{"ً":{"ٌ":17736,"ٍ":"الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما»","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام/02_المجموعة الثانية 1420 = 008-021","files":["010_48800-02.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما» - سلسلة لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١٠)\nالمؤلف: أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد البَرْبِير الحسني، أبو الفيض (ت ١٢٢٦ هـ)\nالمحقق: رمزي سعد الدين دمشقية\nالناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الصفحات: ٥٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2410,"ٕ":7,"ٖ":1770155905,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة المحقق]","level":1,"page":5},{"title":"نص الحديث وتخريجه وشرحه","level":2,"page":7},{"title":"التخريج","level":3,"page":7},{"title":"الشرح","level":3,"page":9},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":11},{"title":"مولده ونشأته","level":3,"page":12},{"title":"طلبه للعلم وشيوخه","level":3,"page":12},{"title":"هجرته إلى بيروت","level":3,"page":13},{"title":"تقلده القضاء والإفتاء في بيروت","level":3,"page":13},{"title":"انتقاله إلى دمشق","level":3,"page":16},{"title":"مقتطفات من شعره","level":3,"page":17},{"title":"شيوخه بدمشق","level":3,"page":18},{"title":"تلاميذه","level":3,"page":18},{"title":"مما قيل فيه","level":3,"page":19},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":21},{"title":"وفاته ورثاء تلميذه له","level":3,"page":23},{"title":"أول الرسالة","level":1,"page":30},{"title":"آخر الرسالة","level":1,"page":53}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54},"ٜ":{"1":[2,55]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28",null,"1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55"],"ٞ":{"5":[1],"7":[2,3],"9":[4],"11":[5],"12":[6,7],"13":[8,9],"16":[10],"17":[11],"18":[12,13],"19":[14],"21":[15],"23":[16],"30":[17],"53":[18]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١٠)\n\nالفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما»\n\nتأليف\nالشيخ أحمد بن عبد اللطيف البربير الحسني البيروتي (١١٦٠ - ١٢٢٦ هـ)\n\nتحقيق\nرمزي سعد الدين دمشقية\n\nساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم\n\nدار البشائر الإسلامية","vol":"1","page":null},{"text":"الفَصِيحَةُ العَجْمَا في الكَلامِ على حَدِيثِ «أَحْبِبْ حَبِيْبَكَ هَوْنًا مَا»","vol":"1","page":2},{"text":"جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ\nالطّبْعَةُ الأولى\n١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n\nدَارُ البَشَائِر الإسْلَامِيَّة للطباعة والنشر والتوزيع\nهاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١\nبيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤\n\ne-mail: bashaer@cyberia.net.lb","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله حَمْدَ معترفٍ له بالفضل والِإنعام، وأفضل الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام، محمَّد ﷺ، وعلى آله وصحبه البرَرَة الكرام.\nأما بعد، فإنَّ من البرِّ تعاهدَ آثار الأجيال الماضية، والقيام بنشر أعمالهم الحسنة وما دلُّوا عليه من الخير. وإن أولى من يَبرُّ المرءُ من كان منه قريب الزمان لصيق المكان، لذا أحببت أن تكون مشاركتي لهذا العام الهجري -أعني سنة ١٤٢٠ هـ- في لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام برسالتين لعالمين جليلين من علماء بلدتي بيروت، قيامًا بحقِّهما وتعريفًا للقاصي والداني بفضلهما، وفضل أهل هذا الثغر الذي زخر بالعلماء منذ سكنه المسلمون ورابطوا فيه، وفي مقدمتهم الِإمام المجتهد، الصادع بالحق، والجامع بين العلم والعمل، عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله تعالى وأحسن مثواه.\nأما الرسالة الأولى فهي \"الفصيحة العجما في الكلام على حديث: \"أحبب حبيبكَ هونًا ما ... \"\" للشيخ الأديب أحمد بن عبد اللطيف البربير المتوفى سنة ١٢٢٦ هـ، بيَّن فيها معاني هذا الأثر النبوي وأظهر فصاحته وبلاغته، جاعلًا جُلَّ شرحه له من أبواب اللغة والنحو والأدب، ولا غرو فهو أحد فرسان هذا الميدان البارعين فيه.","vol":"1","page":5},{"text":"وقد اعتمدت في إخراج هذه الرسالة على نسخة المؤلف بخطه، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد حاليًا)، ضمن مجموع برقم ١٠٠٤٩، من (ق ١٣٩ - ١٤٢).\nأما الرسالة الثانية فهي \"تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور\" للشيخ أحمد بن عمر المحمصاني المتوفى سنة ١٣٧٥ هـ، وسيأتي الكلام عليها في أولها.\nومن الله نرجو العون والسداد والتوفيق والِإمداد، وأن يتقبل منَّا ويعاملنا بما هو أهله، إنه سميع قريب مجيب.\n\nوكتبه\nحامدًا ربَّ البريَّة\nمصلِّيًّا على النبي والذُّريَّة\nرَمزي سَعد الدين دمشقية","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>نصُّ الحديث وتخريجه وشرحه</span>\nقال الِإمام الحافظ الحجة أبو عيسى الترمذي في سننه في كتاب البرِّ والصلة، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض ٤/ ٣٦٠ (ح ١٩٩٧):\nحدثنا أبو كُرَيب، حدثنا سُوَيد بن عمرو الكَلْبي عن حمَّاد بن سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن محمَّد بن سِيرينَ، عن أبي هريرة أُراه رفعه قال: \" أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عَسَى أنْ يكونَ بَغِيضَكَ يومًا ما، وَأَبْغِضْ بَغِيضكَ هَوْنًا ما عَسَى أنْ يكونَ حَبيبَكَ يومًا ما\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>التخريج:</span>\n- قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإِسناد إلاَّ من هذا الوجه، وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا رواه الحسن بن أبي جعفر وهو حديث ضعيف أيضًا بإسناد له عن عليّ عن النبي - ﷺ -، والصحيح عن علي موقوفٌ قولُهُ.\nوالحديث رواه عدا الترمذي:\n- الحافظ الطبراني في معجمه الأوسط والكبير من حديث ابن","vol":"1","page":7},{"text":"عمر، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٨: وفيه جميل بن زيد، وهو ضعيف.\n- وفي الأوسط والكبير أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، قال الهيثمي ٨/ ٨٨: وفيه محمَّد بن كثير الفهري، وهو ضعيف.\n- والبخاري في الأدب المفرد ح ١٣٢١، من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بلفظ: هل تدري ما قال الأول؟ أحبب حبيبك ...\n- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الكافي الشافي بتخريج أحاديث الكشاف ص ١٢٢ (أحاديث سورة الفرقان):\nالحديث أخرجه الترمذي من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، تفرد به سويد بن عمرو عن حماد بن سلمة عن أيوب، قال الترمذي: غريب.\nوقال ابن حبان في الضعفاء (١): سويد بن عمرو يضع المتون الواهية على الأسانيد الصحيحة، وليس هذا من حديث أبي هريرة، وإنما هو من قول علي ﵁، وقد رفعه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن علي، وهو خطأ فاحش.\nورواية الحسن بن أبي جعفر في فوائد تمام (٢).\nوأخرجه ابن عدي (٣) من طريق الحسن بن دينار عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: الحسن بن دينار أجمعوا على ضعفه.\n_________\n(١) كتاب المجروحين ١/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٢) الروض البسام بترتيب فوائد تمام ٣/ ٤١٥، ح ١١٩١.\n(٣) الكامل في الضعفاء ٢/ ٧١١.","vol":"1","page":8},{"text":"ورواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، لكن الراوي له عن أبي الزناد متروك، وهو عباد بن كثير.\nوفي الباب عن ابن عمر، أخرجه الطبراني، وفيه أبو الصلت الهروي، وهو متروك.\nوعن ابن عمرو بن العاص، أخرجه أيضًا من طريق محمَّد بن كثير الفهري عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عنه، وهذا إسناد واهٍ جدًّا.\nوالموقوف عن علي، أخرجه البيهقي في الشعب في الحادي والأربعين من رواية أبي إسحاق عن صبرة بن يزيد ثم عن علي.\nوقال الدارقطني: الصحيح عن علي موقوف، اهـ (١).\n- قال الشيخ المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/ ١٧٧ بعد أن عرض لروايات الحديث: وبعد أن علمتَ هذه الروايات فاعلم أن أمثلها الأولى -أي رواية الترمذي-، وقد استدرك الحافظ\nالعراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه، فقال: قلت: رجاله رجال مسلم، لكن الراوي تردد في رفعه، انتهى. والمصنف -أي السيوطي في الجامع الصغير- رمز لحُسنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>الشرح:</span>\nقوله: (أُراه) هو بضم الهمزة، أي: أظنه، وهي الرؤية الذهنية، فإن أُرِيدَ الرؤية البصرية كانت بفتح الهمزة.