{"ً":{"ٌ":17793,"ٍ":"تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام/02_المجموعة الثانية 1420 = 008-021","files":["011_48800-03.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور - لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١١)\nالمؤلف: أحمد بن عمر بن محمَّد بن غنيم المحمصاني البيروتي الأزهري (ت ١٣٧٠ هـ)\nاعتنى به: رمزي سعد الدين دمشقية\nالناشر: دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الصفحات: ٤٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2778,"ٕ":18,"ٖ":1770156102,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني بالرسالة","level":1,"page":5},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":7},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":14},{"title":"الفصل الأول فيما جاء من الآيات والأحاديت المتعلقة بشهادة الزور","level":1,"page":16},{"title":"وأما الأحاديث","level":2,"page":19},{"title":"الفصل الثاني في ذكر بعض ما جاء عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكره بعض الفقهاء في كتبهم في حكم شاهد الزور","level":1,"page":22},{"title":"الفصل الثالث في بيان أضرار شهادة الزور في الشاهد نفسه وفي الهيئة الاجتماعية","level":1,"page":29},{"title":"ذيل [في كتمان شهادة الصدق]","level":2,"page":32},{"title":"تذنيب من هو شاهد الزور؟","level":2,"page":34},{"title":"الفصل الرابع في التنفير من الكذب والاعتصام بالصدق وذكر بعض الآيات والأحاديث في ذلك","level":1,"page":36},{"title":"الاعتصام بالصدق","level":2,"page":38},{"title":"خاتمة","level":1,"page":42}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44},"ٜ":{"1":[2,45]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10",null,"1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45"],"ٞ":{"5":[1],"7":[2],"14":[3],"16":[4],"19":[5],"22":[6],"29":[7],"32":[8],"34":[9],"36":[10],"38":[11],"42":[12]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١١)\n\nتحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور\n\nتأليف\nأحمد بن عمر المحمصاني البيروتي الأزهري المتوفى (١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م)\n\nاعتنى به\nرمزي سعد الدين دمشقية\n\nساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم\n\nدار البشائر الإسلامية","vol":"1","page":null},{"text":"تحذير الجمهور مِنْ مَفَاسِدِ شَهَادَةِ الزُّوْرِ","vol":"1","page":2},{"text":"جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ\nالطّبْعَةُ الأولى\n١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\n\nدَارُ البَشَائِر الإسْلَامِيَّة للطباعة والنشر والتوزيع\nهاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١\nبيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤\n\ne-mail: bashaer@cyberia.net.lb","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":4},{"text":"مقَدّمة\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله ذي الِإفضال، والصلاة والسلام على رسوله صاحب الخِصَال، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الزمان وطال.\nأما بعد، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات هذه الأمة، وصفوا بها في محكم التنزيل بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وحضَّ عليها الصادق المصدوق - ﷺ - بقوله: \"والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتَنْهَوُن عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعُونَهُ فلا يُستجابُ لكم\" (١).\nوهذه المهمة الشريفة هي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قام بها رسولنا العظيم ثم مِنْ بعده صحابته الكرام، ثم مَنْ بعدهم من علماء هذه الأمة الذين هم ورثة الأنبياء.\nومن هذه البابة تأتي الرسالة التي بين أيدينا لعالم بيروتي أزهري\n_________\n(١) رواه الترمذي ح ٢١٦٩، من حديث حذيفة بن اليمان، وقال: هذا حديث حسن.","vol":"1","page":5},{"text":"جليل، هو الشيخ أحمد بن عمر المحمصاني ﵀، والذي أراد بها النصح لأهل عصره في مسألة يتكرر وقوعها في كل العصور، وهي شهادة الزور مع تبيان مفاسدها وخطرها على المجتمع والأمة، كما نبَّه ﵀ إلى معنًى من معاني شهادة الزور يتمثل بمن يكتب شهادة خطية لمن أراد تقلّد منصب خاص أو عام يشهد له فيها بما ليس فيه، وهذا مما عمَّت به البلوى في هذا الزمن، نسأل المولى السلامة.\nوقد قمت بالعناية بهذه الرسالة عن الطبعة الأولى المطبوعة في حياة المؤلف بالمطبعة العثمانية ببيروت سنة ١٣٢٧ هـ، وذلك بتخريج أحاديثها والتعليق على مواطن منها، مميزًا لتعليقات المؤلف بحرف [م] آخرها.\nولم تخلُ هذه النسخة من أخطاء طباعية قليلة قمت بتصحيحها ولا سيما في الأحاديث ضبطًا من مصادرها دون الِإشارة إلى ذلك.\nوختامًا من المولى الكريم نرجو القبول وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.\nوكتبه\nرَمزي سَعد الدين دمشقية\nبيروت ٧ جمادى الأولى ١٤٢١ هـ\nالموافق ٧ آب ٢٠٠٠ م","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة المؤلف</span>\nهو العلاَّمة الشيخ أحمد بن عمر بن محمَّد بن غنيم المحمصاني البيروتي الأزهري، والده السيد عمر صاحب \"المكتبة الحميدية\" المشهورة في بيروت التي كانت ملتقى الأدباء والعلماء في بيروت.\nوفي هذه الروضة العلمية -مكتبة والده- نشأ الشيخ أحمد محبًا للعلم وأهله، مواظبًا على حضور مجالس العلم وخاصة مجالس الشيخ محمَّد عبده خلال مدة إبعاده التي قضاها في بيروت.\nدخل الجامع الأزهر الشريف طالبًا للعلم سنة ١٣١٥ هـ، ولازم مجالس الِإمام الأكبر الشيخ محمَّد عبده، وكان من تلاميذه المحببين إليه النُّجباء الذين نثروا تعاليمه في التجدُّد والتطوُّر، فاستقبلته بيروت حين عاد استقبالًا طيبًا، وأنزلته الأسر البيروتية إثر غيابه الطويل على الرحب والسعة، فكان له طلبة من رجال ونساء يذكرونه بالِإجلال والاحترام.\nتولى أثناء إقامته في الأزهر أمانة مكتبته الشهيرة فأفاد من عمله هذا فائدة جُلَّى، ثم أصبح مدرِّسًا في الأزهر.\nأخذ عن الشيخ محمَّد محمود الشنقيطي المتوفى ١٣٢٢ هـ علوم اللغة، واشترك معه في تحقيق عدة كتب، منها كتاب \"الإِنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف\" لابن السيد البطليوسي الأندلسي،","vol":"1","page":7},{"text":"ومنها كتاب \"الفصيح\" للِإمام ثعلب، وله فيهما تعليقات وتفاسير تشهد برسوخ قدمه وفضله.