر كلام الشيخ كالمختصر وغيره: أن القبض المذكور خاص بجلوس التشهد، وأما في الجلوس بين السجدتين فيضعهما مبسوطتين، وظاهر كلام عبد الوهاب وابن الجلاب أنه عام في الجلوسين. ق (يقصد: قال الأَقْفَهْسِيُّ): وما قالاه لا يوجد في المذهب منصوصًا» (^٣).\nوهذا يضعف ما نقله عن ظاهر كلام عبد الوهاب وابن الجلاب.\nوقد رجعت إلى كلام ابن الجلاب في التفريع، قال: «والجلوس في الصلاة\n_________\n(^١). سبق تخريجه، انظر (ح ١٢٤٧).\n(^٢). المسند (٤/ ٣١٩).\n(^٣). كفاية الطالب الرباني مع حاشية العدوي (١/ ٢٨٢).\nولا يوجد هذا القول في كتب المالكية، جاء في التبصرة للخمي (١/ ٢٨٩): «وإذا جلس بين السجدتين بسط يديه على ركبتيه، وإذا جلس للتشهد بسط اليسرى وقبض اليمنى وأشار بالسبابة».","vol":"4","page":427},{"text":"كلها في الجلسة الأولى، والآخرة، وبين السجدتين على هيئة واحدة.\nوهو أن يفضي بوركه الأيسر إلى الأرض، وينصب قدمه اليمنى على صدرها، ويجعل قدمه اليسرى تحت ساقه الأيمن، ويبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويشير بالسبابة التي تلي الإبهام» (^١).\nوأما كلام عبد الوهاب فليس صريحًا فقد رجعت إليه في الإشراف، فكان يتكلم عن أن التورك مشروع في التشهد الأول كالأخير، وعلل ذلك بقوله: «لأنها صفة مسنونة حال القعود فلم يختلف صفتها كوضع اليدين على الفخذين»، يعني أن الصفة في التشهدين واحدة، فإن كان هناك كلام آخر للقاضي عبد الوهاب، وإلا فتأمله فلم يظهر لي أنه يرى القبض والإشارة في جلسة ما بين السجدتين.\nوقد ذهب إليه شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى ونصره اعتمادًا على إطلاق اللفظ في بعض الأحاديث.\nوالذي أراه أن قبض أصابع اليد اليمنى والإشارة بالسبابة لا يكون في الجلسة بين السجدتين، ولا في جلسة الاستراحة، بل يجب حمل الروايات المطلقة في الجلوس على الروايات المقيدة، وأنه في التشهد، وليس في مطلق الجلوس في الصلاة، وكنت في أكثر من مناسبة أدعو إلى ربط فهم النص بما جرى عليه العمل عند السلف، لا أن المجتهد يتعامل مع النصوص بمعزل عما جرى العمل عليه، وتلقته الأمة على اختلاف أئمتها وفقهائها، فاللغة إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فكم من عام أُرِيَد به خاصٌّ، وكم من مطلق كشف العلماء أن الإطلاق غير مراد، وحملوه على صفة خاصة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخص أو أعم من المعنى اللغوي، ولكن هناك تأثر بمنهج الظاهرية وإن لم يوافقوهم في ترك القياس.\nيقول الشيخ بكر أبو زيد: هذه الرواية لو كانت هي السياق الوحيد لحديث وائل ﵁ ثم لم يخالفه الآخرون الذين وصفوا صلاة النبي - ﷺ - لكانت دلالتها على الإشارة بالسبابة بين السجدتين ظاهرة، ولرأيت تسابق العلماء إلى القول بها، وعقد التراجم على مشروعيتها، وجريان عمل المسلمين بها، لكن\n_________\n(^١). التفريع لابن الجلاب (١/ ٧١).","vol":"4","page":428},{"text":"كل ذلك لم يكن، فإن جميع روايات حديث وائل على خلافها، والذين وصفوا صلاة النبي - ﷺ - من غير وائل على خلافها، فجميع ألفاظهم بين الإطلاق والتقييد في جلوس التشهد، ولم يصرح بمشروعية الإشارة بين السجدتين أحد من علماء السلف، ولم تعقد أي ترجمة على مقتضاها، وعمل المسلمين المتوارث على عدم الإشارة والتحريم بين السجدتين، فهي من الروايات التي تواطأ المسلمون على عدم العمل بها؛ إما لضعفها، أو لأنها على خلاف ظاهرها ....» (^١).\nفانظر يا رعاك الله كيف ربط الشيخ بكر أبو زيد بين فهم النص وما جرى عليه العمل لدى السلف.\nفإذا كانت صفة وضع اليدين في الجلسة بين السجدتين مختلفة عن التشهد، لم يصح قياس وضع اليدين في الجلسة بين السجدتين على التشهد.\nوالسؤال: ما هو الدليل على الصفة التي ذهب إليها الفقهاء، وقد ضعفت الاستدلال بالقياس على التشهد؟\nفالجواب: أرى أن الحجة في الصفة التي حكاها الفقهاء هو الإجماع.\nيقول ابن ناجي: «أما وضعهما على الركبتين فلا خلاف أن ذلك مستحب» (^٢).\nولأن المصلي إذا لم يضعهما على فخذيه فالبديل إما أن يرسلهما على جنبيه، وإرسالهما لم يقل به أحد من أهل العلم، فالتعبد به ليس بمشروع، وإما أن يضعهما على فخذيه كما قال به عامة الفقهاء، فتعين وضعهما على الفخذين، ولا يتشدد في المحل، سواء كان في وسط الفخذين أو على رأس الركبة؛ لأن غياب التفصيل في السنة يراد منه التوسعة على الخلق، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). لا جديد في أحكام الصلاة (ص: ٤١).\n(^٢). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٨).","vol":"4","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>الفصل السادس في وجوب السجده الثانية في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تكرار السجود في الصلاة نقل نقلًا متواترًا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.\n• السجدة الثانية كالأولى في كل شيء، فيما يجب وفيما يستحب قولًا وهيئة.\n• تكرار السجود دون غيره من الأركان قيل: تعبدي، وقيل: ترغيمًا للشيطان، ودلالة على فضل السجود على سائر الأركان، ولحاجة العبد للدعاء.\n[م-٦٩٣] لم يختلف العلماء بأن السجدة الثانية ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، سواء أقلنا: السجدتان كلتاهما ركن واحد، أم قلنا: هما ركنان، وهو الأصح، والسجدة الثانية مثل الأولى في كل شيء (^١).\nقال في شرح منتهى الإرادات: «كالأولى في الهيئة، والتكبير والتسبيح؛ لفعله - ﷺ -» (^٢).\nبل ولأمر النبي - ﷺ - بها، فقد جاء الأمر بها محفوظًا من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته.\n(ح-١٩٢٣) فقد روى البخاري من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،\nعن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله - ﷺ - في ناحية\n_________\n(^١). تحفة الفقهاء (١/ ١٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٧)، المدونة (١/ ٢١٩)، التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ١٩٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٩٨)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٥)، المجموع (٣/ ٤٤٠)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٤).\nجاء في حاشية عميرة (١/ ١٨٤): «صنيع المصنف كما ترى يقتضي أن السجدتين معًا ركن واحد، وفي ذلك وجهان حكاهما الغزالي وغيره، وصحح أعني الغزالي أنهما ركنان».\n(^٢). شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٩).","vol":"4","page":430},{"text":"المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ .... وذكر الحديث، وكان فيما قال له النبي - ﷺ -: .... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nقال النووي في المجموع نقلًا عن القاضي أبي الطيب: «أجمع المسلمون على وجوب السجدة الثانية، ودليله الأحاديث الصحيحة المشهورة والإجماع. قال أصحابنا: وصفة السجدة الثانية صفة الأولى في كل شيء والله أعلم» (^٢).\nوقال الزركشي في شرح الخرقي: «أما السجدة الثانية ففرض مجمع عليه» (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٦٦٧).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤٤٠).\n(^٣). شرح الزركشي (١/ ٥٧٢).","vol":"4","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>الباب الثالث عشر في النهوض للركعة الثانية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• تسمية جلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية فقهية، وليست تسمية شرعية.\n• الصحيح في جلسة الاستراحة على القول بمشروعيتها أنها صفة في النهوض إلى القيام، وليست جلسة، كما أن تقديم الركبتين في الجلوس في أحد القولين صفة في الهوي.\n• تسميتها جلسة أثار اعتراض بعض الفقهاء بأنها جلسة خالية من الذكر والتكبير على خلاف سائر جلسات الصلاة.\n• لم يصح في جلسة الاستراحة إلا حديث مالك بن الحويرث، قال أحمد: ليس لهذا الحديث ثانٍ.\n• قد يترك العالم القول بالحديث مع صحته لمعارض يراه أقوى عنده، كتردد الفعل بين التعبد وداعي الحاجة.\nتعريف جلسة الاستراحة:\nإذا قام المصلي إلى القيام، وكان في وتر من صلاته استوى قاعدًا قبل أن ينهض، ثم قام.\nوهي جلسة خفيفة، لا ذكر فيها، وتسميتها بجلسة الاستراحة تسمية اصطلاحية، وليست شرعية، حيث لا أعلم نصًّا صحيحًا في تسميتها.","vol":"4","page":432},{"text":"وموضعها في كل ركعة يقوم منها، لا يعقبها تشهد كالركعة الأولى والثالثة من الفريضة.\n[م-٦٩٤] وقد اختلف العلماء في مشروعيتها:\nفقيل: لا تشرع مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والمعتمد في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (^١).\nجاء في البحر الرائق: «جلسة الاستراحة مكروهة عندنا» (^٢).\nوقيل: تستحب مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد اختارها الخلال، وقال: إن أحمد رجع عن الأول، وبه قال ابن حزم (^٣).\nوقيل: تشرع عند الحاجة لمرض أو كبر، وهو قول للشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (^٤).\n_________\n(^١). كره الحنفية جلسة الاستراحة كراهة تنزيه، انظر: البحر الرائق (١/ ٣٤٠)، المبسوط للسرخسي (١/ ٢٣)، الأصل للشيباني (١/ ٧)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٧)، ملتقى الأبحر (ص: ١٤٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٦)، تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٤٩)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٣)، التبصرة للخمي (١/ ٢٨٨)، كفاية الطالب مع حاشية العدوي (١/ ٢٧٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، الثمر الداني (ص: ١١٥)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٨)، لوامع الدرر (٢/ ١٠٥)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، جامع الأمهات (ص: ٩٨)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، المغني (١/ ٣٨٠)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٧٤)، الإنصاف (٢/ ٧١)، الإقناع (١/ ١٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٢٠).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٤٠).\n(^٣). المهذب للشيرازي (١/ ١٥٦)، نهاية المطلب (٢/ ١٧٠)، فتح العزيز (٣/ ٤٨٧)، المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٧)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٦)، نهاية المحتاج (١/ ٥١٨).\nوروي عن أحمد: أنه يجلس جلسة الاستراحة، اختاره الخلال، وقال: إن أحمد رجع عن الأول، انظر: الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، المغني (١/ ٣٨٠)، الإنصاف (١/ ٧٢).\n(^٤). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٤١)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٠).","vol":"4","page":433},{"text":"• دليل من قال باستحباب جلسة الاستراحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٢٤) ما رواه البخاري من طريق هشيم، قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال:\nأخبرنا مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٢٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن عطاء،\nعن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته وهو في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن رِبْعِيٍّ، يقول: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ - قالوا له: ما كنت أقدمنا صحبة، ولا أكثرنا له تَبَاعَةً، قال: بلى. قالوا: فَاعْرِضْ. قال: كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه حتى حاذى بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ... وذكر حديثًا طويلًا في صفة صلاة النبي وفيه: ثم هوى ساجدًا، وقال: الله أكبر، ثم ثنى رجله، وقعد عليها، حتى يرجع كل عضو إلى موضعه، ثم نهض، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك ... (^٢).\n[الحديث صحيح في الجملة وزيادة جلسة الاستراحة شاذة من حديث عبد الحميد بن جعفر] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٢٣).\n(^٢). المسند (٥/ ٤٢٤).\n(^٣). روى الحديث عن أبي حميد الساعدي كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل،\nأما رواية محمد بن عطاء، فرواها عنه اثنان:\nأحدهما: محمد بن عمرو بن حلحلة، وليس فيها ذكر جلسة الاستراحة.\nوالثاني: عبد الحميد بن جعفر، وقد زاد فيه (جلسة الاستراحة)، وعبد الحميد بن جعفر أحسن أحواله أن يكون صدوقًا يخطئ، أتكون زيادته من زيادة الثقة، أم تكون زيادته شاذة، =","vol":"4","page":434},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٩٢٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\nعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله - ﷺ - جالس في ناحية المسجد، فصلى ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: وعليك السلام، ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ. فقال في الثانية، أو في التي\n_________\n= لعلتين: التفرد، والمخالفة؟.\n\nأما التفرد؛ فلأنه لم يتابعه أحد على ذكر هذا الحرف من حديث أبي حميد.\nوأما المخالفة فقد شاركه بالرواية عن شيخه محمد بن عمرو بن حلحلة، وهو أوثق منه، وروى الحديث بتمامه، ولم يذكر هذا الحرف، وأخرج البخاري رواية محمد بن عمرو بن حلحلة، ولم يخرج رواية عبد الحميد بن جعفر؛ لأن عبد الحميد ليس على شرطه، وترك تخريجه الإمام مسلم مع كونه على شرطه، وقد روى مسلم لعبد الحميد بن جعفر ما يقارب عشرين حديثًا، بعضها في الشواهد والمتابعات، وترك تخريج هذا الحديث.\nوأما رواية عباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي، فرواها عنه اثنان أيضًا:\nفليح بن سليمان صدوق، كثير الخطأ، ومحمد بن إسحاق، ولم يذكرا عن عباس بن سهل في روايتهما جلسة الاستراحة.\nوليس عبد الحميد بن جعفر ممن تحتمل له المخالفة والتفرد، ولعل من صحح الحديث من الأئمة أراد بذلك في الجملة أي فيما توبع عليه عبد الحميد بن جعفر دون ما تفرد به مخالفًا لغيره، والله أعلم، فليس النزاع في صحة حديث أبي حميد الساعدي، وقد رواه البخاري في صحيحه، وإنما الاجتهاد في النظر فيما زاده عبد الحميد دون غيره، مخالفًا لرواية صحيح البخاري، ومخالفًا لكل من رواه، فالبحث في الحديث لا يُطوَّع للفقه، وإنما الفقه تابع وثمرة للبحث الحديثي، وقد سبق تخريج الحديث في أكثر من مناسبة، انظر ح (١١٨٥، ١٦٣١).\nوقد قال الإمام أحمد بن حنبل كما في فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٢) في حديث مالك بن الحويرث .. «وهو صحيح، إسناده صحيح، وقال أيضًا: ليس لهذا الحديث ثانٍ».\nوهذه العبارة تشعرك بأمرين: أولًا: أن حديث مالك بن الحويرث حديث غريب، وتضعيف كل ما روي في جلسة الاستراحة من غير حديث مالك بن الحويرث، والإمام أحمد من أهل الاستقراء، فإذا نفى وجود حديث آخر في جلسة الاستراحة فهو ذهاب منه إلى تضعيف كل ما ورد فيها عدا حديث مالك بن الحويرث، والله أعلم.","vol":"4","page":435},{"text":"بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ... وذكر الحديث، وفيه: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها.\nقال البخاري: وقال أبو أسامة، في الأخير: حتى تستوي قائمًا (^١).\n[ذِكْرُ جلسة الاستراحة في حديث المسيء في صلاته ليس بمحفوظ، وقد أشار إلى تعليلها البخاري] (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٢٥١).\n(^٢). رواه ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nواختلف على ابن نمير فيه:\nفرواه إسحاق بن منصور كما في صحيح البخاري (٦٢٥١) عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر به، وذكر سجدتين، وجلسة الاستراحة، كما في حديث الباب.\nوأشار البخاري إلى تعليلها بمخالفة أبي أسامة حماد بن أسامة، عن ابن نمير به، فإنه وإن حفظ فيه ذكر سجدتين، إلا أنه نفى جلسة الاستراحة، وهو المحفوظ.\nوهي في صحيح البخاري بتمامها (٦٦٦٧) وفيه: (.... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). فذكر السجدتين، ونفى جلسة الاستراحة بقوله: (حتى تستوي قائمًا)، ورواه مسلم من هذا الوجه في صحيحه إلا أنه اختصرها (٤٦ - ٣٩٧).\n\nورواه ابن أبي شيبة كما في سنن ابن ماجه (١٠٦٠) عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر به، فذكر سجدة واحدة، ولم يذكر جلسة الاستراحة، قال فيه: (.... ثم اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا ثم ارفع رأسك حتى تستوي قاعدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).\nوالحديث في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٩) بمثله إلا أنه قال: (... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، أو قال: قاعدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). بالشك، والأقرب لفظ ابن ماجه لأنه ذكر سجدة واحدة.\nوكذا رواه الحسن بن علي الحلواني كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤)، والسنن الصغرى له (١/ ١٣٨) أخبرنا عبيد الله بن نمير به، بذكر سجدة واحدة، ولم يذكر الاستراحة.\nهذا الاختلاف على ابن نمير.\nوقد رواه عن عبيد الله بن عمر عدا ابن نمير وأبي أسامة جماعة مختصرًا ومطولًا، ولم يذكروا جلسة الاستراحة، منهم: =","vol":"4","page":436},{"text":"قال ابن رجب: «هذه اللفظة -يعني الجلوس بعد السجدتين- قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا، فمن الرواة من ذكر أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما، وهذا هو الأشبه؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي - ﷺ - علمه شيئًا من سنن الصلاة المتفق عليها، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة؟ هذا بعيد جدًّا، ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين. قال: والصحيح عنه أنه قال بعد ذكر السجدتين (ثم ارفع حتى تستوي قائمًا) (^١).\n• أجاب القائلون بعدم الاستحباب:\nجلسة الاستراحة مترددة بين كون النبي - ﷺ - فعلها للحاجة، وبين كون النبي - ﷺ - فعلها على وجه التعبد، ومع التردد فالأصل عدم المشروعية، ويؤيد الاحتمال الأول أمران:\nإحداهما: كون وفود العرب إنما وفدت على النبي - ﷺ - في آخر عمره.\nالثاني: كون أكثر الأحاديث التي وصفت صلاة النبي - ﷺ - لم تذكر جلسة الاستراحة، وبأن أكابر الصحابة المختصين بالنبي - ﷺ - لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس بسنة (^٢).\nولم تصح جلسة الاستراحة إلا من حديث مالك بن الحويرث.\n_________\n= عيسى بن يونس، والحسن بن عيسى كما في صحيح ابن خزيمة (٤٥٤)،\nوعبد الأعلى بن عبد الأعلى، كما في حديث أبي الفضل الزهري (٣٠٢)،\nوأنس بن عياض، كما في سنن أبي داود (٨٥٦)،\nوعبد الرحيم بن سليمان وعقبة بن خالد كما في مستخرج أبي عوانة (١٥٨٤).\nكما رواه يحيى بن سعيد القطان في البخاري (٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥٢)، ومسلم (٤٥ - ٣٩٧) عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فزاد في إسناده أبا سعيد المقبري، ولم يذكر جلسة الاستراحة، فلا شك أن ذكر جلسة الاستراحة شاذة في الحديث، والوهم قد يكون من إسحاق بن منصور الراوي عن ابن نمير؛ لأن ابن أبي شيبة رواها عن ابن نمير، فلم يذكرها. والله أعلم.\n\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٥).\n(^٢). انظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٨٨).","vol":"4","page":437},{"text":"قال أحمد كما في المغني: «أكثر الأحاديث على هذا». أي على الترك (^١).\nوقال أحمد عن حديث مالك بن الحويرث: ليس لهذا الحديث ثانٍ، نقلها ابن رجب في فتح الباري، وسبق العزو إليه.\nويقول ابن القيم: «... سائر من وصف صلاته - ﷺ - لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث.\nولو كان هديه - ﷺ - فعلها دائمًا لذكرها كل من وصف صلاته - ﷺ -، ومجرد فعله - ﷺ - لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها على أنها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قدر أنه فعلها للحاجة، لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة» (^٢).\n(ح-١٩٢٧) وقد روى أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز،\nعن معاوية، قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تبادروني في الركوع والسجود، فإني قد بدنت، ومهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت (^٣).\n[حسن] (^٤).\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٨٠).\n(^٢). زاد المعاد (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).\n(^٣). مسند أحمد (٤/ ٩٨).\n(^٤). الحديث مداره على ابن عجلان، ورواه عن ابن عجلان جماعة منهم:\nسفيان بن عيينة، كما في مسند أحمد (٤/ ٩٨)، ومسند الحميدي (٦١٣)، وسنن ابن ماجه (٩٦٣)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)،\nوعبد الله بن إدريس كما في مصنف ابن أبي شيبة (٧١٥١)،\nويحيى بن سعيد القطان كما في مسند أحمد (٤/ ٩٢)، وسنن أبي داود (٦١٩)، وسنن ابن ماجه (٩٦٣)، ومنتقى ابن الجارود (٣٢٤)، وصحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)، وصحيح ابن حبان (٢٢٢٩)،\nوالليث بن سعد كما في سنن الدارمي (١٣٥٤)، وصحيح ابن حبان (٢٢٣٠)، والحلية لأبي نعيم (٥/ ١٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٣٣).\nوحماد بن مسعدة كما في صحيح ابن خزيمة (١٥٩٤)، =","vol":"4","page":438},{"text":"(ث-٤٦٥) روى مالك، عن صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم؛\nأنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة على صدور قدميه، فلما انصرف ذكر ذلك له؟ فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (^١).\n[صحيح] (^٢).\nفلولا أن المغيرة بن حكيم راجع ابن عمر لاعتقد أن فعل ابن عمر من سنة الصلاة.\n• ونوقش:\nكون هذه الجلسة لم تذكر في أكثر الأحاديث فإن ذلك لا ينفيها، وليس من شروط قبول السنة أن تذكر أكثر الأحاديث، فالسكوت عنها ليس نفيًا لها، وقد ذكرها أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، كانوا يسمعون عرضه لصفة صلاة النبي - ﷺ -، وصدقوه على عرضه، والقول بأن النبي - ﷺ - فعلها للحاجة هذا اتهام لهؤلاء الصحابة بأنهم لا يفرقون بين ما فعله النبي - ﷺ - بدافع الحاجة، وما فعله على وجه التعبد، وهب أن مثل هذا قد يجوز على مالك بن الحويرث لقصر مدة إقامته في المدينة، فكيف يجوز هذا على عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -، ومعهم أبو حميد الساعدي.\nقال في المجموع: «قول الإمام أحمد بن حنبل إن أكثر الأحاديث على هذا\n_________\n= ويحيى بن أيوب كما في شرح مشكل الآثار (٥٤٢١)،\nوسليمان بن بلال كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩)، والحلية لأبي نعيم (٥/ ١٤٧).\nووهيب بن خالد، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩)\nبكر بن مضر، كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٦) ح ٨٦٢، وفي مسند الشاميين له (٢١٥٩).\n\nأسامة بن زيد كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٣٦٧) ح ٨٦٣، وفي الأوسط لابن المنذر (٤/ ١٨٨)، كلهم رووه عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن معاوية ﵁.\n\n(^١). الموطأ (١/ ٨٩).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر: (ث ٤٦٢).","vol":"4","page":439},{"text":"معناه: أن أكثر الأحاديث ليس فيها ذكر الجلسة إثباتًا، لا نفيًا، ولا يجوز أن يحمل كلامه على أن مراده أن أكثر الأحاديث تنفيها؛ لأن الموجود في كتب الحديث ليس كذلك، وهو أجل من أن يقول شيئًا على سبيل الإخبار عن الأحاديث، ونجد فيها خلافه، وإذا تقرر أن مراده أن أكثر الروايات ليس فيها إثباتها، ولا نفيها لم يلزم رد سنة ثابتة من جهات عن جماعات من الصحابة» (^١).\n• ويجاب:\nبأنك قد علمت بأن حديث أبي حميد الساعدي لا يثبت، ولو ثبت لكان القول بمشروعيتها متعينًا.\nوأما فعل ابن عمر فالظاهر أنه في الإقعاء بين السجدتين، وليس في القيام من الركعة الأولى والثالثة، والله أعلم.\n• دليل من قال: لا تشرع جلسة الاستراحة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٢٨) ما رواه البخاري من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد،\nعن أبي هريرة: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله - ﷺ - في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث، وفيه: ... ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).\nفقال له بعد السجود الثاني ارفع حتى تستوي قائمًا، فلم يذكر له جلسة الاستراحة.\n• وأجيب:\nبأن حديث المسيئء قد اقتصر فيه النبي - ﷺ - على تعليمه الواجبات، فلم يذكر\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٤٤٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٦٦٧)، ورواه مسلم من هذا الوجه في صحيحه إلا أنه اختصره (٤٦ - ٣٩٧).","vol":"4","page":440},{"text":"له شيئًا من السنن حتى المتفق عليها، وهذا بَيِّنٌ ولولا أنه احتج به بعض الفقهاء ما ذكرته، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\nاحتجوا بما وقع في حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائمًا (^١).\nقال ابن الملقن: «احتج به بعض الشراح من المالكية لمذهبه .. قال: فيكون هذا في حال الصحة، وذاك في حال الضعف جمعًا بين الحديثين، فإنه أولى من اطِّرَاحِ أحدهما.\nفتعقبه قائلًا: وهذا كلام فقيه صرف، فالحديث الذي استدل به لنفيها لا يعرف مخرجه البتة» (^٢).\n• وأجيب:\nالاستدلال بهذا الحديث دليل على أن تركها دليل على عدم وجوبها ولم يقل به أحد، لا على عدم مشروعيتها.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٢٩) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم،\nعن معاذ بن جبل، قال: كان النبي - ﷺ - إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة أذنيه، فإذا كبر أرسلهما، ثم سكت ... وذكر الحديث، وفيه: وكان يمكن جبهته\n_________\n(^١). قال في البدر المنير (٣/ ٦٧٣): هذا الحديث غريب جدًّا، لا أعلم من خرجه من هذا الوجه، وتبع الرافعي في إيراده صاحب الشامل، والمهذب ... وقال النووي في شرح المهذب: إنه غريب، لكن ذكره في فصل الضعيف من خلاصته، وقال الشيخ تاج الدين الفزاري: لم أقف على حالته».\nوقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٦٢٤): «هذا الحديث بَيَّض له المنذري في الكلام على المهذب، وذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف، وذكره في شرح المهذب، فقال: غريب، ولم يخرجه. وظفرت به في سنة أربعين في مسند البزار في أثناء حديث طويل في صفة الوضوء والصلاة». اهـ\n(^٢). الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٣/ ١٢٨، ١٢٩).","vol":"4","page":441},{"text":"وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم، لا يعتمد على يديه .... الحديث (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ث-٤٦٦) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال:\nرأيت ابن الزبير، إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل الخامس:\n(ث-٤٦٧) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:\nكان عبد الله ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة وفي الركعة الأولى والثالثة (^٥).\n[صحيح] (^٦).\nقال البيهقي: هو عن ابن مسعود صحيح، ومتابعة السنة أولى.\n_________\n(^١). المعجم الكبير (٢٠/ ٧٤) ح ١٣٩.\n(^٢). تفرد به الخصيب بن جحدر، وقد كذبه الشعبي ويحيى القطان.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٨٣)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٧).\n(^٤). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٨٤) حدثنا وكيع، عن هشام به، بنحوه.\n(^٥). مصنف عبد الرزاق (٢٩٦٧).\n(^٦). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٧٩) حدثنا أبو خالد الأحمر،\nوالطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦) ٩٣٢٨، من طريق زائدة،\n\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٧) ح ٩٣٢٩، من طريق أبي عوانة، ثلاثتهم عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد به. وعمارة هو ابن عمير التيمي ثقة ثبت.\nورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٦٦) ح ٩٣٢٧، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة فرأيته ينهض، ولا يجلس، قال: ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثانية.\nوهو في حديث سفيان بن عيينة رواية المروزي (٢١).","vol":"4","page":442},{"text":"الدليل السادس:\n(ث-٤٦٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان،\nعن النعمان بن أبي عياش قال: أدركت غير واحد، من أصحاب النبي - ﷺ -، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام كما هو ولم يجلس (^١).\n[صحيح].\nوأجابوا عنه بما أجيب عن أثر ابن مسعود، وهو أنه لا حجة في الموقوف إذا عارض المرفوع.\nالدليل السابع: من القياس.\nقالوا: هذه الجلسة لو كانت مستحبة لكان لها ذكر مسنون، فلما أجمعنا على أنه لا ذكر لها دَلَّ على أنها غير مستحبة.\nولأن التكبيرات ثنتان وعشرون، فإن قلنا بجلسة الاستراحة لزم إما الزيادة عليها إن قلنا: بالتكبير عند الرفع منها.\nأو يلزم ترك التكبير عند الرفع، مع أن المعهود من صلاته - ﷺ - هو التكبير في كل خفض ورفع.\n• فيجاب:\nلا يستدل بالقياس مع وجود الأثر، فالسنة مقدمة على ظاهر القياس. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تسميتها بجلسة من قبل الفقهاء أحدث مثل هذا النظر، ولا تعرف التسمية من جهة الشرع، لهذا يمكن اعتبارها صفة في النهوض، فالقيام إلى الركعة الثالثة على القول بمشروعية الاستراحة أن يستوي جالسًا قبل أن ينهض ثم يقوم هذه صفة القيام إلى الركعة، لا أنه يقصد في نهوضه جلسة تعتبر زيادة في جلسات صلاته، فلا تعد من جلسات الصلاة.\n• دليل من قال: تسن للحاجة:\nهذا القول عمل بأدلة الفريقين، فَحَمَلَ أدلة القول بأن الجلسة لا تستحب على\n_________\n(^١). المصنف (٣٩٨٩).","vol":"4","page":443},{"text":"زمن القوة والشباب، وَحَمَلَ حديث مالك بن الحويرث على وقت الحاجة إذا كبر الرجل أو مرض.\n• ويناقش:\nبأن جلسة الاستراحة فيها كلفة ومشقة، فكون الكبير يشرع في القيام من حين النهوض أسهل عليه، نعم التفريق في صفة النهوض، أيعتمد على يديه، أم يعتمد على ركبتيه؟ في التفريق بين الكبير والشاب له وجه بخلاف جلسة الاستراحة، فإن فيها مشقة، فهي إما مشروعة مطلقًا، أو ليست مشروعة، فتترك، والله أعلم.\n• الراجح:\nالذي أميل إليه هو عدم مشروعية جلسة الاستراحة، وحديث مالك بن الحويرث قد يكون النبي - ﷺ - فعل هذه للحاجة إليها، فإن اعترض بأن النبي - ﷺ - قال لمالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي، عند البخاري، وهو شاب.\n• فيجاب عنه:\nأن قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي): إن حملنا الحديث على الرؤية البصرية، فهي تدل على جواز هذه الهيئة مطلقًا، وعلى استحبابها عند الحاجة.\nولهذا الفقهاء يقولون: لا يتعين جلسة معينة في الصلاة لا يجزئ غيرها إلا أنه لا يفعل الإقعاء المكروه، فأي جلسة جلسها في الصلاة صحت صلاته، ومن ذلك جلسة الاستراحة، لهذا لم يكن من الواجب على النبي - ﷺ - تنبيه مالك بن الحويرث أنه لا يجلس إلا لو كانت هذا الجلسة لا تجوز إلا بقيد الحاجة، ولا أحد قال بهذا.\nوإن حملنا الحديث على الرؤية العلمية: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي كما علمتم من صلاتي فالذي علمناه من صلاته أنه كان لا يجلس في أول الأمر عندما لم يكن محتاجًا، وجلس في آخر عمره عندما احتاج إلى ذلك، فنصلي كما علمناه من صلاته، في شبابه وكبره، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• النهوض من السجود إلى القيام وسيلة وكيف قام المصلي من السجود إلى القيام أجزأ عنه.\n• لا يصح حديث مرفوع في الاعتماد على صدور القدمين إذا نهض المصلي إلى القيام.\n• صح في الاعتماد على صدور القدمين أثران صحيحان عن ابن مسعود، وابن الزبير ﵄.\n• الاعتماد على اليدين جاء في حديث مالك بن الحويرث، في بعض طرقه، وأكثر الرواية على عدم ذكره؛ لهذا لم يأخذ به الإمام أحمد وقدم عليه الآثار الموقوفة، والله أعلم.\n• الاعتماد على اليدين صح من فعل ابن عمر ﵄ بعد ما أسن\n[م-٦٩٥] اختلف العلماء في صفة النهوض:\nفقيل: يستحب أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه بيديه،، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (^١).\n_________\n(^١). الأصل للشيباني (١/ ٧)، الحجة على أهل المدينة (١/ ٣١٥)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢١١)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٢)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٨)، (١/ ٥٤)، البحر الرائق (١/ ٣٤٠)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٦)، مختصر القدوري (ص: ٢٨)، مسائل أحمد رواية ابنه عبد الله (٢٨٨)، مسائل أحمد رواية الكوسج (٢٢٦)، مختصر الخرقي (ص: ٢٣)، المغني (١/ ٣٨٠)، الإنصاف (٢/ ٧١)، الإقناع (١/ ١٢٢)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٩٩).","vol":"4","page":445},{"text":"ونص بعض الحنفية على كراهة الاعتماد على اليدين.\nوقيل: يقوم معتمدًا على يديه، وهو مذهب المالكية والشافعية (^١).\nقال ابن ناجي: وخفف - يعني الإمام مالكًا- تركه في المدونة، قال فيها: فإن شاء اعتمد على يديه في القيام أو ترك، فظاهره الإباحة. وروى عن مالك يكره ترك اعتماده (^٢).\nوقال الإمام الشافعي: «وإذا أراد القيام من السجود، أو الجلوس اعتمد بيديه معًا على الأرض ونهض ولا أحب أن ينهض بغير اعتماد» (^٣).\nوقيل: ينهض بالاعتماد على اليدين المقبوضتين على هيئة العاجن، ذهب إلى هذا أبو حامد الغزالي، وتبعه بعض الشافعية، وأنكره النووي وابن الصلاح (^٤).\n_________\n(^١). الرسالة للقيرواني (ص: ٢٨)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٣)،، كفاية الطالب مع حاشية العدوي (١/ ٢٧٢)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، الثمر الداني (ص: ١١٥)، شرح ابن ناجي التنوخي على الرسالة (١/ ١٤٨)، شرح زروق على الرسالة (١/ ٢٣٣)، لوامع الدرر (٢/ ١٠٥)، القوانين الفقهية (ص: ٤٦)، جامع الأمهات (ص: ٩٨)، الأم (١/ ١٣٩)، نهاية المطلب (٢/ ١٧١)، فتح العزيز (٣/ ٤٩١)، المجموع (٣/ ٤٤٢، ٤٤٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٦١)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٢)، نهاية المحتاج (١/ ٥٤٩).\n(^٢). شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٤٨)، وانظر الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٥١٥)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٤١).\n(^٣). الأم (١/ ١٣٩).\n(^٤). قال الغزالي في الوسيط (٢/ ١٤٢): «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن».\nوقال مثل ذلك في كتابه الوجيز مع شرحه فتح العزيز (٣/ ٤٨٣).\nوعن كتاب الوسيط والوجيز انتشر هذا القول عند بعض الشافعية ممن اعتمد كلام الغزالي.\nوقد نسب الرافعي الحديث الذي احتج به الغزالي إلى مسند ابن عباس، انظر فتح العزيز (٣/ ٤٩١).\nقال النووي في المجموع (٣/ ٤٤٢): «وأما الحديث المذكور في الوسيط وغيره عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن.\nهو حديث ضعيف أو باطل لا أصل له، وهو بالنون، ولو صح كان معناه أنه قائم معتمد ببطن يديه كما يعتمد العاجز، وهو الشيخ الكبير، وليس المراد عاجن العجين». =","vol":"4","page":446},{"text":"• دليل من قال: لا يعتمد على يديه:\n(ح-١٩٣٠) ما رواه أبو داود، قال: محمد بن عبد الملك الغزال، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع،\nعن ابن عمر، قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة (^١).\n[زيادة إذا نهض في الصلاة زيادة شاذة] (^٢).\n_________\n= وقال ابن الصلاح كما في مشكل الوسيط (٢/ ١٤١): هذا حديث لا يعرف، ولا يصح، ولا يجوز أن يحتج به ....».\n\n(^١). سنن أبي داود (٩٩٢).\n(^٢). الحديث فيه علتان:\nالأولى: التفرد، حيث تفرد بزيادة (إذا نهض في الصلاة) محمد بن عبد الملك الغزال، ثقة كثير الخطأ.\nالثانية: المخالفة، فقد خالف من هو أوثق منه.\nفقد رواه الإمام أحمد كما في المسند (٢/ ١٤٧) وسنن أبي داود (٩٩٢)، ومستدرك الحاكم (٨٣٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٤، ١٩٥)،\nوإسحاق بن إبراهيم الدبري كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٥٤)، وعنه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٠٠).\nوإسحاق بن راهويه كما في مستدرك الحاكم (٨٣٧)، وفوائد تمام (١٧٩٣)،\nوأحمد بن منصور الرمادي كما في مسند أبي العباس السراج (١٦٩)، وحديث السراج (١٥٣)،\nومحمد بن سهل بن عسكر كما في صحيح ابن خزيمة (٦٩٢).\nخمستهم رووه بلفظ: نهى رسول الله - ﷺ - أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو يعتمد على يديه.\nكما رواه أحمد بن محمد بن شبوية كما في سنن أبي داود (٩٩٢)، ومن طريقه رواه البيهقي في السنن (٢/ ١٩٤).\nوأحمد بن يوسف السلمي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٤)،\nوالحسين بن مهدي، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٩٢)،\nوزهير بن محمد بن قمير، كما في مسند البزار (٥٨٥٤)، أربعتهم رووه عن عبد الرزاق به، بلفظ: نهى أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة.\nورواه محمد بن رافع، كما في سنن أبي داود (٩٩٢)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٤)، بلفظ: نهى أن يصلي الرجل، وهو معتمد على يده في الصلاة. =","vol":"4","page":447},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٩٣١) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق حفص بن عمر، قال: أخبرنا همام، قال: ثنا شقيق،\nعن عاصم بن كليب، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد وقعتا ركبتاه على الأرض قبل أن يقع كفاه، وإذا نهض في فصل الركعتين نهض على ركبتيه، واعتمد على فخديه (^١).\n[مرسل وشقيق مجهول] (^٢).\n_________\n= فهؤلاء عشرة من الرواة رووه عن عبد الرزاق لم يقل واحد منهم (إذا نهض في الصلاة) فالشذوذ بين على رواية محمد بن عبد الملك، والله أعلم.\n\n(^١). الأوسط (٥٩١١).\n(^٢). فيه علتان: إحداهما: الإرسال، والثانية: تفرد به شقيق أبو الليث، لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه أحد غير همام.\nفقد رواه أبو داود في المراسيل (٤٢)، والبيهقي في المعرفة (٣/ ١٧) من طريق عفان،\nوالطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٥)، والطبراني في الأوسط (٥٩١١) من طريق أبي عمر الحوضي، ومن طريق حبان بن هلال، كلاهما عن همام: عن شقيق أبي الليث، حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: وكان إذا نهض في فصل الركعتين، نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه. هكذا مرسلًا، قال البيهقي في المعرفة (٣/ ١٧): وهو المحفوظ.\nورواه أبو داود في السنن (٧٣٦، ٨٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٢) من طريق حجاج بن منهال، عن همام، حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، في هذا الحديث، قال: فلما سجد وقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، قال: فلما سجد وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه.\nقال حجاج: وقال همام: وحدثنا شقيق، حدثني عاصم بن كليب، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - بمثل هذا وفي حديث أحدهما وأكبر علمي أنه حديث محمد بن جحادة وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه.\nفأخطأ فيه حجاج مرتين، الأولى حين روى الحديث عن همام، حدثنا محمد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه منقطعًا.\nوقد خالفه عفان كما في صحيح مسلم، فرواه عن همام عن محمد بن جحادة، عن عبد الجبار ابن وائل، عن أخيه علقمة بن وائل عن أبيه، متصلة، وسبق تخريجها =","vol":"4","page":448},{"text":"الدليل الثالث:\n(ح-١٩٣٢) روى أبو داود من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه،\nعن وائل بن حجر، قال: رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه (^١).\n[منكر، تفرد به شريك، عن عاصم، وقد رواه عشرون نفسًا فلم يقل أحد منهم ما قاله شريك، وقد اضطرب في إسناده، وفي متنه، وشريك ليس له عن عاصم غير هذا الحديث، فجمع في حديثه بين النكارة والاضطراب والتفرد] (^٢).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٣٣) ما رواه الترمذي من طريق أبي معاوية قال: حدثنا خالد، عن صالح، مولى التوأمة،\nعن أبي هريرة، قال: كان النبي - ﷺ - ينهض في الصلاة على صدور قدميه (^٣).\n[ضعيف جدًّا] (^٤).\n_________\n=والمرة الثانية: حين ظن أن قوله: (وإذا نهض نهض على ركبتيه) أنه من رواية همام عن محمد بن جحادة، وإنما هذا اللفظ من رواية همام عن شقيق أبي الليث، عن عاصم، عن أبيه مرسلًا. وعفان في همام مقدم على الحجاج بن منهال، وقد مَيَّز عفان رواية همام عن محمد ابن جحادة الموصولة، عن روايته عن همام، عن شقيق أبي الليث المرسلة.\nقال الترمذي في العلل الكبير (ص: ٦٩)،: «وروى همام بن يحيى عن شقيق عن عاصم بن كليب شيئًا من هذا مرسلًا، لم يذكر فيه: عن وائل بن حجر ...».\nوقال ابن رجب في الفتح (٧/ ٢٩٣، ٢٩٤): «وفي النهوض على صدور القدمين أحاديث مرفوعة، أسانيدها ليست قوية، أجودها: حديث مرسل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، وقد خرجه أبو داود بالشك في وصله وإرساله، والصحيح: إرساله جزمًا والله ﷾ أعلم».\n(^١). سنن أبي داود (٨٣٨).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (١٢٤٧).\n(^٣). سنن الترمذي (٢٨٨).\n(^٤). في إسناده خالد بن إلياس، وهو رجل متروك، وقد اختلف عليه:\nفرواه أبو معاوية كما في سنن الترمذي (٢٨٨)، والطوسي في مستخرجه (٢٧٤)، والطبراني =","vol":"4","page":449},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٩٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن ابن إسحاق، عن زياد بن زيد السوائي، عن أبي جحيفة،\nعن علي قال: إن من السنة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخًا كبيرًا لا يستطيع (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل السادس:\n(ح-١٩٣٥) ما رواه الطبراني في الكبير من طريق الخصيب بن جحدر، عن النعمان بن نعيم، عن عبد الرحمن بن غنم،\nعن معاذ بن جبل، قال: كان النبي - ﷺ - إذا كان في صلاته رفع يديه قبالة\n_________\n= في الأوسط (٣٢٨١)، عن خالد بن إلياس، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة.\nخالفه عيسى بن يونس، كما في الكامل لابن عدي (٣/ ٤١٥)، فرواه عن خالد بن إلياس، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة.\nقال الترمذي: «حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم، يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه، وخالد بن إلياس: هو ضعيف عند أهل الحديث».\nكيف يكون العمل عليه عند أهل العلم ونص الإمام مالك والشافعي على استحباب الاعتماد على اليدين في القيام.\n\n(^١). المصنف (٣٩٩٨).\n(^٢). مداره على عبد الرحمن بن إسحاق، قال البخاري: فيه نظر. وهذا جرح شديد من الإمام البخاري. تهذيب التهذيب (٢/ ٤٨٦).\nوقال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث.\nوقال البيهقي: متروك.\nوقد اختلف عليه، فرواه أبو معاوية عنه هكذا، كما في المصنف (٣٩٩٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٥).\nوخالفه ابن فضيل، فرواه عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، قال: من السنة أن لا تعتمد على يديك حين تريد أن تقوم بعد القعود في الركعتين.\nرواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٤٩٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٦).","vol":"4","page":450},{"text":"أذنيه، فإذا كبر أرسلهما، ثم سكت ... وذكر الحديث، وفيه: وكان يمكن جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم، لا يعتمد على يديه .... الحديث (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nالدليل السابع:\n(ث-٤٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان قال:\nرأيت ابن الزبير، إذا سجد السجدة الثانية قام كما هو على صدور قدميه (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nالدليل الثامن:\n(ث-٤٧٠) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:\nكان عبد الله ينهض على صدور قدميه من السجدة الآخرة وفي الركعة الأولى والثالثة (^٥).\n[صحيح] (^٦).\nقال البيهقي: هو عن ابن مسعود صحيح.\nالدليل التاسع:\n(ث-٤٧١) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عيسى بن ميسرة،\nعن الشعبي، أن عمر، وعليًّا، وأصحاب رسول الله، - ﷺ - كانوا ينهضون\n_________\n(^١). المعجم الكبير (٢٠/ ٧٤) ح ١٣٩.\n(^٢). سبق تخريجه عند الكلام على جلسة الاستراحة.