\n_________\n(١) في نص ابن حجر في \"الكافي الشاف\" أخطاء صححتها من المراجع المشار إليها.","vol":"1","page":9},{"text":"قوله: (أحبب حبيبك هونًا ما)، أي: حبًّا مقتصِدًا لا إفراط فيه.\nقوله: (عسى أن يكون بغيضك يومًا ما)، أي: فلربما انقلب هذا الحب بغضًا بتغيُّر الزمان والأحوال فلا تكون قد أسرفتَ في حبه فتندم عليه إذا أبغضته.\nقوله: (وأبغض بغيضك هونًا ما)، أي: بغضًا معتدلًا لا إفراط فيه.\nقوله: (عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)، إذ ربما انقلب هذا البغض حبًّا فلا تكونُ قد أسرفتَ في بغضه فتستحي منه إذا أحببته.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>ترجمة المؤلِّف </span>(١)\nهو العلَّامة الأديب، والشاعر النَّاثر؛ أديب الفقهاء، وفقيه الأُدباء؛ الشيخ شهاب الدِّين أبو العبّاس أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمَّد البربير الحسني البيروتي الأصل (٢)، الدمياطي المولد، الدِّمشقيّ وفاة.\n_________\n(١) مصادر ترجمته: \"حلية البشر\" لعبد الرزاق البيطار (١/ ٢١٧)؛ و\"أعيان دمشق\" لجميل الشطي (ص ٣٣)؛ و\"منتخبات التواريخ لدمشق\" للحصني (٢/ ٦٤١، ٦٧٥، ٨٥٧)؛ و\"الأعلام\" للزركلي (١/ ١٤٨)؛ و\"أعيان القرن الثالث عشر\" لخليل مردم بك (ص ١٤٥)؛ و\"معالم وأعلام\" لأحمد قدامة (١/ ١١٧)، \"مجلة الفكر الِإسلامي\" مقالات للشيخ طه الولي (العدد ٣ - ٩/ ٣ سنة ١٣٩٢ - ١٩٧٢).\n(٢) إن عائلة البربير في الأصل بيروتية الموطن، إلاَّ أن بعض أجدادهم انتقلوا إلى مصر، ونزلوا في بلدّتي دمياط ورشيد، حيث زاولوا الأعمال التجارية.\nو\"البربير\" كلمة إيطالية كانت تطلق على الحلاق الذي كان يمارس في نفس الوقت القصد ويضع الضمادات ونحو ذلك من أعمال الطبابة الأهلية.\nوعائلة البربير عُرفت قديمًا باسم \"آل القحف\" ثم أهمل هذا الاسم واشتهر الاسم الجديد لأن أحد أجداد هذه العائلة كان يلازم حلاقًا يمارس الطب على عادة أهل ذلك الزمان يسمى \"البربير\". \"مجلة الفكر الِإسلامي\" (عدد ٣/ ٣ سنة ١٣٩٢).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>مولده ونشأته:</span>\nوُلِد بدمياط سنة ١١٦٠ هـ (١٧٤٧ م) لأبٍ تاجر، ولمّا نشأ أخذ بطلب العلم، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا على الشيخ قاسم بن داود، ثمَّ لمَّا بلغ اثنتي عشرة سنة حفظ ألفية ابن مالك، وحضر شرحها لابن عقيل على الشيخ عبد الحيّ بن فتح الله. وعند الثالثة عشرة تعلق بنظم الشعر، فصار يشبب ويتغزَّل، فاعترض عليه في دعوى الصبابة بعض الأُدباء، فأنشد:\nلقد أنكر اللاحيَ شُجوني وصَبوَتي ... لكوني صغيرًا قلتُ لا تُنكروا الفضلا\nرآني الهوى طفلًا فمازَحَ مُهجتي ... ومِنْ عادةِ المزَّاحِ أن يألفَ الطفلا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>طلبه للعلم وشيوخه:</span>\nثم حضر قراءة المنهج وتفسير البيضاوي على الشيخ محمَّد الدنهيجي، وجمع الجوامع على الشيخ عبد السلام أبي النصر، وتجريد الخطيب وابن قاسم مرارًا على الشيخ عبد الحي، وقرأ عليه أيضًا مختصر\nالسعد والسُّلَّم للأخضري وغيره، وحضر على الشيخ مصطفى المحلي -الشهير بالسَّقَّا- شرح الهدهدي وشرح اللقَّاني على الجوهرة، والاستعارات لعصام، وحضر على الشيخ أحمد البستاني في العَرُوض والفرائض والأشموني على الألفية.\nومن شيوخه المصريين: الشيخ أحمد الجوهري المتوفى سنة ١٢١٤ هـ، ومن شيوخه بل من أعظمهم مكانة في نفسه وتأثيرًا على سلوكه وثقافته السيد محمَّد مرتضى الزبيدي \"شارح القاموس\" المتوفى بمصر سنة ١٢٠٥ هـ، فقد أخذ عنه علم الحديث بمصر.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>هجرته إلى بيروت:</span>\nوفي سنة ١١٨٣ هـ (١٧٦٩ م) هاجر إلى بيروت موطن آبائه وأجداده بعد أن مرَّ بدمشق لفترة وجيزة، وفي بيروت تزوج ثم ما لبث أن طلق زوجته، فانضاف ذلك إلى غربته عن أهله، فأنشد معبرًا عن حاله:\nلقد غرَّني إبليسُ قومي بقولِهِ ... تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ المجدِ\nكما غرَّ إبليسُ الشياطينِ آدمًا ... وأخرجَهُ بالمكرِ من جنَّة الخُلدِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>تقلُّده القضاء والِإفتاء في بيروت:</span>\nوقد طلب منه الأمير يوسف الشهابي أن يتولى الفتوى والقضاء في بيروت، فامتنع الشيخ البربير عن ذلك حتى أقنعه الأمير بالموافقة، غير أنَّ الشيخ وضع شروطًا لقبوله، فإذا أخلَّ الأمير بإحداها اعتزل المنصبين، وكانت الشروط هي:\n١ - أن لا يتصدَّى الأمير للدعوى بعد أن يكون هو فصلها بمجلس قضائه، وأن يأمر بتنفيذها دون إبطاء.\n٢ - إذا كانت الخصومة بين الأمير وبين أحد المواطنين العاديِّين، وكان الحكم ضد الأمير، فإنَّ على الأمير أن ينقِّذ ما أمر به الشرع الحنيف.\n٣ - أن يبعث الأمير من قِبله أحد أتباعه ويجلس في المحكمة لتحصيل ما على الدعوى من الرسوم المقرَّرة بين القضاة.\n٤ - أن لا يلتزم الشيخ البربير بارتداء الزيّ المقرَّر للقضاة من لبس العمامة والفَرَجيَّة (١).\n_________\n(١) هي الجبة التي كانت خاصة بالقضاة تمييزًا لهم عن بقية العلماء. وهي منسوبة =","vol":"1","page":13},{"text":"وقد نزل الأمير عند رغبة الشيخ وتعهد بالتزام الشروط التي طلبها.\nلكن الشيخ كان يتمنى أن يخل الأمير بشرط حتى يتخلص من هذا المنصب الذي قَبِله على مضض، ولم يكن يخفي تبرمه وضيق صدره، فمما نظمه مُعبرًا عن ذلك قوله:\nقد عَدَلْنا وما عَدَلْنا بغَيٍّ ... وحكَمْنا بأمرِ ربِّ السماءِ\nفشكا الناسُ حُكمَنا ولَعمري ... قلَّ مَن يرتضي بحكمِ القضاءِ\nوقوله:\nرماني زماني بما يجهدُ ... فمن ذا أرومُ ومن أقصدُ\nوأوقفني في القضاءِ القضا ... وما كنتُ أحسبه يوجدُ\nوظيفةُ كرْبٍ، لأثقالها ... تراني لموتي الرَّدَى أحمدُ\nوحسبي انقلابُ صديقي بها ... عدوًّا، إذا فاته المقصدُ\nفباطنها الذُّلّ والابتلا ... وظاهرها العزُّ والسُّؤددُ\nوإذ ليس دأبي ولا ديدني ... ولا أرتضيه، ولا أعمدُ\nوصعبٌ على المرء تكليفُهُ ... أمورًا خلاف الذي يَعْهَدُ\nولم تلق هذه المنظومات لدى الأمير أذن صاغية، مما اضطر الشيخ أن يوجه للأمير قصيدة مطولة ضمَّنها رجاءه بإلحاح لِإعفائه من هذا المنصب، واصفًا نفسه بالظلم وعدم الأهلية لتولي هذا المنصب، فمما قاله فيها:\n_________\n= إلى السلطان الملك الناصر فرج بن برقوق من سلاطين المماليك الجركسية، ولي الحكم بمصر بعد أبيه سنة ٨٠١ هـ، ثم عزل سنة ٨٠٨ هـ، ثم أعيد إليه وانتهى به الأمر أن قتل سنة ٨١٥ هـ.","vol":"1","page":14},{"text":"تنبَّه أخي فماذا العمى ... وقد بَلَغَ السيلُ أعلى الرُّبى\nتواريتَ في جُنح ليل الذنوب ... ولم ترَ إشراق فجر الدُّجى\nفكيف رضيتَ ترى قاضيًا ... وفوقكَ بالقهر قاضي السما\nوكيف عجزتَ يحمل القميص ... وتقوى على حمل حقِّ الملا\nوأصبحتَ بالظلم في غاية ... ومرتبةٍ ما لها منتهى\nوقال:\nأما في الأُلى سلفوا عبرة ... لمثلكَ دلَّت على ما نأى\nفأينَ القضاةُ وأين الملوك ... وأين الحُليُّ وأين الحُلى\nوأينَ الأحاديثُ في سردها ... وقد أنبأتكَ بذمِّ القضا\nفإن قلتَ إني امرؤٌ عادلٌ ... فلا تنس \"من حام حول الحمى\"\nدرءُ المفاسدِ تقديمهُ ... على جلب مصلحةٍ يرتضى\nوإن قلتَ إني أمرؤٌ منكرةٌ ... عليها فدونكَ رحب الفضا\nوكلُّ مَنْ تخلفُهم للذي ... أحاط بما كان تحت الثرى\nفقد رزَقَ الطير في وكرهِ ... وخصَّ الجنينَ بِطيبِ الغِذا\nوعشْ باليسير وأكل الشعير ... وترك الحرير ولبس العبا\nفذلك أهونُ من بيع دينكَ ... يا غافلًا بدين الدُّنى\nفلما أن اطلع الأمير يوسف الشهابي على هذه الأبيات دخلت قلبه خشية الله، فبادر إلى إعفاء الشيخ من القضاء وعيَّن له مرتَّبًا يكفيه، فامتدحه الشيخ البربير بقوله:\nأميرُنا أَكرِمْ من حاتمٍ ... له بَنانٌ ضاق عنها الفضا\nبحلمهِ أدركتُ ما أشتهي ... وقد كفاني الله شرَّ القضا","vol":"1","page":15},{"text":"وقال أيضًا:\nأميرٌ عظيم لهُ رتبةٌ ... على غيره صعبةُ المُرتَقَى\nقصرتُ ثنائي على وصفهِ ... وأعطيتُهُ في الورى مَوْثِقا\nولا غروَ في كونِهِ وارثًا ... ثنائيَ دون الورى مطلقا\nفقد أعتقَ القلب من كربِهِ ... وصحَّ الولاءُ لمَنْ أعتقَا\nوبعد ذلك أنشأ مكتبًا (كُتَّابًا) لتعليم الأولاد قانعًا بما يناله منه من الرِّزق الكفاف، إلاَّ أنه لم يسدّ حاجته، وافتقر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>انتقاله إلى دمشق:</span>\nوفي سنة ١١٩٥ هـ تعرضت بيروت لعدوان من قراصنة روس مما حمل أهلها إلى النزوح عنها إلى حيث يجدون الأمن والطمأنينة. فعزم الشيخ على الرحيل إلى دمشق ورغب في سكناها، ورأى أنها خير البلاد.\nفلما قصدها نزل ضيفًا على الشيخ محمد بن خليل المرادي (١) مفتي دمشق، فلمَّا دخل عليه مدحه بقصيدة طرب لها ورفع شأنه عنده فأكرمه وشمله برعايته.