\nكما أخذ الِإجازة من السيد محمَّد بن جعفر الكَتَّاني، والشيخ السيد عبد الحي الكتاني، وقد اجتمع به في مصر (١).\nبعد عودته إلى بيروت عُين مدرسًا في مكتب الحقوق العثماني، حيث تولّى شرح \"مجلة الأحكام الشرعية\" وإلقاء المحاضرات في علم أصول الفقه، وذلك سنة ١٣٣٢ هـ -١٩١٣ م. وانتخب عضوًا في المجمع العلمي اللبناني سنة ١٩٢٨ م، وأسندت إليه رئاسة لجنة المخطوطات فيه.\nكان عضوًا عاملًا لعشرات السنين في جمعية المقاصد الخيرية الِإسلامية في بيروت، ثم رئيسًا للجنة المدارس فيها. يشجع طلبتها بالجوائز التي كان يغدقها على تلامذته المجلين.\nكان خطيبًا ومدرِّسًا في الجامع العمري الكبير، وجامع الأمير عساف لعدة سنوات، وكان البيروتيون يتهافتون على سماع خطبه ويفيدون منها ويرجعون إليه في كثير من المشاكل التي كانت تواجههم في أمور دينهم ودنياهم.\nدرَّس القرآن الكريم واللغة العربية لرئيس الجامعة الأمريكية الدكتور بيار ضودج، فتوثَّقت بينهما صداقة العلم والمعرفة.\n\nمن مؤلفاته:\n- كتاب خلاصة النحو.\n- رسالة تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور.\n_________\n(١) إتحاف ذوي العناية للشيخ محمَّد العربي العزوزي، ص ٧٣.","vol":"1","page":8},{"text":"- شرح أحكام المجلة الشرعية.\n- تفسير الفاتحة.\n- مختصر جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي من روايته وحمله، طبع بمصر سنة ١٣٢٠ هـ (١).\nكما اعتنى بتصحيح وضبط الكلمات اللغوية للكتب التالية:\n- المعلقات السبع، طبع في مصر سنة ١٣١٩ هـ.\n- الإِنصاف، طبع في مصر سنة ١٣١٩ هـ.\n- اللؤلؤ النظيم في روم التعليم والتعلم، طبع في مصر سنة ١٣١٩ هـ.\n- حجج القرآن، طبع في مصر سنة ١٣٢٠ هـ.\n- فصيح ثعلب.\nوله عدة قصائد شعرية ومحاضرات ألقيت في مناسبات عديدة لم تطبع.\nتوفي سنة ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، يوم ٣٠ تموز وقد نيَّف على الثمانين، وكان آخر تلاميذ الشيخ محمَّد عبده (٢). وكان يضيف إلى اسمه نسبة \"الأزهري\" كلما وقع (٣).\n* * *\n_________\n(١) معجم المطبوعات ١٧٠٢، ومعجم المؤلفين ٢/ ٣٥.\n(٢) علماؤنا للمحامي كامل الداعوق، ص ٢٠٤ - ٢٠٦.\n(٣) مجلة الفكر الِإسلامي - العدد ٨/ ٨ سنة ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م، ص ٣١.","vol":"1","page":9},{"text":"صورة خط المؤلف وتوقيعه على غلاف إحدى مخطوطات الفقه الحنبلي","vol":"1","page":10},{"text":"لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١١)\n\nتحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور\n\nتأليف\nأحمد بن عمر المحمصاني البيروتي الأزهري المتوفى (١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م)\n\nاعتنى به\nرمزي سعد الدين دمشقية\n\nساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم\n\nدار البشائر الإسلامية","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد وسائر النبيين، وآل كلٍّ وجميع الصالحين.\nأمَّا بعد، فقد طلب مني بعض ذَوِي الحميَّة الدينيَّة في مدينة بيروت أنْ أكتُبَ رسالةً في بيان مفاسد شهادة الزور وما يترتب عليها من المضارِّ، وأن أذكُرَ ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الشأن. فأجبتُه لذلك عملًا بواجب النصيحة الدينية، ولما رواه الِإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه (١) عن سيدنا أبي رُقَيَّة تميمِ بن أوسٍ الداريِّ ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"الدِّينُ النصيحة\"، قلنا: لمن؟ قال: \"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\".\nفالرجاء فيمن يطَّلع عليها أنْ يتقبَّلها قَبولًا حسنًا، ويتَّخذها وسيلة لتنبيه العامَّة إلى اجتناب تلك البليَّة الطَّامَّة، ويذكِّر بها مَنْ له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.\nوقد سمَّيتُ هذه الرسالة \"تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور\"،\n_________\n(١) صحيح مسلم ١/ ٧٤، ح ٥٥.","vol":"1","page":13},{"text":"ورتبتُها على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. وأسأله تعالى أنْ يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفع بها ويوفِّقنا لما فيه خير الأمة، والعمل لِإحياء السُّنَّة وإماتة البدعة، إنَّه سميع مجيب، وما توفيقي واعتصامي إلاَّ بالله عليه توكَّلْتُ وإليه أُنيب.\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"مقَدّمة\nاعلم يا أخي هداني الله وإيَّاك إلى طريق الخير والرشاد أنَّ شهادة الزور جريمة عظيمةُ الشر جسيمة الضرر، فكم ضاع بها مِنْ حقٍّ كان ثابتًا، ونشأت عنها مُعضلات ومشكلات تفاقم خَطبُها واشتدَّ كَربُها، وكم هدرت بسببها دماء وغَلَت من أجلها مَرَاجِلَ الشَّحناء والبغضاء، وكثيرًا ما أيقظتْ الفتنة وأعظمت المحنة وفصمتْ عُرى الوحدة، وربما أدَّت إلى تقاطع ذوي الأرحام وتهديد السلام بين الأفراد والأقوام، بل وبدَّلت الأمن خوفًا والوفاق خُلفًا، فكان من وراء ذلك كله شر عظيم وخطر\nجسيم.\nعرف هذا الأمم السابقة فشدَّدوا في عقوبة مرتكبها وبالغوا في التنكيل به، وحكموا بأنَّه عدو للأمة بتمامها. وقضى عليه بعض الأمم كالرومانيين بالِإعدام، وغَلَوا في شأن التزوير حتى عَدُّوا من المزورين من أخفى وصيَّة المتوفَّى أو أضاعها، بل كل امرئ فعل شيئًا يدلُّ على غِشٍّ أو خراب ذمة. وكانت عقوبتهم للأحرار بالنفي إلى مكان حصين مع مصادرتهم في أموالهم كلها، وعقوبة الرقيق هي الِإعدام (١). ثم ترقَّت\n_________\n(١) هذه الجملة مأخوذة بمعناها عن رسالة \"التزوير في الأوراق\" لأحمد فتحي باشا زغلول العصر [م].","vol":"1","page":15},{"text":"مدارك الأمم بعد ذلك فتعدَّلت العقوبات بحسب آثار الجريمة وعظيم خطرها.\nجاء الإِسلام -وهو الكافل للسعادة الدنيوية والأخروية والشفاءُ لأمراض الِإنسانية- فعدَّ شهادة الزور من أعظم الكبائر وأشدَّها ضررًا، وحذَّر من مرتكبيها وجعلهم من أكبر المجرمين وأجرًا المفسدين، وعَرَّفهم سُوء منقلبهم وعاقبة بغيهم بما فيه عبرة لكل معتبر كما سيُتلى عليك.\n* * *","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول فيما جاء من الآيات والأحاديت المتعلقة بشهادة الزور</span>\nمن المناسب أن نبين معنى الزور في اللغة حتى يكون المطَّلع على بصيرة فيما ينظر فيه، وحتى يُعلمَ أن أصحاب المعجمات اللغوية لم يهملوا تفظيع حال شهادة الزور حتى في كلامهم على المعنى اللغوي.