\n(^٣). مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٨٣)، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٧).\n(^٤). سبق تخريجه عند الكلام على جلسة الاستراحة.\n(^٥). مصنف عبد الرزاق (٢٩٦٧).\n(^٦). سبق تخريجه عند الكلام على جلسة الاستراحة.","vol":"4","page":451},{"text":"في الصلاة على صدور أقدامهم (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n• دليل من قال: يعتمد على يديه:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٣٦) ما رواه البخاري، قال: حدثنا معلى بن أسد، قال: حدثنا وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال:\nجاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي - ﷺ - يصلي.\nقال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا -يعني عمرو بن سلمة- قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض، ثم قام (^٣).\nاختلف على أيوب في ذكر الاعتماد على الأرض، فلم يروه عنه إلا وهيب على اختلاف عليه في ذكره. وقد رواه حماد بن زيد وابن علية، وعبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة، عن أيوب، فذكروا جلسة الاستراحة، ولم يذكروا الاعتماد على الأرض (^٤).\n_________\n(^١). المصنف (٣٩٨٢).\n(^٢). في إسناده عيسى بن ميسرة، قال الدارقطني: متروك، وحديث الشعبي عن عمر مرسل.\n(^٣). صحيح البخاري (٨٢٤).\n(^٤). رواه وهيب، عن أيوب، واختلف عليه:\nفرواه معلى بن أسد كما في صحيح البخاري (٨٢٤)،\nوعفان بن مسلم كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٧)،\nوإبراهيم بن الحجاج السامي كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٧٨)،\nوالعباس بن الوليد النرسي كما في معرفة السنن للبيهقي (٣/ ٤٢)، أربعتهم عن وهيب، عن أيوب به، وقال فيه: (... وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام).\n\nورواه موسى بن إسماعيل كما في صحيح البخاري (٦٧٧) عن وهيب، به، بلفظ: (جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت النبي - ﷺ - يصلي، فقلت لأبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل شيخنا هذا، قال: وكان شيخًا يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى)، فلم يذكر الاعتماد على الأرض. =","vol":"4","page":452},{"text":"فكأن أراد بقوله: مثل صلاة شيخنا أي في كونه يجلس قبل أن ينهض، لا في الاعتماد على الأرض، فتأمله.\n• ويجاب:\nقال ابن رجب: «هذه الرواية ليست صريحة في رفع الاعتماد على الأرض\n_________\n= وقد رواه حماد بن زيد، عن أيوب به، فذكر جلسة الاستراحة، ولم يذكر الاعتماد على الأرض، وهو من أثبت أصحاب أيوب.\nرواه البخاري (٨٠٢)، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب به، بلفظ: (كان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي ﷺ، وذاك في غير وقت صلاة، «فقام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصب هنية»، قال: فصلى بنا صلاة شيخنا هذا أبي بريد، وكان أبو بريد: «إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى قاعدًا، ثم نهض)، ومن طريق سليمان بن حرب رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٤٠).\nورواه البخاري (٨١٢) حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد به، بنحوه، وفيه: (... ثم رفع رأسه هنية، فصلى صلاة عمرو بن سلمة شيخنا هذا، قال أيوب: كان يفعل شيئًا لم أرهم يفعلونه كان يقعد في الثالثة والرابعة).\nورواه أحمد (٥/ ٥٣) حدثنا يونس، حدثنا حماد يعني ابن زيد به بنحوه، وفيه: (... قال أيوب: فرأيت عمرو بن سلمة يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه: - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قاعدًا، ثم قام من الركعة الأولى والثالثة).\nورواه الطحاوي (٣/ ٣٥٤) من طريق أبي الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد به، وفيه: (... فرأيت عمرو بن سلمة يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، إنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها استوى قاعدًا ثم قام).\nوانظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (١٩/ ٢٨٦) ح ٦٣٣.\nكما رواه إسماعيل بن علية كما في مسند أحمد (٣/ ٤٣٦)، وسنن أبي داود (٨٤٣)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٥١)، وكذا في الكبرى (٧٤١)، وسنن الدارقطني (١٣٠٩)، وحديث أبي العباس السراج (١٢٦٢)، وفي مسنده (١٢٩٩)، عن أيوب به، بلفظ: جاء أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا، فقال: والله إني لأصلي، وما أريد الصلاة، ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت النبي - ﷺ - يصلي قال: «فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الأخيرة، ثم قام. هذا لفظ أحمد، ولفظ البقية بنحوه.\nورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، فرواه الشافعي في الأم (١/ ١٣٩)، وفي المسند (ص:٤١)، وأبو العباس السراج في مسنده (١٢٩٨)، وفي حديثه كذلك (١٢٦١)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٨)، ولم يذكر الاعتماد على الأرض.\nكما رواه حماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٨) ح ٦٣٦، بلفظ: (يؤُمُّ القومَ أكبرُهم سنًّا،، وكان مالك بن الحويرث إذا رفع رأسه من السجدة الثانية قعد ثم نهض).","vol":"4","page":453},{"text":"بخصوصه؛ لأن فيها أن صلاة عمرو بن سلمة مثل صلاة مالك بن الحويرث، وصلاة مالك مثل صلاة النبي - ﷺ -، وليس تصريحًا برفع جميع حركات الصلاة، فإن المماثلة تطلق كثيرًا، ولا يراد بها التماثل من كل وجه، بل يكتفى فيها بالمماثلة من بعض الوجوه أو أكثرها، لكن رواية الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة بنحوه، وقال فيه: كان مالك إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الأولى، فاستوى قاعدًا قام، واعتمد على الأرض، خرَّجه النسائي وغيره» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ث-٤٧٢) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن\n_________\n(^١). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٩١).\nالرواية التي أشار إليها ابن رجب،\nرواها الشافعي في الأم (١/ ١٣٩)،\nوابن أبي شيبة في المصنف مختصرةً (٤٠٠١)، ومن طريق الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٨٩) ح ٦٤٢،\nومحمد بن بشار كما في المجتبى من سنن النسائي (١١٥٣)، وفي الكبرى (٧٤٣) وابن خزيمة (٦٨٧).\nوأبو موسى محمد بن المثنى، كما في صحيح ابن خزيمة (٦٨٧).\nوعثمان بن أبي شيبة كما في صحيح ابن حبان (١٩٣٥)،\nوإسحاق بن إبراهيم بن راهويه كما في حديث أبي العباس السراج (١٢٦٣)، ومسنده (١٢٩٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ٢٨٨) ح ٦٣٧، ٦٤٢، كلهم رووه عن عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالد، عن أبي قلابة، قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ -، فيصلي في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدًا، ثم قام فاعتمد على الأرض. ...\nخالف عبد الوهاب الثقفي كل من:\nهشيم بن بشير كما في صحيح البخاري (٨٢٣) فرواه عن خالد الحذاء به، بلفظ: أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا. واقتصر على البخاري.\n\nولم يذكر الاعتماد على الأرض.\nوخالد بن عبد الله الواسطي كما في صحيح البخاري (٧٣٧)، ومسلم (٢٤ - ٣٩١)، عن خالد الحذاء به، بلفظ: عن أبي قلابة، أنه رأى مالك بن الحويرث، إذا صلى كبر، ثم رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل هكذا.\nوقد اقتصرت على تخريج رواية الصحيحين، والله أعلم.","vol":"4","page":454},{"text":"حماد بن سلمة،\nعن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر، نهض في الصلاة ويعتمد على يديه (^١).\n[حسن] (^٢).\nالدليل الثالث:\nمن النظر؛ أن الاعتماد باليدين على الأرض أبلغ بالتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٣٧) روى حرب الكرماني في مسائله من طريق الوليد بن مسلم، قال: سألت أبا عمرو الأوزاعي عن القيام من السجود والتشهد على صدور القدمين، ولا أعتمدُ على يدي؟ قال: تلك قومة الشبان، قال أبو عمرو: وقال ابن شهاب: سنة الصلاة اعتماد الرجل على يديه (^٣).\n[مرسل صحيح].\n• دليل من قال: السنة القيام بالاعتماد على اليدين كهيئة العاجن:\n(ح-١٩٣٨) روى أبو إسحاق الحربي في غريب الحديث، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس،\n_________\n(^١). المصنف (٣٩٩٦).\n(^٢). في إسناده حماد بن سلمة صدوق تغير بآخرة، وإذا روى عن حميد وثابت وعمار بن أبي عمار فهو ثقة، ومن طريق وكيع رواه ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٩٩).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٤) من طريق كامل بن طلحة، حدثنا حماد هو ابن سلمة، عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون.\nورواه عبد الله بن عمر العمري (ضعيف) كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٦٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٩٩٧) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يعتمد على يديه. هذا لفظ ابن أبي شيبة، ولفظ عبد الرزاق: أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما.\nوهذا سند صالح في المتابعات، والله أعلم.\n(^٣). مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (٣٠٥).","vol":"4","page":455},{"text":"عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله (^١).\n[المعروف وقفه على ابن عمر دون ذكر العجن] (^٢).\n_________\n(^١). غريب الحديث (٢/ ٥٢٥).\n(^٢). فيه ثلاث علل.\nالعلة الأولى: تفرد بذكر العجن الهيثم بن عمران، وهو قليل الرواية، وكل ما وصل إلينا من مروياته لا يتجاوز أربعة أحاديث، فلا يحتمل تفرده، وقد روى عنه جماعة من الثقات، ولم يوثقه إلا ابن حبان، ففيه جهالة.\nالعلة الثانية: أنه قد اختلف على الهيثم في ذكر العجن.\nالعلة الثالثة: ... أن الهيثم ليس معروفًا بالرواية عن عطية بن قيس الكلابي، وليس له عنه إلا هذا الحديث الغريب.\nالعلة الرابعة: تفرد الهيثم بذكره مرفوعًا، وقد رواه من هو أوثق منه عن الأزرق بن قيس عن ابن عمر موقوفًا عليه في الاعتماد على اليدين في القيام دون ذكر العجن.\nفهذه علل أربع تجعل حديث العجن منكرًا.\nوإليك بيان تخريج الحديث، رواه الهيثم بن عمران، واختلف عليه فيه:\nفرواه يونس بن بكير، واختلف عليه:\nفرواه عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر ... وذكر الأثر كما في إسناد الباب.\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٠٠٧) حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن أبان، قال: أخبرنا يونس بن بكير، قال: أخبرنا الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت عبد الله بن عمر وهو يعجن في الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام، فقلت: ما هذا يا أبا عبد الرحمن؟ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يعجن في الصلاة، يعني: يعتمد.\nفجعله من رواية الهيثم عن الأزرق ولم يذكر عطية بن قيس في إسناده. ونسب الهيثم فقال: الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة.\n\nولا يعرف الهيثم بن علقمة بن قيس إلا في هذا الإسناد، ولعله وهم، ولا أدري ممن، أهو من عبد الله بن عمر بن أبان مُشكُدانة، فهو صدوق، أم من الراوي عنه علي بن سعيد الرازي، وهو الأقرب، قال فيه الذهبي: الحافظ البارع أبو الحسن الرازي عَلِيَّك (تصغير عليٍّ في الفارسية). اهـ\nوقال فيه الدارقطني: حدث بأحاديث لم يتابع عليها، ثم قال: في نفسي منه، وقد تكلم فيه أصحابنا بمصر، وأشار بيده وقال: هو كذا وكذا، كَأَنَه ليس ثقة. انظر: مختصر تاريخ دمشق (١٧/ ٢٩١).\nوقد يكون في الأمر تصحيف ففي فتح الباري لابن رجب (٧/ ٢٩٣): وقد روى الهيثم عن عطية بن قيس بن ثعلبة، عن الأزرق بن قيس .... وذكر الأثر، فإن صح هذا يكون إسناد الطبراني فيه تصحيف، فيكون قوله الهيثم بن علقمة، صوابها: الهيثم عن عطية، ولم أجد =","vol":"4","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحدًا ذكر والد قيس بأنه ثعلبة.\nوخالفهما عبد الحميد الحماني (صدوق يخطئ) فرواه الطبراني في الأوسط (٣٣٤٧) من طريق الحسن بن سهل الحناط، أخبرنا عبد الحميد الحماني، قال: أخبرنا الهيثم بن علية البصري، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر في الصلاة يعتمد على يديه إذا قام، فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله.\nفرواه في الاعتماد على اليدين دون ذكر العجن، ولم يذكر في إسناده عطية بن قيس.\nوالهيثم بن علية البصري لم يعرف، وأستبعد أن يكون قد تحرف من الهيثم، عن عطية، ذلك أن الهيثم وعطية كلاهما شامي، فمن أين أتت كلمة (البصري)؟\nوقد يكون الحمل على عبد الحميد الحماني، فإنه صدوق يخطئ، أو الراوي عنه الحسن بن سهل الجعفري الحناط ترجم له في الجرح والتعديل (٣/ ١٧)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وإنما ذكر بعض شيوخه، وقال: روى عنه أبو زرعة.\nقال فضيلة الشيخ أبو إسحاق الحويني: وهذا يدل على أنه متماسك في الجملة؛ لأن أبا زرعة كان إذا وهَّن أمر راوٍ ضرب على حديثه، ولم يقرأه، انظر الفتاوى الحديثية (٢٢٣).\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nفصار الاختلاف على الهيثم على النحو التالي:\nفقيل: عن يونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، عن ابن عمر.\nوقيل: عن يونس بن بكبر، عن الهيثم بن علقمة بن قيس، عن الأزرق، بإسقاط عطية بن قيس، وهذا الاختلاف مداره على يونس بن بكير بذكر صفة العجن.\nوقيل: عن الهيثم بن علية البصري، عن الأزرق عن ابن عمر بإسقاط عطية بن قيس، وبذكر الاعتماد على اليدين دون ذكر العجن.\nفصار الاختلاف فيه بين رواية عبد الحميد الحماني، ورواية يونس بن بكير، في روايتيهما عن الهيثم في الإسناد والمتن.\nأما الإسناد، فيرويه يونس في إحدى روايتيه، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس، عن ابن عمر.\nويرويه عبد الحميد الحماني، عن الهيثم، عن الأزرق، عن ابن عمر بإسقاط عطية بن قيس.\nوأما المتن، فيونس يروي الاعتماد على اليدين بصفة العجن.\nويرويه عبد الحميد عن الهيثم بذكر الاعتماد على اليدين فقط دون ذكر العجن، والاعتماد على اليدين جاء في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث، فليس فيها البحث، وإنما البحث في صفة العجن، فتبين بهذا تفرد الهيثم بذكر العجن والاختلاف عليه في ذكره، فهذا بيان علتين من العلل التي صدرت بها الحكم على الحديث، وأما بيان الاختلاف في الرفع والوقف. =","vol":"4","page":457},{"text":"• الراجح:\nأما الأحاديث المرفوعة فلا يوجد حديث مرفوع صحيح في الاعتماد على صدور القدمين، بخلاف الاعتماد على اليدين ففيه حديث مالك بن الحويرث، وإن كان قد اختلف فيه الرواة في ذكر الاعتماد على اليدين، أهو موقوف على عمرو بن سلمة، أم هو مرفوع إلى النبي - ﷺ -، وأكثر الرواة على عدم ذكر الاعتماد على اليدين، وإنما اتفقوا فيه على جلسة الاستراحة قبل أن ينهض كما تبين لك ذلك من خلال تخريج الحديث، ولعل هذا الاختلاف هو الذي حمل الإمام أحمد وهو من أئمة الأثر أن يترك العمل بحديث مالك بن الحويرث مع كونه مرفوعًا بإسناد صحيح، ويقدم عليه الأخذ بالأثر الموقوف في الاعتماد على القدمين، كأثر ابن الزبير وابن مسعود ﵄ مع وقفها، وذلك أن الرواية الموقوفة مع صحة إسنادها لم يختلف عليهم فيها.\nومع ذلك فأفعال الصحابة مختلفة، فالزبير وابن مسعود كانا يعتمدان على صدور أقدامهما، وابن عمر ﵄ كان يعتمد على يديه، وربما كان يفعل\n_________\n= فقد تفرد به الهيثم وفيه جهالة في رفعه.\nوخالفه من هو أوثق منه، فرواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ابن عمر موقوفًا بذكر الاعتماد على اليدين دون ذكر العجن.\nرواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٩٩٣) قال: حدثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، قال: رأيت ابن عمر نهض في الصلاة، ويعتمد على يديه.\nوتابع وكيعًا كامل بن طلحة كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٤)، قال: حدثنا حماد هو ابن سلمة، عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون.\nفهذا هو المعروف من رواية ابن عمر، أنه موقوف عليه، بالاعتماد على اليدين دون ذكر العجن، والله أعلم.\nورواه عبد الله بن عمر العمري (ضعيف) كما في مصنف عبد الرزاق (٢٩٦٤)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٩٩٧) عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يعتمد على يديه. هذا لفظ ابن أبي شيبة، ولفظ عبد الرزاق: أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما.\nوهذا سند صالح في المتابعات، والله أعلم.","vol":"4","page":458},{"text":"ذلك للحاجة عندما كبر.\nلهذا أجد الأدلة في المسألة موضع اجتهاد، والأمر خفيف، ولكل واحد منها مرجح، وسواء اعتمد على يديه، أم أَعْتَمَدَ على صدور قدميه لا يستطيع الباحث أن يقول في إحداها: إنها خلاف السنة، وإن كنت أميل إلى اختيار الإمام أحمد بعض الميل، والله الموفق للصواب.\n\n* * *","vol":"4","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>الباب الرابع عشر في الفروق بين الركعة الأولى وسائر الركعات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>الفصل الأول في تكبيرة الإحرام</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• أطلق على التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام لقوله - ﷺ -: تحريمها التكبير.\n• تكبيرة الإحرام يبقى حكمها مستصحبًا في سائر الركعات كالنية حتى يسلم من الصلاة فلا يشرع تكرارها.\n• تكبيرة الإحرام سميت بذلك؛ لأنه يحرم بها على المصلي ما كان حلالًا له قبلها من مفسدات الصلاة كالكلام، والأكل، والشرب، فأحرم المصلي إذا دخل في حرمات الصلاة.\n• التحريم ليس هو نفس التكبير وإنما هو سبب في التحريم.\n• جميع تكبيرات الصلاة ليست من أركان الصلاة إلا تكبيرة الإحرام.\n[م-٦٦٦] مر معنا في المباحث الماضية تفاصيل أحكام الركعة الأولى من الإحرام إلى الفراغ منها.\nوالركعة الثانية وما يليها كالركعة الأولى فيما يجب ويستحب؛\n(ح-١٩٣٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم","vol":"4","page":460},{"text":"اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nفذكر له النبي - ﷺ - الركعة الأولى، ثم أمره أن يفعل ذلك في صلاته كلها، وهذا من حيث الجملة، ويستثنى من ذلك تكبيرة الإحرام.\nفالركعة الثانية لا يدخلها بتكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام شرعت للدخول في الصلاة، وهو منتف هنا.\nوأطلق على التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام لقوله - ﷺ -: تحريمها التكبير.\nوتختلف تكبيرة الإحرام عن سائر التكبيرات بما يلي:\nالأول: أنها التكبيرة التي يدخل بها المصلي إلى الصلاة، وسميت بذلك؛ لأنه يحرم بها على المصلي ما كان حلالًا له قبلها من مفسدات الصلاة كالكلام، والأكل، والشرب.\nوالتحريم ليس نفس التكبير، وإنما هو سبب في ذلك، ولهذا سميت: تكبيرة الإحرام، أي: الإحرام بالصلاة.\nومن قول العرب: أصبح وأمسى إذا دخل في الصباح والمساء، وأنجد وأتهم إذا دخل نجدًا وتهامة، وكذلك أحرم إذا دخل في حرمات الصلاة أو الحج والداخل يسمى محرمًا فيهما فهذه الهمزة للدخول في الشيء المذكور معها (^٢).\nوالمصلي لا يدخل في الفريضة إلا بثلاثة أمور: اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، فالأول النية، والثاني التحريمة، والثالث استقبال القبلة.\nقال في الإنصاف: «ثم يصلي الثانية كالأولى إلا في تكبيرة الإحرام بلا نزاع» (^٣).\nالثاني: أن جميع تكبيرات الصلاة ليست من أركان الصلاة إلا تكبيرة الإحرام،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). انظر: الذخيرة للقرافي (٢/ ١٦٧)، التنوير شرح الجامع الصغير (٩/ ٥٦١)، مغني المحتاج (١/ ٣٤٤).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٧٣).","vol":"4","page":461},{"text":"فإنها فرض من فروض الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح الصلاة إلا بها.\nالثالث: أن تكبيرات الانتقال تتكرر بتكرر الركوع والسجود والرفع من السجود، وتكبيرة الإحرام لا تتكرر، هي تكبيرة واحدة يدخل بها المصلي إلى الصلاة، وبدونها لا يكون في حكم المصلي، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>الفصل الثاني لا يشرع الاستفتاح في الركعة الثانية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• محل الاستفتاح أول الصلاة وبعد تكبيرة الإحرام، فإذا تعوذ قبل الافتتاح فقد فات محله.\n• جميع الأذكار المقيدة يجب الاقتصار فيها على ما ورد جنسًا، وقدرًا، وكيفيةً، وزمنًا، وسببًا (^١).\n• لم يحفظ عن النبي - ﷺ - أنه قال دعاء الاستفتاح في غير الركعة الأولى.\n• لو خالف واستفتح للركعة الثانية كره، ولم تبطل صلاته؛ لأنه ذكر كما لو دعا أو سبح في غير موضعه.\n[م-٦٦٧] الاستفتاح من السنن التي لا تتكرر في الصلاة، ومحله بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة.\n(ح-١٩٤٠) لما رواه مسلم، قال: حدثت عن يحيى بن حسان، ويونس المؤدب، وغيرهما، قالوا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع، حدثنا أبو زرعة، قال:\nسمعت أبا هريرة، يقول: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ الحمد لله رب العالمين ولم يسكت (^٢).\n[أبهم مسلم شيخه، وهو حديث صحيح] (^٣).\n_________\n(^١). انظر شرح هذا الضابط في المجلد السابع (ص: ٣٨٠).\n(^٢). صحيح مسلم (١٤٨ - ٥٩٩).\n(^٣). رواه يحيى بن حسان كما في صحيح ابن خزيمة (١٦٠٣)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٠١)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٠٠)، ومسند البزار (٩٨٠٥)، وحديث السراج (١٥٨٥)، وفي مسنده أيضًا (٨٨٥)، ومستخرج أبي نعيم (٢/ ١٩٧).\nويونس بن محمد كما في صحيح مسلم (١٤٨ - ٥٩٩)، وصحيح ابن حبان (١٩٣٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٨٠)\nوعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي كما في مستدرك الحاكم (٧٨٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٨٠)، ثلاثتهم رووه عن عبد الواحد بن زياد به.","vol":"4","page":463},{"text":"وقال البيهقي: «وفيه دلالة على أنه لا سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة، وهو حديث صحيح، ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية كسكوته في الأولى للاستفتاح، والله أعلم».\nوعلى كلا الدلالتين لا يشرع دعاء الاستفتاح سواء قلنا: لا يسكت مطلقًا بحيث لا تشرع في حقه الاستعاذة، أو قلنا: يسكت سكوتًا يسيرًا بمقدار ما يستعيذ، إلا أنه لا يستفتح.\nوقد أجمع العلماء على أن المصلي لا يستفتح إذا استفتح في الأولى، وكذا لو لم يَأْتِ به فيها على الصحيح؛ لكونه سنة فات محلها.\nوقد اختلف الفقهاء بفوات الاستفتاح إذا شرع في التعوذ، ولو كان في الركعة الأولى:\nفقيل: إذا شرع في التعوذ فقد فات محله، ولا يعود إليه، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (^١).\nقال النووي في المجموع: «لو تركه سهوًا، أوعمدًا حتى شرع في التعوذ لم يعد إليه؛ لفوات محله، ولا يتداركه في باقي الركعات» (^٢).\nقال الزركشي في القواعد: «لو ترك دعاء الاستفتاح فذكره بعد التعوذ لا يعود إليه في الأصح؛ لأن محل الاستفتاح أول الصلاة، وبالتعوذ أوله تزول الأولوية» (^٣).\nولو خالف وأتى به بعد التعوذ كره، ولم تبطل صلاته، قال النووي: «لأنه ذكر،\n_________\n(^١). المنثور في القواعد (٢/ ٢١١)، المجموع (٣/ ٣١٨)، الفروع (٢/ ١٧٠)، المبدع (١/ ٣٨٢)، حاشية الروض المربع (٢/ ٢٥)، وانظر البحر الرائق (١/ ٣٢٩).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣١٨).\n(^٣). المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٢١١).","vol":"4","page":464},{"text":"كما لو دعا، أو سبح في غير موضعه» (^١).\nوقال الشيخ أبو حامد من الشافعية: «إذا تركه، وشرع في التعوذ يعود إليه من بعد التعوذ، والأول أصح» (^٢).\nونقل المرداوي في الإنصاف عن الآمدي أنه قال: «متى قلنا بوجوب الاستفتاح فنسيه في الأولى أتى به في الثانية.\nوإن لم نقل بوجوبه، فهل يأتي به في الثانية؟ فيه خلاف في المذهب، قال: وظاهر المذهب لا يأتي به» (^٣).\nوالصحيح أنه حتى على القول بوجوبه لا يأتي به في غير محله في قواعد مذهب الحنابلة، كما قالوا بوجوب التشهد الأول، وإذا فات جبره بسجود السهو، هذا على القول بوجوبه، وهو قول ضعيف جدًّا.\n\n* * *\n_________\n(^١). المجموع (٣/ ٣١٨).\n(^٢). المجموع (٣/ ٣١٨).\n(^٣). الإنصاف (٢/ ٧٣).","vol":"4","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الفصل الثالث لا يستعيذ في الركعة الثانية إذا استعاذ في الركعة الأولى</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يوجد نص ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي - ﷺ - أنه تعوذ في غير الركعة الأولى.\n• لو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا من آثار الصحابة وعملهم ما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة.\n• القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها.\n• لا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة.\n• الأصل عدم تكرار التعوذ إلا بتوقيف.\n•إذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى.\n[م-٦٦٨] اختلف الفقهاء في تكرر الاستعاذة لكل ركعة:\nفقيل: لا يتعوذ مَنْ تعوذ في الركعة الأولى، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، وأحد قولي الشافعي، ورجحه ابن القيم (^١).\n_________\n(^١). المبسوط (١/ ١٣)، البحر الرائق (١/ ٣٤١)، مجمع الأنهر (١/ ٩٩)، تبيين الحقائق (١/ ١١٩)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٠٩)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٤).\nقال الشافعي في الأم (١/ ١٢٩): «ويقوله في أول ركعة -يعني التعوذ- وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن، ولا آمر به في شيء من الصلاة أمرت به في أول ركعة».\nقال الشيرازي في المهذب تعليقًا على نص الشافعي في الأم (١/ ١٣٨): «فمن أصحابنا من قال فيما سوى الركعة الأولى قولان:\nأحدهما: يستحب؛ لأنه يستفتح القراءة فيها، فهي كالأولى. =","vol":"4","page":466},{"text":"وقيل: يشرع التعوذ للقراءة في كل ركعة، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن حبيب من المالكية إلا أنه خصه في النافلة. قال الشافعية: إلا أنه في الركعة الأولى آكد (^١).\nوقال عطاء: «إذا صلى أكثر من صلاة كفاه الاستعاذة للصلاة الأولى» (^٢).\n• وسبب الخلاف:\nاختلافهم في قراءة الصلاة: أهي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة أم أن قراءة كل ركعة مستقلة بنفسها؟\nوإذا ركع وسجد، ثم قام، أيعتبر الركوع والسجود فاصلًا طويلًا يفصل قراءته فإذا عاد إلى القراءة شرعت له الاستعاذة مرة أخرى، أم لا يعد فاصلًا طويلًا، كما لو سجد للتلاوة في الصلاة، فإنه يعود إلى قراءته ولا يكرر الاستعاذة؟\nوقد تعرضت لأدلة هذه المسألة عند الكلام على أحكام الاستعاذة، فارجع إليه إن شئت.\n\n* * *\n_________\n= والثاني: لا يستحب؛ لأن استفتاح القراءة في الأولى.\nومن أصحابنا من قال: يستحب في الجميع قولًا واحدًا، وإنما قال في الركعة الأولى أشد استحبابًا، وعليه يدل قول الشافعي رحمه الله تعالى». اهـ\nوانظر: روضة الطالبين (١/ ٢٤١)، المحرر في فقه الإمام أحمد (١/ ٦٤)، الفروع وتصحيح الفروع (٢/ ٢٠٦)، المغني (١/ ٣٨٢)، المبدع (١/ ٤٠٩)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١١٦)، منتهى الإرادات (١/ ٢٠٠).\n\n(^١). فتح العزيز (٣/ ٣٠٥)، المجموع (٣/ ٣٢٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٣٣)، نهاية المطلب (٢/ ١٣٧)، الوسيط (٢/ ١٠٩)، الذخيرة للقرافي (٢/ ١٨١)، شرح التلقين (١/ ٥٧٤).\n(^٢). روى عبد الرزاق في المصنف (٢٥٨٤) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: فاستعذت بركعتين ثم أخرى، ثم أخرى، فأستعيذ لكل صلاة على السبع؟ قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن، قلت: صليت فبينا أنا أصلي جاءني إنسان لحاجة، فانصرفت إليه فقضى حاجته، ثم قمت أصلي مرة أخرى قال: يجزئ عنك الأول، فإن استعذت أيضًا فحسن. وسنده صحيح.","vol":"4","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>الفصل الرابع لا يجدد النية للركعة الثانية</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الصلاة عبادة واحدة فتكفيها نية واحدة.\n• لا تنقطع النية بالذهول عنها ما لم يقطعها أو يأت بما ينافي أحكامها.\n• النية الحكمية كالنية الفعلية.\n• الأصل بقاء ما كان على ما كان فإذا عقد المصلي النية استصحب حكمها كما لو كانت النية مقارنة حتى يقطعها أو يأتي بما ينافيها.\n[م-٦٦٩] لا يدخل المصلي في الصلاة إلا بنية، فإذا نوى الصلاة كفاه ذلك عن تجديد النية لأفعال الصلاة من ركوع وسجود وقعود؛ كما كفاه ذلك عن تجديد النية لسائر الركعات، وذلك لأن الصلاة عبادة واحدة، فتكفيها نية واحدة، حتى لو ذهل عن النية لم تنقطع حكمًا، لوجود ما يسمى بالنية الحكمية: وهو استصحاب حكم النية ما دام لم يقطعها\nوقد قسم الفقهاء النية إلى قسمين:\nنية فعلية موجودة: وهي النية التي يأتي بها الإنسان في أول العبادة، كنية الوضوء والصلاة والصيام ونحوها.\nنية حكمية: وذلك أن النية إذا أتى بها الإنسان ثم ذهل عنها فهي تسمى نية حكمية، بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها، فالإخلاص والإيمان والنفاق والرياء وجميع هذا النوع من أحوال القلوب إذا شرع فيها واتصف القلب بها كانت نية فعلية، ثم إذا ذهل عنها حَكَمَ صاحبُ الشرعِ ببقاء أحكامها لمن اتصف بها.\nوهذا ما يقول فيه الفقهاء: يجب استصحاب حكم النية بحيث لا يقطعها،","vol":"4","page":468},{"text":"ولا يأتي بما ينافيها، ولا يجب استصحاب ذكرها.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا) [طه:٧٤]، مع أنه يوم القيامة لا يكون أحد مجرمًا، ولا كافرًا؛ لظهور الحقائق (^١).\nقال في مواهب الجليل: «إن النية تنقسم بحسب ما يعرض لها إلى قسمين فعلية موجودة، وحكمية معدومة فإذا كان في أول العبادة فهذه نية فعلية ثم إذا ذُهِلَ عنها فهي نية حكمية بمعنى أن الشرع حكم باستصحابها» (^٢).\nقال القرافي في الفرق السادس والعشرين: «فتاوى علمائنا متضافرة على أنها من الواجبات -يعني الطهارة وستر العورة والاستقبال- مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت، واستتر، واستقبل القبلة، ثم جاء الوقت وهو على هذه الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا في هذه الثلاثة أجزأته صلاته إجماعًا، والله تعالى أعلم» (^٣).\n\n* * *\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٢٣٣).\n(^٢). المرجع السابق.\n(^٣). الفروق (١/ ١٦٥).","vol":"4","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>الفصل الخامس في أطالة الركعة الأولى على سائر الركعات</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• يستحب إطالة الأولى غالبًا، ويجوز إطالة الثانية على الأولى أحيانًا؛ لورود مثل ذلك في نصوص القراءة المحفوظة.\n• لا يوجد قول يذهب إلى مشروعية إطالة الثانية على الأولى.\n• إطالة الأولى لا يُعَدُّ من السنن المؤكدة بدليل أن النبي - ﷺ - كان يخالف ذلك كل أسبوع في الجمعة إذا قرأ بسبح والغاشية، والأولى تسع عشرة آية، والثانية ست وعشرون آية.\n• جواز إطالة الثانية على الأولى لا ينفي استحباب إطالة الأولى؛ لأن ترك المستحب من قبيل الجائز، ولا يلزم منه الوقوع في المكروه.\n[م-٦٧٠] اختلف الفقهاء في استحباب إطالة الركعة الأولى على سائر الركعات:\nفقيل: يستحب إطالة الركعة الأولى على الثانية في صلاة الفجر في حق الإمام، وهذا مذهب الحنفية (^١).\nوقال ابن عابدين: «وقد علم من التقييد بالإمام، ومن التعليل: أن المنفرد يسوِّي بين الركعتين في الجميع اتفاقًا شرح المنية» (^٢).\nوقيل: يستحب إطالة الأولى على الثانية في الفرض، دون السنن والنوافل، وهو مذهب المالكية (^٣).\n_________\n(^١). شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٦)، بدائع الصنائع (١/ ٢٠٦)، الهداية في شرح البداية (١/ ٥٦)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٠).\n(^٢). حاشية ابن عابدين (١/ ٥٤٢).\n(^٣). اعتبر المالكية إطالة الأولى على الثانية من مندوبات الصلاة، لا من سننها، وهو تفريق اصطلاحي في المذهب، وخصوا الندب في الفرض دون النفل، فله أن يطول قراءة الثانية في النافلة إذا وجد الحلاوة، انظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٧)، شرح الخرشي (١/ ٢٨١)، الفواكه الدواني (١/ ١٨٤)، منح الجليل (١/ ٢٥٨)، ضوء الشموع (١/ ٣٥٨)، التوضيح لمن رام المجموع بنظر صحيح (٢/ ٥٣).","vol":"4","page":470},{"text":"وقيل: يستحب إطالة الأولى على غيرها في جميع الصلوات.\nوهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية وصححه النووي، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال محمد بن الحسن (^١).\nقال النووي في المنهاج: «وتطويل قراءة الأولى على الثانية في الأصح» (^٢).\nوقيل: يستحب التسوية بين الركعة الأولى والثانية، والتسوية بين الثالثة والرابعة، اختاره أكثر الشافعية، وصححه الرافعي (^٣).\nقال النووي في الروضة: «هذا الذي صححه -يقصد الرافعي- هو الراجح عند جماهير الأصحاب، لكن الأصح التفضيل» (^٤).\nوقد تكلمت على هذه المسألة في مبحث سابق عند الكلام على أحكام القراءة، فارجع إليه إن شئت.\n\n* * *\n_________\n(^١). العناية شرح الهداية (١/ ٣٣٦)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٨٧)، المجموع (٣/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ١٠٣)، مغني المحتاج (١/ ٣٩٢).\n(^٢). منهاج الطالبين (ص: ٣٠).\n(^٣). المجموع (٣/ ٣٨٧)، فتح العزيز (٣/ ٣٥٧)، روضة الطالبين (١/ ٢٤٨)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٦٩).\n(^٤). روضة الطالبين (١/ ٢٤٨).","vol":"4","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>الباب الخامس عشر في الأحكام الخاصة بالتشهد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>الفصل الأول في حكم التشهد الأول والجلوس له</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• ترك النبي - ﷺ - أصحابه يجتهدون في ألفاظ التشهد، ولم يرشدهم إلى قول التحيات إلا حين وقعوا في الخطأ، وفي هذا دليل على عدم وجوب التشهد.\n• قول النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على الله ... ولكن قولوا: التحيات لله المقصود من الحديث النهي عن الخطأ، وليس الإلزام بالتشهد كقوله - ﷺ -: لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل.\n• الأمر إذا تسبب فيه المأمور إما بالسؤال وإما بالتعبد بما لا يشرع، فجاء الأمر من الشارع بالصواب لم يكن الأمر دالًا على الوجوب.\n• تشبيه تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن لا يدل على الوجوب؛ لأن هذا التشبيه قيل في تعليم الاستخارة، وهي ليست واجبة إجماعًا وقيل في تعليم الاستعاذة بالله من أربع في التشهد الأخير، والراجح فيها عدم الوجوب.\n• لم يذكر التشهد في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لذكره؛ وحديث المسيء صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة.\n[م-٦٧١] اتفق العلماء على مشروعية التشهد الأول والجلوس له، واختلفوا في حكمهما، أهما واجبان، أم سنتان، أم ركنان، أم أن أحدهما واجب، والآخر سنة، على النحو التالي.\nفقيل: الجلسة والتشهد الأول واجبان وهو الأصح في مذهب الحنفية،، وهو","vol":"4","page":472},{"text":"المعتمد في مذهب الحنابلة، وبه قال جمهور المحدثين، واختاره داود، وحكى اللخمي قولًا بوجوب التشهد الأول (^١).\nقال اللخمي في التبصرة: «والجلسة الأولى سنة، وقيل: فرض، ويجزئ فيها سجود السهو» (^٢).\nوتعقبه المازري في التلقين قائلًا: «أشار إلى أن هذا الاختلاف الذي ذكره إنما هو مقصور على الجلوس خاصة، فإن كان أراد أن الاختلاف واقع في المذهب فإني لم أقف عليه. وإن كان أراد اختلاف الناس فإن اختلافهم إنما وقع في الجلوس والتشهد جميعًا على حسب ما حكيناه» (^٣).\nويلزم من وجوب التشهد وجوب الجلوس له تبعًا، لأن حكم الظرف حكم المظروف لا ينفك عنه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوقال في كنز الدقائق: «وواجبها -يعني الصلاة- قراءة الفاتحة ... والقعود الأول، والتشهد ...» (^٤).\nوجاء في نور الإيضاح في معرض ذكره لواجبات الصلاة: «والقعود الأول، وقراءة التشهد فيه في الصحيح» (^٥).\nقال في شرحه مراقي الفلاح: «وقوله: (في الصحيح) متعلق بكل من القعود\n_________\n(^١). في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال: الأول: وجوبهما، والثاني. سنيتهما. والثالثة: وجوب القعدة وسنية التشهد. انظر: مراقي الفلاح (ص: ٩٤)، بدائع الصنائع (١/ ١٦٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٥٠٤)، البحر الرائق (١/ ٣١٧، ٣١٨)، ملتقى الأبحر (ص: ١٣٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٥، ٤٦٦)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٧)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٨٦)، المبدع (١/ ٤٤٣)، الإنصاف (٢/ ١١٥)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٩)، كشاف القناع (١/ ٣٩٠).\n(^٢). التبصرة للخمي (١/ ٤١٧)، ويقصد بالفرض: الواجب؛ لجبره بالسجود، ولو قصد الركنية لما اكتفى بالسجود، وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٧٦)، شرح التلقين (٢/ ٥٤٢).\n(^٣). شرح التلقين (٢/ ٥٤٢).\n(^٤). كنز الدقائق (ص: ١٦٠).\n(^٥). نور الإيضاح ونجاة الأرواح (ص: ٧٥).","vol":"4","page":473},{"text":"وتشهده، وهو احتراز عن القول بسنتيهما، أو سنية التشهد وحده» (^١).\nوجاء في مجمع الأنهر: «وعليه المحققون من أصحابنا، وهو الأصح كما في المحيط، وصرح به صاحب الهداية في باب سجود السهو» (^٢).\nوإطلاق بعض الحنفية اسم السنة عليهما، قال الكاساني: «إما لأن وجوبها عرف بالسنة فعلًا، أو لأن السنة المؤكدة في معنى الواجب» (^٣).\nقال في النهر الفائق: «وهذا يقتضي رفع الخلاف» (^٤).\nوقيل: كلاهما سنة، وهو المذهب عند المالكية والشافعية، واختار ذلك الكرخي والطحاوي من الحنفية، وهو رواية عن أحمد (^٥).\n_________\n(^١). مراقي الفلاح (ص: ٩٤).\n(^٢). مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر (١/ ٨٩).\n(^٣). بدائع الصنائع (١/ ١٦٣).\n(^٤). النهر الفائق (١/ ١٩٩).\n(^٥). وعلل ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣١٧) وجوب القعود الأول لأن النبي - ﷺ - واظب عليه جميع العمر، وهذا يدل على الوجوب .... وعند الطحاوي والكرخي هي سنة ..». وانظر تبيين الحقائق (١/ ١٠٦).\nونقل الزرقاني في شرحه على خليل (١/ ٣٦٢) عن ابن بزيزة ثلاثة أقوال في التشهدين المشهور أنهما سنتان.\nوقيل: فضيلتان. وقيل: الأول: سنة، والثاني: فريضة. اهـ وترك قولًا آخر حكاه اللخمي، وهو وجوب الجلوس للتشهد الأول. وانظر: روضة المستبين في شرح التلقين (١/ ٣٣٤).\nوقيل: الخلاف بين السنية والفضيلة إنما يتعلق بلفظ التشهد الوارد، وأما أصل التشهد بأي لفظ كان فلا خلاف في أنه سنة. انظر: أسهل المدارك (١/ ٢٠٩).\nوالفرق بين السنة والفضيلة وجوب السجود لترك السنة سهوًا عند المالكية بخلاف الفضيلة، والسنن التي يسجد لتركها ثمان سنن عند المالكية، راجعها في لوامع الدرر (٢/ ٢١٦).\n\nوانظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٣)، مختصر خليل (ص: ٣٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٢٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٦)، التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (١/ ٣٢٨)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ٩٦)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٢٥)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، منهاج الطالبين (ص: ٢٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٧٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٠)، المغني لابن قدامة (١/ ٣٦٢)، الإنصاف (٢/ ١١٥).","vol":"4","page":474},{"text":"جاء في منهاج الطالبين: «التشهد وقعوده إن عقبهما سلام ركنان وإلا فسنتان» (^١).\nوقيل: القعدة الأولى واجبة، والتشهد فيها سنة، اختاره بعض الحنفية (^٢).\nجاء في البحر الرائق: «واختار جماعة سنية التشهد في القعدة الأولى للفرق بين القعدتين؛ لأن الأخيرة لما كانت فرضًا كان تشهدها واجبًا، والأولى لما كانت واجبة كان تشهدها سنة» (^٣).\nوقيل: كلاهما ركن، وهو رواية عند الحنابلة (^٤).\nذكر في الإنصاف واجبات الصلاة، فذكر منها: «(والتشهد الأول، والجلوس له) هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وعنه ركن، وعنه سنة» (^٥).\nهذا مجمل الأقوال، وإليك ما يمكن أن يقال في أدلتها، والراجح منها:\n• دليل من قال كلاهما التشهد والجلوس واجبان:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٤١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء\n_________\n(^١). منهاج الطالبين (ص: ٢٨).\n(^٢). جاء في الجوهرة النيرة (١/ ٥٠): ومن الواجبات أيضًا القعدة الأولى، وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة». فخص الوجوب في قراءة التشهد في القعدة الأخيرة. وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٥٠٤).\n(^٣). البحر الرائق (١/ ٣١٨)،.\n(^٤). الإنصاف (٢/ ١١٥).\n(^٥). المرجع السابق.","vol":"4","page":475},{"text":"أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^١).\nورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل،\nعن عبد الله ﵁، قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا النبي - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله -إلى قوله- الصالحين، فإذا قالها أصاب كل عبد لله في السماء والأرض صالح، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الثناء ما شاء (^٢).\n(ح-١٩٤٢) وروى النسائي من طريق ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن زيد بن أبي أنيسة الجزري حدثه، أن أبا إسحاق حدثه، عن الأسود وعلقمة،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - لا نعلم شيئًا، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: قولوا في كل جلسة: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٣).\n[أبو إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -: (قولوا التحيات ...) فأمرهم بالتشهد، والأصل في الأمر الوجوب.\n• وقد يناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nالأمر بالتحيات لم يكن موجهًا للمكلف ابتداء، حتى يستفاد من صيغته\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣٢٨)، وصحيح مسلم (٥٥ - ٤٠٢).\n(^٣). النسائي (١١٦١)، وفي الكبرى (٧٥٦)،.\n(^٤). والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٢١)، وأبو العباس السراج في حديثه (٧٢٩)، وغيرهما من طريق ابن وهب به.\nقال الدارقطني: وكل الأقاويل صحاح عن أبي إسحاق إلا ما قال زيد بن أبي أنيسة من ذكر علقمة، فإن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة شيئًا.","vol":"4","page":476},{"text":"الوجوب وإنما أمرهم تصحيحًا لفعلهم، فلا يفيد الوجوب، ورواية أبي إسحاق وقع فيها اختصار، وقد عنى بقوله: (كنا مع رسول الله - ﷺ - لا نعلم شيئًا) كالاعتذار مما كانوا يفعلونه مخالفًا للسنة، كما في حديث: إذا عثرت الدابة فلا تقل: تعس الشيطان فإنه يتعاظم ... ولكن قل باسم الله.\nفالأمر بالتسمية لا يفيد الوجوب. وكلام جمهور الأصوليين بأن الأصل في الأمر الوجوب إنما هو في الأمر المجرد، أما إذا كان الأمر قد تسبب فيه المأمور، كأن يفعل خطأ فيؤمر بالصواب، أو يسأل فيأتيه الجواب على سؤاله بصيغة الأمر فليست صريحة في الوجوب، والله أعلم.\nالوجه الثاني:\nأنه ذكر مع التشهد الدعاء، والتشهد الأوسط لا دعاء فيه على الصحيح، فقد يكون ذلك قرينة على أنه عنى به التشهد الأخير، والخلاف في وجوبه أقوى من الخلاف في وجوب التشهد الأول، أو أن ذكر الدعاء فيه ليس محفوظًا، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٤٣) ما رواه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاةً ... فذكر قصة، وفيه: ... قال أبو موسى: إن رسول الله - ﷺ - خطبنا، فبين لنا سنَّتنا، وعلمنا صلاتنا. فقال: - ﷺ -: إذا صليتم، فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذ قال ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧]، فقولوا: آمين، يجبكم الله .... وذكر الحديث وفيه: وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فليكن من أول قول أحدكم التحيات ...) وهذا أمر بالتحيات،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٢ - ٤٠٤).","vol":"4","page":477},{"text":"والأصل في الأمر الوجوب.