\nثم سكن الصَّالحية واستقرَّ بها وأُعجب بها غاية الِإعجاب، وذكرها بشعره مادحًا يقول:\nقد ظفرنا بعيشةٍ مَرضيَّة ... مُذْ حللْنا في جنَّةِ الصالحيّةْ\nورأينا الزهورَ تبسم لطفًا ... عن ثنايا من الندى لؤلؤيّةْ\nوجواري السحاب جلَّلَتِ الأر ... ضَ ببُسْطٍ من غزلها سندسيّةْ\n_________\n(١) مؤلف كتاب \"سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر\" المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ.","vol":"1","page":16},{"text":"رقص الماءُ من غنا الطير حتى ... نقَّطَتْه أوراقُها الذهبيّةْ\nوجهُ روضٍ يريك نجلَ عيونٍ ... وخدودًا من زهره عندميّةْ\nوقدودًا من الغصونِ نشاوى ... من طلا الطلِّ بُكرة وعشيّةْ\nحبَّذا حبَّذا معاني مغانٍ ... كبروجٍ حَوت نجومًا مُضِيّةْ\nوبعد استقراره بدمشق تزوج مرة ثانية، ولكنه لم يُرزق من زواجه هذا بولد، وتوفي ﵀ ولم يترك ذرية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>مقتطفات من شعره:</span>\nللشيخ أحمد البربير شعر كثير ضمنه كتبه، وفي رسالتنا التي نقدِّم لها شيء من ذلك. ومن جميل ما قال، قوله في التوحيد:\nلقد آمنتُ بالله ... وأصبحتُ به آمِنْ\nهو الأولُ والآخِر ... والظاهرُ والباطِنْ\nوقوله في كبح الشهوات:\nإنَّ الذينَ يجاهدون ... النفسَ شبّانًا وشيبا\nمَنَّ الِإله بنصرِهمْ ... وأثابهم فتحًا قريبا\nوقال مادحًا أهل دمشق مضمنًا كلامه أسماء بعض كتب الحديث النبوي:\nرعى الله في الدنيا أفاضل جِلَّقٍ ... فكم عمَّني منها سرورٌ وإكرامُ\nأناسٌ وجدنا من شمائلها الشِّفا ... مصابيحُ هدي عَينُ مشكاتها الشَّامُ (١)\n_________\n(١) قوله: \"الشفا\" يقصد به كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، وقوله: \"مصابيح\" يقصد به كتاب مصابيح السنة للِإمام البغوي، وقوله: \"مشكاتها\" يقصد به كتاب مشكاة المصابيح للِإمام التبريزي.","vol":"1","page":17},{"text":"وقال يهجو شاعرًا ويعيره بسوء ظنه:\nسمعتُ شِعرَ شاعرٍ ... يُشبهُ صوتَ الجُلجُلةْ\nألفاظُهُ مُهملةٌ ... لكنَّها مُستعملةْ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>شيوخه بدمشق:</span>\nومن شيوخه الذين أخذ عنهم بدمشق: المحدِّث الشيخ محمَّد الكزبري (المتوفى ١٢٢١ هـ)، والشيخ أحمد العطار (المتوفى ١٢١٨ هـ)، والشيخ حسين المدرس (المتوفى ١٢٢٥ هـ)، والشيخ مصطفى الصلاحي (المتوفى ١٢٦٥ هـ)، وغيرهم من علماء ذلك العصر في دمشق والوافدين عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>تلاميذه:</span>\nلقد كان لما بلغه البربير من مكانة رفيعة في العلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها الأثر بأن يقصده طلبة العلم لينهلوا من مَعين علومه وغزير أدبه.\n\nفممن تلقى عنه:\n- الشيخ عبد اللطيف فتح الله، الذي تسلم الفتوى ببيروت مدة طويلة حتى غلب عليه لقب \"المفتي\"، وأصبح هذا اللقب عَلَمًا عليه وعلى عائلته من بعده حتى اليوم، توفي ببيروت سنة ١٢٦٥ هـ (١٨٤٤ م).\n- الشيخ أحمد الأغرّ، الذي تولى القضاء والِإفتاء ببيروت أيضًا، توفي بها سنة ١٢٧٤ هـ (١٨٥٧ م).\n- الشيخ قاسم بن محمَّد تلحوق من عائلات مشايخ الدروز.","vol":"1","page":18},{"text":"- الشيخ قاسم بن بشير جنبلاط من زعماء العائلات الدرزية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>مما قيل فيه:</span>\nترجم له الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه \"حلية البشر\" قائلًا:\n\"سهم الأغراض والأماني، وكنانة البيان والمعاني، ذو الأدب الباهي الباهر، والأرب الزاهي الزاهر، والنفس الزكية، والأخلاق المرضيَّة، مَنْ تستعذب النفوس نثره، وتستطيب نظمه وشعره، ... أقبل على الترقي بهمة قوية إلى أن صار فردًا يشار إليه، وعمدة في المشكلات يُعتمد عليه، وشهد له مشايخه بالفضل، وإنه لما يُثنى عليه به مستحق وأهل ... \".\nوقال عنه الشيخ محمَّد جميل الشطي في كتابه \"روض البشر\":\n\"العالم الفاضل، الأديب الشاعر، المُجيد المُفلِق، الناظم الناثر، المفنن الأوحد\".\nوقال عنه الشيخ محمَّد عبد الجواد القاياني في رحلته \"نفحة البشام في رحلة الشام\": \"السيد أحمد البربير عالم فاضل نحرير، من كبار العلماء المشاهير، له مؤلفات جليلة، ومصنفات جميلة، في العلوم العربية، والفنون الأدبية\".\nوذكره تلميذه مفتي بيروت العلاَّمة عبد اللطيف فتح الله في ديوانه، حيث قال مادحًا جنابَ قُرَّة عين الأُدباء الكرام، وواسطةِ عقد الجهابِذَةِ الفخام، حضرةَ شيخِهِ السيد أحمد البربير، وكان إذ ذاك حضرَ من دمشقَ الشام سنة ١١٩٨ هـ (١):\n_________\n(١) \"الديوان\" (١/ ٤٩، ٥٠)، وقد ذكره مادحًا له في مواضع منه (١/ ٥٢، ٥٥، ٦٠ - ٦٢، ٦٦، ٧٠، ٧٧، ٧٨).","vol":"1","page":19},{"text":"شَمْسُ الكَمَالِ كَسَا بَيْرُوتَنَا حُلَلًا ... مِنْ نُورِ طَلْعَتِهِ لَمَّا حَلاَ وَحُلاَ\nغَزَالُ سِرْبٍ غَزَا الأَلْبَابَ نَاظِرُهُ ... وَثَوْبُ سُقْيم لِجِسْمِي بِالْهَوَى غَزَلاَ\nبَدْرُ الجَمَالِ جَمَالُ الْبَدْرِ حَلَّ بِهَا ... قَدْ حَلَّ بُرْجَ الْعُلَى وَالْعِزّ مُكْتَمِلاَ\nالْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عَقْدُ الْمَجْدِ مَنْ نُظِمَتْ ... بِهِ الْفَضَائِلُ حَتَّى زَيَّنَ الْفُضَلاَ\nوَمَنْ سَمَا في سَمَاءِ العِزِّ مُرْتَفِعًا ... فَوْقَ السِّمَاكِ عَلَى أَوْجِ السُّهَى وَعَلاَ\nالأَلْمَعِيْ حَسَنُ الأَفْعَالِ ذُو حَسَبٍ ... عَلِيُّ قَدْر عَلَى أَمْثَالِهِ كَملاَ\nأَعْنِي بِذَا أَحْمَدَ الْبَرْبِيرَ مَنْ جُمِعَتْ ... فِيهِ مَزَايَا بها قد نَبْلُغُ الأَمَلاَ\nنَسْلُ الأَكَارِمِ بَحْرٌ مِنْ مَكَارِمِهِ ... إِكْرَامُ وَافِدِهِ إِنْ نَحْوَهُ وَصَلاَ\nكُل الْمَحَاسِنِ نُورٌ مِنْ مَحَاسِنِهِ ... لَمَّا عَلَى الْحُسْنِ مِنْ دُونِ الوَرَى اشْتَمَلاَ\nلَهُ حَدِيثٌ غَرِيبُ النَّظْمِ سَلْسَلَهُ ... بِكُلِّ مَعْنًى لَطِيفٍ حَيَّرَ العُقَلاَ\nهَذَا هُوَ الْكَوْكَبُ الزُّهْرِيْ الَّذِي مُحِيَتْ ... عَنَّا الغُمُومُ بِهِ لَمَّا الْهُمُومَ جَلاَ\nشَبَّهْتُهُ الْبَدْرَ لَكِنْ لَيْسَ يُشْبِهُهُ ... فَذَا يَغِيبُ وَهَذَا قَطُّ مَا أَفَلاَ\nهَذَا الَّذِي قَدْ حَوَى حِلْمًا بِلاَ شَبَهٍ ... لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الحِلْمِ قَدْ جُبِلاَ\nهَذَا الَّذِي هَامَ قَلْبِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ... شَجًا، فَيَا وَيْلَ مَنْ فِيهِ لَنَا عَذَلاَ\nتَبَسَّمَ الدَّهْرُ مِنْ فِيهِ بِهِ فَرِحًا ... يُشِيرُ لِي أَنّهُ قطبُ الزَّمَانِ بِلاَ\nيَمِّمْ حِمَاهُ لِتَجْنِي مِنْ بَدَائِعِهِ ... دُرَّ العُقُودِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ الأَجَلاَ\nوَاقْصدْهُ تهْدِكَ نِيرَانُ القِرَى سُبُلًا ... لِرَبْعِهِ المُعْتَلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسَلاَ\nوَلاَ نَكُنْ غَافِلًا عَنْ فَيْض رَاحَتِهِ ... فَلَيْسَ ينْكر ذَا، إِلاَّ الَّذِي جَهِلاَ\nلاَ زَالَ طَالِعُهُ بِالسَّعْدِ مُقْتَرِنًا ... يَزِيدُهُ رِفْعَةً، لاَ تَنْتَهِي، وَعُلاَ\nمَا هَزَّ غُصنَ الرُّبَى رِيحٌ وَمَا نَشَدَتْ ... شَمْسُ الكَمَالِ كَسَا بَيْرُوتنَا حُل","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>مؤلفاته:</span>\nترك الشيخ أحمد البربير مؤلفات عدة منها:\n١ - تشطير البردة.\n٢ - شذور الياقوت والمرجان فيما حواه اسم سليمان من الفضائل الحسان، وهو في تاريخ سليمان باشا الملقب بالعادل والي عكا.\n٣ - الفصيحة العجما في الكلام على حديث \"أحبب حبيبك هونًا ما\"، وهي الرسالة التي بين أيدينا.\n٤ - اقتباس آي القرآن في مدح عين الأعيان، وهي اقتباسات شعرية في بعض آي الذكر الحكيم في مدح صديقه السيد عبد الرحمن العمادي المرادي مفتي الأحناف بدمشق.\n٥ - دلائل الِإعجاز في الأحاجي والمعمَّى والألغاز، وهي رسالة ألَّفها برسم الأمير حسن الشهابي، وبدأها بالمعمى باسم حسن. النسخة الأصلية منها محفوظة بمكتبة الأسد بدمشق ضمن مجموع رقم ١٠٠٤٩، (١٧٨ أ-١٨١ ب).\n٦ - قصيدة بديعية، وهي منظومة شعرية شرحها شيخه الشيخ مصطفى الصلاحي.\n٧ - مقامات البربير، توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.\n٨ - تحقيق ظهور المهدي، ألفها سنة ١٢٢٣ هـ.\n٩ - سيرة حياته الذاتية بقلمه.","vol":"1","page":21},{"text":"١٠ - زهر الغيضة في ذكر الفيضة، رسالة وصف فيها فيضان نهر بردى الذي أغرق دمشق سنة ١٢٥٦ هـ، طبعها الشيخ محمَّد أحمد دهمان.\n١١ - مفاخرة بين الماء والهواء، وهي مقامة طريفة أوردها الشيخ عبد الرزاق البيطار كاملة في \"حلية البشر\"، وطبعت على حدة عدة طبعات (١).\n١٢ - الشرح الجليّ على بيتي الموصليّ، وهو موسوعة ضخمة تناول فيها المؤلف عشرات الموضوعات من العلوم والمعارف في أبواب اللغة وفنون الأدب والشعر والفقه والتفسير وغيرها، وذلك من خلال شرحه لبيتي شعر قالهما الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم الموصلي المتوفى ١١١٨ هـ، وهما:\nإنْ مرَّ والمرآة يومًا في يدي ... من خَلْفِه ذو اللُّطف أسمى من سَما\nدارت تماثيلُ الزجاج ولم تزلْ ... تقفوه عَدْوًا حيث سَار ويمَّما\nوقد ألف البربير هذا الكتاب استجابة لطلب صديقه محمَّد بك العظم\nالذي سأله شرحهما وحل رمزهما.