\nجاء في \"لسان العرب\" للِإمام محمَّد ابن منظور الِإفريقي ما نصُّه (١): والزور: الكذب والباطل، وقيل: شهادة الباطل وقول الكذب. إلى أن قال: وفي الحديث: \"المتشبِّع (٢) بما لم يُعْطَ كلابِسِ ثَوْبَيْ زور\" (٣).\n_________\n(١) لسان العرب ٤/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٢) هو الذي يدَّعي بما ليس فيه ويُحبُّ أنْ يُحمدَ بما لم يفعل، وهذا الدَّاء قد فشا بين كثير ممن زين لهم الشيطان أعمالهم، وغَرَّتهم الأماني الباطلة، وقد أخبر الله ﷿ عن هؤلاء بقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].\nودواء هؤلاء هو الرجوع إلى الله ومحاسبة النفس، وطرح الغرور والأخذ بالعلم على وجهه الصحيح والتمسك بالعمل الصالح، والنصح والِإخلاص والتقوى في جميع ذلك كله، والله وليُّ المؤمنين. [م].\n(٣) رواه البخاري ح ٥٢١٩، ومسلم ٣/ ١٦٨١ ح ٢١٣٠، من حديث أسماء بنت =","vol":"1","page":17},{"text":"الزُّور: الكذب والباطل والتُّهمة، وقد تكرر ذكر شهادة الزور في الحديث، وهي من الكبائر، فمنها قوله - ﷺ -: \"عَدَلَتْ شهادةُ الزور الشركَ باللهِ وإنَّما عادلته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ثم\n_________\n= أبي بكر ﵄، وعند مسلم ح ٢١٢٩ من رواية عائشة ﵂.\nوقصة الحديث: أن امرأةً قالت: يا رسول الله إنَّ لي ضَرَّة فهل على جُناح إن تشبَّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبَيْ زور\".\nوقد نقل الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" ٩/ ٣١٨ أقوال العلماء في تفسير هذا الحديث، فمما نقله: قال الزمخشري في \"الفائق\": المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به، واستُعيرَ للتحلي بفضيلة لم يرزقها، وشُبَّه بلابس ثوبي زور أي ذي زور، وهو الذي يتزيا بزي أهل الصلاح رياءً، وأضاف الثوبين إليه لأنهما كالملبوسين، وأراد بالتثنية أن المتحلي بما ليس فيه كمن لبس ثوبي الزور ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر، كما قيل: إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا.\nفالِإشارة بالِإزار والرداء إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه.\nوقال الخطابي: الثوب مَثَلٌ، ومعماه أنه صاحب زور وكذب، كما يقال لمن وصف بالبراءة من الأدناس طاهر الثوب والمراد به نفس الرجل.\nونقل الخطابي عن نعيم بن حماد قوله: كان يكون في الحي الرجل له هيئة وشارة، فإذا احتيج إلى شهادة زور لبس ثوبيه وأقبل فشهد فقُبل لنُبل هيئته وحُسن ثوبيه، فيقال: أمضاها بثوبيه يعني الشهادة، فأضيف الزور إليهما، فقيل: كلابس ثوبي زور. وأما حكم التثنية في قوله: \"ثوبي زور\" فللإِشارة إلى أن كذب المتحلي مثنى؛ لأنه كذب على نفسه بما لم يأخذ وعلى غيره بما لم يُعط،\nوكذلك شاهد الزور يظلم نفسه ويظلم المشهود عليه. اهـ.","vol":"1","page":18},{"text":"قال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] \" (١).\nوقد جاء لفظ الزُّور في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها موضعان يتعلقان بشهادة الزور:\nفالأول: قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١].\nوللمفسِّرين في قول الزور في هذه الآية وجوه، منها: أنَّه قولهم هذا حلال وهذا حرام، ومنها: أنَّه شهادة الزور، رفعوا هذا التفسير إلى النبي - ﷺ -، ومنها: أنَّه الكذب والبهتان.\nوالثاني: قوله تعالى في سورة الفرقان: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].\nقال بعض المفسرين: لا يشهدون شهادة الزور، وقال آخرون: لا يشهدون الشرك، وقال آخرون: هو قول الكذب، وقال بعضهم: هو الغناء.\nوقال ابن جرير الطبري (٢): إنَّ أولى الأقوال بالصواب أنْ يُقال: والذين لا يشهدون شيئًا من الباطل لا شركًا ولا غناءً ولا كذبًا ولا غيره وكلّ ما لزمه اسم الزّور؛ لأنَّ الله عمَّ في وصفه إيَّاهم أنهم لا يشهدون\n_________\n(١) رواه الترمذي ح ٢٢٩٩، والِإمام أحمد ٤/ ١٧٨ من حديث أيمن بن خُريم.\nورواه الترمذي أيضًا ح ٢٣٠٥، وأبو داود ح ٣٥٩٩، وابن ماجه ح ٢٣٧٢، وأحمد ٤/ ٣٢١ من حديث خُريم بن فاتك الأسدي، بألفاظ متقاربة.\n(٢) جامع البيان ١٩/ ٤٩.","vol":"1","page":19},{"text":"الزور، فلا ينبغي أن يُخصّ من ذلك شيء إلاَّ بحجَّة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>وأما الأحاديث:</span>\nفقد روى البخاري ومسلم والِإمام أحمد (١) عن سيدنا أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر أو سُئل عن الكبائر فقال: \"الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين\"، وقال: \"ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر: قول الزور\"، أو قال: \"شهادة الزور\".\nوعن أبي بَكْرَة نُفَيْع بن الحارث (٢)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أَلا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ \"، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: \"الِإشراك بالله؟ وعقوق الوالدين\"، وكان متكئًا فجلس (٣) وقال: \"ألاَ وقول الزور وشهادة الزور\"، فما زال يكررها حتى قلنا: ليتهُ سَكَتَ (٤).\n_________\n(١) البخاري ح ٢٦٥٣، ومسلم ١/ ٩٢، ومسند أحمد ٣/ ١٣١.\n(٢) رواه البخاري ح ٢٦٥٤، ومسلم ١/ ٩١ ح ٨٧، ومسند أحمد ٥/ ٣٦.\n(٣) هذا يُشْعِر باهتمامه - ﷺ - بذلك حتى جلس بعد أنْ كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظيم قُبحه. وسبب الاهتمام بشهادة الزور كونها أسهل وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر، فإنَّ الِإشراك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يَصرِف عنه الطبع، وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرهما، فاحتيج إلى الاهتمام به. وليس ذلك لِعِظَمه بالنسبة إلى ما ذُكر معه من الِإشراك قطعًا، بل لكون مفسدته إلى الغير، بخلاف الِإشراك فإنَّ مفسدته مقصورة عليه غالبًا. اهـ. من نيل الأوطار للِإمام الشوكاني. [م].\n(٤) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٥/ ٢٦٣ في تعليقه على هذه الكلمة: أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه - ﷺ - والمحبة له والشفقة عليه. اهـ.","vol":"1","page":20},{"text":"وروى الِإمام ابن ماجه (١) عن سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لَن تَزُولَ قَدَما شاهدِ الزور حتى يُوجب الله له النار\". وفي هذا الحديث وعيدٌ شديدٌ لشاهدِ الزور حيث أوجب الله له النار قبل أن ينتقل من مكانه، ولعل ذلك مع عدم التوبة، أما لو تاب وأكذب نفسه قبل العمل بشهادته فالله يقبل التوبة عن عباده.