\n• ويجاب:\nبأن هذا الحديث اشتمل على أوامر منها ما هو متفق على استحبابه كالتأمين، ومنها ما هو محل خلاف، والراجح فيه عدم الوجوب كتكبيرات الانتقال وتسوية الصف، فلو كانت الأوامر في هذا الحديث مقتصرة على الأمور الواجبة لكانت دلالته على وجوب التشهد محل تسليم، فأما القول بأن الأمر في التأمين للسنة، والأمر بالتشهد للوجوب في دليل واحد، فهذا تحكم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٤٤) ما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وعن طاوس،\nعن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (^١).\nورواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن حميد، حدثني أبو الزبير، عن طاوس،\nعن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن (^٢).\nوجه الاستدلال:\nتشبيه تعلم التشهد بتعليم السورة من القرآن، وإذا كانت القراءة في الصلاة فرضًا، فكذلك التشهد.\n• ويناقش من وجهين:\nالوجه الأول:\nبأن تعليم النبي - ﷺ - لأصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن لا يدل\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٠ - ٤٠٣).\n(^٢). صحيح مسلم (٦١ - ٤٠٣).","vol":"4","page":478},{"text":"على الوجوب؛ لأن القرآن في الصلاة منه ما هو ركن كالفاتحة، والتشهد الأول ليس بركن، ومنه ما هو سنة، وهو قراءة غير الفاتحة، فالشبه لا يفيد الوجوب؛ ولأن السورة من القرآن تعلمها ليس واجبًا فكذلك التشهد،\nوردت هذه الصيغة بما هو مجمع على عدم وجوبه، كتعليم الاستخارة، أو بما هو الراجح فيه عدم الوجوب كالاستعاذة بالله من أربع في التشهد الأخير.\n(ح-١٩٤٥) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن .... الحديث (^١).\n(ح-١٩٤٦) وروى مسلم من طريق مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن أبي الزبير، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات (^٢).\n(ح-١٩٤٧) وروى أحمد من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،\nعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -، كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات (^٣).\nالوجه الثاني:\nأن المقصود بالتشبيه الحرص على التقيد بلفظ التشهد من غير زيادة ولا نقص ولا استبدال ألفاظه بأخرى، فهذا لا يدل على الوجوب؛ لأن كل ذكر مقيد لا يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على التكبير في الصلاة وأدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).\n(^٢). صحيح مسلم (١٣٤ - ٥٩٠).\n(^٣). انظر تخريج الحديث في مسألة التعوذ بالله من أربع من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":479},{"text":"المطلق؛ لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٤٨) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يُصَوِّبْهُ ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد، حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - كان يواظب على فعل التشهد الأول في صلاته، ولم ينقل أنه أَخَلَّ به مرة واحدة متعمدًا.\n(ح-١٩٤٩) وقد روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي - ﷺ - أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^٢).\nوالفعل إذا كان بيانًا للمجمل أخذ حكم ذلك المجمل، والله أعلم.\n• ويناقش:\nسبق لنا مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، وبينت أن حديث مالك بن الحويرث إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأن يصلوا كما رأوه يصلي،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).","vol":"4","page":480},{"text":"فيقوى الاستدلال بهذه الطريقة على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب إلا بدليل، فتكون أفعاله في الصلاة بيانًا لهذا الأمر المجمل: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ومثله حديث: لتأخذوا عني مناسككم، وتكون الرؤية في الحديث يقصد بها العلم، أي صلوا كما عَلِمْتُمُوِني أصلي.\nوإذا أخذنا حديث مالك بن الحويرث في سياق قدومه على النبي - ﷺ - وجلوسه عنده ما يقارب العشرين يومًا، وهو يصلي معه، فأمرهم النبي - ﷺ - حين مصرفهم منه أن يصلوا كما رأوه يصلي، كانت الرؤية في حق مالك ومن كان معه رؤية بصرية.\nومن المعلوم أن النبي - ﷺ - كان يصلي بأصحابه طيلة العشرين يومًا صلاة تامة بفروضها وسننها، ولم يكن النبي - ﷺ - يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوال وهيئات، وصفات وأقوال، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي - ﷺ - قد اقتصر على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي - ﷺ - في الصلاة، غاية ما يفيده حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) على مشروعية جميع ما رآه مالك مما كان النبي - ﷺ - يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي - ﷺ -، وأما دليل الركنية أو الوجوب فتؤخذ من أدلة أخرى، فالمقطوع به هو الاستحباب، ولا يصرف عن ذلك إلا بقرينة؛ ولأن الأصل في أفعال النبي - ﷺ - المجردة الاستحباب، والله أعلم.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٩٥٠) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه،\nعن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي - ﷺ - بهذه القصة - قال: إذا أنت قمت في صلاتك، فكبر الله تعالى، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك (^١).\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٨٦٠).","vol":"4","page":481},{"text":"[ذكر التشهد في الحديث شاذ] (^١).\n• دليل من قال: ليس بواجب:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم الوجوب إلا بدليل صريح خال من النزاع، والأحاديث التي ساقها أصحاب القول الأول لم تسلم من المناقشة، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٥١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم\n_________\n(^١). أخرجه أبو داود (٨٦٠)، وابن خزيمة (٥٩٧، ٦٣٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٣٩) ح: ٤٥٢٨، والبيهقي في السنن (١/ ١٣٣، ١٣٤) وهذا الإسناد موافق لرواية الأكثر، ولم يذكر محمد بن إسحاق الوضوء في لفظه، وقد اختصره أبو داود وابن خزيمة، وأما الطبراني فقد ذكره بتمامه.\n\nكما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٣) من طريق محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: عن علي بن يحيى بن خلاد، حدثني زريق، عن أبيه، عن عمه رفاعة، واختصر الحديث، وهو خطأ فزريق نسب لعلي بن يحيى بن خلاد، وانظر إتحاف المهرة (٤/ ٥١٢).\nولفظه عند الطبراني: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - أقبل رجلٌ من الأنصار بعد أن فرغ رسول الله - ﷺ - من الصلاة فصلى، ثم أقبل فسلم عليه، فقال: وعليك السلام، ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ، قال: يا رسول الله! قد جهدت فبين لي، قال: إذا أنت قمت في صلاتك فكبر الله، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، ثم إذا أنت ركعت فأثبت يديك على ركبتيك حتى يطمئن كل عظم منك، ثم إذا رفعت رأسك فاعتدل حتى يرجع كل عظم منك، ثم إذا سجدت فاطمئن حتى يعتدل كل عظم منك، ثم إذا رفعت رأسك فاثبت حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم مثل ذلك؛ فإذا جلست في وسط صلاتك فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد، ثم إذا قمت فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك.\nوقد انفرد محمد بن إسحاق عن سائر الرواة بالآتي:\n١ - الافتراش في وسط الصلاة عند التشهد الأول.\n٢ - ذكر التشهد الأول.\nوقد سبق لي دراسة هذا الحديث وجمع طرقه، انظر ح (١١٨٧).","vol":"4","page":482},{"text":"اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالتشهد، فدل على أنه ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي - ﷺ - تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n• واعترض:\nبأن النبي - ﷺ - لم يذكر له التسليم، مع أن الجمهور على أنه إما فرض أو واجب وسوف يأتينا بحثه إن شاء الله تعالى.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٥٢) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج،\nعن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (^٢).\nوجه الاستدلال:\nترجم له البخاري بقوله: باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. اهـ\nوقالوا في جه الاستدلال: لا يخلو إما أن يكون هذا الجلوس يسقط بالنسيان، أو لا.\nفإن قالوا: لا يسقط خالفوا السنة الثابتة. وإن قالوا: يسقط فنقول: كل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا، قياسًا على سائر المسنونات، ولو تذكر الإمام أنه قام عنه وأمكنه الرجوع إليه لم يرجع إلى التشهد. وهذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب.\nثم يقال: الإمام معذور بالنسيان، فما بال المأموم يتبع إمامه في تركه للتشهد،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). صحيح البخاري (١٢٢٥)، وصحيح مسلم (٨٧ - ٥٧٠).","vol":"4","page":483},{"text":"وهو غير معذور بالنسيان؟\nفلو كان التشهد واجبًا لقيل للمأموم تشهد والحق بالإمام إن كان يمكنك ذلك، وإلا فأنت معذور بتخلفك عن الإمام؛ لأن المأموم لا يترك جزءًا من صلاته لواجب المتابعة إلا أن يكون ذلك الجزء ليس واجبًا، فالمتابعة واجبة للصلاة والتشهد واجب فيها، وما كان واجبًا فيها كان أولى بالمراعاة، وإنما تجب المتابعة إذا لم يترتب عليها الإخلال بواجباتها.\nفإن قيل: إن كان مسنونًا فلماذا يجبر بسجود السهو؟ فالجبر لا يكون إلا لترك واجب قياسًا على ترك واجبات الحج، فإن تركه لا يبطل الحج، ويجب له الجبر على قول جمهور العلماء.\nفالجواب: جبره بسجود السهو، إن كان المصلي قد أمر به من قبل الشارع، فالأصل في الأمر الوجوب. أو كان هناك إجماع على أن سجود السهو لا يصح فعله لترك السنن، فيكون سجود النبي - ﷺ - للسهو دليلًا على وجوب التشهد.\nولا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود إذا ترك التشهد الأول، وفعل النبي - ﷺ - لا يدل على الوجوب، وإنما المحفوظ هو السجود للسهو تأسيًا بفعل النبي - ﷺ - وهذا وحده لا يكفي دليلًا على وجوب التشهد، وليس هناك إجماع بأن المصلي لا يسجد لترك السنن المؤكدة في الصلاة حتى يقال: إن سجود النبي - ﷺ - دليل على وجوب التشهد، والجمهور قالوا يسجد للسهو لترك السنن على خلاف بينهم في هذه السنن إلا الحنفية فإنهم قالوا: لا يشرع سجود السهو لترك السنن.\nفالحنابلة في المعتمد يقولون بمشروعية سجود السهو إذا أتى بسنة قولية في غير موضعها، ويباح السجود لترك سنة قولية.\nوالشافعية يرون مشروعية سجود السهو إذا ترك من السنن ما هو من أبعاض الصلاة كالقنوت، والتشهد الأول، والقعود له.\nوالمالكية يرون مشروعية سجود السهو إذا ترك سنة مؤكدة، فلم يكن سجود السهو لترك التشهد دليلًا على وجوب التشهد عند جمهور العلماء بما فيهم الحنابلة القائلون بوجوب التشهد الأول، وزيادة السجود في الصلاة إذا وجد المقتضي","vol":"4","page":484},{"text":"ولو كان المقتضي سنة لا يبطل الصلاة، فهذا سجود التلاوة في الصلاة زيادة في الصلاة، وفعله في الصلاة لا يدل على وجوب سجود التلاوة، فسجود التلاوة سنة، لا فرق في حكمه بين أن يكون خارج الصلاة أو داخلها.\n• ويجاب:\nالحقيقة أن حديث ابن بحينة يمكن الاستدلال به لكل من القولين مما يوسع دائرة الخلاف في هذه المسألة.\nومتابعة المأموم للإمام إذا نسي التشهد لا يستفاد منها أن التشهد ليس بواجب؛ لأن المتابعة في الصلاة أوجب حتى ولو أحدثت زيادة في صلاة المأموم لولا وجوب المتابعة لأبطلت صلاته، فهذا المسبوق بركعة إذا دخل مع إمامه، فإذا صلى ركعة مع الإمام جلس الإمام للتشهد الأول؛ فجلس المأموم معه متابعة، مع أن جلوس المأموم ليس هذا موضعه، وإنما اغتفر للمتابعة، وقل مثل ذلك في بقية الركعات. وربما جلس المأموم أربع تشهدات في الصلاة من أجل المتابعة، فلا يمكن اعتبار متابعة المأموم لإمامه دليلًا على أن التشهد الأول ليس واجبًا.\nوترك الرجوع للتشهد إذا استتب قائمًا، ليس عندنا في السنة إلا حديث ابن بحينة، وهو فعل، وليس من السنة القولية، فقد يقال: إن الواجب إذا فارقه الإمام لا يرجع إليه، كما يذهب إلى هذا الحنابلة.\nوقد يقال: إن عدم الرجوع إليه دليل على عدم وجوبه، ولو وجد سنة قولية أو أدلة أخرى للمسألة تحسم الخلاف لأمكن ترجيح أحد القولين.\nوالسجود لترك التشهد الأول ليس حاسمًا في الاستدلال به على وجوب التشهد، ولا على عكسه؛ لأن جمهور الفقهاء بما فيهم الحنابلة لا يقصرون السجود على ترك الأركان والواجبات، وإذا كان يمكن السجود لترك السنن لم يكن السجود حاسمًا في بيان وجوب التشهد أو سنيته، والله أعلم.\n• دليل من قال: الجلوس والتشهد ركنان:\nأن الجلوس للتشهد الأول جزء من ماهية الصلاة، فحقيقة الصلاة قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه أبعاض الصلاة التي تقوم عليها الماهية، والجلوس للتشهد أولى بالركنية من القول بركنية ما بين السجدتين؛ لأن الجلوس للتشهد","vol":"4","page":485},{"text":"مقصود لذاته، والجلوس بين السجدتين شرع للفصل بين السجدتين.\n• ويناقش:\nالأركان إذا تركت لابد من القيام بها، ولا يكتفى بجبرها بسجود السهو، فلما لم يرجع النبي - ﷺ - إلى التشهد الأول حين تركه، وصحت الركعة الثالثة والرابعة مع سقوطه كان ذلك دليلًا على عدم وجوبه، ولهذا القائلون بأن التشهد الأخير فرض لا يرون سقوطه بالنسيان، ولا تقوم سجدتا السهو مقامه.\n• دليل من قال: الجلوس واجب والتشهد سنة:\nهذا القول يذهب إلى أن الجلوس للتشهد أهم من التشهد، فالجلوس جزء من أبعاض الصلاة، كالجلسة بين السجدتين، وأما التشهد فهو ملحق بالأذكار، وأذكار الصلاة لا تجب على الصحيح كالاستفتاح والتسبيح في الركوع والسجود، وسؤال المغفرة بين السجدتين، فكذلك التشهد الأول، والله أعلم.\n• الراجح من الخلاف:\nالخلاف قوي جدًّا، والأدلة فيها محتملة، وهذا الأمر يكون لصالح القول بعدم الوجوب؛ لأن الاحتياط عدم القول بالوجوب إلا في دليل صريح، يرجح ذلك حديث المسيء صلاته حيث لم يذكر له التشهد، إلا أنه ينبغي ألا يغامر المصلي فيترك التشهد الأول للقول بسنيته، فالصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، وليخرج المصلي من صلاته بيقين وأنه خرج من العهدة، وإذا تركه ساهيًا سجد للسهو، ويبقى الاجتهاد فيما لو نسي سجود السهو، وطال الفصل، هل يعيد الصلاة للقول بوجوبه، أو لا يعيد الصلاة للقول بسنيته، هذا موضع اجتهاد، وتكليف الناس بالإعادة يحتاج إلى دليل أقوى، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>الفصل الثاني حكم التشهد الأخير</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الصلاة أفعال وأقوال، والأفعال كلها أركان إلا القعدة الأولى وجلسة الاستراحة، وأما الأقوال فيتفقون على ركنية التكبيرة الأولى والقراءة، والجمهور على تَعَيُّن الفاتحة خلافًا للحنفية.\n• الراجح في أذكار الركوع والسجود وما بين السجدتين أنها من السنن، وهو قول الجمهور خلافًا للحنابلة.\n• التشهد متردد بين الركنية فيلحق بتكبيرة الإحرام، وبين السنية فيلحق بأذكار الركوع والسجود، وبين التوسط وذلك بإلحاقه بالواجبات، وكلها قد قيل بها.\n• لا يصح التفريق بين التشهد الأول والأخير، وقد سوَّى بينهما النبي - ﷺ - في عدم ذكرهما في حديث المسيء صلاته.\n• التفريق في الحكم بين التشهدين الأول والأخير إن كان ذلك يتعلق باللفظ فألفاظهما واحدة، أو كان ذلك يتعلق بالمحل فلا فرق، فالغالب أن التشهد يأتي بعد كل ركعتين إلا المغرب، فلا يوجد معنى يوجب التفريق بينهما.\n• لفظ (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) حديث شاذ، أعرض عنه الشيخان.\n• لو صح حديث (قبل أن يفرض التشهد) لم يدل على الركنية؛ لأن الشرع لا يفرق في الاصطلاح بين الفرض والواجب، ويطلق أحدهما على الآخر، وإنما التفريق اصطلاح فقهي كدلالة لفظ السنة بين النصوص والفقه.\n[م-٦٧٢] اختلف العلماء في التشهد الأخير على ثلاثة أقوال:\nفقيل: التشهد واجب والجلوس له فرض، وهو مذهب الحنفية، وقول في","vol":"4","page":487},{"text":"مذهب الحنابلة، قال المرداوي: وهو غريب بعيد (^١).\nقال في الاختيار لتعليل المختار: «القعدة الأخيرة فرض والتشهد فيها واجب» (^٢).\nوقيل: الجلوس بقدر السلام فقط واجب، وأما التشهد فهو سنة، وهو مذهب المالكية (^٣).\nوقال شعبة: «سألت الحكم وحمادًا عن الرجل ينسى التشهد، فقالا: أَكُلُّ الناس يحسن يتشهد؟ جازت صلاته» (^٤).\nوقيل: التشهد والجلوس كلاهما فرض، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك، وأهل المدينة، وبه قال داود (^٥).\nوقيل: الجلوس والتشهد واجبان، وهو رواية عن أحمد، قال في الرعاية كما في الإنصاف: وهو غريب بعيد (^٦).\nقال أبو الحسين نقلًا من الإنصاف: «لا يختلف قوله -يعني أحمد- أن الجلوس\n_________\n(^١). مختصر القدوري (ص: ٢٧)، تحفة الفقهاء (١/ ١٣٧)، بدائع الصنائع (١/ ١١٣)، العناية شرح الهداية (١/ ٢١٧، ٢٧٥، ٢٧٧)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٠)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٤)، الإنصاف (٢/ ١١٣).\n(^٢). الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٤).\n(^٣). مختصر خليل (ص: ٣٢)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٠)، التاج والإكليل (٢/ ٢١٨)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٦٤)، الخرشي (١/ ٢٧٣)، منح الجليل (١/ ٢٥٠)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٦) ..\n(^٤). رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٧١٠) حدثنا شبابة، عن شعبة، وسنده صحيح.\n(^٥). تفسير القرطبي (١/ ١٣٦، ١٣٧)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٥٦)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٢٠٤)، الدر الثمين والمورد المعين (ص: ٢٧٧)، الإنصاف (٢/ ١١٣)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٧)، المبدع (١/ ٤٤٢)، المقنع (ص: ٥٣)، الممتع للتنوخي (١/ ٣٩١)، الإقناع (١/ ١٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٩٩).\nوقال خليل في التوضيح (١/ ٣٢٩): «ما ذكره المصنف من أن التشهد الأخير سنة هو المشهور، وروى أبو مصعب وجوبه، وعليه فيكون الجلوس واجبًا؛ لأن القاعدة أن الظرف حكمه ما يفعل فيه. وحكى ابن بزيزة في التشهدين ثلاثة أقوال، والمشهور أنهما سنتان، وقيل: فضيلتان. وقيل: الأول سنة، والثاني: فريضة».\n(^٦). الإنصاف (٢/ ١١٣).","vol":"4","page":488},{"text":"فرض، واختلف قوله في الذكر فيه، وعنه أنهما سنة، وعنه التشهد الأخير فقط سنة» (^١).\nقال أحمد كما في سنن الترمذي: «إذا لم يتشهد وسلم أجزأه؛ لقول النبي - ﷺ -: وتحليلها التسليم، والتشهد أهون، قام النبي - ﷺ - في اثنتين فمضى في صلاته ولم يتشهد» (^٢).\nفهذا النص عن الإمام أحمد يشير إلى أنه لا فرق بين التشهد الأول والأخير، فاحتج على صحة الاكتفاء بالتسليم وترك التشهد الأخير على ترك الرجوع إلى التشهد الأوسط حين قام النبي - ﷺ - عنه ناسيًا، والله أعلم.\n• دليل من قال: التشهد الأخير فرض:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٥٣) ما رواه النسائي، قال: أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، ومنصور، عن شقيق بن سلمة،\nعن ابن مسعود قال: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تقولوا هكذا، فإن الله ﷿ هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٣).\n[معلول] (^٤).\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ١١٣).\n(^٢). سنن الترمذي (٢/ ٢٦١).\n(^٣). سنن النسائي (١٢٧٧).\n(^٤). الحديث رواه النسائي في المجتبى (١٢٧٧)، وفي الكبرى (١٢٠١)، والدارقطني في السنن (١٣٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٨)، وفي الخلافيات (٢٢٧٤)،وأبو أحمد الحاكم في شعار أصحاب الحديث (٦٢)، وابن عساكر في الأربعين البلدانية (ص: ٨٤)، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود.\nوالحديث فيه علتان:\nالعلة الأولى: الانقطاع. قال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٤٦١٠)، قال أبي: لم يسمع =","vol":"4","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سفيان حديث عبد الله في التشهد.\nالعلة الثانية: التفرد والمخالفة،\nأما التفرد فلم يقل أحد في هذا الحديث في جميع طرقه (كنا نقول قبل أن يفرض التشهد ..) إلا سفيان بن عيينة، تفرد به عنه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي.\nوأما المخالفة فقد اختلف فيه على الأعمش ..\n\nفرواه سفيان بن عيينة، عن الأعمش ومنصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، فذكر فيه (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد ...) إلخ.\nوقد رواه عن الأعمش أكثر من عشرين نفسًا من أصحاب الأعمش، ومن الطبقة الأولى من أصحابه، كأبي معاوية الضرير،، وشعبة، والثوري، ويحيى بن سعيد القطان وأبي نعيم الفضل ابن دكين، ووكيع، وغيرهم.\nكما رواه جماعة عن منصور، عن أبي وائل (شقيق بن سلمة) فلم يذكروا ما ذكره ابن عيينة، منهم شعبة وجرير، والثوري وزائدة،\nكما رواه جماعة عن أبي وائل شقيق بن سلمة من غير رواية الأعمش، فلم يذكروا ما ذكره ابن عيينة، منهم: أبو حصين، والمغيرة بن مقسم وحماد بن أبي سليمان، وعاصم بن أبي النجود وغيرهم.\nكما رواه أصحاب عبد الله بن مسعود من غير أبي وائل، كالأسود بن يزيد، وأبي الأحوص، وعلقمة وغيرهم، فلم يذكروا في حديثهم (كنا نقول قبل أن يفرض التشهد) فإذا لم تكن هذه الرواية شاذة فلا يوجد في السنة حديث شاذ.\nوسوف أخرج رواية أبي وائل شقيق بن سلمة، للاحتجاج بها، وأدع تخريج طرق حديث عبد الله للقارئ الكريم أن يراجعها اختصارًا وبعدًا عن التطويل.\nفالحديث رواه أبو وائل شقيق بن سلمة، ورواه عن شقيق جماعة منهم:\nالأول: الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله.\nرواه ابن عيينة، عنه وعن منصور، وتقدم تخريجه، وخالفه كل من:\nالأول: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٥٢٤)، ومسند أحمد (١/ ٣٨٢، ٤٢٧)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢)، ومسند البزار (١٦٩٢)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢١٩).\nالثاني: يحيى بن سعيد القطان، كما في صحيح البخاري (٨٣٥)، ومسند أحمد (١/ ٤٣١)، وسنن أبي داود (٩٦٨)، وسنن النسائي (١٢٩٨)، وفي الكبرى (١٢٢٢)، وسنن ابن ماجه (٨٩٩)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢١٩).\nالثالث: أبو نعيم الفضل بن دكين كما في صحيح البخاري (٨٣١)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤٠) ح ٩٨٨٥، ومسند الشاشي (٥٠٧)،\nالرابع: وكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٨٣)، ومسند ابن أبي شيبة (٢٣٩)، ومستخرج =","vol":"4","page":490},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبي عوانة (٢٠٢٧)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٣)،\nالخامس: هشيم بن بشير مقرونًا بغيره كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢٩٨٥)، وصحيح ابن حبان (١٩٤٨).\nالسادس: الثوري مقرونًا بغيره كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦١)، ومسند أحمد (١/ ٤١٨، ٤٢٣)، وسنن النسائي (١١٦٥)، سنن ابن ماجه (٨٩٩)، ومسند البزار (١٦٧٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤١) ح ٩٨٨٨، ومشكل الآثار (٥٦١٤)، ومسند الشاشي (٥٠٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٤٨، ١٩٥٠، ١٩٥٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٧).\nالسابع: شعبة مقرونًا بغيره كما في مسند أحمد (١/ ٤٤٠)، وسنن النسائي (١١٧٠)، وفي الكبرى (٧٦٠)، ومسند البزار (١٦٣٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤٥) ح ٩٩٠٤، وحلية الأولياء (٧/ ١٧٩).\nالثامن: حفص بن غياث، كما في صحيح البخاري (٦٢٣٠)، والأدب المفرد له (٦٣٠)،\nالتاسع: عبد الله بن نمير، كما في سنن ابن ماجه (٨٩٩)، ومسند الشاشي (٥٠٣)،\nالعاشر: الفضيل بن عياض، كما في سنن النسائي (١٢٧٩)، وفي الكبرى (١٢٠٣، ٧٦٥٣)،\nالحادي عشر: زائدة بن قدامة، كما في مسند أحمد (١/ ٤١٣)، وصحيح مسلم (٥٧ - ٤٠٢)، ساق إسناده، واختصر لفظه، ومسند البزار (١٦٢٨)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤٠) ح ٩٨٨٦، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٢٨).\nالثاني عشر: يعلى بن عبيد كما في سنن الدارمي (١٣٧٩)، ومنتقى ابن الجارود (٢٠٥)، وتهذيب الآثار للطبري الجزء المفقود (٣٦١)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٢٧)، ومسند الشاشي (٥٠٢)،\nالثالث عشر: عبثر بن القاسم كما في السنن الكبرى للنسائي (١١٥٢٠)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٣).\nالرابع عشر: عبد الله بن إدريس، كما في صحيح ابن خزيمة (٧٠٣)،\nالخامس عشر: أبو أسامة حماد بن أسامة كما في صحيح ابن خزيمة (٧٠٣)،\nالسادس عشر: محمد بن فضيل، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٠٧)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٣)، ومسند البزار (١٦٢٩)،\nالسابع عشر: عيسى بن يونس كما في صحيح ابن حبان (١٩٥٥)،\nالثامن عشر: أبو عوانة كما في مشكل الآثار (٢٢٤١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٣٧، ٢٦٢)، ومسند البزار (١٦٣٠)، ومستخرج أبي عوانة (٢٢٤١)،\nالتاسع عشر: واصل الأحدب كما في مسند الشاشي (٥٠٨)،\nالعشرون: علي بن مسهر كما في مسند أبي يعلى (٥٠٨٢)، كلهم عشرون راويًا وهناك غيرهم رووه عن الأعمش به، فلم يقل أحد منهم ما ذكره ابن عيينة. =","vol":"4","page":491},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: منصور بن المعتمر، عن أبي وائل.\nرواه جرير كما في صحيح البخاري (٦٣٢٨)، ومسلم (٥٥ - ٤٠٢)، وأكتفي بالصحيحين اختصارًا.\nوشعبة كما في صحيح مسلم (٥٦ - ٤٠٢)، ومسند أحمد (١/ ٤٤٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٧٠)، وفي الكبرى (٧٦٠)، ومسند البزار (١٦٧٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٢٩)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩١)، وحلية الأولياء (٧/ ١٧٩).\nوزائدة كما في صحيح مسلم (٥٧ - ٤٠٢)، ومسند أحمد (١/ ٤١٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٣٠)، ومستخرج أبي نعيم (٨٩٢)، عن منصور.\nوالثوري مقرونًا بغيره كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦١)، عن منصور كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٧٧)، وفي الكبرى (١٢٠١)، وسنن ابن ماجه (٨٩٩)، ومسند البزار (١٦٧٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤١) ح ٩٨٨٨، ومشكل الآثار (٥٦١٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٥٠، ١٩٥٦)، ومسند الشاشي (٥٠٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٧).\nوالفضيل بن عياض كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٣٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤١) ح ٩٨٨٩.\nوهيب بن خالد كما في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٢)، ستتهم رووه عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وليس فيه الحرف الذي رواه ابن عيينة عن أبي وائل.\nالثالث: المغيرة، عن أبي وائل، كما في صحيح البخاري (٧٣٨١)، ومصنف ابن أبي شيبة مقرونًا بغيره (٢٩٨٥)، ومسند أحمد (١/ ٤٤٠)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٧٠)، وفي الكبرى له (٧٦٠)، ومسند الشاشي (٥٠٦)، ومسند البزار (١٦٧٣، ١٧١١)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤٥) ح ٩٩٠٤، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٤٨)، ومعجم ابن الأعرابي (٢٤٧)، وحلية الأولياء (٧/ ١٧٩).\nالرابع: حصين بن عبد الرحمن، عن أبي وائل، كما في صحيح البخاري (١٢٠٢)، ومصنف ابن أبي شيبة مقرونًا بغيره (٢٩٨٥)، وسنن ابن ماجه مقرونًا بغيره (٨٩٩)، ومسند البزار (١٦٧٤)، وصحيح ابن خزيمة (٧٠٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٤٨، ١٩٥٦)،\nوحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٤٦)، ومصنف عبد الرزاق (٣٦٠١)، ومسند أحمد (١/ ٤٤٠، ٤٦٤)، وسنن ابن ماجه (٨٩٩)، والبغوي في الجعديات (٣٦٣)، وسنن النسائي (١١٦٩)، وفي الكبرى (٧٥٩)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٦٢)، ومسند البزار (١٦٧٣، ١٦٧٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٤١، ٤٢، ٤٥) ح ٩٨٨٨، ٩٨٩٤، ٩٩٠٤، وصحيح ابن حبان (١٩٤٩، ١٩٥٦)، ومسند الشاشي (٥٠١، ٥٠٤)، والآثار لأبي يوسف (٢٦٨)، وحلية الأولياء (٧/ ١٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٥٢٧)، وأكتفي بهؤلاء من أصحاب أبي وائل.\nوقد تجنب الشيخان رواية ابن عيينة لما فيها من التفرد والمخالفة. =","vol":"4","page":492},{"text":"وجه الاستدلال:\nقول الصحابي: (قبل أن يفرض التشهد)، وقوله: (لا تقولوا ... ولكن قولوا التحيات لله) فدل على وجوبه: بقوله: قبل أن يفرض، وللأمر به في قوله: (قولوا التحيات لله)، والأصل في الأمر الوجوب.\n• ويناقش:\nأن لفظ: (قبل أن يفرض التشهد) إذا لم يثبت لم يكن هناك فرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ولفظهما واحد، إلا أن هذا في وسط الصلاة، والثاني في آخرها، ويعقبه التسليم، وهذا لا يثبت فرقًا.\nفلو صح لفظ: (قبل أن يفرض علينا التشهد) لكان هذا دليلًا على وجوب التشهد الأول والأخير؛ لأن (أل) في التشهد للعموم.\nولفظ (قبل أن يفرض علينا) لو صح لا يدل على الركنية؛ لأن التفريق بين الفرض والواجب لفظ اصطلاحي من قبل الفقهاء، وليس اصطلاحًا شرعيًّا، وإنما الافتراق بين ترك الركن والواجب إنما هو في الحكم، أما الشرع فلا يفرق في الاصطلاح بين الفرض والواجب، ويطلق أحدهما على الآخر.\n_________\n= قال الطحاوي في المشكل (١٤/ ٢٦٩): «ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث، فيذكر فيه: فلما فُرِضَ التشهد، غير ابن عيينة، وقد رواه من سواه، وكلهم لا يذكر فيه هذا الحرف».\nوقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٨٨): «لم يقل أحد في حديث ابن مسعود هذا بهذا الإسناد، ولا بغيره: قبل أن يفرض التشهد، والله أعلم».\nوقال ابن عساكر في الأربعين البلدانية (ص: ٨٥): «وأخرجه النسائي في سننه عن سعيد بن عبد الرحمن كما أخرجناه، وهو ينفرد بقوله: قبل أن يُفرَض التشهد؛ فإنها لفظة لم يَأْتِ بها غيره».\nفجعل الحمل على الراوي عن ابن عيينة، وهذا صحيح لو كان ابن عيينة قد سمعه من أبي وائل، أما وقد دلسه كما قال الإمام أحمد، فلا يمكن الجزم بأن الحمل على سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وهو من ثقات أصحاب ابن عيينة، والله أعلم.\nبقي الجواب عن قول الدارقطني في السنن:: هذا إسناد صحيح. اهـ\nوكأن الدارقطني في السنن ليس هو الدارقطني في العلل، ولعل نفس الدارقطني في السنن تغلب عليه الصنعة الفقهية؛ لكونه كتابًا جرى تأليفه على أبواب الفقه.\nوقد تابع الدارقطني كل من البيهقي والحافظ ابن حجر، والله أعلم.","vol":"4","page":493},{"text":"وإذا لم يصح حرف (قبل أن يفرض التشهد) لشذوذه، ومخالفة كل من روى الحديث عن ابن مسعود ابتداء بأصحابه، إلى آخر طبقة فلا يصح الاحتجاج بهذا الحرف دليلًا على وجوب التشهد.\nوأما الأمر بالتحيات فلا يفيد الوجوب أيضًا؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمرهم بالتحيات ابتداء وإنما نهاهم عن خطأ كانوا يقعون فيه، فكانوا يقولون: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تقولوا هكذا) فناسب أن يرشدهم إلى الصواب، فقال: (ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات).\nوالأمر إذا تسبب فيه المأمور إما بالسؤال وإما بالتعبد بما لا يشرع، فأمر بسبب ذلك بالصواب لا يستفاد من الأمر الوجوب فليس بمنزلة الأوامر الشرعية التي توجه للمكلف طالبة منه الفعل ابتداء، والله أعلم.\nوكون التشهد الأول يسقط بالنسيان، فهل التشهد الأخير يختلف عنه؟\nلا يمكن الجزم بوجود فرق بين التشهد الأول والأخير من هذه الناحية حيث لم يثبت في السنة أن النبي - ﷺ - سها عن التشهد الأخير، ولم يسقطه بالنسيان حتى نجزم بوجود فارق بينهما، فكان مقتضى القياس سقوطه بالنسيان، خاصة أن سقوط التشهد الأول بالنسيان لم يَأْتِ من السنة القولية حتى يقال: لما خص التشهد الأول بالسقوط فهم منه أن التشهد الأخير يختلف عنه، وإنما جاء من السنة الفعلية لعارض السهو، فكان المعنى التسوية بين التشهد الأول والأخير، وقد سوى بينهما النبي - ﷺ - حيث أسقطهما في حديث المسيء صلاته، فلم يذكر له التشهدين.\nولأن التفريق في الحكم بين التشهد الأول والأخير إن كان ذلك يتعلق باللفظ فألفاظهما واحدة.\nوإن كان اختلاف الحكم بينهما يتعلق بالمحل فلا فرق، فالغالب أن التشهد يأتي بعد كل ركعتين إلا المغرب، فلا يوجد معنى يوجب التفريق بين التشهد الأول والأخير، ومن جزم باختلاف التشهد الأخير عن الأول فعليه الدليل.\nوكون التشهد الأخير يزيد بالصلاة على النبي - ﷺ - وآله، وبالتعوذ والدعاء، فهذه","vol":"4","page":494},{"text":"الزيادات كما سيأتينا أنها من سنن الصلاة، لا من واجباته، وتعلق هذه الأدعية ليس مرتبطًا بالتشهد، وإلا لاقتضى ذلك أن يدعو بالتشهد الأول، وإنما الدعاء مشروع في دبر الصلاة، كما رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات (^١).\n[ابن سابط لم يسمع من أبي أمامة].\nفكأن الصلاة كلها كانت بمثابة الثناء والتمجيد لله سبحانه يعقبه الصلاة على النبي - ﷺ - ثم يعقبه الدعاء ورفع الحاجات العامة والخاصة.\nالدليل الثاني:\nأن النبي - ﷺ - كان يواظب على فعل التشهد الأول في صلاته، ولم ينقل أنه أَخَلَّ به مرة واحدة متعمدًا.\n(ح-١٩٥٤) وقد روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي - ﷺ - أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي.\nرواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (^٢).\n• ويجاب:\nسبق لنا مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب، انظر الجواب عليه في حكم التشهد الأول.\nالدليل الثالث:\n(ث-٤٧٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين، قال: ثنا شعبة، عن مسلم أبي النضر، قال:\nسمعت حَمَلَةَ بن عبد الرحمن، يقول: قال عمر: لا صلاة إلا بتشهد (^٣).\n[ضعيف] (^٤).\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٣٤٩٩).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣١)، وصحيح مسلم (٢٩٢ - ٦٧٤).\n(^٣). المصنف (٨٧١٥).\n(^٤). في إسناده حملة بن عبد الرحمن لم يَرْوِ عنه إلا مسلم بن عبد الله أبو النضر. =","vol":"4","page":495},{"text":"الدليل الرابع:\n(ح-١٩٥٥) ما رواه البزار من طريق محبوب بن الحسن، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة،\nعن عبد الله قال: كان النبي - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: تعلموها فإنه لا صلاة إلا بتشهد، يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (^١).\n_________\n= قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٢/ ٢١٢): «حملة- بفتح الحاء المهملة والميم- والراوي عنه قال ابن خزيمة: لست أعرفهما. وذكر ابن حبان حملة في الثقات».\nوذكره البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٣١) ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا.\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (١٨٩٥): سألته (يعني أَباه) عن حديث أبي النضر، قال: سمعت حملة بن عبد الرحمن، قال أبي: وليس هذا أبا النضر الذي يحدث عنه مالك، وابن عيينة، هذا رجل شامي من عك.\nوقال عبد الله أيضًا كما في العلل (٣٣٧٧): قال أبي: مسلم أبو النضر، شامي، روى عنه شعبة.\nفقول الإمام أحمد: رجل شامي من عك يشعرك بجهالة حاله، وإن انتفت عنه الجهالة العينية برواية شعبة عنه.\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٢٦٥): «مسلم بن عبد الله أبو النضر، عن حملة بن عبد الرحمن، سمع منه شعبة، هو شامي».\n\nوليس لهما من الرواية إلا أثران، هذا أحدهما، ومع قلة روايتهما، وكونهما لا يعرفان إلا بالرواية عن بعضهما، ولم يتابعا عليه، ولم يرد في السنة ما يدل على انتفاء الصلاة بانتفاء التشهد إلا من هذا الوجه الغريب، وفيه مخالفة لحديث ابن بحينة من صحة الصلاة مع إسقاط التشهد، كل ذلك كافٍ في الدلالة على ضعف ما تفردا به، والله أعلم.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٧١٣) حدثنا وكيع أو غيره، عن شعبة به.\nورواه محمد بن الحسن في الآثار (١٨٤)، قال: أخبرنا شعبة به.\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٠٨٠) عن عبد الله بن كثير، عن شعبة، عن مسلم الشامي، عن حملة رجل من عك به، وترجم له عبد الرزاق: باب من نسي التشهد.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٠٠) من طريق محمد بن جعفر، وابن مهدي، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت مسلمًا أبا النضر قال: سمعت حملة بن عبد الرحمن قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول ... وذكر الأثر.\n\n(^١). مسند البزار (١٥٧١).","vol":"4","page":496},{"text":"[ضعيف جدًّا] (^١).\n_________\n(^١). الحديث رواه البزار في المسند (١٥٧١) وفي كشف الأستار (٥٦٠)، من طريق محبوب بن الحسن.\nوالطحاوي (١/ ٢٧٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٥٢٨) من طريق أبي معشر البراء.\nوالطبراني في الكبير (١٠/ ٥١/٩٩٢٢)، وفي الأوسط (٤٥٧٤)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٦)، والبيهقي في الخلافيات (٢٢٨٢، ٢٢٨٣)، من طريق صغدي بن سنان، ثلاثتهم رووه عن أبي حمزة الأعور به.\nوقال البيهقي في السنن (٢/ ٥٢٨) وهو بشواهده الصحيحة يقوى بعض القوة.\nوعبارة البيهقي ليست تقوية لحديث أبي حمزة الأعور إلا فيما توبع عليه من الشواهد الصحيحة، ومعلوم أن تشهد ابن مسعود من أصح ما ورد في التشهد، ويفهم من قوله (بعض القوة) أن ما لم يتابع عليه من الشواهد الصحيحة لا يقوى بعض القوة، والله أعلم.\nوالحديث له أكثر من علة:\nالعلة الأولى: تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف.\nالعلة الثانية: أنه قد تفرد به عن إبراهيم، وهو ضعيف جدًّا فيه، قال ابن عدي: «وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها».\n\nالعلة الثالثة: أنه قد خولف في إبراهيم، فقد رواه البزار (١٥٨١) من طريق سالم بن نوح، قال: أخبرنا ابن عون، عن إبراهيم، عن علقمة، أن عبد الله كان يعلم رجلًا التشهد فقال: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فأعادها عبد الله عليه مرارًا كل ذلك يقول: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله والرجل يقول: وأن محمدًا عبده ورسوله، فقال عبد الله: هكذا علمنا.\nقال البزار: وهذا الحديث إنما أدخلته المسند لأنه قال: هكذا علمنا.\nوليس فيه قوله: (لا صلاة إلا بتشهد).\nوسالم بن نوح تكلم فيه من قبل حفظه،\nقال أحمد: ما أرى به بأسًا، قد كتبت عنه. العلل لابنه (٣٣٥١).\nوقال أبو زرعة: صدوق ثقة.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\nوقال أبو حاتم: لا يحتج به.\nوقال الذهبي: محدث صدوق، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.\nوهو أحسن حالًا من أبي حمزة الأعور.\nوقد توبع سالم بن نوح تابعه عثمان بن الهيثم (صدوق تغير حفظه في آخرة فكان يتلقن)،\nأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٥٠)، وفي المعجم الصغير (٨٤٥)، وفي الأوسط ٦٠٧٢)، =","vol":"4","page":497},{"text":"الدليل الخامس:\n(ث-٤٧٤) ما رواه البيهقي من طريق أبي وكيع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: التشهد تمام الصلاة.\n[انفرد به أبو وكيع عن أبي إسحاق] (^١).\n_________\n= وتمام في فوائده (٩٦٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٨٢)، عن محمد بن عثمان بن أبي سويد الزارع (ضعيف)، حدثنا عثمان بن الهيثم، ثنا ابن عون، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: علمنا رسول الله - ﷺ - التشهد: قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nقال الطبراني: لم يروه مرفوعًا عن ابن عون إلا عثمان بن الهيثم. اهـ\nولم يذكر قوله: (لا صلاة إلا بتشهد).\nورواه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٧٣٠) حدثني إبراهيم بن راشد.\nوابن الأعرابي في المعجم (١١٢٩) أخبرنا إبراهيم بن فهد (ضعيف).\nوأبو نعيم في الحلية (٣/ ٤٤) من طريق محمد بن غالب بن حرب (قال الدارقطني: ثقة مأمون إلا أنه كان يخطئ، وكان وهم في أحاديث) وثلاثتهم عن عثمان بن الهيثم به.\nقال ابن عدي: ولا أعلم رواه، عن ابن عون فصيره شبه المسند إلا سالم بن نوح وعثمان بن الهيثم المؤذن .... وغيرهما يوقفونه وغيرهما رووه، عن ابن عون فأوقفوه على عبد الله.\nوكل من رواه مرفوعًا أو موقوفًا لم يقل فيه: (لا صلاة إلا بتشهد) إلا أبو حمزة، عن إبراهيم، وروايته عن إبراهيم منكرة.\nوقال الدارقطني في العلل (٥/ ١٥٦): «ورواه النضر بن شميل عن ابن عون موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصواب من رواية ابن عون».\nالعلة الرابعة: أن الشيخين قد رويا حديث ابن مسعود، وليس فيه (لا صلاة إلا بتشهد)\nفقد رواه البخاري (٦٢٦٥)، ومسلم (٥٩ - ٤٠٢)، واللفظ للبخاري، عن أبي نعيم، حدثنا سيف، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثني عبد الله بن سخبرة أبو معمر قال: سمعت ابن مسعود، يقول: علمني رسول الله - ﷺ -، وكفي بين كفيه، التشهد، كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام -يعني- على النبي - ﷺ -.\nمما يدل على نكارة ما تفرد به أبو حمزة الأعور، والله أعلم.\n\n(^١). تفرد به الجراح بن مليح، وقد وثقه أبو داود، وقال النسائي: ليس به بأس. =","vol":"4","page":498},{"text":"التمام يحتمل أكثر من معنى، منها:\nالمعنى الأول: أن التشهد تمام الصلاة: أي آخرها، فهو علامة على بلوغ آخر الصلاة، فليس بعده إلا التحلل منها بالتسليم، وكما قال الحنفية: إن التسليم يقصد به الإتيان بما ينافي الصلاة بقصد الخروج منها، ولذلك لا يقصرون الخروج من الصلاة بالتسليم، فكل فعل ينافي الصلاة يقوم مقام التسليم، وهو قول الحنفية في التسليم تفردوا به عن الجمهور.\nالمعنى الثاني: أن التمام: يطلق ويراد به أحيانًا بلوغ رتبة الكمال، يقال: تم الشيء إذا كمل.\nالمعنى الثالث: يطلق التمام ويراد به ما يقابل النقص، ولهذا وصف الله كلماته بالتامات، فجاء في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات)، لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس، فيكون ترك التمام دليلًا على\n_________\n= وأما الدارقطني فقال: ليس بشيء، وهو كثير الوهم، قلت: يعتبر به؟ قال: لا.\nوقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، ولا يحتج به.\nوقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث، عسرًا فيه ممتنعًا به.\nقال العباس بن محمد الدوري: دخل وكيع بن الجراح البصرة، فاجتمع الناس عليه، وقالوا: حدثنا، فحدثهم حتى قال: حدثني أبي وسفيان، صاح الناس من كل جانب، وقالوا: لا نريد أباك. حدثنا عن الثوري، فقال: أخبرنا أبي وسفيان، فقالوا: لا نريد أباك حدثنا عن الثوري، فأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: يا أصحاب الحديث من بلي بكم فليصبر.\nوقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وزعم يحيى بن معين أنه كان وضاعًا للحديث. اهـ\nقلت: يحيى بن معين اختلف كلامه فيه،\nفقال عثمان بن أبي جعفر الطيالسي، عن يحيى بن معين: ما كتبت عن وكيع، عن أبيه، ولا من حديث قيس شيئًا قط.\nوقال أبو سعد الإدريسي في كتابه (تاريخ سمرقند): كذبه يحيى بن معين، وقال: كان وضاعًا للحديث.\nوقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ضعيف الحديث، وهو أمثل من أبي يحيى الحماني. قلت: أبو يحيى الحماني: حافظ متهم بسرقة الحديث.\nوقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ليس به بأس.\nوعن عباس، قال: سألت يحيى بن معين، عن الجراح بن مليح أبي وكيع، فقال: ثقة.\nوقال ابن حجر في التقريب: صدوق يهم.","vol":"4","page":499},{"text":"ترك ركن، أو واجب.\nوإذا احتمل التمام كل هذا أخذنا بالمتقين، وهو إما بلوغ آخر الصلاة، أو تمامها بمعنى كمالها، خاصة أنه أثر موقوف على صحابي ﵁، والصحابة ﵃ حريصون على بلوغ رتبة الكمال، حتى قال حذيفة ﵁: صليت مع النبي - ﷺ -، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي - ﷺ - (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-١٩٥٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني،\nأن عبد الله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال: قل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد (^٢).\n[لفظ: (فإذا قضيت هذا ... فقد قضيت صلاتك ... إلخ) مدرج، والمحفوظ وقفه على ابن مسعود ﵁] (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (١١٣٥)، وصحيح مسلم (٢٠٤ - ٧٧٣).