{"ً":{"ٌ":17807,"ٍ":"الخلاصة في معرفة الحديث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/الخلاصة في معرفة الحديث - الطيبي -  ت الشوامي","files":["109042.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الخلاصة في معرفة الحديث\nالمؤلف: الحسين بن محمد بن عبد الله، شرف الدين الطيبي (ت ٧٤٣ هـ)\nالمحقق: أبو عاصم الشوامي الأثري\nالناشر: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع - الرواد للإعلام والنشر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م\nعدد الصفحات: ١٨٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2614,"ٕ":10,"ٖ":1770155998,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"التعريف بالكتاب وأهميته","level":2,"page":3},{"title":"(١) تسمية الكتاب","level":3,"page":3},{"title":"(٢) موضوعه ومشتملاته","level":3,"page":4},{"title":"وصف النسخ الخطية","level":2,"page":6},{"title":"عملي في الكتاب","level":2,"page":7},{"title":"ترجمة المصنف","level":2,"page":11},{"title":"مصنفاته","level":3,"page":12},{"title":"صور المخطوطات","level":2,"page":14},{"title":"[مقدمة المؤلف]","level":1,"page":20},{"title":"فروع","level":2,"page":23},{"title":"المقاصد","level":2,"page":27},{"title":"الباب الأول في أقسام الحديث","level":1,"page":28},{"title":"الفصل الأول في الصحيح","level":2,"page":28},{"title":"الفصل الثاني في الحسن","level":2,"page":32},{"title":"الفصل الثالث في الضعيف","level":2,"page":41},{"title":"الباب الثاني معرفة أوصاف الرواة ومن يقبل روايته ومن لا يقبل","level":1,"page":92},{"title":"وفيه فصول","level":2,"page":93},{"title":"الأول: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه والأصول على أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط.","level":3,"page":93},{"title":"الثاني: تعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها، أو بالاستفاضة.","level":3,"page":93},{"title":"الثالث: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها.","level":3,"page":94},{"title":"الرابع: يثبت الجرح والتعديل في الرواة بقول واحد على الصحيح؛ لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله.","level":3,"page":95},{"title":"الخامس: إذا قال حدثني ثقة، إن قصد به التعديل، لا يجزئ إذ لا بد من تعيين المعدل وتسميته، وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده، بل إضرابه عن تسميته مريب في القلوب.","level":3,"page":95},{"title":"السادس: الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل.","level":3,"page":96},{"title":"السابع: لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث، أو إسماعه كمن ينام حالة السماع أو يشتغل عنه، أو يحدث لا من أصل","level":3,"page":97},{"title":"الثامن: من خلط لخرفه أو ذهاب بصره أو لغير ذلك، فيقبل ما روي عنه قبل الاختلاط ويرد ما بعده وما شك فيه أيضا.","level":3,"page":98},{"title":"التاسع: في رواية المجهول الحال","level":3,"page":99},{"title":"العاشر: المبتدع الذي لم يكفر ببدعته","level":3,"page":101},{"title":"الحادي عشر: التائب من الكذب،","level":3,"page":102},{"title":"الثاني عشر: إذا روى ثقة عن ثقة حديثا وروجع","level":3,"page":103},{"title":"الثالث عشر: اختلفوا فيمن أخذ على التحديث أجرا.","level":3,"page":104},{"title":"الرابع عشر: أعرض الناس في هذه الأعصار","level":3,"page":105},{"title":"الباب الثالث في تحمل الحديث وطرق نقله وضبطه وروايته","level":1,"page":106},{"title":"الفصل الأول في أهلية التحمل","level":2,"page":106},{"title":"فرع","level":3,"page":109},{"title":"الفصل الثاني في طرق تحمل الحديث","level":2,"page":110},{"title":"الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءا أم تحديثا","level":3,"page":110},{"title":"الطريق الثاني: القراءة على الشيخ","level":3,"page":113},{"title":"الطريق الثالث: الإجازة","level":3,"page":119},{"title":"الطريق الرابع: المناولة","level":3,"page":123},{"title":"الطريق الخامس: المكاتبة","level":3,"page":126},{"title":"الطريق السادس: الإعلام","level":3,"page":126},{"title":"الطريق السابع: الوجادة","level":3,"page":127},{"title":"الفصل الثالث في كيفية رواية الحديث","level":2,"page":130},{"title":"الباب الرابع في أسماء الرجال وطبقات العلماء وما يتصل بذلك","level":1,"page":142},{"title":"الفصل الأول في معرفة الصحابة - ﵃ -","level":2,"page":142},{"title":"الفصل الثاني في معرفة التابعي","level":2,"page":145},{"title":"الفصل الثالث في الأسماء والكنى والألقاب","level":2,"page":147},{"title":"النوع الأول في الأسماء","level":3,"page":147},{"title":"النوع الثاني في الكنى","level":3,"page":153},{"title":"النوع الثالث في الألقاب","level":3,"page":154},{"title":"الفصل الرابع في أنواع شتى","level":2,"page":155},{"title":"النوع الأول: في معرفة الموالي","level":3,"page":155},{"title":"النوع الثاني: في معرفة مواطن الرواة","level":3,"page":155},{"title":"النوع الثالث: في التواريخ والوفيات","level":3,"page":156},{"title":"خاتمة في آداب الشيخ والطالب والكاتب","level":1,"page":160},{"title":"الفصل الأول: في أدب الشيخ","level":2,"page":160},{"title":"الفصل الثاني في أدب الطالب","level":2,"page":164},{"title":"الفصل الثالث في أدب الكاتب","level":2,"page":167}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,23":17,"1,25":18,"1,26":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173},"ٜ":{"1":[5,180]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"4":[4],"6":[5],"7":[6],"11":[7],"12":[8],"14":[9],"20":[10],"23":[11],"27":[12],"28":[13,14],"32":[15],"41":[16],"92":[17],"93":[18,19,20],"94":[21],"95":[22,23],"96":[24],"97":[25],"98":[26],"99":[27],"101":[28],"102":[29],"103":[30],"104":[31],"105":[32],"106":[33,34],"109":[35],"110":[36,37],"113":[38],"119":[39],"123":[40],"126":[41,42],"127":[43],"130":[44],"142":[45,46],"145":[47],"147":[48,49],"153":[50],"154":[51],"155":[52,53,54],"156":[55],"160":[56,57],"164":[58],"167":[59]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾\n[آل عمران: ١٠٢]\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾\n[الأحزاب: ٧٠ - ٧١]\nأما بعد،\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي، هدي محمد - ﷺ - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nفإن علم الحديث من العلوم التي انفرد بها المسلمون، وجاءوا فيها بما لم تأت بمثله أمة من الأمم إلى يوم الناس هذا، حتى قال قائلهم «ليفتخر","vol":"1","page":5},{"text":"المسلمون بعلم حديثهم ما شاءوا» (١)، ولقد شرف هذا العلم؛ لالتصاقه بصاحب الوحي - ﷺ -، فإن هذا العلم إنما يُعنى بدراسة ما يُنسب إلى النبي - ﷺ - من أقوال أو أفعال؛ لأن ما صح عنه - ﷺ - بمنزلة القرآن في الهَدْي، لأنه هو البيان عن القرآن، فيه تفصيل ما أجَمَل القرآن، وإيضاح ما أَبهم، واستثناء ما استثناه الله، وزيادة ما زاده الله بالوحي إلى رسوله - ﷺ -، وهو في كل ذلك يتعلق بكل كبيرة وصغيرة في حياة الفرد المسلم، وفي حياة الجماعة، وفي روابط هذه الجماعة، وروابطها بغيرها من الجماعات (٢).\nولذا فقد أفرغ أهل العلم جهدهم ووقتهم في التَّقعِيد والتَّنظِير لهذا العلم الشريف.\nوكان من بين هؤلاء، الإمام العلامة أبو محمد الحسين بن عبد الله بن محمد الطِّيِبِي الدمشقي، صاحب كتابنا هذا، الذي نحن بصدد تحقيقه والتعليق عليه، وقد جاء كتابه هذا كما يقولون \"اسم على مسمى\" فهو بحق خلاصة هذا العلم الشريف.\nفإنه قد أودع فيه عصارة ما صُنِّف في هذا الفن، كما ذكر في مقدمته لهذا الكتاب، ألا وهي مقدمة ابن الصلاح، والتقريب للنووي، والمنهل الروي لابن جماعة، وأضاف إليهم من مقدمة كتاب جامع الأصول لابن الأثير،\n_________\n(١) نقله العلامة المعلمي اليماني، عن المستشرق، مرجليوث، في مقدمة تحقيقه لكتاب الجرح والتعديل.\n(٢) اقتباس من كلام أديب العربية الشيخ أبي فهر محمود محمد شاكر ﵀ في كتابه ... (أباطيل وأسمار، ص ١٩١) بتصرف.","vol":"1","page":6},{"text":"فجاء بمصنَّف رائع، ليس بالمختصر المخل، ولا بالمسهب الممل، وهو مناسب جدًا لجمهرة طلبة هذا العلم الشريف، على اختلاف طبقاتهم ومراحلهم العلمية.\nكيف لا؟ وقد عاش المصنف في أقوى فترات التصنيف والإنتاج العلمي ... إنه القرن الثامن، الذي قُدِّر أن تحيى فيه كوكبة عظيمة من أئمة أهل السنة والجماعة.\nمنهم على سبيل المثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الفذ ابن قيِّم الجوزية، وابن عبد الهادي، والمِزي، والبِرْزَالي، وابن كثير وشمس الدين الذهبي، وغيرهم، عليهم جميعًا رحمة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>التعريف بالكتاب وأهميته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>(١) تسمية الكتاب:</span>\nكتب محقق النسخة المطبوعة على طرة الكتاب \"الخلاصة في أصول الحديث\".\nوقد سمَّاهُ مُصَنِّفُهُ \"الخلاصة في معرفة الحديث\"، كما جاء في مقدمته للكتاب كما في النسخة الأزهرية التي اعتمدناها، ونسخة مركز ودود التي اعتمدناها أيضا، وأيضا في نسخة آيا صوفيا، والتي وضع محقق المطبوعة صورة طرتها وصورة أول صفحة منها - والتي بها مقدمة المصنف - في مقدمته للكتاب، وأيضا العنوان على طرة آيا صوفيا؛ كما ذكرناه، والله أعلم بالصواب","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>(٢) موضوعه ومشتملاته:</span>\nولقد عجبت من عدم شهرة هذا الكتاب في الآونة الأخيرة، على الرغم من أهميته، كما ذكرنا، بل لأهمية هذا الكتاب، استفاد منه المصنفون بعده مابين ناقل، ومختصر، وغير ذلك.\nفقام بتلخيص هذا الكتاب الإمام أبو الحسن الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ، في كتابه المعروف؛ بمختصر الجرجاني.\nوقد طُبع هذا المختصر بتحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم، في دار الدعوة بالإسكندرية.\nثم أخرجه في طبعة أخرى؛ الدكتور علي زوين، في دار الرشد بالرياض.\nوقام بشرح هذا المختصر؛ الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ سماه \"ظَفر الأماني في مختصر الجرجاني\".\nوقام بتحقيقه الدكتور تقي الدين الندوي.\nثم حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ونقد طبعة الندوي.\nومن الذين استفادوا من الخلاصة ونقلوا عنها الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، في كتابه القيم \"تدريب الراوي\".\nوأيضا الأمير الصنعاني في كتابه \"توضيح الأفكار\".\nكما استفاد منه الإمام اللكنوي ونقل عنه في كتابه \"الرفع والتكميل\"","vol":"1","page":8},{"text":"وغيرهم.\nولعل السبب في عدم شهرة هذا الكتاب وعزوف المتأخرين عنه، هو عدم خروجه في صورة حسنة.\nفإني قد وقفت على الطبعة التي بين يدي الناس من هذا الكتاب، والتي قام بتحقيقها الشيخ صبحي السامرائي، فوجدت فيها كثيرًا من الأخطاء، ما بين تصحيف وتحريف وسقط، ذلك مما يخل بالمعنى في كثير من المواضع، وربما كان ذلك من أخطاء الطباعة، كما أن كثيرا من نصوصه لم توثق بالعزو إلى مصادرها، التي صرح المصنف بها أو التي لم يصرح بها، وهذا ما حرصت على تلافيه في تحقيقي للكتاب.\nوقد وقفت على طبعتين لهذا التحقيق؛ الأولى في رئاسة ديوان الأوقاف العراقية، والثانية في دار عالم الكتب، فلم أجد بينهما أي اختلاف يذكر.\nفاستخرت الله ﷿ على تحقيق هذا الكتاب، وذلك بعد مشاورة شيخنا العلامة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، أمد الله بقاءه في الخير، فشجعني على ذلك وأمدني بما أحتاج من مراجع، ولم يبخل علي بنصيحته وتوجيهه فجزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>وصف النسخ الخطية:</span>\nاعتمدت في تحقيق هذا الكتاب:\nأولا على مخطوطة المكتبة الأزهرية، والتي تُعد من أقيم المخطوطات لهذا الكتاب.\nوهي نسخة لا تكادُ تخطئ، إلا في النادر، وهي مكتوبة بخط نسخ عادي ومضبوطة بالشكل في مواضع كثيرة من الكتاب.\nوتقع هذه النسخة في تسع وخمسين ورقة، وجهان في كل ورقة، عدا الأخيرة فوجه واحد، ومسطرتها زهاء خمسة عشر سطرًا، وعدد كلمات السطر زهاء اثنتا عشرة كلمة، هذا وقد كُتِب في حاشية آخر ورقة منها وبخط يختلف عن خط الناسخ \"نصف الجمادى الآخر سنة ٨٨٣\"، كذا بالأرقام، وقد جرت عادة ناسخ هذا الكتاب من أوله إلى آخره أن يكتب الأرقام بالحروف العربية، هذا وعلى النسخة كثير من الحواشي والتعليقات، وقد ذكرت منها ما ظننت أنه يفيد القارئ، وهو في صلب الموضوع، وأعرضت عن ذكر كثير منها، مما لم أرى فيه كبير فائدة، وقد اصطلحنا لها الرمز (ز).\nثانيا على نسخة أتحفني بها الشيخ الفاضل والمحقق الباذل الشيخ أبو عبد الله حسين بن عكاشة حفظه الله، وهي من مصورات مركز ودود للمخطوطات\nوتقع ضمن مجموع، من صفحة ثمان وعشرين إلى صفحة اثنين","vol":"1","page":10},{"text":"وستين، أي في ثلاثة وثلاثين ورقة، وجهان في كل ورقة، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، وعدد كلمات السطر؛ زهاء اثنتا عشرة كلمة، وكُتِبت بخط فارسي جميل، وهي موافقة إلى حد كبير لنسخة الأزهرية سالفة الذكر ولا يوجد عليها تاريخ النسخ، وبها كثير من الحواشي، ذكرت منها ما ظننت أنه يفيد القارئ، وأعرضت عن ذكر الكثير منها، ممالا أجد تحته كبير فائدة، وقد اصطلحنا لها الرمز (د).\nهذا وإتماما للفائدة بقدر الممكن والمستطاع؛ فإني قد استفدت من نسخة آيا صوفيا التي اعتمد عليها محقق المطبوعة، وذلك من الورقتين اللتين أوردهما في مقدمة تحقيقه، وهما الورقة الأولى، والورقة الأخيرة، سيما وهذه النسخة كتبت في حياة المؤلف ﵀، فهي من الأهمية بمكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>عملي في الكتاب:</span>\nقابلت المخطوطتين، على المطبوعة سالفة الذكر، فأثبت الفروق بينهما ... وتركت الإشارة إلى كثير من أخطاء المطبوعة، خشية الملل، إلا أني نبهت على جميع مواضع السقط في أماكنها من الكتاب.\nبعد ذلك قمت بقراءة النص بعناية، وعزوت كل نقل إلى قائله بقدر الطاقة\nوطابقت هذا النقل بمصدره لأتأكد من صحته، فإن المصنف ﵀ كثيرًا ما ينقل بتصرف.","vol":"1","page":11},{"text":"وقمت أيضًا بالترجمة لكثير من الأعلام الذين ذكروا في أثناء الكتاب.\nهذا وقد عرضت عملي هذا على فضيلة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم حفظه الله تعالى، فأثنى عليه خيرًا.\nوسيجد المطالع لهذا الكتاب أن تعليقاتي قليلة.\nولقد وددت أن لا يكون لي تعليقات على الكتاب أصلا، ولكن هذا ما دعت إليه الضرورة.\nوذلك لما تعلمناه من شيوخنا المحققين:\nكالعلامة الدكتور أحمد معبد؛ رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، والأستاذ الكبير عصام محمد الشَّنْطِي؛ المدير الأسبق لمعهد المخطوطات العربية، والدكتور أحمد شوقي بنبين؛ رئيس الخزانة العامة الملكية للمخطوطات بالرباط.\nتعلَّمنا منهم أن التحقيق؛ هو إخراج النص المُحَقَّق كما أراده صاحبه، يوم قام بتأليفه، وأنا كتبت على طرة الكتاب \"كتاب فلان بتحقيق وتعليق فلان\" ولم أكتب \"كتاب فلان بحاشية فلان\"، فحين أكتب تحقيق فلان، عليَّ إذن ألا أخرج عن هذا المعنى، ولقد رأيت من حقق كتابًا، كان في طبعته القديمة في مجلد واحد، فحققه؛ فخرج في عشرة مجلدات!!!\nولا أريد أن أخوض في هذا الموضوع؛ فإن الكلام فيه ذو شجون، ولعله يكون له موضع آخر إن شاء الله.","vol":"1","page":12},{"text":"وأخيرًا، أعددت فهرسًا علميًا للكتاب.\nثم إني لا أنسى في هذا المقام، أن أتقدم بالشكر لكل من عاونني في إخراج هذا الكتاب.\nوأخص بالذكر منهم وعلى رأسهم؛ فضيلة شيخنا العلامة الدكتور ... أحمد معبد عبد الكريم، والذي كان له الفضل في كل ذلك.\nوأثني بشيخي الفاضل؛ الشيخ أبو معاذ طارق بن عوض الله، والذي كان له أكبر الفضل علي في فهم هذا العلم الشريف، والذي مارست التحقيق في مكتبه وتحت إشرافه، في أول أمري، مستفيدا من علمه وخبرته الطويلة، فجزاه الله خيرًا.\nكما أتقدم بالشكر للشيخ عماد الدين عباس والذي أحاطني بنصائحه وإرشاداته.\nوأيضًا أتقدم بالشكر للحاج المهندس محمد يوسف والذي ما بخل علي أبدًا لا بنصح ولا مراجع، فله عليَّ يَدٌ، يجزيه الله بها.\nوآخرين يضيق المجال عن ذكرهم جميعًا، أسأل الله ﷿ أن يغفر لنا ولهم، ويتجاوز عنا وعنهم.\nوإنه لمن نافلة القول، أن أذكر أننِي لا أدعي العصمة لنفسي بل إن الله ﷿، أبى أن يكون كتابٌ صحيحًا غيرُ كتابه، ولكن حسبي أنِّي قد بذلت الوسع، في إقامة هذا النص.","vol":"1","page":13},{"text":"فإن كان خيرًا، فبتوفيق الله وحده ورأفته بضعف عبده، وإن كان غير ذلك فبذنوبي وتقصيري وجهلي، كيف لا وقد رضعنا هذا العلم بثدي من العجز وثدي من التقصير.\n\nفأسأل الله ﵎ أن يعفو عني، وأن يتجاوز عن زلاتي، وأن يجعل عملي هذا خالصًا لوجه الكريم، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.\n\nوكتبه راجي عفو ربه الكريم\nأبو عاصم الشَّوامي محمد بن محمود بن إبراهيم\nلست ليال خلت من ذي الحجة\nمن عام تسع وعشرين وأربعمائة وألف\nمن هجرة سيد الخلق - ﷺ -","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ترجمة المصنف </span>(١)\nهو الإمام العلم، أبو محمد (٢) الحسين بن محمد بن عبد الله الطِّيْبِي (٣)، الإمام المشهور، صاحب شرح المشكاة وغيره.\nقرأت بخط بعض الفضلاء (٤): وكان ذا ثروة من الإرث والتجارة، فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، قال وكان كريمًا متواضعًا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، مظهرًا فضائحهم مع استيلائهم في بلاد المسلمين حينئذ، شديد الحب لله ورسوله، كثير الحياء، ملازمًا للجماعة ليلًا ونهارًا شتاءًا وصيفًا، مع ضعف بصره بآخرة، ملازمًا لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يعينهم، ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده، وغيرهم من أهل البلدان ممن يعرف وممن لا يعرف.\nمحبًا لمن عُرف منه تعظيم الشريعة، مقبلًا على نشر العلم، آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن.\n_________\n(١) استقيت جل هذه الترجمة من كتاب الدرر الكامنة لابن حجر، والبدر الطالع للشوكاني وكشف الظنون لحاجي خليفة.\n(٢) لم أقف على هذه الكنية عند من ترجموا للإمام الطيبي ﵀، وإنما أفدتها من صفحة عنوان نسخة آيا صوفيا والتي كتبت في حياة المصنف ﵀.\n(٣) هذه النسبة بالطاء المكسورة، والياء الساكنة المنقوطة من تحتها بنقطتين، والباء المنقوطة من تحتها بنقطة إلى \" طِيْب \" وهي بلدة بين واسط، وكور الأهواز مشهورة، وينظر الأنساب للسمعاني (٨/ ٢٨٩).\n(٤) القائل هو ابن حجر، كما في الدرر الكامنة.","vol":"1","page":15},{"text":"شرح الكشَّاف شرحًا كبيرًا، وأجاب عما خالف مذهب أهل السنة أحسن جواب، يعرف فضله من طالعه، وصنَّف في المعاني والبيان؛ التبيان وشرحه وأمر بعض تلامذته باختصاره، على طريقةٍ نهجها له، وسماه المشكاة وشرحها هو شرحًا حافلًا، ثم شرع في جمع كتاب في التفسير، وعقد مجلسًا عظيمًا لقراءة كتاب البخاري، فكان يشتغل في التفسير من بكرة إلى الظهر، ومن ثَمَّ إلى العصر لإسماع البخاري، إلى أن كان يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير، وتوجه إلى مجلس الحديث، فدخل مسجدًا عند بيته فصلى النافلة قاعدًا وجلس ينتظر الإقامة للفريضة؛ فقضى نحبه متوجهًا إلى القبلة وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ٧٤٣ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>مصنفاته:</span>\n• \"التبيان في المعاني والبيان\" وهو مختصر مشهور، أوله: (الحمد لله الذي أشرقت سنا محامده. . . الخ) ثم شرحه: تلميذه: علي بن عيسى وسماه: (حدائق البيان).\n• \"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب\" في ست مجلدات ضخام وهو حاشية على كشاف الزمخشري، وهي من أجل حواشيه كما ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون.\nقال: رأيت النبي - ﷺ - قبيل الشروع، أنه ناولني قدحًا من اللبن وأشار إلي فأصبت منه ثم ناولته - ﷺ - فأصاب منه.","vol":"1","page":16},{"text":"• \"الكاشف عن حقائق السنن\"\nأوله: (الحمد لله مشيد أركان الدين الحنيف. . . الخ)\nقال: وكنت قبل قد استشرت الأخ في الدين، بقية الأولياء، قطب الصلحاء، ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب، بِجَمْعٍ، في جمع أصل من الأحاديث\nفاتفق رأينا على: \" تكملة المصابيح \" وتهذيبه وتعيين رواته، فما قصر فيما أشرت إليه من جمعه فبذل وسعه، فلما فرغ من إتمامه، شمرت عن ساق الجد في شرح معضله، بعد تتبع الكتب، وسلكت في النقل منها طريق الاختصار، وكان جُل اعتمادي وغاية اهتمامي بشرح مسلم للنووي؛ لأنه كان أجمعها فوائد وأكثرها عوائد.\n\n• \"كتاب الخلاصة في معرفة الحديث\"\nوهو كتابنا هذا.