\nوروى الحاكم والديلمي (٢) عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أَلاَ من زيَّن نفسه للقُضاة بشهادة الزور زيَّنه الله تعالى يوم القيامة بسِرْبال (٣) من قَطِرَان وأَلْجمه بلجام من نار\".\nوروى الِإمام أحمد في مسنده وابن أبي الدنيا (٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ شهدَ على مسلم شهادةً ليس لها بأهل فليتبوَّأ مقعده من النار\".\nوروى أبو سعيد النقَّاش في \"كتاب القضاة\" (٥) عن عبد الله بن جَرَاد: عن النبي - ﷺ -: \"مَنْ شهدَ شهادة زور فعليه لعنةُ الله، ومَنْ حَكَمَ بين اثنين فلم يَعدِل بينهما فعليه لعنةُ الله\".\n_________\n(١) ح ٢٣٧٣، وفي الزوائد: في إسناده محمَّد بن الفرات متفق على ضعفه، وكذبه الِإمام أحمد.\n(٢) لم أجده عند الحاكم في المستدرك ولا في مسند الفردوس للديلمي، وعزاه في كنز العمال للحافظ ابن عساكر في التاريخ عن إبراهيم بن هدبة عن أنس، ح ١٧٧٦٠.\n(٣) السربال: القميص.\n(٤) المسند ٢/ ٥٠٩، وقال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٠٠: تابعيَّة لم بسم وبقية رجاله ثقات، وابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة والنميمة ح ١٢٢.\n(٥) هكذا أورده المتقي الهدي في كنز العمال ح ١٧٧٦٢، وعزاه للنقاش.","vol":"1","page":21},{"text":"وروى البخاري ومسلم (١) عن أبي هريرة، عنه - ﷺ -: \"مَنْ مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو شاهد زور، ومَنْ أعانَ على خصومة بغير علم كان في سَخَط الله حتى ينْزِع، وقتال المؤمن كفر وسبابه فسوق\".\nوعن ابن عمر قال: لعن رسول الله - ﷺ - شاهد الزور وهو يعلم (٢).\n* * *\n_________\n(١) الحديث ليس في البخاري ومسلم، بل أخرجه البيهقي في السنن ٦/ ٨٢، وسبب هذا الخطأ نقل المؤلف الحديث عن كنز العمال ح ١٧٧٦٣ حيث وقع فيه رمز (ق) أي الصحيحين وهو تصحيف عن (هق) أي البيهقي في السنن.\n(٢) كنز العمال ح ١٧٨٠٢، وعزاه لأبي سعيد النقاش.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني في ذكر بعض ما جاء عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكره بعض الفقهاء في كتبهم في حكم شاهد الزور</span>\nعن مكحول والوليد بن أبي مالك قالا: كتب عمر إلى عُمَّاله في الشاهد الزور أنْ يُضربَ أربعينَ سَوطًا، وأن يُسخَّم وجهه (١)، ويُحلق رأسه، ويُطاف به، ويُطال حبسه (٢).\nوعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أُتِيَ عمر بشاهد زور فوقفه للناس يومًا إلى الليل يقول: هذا فلان يشهد زورًا فاعرِفوه، فجلده ثم حبسه (٣).\nوعن علي بن الحسين قال: كان عليٌّ إذا أخذ شاهد زور بعثه إلى\n_________\n(١) وفي رواية يسخَّم وجهه \"بالحاء\" ومعناهما: أن يسوَّد، مأخوذ من السخام وهو سواد القِدر، وقيل: المراد بالتسحيم: التخجيل والتفضيح [م].\n(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف ح ١٥٣٩٢، وفيه: مكحول عن الوليد بن أبي مالك، والبيهقي في السنن ١٥/ ١٤٢.\n(٣) رواه البيهقي في السنن ١٠/ ١٤١.","vol":"1","page":23},{"text":"عشيرته، فقال: إنَّ هذا شاهد زور فاعرفوه وعرِّفوه، ثم خَلَّى سبيله (١).\nوقال العلَّامة الشيخ محمَّد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني في كتابه \"رحمة الأمة في اختلاف الأئمة\" ما نصُّه (٢):\n(فصل) واختلفوا في عقوبة شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: لا تعزير عليه بل يُوقف في قومه ويقال لهم: إنه شاهد زور، وقال مالك والشافعي وأحمد: يُعزَّر ويُوقف في قومه ويُعرَّفون أنَّه شاهد زور، وزاد مالك فقال:\nويُشهَّر (٣) في الجوامع والأسواق والمجامع، اهـ.\nوقال العلاَّمة الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه \"الزواجر عن اقتراف الكبائر\" ما نصُّه (٤): (الكبيرة السابعة والثامنة والثلاثون بعد الأربعمائة شهادة الزور وقَبولها).\nأخرج الشيخان عن أبي بَكْرة واسمه نُفَيع بن الحارث ﵁ قال: كنا جُلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"أَلاَ أُنبئكم بأكبر الكبائر\" ثلاثًا \"الِإشراك باللهِ، وعقوق الوالدين\"، وكان متكئًا فجلس فقال: \"أَلاَ وقول\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن ١٠/ ١٤٢، وقال عَقِبَه: وهذا منقطع.\n(٢) رحمة الأمة ١/ ٢١٣، من الطبعة التي بهامش كتاب الميزان للشعراني.\n(٣) التشهير بشاهد الزور وتعريف الناس بحاله من العقوبات التي تَفعل في النفوس ما لا يفعله كثير من الجزاءات الأخرى، وحسبُكَ أنَّ شاهد الزور في هذه الحالة يجتنبه الناس ويمقتونه فيكون بينهم كالجمل الأجرب ينفر منه كل من يراه ولا يطمئن إليه أحد، ومتى ارتفعت ثقة الناس منه خسر خسرانًا مبينًا، ونعوذ بالله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة [م].\n(٤) الزواجر ٢/ ١٩٣.","vol":"1","page":24},{"text":"الزور وشهادة الزور\"، فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليتهُ سَكَتَ (١).\nوروى البخاري: \"الكبائر الِإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس\" (٢).\nوالشيخان: ذَكر رسول الله - ﷺ - الكبائر فقال: \"الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس\"، فقال: \"أَلاَ أُنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور\" أو قال: \"شهادة الزور\" (٣).\nوأبو داود واللفظ له والترمذي وابن ماجه (٤): صلَّى رسول الله - ﷺ -\nصلاة الصبح فلما انصرف قام قائمًا فقال: \"عَدَلَتْ شهادة الزور الِإشراك بالله\" ثلاث مرات ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠، ٣١]. ورواه الطبراني موقوفًا على ابن مسعود بسند حسن (٥).\nوأحمد بسند رُواته ثِقَات: \"مَنْ شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار\" (٦).\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص ٢٠.\n(٢) البخاري ح ٦٦٧٥ من حديث عبد الله بن عمرو، ومناسبة الحديث قوله - ﷺ -:\n\"اليمين الغموس\"، أي الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار والتي هي مفتاح شهادة الزور.\n(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠.\n(٤) تقدم تخريجه ص ١٩.\n(٥) مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٠.