\n(^٢). المسند (١/ ٤٢٢).\n(^٣). اختلف فيه على الحسن بن الحر،\nفرواه الطبراني في الكبير (١٠/ ٥١) ح ٩٩٢٤، وفي الأوسط (٤٣٨٩)، وفي مسند الشاميين (١٦٤)، وابن حبان (١٩٦٢)، والدارقطني (١٣٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٩) والخطيب في الفصل (١/ ١١١) من طريق غسان بن الربيع (فيه ضعف)،\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٩) والخطيب في الفصل (١/ ١١٢) من طريق محمد ابن مصفى (صدوق له أوهام) حدثنا بقية. (صدوق مدلس، وقد صرح بالتحديث) كلاهما (غسان بن الربيع، وبقية بن الوليد) روياه عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان (صدوق)، =","vol":"4","page":500},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، وأخذ ابن مسعود بيد علقمة، وأخذ النبي - ﷺ - بيد ابن مسعود، فعلمه التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال عبد الله بن مسعود: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك، فإن شئت فاثبت، وإن شئت فانصرف.\nهذا لفظ غسان بن الربيع كما في صحيح ابن حبان.\n\nففصل ابن ثوبان في روايته عن الحسن بن الحر الحديث المرفوع عن الموقوف، وبين أن قوله: فإذا فرغت من هذا فقد فرغت من صلاتك أنه من كلام ابن مسعود موقوفًا عليه.\nورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، واختلف على زهير:\nفرواه أبو داود الطيالسي كما في مسنده (٢٧٣)،\nويحيى بن آدم كما في مسند أحمد (١/ ٤٢٢)،\nوعبد الله بن محمد النفيلي كما في سنن أبي داود (٩٧٠)،\nوأبو نعيم الفضل بن دكين كما في سنن الدارمي (١٣٨٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٧٥)، ومشكل الآثار له (٣٨٠٠)،\nوعلي بن الجعد كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٥٩٣)،\nوأحمد بن يونس، كما في مشكل الآثار (٣٨٠١)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٥٢) ح ٩٩٥٢.\nوأحمد بن عبد الملك الحراني، وأبو بلال الأشعري كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٥٢) ح ٩٩٢٥،\nوعبد الرحمن بن عمرو البجلي كما في صحيح ابن حبان (١٩٦١)،\nوموسى بن داود كما في سنن الدارقطني (١٣٣٦)،\nويحيى بن يحيى كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٤٨)،\nوأبو النضر هاشم بن القاسم كما في معرفة السنن للبيهقي (٣/ ٦٣)، كلهم رووه عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر به، فذكروا قوله: (فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك) مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\nخالفهم شبابة بن سوار، فرواه عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد.\nرواه الدارقطني في السنن (١٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٨).\nقال الدارقطني: شبابة ثقة، وقد فصل آخر الحديث جعله من قول ابن مسعود، وهو أصح من رواية =","vol":"4","page":501},{"text":"وعلى فرض أن يكون اللفظ مرفوعًا فإن قوله: (فإذا قضيت هذا ... فقد قضيت صلاتك ... إلخ) لا يدل على الوجوب، فالقضاء هنا بمعنى الإتمام، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. أي أتمهن. وهو موافق للفظ الآخر عن ابن مسعود ﵁ حين قال: التشهد تمام الصلاة، فهما بمعنى واحد.\nوقد استدل به الحنفية على صحة صلاة من أحدث قبل السلام، وبه قال سعيد بن المسيب، وقتادة وإبراهيم النخعي والإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك والحكم، وطاوس وربيعة ومكحول خلافًا لقول جمهور الفقهاء، ولم أوثق ذلك؛ لأن البحث في حكم التشهد.\n• دليل من قال: التشهد الأخير سنة:\nالدليل الأول:\nالأصل عدم الوجوب إلا بدليل صريحٍ خالٍ من النزاع، والأحاديث التي ساقها أصحاب القول الأول لم تسلم من المناقشة، والأصل براءة الذمة، والاحتياط ألا تشغل الذمم، ولا يحكم بفساد عبادة الخلق إلا بشيء صحيح صريح، والله أعلم.\n_________\n= من أدرج آخره في كلام النبي - ﷺ - والله أعلم. وقد تابعه غسان بن الربيع وغيره، فرووه عن ابن ثوبان، عن الحسن بن الحر كذلك، وجعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود، ولم يرفعه إلى النبي - ﷺ -.\nكما حكم بإدراج هذه اللفظة جمع من العلماء، منهم ابن حبان، والحاكم، والبيهقي وأبو بكر الخطيب في الفصل.\nوحكى النووي اتفاق الحفاظ على إدراجها، قال في الخلاصة: «هذه الزيادة ليست في الصحيح، اتفق الحفاظ على أنها مدرجة، ليست من كلام النبي - ﷺ -، وإنما هي من كلام ابن مسعود. وقد جاء ذلك صريحًا بإدراجها مبيَّنًا، وقد أوضح طرق ذلك الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما».\nوقد رواه جماعة عن الحسن بن الحر، فلم يذكروا فيه قول ابن مسعود، واكتفوا بالمرفوع.\nفقد رواه الحسين بن علي الجعفي المقرئ (ثقة) كما في مسند ابن أبي شيبة (٢٠٣)، وفي مصنفه (٢٩٨٢)، ومسند أحمد (١/ ٤٥٠)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٥١) ح ٩٩٢٦، وابن حبان (١٩٦٣)، ومسند الشاشي (٣٣٨)، وسنن الدارقطني (١٣٣٣)،\nومحمد بن عجلان كما في المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٥١) ح ٩٩٢٣، حديث أبي العباس السراج (٧٢٣)، ومعجم ابن الأعرابي (٩٢٢)، وسنن الدارقطني (١٣٣٤)، كلاهما الجعفي وابن عجلان روياه عن الحسن بن الحر به، فلم يذكرا فيه قول ابن مسعود، والله أعلم.","vol":"4","page":502},{"text":"الدليل الثاني:\n(ح-١٩٥٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالتشهد، فدل على أنه ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي - ﷺ - تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n• واعترض:\nبأن النبي - ﷺ - لم يذكر له التسليم، وهو واجب أو فرض عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة والثوري والأوزاعي، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٥٨) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج،\nعن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (^٢).\nوجه الاستدلال:\nترجم له البخاري بقوله: باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. اهـ\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).\n(^٢). صحيح البخاري (١٢٢٥)، وصحيح مسلم (٨٧ - ٥٧٠).","vol":"4","page":503},{"text":"وإذا صح هذا في التشهد الأول، فالتشهد الأخير مقيس عليه؛ لأن التشهد جنس واحد في عبادة واحدة، وقياسًا على ما يشرع تكراره في الصلاة كالسجدتين فما يصح في إحداهما يصح في الأخرى.\nوكون ترك التشهد سببًا لسجود السهو لا يدل على وجوب التشهد قياسًا على سجود التلاوة، حيث تزاد في هيئة الصلاة ولا يدل ذلك على وجوبها، ولأن جمهور الفقهاء يستحبون السجود لترك السنن، ولم يوجد أمر من الشارع بالسجود لترك التشهد بالنسيان حتى يقال وجوب السجود دليل على وجوب التشهد، والله أعلم.\nوقد سبق لي الجواب عن هذا الاستدلال في المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت.\n• دليل من قال: التشهد واجب، وليس بفرض:\n(ح-١٩٥٩) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^١).\nورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل،\nعن عبد الله ﵁، قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا النبي - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله -إلى قوله- الصالحين، فإذا قالها أصاب كل عبد لله في السماء والأرض صالح، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الثناء ما شاء (^٢).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣٢٨)، وصحيح مسلم (٥٥ - ٤٠٢).","vol":"4","page":504},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمرهم بالتشهد، والأصل في الأمر الوجوب، ولا تثبت الركنية بمجرد الأمر به؛ لأن الركنية قدر زائد على الوجوب ولم يوجد في الأدلة ما يدل على انتفاء الصلاة بانتفائه حتى تثبت به الركنية، وأما على أصول الحنفية لا تثبت الركنية إلا بدليل قطعي الثبوت، وهذا من أحاديث الآحاد.\nفإذا اجتمع الأمر الشرعي بالتشهد، وصدقته المواظبة من لدن النبي - ﷺ - وأصحابه، فلم يثبت عن أحد منهم أنه تركه، كان هذا دليلًا على وجوبه، ولو كان سنة لنقل ما يدل على جواز الترك، والله أعلم.\nوقد ناقشت الاستدلال بالأمر بالتحيات عند الكلام على حكم التشهد الأول، وأما الجواب عن المواظبة فهي تدل على أنه من السنن المؤكدة، ولا تكفي وحدها لتدل على الوجوب، فهناك سنن واظب عليها النبي - ﷺ - حضرًا وسفرًا، ومع ذلك هي في عداد السنن، كالوتر، وسنة الصبح، ونحوهما، والله أعلم.\n• دليل من قال: التشهد سنة:\nذكرت أدلتهم عند الكلام على حكم التشهد الأول، فانظره هناك دفعًا للتكرار.\n• الراجح:\nما رجحته في التشهد الأول أرجحه في التشهد الأخير؛ لأن حكمهما واحد على الصحيح، ولم يقم دليل صريح صحيح في التفريق بينهما، والله أعلم.\nوقد نقلت قول أحمد: «إذا لم يتشهد وسلم أجزأه؛ لقول النبي - ﷺ -: (وتحليلها التسليم) والتشهد أهون، قام النبي - ﷺ - في اثنتين فمضى في صلاته، ولم يتشهد» (^١).\nفاستشهد على صحة ترك التشهد الأخير بالقياس على عدم الرجوع إلى التشهد الأول حين تركه نسيانًا، وقول أحمد موافق لمذهب المالكية، وهو مقتضى دلالة حديث المسيء في صلاته حيث لم يذكر له النبي - ﷺ - التشهدين، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٢/ ٢٦١).","vol":"4","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>الفصل الثالث في ألفاظ التشهد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• جواز التشهد بكل ما ثبت وصح عن النبي - ﷺ -.\n• يكفي اختيار نوع واحد من أنواع التشهد الثابت عن النبي - ﷺ - للقيام بسنة التشهد.\n• التفضيل بين هذه الألفاظ مع ثبوتها كلها ليس مبنيًّا على تفضيل شرعي اقتضاه تقديم الرسول - ﷺ - لبعضها على بعض، فكلها صدرت من الرسول - ﷺ -، والتسوية بينها من العدل المأمور به، وليس شيء من السنة مهجورًا.\n• تفاوت الصحة في الإسناد أو في العمل إنما يكون مرجحًا عند التعارض، أما إذا لم تتعارض السنن فيكفي صحة الحديث للقول بصحة التشهد.\n• يلزم من التزام نوع واحد هجر للسنن الباقية، وذريعة لاندراس بعض السنن المتنوعة كتنوع الأذان والاستفتاحات، بخلاف التنوع فإن فيه إحياء لجميع السنن الواردة في العبادة، وإصابة للسنة من جميع وجوهها.\n[م-٦٧٣] اختلف الفقهاء في الأفضل من ألفاظ التشهد على أقوال منها:\nالقول الأول:\nاختار الحنفية والحنابلة تشهد عبد الله بن مسعود ﵁ (^١).\nقال الزركشي في شرح الخرقي: «ولو تشهد بغيره مما ثبت عنه - ﷺ -، كتشهد\n_________\n(^١). فتح القدير لابن الهمام (١/ ٣١٥)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٢)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٥)، البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج (٢٢٧)، الإنصاف (٢/ ٧٧)، المغني (١/ ٣٨٤)، الفروع (٢/ ٢٠٧)، شرح الزركشي (١/ ٥٨٢)، المبدع (١/ ٤١١)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (١/ ٣٧١)، الإقناع (١/ ١٢٢)، كشاف القناع (١/ ٣٥٧).","vol":"4","page":506},{"text":"ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم جاز، نص عليه» (^١).\n• واستدلوا لذلك:\n(ح-١٩٦٠) بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^٢).\nوقد فضل الحنفية والحنابلة تشهده لما يلي:\nالأول: أنه أصح حديث ورد في التشهد، حيث رواه الشيخان في الصحيحين.\nقال ابن رجب في الفتح: لم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد» (^٣).\nقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد، قال: «هو عندي حديث ابن مسعود، روي من نيف وعشرين طريقًا، ثم سرد أكثرها، وقال: ولا أعلم في التشهد أصح أسانيد، ولا أشهر رجالًا» (^٤).\nالثاني: أن أكثر العلماء قدموه على غيره، قال الترمذي: «حديث ابن مسعود قد روي من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن النبي - ﷺ - في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم من التابعين» (^٥).\n_________\n(^١). شرح الزركشي (١/ ٥٨٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٣١).\n(^٤). فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣١٥).\n(^٥). سنن الترمذي (٢/ ٨١).","vol":"4","page":507},{"text":"قال البغوي: «قال أهل المعرفة بالحديث أصح حديث روي عن رسول الله - ﷺ - في التشهد حديث ابن مسعود، واختاره أكثر أهل العلم من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي» (^١).\nالثالث: أنه ورد فيه صيغة الأمر، (قولوا التحيات ...)، وهو أوكد من صيغة الفعل المجردة.\nالرابع: أن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه، بخلاف غيره.\nالخامس: أن ابن مسعود تلقاه عن النبي - ﷺ - تلقينًا من فِيِ رسول الله - ﷺ - كلمة كلمة، وورد أن النبي - ﷺ - علمه وكفه بين كفيه (^٢).\nالقول الثاني:\nاختار المالكية تشهد عمر بن الخطاب ﵁ (^٣).\n(ث-٤٧٥) لما رواه مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري،\nأنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٤).\n[صحيح، وهو موقوف على عمر ﵁] (^٥).\n_________\n(^١). شرح السنة للبغوي (٣/ ١٨٣).\n(^٢). انظر فتح الباري لابن حجر (٢/ ٣١٥).\n(^٣). المدونة (١/ ٢٢٦)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٣٠٧)، التلقين (١/ ٤٣)، بداية المجتهد (١/ ١٣٨)، الذخيرة (٢/ ٢١٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، شرح التلقين (٢/ ٥٤١)، الإشراف على مسائل الخلاف (١/ ٢٥٢).\n(^٤). موطأ مالك (١/ ٩٠).\n(^٥). رواه مالك بن أنس كما في الموطأ رواية يحيى (١/ ٩٠)، ورواية أبي مصعب الزهري (٤٩٩)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني (١٤٦)، والجامع لابن وهب (٤١١)، والشافعي في المسند (ص: ٢٣٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (٣٨٠٤، ٣٨٠٥)، وفي شرح معاني =","vol":"4","page":508},{"text":"قال ابن العربي عن تشهد عمر: «وهو أولى؛ لأن عمر كان يعلمه الناس على المنبر، فصار كهيئة الإجماع» (^١).\nقال أبو الوليد الباجي في شرح الموطأ: «والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: أن تشهد عمر بن الخطاب يجري مجرى الخبر المتواتر؛ لأن عمر بن الخطاب علمه للناس على المنبر بحضرة جماعة الصحابة وأئمة المسلمين، ولم ينكره عليه أحد، ولا خالفه فيه، ولا قال له: إن غيره من التشهد يجري مجراه، فثبت بذلك إقرارهم عليه، وموافقتهم إياه على تعيينه، ولو كان غيره من ألفاظ التشهد يجري مجراه لقال له الصحابة أوأكثرهم: إنك قد ضيقت على الناس واسعًا، وقصرتهم على ما هم مخيرون بينه وبين غيره، وقد أباح النبي - ﷺ - في القرآن القراءة بما تيسر علينا من الحروف السبعة المنزلة، فكيف بالتشهد، وليست له درجة القرآن أن يقصر الناس فيه على لفظ واحد، ويمنع ما تيسر مما سواه، ولما لم يعترض عليه أحد بذلك، ولا بغيره، علم أنه التشهد المشروع، هذا الذي ذهب إليه شيوخنا العراقيون في التشهد.\nوقال الداودي إن ذلك من مالك ﵀ على وجه الاستحسان وكيفما تشهد المصلي عنده جائز، وليس في تعليم عمر الناس هذا التشهد منع من غيره» (^٢).\nوقد فضل الحنابلة في دعاء الاستفتاح ما جهر به عمر موقوفًا عليه، وقدموه على ما ثبت في الصحيحين مرفوعًا، فهذا نظيره.\n_________\n= الآثار (١/ ٢٦١)، ومستدرك الحاكم مقرونًا بيونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث (٩٧٩)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٠٥).\nوابن جريج، عن الزهري، كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦٨)، وسقط من الإسناد الزهري.\nومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (٣٠٦٧)، ومصنف ابن أبي شيبة (٢٩٩٢)،\nوعمرو بن الحارث مقرونًا بمالك كما في مشكل الآثار (٣٨٠٤)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٦١)، ومستدرك الحاكم (٩٧٩).\nويونس بن يزيد كما في مستدرك الحاكم (٩٧٩).\nوابن إسحاق كما في السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٠٥)، كلهم عن ابن شهاب الزهري به.\n\n(^١). عارضة الأحوذي (٢/ ٨٤).\n(^٢). المنتقى للباجي (١/ ١٦٧).","vol":"4","page":509},{"text":"• ويناقش كلام الباجي وابن العربي من وجهين:\nالوجه الأول:\nلم يثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قصر الناس على هذا التشهد، ومنعهم من غيره حتى يقال: لولا أنه متعين لما قبل ذلك الناس منه، ولما ضيق على الناس واسعًا، وقبول الناس ذلك من عمر؛ لأنه لم يفعل منكرًا، فالأمر واسع، فالسنن الواردة على وجوه متعددة يجوز للمصلي أن يلتزم صفة منها، ويجوز أن يفعل هذا مرة، وهذا مرة حتى يأتي على جميع ما ثبت وصح عن النبي - ﷺ - وهو الأفضل.\nالوجه الثاني:\nلا يصح القول بأن فعله على المنبر يجري مجرى التواتر؛ لأن الذين حضروا عمر ﵃ بعض الصحابة وليس كلهم، وسكوتهم لا يعد إجماعًا على تعين هذا التشهد، وإلغاء غيره مما ثبت وصح.\nالقول الثالث:\nاختار الشافعية تشهد ابن عباس ﵁ (^١).\n(ح-١٩٦١) لما رواه مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وعن طاوس،\nعن ابن عباس، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (^٢).\nقال الشافعي في الرسالة: صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره ... لما رأيته واسعًا، وسمعته عن ابن عباس صحيحًا، كان عندي أجمع، وأكثر لفظًا من غيره، فأخذت به، غير معنف لمن أخذ بغيره مما ثبت عن\n_________\n(^١). مختصر المزني مطبوع مع الأم (١/ ١٠٨)، المجموع (٣/ ٤٥٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٨١)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٥)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٠).\n(^٢). صحيح مسلم (٦٠ - ٤٠٣).","vol":"4","page":510},{"text":"رسول الله - ﷺ - (^١).\nومن وجوه الترجح التي ذكرها أصحاب الشافعي،\nأن تشهد ابن عباس كان متأخرًا عن تشهد ابن مسعود، وذلك أن النبي - ﷺ - قد علم ابن عباس هذا التشهد، وقد توفي النبي - ﷺ - وابن عباس غلام لم يحتلم بعد، بخلاف ابن مسعود ﵁ فإنه متقدم إسلامه ﵁، والمتأخر أولى بالاتباع.\n• الراجح:\nكل ما ثبت عن النبي - ﷺ - في التشهد فإنه يجوز أن يذكر الله به في الصلاة، فلا يكره شيء صح عن النبي - ﷺ - من وجوه التعبدات، والاقتصار على بعضها جائز، وإن فعل هذا مرة، وهذا مرة كان أولى، وليس شيء من السنة مهجورًا، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). الرسالة (١/ ٢٧٥).","vol":"4","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>الفصل الرابع في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>المبحث الأول في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• التشهد الأول مبناه على التخفيف.\n• إذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي - ﷺ - ولا التعوذ من الأمور الأربعة.\n• تشرع الصلاة على النبي - ﷺ - حيث يشرع الدعاء بعدها، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح.\n• تعليم التسليم على النبي - ﷺ - سابق لتعليم الصلاة عليه - ﷺ - كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة.\n• لم يصح حديث في الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، وحديث عائشة في الباب في النفل حديث شاذ.\n• قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقواعد أغلبية يدخلها الاستثناء.\n• لا يوجد حديث واحد، ولو ضعيفًا يذكر أن النبي - ﷺ - كان يصلي على النبي - ﷺ - في التشهد الأول في الفرض، ولو فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، ولو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا، كما لم يحفظ ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم.\n• الفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد، فكان عدم نقل الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول في الفرض بمنزلة نقل العدم.","vol":"4","page":512},{"text":"• لو فرض صحة الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول في النفل فإن ذلك يدل على جوازه في الفريضة، لا على استحبابه فيها؛ لأنه لو كان مستحبًّا فيها لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل.\n[م-٦٧٤] يتفق العلماء على أن التشهد الأول لا تجب فيه الصلاة على النبي - ﷺ - (^١)؛ لأن التشهد الأول مبناه على التخفيف، واختلفوا في مشروعيتها،\nفقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي (^٢).\nقال الدسوقي: «تكره -يعني الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول» (^٣).\nوقال البغوي: «وأما الصلاة على النبي - ﷺ - فعامة العلماء على أن التشهد الأول ليس محلًّا لها ....» (^٤).\nوقال المرداوي: «ظاهر قوله: (هذا التشهد الأول) أنه لا يزيد عليه، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الجمهور، ونص أحمد أنه إن زاد أساء» (^٥).\n_________\n(^١). تفسير ابن كثير ت سلامة (٦/ ٤٧١)، وانظر: فتح الباري (١١/ ١٦٦).\n(^٢). قال في الدر المختار (ص: ٧١): «(ولا يزيد) في الفرض (على التشهد في القعدة الأولى) إجماعًا (فإن زاد عامدًا كره)». قال ابن عابدين في حاشيته عليه (١/ ٥١٠): «والكراهة عند الإطلاق للتحريم».\nوانظر: تحفة الفقهاء (١/ ١٣٧)، المبسوط (١/ ٢٩)، البحر الرائق (١/ ٣٤٤)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٢)، الهداية شرح البداية (١/ ٥٣)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥١٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٥)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢)، منح الجليل (١/ ٢٦٧)، القوانين الفقهية (ص: ٤٧)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)،\nوانظر القول القديم للشافعي في التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٧٠)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: ٤٤٤)، المجموع (٣/ ٤٦٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٣)، بحر المذهب للروياني (٢/ ٦١)، المهمات (٣/ ٩).\nوانظر قول الحنابلة: المغني (٢/ ٢٤)، الإنصاف (٢/ ٧٦)، الإقناع (١/ ١٢٣)، كشاف القناع (١/ ٣٥٩)، مختصر الخرقي (ص: ٢٣)،.\n(^٣). حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٢)،.\n(^٤). شرح السنة للبغوي (٣/ ١٨٥).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٧٦).","vol":"4","page":513},{"text":"وقيل: يستحب، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم، واختاره من الحنابلة ابن هبيرة والآجري (^١).\n• دليل من قال: تستحب:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\nوجه الاستدلال:\nدلت الآية على أنه متى شرع السلام على النبي - ﷺ - شرعت الصلاة عليه، ولا يختلف العلماء في مشروعية السلام على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، فكذلك الصلاة على النبي - ﷺ -.\nوقد صرح النووي في الأذكار وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن التسليم، واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية.\n• ونوقش من وجوه:\nالوجه الأول:\nلا يسلم القول بكراهة إفراد التسليم عن الصلاة من الآية، قال ابن حجر: «لو صلى في وقت وسلَّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلًا» (^٢).\nولو سلم بأن الآية تدل على استحباب جمع الصلاة بالتسليم فلا يدل الترك على الوقوع بالمكروه؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة الشرعية: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولا يحفظ نهي عن إفراد أحدهما، إلا أن يكون عنى النووي بالكراهة ما هو خلاف الأولى.\n(ح-١٩٦٢) وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: .... صلوا عَلَيَّ، فإنه من صلى عَلَيَّ صلاة صلى الله عليه\n_________\n(^١). الأم (١/ ١٤٠)، فتح العزيز (٣/ ٥٠٦)، المجموع (٣/ ٤٦٠)، تحفة المحتاج (٢/ ٨١)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٥)، التعليقة للقاضي حسين (٢/ ٧٧٠)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: ٤٤٤)، الإنصاف (٢/ ٧٧).\n(^٢). فتح الباري (١١/ ١٦٧).","vol":"4","page":514},{"text":"بها عشرًا (^١).\nفلو كانت الصلاة قرينة التسليم لذكرت في الحديث.\nولو سلم القول بالكراهة فإنه يصدق على من لا يسلم أصلًا، وليس على من صلى في محلٍّ، وسَلَّم في محلٍّ آخر، فإنه يصدق عليه أنه صلى وسلم على النبي - ﷺ -.\nالوجه الثاني:\nالاستدلال بدلالة الاقتران على مشروعيتهما مقترنين دلالة ضعيفة، فالواو من حيث دلالتها اللغوية لا تفيد اقترانًا، ولا ترتيبًا ولذلك ذكرت الصلاة قبل السلام، وهو خلاف المشروع في الصلاة.\nوالأمر بالصلاة والسلام على النبي - ﷺ - في الآية مطلق، فمن صلى وسَلَّم، ولو مرة واحدة فقد امتثل الأمر، سواء أكانا مقترنين أم كانا متفرقين، وسواء أكان ذلك داخل الصلاة أم كان ذلك خارجها، وطلب الفعل يحصل به الامتثال مرة واحدة، والتكرار يحتاج إلى دليل، ومن ادعى أن الآية يستفاد منها محل الصلاة والتسليم فقد تكلف.\nكما لا يلزم من اقترانهما في الآية تساويهما في الحكم،\nقال تعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والأكل مباح، وإتيان الحقوق واجب.\nالوجه الثالث:\nأن التسليم جزء من التشهد، لا ينفك عنه، وهو مشروع في القعدة الأولى بالإجماع، وإذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي - ﷺ - ولا التعوذ بالله من الأمور الأربعة، ولذلك كان تعليم التسليم سابقًا لتعليم الصلاة على النبي - ﷺ - كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة الآتي إن شاء الله تعالى، وإنما ارتبطت الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد حيث يشرع الدعاء لكون الصلاة على النبي - ﷺ - قبل الدعاء من أسباب الاستجابة، والدعاء لا يشرع إلا في التشهد الأخير أي في دبر الصلاة فكذلك الصلاة على النبي - ﷺ -؛ لأن التشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه مبني على التخفيف بخلاف التشهد الأخير حيث فتح للمصلي أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه\n_________\n(^١). رواه مسلم (١١ - ٣٨٤) من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو.","vol":"4","page":515},{"text":"بعد أن يتشهد ويصلي على النبي - ﷺ -.\nولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي - ﷺ -، ثم ليدع بعد بما شاء (^١).\n(ث-٤٧٦) وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة،\nعن عبد الله، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يدعو لنفسه (^٢).\nفذكر الصلاة على النبي - ﷺ - في مقدمة الدعاء، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه كما قلت مبني على التخفيف،\nوقد قال النووي في الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله - ﷺ - (» (^٣)، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٦٣) ما رواه أبو عوانة، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام قال:\nانطلقت إلى ابن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - ﷺ -؟ قلت: من؟ قال: عائشة ... وذكر الحديث، قال سعد بن هشام: قلت يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ -، فقالت: كنا نعد لرسول الله - ﷺ - سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيه - ﷺ -، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا .... الحديث (^٤).\n_________\n(^١). سيأتي تخريجه في حكم الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الثاني.\n(^٢). المصنف (٣٠٢٦).\n(^٣). الأذكار ت الأرنؤوط (ص: ١١٧).\n(^٤). مستخرج أبي عوانة (٢٢٩٥).","vol":"4","page":516},{"text":"ورواه النسائي من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة به، وفيه:\n(... ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه - ﷺ - ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه - ﷺ -، ويدعو ... الحديث (^١).\nوجه الاستدلال:\nفي حديث عائشة ﵂ ذكرت تشهدين أحدهما في الركعة الثامنة، حيث تشهد، وصلى على النبي - ﷺ -،، ثم جلس في التاسعة للتشهد الأخير، فدل على صحة الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، وما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل.\n• وأجيب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن ذكر الصلاة على النبي - ﷺ - في الثامنة شاذ (^٢).\n_________\n(^١). المجتبى من سنن النسائي (١٧٢٠).\n(^٢). جاء ذكر الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام بن عامر، عن عائشة، وهذه الرواية شاذة لأمرين:\nالأمر الأول: مخالفة سعيد بن أبي عروبة لأصحاب قتادة، فقد رواه هشام الدستوائي، وشعبة، وهمام بن يحيى وأبو عوانة، ومعمر، خمستهم رووه عن قتادة فلم يذكروا الصلاة على النبي في التشهد الأول.\nالأمر الثاني: مع تفرد سعيد بن أبي عروبة بذكر الصلاة على النبي - ﷺ -، فقد اختلف عليه فيها، فرواه محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة واختلف على ابن بشر:\nفرواه الحسن بن علي بن عفان (صدوق) كما في مستخرج أبي عوانة تامًّا (٢٢٩٥، ٢٠٦٠)، والبيهقي في الخلافيات (٢٥٣٧)، وفي السنن الكبرى مختصرًا (١/ ٦٣، ٥٢٧)، وكذا في دلائل النبوة مختصرًا (١/ ٣٠٨)، وفي القراءة خلف الإمام مختصرًا (١)، عن محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة به، وفي رواية أبي عوانة والخلافيات للبيهقي الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول.\nوقد خالفه من هو أحفظ منه، خالفه أبو بكر بن أبي شيبة، كما في سنن ابن ماجه (١١٩١، ١٣٤٨)، وهو في صحيح مسلم (٧٤٦) إلا أنه لم يَسُقْ لفظه، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم وقرنه برواية غيره (١٦٩٠)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٧٠٣) وقرنه برواية الحسن بن علي بن عفان، وقدم لفظه على لفظ ابن أبي شيبة. =","vol":"4","page":517},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعثمان بن أبي شيبة مختصرًا، كما في سنن أبي داود (١٣٤٤)، ومسائل أحمد رواية أبي داود (١٩٦٧)، كلاهما روياه عن محمد بن بشر به،\n\nورواية أبي بكر بن أبي شيبة تامة في سنن ابن ماجه، وليس فيها ذكر للصلاة على النبي - ﷺ -، وابن أبي شيبة مقدم على الحسن بن علي بن عفان، لأن الثاني كما علمت صدوق، إشارة إلى خفة ضبطه بخلاف أبي بكر بن أبي شيبة، والله أعلم.\nتابع عبدة بن سليمان محمد بن بشر في إحدى روايتيه، رواه النسائي في المجتبى (١٧٢٠)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨)، قال: أخبرنا هارون بن إسحق، عن عبدة، عن سعيد به، ولفظه: أن عائشة قالت: كنا نعد لرسول الله - ﷺ - سواكه وطهوره فيبعثه الله ﷿ لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه - ﷺ - ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه - ﷺ -، ويدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد.\nوهذا لفظ النسائي، ولم يذكر ابن خزيمة الصلاة في الثامنة ولعله بسبب أنه قرنه برواية غيره.\nوقد رواه تامًا عن سعيد بن أبي عروبة كل من يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي، فلم يذكروا الصلاة على النبي - ﷺ -، ويحيى بن سعيد القطان سماعه قديم، ومن أصحاب سعيد بن أبي عروبة، مقدم فيه عند الاختلاف.\nكما رواه مختصرًا ومقطعًا جماعة من أصحاب سعيد، منهم يزيد بن زريع، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن سواء، وبشر بن المفضل، وشجاع بن الوليد، والمطعم ابن المقدام، وعيسى بن يونس، رووه عن سعيد بن أبي عروبة، وليس فيه موضع الشاهد لأتبين هل يوافقون أو يخالفون من زاد هذا الحرف، وإليك تخريج مروياتهم.\nفرواه يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (٦/ ٥٣)، سنن أبي داود (١٣٤٣)، والنسائي في المجتبى (١٦٠١، ١٣١٥)، وفي الكبرى (١٢٣٩، ١٢٩٦)، وابن خزيمة (١٠٧٨، ١١٢٧، ١١٧٠)، وابن حبان (٢٤٤١)، والحاكم في المستدرك (٤٢٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٦٩٠)\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٢/ ٣٣٨): «حدثني أبي -يعني الإمام أحمد - قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: يحيى بن سعيد عالم بحديث سعيد بن أبي عروبة».اهـ.\nوخالد بن الحارث، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٧١٨)، وفي الكبرى (١٤١٢، ٤٢٤، ١٤١٨، ١١٥٦٣)،.\nوابن أبي عدي كما في صحيح مسلم تامًّا (١٣٩ - ٧٤٦)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (٩٦٣).\nوابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨، ١١٢٧، ١١٧٠)، وأبو نعيم في مستخرجه مقرونًا بغيره (١٦٩٠)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره تامًا (١٢٢ - ١٢٣)، والبيهقي في السنن =","vol":"4","page":518},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مقرونًا بغيره (٣/ ٤٣)، وفي المعرفة (٤/ ٦٨)، والواحدي في تفسيره الوسيط (٤/ ٣٧٢)، والبغوي في شرح السنة (٩٦٣)،\nومحمد بن فضيل ببعضه كما في مسند ابن أبي شيبة (٩٦٤)،\nومحمد بن سواء، كما في مختصر الأحكام للطوسي (٢٨٩ - ٤٢٢)،\nوعيسى بن يونس، كما في صحيح مسلم (١٤١ - ٧٤٦)، ومسند إسحاق بن راهويه (١٣١٠)، ومستدرك الحاكم (١١٣٩) فهؤلاء كلهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مقطعًا.\nورواه بشر بن المفضل، كما في المجتبى من سنن النسائي مختصرًا (١٦٩٨)، وفي الكبرى (١٤٠٤)،\nوشجاع بن الوليد، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٨٠)، وسنن الدارقطني (١٦٦٥)،\nوالمطعم بن المقدام، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٦٦٦١)، وفي المعجم الصغير (٩٩٠)، ومسند الشاميين (٩١٧).\nويزيد بن زريع، كما في مستخرج أبي نعيم مقرونًا بغيره (١٦٩٠)، وشرح معاني الآثار للطحاوي مختصرًا (١/ ٢٨٠)، وقيام الليل لمحمد بن نصر كما في المختصر (ص: ٢٩١)، وسنن الدارقطني (١٦٦٥)،\nوعبد الوهاب بن عطاء، بذكر بعضه كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٣٦٤)، ومستدرك الحاكم (١١٣٩)،\nستتهم (بشر بن المفضل، والمطعم، وشجاع وابن زريع، وعبد الوهاب، وعيسى بن يونس) رووه مختصرًا بلفظ: (كان لا يسلم في ركعتي الوتر).\nقال محمد بن نصر: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرناه، ولم يقل في هذا الحديث: إن النبي - ﷺ - أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث أنه لم يسلم في الركعتين ولا في الثلاث، ولا في الأربع، ولا في الخمس، ولا في الست، ولم يجلس أيضًا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما.\nهذا بيان الاختلاف على سعيد بن أبي عروبة.\nوأما تخريج رواية أصحاب قتادة ممن خالف سعيد بن أبي عروبة فإليك ما وقفت عليه من تخريج رواياتهم.\nالأول: هشام الدستوائي، عن قتادة.\nرواه مسلم (١٣٩ - ٧٤٦)، والطيالسي مختصرًا (١٦٠٠، ١٦٠٣)، وأحمد مختصرًا (٦/ ٢٥٥)، وإسحاق (١٣١٧)، والنسائي (١٧١٩)، وفي الكبرى (١٤١٣)، والدارمي (١٥١٦)، وابن نصر في مختصر قيام الليل كما في المختصر (ص: ١٩٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (١٤٣٨)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨، ١٠٧٩)، وصحيح ابن حبان (٢٤٤٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٤٤). =","vol":"4","page":519},{"text":"الجواب الثاني:\nفي رواية عبدة بن سليمان عند النسائي غرابة حيث ذكر في التشهد الأول الدعاء قبل الصلاة على النبي - ﷺ -، وهو خلاف المعروف من صلاته - ﷺ -، بخلاف التشهد الأخير حيث ذكر الدعاء بعد الصلاة على النبي - ﷺ -، مما يدل على عدم ضبطه.\n_________\n= الثاني: شعبة، عن قتادة مختصرًا.\nأخرجه مسلم (١٤١ - ٧٤٦)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، والنسائي (١٧١٨)، والطبراني في الأوسط (٤٤٠١)، وفي مسند الشاميين (٢٤٧١)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٢٧١)، والبغوي في شرح السنة (٩٨٧)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩٣)، وابن خزيمة (١١٦٩، ١١٧٨)، وابن حبان (٢٤٢٠، ٢٦٤٢، ٢٦٤٤، ٢٦٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٦٨٢).\nالثالث: أبو عوانة، عن قتادة مختصرًا.\nأخرجه مسلم (١٤٠ - ٧٤٦)، وأحمد (٦/ ١٠٩)، والترمذي في السنن (٤٤٥)، وفي الشمائل (٢٦٧)، والنسائي في المجتبى (١٧٨٩)، وفي الكبرى (١٤٦٥)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩٢)، وابن حبان (٢٦٤٥)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره (ص: ١٨٨). وأبو العباس السراج في حديثه (٧٠ و٢١٧٠ و٢٤٨٢، ٢٥٧١). وتمام في فوائده (١٧١٢)، والمستغفري في فضائل القرآن (٥١٨)، والبيهقي في السنن (٢/ ٦٨٢). وفي الخلافيات (٢٤٩٨)، والبغوي في شرح السنة (٩٨٦).\nالرابع: همام بن يحيى، عن قتادة.\nرواه أحمد (٦/ ٩٤، ٩٥)، وأبو داود (١٣٤٢)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥١٧٣)، والبيهقي في الشعب (١٣٥٩).\nالخامس: معمر، عن قتادة.\nأخرجه مسلم (١٣٩ - ٧٤٦)، وعبد الرزاق في المصنف تامًا (٤٧١٤)، وفي التفسير له مختصرًا (٣٢٧٤)، وأحمد (٦/ ١٦٣، ١٦٨)، وإسحاق بن راهويه (١٣١٦، ١٤٧٨)، والنسائي في المجتبى (١٧٢١). وفي الكبرى (٤٤٨)، وأبو نعيم في مستخرجه (١٦٩١)، وابن حبان في صحيحه (٢٥٥١)، والحاكم (٣٨٤٢)،وابن نصر في قيام الليل كما في المختصر (ص: ١١٠). وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٤٥، ١٥٩، ١٦١) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥١٧٢)، ورواه أبو عوانة في مستخرجه (٢٠٦٠) وأخرج بعضه في طلاق سعد بن هشام لزوجته ومراجعتها دون ذكر عائشة (٢٢٩٤، ٤٠٠٢)، فلو كان هذا الحرف محفوظًا لما انفرد به سعيد دونهم على أن أكثر الرواة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكروه، ومن ذكره قد اختلف عليه مثل محمد بن بشر، والله أعلم.","vol":"4","page":520},{"text":"الجواب الثالث:\nقاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض هذا صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقاعدة أغلبية يدخلها الاستثناء، فينبغي ألا تحمل هذه القاعدة على ما يمكن أن يكون في حكم المتروك في الفرض، فالفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد حتى نقل لنا الصحابة ما يسن فيها وما يجب، وكانت محل اهتمام رصد الصحابة ﵃ في نقل صفة صلاته - ﷺ -، حتى نقلوا لنا قبض اليدين، ومواضع رفعها، وإشارة الأصبع، وصيغ التشهد، وصيغ الاستفتاح، وأدعية الركوع والسجود وما بين السجدتين، وأكثر هذه الأذكار مما لا يجهر به، مما يدل على حرص الصحابة على نقل صفة صلاته إلى الأمة حتى حفظوا كل ذلك، ثم لا يوجد حديث واحد يذكر أن النبي - ﷺ - كان يصلي على النبي - ﷺ - في التشهد الأول في الفريضة، ألا يقال: لو كان فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، بل يقال: لو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا في الفرض حيث تتكرر في الليل والنهار أكثر من أي عبادة أخرى، ولا يوجد في النفل إلا من هذا الوجه في وتر النبي - ﷺ -، وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره قد اختلف عليه في ذكره، فلو كان هذا الفعل معهودًا منه ﵊ في صلاة النفل لتوافرت الدواعي على نقله من أكثر من حديث، فلما لم يَأْتِ إلا من هذا الطريق الغريب، حيث تفرد به سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وخالفه شعبة، وهشام، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر في قتادة فلم يذكروه، صار الاحتياط للشريعة عدم قبوله، والله أعلم.\nولو ثبت أن النبي - ﷺ - فعله في النفل، ولم يثبت أنه فعله في الفرض مع توفر الدواعي على نقله فإن هذا يدل على جوازه في الفريضة لا على استحبابه؛ إذ لو كان مستحبًّا لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل، أما الاستحباب مع كونه في حكم المتروك فهذا فيه بعد، والله أعلم.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٦٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا الحكم، قال:","vol":"4","page":521},{"text":"سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:\nلقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي - ﷺ - خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^١).\nوجه الاستدلال:\nالحديث مطلق، يشمل كل تشهد، وإذا كان السلام مشروعًا في التشهدين، فكذلك الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهدين، وليس مع من قيد الحديث بالتشهد الأخير دليل على هذا التقييد، والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله.\n• الجواب:\nلو كانت الصلاة مشروعة حيث يشرع التسليم ما تأخرت مشروعية الصلاة عن مشروعية التسليم، فلا ارتباط في المحل بين التسليم والصلاة على النبي - ﷺ - وسبق لي أن الصلاة على النبي - ﷺ - تشرع حيث يشرع بعدها الدعاء، والله أعلم.\n• دليل القائلين بأنه لا تستحب الصلاة في التشهد الأول:\nالدليل الأول:\nلم يثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي على ذاته في التشهد الأول، ولا علمه للأمة، ولا يعرف استحبابه عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والصلاة على النبي - ﷺ - ليست جزءًا من التشهد، فالتشهد إذا أطلق فإنه ينتهي بالشهادتين،\n(ح-١٩٦٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال:\nقال عبد الله: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ -، قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله - ﷺ - فقال إن الله هو\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣٥٧)، وصحيح مسلم (٦٦ - ٤٠٦).","vol":"4","page":522},{"text":"السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^١).\nوهذا مشروع بالإجماع في التشهد الأول، فأين الدليل على مشروعية زيادة الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، وإنما أجمعوا على مشروعيته في التشهد الثاني.\n(ح-١٩٦٦) وقد روى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه،\nعن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي - ﷺ - بهذه القصة - قال: إذا أنت قمت في صلاتك، فكبر الله تعالى، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد .. الحديث (^٢).\n[ذكر التشهد في الحديث شاذ] (^٣).\nفقوله: (ثم تشهد) فالأمر بالتشهد لا يدخل فيه الأمر بالصلاة على النبي - ﷺ -، ولو كانت الصلاة مشروعة لذكر له مع التشهد الصلاة على النبي - ﷺ -.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٦٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة،\nعن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان في الركعتين كأنه على الرَّضْف، قلت: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم (^٤).\n[أبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن العلماء جعلوه في حكم المتصل] (^٥).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣١)، واختصره مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٢). سنن أبي داود (٨٦٠).\n(^٣). سبق تخريجه وجمع طرقه، انظر ح (١١٨٧).\n(^٤). المسند (١/ ٣٨٦).\n(^٥). رواه شعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (٣٢٩)، ومسند أحمد (١/ ٣٨٦، ٤١٠، ٤٣٦)، =","vol":"4","page":523},{"text":"الدليل الثالث:\n(ث-٤٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن منصور،\nعن تميم بن سلمة، قال: كان أبو بكر، إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف، يعني، حتى يقوم (^١).\n[منقطع، تميم لم يدرك أبا بكر] (^٢).\n_________\n= ومصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٦) وفي المسند له (٣٧١)، وفي الجعديات لأبي القاسم البغوي (١٥٥٠)، ومسند أبي يعلى (٥٢٣٢)، وسنن أبي داود (٩٩٥)، وسنن الترمذي (٣٦٦)، المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٥١) ح ١٠٢٨٥، ومختصر الأحكام للطوسي (٢٠٨ - ٣٤٠)، ومسند الشاشي (٩٢٤، ٩٢٦، ٩٢٧، ٩٢٨)، ومستدرك الحاكم (٩٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٠٧)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٠٩).\nومسعر بن كدام، كما في مسند أحمد (١/ ٤٢٨)، ومعجم ابن الأعرابي (٢٩٧)، والحاكم في المستدرك (٩٩٤)، والشاشي في مسنده (٩٢٥)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٥٠) ح ١٠٢٨٤، وفي الأوسط (٥٠٧٧)،\nوإبراهيم بن سعد كما في مسند أحمد (١/ ٤٦٠)، والجامع لابن وهب (٤١٦)، والأم للشافعي (١/ ١٢١)، وفي المسند له (ص: ٤٣)، والمجتبى من سنن النسائي (١١٧٦)، وفي الكبرى (٧٦٦)، وفي مسند الشاشي (٩٢٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٩٢)، ومعرفة السنن (٣/ ٧٢)، ثلاثتهم (شعبة، ومسعر، وإبراهيم بن سعد رووه عن سعد بن إبراهيم به. ...\nقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤): «يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه ... ولم يكن في أصحاب عبد الله من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه».\nوذكر ابن رجب هذا الحديث في شرح البخاري (٧/ ٣٤٢)، وقال: «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه؛ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره».\n\nوقال يعقوب بن شيبة كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (١/ ٥٤٤): «إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، -يعني: في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يَأْتِ فيها بحديث منكر».\nوقال الدارقطني في السنن في حديث رواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه في دية الخطأ (٤/ ٢٢٣): «وهذا إسناد حسن، ورواته ثقات».\n\n(^١). المصنف (٣٠١٧).\n(^٢). تميم بن سلمة لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وفي التاريخ الكبير (٢/ ١٥٣): رأى =","vol":"4","page":524},{"text":"• وأجيب عن الحديث والأثر:\nقال الشوكاني: «تخصيص التشهد الأخير -يعني بالصلاة على النبي - ﷺ - مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: (إن النبي - ﷺ - كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف) .... وليس فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير، وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا، ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه - ﷺ - كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه» (^١).\n• ورد هذا الجواب بأكثر من جواب:\nالجواب الأول:\nالقول بأن تخصيص الصلاة على النبي - ﷺ - بالتشهد الأخير لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف لا يسلم، فقد سبق حديث المسيء في صلاته من حديث رفاعة، والقائل باستحباب الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول يحسنه، وانظر الدليل التالي من مسند ابن مسعود، فنفي ورود ذلك في الأحاديث مطلقًا حتى الضعيفة ليس دقيقًا، والله أعلم.\nالجواب الثاني:\nلا يحفظ القول بالصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول عن أحد من الصحابة ﵃، وذلك دليل على ضعف هذا القول.\n_________\n= عبد الله بن الزبير.\nرواه محمد بن جعفر (غندر) كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠١٨).\nوعلي بن الجعد كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (٢٠٤) كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن رجل صلى خلف أبي بكر، فكان في الركعتين كأنه على الجمر وقال ابن الجعد- كأنه على الرضف حتى يقوم. وهذا ضعيف أيضًا؛ لإبهام الرجل الذي كان يصلي خلف أبي بكر ﵁.\n(^١). نيل الأوطار (٢/ ٣٣٣).","vol":"4","page":525},{"text":"الجواب الثالث:\nأن كلام الشوكاني مبني على صحة حديث عائشة، وقد علمت ما فيه.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٦٨) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن تشهد رسول الله - ﷺ - في وسط الصلاة وفي آخرها، عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه،\nعن عبد الله بن مسعود، قال: علمني رسول الله - ﷺ - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله - ﷺ - علمه إياه، قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم (^١).\n[تفرد به محمد بن إسحاق] (^٢).\n_________\n(^١). المسند (١/ ٤٥٩).\n(^٢). أعل الحديث بعلتين:\nالعلة الأولى: أنه ذكر التورك في التشهد الأول، وهذا منكر، مخالف لحديث أبي حميد الساعدي في البخاري.\n\nويجاب: بأن قوله: (إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى) إن عاد قوله (على وركه اليسرى) على الجلستين كان هذا اللفظ شاذًّا ويكون الجار والمجرور في قوله (على وركه اليسرى) متعلقًا بالفعل الظاهر (جلس).\nوإن عاد قوله (على وركه اليسرى) إلى قوله: (وفي آخرها) صار التورك مختصًّا بالتشهد الأخير، وصار الجار والمجرور (على وركه) متعلقًا بالفعل المقدر على نية تكرار العامل، وتكون الجملة على هذا التقدير (وإذا جلس في وسط الصلاة وجلس في آخرها على وركه اليسرى) ويؤيد هذا أن هذا هو المعروف من صلاته - ﷺ - كما في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري، وحمله على المعروف أولى من الحكم بشذوذ اللفظ، ويتأيد ذلك بقاعدة عود =","vol":"4","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الضمير على أقرب مذكور، خاصة أن الراوي ساق الحديث من أجل بيان صفة التشهد، لا صفة الجلوس، وقد رواه ابن خزيمة (٧٠١) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق به بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى.\nالعلة الثانية: أن هذا اللفظ تفرد به محمد بن إسحاق، ولا يحتمل تفرده،\nوقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي عن الأسود، عن عبد الله فلم يذكرا ما ذكره محمد بن إسحاق.\nفأما رواية أبي إسحاق، عن الأسود، فرواها الترمذي (٢٨٩)، والنسائي في المجتبى (١١٦٢)، وفي الكبرى (٧٥٢)، والطوسي في مختصر الأحكام (٢٧٥)، وأبو يعلى في المعجم (٣٣٢) وغيرهم من طريق عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: علمنا رسول الله - ﷺ - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوهذا إسناد صحيح، عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي ثقة أثبت الناس كتابًا في الثوري.\nوأما رواية إبراهيم، عن الأسود، فرواها ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٠٧)، والبزار في المسند (١٦٢٩)، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم به، بلفظ: قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن، يأخذ علينا الألف والواو.\nوإسناده صحيح.\nورواه أحمد (١/ ٤١٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٩٨٤)، والبزار في المسند (١٦٢٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٥٣) ح ٩٩٣١، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - أنه كان يعلمهم التشهد في الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.\nكما روى حديث ابن مسعود في التشهد كل من أبي وائل شقيق بن سلمة وسبق تخريجه، وأبي الأحوص، وعلقمة، وأبي عبيدة، كلهم رووا عن عبد الله بن مسعود ﵁ حديث التشهد، ولم يذكر أحد منهم هذا التفريق بين التشهد الأول والأخير.\nوالحديث رواه أحمد (١/ ٤٥٩)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٣٦٤)، وابن خزيمة (٧٠١، ٧٠٨)، من طريق إبراهيم بن سعد،\nورواه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، الجزء المفقود (٦٣٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٥٣) ح ٩٩٣٢، وابن خزيمة (٧٠٢) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى،\nورواه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (٧٣٢) من طريق عبد الله بن الأجلح، ثلاثتهم رووه عن محمد بن إسحاق به.","vol":"4","page":527},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-١٩٦٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد السلام، عن بديل، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، أن النبي - ﷺ - كان يقول في الركعتين التحيات (^١).\n[صحيح].\nوجه الاستدلال:\nالمقصود بالتحيات التشهد، والتشهد لا يدخل فيه الصلاة على النبي - ﷺ -، ولو كانت مشروعة لذكرها.\nوهو في مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين ... وذكر الحديث وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية ... الحديث (^٢).\n(ح-١٩٧٠) وروى النسائي من طريق الأشجعي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود،\nعن عبد الله قال: علمنا رسول الله - ﷺ - أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nوجه الاستدلال:\nفيه دلالة على اختصاص الركعتين الأوليين بالتشهد، فمن ادعى مشروعية\n_________\n(^١). المصنف (٢٠٢٣).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).\n(^٣). سنن النسائي (١١٦٢).\n(^٤). سبق تخريجه تبعًا لتخريج حديث محمد بن إسحاق السابق.","vol":"4","page":528},{"text":"زيادة الصلاة على النبي - ﷺ - فعليه الدليل، والله أعلم.\n(ث-٤٧٨) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عياض بن مسلم،\nعن ابن عمر، أنه كان يقول: ما جُعِلَت الراحة في الركعتين إلا للتشهد (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n• الراجح:\nقول الجمهور، وأنه لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). المصنف (٣٠٢٠).\n(^٢). في إسناده عياض بن مسلم، ليس له إلا هذا الأثر، ولا يروي عنه أحد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، ففيه جهالة، والله أعلم.","vol":"4","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المبحث الثاني في الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الثاني</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا نزاع في مشروعية الصلاة على النبي - ﷺ - في كل تشهد يعقبه تسليم.\n• أكثر أهل العلم على أن الصلاة على النبي - ﷺ - في الصلاة ليست واجبة.\n• قول الصحابي (كيف نصلي عليك) سؤال عن الكيفية، والأمر بالكيفية لا يفيد وجوب أصل الصلاة على النبي - ﷺ -.\n• لو كانت الصلاة على النبي - ﷺ - واجبة في الصلاة لجاءت الأوامر التي تأمر بها ابتداء، ولم ينتظر النبي - ﷺ - حتى يسأله الصحابة عنها.\n• لم يبادر النبي - ﷺ - السائل بالجواب حتى تمنى الصحابة أن الرجل لم يسأله خوفًا من كراهة النبي - ﷺ - لمسألته، كل ذلك يشعر بأن الصلاة ليست من الواجبات.\n• علم النبي - ﷺ - الصحابة التشهد، ثم قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو، فلو كانت الصلاة واجبة لذكرها بين التشهد والدعاء.\n• إذا كانت الصلاة على النبي - ﷺ - من أجل مراعاة آداب الدعاء؛ لقوله: عجل هذا؛ لكونه دعا من غير أن يراعي آدابه ومنها الصلاة على النبي - ﷺ - فالدعاء في نفسه ليس واجبًا، فكذلك توابعه.\n[م-٦٧٥] اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الذي يعقبه سلام بعد اتفاقهم على مشروعيته فيه على ثلاثة أقوال:\nفقيل: الصلاة على النبي سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال أكثر أهل العلم، واختاره ابن جرير الطبري، وابن المنذر والخطابي","vol":"4","page":530},{"text":"من الشافعية، وقال به أهل الظاهر كالإمام داود وابن حزم (^١).\nقال ابن نجيم: وهو قول عامة السلف والخلف (^٢).\nوقال ابن رشد في المقدمات: «وجميع أقوال الصلاة سنة وفضيلة حاشا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والسلام» (^٣).\nوجاء في المغني نقلًا عن المروذي: «قيل لأبي عبد الله. إن ابن راهويه يقول: لو أن رجلًا ترك الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد، بطلت صلاته. قال: ما أجترئ أن أقول هذا. وقال في موضع: هذا شذوذ. وهذا يدل على أنه لم يوجبها» (^٤).\nوقيل: الصلاة على النبي - ﷺ - فرض، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره محمد بن المواز، واللخمي وابن العربي من المالكية (^٥).\n_________\n(^١). ملتقى الأبحر (ص: ١٣٥)، كنز الدقائق (ص: ١٦١)، نور الإيضاح (ص: ٥٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (١/ ٤٧٧)، البحر الرائق (١/ ٣٢١)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٨)، تفسير القرطبي (١/ ١٧٣)، مختصر خليل (ص: ٣٣)، التلقين في الفقه المالكي (١/ ٤٣)، القوانين الفقهية (ص: ٣٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٠)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)، الشرح الكبير (١/ ٢٥١)، التوضيح لخليل (١/ ٣٢٨)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤٠٦)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٣)، معالم السنن للخطابي (١/ ١٩٦).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٢١).\n(^٣). المقدمات الممهدات (١/ ٢٢٧).\n(^٤). المغني (١/ ٣٨٨).\n(^٥). قال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٦٢٣): «الصلاة على النبي - ﷺ - فرض في العمر مرة بلا خلاف، فأما في الصلاة فقال: محمد بن المواز والشافعي: إنها فرض، فمن تركها بطلت صلاته. وقال سائر العلماء: هي سنة في الصلة، والصحيح ما قاله ابن المواز للحديث الصحيح: إن الله أمرنا أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟». وانظر: النوادر والزيادات (١/ ١٤٩)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٠)، المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٦٦)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (١/ ٢٥٢)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢١٨).\nوانظر في مذهب الشافعية: الأم (١/ ١٤٠)، الحاوي الكبير (٢/ ١٣٧)، نهاية المطلب (٢/ ٢٨٥)، فتح العزيز (٣/ ٥٠٣)، روضة الطالبين (١/ ٢٢٣)، منهاج الطالبين (ص: ٢٩)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٩)، نهاية المحتاج (١/ ٥٢٣)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: ٨٧)، الإنصاف (٢/ ١١٦).","vol":"4","page":531},{"text":"قال النووي في المجموع: «الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير فرض بلا خلاف عندنا إلا ما سأذكره عن ابن المنذر إن شاء الله تعالى فإنه من أصحابنا» (^١).\nوقيل: التشهد واجب، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي والمجد وبعض الحنابلة، وهو ظاهر قول إسحاق، حيث قال: إن تركها عمدًا لم تصح صلاته، وإن تركها سهوًا رجوت أن تجزئه (^٢).\nوجاء في المغني: «ونقل أبو زرعة الدمشقي عن أحمد، أنه قال: كنت أتهيب ذلك -يعني القول بوجوب الصلاة- ثم تبينت، فإذا الصلاة واجبة، قال ابن قدامة: فظاهر هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا» (^٣).\n• دليل من قال: الصلاة على النبي - ﷺ - فرض أو واجب:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\nوجه الاستدلال على الوجوب من وجهين:\nالوجه الأول:\nقال الشافعي فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة.\nالوجه الثاني:\nأن الآية الكريمة تضمنت الأمر بالصلاة والتسليم، والأمر المطلق على الوجوب ما لم يقدم دليل على خلافه، وإذا اقتضى الأمر الوجوب فقد قال الخطابي: «... لا خلاف أن الصلاة عليه غير واجبة في غير الصلاة، فدل على وجوبها في الصلاة». أي أن الإطلاق في الآية غير مراد.\nوقد يأتي المطلق ويراد به شيئ معين، كما أن العام قد يأتي ويراد به الخاص،\nكقوله - ﷺ -: (ليس من البر الصوم في السفر) متفق عليه (^٤)، فلا يراد به نفي البر\n_________\n(^١). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٦٥، ٤٦٧).\n(^٢). مختصر الخرقي (ص: ٢٦)، الإنصاف (٢/ ١١٦)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٢)، المجموع (٣/ ٤٦٧)، الأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٣)،.\n(^٣). المغني لابن قدامة (١/ ٣٨٩).\n(^٤). صحيح البخاري (١٩٤٦)، وصحيح مسلم (٩٢ - ١١١٥).","vol":"4","page":532},{"text":"عن عموم الصيام في السفر.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فقوله: (الناس) لا يراد به العموم، بل ولا جماعة من الناس، فالقائل رجل واحد هو نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكر ذلك بعض المفسرين، قال ابن حجر: إطلاق الناس على الواحد لكونه من جنسهم (^١).\nوهناك آيات في القرآن جاءت مطلقة، وأريد بها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ فالمراد تكبير الصلاة.\nوقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والمراد به قيام الصلاة.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولا يراد به مطلق الركوع والسجود، بل أراد بذلك داخل الصلاة.\nوقال تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ويراد به القراءة في الصلاة، فكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\n• وأجيب:\nالوجه الأول:\nقال القرافي جوابًا على قول الشافعي: «(فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة) منقوض بالدعاء، فإن الله تعالى أمرنا بالدعاء في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ فلم يكن الدعاء في موضع أولى منه في الصلاة، فليكن الدعاء أيضًا فرضًا في الصلاة تبطل الصلاة بهما، ولم يقل به أحد».\nالوجه الثاني:\nالآيات التي سيقت مطلقة وأريد بها داخل الصلاة، لم تقيد إلا بقرينة ظاهرة، فالقيام والركوع لا يتعبد الله به إلا في الصلاة.\nوالسجود لا يتعبد الله به إلا إذا وجد مقتضاه من تلاوة، أو شكر، أو صلاة، فلما قرن بالركوع تعينت الصلاة، وليس المقصود صورة الركوع والسجود بل هو من إطلاق\n_________\n(^١). فتح الباري (٨/ ٢٢٩).","vol":"4","page":533},{"text":"بعض الشيء على كله، كما يطلق تحرير الرقبة ويراد به تحرير كامل العبد، وكما تطلق السجدة على الركعة الكاملة من قيام وركوع وسجود، وهو معروف في لغة العرب.\nوقراءة ما تيسر كذلك، فإن الآية كانت تتحدث عن القراءة في قيام الليل، وما جرى فيه من التخفيف، بخلاف الصلاة والتسليم على النبي - ﷺ - فإنه عبادة داخل الصلاة وخارجها، فتقييد الآية بالصلاة تقييد بلا مقيد.\nالوجه الثالث:\nتقييد الآية بداخل الصلاة يلزم منه محذوران:\nالأول: بطلان صيغة الإطلاق في الآية، فإن النص المطلق لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع خاصة إذا كان الإطلاق لا يمنع منه مانع شرعي أو لغوي.\nالثاني: الصحيح من أقوال أهل الأصول أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فإذا صلى أو سلم على النبي - ﷺ - في العمر مرة واحدة فقد امتثل الأمر.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٧١) ما رواه البخاري حدثنا آدم، حدثنا الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:\nلقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي - ﷺ - خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^١).\nورواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة به بمثله (^٢).\nورواه أبو داود حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة به، وفيه: قلنا -أو قالوا- يا رسول الله، أمرتنا أن نصلي عليك، وأن نسلم عليك، فأما السلام، فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك .... وذكر الحديث (^٣).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣٥٧).\n(^٢). وصحيح مسلم (٦٦ - ٤٠٦).\n(^٣). سنن أبي داود (٩٧٦).","vol":"4","page":534},{"text":"وقوله: (أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك) انفرد به حفص بن عمر، عن شعبة، وكل أصحاب شعبة لم يذكروا هذا الحرف، بل كل من رواه عن الحكم غير شعبة لم يذكره، وهو محفوظ من مسند أبي مسعود الأنصاري (^١).\n(ح-١٩٧٢) فقد رواه مسلم من طريق مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُرِيَ النداء بالصلاة أخبره،\nعن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله - ﷺ -، ونحن في مجلس\n_________\n(^١). رواه آدم بن إياس كما في صحيح البخاري (٦٣٥٧)، والمعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٢٤) ح ٢٧٠، ومستخرج أبي عوانة (١٩٦٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢١٠).\nومحمد بن جعفر كما في مسلم (٦٦ - ٤٠٦)، ومسند أحمد (٤/ ٢٤١)، وسنن ابن ماجه (٩٠٤)،\nويحيى بن سعيد كما في مسند أحمد (٤/ ٢٤١)، ومنتقى بن الجارود (٢٠٦)،\nووكيع كما في سنن ابن ماجه (٩٠٤)، وصحيح ابن حبان (٩١٢، ١٩٦٤)،\nويزيد بن زريع كما في سنن أبي داود (٩٧٧)،\nوعبد الرحمن بن مهدي كما في سنن ابن ماجه (٩٠٤)،\n\nوعبد الله بن المبارك كما في سنن النسائي (١٢٨٩)، وفي الكبرى له (١٢١٣، ٩٧٩٩).\nوأبو داود الطيالسي كما في مسنده (١١٥٧)، ومن طريقه أبو عوانة في مستخرجه (١٩٦٧)، والبيهقي في معرفة السنن (٣/ ٦٨).\nوعلي بن الجعد كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (١٣٨)،\nوأبو الوليد الطيالسي كما في سنن الدارمي (١٣٨١)، والتوحيد لابن منده (٣١٨).\nوشبابة بن سوار كما في مستخرج أبي عوانة (١٩٦٧)، والدعوات الكبير للبيهقي (٢٤٦).\nوحجاج بن محمد كما في مستخرج أبي عوانة (١٩٦٧)، والتوحيد لابن منده (٢٤٩).\nوأبو عامر العقدي ووهب بن جرير كما في مشكل الآثار (٢٢٣٤)،\nوعفان بن مسلم كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٢٤) ح ٢٧٠، والدعوات الكبير للبيهقي (٢٤٦).\nوسليمان بن حرب وعاصم بن علي كما في المعجم الكبير للطبراني (١٩/ ١٢٤) ح ٢٧٠،\nويحيى بن عباد كما في الدعوات الكبير للبيهقي (٢٤٦).\nوسهل بن بكار كما في الأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٥)، كلهم رووه عن شعبة به، فلم يقل أحد منهم (أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك) إلا حفص بن عمر عند أبي داود، فالظاهر أن هذا اللفظ غير محفوظ من رواية شعبة.","vol":"4","page":535},{"text":"سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: قولوا اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم (^١).\n(ح-١٩٧٣) ورواه أحمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي (إبراهيم بن سعد) عن ابن إسحاق، قال: وحدثني -في الصلاة على رسول الله - ﷺ - إذا المرء المسلم صلى عليه في صلاته- محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، أخي بلحارث بن الخزرج،\nعن أبي مسعود عقبة بن عمرو، قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله - ﷺ - ونحن عنده، فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ قال: فصمت رسول الله - ﷺ - حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، فقال: إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا ... وذكر الحديث (^٢).\nوفي الباب حديث أبي حميد الساعدي، وحديث أبي سعيد الخدري وغيرهما (^٣).\n[قوله: (إذا نحن صلينا في صلاتنا) انفرد بها ابن إسحاق، وخالف من هو أوثق منه واختلف عليه في ذكر هذا الحرف] (^٤).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٦٥ - ٤٠٥).\n(^٢). المسند (٤/ ١١٩).\n(^٣). حديث أبي حميد الساعدي رواه البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٦٩ - ٤٠٧).\nوحديث أبي سعيد الخدري رواه البخاري (٤٧٩٨، ٦٣٥٨).\n(^٤). اختلف فيه على محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود الأنصاري\nفرواه مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبي مسعود، ولم يقيد السؤال بقوله: (إذا نحن صلينا في صلاتنا).\nورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن =","vol":"4","page":536},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= زيد به، واختلف على ابن إسحاق في ذكر هذا الحرف.\nفالحديث مخرجه واحد يتفق فيه مالك وابن إسحاق على روايته من طريق محمد بن عبد الله ابن زيد، عن أبي مسعود.\nيرويه مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن محمد بن عبد الله.\nويرويه ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله، فيلتقيان في محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبي مسعود.\nوأما رواية مالك فلا أريد أن أطيل في تخريجها، فقد أخرجتها من طريق مسلم، وهي في موطأ مالك، ولا إشكال فيها، ولا اختلاف، ولا يذكر فيها قيد (إذا نحن صلينا)، كباقي الأحاديث التي روت القصة من مسند كعب بن عجرة، ومسند أبي حميد الساعدي، ومسند أبي سعيد الخدري، وغيرها.\nوأما رواية ابن إسحاق، فقد اختلف عليه:\nفرواه إبراهيم بن سعد كما في مسند أحمد (٤/ ١١٩)، وصحيح ابن خزيمة (٧١١)، وصحيح ابن حبان (١٩٥٩)، وشعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم (٦٤)، وسنن الدارقطني (١٣٣٩)، ومستدرك الحاكم (٩٨٧)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٠٩، ٥٢٩)، بزيادة (إذا نحن صلينا في صلاتنا).\n\nورواه أبو خيثمة (زهير بن معاوية) كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٦٣٥)، وسنن أبي داود (٩٨١)، ومسند عبد بن حميد كما في المنتخب (٢٣٤)، وكما في تهذيب الآثار للطبري الجزء المفقود (٣٤٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٧/ ٢٥١) ح ٦٩٨، وفي فضل الصلاة على النبي - ﷺ - لإسماعيل بن إسحاق القاضي (٥٩)، والصلاة على النبي - ﷺ - لأبي عاصم (٧)،\nومحمد بن سلمة، كما في السنن الكبرى للنسائي (٩٧٩٤)،\nوزياد بن عبد الله البكائي كما في الصلاة على النبي - ﷺ - لأبي عاصم (٦)،\nوأحمد بن خالد كما في تهذيب الآثار للطبري الجزء المفقود (٣٤٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٥١/٦٩٨)، أربعتهم عن ابن إسحاق به، كرواية الجماعة ليس فيه زيادة هذا الحرف.\nوإبراهيم بن سعد من أثبت أصحاب ابن إسحاق، إلا أن البلاء ليس منه، بل من شيخه محمد بن إسحاق، فالترجيح بين الرواة عن ابن إسحاق لو كان ابن إسحاق بريئًا من العهدة، وهنا الحمل عليه، فتفرده بهذا الحرف، والاختلاف عليه في ذكرها يَزِيدُ تفرده وهنًا على وهن.\nفاجتمع في طريق ابن إسحاق ثلاث علل:\nالعلة الأولى: تفرده بهذا الحرف، ولم تذكر لا في هذا الإسناد، ولا في إسناد آخر ممن روى القصة والسؤال.\nالعلة الثانية: الاختلاف عليه في ذكره، فأكثر الرواة عنه لا يذكرون هذا الحرف، والبلاء في الاختلاف منه، لا من الرواة عنه. =","vol":"4","page":537},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن قوله: (أمرنا الله بالصلاة عليك) والأصل في الأمر الوجوب.\nوقوله: (قولوا: اللهم صَلِّ على محمَّد ...) أمر، والأصل فيه الوجوب، ورواية محمد بن إسحاق فيها تنصيص على أن ذلك في الصلاة، وعلى فرض عدم\n_________\n= العلة الثالثة: أن الإمام مالكًا، قد رواه عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، ولم يذكر هذا الحرف، فاجتماع هذه العلل الثلاث تجعل في النفس شيئًا بل أشياء من تفرده، وإن حاول أن يدفع ذلك ابن القيم عليه رحمة الله.\nقال ابن القيم في جلاء الأفهام (ص: ٣١): «وقد أعلت هذه الزيادة بتفرد ابن إسحاق بها، ومخالفة سائر الرواة في تركهم ذكرها، وأجيب عن ذلك بجوابين:\nأحدهما: أن ابن إسحاق ثقة لم يجرح بما يوجب ترك الاحتجاج به، وقد وثقه كبار الأئمة، وأثنوا عليه بالحفظ والعدالة اللذين هما ركنا الرواية.\nوالجواب الثاني: أن ابن إسحاق إنما يخاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه ...».\nومحمد بن إسحاق حسن الحديث، وليس مبرزًا فيه، وعلى التسليم بأنه ثقة لا يقبل تفرده ومخالفته فيشترط في حديث الثقة ألا يكون شاذًّا ولا معللًا، فإذا اجتمع في حديث الثقة ثلاث علل: تفرده، والاختلاف عليه، ومخالفته لمن هو أوثق، لم يقبل منه ذلك، كما هو معروف في علوم الحديث، وقد قال أيوب بن إسحاق بن سافري كما في تاريخ بغداد (١/ ٢٤٥): سألت أحمد إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. اهـ\nوالإمام أحمد لا يحلف على شيء إلا بعد تتبع واستقراء لأحاديث الرجل.\nوقال أبو داود كما في مسائله لأحمد (١٧٧): «سمعت أحمد ذكر محمد بن إسحاق، فقال: كان رجلًا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس، فيضعها في كتبه».\nوعلق على هذا الذهبي فقال: هذا الفعل سائغ، فهذا الصحيح للبخاري فيه تعليق كثير.\nوقال شعبة كما في تاريخ بغداد (١/ ٢٤٣): محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، ووثقه ابن المديني.\nوقال الدارقطني في السنن (٢/ ١٦٨): هذا إسناد حسن متصل. اهـ وكأن الدارقطني في السنن رجل آخر غير الذي عرفناه في العلل، ولهذا في العلل ساق الاختلاف، ولم يرجح.\nوتخريج ابن خزيمة وابن حبان ذهاب منهما إلى تصحيحه، وليس ذلك بأول حديث يخرجانه في صحيحيهما، ولا يوافقان على ذلك، لذلك كانت رتبة الصحيح فيهما أقل من رتبة الصحيح في البخاري ومسلم وإن شَرَطَا الصحة؛ لنزول شرطهما عن شرط الشيخين، والله أعلم.","vol":"4","page":538},{"text":"ثبوتها فقد قال البيهقي: «قوله في الحديث: (قد علمنا كيف نسلم عليك) إشارة إلى السلام على النبي - ﷺ - في التشهد، فقوله: (فكيف نصلي عليك)؟ أيضًا يكون المراد به في القعود للتشهد» (^١).\n• وأجيب عن هذا الاستدلال:\nالجواب الأول:\nشذوذ ما تفرد به ابن إسحاق من قوله: (إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا)، وقد جَلَّى ذلك تخريج الحديث، ولله الحمد، فخرج من الاستدلال تعيين ذلك في الصلاة.\nالجواب الثاني:\nعلى التسليم أن قوله: (إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا) محفوظ، فإن الحديث لا يدل على الوجوب؛ لأن الصلاة علقها على فعل المصلي، مما يدل على أن الصلاة عليه ليست حتمًا لازمًا في الصلاة لقوله - ﷺ -: (إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد ...) فعلق الصلاة على إرادتهم. ومفهومه: وإن لم تصلوا عليَّ فصلاتكم تامة.\nالجواب الثالث:\nأن السؤال الموجه من الصحابي ﵁ (فكيف نصلي عليك)؟ سؤال عن الكيفية، فالأمر بالكيفية لا يفيد وجوب أصل الصلاة على النبي - ﷺ -.\nيقول الشوكاني: «الأوامر المذكورة في الأحاديث تعين كيفيته، وهي لا تفيد الوجوب فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره إذا أعطيتك درهمًا فكيف أعطيك إياه، أسرًّا أم جهرًا؟ فقال له: أعطنيه سرًّا كان ذلك أمرًا بالكيفية التي هي السرية لا أمرًا بالإعطاء، وتبادر هذا المعنى لغة وشرعًا وعرفًا لا يدفع.\nوقد تكرر في السنة وكثر فمنه (إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين) الحديث. وكذا قوله - ﷺ - في صلاة الاستخارة: (فليركع ركعتين ثم ليقل) الحديث. .... وقوله في الوتر: (فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة).\n_________\n(^١). السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢١٠).","vol":"4","page":539},{"text":"والقول بأن هذه الكيفية المسئول عنها هي كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن فتعليمها بيان للواجب المجمل، فتكون واجبة لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر القرآني بالصلاة مجمل وهو ممنوع لاتضاح معنى الصلاة والسلام المأمور بهما، على أنه قد حكى الطبري الإجماع على أن محمل الآية على الندب، فهو بيان لمجمل مندوب لا واجب، ولو سلم انتهاض الأدلة على الوجوب لكان غايتها أن الواجب فعلها مرة واحدة، فأين دليل التكرار في كل صلاة؟ ولو سلم وجود ما يدل على التكرار لكان تركها في تعليم المسيء دالًّا على عدم وجوبه» (^١).\nويقول شيخنا ابن عثيمين: «إذا تأملت هذا الحديث لم يتبيَّن لك منه أنَّ الصَّلاة على النبيِّ - ﷺ - رُكنٌ، لأن الصحابة إنما طلبوا معرفة الكيفية؛ كيف نُصلِّي؟ فأرشدهم النبيُّ - ﷺ - إليها، ولهذا نقول: إن الأمر في قوله: (قولوا) ليس للوجوب، ولكن للإِرشاد والتعليم» (^٢).\nولأن الأمر من النبي - ﷺ - وقع جوابًا على سؤال من السائل، فلا يدخل في الأمر المطلق، فإذا سألت رجلًا عن طريق مكة، فقال لك: اذهب من هنا، فقوله لك: (اذهب) ليس أمرًا منه لك بالذهاب، وإنما جاء الأمر جوابًا على سؤالك، ولم يَأْتِ الأمر منه ابتداء بالفعل من غير أن يتسبب فيه المأمور، فلا يكون صريحًا في الوجوب، فضلًا عن الركنية.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٧٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه،\nعن جده عن النبي - ﷺ - قال: لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي - ﷺ -، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار.\nقال أبو الحسن بن سلمة: حدثنا أبو حاتم، حدثنا عبيس بن مرحوم العطار، حدثنا عبد المهيمن بن عباس، فذكر نحوه (^٣).\n_________\n(^١). نيل الأوطار (٢/ ٣٣٠).\n(^٢). الشرح الممتع (٣/ ٣١٠).\n(^٣). سنن ابن ماجه (٤٠٠).","vol":"4","page":540},{"text":"[ضعيف] (^١).\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٧٥) ما رواه أحمد من طريق حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك الجنبي حدثنا،\nأنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ - يقول: سمع رسول الله - ﷺ - رجلا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يصل على النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي، ثم ليدع بعد بما شاء (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - أمره بالصلاة على النبي، والأصل في الأمر الوجوب.\n• ونوقش:\nبأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالإعادة، فدل على أن الصلاة على النبي ليست فرضًا في الصلاة.\n_________\n(^١). سبق تخريجه في كتابي موسوعة أحكام الطهارة، الطبعة الثالثة (٢/ ١٤١) ح (١٨٦).\n(^٢). المسند (٦/ ١٨).\n(^٣). أخرجه أحمد (٦/ ١٨)، وأبو داود (١٤٨١)، والترمذي (٣٤٧٧)، والبزار (٣٧٤٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢٢٤٢)، وابن خزيمة (٧١٠)، وابن حبان (١٩٦٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٠٧) ح ٧٩١، ٧٩٣، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢١٢)، والحاكم في المستدرك (٨٤٠، ٩٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥٦٥١)، من طريق حيوة،\nوالترمذي (٣٤٧٦، ٣٤٧٧)، والطبراني في الدعاء (٨٩)، وفي الكبير (١٨/ ٣٠٧) ٧٩٢، ٧٩٤، من طريق رشدين بن سعد،\n\nوالنسائي كما في المجتبى (١٢٨٤)، وفي الكبرى (١٢٠٨)، وابن خزيمة (٧٠٩)، والطبراني في الدعاء (٩٠)، وفي الكبير (١٨/ ٣٠٩) ح ٧٩٥، من طريق ابن وهب، ثلاثتهم (حيوة، ورشدين، وابن وهب) عن أبي هانئ الخولاني حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ -.","vol":"4","page":541},{"text":"• ورد هذا:\nبأن النبي - ﷺ - لم يأمره لكونه لم يعلم بوجوبها، ولا تكليف قبل العلم.\n• وتعقب هذا:\nبأن الوقت لا يزال قائمًا، ولذلك أمر الرسول - ﷺ - المسيء صلاته بالإعادة؛ لقيام الوقت، ولم يأمره بإعادة الصلوات التي خرج وقتها قبل العلم.\nثم إن الحديث فيه: فقال له أو لغيره، فالراوي لم يجزم أن النبي - ﷺ - قال لنفس الرجل مما يدل على أنها ليست واجبة.\nوالحديث قد أمره بثلاثة أمور، ثالثها: قوله: (ثم ليدع بما شاء) فإذا كان الدعاء بعد التشهد ليس واجبًا لم تكن الصلاة على النبي - ﷺ - واجبة، وسيأتينا حكم الدعاء بعد التشهد، وإذا كانت الصلاة على النبي - ﷺ - من أجل مراعاة آداب الدعاء؛ لقوله: عجل هذا؛ لكونه دعا من غير أن يراعي آداب الدعاء، فالدعاء في نفسه ليس واجبًا فكذلك ما شرع من أجله.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٩٧٦) ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق سعيد بن أبي هلال، عن يحيى بن السباق، عن رجل، من بني الحارث،\nعن ابن مسعود، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا، وآل محمد كما صليت، وباركت، وترحمت، على إبراهيم إنك حميد مجيد (^١).\n[ضعيف، وزيادة الترحم منكر مخالف لما هو ثابت من تشهد ابن مسعود] (^٢).\n_________\n(^١). المستدرك (٩٩١)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٢/ ٥٢٩).\n(^٢). يحيى بن السباق هكذا في المستدرك، وفي سنن البيهقي وفي إتحاف المهرة (١٣٤٠٠)، وفي نصب الراية (١/ ٤٢٧)، وفي البدر المنير (٤/ ٩٣)، وفي تلخيص الحبير (١/ ٦٣٠)، ولم أقف له على ترجمة إلا أن يكون اسمه يحيى بن سابق، قال فيه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٩/ ١٥٣): ليس بقوي. =","vol":"4","page":542},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-١٩٧٧) ما رواه الدارقطني من طريق عبد المؤمن بن القاسم عن جابر عن أبي جعفر،\nعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صلى صلاة لم يُصَلِّ فيها عليَّ ولا على أهل بيتي لم تقبل منه. قال الدارقطني: جابر ضعيف وقد اختلف عنه (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\n_________\n= وقال أبو زرعة: كوفي لين. المرجع السابق.\nوقال الدارقطني: متروك.\nوقال ابن حبان في الضعفاء: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به في الديانة، ولا الرواية عنه بحيلة.\nقال ابن حجر في التلخيص (١/ ٦٣٠): رجاله ثقات إلا هذا الرجل الحارثي. اهـ فلا أدري أوقف على تعديل يحيى بن السباق، أو غفل عنه، أو اعتمد تصحيح الحاكم وعلى كلام البيهقي لإسناده، فاعتبر ذلك تعديلًا له، والله أعلم.\nويكفي في نكارته أن حديث الصلاة على النبي - ﷺ - محفوظة من حديث كعب بن عجرة، وأبي حميد الساعدي وأبي سعيد الخدري وغيرهم ليس فيها ذكر الترحم على آل محمد.\n\n(^١). سنن الدارقطني (١٣٤٣).\n(^٢). ورواه الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٣٥٩)، من طريق أبي حمزة، عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود.\nفيه أكثر من علة:\nالأول: في إسناده جابر الجعفي، متروك.\nوالثانية: الانقطاع بين أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وبين أبي مسعود الأنصاري، قال: لو صليت صلاة لم أُصَلِّ فيها على النبي - ﷺ - ظننت أن صلاتي لم تتم.\n\nقال الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (ص: ٢٥٧): وأما الخبر الذي روي عن أبي مسعود ... فإنه خبر مرسل، وذلك أن أبا جعفر لم يدرك أبا مسعود، ولا رآه، ولو كان قد أدركه ورآه لم يجز لنا تصحيحه عنه؛ إذ كان من رواية جابر الجعفي ...».\nوالثالثة: الاختلاف فيه على جابر الجعفي، فتارة يرفعه، وتارة يوقفه.\nسئل عنه الدارقطني في العلل (٦/ ١٩٧)، فقال: «حدث به عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري أخو أبي مريم، عن جابر، عن أبي جعفر كذلك.\nوخالفه إسرائيل، وشريك، وقيس، فرووه عن جابر، عن أبي جعفر، عن أبي مسعود: لو =","vol":"4","page":543},{"text":"الدليل السابع:\n(ح-١٩٧٨) ما رواه الدارقطني من طريق عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق بن الأجدع، يقول:\nقالت عائشة: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تقبل صلاة إلا بطهور وبالصلاة عليَّ.\nقال الدارقطني: عمرو بن شمر وجابر ضعيفان (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nوفي الباب حديث بريدة، وهو ضعيف جدًّا، ومداره على جابر الجعفي، وهو متروك (^٣).\nالدليل الثامن:\n(ث-٤٧٩) روى ابن أبي شيبة بسند صحيح في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة،\nعن عبد الله، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يدعو لنفسه (^٤).\n[صحيح] (^٥).\n• ويجاب:\nهذا الأثر لا يدل على الوجوب لأمرين:\n_________\n= صليت صلاة لم يُصَلَّ فيها على النبي - ﷺ -، ولا على أهل بيته، لرأيت أنها لا تتم. موقوفًا، وهو الصواب عن جابر».\nفلو صح لكان في نفي تمام الكمال، قال ابن جرير الطبري تعليقًا على قوله: لظننت أن صلاتي لم تتم، قال: ولم يقل: كانت صلاتي فاسدة.\n(^١). سنن الدارقطني (١٣٤١).\n(^٢). ومن طريق عمرو بن شمر رواه البيهقي في الخلافيات (٢٢٩٧).\nوفي إسناده عمرو بن شمر وشيخه جابر الجعفي متروكان.\n(^٣). رواه البزار في مسنده (٤٤٦٢)، والدارقطني في السنن (١٣٤٠)، والبيهقي في الخلافيات (١٧٦٥، ٢٢٩٨).\nقال الحافظ في الفتح في كتاب الدعوات (١٣/ ٤٢٣): أخرجه البيهقي بسند واهٍ.\n(^٤). المصنف (٣٠٢٦).\n(^٥). ومن طريق أبي الأحوص أخرجه الحاكم في المستدرك (٩٩٠)، وعنه البيهقي (٢/ ٢١٩).","vol":"4","page":544},{"text":"الأول: أن سياقه مساق الخبر، ولم يَذْكُرْه بصيغة الأمر، فهو دليل على مشروعية التشهد، وليس ذلك محل نزاع بين العلماء.\nالثاني: أنه قد صح عن ابن مسعود أنه قال: فإذا قلت ذلك -يعني التشهد- فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد، وقد سبق تخريجه، وهو صريح في أنه لا يرى وجوب الصلاة على النبي - ﷺ -.\nالدليل التاسع:\n(ث-٤٨٠) ما رواه الحسن بن علي بن شبيب المعمري حدثنا علي بن ميمون حدثنا خالد بن حيان عن جعفر بن برقان عن عقبة بن نافع،\nعن ابن عمر أنه قال لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة على النبي - ﷺ - فإن نسيت شيئًا من ذلك فاسجد سجدتين بعد السلام (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). ذكره ابن القيم في جلاء الأفهام (ص: ٣٣٠).\n(^٢). فيه أكثر من علة:\nالأولى: أن جعفر بن برقان لا يروي عن عقبة بن نافع، فلعله سقط من إسناده راشد الأزرق، وراشد هذا مجهول، قال البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٤٣٤): عقبة بن نافع، عن ابن عمر ﵄، روى جعفر بن برقان، عن راشد منقطع.\nوقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٣١٧): عقبة بن نافع سمع ابن عمر، روى جعفر بن برقان عن راشد عنه سمعت أبي يقول ذلك.\nالعلة الثانية: عقبة بن نافع رجل مجهول، وليس هذا عقبة بن نافع المصري الفهري، فقد فرق البخاري وابن أبي حاتم بينهما.\nالعلة الثالثة: أن ابن أبي شيبة قد رواه في المصنف (٨٧١٤) بلفظ: سمعت ابن عمر، يقول: (ليس من صلاة إلا وفيها قراءة، وجلوس في الركعتين، وتشهد وتسليم، فإن لم تفعل ذلك سجدت سجدتين بعدما تسلم، وأنت جالس).\nولم يذكر الصلاة على النبي - ﷺ -، وسجود السهو بترك القراءة إن كان بترك الفاتحة فقد ترك ركنًا فلا يجبره سجود السهو، وإن ترك ما زاد على الفاتحة فيكون السجود لترك السنة، وقد قال به الجمهور، والله أعلم.","vol":"4","page":545},{"text":"• دليل من قال: الصلاة على النبي - ﷺ - سنة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالصلاة عليه، فدل ذلك على أنه ليس واجبًا؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي - ﷺ - تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n• واعترض:\nبأن النبي - ﷺ - لم يذكر له التسليم، مع أن الجمهور على أنه إما فرض أو واجب وسوف يأتينا بحثه إن شاء الله تعالى.\n• ورد من وجهين:\nالوجه الأول:\nأن التسليم في الصلاة لم يتفق على فرضيته حتى يعترض به على دلالة سقوط وجوب كل ما لم يذكر في حديث المسيء في صلاته، وقد استدل به الحنفية على صحة صلاة من أحدث قبل السلام، وبه قال سعيد بن المسيب، وقتادة وإبراهيم\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":546},{"text":"النخعي وإسحاق بن راهويه، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك والحكم، وطاوس وربيعة ومكحول، وغيرهم، فهؤلاء أئمة فيهم فقهاء، ومحدثون، كلهم يرون أن التسليم تحلل من الصلاة يقوم مقامه كل فعل منافٍ للصلاة.\nالوجه الثاني:\nالأصل أن كل ما لم يذكر في حديث المسيء في صلاته أنه ليس واجبًا وقت الخطاب، وذلك لا يمنع من وجوبه بعد ذلك بشرطين:\nالشرط الأول: أن يقوم دليل خاص على وجوبه، فإذا لم يقم دليل خاص فالأصل عدم الوجوب تمسكًا بدلالة حديث المسيء في صلاته، ولم يقم دليل خاص على وجوب الصلاة على النبي - ﷺ -.\nالشرط الثاني: إذا كان وقت الخطاب مستحبًّا ثم تغير إلى الوجوب أن يحفظ في التشريع ما يدل على أن الحكم السابق قد نسخ، كما نقل نسخ التطبيق، ونسخ موقف الإمام من الجماعة إذا كانوا ثلاثة، ونسخ جواز الكلام في الصلاة، إلى غيرها من الأحكام التي حين تغير التشريع جاءت النصوص التي تنقل للأمة أن الحكم السابق قد نسخ.\nأما دعوى أن الرسول - ﷺ - ما ذكر له إلا ما أساء فيه، فهذا فيه نظر كبير، كيف يتصور أن يجهل الأعرابي تكبيرة الإحرام، وهو يحسن تكبيرات الانتقال، وهي أفعال من جنس واحد، وكيف يتصور أنه لا يطمئن في الركوع والسجود، وهو يحسن أذكار الركوع والسجود، مع أن كل من سبح ولو مرة واحدة في ركوعه أو في سجوده فقد لزم منه حصول ركن الاطمئنان؛ لأن الاطمئنان مقدار لطيف أقل من مقدار التسبيحة الواحدة، وكيف يتصور ألا يطمئن في الجلسة بين السجدتين وفي الوقت نفسه يحسن الاستغفار فيها، فهذا الكلام دعوى مرسلة، لا تثبت عند النقاش.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على","vol":"4","page":547},{"text":"الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^١).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - ذكر التشهد والدعاء، ولم يذكر الصلاة على النبي - ﷺ -، ولو كانت واجبة لذكر الصلاة على النبي - ﷺ -.\nيقول ابن المنذر: «قوله: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) يدل على أن لا واجب بعد التشهد؛ إذ لو كان بعد التشهد واجب لعلمهم ذلك، ولم يخيرهم» (^٢).\n• وتعقب:\nقال في إمتاع الأسماع: إن غاية هذا أن يكون ساكتًا عن وجوب الصلاة، فلا يكون معارضًا لأحاديث الوجوب (^٣).\n• ويجاب عن هذا:\nلو كان النبي - ﷺ - ذكر التشهد فقط، لجاز أن يقال: إن سكوته عن الصلاة على النبي - ﷺ - لا ينافي وجوبه بدليل آخر، أما إذا ذكر النبي - ﷺ - التشهد، وذكر بعده الدعاء، وكان موضع الصلاة على النبي - ﷺ - بينهما فهو صريح بتعمد ترك ذكره، ولم يعارضه دليل سالم من النزاع حتى يصح ما يقال: إنه لا يقوى على معارضة أحاديث الوجوب.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٨١) ما رواه أحمد من طريق حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك الجنبي حدثنا،\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٢). الأوسط (٣/ ٢١٣).\n(^٣). إمتاع الأسماع (١١/ ١٠٤).","vol":"4","page":548},{"text":"أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ - يقول: سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يُصَلِّ على النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبي، ثم ليدعُ بعد بما شاء (^١).