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>صور المخطوطات</span>","vol":"1","page":19},{"text":"أنموذج من مصورة النسخة الأزهرية والمشار إليها بـ (ز)","vol":"1","page":20},{"text":"أنموذج من مصورة مركز ودود والمشار إليها بـ (د)","vol":"1","page":21},{"text":"الخلاصة في معرفة الحديث\nتصنيف\nشرف الدين أبي محمد الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الدمشقي\nالمتوفى ٧٤٣ هـ\nحقق وعلق عليه\nأبو عاصم الشوامي الأثري","vol":"1","page":23},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب سهِّل (١)\nالحمدُ لله عَلى أَفضَالِه، ونَسألُه المَزيدَ مِن نعمهِ ونوَالِه، وصلَّى الله على محمدٍ وآله، الَّلهم كما زِدتَنا نِعمًا، فألهِمنا شكرًا، وبعد.\nفهذه جُمَلٌ في معرفة الحديث، مما لا بُدَّ منه للطَّالب، لا سيَّما مَن تَصدَّى للتَّحديث.\nلَخصْتهُ من كتاب الإمام مُفتي الشَّام شيخ الإسلام ابن الصَّلاح (٢)، ومُختَصر الإمام المُتقن مُحيي الدين النَّواوي (٣)، والقاضي بدر الدين يُعرَف (٤) بابن\nجماعة (٥) - ﵃ -.\n_________\n(١) قوله \"رب سهل\" ليس في (د)، وفي (ز) \"وبه نستعين\"، والمثبت من آيا صوفيا.\n(٢) هو أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشهرزوري تقي الدين المعروف بابن الصلاح، المتوفى سنة ٦٤٣ هـ ينظر ترجمته في وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وكتابه المشهور \" بمقدمة ابن الصلاح \" طبع مرارًا.\n(٣) هو الإمام محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف المُري الحِزَامي النووي الشافعي شيخ المذهب في زمانه المتوفى سنة ٦٧٦ هـ ينظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٣٩٥) وكتابه هو المعروف \"بالتقريب والتيسير\" والذي كان اختصره من كتاب \"الإرشاد\" له أيضا ... وكلاهما طبع.\n(٤) في (ز) المعروف، والمثبت من (د)، ونسخة على (ز)، وآيا صوفيا.\n(٥) هو الإمام بدر الدين أبو عبد الله شيخ الإسلام محمد بن إبراهيم بن سعد الله ابن جماعة الشافعي توفي في سنة ٧٣٣ هـ ينظر ترجمته في الدرر الكامنة (٣/ ٣٦٧) وكتابه هو المعروف \" بالمنهل الروي \" طبع.","vol":"1","page":25},{"text":"فهذَّبته تهذيبًا ونقَّحتُه تَنقيحًا ورَصَّفته تَرصِيفًا أَنيقًا.\nفوضعت كلَّ شيء في مَصبِّه ومَقرِّه، وأَضفتُ إلى ذلك زِيادَاتٍ مُهمَّة من جَامِع الأُصُول (١)، وغَيرِه (٢).\nوأَسألُ اللهَ أن يَنفعَ الطَّالبينَ بِه، ويَهديَهُم سَبيلَ الرَّشادِ ويجعله خالصًا لِوجهِهِ الكَرِيم.\n\nوسَمَّيتُه بـ \"الخُلاَصَةِ في مَعرفةِ الحَدِيث\"، ورتَّبتهُ على مُقدِّمة ومَقَاصِدْ وخَاتِمَة.\n_________\n(١) \"جامع الأصول من أحاديث الرسول \" للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير صاحب التصانيف النافعة المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وكتاب جامع الأصول؛ طبع.\n(٢) ينظر فهرس مصادر المصنف الذي أعددناه في آخر الكتاب.","vol":"1","page":26},{"text":"المقدمة\nالعِلمُ بَحَديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ورِوَايَته من أشرف العلوم وأفضلها؛ لأنه ثاني أَدِلَّة علوم الإسلام، ومادة علم الأصول والأحكام، لا يرغب في نشره إلا كلُّ صادق تَقيٍّ، ولا يَزهَدُ في نَصرِه إلا كلُّ مُنافق شَقيٍّ.\nقال أبو نصر بن سلاَّم (١): ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سَماع الحديث وروايته وإسناده.\nولهذا العلم أُصول وأحكام واصطلاحات وأوضاع، يحتاج طالبه إلى معرفتها ومدار هذه الأمور على المتون والأسانيد والسند (٢)، وغيرها.\nالْمَتْنُ: هو ما اكتَنَف الصُّلب من الحيوان، وبه شُبِّه المتن من الأرض ومَتُنَ الشيء قَوِيَ مَتْنُهُ، ومِنه حَبْلٌ مَتِين، فَمَتْنُ كلِّ شيءٍ ما يَتَقَوَّمُ به ذلك الشيء ويَتَقَوَّى به، كما أن الإنسان يَتَقَوَّم بالظَّهر ويَتَقَوَّى به، فَمَتْنُ الحديث ألفاظه التي يَتقوَّم بها المعاني.\nواختُلِفَ في متن الحديث أهو قول الصَّحابي عن رسول الله - ﷺ - كذا وكذا؟ أو هو مَقُولُ رسول الله - ﷺ - فَحَسْب؟\nوالأول أَظْهَر، لِمَا تَقَرَّر أنَّ السُّنة إِما قولٌ أو فعلٌ أو تَقْرِيرٌ، والسَّلف أَطْلَقُوا الحديث على أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وآثارِهِم وفَتَاواهم.\n_________\n(١) كما في \" معرفة علوم الحديث \" (ص ٣٥).\n(٢) يظهر هنا تفرقة المصنف بين السند والإسناد وكلمة السند سقطت من المطبوعة وأثبتناها من (ز)، (د)، وهي كذلك في نسخة آيا صوفيا التي اعتمد عليها محقق المطبوعة.","vol":"1","page":27},{"text":"والسَّنَدُ: إِخبَارٌ عن طَريقِ المَتنِ، من قولهم فُلانٌ سَنَد أَيْ مُعتَمَد، فسُمِّيَ سَندًا، لاعتماد الحُفَّاظ في صِحةِ الحَديثِ وضَعْفهِ عليه.\nوالإِسنِاد: هو رَفعُ الحديث إلى قائِله.\nوقال عبد الله بن المبارك (١): الإسناد مِن الدِّين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.\nفعلى هذا السَّنَدُ والإسناد، يتقاربان في معنى الاعتماد.\n\nوالحَدِيثُ: ضِدُّ القَديم، لأنه يَحْدُث شيئًا فَشيئًا، ويُستَعمَل في قليل الكلام وكثيره، والكلام يُعنَى به تارةً القول الدَّال على المعنى، وأخرى المعنى القائم بالنَّفس، وهو قِسمان خَبرٌ وإنشَاء.\nالإنشاء: إيجاد معنى بلفظ يقارنه في الوجود (٢).\nوالخبر: هو كلام يُفيد بنفسه نسبة شيء إلى شيء في الخارج، والكلام يَشْمل المفيد وغيره؛ فقوله يفيد بنفسه يُخرج غيره، مثل قَائِمٌ في \"زيدٌ قائم\" وقولك الغلام الذي لزيد (٣)، في قولك \"الغُلام الَّذي لزيد فعل كذا وكذا\"، وقوله في الخارج يخرج الإنشائيات.\nقال بعض الأُدبَاء: الإنشاءُ كَلامٌ لفظه سببٌ لِنسبةٍ غير مسبوقة بنسبة أخرى، فخرج الخبر، لأن لَفظَهُ وإن كان سببًا لنسبةٍ بها يَحصُل الكلام لكنها\n_________\n(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ١٢)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٤٠).\n(٢) هذا التعريف سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز).\n(٣) قوله \"لزيد\" سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":28},{"text":"مسبوقة بنسبة أخرى، هي حكاية عنها، فإن طابقتا؛ فالخبر صادق وإلا، فكاذب.\nوالإنشاء ليس له نسبة أخرى، فإن المُتَكلِّم هو الذي يُحْدِث نِسبةً بها يَحْصُل الكلام؛ ولذلك لا يحتمل المطابقة، ولا عدمها؛ لأن المطابقة نسبة، وكل نسبة لا بُدَّ لها من منتسبين سابقين عليها (١).\n_________\n(١) اجتهدت فلم أقف على قائل هذا الكلام من الأدباء.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>فروع</span>\nالأول: الخَبَر إِمَّا صِدقٌ أو كَذِبٌ، ولا ثَالِثَ لهما على المختار، ومرجع الصِّدق والكَذِب إما إلى مطابقة الواقع، أو اعتقاد المُخبِر، أو إليهما جَميعًا كما بيَّن لك حَدَائق البَيَان في شرح التِّبيان (١).\nالثاني: الخبر قد يُعْلَم صِدقُهُ قَطعًا؛ كخبر اللهِ تَعَالى وخبر رسولِهِ - ﷺ -، وقد يُعلم كَذِبه قطعًا؛ كخبر المُخالف لخبر الله تعالى، وقد يُظَنُ صِدقُه؛ كخبر العَدل، وقد يُظن كذبه؛ كخبر الفاسق، وقد يُشَكُ فيه؛ كخبر المجهول.\nالثالث: الخبر ينقسم إلى مُتَوَاتِر وآحَاد.\nوالمتواتر: هو خَبرٌ بَلَغَت رُواته في الكثرة مَبْلغًا، أحالت العادة تَوَاطُؤهُم على الكذب؛ كالمخبرين عن وجود مكة وغزوة بدر (٢).\nوله شرطان:\nالأول: أن يكون عِلمُهُم ضروريًا مُستَنِدًا إلى مَحسوُس، بأن يكون المُخبَر عنه محسوسًا، إذ لو أخبرونا عن حدوث العالم أو عن صِدْقِ الأنبياء أو عن ظَن لم يَحْصُل لنا العلم.\nالثاني: أن يستوي طرفاه والوَسَط في عدم تواطئهم على الكذب لِكَثرَتهم\n_________\n(١) هو شرح لكتاب التبيان في المعاني والبيان للمصنف، شرحه تلميذه، علي بن عيسى.\n(٢) ينظر الإحكام للآمدي (٢/ ٢٦).","vol":"1","page":30},{"text":"ويدوم هذا الحد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه؛ نحو القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات، ومقادير الزَّكَوَات، وما أشبه ذلك ولأجل ذلك لم يَحصُل لنا العِلم بِصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم أن مُوسَى - ﵇ - كذَّبَ كلَّ نَاسِخٍ لِشَرِيعَتِه، ولا يُصدَّق الشِّيعة بنقل النص على إمامة علي - ﵁ -، والبَكْرِيَّة على إمامة أبي بكر - ﵁ - لأن هذا وَضَعَه الآحاد أولًا، وأَفشُوه، ثم كثر الناقلون في عصره وبعده في الأعصار (١).\nقال ابنُ الصَّلاح (٢): مَن سُئل عن إِبراز مثال لذلك فيما يُروى من الحديث أعياه طلبه، وحديث \"إِنْمِا الأَعْمَالُ بِالنيَّات\" ليس من ذلك وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طَرأ عليه في وسط إسناده ولم يوجد في أوائله (٣). نعم حديث \"مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَده مِنَ النَّار\" نراه مثالا لذلك فإنه نقله من الصحابة - ﵃ - العددُ الجمُّ.\nوذكر أبو بكر البزَّار الحافظ الجليل في مسنده (٤): أنه رواه عن رسول الله - ﷺ - نحو من أربعين من الصحابة، وذكر بعض الحُفَّاظ (٥) أنه رواه اثنان وستون صحابيًا وفيهم العشرة المُبَشَّرة.\n_________\n(١) ينظر جامع الأصول لابن الأثير (١/ ١٢١).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٥٤ - ٤٥٥).\n(٣) في (ز) أوله والمثبت من (د)، ومقدمة ابن الصلاح والمطبوعة.\n(٤) مسند البزار، عقب حديث (٩٧١).\n(٥) لعله يقصد الحافظ الكبير أبا القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ هـ فإن له جزءًا بعنوان \"طرق حديث من كذب علي متعمدًا\" وهو مطبوع، إلا أن عدد من رواه من الصحابة عنده واحد وستون صحابيًا.","vol":"1","page":31},{"text":"قال ابن الصلاح (١): لم يزل عدد رواته في ازدياد وهلم جرًّا على التَّوالي والاستمرار.\nقال ابن الأثير في جامع الأصول (٢): العدد على قسمين، كامل وهو أقل عدد يورث العلم، وزائد يحصل العلم ببعضه، وتقع الزيادة فضلة.\nوالكامل ليس معلومًا لنا، لَكِنَّا بحصول العلم الضَّروري، نَستدِّل على كمال العدد، لا أنَّا بِكمَال العدد نستدل على حصول العلم، وأقل عدد يحصل به العلم الضروري مَعلومٌ لله تَعَالى، غير مَعلُومٍ لنا، لأَنَّا لا ندري متى يَحْصُل لنا العلم بوجود مكة عند تواتر الخبر، وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين، ويعز علينا تجربة ذلك وإن تكلفناها، فسبيله أن نراقب أنفسنا إذا قُتِل رَجُلٌ في السُّوق مثلًا فشاهد جماعة فأخبرونا عن ذلك متوالية، فإن قولَ الأول يُحرِّك الظَّن، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد تأكده إلى أن يَصِير ضروريًا (٣).\nوالآحَاد: كلُّ خَبَرٍ لم يَنْتَه إِلى التَّواتُر، ثم هو قِسمان مُسْتَفِيضٌ وغَيْرُه (٤).\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٥٥).\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير (١/ ١٢٢).\n(٣) ينظر جامع الأصول لابن الأثير (١/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(٤) كتب في حاشية (ز) ما نصه \"وقيل هو ما يفيد الظن ثم هو قسمان مستفيض وغيره ... فالمستفيض ما زاد نقلته على ثلاثة، وقيل غير ذلك، وغير المستفيض هو خبر الواحد أو الاثنين أو الثلاثة على الخلاف فيه، وأكثر الأحاديث المدونة والمسموعة من هذا القبيل ... والتعبد بها جائز عند جمهور علماء المسلمين والعمل بها واجب عند أكثرهم، ورد بعض الحنفية خبر الواحد فيما يعم به البلوى كالوضوء من مس الذكر والإقامة، ورد بعضهم خبر الواحد في الحدود، ورجح بعض المالكية القياس على خبر الواحد المعارض للقياس، والصحيح الذي عليه أهل الحديث أو جمهورهم أن خبر الواحد العدل المتصل في جميع ذلك مقبول وراجح على القياس المعارض له وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة الحديث والفقه والأصول والله أعلم \".","vol":"1","page":32},{"text":"[ذكر ابن الجوزي في تَلْقِيحِه (١): أَنَّ حَصرَ الأحاديث يَبعُد إمكانه غير أن جماعة بالغوا في تَتَبُّعِها وحَصَرُوها في أعداد.\nقال الإمام أحمد بن حنبل: صَحَّ من الأحاديث سَبْعُمائة أَلف وكَسْر.\nوقُرِئ عَلَيْه مُسنَدُه فقال: هذا كتاب قد جَمَعتُه وانتقَيتُه من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون من الحديث فارجعوا إليه وما لم تجدوا فيه فليس بحجة (٢).\nفإن قِيل كل ما يَحْوِيِه مُسندُهُ أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة، فكيف يقول صح سبعمائة ألف وكسر؟ مع هذا فأجيب بأن المراد بهذا العدد؛ الطرق لا المتون] (٣).\n_________\n(١) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٣٦١ - ٣٦٢).\n(٢) ينظر خصائص المسند لأبي موسى المديني (ص ٤).\n(٣) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المقاصد</span>\nاعلم أن متن الحديث نفسه لا يدخل في الاعتبار إلا نادرًا، بل يكتسب صفة من القُوة والضَّعف وبَيْن بَيْن بحسب، أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، وبين ذلك، أو بحسب الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال والاضطراب ونحوها، فالحديث على هذا ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.\nهذا إذا نُظِر إلى المتنِ، وأَمَّا إذا بُحِثَ عن أوصاف الرواة نفسها فقيل هو ثقة عدل ضابط وغير ثقة أو مُتَّهم أو مجهول أو كذوب، واسمه فلان، وُلِد في سنة كذا، ومات في سنة كذا، ونحو ذلك.\nوإذا نُظِر إلى حال الطَّالب، كان البحث عن كيفية استفَادَتِه وإفادة الشيخ إياه، وكيفية أخذه من القراءة والسَّماع والإجازة، وغير ذلك وهذا التقرير يستدعي أن يترتب الكلام على أربعة أبواب:\nالأول: في أقسام الحديث وأنواعه.\nوالثاني: في أوصاف الرواة.\nوالثالث: في تَحمُّل الحديث وطرق نقله.\nوالرابع: في أسماء الرجال وأنسابهم.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الباب الأول\nفي أقسام الحديث</span>\nوفيه ثلاثة فصول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الأول في الصحيح</span>\nالصَّحِيحُ: هو ما اتَّصل سَنَدُه بِنَقل العَدل الضَّابط عن مثله، وسَلِم من شُذُوذ وعِلَّة، وفي هذه الأوصاف احترازٌ عن الحَسَنِ والضَّعِيف، فقوله ما اتَّصل سنده احتراز عن المُنقَطِع، وهو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان، وقوله بنقل العدل، احتراز عَمَّن هو مَستُور العدالة، أو فيه نوع جرح ونعني بالضابط، من يكون حافظًا متيقظًا، غير مُغفَّلٍ ولا ساهٍ ولا شاك في حالتي التَّحمُل والأداء، فإنَّ النَّاقل إذا كان فيه نَوْعُ قُصُورٍ عن درجة الإتقان، دخل حديثه في حدِّ الحسن، وإذا نزلت درجته عن ذلك ضَعُفَ حَدِيثُهُ.\nوقوله وسَلِم من شُذُوذٍ، احتراز عن الشَّاذ، وهو الذي يَرويه الثِّقةُ، لكن يُخَالِف ما روى الناس، وقولُه وعِلَّة؛ أي سَلِمَ عمَّا فيه أسباب خفية غامضة قادحة، فإن قيل هذا القّيْد مُستدرَك لأنه لا يَخفَى على الضَّابط الحازِم مِثل تلك القادحة، يقال: الصَّارم قد يَنبُو، والحَازِم قَد يَسهُو، فما اجتمع فيه هذه","vol":"1","page":35},{"text":"القُيُود حُكِم بصحته، وما افتُقِد فيه قيدٌ منها، خرج عن أن يكون صحيحًا وإذا قيل في حديث، إنه صحيح فمعناه ما ذكرنا، ولا يلزم أن يكون مقطوعًا به في نفس الأمر، وكذا إذا قيل إنه غير صحيح، فمعناه أنه لم يصح إسناده على الوجه المُعتبَر، لا أنه كَذِبٌ في نفس الأمر، وتَتَفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه.\nوأولُ من صنَّف في الصحيح المجرَّد الإمام البُخَاري، ثم مُسلِمٌ، وكتابهما أصحُ الكُتُبِ بعد كتابِ الله العزيز، وأما قول الشَّافعي ﵁: ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله تعالى أصحُ من مُوطَّأ مالك، فَقَبْل وجود الكتابين ثم البخاري أصحهما صَحيِحًا عند الجمهور، وفي الجامع قال البخاري خرَّجتُ كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حَدِيثًا إلا صَلَّيتُ رَكعَتَين (١).\nوأعلى أقسام الصحيح: ما اتَّفَقَا عليه، ثم ما انفرد به البُخَاري، ثم ما انفَرَد به مسلم، ثم ما هو على شرطِهِما وإن لم يَخَرِّجَاه، ثم على شرط البخاري ثم على شرط مسلم، ثم ما صَحَّحَه غيرُهما من الأئمة، فهذه سبعة أقسام.\nقال ابن الصلاح (٢): وأما ما حُذِف سَنَدُهُ أو بَعضُهُ فيهما، وهو كثير في تراجم البخاري، قليل جِدًا في صحيح مسلم، كقوله في التيمم وروى\n_________\n(١) ينظر تاريخ بغداد (٢/ ٣٢٧).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٦٧).","vol":"1","page":36},{"text":"الليث بن سعد (١).\nفما كان بصيغة الجَزْمِ، مِثل: قال فلان، وفَعَل، وأَمَر وَرَوَى وذَكَر مَعروفًا فهو حُكمٌ بصحته، وما ليس بصيغة الجزم مثل: رُوي عن فلان وذُكِر وحُكِى وقيِل مَجهولًا، فليس حُكمًا بصحته، ولكن إيراده في كتاب الصحيح مُشْعِرٌ بصحة أصله.\nقال الحاكم أبو عبد الله في المدخل (٢): الصحيح من الحديث عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها.\nفالأول من المُتَّفق عليه: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى وهو أن لا يذكر إلا ما رواه الصحابي المشهور عن رسول الله - ﷺ -، وله راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعي مشهور، وله أيضا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك في كل درجة.\nقال الشيخ محيي الدِّين (٣): ليس ذلك من شرط البخاري ومسلم لإخراجهما حديث المسيَّب في وفاة أبي طالب، ولم يرو عنه غير ابنه ... وإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب \"إِنِّي لأُعطِي الرَّجَلَ والَّذيِ أَدَعُ أَحَبُّ إِليَّ\"، ولم يرو عنه غير الحسن، وحديث قيس بن أبي (٤) حازم عن مِرْدَاس بن\n_________\n(١) صحيح مسلم (٣٦٩).\n(٢) ينظر تدريب الراوي (١/ ١٩٨).\n(٣) التقريب مع التدريب (٢/ ٣١٧).\n(٤) قوله أبي ليس في (ز) وأثبتناه من (د)، ولقيس بن أبي حازم ترجمة في تهذيب الكمال (٢٤/ ١٠)، والحديث أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (٦٥١٠).","vol":"1","page":37},{"text":"الأسلم \"يَذْهَبُ الصَّالِحُون\" الحديث، لم يرو عنه غير قيس ونظائرها في الصحيحين كثيرة، منها حديث \"إِنَمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ\".\n[وقال أبو حاتم بن حِبَّان: حديث الأعمال بالنيَّة، تفرد به أهل المدينة وليس هو عند أهل العراق، ولا عند أهل مكة، واليمن، ولا عند أهل الشام، ومصر، وقال بعضهم: قد أخرَجَتْه الأئمة في كتبهم من طرق وأنا أختصر على طريقٍ واحدٍ لِكُلِّ واحدٍ مِنهُم:\nفرواه البخاري عن أبي بكر عبد الله الحُمَيْدِي عن \"سُفيَان\".\nورواه مسلم عن محمد بن المُثَنَّى عن \"عبد الوَهَّاب الثَقَفِي\".\nورواه أبو داود عن محمد بن كَثِير عن \"الثَّوْرِي\".\nورواه التِّرمِذِي عن محمد بن المثنى عن \"عبد الوهاب الثقفي\".\nورواه النَّسائي عن عمرو بن منصور عن القَعْنَبِي عن \"مالك\".\nورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن \"يزيد بن هارون\".\nكلُّهُم عن يحيى بن سَعيِد القَطَّان، وهو عن محمد بن إبراهيم التيمي، وهو عن عَلْقَمَة بن وَقَّاص وهو عن عُمَر بن الخَطَّاب - ﵁ -] (١).\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الثاني في الحسن</span>\nذُكِرَ عن التِّرمِذِي أنه يُريدُ بالحَسَنِ، أن لا يكون في إسناده متهم ولا يكون شاذًا ويُروَى من غير وجه نحوه (١).\nوقال الخطَّابي (٢): هو ما عُرِفَ مخرجُهُ، واشتهر رجاله، قال: وعليه مَدَارُ أكثرِ الحَديِث، فالمنقطع ونحوه مما لم يُعرَف مخرجُهُ، وكذلك المدلَّس إذا لم يبيَّن.\nوقال بعض المتأخرين (٣): هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، ويصلح للعمل به.\nوقال ابن الصلاح (٤): هو قِسْمِان، وأَطَال في تَعريفِهِما، بِمَا حَاصِلُه أن أحدهما: ما لم يَخْل رجال إسناده عن مستور، غير مُغَفَّل في روايته، وقد رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر.\nوالثاني: ما اشتهر راويه بالصِّدق والأمانة، وقَصُر عن درجة رجال الصحيح حِفظًا وإِتْقَانًا، بحيث لا يُعَدُّ ما انفرد به منكرًا.\nقال ولا بُدَّ في القِسمين من سلامتهما عن الشذوذ والتَّعليل.\n_________\n(١) علل الترمذي الملحق بآخر الجامع (٥/ ٥٥٩).\n(٢) معالم السنن (١/ ٦).\n(٣) يشير إلى قول ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (١/ ١٤).\n(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٧٥).","vol":"1","page":39},{"text":"ثم قال القاضي بدر الدين ابن جماعة (١): وفي كل هذه التعريفات نظر.\nأما الأول والثاني؛ فلأن الصحيح كله أو أكثره كذلك، فيدخل الصحيح في حدِّ الحسن، ويَرِد على الأول الفرد من الحسن؛ فإنه لم يرو من وجه آخر، ويَرِد على الثاني ضعيف، عُرف مخرجه واشتهر رجاله بالضَّعف.\nوأما الثالث فيُتَوقف على معرفة الضَّعيف القريب المحتمل، وهو أمر مجهول وأيضا فيه دور؛ لأنه عُرِفَ بِصلاحِيَتِه للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كَوْنِه حسنًا.\nوأما الأول من القسمين، فَيَرِد عليه الضَّعيف والمُنقطع والمُرسل الذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر.\nويرد على الثاني، وهو أقربها: المرسل الذي اشتهر راويه بما ذكر؛ فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح.\nوقال القاضي (٢): لو قيل الحسن هو كل حديث خالٍ عن العِلَلَ، في سنده المتصل مستور، له به شاهد أو مشهود، قاصر عن درجة الإتقان، لكان لِمَا حدُّوه أجمع وأقرب مما حاولوه وأخصر منه.\nأقول: اعلم أن هذا المقَام مَقَامٌ صعبٌ مُرتَقَاه، وعقبة كَؤُود، ومن استعلَى ذِروتَها ثم انحدر منها، وقف على أكثر اصطلاحات هذا الفن، وعَثَر على جُلِّ أنواعه بإذن الله تعالى، ولا يمكن الوقوف على الحق إلا\n_________\n(١) المنهل الروي (ص ٣٦).