\nوالكتاب طبع سنة ١٣٠٢ هـ بالمطبعة الأدبية ببيروت تولى طبعه الشيخ محمَّد بن عمر البربير، ثم أعاد طبعه مرة ثانية الطبيب نسيب البربير مؤسس مستشفى البربير ببيروت لدى المكتب الإِسلامي.\n_________\n(١) من آخر طبعاتها إيرادها ضمن مجموعة رسائل في بابها بعنوان \"المفاخرات والمناظرات\" قام بتحقيقها الأخ الأديب الدكتور محمَّد حسَّان الطيان، وطبعت بدار البشائر الِإسلامية سنة ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>وفاته ورثاء تلميذه له:</span>\nتُوُفِّي الشيخ البربير رحمه الله تعالى بالصالحية بدمشق ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ختام سنة ١٢٢٦ هـ، ودفن بسفح جبل قاسيون في مدافن بني الزكي.\nوقد رثاه تلميذه، مفتي بيروت، الشيخ عبد اللطيف فتح الله حيث قال (١):\nما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ؟ ... ما للأراضي بالأنامِ تَمورُ؟\nما للجبالِ الشامخاتِ تَدَكْدَكَتْ، ... وأبو قُبَيسٍ قد هوَى وثبيرُ\nما للنفوسِ تكادُ تُزهَقُ لَوعةً، ... ولها شهيقٌ قد علا وزفيرُ\nما للعيونِ دموعُها مصبوبةٌ ... مثلُ الدماءِ على الخدودِ تسيرُ\nفكأنها، حُمرًا وسُودًا، أحرفٌ ... لكنها فوقَ الخدود سطورُ\nما بالُ قلبي قد تلهَّب حُرقةً ... من أينَ فيه جهنَّمٌ وسعيرُ\nما للنجومِ غربْنَ وهي طَوالِعٌ ... جُنحَ الدجى، وخَسَفْنَ وهي بدورُ\nما للشموسِ لبسنَ في رأَدِ الضحى ... ثوبَ الكسوفِ وما لهنَّ ظهورُ\nما للجنانِ تزخرفَتْ ثم اغتدَى ... منها يلوحُ منازِلٌ وقصورُ\nوتزيَّنت وِلدانها وتقلَّدتْ ... عِقْدَ الجواهرِ في النحور الحورُ\nفعجبتُ من هذا وقلنا حادث ... في الكون بانَ وإنه لكبيرُ\nفأُجِبْتُ: لا تذهل، وقيل لِيَ: انتبهْ ... فاليومَ ماتَ العالمُ النحريرُ\nشيخُ الجَهَابذِ والأفاضِل مفردًا ... نجمُ العلومِ الجِهبذُ المشهورُ\n_________\n(١) \"ديوان عبد اللطيف فتح الله\" (١/ ٣٧٥، ٣٧٦).","vol":"1","page":23},{"text":"بدرُ الشريعة والطريقةِ والهُدَى ... شمسُ الحقيقة: أحمدُ البربيرُ\nبحرُ المعارف ما له من ساحلٍ ... منه استمدَّتْ في الأنامِ بحورُ\nربُّ الفَطَانَةِ والفُهومِ مع الذكا ... في طَوعه التحقيقُ والتحريرُ\nعنه الحديثُ سماعُهُ قد ينبغي ... والفقهُ، والتوحيدُ، والتفسيرُ\nوكذا الأصولُ، وكلُّ فنٍّ ينتمي ... للنقل أو للعقل، وهو شهيرُ\nكم قلبِ علمٍ سرَّهُ تأليفُ ... وأقرَّ منه طرفه تقريرُ\nمولَى القوافي قد تملَّكَ أمرَها ... فأطاعه المنظومُ والمنثورُ\nفيها تصرَّفَ كيف شاءَ، وصاغَها ... صَوْغًا على الِإتقان ظَلّ يدورُ\nمِن كلِّ معنىً ليس مسبوقًا له، ... كلاّ، ولا بسواه فيه شعورُ\nمِن كلِّ مختَرَعٍ يسيلُ بلاغةً ... ويكاد في سحر البيان يطيرُ\nما البحتريُّ لديهِ؟ ما سَحبانُ؟ ما ... نحو الفرزدقِ عندَهُ وجريرُ\nفيه أُصِبنا، والمصائبُ جَمَّةٌ، ... منها العظيمُ، كموتِهِ، وحقيرُ\nلا بِدْعَ إنْ ذهبَ الكِرامُ فإنما ... عُمرُ الكرامِ من الأنام قصيرُ\nيا ليت أعمارَ الكِرامِ مديدةٌ، ... ويكونُ فيها الطولُ والتأخيرُ\nيا ويحَ بيروتٍ وقلَّةَ حظِّها، ... هيهاتَ منها مثلُهُ ونظيرُ\nلكنْ لها فخرٌ به لا ينتهي ... يفنَى الزمانُ وما له تغييرُ\nأرواحُنا، لو كان فيها يُفتَدى، ... جُدْنا بها، وبها الفِداءُ يسيرُ\nلكنْ فناءُ الخَلْقِ حُكمٌ نافذٌ ... لم ينجُ منه كبيرُنا وصغيرُ\nما كان في الدنيا خلودٌ لامرئٍ ... ظَنُّ الخلودِ جَهالةٌ وغرورُ\nلو كان فيها لم يمتْ فيها امرؤٌ ... بل لم يكن للأنبياءِ قبورُ\nفالله يلهمُنا الرضاءَ بحكمِهِ ... والصبرَ عند الرُّزْءِ، فهو قديرُ\nوالحكم لله العليِّ وإنما ... خيرُ المصابِ مُسَلِّمٌ وصبورُ","vol":"1","page":24},{"text":"في صالحيةِ جلَّقٍ ورياضِها ... أودَى، فراح إلى الجنان يسيرُ\nوضريحُه في روضةٍ قد أنورت ... بضريحِ محيي الدين وهو منيرُ\nبجواره قد حلَّ وهو ضجيعُهُ ... نِعمَ الجوارُ، وكم له تأثيرُ\nفعليه رضوان ورحمةُ ربِّهِ ... ما غرَّدت فوقَ الغصونِ طيورُ\nأو ما ابنُ فتح الله أنشدَ راثيًا ... ما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ\n* * *","vol":"1","page":25},{"text":"صورة غلاف المخطوط وهي بخط المؤلف","vol":"1","page":26},{"text":"صورة الورقة الأولى من المخطوط","vol":"1","page":27},{"text":"صورة الورقة الأخيرة من المخطوط","vol":"1","page":28},{"text":"لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١٠)\n\nالفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما»\n\nتأليف\nالشيخ أحمد بن عبد اللطيف البربير الحسني البيروتي (١١٦٠ - ١٢٢٦ هـ)\n\nتحقيق\nرمزي سعد الدين دمشقية","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمدُ لله الذي تعرَّف للمسيء بالِإحسان بعد ما تنكَّر، وأحاط علمه بكل معلوم فاستوى عنده الظاهر والمُضمر؛ والصلاة والسلام على مَن أرشدنا لِإصلاح المعاش والمعاد، وكان بالمؤمنين رحيمًا أرحمَ بهم من الوالدَيْن بالأولاد، وعلى آله وأصحابه الذين قابلوا شريف أمره بالامتثال، فأفضى بهم ذلك إلى قضاء (١) حقيقة الهدى من مجاز الضلال.\nأما بعد، فقد تأمَّلْتُ في حديث: \"أحبب حبيبك هونًا ما .. \" فوجدته من جوامع الكلم التي قد انتهت معاني بيانها البديع بالِإيجاز إلى حدِّ الِإعجاز، حتى لو سمعه قُسُّ بن ساعدة (٢) أو سَحبان بن وائل (٣)، لأصبح\n_________\n(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: فضاء.\n(٢) قس بن ساعدة بن عمرو، من بني إياد، أحد حكماء العرب ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، يضرب به المثل يقال: أبلغ من قس. كان أسقف نجران، ويقال: إنه أول عربي خطب متوكئًا على سيف أو عصا. طالت حياته فكان من المعمِّرين، أدركه النبي - ﷺ - قبل النبوة ورآه في عكاظ، توفي نحو ٢٣ ق. هـ.\nالأعلام ٥/ ١٩٦، مجمع الأمثال ١/ ٩٩.\n(٣) سَحبان بن زفر بن إياس الوائلي، من باهلة، خطيب يضرب به المثل في البيان.\nيقال: أخطب من سحبان وائل، وأفصح من سحبان. اشتهر في الجاهلية وعاش زمنًا في الإِسلام. كان إذا خطب لم يُعد حرفًا ولم يتلعثم ولم يتوقف ولم يتفكر =","vol":"1","page":31},{"text":"كلٌّ عند سماع مبانيه ورِقَّة معانيه أعيى من بأقل (١)، ولا بِدَع في ذلك؛ إذ كان مِن كلام مَنْ أُوتي جوامع الكِلَم واختُصِر له الكلام اختصارًا (٢)، وجعل الله تعالى القرآن العظيم كتابه، فتحدَّى بأقصر سورة منه مصاقع البُلَغاء؛ حتى أقرُّوا بالعجز عن الِإتيان بمثله جهارًا، وقالوا من دَهَشِهم من معانيه التي لا تعدُّ ولا تحصر: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤].\nوجيء إليه بلغة أبيه إسماعيل بعد اندراسها وهدم قواعدها وأساسها؛ فشيَّد بنيانها، وثبَّت أركانها، وأظهر من سعتها ما تضيق عنه صدور الفحول ولا يحيط به إلاَّ مَلَكٌ مقرَّب أو رسول، حتى كان لا\nيخاطب أحدًا إلاَّ بلغة قومه من العُربان، وحسبُك في ذلك ما أتى به من غريب اللغة في حديث زبَّان (٣)؛ لأنه أغرب ما نطق به لسان ووعاه جَنَان.\n_________\n= بل كان يسيل سيلًا. أسلم زمن النبي - ﷺ - ولم يجتمع به، ثم أقام بدمشق أيام\nمعاوية. توفي سنة ٥٤ هـ. الأعلام ٣/ ٧٩، مجمع الأمثال ١/ ٢٢٨.\n(١) هو مثل يُضرب لمن أعياه الكلام، وباقل رجل من ربيعة بلغ من عِيِّه أنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا فمر بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي؟ فمدَّ يديه ومدّ لسانه يريد أحد عشر فشرد الظبي وكان تحت إبطه. مجمع الأمثال ١/ ٤٤٧.\nوالمعنى: أن إيجاز كلامه - ﷺ - وإعجازه لو سمعه قس بن ساعدة، وسحبان وائل\nوهما مضرب المثل في البلاغة والفصاحة لسكتا وعجزا عن الكلام.\n(٢) في هذا إشارة للحديث الصحيح الذي رواه البخاري ح ٢٩٧٧، ومسلم ح ٥٢٣، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: \"بعثتُ بجوامع الكلِم\". وما رواه الدارقطني في سننه ٤/ ١٤٤ عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"أعطيتُ جوامع الكلم، واختُصِرَ لي الحديثُ اختصارًا\".\n(٣) هو زبَّان بن قِسْوَر الكُلَفي، صحابي مختلف في اسمه واسم أبيه، حديثه عند الدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" ٢/ ١٠٨٥ - ١٠٨٦ (طبعة دار الغرب =","vol":"1","page":32},{"text":"فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه في جميع حال الأوقات ومستقبلها، عَدَد\n_________\n= الِإسلامي ١٤٠٦ هـ - تحقيق د. موفق عبد القادر) قال الدارقطني: حديثه منكر الِإسناد.