\n(٦) تقدم تخريجه ص ٢١.","vol":"1","page":25},{"text":"وابن ماجه والحاكم وصحَّحه: \"لن تَزولَ قَدَما شاهد الزور حتى يوجب الله له النار\" (١).\nوالطبراني: \"إن الطير لتضرب بمناقيرها على الأرض وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة وما يتكلم به شاهد الزور، ولا يفارق قدماه على الأرض حتى يُقذف به في النار\" (٢).\nوالطبراني بسند فيه منكر: \"أَلاَ أخبركم بأكبر الكبائر: الِإشراك بالله، وعقوق الوالدين\"، وكان - ﷺ - محتبيًا فحلَّ حبوته فأخذ النبي - ﷺ - بطرف لسانه فقال: \"ألاَ وقول الزور\" (٣).\nوالطبراني بسند رجاله ثقات: \"ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر: الِإشراك باللهِ \" ثم قرأ: \" ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وعقوق الوالدين\" ثم قرأ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]، وكان متكئًا فقعد فقال: \"ألا وقول الزور\" (٤).\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص ٢١.\n(٢) مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٠ من حديث ابن عمر، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لا أعرفه.\n(٣) مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٠ من حديث أبي الدرداء، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه عمر بن المساور وهو منكر الحديث.\nومعنى \"كان محتبيًا فحل حبوته\": الاخباء أن يضم الِإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره أو يكون باليدين عوض الثوب. النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٣٥.\n(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٨/ ١٤٠ من حديث عمران بن الحصين.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٠٣: رجاله ثقات إلاَّ أن الحسن مدلِّس وعنعنه.","vol":"1","page":26},{"text":"تنبيه: عَدُّ هذين -يعني شهادة الزور وقبولها- هو ما صرحوا به في الأولى وقياسها في الثانية. وشهادة الزور هي أن يشهد بما لا يتحققه.\nقال العز ابن عبد السلام: وَعدُّها كبيرة ظاهر إنْ وقع في مال خطير، فإنْ وقع في مال قليل كزبيبة أو تمرة فمشكل، فيجوز أنْ تُجعل من الكبائر فطمًا عن هذه المفاسد كما جُعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر وإنْ لم تتحقق المفسدة، ويجوز أنْ يُضبط ذلك المال بنصاب السرقة.\nقال: وكذلك القول في أكل مال اليتيم.\nوقد مرّ عن ابن عبد السلام أنه حكى الِإجماع على أنَّ غَصْبَ الحبَّة وسرقتها كبيرة وهذا مؤيِّد للأول، أعني أنَّه لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين قليل المال وكثيره فطمًا عن هذه المفسدة القبيحة الشنيعة جدًّا، ومِن ثَمَّ جُعلت عدلًا للشرك، ووقع له - ﷺ - عند ذِكرها من الغضب والتكرير ما لم يقع له عند ذكر ما هو أكبر منها كالقتل والزنا، فدلَّ ذلك على عِظَم\nأمرها، ومن ثَم جُعلت في بعض الأحاديث السابقة أكبر الكبائر، انتهى باختصار قليل.\nوذكر الكمال ابن الهُمام في كتابه \"فتح القدير على الهداية\" (١): أنَّ شُريحًا القاضي كان يبعث بشاهد الزور إلى سوقه إن كان سوقيًا وإلى قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما يكونون ويقول: إن شُريحًا يُقرئكم السلام، ويقول: إنَّا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحَذِّروا الناس منه. اهـ.\n_________\n(١) ٧/ ٤٧٧، طبعة مصطفى البابي الحلبي.","vol":"1","page":27},{"text":"وشريح كان قاضيًا زمن سيدنا عمر وعثمان وعلي ﵃ وزاحم الصحابة في الفتوى وإن كان من كبار التابعين، وهو شريح بن الحارث الكِندي أقام في الكوفة قاضيًا خمسًا وسبعين سنة وتوفي سنة سبع وثمانين من الهجرة (١)، كما ذكر ابن خَلِّكَان في تاريخه وأطال في ترجمته (٢).\nوقال العلاَّمة شمس الدين محمَّد ابن قيِّم الجوزية في كتابه \"إعلام الموقعين\" ما نصُّه (٣): لا خلاف بين المسلمين أنَّ شهادة الزور من الكبائر ...، ثم ذَكَر أحاديث تقدَّمت إلى أن قال: وفي المسند من حديث عبد الله بن مسعود (٤) عن النبي - ﷺ - قال: \"بين يدي الساعة تسليم\nالخاصَّة، وفشوَّ التجارة حتى تُعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق\".\nوقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدثنا أبو حنيفة قال: كُنَّا عند مُحارب بن دثار فتقدم إليه رجلان فادَّعى أحدهما على الَآخر مالًا فجحده المدَّعى عليه، فسأله البيِّنة فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إلله إلاَّ هو ما شهد عليَّ بحقٍّ، وما علمته إلاَّ رجلًا صالحًا غير هذه الزلَّة، فإنَّه فعل هذا لِحقد كان في قلبه عليَّ.\nوكان محارب متكئًا فاستوى جالسًا ثم قال: يا ذا الرجل سمعتُ ابن\n_________\n(١) وهو ابن مائة وعشرين سنة، رحمه الله تعالى.\n(٢) وفَيَّات الأعيان ٢/ ٤٦٠ - ٤٦٣.\n(٣) ١/ ١٢٤، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.\n(٤) المسند ١/ ٤٠٧، وزاد في آخره: \"وظهور القلم\".","vol":"1","page":28},{"text":"عمر يقول سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"ليأتينَّ على الناس يوم تشيب فيه الوِلْدان وتضع الحوامل ما في بطونها وتضرب الطير بأذنابها وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم ولا ذنب عليها، وإنَّ شاهد الزور لا تقارَّ قدماه على الأرض حتى يُقذف به في النار\" (١)، فإنْ كنتَ شَهدتَ بحق فاتَّقِ وأقم على شهادتك، وإنْ كنتَ شهدتَ بباطل فاتقِّ الله وغطِّ رأسكَ واخرج من هذا الباب.\nوفي رواية: أنَّ الرجل قال له: كنتُ أُشهدتُ على شهادة وقد نسيتها أرجعُ فأتذكرها، فانصرف ولم يشهد عليه بشيء. اهـ، بتصرف.\n* * *\n_________\n(١) جامع مسانيد الِإمام أبي حنيفة ٢/ ٢٧٩، طبعة حيدرأباد - سنة ١٣٣٢ هـ.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الثالث في بيان أضرار شهادة الزور في الشاهد نفسه وفي الهيئة الاجتماعية</span>\nقد عرفنا مما تقدم ما لشاهد الزور من الوعيد الشديد والعقاب الأكيد في هذه الدنيا وفي الآخرة ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.\nونحن الآن نبيِّن في هذا الفصل ما لشهادة الزور من الأضرار في نفس شاهدها وفي الهيئة الاجتماعية التي يعيش ويرتع فيها. وهذه الأضرار أمور معقولة يُدركها كلُّ مَنْ تأمَّلها وأمعَن في حال من يقترف تلك الجريمة الفظيعة.\nفأولها: أنَّه يتَّصف بالكذب ويوسم بميسم الافتراء، وكفى بهما خزيًا ونكالًا. فإنَّ الِإنسان مفطور على الخير والصدق، فإذا مال إلى عكسهما فلا تسأل عما يعتَوِرُه من الآلام النفسيَّة والمؤذيات، لا سيما إذا حَاق به سُوء عمله فهنالك الخُسران المبين.