\n[صحيح] (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالإعادة، فدل على أن الصلاة ليست فرضًا في الصلاة.\nوقد سبق أن هذا الدليل احتج به كل من الفريقين، وقد ناقشت استدلال القائلين بالوجوب، وأن الحديث ليس حجة لهم، فانظر المناقشة في أدلة القول السابق، والله أعلم.\nالدليل الرابع:\n(ح-١٩٨٢) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال:\nأخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (^٣).\n[صحيح] (^٤).\nفهذا أثر صحيح عن ابن مسعود ﵁ صريح بكونه لا يرى وجوب الصلاة\n_________\n(^١). المسند (٦/ ١٨).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر (ح ١٩٧٥).\n(^٣). رواه الدارقطني في السنن (١٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٨).\n(^٤). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح ١٩٥٦).","vol":"4","page":549},{"text":"على النبي - ﷺ -، وقد روي قول ابن مسعود مرفوعًا، ولا يصح، وسبق تخريج ذلك.\nالدليل الخامس:\n(ح-١٩٨٣) ما رواه البخاري حدثنا آدم، حدثنا الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:\nلقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي - ﷺ - خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^١).\nورواه مسلم من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة به بمثله (^٢).\nوجه الاستدلال:\nلو كانت الصلاة على النبي - ﷺ - واجبة في الصلاة لابتدأهم بالأمر بها، ولم يؤخر ذلك إلى سؤالهم مع حاجتهم إلى تصحيح صلاتهم؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\n• الراجح:\nأن الصلاة على النبي - ﷺ - ليست واجبة، وأنها من السنن المؤكدة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٦٣٥٧).\n(^٢). وصحيح مسلم (٦٦ - ٤٠٦).","vol":"4","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>الفصل الخامس في صفة الكفين في التشهد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• صفة العبادة كالعبادة تحتاج إلى توقيف.\n• الأصل في حركة الأيدي وصفتها في الصلاة التعبد.\n• الأيدي في الصلاة لها حقها من العبادة حتى الأصابع.\n• الأصابع تكون ممدودة موجهة إلى السماء عند رفع الأيدي بالتكبير، وممدودة موجهة إلى القبلة في حال السجود من غير فرق بين اليمنى واليسرى إلا في حال الجلوس للتشهد.\n• السنة في الخنصر والبنصر من اليد اليمنى القبض، والسنة في السبابة الإشارة بلا تحريك، والاختلاف في الإبهام والوسطى، قيل: التحليق، وقيل قبض الوسطى وضم الإبهام إليها.\n[م-٦٧٦] اختلف العلماء في صفة اليد اليمنى حال التشهد على أقوال:\nفقيل: يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى مع الإبهام ويشير بالسبابة، وهو قول في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال علماء الحنفية إلا أنهم قالوا: يفعل ذلك إذا أراد أن يشير بأصبعه، ولا إشارة إلا عند الشهادة، وقبل ذلك يضعها مبسوطة على فخذه اليمنى (^١).\n_________\n(^١). قال الحنفية: يضع يديه على فخذيه مبسوطة الأصابع وإذا بلغ الشهادة عقد الخنصر والبنصر وحلق الوسطى مع الإبهام ورفع السبابة عند النفي ووضعها عند الإثبات، انظر: العناية شرح الهداية (١/ ٣١٢)، البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، بدائع الصنائع (١/ ٢١٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٠، ١٢١)، المحيط البرهاني (١/ ٣٦٩)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٢)، مغني المحتاج =","vol":"4","page":551},{"text":"قال في الإقناع: «يقبض من اليمين الخنصر والبنصر ويحلق بإبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها» (^١).\nوفي صفة التحليق عند الشافعية وجهان:\nأحدهما: أن يحلق بينهما برأسيهما.\nالثاني: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام (^٢).\nوقيل: يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويجعل أطرافها على اللحمة التي تحت الإبهام، ويبسط السبابة ويجعل جنبها إلى السماء ويمد الإبهام بجنبها ممدودة على الوسطى، فتصير الهيئة هيئة التسعة والعشرين، وهو قول أكثر المالكية (^٣).\nوقيل: يجعل أطراف الخنصر والبنصر والوسطى في وسط الكف، وهو صفة ثلاثة، ويمد الإبهام على الوسطى، فتكون الهيئة هيئة ثلاثة وعشرين وهذا قول ابن بشير من المالكية (^٤).\nوقال الشافعية: يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المُسَبِّحة، وأما الإبهام ففيه قولان.\nأحدهما: يضم الإبهام إلى السبابة عاقدًا ثلاثة وخمسين، وهذا الأصح عند الشافعية، وهو قول عند المالكية، وقول عند الحنابلة (^٥).\n_________\n= (١/ ٣٧٨)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٠)، الإنصاف (٢/ ٧٥)، الإقناع (١/ ١٣٦) شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٠)، كشاف القناع (١/ ٣٥٦).\n\n(^١). الإقناع (١/ ١٣٦).\n(^٢). روضة الطالبين (١/ ٢٦٢)، المجموع (٣/ ٤٥٤).\n(^٣). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٨٢)، الشرح الكبير للدردير (١/ ٢٥٠)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٣٨)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٤١)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٢)، منح الجليل (١/ ٢٦٣)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٥).\n(^٤). مواهب الجليل (١/ ٥٤٢)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٨)، حاشية الدسوقي (١/ ٢٥٠)، حاشية العدوي على الخرشي (١/ ٢٨٧).\n(^٥). صورة الثلاثة والخمسين عند المالكية أن يقبض الثلاثة، ويمد السبابة ويضع رأس الإبهام على وسط الأنملة الوسطى. انظر لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٣٩)، حاشية =","vol":"4","page":552},{"text":"قال في المنهاج: «ويقبض من يمناه الخنصر والبنصر وكذا الوسطى في الأظهر ويرسل المسبحة .... والأظهر ضم الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين» (^١).\nوقيل: يضع الإبهام على حرف أصبعه الوسطى، وهو قول في مذهب الشافعية.\nقال في المجموع: «.... وفي كيفية قبض الإبهام على هذا وجهان: أصحهما يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين.\nوالثاني: يضعها على حرف أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين» (^٢).\nوقيل: يقبض الوسطى مع الخنصر والبنصر، ويرسل الإبهام مع المسبحة، وهو قول في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يحلق الإبهام بالوسطى، ويبسط ما سواها، وهو رواية عن أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي (^٤).\nقال النووي: قال أصحابنا: وكيف فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة، وإنما الخلاف في الأفضل (^٥).\nوقيل: يبسط اليمنى كاليسرى، وهو رواية عن أحمد (^٦).\nكما اتفقوا في اليسرى أنه لا يحركها ولا يشير بها، واختلفوا في صفتها على قولين:\nفقيل: يبسط اليسرى على فخذه اليسرى وهو مذهب الحنفية، والمالكية والحنابلة (^٧).\n_________\n= الدسوقي (١/ ٢٥٠)، منح الجليل (١/ ٢٦٣)، شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٧٩)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٤١)، الفواكه الدواني (١/ ١٩٢)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٥)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٠)، المجموع (٣/ ٤٥٤)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٨)، فتح العزيز (٣/ ٤٩٦)، المجموع (٣/ ٤٥٢)، الإنصاف (٢/ ٧٥)، المغني (١/ ٣٨٣)، المبدع (١/ ٤١٠).\n(^١). منهاج الطالبين (ص: ٢٨).\n(^٢). المجموع (٣/ ٤٥٤).\n(^٣). روضة الطالبين (١/ ٢٦٢).\n(^٤). الإنصاف (٢/ ٧٥)، المغني (١/ ٣٨٣).\n(^٥). المجموع شرح المهذب (٣/ ٤٥٤).\n(^٦). الإنصاف (٢/ ٧٥)، المبدع (١/ ٤١٠).\n(^٧). بدائع الصنائع (١/ ٢١١)، البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، تبيين الحقائق (١/ ١٢٠)، مجمع الأنهر =","vol":"4","page":553},{"text":"جاء في الفروع: «يجعل يديه على فخذيه؛ لأنه أشهر في الأخبار، ولا يلقمها ركبتيه (هـ) أي خلافًا لأبي حنيفة» (^١).\nوقيل: يلقم يده اليسرى ركبته، اختار ذلك الطحاوي من الحنفية (^٢).\nقال النووي رحمه الله تعالى: «وقد أجمع العلماء على استحباب وضعها -يعني اليسرى- عند الركبة، أو على الركبة، وبعضهم يقول: يَعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله في رواية مسلم لحديث؛ الباب من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان: (ويلقم كفه اليسرى على ركبته)» (^٣).\nوقال القاضي عياض: «قوله: (ويلقم كفه اليسرى ركبته): هو وضعها عليها مبددة الأصابع، وهو معنى قوله في الحديث الآخر: (باسطها عليها)» (^٤).\nواختار ابن قدامة التخيير بينهما، قال في الكافي: «ويستحب أن يضع يده اليسرى على فخذه ا ليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع مستقبلًا بأطرافها القبلة، أو يلقمها ركبته» (^٥).\nقال المرداوي في الإنصاف: «وهو متوجه لصحة الرواية، واختاره صاحب النظم» (^٦).\nوفي كفاية الطالب الرباني: «ويجعل يديه في تشهديه ... على فخذيه، يريد أو ركبتيه.\nعلق العدوي في حاشيته فقال: قوله: (يريد أو ركبتيه) مردود؛ إذ لا يندب وضع اليدين على الركبتين، بل يندب وضعهما بقربهما كما في الجوهر، واقتصر عليه الفاكهاني، وكذا قال القرافي على فخذيه، وعليه اقتصر ابن عرفة» (^٧).\n_________\n= (١/ ١٠٠)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٢، الرسالة للقيرواني (ص: ٣١)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٨)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٢)، الإنصاف (٢/ ٧٦)، الفروع (٢/ ٢٠٦)، المبدع (١/ ٤٠٩)، كشاف القناع (١/ ٣٥٦).\n(^١). الفروع (٢/ ٢٠٦).\n(^٢). البحر الرائق (١/ ٣٤٢)،.\n(^٣). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٨١).\n(^٤). إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٥٣١).\n(^٥). الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٥).\n(^٦). الإنصاف (٢/ ٧٦).\n(^٧). حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢٨١، ٢٨٢).","vol":"4","page":554},{"text":"والتخيير هو الأرجح، والله أعلم.\nإذا وقفت على ذلك فخلاصة الأقوال في اليد اليمنى ترجع إلى قولين:\nالأول: قبض الخنصر والبنصر، وتحليق الوسطى مع الإبهام والإشارة بالسبابة.\nالثاني: أن يضم الخنصر البنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، وفي الإبهام ثلاث صفات:\nالأولى: أن يضم الإبهام إلى السبابة.\nوالثانية: أن يضع رأس الإبهام على وسط الأنملة الوسطى على شكل دائرة.\nالثالثة: أن يضع إبهامه على حرف أصبعه الوسطى، وهي بمعنى قبض الجميع وإرسال السبابة.\nوفي اليسرى ثلاثة أقوال:\nأحدها: بسطها على الفخذ اليسرى، وهو قول الجمهور،\nوالثاني: إلقامها الركبة، وهو قول عند بعض الحنفية.\nوالثالث: التخيير بينهما، قال به بعض الحنابلة.\n• دليل الإشارة بالسبابة اليمنى:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٨٤) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها (^١).\nفالحديث فيه دلالتان على مسألتنا:\nالأولى: الإشارة بالسبابة.\nوالثانية: بسط اليد اليسرى على الركبة، وهو بمعنى إلقامها.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٨٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: حدثني عامر بن عبد الله بن الزبير،\nعن أبيه، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في التشهد، وضع يده اليمنى على فخذه\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١١٤ - ٥٨٠).","vol":"4","page":555},{"text":"اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، ولم يجاوز بصره إشارته (^١).\n[حسن إلا ما اختلف فيه على ابن عجلان في ذكره النظر إلى إشارته] (^٢).\nفيه دلالة على بسط اليسرى على الفخذ الأيسر، وهي إحدى الصفتين الوردتين.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٨٦) ما رواه أبو داود من طريق عبد الملك بن عمرو، أخبرني فُلَيح: حدثني عباس بن سهل، قال:\nاجتمع أبو حُميد، وأبو أُسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - ﷺ -، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - ﷺ -، فذكر بعض هذا .... وفيه: قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصَدْر اليمنى على قِبلته، ووضع كفَّه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفَّه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبَعِه (^٣).\n[صحيح في الجملة إلا أن الإشارة بالإصبع تفرد بها فليح، وهو سيِّئُ الحفظ] (^٤).\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣).\n(^٢). سبق تخريجه، انظر ح (١٢٢٨).\n(^٣). سنن أبي داود (٧٣٤).\n(^٤). حديث أبي حميد الساعدي رواه كل من محمد بن عطاء، وعباس بن سهل، عن أبي حميد.\nرواه عن عباس بن سهل اثنان: فليح بن سليمان، ومحمد بن إسحاق.\nأما فليح فتفرد فيه بذكر الإشارة بالأصبع في التشهد.\nوأما محمد بن إسحاق فقد رواه بتمامه، ولم يذكر الإشارة، ومحمد بن إسحاق أقوى من فليح بن سليمان.\nوأما رواية محمد بن عطاء، فرواها عنه اثنان أيضًا:\nالأول: محمد بن عمرو بن حلحلة، كما في صحيح البخاري، وذكره تامًّا، وليس فيه ذكر للإشارة بالأصبع.\nوالثاني: عبد الحميد بن جعفر، وقد ساقه بتمامه، ولم يذكر فيه أيضًا الإشارة بالأصبع، مما يجعل تفرد فليح في ذكرها في حديث أبي حميد الساعدي ليس محفوظًا، والله أعلم، وكون الإشارة محفوظة من حديث غيره لا يعني قبول تفرد فليح بذكرها دون سائر الرواة، والله أعلم، وقد سبق تخريج الحديث، ولله الحمد، انظر ح (١٦٣١).","vol":"4","page":556},{"text":"فيه دلالة على وضع اليد اليسرى على الركبة اليسرى.\n• دليل من قال: يحلق الإبهام مع الوسطى:\n(ح-١٩٨٧) ما رواه أبو داود من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قلت: لأَنظُرَنَّ إلى صلاة رسول الله - ﷺ - كيف يصلي! قال: فقام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة، فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه ... وذكر الحديث، وفيه: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدَّ مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلَّق حلْقةً. ورأيته يقول هكذا: وحلَّق بِشرٌ الإبهامَ والوسطى، وأشار بالسبابة (^١).\n[حسن] (^٢).\nفيه ثلاث دلالات، الإشارة، والتحليق، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسري.\nورواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم بن كليب به، وفيه: (... ثم عقد الخنصر والبنصر، ثم حلق الوسطى بالإبهام، وأشار بالسبابة) (^٣).\nورواه عبد الله بن إدريس، عن عاصم به، وفيه: (... فلما جلس افترش قدميه ووضع مِرفَقه الأيمن على فخذه اليمنى وقبض خِنْصَره والتي تليها وجمع بين\n_________\n(^١). سنن أبي داود (٧٢٦).\n(^٢). رواه أبو داود (٧٢٦، ٩٥٧)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل.\nومن طريق مسدد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٧) ح ٨٦، والخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٥).\nورواه النسائي في المجتبى (١٢٦٥)، وفي الكبرى (١١٨٩) أخبرنا إسماعيل بن مسعود.\nوابن ماجه (٨١٠، ٨٦٧) حدثنا بشر بن معاذ الضرير،\nوالبزار (٤٤٨٥) حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، أربعتهم رووه عن بشر بن المفضل به.\nوقد رواه ما يقرب من عشرين راويًا عن عاصم بن كليب، وسبق لي تخريج هذه الطرق، ولله الحمد، انظر رقم (١٢٤٧).\n(^٣). أخرجه الطحاوي (١/ ٢٥٧) من طريق الحماني،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٨) من طريق مسدد،\n\nوالخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٣) من طريق وهب بن بقية، ثلاثتهم (الحماني، ومسدد ووهب بن بقية) رووه عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن عاصم به، وقد اقتصر الطحاوي على ذكر إسناده دون لفظه، وساق لفظه البيهقي والخطيب، وانظر تخريجه فيما سبق ح (١٢٤٧).","vol":"4","page":557},{"text":"إبهامه والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها) (^١).\nورواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم به، وفيه: (.... ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وبسطها، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلَّق حلْقة، ودعا هكذا، ونصب الحميدي السبابة ... (^٢).\nورواه هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن عاصم به، وفيه: (... فلما قعد يتشهد وضع فخذه اليمنى على اليسرى، ووضع يده اليمنى وأشار بإصبعه السبابة، وحلَّق بالوسطى (^٣).\nقوله: (وضع فخذه اليمنى على اليسرى) شاذ في الحديث، وهو في غير مسألة البحث، وقد استشهدت به على متابعة رواية بشر على تحليق الوسطى بالإبهام.\n• دليل من قال: يضع إبهامه على أصبعه الوسطى:\n(ح-١٩٨٨) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير،\nعن أبيه، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته (^٤).\nفيه دلالتان: الإشارة بالسبابة، وإلقام كفه اليسرى ركبته اليسرى.\n• دليل من قال: يقبض أصابعه كلها ويشير بالسبابة:\n(ح-١٩٨٩) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم،\nعن علي بن عبد الرحمن المعاوي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول\n_________\n(^١). صحيح ابن حبان (١٩٤٥)، وقد رواه غيره أيضًا انظر تخريجه ح (١٢٤٧).\n(^٢). ورواه الحميدي كما في مسنده (٩٠٩)، وسبق تخريجه، انظر ح (١٢٤٧).\n(^٣). رواه أحمد (٤/ ٣١٦) ومن طريقه الخطيب في الفصل للوصل (١/ ٤٣٠)، عن هاشم بن القاسم، عن شعبة به، وسبق تخريجه، انظر ح (١٢٤٧).\n(^٤). صحيح مسلم (١١٣ - ٥٧٩)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٨٤٤١، ٢٩٦٨٠).","vol":"4","page":558},{"text":"الله - ﷺ - يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: «كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.\n[سبق تخريجه] (^١).\n• دليل من قال: يعقد ثلاثة وخمسين:\n(ح-١٩٩٠) ما رواه مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشار بالسبابة (^٢).\nانفرد بذكر هذه الصفة حماد بن سلمة، عن أيوب، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). انظر ح (١٢٢٩).\n(^٢). صحيح مسلم (١١٦ - ٥٨٠).","vol":"4","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>الفصل السادس في تحريك السبابة بالتشهد</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• الإشارة بالأصبع لا تقتضي التحريك.\n• حديث تحريك الأصبع في التشهد أو نفي التحريك لا يثبت فيه حديث صحيح.\n• إذا لم يفهم التحريك من قول الرجل (رفع يديه فدعا بها) لم يفهم التحريك من حديث ابن عمر (رفع أصبعه ... فدعا بها)؛ لأن التحريك يقتضي الخفض والرفع، بخلاف الرفع فقط.\n• الثناء إذا سبق الدعاء فهو جزء منه، ورفع اليدين في الدعاء يشمل الدعاء وآدابه من ثناء وصلاة على النبي - ﷺ - فكذلك الإشارة في التشهد وإن شرعت للدعاء فهي تشمل جميع التشهد؛ لأن التشهد ثناء ودعاء.\n• قوله: - ﷺ - إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي - ﷺ -، ثم ليدع بعد بما شاء، والإشارة تشمل كل ذلك.\n[م-٦٧٧] اختلف الفقهاء في تحريك السبابة في التشهد:\nفقال الحنفية: يرفع السبابة إذا بلغ الشهادة في التشهد، فيرفعها عند نفي الألوهية بقوله: (لا إله) ويضعها عند الإثبات، أي إثبات الألوهية بقوله: (إلا الله) ليكون الرفع إشارة إلى النفي، والوضع إلى الإثبات (^١).\nوقال المالكية: السنة تحريكها دائمًا في جميع التشهد، اختاره ابن القاسم ونص عليه\n_________\n(^١). حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (ص: ٢٧٠)، منحة الخالق حاشية على البحر الرائق (١/ ٣٤٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٠٨)، النهر الفائق (١/ ٢٢٠)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: ٧٠).","vol":"4","page":560},{"text":"خليل في مختصره، ورجحه ابن رشد، وهو المعتمد في المذهب، وقول عند الحنابلة (^١).\nوقال الشافعية: يرفع السبابة مع إمالتها قليلًا لئلا تخرج عن سمت القبلة عند بلوغ همزة كلمة الإثبات (إلا الله)، ولا يضعها ولا يحركها إلى آخر التشهد، وهو الذي قطع به جمهورهم، فلو حركها كره ذلك، ولم تبطل صلاته؛ لأنه عمل قليل (^٢).\nوقيل: يحرم تحريكها، فإن فعل بطلت صلاته، وهو وجه في مذهب الشافعية (^٣).\nوقيل: يستحب تحريكها، وهو وجه في مذهب الشافعية، قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها، لا تكرار تحريكها (^٤).\nوقال الحنابلة: يشير بها عند ذكر الله تعالى فقط، ولا يحرك إصبعه حال\n_________\n(^١). اختلف المالكية في موضع التحريك وفي صفته:\nأما موضع التحريك، فقيل: يحركها في جميع التشهد، قال الدسوقي: وظاهره أنه لا يحركها بعد التشهد في حالة الدعاء والصلاة على النبي - ﷺ - لكن الموافق لما ذكروه في علة تحريكها وهو أنه يذكره أحوال الصلاة فلا يوقعه الشيطان في سهو أنه يحركها دائما للسلام».\nوقيل: عند الشهادتين فقط، قدمه ابن الحاجب، وظاهره أنه هو المشهور عنده.\nجاء في جامع الأمهات (ص: ٩٨، ٩٩): «ويشير بها عند التوحيد، وقيل: دائمًا، وقيل: لا يحركها».\nواختلف المالكية في صفة التحريك:\nفقيل: يحركها يمينًا وشمالًا.\nوقيل: يحركها إلى السماء والأرض.\nوحكى في الفواكه الدواني التخيير.\nوالأول هو المعتمد في المذهب قال خليل (ص: ٣٣): «وتحريكها دائمًا». قال الخرشي في الشرح (١/ ٢٨٨): «يمينًا وشمالًا».\nقال الدسوقي (١/ ٢٥١): «أي لا لأعلى ولا لأسفل: أي لفوق وتحت كما قال بعضهم».\nوجاء في الفواكه الدواني (١/ ١٩٢): «(يشير بها) أي ينصبها محركًا لها يمينًا وشمالًا أو من أسفل إلى أعلى وعكسه».\nوانظر: منح الجليل (١/ ٢٦٣)، التاج والإكليل (٢/ ٢٤٩)، الخرشي (١/ ٢٨٨)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (١/ ٣٨٠)، الثمر الداني (ص: ١٢٧)، شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٥٥).\n(^٢). تحفة المحتاج (٢/ ٨٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٧٨)، المجموع (٣/ ٤٥٤)، الوسيط (٢/ ١٤٦)،.\n(^٣). المجموع (٣/ ٤٥٤).\n(^٤). المجموع (٣/ ٤٥٤).","vol":"4","page":561},{"text":"الإشارة، وهو الصحيح من المذهب (^١).\nوقيل: يشير بها في جميع تشهده، وهو رواية عن أحمد، وقول في مذهب المالكية اختاره ابن العربي (^٢).\nقال ابن العربي: «إياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا إلى رواية العتبية، فإنه بلية ...» (^٣).\nوزاد في عارضة الأحوذي:. «... وعجبًا ممن يقول: إنما هي مقمعة للشيطان إذا حركت، اعلموا أنكم إذا حركتم للشيطان أصبعًا حرك لكم عشرًا، إنما يقمع الشيطان بالإخلاص، والخشوع والذكر» (^٤).\nفصار الأئمة الأربعة يتفقون على الإشارة، ويختلفون في تحريكها على قولين:\nالأول: التحريك طيلة التشهد، وهو مذهب المالكية، ووجه مرجوح عند الشافعية.\nالثاني: الإشارة بلا تحريك، على خلاف بينهم هل يشير بها دائمًا، أو يشير في موضع خاص من التشهد، ومطلق الإشارة في النصوص لا يقتضي التحريك.\n• دليل من قال: يستحب تحريكها:\n(ح-١٩٩١) ما رواه أحمد من طريق زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي،\nأن وائل بن حجر الحضرمي، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله - ﷺ -، كيف يصلي؟ قال: فنظرت إليه قام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد ... وذكر الحديث وفيه: ... ثم قعد فافترش رجله اليسرى، فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض بين أصابعه، فحلق حلقة،\n_________\n(^١). الإنصاف (٢/ ٧٦)، كشاف القناع (١/ ٣٩٢)، الإقناع (١/ ١٣٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٠).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٧٦)، جامع الأمهات (ص: ٩٩)، المذهب في ضبط مسائل المذهب (١/ ٢٥٨)، المختصر الفقهي لابن عرفة (ص: ٢٦٥)، وشرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٥٥)، الشامل في فقه الإمام مالك (١/ ١١٠).\n(^٣). المختصر الفقهي لابن عرفة (١/ ٢٦٥)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١٤٤)،.\n(^٤). عارضة الأحوذي (٢/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"4","page":562},{"text":"ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها، ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه برد فرأيت الناس عليهم الثياب تحرك أيديهم من تحت الثياب من البرد (^١).\n[زيادة (يحركها يدعو بها) تفرد بها زائدة، عن عاصم، وهي زيادة شاذة] (^٢).\n• دليل من قال: لا يحركها:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٩٢) ما رواه مسلم من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم،\nعن علي بن عبد الرحمن المعاوي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني فقال: اصنع كما كان رسول الله - ﷺ - يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع؟ قال: «كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى.\n[سبق تخريجه] (^٣).\nترجم له أبو عوانة في مستخرجه بيان الإشارة بالسبابة إلى القبلة، ورمي البصر إليها، وترك تحريكها بالإشارة. اهـ فالإشارة لا تقتضي تحريك الأصبع.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٩٣) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع،\nعن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع\n_________\n(^١). المسند (٤/ ٣١٧).\n(^٢). اختلف فيه على عاصم بن كليب،\nفرواه زائدة بن قدامة، عن عاصم، وذكر زيادة (يحركها ويدعو بها) كما زاد فيه حروفًا أخرى، ليس هذا موضع بحثها.\nوخالفه كل من روى عن عاصم بن كليب، على رأسهم شعبة، والثوري، وابن عيينة، وبشر بن المفضل، وابن إدريس، وأبو الأحوص حتى بلغوا عشرين نفسًا لم يذكر أحد منهم هذا الحرف، فلا شك في شذوذ هذا الحرف من حديث زائدة بن قدامة، وقد سبق لي جمع طرق الحديث فيما سبق، انظر ح (١٢٤٧)، ولله الحمد.\n(^٣). انظر ح (١٢٢٩).","vol":"4","page":563},{"text":"إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (رفع أصبعه ... فدعا بها) فالرفع لا يقتضي التحريك، لأن التحريك فيه خفض ورفع، ولهذا يتفقون على أنه لو قال: رفع يديه يدعو بها لم يفهم أحد أنه يرفع مع الخفض.\nولا أفهم من قوله: (فدعا بها) أنه لا يرفعها إلا عند جمل الدعاء؛ لأن التشهد كله دعاء، وما يتقدم الدعاء من الثناء فهو من آدابه، فإذا كنت ترفع يديك إذا دعوت الله وإن كنت قد تستهل الدعاء بجمل من التمجيد والتعظيم، ثم تثني بالصلاة على النبي - ﷺ -، ثم تذكر حاجتك، فكذلك التشهد كله دعاء والتمجيد والصلاة على النبي - ﷺ -، من مقدمات الدعاء فهي منه، ولذلك قال - ﷺ -: إذا صلى أحدكم (أي إذا دعا)، فليبدأ بتحميد ربه، والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي - ﷺ -، ثم ليدع بعد بما شاء.\nالدليل الثالث:\n(ح-١٩٩٤) ما رواه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير،\nعن أبيه، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته (^٢).\nورواه أبو داود من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن زياد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله،\nعن عبد الله بن الزبير، أنه ذكر: أن النبي - ﷺ - كان يشير بإِصبَعِه إذا دعا، ولا يحرِّكُها (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١١٤ - ٥٨٠).\n(^٢). صحيح مسلم (١١٣ - ٥٧٩)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٨٤٤١، ٢٩٦٨٠).\n(^٣). سنن أبي داود (٩٨٩).","vol":"4","page":564},{"text":"[زيادة ولا يحركها زيادة شاذة] (^١).\n_________\n(^١). انفرد بنفي التحريك ابن جريج، عن زياد بن سعد.\nوقد رواه ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عامر، وليس فيه ذكر التحريك.\nكما رواه ابن عيينة أيضًا والليث بن سعد، وسليمان بن بلال، وأبو خالد الأحمر، وروح بن القاسم، ووهيب بن خالد وزيد بن حبان الرقي عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير به، وليس فيه ذكر التحريك، مما يؤكد شذوذ ما رواه ابن جريج، عن زياد بن سعد، وقد أخطأ فيه ابن جريج، أو الراوي عنه في مسألتين: في الإسناد والمتن.\nأما الإسناد فقد أخطأ فيه بذكر واسطة بين زياد بن سعد، وبين عامر بن عبد ا لله بن الزبير.\nوأما الخطأ في المتن، فقد زاد فيه زياد (ولا يحركها)، وكل من روى الحديث عن زياد بن سعد، أو عن ابن عجلان، عن عامر عن أبيه، ليس فيه هذا الحرف، فلعل الراوي زاده تفسيرًا لأن الإشارة لا تقتضي التحريك، فوهم الراوي فأدرجها في اللفظ، هذا الحكم من حيث الإجمال، وإليك تفصيل ما أجملته.\nروى الحديث زياد بن سعد، واختلف عليه فيه:\n\nفرواه ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن الزبير بزيادة ولا يحركها.\nرواه أبو داود (٩٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٧٠)، وفي الكبرى (١١٩٤)، والبزار (٢٢٠٤، ٢٢٠٥)، وأبو عوانة في مستخرجه (٢٠١٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٩٩) ح ٢٣٨، و(١٤/ ٢٠٠) ح ١٤٨٢١، وفي الدعاء (٦٣٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥٨٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٨٩) من طريق حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج، أخبرني زياد، عن محمد بن عجلان، عن عامر به، وذكر الحديث.\nقال ابن جريج: وزاد عمرو بن دينار، قال: أخبرني عامر، عن أبيه، أنه رأى النبي - ﷺ - يدعو كذلك، ويتحامل النبي - ﷺ - بيده اليسرى على فخذه اليسرى.\nفزاد واسطة بين زياد بن سعد، وعامر بن عبد الله وذلك بذكر ابن عجلان بينهما، ولا أدري الخطأ من ابن جريج، أو من الراوي عنه حجاج بن محمد.\nورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه فيه:\nفرواه حامد بن يحيى (هو البلخي) كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٥٨٨)، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في الصلاة جالسًا، وهو يشير بأصبعه السبابة.\nفخالف ابن عيينة رواية ابن جريج بإسناده ومتنه. أما المتن فلم يذكر نفي التحريك.\nوأما الإسناد فلم يذكر واسطة بين زياد بن سعد، وبين عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو المحفوظ، فإن زياد بن سعد يروي عن عامر بلا واسطة. =","vol":"4","page":565},{"text":"• دليل من قال: يحني الأصبع قليلًا:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٩٥) ما رواه أبو داود من طريق عثمان يعني ابن عبد الرحمن، حدثنا عصام بن قدامة، من بني بجيلة، عن مالك بن نمير الخزاعي،\nعن أبيه، قال: رأيت النبي - ﷺ - واضعًا ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، رافعًا إصبعه السبابة، قد حناها شيئًا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n= ورواه أبو الوليد الطيالسي كما في سنن الدارمي (١٣٧٧).\nوأبو خيثمة زهير بن حرب كما في مسند أبي يعلى (٦٨٠٦)، كلاهما عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يدعو هكذا وأشار بالسباحة، هذا لفظ أبي يعلى.\nولفظ الدارمي: وأشار ابن عيينة بأصبعه، وأشار أبو الوليد بالسباحة.\nوالطريقان محفوظان، فقد رواه الإمام أحمد والحميدي عن ابن عيينة، فجمع ابن عيينة شيخيه مما يدل على أنه محفوظ عنهما، وأحمد والحميدي من أثبت أصحاب ابن عيينة.\nفرواه الإمام أحمد (٤/ ٣)، قال: قرئ على سفيان وأنا شاهد: سمعتُ ابن عجلان وزياد بن سعد، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: رأيت النبي - ﷺ - يدعو هكذا، وعقد ابن الزبير.\nورواه الحميدي (٩٠٣)، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا زياد بن سعد ومحمد بن عجلان؛ أنهما سمعا عامر بن عبد الله بن الزبير، يحدث عن أبيه؛ أنه رأى رسول الله - ﷺ - يدعو في الصلاة هكذا، وقبض الحميدي أصابعه الأربعة، وأشار بالسبابة.\nهذا بيان الاختلاف على زياد بن سعد.\nوقد رواه جماعة عن ابن عجلان، عن عامر به، ولم يذكروا قوله: (لا يحركها)، منهم: ابن عيينة، والليث بن سعد، وسليمان بن بلال، وأبو خالد الأحمر، وروح بن القاسم، ووهيب بن خالد، وغيرهم، وقد سبق تخريج هذه الطرق، انظر ح (١٢٢٨) دفعًا للتكرار.\n\n(^١). سنن أبي داود (٩٩١).\n(^٢). فيه علتان: الأولى: جهالة مالك بن نمير الخزاعي، لم يرو عنه إلا عصام بن قدامة، وليس له من الرواية إلا هذا الحديث، وفيه هذه الزيادة المنكرة قد تفرد بها.\nالعلة الثانية: الاختلاف فيه على عصام بن قدامة.\nفرواه يحيى بن آدم كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧١)،\nوعثمان بن عبد الرحمن (هو الحراني الطرائفي) كما في سنن أبي داود (٩٩١)، =","vol":"4","page":566},{"text":"الدليل الثاني:\nأن في إمالة الأصبع قليلًا حتى لا ينحرف عن جهة القبلة.\n• الراجح:\nأن المصلي يشير بالسبابة طيلة التشهد، دون تحريك له، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n= وأبو نعيم (الفضل بن دكين) كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٧٤)، وفي الكبرى له (١١٩٨)، وصحيح ابن خزيمة (٧١٦)، والدعاء للطبراني (٦٣٦)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ١٨٩)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٦٤٣٣)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٦٢).\nوعبد الله بن المبارك كما في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٣٣٠)،\nوشعيب بن حرب، كما في صحيح ابن حبان (١٩٦٤)،\nومحمد بن يوسف الفريابي، كما في التاريخ الكبير (٨/ ١١٦)،\nخالفهم كل من:\nوكيع، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٨٤٣٩، ٢٩٦٨٠)، وفي مسنده (٥٥٤)، ومسند الإمام أحمد (٣/ ٤٧١)، وسنن ابن ماجه (٩١١)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٣٢٩)، وحلية الأولياء (٨/ ٣٧٣)،\nوالمعافى بن عمران، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٢٧١)، وفي الكبرى له (١١٩٥)،\nوعبد الله بن نمير كما في صحيح ابن خزيمة (٧١٥)،\nوعيسى بن يونس كما في معجم الصحابة لابن قانع (٣/ ١٧٠)،\n\nوأبي أحمد الزبيري كما في تاريخ أصبهان (٢/ ٣١٠)، كلهم رووه عن عصام بن قدامة، فلم يذكر أحد منه انحناء الأصبع، وإنما اقتصروا على الإشارة بالسبابة كسائر الأحاديث، وهو المعروف، والاختلاف من عصام بن قدامة، لا بأس به، إلا أنه يكثر من الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وهذا منها، فإن مالك بن نمير الخزاعي لم يرو عنه إلا عصام بن قدامة، وليس له إلا هذا الحديث. والله أعلم.","vol":"4","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>الفصل السابع الدعاء في التشهد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المبحث الأول في التعوذ بالله من أربع</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يجب دعاء في الصلاة بعد التشهد؛ لقوله - ﷺ - بعد أن ذكر التشهد (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولم يذكر له الاستعاذة من الأربع وتخيير المصلي دليل على عدم تعين صيغة معينة في الدعاء.\n• حديث أبي هريرة: فليتعوذ بالله من أربع، أكثر الرواة رووه بلفظ الخبر.\n• قول ابن عباس بأن النبي - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن هذا التشبيه لا يقتضي الوجوب؛ لأن تعليم السورة من القرآن ليس واجبًا في غير الفاتحة، ولأن هذا التشبيه قيل في تعليم الاستخارة، وهي ليست واجبة إجماعًا.\n[م-٦٧٨] اتفق الفقهاء على مشروعية الاستعاذة بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، واختلف في وجوبها:\nفقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وقال المالكية: يستحب الدعاء بعد التشهد الأخير، وعمومه يشمل الاستعاذة من الأربع، ونص بعضهم عليها (^١).\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٤٩)، شرح مختصر الطحاوي للجصاص (١/ ٦٣٦)، تبيين الحقائق =","vol":"4","page":568},{"text":"قال خليل في معرض بيان مندوبات الصلاة: «ودعاء بتشهد ثانٍ» (^١).\nقال الخرشي في الشرح: «يعني أن الدعاء يستحب في التشهد الثاني ومحله بعد التشهد» (^٢).\nفقوله: (ومحله بعد التشهد) صريح أنهم أدخلوا في جملة الدعاء الاستعاذة من الأربع؛ لأنهم جعلوا محل استحباب الدعاء بعد التشهد، وأولى ما يستحب من الدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي - ﷺ - الاستعاذة من الأربع للنص عليها.\nقال في الفواكه الدواني: «ويدل على هذا خبر الصحيحين من «أنه ﵊ لما علمهم التشهد، قال: وليتخير من الدعاء» (^٣).\nوقال ابن عرفة: «يستحب الدعاء عقب التشهد الأخير» (^٤).\nفأطلقوا الدعاء، فدخل فيه الاستعاذة من الأربع.\nوقيل: الاستعاذة واجبة، وهو رواية عن أحمد حكاها القاضي أبو يعلى (^٥).\nوقال أبو عبد الله بن بطة: «من ترك من الدعاء المشروع شيئًا مما يقصد به الثناء على الله تعالى أعاد» (^٦).\nوقيل: الاستعاذة فرض، وهو ظاهر فعل طاوس، وصريح كلام ابن حزم (^٧).\n_________\n= (١/ ١٢٤)، النهر الفائق (١/ ٢٢٥)، شرح الخرشي (١/ ٢٨٨)، الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٣٤)، مواهب الجليل (١/ ٥٤٣)، المنتقى شرح الموطأ (١/ ٣٥٨)، شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٥٢)، إكمال المعلم (٢/ ٥٤٣)، المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٢٠٨)، بداية المجتهد (١/ ١٣٩)، القوانين الفقهية (ص: ٤٧)، شرح النووي على مسلم (٥/ ٨٥، ٨٩)، طرح التثريب (٣/ ١٠٧)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٨)، المجموع (٣/ ٤٧٠)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٤)، مسائل أحمد رواية عبد الله (٢٩٨)، المبدع (١/ ٤١٥)، مختصر الخرقي (ص: ٢٤)، المغني (١/ ٣٩١)، الإنصاف (٢/ ٨١)، الإقناع (١/ ١٢٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٣).\n(^١). مختصر خليل (ص: ٣٣).\n(^٢). شرح الخرشي (١/ ٢٨٨).\n(^٣). الفواكه الدواني (١/ ١٨٧).\n(^٤). التاج والإكليل (٢/ ٢٥٠)، أسهل المدارك (١/ ٢٢٣).\n(^٥). الإنصاف (٢/ ٨١)، المبدع (١/ ٤١٥).\n(^٦). الإنصاف (٢/ ٨١).\n(^٧). مصنف عبد الرزاق (٣٠٨٧)، المحلى بالآثار (٢/ ٣٠١).","vol":"4","page":569},{"text":"قال ابن حزم: «ويلزمه فرض أن يقول: إذا فرغ من التشهد في كلتا الجلستين: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... وهذا فرض كالتشهد، ولا فرق» (^١).\nوقال ابن تيمية: «ذهب طائفة من السلف، والخلف، إلى أن الدعاء في آخرها واجب، وأوجبوا الدعاء الذي أمر به النبي - ﷺ - آخر الصلاة بقوله: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: ... وذكر الحديث). رواه مسلم، وغيره، وكان طاوس يأمر من لم يدع به أن يعيد الصلاة، وهو قول بعض أصحاب أحمد» (^٢).\nقال مسلم بن الحجاج: «بلغني أن طاوسًا قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك؛ لأن طاوسًا رواه عن ثلاثة أو أربعة، أو كما قال (^٣).\nقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «وأَمْرُ طاوس ابنَه بإعادة الصلاة لمّا لم يتعوذ من تلك الأمور؛ دليل على أنه كان يعتقد وجوب التعوذ منها في الصلاة، وكأنه تمسك بظاهر الأمر بالتعوذ منها، وتأكد ذلك بتعليم النبي - ﷺ - إياها للناس، كما يعلمهم السورة من القرآن، وبدوام النبي - ﷺ - على ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك إنما أمره بالإعادة تغليظًا عليه؛ لئلا يتهاون بتلك الدعوات، فيتركها، فيحرم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم» (^٤).\nوقال النووي في شرح مسلم: «لعل طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه، والله أعلم» (^٥).\nورجح شيخنا ابن عثيمين ما قاله أبو العباس احتمالًا خاصة أن الأمر بالإعادة كان لابنه، في سياق تعليمه، لا لعامة المصلين (^٦).\nوما قاله أبو العباس ورجحه شيخنا قوي جدًّا؛ لأن الظاهر أن طاوسًا سأل\n_________\n(^١). المحلى بالآثار (٢/ ٣٠١).\n(^٢). مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٨).\n(^٣). صحيح مسلم (١/ ٤١٣)، وقد وصله عبد الرزاق بسند صحيح في مصنفه (٣٠٨٧)، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال لرجل: أقلتهن في صلاتك؟ قال: لا، قال: فأعد صلاتك.\n(^٤). المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٢٠٩).\n(^٥). شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٨٩)، طرح التثريب (٣/ ١٠٧).\n(^٦). الشرح الممتع (٣/ ٢٠٠).","vol":"4","page":570},{"text":"ابنه بعد انصرافه من الصلاة مباشرة، فإن كان طاوس يرى التعوذ من أركان الصلاة فالصواب أن يأمره بالإتيان بها، ثم السجود للسهو، وإن كان يراها من الواجبات فكان حسبه أن يأمره بسجود السهو، فأمره بالإعادة مطلقًا فيه نظر، وعلى القول بأنه لا تكليف قبل العلم فإنه يستقبل ذلك فيما يستقبل من صلاته، لا فيما مضى منها قبل علمه بوجوبها، كما أن النبي - ﷺ - لم يأمر المستحاضة ولا عمارًا حين تمرغ كما تتمرغ الدابة، ولا عمر حين ترك الصلاة من الجنابة إلى أن يجد الماء، ولم يعلم بمشروعية التيمم للجنابة لم يأمرهم بتدارك ذلك قبل علمهم، مما يرجح أن أمره بالإعادة قد يكون من باب التأديب على ترك السنن المؤكدة، لا على ترك الواجبات والأركان، والله أعلم.\n• دليل من قال: الاستعاذة بالله من الأربع واجبة:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٩٦) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة،\nأنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال.\n[أكثر الرواة عن أبي هريرة رووه بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ... إلخ] (^١).\n_________\n(^١). رواه جماعة عن أبي هريرة، بلفظ الأمر، منهم محمد بن أبي عائشة، وطاوس، وأبو صالح، لم يختلف عليهم في ذلك.\n\nورواه جماعة بصيغة الخبر: أن الرسول - ﷺ - كان يتعوذ، وهم الأكثر، مثل عبد الله بن شقيق، ومحمد بن زياد، ومجاهد، والراجح من رواية أبي سلمة، والأعرج، وأبي علقمة من رواية شعبة، عن يعلى بن عطاء، عنه خلافًا لرواية أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، وإليك تفصيل ما وقفت عليه.\nالأول: محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، رواه بلفظ: (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربع)، بصيغة الأمر. =","vol":"4","page":571},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومحمد بن أبي عائشة قليل الحديث، له ستة أحاديث عن أبي هريرة هذا أشهرها، قال ابن حجر: لا بأس به. اهـ ولم يخرج له البخاري شيئًا، وليس له في مسلم غير هذا الحديث.\nومداره على الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة به، وقد رواه عن الأوزاعي جماعة منهم.\nالوليد بن مسلم كما في صحيح مسلم (١٣٠ - ٥٨٨)، ومسند أحمد (٢/ ٢٣٧)، وسنن أبي داود (٩٨٣)، وسنن ابن ماجه (٩٠٩)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٣، ٢٠٤٤)، وصحيح ابن حبان (١٩٦٧)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠١).\nووكيع كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ومسند أحمد (٢/ ٤٧٧) ومصنف ابن أبي شيبة (٣٧٤٦٢)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠).\nوعيسى بن يونس كما في المجتبى من سنن النسائي (١٣١٠)، والسنن الكبرى للنسائي (١٢٣٤)، والمنتقى لابن الجارود (٢٠٧) وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، ومستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠١)، والشريعة للآجري (٨٧٣)، والحلية لأبي نعيم (٦/ ٧٩)، وأمالي ابن بشران، الجزء الثاني (ص: ١٥٦).\nوهقل بن زياد (ثقة) كما في صحيح مسلم ولم يَسُقْ لفظه (١٣٠ - ٥٨٨)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠١)، والشريعة للآجري (٨٧٤)، ومكارم الأخلاق للخرائطي (١٠٨٩).\nومخلد بن يزيد الحراني، كما في صحيح ابن خزيمة (٧٢١)،\nوالمعافى بن عمران كما في سنن النسائي (١٣١٠)، والسنن الكبرى (١٢٣٤)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢١٤).\nومبشر (هو ابن إسماعيل الحلبي) كما في مسند أبي يعلى (٦١٣٣)،\nوأبو المغيرة كما في سنن الدارمي (١٣٨٣)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠)، وفي الاعتقاد له (ص: ٢٢٥)، وفي الدعوات الكبير له (١٠٥).\nوعقبة بن علقمة كما في السنن الصغير للبيهقي (٤٦٠)،\nومحمد بن كثير كما في سنن الدارمي (١٣٨٤)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٢٠)، وفي الاعتقاد له (ص: ٢٢٥)،\nوبشر بن بكر كما في حديث السراج (٦٣٢)، ومسنده (٨٢٧)\nوأبو مسهر كما في مسند السراج (٨٢٧)، وحديثه (٦٣١).\nويحيى بن عبد الله البابلتي كما في الدعاء للطبراني (٦٢١)، وفوائد تمام (٦٨٢)، كل هؤلاء رووه عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، بصيغة الأمر.