\nثم ساق إسناده فقال: حَدَّثنا الحسن بن رشيق بمصر، حَدَّثنا أبو عَلي أحمد بن مُحمَّد بن يحيى بن جَرير الهَمْداني، حَدَّثني أبو محمد عبد الله بن مُحمَّد البَلَويّ، حَدَّثني عُمَارة بن زَيْد الأنصاري من الأوس من ساكني تَيْماء، حَدَّثني إبراهيم بن سعد، عن مُحمَّد بن إسحاق، حَدَّثني يحيى بن عُرْوَة بن الزبير، عَنْ\nعُرْوَة بن الزُّبير، عن زَبَّان بن قِسْوَر الكُلَفيّ، قال: رأيت رَسول الله - ﷺ -، وهو\nنازِل بوادي الشَوْحَط ومعه رَجُلٌ دونه في هَدْيه وَسَمْتِهِ، إذا كَلَّم رَجُلٌ رسولَ الله - ﷺ - فأطالَ، أومأ إليه أنْ اقتصر، وإذا كَلَّم رسول الله - ﷺ - رجُلًا سَمَّعَهُ\nوفَهَّمَهُ قول رسول الله - ﷺ -، فقلت لبعض أصحابه: مَن هذا؟ قالوا: هذا صاحبه\nالأخص أبو بكر الصدّيق، فَكَلَّمتُ رسول الله - ﷺ - فقلت: إن لُوْبًا لنا نحلًا كان في عَيْلم لنا له طِرم وشبرق، فجاء رَجلٌ فضرب مَيّتَيْن فأنْتج حَيًّا وكَفَّنه بالثُّمَام فانحسر فطار اللُّوب هاربًا ودَلى مشواره في العَيْلم، فاشتار العَسَل فمضى به.\nفقال رَسولُ الله - ﷺ -: \"مَلْعونٌ مَلْعُونٌ من سَرق شبرق قوم فأضَرَّ بهم، أفلا تَبعتُم أثره، وعَرفتم خبره\". قال: قلت: يا رَسول الله إنّه دخل في قوم لهم مَنْعَة وهم\nجِيرتنا مِن هُذَيْل. فقال رسولُ الله - ﷺ -: \"صَبرك صبرك، ترد نهر الجنَّة وإنَّ سَعَته كما بين اللّقيقة والسُّجَيقة يتسبسب جَرْيًا بعَسَلِ صافٍ مِن قذاه، ما تقيأه لوب ولا مَجّه ثوب\".\nوقال الدكتور موفق، محقق \"المؤتلف والمختلف\": لم أقف على معظم ألفاظه الغريبة معنًى ولا لأسماء الأمكنة تعريف.\nقال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البرَّ في \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" ١/ ٥٨٧ (بهامش الِإصابة): حديثه غريب، فيه ألفاظ من الغريب كثيرة، وهو عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عنه، وهو حديث ضعيف الإِسناد، ليس دون إبراهيم بن سعد من يُحتجُّ به فيه، وهو عندهم منكر.","vol":"1","page":33},{"text":"كلمات اللغة العربية مهملها ومستعملها.\nولمَّا رأيتُ هذا الحديث قد فعل بي ما لا يفعله الشراب القديم، من النشوة والطرب بالنديم، كتبتُ عليه هذه الرسالة متوسِّلًا بها إلى صاحب الوسيلة والرسالة، وسمَّيتها:\nالفصيحة العجما في الكلام على حديث \"أحبب حبيبك هونًا ما\"\nوالله المسؤول أن يمنَّ عليها بالقبول، فأقول:\n\nاعلم أنَّني قد رأيتُ الشمس المَيداني ذكر هذا الحديث في أمثاله (١).\nوقال الخطَّابي: إنه مَثَل مِن أمثال العرب. ولا مناقضة؛ فقد ثبتَ أنه - ﷺ - تمثَّل كثيرًا بأمثال العرب، فمنها ما بقي على معناه كهذا الحديث، ومنها ما أخرجه عن معناه الذي وُضِع له بإرادةِ معنًى آخر، كقوله: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\" (٢)، وذلك لأنَّ الجاهلية كانت ترى نُصرة الأخ وإن كان ظالمًا، فاستعمله النبي ﷺ في غير ما أرادت، وأراد بنصرة الأخ الظالم دلالته على الحق وإعلامه أنه ظالم. فإذا فعل الفاعل به ذلك فقد نصره على هوى نفسه وشيطانه وغضبه.\nوقوله في الحديث: \"أحبب\"، أمر إرشاد لا أمر ندب؛ لأنَّ المقصود به نفع المخاطب في الدنيا. قال ابن أبي شريف في حاشيته على جمع الجوامع (٣):\n_________\n(١) مجمع الأمثال ١/ ١٩١.\n(٢) رواه البخاري ح ٢٤٤٤ من حديث أنس ﵁.\n(٣) هو كمال الدين محمَّد ابن الأمير ناصر الدين محمَّد المقدسي، المعروف بابن أبي شريف، المتوفى سنة ٩٠٦ هـ، أصولي من علماء الشافعية، واسم حاشيته: =","vol":"1","page":34},{"text":"قال التاج السبكي: الفرق بين الندب والِإرشاد، أنَّ الندب مطلوب لثواب الآخرة، والِإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتَّة؛ لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحته (١). اهـ.\nقلتُ: وهذا لا ينافي ترتُّب الثواب لأمر خارج، كالأكل والنوم بقصد التقوِّي على الطاعة وتحصيل النشاط لقيام الليل والتهجُّد فيه، وكالنكاح يريد به كفَّ نفسه وتحصيل ولد يُكثِّر به سواد الأمة.\nقال التاج السبكي: والتحقيق أنَّ فاعل ما أُمِرَ به إرشادًا إنْ أتى به لمجرَّد غرضه فلا ثواب له، وإنْ أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحة ولا قاصد غير مجرَّد الانقياد لأمر ربه أُثِيبَ، وإن قصد الأمرين\nأُثيبَ على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابًا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرَّد الامتثال. اهـ.\nقلتُ: وهذه المسألة -وهي الجمع بين القصدين- تجري كثيرًا فيمن يقرأ نحو (المواقعة) لأجل حصول الغنى، و(يلس) لغرضٍ من أغراضٍ، ويُدمن الاستغفار لتوسعة الرزق، ويصلِّي على النبي - ﷺ - لقضاء حاجته. فجزى الله الِإمام السبكي خير جزاء حيث صرَّح بإثابة مَن ابتُلي\nبهذا الداء لأنه مما ابتُلي به الجمُّ الغفير والجمع الكثير، وهو مقام العامة.\nوأما مقام الخاصة، فهو تنزيه العمل عن شرك الِإشراك وإخلاصه لِمَلِكِ الأملاك، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فتراهم لا يطلبون في عبادتهم من غير الله مددًا، فلما شغلتهم\n_________\n= الدرر اللوامع بتحرير جمع الجوامع، طبعت في فاس سنة ١٣١٢ هـ في جزئين، ولم أعثر عليها في مكتبات المشرق.\n(١) تنظر هذه المسألة في حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ١/ ٣٧٢.","vol":"1","page":35},{"text":"عبادته عمَّن سواه أعطى كلًاّ منهم ما تمنَّاه. كما قال تعالى في الحديث القدسي: \"مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين\" (١).\nورحم الله من قال: [من مجزوء الرجز]\nواعملْ لوجهٍ واحدٍ ... يكفيكَ كُلَّ الأوجهِ\nوفي الحديث القدسي أيضًا: \"يا دنيا مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خَدَمَكِ فاستخدميه\" (٢).\nوقوله في الحديث: \"أحبب\" خطاب عام لكل مَن يصلح للمخاطبة، لكن قرينة كونه إرشاديَّا دلَّت على أنَّ المراد بالخطاب المؤمنُ فقط؛ لأنه لو كان الأمر فيه للندب لبقي على عمومه بناءً على أنَّ الكافر مُخاطب بالأحكام الشرعية، وأنه يعاقب على تركها زيادة على عقاب كفره.\nوقوله: \"حبيبك\" من صيغ العموم؛ لأنه مفرد مضاف، لكنه هنا من العام الذي أريد به الخصوص، وذلك لأنه أُريد به كل من تستحيل محبته بغضا بقرينة السياق، فيخرج بذلك محبَّة الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وكذا محبَّة الحقِّ تعالى؛ لأنه لا يُخشى في تلك المحبة إذا جاوز الشخص فيها حدَّها ما ذُكِرَ من استحالتها بغضًا، بل الِإفراط فيها مطلوب مشكور، وفاعله ولو تجاوز الحدَّ معذور، ففي الحديث: \"اذكر الله حتى يقولوا مجنون\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري في خلق أفعال العباد ص ١٠٥، ط. مؤسسة الرسالة ١٩٨٧.\n(٢) لم أقف عليه.\n(٣) رواه الِإمام أحمد في المسند ٣/ ٦٨، ٧١، من حديث أبي سعيد الخدري، =","vol":"1","page":36},{"text":"ورأيتُ الشيخ الأكبر قُدَّس سرّه ذَكَرَ: أنه رأى رجلًا من أهل المحبة في مجلس، فتكلما فيه رجل على المحبة، فأخذ ذلك المحبُّ يذوب جسمه حتى عاد نطفة، فقام بعض الحاضرين وأخذ تلك النطفة فوضعها في قطنة ووضع القطنة في شق الحائط (١)!!\nقلتُ: ولم أرَ من تكلم في الحديث بما ذكرتُه.\nواعلم أنَّهم فرَّقوا بين العام المخصوص والذي أُريد به الخصوص بفروق، منها: أنَّ العام المخصوص قرينته لفظية كالشرط والاستثناء وغيرهما، والعام الذي أريد به الخصوص قرينته عقلية. ومنها: أنَّ العام المخصوص مستعمل فيما وضع له فهو حقيقة، والذي أريد به الخصوص مستعمل في غير ما وضع له فهو مجاز، وذلك كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ لأنَّ المراد بالناس الأُولى رجل واحد وهو نُعَيْم بن مسعود الأشجعي (٢)، وكقوله: (أَو\n_________\n= بلفظ: \"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون\". ورواه أبو يعلى في مسنده ٢/ ٥٢١، ح ١٣٧٦، من حديث أبي سعيد أيضًا بلفظ: \"اذكروا الله ذكرًا كثيرًا حتى يقولوا مجنون\".\nذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٧٥ - ٧٦، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات.\n(١) هذا الكلام عجيب جدًا، بل لا يعقل ولا يصح ولو رآه شيوخ الدنيا كلها، وليت المؤلف اكتفى بما تقدَّم من نُقول عن الِإمام السبكي، ففيها شفاء واكتفاء، وعليها التعويل في فهم كلامه - ﷺ -.\n(٢) هو قول مجاهد وعكرمة ومقاتل في آخرين، وللمفسرين في تأويل الآية أقوال أخرى. ينظر: زاد المسير لابن الجوزي ١/ ٥٠٤.\nونعيم بن مسعود صحابي أسلم زمن الخندق، وهو الذي خذَّل المشركين وبني =","vol":"1","page":37},{"text":"﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]؛ لأنه أراد بهم نبينا - ﷺ - كما ذكره المفسِّرون (١).\nوبما تقرَّر عُلِم أنَّ الحديث من الدِّين المفسر بالنصيحة لخاصة المؤمنين وعامَّتهم.\nوقوله في الحديث: \"هَونًا\" بفتح أوله، أي: لينًا سهلًا رفيقًا بسكينة ووقار.\nقلت: وذلك لأنَّ المؤمن هيِّن ليِّن، فناسب أن يكون حُبُّه وبغضه مثله في اللين والرقة والسهولة. تقول: هان الشيء يهون، كقال يقول؛ إذا سهل ولسان. وأما الهُون بضم أوله فهو الذلُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩].\nوقوله في الحديث: \"ما\" يصحُّ أن يراد هنا من معانيها العشرة ثلاثة معانٍ، كما استخرجتُ ذلك من كلام القاضي البيضاوي (٢) ومَنْ كَتَب على عبارته كشيخ الإِسلام، والشهاب الخَفَاجي، وشَيْخِي زَادَه، وابن تَمجيد (٣)\n_________\n= قُريظة يوم الخندق حتى صرفهم الله بعد أن أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يُرو، مات في أول خلافة علي ﵄.\n(١) هو قول أغلب الصحابة والتابعين. زاد المسير ٢/ ١١٥.\n(٢) أي في تفسيره المسمى \" أنوار التنزيل وأسرار التأويل\".\n(٣) شيخ الإِسلام: هو القاضي زكريا بن محمَّد الأنصاري (المتوفى ٩٢٦ هـ)، واسم حاشيته: \"فتح الجليل ببيان خفي أنوار التنزيل\".\nالشهاب الخَفَاجي: هو شهاب الدين أحمد بن محمَّد الخفاجي المصري (المتوفى ١٠٦٩ هـ)، واسم حاشيته: \"عناية القاضي وكفاية الراضي\".\nشيخي زاده: هو القاضي عبد الرحمن بن محمَّد المعروف بشيخي زاده (المتوفى =","vol":"1","page":38},{"text":"وغيرهم، ومن شرح الميداني لأمثاله (١)، ومن إعراب القرآن المبين للسَّمِين (٢)، ومن المُنَاوي والعَلْقَمي والعَزِيزي (٣):\nالمعنى الأول: أن تكون \"ما\" زائدة للتأكيد.\nالمعنى الثاني: أن تكون صفة للنكرة التي قبلها، ويكون المعنى: أيُّ هون. قال البيضاوي (٤): فـ \"ما\" إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، أي: خفاءً. وشِياعًا، أي: عمومًا. قال ابن تمجيد: ويتفرع على الِإبهام\nالحقارة، كقولك: أعطِ شيئًا ما، أي: شيئًا حقيرًا. أو الفخامة كقولهم:\n_________\n= ١٠٧٨ هـ)، له حاشية على تفسير البيضاوي.\nابن تمجيد: هو مصلح الدين مصطفى بن إبراهيم المعروف بابن التمجيد (المتوفى ٨٨٠ هـ)، كان معلم السلطان محمَّد الفاتح، له حاشية على تصير البيضاوي.\n(١) مجمع الأمثال ص ١٩١.\n(٢) السمين: هو شهاب الدين أحمد بن يوسف الحلبي (المتوفى ٧٥٦ هـ)، واسم كتابه: \"الدُّر المصون في علوم الكتاب المكنون\" طبع بتحقيق الدكتور أحمد محمَّد الخرَّاط.\n(٣) المناوي: هو محمَّد عبد الرؤوف بن تاج العارفين الحدادي المناوي (المتوفى ١٠٣١ هـ)، وكلامه في شرحه على \"الجامع الصغير\" للسيوطي، وله عليه شرحان: كبير وهو \"فيض القدير\"، ومختصر وهو \"التيسير بشرح الجامع الصغير\".\nالعلقمي: هو شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن العلقمي (المتوفى ٩٦٩ هـ)، تلميذ الِإمام السيوطي، واسم كتابه: \"الكوكب المنير بشرح الجامع الصغير\".\nالعزيزي: هو علي بن أحمد العزيزي البولاقي (المتوفى ١٠٧٠ هـ)، واسم كتابه:\n\"السراج المنير بشرح الجامع الصغير\".\n(٤) أنوار التنزيل ص ١٧، ط مصطفى البابي الحلبي - ١٣٧٥ هـ.","vol":"1","page":39},{"text":"لأمر ما يسّود من يسوَّد. وقولهم: لأمر ما جَدَع قصيرٌ أنفه. اهـ.\nقلت: لكن المراد في الحديث هنا التحقير؛ لأن المقصود حبًّا قليلًا.\nالمعنى الثالث: أن تكون \"ما\" نكرة، كما نقله قطب دائرة الولاية وكنز دُرِّ بحر الهداية والعناية، مَنْ تشرف به العالم المثالي والعالم الحسِّيّ (١)، سيِّدي العارف باللهِ تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي قُدَّس سرّه في كتابه \"الحاوي على البيضاوي\" عن الفرَّاء وثعلب والزجَّاج في تفسير قوله تعالى: (سَلامًا) [هود: ٦٩]، وأنها إذا كانت نكرة كانت بدلًا مما قبلها. اهـ.\nوالتقدير: أحبب حبيبك حبًّا متوسطًا؛ لأنَّ المبدل منه في نية الطرح فيكون المقصود الأعظم هو التوسُّط في الحب الذي أفادته \"ما\".\nقلت: وقد رأيت في \"مجمع البحار\" المؤلَّف في تفسير ألفاظ صحيح البخاري، تأليف العلَّامة شمس الدين محمَّد طاهر الهندي الفَتَّني (٢) -بفتح الفاء وتشديد المثناة من فوق وكسر النون وبياء النسبة-\nنسبة إلى بلدة فتَّن من بلاد كجرات من قطر الهند: أنَّ \"ما\" في الحديث للتقليل.\n_________\n(١) لا يليق أن يوسف بهذا الوصف إلاَّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فهم الكُمَّل الذين تشرَّفت بهم البقاع والأماكن، أما غيرهم فليس بمعصوم مهما بلغ من العلو في درجات الصلاح، والله أعلم بسريرة قلبه فتحسِّن الظن به ولا نجزم له بشيء لأنَّ في ذلك تَقوُّلًا على المولى الكريم. وربما يُعتذر للمؤلف بأنَّ هذه كانت لغة عصره، سامحه الله بعميم عفوه.\n(٢) الملقب بملك المحدثين (المتوفى ٩٨٦ هـ)، واسم كتابه: \"مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار\"، طبع في الهند قديمًا ١٢٨٤ هـ.","vol":"1","page":40},{"text":"قلت: وهو كالذي قدمناه عن ابن تمجيد أنه يتفرَّع من كونها للِإبهام التحقير والتفخيم، ويصح في آية: (مَثَلًا مَّا) هذه الأوجه الثلاثة، ويزاد على ذلك وجهان في قراءة مَنْ رفع (بَعُوضَةً):\nالأول: كونها موصولة حذف صدر صلتها والتقدير: مثلًا الذي بعوضة.\nوالثاني: أنها استفهام، هي المبتدأ وبعوضة خبرها ويكون الاستفهام في الآية لتقرير عدم الاستحياء.\nقال شيخى زاده؛ ويكون المعنى: ما البعوضة فما فوقعها حتى لا يَضرب الله بها المثل، بل له تعالى أن يُمثل بما هو أحقر من ذلك. اهـ.\nقلت: وذلك لعدم تفاوت الخلق كما قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]،\nأي: في إحكام الصنعة؛ لأنَّ البعوضة وإن كانت حقيرة لا تفاوت بينها وبين الفيل في إحكام صنعتها. أو المراد بعدم تفاوت الخلق من حيث دلالة كل من الكبير والصغير والعظيم والحقير على\nوجود اللطيف الخبير، وعلى انفراده بالألوهية وبالصفات الكمالية، كما قيل: [من المتقارب]\nوفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ ورحم الله من قال: [من الكامل]\nورقُ الغصونُ إذا نظرتَ دفاتِرُ ... مشحونةٌ بأدلةِ التوحيدِ\nوقوله في الحديث: \"أحبب\" بهمزة القطع في الرواية، فيكون مما ماضيه رباعي. وفي ماضيه أربع لغات ذكرها في المصباح (١):\nهذه أولها: وهي: أَحْبَبَ.\n_________\n(١) المصباح المنير ص ١١٧.","vol":"1","page":41},{"text":"ثانيها: ثلاثية، وهي: حَبَبْتُه أحِبُّه من باب ضَرَبَ، والقياس أَحُبُّه بالضم لكنه غير مستعمل. اهـ. قلت: وإنما كان القياس فيه الضم لأنه فعل مضاعف متعدٍّ، وكل ما كان كذلك كان مضارعه بالضم؛ لأنه يكون من باب قتل، وذلك كقولهم: ردّه يردُّه، وعدّه يعدُّه، وضرّه يضُرُّه، وَسَرَّه يَسُرُّه، وهكذا .. فجاء هذا مخالفًا للقياس.\nاللغة الثالثة: حَبِبْتُه أَحَبُّه، من باب تَعِبَ.\nرابعها: لغة هُذَليَّة، وهي: حَابَبْتُه حِبَابًا، من باب قَاتَل، فهو مَحبُوب وحَبيبٌ والأنثى حَبِيبة، وجَمعُها حبائب، وجمع المذكر أَحِبَّاء.\nوكان القياس أن يجمع جمع شُرَفاء، لكنهم كرهوا اجتماع المثلين، وقد قال أعلام اللغة: كل ما كان على فعيل من الصفات، فإن كان غير مضاعف فبابه فُعَلاء كشَرِيف وشُرَفاء، وإن كان مضاعفًا فبابه أفعلاء مثل حَبيب وطَبيب وخَلِيل.\nواختُلفَ في حدِّ الحبِّ واشتقاقه وسببه وفي كونه اختياريًّا أو اضطراريًّا.\nأما الحدُّ فقال قوم: إنه لا يُحَدُّ، فقد حُكي أنه قيل لامرأة عُذْرية: ما الحب؟ فقالت: والله إنه أجلُّ من أن يُرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو كامن كُمُون النار في الحجر؛ إن قدحته ورى وإن تركته توارى. وعلى هذا قول سلطان العشاق سيِّدي عمر بن الفارض في بكر من أبكار\nأفكاره (١): [من الطويل]\nهو الحُبُّ فاسلمْ بالحَشَا ما الهوى سَهلُ ... فما اختارهُ مُضْنًى به وله عَقلُ\n_________\n(١) شرح ديوان ابن الفارض للشيخ حسن البوريني ٢/ ٩٠، المطبعة الخيرية ١٣١٠ هـ.","vol":"1","page":42},{"text":"فانظر كيف أتى بهذا الضمير الجليل الذي لا يؤتى به إلاَّ في مقام التعظيم والتهويل كقول أبي العلاء المعرِّي: [من الطويل]\nهو الهَجرُ حتى ما يُلمَّ خيالُ ... وبعض صدودِ الزائرينَ وِصَالُ\nوالضمير في قوله: (هو الحب) عائد على حاضر في الذهن كأنَّ الذهن استحضره لعظمته وتصوَّره لرفعته وهو مبتدأ خبره الحب، والجملة بعده استئنافية والفاء في المصراع الأول واقعة في جواب شرط مقدَّر تقديره حيثما حكمتَ بأنَّ الحب في هذه المرتبة العالية العظيمة، فأسلم بنفسك قبل أن تنشب المنية فيك أظفارها وترسل عليك شِوَاظها وشَرارها.\nوقال قوم: بل الحب يحدُّ، وأنه ميل القلب، وذلك الميل ناشئ إما عن رؤية المحبوب أو سماع أوصافه، ويقال للثاني حبٌّ موسوي كما قال بعضهم: [من مجزوء الكامل]\nفعلمتُ أني مُوسوي م ... العِشقِ إدراكًا\nويعني: أهوى بجارحة السماع ولا أرى عين المسمَّى.\nوقال آخر (١): [من البسيط]\n.................... والأذْنُ تَعشقُ قَبلَ العينِ أحيانًا\nفإذا رأى الرائي صورة أو سمع بأوصافها صوَّرها في ذهنه فمال إليها قلبه متوهّمًا أنها اختصَّت بصفات كمالية لا توجد في غيرها. ولا تقع محبة بين شخصين إلاَّ بعد وجود مشاكلة ما بينهما، ولذا قال الشاعر: [من السريع]\nوقَائلٍ كيفَ تفرقتُما ... فقلتُ قولًا فيه إنصافُ\n_________\n(١) ديوان بشار بن بُرد ص ٢٢٣ جمع محمَّد بدر الدين العلوي - دار الثقافة بيروت.