\n(٢) المنهل الروي (ص ٣٦).","vol":"1","page":40},{"text":"بتحرير كلام يَفصِل بين الصحيح والسقيم والمُعْوَجِّ والمستقيم، فنحن نَشْرَح الحدود على طريق يندفع عنها النظر.\nأما قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم فيحتمل معنيين؛ أن لا يتوهم الغفلة والكذب والفسق في المُسنِد، فلا يُتَّهم به أو يُتَوهَّم فيه ذلك ولا يُتَّهم به، فهذا هو معنى مستور العدالة، وهو المعنيُّ به في التعريف، وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة.\nوأما قول الخطَّابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه، وحيث كان مُطلقًا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح، وهذا هو الجواب أيضًا عن قوله: واشتهر رجاله بالضعف؛ لأن إطلاق الشهرة في عُرفهم، دلَّ على خلاف ما فُهِم من الضَّعف.\nوأما قوله ويَرِد على الأول أيضا الفرد من الحسن؛ فإنه لم يُرو من وجه آخر.\nفجوابه أن نقول: إن قولَنا يُروى [من غير وَجه يحتمل وجوهًا؛ أن يُروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يُروى] (١) معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يَبعُد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فَرْد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":41},{"text":"يغلب ظنًا احتمال طريق آخر يَتَقوَّى به، بخلاف الفرد المطلق.\nوجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورًا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويُروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضَّعف وإلا كان عَبثًا.\nوفي كلام ابن الصلاح إِشعار بذلك، على أن حَدَّ المُعتَرِض يفتقر إلى هذا التأويل، كما سنُقَرِّرُه، وهذا هو الجواب أيضًا عن اعتراضه على أول القسمين لابن الصلاح، وهو قوله فيرد عليه الضعيف والمنقطع والمرسل.\nوأما قول بعض المتأخرين: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، فَمَبْنيٌّ على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف؛ لأن الحسن وسط بينهما.\nفقوله قريب؛ أي قريب مخرجه من الصحيح، محتمل الكذب لكون رجاله مستورين، كما حققناه في تفسير قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم.\nويُفْهَم من هذا التقرير؛ أنه إذا تحقق الجارح في المعتضِد أو المعتضَد به، لم يَزُل الضعف كما في حديث \"طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَة\".","vol":"1","page":42},{"text":"قال البَيهقيُّ (١): هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد رُوي من أوجه كلها ضعيف.\nفالضعيف: هو الذي بَعُد عن الصحيح مَخرجُه، واحتمل الصدق والكذب أو لا يحتمل الصدق أصلًا، كالموضوع، وإنما عُدِل في الحسن من الوسط أي الذي يحتمل الصدق والكذب إلى الكذب، لأن هذا الراوي لمَّا انحطَّ درجته من درجة رجال الصحيح، وارتفع عن حال من يُعَدّ ما ينفرد به من الحديث مُنكَرًا، وكان مُسلمًا، لا سيَّما مشهورًا بأهل الحديث، وجب حُسن الظن به وترجيح أحد الجانبين على الآخر، وجعل قوله صِدقًا، وإلى هذا المعنى أشار الخطَّابي بقوله: واشتهر رجاله أي بالصدق، كما فسره ابن الصلاح.\nوأما قوله \"ويصلح للعمل به\"، فكالخارج عن الحد بيانًا لما يلزم من الحد أي إذا كان معنى الحسن ذلك، صَلُحَ العمل به وعلى هذا يندفع الدور.\nوأما قوله: \"ويَرِد على الثاني\"؛ أي على القسم الثاني لابن الصلاح.\nفجوابه، أن قوله بحيث لا يُعَدّ ما انفرد به مُنكرًا، احتراز مما ذكره؛ لأنه لا يخلو من أنَّ الذي رواه هذا الراوي مما عُرِف متنه أو معناه من غير روايته من غير وجه، أو مما لم يعرف لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر.\n_________\n(١) شعب الإيمان (١٦٦٣).","vol":"1","page":43},{"text":"فالأول أخرج المرسل والمنقطع عن الحد.\nوالثاني هو الذي احترز منه بقوله \"لا يُعد ما انفرد به منكرًا\".\nإذا عرفت هذا فلتذكر الآن تفسير حدِّه (١) للحسن على ما سنح في خاطرنا والله أعلم بمراده.\nفقوله \"خالٍ عن العِلَل\"، احتراز عن دخول الأسباب الخفية الغامضة القادحة في الحديث.\nوقوله \"في سنده المتصل\"، احتراز عن المرسل والمنقطع ونحوهما.\nوقوله \"مستور\"، مبتدأ وله به شاهد أو مشهود صفته.\nوقوله \"في سنده المتَّصل\"، خبره والضَّمير المجرور في \"له\"، للمستور، وفي \"به\" للحديث و\"أو\" فيه، للتَّنْوِيع لا للترديد، والمعنى للرَّاوي المستور العدالة بهذا الحديث شاهد؛ أي حديث آخر مروي بلفظه بغير هذا الإسناد ويشهد له بالقوة، أو لراوي الحديث طريق آخر فيه معنى هذا الحديث، يشهد هذا الحديث أنه منه، ومعناه معناه، ويكون هذا الحديث شاهدًا وذاك مشهودًا بهذا المعنى، وكون المشهود موافقًا له ومقوِّيًا إياه بسندٍ غير سنده، ينقلب المشهود شاهدًا، وسيأتي تمام تحقيقه في نوع الاعتبار.\nواحتُرِز بهذا الفصل عن الضعيف الذي لم يُعْتَضَد بمثل ذلك الحديث أو آخر بمعناه، وقوله \"قاصر عن درجة الإتقان\" صفة أخرى للراوي المستور\n_________\n(١) أي الذي حده القاضي بدر الدين ابن جماعة.","vol":"1","page":44},{"text":"العدالة فعُلم من الأول أن عدالة هؤلاء دون عدالة رجال الصحيح، ومن الثاني أن إتقانَهم قاصر عن إتقانِهم، وهذان القَيْدان معًا، فصل واحد يُخرِج الصحيح عن الحسن، وكذا يخرجه عن الانفراد، وكل واحد منهما على الانفراد يصلح لإخراج الضعيف منه، فظهر من هذا أن حدَّه أجمع الحدود.\nلكن يرد على قوله \"في سنده المتصل\"، مرسل الثقة الذي اعتضد بالمسند فإن تشبث بأن العمل حينئذ بالمسند لا به، فيُردُّ بما اختاره واختار المحققون كما سنبين في المرسل.\nوالفرق بين حدَّي الصحيح والحسن، أن شرائط الصحيح مُعتَبرة في حدِّ الحسن، لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملًا وليس ذلك بشرط في الحسن، ومِن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به، فلو قيل: هو مُسند مَن قَرُبَ من درجة الثقة، أو مُرسَل ثقة ورُوي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شُذُوذٍ وعِلَّة، لكان أجمع وأبعد من التعقيد.\nونعني بالمسند: ما اتصل إسناده إلى منتهاه، وبالثقة: من جمع بين العدالة والضبط.\nوالتنكير في ثقة للشيوع، كما سيأتي بيانه.\nفرعان\nالأول: الحسن حُجَّة كالصحيح، وإن كان دونه.\nولذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه، ولم يفرده عنه، وهو ظاهر كلام","vol":"1","page":45},{"text":"الحاكم في تصرفاته.\nالثاني: قولهم حَسنُ الإسناد أو صحيح الإسناد، دون قولهم حديث صحيح أو حسن، إذ قد يصح إسناده، أو يحسن دون متنه، لشذوذ أو علة، فإن قاله حافظ معتمد ولم يقدح فيه، فالظاهر منه حكمه بصحة المتن أو حُسنه.\nقال ابن الصلاح (١): أمَّا تَسْمية مُحيي السُّنَّة (٢) في المصابيح، السُّنَن بالحِسَان فتَسَاهُل لأن فيها الصِّحاح والحِسَان، والضِّعاف.\nوقول الترمذي وغيره: حديث حسن صحيح، أي رُوي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر يقتضي الحُسن، أو المراد بالحسن، الحُسْن اللغوي وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه.\nوحديث المُتَأخِّر عن دَرَجة الإتقَان والحِفظ، المَشْهُور بالصدق والسَّتر، إذا رُوي من وجه آخر، تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح، لِقُوَّته من الجهتين فينجَبِر أحدهما بالآخر.\nومعنى قولِه: \"تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح\"، أنه مُلحقٌ في القوة به، لا أنه عَينُه، فلا يَرِد عليه ما قيل فيه نظر، لأن حَدَّ الصَّحيح لا يَشْمَله فكيف يُسمَّى صحيحًا.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٨٢).\n(٢) قوله \" محيي السنة \" هو لقب للإمام أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي صاحب مصابيح السنة المتوفى سنة ٥١٦ هـ.","vol":"1","page":46},{"text":"وأما الضَّعيف فَلِكَذِب راويه وفسقه، لا يَنجَبِر بِتَعدُّدِ طُرُقِه، كمَا مرّ.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثالث في الضعيف</span>\nوهو كُلُّ حديثٍ لم يجتمع فيه شروطُ الصحيحِ، ولا شروط الحسن المُتَقدِّم ذكرُها.\nوتتفاوت درجاته في الضَّعف، بحسب بُعده من شروط الصِّحة، كما تتفاوت درجات الصحيح بحسب تَمَكُّنِهِ منها.\nويجوز عند المحدِّثين وغيرهم، التساهل في أسانيد الضعيف.\nسوى الموضوع وروايته من غير بيان ضعفه، في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالى، وأحكام الحلال والحرام.\nروى ابن الصلاح (١)، عن الحَافِظ بن مَنْدَه عن محمد بن سعد (٢)، يقول: كان مِن مَذْهَبِ النَّسائي، أن يُخرج عن كل من لم يُجمع على تركه.\nوكذلك أبو دَاوُد، يأخذ مأخذه ويخرج الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال.\n[قال البَزْدَوي (٣): إن الخَبَرَ يَقينٌ بأصله، وإنما دخلت الشُّبهة في نقله\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٨٢).\n(٢) هو محمد بن سعد الباوردي، وهو من شيوخ أبي أحمد بن عدي صاحب الكامل وممن روى عن قاسم بن مطرز، ولم أقف له على ترجمة.\n(٣) أصول البزدوي (ص ١٥٩).","vol":"1","page":48},{"text":"والرأي محتمل بأصله في كُلِّ وَصْفٍ على الخصوص، فكان الاحتمال في الرأي أصلًا وفي الحديث عارضًا] (١).\nوروى الدارمي (٢)، عن الشعبي قال: «ما حدثك هؤلاء عن النبي - ﷺ - فَخُذ به». وما قالوه بِرأيهِم فألقه في الحُشِّ.\nقال شُرَيحٌ: إن السُّنة قد سبقت قياسكم، فاتبع ولا تبتدع، فإنك لن تَضِل ما أخذت من الأثر (٣).\nوقال الشَّعْبيُّ: إنما الرأيُ بمنزلة المَيْتَة، إذا اضطُرِرتَ إليها أكلتها، رواهما في شرح السنة.\n[وقال الشافعي - ﵁ - مهما قُلتُ من قولٍ أو أَصّلتُ من أصلٍ، فيه عن رسول الله - ﷺ - خِلاف ما قُلت فالقَولُ ما قال - ﷺ - وهو قولي وجَعَل يُرَدِّده رواه البيهقي في المدخل (٤)] (٥)\nوهَهُنا عدة اعتبارات لمعانٍ شتَّى، منها ما يشترك فيه الأقسام الثلاثة:\nأعني الصحيح، والحسن، والضعيف، ومنها ما يختص بالضعيف.\nفمن الضرب الأول (٦):\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٢) سنن الدارمي (١/ ٧٨).\n(٣) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٧٧).\n(٤) لم أقف عليه في المدخل إنما أخرجه البيهقي قي مناقب الشافعي (١/ ٤٧٥).\n(٥) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٦) أي ما يشترك فيه الثلاثة (الصحيح والحسن والضعيف).","vol":"1","page":49},{"text":"المُسْنَد:\nقال الخطيب (١): هو ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يُستعمل\nفيما جاء عن النبي - ﷺ - دون غيره.\nوقال الحاكم (٢): هو ما اتصل سنده مرفوعا إلى النبي - ﷺ -.\nوالمُتَّصل:\nويُسمَّى أيضا الموصول وهو كل ما اتصل إسناده، وكان كلُّ واحدٍ من رواته قد سمعه ممن فوقه سواء كان مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أو موقوفًا على غيره. والمَرفُوع:\nوهو ما أضيف إلى النبي - ﷺ - خاصةً، من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلًا أو منقطعًا هذا هو المشهور.\nفقد ظهر من هذا، الفرق بين المسند والمتصل والمرفوع؛ فإن المتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع، والمرفوع قد يكون متصلا وغير متصل، وأما المسند على قول الحاكم فينبغي أن يكون متصلًا مرفوعًا.\n_________\n(١) الكفاية (ص ٢١) بمعناه.\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص ٥٦) بمعناه.","vol":"1","page":50},{"text":"فرعان\nالأول: إذا قيل عن الصحابي يرفعه أو يرويه أو ينميه أو يبلغ به، فهو كناية عن رفعه، وحكمه حكم المرفوع صريحًا، كحديث الأعرج عن أبي هريرة \" تُقَاتِلُونَ قَومًا صِغَار الأَعْيُن\" (١).\nوكحديثه عن أبي هريرة يبلغ به \" النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ \" (٢).\n\nالثاني:\nقول الصحابي \"أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا أو من السُنَّة كذا\"؛ مرفوع عند أهل الحديث وأكثر أهل العلم، لظهور أن النبي - ﷺ - هو الآمر، سواء قال الصحابي ذلك في حياة النبي - ﷺ - أو بعده، وكذا قول الصحابي \"كنا لا نرى بأسًا بكذا ورسول الله - ﷺ - فينا\" ونحو ذلك.\n\nالمُعَنْعَنْ:\nوهو الذي يقال في سنده: \"فلان عن فلان\".\nقال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه جماهير العلماء والمحدثين والفقهاء والأصوليين أنه متصل، إذا أمكن لقاؤه إيَّاه مع براءتهما من التَّدليس، وقد أودعه البخاري ومسلم صحيحيهما، وكذلك غيرهما من مشترطي الصحيح الذين لا يقولون بالمرسل.\nقال ابن الصلاح (٣): وكثير في عصرنا وما قاربه استعمال\"عن\" في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ٢٣٨) ومسلم (٢٩١٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ٢١٩) ومسلم (١٨١٨).\n(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٢٠).","vol":"1","page":51},{"text":"الإجازة وإذا قيل: فلان عن رجل عن فلان ونحوه، فقد سماه بعض المعتبرين في الأصول مُرسَلًا.\nوقال الحاكم (١): لا يسمى مرسلا بل منقطعا.\nوهذا أقرب.\nالمُعَلَّق:\nوهو ما حُذِف في مبدأ إسناده واحدٌ فأكثر؛ كقول الشافعي: قال نافع، أو قال مالك: قال ابن عمر أو قال النبي - ﷺ -، وكأنه مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال.\nولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده أو آخره، لتسميتهما بالمنقطع والمرسل، لأن الحذف إما أن يكون في أول الإسناد وهو المعلَّق، أو في وسطه وهو المنقطع، أو في آخره وهو المرسل.\nولا يستعمل أيضا في مثل: يُروَى عن فلان ويُذكَر عنه وشبه ذلك على صيغة المجهول، لأنها لا تستعمل في صيغة الجزم.\nوالبخاري أكثر من التعليق في صحيحه، وليس بخارج من قبيل الصحيح وإن كان على صورة المنقطع، فقد يفعل البخاري ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات الذين علَّق عنهم، أو لكونه ذكره متصلًا في موضع آخر من كتابه، أو لسبب آخر لا يصحبه خلل الانقطاع.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٧٠).","vol":"1","page":52},{"text":"الأفراد:\nوهو قسمان:\nأحدهما: مفرد عن جميع الرواة، وقد تقدم ذكره في الصحيح.\nوالثاني: مفرد بالنسبة إلى جهته؛ كقولهم تفرد به أهل مكة أو أهل الشام أو تفرد به فلان عن فلان من أهل مكة مثلًا، أو أهل البصرة عن أهل الكوفة، ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفًا، إلا أن يراد بتفرد أهل مكة تفرد واحد منهم، فيكون كالقسم الأول.\n\nالمُدْرَج:\nوهو أقسام:\nأحدها: ما أُدرِج في الحديث من كلام بعض رواته، فيرويه مَن بعده متصلًا، يتوهم أنه من الحديث.\nالثاني: أن يكون عنده متنان بإسنادين.\nمثاله: رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا وَلاَ تَنَافَسُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانا \" الحديث (١) فقوله ولا تنافسوا أدرجه ابنُ أبي مريم من متن حديث آخر رواه مالك (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (١٦٤٩).\n(٢) الموطأ (١٦٥٠).","vol":"1","page":53},{"text":"وفيه \"وَلاَ تَجَسَّسُوا ولاَ تَنَافَسُوا ولا تَحَاسَدُوا \".\nأو عنده طرق من متن، بسند شيخ غير سند المتن لذلك الشيخ، فيرويهما الراوي عنه بسند واحد، فيلزم إدراج بعض الحديث في بعض من سند واحد والحال أن للحديث إسنادين.\nالثالث: أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في سنده أو متنه، فَيُدرِج روايتهم على الاتفاق، ولا يذكر الاختلاف.\nوَتَعَمُّد كل واحد من الثلاثة حرام.\nالمَشهُور:\nوهو ما شاع عند أهل الحديث خاصةً دون غيرهم، بأنْ نَقَلَه رواةٌ كثيرون كحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - \"قَنَتَ شَهْرًا بَعَدَ الرُّكُوعِ يَدعُو عَلَى رِعلٍ وَذَكْوَان\" وهو مخرج في الصحيح (١) فإن له رُواةٌ عن أنس غير أبي مِجْلَز ورُواةٌ عن أبي مجلز غير التيمي، ورُوَاةٌ عن التيمي غير الأنصاري، ولا يعلم ذلك إلا أهل الصنعة، أو عندهم وعند غيرهم كحديث \"الأعمال بالنيات\" أو عند غيرهم خاصة.\nقال الإمام أحمد بن حنبل - ﵁ -: أربعة أحاديث تدور في الأسواق، ليس لها أصل في الاعتبار \" مَنَ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آَذَار (٢) بَشَّرتُهُ بِالجَنَّة \" و\" مَنْ آَذَىَ ذِمِّيًا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ \" و\" يَوْمُ نَحْرِكُم يَوم صَوْمِكُم \" و\" لِلسَّائِلِ حَقٌّ وإِنْ\n_________\n(١) البخاري (٢/ ٣٢)، مسلم (٦٧٧).\n(٢) جاء في حاشية (ز)، (د) \" آذار اسم أول شهر من شهور الربيع بالسريانية \".","vol":"1","page":54},{"text":"جَاءَ عَلَىَ فَرَسٍ \" انتهى كلامه (١).\nومن الضعيف المشهور حديث \" طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَىَ كُلِّ مُسلِمٍ\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٦٣٣)، وعلق محققه قائلا: وتعقبه السيوطي في \" اللآلئ \" (٢/ ١١٨) وقال: قال الحافظ أبو الفضل العراقي في نكته علي بن الصلاح لا يصح هذا الكلام عن أحمد فإنه أخرج منها حديثا في المسند (١/ ٢٠١) وهو حديث \"للسائل حق وإن جاء على فرس\"، قال وقد ورد من حديث علي وابنه الحسين وابن عباس والهرماس بن زياد وأما حديث علي فأخرجه أبو داود في سننه من رواية زهير عن شيخٍ عن سفيان عن فاطمة بنت حسين عن أبيها عن علي وأما حديث الحسين فأخرجه أحمد وأبو داود من رواية يعلى بن أبي يحيى عن فاطمة عن أبيها الحسين وهو إسناد جيد رجاله ثقات وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن عدي من رواية إبراهيم بن يزيد عن سليمان الأحول عن طاوس عنه، وأما حديث الهرماس فأخرجه الطبراني من رواية عثمان بن فائد عن عكرمة بن عمار عنه وكذلك حديث من\"آذى ذميا\" هو معروف أيضا فروى أبو داود من رواية صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب ... رسول الله - ﷺ - عن آبائهم دنية عن رسول الله - ﷺ - قال \"إلا من ظلم معاهدًا أو أنقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منهم شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة \" وإسناده جيد وإن كان فيه من لم يسم فإنهم عدة من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة فقد رويناه في سنن البيهقي الكبرى فقال في روايته عن ثلاثين من أبناء الصحابة وأما الحديثان الآخران فلا أصل لهما، انتهى.\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤) وقال البوصيري في الزوائد إسناده ضعيف والبيهقي في شعب الإيمان (١٦٦٣) وقال البيهقي هذا الحديث متنه مشهور وإسناده ضعيف وقد روي من أوجه كلها ضعيفة، وقال البزار في مسنده (٩٤) هذا كذب ليس له أصل عن ثابت عن أنس، فأما ما يذكر عن النبي - ﷺ - أنه قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم فقد روي عن أنس من غير وجه وكل ما يروى فيها عن أنس، فغير صحيح.","vol":"1","page":55},{"text":"[فائدة: البَزْدَوي في القسم الأول المشهور (١): ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر، فصار ينقله قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب وهم القرن الثاني والثالث بعد الصحابة ومن بعدهم، فأولئك قوم ثقاة أئمة ولا يُتَّهمون، فصار بشهادتهم وتصديقهم، بمنزلة المتواتر، حُجَّة من حجج الله تعالى.\nحتى قال الجَصَّاص: إنه أحد قسمي المتواتر، فيمتاز عن المتواتر بأنه يوجب علم طمأنينة، والمتواتر علم يقين.] (٢)\nالغَريِب والعَزِيز:\nقال الحافظ بن مَنْدَهْ: الغريب؛ كحديث الزهري (٣) وأشباهه، ممن يُجمَعُ حديثُه لعدالته وضبطه، إذا تفرد عنهم بالحديث رجل، سُمي غريبًا (٤)، فإن رواه عنه اثنان أو ثلاثة؛ سُمي عزيزًا وإن رواه جماعة سُمي مشهورًا.\nومن الأفراد ما ليس بغريب [كالأفراد المضافة إلى البلدان، وينقسم الغريب مطلقًا إلى صحيح] (٥) كالأفراد المُخرَّجة في الصحيح، وإلى غير\n_________\n(١) أصول البزدوي (ص ١٥٢).\n(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٣) في المطبوعة (الترمذي)، والمثبت من (ز)، (د) وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٥٦).\n(٤) زاد في المطبوعة [فالحاصل أن الغريب: هو الذي انفرد به العدل الضابط ممن يجمع حديثه ويقبل]، والمثبت من (ز)، (د)، بدون هذه الزيادة.\n(٥) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":56},{"text":"صحيح وهو الغالب على الغرائب.\nجاء عن أحمد بن حنبل أنه قال غير مرة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامة رواتها الضعفاء (١).\nوينقسم أيضًا إلى، غريب متنًا وإسنادًا، وهو ما تفرد برواية متنه واحد.\nوإلى غريب إسنادًا لا متنًا؛ كالحديث الذي متنه معروف عن جماعة من الصحابة، إذا تفرد به واحد بروايته عن صحابي آخر وهو غريب من هذا الوجه، ومن ذلك؛ غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا هو الذي يقول به الترمذي: \"غريب من هذا الوجه\"، ولا يوجد ما هو غريب متنًا لا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديث المفرد، فرواه عمن تفرد به جماعة كثيرة فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا، بالنسبة إلى أحد طرفي الإسناد، فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر؛ كحديث \"الأعمال بالنيات\"، وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف ثم اشتهرت.