\nخالف الأوزاعي عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان كما ذكر الدارقطني في العلل (١٠/ ٧٠)، فرواه عن حسان بن عطية، عن أبي هريرة مرسلًا موقوفًا. اهـ فأسقط من إسناده محمد بن أبي عائشة، وابن ثوبان لا يقرن بالإمام الأوزاعي. =","vol":"4","page":572},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الثاني: أبو سلمة، عن أبي هريرة.\nرواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، واختلف على يحيى:\nفرواه هشام الدستوائي كما في صحيح البخاري (١٣٧٧)، وصحيح مسلم (١٣١ - ٥٨٨)، وأكتفي بالصحيحين.\nوشيبان، كما في مسند أحمد (٢/ ٤٢٣)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٥)، وأمالي ابن بشران الجزء الأول (ص: ١٧٢، ٢٣٧)، والجزء الثاني (ص: ٣٧).\nوأبو إسماعيل (إبراهيم بن عبد الملك البصري)، كما في المجتبى من سنن النسائي (٢٠٦٠، ٥٥٠٦)، وفي الكبرى (٢١٩٨، ٧٨٩٠).\nوعلي بن المبارك كما في مستخرج أبي عوانة (٢٠٤٦، ٢٠٧٨)، ومستدرك الحاكم (١٠١١)،\nوعمر بن راشد (ضعيف) كما في مصنف عبد الرزاق (٦٧٥٥)،\nوحصين بن عبد الرحمن السلمي (ثقة تغير حفظه في الآخر) رواه الطبراني في الدعاء (١٣٧٤)، من طريق هاشم بن مرزوق (قال أبو حاتم: ثقة) عن أبي جعفر الرازي (عيسى بن أبي عيسى ماهان صدوق سيئ الحفظ) عن حصين، خمستهم عن يحيى به، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.\nخالفهم الأوزاعي كما في صحيح مسلم مقرونًا برواية الأوزاعي عن حسان بن عطية (١٢٨ - ٥٨٨)، ومصنف ابن أبي شيبة مقرونًا به أيضًا (٣٧٤٦٢)، والمجتبى من سنن النسائي (٥٥١٨)، وفي الكبرى له (٧٩٠٤)، ومسند البزار (٨٦٠٠)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢١)، ومستخرج أبي عوانة (٢٠٤٤)، وفوائد تمام (٦٨٢)، ومستخرج أبي نعيم (١٣٠٢)، فرواه عن يحيى بن أبي كثير به، بصيغة الأمر بلفظ رواية حسان بن عطية.\nوأخشى أن يكون دخل على الأوزاعي روايته عن حسان بن عطية، في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فإن اتفاق الرواة عن يحيى على روايته بالصيغة الفعلية ومخالفة الأوزاعي لهم تجعل رواية الأوزاعي شاذة.\nالثالث: عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، بصيغة الخبر.\nبلفظ: (عن النبي - ﷺ - أنه كان يتعوذ من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة الدجال).\nرواه مسلم (١٣٣ - ٥٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٨)، وابن بشران في أماليه، ج الثاني (ص: ٥٢)، من طريق محمد بن جعفر.\nورواه أحمد كما في المسند (٢/ ٤٥٤)، والسنة لعبد الله بن أحمد (١٤١٤) من طريق حجاج بن محمد،\nورواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٩٥)، وعنه النسائي في المجتبى (٥٥١٧)، وفي الكبرى (٧٩٠٣)، أخبرنا أبو عامر العقدي، =","vol":"4","page":573},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥١٨٧) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، أربعتهم (محمد بن جعفر، وحجاج بن محمد، وإسحاق، وعبد الصمد) رووه عن شعبة، عن بديل، عن عبد الله بن شقيق به من السنة الفعلية.\nتابع بديلًا صالح بن أبي الجوزاء، كما في حديث السراج (٦٣٥)، ومسند السراج (٨٢٩)، ومكارم الأخلاق للخرائطي (١٠٨٤)، والسنن الواردة في الفتن للداني (٦٥٦) من طريق سهل بن تمام، عن صالح بن أبي الجوزاء عن عبد الله بن شقيق.\nوسهل بن تمام قال ابن أبي حاتم: روى عنه أبي وأبو زرعة ... سئل عنه أبو زرعة، فقال: لم يكن يكذب، كان ربما وهم في الشيء. وسئل أبي عنه، فقال: شيخ. الجرح والتعديل (٤/ ١٩٤). وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ.\nوأبو الجوزاء فيه جهالة، ذكره ابن أبي حاتم وبيض، انظر الجرح والتعديل (٤/ ٣٩٧)، ولم ينفرد به فقد تابعه عبد الله بن شقيق.\nالرابع: الأعرج، عن أبي هريرة.\nرواه أبو الزناد، عن الأعرج، واختلف على أبي الزناد فيه:\nفرواه مالك، عن أبي الزناد بالسنة الفعلية، بلفظ: (أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).\nرواه أحمد (١/ ٢٥٨) حدثنا إسماعيل بن عمر، قال: حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به، ومن طريق إسماعيل بن عمر رواه ابن الأعرابي في معجمه (١٠٧٣).\nورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٥١٨٦)، والطبراني في الدعاء (١٣٧٥) من طريق ابن وهب، عن مالك به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - كان يدعو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... وذكر الحديث بالصيغة الفعلية.\nورواه النسائي في المجتبى (٥٥١٤) من طريق ابن القاسم، عن مالك به، بلفظ: كان يدعو في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... الحديث بالصيغة الفعلية.\nوهو في مسند الموطأ للجوهري (ص: ٤٥٠).\nوسليمان بن داود كما في حديث السراج (٦٣٦)، ومسنده (٨٣٠).\nوموسى بن عقبة كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥٠٥)، وفي الكبرى (٧٨٨٩)، كلاهما (سليمان بن داود وابن عقبة) عن أبي الزناد به، بالصيغة الفعلية.\nوسليمان بن داود وإن كان بغداديًّا فإن روايته عن أبي الزناد مستقيمة وسبق الكلام عليها، وموسى بن عقبة مدني، ورواية أهل المدينة عن أبي الزناد صحيحة، كيف وقد رواه مالك عنه بصيغة الخبر.\nتابع أبا الزناد من رواية مالك وموسى وسليمان عنه بالصيغة الفعلية تابعه عبد الله بن الفضل كما في مسند أحمد (٢/ ٢٨٨)، والسنة لابن أبي عاصم (٨٦٩) من طريق عبد الرحمن بن =","vol":"4","page":574},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج به.\nوخالف سفيان بن عيينة، مالكًا وموسى بن عقبة، وسليمان بن دواد، فرواه عن أبي الزناد به بلفظ الأمر، وأظنه دخل على سفيان روايته عن ابن طاوس وعمرو بن دينار، كلاهما عن طاوس، عن أبي هريرة بصيغة الأمر، بروايته عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فإن سفيان كان تارة يقرنهما بلفظ واحد، وتارة يفرقهما.\nورواه الحميدي في مسنده (١٠١٢)، ومن طريق الحميدي أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٣٠٤)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٨٩).\nومحمد بن عباد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ولم يَسُقْ لفظه.\nوإبراهيم بن بشار الرمادي، كما في مستخرج أبي نعيم (١٣٠٤)، وإثبات عذاب القبر للبيهقي (١٨٩)،\nومحمد بن ميمون كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٣)، وفي الكبرى (٧٨٩٧)، مقرونًا برواية سفيان عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة.\nومحمد بن منصور كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٦)، وفي الكبرى (٧٩٠٢)،\nوأبو خيثمة (زهير بن معاوية) كما في مسند أبي يعلى (٦٢٧٩)،\nوقتيبة بن سعيد رواه النسائي في الكبرى (٧٦٧٥، ٧٨٩٢) عن سفيان وحده،\nورواه في المجتبى (٥٥٠٨)، قال: حدثنا سفيان ومالك، بلفظ الأمر، ولا يعرف هذا اللفظ لمالك إنما يعرف من طريق سفيان، فحمل رواية مالك على رواية سفيان.\nوقد رواه ابن أبي عاصم في السنة (٨٧٢) حدثنا ابن مصفى، حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عيينة، عن أبي الزناد به، بلفظ: أن النبي - ﷺ - قال: أعوذ بالله من عذاب القبر. والمحفوظ من رواية سفيان أنه يرويه بصيغة الأمر.\nوابن مصفى هو محمد بن مصفى، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: صالح، وقال صالح جزرة: كان مخلطًا، وأرجو أن يكون صادقًا، وقد حدث بأحاديث مناكير. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، وكان يدلس.\nالخامس: محمد بن زياد، عن أبي هريرة،\nرواه أحمد كما في المسند (٢/ ٤٦٩)، وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (١٤١٧)، حدثنا عبد الرحمن (هو ابن مهدي).\nورواه أحمد أيضًا (٢/ ٤٨٢) حدثنا وكيع،\nورواه البخاري في الأدب المفرد (٦٥٧)، والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٩٤)، والشامخوي في أحاديثه (٢٩)، عن موسى بن إسماعيل،\nوقبيصة وحجاج كما في الفتن لحنبل بن إسحاق (١٥)، خمستهم رووه عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد به بلفظ: قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يتعوذ بالله من فتنة المحيا والممات، ومن عذاب القبر، ومن شر المسيح الدجال. بالصيغة الفعلية. =","vol":"4","page":575},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، واختلف على موسى:\nفرواه البخاري كما في الأدب المفرد (٦٥٧)،\nوعثمان بن سعيد الدارمي كما في إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٩٤)،\nوأبو خليفة الجمحي كما في أحاديث الشاموخي (٢٩)، وصحيح ابن حبان (١٠١٨)، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة.\nكما في صحيح ابن حبان (١٠١٨) فروياه عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال.\nورواه أبو خليفة الجمحي (الفضل بن الحباب، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخليلي: احترقت كتبه، منهم من وثقه، ومنهم من تكلم فيه، وهو إلى التوثيق أقرب) كما في صحيح ابن حبان (١٠١٨).\nوعفان كما في مسند أحمد (٢/ ٤١٤)، روياه عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة.\nوعفان من أثبت أصحاب حماد، وقد تابعه أبو خليفة فإن لم يكن الوجهان محفوظين عن حماد فالحمل فيهما على حماد، فإنه قد تغير بآخرة، وقد تفرد به بالوجهين، وهو ثقة فيما يرويه عن ثابت وحميد الطويل وعمار بن أبي عمار، وصدوق في روايته عن غيرهم، وضعيف في بعض الرواة، سبق ذكرهم بالتفصيل فيما سبق، والله أعلم.\nالسادس: مجاهد، عن أبي هريرة، كما في صحيح ابن حبان (١٠٠٢) بصيغة الخبر. وإسناده حسن.\nالسابع: أبو علقمة، عن أبي هريرة،\nرواه شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، واختلف على شعبة.\nفرواه محمد بن جعفر كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٠)، وفي الكبرى (٧٨٩٤)، ومسند البزار (٩٦٧٦)،\nوعمرو بن مرزوق كما في مسند البزار (٩٦٧٧)،\nوإبراهيم بن مرزوق كما في مشكل الآثار (٣٩٣٤)، ثلاثتهم عن شعبة به، بصيغة الفعل.\nورواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، واختلف عليه فيه\nفرواه يونس بن حبيب كما في مسند أبي داود الطيالسي (٢٧٠١)، ومستخرج أبي عوانة (١٦٢٩)،\nوعمار بن رجاء كما في مستخرج أبي عوانة (١٦٢٩)،\nوإبراهيم بن مرزوق كما في مسند البزار (٩٦٧٧)، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي به، بصيغة الخبر.\nفهؤلاء (محمد بن جعفر، وعمر بن مرزوق، وأبو داود الطيالسي من رواية إبراهيم بن مرزوق، ويونس بن حبيب، وعمار بن رجاء عنه) رووه بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من خمس: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) بصيغة الخبر زاد بعضهم في أوله ما يتعلق بطاعة الأمير. =","vol":"4","page":576},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خالفهم عبد الرحمن بن محمد بن سلام بن ناصح (لا بأس به) كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥٠٩)، وفي الكبرى (٧٨٩٣)، قال: حدثنا أبو داود به، وجمع بين الفعل والقول، (أن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ بالله من خمس، يقول: عوذوا بالله من عذاب القبر .... وذكر الحديث. والجمع بين الفعل والقول تفرد به عبد الرحمن بن محمد.\nوأخشى أن يكون أخطأ فيه؛ لأن لفظ إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود: (كان يتعوذ من خمس يقول: أعوذ بالله من عذاب القبر ...). فحول هذا إلى قوله: (عوذوا ...).\nفتبين من هذا أن الراجح في رواية شعبة أن الرواية بصيغة الخبر، ولو خالف عبد الرحمن بن محمد بن سلام محمد بن جعفر وحده لرجح عليه، وهو من أثبت أصحاب شعبة، كيف وقد خالف كل من رواه عن شعبة.\nورواه أبو الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله، عن يعلى بن عطاء، بلفظ الأمر واختلف على أبي الوليد الطيالسي في إسناده، وإن اتفقوا على لفظه:\nفرواه عبد بن حميد كما في المنتخب من إسناده (١٤٦٢)، عن أبي الوليد، عن أبي عوانة، عن يعلى، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، فذكر في أوله طاعة الأمير، ثم قال: استعيذوا بالله من خمس: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال. بلفظ الأمر. ...\nورواه النسائي في المجتبى (٥٥١١)، وفي الكبرى (٧٨٩٥) أخبرنا أبو داود (هو الحراني)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أبي علقمة به، فزاد في إسناده (عن أبيه) خالفه أبو عوانة الوضاح بن عبد الله كما في سنن النسائي (٥٥١١) فرواه عن يعلى بن عطاء به بلفظ: استعيذوا بالله من خمس .... الحديث. قال النسائي في الكبرى: هذا خطأ، والصواب: يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة.\nورواية شعبة بصيغة الخبر أرجح من رواية أبي الوليد الطيالسي، والله أعلم.\nالثامن: سليمان بن سنان (مقبول)، عن أبي هريرة بالصيغة الفعلية.\nرواه النسائي كما في المجتبى (٥٥٢٠)، وفي الكبرى (٧٩٠٦) من طريق ابن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان المزني، أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول في صلاته: اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن حر جهنم.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا الصواب.\nوأخرجه النسائي في المجتبى (٥٥١٥)، وفي الكبرى (٧٨٩٩) قال: أخبرنا أبو عاصم، قال: حدثنا القاسم بن كثير المقري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن يسار به.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي في المجتبى: هذا خطأ، والصواب سليمان بن سنان.\nوقال في الكبرى: هذا خطأ، وينبغي أن يكون يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، وليس هذا من حديث سليمان بن يسار، والله هو الموفق وهو أعلم. اهـ =","vol":"4","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= التاسع: طاوس، عن أبي هريرة، بلفظ الأمر.\nرواه عن طاوس اثنان، عمرو بن دينار، وابن طاوس، تفرد بالرواية عنهما سفيان بن عيينة:\nأما رواية عمرو بن دينار، عن طاوس.\nفرواه محمد بن عباد كما في صحيح مسلم (١٣٢ - ٥٨٨).\nومحمد بن ميمون كما في المجتبى من سنن النسائي (٥٥١٣)، وفي الكبرى (٧٨٩٧).\nوالحميدي كما في مستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠٤)،\nوإبراهيم بن بشار كما في مستخرج أبي نعيم على مسلم (١٣٠٤)، وإثبات عذاب القبر للبيهقي (١٨٩)، أربعتهم، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، بلفظ الأمر، بلفظ: قال: قال رسول الله - ﷺ -: عوذوا بالله من عذاب الله، عوذوا بالله من عذاب القبر، عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات.\nوأما رواية ابن طاوس، عن أبيه.\nفرواها الحميدي في مسنده (١٠١٠)، ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه (١٣٠٥).\nوإبراهيم بن بشار الرمادي كما في مستخرج أبي نعيم (١٣٠٥)\nومحمد بن عباد كما في صحيح مسلم (٥٨٨)، ثلاثتهم عن سفيان عن ابن طاوس، عن أبيه به، بمثله.\nفهذا سفيان إن روى الحديث عن أبي الزناد، عن الأعرج رواه بلفظ الأمر، مخالفًا لمالك، وموسى بن عقبة، وسليمان بن داود.\nوإن رواه عن عمرو بن دينار، أو عن ابن طاوس، عن طاوس عن أبي هريرة، رواه بلفظ الأمر، ورواية طاوس، عن أبي هريرة بلفظ الأمر أرجح من روايته عن أبي الزناد، لأمرين:\nالأول: أن طاوسًا نفسه يرى وجوب الاستعاذة من الأربع، فقد يكون ذهب إلى الوجوب استدلالًا بروايته.\nولأن الرواية عن طاوس، عن أبي هريرة لم يختلف على سفيان فيها، بل تفرد سفيان برواياتها، بخلاف روايته عن أبي الزناد، فقد خالفه فيها ثلاثة على رأسهم مالك بن أنس. والله أعلم.\nوقد خالف سفيان بن عيينة محمد بن عبد الله بن طاوس، فرواه عن أبيه، عن طاوس، عن ابن عباس بصيغة الخبر.\nرواه أبو داود في السنن (٩٨٤) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٩) ح ١٠٩٣٩، والبزار في مسنده (٤٨٩٣) من طريق عمر بن يونس اليمامي، حدثني محمد بن عبد الله بن طاوس به، بلفظ: عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول بعد التشهد: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جنهم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. هذا لفظ أبي داود. ولم يذكر البزار قيد التشهد.\nومحمد بن عبد الله بن طاوس ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه أحد غيره، وهو محفوظ من رواية طاوس، عن ابن عباس، وسوف أسوقه دليلًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى.\nالعاشر: أبو صالح، عن أبي هريرة، بلفظ الأمر. =","vol":"4","page":578},{"text":"وجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ -: (فليتعوذ بالله من أربع)، فهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، وقوله: (إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر). مفهومه اختصاص هذا الدعاء بالتشهد الأخير.\n• وأجيب بجوابين:\nالجواب الأول:\nأن أكثر الرواة رووه بلفظ: (كان رسول الله - ﷺ - يدعو ويقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ...)، وهو الموافق لحديث عائشة في الصحيحين، ونحوه حديث ابن عباس في مسلم.\nالجواب الثاني:\nلو قدر أن الأمر بالتعوذ محفوظ، فالشرط في دلالة الأمر على الوجوب ألا يوجد قرينة تصرفه إلى الاستحباب، وقد وجد ما يصرف الأمر عن الوجوب، كما في حديث ابن مسعود ﵁، فإنه بعد ما ذكر التشهد، قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو)، فلم يذكر الصلاة على النبي - ﷺ -، ولم يذكر التعوذ بالله من الأربع، فدل على أن الأمر للاستحباب، وسيأتي ذكر الحديث تامًّا في أدلة الجمهور إن شاء الله تعالى.\nقال ابن المنذر: «لولا خبر ابن مسعود لكان هذا يجب؛ لأن النبي - ﷺ - أمر به» (^١).\nوعلى التسليم بأن الأمر لا صارف له عن الوجوب فالحديث لا يدل على أن\n_________\n= رواه أبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (١٢٠٢٧، ٢٩١٣٦)، والأدب المفرد للبخاري (٦٤٨)، وسنن الترمذي (٣٦٠٤)، ومسند البزار (٩١٣٤).\nوهدبة بن المنهال كما في الدعاء للطبراني (١٣٧٦)،\nوفضيل بن عياض كما في حلية الأولياء (٨/ ١١٨).\nوعبد الرحمن بن مَغْرَاء الدوسي، كما في إثبات عذاب القبر للبيهقي (١٩٣)،\nوأبو عوانة كما في فوائد أبي بكر بن القاسم المطرز وأماليه (٩٧)، كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح به، بلفظ الأمر: (تعوذوا بالله من جهنم، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، تعوذوا بالله من فتنة المحيا والممات).\n(^١). الأوسط (٣/ ٢١٤).","vol":"4","page":579},{"text":"الاستعاذة فرض إلا إن قصدوا بالفرض الواجب، أما الركنية فهي قدر زائد على دلالة الوجوب، فيحتاج القول بها إلى دليل على انتفاء صحة الصلاة بتركها، ولم يوجد، أو يوجد إجماع على بطلان الصلاة بتركها ولو سهوًا، فالقول ببطلان الصلاة أو وجوب إعادتها بمطلق الترك لا تساعد عليه دلالة الأمر بها لو كان محفوظًا، وسلم من قرينة صارفة عن الوجوب إلى الاستحباب، والله أعلم.\nالدليل الثاني:\n(ح-١٩٩٧) ما رواه مسلم من طريق مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن أبي الزبير، عن طاوس،\nعن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن يقول قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات (^١).\n• ويناقش:\nبأن التشبيه لا يقتضي الوجوب؛ ذلك لأن تعليم السورة من القرآن ليس واجبًا، فكذلك هنا، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب، لورود هذه الصيغة بما هو مجمع على عدم وجوبها.\n(ح-١٩٩٨) فقد روى البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر،\nعن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن (^٢).\nوالمقصود من التشبيه الحرص على التقيد بلفظ التشهد من غير زيادة ولا نقص ولا استبدال ألفاظه بأخرى، وهذا لا يدل على الوجوب؛ لأن كل ذكر مقيد لا يتجاوز به الصفة الواردة، قياسًا على التكبير في الصلاة وأدعية الاستفتاح، بخلاف الذكر المطلق؛ لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٣٤ - ٥٩٠).\n(^٢). صحيح البخاري (٢/ ٥٧).","vol":"4","page":580},{"text":"أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت، ولم يقبل منه الرسول - ﷺ - استبدال الرسول بالنبي.\nقال الزرقاني: «(كما يعلمهم السورة من القرآن) تشبيه في تحفيظ حروفه، وترتيب كلماته، ومنع الزيادة والنقص منه، والدرس له، والمحافظة عليه» (^١).\n• دليل من قال: يستحب التعوذ بالله من الأربع:\nالدليل الأول:\n(ح-١٩٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).\nوجه الاستدلال:\nأن النبي - ﷺ - لم يأمره بالاستعاذة من الأربع، فدل على أن ذلك ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لذكره له كما ذكر له تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع والسجود، والاعتدال منهما، وقد طلب الصحابي من النبي - ﷺ - تعليمه الصلاة، فخرج الحديث مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠٠٠) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على\n_________\n(^١). شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ٥٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":581},{"text":"الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^١).\nورواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل،\nعن عبد الله ﵁، قال: كنا نقول في الصلاة: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا النبي - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله -إلى قوله- الصالحين، فإذا قالها أصاب كل عبد لله في السماء والأرض صالح، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من الثناء ما شاء (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﷺ - بعد أن ذكر التشهد (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه)، ولم يذكر له الاستعاذة من الأربع، فدل ذلك على سنية الدعاء بعد التشهد، ومنه الاستعاذة بالله من الأربع؛ إذ لو كان من الواجبات لم يترك الأمر لاختيار المصلي.\nقال ابن المنذر: «لولا خبر ابن مسعود لكان هذا يجب؛ لأن النبي - ﷺ - أمر به» (^٣).\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠٠١) روى البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرنا عروة بن الزبير،\nعن عائشة، زوج النبي - ﷺ -، أخبرته: أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم.\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣٢٨)، وصحيح مسلم (٥٥ - ٤٠٢).\n(^٣). الأوسط (٣/ ٢١٤).","vol":"4","page":582},{"text":"فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف (^١).\nوجه الاستدلال على الاستحباب:\nالمحفوظ من أحاديث الاستعاذة بالله من أربع أنها نقلت إلينا من السنة الفعلية، كما في حديث عائشة، وأكثر الرواة من حديث أبي هريرة، وأفعال الرسول - ﷺ - على الاستحباب.\nالدليل الرابع:\n(ح-٢٠٠٢) ما رواه أحمد من طريق حيوة، قال: أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك الجنبي حدثنا،\nأنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله - ﷺ - يقول: سمع رسول الله - ﷺ - رجلًا يدعو في الصلاة، ولم يذكر الله ﷿، ولم يُصَلِّ على النبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: عجل هذا، ثم دعاه فقال له ولغيره: إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبي، ثم ليدع بعد بما شاء (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقال النبي - ﷺ -، (ثم ليدع بعد بما شاء) بعد الثناء على الله والصلاة على النبي - ﷺ -، ولم يأمره بالاستعاذة من الأربع.\nالدليل الخامس:\n(ح-٢٠٠٣) ما رواه أحمد من طريق زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،\nعن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، قال: قال النبي - ﷺ - لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي - ﷺ -: حولها ندندن (^٤).\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٨٣٢)، وصحيح مسلم (١٢٩ - ٥٨٩).\n(^٢). المسند (٦/ ١٨).\n(^٣). سبق تخريجه، انظر (ح ١٩٧٥).\n(^٤). المسند (٣/ ٤٧٤).","vol":"4","page":583},{"text":"[صحيح] (^١).\nالدليل السادس:\n(ح-٢٠٠٤) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال:\nأخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (^٢).\n[صحيح] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nفي هذا الحديث بعد أن ذكر ابن مسعود التشهد مرفوعًا، قال عبد الله موقوفًا عليه: (فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة، فإذا شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد).\nفدل على أن الاستعاذة من الأربع ليست واجبة. والله أعلم.\n• دليل من قال: الاستعاذة في التشهدين فرض:\n(ح-٢٠٠٥) ما رواه مسلم من طريق وكيع، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان ابن عطية، عن محمد بن أبي عائشة،\nعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله\n_________\n(^١). رواه معاوية بن عمرو كما في مسند أحمد (٣/ ٤٧٤).\nوحسين بن علي الجعفي كما في سنن أبي داود (٧٩٢)، كلاهما عن زائدة به، وإسناده صحيح، ويحتمل أن يكون الصحابي الذي أبهم هو جابر بن عبد الله، وقد سبق لي تخريجه من مسنده، انظر ح (١٤٦٠).\n(^٢). رواه الدارقطني في السنن (١٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٨).\n(^٣). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح ١٩٥٦).","vol":"4","page":584},{"text":"من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال (^١).\n[سبق تخريجه في أدلة القول الأول، والجواب عنه].\nوجه الاستدلال:\nقوله - ﵇ (إذا تشهد أحدكم فليستعذ) عام في التشهد الأول والأخير.\nقال ابن دقيق العيد: فمن خصه فلا بد له من دليل راجح. وإن كان نصًّا فلا بد من صحته. والله أعلم» (^٢).\n• ويناقش:\nمن قال بأن الاستعاذة مشروعة في التشهد الأول، ولا يكفي لاعتماد القول النظر إلى دلالة اللفظ بمعزل عن فهم السلف، فلئن كان لابن حزم سلف بالقول بالوجوب، وهو رواية عن أحمد، وظاهر فعل طاوس، فأين السلف له بالقول بمشروعيته في التشهد الأول، ولقد كنت في يوم من الأيام أرى أن مذهب الظاهرية كغيره من المذاهب حتى رأيت طريقتهم في الاستدلال، وعدم اهتمامهم بفهم السلف، ولو تبنوا أقوالًا شاذة، والاعتماد على دلالة اللفظ فقط، وقد ناقشت هذه المسألة في مسائل كثيرة مرت في البحث.\n• الراجح:\nأن الاستعاذة مستحبة، والقول بالوجوب أو بالركنية قول ضعيف جدًّا مع شذوذه، ومخالفته لمذهب الأئمة الأربعة، والله أعلم.\n\n* * *\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢٨ - ٥٨٨).\n(^٢). إحكام الأحكام (١/ ٣١٢).","vol":"4","page":585},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>المبحث الثاني في صفة الدعاء في الصلاة</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• كل دعاء يجوز خارج الصلاة فهو جائز داخل الصلاة.\n• قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾. وكلمة (فضله) نكرة مضافة، فتعم حوائج الدنيا والآخرة، فكلها من فضل الله.\n• كل أمر جائز وممكن عادة وشرعًا من حوائج الدنيا والآخرة يجوز سؤاله من الله داخل الصلاة خارجها.\n• قال مالك بلغني عن عروة بن الزبير عنه أنه قال: إني لأدعو الله في حوائجي كلها في الصلاة حتى في الملح (^١).\n• المحرم الاعتداء في الدعاء، وسؤال الحاجات من رب البريات ليس منه.\n[م-٦٧٩] اختلف العلماء في صفة الدعاء المشروع في الصلاة:\nفقال الحنفية: لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، وهو قول في مذهب الحنابلة (^٢).\n_________\n(^١). المدونة (١/ ١٩٢).\n(^٢). قول الحنفية بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة والأدعية المأثورة، قال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٤٩): «أي بالدعاء الموجود في القرآن، ولم يرد حقيقة المشابهة؛ إذ القرآن معجز، لا يشابهه شيء، ولكن أطلقها لإرادة نفس الدعاء، لا قراءة القرآن، مثل: ربنا لا تؤاخذنا ربنا لا تزغ قلوبنا رب اغفر لي ولوالدي .... وقوله: والسنة ... أي دعا بما يشبه ألفاظ السنة، وهي الأدعية المأثورة، ومن أحسنها ما في صحيح مسلم: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». وانظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٤)، العناية شرح الهداية (١/ ٣١٨)، ملتقى الأبحر (ص: ١٥٣)، =","vol":"4","page":586},{"text":"وقال المالكية والشافعية: يجوز أن يدعو في صلاته بما يجوز أن يدعو به خارج الصلاة من كل أمر جائز وممكن عادة وشرعًا، وحكي رواية عن أحمد (^١).\nوقال الحنابلة في الأصح: يجوز الدعاء بغير ما ورد بشرط أن يكون بما يصلح آخرته، كالرزق الحلال، والعصمة من الفواحش ونحوها، فإن دعا بغير ما ورد وليس من أمر الآخرة فلا يجوز الدعاء به، وتبطل به الصلاة (^٢).\nفأضيق المذاهب الحنفية حيث حصروا الدعاء بألفاظ القرآن والسنة، والأدعية المأثورة، وهو قول في مذهب الحنابلة.\nوأوسعها قول المالكية والشافعية في جواز كل دعاء ممكن ومباح ولو من أمور الدنيا.\nوتوسط الحنابلة، فقالوا: يجوز الدعاء بغير ما ورد بشرط أن يكون بما يصلح آخرته، كالرزق الحلال، والعصمة من الفواحش، والرحمة ونحوها.\n• دليل من قال: الدعاء بما ورد فقط:\n(ح-٢٠٠٦) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،\nعن معاوية بن الحكم السلمي، وذكر قصة، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ - (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فكلمة (شيء) نكرة في سياق\n_________\n= مختصر القدوري (ص: ٢٨)، كنز الدقائق (ص: ١٦٥).\nانظر قول الحنابلة في الإنصاف (٢/ ٨١).\n\n(^١). المدونة (١/ ١٩٢)، التهذيب في اختصار المدونة (١/ ٢٧١)، البيان والتحصيل (١٧/ ٢٨٦)، التاج والإكليل (٢/ ٢٥٣)، شرح الخرشي (١/ ٢٩٠)، فتح العزيز (٣/ ٥١٦)، تحفة المحتاج (٢/ ٨٧)، نهاية المحتاج (١/ ٥٣٢)، فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٤٥).\n(^٢). المبدع (١/ ٤١٥)، مختصر الخرقي (ص: ٢٤)، المغني (١/ ٣٩١)، الإنصاف (٢/ ٨١)، الإقناع (١/ ١٢٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٣)، الفروع (٢/ ٢١٦).\n(^٣). صحيح مسلم (٣٣ - ٥٣٧).","vol":"4","page":587},{"text":"النفي، فتعم كل شيء من كلام الناس، دعاء، أو غيره.\n• ويناقش:\nالوجه الأول:\nقوله - ﷺ -: (إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن) لا يراد به الحصر، لجواز الاستعاذة بالله من أربع بعد التشهد، وليس ذلك تسبيحًا، ولا تكبيرًا، ولا قراءة قرآن، ومثله التأمين في الصلاة.\nالوجه الثاني:\nقوله: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) أي تكليم الناس، فهو اسم مصدر كَلَّمَ لَا تَكَلَّمَ ويدل على ذلك السبب المذكور في الحديث، فلا يمكن فصل الحديث عن سببه، حيث قال معاوية بن الحكم: بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فالمنهي عنه هو قصد الآدمي بالخطاب فهذا الذي لا يجوز، يدل عليه أن تشميت العاطس هو دعاء له بالرحمة، والدعاء بالرحمة مما ورد في القرآن.\nفقوله: (يرحمك الله) اشتملت على مأذون ومحظور، فالمأذون الدعاء، والمحظور قصد المخاطب بالكلام، وهو محرم إجماعًا.\nالوجه الثالث:\nأن الدعاء في حوائج الدنيا مما ورد في القرآن، فلو سأل الطعام، لوافق قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، ولو دعا بصلاح زوجه، لوافق قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ولو دعا بالولد لوافق قوله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨]، ولو دعا بالأموال وبسط الدنيا لوافق قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فكذلك القياس على هذه الأدعية من حوائج الدنيا ينبغي أن يكون جائزًا، غير مبطل للصلاة (^١).\n• دليل من قال: يجوز الدعاء مطلقًا في الصلاة بكل حاجة مباحة:\nالدليل الأول:\nمطلق قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ [الأعراف: ٥٥].\n_________\n(^١). انظر التعليقة الكبرى للقاضي أبي الطيب الطبري لم يطبع بعد (ص: ٤٩١).","vol":"4","page":588},{"text":"فمن قيد ذلك بدعاء الآخرة دون الدنيا فقد قيد ما أطلقه الله، وحجر واسعًا.\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠٠٧) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (^١).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (فاجتهدوا في الدعاء) فـ (أل) في الدعاء للعموم، في كل دعاء مباح.\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثني شقيق،\nعن عبد الله، قال: كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ... وذكر التشهد وفيه: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو. هذا لفظ البخاري وأحال مسلم في لفظه على رواية سابقة (^٢).\n• الراجح:\nأن دعاء الله بكل حاجة من حوائج الدنيا والآخرة مطلوب في الصلاة، وسؤال\n_________\n(^١). صحيح مسلم (٢٠٧ - ٤٧٩)، وقد تكلم الإمام أحمد في إسناده، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في حكم الدعاء في الركوع.\n(^٢). صحيح البخاري (٨٣٥)، وصحيح مسلم (٥٨ - ٤٠٢).","vol":"4","page":589},{"text":"الله عبادة للسائل، وإيمان بالمسؤول، إيمان بوجوده، وقدرته، وسمعه، وبصره، وغناه، وكرمه، وقوته، وإن العبد فيه افتقار إلى الله باللجوء إليه في جميع حاجاته بتحقيق المرغوب، والأمن من المرهوب، مع ما في ذلك من لذة مناجاة المحبوب.\nقال ابن رشد في البيان والتحصيل: «لأنه لا يدعو ويجتهد في الدعاء إلا بإيمان صحيح ونية خالصة» (^١).\nوقال ابن وهب، عن مالك: لا بأس أن يدعو الله في الصلاة على الظالم (^٢).\n\n* * *\n_________\n(^١). البيان والتحصيل (١٨/ ٣٨٢).\n(^٢). الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٦٥٢).","vol":"4","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>الباب السادس عشر التسليم في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>الفصل الأول حكم التسليم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يصح في الاقتصار على تسليمة واحدة حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ -.\n• الاقتصار على تسليمة واحدة، صح عن عائشة، وابن عمر، وأنس ﵃.\n• توافقهم على الاقتصار على تسليمة واحدة دليل على جواز التسليمة الواحدة؛ لأني لا أظن بهم أنهم أخذوا المسألة من قبيل الرأي المحض في أمر عظيم كالصلاة، فالظن بهم أنهم علموا هذا الحكم من النبي - ﷺ -، مشافهة أو إقرارًا، وهو يدل على جواز التسليمة الواحدة واستحباب التسليمتين.\n• اقتصار بعض الصحابة على تسليمة واحدة يدل على أن (أل) في قوله - ﷺ - (وتحليلها التسليم للجنس)، وليست للعهد.\nقوله - ﷺ -: (تحليلها التسليم) يفيد الحصر وأنه لا تحليل لها غيره.\nقال ابن عبد البر: الأعم والأكثر بالمدينة التسليمة الواحدة، والأكثر والأشهر بالعراق التسليمتان.\n[م-٦٨٠] اختلف العلماء في حكم التسليم:\nفقيل: يجب لفظ التسليم في الأولى والثانية، ولو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو، والخروج بلفظ السلام ليس بفرض، وهذا مذهب الحنفية (^١).\n_________\n(^١). جاء في المحيط البرهاني في الفقه النعماني (١/ ٤٠٠): «وإذا قهقه الإمام بعدما قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فصلاته تامة، وإن لم يكُ بلفظ السلام؛ لأن الخروج بلفظ السلام ليس بفرض =","vol":"4","page":591},{"text":"قال ابن الهمام في فتح القدير: «ثم قيل: الثانية سنة، والأصح أنها واجبة كالأولى» (^١).\nوقال الكاساني في البدائع: «ومن المشايخ من أطلق اسم السنة عليها، وأنها لا تنافي الوجوب لما عرف» (^٢).\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى القول بصحة صلاة من أحدث قبل السلام، كأبي يوسف ومحمد بن الحسن والثوري، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، ومكحول، وغيرهم (^٣).\n_________\n= عندنا». قال في درر الحكام (١/ ٩٨): «والمراد بالتمام الصحة؛ إذ لا شك أنها ناقصة لتركه واجبًا منها».\nوقال ابن نجيم في البحر الرائق (١/ ٣٩٦): معنى قوله: (تمت صلاته) تمت فرائضها، ولهذا لم تفسد بفعل المنافي، وإلا فمعلوم أنها لم تتم بسائر ما ينسب إليها من الواجبات، لعدم خروجه بلفظ السلام، وهو واجب بالاتفاق ... ولا خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في أن من سبقه الحدث بعده يتوضأ ويسلم، وإنما الخلاف إذا لم يتوضأ حتى أتى بمنافٍ فعند أبي حنيفة بطلت صلاته لعدم الخروج بِصُنْعِه، وعندهما لا تبطل؛ لأنه ليس بفرض عندهما».\nوانظر: فتح القدير (١/ ٣٢١)، العناية شرح الهداية (١/ ٣٢١، ٣٢٢)، البحر الرائق (١/ ٣١٨، ٣٩٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٤٦٨)، بدائع الصنائع (١/ ١٩٤)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٥٤)، تبيين الحقائق (١/ ١٠٦).\n(^١). فتح القدير (١/ ٣٢٠).\n(^٢). بدائع الصنائع (١/ ١٩٤).\n(^٣). أما توثيق القول عن أبي يوسف ومحمد فقد سبق في الصفحة السابقة،\nوصح عن عطاء أنه قال: إذا تشهد ثم أحدث فقد صحت صلاته، رواه عبد الرزاق في المصنف (٣٦٧٤، ٣٦٧٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٨٧٠٩)، والطبري في تهذيب الآثار، الجزء المفقود (٤١٩، ٤٢١)، والطحاوي في معاني الآثار (١/ ٢٧٧).\nورواه عبد الرزاق في المصنف (٣٦٧٦) عن قتادة، عن ابن المسيب، ورواية قتادة عن ابن المسيب فيها كلام، لكن رواه عبد الرزاق (٣٦٧٩) عن ابن التيمي، عن أبيه، عن ابن المسيب والنخعي، وسنده صحيح.\nورواه عبد الرزاق (٣٦٧٧)، والطبري في تهذيب الآثار، في الجزء المفقود (٤٢٢، ٤٢٣) عن إبراهيم النخعي وحده بسند صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٤٨٠) عن مكحول بسند حسن.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٧٠٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٧)، =","vol":"4","page":592},{"text":"وقال أبو حنيفة خلافًا لصاحبيه: الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض، والخروج بلفظ السلام ليس بفرض (^١).\nوقيل: التسليمة الأولى ركن مطلقًا، والثانية ركن في الفرائض وأما النوافل والجنازة فيخرج منها بتسليمة واحدة، وهذا مذهب الحنابلة (^٢).\nوقيل: التسليمة الأولى ركن، والثانية سنة، وهو مذهب المالكية، والشافعية (^٣).\nجاء في مواهب الجليل نقلًا من: «كل من أثبت التسليمة الثانية فإنه يقول: إنها غير واجبة إلا أحمد بن حنبل والحسن بن صالح.\nقال في الطِّرَاز: لو أحدث المصلي بعد فراغه من التسليمة الأولى لم تفسد صلاته وفاقًا بين أرباب المذهب» (^٤).\nوقوله متعقب، فإن الحنفية يقولون في الأصح بوجوب التسليمة الثانية، وتقدم توثيق ذلك من كلامهم.\n_________\n= والطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤١٦، ٤١٧، ٤١٨) عن الحسن بسند صحيح.\nورواه الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤٢٥) بسند صحيح عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا عن الرجل يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر الصلاة؟ فقال: لا حتى يتشهد، أو يقعد قدر التشهد.\nورواه الطبري في تهذيب الآثار (٤٢٧) عن سفيان بسند صحيح.\nوانظر قول إسحاق بن راهوية في مسائل أحمد وإسحاق، رواية الكوسج (٢/ ٢٥٧) المسألة الأولى.\n(^١). المبسوط للسرخسي (١/ ١٢٥)، تبيين الحقائق (١/ ١٥١)، الجوهرة النيرة (١/ ٦٥).\n(^٢). قال القاضي في كتاب الروايتين والوجهين (١/ ١٣٠): «الجنازة والنوافل، فإن الرواية لا تختلف في ذلك أنه يخرج منها التسليمة واحدة».\nوقال ابن قدامة في المغني (١/ ٣٩٧): «أما صلاة الجنازة، والنافلة، وسجود التلاوة، فلا خلاف في أنه يخرج منها بتسليمة واحدة».\nوانظر: الإقناع (١/ ١٣٤)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١٧)، غاية المنتهى (١/ ١٨٢)، الهداية على مذهب أحمد (ص: ٨٧)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٩٤)، كشاف القناع (١/ ٣٨٨).\n(^٣). شرح التلقين (٢/ ٥٣٣)، مواهب الجليل (١/ ٥٣١)، المعونة (ص: ٢٢٥)، الجامع لمسائل المدونة (٢/ ٤١٤)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ١١١)، الأم (١/ ١٤٦)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٨)، المهذب للشيرازي (١/ ١٥٦)، المجموع (٣/ ٤٨١).\n(^٤). مواهب الجليل (١/ ٥٣١).","vol":"4","page":593},{"text":"وقيل: التسليمة الأولى واجبة، والثانية سنة، وهو قول في مذهب الحنابلة، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (^١).\nقال في المغني: «والواجب تسليمة واحدة، والثانية سنة ... وليس نص أحمد بصريح بوجوب التسليمتين، إنما قال: التسليمتان أصح عن رسول الله - ﷺ - وحديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه. ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية والاستحباب دون الإيجاب كما ذهب إلى ذلك غيره وقد دل عليه قوله في رواية مهنا: أعجب إليَّ التسليمتان» (^٢).\nفخلص لنا من الخلاف كالتالي:\nالخروج من الصلاة بلفظ السلام ركن من أركان الصلاة عند الجمهور، وقال الحنفية وأحمد في رواية رجحها ابن قدامة واجب.\nواختلفوا في التسليمة الثانية.\nفقيل: واجبة، وهو مذهب الحنفية.\nوقيل: ركن في الفريضة دون النوافل والجنازة، وهو مذهب الحنابلة.\nوقيل: سنة، وهو مذهب المالكية والشافعية وقول في مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة.\nوالخلاف في المسألة راجع إلى مسألتين:\nالأولى: قوله: (وتحليلها التسليم) التسليم أهو جزء من الصلاة، أم هو فعل منافٍ للصلاة، يخاطب به المصلي غيره بالسلام، فهو إطلاق من محظور: وهو المنع من الكلام. فإن قلنا: هو جزء من الصلاة تعين التسليم للخروج من الصلاة، وإن قلنا: إن التسليم إطلاق من محظور، وهو مخاطبة المصلين أو الملائكة بالسلام وقد كان الكلام ممنوعًا فتكلم المصلي بالسلام قاصدًا غيره؛ لكونه منافيًا للصلاة، ليخرج به من الصلاة، فإن ذلك يعني أن التسليم لا يتعين التسليم للخروج منها،\n_________\n(^١). المغني (١/ ٣٩٦)، شرح الزركشي على الخرقي (١/ ٥٩٤)، عمدة الحازم في الزوائد على مختصر أبي القاسم (ص: ٨١).\n(^٢). المغني لابن قدامة (١/ ٣٩٦، ٣٩٧).","vol":"4","page":594},{"text":"فكل قول أو فعل ينافي الصلاة يمكن أن يخرج به المصلي من الصلاة.\nالمسألة الثانية: الخلاف في (أل) في قولك: (وتحليلها التسليم) هل أل للعهد، أم هي للجنس، فإن قلنا: للعهد، كان لابد من التسليمتين، لأنه المعهود من صلاة النبي - ﷺ -، وإن قلنا: إن (أل) للجنس، كفى تسليمة واحدة، بل يكفي قولك: (السلام عليكم) ولو لم تقل ورحمة الله وبركاته؛ لأنه يصدق على ذلك لفظ التسليم، إذا عرفنا مرجع الخلاف نأتي إلى الأدلة.\n• دليل من قال: الخروج من الصلاة بلفظ السلام ليس بفرض:\nالدليل الأول:\n(ح-٢٠٠٩) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^١).\nوقد مر معنا في مسائل سابقة جواب المخالفين على الاستدلال بحديث المسيء صلاته، وأنهم يفترضون إما أن النبي - ﷺ - ربما علمه ما أساء فيه فقط، وهذا لا يظهر، لأنه علمه الوضوء، وبعض الأفعال لا يمكن افتراضها، كالقول بأنه أساء في تكبيرة الإحرام دون تكبيرات الانتقال، وهي كلها من جنس واحد.\nوإما أن بعض الواجبات لم تكن واجبة حين خاطب النبي - ﷺ - المسيء في صلاته، ثم وجبت بعد ذلك، أو أنه وكل أمر تعليمه إلى غيره، وهذا أبعدها.\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠١٠) روى الدارقطني في السنن ومن طريقه البيهقي من طريق شبابة\n_________\n(^١). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":595},{"text":"ابن سوار، عن أبي خيثمة، عن القاسم بن مخيمرة قال:\nأخذ علقمة بيدي قال: وأخذ عبد الله بن مسعود بيدي قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي فعلمني التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإذا شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد (^١).\n[قوله: (إذا شئت أن تقوم فقم ...) صحيح من قول ابن مسعود وروي مرفوعًا ولا يصح] (^٢).\nفهذا أثر صحيح عن ابن مسعود ﵁ يرى أنه إذا تشهد المصلي فإن شاء أن يقوم قام، وإن شاء أن يقعد قعد، ولم يشترط التسليم للخروج من الصلاة.\n• وأجيب:\nبأن قول ابن مسعود موقوف عليه، والحجة إنما هو المرفوع إلى النبي - ﷺ -.\nأو يحمل قوله: (فقد قضيت ما عليك)، القضاء هنا بمعنى الإتمام، ويراد به:\nإما أنه قارب التمام، كما قال النبي - ﷺ -: من وقف بعرفة فقد تم حجه وقضى تفثه.\nأو يراد به أنه قضى ما عليه، ولم يبق عليه إلا الانصراف من الصلاة بالتسليم.\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠١١) ما رواه الترمذي من طريق ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة، أخبراه،\nعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا أحدث، يعني الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد جازت صلاته (^٣).\n_________\n(^١). رواه الدارقطني في السنن (١٣٣٥)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٤٨).\n(^٢). سبق تخريجه، ولله الحمد، انظر: (ح ١٩٥٦).\n(^٣). سنن الترمذي (٤٠٨).","vol":"4","page":596},{"text":"[ضعيف وقد اضطرب فيه عبد الرحمن بن زياد] (^١).