\nوصدره: يا قومُ أذني لبعض الحيِّ عاشقةٌ.","vol":"1","page":43},{"text":"لم يَكُ من شكلي ففارقتُهُ ... والقومُ أشكالٌ وأوصافُ\nومن اللطائف ما حكي أنَّ التِّيمور كان يحبّ السيد الجُرجُاني لفضله، وكان يبالغ في إكرامه حتى مال السيد إليه لما جُبِلتْ عليه القلوب من حُبِّ مَنْ أحسن إليها، فتذكر السيِّد يومًا في ميله إلى ذلك الرجل وصحبته له وتردُّده عليه فشرع يوبخ نفسه قائلًا: لولا مناسبة ومشاكلة فيكِ لهذا الرجل لما كان منكِ ميل إليه. ثم انقطع عن التردُّد إلى التيمور، فاستبطأه وأرسل يستحضره فلم يحضر، فذهب التيمور إليه مستخفيًا، فلما رآه قال له: سألتك بالله ما الذي قطعك عني؟ فأخبره السيِّد بواقعة الحال،\nفلما أتمَّ كلامه قال: سبحان الله كيف خفيت عليك المناسبة بيني وبينكَ إلى هذا الوقت، أتريد مناسبة أحسن من كوني وإيَّاكَ نحب أهل البيت، فعند ذلك انشرح صدر السيِّد لهذا المقال وكأنما نَشِط من عِقَال، وعاد إلى صحبته والتردُّد عليه (١).\nوقال بعض الحكماء: الحب داء وسواسي لا يعرض إلاَّ للقلوب الفارغة. وقيل: الحبُّ عمى المحبّ عن إدراك عيوب المحبوب، أو عرض وسواسي يجلبه الِإنسان إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور.\nقلت: وعليه قول المجنون (٢): [من الطويل]\nأتاني هَواهَا قبلَ أنْ أعرفَ الهوى ... فصادفَ قلبًا خاليًا فتمكَّنا\n_________\n(١) المعروف عن تيمورلنك أنه كان من الظالمين الذين استباحوا دماء الناس، وأما محبته آل بيت النبي ﷺ وعلى آله فلن تنفعه مع ما فعله من إراقة الدماء. كما لا يتصور أن يميل الِإمام الجرجاني وهو من هو في علماء الإِسلام إلى هذا الظالم ويحبه ويقدمه.\n(٢) ديوان مجنون ليلى ص ٢٨٢.","vol":"1","page":44},{"text":"قلت: وبما قدَّمتُه عُلِم سببه، والمعتمد أنه اختياريٌّ ابتداء اضطراري انتهاء، وذلك كاستعمال الأفيون.\nوأما اشتقاقه، فقيل: من حبَّة القلب فمعنى أحببت زيدًا أصبت به حبَّة قلبي كما أن الشغف إصابة شغاف القلب، وهو غشاؤه الذي يحيط به، وقيل: هو من حباب الماء وحببه لصفائه ورقَّته. وقيل: من الحب بالضم وهو إناء كبير يوضع فيه الماء، وذلك لأنَّ الحب الذي هو ميل القلب يحتوي على الرقة واللطافة كما يحتوي حُب الماء على ذلك الجوهر اللطيف السيّال.\nواعلم أنَّ الحب يزداد حتى يبلغ الشغف، وهو أن يصل إلى شغاف القلب كما قدمنا، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠]، أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، فإن زاد على ذلك وجاوز الحدَّ سُمِّي عشقًا مأخوذ من شجر تسمى العشقة تعود بعد نضرتها وخضرتها معفَّرة الأوراق ثم تذبل وتصير هشيمًا تذروه الرياح، شبهوا العاشق بها في ذلك.\nفإن زاد العشق وأفرط كان هُيامًا وصاحبه هايم، وهو الذي لا يدري أين يتوجَّه، وحينئذ يختل نظامه ويقل كلامه ويطير كَراه من وكر جفنه وينفد دهن مصباح عقله وذهنه. فإذا انقلب والحالة هذه حبيبه بغيضًا زادت البليّه وعظمت الرزيَّة، فلذلك قال سيِّد المرشدين وإمام الهادين والمهتدين صلَّى الله علي وسلَّم وعلى مَن آلَ بالقرابة أو المحبة أو بهما إليه: \" أحبب حبيبك هونا ما\"، أي: مقتصدًا في المحبة لا مائلًا إلى إفراط ولا تفريط، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: لا يكن","vol":"1","page":45},{"text":"حبُّكَ كَلَفًا ولا بغضك تلفًا (١).\nقوله: كلفًا -بفتح الكاف واللام- هو العشق، وقد تقدَّم أنه مجاوزة حدِّ المحبَّة؛ وأما الكَلِف -بكسر اللام- فهو مَنْ قام به الكَلَف. وقوله: ولا بغضك تلفًا، أي: مفضيًا بكَ إلى تلف من أبغضته.\nوقال الشاعر: [مجزوء الرجز]\nحبُّ التناهي غَلَطْ ... خَيرُ الأمورِ الوَسَطْ\nلأنَّ ما يخرج عن الوسط خرج عن الاعتدال، ولذلك جعل الله هذه الأمة وسطًا عدولًا غير مائلة إلى طرف من الأطراف، كالأمم قبلها، فإنَّ منها من مال إلى طرف الِإفراط، ومنها من مال إلى طرف التفريط.\nقلت: وقوله: \"أحبب\" ليس المراد به حقيقة الأمر بالحب بل المراد به الأمر بمعاملة من يحبه معاملة من لا يُفرِط في محبته ولا يفرِّط، وذلك يفهم من قرينة عقلية وهي أن الحب اختياري ابتداءًا ضطراري انتهاءً كما تقدَّم، وإذا كان كذلك وأحبَّ الشخص حبيبًا كيف يتأتى له أن يجعل حبه غير مفرط، وقد ثبت أنه غير داخل تحت اختياره فكيف يسوغ أمره بعدم جعله مُفْرِطًا، هذا وليس الأمر في الحديث للندب حتى نقول برأي مَنْ يرى التكليف بالمُحَال، فتعيَّن أن يكون قوله: \"أحبب\" من المجاز المرسل وعلاقته هنا السببية لأنَّ الحب سبب لمعاملة المحبوب، ويكون المعنى:\nعامل حبيبكَ معاملة مَنْ لا يخرج عن حدِّ المحبَّة ولا تعامله معاملة مَنْ يخرج عن حدّها بحيث تطلعه على عُجَرك وبُجَرك وسرائرك وضمائرك\n_________\n(١) رواه البخاري في الأدب المفرد ح ١٣٢٢، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، ط. البشائر الِإسلامية.","vol":"1","page":46},{"text":"وذخائرك، فلربما استحالت صداقته عداوة ومرّ ما كنتَ تعهده فيه من الحلاوة، كما قال الشاعر: [من مجزوء الكامل]\nاحذر عدوَّك مرَّةً ... واحذرْ صديقكَ ألف مرَّهْ\nفلربما انقلب الصديـ ... ـقُ فكانَ أدرى بالمضرَّهْ\nوقال آخر: [من الوافر]\nسَلمتُ من العدوِّ فما دَهانِي ... سِوى مَن كان معتمدي عليهِ\nوقال آخر: [من المجتث]\nلو قيل لي سَلْ أمانًا ... من حادثات الزمانِ\nلما سألتُ أمانًا ... إلاَّ من الِإخوانِ\nوقال آخر: [من المجتث]\nأمَّا العدو فيُبدي ... ما عنده ويكاشفْ\nلكنْ توقَّ وحاذرْ ... من الصديق المُلاطفْ\nوقال ابن الوردي (١): [من الرَّمَل]\nلا يَغُرنَّكَ لِينٌ من فتى ... إنَّ للحيَّاتِ لِينًا يُعتَزل\nوقلتُ في المعنى: [من الكامل]\nلا تَطمئنَ بلَيِّنٍ فلكم ... مِنْ ليِّنٍ قد فتَّتَ القاسي\nوانظر إذا استغربتَ قوليَ في ... فعلِ الرصَاصِ بمعدنِ المَاسِ\nوفي الحديث: \"أخوكَ البِكْري ولا تأْمنه\" (٢). قوله: \" أخوك\" هكذا\n_________\n(١) لامية ابن الوردي المسماة: نصيحة الِإخوان، ص ١٠٩ من فتح الرحيم الرحمن شرح نصيحة الِإخوان - المطبعة العثمانية بالقاهرة ١٣٠٣ هـ.\n(٢) رواه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الحذر من الناس، ح ٤٨٦١، والِإمام =","vol":"1","page":47},{"text":"الرواية\" وكان القياس: أخاك؛ لأنَّ المقام مقامُ التحذير.\nقال العزيزي (١): وهو مبتدأ. وقوله: \"البكري\" نعت له، والخبر محذوف تقديره يُخاف منه. وقال الخطابي: هذا مثل مشهور عند العرب، وفي هذا الحديث إثبات الحذر واستعمال سوء الظن إذا كان على وجه السلامة. اهـ.\nقوله: (واستعمال سوء الظن)، اعلم أن سوء الظن بالأخ المسلم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، فما ورد من الأحاديث مما ظاهره يخالف ذلك كهذا الحديث، وحديث: \"الحزم سوء الظن بالناس\" (٢) محمول على معاملة الأصدقاء معاملة من يُساء به الظن مع حسن الظن بهم، فإنْ تَرَكَ ذلك كان تاركًا\n_________\n= أحمد في المسند ٥/ ٢٨٩، من حديث عمرو بن الفَغْوَاء الخُزاعي في قصة طويلة.\nوقال المنذري: في إسناده محمَّد بن إسحاق بن يسار.\nوالنبي - ﷺ - استعمل هذا المثل تنبيهًا لعمرو بن الفغواء عندما أرسله بمال لأبي سفيان بمكة بعد الفتح، وذلك تحذيرًا من رفيقه الذي صاحبه في تلك الرحلة قائلًا له: \"إذا هبطتَ بلاد قومه فاحذره، فإنه قد قال القائل: أخوك البكري ولا تأمنه\".\n(١) السراج المنير شرح الجامع الصغير ١/ ٧٤.\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ح ٦٠٢، وتمَّام في فوائده (الروض البسام) ح ١١٦٧ من حديث أنس، بلفظ: \"احترسوا من الناس بسوء الظن\"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٩: رواه الطبراني في الأوسط وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.\nوللحديث شواهد عند أحمد في الزهد والبيهقي في السنن والديلمي في مسند الفردوس، ذكرها السخاوي. ينظر: المفاسد الحسنة ص ٢٤.","vol":"1","page":48},{"text":"للحزم فلربما ندم على تركه حيث لا ينفعه الندم. وعلى ما تقدَّم يُحمل، مثل قول الشاعر: [من الرمل]\nلا يكُنْ ظَنُّكَ إلاَّ سيِّئًا ... إنَّ سُوء الظنِّ مِنْ أقوى الفِطَنْ\nما رمى الِإنسانَ في مَهلَكَةٍ ... غير حُسْنِ الظنِّ والفِعْلُ الحَسَنْ\nوقوله في الحديث: \"البِكري\" -بكسر الباء- هو أول ولد الوالدين، فهذا لا تأمنه فضلًا عن الأجنبي.\nوفي الحديث أيضًا: \"أُخْبُرْ تَقلُه\" (١)، قوله: \"أخْبُر\" بإسكان الخاء المعجمة وضم الموحدة، وقوله \"تُقْلُه\" بتثليث اللام كما قاله العزيزي (٢)، وهو من القلى وهو البغض. قلت: والأمر فيه بمعنى الخبر كما في قوله: \"إذا لم تَسْتَحِ فاصنَع ما شِئتَ\" (٣)، أي؛ صنعتَ، وهنا معناه إذا اختبرت الناس قليتهم لما يظهر لك من سوء بواطنهم، وحُذف معمولُ الخبر لِإرادة العموم؛ لأنَّ حذف المعمول يؤذن بالعموم، والتقدير أخبر من شئت أو أي صاحب. والهاء في قوله: \"تقله\" هاء السكت، ويصح أن تكون ضميرًا\nعائدًا على المعمول المقدَّر، أي: أخبر صاحبك تقله.