\nالمُصَحَّف:\nهذا فَنٌّ جَلِيلٌ، إنما ينهض بأعبائه الحُذَّاق من الحُفَّاظ، والدَّاَرَقُطْنِي منهم وله فيه تصنيف مفيد (٢)، ويكون محسوسًا إما بالبصر أو بالسمع.\n_________\n(١) أخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص ٥٨).\n(٢) لعله يقصد كتاب المؤتلف والمختلف للدارقطني وهو مطبوع في خمسة مجلدات ط. دار الغرب الإسلامي.","vol":"1","page":57},{"text":"والأول إما في الإسناد، كحديث شعبة، عن العوام بن مُرَاجِم بالراء والجيم، صَحَّفَهُ يحيى بن معين، فقال: مزاحم بالزاي والحاء (١).\nوإما في المتن كحديث؛ \"مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال\" ... فصحف أبو بكر الصولي فقال \"شيئًا\" بالشين المعجمة.\nوالثاني أيضًا إما في الإسناد كحديث؛ يُروى عن عاصم الأحول رواه بعضهم فقال واصل الأحدب قال الدارقطني (٢): هذا من تصحيف السَّمْعِ لا من تصحيف البصر، لأنه لا يشتبه في الكتابة.\nوإما في المتن؛ كحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - في الكُهَّان قر الزجاجة بالزاي وإنما هو الدجاجة بالدال.\nأو معنى كما حَكَىَ الدارقطني عن أبي موسى محمد بن المثنى العَنَزي أنه قال: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، صلى إلينا رسول الله - ﷺ -، يريد ما ثبت في الصحيح \"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّىَ إلى عَنَزَة\"، وهي حربة صغيرة تُنْصَب بين يديه، فتوهم أنه - ﷺ - صلَّى إلى قبيلتهم بني عنزة، وهذا تصحيف عجيب، والله أعلم (٣).\nالإسناد العالي:\nخصيصة هذه الأمة، وسُنَّة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سُنَّة\n_________\n(١) ينظر العلل للدارقطني (٣/ ٦٤).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٧٦).\n(٣) أخرجه الخطيب في الجامع (١/ ٢٩٥).","vol":"1","page":58},{"text":"أيضا ولذلك استحبت الرحلة، وعلوه يُبعد من الخلل المتطرق إلى كل راوٍ ... والعلو المطلوب في الحديث خمسة أقسام:\nأحدها: القُرب من رسول الله - ﷺ - بإسناد صحيح نظيف كثلاثيات البخاري (١).\nقال محمد بن أسلم الطوسي (٢): قرب الإسناد، قرب أو قربة إلى الله تعالى.\nالثاني: القرب من إمام كالبخاري من أئمة الحديث، وإن كثر العدد منه إلى رسول الله - ﷺ -.\nالثالث: العلو بالنسبة إلى رواية صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعتمدة.\nالرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي، قال ابن الصلاح (٣): مثاله ما أرويه عن شيخ، أخبرني به عن واحد، عن البيهقي، عن الحاكم، أعلى من روايتي لذلك عن شيخ، أخبرني به، عن واحد، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم، وإن تساوَى الإسنادان في العدد، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن\n_________\n(١) المقصود بثلاثيات البخاري؛ الأحاديث التي بلغت الواسطة فيها بين البخاري والنبي - ﷺ - ثلاثة أنفس فقط، وأولها في صحيحه حديث \" من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار\" فقد رواه البخاري، عن شيخه مكي بن إبراهيم، وهو عن يزيد بن أبي عبيد، وهو عن سلمة بن الأكوع، عن النبي - ﷺ -.\n(٢) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٢٣) بسنده إلى الطوسي به.\n(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٤٦).","vol":"1","page":59},{"text":"خلف بنحو تسع وعشرين سنة.\nالخامس: العلو بتقدم السماع، وكثير من هذا يدخل في الذي قبله من حيث قُرب الزمان، لا من حيث احتمال حذف الواسطة، لأن الاحتمال في الوفاة أقوى، ومما يمتاز به عنه، أن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدِهما، من ستين سنة مثلًا، وسماع الآخر من أربعين سنة، هذان وإن تساويا في العدد إليه وعدم الواسطة، فالأول أعلى، لقرب الزمان والله أعلم\nالمُسَلْسَل:\nوهو ما تتابع فيه رجال الإسناد عند روايته، على صفة أو حالة، أما في الراوي، فصفته قولا؛ كقوله سمعت فلانًا يقول، سمعت فلانًا يقول إلى آخره، ومن ذلك أخبرنا فلان والله قال أخبرنا فلان والله إلى آخره.\nومنه حديث\"اللَّهُمَّ أّعِنِّي عَلَىَ شُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ عِباَدَتِكَ\"، مسلسل بقولهم \"إني أحبك فقل\".\n[وفي رواية أبي داود وأحمد والنسائي (١) \"أخذ بيدي فقال إني لأحبك\" فيكون من النوعين الفعل والقول وفيها ذكرك مقدم على شكرك.\nاعلم أن المذكورات الثلاثة، غايات والمطلوب هو البدايات المؤدية إليها فذِكر الغايات، تنبيه على أنها هي المطالب الأولية من البدايات، وإن كانت نهايات وتلك وسائل إليها، فقوله أعنِّي على ذكرك، المطلوب منه شرح\n_________\n(١) أبو داود (١٥٢٢) وأحمد (٥/ ٢٤٤) والنسائي (٣/ ٥٣).","vol":"1","page":60},{"text":"الصدر وقذف النور فيه وتيسير الأمر وإطلاق اللسان، وإلى هذا ألمح قول الكليم - ﵇ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إلى قوله ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، وقوله وشكرك المطلوب، من توالي النعم وترادف المِنح المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه، عَسِرٌ جدًا ولذلك قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقوله وحُسن عبادتك المطلوب منه التجرد عما يشغله عن الله تعالى وعبادته، ليتفرغ لمناجاة الله تعالى ومناغاته كما، أشار إليه سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ثم إذا نظرت إلى القرائن الثلاث وترتيبها، وجدتها منتظمة على البدايات والأحوال والمقامات، فحق لذلك أن يقول المرشد عند مصافحة المريد إني لأحبك فقل ربي أعني إلى آخره] (١)\nومنه المسلسل الذي ينقطع تسلسله في أواخره؛ كالمسلسل بأول حديث سمعته، أي يقول الصحابي أول حديث سمعته من رسول الله - ﷺ - هذا، ويقول التابعي أول حديث سمعته من الصحابي هذا، وهو يرويه عن رسول الله - ﷺ - وهلم جرَّا، ولا يسلم هذا القيد في الأواخر.\nأو فعلًا كحديث التَّشبِيك باليد، وحديث العَدّ في اليد وأشباههما (٢).\nوأما في الرواية؛ كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة، وأسماء آبائهم، أوكُنَاهُم أو أنسابهم، أو بلدانهم.\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٢) أخرجهما الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٣٣).","vol":"1","page":61},{"text":"قال الشيخ محيي الدين النواوي (١): وأنا أروي ثلاثة أحاديث مُسَلْسَلَة بالدِّمَشقِيين، وكالمسلسل باتفاق الصفة، كحديث الفقهاء فقيه عن فقيه \"المتبايعان بالخيار\".\nقال ومن القسمين حديث أبي ذر: \"يَا عِبَادِي كَلُّكُم ضَالٌّ إِلاَّ مَن هَدَيْته\" الحديث مخرج في صحيح مسلم (٢)، وقع لي مسلسلًا باليد، ورويناه بإسناد كلهم دِمَشقيُون وأنا دِمَشْقِي، وهذا نادر في هذه الأزمان، وأفضل ذلك ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، ومن فضيلة التَّسلسُل؛ اشتماله على مزيد الضبط.\n\nزيادة الثقة:\nمعرفتها فَنٌ لطيف، قال ابن الصلاح (٣): ما انفرد به الثقة ثلاثة أقسام:\nأحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الرد كالشَّاذ وثانيها: أن لا يكون فيه منافاة ولا مخالفة أصلًا لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقةٌ، ولم يتعرض فيه لِما رواه الغير بمخالفة أصلًا فهذا مقبول، وقد ادَّعى الخطيب (٤) فيه اتفاق العلماء عليه.\nوثالثها: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها\n_________\n(١) ينظر التقريب مع التدريب (٢/ ١٨٩).\n(٢) مسلم (٢٥٧٧).\n(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٥١).\n(٤) الكفاية (ص ٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"1","page":62},{"text":"سائر من روى ذلك الحديث؛ مثاله حديث \"وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسجِدًا وجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا \" (١)، فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها \"وجُعِلَت لَنَا الأرضُ مَسجِدًا وطَهُورًا \" (٢).\nفهذا وما أشبهه، يشبه القسم الأول، من حيث إن ما رواه الجماعة عام أي يتناول الحَجَر والرَّمل والتُّراب، وما رواه المنفرد بالزِّيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة، يختلف به الحكم ويشبه أيضا القسم الثاني، من حيث إنه لا منافاة بينهما.\nقال الخطيب (٣): مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث أن الزيادة من الثقة مقبولة، إذا انفرد بها، سواءٌ كانت من شخص واحد، بأن رواه مرة ناقصًا وأخرى زائدًا، أم كانت من غير من رواه ناقصًا خِلافًا لمن ردَّ ذلك مُطلَقًا من أهل الحديث، ولمن ردَّها منه وقَبِلَها من غيره، وإذا أسنده وأرسلوه أو وصَله وقطعوه أو رفعه ووَقَفُوه، فهو كالزيادة.\nوقيل: الإرسال نَوعُ قَدحٍ في حديث الواصل، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل، ويُجاب عنه؛ بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع مَن وَصَل.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٢٢) من حديث أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة به.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٩١،١١٩) ومسلم (٥٢١) وأحمد (٣/ ٣٠٤) والنسائي (١/ ٢٠٩) وغيرهم.\n(٣) الكفاية (ص ٤٢٤ - ٤٢٥).","vol":"1","page":63},{"text":"الاعتِبَار:\nوهو النظر في حال الحديث، هل تفرد به راويَه أم لا؟ وهل هو معروف أم لا؟ وطريق الاعتبار في الأخبار أن يُقال مثلًا:\nروى حمَّادُ بن سَلمةَ عن أيوب عن ابن سِيِرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - فإذا نُظِر أنَّ حمَّادًا رواه، ولم يُتَابَع عليه، فيُنظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن لم يوجد ذلك، فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة، رواه عن النبي - ﷺ -، فأيُّ ذلك وُجِد، يُعلَم به أن للحديث أصلًا يُرجع إليه، وتُسَمَّى هذه متابعة غير تامة.\nوإذا نُظِر أن هذا الحديث بعينه، رواه أحدٌ عن أيوب غير حماد، قيل هذه متابعة تامة، وقد تُسَمَّى الأولى بالشاهد أيضا، فإن لم يرو ذلك الحديث أصلًا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوي حديث آخر بمعناه، فذلك الشاهد من غير متابعة، فإن لم يرو أيضا بمعناه حديث آخر، فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ (١).\nمثال المتابعة، والشاهد: حديث سُفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس، في حديث الإهاب، \"لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانتَفَعُوا بِهِ\" ورواه ابن جريج عن عمرو، ولم يذكر الدِّبَاغ، فذكر البيهقي (٢) لحديث ابن عيينة متابعًا وشاهدًا، فالمُتابع أسامة بن\n_________\n(١) أصل هذا الكلام للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي، ينظر الإحسان (١/ ٨٦).\n(٢) السنن الكبير (١/ ١٦).","vol":"1","page":64},{"text":"زيد (١) تابع عَمْرًا عن عطاء عن ابن عباس \"أَلاَ نَزَعْتُم جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعتُم بِهِ\".\nوالشاهد حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - ... \"أيُّمَا إهابٍ دُبغ فقد طَهُر\".\nثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يُحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء، ذَكَراهم في المتابعات والشواهد.\nوليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به.\nمُخْتَلِف الحديث:\nوهو أن يوجد حديثان متضادان في المعنى في الظاهر، فيُجمع بينهما أو يُرجَّح أحدهما، وهو فن مهم يضطر إليه جميع طوائف العلماء، وإنما يملك القيام به الأئمة من أهل الحديث والفقه والأصول الغواصون على المعاني والبيان، وقد صنف الإمام الشافعي ﵀ فيه كتابه المعروف به (٢) ولم يقصد استيعابه، بل ذكر جملةً تُنبِّه العارف على طريق الجمع بين الأحاديث في غير ما ذكره، ثم صَنَّف فيه ابنُ قُتَيبة فأحسن في بعضٍ.\n_________\n(١) هو أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، من كبار أتباع التابعين توفي سنة ١٥٣ هـ ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢/ ٣٤٧).\n(٢) لعله يقصد كتاب الأم فإن كتاب اختلاف الحديث جزء منه.","vol":"1","page":65},{"text":"ومن جمع الأوصاف المذكورة لم يشكل عليه شيء من ذلك.\nقال ابن خُزَيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأتني لأؤلِّف بينهما (١).\nوالمختلِفُ قسمان:\nأحدهما يمكن الجمع بينهما فَيَتَعيَّن المصير إلى ذلك، ويجب العمل بهما كحديث \"لا عَدوَى\" وحديث \"لا يورِد مُمرِضٌ على مُصِح\".\nووجه الجمع؛ أنه - ﷺ - نَفَى في الأوَّلِ ما كان يعتقده الجاهلي، من أنَّ ذلك يُعدِي بِطَبعِه، ولهذا قال \"فَمَنْ أَعْدَىَ الأَوَّل\".\nوفي الثاني، أَعلَم بأن الله جعل ذلك سببًا لذلك، وحذَّر من الضَّرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله.\nوالثاني لا يمكن الجمع بينهما.\nفإن علِمنا أن أحدهما نَاسِخٌ قدَّمناه، وإلا عَمِلنا بالرَّاجح منهما؛ كالتَّرجيح بصفات الرواة وكَثرتِهم في خمسين وجهًا من أنواع الترجيح، جمعها الحافظ الإمام أبو بكر الحازمي، في كتابه الناسخ والمنسوخ (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٤٣٢ - ٤٣٣) بسنده إلى ابن خزيمة.\n(٢) هو الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني، توفي في سنة ٥٨٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٦٧)، وكتابه هو \"الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار\"، وهو مطبوع في دائرة المعارف العثمانية بالهند.","vol":"1","page":66},{"text":"النَّاسِخ وَالمَنْسُوخ:\nالناسخ، كل حديث دلَّ على رفع حُكم شرعي سابق، ومنسوخه كل حديث رُفِع حُكمُه الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، وهذا فن صعب مهم كان للشافعي ﵀ فيه يَدٌ طُولَى، وسَابِقَةٌ أُولى.\nوأدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه، لخفاء معناه [وقد تكلم الناس في حدِّ النَّسخ، ومن أجود حدٍّ فيه؛ قولهم: رفع حُكمٍ شَرعي بِدَليلٍ شَرعي مُتأخِر] (١).\n\nوهذا النَّوعُ منه ما يُعرف بنص النبي - ﷺ - مثل \"كُنْتُ نَهَيتُكُم عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا\" (٢).\nومنه ما عُرف بقول الصحابي مثل \"كَانَ آَخِر الأَمْرَينِ مِنْ رسوُلِ اللهِ - ﷺ - تَركُ الوضُوءِ مِمَّا مَسَّتهُ النَّار\" (٣).\nومنه ما عُرف بالتاريخ كحديث \"أَفْطَرَ الحَاجِم وَالمحجُوم\" (٤).\nوحديث \"احْتَجَمَ وَهُو صَائِمٌ\" (٥)، بيَّن الشافعي ﵀ أن الأول كان\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز).\n(٢) أخرجه مسلم (٩٧٧) وأبو داود (٣٢٣٥) والنسائي (٤/ ٨٩)، وغيرهم.\n(٣) أخرجه أبو داود (١٩٢) والنسائي (١/ ١٠٨) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٦٩) وابن ماجه (١٧٥٠) وغيرهما من حديث ثوبان - ﵁ -، وفي الباب عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -.\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٣٧٤) وابن ماجه (٣١٩٩) وغيرهما من حديث ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":67},{"text":"سنة ثمان والثاني سنة عشر.\nومنه ما عُرِف بالإجماع كحديث \"قتل شارب الخمر في الرابعة\" (١) عُرِف نسخهُ بالإجماع على خلافه، والإجماع لا ينسخ، وإنما يدل على النسخ.\n\nغَرِيبُ اللَّفْظِ وفِقهِهِ:\nأما غريبه: فهو ما جاء في المتن من لفظ غامض بعيد الفَهم، لقلة استعماله وهو فن مُهم يجب أن نَتَثَبَّت فيه أشد تَثبُّت.\nوقد أكثر العلماء التصنيف فيه، قيل أول من صنَّف فيه:\nالنَّضر بن شُمَيل (٢) وقيل أبو عبيدة معمر (٣)\nوبعدهما أبو عُبيد القاسم بن سلاَّم (٤)\nثم ابن قتيبة (٥) ما فاته المصنفات.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٤٨٦) وأحمد (٢/ ٢٨٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) هو العلامة الإمام الحافظ أبو الحسن المازني البصري النحوي، نزيل مرو وعالمها توفي في سنة ٢٠٣ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٢٨)، وفيات الأعيان (٥/ ٣٩٧) وإنباه الرواة (٣/ ٣٤٨).\n(٣) هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، النحوي، صاحب التصانيف توفي في سنة ٢٠٩ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٩/ ٤٤٥)، إنباه الراوة (٣/ ٢٧٦).\n(٤) الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي توفي في سنة ٢٢٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)، إنباه الراوة (٣/ ١٢).\n(٥) هو العلامة الكبير، ذو الفنون، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري توفي في سنة ٢٧٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦)، إنباه الراوة (٢/ ١٤٣).","vol":"1","page":68},{"text":"ثم الخطَّابي (١) ما فاتهما، فهذه أمهاته، ثم تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد كالنهاية لابن الأثير فإنه بلغ النهاية والفائق للزمخشري فإنه فائق على كل غاية ونرجو أن يكون الكشف عن حقائق السنن (٢) قد أجاد في القبيلين الغريب والفقه، وأنعم في المعاني والدَّقائق، وينبغي ألا يقلد فيه إلا مصنف إمام جليل، وأجود ما جاء منه مفسرًا في رواية أخرى.\nوأما فقهه: فهو ما تضمنه من الأحكام والآداب المستنبطة منه وهذه آداب الفقهاء الأعلام كالأئمة الأربعة - ﵃ -.\nوفي هذا الفن مصنفات كثيرة؛ كمعالم السُّنَن للخطابي (٣) والتَّمهيد (٤) لابن عبد البر فذلك ثمانية عشر نوعًا.\n_________\n(١) الإمام العلامة، الحافظ اللغوي، أبو سليمان، حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي توفي في سنة ٣٨٨ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، إنباه الراوة (١/ ١٢٥).\n(٢) هو إحدى مصنفات المصنف الجليلة.\n(٣) وهو شرح لكتاب سنن أبي داود السجستاني وهو مطبوع.\n(٤) هو شرح لموطأ الإمام مالك رتبه ابن عبد البر على شيوخ الإمام مالك وهو مطبوع في المغرب، وقد طبع طبعة جديدة في دار الفاروق ورتبه محققه على الأبواب.","vol":"1","page":69},{"text":"والضرب الثاني (١)، فيما يختص بالضعيف:\nالمَوْقُوف:\nوهو عند الإطلاق: ما رُوي عن الصحابي من قول أو فعل، أو نحو ذلك متصلًا كان السند أو منقطعًا.\nوقد يستعمل في غير الصحابي مقيَّدًا مثل: وَقَفَهُ مَعْمَرٌ عَلَىَ هَمَّام، وَوَقَفَهُ مَالِكٌ عَلَىَ نَافِعٍ، وبعض الفقهاء يُسمي الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر وأما أهل الحديث فيطلقون الأثر عليهما.\nقال ابن الأثير في الجامع (٢): الموقوف على الصحابي، قَلَّ ما يخفى على أهل العلم، وذلك أن يُروى الحديث مُسنَدًا إلى الصحابي، فإذا بلغ إلى الصحابي قال: إنه كان يقول كذا وكذا أو كان يفعل كذا وكذا أو كان يأمر بكذا وكذا، ونحو ذلك.\nفروع\nالأول:\nقَولُ الصَّحابي كُنَّا نَفعَلُ كذا، إن أضافه إلى زمن النبي - ﷺ -، فالصحيح أنه مرفوع، وبه قطع الحاكم (٣) والجمهور، لأن الظاهر أنه - ﷺ - اطَّلع عليه وقَرَّره فإن لم يُضِفْهُ إلى زمن النبي - ﷺ -، فهو موقوف.\n_________\n(١) ينظر (ص ٢٤).\n(٢) جامع الأصول (١/ ١١٩).\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص ٥٩).","vol":"1","page":70},{"text":"وقول الحاكم والخطيب (١) في حديث المغيرة \"كان أصحابُ النَّبي - ﷺ - يَقْرَعُون بَابَه بِالأَظَافِير\"، إنه موقوف، ليس كذلك، بل هو مرفوع في المعنى ولعل مرادهما أنه ليس مرفوعًا لفظًا (٢).\nالثاني:\nتفسير الصحابي موقوفٌ، ومن قال مرفوع فهو في تفسيرٍ يتعلق بسبب نزول آية؛ كقول جابر كانت اليهود تقول كذا فأنزل الله كذا ونحو ذلك (٣).\nالثالث:\nالموقوف وإن اتصل سنده ليس بحجة عند الشافعي ﵀ وطائفة من العلماء، وحجة عند طائفة.\nالمَقْطُوع:\nوهو ما جاء من التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفًا عليهم.\nواستعمله الشافعي ﵀، وأبو القاسم الطبراني في المنقطع، وسيأتي\n_________\n(١) الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ٥٩) من حديث المغيرة، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (١/ ١٦١) من حديث أنس، وينظر النكت لابن حجر (٢/ ٥١٨).\n(٢) قوله \"لفظا\" في (ز)،\"مطلقًا\"، والمثبت من (د)، ونسخة على (ز) وكتب في حاشية (ز) (بل مرفوع بحسب المعنى).\n(٣) يشير هنا إلى حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه مسلم (١٤٣٥) وغيره \" أن يهود كانت تقول: إذا أتيت المرأة من دبرها في قبلها ثم حملت، كان ولدها أحول، قال فأنزلت، ﴿نِسَاؤُكُم حَرْثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ \".","vol":"1","page":71},{"text":"بيانه وكلاهما ضعيف ليس بحجة.\n\nالمُرْسَل:\nوهو قول التابعي الكبير قال رسول الله - ﷺ - كذا أو فعل كذا، فهو مرسل باتِّفاقٍ.\nوأمَّا قَولُ مَن دون التابعي قال رسول الله - ﷺ -، فاختلفوا في تسميته مرسلًا فقال الحاكم (١)، وغيره من أهل الحديث: لا يسمى مرسلًا.\nقالوا والمرسل مختص بالتابعي عن النبي - ﷺ -، فإن كان الساقط واحدًا سُمي منقطعًا، وإن كان اثنين فأكثر سُمي مُعْضَلًا ومنقطعًا أيضا.\nوالمعروف في الفقه وأصوله أن كلَّ ذلك يُسمى مُرسَلًا وبه قطع الخطيب (٢) قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال، رواية التابعي عن النبي - ﷺ -.\nفروع\nالأول: قيل يُحتج بالمرسل مطلقًا، وردَّه قومٌ مطلقًا، والأَوْلى إن صح مخرجه لمجيئه من وجه آخر مُسندًا عن غير رجال الأول، فهو حُجَّةٌ وعليه جماهير العلماء والمحدثين.