\nوثانيها: أنَّه يجد من ضميره موبِّخًا له على فساد عمله، ومؤنِّبًا شديدًا يقرِّعه على ما أجرم واقترف، وربما اعترف بما ارتكبه وقال نفسه","vol":"1","page":30},{"text":"إلى تحمُّل العقوبة حتى يخلص من تقريع ضميره وإلى هذا يشير (كاد المريب أن يقول خذوني).\nومن الأسرار العجيبة التي أودعها الله في كل إنسان أنه يجد هذا الوازع في نفسه كلَّما أقدم على أمر فاسد، ينبِّهه إلى خطأه ويعرِّفه سُوء منقلبه. فمن صادفته العناية وكان قلبه أمْيل إلى الصفاء والخير ارتدع عن غَيِّه ورجع إلى رشده وأقلع عن قصده، وإلى هذا الوازع النفسيّ الموجود في كل إنسان قد أشار الشاعر الحكيم:\nلا ترجع الأنفس عن غَيِّها ... ما لم يكن منها لها زاجرُ\nومن الناس من يصغي إلى نداء ضميره فيعدل عن قصد الفساد والِإضرار بالناس بعد أن يهمَّ بذلك، وكثيرًا ما يظهر هذا في شاهدي الزور إذا كانوا ممن لم تسبق لهم جراءة على ذلك، فإنَّ الوازع النفسي ربما يردُّهم إلى الرشد لا سيما إذا غمرت قلوبهم خشية الله ﷾، وتذكَّر الشخص منهم أنَّه يُفتَضح بين الناس وتَحِلُّ به العقوبة، فتراه يتزلزل ويضطرب فيعدل عما صمم عليه من الشهادة الباطلة، ويرجع عما قصد إليه (١). وأما من طغى وبغى ورَانَ على قلبه الشر وفسد مزاجه فيضْعُفُ فيه\n_________\n(١) قرأت في جريدة من جرائد مصر نقلًا عن جريدة \"لسان الحال\" التي تصدر ببيروت: أن بعض المتهمين بجريمة القتل في لبنان ادعى أنَّ لديه شاهدًا يُبرِّئه مما اتُّهم به، وكان قد اشترى ذمة ذلك الشاهد كما يقال، فلما حضر الشاهد وطُلب منه اليمين فتقدَّم ليضع يده على القرآن الكريم وما كاد يرفعها حتى خرَّ مغشيًا عليه ولم يفق من إغمائه إلاَّ بعد ساعة، ولما أراد أن ينطق بالشهادة عُقِل لسانه، فدهش رجال المحكمة لهذا الحادث.\nثم أورد \"اللسان\" حادثة رواها لمحرره بعضهم قال: إنه حضر شاهدان في أثناء =","vol":"1","page":31},{"text":"هذا الوازع، وربما انطفأت شُعلته من نفسه، فإذا لم تتداركه العناية الِإلهية كان من الخاسرين والعياذ بالله تعالى.\nوثالثها: أنَّ شاهد الزور يُحسّ بخذلانه بين قومه وذويه ويفقد الثقة منهم، وكفى بذلك خُسرانًا مبينًا. فإنَّ الثقة بين الناس عليها مدار حياتهم، وتبادل المنفعة فيما بينهم، وطالما رأينا أُناسًا لا مال عندهم ولا رياش (١) ولكن ما للناس فيهم من الثقة أغناهم عن الغنى وبسط لهم يد الميسرة والنفوذ، فهم أغنياء أعزَّاء وإنْ كانوا في هيئة الفقراء والبؤساء.\nورابعها: أنَّه يكون في نفسه مَهينًا محتقرًا وفي أعينُ الناس أشدُّ إهانة واحتقارًا وهذا أمر محسوس ومعروف حتى أن أشد الناس احتقارًا لشاهد الزور من شهد لأجله. وقد أشار إلى هذا المعنى الِإمام الحكيم أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتابه \"الأخلاق والسِّيَر\" بقوله (٢): (أول من يزهد في الغادر من غَدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شَهد له به).\nوخامسها: أنَّ شاهد الزور يكون جُرثومة من جراثيم الفساد في\n_________\n= إحدى المحاكمات في عكا ولما طُلب إليهما حَلِف اليمين على الكتاب الكريم -وكانا شاهديْ زور قَبَضا مالًا على ذلك- تقدم أحدهما وكان مُسنًا فلم يكد يرفع يده حتى ارتعش جسمه وتلجلج لسانه وقال: (أقسم بأني تناولت من فلان ٣٠ ريالًا أجرة شهادة زور طلب إليَّ تأديتها وهذه هي الحقيقة)، فدُهشتْ هيأة المحكمة لذلك ثم أخرجته وطلبت رفيقه وكان شابًا فأراد أن يؤدي الشهادة زورًا\nكما تلقنها فسقط مغشيًا عليه ثم نطق بالحقيقة، اهـ. [م].\n(١) الرياش: الحسن الفاخر من الأثاث والملبس.\n(٢) ص ٩٨، طبعة دار ابن حزم - بيروت.","vol":"1","page":32},{"text":"جسم الأمَّة ينخُر عظمها ويمتصُّ دمها، فيضعُفُ شأنُها بوجود أمثاله المحاربين لفطرتهم والدَّاعينَ إلى الشر والفتنة، فتتزعزع أركانها ويتهدَّم بنيانها، ويكون عليه وِزرُ عمله ووزر من عمل مثل عمله، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الِإمام ابن ماجه (١) عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"منْ سَنَّ سُنَّة حَسَنةً فعُمِل بها كان له أجرُها ومثلُ أجر من عمل بها لا يَنقُصُ من أجورهم شيئًا، ومَنْ سَنَّ سُنَّة سيئة فعُمل بها كان عليه وِزرُها ووزر من عمل بها من بعده لا يَنقُصُ من أوزارهم شيئًا\".\nوسادسها: إذا فَشَت شهادة الزور بين الناس تسبب عنها ضعف ثقتهم ببعضهم بعضًا، وذهبت عاطفة الاطمئنان من نفوسهم، فتفتر عزائمهم عن الأعمال الخيرية والمشروعات المفيدة للنوع الِإنساني،\nويستولي عليهم اليأس والقنوط فلا يلوي أحد على أحد، ولا يتألم لما يصيبه ولا يمدُّ يده لمساعدته، وهنالك البلاءُ العظيم والخطب الجسيم.\nوإذا فَشَا الكذب والافتراء في أمَّة تفككتْ منها عُرى الوحدة وتقطعت روابط الاتحاد وهيهات أن يُرجى لها نجاح أبدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ذيل [في كتمان شهادة الصدق]</span>\nاتضح لك مما تقدم هول المفاسد التي تترتب على شهادة الزور في نفس شاهدها وفي مجموع الأمة الذي هو أحد أعضائها، ولمَّا كانت هذه\n_________\n(١) ح ٢٠٣، والحديث رواه بنحوه مسلم ح ١٠١٧، والنسائي ح ٢٥٥٤، من حديث جرير بن عبد الله أيضًا في حديث طويل.","vol":"1","page":33},{"text":"الخُلَّة الشنعاء أحد طرفي رذيلة الكذب كان طرفها الآخر هو كتمان شهادة الصدق؛ لأنَّه إنْ كانت شهادة الزور ترمي إلى إحياء الباطل فكتمان شهادة الصدق يؤدي إلى إماتة الحق، وأنت ترى أن كليهما في المضرة والِإفساد سواء.\nمن أجل ذلك لم تكن عناية الشريعة المطهَّرة بالتحذير من هذه أقلَّ منها بالتنفير من تلك، وقد ورد النهي عنها في مُحكم التنزيل في مواضع متعددة لمناسبات مختلفة كقوله تعالى:\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠].\n﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\n﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].\n﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ... وغير ذلك.\nوقد جاء في تفسير ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾: أنها نَدْبٌ من الله تعالى للِإنسان إلى السعي في إحياء الحق الذي يُراد جحده والشهادة به لصاحبه، ونَهْيٌ عن كتمان الشهادة سواء عَرَفها صاحب الحق أو لم يعْرِفها، وشدَّد في ذلك بأنْ جعل كاتمها آثمَ القلب. وقد رُوي عن النبي - ﷺ - خبر يدل على صحة هذا التأويل وهو قوله: \"خير الشهود مَنْ شَهَد قبل أن يُستشهد\" (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه بنحوه ح ٢٣٦٤، من حديث زيد بن خالد الجهني.