\n_________\n(^١). فيه أكثر من علة:\n\nالعلة الأولى: بكر بن سوادة لم يسمع من عبد الله بن عمرو، قاله النووي.\nالعلة الثانية: مداره على عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وقد تفرد به، وهو ضعيف.\nالعلة الثالثة: اضطرب فيه عبد الرحمن بن زياد اضطرابًا شديدًا،\nرواه الترمذي كما في أحاديث الباب (٤٠٨)، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة به.\nورواه أبو داود الطيالسي (٢٣٦٦)، ومن طريقه الطحاوي (١/ ٢٧٤).\nوالطبري في تهذيب الآثار (٤٠٥) حدثنا ابن حميد، ومحمد بن عيسى الدامغاني، ثلاثتهم عن ابن المبارك به، بلفظ: (إذا رفع رأسه من آخر السجود ثم أحدث، فقد مضت صلاته)، هذا لفظ الطيالسي. ولفظ الطبري (من رفع رأسه من السجود في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يسلم فقد جازت صلاته).\nقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده.\nورواه زهير بن معاوية كما في سنن أبي داود (٦١٧)، ومن طريقه الدارقطني في السنن (١٤٢٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٠)، عن عبد الرحمن بن زياد به، بلفظ: (إذا قضى الإمام الصلاة، وقعد، فأحدث قبل أن يتكلم: فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة).\nقال البيهقي (٢/ ٢٥١): لا يصح، وعبد الرحمن بن زياد ينفرد به، وهو مختلف عليه في لفظه، وعبد الرحمن لا يحتج به، كان يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان عنه؛ لضعفه، وجرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ ...».\nرواه عبد الرزاق في المصنف (٣٦٧٣)، ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٣/ ٥٣) ح ١٣٠، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة وعبد الرحمن بن رافع به، بلفظ: (إذا أحدث الإمام في آخر صلاته حين يستوي قاعدًا، فقد تمت صلاته، وصلاة من وراءه على مثل صلاته).\nورواه الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤٠٢)، والدارقطني في السنن (١٤٢٤) من طريق وكيع،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٩) من طريق أبي حذيفة، كلاهما عن سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة الجذامي وحده به، بلفظ: إذا أحدث الإمام بعدما يرفع رأسه من آخر السجدة، واستوى جالسًا تمت صلاته، وصلاة من خلفه ممن ائتم به ممن أدرك معه أول الصلاة). هذا لفظ وكيع.\nورواه الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤٠٣) من طريق أبي داود عمر بن سعد، عن =","vol":"4","page":597},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة وعبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو به، بلفظ: إذا رفع رأسه من الركعة الرابعة، وأحدث فقد تمت صلاته).\nفذكر في إسناده عبد الله بن يزيد بدلًا من عبد الرحمن بن رافع.\nورواه الدارقطني (١٤٢٢)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٥١) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، عن بكر بن سوادة، وعبد الرحمن بن رافع به. بلفظ: (إذا جلس الإمام في آخر ركعة ثم أحدث رجل من خلفه قبل أن يسلم الإمام فقد تمت صلاته). قال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٩، ٢٠٠) من طريق القعنبي: حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة به، بلفظ: (إذا رفع الرجل رأسه من السجود في آخر صلاته، ثم أحدث قبل أن يسلم: فقد جازت صلاته).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨٤٦٨) حدثنا أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع وحده به، بلفظ: (إذا جلس الإمام ثم أحدث فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أدرك معه الصلاة على مثل ذلك).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٤) من طريق معاذ بن الحكم، فقال: فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني عن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعًا؟ فقال: كليهما حدثني به عن عبد الله بن عمرو به، بلفظ: (إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته، وقضى تشهده، ثم أحدث، فقد تمت صلاته، فلا يعود لها).\nوأخرجه الطوسي في مختصر الأحكام (٣٩٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٧٤) من طريق عبد الله بن يزيد القصير، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وبكر بن سوادة الجذامي به، بلفظ: (إذا قضى الإمام الصلاة، فقعد، فأحدث هو، أو أحد ممن أتم الصلاة معه، قبل أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها.\nورواه البزار في مسنده (٢٤٥١) من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الأفريقي عبد الرحمن بن زياد، عن بكر بن سوادة، وعبد الرحمن بن رافع به، بلفظ: (إذا قضى الإمام صلاته ثم أحدث قبل أن يسلم: فقد تمت صلاته).\nورواه الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (٤٠٤) من طريق يعلى (هو ابن عبيد الطنافسي)، حدثنا الأفْرِيقِي، عَن عبد الله بن يزِيد وحده به، بلفظ: إذا جلس الإمام في آخر صلاته، ثمَّ أحدث فقد تمت صلاته، وصلاة من خلفه.\nفهذا الاضطراب في إسناده، وفي لفظه يشهد على ضعف الأفريقي، فلا يقبل تفرده به ولو حفظه، فكيف وهو يضطرب به مثل هذا الاضطراب،\nقال النووي في الخلاصة (١٤٧٤): «واتفق الحفاظ على ضعفه؛ لأنه مضطرب ومنقطع، ومن رواية عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، وهو: ضعيف بالاتفاق». والله أعلم.","vol":"4","page":598},{"text":"الدليل الرابع:\nأن السلام يقصد به المصلي مخاطبة من بجواره من المصلين، فهو ارتكاب ما ينافي الصلاة للخروج منها، فهو إطلاق من محظور، فلفظ السلام ليس فرضًا للخروج منها.\n(ح-٢٠١٢) فقد روى مسلم من طريق مسعر، حدثني عبيد الله بن القبطية،\nعن جابر بن سمرة، قال رسول الله - ﷺ -: ... إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله (^١).\nفقوله: (ثم يسلم على أخيه) إشارة إلى أن المصلي خرج من الصلاة بتكليم أخيه، فأي كلام تكلم به المصلي حصل المقصود، لأن الغرض هو إعلان الخروج من الحال التي كان يحرم فيها الكلام إلى ضدها، فأي فعل أو قول منافٍ للصلاة من صنع المصلي فإنه يخرج به المصلي من الصلاة، بل ذهب جماعة من السلف بأنه يخرج من الصلاة إذا جلس مقدار التشهد عند من لا يرى وجوب التشهد، وبعضهم يقول: إذا تشهد.\n• دليل من قال: التسليمة الأولى فرض:\nالدليل الأول:\n(ح-٢٠١٣) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،\nعن علي، عن النبي - ﷺ -: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم (^٢).\n[حسن] (^٣).\nوجه الاستدلال:\nقوله: (تحليلها التسليم) يفيد الحصر وأنه لا تحليل لها غيره، لأنه حصر\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢٠ - ٤٣١).\n(^٢). سنن الترمذي (٣).\n(^٣). سبق تخريجه في موسوعة أحكام الطهارة، الطبعة الثالثة، (٨/ ٤٦١) ح ١٧٨١.","vol":"4","page":599},{"text":"المبتدأ في الخبر وهما معرفتان، ولأن كلمة (تحليل) مضافة إلى معرفة، فتعم، فكأنه قال: جميع تحليل الصلاة هو التسليم، وإذا كان التسليم هو ما يتحلل به لم يكن لها تحليل غيره.\nقال القرطبي: «وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما، كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسمًا من أسماء الله ﷿، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه، وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه. وحسبك به» (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠١٤) ما رواه مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير. والقراءة، بـ الحمد لله رب العالمين .... وكان يختم الصلاة بالتسليم (^٢).\nوجه الاستدلال:\nقوله (يختم الصلاة بالتسليم) فـ (أل) بالتسليم للعهد، وليست للجنس، وقد سبق لك التفريق بينهما.\n• دليل من قال: التسليمتان فرض:\nالدليل الأول:\n(ح-٢٠١٥) ما رواه مسلم من طريق مسعر، حدثني عبيد الله بن القبطية،\nعن جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام\n_________\n(^١). تفسير القرطبي (١/ ١٧٥).\n(^٢). صحيح مسلم (٢٤٠ - ٤٩٨).","vol":"4","page":600},{"text":"عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله - ﷺ -: علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله (^١).\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠١٦) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن هند بنت الحارث،\nعن أم سلمة ﵂، قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم.\nوجه الاستدلال:\nقوله: (حين يقضي تسليمه) قال ابن رجب، فإن هذا الكلام مشعر بأنه كان يسلم تسليمتين، فإذا قضاهما قام النساء، فإنه لا يقال: (قضى) بمعنى الفراغ منه إلا فيما له أجزاء متعددة تنقضي شيئًا فشيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللّهَ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوقول النبي - ﷺ - في الشيطان، وهربه من الأذان والتثويب به: (فإذا قضي الأذان -وإذا قضي التثويب- أقبل).\nولا يكاد يقال لمن سَلَّم على قوم مرَّة: قضى سلامه، بمعنى: فرغ، ولا لمن كبر للإحرام قضى تكبيره، ولا لمن عطس فحمد الله: قضى حمده» (^٢).\nوقد يقال: هذا فعل، وهو يدل على مشروعية التسليمة الثانية، ولا يدل على وجوبها فضلًا عن ركنيتها.\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠١٧) ما رواه مسلم من طريق عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد،\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١٢٠ - ٤٣١).\n(^٢). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٦٢، ٣٦٣).","vol":"4","page":601},{"text":"عن أبيه، قال: كنت أرى رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه، وعن يساره، حتى أرى بياض خده (^١).\nوفي الباب حديث ابن مسعود ﵁، وهو حديث صحيح (^٢).\n• دليل من قال: التسليمة الأولى واجبة:\nاستدل صاحب هذا القول بأن النبي - ﷺ - قد واظب على التسليمتين، ولم يصح حديث واحد بأن النبي - ﷺ - اقتصر على تسليمة واحدة،\nكما استدل كذلك بأدلة القول السابق، إلا أنه رأى دلالتها على الوجوب أظهر من دلالتها على الركنية؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليلين:\nإما الإجماع على ركنيتها كالإجماع على ركنية تكبيرة الإحرام.\nوإما أن يوجد في الأدلة ما يدل على انعدام الصلاة بانعدام التسليم، كما وجد ما يدل على انعدام الصلاة بانعدام الطمأنينة كما في حديث المسيء صلاته، حيث قال له النبي - ﷺ - (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).\nولا يوجد في التسليم أحد هذين الأمرين، فلا إجماع على ركنية التسليم، ولا يوجد في الأدلة ما يدل على بطلان الصلاة بترك التسليم، فكان القول بالوجوب وسطًا بين القول بالركنية، وبين القول بالسنية، والله أعلم.\n• دليل من قال: التسليمة الثانية سنة:\nالدليل الأول:\n(ح-٢٠١٨) ما رواه مسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي معمر،\nعن عبد الله، - قال شعبة: رفعه مرة - أن أميرًا أو رجلًا سلم تسليمتين، فقال عبد الله: أنى علقها؟ (^٣).\n_________\n(^١). صحيح مسلم (١١٩ - ٥٨٢).\n(^٢). انظر تخريجه في مسألة حكم قول (ورحمة الله) في لفظ التسليم بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى.\n(^٣). صحيح مسلم (١١٨ - ٥٨١).","vol":"4","page":602},{"text":"رواه مسلم مرفوعًا وموقوفًا.\nوجه الاستدلال:\nهذا الحديث دليل على أن التسليمة الثانية ليست بفرض؛ إذ لو كانت فرضًا لم يتعجب منه ابن مسعود؛ لأن الفرائض يتساوى الناس في فعلها.\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠١٩) ما رواه إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام،\nعن عائشة، نحو حديث معمر وزاد قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس، فيذكر الله، ويدعو ثم يسلم تسليمة يسمعنا ... الحديث (^١).\n[المحفوظ: ثم يسلم تسليمًا يسمعنا] (^٢).\n_________\n(^١). مسند إسحاق بن راهويه (١٣١٧).\n(^٢). الحديث رواه قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة،\nرواه هشام الدستوائي، عن قتادة وذكر فيه: (يسلم تسليمة يسمعنا)، رواه عن هشام ابنه معاذ، وعبد الصمد بن عبد الوارث ..\n\nفأما رواية معاذ بن هشام، فرواها إسحاق بن راهويه في المسند (١٣١٧)، عن معاذ بن هشام، عن أبيه به، ومن طريق إسحاق أخرجه الدارمي في السنن (١٥١٦)، والنسائي في المجتبى (١٧١٩)، وفي الكبرى (١٤١٣)، وابن نصر المروزي في قيام الليل كما في المختصر (ص: ١٩٥)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٨)،، كما رواه أيضًا مختصرًا (٢٥٥٢)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٤٤).\nورواه ابن حبان في صحيحه (٢٤٤٢) أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثنا إسحاق بن راهويه به، وقال: يسلم تسليمًا يسمعنا (٢٤٤٢)، وأظن أن هذا اللفظ خطأ.\nورواه مسلم (٧٤٦) حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام به، قال: أنه طلق امرأته، ثم انطلق إلى المدينة ليبيع عقاره، فذكر نحوه، أي نحو رواية ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ولم يَسُق مسلم رواية هشام، ورواية ابن أبي عدي، قال: (يسلم تسليمًا يسمعنا).\nوأما رواية عبد الصمد بن عبد الوارث، عن هشام فرواها ابن خزيمة في صحيحه (١٠٧٩)، قال ابن خزيمة: وقال عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة في هذا الخبر: ثم يسلم تسليمةً =","vol":"4","page":603},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يسمعنا. ثم ساق الحديث ابن خزيمة مقرونًا بغيره (١٠٧٩).\nورواه أبو داود الطيالسي (١٥٨٦) عن هشام مختصرًا ليس فيه جملة البحث.\nورواه أزهر بن القاسم عن هشام مختصرًا كما في مسند أحمد (٦/ ٢٥٥) وليس فيه جملة البحث.\nورواه عمرو بن أبي رزين كما في مشكل الآثار للطحاوي (١٤٣٨) عن هشام ببعضه، ليس فيه جملة البحث. هذه رواية هشام الدستوائي.\nتابع هشامًا في هذا اللفظ سعيد بن أبي عروبة، إلا أنه قد اختلف على سعيد:\nفرواه ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، واختلف على ابن أبي عدي:\nفرواه ابن خزيمة عن بندار محمد بن بشار عن ابن أبي عدي، عن سعيد به، فقال: مرة: (ويسلم تسليمة يسمعنا) كما في صحيح ابن خزيمة (١٠٧٨)\nورواه البيهقي في معرفة السنن (٤/ ٦٨) من طريق أحمد بن سلمة، قال: حدثنا محمد بن بشار العبدي، قال: حدثنا ابن أبي عدي به، في ذكر وتر رسول الله - ﷺ - وفيه: (... ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ...).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣) من طريق أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن بشار به، مقرونًا برواية يحيى بن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة، وفيه: (ويسلم تسليمًا يسمعنا ..)، ولولا رواية البيهقي في معرفة السنن لقلت إن البيهقي قدم لفظ يحيى بن سعيد القطان، عن ابن أبي عروبة، لكنه في المعرفة ساق رواية ابن أبي عدي وحده، فتبين أن محمد بن بشار قد اختلف عليه في لفظه: فرواه مرة (ثم يسلم تسليمة ...) وقال في أخرى: (ثم يسلم تسليمًا) وهي الموافقة لرواية الجماعة، والله أعلم.\nوخالف محمد بن بشار في إحدى روايتيه من هو أوثق منه، فرواه محمد بن المثنى كما في صحيح مسلم (١٣٩ - ٧٤٦)، ومن طريق مسلم أخرجه البغوي في شرح السنة (٩٦٣)، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد (هو ابن أبي عروبة) به، بتمامه، وفيه: (... ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ....).\nلكن خالف مسلمًا محمد بن نصر في قيام الليل كما في المختصر (ص: ١٢٢) فرواه عن محمد بن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي به، تامًّا، وفيه: (... ثم يسلم تسليمة يسمعنا ...).\nفواضح أن ابن أبي عدي رواه عنه اثنان: محمد بن المثنى، وبندار، وكلاهما رواه على الوجهين، فإن رجحنا رواية محمد بن المثنى التي عند مسلم، وإلا كان هذا اضطرابًا من ابن أبي عدي، أو من الرواة عنه.\nوقد توبع ابن أبي عدي من رواية محمد بن المثنى عنه في قوله: (يسلم تسليمًا يسمعنا).\nتابعه في ابن أبي عروبة كل من:\nالأول: يحيى بن سعيد القطان، عن ابن أبي عروبة، وفيه (يسلم تسليمًا يسمعنا) كما في مسند أحمد (٦/ ٥٣)، وسنن أبي داود مختصرًا ليس فيه جملة البحث (١٣٤٣)، والمجتبى =","vol":"4","page":604},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= من سنن النسائي (١٦٠١، ١٣١٥)، وفي الكبرى (١٢٣٩، ١٢٩٦)، وصحيح ابن خزيمة (١٠٧٨)، وصحيح ابن حبان مختصرًا وليس فيه جملة البحث (٢٤٤١)، والحاكم في المستدرك مختصرًا وليس فيه جملة البحث (٤٢٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم مقرونًا برواية محمد بن بشر، واللفظ له (١٦٩٠).\nقال عبد الله بن أحمد كما في العلل (٢/ ٣٣٨): «حدثني أبي -يعني الإمام أحمد - قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: يحيى بن سعيد عالم بحديث سعيد بن أبي عروبة».اهـ.\nالثاني: عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، كما في المجتبى من سنن النسائي (١٧٢٠)، وابن خزيمة (١٠٧٨).\nالثالث: محمد بن بشر، كما في سنن أبي داود (١٣٤٤)، وسنن ابن ماجه (١١٩١)، مستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (١٦٩٠).\nقال أبو داود: قال: يسلم تسليمًا يسمعنا، كما قال يحيى بن سعيد.\nالرابع: خالد بن الحارث، كما في السنن الكبرى للنسائي (٤٢٤، ١٤١٨).\nكما تابع ابن أبي عروبة من رواية يحيى بن سعيد، ومحمد بن بشر، وعبدة وخالد، عنه، تابعه معمر، عن قتادة.\nرواه عبد الرزاق في المصنف تامًّا (٤٧١٤)، وعنه إسحاق بن راهويه (١٣١٦)، والإمام أحمد (٦/ ١٦٨)، والنسائي في المجتبى (١٧٢١)، وفي الكبرى (٤٤٨)، وابن نصر في قيام الليل كما في المختصر (ص: ١١٠)، وابن المنذر في الأوسط (٥/ ١٧٦)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٦٩١).\nكما رواه همام بن يحيى، عن قتادة، بلفظ:: (ثم يسلم حتى يسمعني التسليم).\nرواه ابن المنذر في الأوسط (٥/ ٢٠٢) من طريق عفان، قال: حدثنا همام به، وفيه (... ثم يسلم حتى يسمعني التسليم).\nوقد رواه أحمد عن عفان مختصرًا وليس فيه جملة ا لبحث (٦/ ٩٤، ٩٥)،\nكما رواه أبو داود (١٣٤٢) حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام بذكر وتر رسول الله - ﷺ - ولم يذكر جملة البحث.\nورواه البيهقي في شعب الإيمان مختصرًا (١٣٥٩) من طريق عمرو بن عاصم، وأبو عمر (حفص بن عمر الحوضي)، عن همام به.\nوأبو نعيم في معرفة الصحابة مختصرًا (٥١٧٣) من طريق هدبة وحفص بن عمر قالا: حدثنا همام به.\nوقد أبانت رواية همام من طريق عفان بن مسلم عند ابن المنذر، وهو من أثبت أصحاب همام، أنها أرادت أن تبين أن النبي - ﷺ - كان يرفع صوته بالتسليم كي يوقظها، ولم ترد بيان عدد التسليمات. والله أعلم. =","vol":"4","page":605},{"text":"• وأجيب:\nقال ابن القيم في الهدي: «أجود ما فيه -يعني في التسليمة الواحدة- حديث عائشة ﵂ ... وهو حديث معلول، وهو في السنن، لكنه كان في قيام الليل، والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل، على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلم تسليمة واحدة يوقظهم بها، ولم تَنْفِ الأخرى، بل سكتت عنها، وليس سكوتها عنها مقدمًا على رواية من حفظها وضبطها، وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصح» (^١).\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠٢٠) ما رواه ابن الأعرابي في معجمه من طريق يزيد بن عبد ربه الجرجسي، عن بقية بن الوليد، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن سالم،\nعن أبيه ابن عمر، أن النبي - ﷺ -: سلم تسليمة (^٢).\n[لم يروه عن الزبيدي إلا بقية، وقد اختلف عليه، وضعفه الأئمة] (^٣).\nالدليل الرابع:\n(ح-٢٠٢١) ما رواه الترمذي في سننه من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن\n_________\n= وقد سبق لي تخريج الحديث وجمع طرقه عند الكلام على حكم الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول، فإن أحببت تتبع طرقه، فارجع إليه بوركت.\n(^١). زاد المعاد (١/ ٢٥١).\n(^٢). معجم ابن الأعرابي (١٨١٧).\n(^٣). خالفه حيوة بن شريح كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٢٦٨)، والطبراني في الأوسط (٣٥٦٩)، وفي مسند الشاميين (١٧٦٦)، قال: حدثنا بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يسلم في الصلاة تسليمتين، عن يمينه وعن شماله.\nوقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا الزبيدي».\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٢/ ٤٦٣) ح ٥١٨: «هذا حديث منكر».\nقال أبو داود في مسائله (٢٠٠٥): «ذكرت لأحمد حديث بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان يسلم تسليمتين؟ قال: يقول فيه: «حدثنا» يعني بقية؟ قلت: لا ينكرون أن يكون سمعه. قال: هذا أبطل باطل»","vol":"4","page":606},{"text":"زهير بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\nعن عائشة، «أن رسول الله - ﷺ - كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئًا (^١).\n[ضعيف] (^٢).\n_________\n(^١). سنن الترمذي (٢٩٦). وورد العاشر (٧٣٨).\n(^٢). الحديث مداره على زهير بن محمد المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،\nرواه عمرو بن أبي سلمة كما في سنن الترمذي (٢٩٦)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٧٠)، ومستخرج الطوسي (٢٧٩)،، ومسند البزار (٥٥)، وصحيح ابن خزيمة (٧٢٩)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٥)، وحديث أبي العباس السراج (١٩٠٥)، وسنن الدارقطني (١٣٥٢)، ومستدرك الحاكم (٨٤١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٢٥٤)، ومعجم ابن المقرئ (١٠٣٢)، والأوسط لابن المنذر (٣/ ٢٢٠).\nوعبد الملك بن محمد الصنعاني (صنعاء دمشق) كما في سنن ابن ماجه (٩١٩)، والأوسط للطبراني (٦٧٤٦)، كلاهما عن زهير بن محمد به.\nوقد أعل الحديث بأكثر من علة:\nالعلة الأولى: تفرد برفعه زهير بن محمد، عن هشام بن عروة،\nقال ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١٨٩): «وأما حديث عائشة: فانفرد به زهير بن محمد، لم يروه مرفوعًا غيره، وهو ضعيف، لا يحتج بما ينفرد به». اهـ\nوقد رواه ابن خزيمة (٧٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٢٢)، من طريق وهيب.\nورواه ابن خزيمة (٧٣٢) من طريق يحيى بن سعيد،\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٢٥٥) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، ثلاثتهم عن عبيد الله ابن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلم تسليمة واحدة قبالة وجهها السلام عليكم، هذا لفظ وهيب، ولفظ يحيى رأيت عائشة تسلم واحدة.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٣) قال: بلغني عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله به.\nقال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٢٠٣): «حديث زهير في التسليمة لا يصح مرفوعًا، وزهير ضعفه ابن معين وغيره في التسليمة».\nوممن أعله بالوقف أبو حاتم، والطحاوي، والدارقطني والبزار.\n\nقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (٤١٤): «هذا حديث منكر؛ هو عن عائشة موقوف».\nوقال الطحاوي (١/ ٢٧٠): «هذا حديث أصله موقوف على عائشة ﵂، هكذا رواه الحفاظ، وزهير بن محمد وإن كان رجلًا ثقة؛ فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعَّف جدًّا، هكذا قال يحيى بن معين ...». =","vol":"4","page":607},{"text":"الدليل الخامس:\n(ح-٢٠٢٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عتاب بن زياد، حدثنا أبو حمزة يعني السكري، عن إبراهيم يعني الصائغ، عن نافع،\nعن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها (^١).\n_________\n= وقال الدارقطني كما نقل ذلك ابن رجب في فتح الباري (٧/ ٣٦٩): «الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وهم».\nوقال البزار: كما في المسند (١٨/ ١١٣): «وهذا الحديث رواه غير واحد موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا عمرو بن أبي سلمة عن زهير».\nالعلة الثانية: أن هذا الحديث هو من رواية أهل الشام، عن زهير بن محمد، وروايتهم عنه منكرة، جاء في سنن الترمذي (٢/ ٩١): قال محمد بن إسماعيل (يعني البخاري): زهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق أشبه. قال محمد: وقال أحمد بن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي كان وقع عندهم ليس هو هذا الذي يروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر، قلبوا اسمه».\nوعمرو بن أبي سلمة، وعبد الملك كلاهما شاميان.\nالعلة الثالثة: أن عمرو بن أبي سلمة متكلم في روايته عن زهير، وقال أحمد كما في التهذيب عن عمرو بن أبي سلمة: «روى عن زهير أحاديث بواطيل؛ كأنه سمعها من صدقة بن عبد الله، فغلط، فقلبها عن زهير»\nفإن قيل: لم ينفرد به، تابعه عبد الملك، قيل لا تنفعه، فإن عبد الملك بن محمد الصنعاني شامي، وقد علمت أن رواية أهل الشام عن زهير متكلم فيها، وهو في نفسه ضعيف، قال فيه ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٣٦): «كان ممن يجيب في كل ما يُسأل حتى تفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يجوز الاحتجاج بروايته».\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. اهـ\nقال ابن رجب في الفتح (٧/ ٣٦٧، ٣٦٨): «خرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وأخطأ فيما قال؛ فإن روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم، قال أحمد -في رواية الأثرم- أحاديث التنيسي عن زهيرٍ بواطيل، قال: وأظنه قال: موضوعة، قال: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة، فقال: مثلُ هذا».\n(^١). اختلف فيه على أبي حمزة السكري (محمد بن ميمون المروزي)،\nفرواه عنه عتاب بن زيد كما في مسند أحمد (٢/ ٧٦)، والمعجم الأوسط للطبراني (٧٥٣)، وصحيح ابن حبان (٢٤٣٥).\nتابع عتابًا همام بن مسلم عند ابن الأعرابي في المعجم (١٦٧٤)، وهمام متروك. =","vol":"4","page":608},{"text":"الدليل السادس:\n(ح-٢٠٢٣) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه،\nعن جده، أن رسول الله - ﷺ - سلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه (^١).\n[ضعيف جدًّا] (^٢).\nوفي الباب أحاديث ضعيفة تركتها اقتصارًا، واختصارًا.\nقال ابن رجب: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يسلم تسليمة واحدة من وجوه لا يصح منها شيء، قاله ابن المديني، والأثرم، والعقيلي، وقال الإمام أحمد: لا نعرف عن النبي - ﷺ - في التسليمة الواحدة إلا حديثًا مرسلًا لابن شهاب الزهري، عن النبي - ﷺ -. اهـ\nقال ابن رجب: ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل، وأضعفها» (^٣).\n_________\n= خالفهما علي بن الحسن بن شقيق كما في صحيح ابن حبان (٢٤٣٣)، قال: أخبرني أبو حمزة السكري به، أن رسول الله - ﷺ - كان يفصل بين الشفع والوتر.\nوعلي بن الحسن بن شقيق مقدم على عتاب في أبي حمزة،\nقال أبو داود في سؤالاته للإمام أحمد (٥٦١): سمعت أحمد قال: من سمع من أبي حمزة السكري وهو مروزي قبل أن يذهب بصره فهو صالح، سمع منه علي بن الحسن قبل أن يذهب بصره، وسمع عتاب بن زياد منه بعدما ذهب بصره». اهـ\nوفي شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧٥٤): «قال أحمد في رواية ابن هانئ: كان قد ذهب بصره، كان ابن شقيق قد كتب عنه، وهو بصير، قال: وابن شقيق أصح حديثًا ممن كتب عنه من غيره». اهـ\n\n(^١). سنن ابن ماجه (٩١٨).\n(^٢). ومن طريق عباس بن سهل أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ١٢٢) ح ٥٧٠٣، والدارقطني في السنن (١٣٥٤، ١٣٥٥)، والروياني في مسنده (١٠٩٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ٢٦٩، ٢٧٠)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١١٤).\nتفرد به عبد المهيمن بن عباس، قال البخاري: منكر الحديث، وهذا جرح شديد عنده.\nوقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن معين: ضعيف.\n\nوقد تفرد عن آبائه بأحاديث مناكير.\n(^٣). فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٦٧).","vol":"4","page":609},{"text":"وقال العقيلي في الضعفاء: «.... لا يصح في التسليمة شيء» (^١).\nوقال النووي «وليس في الاقتصار على تسليمة واحدة: شيء ثابت» (^٢).\nالدليل السابع: من الآثار.\n(ث-٤٨١) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن ابن جريج قال:\nأخبرني نافع، وسألته: كيف كان ابن عمر يسلم إذا كان إمامكم؟ قال: «عن يمينه واحدة السلام عليكم (^٣).\n[صحيح] (^٤).\n(ث-٤٨٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، قال: كان أنس، يسلم واحدة (^٥).\n[حسن موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (^٦).\n_________\n(^١). الضعفاء الكبير (١/ ١٧٧).\n(^٢). الخلاصة (١٤٦٣).\n(^٣). المصنف (٣١٤٢).\n(^٤). ورواه عبد الرزاق في المصنف (٣١٤٧)، قال: عن ابن جريج قال: أخبرني نافع قال: كان ابن عمر إذا كان في الناس رد على الإمام، ثم سلم عن يمينه، ولا يسلم عن يساره، إلا أن يسلم عليه إنسان فيرد عليه. وهذا إسناد صحيح.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٦) حدثنا وكيع، عن مالك بن دينار، عن نافع به بنحوه.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧١)، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن خالد، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر، أنه كان يسلم تسليمة. وهذا إسناد صحيح أيضًا.\n(^٥). المصنف (٣٠٦٥).\n(^٦). تابعه على وقفه عبد الله بن بكر عند ابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٢٢)،\n\nخالفهما: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، كما في المعجم الأوسط للطبراني (٨٤٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٥٥) وفي معرفة السنن (٣/ ٩٧)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٢٠٩٥)، فرواه عن حميد به مرفوعًا.\nقال ابن رجب في الفتح (٧/ ٣٧٠): «رفعه خطأ، إنما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عن أنس من فعله».\nكما رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٢) من طريق جرير بن حازم، عن أيوب، عن أنس؛ =","vol":"4","page":610},{"text":"(ث-٤٨٣) وصح عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلم تسليمة واحدة (^١).\nفهؤلاء ثلاثة من الصحابة ﵃ صح عنهم الاكتفاء بتسليمة واحدة، ولا شك أن هؤلاء الصحابة كانوا من طول الملازمة للنبي - ﷺ -، والمعرفة بسنته، والحرص على اتباعها، ومن أهل الفتوى والفقه مما يجعل توافقهم على جواز التسليمة الواحدة في منزلة المرفوع، لأني لا أظن بهم أنهم أخذوا المسألة من قبيل الرأي المحض في أمر عظيم كالصلاة، فالظن بهم أنهم علموا هذا الحكم من النبي - ﷺ -، وهو يدل على جواز الاكتفاء بتسليمة واحدة، واستحباب التسليمتين.\nوقد احتج المالكية بعمل أهل المدينة، قال مالك: ما أدركنا الأئمة إلا على تسليمة (^٢).\nوالخلاف في الاحتجاج بعمل أهل المدينة مشهور بين أهل الأصول.\nقال ابن عبد البر: «والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارًا، وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضًا، وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان، ولذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام\n_________\n= أن النبي - ﷺ - سلَّم تسليمةً.\nقال ابن رجب في فتح الباري (٧/ ٣٧٠): «أيوب رأى أنسًا، ولم يسمع منه، قاله أبو حاتم.\nوقال الأثر: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب».\n(^١). رواه ابن خزيمة (٧٣٠)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ٢٢٢)، من طريق وهيب.\nورواه ابن خزيمة (٧٣٢) من طريق يحيى بن سعيد،\nوالبيهقي في السنن (٢/ ٢٥٥) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، ثلاثتهم عن عبيد الله ابن عمر، عن القاسم، عن عائشة ﵂ أنها كانت تسلم تسليمة واحدة قبالة وجهها السلام عليكم، هذا لفظ وهيب، ولفظ يحيى رأيت عائشة تسلم واحدة.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٧٣) قال: بلغني عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله به.\n(^٢). الذخيرة للقرافي (٢/ ٢٠٠).","vol":"4","page":611},{"text":"ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة، ولا إنكار التسليمتين، بل ذلك عندهم معروف، وإن كان اختيار بعضهم فيه التسليمة الواحدة وبعضهم التسليمتين على حسب ما غلب على البلد من عمل أهله، إلا أن الأعم والأكثر بالمدينة التسليمة الواحدة، والأكثر والأشهر بالعراق التسليمتان: السلام عليكم ورحمة الله على اليمين، السلام عليكم ورحمة الله على اليسار» (^١).\nوقال في التمهيد:: «والقول عندي في التسليمة الواحدة وفي التسليمتين: أن ذلك كله صحيح بنقل من لا يجوز عليهم السهو ولا الغلط في مثل ذلك، معمولٌ به عملًا مستفيضًا بالحجاز التسليمة الواحدة، وبالعراق التسليمتان، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لتواتر النقل كافة عن كافة في ذلك، ومثله لا ينسى ولا مدخل فيه للوهم؛ لأنه مما يتكرر به العمل في كل يوم مرات، فصح أن ذلك من المباح والسعة والتخيير، كالأذان، وكالوضوء ثلاثًا واثنين وواحدة ....» (^٢).\nالدليل الثامن:\nقال ابن المنذر في الإجماع: «وأجمعوا على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة» (^٣).\nولابد من معرفة ماذا يقصد ابن المنذر بالإجماع، أيريد الأكثر، أم يريد الصدر الأول، ولا يعتبر بخلاف المتأخر، أم يريد الإجماع بمصطلح أهل الأصول، فالأخير لا يتحقق في كثير من الإجماعات التي ينقلها، ومنها هذه المسألة، فإن الحنفية يرون في الأصح أنها واجبة، ويرى الحنابلة التسليمة الثانية ركنًا، وإن أنكر ابن قدامة صحة هذا القول عن الإمام أحمد، والله أعلم.\n_________\n(^١). الاستذكار (١/ ٤٩١).\n(^٢). التمهيد (١٦/ ١٩٠).\n(^٣). الإجماع (ص: ٣٩).","vol":"4","page":612},{"text":"• الراجح:\nاستحباب التسليمة الثانية، وأما الأولى فالقول بوجوبها أقوى من القول بركنيتها، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"4","page":613},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم</span>\nالمدخل إلى المسألة:\n• لا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية.\n• (أل) في التسليم قوله - ﷺ - (وتحليلها التسليم) للجنس، وليست للعهد، بدليل اقتصار بعض الصحابة على تسليمة واحدة، وإذا كانت للجنس جاز الاقتصار على قوله: (السلام عليكم) لدلالته على التسليم.\n• الاحتجاج بعمل أهل المدينة سائغ فيما لا نص فيه، وكان الأصل فيه النقل الحسي، لا الاجتهاد، وقد ترك أهل المدينة زمن التابعين بعض السنن الثابتة كالتكبيرات الأربع في الأذان، وهو معروف من أذان بلال في المدينة، وترك أهل المدينة الاستفتاح، وهو معروف بين الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب، وهو من أهل المدينة.\n[م-٦٨١] اختلف العلماء في حكم قول: (ورحمة الله) في السلام من الصلاة:\nفقيل: ليست بسنة مطلقًا، لا في نافلة، ولا فريضة، ولا يضر زيادتها، وإن كان الأولى تركها، وبه قال المالكية، والليث بن سعد (^١).\nوقيل: حكمها ركن في الصلاة، فمن لم يَأْتِ بها لم تصح صلاته، وهو المذهب عند الحنابلة، قال المرداوي: وهو من المفردات (^٢).\n_________\n(^١). مواهب الجليل (١/ ٥٢٣)، التمهيد (١١/ ٢٠٥)، الخرشي (١/ ٢٧٣)، عقد الجواهر الثمينة (١/ ١٠٦)، التوضيح لخليل (١/ ٣٦٦)، أسهل المدارك (١/ ٢٠٣)، جامع الأمهات (ص: ٩٩)، لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (٢/ ٩٠).\n(^٢). الإنصاف (٢/ ٨٤)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٦٠)، الفروع (٢/ ٢٢٠)، شرح الزركشي (١/ ٥٩٤)، المبدع (١/ ٤١٧، ٤١٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢٠٤).","vol":"4","page":614},{"text":"وقيل: قولها سنة، وتصح الصلاة من دونها، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى وأبو البركات من الحنابلة (^١).\n• دليل من قال بالركنية:\nالدليل الأول:\n(ح-٢٠٢٤) روى البخاري ومسلم من طريق منصور عن سعد بن عبيدة، قال:\nحدثني البراء بن عازب أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك، مت وأنت على الفطرة قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت (^٢).\nفمنع الرسول - ﷺ - من استبدال الرسول بالنبي، مع أن كل رسول فهو نبي، فتبين من هذا أن ألفاظ العبادة توقيفية، لا يجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها، وقد واظب النبي - ﷺ - في صلاته على لفظ (ورحمة الله) ولم ينقل عنه - ﷺ - أنها تركها ولو مرة واحدة، فوجب لزومها.\nالدليل الثاني:\nأن التسليم ركن في الصلاة، وسبق بحثه، وما كان جزءًا من الركن فهو ركن مثله، ولأنه سلام في الصلاة ورد مقرونًا بالرحمة، فلم يجز بدونها كالسلام على النبي - ﷺ - في التشهد مقرونة بالرحمة، ولا يصح من دونها.\n_________\n(^١). البحر الرائق (١/ ٣٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٥٢٦)، الجوهرة النيرة (١/ ٥٦)، مراقي الفلاح (ص: ١٠٢)، المجموع (٣/ ٤٧٧)، الحاوي الكبير (٢/ ١٤٦)، الوسيط (٢/ ١٥٣)، حلية العلماء (٢/ ١١٠)، روضة الطالبين (١/ ٢٦٨)، مغني المحتاج (١/ ٣٨٥)، نهاية المحتاج (١/ ٥٣٧)، الإنصاف (٢/ ٨٤)، الهداية لأبي الخطاب (ص: ٨٥)، الكافي لابن قدامة (١/ ٢٥٩)، الفروع (٢/ ٢٢٠)، شرح الزركشي (١/ ٥٩٤).\n(^٢). صحيح البخاري (٦٣١١)، وصحيح مسلم (٢٧١٠).","vol":"4","page":615},{"text":"• ويناقش:\nبأن ركنية التسليم فيها خلاف، وعلى القول بالركنية لا يلزم منه أن يكون كل جزء من التسليم ركنًا وحده، ولهذا قال الجمهور بجواز الاقتصار على تسليمة واحدة، فلم يكن حكم التسليمتين واحدًا، وقال الحنفية بركنية الطواف في النسك، وإذا طاف أربعة أشواط وترك الثلاثة جاز وجبره بدم إذا فات تداركه، وقال المالكية بركنية الفاتحة، ولو ترك بعضها سهوًا جبرها بسجود السهو، فلا يلزم من القول بركنية التسليم ركنية كل جزء منه هذا على التسليم بأن التسليم ركن.\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠٢٥) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص،\nعن عبد الله، قال: كان رسول الله - ﷺ - يسلم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بَيَاضُ وجهه، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله من كلا الجانبين «^١».\n[صحيح] (^٢).\n_________\n(^١). المصنف (٣٠٤٤).\n(^٢). رواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ورواه عن أبي إسحاق كل من:\nسفيان الثوري، كما في مصنف عبد الرزاق (٣١٣٠)، ومسند أحمد (١/ ٣٩٠، ٤٠٩، ٤٤٤)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، وسنن الترمذي (٢٩٥)، والمجتبى من سنن النسائي (١٣٢٤)، وفي الكبرى له (١٢٤٨)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٣)، وابن الجارود في المنتقى (٢٠٩).\n\nوزائدة بن قدامة، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٤)، وفي مسنده (٤١٢)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٣) ح ١٠١٧٣،\nوأبي الأحوص سلام بن سليم، كما في سنن أبي داود (٩٩٦)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٢٣) ١٠١٧٣، وصحيح ابن حبان (١٩٩١)، ومسند أبي يعلى (٥١٠٢).\nوعمر بن عبيد الطنافسي، كما في مسند أحمد (١/ ٤٤٨)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٣)، وفي مسنده (٣٥٧)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والمجتبى من سنن النسائي (١٣٢٣)، وفي الكبرى له (١٢٤٧)، وسنن ابن ماجه (٩١٤)، والمعجم الكبير للطبراني (١٠/ ١٢٤) ح ١٠١٧٣، وصحيح ابن خزيمة (٧٢٨)، وصحيح ابن حبان (١٩٩٠).\nوشريك بن عبد الله النخعي، كما في مسند أبي داود الطيالسي (٣٠٦)، والطبراني في الكبير =","vol":"4","page":616},{"text":"• دليل من قال: يجوز الاقتصار على السلام عليكم:\nالدليل الأول:\nلا يوجد دليل من النصوص يدل على وجوب لزوم (ورحمة الله) والأصل عدم الوجوب، ومجرد الفعل يدل على المشروعية.\nالدليل الثاني:\n(ح-٢٠٢٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا بهز بن حكيم، وقال مرة: أخبرنا قال: سمعت زرارة بن أوفى، يقول:\nسئلت عائشة عن صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، فقالت كان يصلي العشاء ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم ينام، فإذا استيقظ وعنده وضوءه مغطى، وسواكه استاك، ثم توضأ، فقام فصلى ثماني ركعات، يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب، وما شاء من القرآن، وقال مرة: ما شاء الله من القرآن، فلا يقعد في شيء منهن إلا في الثامنة، فإنه يقعد فيها، فيتشهد ثم يقوم، ولا يسلم فيصلي ركعة واحدة، ثم يجلس فيتشهد، ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم، يرفع بها صوته، حتى يوقظنا ثم يكبر (^١).\n[هذا إسناده منقطع، زرارة لم يسمعه من عائشة، والمتصل كما في رواية مسلم\n_________\n= (١٠/ ١٢٣) ح ١٠١٧٣،\nوإسرائيل، كما في مسند أحمد (١/ ٤٠٦)، وسنن أبي داود (٩٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦٨)، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٢٤) ح ١٠١٧٣، ومسند الشاشي (٦٩٥، ٦٩٦).\nقال أبو داود في السنن: شعبةُ كان ينكر هذا الحديث -حديث أبي إسحاق- أن يكون مرفوعًا.\nوقال أبو داود في مسائله لأحمد (١٩١١): «سمعت أحمد يقول: كان شعبة ينكر حديث أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله عن النبي - ﷺ - في التسليمتين، وحديث حماد عن إبراهيم عن عبد الله عن النبي - ﷺ -؛ قلت: كان ينكره؟ قال أحمد: قال عبد الرحمن ويحيى: كانا عنده بمنزلة الريح، قلت: ما أنكر منه؟ قال: أنكر أن يكون مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -».\nقلت: قد رفعه سفيان الثوري، وهو مقدم في أبي إسحاق، وتابعه على الرفع إسرائيل، وزائدة وأبو الأحوص والطنافسي، وشريك، وهو ثبت في أبي إسحاق، وغيرهم فلا شك في أن رواية الرفع محفوظة.\n(^١). المسند (٦/ ٢٣٦).","vol":"4","page":617},{"text":"وغيره (يسلم تسليمًا يسمعنا)] (^١).\n• ويجاب:\nمن خلال تخريج حديث عائشة تبين لي أن المحفوظ: (يسلم تسليمًا يسمعنا) وأن مقصود عائشة من قولها هو رفع النبي - ﷺ - صوته بالتسليم لإيقاظ أهله، ولم يكن مقصودها من الحديث نقل صفة التسليم، ولا عدد التسليمات، فمن قال: يسلم تسليمة، أو قال: (السلام عليكم) فقد قصر في النقل.\nالدليل الثالث:\n(ح-٢٠٢٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،\nعن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ - فرد النبي - ﷺ - ﵇، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ ... وذكر الحديث وفيه: قال النبي - ﷺ -: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (^٢).\nوجه الاستدلال:\nإذا لم يذكر التسليم في حديث المسيء في صلاته، فمن باب أولى جواز ترك (ورحمة الله) من لفظ التسليم.\nالدليل الرابع:\nمن أجاز الاقتصار على (السلام عليكم)، حمل (أل) في قوله: (وتحليلها التسليم) على الجنس، وليس العهد بدليل أن بعض الصحابة ﵃ اقتصروا على تسليمة واحدة، ولو كانت للعهد لوجبت التسليمتان؛ لأنه التسليم المعهود.\n_________\n(^١). سبق تخريجه في مسألة حكم التسليم.\n(^٢). صحيح البخاري (٧٩٣)، وصحيح مسلم (٤٥ - ٣٩٧).","vol":"4","page":618},{"text":"• دليل من قال: زيادة ورحمة الله ليست سنة:\nالمالكية لا ينكرون النصوص الشرعية في زيادة (ورحمة الله) إلا أنهم تركوها لأصل عندهم، وهو عمل أهل المدينة، فالعمل المتوارث في المدينة عندهم أقوى من خبر الآحاد؛ والعهد بالصحابة قريب، والنقل يعتمد على الحس، وليس على الفقه، والصلاة نقلت بالتواتر جيلًا عن جيل، مما يحصل به العلم، وينقطع به العذر، ويجب له ترك أخبار الآحاد؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على نقله. فكون كافة أهل المدينة من التابعين ممن أدركهم الإمام مالك يقتصرون في لفظ التسليم على لفظ (السلام عليكم) فهذا دليل على أن هذا هو المشروع، فمثل هذا لولا أنهم أخذوه من الصحابة رضوان الله عليهم ما فعلوه.\nوقد ناقشت الاحتجاج بعمل أهل المدينة في مسألة سابقة، والمهم أن نعرف كيف استدل المالكية على اختيارهم، وهذا القول من مفرداتهم، حتى كره بعضهم زيادة (ورحمة الله) وبعضهم رأى أنها زيادة لا تضر، وأنها من قبل المباح لوقوعها خارج الصلاة، فالمصلي عندهم يخرج من الصلاة حين يقول: (السلام عليكم) فكلمة ورحمة الله وقعت عندهم خارج الصلاة، وكذلك التسليمة الثانية تقع عندهم خارج الصلاة، فلا تضر زيادتها.\n• الراجح من الخلاف:\nأرى أن القول بأنها سنة قول وسط بين قول الحنابلة بالركنية، وهي لم تذكر في حديث المسيء في صلاته، وبين القول بأنها ليست مشروعة، أو من قبيل المباح كقول المالكية، والتزامها أحوط، والله أعلم.\n* * *","vol":"4","page":619}]}