\nولذلك احتج الشافعي بمراسيل ابن المسيب لَمَّا وُجدت مسانيد من\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٦٧).\n(٢) الكفاية (ص ٢١).","vol":"1","page":72},{"text":"وجوه أُخَر، لا يختص ذلك عنده بمراسيل سعيد كما يتوهمه بعض الفقهاء من أصحابنا، فإن قيل إذا وُجد المسند فالعمل به لا بالمرسل، قلنا المرسل الذي يُعمل به، ما كان راويه ثقة متقِنًا، ليس فيه إلا الإرسال، بخلاف المسند فإن راويَه ليس كراوِيِه، فَجَعْلُ الأول أصلًا والثاني تابعًا أولى من عكسه.\nونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أن المرسل إن أسنده حافظ بذلك الإسناد غير مرسل وأرسله عن غير شيوخ الحديث الأول أو عضده قول الصحابي أو فتوى أكثر العلماء أو عُرِف أنه لا يرسل إلا عن عدلٍ، قُبِل (١).\nقال البيهقي أيضًا (٢): الشافعي - ﵁ - يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، ولا يقبلها إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره.\nوالثاني: إذا روى ثقةٌ حديثًا مرسلًا، ورواه غيره متصلًا؛ كحديث ... \"لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليٍّ\" (٣).\nرواه إِسرائيلُ وجماعةٌ [عن أبي إسحاق] (٤) عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -، [ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي\n_________\n(١) الرسالة للإمام الشافعي (ص ٤٦٢ - ٤٦٣).\n(٢) مناقب الشافعي للبيهقي (٢/ ٣٢).\n(٣) أخرجه أبو داود (٢٠٨٥) والترمذي (١١٠١) وابن ماجه (١٨٨١).\n(٤) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":73},{"text":"- ﷺ -] (١) فقد حكى الخطيب (٢) عن أكثرهم: أن الحكم للمرسل وهذا لا يقدح في عدالة الواصل وأهليته على الأصح، وقيل يقدح فيهما.\n\nوالثالث: مرسل الصحابي، وهو ما رواه ابنُ عباس وابنُ الزبير وشبههما من أحداث الصحابة، عن رسول الله - ﷺ -، ولم يسمعوه منه، فحكمه حكم المتصل، لأن الظاهر أن يكون روايتهم ذلك من الصحابة، والصحابة كلهم عدول، وحكى الخطيب وغيره عن بعض العلماء، أنه لا يحتج به كمرسل غيرهم، إلا أن يقول: لا أروي إلا ما سمعته من رسول الله - ﷺ - أو عن صحابي، لأنه قد يروي عن غير صحابي، وهذا مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٣)، والصواب المشهور، أنه يُحتَج به مطلقًا، لأن روايتهم عن غير الصحابة نادرة، وإذا رووا عن التابعي بينوها (٤).\n\nالمُنْقَطِع:\nالصحيح عند الجمهور، هو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره.\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٢) الكفاية (ص ٤١١).\n(٣) هو الإمام العلامة الأوحد، الأستاذ، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإسفراييني الأصولي الشافعي، الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره وصاحب المصنفات الباهرة، توفي في سنة ٤١٨ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٥٣).\n(٤) ينظر الكفاية (ص ٣٨٥)، المجموع للنووي (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":74},{"text":"إلا أن أكثر ما يُوصَف بالانقطاع في الاستعمال، رواية مَن دون التابعي عن الصحابي؛ كمالك عن ابن عمر ﵄.\nوقال الحاكم (١): هو ما اختل فيه قبل الوصول إلى التابعي رجل سواء كان محذوفًا [كالشافعي عن نافع عن ابن عمر أسقط مالكًا] (٢).\nأو مذكورًا مبهمًا كمالك عن رجلٍ عن ابن عمر ﵄.\nوحَكى الخطيب (٣)، عن بعض العلماء:\nأن المنقطع هو ما رُوي عن التابعي أو ما دونه موقُوفًا عليه من قول أو فعل وهذا غريب بعيد.\nويعرف الانقطاع لمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر.\nصورته، حديث واحد له إسنادان في أحدهما زيادة رجل أو أكثر، فإن عرف أن ذلك الحديث لا يتم إسناده إلا مع تلك الزيادة فالآخر منقطع وإن لم يعرف فيُحتمل أن يكون متصلًا.\n\nالمُعْضَل:\nيقال أعضله فهو مُعضَل بفتح الضاد، وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعدًا كقول مالك: قال رسول الله - ﷺ -، وكقول الشافعي: قال ابن عمر ﵄.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٧٠).\n(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز).\n(٣) الكفاية (ص ٢١).","vol":"1","page":75},{"text":"وعن الحافظ أبي النصر السِّجْزِي (١)، أن قول الراوي بَلَغَنِي، يُسمى معضلًا كقول مالك: بلغني عن أبي هريرة - ﵁ - (٢).\nفرع\nإذا وقف تابعُ التابعيِّ حديثًا على التابعي وهو مرفوع متصل عند ذلك التابعي، فقد جعله الحاكم (٣) نوعًا من المعضل.\nنحو قول الأعمش عن الشعبي \"يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا\" الحديث فقد رواه الشعبي عن أنس (٤)، وأعضله الأعمش لأن التابعي أسقط اثنين، الصحابي والرسول - ﷺ -.\nقلت: لا يجوز أن يُنسَب هذا القول إلى التابعي ويُوقَف عليه لأن مثل هذا لا يَصدُر عن التابعي استقلالًا، بل لا بد فيه من السَّماع من صاحب الوحي - ﵇ -.\nالشَّاذ والمُنْكَر:\nقال الشافعي: هو ما رواه الثقة مخالفا لما رواه الناس (٥).\n_________\n(١) الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة، أبو نصر، عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، المتوفى في سنة ٤٤٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٢١٧).\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص ٨٠).\n(٤) أخرجه مسلم مرفوعًا (٢٩٦٩).\n(٥) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص ١٨٣)، عن الشافعي به.","vol":"1","page":76},{"text":"وقال الخليلي (١): هو ما ليس له إلا إسنادٌ واحد، شذَّ به شيخٌ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة فَيُوقَف فيه ولا يحتج به.\nوهذا يشكل بحديث الأعمال بالنيات إذ تفرد به يحيى عن التيمي، والتيمي عن علقمة، وعلقمة عن عُمر، وعُمر عن النبي - ﷺ - وهو مخرجٌ في الصحيحين\nقال ابن الصلاح (٢): ما حاصله أن الأَوْلى التفصيل، فما خالف مُفرِدُه أحفظَ منه وأضبط، فشاذٌّ مَردُود، وإن لم يخالف وهو عدل ضابط، فصحيح.\nأو غير ضابط ولا يَبعُد عن درجة الضَّابط، فحسن، وإن بعد فشاذ مُنكَر.\nقال القاضي ابن جماعة (٣):هذا التَّفصِيلُ حَسَنٌ، لكن أخلَّ في التقسيم الحاصِر أحد الأقسام، وهو حُكمُ الثِّقةِ الذي خالفَه ثِقةٌ مِثلُه فإنَّهُ مَا بَيَّن ما حُكمُهُ.\nأقول: قوله أحفظ منه وأضبط على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردودًا، وقد عُلِم من هذا التقسيم أن المنكر\n_________\n(١) الإرشاد (١/ ١٧٦).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٤٣).\n(٣) المنهل الروي (ص ٥١).","vol":"1","page":77},{"text":"ما هو.\nالمُعَلَّلُ:\nاعلم أن معرفة عِلل الحديث من أجلِّ علومِه وأدقِّها، وإنما يتمكن من ذلك أهل الحفظ والخبرة والفَهم الثاقب، وهو عبارة عن أسبابٍ خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المُعَلَّل: هو الذي اطُّلِع فيه على ما يقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه، ويَتَطَرق ذلك إلى الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهرًا، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تُنِبّه العارف على إرسالٍ في الموصول، أو وقفٍ في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهمِ واهم، أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، فكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجِد ذلك فيه من الحديث.\nوالطريق في معرفة عِلة الحديث؛ أن نجمع طُرُقَه فننظر في اختلاف رواته وحفظهم وإتقانهم، وكثيرًا ما يُعلِّلُون الموصول بالمرسل، بأن يجيء الحديث بإسناد موصولًا وبإسناد أقوى منه مرسلًا، فَيُوهم أن الواصل غير ضابط.\nوقد تقع العلة في الإسناد والمتن، والأول أكثر، فما وقع في الإسناد يقدح في المتن، وما وقع في المتن يقدح في الإسناد والمتن جميعًا؛ كالتَّعليل بالإرسال والوقف.\nوقد يقدح في الإسناد خاصة؛ كحديث يَعْلَى بن عُبَيد عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - \" البَيِّعان بالخيار\" (١)، وهذا إسناد\n_________\n(١) أخرجه هكذا الخليلي في الإرشاد (١/ ٣٤١).","vol":"1","page":78},{"text":"متصل عن العدل الضابط، فهو مُعلَّل غير صحيح والمتن صحيح، والعِلَّة في قوله عمرو بن دينار، إنما هو أخوه عبد الله بن دينار، هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه (١).\nفوهِمَ يَعْلَى، وابنا دينار ثقتان.\nومثال العلة في المتن ما انفرد مسلمٌ بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المُصرِّح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٢).\nفعلَّل قومٌ هذه الرواية، بأن نَفيَ مسلم البسملة صريحًا، إنما نشأ من قوله [كانوا يفتتحون بالحمد، فذهب مسلم إلى المفهوم وأخطأ، وإنما معنى الحديث] (٣) أنهم كانوا يفتتحون بسورة يُذكر فيها الحمد لله، كما يقال قرأت البقرة، ثم انضم إلى هذا أمور منها، أنه ثبت عن أنس أنه سُئِل عن الافتتاح بالبسملة؟ فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله - ﷺ -.\nأقول: في قول ابن الصلاح (٤) فعلل قوم هذه الرواية، إشارة إلى أنه غير راضٍ عن تخطئتهم مُسْلِمًا، وذلك أن المذكور في المتفق عليه عن أنس قال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم\" وفي رواية \"أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر ﵄\n_________\n(١) كما رواه البخاري (٣/ ٨٤)، البيهقي (٥/ ٢٦٩) وابن عبد البر في التمهيد (١٤/ ٢٢).\n(٢) مسلم (٣٩٩).\n(٣) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٦١).","vol":"1","page":79},{"text":"كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها\".\nوروى الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) عن عبد الله بن مُغَفَّل قال:\" سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني مُحدَث إيَّاك والحَدَث وقد صليت مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان - ﵃ - فلم أسمع منهم أحدًا يقولها فلا تَقُلها، إذا أنت صلَّيت فقل الحمد لله رب العالمين \" فأين العِلة، ولَعلَّ المُعَلِّل مالَ إلى مذهبه، والإِذعانُ للحقِّ أحقُّ من المراء.\nواعلم أنه قد يُطلق اسمُ العلة على غير ما قدمناه؛ كالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحوها، وقد سَمَّى الترمذي النسخ علة.\nوأطلق بعضهم اسم العلة على مخالفةٍ لا تقدح؛ كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال من الصحيح ما هو صحيح مُعلَّل كما قال آخر من الصحيح ما هو صحيح شاذ والله أعلم.\nالمُدَلَّس:\nما أُخفِيَ عَيْبُه.\nهو قسمان:\nأحدهما: ما يقع في الإسناد وهو: أن يَروي عمَّن لقيه أو عاصره ما لم\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٤)، والنسائي (٢/ ١٣٥)، وابن ماجه (٨١٥).","vol":"1","page":80},{"text":"يسمعه منه مُوهِمًا أنه سمعه منه، ومن شأن من هو كذلك أن لا يقول في ذلك: حدثنا ولا أخبرنا وما أشبههما حتى يكون مُدلِسًا بل يقول: قال فلان أو عن فلان أو نحو ذلك، ثم قد يكون بينهما واحد فأكثر.\nقال الخطيب (١): وربما لم يُسقِط المُدلس شيخَه لكن يُسقِط من بعده رجُلًا ضعيفًا أو صغير السن، يُحسِّن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وغيرهما يفعلون هذا النوع.\nوالثاني: ما يقع في الشيوخ وهو: أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه فيُسميه أو يُكَنِّيه أو ينسبه أو يَصِفَهُ بما لا يُعرف به كي لا يُعرف.\nأما القسم الأول فمكروه جدًا، ذمَّه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له.\nثم اختلفوا في قَبُول رواية من عُرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا لا تُقبَل روايته، بيَّن السماع أولم يبيِّن.\nوالصحيح التفصيل فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فحكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مُبيِّن للاتصال كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأشباهها فهو مقبول محتج به، وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا كقتادة (٢)،\n_________\n(١) الكفاية (ص ٣٦٤).\n(٢) هو الثقة الثبت؛ قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري ينظر تهذيب الكمال (٢٣/ ٤٩٨).","vol":"1","page":81},{"text":"والأعمش (١)، والسفيانين (٢) وهُشَيمٍ (٣)، وغيرهم، وهذا لأن التدليس ليس كَذِبًا.\nثم الحكم بأنه لا يُقبل من المدلس حتى يبيِّن، أجراه الشافعي ﵀ فيمن عرفناه دلَّس مرة (٤).\nقال الشيخ محيي الدين (٥): ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة من التدليس بعن، فمحمول على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى.\nوأما القسم الثاني فأمره أخف، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، ويختلف الحال في كراهيته بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله كون شيخه الذي غيَّر سِمَته غير ثقة، أو أصغر من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة.\n_________\n(١) هو الإمام العلم والثقة الحافظ أبو محمد الكوفي سليمان بن مهران الأعمش ينظر تهذيب الكمال (١٢/ ٧٦).\n(٢) هما الإمامان الجليلان الحافظان أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (١١/ ١٥٤)، وأبو محمد الهلالي سفيان بن عيينة، ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (١١/ ١٧٧).\n(٣) هو الإمام الثقة أبو معاوية الواسطي هشيم بن بشير بن القاسم ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٧٢).\n(٤) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٣٥).\n(٥) التقريب مع التدريب (١/ ٣٦٠).","vol":"1","page":82},{"text":"وتَسَمَّح بهذا القِسم الخطيب أبو بكر (١)، وغيره من المصنفين.\nالمُضْطَّرِب:\nوهو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجهٍ آخر مخالفٍ له، وإنما نُسمِّيه مضطربًا؛ إذا تساوت الروايتان، فإن ترجَّحَت إحديهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك، فالحكم للراجح ولا يكون حينئذٍ مضطربًا.\nوالاضطراب قد يقع في السند أو المتن، إما من راوٍ أو من رُواةٍ.\nالمَقْلُوب:\nوهو نحو حديث مشهور، عَن سَالِمٍ، جُعِل عن نافع، ليصيرَ بذلك غريبًا مرغوبًا فيه.\nروِّينا أن البخاري قدم بغداد، فاجتمع قومٌ من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلمَّا فرغوا من إلقائها، التفت إليهم، فردَّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى متنه، فأذعنوا له بالفضل (٢).\n_________\n(١) الكفاية (ص ٣٦٥).\n(٢) أخرج هذه القصة الخطيب في تاريخ بغداد (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":83},{"text":"المَوْضُوع:\nوهو المُخْتَلَق.\nاعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nقسم يجب تصديقه، وهو ما نصَّ الأئمة على صحته.\nوقسم يجب تكذيبه، وهو ما نصُّوا على وضعه.\nوقسم يجب التوقف فيه، لاحتماله الصدق والكذب، كسائر الأخبار فإنه لا يجوز أن يكون كله كذبًا، لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبًا مع كثرة رواتِها واختلافهم، ولا أن تكون كلها صدقًا، لأن النبي - ﷺ - قال سَيُكذَبُ عليَّ بعدي، ولأن الأئمة كذَّبُوا جماعة من الرواة وحذفوا أحاديث كثيرة علموا كذبها، فلم يعملوا بها فلا يَحِلُّ رواية الموضوع لأحد عَلِم حاله في أي معنى كان، إلا مقرونًا ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب على ما مر.\nوإنما يُعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه (١)، أو ما ينزل منزلة إقراره ويفهم الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وُضِعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.\n_________\n(١) كما ذكر البخاري في التاريخ الصغير (٢/ ١٩٢) قال: حدثني اليشكري عن على بن جرير قال سمعت عمر بن صبح يقول أنا وضعت خطبة النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":84},{"text":"قال ابن الصلاح (١): ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين، فأودع فيهما كثيرًا، مما لا دليل على وضعه، وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة.\nقال الشيح محيي الدين (٢): وهذا المذكور هو أبو الفرج ابن الجوزي والواضعون للحديث أصناف وأعظمهم ضررًا قوم منتسبون إلى الزهد وضعوا الحديث احتسابًا لزعمهم الباطل فَيَقْبَلُ الناسُ موضوعاتهم ثقة بهم وركونًا إليهم.\nووضعت الزنادقة أيضًا جُملًا من الحديث، ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عَوَارِهَا ومَحْوِ عَارِهَا والحمد لله، وقد ذهبت الكرَّاميَّة والطائفة المبتدعة إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع.\nثم إن الواضع ربما صنع كلامًا من عند نفسه فروى مسندًا، وربما أخذ كلام بعض الحكماء فرواه عن رسول الله - ﷺ -، وربما غلط إنسان فوقع في شبه الوضع من غير تعمُّد.\nكما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث \"من كثُرَت صلاته بالليل حَسُنَ وجْهُهُ بالنهار\" (٣) قيل كان شيخ يحدث في جماعة فدخل رجل حسن\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٧٩).\n(٢) التقريب مع التدريب (١/ ٤٧١).\n(٣) رواه ابن ماجه (١٣٣٣).","vol":"1","page":85},{"text":"الوجه فقال الشيخ في أثناء حديثه من كثرت صلاته بالليل إلى آخره فوقع لثابت بن موسى أنه من الحديث فرواه.\nما روينا عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم (١) أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً فسورة؟\nفقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ﵀، ومغازي محمد بن إسحاق، فَوَضعتُ هذه الأحاديث حِسبةً.\nوهكذا حال الحديث الطويل الذي يُروى عن أُبيِّ بن كعب عن النبي - ﷺ - في فضائل القرآن سورة فسورة، بَحَثَ بَاحِثٌ عن مَخرَجِهِ حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لَبيِّنٌ عليه (٢).\nولقد أخطأ الواحدي المُفَسِّر، وغيره من المفسرين في إيداعهم تفاسيرهم.\n[ومما أودعوه فيها أنه - ﷺ - لما بلغ في قراءته إلى قوله تعالى: ... ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣) ألقى الشيطان في أُمنيتِه إلى أن قال: تِلْكَ الغَرَانيِق العُلى وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى.\nقال الإمام في تفسيره (٤) رُوي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أن هذه\n_________\n(١) قال البخاري في ترجمته من التاريخ الكبير (٨/ ١١١)،ذاهب الحديث جدًا، وينظر أيضا تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٣٣).\n(٢) أخرج القصة الخطيب في الكفاية (ص ٤٠١).\n(٣) النجم (٢٠).\n(٤) أي الواحدي.","vol":"1","page":86},{"text":"القصة من وضع الزنادقة وطعن فيها البيهقي أيضًا.\nوروى الشيخ محيي الدين (١): عن القاضي عِيَاض أنها باطلة لا تصح عقلًا ولا نقلًا.\nوذكر أبو منصور المَاتُرِيدِي: أنها من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين أرقَّاء الدين ليرتابوا في صحة الدين القويم، وقيل إنها من مفتريات ابن الزِّبَعْرَى.] (٢)\nوروى مسلم في صحيحه (٣) بإسناده عن الأعمش عن أبي إسحاق قال لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي - ﵁ - قال رجل من أصحاب علي - ﵁ - قاتلهم الله أيّ علمٍ أفسدوا.\nقال الشيخ محيي الدين (٤): أشار بذلك إلى ما أدخله الشيعة في علم عَليٍّ وحديثه، وتقوَّلُوا عليه من الأباطيل، وأضافوا إليه من الروايات المفتعلة والأقاويل المختلقة، وخلطوها فلم يتميز صحيحه عن فاسده.\nقال ابن الأثير في الجامع (٥): من الواضعين جماعة وضعوا الحديث تَقَرُّبًا إلى الملوك مثل: غياث بن إبراهيم، دخل على المهدي بن المنصور وكان يعجبه الحمام الطيَّارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثًا عن النبي\n_________\n(١) شرح مسلم (٥/ ٧٥).\n(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٣) مقدمة صحيح مسلم (١/ ١٢).\n(٤) شرح مسلم (١/ ٨٣).\n(٥) جامع الأصول (١/ ١٣٧).","vol":"1","page":87},{"text":"- ﷺ - أنه قال \"لا سبق إلا في خُفٍّ أو حَافِرٍ أو نَصْلٍ أو جَنَاحٍ\" قال فأمر له بعشرة آلاف درهم فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله - ﷺ - ما قال رسول الله - ﷺ - جناح ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا.\nومنهم قوم من السُؤَّال والمُكدِّين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعون على رسول الله - ﷺ - أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.\nقال جعفر بن محمد بن الطيالسي:\nصلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرُصَافة ببغداد، فقام بين أيديهما قاصٌّ فقال:\nحدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله - ﷺ -:\"من قال لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طائر، منقاره من ذَهَبٍ وريشه مرجان وأخذ في قِصته من نحو عشرين ورقة \".\nفجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال أنت حدثته بهذا فقال والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال فسكتا جميعًا حتى فرغ فقال يحيى بيده أن تعال متوهمًا لنوال يجيزه فقال له يحيى: من حدثك بهذا فقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله - ﷺ -، فإن كان ولابد لك من الكذب فعلى غيرنا، فقال له أنت يحيى بن معين؟ قال نعم قال لم أزل أسمع","vol":"1","page":88},{"text":"أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، قال له يحيى وكيف علمت أني أحمق؟ قال كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال فوضع أحمد كُمَّه على وجهه، وقال دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما (١).\nفهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله - ﷺ - ومن يجري مجراهم.\n[وذكر ابن الأثير أيضا أن حديث صلاة الرغائب مطعون.\nوقال الشيح محيي الدين في شرح صحيح مسلم (٢): واحتج العلماء بحديث النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى بالرغائب، فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة] (٣).\nوقال الشيخ الحسن بن محمد بن الحسن الصَّغَاني (٤) في كتابه الدر الملتقط في تبيين الغلط: وقد وقع في كتاب الشهاب للقُضَاعي كثير من الأحاديث الموضوعة ما هو ظاهر، فمن ذلك:\n• الصُبحة تمنع الرزق.\n_________\n(١) أخرجها الخطيب في الجامع (٢/ ١٦٦).\n(٢) شرح مسلم (٨/ ٢٠).\n(٣) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٤) هو الشيخ الإمام العلامة المحدث إمام اللغة رضي الدين أبو الفضائل الصَّغَاني المتوفى سنة ٦٥٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٨٢).","vol":"1","page":89},{"text":"• السعيد من وُعظ بغيره.\n• الشَّقيُّ من شقِي في بطن أمه.\n• الحج جهاد كل ضعيف.\n• الجنة دار الأسخياء.\n• المؤمن يسير المؤنة.\n• شرف المؤمن قيامه بالليل وعزُّه استغناؤه عن الناس.\n• اليقين الإيمان كله.\n• الموت كفارة لكل مسلم.\n• المرء كثير بأخيه.\n• الناس كأسنان المشط.\n• الغِنى، اليأس مما في أيدي الناس.\n• حُبُّك الشيء يعمي ويصم.\n• طاعة الناس ندامة.\n• البلاء موكل بالقول.\n• دفن البنات من المَكرُمَات.\n• السلام تحية لملَّتِنا، وأمان لذمتنا.\n• النظر إلى الخُضرة تزيد البصر، والنظر إلى المرأة الحسناء يزيد البصر.","vol":"1","page":90},{"text":"• الأنبياء قادة والفقهاء سادة، ومجالسهم زيادة.\n• الوضوء قبل الطعام، ينفي الفقر، وبعده، ينفي اللمم ويصح البصر.\n• من كِنزِ البر، ويُروى من كُنُوزِ البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة.\n• القاصُّ ينتظر المقت والمستمع إليه ينتظر الرحمة والتاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة.\n• من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت لهى عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.\n• من أيقن بالخُلف جاد بالعطية.\n• من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به.\n• من عزَّى مُصابًا فله مثل أجره.\n• من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار.\n• من أخلص الله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.\n• من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة.\n• من نزل على قوم فلا يصومنَّ تَطوعًا إلا بإذنهم.\n• ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا.","vol":"1","page":91},{"text":"• رحم الله امرءًا أصلح من لسانه.\n• أَبىَ الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يعلم.\n• كأنَّ الحق فيها على غيرنا وَجَب، وكأنَّ الموت فيها على غيرنا كُتِب وكأنَّ اللذين نُشَيِّع من الأموات سفرٌ عما قليل إلينا عائدون، نُبَوِئهُم أَجدَاثَهم ونأكل تراثهم كأنَّا مُخَلَّدُون بعدهم قد نسينا كلَّ واعظة وأَمِنَّا كلَّ جائحةٍ طُوبَى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مالٍ اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذُلِّ والمعصية طوبى لمن ذلَّ نفسه وحسُنَت خليقتُه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السُنَّة ولم يَعْدُها إلى بدعة.\n• زُرْ غِبًّا تزدد حبًّا.\n• أخبر تقله.\n• اسمح يُسمَح لك.\n• اطلبوا الخير عند حِسان الوجوه.\n• اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.\n• اعتمُّوا تزدادوا حِلمًا.\n• أغروا النساء يلزمن الحجاب.\n• ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام.\n• اطلبوا الفضل عند الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم.","vol":"1","page":92},{"text":"• استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان لها.\n• تَجَافَوا عن ذنب السَّخي فإن الله آخِذ بيده كلما عثر.\n• أكرموا الشهود فإن الله يستخرج بهم الحقوق ويرفع بهم الظلم.\n• ارحموا ثلاثة غني قوم افتقر، وعزيزًا ذل، وعالمًا يلعب به الحمقى والجهَّال.\n• تعشُّوا ولو بكفٍّ من حَشَف فإن ترك العشاء مهرمة.\n• أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وابغض بغيضك يومًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.\n• عِش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، وأعمل ما شئت فإنك مجزي به.\n• إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه.\n• لا همَّ إلا همَّ الدَّيْن، ولا وجع إلا وجع العين.\n• لا يصلح الصنيعة إلا عند ذي حَسب أو دِين كما لا يصلح الرياضة إلا في النجيب.\n• لا مهدي إلا عيسى بن مريم.\n• لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل الذي ترى له.\n• لا تُظهِر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك.","vol":"1","page":93},{"text":"• لا تجعلوني كقدح الراكب.\n• إن لجواب الكتاب حقًا كرد السلام.\n• إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.\n• إن لكل شيء معدنًا، ومعدن التقوى قلوب العارفين.\n• يُحَبُّ السماحة ولو على تمرات، ويُحَبُّ الشجاعة ولو على قتل حية.\n• إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.\n• ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائع.\n• حبَّذا المتخللون من أمتي.\n• لولا أن السُوَّال يَكذِبُون ما قُدِّس مَن ردَّهم.\n• يا دنيا اخدمي من خدمني واتعبي يا دنيا من خدمك.\n\nووقع في كتاب\"النجم المُذيَّل على الشهاب\" للإقليشي:\n\n• من مات في طريق مكة حاجًّا لم يعرضه الله ولم يحاسبه.\n• من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني.\n• من قاد أعمى أربعين خطوة غفر له ما تقدم من ذنبه.\n• ومن عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله.\n• إن الأذانَ سهل سمح فإن كان أذانُك سهلًا سمحًا وإلا فلا تُؤذِّن.\n• لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.","vol":"1","page":94},{"text":"• أربع ملاحِم من ملاحِم الجنة: بدر وأُحد والخندق وحُنين.\n• الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.\n• ردُّ دَانِقٍ حرام يَعدِل عند الله سبعين حجة مبرورة.\n• القرآن كلام الله غير مخلوق.\n• يُحشر أولاد الزنا في صورة القردة والخنازير.\n• صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب القدرية والمرجئة.\n• الأربعاء يوم نحس مستمر.\nهذا آخر ما جاء في الكتابين المذكورين.\nومما يجري في كلام الناس معزُوًّا إلى النبي - ﷺ - قولهم: \"إذا رويتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه\" (١).\nقال الخطَّابي في كتاب معالم السنن (٢): هذا حديث وضعته الزنادقة، ويدفعه قوله - ﷺ -: \"إني قد أوتيت الكتاب وما يعدله، ويُروى أوتيت الكتاب ومثله معه\" (٣).\n_________\n(١) أخرج هذا الحديث بمعناه العقيلي في الضعفاء (١/ ١٢٣) ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٥٠٠).\n(٢) معالم السنن (٤/ ٢٩٩).\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٣٠) وأبو داود في سننه (٤٦٠٦) بإسناد صحيح من حديث المقدام بن معدي كرب.","vol":"1","page":95},{"text":"ومنه قولهم:\n• عليكم بدِين العجائز.\n• وكنت نبيًا وآدم بين الماء والطين.\n• وعليكم بحُسن الخطِّ فإنه من مفاتيح الرزق.\n• المستحق محروم.\n• العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان.\n• العنب دُودُو (١).\n• ومن بَشَّرني بخروج صفر بشرته بالجنة.\n• لا تسافروا والقمر في العقرب.\n• سِراج أمَّتي أبو حنيفة.\n• من صام يوم الشك فقد عصا أبا القاسم، (هذا كلام عمار بن ياسر).\n\nومن الموضوع:\n•خير خَلِّكم خلّ خَمْرِكم.\n• عالم قريش يملأ الأرض عِلمًا، يعنون به الشافعي محمد بن إدريس - ﵁ -.\n_________\n(١) يعني مثنى مثنى، وكتب في حاشية (د) \" وهو من الكلمات التي تنسب إلى النبي - ﷺ - بالفارسية\"","vol":"1","page":96},{"text":"• والحديث الذي يُروى عن أُبَيِّ بن كعب وهو منه بريء في فضائل القرآن سورةً سورةً، وقل تفسير خلا منها إلا من عصمه الله تعالى (١).\nقولهم: في حق علي - ﵁ -:\n• إنه لا يحل أن يَجنُب في هذا المسجد غيري وغيرك.\nوفي حق أبي بكر - ﵁ -:\n• ما صبَّ الله في صدري شيئًا إلا وصببته في صدر أبي بكر.\nقال الشيخ: وقد صُنِّف كتُبٌ في الحديث، وجميع ما احتوت عليه موضوع منها الأربعون المُسمَّاة الوَدعانيَّة (٢).\nومنها الوصايا المنسوبة إلى النبي - ﷺ -، أوصى بها عَليًّا - ﵁ - كلها موضوع ما خلا الحديث الأول وهو: \"أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي\" (٣).\nقال الشيخ تقي الدين ابنُ تيميَّة (٤): (٥) ما يُروَى أن \"أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، فقال له أدبر فأدبر فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم\n_________\n(١) تقدم تخريجه (ص ٥٧).\n(٢) للشيخ أبي نصر محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان الموصلي، المتوفى سنة ٤٩٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٦٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص.\n(٤) في (ز) التيمية بزيادة ألف ولام، والمثبت من (د).\n(٥) منهاج السنة النبوية (٨/ ١٥ - ١٦).","vol":"1","page":97},{"text":"منك، فَبِك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب\".\nويسمونه أيضًا القلم؛ موضوع، كما ذكر أبو جعفر العقيلي (١)، وأبو حاتم البُسْتِي (٢)، وأبو الحسن الدارقطني، وابن الجوزي (٣)، وغيرهم.\nفذلك اثنا عشر نوعًا يختص بالضعيف.\n_________\n(١) الضعفاء الكبير (٤/ ١٦٦).\n(٢) لم أقف على كلام ابن حبان بشأن هذا الحديث لكن قال في المجروحين (١/ ٢٥٩) في ترجمة حفص بن عمر قاضي حلب وهو أحد رواة هذا الحديث: شيخ يروي الأشياء الموضوعات لا يحل الاحتجاج به.\n(٣) أخرجه في الموضوعات (٣٦٦) من طريق الدارقطني.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الباب الثاني\nمعرفة أوصاف الرواة\nومن يُقبَل رِوايتُه ومن لا يُقبَل</span>\nوهي من أجلِّ أنواع علوم الحديث وأهمها، وهي التي تميز بين الصحيح والضعيف.\nوفيها تصانيف كثيرة منها ما أُفرِدَ في الضُّعفاء ككتاب البُخاري، والنَّسائي والدارقُطنِي (١).\nوما أُفرِد في الثقات ككتاب الثقات لابن حبان (٢).\nومنها ما اشترك كتاريخ البخاري وابن أبي خيثمة وابن أبي حاتم (٣).\nوَجُوِّزَ الجرحُ والتعديل صيانة للشريعة، ويجب على المتكلم التثبت فيه فقد أخطأ غير واحد بجرحهم بما لا يُجرِّح.\n_________\n(١) طبع كتاب الضعفاء الصغير للبخاري والضعفاء والمتروكين للنسائي معًا في مجلد واحد بتحقيق محمود إبراهيم زايد، وطبع الضعفاء والمتروكين للدارقطني بتحقيق صبحي السامرائي.\n(٢) طبع في تسع مجلدات بحيدر آباد الدكن.\n(٣) طبع التاريخ الكبير للبخاري في ثمان مجلدات بحيدر آبا الدكن، وطبع تاريخ ابن أبي خيثمة حديثا بدار الفاروق وطبع الجرح والتعديل لابن أبي حاتم في تسع مجلدات بحيدر آباد الدكن.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>وفيه فصول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الأول: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه والأصول على أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط</span>.\nفالعدالة فيه أن يكون مُسلِمًا بالغًا عاقلًا سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.\nوالضبط أن يكون مُتَيقِّظًا حافظًا، إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدَّث منه، عارفًا بما يختل به المعنى إن روى به.\nولا يشترط الذكورة ولا الحُريَّة (١)، ولا العلم بفقهه وغريبه ولا البصر ولا العدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الثاني: تعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها، أو بالاستفاضة</span>.\nفمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء، وشاع الثناء عليه بها كفي، كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم.\nويقبل تعديل العبد والمرأة، إذا كانا عارفين به كما يقبل خبرهما قاله الخطيب (٢).\nويعرف ضَبطُه بأن يعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وافقهم غالبًا وكانت مخالفته نادرة، عرفنا كونه ضابطًا ثَبْتًا،\n_________\n(١) قوله ولا الحرية سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٢) الكفاية (ص ٩٨).","vol":"1","page":100},{"text":"وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الثالث: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها</span>.\nوأما الجرح فلا يُقبَل إلا مُفسَّرًا مُبَيَّن السبب، لاختلاف الناس فيما يوجب الجرح.\nولهذا احتج البخاري في صحيحه بعكرمة مولى ابن عباس (٢)، وإسماعيل بن أبي أويس (٣)، وعاصم بن علي (٤)، وغيرهم.\nومسلم بسويد بن سعيد (٥)، وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب.\nفإن قيل إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف، فلان ليس بشيء، ونحوه، وهذا حديث ضعيف أو غير ثابت، ونحو ذلك.\nفاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في\n_________\n(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٠).\n(٢) ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٢٦٤).\n(٣) ترجمته في تهذيب الكمال (٣/ ١٢٤).\n(٤) ترجمته في تهذيب الكمال (١٣/ ٥٠٨).\n(٥) ترجمته في تهذيب الكمال (١٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":101},{"text":"الأغلب. والجواب أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في توقف قبول حديث من قالوا فيه ذلك؛ لأن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قوية، ثم من انزاحت عنه تلك الرِّيبة بحثنا عن حاله بحثًا أوجب الثقة بعدالته فقبِلنا روايته ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين، وغيرهما ممن تقدم فيهم الجرح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الرابع: يثبت الجرح والتعديل في الرواة بقول واحد على الصحيح؛ لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله</span>.\nوإن اجتمع في شخصٍ جَرحٌ وتَعديل، فالجرح مُقدَّم، وإن تعدد المعدل على الأصح، لأن المُعدِّل يُخبِر عمَّا ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خَفِيَ على المعدِّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الخامس: إذا قال حدثني ثقة، إن قصد به التعديل، لا يُجزئ إذ لا بد من تعيين المعدَّل وتسميته، وذلك لأنه قد يكون ثقةً عنده، وغيره قد اطَّلع على جرحه بما هو جارحٌ عنده، بل إِضرابُه عن تَسميتهِ مُريبٌ في القلوب</span>.\nوإن قصد به مجرد الإخبار من غير تعديل وسمَّاه، لم يجعل روايته عنه تعديلًا منه له؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل.\nنعم إذا قال العالم: كل من رَويت عنه فهو ثقة، ثم روى عمَّن لم يُسمِّه فإنه يكون مُزكيًا له، غير أنَّا لا نعمل بتزكيته هذه، لما مر آنفًا.\nوليس عمل العالم أو فُتياه على وفق حديث، حُكمًا بصحته، ولا مخالفته له جرحًا في رواته.","vol":"1","page":102},{"text":"قال القاضي (١): العالم الذي من شأنه اشتراط العدالة في الرواية، إذا عمل بخبر رجل لا شاهد له ولا متابع، يكون تعديلًا له إذا لم يكن عمله من باب الاحتياط، وذلك أن يعمل بالحديث الضعيف مخافة أن يكون صحيحًا في نفس الأمر يجب العمل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>السادس: الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل</span>.\nأما ألفاظ التعديل ففي مراتب:\nالأولى: أن يُقال هو ثقة، أو مُتقِن، أو ثَبْت، أو حُجة، أو يقال في العدل حافظ، أو ضابط، فهو ممن يحتج بحديثه.\nالثانية: صدوق، أو مَحِلُّه الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يُكتب حديثُه ويُنظر فيه، لأن هذه العبارات لا تُشْعِر بالضبط، فيُنظر ليُعرف ضبطه، وقد تقدم بيان الاعتبار.\nوعن ابن مهدي (٢): قال حدثنا أبو خَلدة، فقيل له كان ثقة؟ قال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خير، الثقة: شعبة وسفيان.\nالثالثة: إذا قيل \"هو شيخ\"، فهو يُكتب حديثه ويُنظر فيه، قيل وقريب منه \"روى عنه الناس\".\nالرابعة: \"صالح الحديث\"، فإنه يكتب حديثه للاعتبار، قيل ومثله \"هو\n_________\n(١) المنهل الروي (ص ٦٥).\n(٢) كما أخرجه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٤) ومن طريقه الخطيب في الكفاية (ص ٢٢).","vol":"1","page":103},{"text":"وسط\".\nوسمع ابن مهدي في حق رجل ضعيف الحديث، هو رجل صدوق فقال: رجل صالح الحديث (١).\nوألفاظ الجرح أيضًا على مراتب:\nأولها: هو ليّن الحديث، فهذا يُكتب حديثه ويُنظر اعتبارًا.\nقال الدارقطني (٢): إذا قُلتُ ليَّن الحديث، فلا يكون ساقطًا، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقِط العدالة.\nقيل ومثله مُقارِب الحديث، أو مضطرب الحديث، أو لا يُحتج به، أو مجهول.\nالثانية: هو ليس بقوي، فهو بمنزلة الأُولى في كَتْبِ حديثِه، إلا أنه دونه في القوة، قيل ومثله، \"ليس بذاك\" أو \"ليس بذاك القوي\".\nالثالثة: ضعيف الحديث: هو دون الثاني لا يُطرَح بل يُعتبَر.\nالرابعة: هو متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذَّاب: فهو ساقط لا يُكتَب حَديثُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>السابع: لا تُقبَل رواية من عُرِف بالتَّساهُل في سماع الحديث، أو إِسماعه كمن ينام حالة السَّماع أو يشتغل عنه، أو يُحدِّث لا من أصل</span>\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٢٢).\n(٢) سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (ص ٧٢).","vol":"1","page":104},{"text":"مُصَحَّح، أو من عُرِف بِقَبول التَّلقين في الحديث من غير كتب وحفظ، أو بكثرة السهو في رواياته إذا لم يُحدِّث من أصل مُصحَّح، أو من كَثُرَت الشواذ والمناكير في حديثه.\nقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحُمَيدي وغيرهم: من غلط في حديثه فبُيِّنَ له غلطُه فلم يرجع وأصرَّ على غلطه سقطت روايته.\nقال ابن الصلاح (١): هذا الذي قالوه لعله إذا ظهر منه ذلك على وجه العناد. فإن لم يكن عنادًا بأن يكون على وجه التنفير في البحث ففيه نظر، ولا بأس بأدنى نُعاس، ولا يختل معه فهم الكلام، وكان بعضهم إذا كتب طبقة السماع كتب، وفلان وهو ينعس وفلان وهو يكتب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الثامن: من خلَّط لخَرفهِ أو ذَهاب بصره أو لغير ذلك، فيُقبل ما رُويَ عنه قبل الاختلاط ويُرَدُّ ما بعده وما شك فيه أيضًا</span>.\nفمنهم عطاء بن السائب (٢)، احتجوا برواية الأكابر عنه؛ كالثوري وشعبة.\nقال القطان (٣): إلا حديثين سمعهما شعبة بأَخَرةٍ عن زاذان.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٠٦).\n(٢) ترجمته في تهذيب الكمال (٢٠/ ٨٦).\n(٣) الإمام يحيى بن سعيد بن فروخ القطان أبو سعيد البصري الأحول الحافظ ترجمته في تهذيب الكمال (٣١/ ٣٢٩).","vol":"1","page":105},{"text":"ومنهم عبد الرحمن بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (١) في أيام المهدي.\nومنهم ربيعة الرأي (٢) شيخ مالك في آخر عمره.\nومنهم سفيان بن عُيينة قبل موته بسنتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>التاسع: في رواية المجهول الحال</span>.\nوهو أقسام ثلاثة:-\nأحدها: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، فلا يقبل عند الجماهير.\nوثانيها: مجهول العدالة باطنًا لا ظاهرًا، وهو المستور.\nوالمختار قبوله، وقطع به سليم الرازي (٣)، وعليه العمل في أكثر كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم عهدهم وتعذَّرت معرفتهم؛ لأن أمر الإخبار مبنيٌّ على حسن الظن بالراوي المسلم، ونشر الأحاديث مطلوبُ كل واحد ومعرفة الباطن مُتعذِّر، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحُكَّام ولا يتعذَّر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن.\nوثالثها: مجهول العين، وهو كل من لم يعرفه العلماء، ولم يُعرف حديثُه إلا من جهة راوٍ واحد، قاله الخطيب (٤).\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ترجمته في تهذيب الكمال (١٧/ ٢١٩).\n(٢) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن القرشي التيمي ترجمته في تهذيب الكمال (٩/ ١٢٣).\n(٣) هو أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم الرازي ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٤٥)، وفيات الأعيان (٢/ ٣٩٧) وإنباه الرواة (٢/ ٦٩).\n(٤) الكفاية (ص ٨٨).","vol":"1","page":106},{"text":"[قال ابن الصلاح (١): من يقبل رواية المجهول العدالة لا يقبل رواية المجهول العين] (٢).\nوقال ابن عبد البر (٣): من لم يرو عنه إلا واحدًا فهو مجهول عندهم إلا أن يكون مشهورًا بغير حمل العلم، كمالك بن دينار في الزهد، وعمرو بن مَعدِي كَرِب بالنجدة.