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>تذنيب من هو شاهد الزور</span>؟\nقد يخيَّل للِإنسان أنَّ شاهد الزور إنما هو الذي يقف أمام المحكمة، ويقول في قضية ما غير الحق سلبًا أو إيجابًا.\nتُرى هل انحصرت هذه الرذيلة في مثل ذلك الِإنسان المسلوب الوجدان؟ اللَّهم لا، وإذًا لانحصر ضررها ولم يتطاير شررها، ولكن الخطب أعمُّ والمصيبة أجَلُّ لسريان هذه العلة القتَّالة إلى مجموع الأمة من مصدر أخلاقي قلَّ أن يخلو عنه إنسانُ يعد في الناس.\nلا جَرَم أنَّه يمازجه أحيانًا شيء من إرادة الخير أو تخفيف الشر وهو القليل النادر، وأنتَ ترى أنَّ تلك العاطفة لاتصح هدرًا عن هاتيك المخالفة. أما الغالب الشائع أنْ يتجرَّد عن مثل هذه الِإرادة، فما هو إلاَّ تنافس في باطل أو عناد لمناظر أو جَرٌّ لمغنم أو دفعٌ لمغرم أو غيرها من دنيء الأغراض، يدوسُ مبتغيها الحقَّ والصدق ليدركها، وما أدراكَ ما أدرك! ثم ما أدراكَ ما أدرك! حِطَّة في نفسه وخذلانًا في أُمته وذلك هو الخسران المبين.\nلعلَّك تبيَّنت من الوصف المتقدَّم أنَّه ينضوي تحت هذا النوع من شهداء الزور أهل الدواوين والوجهاء، بل وذوو الحيثية من السوقة الذين يؤدون الشهادات الخطية بالمعاريض الخاصة أو العامة في حق خَادم غير أمين من خدام الأمة أو عامل غير صالح من عمال الحكومة أو بالعكس.\nوناهيكَ بالأضرار الجسيمة والمفاسد العميمة التي تترتب على ذلك بحيث يتضاءل في جنبها كل ما يترتب على شهادة الزور في الدعاوى الخاصة من الضرر الخاص مهما كان عظيمًا.","vol":"1","page":35},{"text":"ألا وإنّ ضعف الِإدارة الذي كان يُهوِّن الأمر على صاحبه بما يقيم له من الأعذار الواهية، كمقتضيات المركز وضرورات الأحوال وعدم حصول نتيجة للمخالفة أو تأكد حصول مقصود الطالب شهد له أم لم يشهد وأشباهها، مما يُصمُّ النفس عن سماع صوت الضمير ويميل بالقلب عما يميل إليه من الحقِّ، لم يبقَ له محل الآن وقد أباحتْ الحرية لكل فرد الجهر برأيه في العموميات فضلًا عن الخصوصيات، وله من حراسة الدستور العدل ما يدرأ عنه عدوان الظالمين وظلم المستبدين والله من ورائهم محيط.\n* * *","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الرابع في التنفير من الكذب والاعتصام بالصدق وذكر بعض الآيات والأحاديث في ذلك</span>\nلمَّا كانت شهادة الزور من أنواع الكذب ناسب أنْ نُورد بعض الآيات والأحاديث الواردة في التنفير منه والبعد عنه، وما أوعد الله به الكاذبين، ونُتْبع ذلك بلمعة في فضيلة الصدق وما أعدَّه الله للصادقين.\nقال الله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٤٩، ٥٠].\nوقال ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧].\nوروى الخطيب البغدادي في المتفق عن عبد الله بن جَرَاد قال: قال","vol":"1","page":37},{"text":"أبو الدرداء: يا رسول الله هل يكذب المؤمن؟ قال: \"لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر مَنْ إذا حَدَّث كذب\" (١).\nوفي رواية أنَّ أبا الدرداء سأل النبي - ﷺ -: هل يكذب المؤمن؟ قال: \"لا\" ثم أَتْبعها نبي الله ﷺ حيث قال هذه الكلمة: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) [النحل: ١٠٥].\nوروى ابن ماجه والنسائي عن أوسط بن إسماعيل: قال سمعت أبا بكر الصدِّيق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال: \"إيَّاكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار\" (٣).\nوقال ابن مسعود: قال النبي - ﷺ -: \"لا يزال العبدُ يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكتبَ عند الله كَذَّابَا\" (٤).\nوعن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر ﵁ يقول: إيَّاكم والكذب فإنَّ الكذب مجانبٌ للِإيمان (٥).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٦/ ٢٧٢، وفيه يعلي بن الأشدق ليس بشيء، انظر: الميزان للذهبي ٤/ ٤٥٧. ولم أقف عليه في المتفق والمفترق المطبوع بدار القادري دمشق سنة ١٩٩٧ م.\n(٢) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ومذمومها ح ١٣١، وفيه نفس العلة السابقة: يعلي بن الأشدق.\n(٣) رواه ابن ماجه ح ٣٨٤٩، والِإمام أحمد ١/ ٣، والحديث ليس في سنن النسائي الصغرى.\n(٤) مسند أحمد ١/ ٣٩٣، وأصل الحديث في البخاري ح ٦٠٩٤، ومسلم ٤/ ٢٠١٣، ح ٢٦٠٧ وما بعده.\n(٥) مسند أحمد ١/ ٥.","vol":"1","page":38},{"text":"وعن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ قال: إياكم والكذب فإنَّ الكذب يَهدي إلى النار.\nوقال بعض الحكماء: الكذاب لِصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك.\nوقال الِإمام أبو محمَّد علي ابن حزم الأندلسي في كتاب \"الأخلاق والسِّير\" ما نصه (١): (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظَنُّكَ بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كُفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته.\nوالكذب متولد من الجَوْر والجُبْن والجهل؛ لأن الجبن يولِّد مهانة النفس والكذاب مَهِين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الاعتصام بالصدق</span>\nقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.\nوقال ﷿ في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nوقال - ﷺ -: \"عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البِرِّ\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا فتح له قُفل قلبه وجعل فيه اليقين\n_________\n(١) ص ١٤٦، طبعة دار ابن حزم.\n(٢) رواه مسلم ٤/ ص ٢٠١٣.","vol":"1","page":39},{"text":"والصدق، وجعل قلبه واعيًا لما سَلَك فيه وجعل قلبه سليمًا ولسانه صادقًا وخليقته مستقيمة، وجعل أذنه سميعة وعينه بصيرة\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"تحرَّوا الصدق وإنْ رأيتم أنَّ فيه الهَلَكَة فإنَّ فيه النجاة، واجتنبوا الكذب وإنْ رأيتم فيه النجاة فإنَّ فيه الهَلَكَة\" (٢).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنَّه قال للحسن بن علي ﵄: \"دع ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب رِيبة\" (٣).\nوقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق ولا عون كالصدق، ولذلك قيل: مَنْ قلَّ صدقه قلَّ صديقه.\nوقال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].