\n_________\n(١) رواه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا وموقوفًا، قال الهيثمي في \"المجمع ٨/ ٩٠: وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.\nوقد ذكر السخاوي هذا الحديث في المقاصد الحسنة ص ٢٥ وبيَّن طرقه وضعفها ثم قال: ومن شواهده ما اتفق عليه الشيخان عن ابن عمر مرفوعًا: \"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة\".\n(٢) السراج المنير ١/ ٦٩.\n(٣) رواه البخاري ح ٣٤٨٣ من حديث أبي مسعود البدري بلفظ: \"إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي ... \".","vol":"1","page":49},{"text":"وفي المعنى قول الشاعر: [من البسيط]\nجَرَّبتُ دهري وأهليه فما تَرَكَتْ ... ليَ التجاربُ في ودِّ امرئٍ غَرضَا\nويرحم الله أبا نُوَاس حيث يقول (١): [من الطويل]\nإذا اختبرَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفتْ ... له عن عدوٍّ في ثيابِ صديقِ\nوقال آخر: [من الطويل]\nوزهَّدني في الناسِ معرفتي بهم ... وطولُ اختباري صاحبًا بعد صاحبِ\nفلم تُرني الأيامُ خِلًاّ تَسرُّني ... مباديه إلاَّ ساءني في العواقبِ\nوقال آخر: [من الطويل]\nوقد كان حُسْنُ الظن بعضَ مذاهبي ... فأذهبه هذا الزمانُ وأهلهُ\nوقال آخر: [من مجزوء الخفيف]\nجَنِّب الناس جانبا ... وارْضَ باللهِ صَاحِبَا\nقَلِّب الناسَ كيف شئـ ... ـتَ تجدهم عَقَاربَا\nوقال آخر: [من المجتث]\nالناسُ بحرٌ عميقٌ ... والبُعْدُ عنهم سَفينهْ\nوقد نصحتُكَ فانظرْ ... لنفسكَ المسكينهْ\nوقال آخر: [من الكامل]\nجرَّبتُهم فإذا المُعَاقرُ عَاقرٌ ... والآلُ آلٌ والحَميمُ حَميم\n_________\n(١) ديوان أبي نواس ص ٢٦٤، جمع محمَّد كامل فريد ط ١٩٤٥ م، ونصه: إذا امتحن الدنيا ...","vol":"1","page":50},{"text":"وقلت في المعنى: [من الوافر]\nلقد جرَّبتُ أصحابي فكانوا ... على التجريب من شَوكِ القَتَادِ\nقليتُهمُ فباتوا يسلُقوني ... إذا غابوا بِأَلسِنَةٍ حِدَادِ\nوقلتُ أيضًا: [من الوافر]\nإلى ذي العدلِ أشكو من أناسٍ ... إذا قابلتُهم كانوا مَرآئي\nوإن غابوا عن العينين عادوا ... مَقاريضًا لعِرْضي في الخَلاءِ\nوقوله في الحديث: \"عسى أن يكون بغيضك\" عسى هذه من أفعال المقاربة، وهي فعلٌ ماضٍ جامد، وفيه ترجٍّ وطمع، وعمله عمل كان، كما قال في الخلاصة (١): [من الرجز]\nككانَ كادَ وعسى لكنْ نَدَرْ ... غَيرُ مضارع لهذَيْنِ خَبَرْ\nوتكون مثل كان ناقصةً وتامة، فالناقصة مثل قولك: عسى زيد أن يقوم، والتامة مثل: عسى أن يقوم زيد، فجملة أن يقوم فاعل، والتقدير:\nقارب قيام زيد. فإن قيل: أين يكون الفاعل جملة في اللفظ؟ فقل: مثل أن المصدرية توصَل بالفعل، وكما تكون عسى للترجِّي والطمع كذلك تكون بمعنى اليقين، كما في المصباح (٢).\nوقال بعضهم: إنَّ كاد تختصُّ عن أخواتها يكون إثباتها يكون نفيًا ونفيها إثباتًا، وعلى ذلك قول أبي العلاء المعرِّي: [من الطويل]\nأنحْويَّ هذا العصرِ ما هي لَفظةٌ ... جَرَتْ في لسانَيْ جُرهُمٍ وثمودِ؟\n_________\n(١) شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١/ ٣٢٢، ط محمَّد محيي الدين عبد الحميد ١٩٦٤.\n(٢) المصباح ص ٤١٠، بتصرف.","vol":"1","page":51},{"text":"إذا استُعملتْ في حالة الجَحْد أثْبتَتْ ... وإن أُثبِتَتْ قامتْ مقام جُحودِ\nومما يؤيد ما ذكره ما حُكي أن ذا الرُّمة (١) -وهو غيلان صاحب ميَّة- لما أنشد قوله (٢): [من الطويل]\nإذا غيَّر الهَجْرُ المحبينَ لم يكد ... رسيسُ الهوى من حُبِّ مَيَّةَ يَبرحُ\nاعترضه السامعون بأن كاد إثباتها نفي ونفيها إثبات، وأنَّ الواقع في بيته منفي فيكون مثبَتًا، ويصير المعنى: أنَّ رسيس الهوى قد زال من حب ميّة، مع أنَّ مراده دعوى عدم ذهابه. وأنَّ ذا الرُّمَّة لما سمع اعتراضهم سَلَّم فغيَّر قوله: لم يكد بلم تجد.\nوقال المحققون: إن كاد كغيرها من الأفعال نفيًا وإثباتًا وأنَّ المعترض مخطئ وأنَّ تسليم ذي الرمة له خطأ والصواب بقاء البيت على ما هو عليه. ويكون معناه: لم يقرب رسيس الهوى من الزوال إذا زال\nحب المحبِّين من البعاد بل قوله أبلغ من قولكم: لم يبرح رسيس الهوى، وذلك لأن مقاربة الزوال إذا انتفت، فالزوال من باب أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، وهو في الآية أبلغ من لم يرها لما عرفتَ، ولأن من لم يرَ قد يقاربُ الرؤية.\nوقالوا: إن عسى لا تكون من الله تعالى إلاَّ واجبة، ومثلها لعلَّ\n_________\n(١) هو غيلان بن عقبة العدوي، من مُضَر، معروف بذي الرُّمَّة، شاعر من فحول الطبقة الثانية، عشق ميَّة المنقرية واشتهر بها، توفي بأصبهان ١١٧ هـ. الأعلام ٥/ ١٢٤.\n(٢) ديوان شعر ذي الرُّمة ص ٧٨، وفيه: إذا غير النأي، بدل: الهجر. ومعنى رسيس الهوى: مسُّه وأوَّله.","vol":"1","page":52},{"text":"لاستحالة التوقُّعُ والطمع عليه تعالى، والتحقيق: أنَّ عسى ولعلَّ إذا وقعتا في كلامه تعالى كانتا على معناهما الأصلي وهو التوقُّعُ والطمع ويكون ذلك بالنسبة إلى المخاطَبين لا بالنسبة للمتكلِّم، كما قال تعالى لموسى وهارون ﵉: (﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]،\nوالمعنى أنَّ كُلًاّ من تَذَكُّرِه وخشيته متوقَّعٌ ومظنون لكما، والذي في علمي القديم أنه لا يتذكَّر ولا يخشى، ولكن أرسلتكما إليه لئلا يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل.\nوقوله في الحديث: \"وأبغض بغيضكَ\" بهمزة القطع لأنه رباعي، يُقال: أَبغضَ زيدٌ عمرًا، قال في المصباح (١): قالوا: ولا يقال: بَغَضْتُه بغير ألف. اهـ.\nقلت: وتعبيره بصيغة التبرِّي تشير إلى أنَّ بَغَضَه لغةٌ. أقول: ويشهد له ما في الحديث وهو قوله: \"بغيضك\" لأنَّ صفة فعيل لا تصاغ إلاَّ من ثلاثي، لكن الإنسب في الحديث أن يكون رباعيًّا، وتكون همزته همزة قطع ليشاكل قوله فيها قوله: \"أحبب\". ولا يخفى أنَّ المشاكلة من أنواع البديع.\nوفي الحديث أيضًا من أنواع البديع الطباق بين قوله: \"حبيبك\" و\"بغيضك\" و\"أحبب\" و\"أبغض\"، وفيه الاشتقاق بين \"أحبب\" و\"حبيبك\" و\"أبغض\" و\"بغيضك\"، وفيه الفرائد: وهو الِإتيان بلفظة لا يقوم غيرُها مقامها، وهي في الحديث لفظ: \"ما\"، وفيه الانسجام والِإيجاز، وفيه الموازنة بين قوله: \"أحبب حبيبك\" و\"أبغض بغيضك\"،\n_________\n(١) المصباح المنير ص ٥٦.","vol":"1","page":53},{"text":"وفيه المجاز كما عرفتَهُ مما تقدَّم. فهذه ثمانية أنواع من البديع، وفيه غيرها.\nوأما رتبة هذا الحديث فالحُسْنُ (١)، كما ذكره العزيزي (٢) عن شيخه (٣). واعلم أنَّ الحديث الحَسَنُ قسمان: حَسَن لغيره: وهو ما في رجاله مستور لم تحقق أهليته وليس بمغفَّل ولا متَّهم وعُرِفَ متنه بأن يُروى من وجه آخر، والثاني: حَسَنٌ لذاته: وهو ما كان راويه مشهورًا بالصدق لكنه مقصر عن رجال الصحيح في الحفظ وهو مرتفع عن حال من يُعَدُّ تفرُّده منكرًا.\nواللهَ أسألُ أنْ يَمُنَّ علينا بحبِّه وحبِّ مَنْ مَنَّ عليه بحبِّه، وأن يحفظنا مما يوجب بغضه من الآثام، وأن يتفضَّل علينا وعلى أحبابنا بحُسْن الختام. وقد قيَّدتُ هذه الشوارد بالكتابة خوفًا من شرودها من الأفكار التي تبلبلت، والأهوال التي تسلسلت، وكفى بعصرنا هذا عذرًا لكل معتذر، وعظة لكلِّ مدَّكر، نسأل الله فيه المعافاة الدائمة، وحفظ الدِّين وحُسْنَ الخاتمة بوسيلة من كان للأنبياء خير ختام، عليه من الله تعالى أفضل الصلاة والسلام (٤).\n_________\n(١) تقدم الكلام على تخريج الحديث ونقد العلماء لرواياته في المقدمة ص ٧.\n(٢) السراج المنير ١/ ٥٧.\n(٣) شيخ العزيزي هو الشيخ محمَّد بن محمَّد الأكراوي القلقشندي المتوفى سنة ١٠٣٥ هـ المعروف بمحمد حجازي، وهكذا سماه العزيزي في مقدمته ١/ ٢، من كتبه \"فتح المولى النصير بشرح الجامع الصغير\" اثنا عشر مجلدًا. الأعلام ٧/ ٦٢.\n(٤) تمت المقابلة الأولى لهذه الرسالة بين صلاتي العصر والمغرب من يوم ٢٢ =","vol":"1","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رمضان البركات عام ١٤٢٠ هـ محاذاة الركن اليماني الَآخر تجاه الكعبة المعظمة في صحن المسجد الحرام بقراءتي عن النسخة المنضدة ومتابعة الأخ العزيز لؤلؤة البحرين الشيخ نظام محمَّد صالح يعقوبي على الأصل المخطوط، والأخ الكبير أبي سالم مساعد العبد القادر على المنسوخ، ومن الله التيسير وعليه التكلان في الِإعانة لِإنهاء خدمة هذه الرسالة.\n- وتمت المقابلة الثانية لهذه الرسالة ظهر يوم الثلاثاء ٢١ صفر الخير عام ١٤٢١ هـ، في منزلنا الصيفي من بلدة بحمدون من جبال لبنان بقراءتي ومتابعة الأخ الشيخ المحقق محمَّد بن ناصر العجمي على المخطوط.\n- وتم ضبط الأبيات الشعرية ووزنها على الأخ الصديق الصدوق الدكتور محمَّد حسان الطيَّان جزاه الله خيرًا بمتابعة وحضور من الأخوين العزيزين الأستاذ إبراهيم الزيبق والشيخ بسام الجابي وذلك عصر يوم الخميس ٥ جمادى الآخرة عام ١٤٢١ هـ ببلدة عين الفيجة من ريف دمشق الشام كلأها الله بعينه التي لا تنام، والحمد لله رب العالمين.\nوكتبه\nرَمزي سَعد الدين دمشقية","vol":"1","page":55}]}