\nوقال ﷿: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾ [الأحزاب: ٢٣، ٢٤]:\nويَجْمُل بنا أن نذكر نبذة في الصدق أوردها الِإمام شمس الدين\n_________\n(١) أورده في كنز العمال ح ٣٠٧٦٨، وقال: رواه أبو الشيخ من حديث أبي ذر ﵁.\n(٢) رواه هناد بن السري في الزهد ح ١٣٧٦ عن مجمع بن يحيى مرسلًا.\n(٣) رواه الترمذي ح ٢٥١٨، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ح ٥٧١١، وأحمد ١/ ٢٠٠.","vol":"1","page":40},{"text":"محمَّد ابن قَيِّم الجوزية في كتاب \"زاد المعاد في هدي خير العباد - ﷺ -\" (١)، وهي:\nإنَّ الله عظَّم مقدار الصدق وعلَّق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرَّهما به، فما أنجى الله مَنْ أنجاه إلاَّ بالصدق، ولا أهلكَ من أهلكَه إلاَّ بالكذب. وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].\nوقد قسَّم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطَّرد منعكس، فالسعادة دائرة مع الصدق\nوالتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.\nوأخبر ﷾ أنَّه لا ينفعُ العبادَ يوم القيامة إلاَّ صدقهم، وجعل عَلَم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذبَ في أقوالهم وأفعالهم.\nفجميع ما نَعَاه عليهم أصلُه الكذب في القول والفعل، فالصدق بريد الِإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه، (بل هو لُبُّه وروحه. والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه) (٢) ولُبُّه. فمضادة الكذب للِإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والِإيمان إلاَّ ويطرد أحدهما صاحبه ويستقرُّ موضعه. والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم (٣) وأهلك غيرهم من المتخلِّفين بكذبهم،\n_________\n(١) ٣/ ٥٩٠.\n(٢) ما بين الهلالين سقط من الأصل، وأثبتُّه من \"زاد المعاد\" ليتم المعنى.\n(٣) وهو المذكورون في الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ =","vol":"1","page":41},{"text":"فما أنعم الله على عبد بعد الإِسلام بنعمة أفضلَ من الصدق الذي هو غذاء الإِسلام وحياته، ولا ابتلاه ببليَّة أعظمَ من الكذب الذي هو مرض الإِسلام وفساده. انتهى ببعض تصرف.\n* * *\n_________\n= وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ...﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨]. [م].","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>خَاتمَة</span>\nينبغي للمسلم أن يكون هَمُّه وقصده دائمًا في جميع شؤونه إطاعته لله ورضوانه، والبعد عما يدنِّسه من المعاصي والمُوبقات، وأن يعمل لاتِّباع ما جاء به الرسول - ﷺ - ويجتنب الابتداع، فالخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع. وليلزم التقوى فإنَّها العماد والسبب الأقوى، وهي وصية الله إلينا وإلى الأُمم من قبلنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].\nواعلم يا أخي أنَّ جُمَاع الخير كله في تقوى الله ﷿ واعتزال شرور الناس، ومن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقد قيل إنَّ العاقل لا ينبغي أن يُرى إلاَّ ساعيًا في تحصيل حسنة لمعاده أو دِرهم لمعاشه، فكيف به مع ذلك إذا كان مؤمنًا عالمًا بما أعدَّ الله له من ثواب وعقاب على الطاعة والمعصية.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ سَرَّه أنْ يكون أعزَّ الناس فليتقِّ الله، ومن سَرَّه أنْ يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثقَ منه بما في يده، ومَنْ سَرَّه أنْ يكون أقوى الناس فليتوكَّل على الله\" (١).\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٧٠، وأبو نُعيم في الحلية =","vol":"1","page":43},{"text":"وقال سيِّدنا عليَّ بن أبي طالب ﵁: مَنْ سَرَّه الغِنى بلا مال والعزّ بلا سلطان والكثرة بلا عشيرة فليخرج من ذُلِّ معصية الله إلى عِزِّ طاعته فإنه واجدٌ ذلك كله.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"أمرني ربي بتسع: الِإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الغضب والرضاء، والقصد في الفقر والغنى، وأنْ أعفو عمن ظلمني، وأصل مَن قطعني، وأعطيَ مَنْ حرمني، وأن يكون نُطقي ذِكْرًا وصمتي فكرًا، ونظري عِبرة\" (١).\nومن كلام إمامنا الشافعي ﵁: مَنْ لم تعزَّه التقوى فلا عزَّ له.\nورحم الله القائل:\nلكل شيء إذا ضيَّعتَه عِوضُ ... وليس لله إنْ ضَيَّعتَ مِن عوضِ\nوالقائل:\nإذا أبقتِ الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليسَ بضائر\nولا خير في حياة لا تُصرف في طاعة الله والعمل لما يرضيه.\nوواجب على أهل العلم أن يصدعوا بالحق، ويقودوا الناس إلى طريق الرشاد، ويقفوا في سبيل المنكرات والمفسدات، ويُحذِّروا الناس\n_________\n= ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، من حديث ابن عباس، وفي إسناده هشام بن زياد، قال الحافظ في تلخيص المستدرك: هشام متروك.\nوالحديث ضعفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الِإحياء ٤/ ٢٤٤.\n(١) لم أقف عليه.","vol":"1","page":44},{"text":"مما يضرهم ويهلكهم. ومن شِيَم العالِم أنْ يكون عارفًا بزمانه، مُقبلًا على شأنه وكلُّ من لا يشعر من نفسه في أي عمل كان أنَّه مرتبطٌ بأمةٍ يسعَدُ بسعادتها ويشقى بشقائها فهو إما مُفرِّط أو غَاشٌّ أو مقصر.\nوقد قال سيدنا عليّ كرَّم الله وجهه ورضي عنه: مَنْ قَصَّر في العمل ابتُلي بالهم (أي: الحسرة على فوات الثمرة)، ولا حاجة لله فيمن ليس لله في ماله ونفسه نصيب.\nوقال ﵁: قيمة كل امرئ ما يُحسنه.\nوفقنا الله جميعًا لما فيه خير الأمة والعمل لما يصلحها ويرقيها، آمين، اللهم آمين.\nووافق الفراغ من هذه الرسالة ضحى يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة عام ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين من الهجرة النبوية، والحمد لله بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا (١).\n_________\n(١) تمت المقابلة على الأصل المطبوع في حياة المؤلف بقراءتي ومتابعة الأخ الشيخ أبي سالم مساعد العبد القادر، وذلك في الصحن المبارك تجاه الكعبة المشرفة بين صلاتي العصر والمغرب في يوم ٢١ من شهر المغفرة رمضان لسنة ١٤٢٠ هـ.\n- وتمت المقابلة مرة ثانية بقراءة زوجتي أم محمَّد في منزلنا الصيفي ضحى يوم الاثنين ٩ جمادى الآخرة سنة ١٤٢١ هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\nوكتبه\nرَمزي سَعد الدين دمشقية","vol":"1","page":45}]}