\nقال الخطيب (٤): وأقلُّ ما يرفع الجهالة أن يروي عنه اثنان من المشهورين بالعلم.\nقال ابن الصلاح ردًّا على الخطيب (٥): قد خرَّج البخاري في صحيحه عن مرداس الأسلمي، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم (٦).\nومسلم، عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنه غير أبي سلمة (٧).\nوذلك مصير منهما (٨) إلى خروجه عن هذه الجهالة برواية واحد،\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦).\n(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٥٦).\n(٤) الكفاية (ص ٨٨).\n(٥) مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦).\n(٦) أخرج البخاري له حديث \" يذهب الصالحون الأول فالأول\" الحديث ... (٥/ ١٥٧) و(٨/ ١١٤).\n(٧) أخرج له مسلم حديث \" أسألك مرافقتك الجنة\" الحديث (٤٨٩).\n(٨) قوله مصير منهما في (ز) مصير بينهما، والمثبت من (د)، مقدمة ابن الصلاح (ص ٢٩٦) وتدريب الراوي (١/ ٥٣٢).","vol":"1","page":107},{"text":"والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد.\nقال الشيخ محي الدين مجيبًا عنه (١): الصواب ما ذكره الخطيب فهو لم يَقُلْه عن اجتهاده بل نقله عن أهل الحديث.\nوردُّ الشيخِ عليه بما ذكره عجب؛ لأنه شرط في المجهول أن لا يعرفه العلماء وهذان معروفان عند أهل العلم بل مشهوران.\nفمرداس، من أهل بيعة الرضوان، وربيعة، من أهل الصفة، والصحابة كلهم عدول، فلا يَضرُّ الجهالة بأعيانهم لو ثبتت.\n\nأقول: هذا الجواب مسلَّم في حق الصحابة، وليت شعري كيف يَدفع قوله والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد، وقد تقرر أن العدد لم يُشترَط في قبول الخبر ولا في جرح الراوي وتعديله على المذهب الصحيح فكذلك لا يشترط في رفع الجهالة.\nفرع\nيُقبَل من عُرِفَت عينُه وعدالتُه وإن جُهِل اسمُه ونسبُه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>العاشر: المُبتَدِع الذي لم يُكَفًّر ببدعته </span>فيه ثلاثة أقوال:\nقيل: لا يُقبَل روايته مُطلقًا لفسقه، فكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول يستوي في الفسق المتأول وغيره.\nوقيل: إن لم يَسْتَحلّ الكذب لنصرة مذهبه، قُبل، وإن استحلَّه كالخطَّابية\n_________\n(١) التقريب مع التدريب (١/ ٥٣١).","vol":"1","page":108},{"text":"من الروافض لم يُقبَل، ويُعزى هذا إلى الشافعي - ﵁ - (١).\nوقيل: إن كان داعيةً لمذهبه لم يُقبَل، وإلا قُبِل، وهذا الذي عليه الأكثر. وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحابنا في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول رواية الداعية.\nقال أبو حاتم بن حبان (٢): لا يجوز الاحتجاج بالدَّاعية عند أئمتنا قاطبة، لا خلاف بينهم في ذلك.\nوالمذهب الأول ضعيف جدًا.\nففي الصحيحين، وغيرهما من كتب أئمة الحديث، الاحتجاج بكثير من المبتدعة، غير الدعاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحادي عشر: التائب من الكذب</span>، وغيره من أسباب الفسق يُقبل روايته، إلا التائب من الكذب في حديث رسول الله - ﷺ -.\nفلا يُقبل روايته أبدًا وإن حَسُنت توبته.\nكذا قال أحمد بن حنبل والحُميدي (٣) شيخ البخاري (٤)، والصَّيْرَفي الفقيه\n_________\n(١) حكاه عن الشافعي أبو بكر الخطيب في الكفاية (ص ١٢٠).\n(٢) ينظر الثقات (٦/ ١٤٠ - ١٤١)، والمجروحين (١/ ٨١).\n(٣) الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيدي الحافظ صاحب المسند المتوفى قي سنة ٢١٩ هـ. ينظر تهذيب الكمال (١٤/ ٥١٢).\n(٤) أخرج هذا القول عنهما الخطيب في الكفاية (ص ١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":109},{"text":"الشافعي (١)، وأطلق الصيرفي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة يُظهرها، ومن ضعَّفنَا نقله لم نجعله قويًا بعد ذلك.\nقال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الثاني عشر: إذا روى ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا وروجع </span>(٣) المروي عنه فنفاه، فإن كان جازمًا بنفيه بأن قال: ما رَويته، أو كُذِبَ عليَّ، أو نحو ذلك وجب ردّ ذلك الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي رواياته.\nوإن قال: لا أعرفه ولا أذكره أو نحوه، لم يقدح ذلك في هذا الحديث أيضًا على المختار.\nومن روى حديثًا ثم نسيه، لم يسقط العمل به عند جهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين.\nوقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀: يجب إسقاطه وبنوا عليه ردَّهم حديث \"إِذَا نُكِحَتِ المَرأَةُ بِغَيرِ إِذنِ وَليِّها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ\" (٤).\n_________\n(١) هو الإمام الجليل الأصولي محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي توفي سنة ٣٣٠ هـ ينظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٨٦).\n(٢) ذكر السيوطي في التدريب (١/ ٥٥٤) أن قول الصيرفي هذا في كتاب شرح الرسالة للصيرفي ولم أقف عليه وهو مذكور ضمن مصنفاته ينظر طبقات الشافعية (٣/ ١٨٦).\n(٣) في المطبوعة ورجع والمثبت من (ز)، (د).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠٢).","vol":"1","page":110},{"text":"وحديث أبي هريرة: في \"القضاء بالشاهد واليمين\" (١).\nوالصحيح قول الجمهور؛ لأن المروي عنه بصدد النسيان، والراوي عنه ثقة جازم فلا تُرد روايته بالاحتمال.\nوقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها، فحدثوا بها عمن سمعها منهم فيقول أحدهم: حدثني فلان عنِّي، أني حدثته.\nوجمع الخطيب ذلك في كتابه المعروف (٢).\nولهذا كَرِه الشافعي وغيره من العلماء الرواية عن الأحياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثالث عشر: اختلفوا فيمن أخذ على التحديث أجرًا</span>.\nفقال قوم: لا يقبل روايته، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهَوَيه وأبي حاتم الرازي؛ لأن ذلك يَخرِمُ المروءة عُرفًا ويُتَطرَّق إليه تهمة.\nورخص في ذلك أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن وعلي بن عبد العزيز المكي وآخرون قياسًا على أجرة تعليم القرآن (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٦١٢) وابن ماجه (٢٤٥٨) وينظر علل ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٣).\n(٢) يقصد جزء (من حدث ونسي)، ذكره الذهبي ضمن مصنفات الخطيب في ترجمته من السير (١٨/ ٢٩٠) ولم أقف عليه وقد لخصه الحافظ السيوطي في كتابه (تذكرة المؤتسي في من حدث ونسي) وهو مطبوع.\n(٣) أخرج هذه الأقوال الخطيب في الكفاية (ص ١٥٣ - ١٥٧).","vol":"1","page":111},{"text":"وكان أبو الحسين بن النقور (١) يأخذ الأجرة على الحديث لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجوازها، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه الكسب لعياله (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الرابع عشر: أعرض الناس في هذه الأعصار </span>عن مجموع الشرائط المذكورة واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مستورًا، ومِن ضبطه بوجود سماعه مُثبتًا بخط مُوثَقٍ به، وروايته من أصل موافق لأصل شيخه.\nواحتج البيهقي لذلك بأن الحديث الصحيح وغيره قد جُمِعَ في كتب أئمة الحديث، فلا يذهب شيء منه عن جميعهم، وإن جاز ذلك في بعض (٣).\nأقول: إن البخاري جمع في كتابه الأحاديث الصحيحة ولم يَستوعبها فذكر بعده مسلمٌ ما صحَّ عنده وزاد عليه، ثم بعده أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه، ذكروا من الصحيح والضعيف ما ذهب عنهما.\nوذلك أن أئمة الحديث محفوظون أن يذهب شيء من الاحتياط عن جميعهم لضمان صاحب الشَّريعة حِفظها.\nوالقصد بالسَّماع بقاء سلسلة السَّند المخصوص بهذه الأمة حرسها الله تعالى.\n_________\n(١) الشيخ الجليل مسند العراق، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور البغدادي، البزاز، توفي سنة ٤٧٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٧٢).\n(٢) أخرجه ابن الصلاح في المقدمة (ص ٣٠٥).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٠٧).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الباب الثالث\nفي تَحمُّلِ الحديثِ وطُرُقِ نَقِلِه وضَبطِهِ ورِوَايَتِهِ</span>\nوفيه ثلاثة فصول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الفصل الأول\nفي أَهليَّةِ التَّحَمُّلِ</span>\nيصح التَّحمل قبل الإسلام وقبل البُلوغ، ومنع الثاني قومٌ وأخطئوا لاتفاق الناس على قبول رواية الحسن والحُسين وابن عبَّاس وابن الزُّبير والنُّعمان بن بَشير، وغيرِهم، ولم يزل الناس يُسمِعون الصِّبيان.\nواختُلِف في الزمن الذي يصح فيه سماع الصبي.\nفقال القاضي عِيَاض (١): حدَّدَ أهل الصنعة في ذلك خمس سنين وهو سن محمود بن الربيع (٢)، الذي ترجم البخاري فيه \"باب متى يصح سماع الصغير\" وقيل كان ابن أربع سنين، وهذا الذي استقر عليه عمل المتأخرين يكتبون لابن خمس، سمع ولمن دونه، حَضرَ أو أُحضر.\nوقيل الصواب أن يُعتبر كل صغير بحاله، فمتى كان فَهِمًا للخطاب وردَّ\n_________\n(١) الإلماع (ص ٦٢).\n(٢) أدرك النبي - ﷺ - وهو ابن خمس أو أربع سنين ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠١).","vol":"1","page":113},{"text":"الجواب صحَّحنا سماعه، وإن كان له دون خمس.\nونُقِل نحو ذلك عن أحمد بن حنبل وموسى الحمَّال (١).\nوإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه وإن كان ابن خمسين (٢).\nوقد نقل أنَّ صبيًّا ابن أربع سنين حُمِل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي (٣).\nوحاصله أن القاضي اعتبر تحديد السن وبعضهم اعتبر الحالة، وهو الصحيح فلا يُردّ حديث محمود إشكالًا على القول الصحيح؛ لأنه يدل على إثبات سماع من هو مثله في السن والذكاء ولا يدل على نفي سماع من كان دونه في العمر وله ذكاء وفطنة.\nقال أبو عبد الله الزبيري (٤): يُستحب كَتْب الحديث بعد عشرين سنة لأنها مجتمع العقل (٥).\nوقال موسى بن هارون (٦): أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل\n_________\n(١) هو موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان الحمال البغدادي البزاز الإمام الحجة المتوفى في سنة ٢٩٤ هـ وينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٢/ ١١٦) والنقلان أخرجهما الخطيب في الكفاية (ص ٦١، ٦٥).\n(٢) في المطبوعة خمس سنين والمثبت من (ز)، (د).\n(٣) ينظر الكفاية (ص ٦٤)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٥).\n(٤) هو الزبير بن أحمد بن سليمان الشافعي البصري توفي في سنة ٣١٧ هـ ينظر ترجمته في تاريخ بغداد (٩/ ٤٩٢) وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٧).\n(٥) ينظر الكفاية (ص ٥٥).\n(٦) المصدر السابق.","vol":"1","page":114},{"text":"الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين.\n\nوالصواب في هذه الأزمان:\nأن يُستكثر سماع الحديث بإسماع الصغير من أول زمان يصح فيه سماعه لأن الملحوظ الآن إبقاء سلسلة الإسناد فَحسْب.\nوأن يشتغل بكتب الحديث وتقييده من حين تأهله لذلك، ولا ينحصر التأهل في سن مخصوص، لاختلاف ذلك باختلاف الأشخاص.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>فرع</span>\nتجوز رواية الأكابر عن الأصاغر، فلا يُتوهم كون المرويّ عنه أكبر وأفضل لأنه الأغلب، وهو على أقسام:\nالأول: أن يكون الرَّاوي أكبر سِنًّا، وأقدم طبقة، كالزهري عن مالك وكالأزهري (١)، عن الخطيب.\nوالثاني: أن يكون أكبر قدرًا عن المرويِّ عنه بأن يكون حافظًا عالمًا والمروي عنه شيخًا راويًا، كمالك، عن عبد الله بن دينار.\nوالثالث: أن يروي العالم الشيخ عن صاحبه أو تلميذه، كعبد الغني (٢)، عن الصوري (٣)، وكالبرقاني (٤)، عن الخطيب.\nومنه رواية الصحابة عن التابعين، كالعبادلة وغيرهم عن كعب الأحبار.\n_________\n(١) هو المحدث الحجة المقرئ أبو القاسم عبيد الله بن أحمد المعروف بابن السَّوَادي توفي في سنة ٤٣٥ هـ وترجمته في تاريخ بغداد (١٢/ ١٢٠).\n(٢) هو عبد الغني بن سعيد أبو محمد الأزدي المصري محدث الديار المصرية، صاحب كتاب \" المؤتلف والمختلف \" توفي في سنة ٤٠٩ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٦٨).\n(٣) هو الإمام محمد بن علي الشَّامي السَّاحلي الصوري توفي سنة ٤٤١ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٢٧).\n(٤) هو الإمام العلامة الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني الخوارزمي ثم البغدادي توفي سنة ٤٢٥ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٦٤).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الثاني\nفي طُرُق تَحَمُّل الحَدِيث</span>\nوهي سبعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الطريق الأول: السَّماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءًا أم تحديثًا</span>، وسواء كان من حفظه أو من كتابه، وهذا أرفع الطرق عند الجماهير.\nقال الخطيب (١): أرفع العبارات في ذلك \"سمعت\" ثم \"حدثنا\" و\"حدثني\" فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه، وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له حدثنا.\nوروى عن الحسن أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة ويتأول أنه حدث أهل المدينة، وكان الحسن إذ ذاك بها إلا أنه لم يسمع منه شيئًا (٢).\nثم يتلو ذلك، أخبرنا وهو كثير في استعمال الحفاظ حتى أن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ مَن حدثهم إلا أخبرنا (٣).\nوذكر الخطيب (٤): كان عبد الرزاق يقول: أخبرنا فيما سمع حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقالا له: قل حدثنا.\n_________\n(١) الكفاية (ص ٢٨٤).\n(٢) ينظر المصدر السابق، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٦).\n(٣) ينظر الكفاية (ص ٢٨٤)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).\n(٤) الكفاية (ص ٢٨٦).","vol":"1","page":117},{"text":"وقال ابن الصلاح (١): هذا الاختلاف كله قبل أن يَشيع تخصيص أخبرنا بما قُرِئ على الشيخ.\nفحينئذ يكون فوق حدثنا.\nقال الخطيب (٢): ثم يتلو \"أخبرنا\" \"أنبأنا\" \"ونبأنا\"،وهو قليل في الاستعمال.\nقال القاضي ابن جماعة (٣): لا سيَّما بعد غلبته في الإجازة.\nقال ابن الصلاح (٤): \"حدثنا وأخبرنا\" أرفع من \"سمعت\" من جهة أخرى وهي أنه ليس في \"سمعت\" دلالة على أن الشيخ روى الحديث وخاطبه به وفي \"حدثنا وأخبرنا\" دلالة على أنه خاطبه به ورواه له.\n\nقال القاضي ابن جماعة (٥): وقد يُردّ هذا، بأن سمعت صريح في سماعه بخلاف أخبرنا لاستعماله في الإجازة عند بعضهم.\nأقول: يُردُّ هذا الردّ بأن مقصود الشَّيخ من قوله من جهة أخرى ليس ما عليه اصطلاح أهل الحديث، بل بحسب اللغة والعُرف ألا ترى إلى قوله (٦)\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).\n(٢) الكفاية (ص ٢٨٦).\n(٣) المنهل الروي (ص ٨٠).\n(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧).\n(٥) المنهل الروي (ص ٨٠).\n(٦) في مقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٧ - ٣١٨)، وأصل الكلام في الكفاية (ص ٢٨٧).","vol":"1","page":118},{"text":"كان أبو القاسم (١) مع ثقته وصلاحه عسِرًا في الرواية، وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به غيرَه فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا لأن قصدَه بالرواية غيرُه، وأما قال لنا فلان، أو ذكر لنا، فمن قبيل حدثنا لكنه بما سمع في المذاكرة في المجالس والمناظرة بين الخصمين أشبه وأليق من حدثنا.\nوأوضع (٢) العبارات: \"قال فلان\"، ولم يقل \"لي\" أو \"لنا\".\nومع ذلك فهو محمول على السَّماع إذا تحقق لقاؤه لا سيَّما ممن عُرِف أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه.\nوخصَّص الخطيب (٣) حَمْل ذلك على السماع بمن عُرف من عادته أنه لا يقول ذلك إلا فيما سمعه، والمحفوظ المعروف أنه ليس بشرط والله أعلم.\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ أبو القاسم، عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني الآبندوني توفي في سنة ٣٦٨ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٦١).\n(٢) في المطبوعة \" أوضح\" والمثبت من (ز)، ومقدمة ابن الصلاح (ص ٣١٨).\n(٣) في الكفاية (ص ٣١٨).","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الطريق الثاني: القراءة على الشيخ:</span>\nويُسمِّيها أكثر قدماء المحدِّثين عرْضًا؛ لأن القارئ يعرضه على الشيخ سواء قرأ هو أم غيره وهو يسمع، وسواء قرأ من كتاب أو من حفظ، وسواء كان الشيخ يحفظه أم لا، إذا كان يمسك أصله هو أو ثقة غيره وهي رواية صحيحة باتفاق، خلافًا لبعض من لا يعتد به (١).\nواختلفوا في أن القراءة على الشيخ مثل السَّماع من لفظه في المرتبة أو فوقه أو دونه.\nفنُقِل عن أبي حنيفة ومالك وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ، ويروى عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة أنهما سواء وهو مذهب مُعْظَم علماء الحجاز والكوفة والبخاري (٢).\nوالصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ وهو مذهب الجمهور من أهل المشرق (٣).\nأقول: لعل الوجه فيه، أن الشَّيخ حينئذٍ خليفة رسول الله - ﷺ - وسفيره إلى أمته، والأخذ منه كالأخذ منه صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n(١) ينظر محاسن الاصطلاح (ص ٣١٩).\n(٢) ينظر المحدث الفاصل (ص ٤٢٦)، الكفاية (٣٠٥ - ٣٠٩).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٠).","vol":"1","page":120},{"text":"فرع\nالأول: العبارة في الرواية بهذا الطريق على مراتب أحوطها أن يقول: قرأت على فلان، أو قُرئ عليه وأنا أسمع فأقر الشيخ به.\nويتلوه قول: حدثنا أو أخبرنا مقيّدًا بقيد قراءًة عليه ونحو ذلك.\nواختلفوا في جواز استعمال حدثنا وأخبرنا مُطلَقَيْن، فمنع ابن المبارك وأحمد بن حنبل والنسائي وغيرهم، وجوَّزها الزُّهري ومالك وسفيان بن عيينة وغيرهم (١)، وهو مذهب البخاري.\nوالمذهب الثالث: أنه يجوز إطلاق أخبرنا ولا يجوز إطلاق حدثنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه (٢)، ومسلم وجمهور أهل المشرق وهو الشائع الغالب الآن لأن فيه إشعار بالنطق والمشافهة بخلاف أخبرنا.\nومِن أحسن ما يُحكَي فيه أن أبا حاتم (٣) قرأ على بعض الشيوخ ممن سمِع من الفَرَبْري (٤) قراءًة عليه صحيح البخاري، وكان يقول له في كل حديث \"حدثكم الفَرَبْري\"، فلما فرغ من الكتاب، سمع الشيخ يذكر أنه\n_________\n(١) ينظر المحدث الفاصل (ص ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٢) ينظر الكفاية (ص ٢٩٦).\n(٣) أبو حاتم هذا هو محمد بن يعقوب الهروي، أحد رؤساء أهل الحديث بخراسان. ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٣).\n(٤) هو الإمام المحدث الثقة العالم، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، راوي \" الجامع الصحيح \" عن أبي عبد الله البخاري، توفي سنة ٣٢٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٠).","vol":"1","page":121},{"text":"إنما سمع الكتاب من الفَرَبْري قراءًة عليه، لا سماعًا منه، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله وقال له في جميعه \"أخبركم الفَرَبْري\" (١).\nالثاني: يستحب أن يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ \"حدثني\"، وفيما سمعه مع غيره \"حدثنا\"، وفيما قرأ عليه بنفسه \"أخبرني\" وفيما قُرِئَ عليه وهو يسمع \"أخبرنا\".\nورُوي نحوه عن ابن وهب، واختاره الحاكم، وحكاه عن أكثر مشايخه وأئمة عصره (٢).\nفإن شك فالمختار أنه يقول: حدثني أو أخبرني.\nونُقِل عن يحيى القطان ما يقتضي جواز حدثنا وأخبرنا، فإن قال لِمَا سمع وحده، حدثنا وأخبرنا، ولِما سَمِع في جماعة حدثني وأخبرني جاز (٣).\nالثالث: إذا قرأت على الشيخ وقلت أخبرك فلان، أو قلت أخبرنا فلان وهو مُصْغٍ فاهِم غير مُنكِرٍ ولا مُتَكَرِّهٍ، صحَّ السماع وجازت الرواية به، وإن لم ينطق الشيخ على الصحيح.\nوشرط بعض الشافعية كسُليم (٤)، وأبي إسحاق الشِّيرازي وابن الصبَّاغ وبعض الظاهرية نُطقه، وشرط بعض الظاهرية إقراره به عند تمام السماع.\n_________\n(١) ينظر تعليق البلقيني على هذه القصة، محا سن الاصطلاح (٣٢٣).\n(٢) أخرجه القاضي عياض في الإلماع (ص ١٢٦ - ١٢٧).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (٣٢٥).\n(٤) تقدمت ترجمته (ص ٧٩).","vol":"1","page":122},{"text":"قال ابن الصبَّاغ (١): وله أن يعمل به وأن يرويه قائلًا: قُرئ عليه وهو يسمع وليس له أن يقول حدثني (٢).\nوإذا كان أصل الشيخ حالة السماع في يَدِ مَوثُوقٍ به مُراعٍ لما يقرأ أهلٌ لذلك كان كإمساك الشيخ، سواءٌ كان الشيخ يحفظ ما يقرأ أم لا، هذا هو الصحيح.\nوقيل إن لم يحفظه الشيخ لم يصح السماع، وهو مردود لعمل المحدثين على خلافه، فإن كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق بدينه ومعرفته فأولى بالصحة، وإن لم يكن الأصل بيد موثوق به ولم يحفظه الشيخ لم يصح السماع (٣).\nالرابع: لا يجوز في الكُتُب المؤلفة إذا رُويت إبدال \"حدثنا\" \"بأخبرنا\" ولا عكسه ولا سمعت بأحدهما ولا عكسه، لاحتمال أن يكون من قال ذلك ممن لا يرى التسوية بينهما، وإن كان يرى ذلك فالإبدال عند التسوية مبنيٌّ على الخلاف المشهور في رواية الحديث، هل يجب أداء ألفاظه؟ أو يجوز نقل معناه فمن جَوَّز أداء المعنى من غير نقل اللفظ يُجَوِّز إبدال حدثنا بأخبرنا، وعكسه ومن لم يُجَوِّز لم يُجوز (٤) الإبدال وعلى هذا التفصيل ما\n_________\n(١) ابن الصباغ هو الإمام، العلامة، شيخ الشافعية، أبو نصر، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي، الفقيه توفي في سنة ٤٧٧ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٤).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٥).\n(٣) قوله لم يصح السماع سقطت من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٤) قوله لم يجوز سقطت من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).","vol":"1","page":123},{"text":"سمعه من لفظ الشيخ.\nالخامس: يُستحب للشيخ أن يُجيز للسامعين رواية جميع الكتاب الذي سمعوه وإن كتب لأحدهم خطه كتب: «سمعه منِّي وأجزت له روايته عني كما كان بعض الشيوخ يفعل».\nقال ابن عتَّاب الأندلسي (١): لا غِنَى في السماع عن الإجازة لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ أو يغلط الشيخ إن كان القارئ، ويغفل السامع فينجبر (٢) له ما فاته بالإجازة (٣).\nوإذا عظم مجلس المحدث، فبلَّغ عنه المُسْتَملِي فهل يجوز لمن سمع المُبَلِّغ دون المُمْلي أن يروي ذلك عن المُمْلي؟ ذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى جواز ذلك ومنع ذلك المحققون وهذا هو الصواب.\nالسادس: يصح ممن هو وراء حجاب، إذا عُرف صوته إن حدَّث بلفظه أو عُرف حضوره إن قرئ عليه، ويكفي في تعريف ذلك خبر ثقة، هذا هو الصواب، وقد كانوا يَسْمعون من عائشة ﵂ وغيرها من أزواج رسول الله - ﷺ - من وراء حجاب ويروونه عنهن اعتمادًا على الصَّوت واحتجوا بقوله - ﷺ -:\n_________\n(١) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب مفتي قرطبة توفي سنة ٤٦٢ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٢٨).\n(٢) في المطبوعة فيخبر والمثبت من (ز)، (د)، والإلماع.\n(٣) أخرجه القاضي عياض في الإلماع (ص ٩٢).","vol":"1","page":124},{"text":"«إن بِلالًا ينادي بِلَيلٍ فكُلوا واشربوا حتَّى يُنادي ابنُ أمِّ مَكْتُوم» (١).\nالسابع: إذا قال الشيخ بعد السماع لا ترو عنِّي أو رجعت عن إخبارك به أو نحو ذلك، ولم يُسنده إلى خطأ، أو شك أو نحوه، بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته، فذلك غير مُبطِل لسماعه، ولا مانع له من روايته عنه، [ولو خص بالسماع قومًا فسمع غيرهم بغير علمه جاز له أن يرويه عنه] (٢)، وعن النسائي ما يؤذن بالتَّحَرُّز (٣) منه.\nولو قال الشيخ: أُخبِركم ولا أُخبِر فلانًا لم يضره وجاز له روايته.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ٣٧).\n(٢) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز)، (د).\n(٣) في (ز) التجوز، والمثبت من (د)، ونسخة على (ز).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الطريق الثالث: الإجازة:</span>\nقال ابن فارس (١): الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث، يقال منه استجزت فلانًا فأجازني إذا سقاك ماء لماشيتك أو أرضك، فكذا طالب العلم يستجيز العالم علمه فيُجيزه له.\nفعلى هذا يجوز أن يُعدَّى الفعل بغير حرف جر ولا ذكر رواية ... فيقول: أجزت فلانًا مسموعاتي.\nوقيل الإجازة إذن، فَعَلىَ هذا يقول: أجزت له رواية مسموعاتي، وإذا قال أجزت له مسموعاتي فهو على حذف المضاف.\nوالإجازة أنواع:\nالأول: إجازة مُعَيَّنٍ لمعين.\nكأجزتك كتاب البخاري مثلًا، أو أجزت فلانًا جميع ما اشتمَلت عليه فَهرَستي، ونحو ذلك.\nفهذا على أنواع الإجازة المُجرَّدة عن مناولة كتاب والصحيح عند الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء، جواز الرواية بالإجازة مطلقًا، وادَّعى أبو الوليد الباجي (٢) الاتفاق عليه.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس \"مادة جوز\".\n(٢) هو الإمام العلامة سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، الأندلسي الباجي القرطبي، توفي في سنة ٤٧٤ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٣٥).","vol":"1","page":126},{"text":"وحكى الخلاف في العمل بها (١)، وغُلِّط فيما حكاه من الاتفاق لما منعه جماعة من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي وقطع به من أصحابه القاضيان حُسين (٢) والماوردي، ومن المحدثين إبراهيم الحربي وأبو الشيخ الأصفهاني.\nواحتج المُجِيز بأنها إخبار بمروياته جملةً، فصح كما لو أخبر به تفصيلًا وإخباره لا يفتقر إلى النطق صريحًا كالقراءة عليه.\nوقال بعض أهل الظاهر: هو كالمرسل، يجوز الرواية بها ولا يجوز العمل به وهو مردود عليهم.\nالثاني: إجازة مُعَيَّن في غَيْرِ مُعَيَّن، كقول الشيخ أجزتك مسموعاتي أو مروياتي، والجمهور على جواز الرواية بها ووجوب العمل.\nالثالث: إجازة العُموم.\nكقوله: أجزت للمسلمين أو لمن أدرك زماني وما أشبهه واختلفوا في هذه فجوزها الخطيب مطلقًا (٣).\nفإن قُيِّدت بوصف خاص فأولى بالجواز، وجوزها القاضي أبو الطيب لجميع المسلمين الموجودين عند الإجازة (٤).\n_________\n(١) ينظر الإلماع (ص ٨٩).\n(٢) هو القاضي أبو علي حسين بن محمد المروروذي نسبة إلى \"مرو الروذ\" توفي سنة ٤٦٢ هـ ينظر تهذيب الأسماء واللغات للنووي (١/ ١٦٤).\n(٣) الكفاية (ص ٣٢٥).\n(٤) حكاه عنه الخطيب، المصدر السابق.","vol":"1","page":127},{"text":"الرابع: إجازة المَعْدُوم.\nكقوله: أجزت لمن يُولَد لفلان، وفيها خلاف، فأجازه الخطيب وحكاه عن ابن الفرَّاء الحنبلي وابن عمروس المالكي لأنها إِذْن.\nوأبطلها القاضي أبو الطَّيب، وابن الصباغ وهو الصحيح لأنها في حكم الإخبار، ولا يصح إخبار معدوم (١).\nوقولهم: إنها إِذْن، وإن سلمناه فلا يصح أيضًا كما لا يصح الوكالة للمعدوم، أما لو عطفه على الموجود فقال: أجزت لفلان ولمن يُولد له أو أجزت لك ولعقبك ونسلك فقد جوَّزه ابن أبي داود (٢)، وهو أولى بالجواز من المعدوم المجرد عند من أجازه.\nوأجاز أبو حنيفة ومالك في الوقف القسمين، وأجاز الشافعي الثاني دون الأول.\nوالإجازة للطفل الذي لا يُمَيِّز صحيحة، قطع به القاضي أبو الطيب.\nقال الخطيب (٣): وعليه عَهِدْنَا شيوخنا يجيزون الأطفال الغُيَّب ولا يسألون عن أسنانهم وتميزهم ولأنها إباحة للرواية، والإباحة تصح للعاقل ولغير العاقل\n_________\n(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٠).\n(٢) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٣٢٥).\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":128},{"text":"الخامس: إجازة المُجَاز.\nكقول الشيخ: أجزت لك مُجازاتي، أو أَجزت لك ما أُجيز لي.\nوالصحيح الذي عليه العمل جوازُه وبه قطع الحفاظ الأعلام.\nوكان أبو الفتح (١) يروي بالإجازة وربما والَى بين إجازات ثلاث (٢).\nوينبغي لمن يَروي بها أن يتأمل كيفية إجازة شيخِ شيخِه لِئلاَّ يروي ما لم يندرج تحتها.\nفإذا كان صورة إجازة شيخِ شيخِه (أجزت له ما صح عنده من سماعي) فرأى شيئًا من سماع شيخ شيخه، فليس له أن يرويه عن شيخه عنه حتى يستبين أنه مما قد صح عند شيخه، كونه من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته، وهذه دقيقة حسنه، والله أعلم.\n\nفرعان:\nالأول: إنما يُستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالمًا بما يجيزه، والمجاز له من أهل العلم؛ لأنها توسُّع يحتاج إليه أهل العلم وشَرَطه بعضهم، وحُكى ذلك عن مالك.\nوقال ابن عبد البر (٣): الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر في الصناعة وفي\n_________\n(١) هو الإمام المحدث، مفيد الشام، شيخ الإسلام، أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الفقيه الشافعي، توفي في سنة ٤٩٠ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٣٦).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٣).\n(٣) جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٠).","vol":"1","page":129},{"text":"معيّن لا يشكل إسناده.\nالثاني: ينبغي للمُجيز بالكتابة أن يتلفظ بها، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صَحَّت، كما أن سكوته عند القراءة عليه إخبار وإن لم يتلفظ لكنها دون الملفوظ بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>الطريق الرابع: المُنَاوَلَة:</span>\nوهي نوعان:\nأحدهما: المقرونة بالإجازة.\nوهي أعلى أنواع الإجازة كما تقدم، ثم لها صورٌ.\nمنها: أن يَدفَع إليه أَصلَ سماعِه أو فرعًا مقابَلًا به، ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني، أو أجزت لك روايته ثم يبقيه في يديه تمليكًا أو إلى أن ينسخه.\nومنها: أن يناول الطالبُ الشيخَ سماعَه فيتأمله (١)، وهو عارف مُتيقظ ثم يناوله الطالب ويقول: هو حديثي أو سماعي أو روايتي فاروه عني، وسمَّي غيرُ واحدٍ من أئمة الحديث هذا عَرضًا، وقد تقدم أن القراءة على الشيخ تسمى عرضًا أيضًا، فليُسم هذا عرض مناولة، وذاك عرض القراءة.\nوهذه المناولة كالسَّماع في القوة عند الزهري وطائفة.\n_________\n(١) في المطبوعة فيقابله والمثبت من (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٤٦).","vol":"1","page":130},{"text":"وقال الثوري وجماعة: إنها منحطة عن السماع وهو الصحيح.\nوقال الحاكم (١): وعليه عَهِدْنَا أئِمَّتنا وإليه نذهب.\nومنها: أن يناوله الشيخ سماعه ويجيزه (٢)، ثم يمسكه الشيخ، وهو دون ما سبق فإذا وجد ذلك الأصل أو مقابَلًا به موثوقًا بموافقته، جاز له روايته، ولا يظهر في هذه كثير مزيَّة على الإجازة المجردة في معيَّن، وصرح بذلك جماعة من أهل الفقه والأصول، وأما شيوخ الحديث قديمًا وحديثًا، فيرون لها مزية معتبرة.\nومنها: أن يأتيه الطالب بنسخة ويقول هذه روايتك فناولنيه وأَجِزني روايته فيجيب إليه من غير نظرٍ وتحققٍ لروايته فهذا باطل، فإن وُثِق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده وصحَّت الإجازة كما يعتمد قراءته.\nولو قال له حدِّث عني بما فيه، إن كان روايتي، مع براءتي من الغلط، كان جائزًا حسنًا.\nالثاني: المجرَّدة عن الإجازة.\nوهو أن يناوله كتابًا ويقول هذا سماعي مقتصرًا عليه (٣)، فالصحيح أنه لا يجوز له الرواية بها، وبه قال الفقهاء وأهل الأصول وعابوا من جوَّزه من المحدثين.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٢٦٠).\n(٢) في المطبوعة \"وغيره\" والمثبت من (ز)، (د).\n(٣) أي: لا يقول له الشيخ اروه عني أو أجزت لك روايته عني أو نحو ذلك.","vol":"1","page":131},{"text":"فرع:\nجوَّز الزهري ومالك إطلاق حدثنا وأخبرنا في المناولة وهو لائق بمذهب من يجعل عرض المناولة المقرونة بالإجازة سَماعًا.\nوعن أبي نُعَيم الأصفهاني والمرزباني (١)، وغيرهما جوازه في الإجازة المجردة عن المناولة (٢).\nوالصحيح الذي عليه الجمهور وأهل التَّحرِّي، المنع من ذلك وتخصيص ذلك بعبارة تُشعِر بالإجازة؛ \"كحدثنا إجازةً\" أو \"مناولةً\" أو \"إذنًا\" أو \"ناولني\" وشبه ذلك.\nواصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق أنبأنا في الإجازة، واختاره قوم ومال إليه البيهقي (٣).\nوقال ابن حمدان (٤): كل قول البخاري قال لي فهو عرض أو مناولة.\n_________\n(١) المرزباني أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى الكاتب صاحب معجم الشعراء المتوفى سنة ٣٨٤ هـ ينظر ترجمته في إنباه الرواة (٣/ ١٨٠)، تاريخ بغداد (٤/ ٢٢٧).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥١ - ٣٥٢).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥٣).\n(٤) هو أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري النيسابوري الإمام المحدث الثقة مسنِد خراسان توفي في سنة ٣٧٦ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٥٦).","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الطريق الخامس: المكاتبة:</span>\nوهو أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو يأذن بِكَتْبِه (١) له وهي أيضًا ضربان:\nمقرونة بالإجازة: بأن يكتب إليه أجزت لك ما كتبته إليك أو لك أو كتب به إليك، ونحوه من العبارات، وهذه في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة.\nومجردة عنها: بأن يكتب إليه الشيخ قال حدثنا فلان، وقد منع الرواية بها قوم، وأجازها كثير من المتقدمين والمتأخرين، وهو الصحيح المشهور وذلك عندهم معدود في المسند الموصول، وفيها إشعار قوي بمعنى الإجازة، فهي وإن لم تقرن بالإجازة لفظًا، فقد تضمنت معنى، ويكفي في معرفته خط الكاتب، وشرط بعضهم البينة، وهو ضعيف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الطريق السادس: الإعلام:</span>\nوهو أن يُعلِم الشيخُ الطالبَ أن هذا الكتاب روايته أو سماعه مقتصرًا عليه غير قائل اروه أو شبهه، فجوَّز الرواية به كثيرٌ من أهل الحديث والفقه والأصول وأهل الظاهر؛ منهم ابن جريج وابن الصباغ حتى زاد بعض الظاهرية فقال: لو قال له الشيخ هذه روايتي لا تروها عني جاز له روايتها عنه كما تقدم في السماع.\n_________\n(١) قوله يأذن بكتبه، تصحفت في المطبوعة، بإذن يكتبه، والمثبت من (ز)، (د).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٥٤).","vol":"1","page":133},{"text":"والصحيح أنه لا يجوز الرواية لمجرد الإعلام، وبه قطع بعض الشافعية واختاره المحققون لأنه قد يكون الكتاب سماعه، ولا يأذن في روايته لخلل يعرفه، لكن يصح العمل به إذا صح سنده عنده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الطريق السابع: الوِجَادَة:</span>\nوهي مصدر وَجَدَ يَجِد، مولَّد غيرُ مسموعٍ عن العرب.\nومثالها: أن تقف على كتاب بخط شخص (١) فيه أحاديث يرويها ذلك الشخص ولم يسمعها منه هذا الواجد ولا له منه إجازة ولا نحوها فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه حدثنا فلان ويسوق باقي الإسناد والمتن أو يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان عن فلان ويذكر الباقين.\nهذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا، وهو من باب المُرسل غير أنه أخذ شَوْبًا من الاتصال بقوله وجدت بخط فلان، وربما دلَّس بعضهم فذكر الذي وجد بخطه، وقال فيه: عن فلان أو قال فلان وذلك تدليس قبيح إن أوهم سماعه منه، وجازف بعضهم فأطلق في هذا حدثنا وأخبرنا وأُنكِر هذا على فاعله.\nفرعان:\nالأول: إذا وجد حديثًا في تأليف شخص وليس بخطه فله أن يقول، ذكر فلان أو قال فلان: أخبرنا فلان.\n_________\n(١) في نسخة على (ز) شيخ.","vol":"1","page":134},{"text":"وهذا منقطع لم يأخذ شَوْبًا من الاتصال.\nهذا كله إذا وُثق بأنه خط المذكور أو كتابه.\nفإن لم يكن كذلك فليقل: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان، أو قرأت في كتاب: أخبرني فلان أنه بخط فلان أو في كتاب ظننت أنه بخط فلان.\nوإذا أراد أن ينقل من كتاب منسوب إلى مصنف، فلا يقل قال فلان كذا إلا إذا وثق بصحة النسخة، بأن قابلها هو أو ثقة بأصول متعددة، كما تقدم في النوع الأول.\nفإن لم يوجد ذلك ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان كذا أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه.\nوقد تسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تَحرٍّ وتثبت.\nفيطالع أحدهم كتابًا منسوبًا إلى مصنف وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلًا: قال فلان كذا.\nفإن كان المطالع عالمًا فَطِنًا لا يخفى عليه في الغالب الساقط والمحوَّل عن جهته؛ رَجوْنا أن يجوز له إطلاق اللفظ الجازم في هذا، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس.\nالثاني: العمل اعتمادًا على الوِجَادَة.\nنُقِل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم أنه لا يجوز.","vol":"1","page":135},{"text":"وعن الشافعي وطائفة من نُظَّار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين من الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة.\nوهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره؛ لأنه لو وقف العمل على الرواية، لا نَسدّ بابه لتعذر شرط الرواية.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الفصل الثالث\nفي كيفية رواية الحديث</span>\nوفيه أنواع:\nالأول: شدَّدَ (١) قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل آخرون فَفرَّطوا فقال بعض المشدِّدين لا حجة إلا فيما رواه من حفظه، روي ذلك عن أبي حنيفة ومالك والصيدلاني.\nوقال بعضهم: يجوز من كتابه إلا إذا خرج من يده.\nوقال بعض المتساهلين: يجوز الرواية من نسخ غير مقابلة بأصولهم فجعلهم الحاكم مجروحين (٢).\nوهذا كثير، وتعاطاه قوم من أكابر العلماء والصلحاء، والصواب ما عليه الجمهور وهو التوسط بين الإفراط والتفريط، فإذا قام في التحمل والضبط والمقابلة بما تقدم جازت الرواية منه، وكذا إن غاب عنه الكتاب إذا كان الغالب سلامته من التغيير ولا سيَّما إن كان ممن لا يخفى عليه تغييره غالبًا.\nالثاني: الضَّرير إذا لم يحفظ ما سمعه، فاستعان بثقة في ضبطه وحِفظ كتابه واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير\n_________\n(١) في المطبوعة شذ والمثبت من (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٠).\n(٢) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٠).","vol":"1","page":137},{"text":"صحَّت روايته، قال الخطيب (١): والبصير الأمي كالضرير.\nالثالث: لو وجد في كتابه خلاف حفظه، فإن حَفِظ منه رجع إليه، وإن حفظ من فم الشيخ اعتمد على حفظه، وإن لم يتشكَّل فحسن (٢) ... أن يذكرهما معًا فيقول: حفظي كذا وفي كتابي كذا.\nوإن خالفه فيه غيره قال: حفظي كذا، وقال فلان كذا.\nولو وجد سماعه في كتاب ولم يذكره، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز له روايته، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه وأبي يوسف ومحمد جوازها، وهو الصحيح بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يوثق به والكتاب مصون يغلب على الظن سلامته من التغيير، بحيث تسكن إليه نفسه، والله أعلم.\nالرابع: قال في شرح السنة: ذهب قوم إلى إتباع لفظ الحديث منهم ابن عُمر وهو قول القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة ومالك بن أنس وابن عينية وعبد الوارث ويزيد بن زريع ووهيب، وبه قال أحمد ويحيى وذهب جماعة إلى الرخصة في نقله بالمعنى منهم الحسن والشعبي والنخعي.\nقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد.\n_________\n(١) الكفاية (ص ٢٢٨).\n(٢) في نسخة على (ز)، \"إن لم يتشكك وحسن\"، وفي (د) \"وإن لم تشكك فحسن\"، والمثبت من (ز).","vol":"1","page":138},{"text":"وقال سفيان الثوري: إن قلت أنا حدثتكم كما سمعت فلا تصدقون فإنما هو المعنى.\nوقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعًا فقد هلك الناس.\nوقال ابن الصلاح: من ليس عالما بالألفاظ، ومقاصدها، ولا خبيرًا بما يخل بمعانيها، لا يجوز له الرواية بالمعنى بالإجماع، بل يتعين اللفظ الذي سمعه وإذا كان عالما بذلك فقد منعه قوم من أصحاب الحديث والفقه والأصول وقالوا لا يجوز إلا بلفظه (١).\nوقال قوم: لا يجوز في حديث النبي - ﷺ - ويجوز في غيره.\nوقال جمهور السلف والخلف من الطوائف يجوز في الجميع إذا قطع بأداء المعنى وهذا في غير المصنفات، أما المصنف فلا يجوز تغيير لفظه أصلًا، وإن كان بمعناه.\nأقول: قول من ذهب إلى التفصيل هو الصحيح، لأنه صلوات الله وسلامه عليه أفصح من نطق بالضاد وفي تراكيبه أسرار ودقائق لا يوقف عليها إلا بها كما هي، فإن لكل تركيب من التراكيب معنى بحسب الفصل والوصل والتقديم والتأخير.\nلو لم يُراع ذلك لذهب مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة، كالتخصيص والاهتمام وغيرهما، وكذا الألفاظ التي تُرى مشتركة أو مترادفة إذ لو وضع كل موضع الآخر لفات المعنى الذي قصد به.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٤).","vol":"1","page":139},{"text":"ومن ثم قال صلوات الله وسلامه عليه «نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وأدَّاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ». رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود (١)، وكفى بهذا الحديث لفظًا ومعنى، شاهدُ صدقٍ على ما نحن بصدده، فإنك إذا أقمت مقام كل لفظةٍ ما يُشاكِلها أو يُرادفها اختل المعنى وفسد.\nفإنك لو وضعت موضع نضَّر الله، رحم الله، أو غفر الله، وما شاكلهما أبعدت المَرمَى فإن من حَفِظ ما سَمِعه وأدَّاه من غير تغيير فإنه جعل المعنى غضًّا طريًّا، ومن بدَّل وغيَّر فقد جعله مُبتذلًا ذاويًا.\nوكذا لو أنبت امرءًا مناب العبد فات المعنى لأن العبودية الاستكانة والمُضيُّ لأمر الله ورسوله بلا امتناع ولا استنكاف من أداء ما سمع إلى مَن هو أعلم منه، وخُصَّت المقالة بالذِّكر من بين الكلام والخبر، لأن حقيقة المقالة هي المركبة من الحروف المُبرزة ليدُلَّ على وجوب أداء اللفظ المسموع.\nوإرداف وعاها حَفِظها مُشعر بمزيد التقرير، لأن الوعيَ إدامة الحفظ وعدم النسيان وفي رواية أخرى فأدَّاها كما سمعها، أُوثر أدَّاها على رواها وبلَّغها ونحوهما دلالة على أن تلك المقالة مستودعة عنده واجب أدائها إلى من هو أحق بها وأهلها، غير مُغيَّرة ولا مُتَصرَف فيها، وكذا تخصيص ذكر الفقه دون العلم للإيذان بأن الحامل غير عارٍ عن العلم، إذ الفقه علم بدقائق مستنبطة من الأقيسة والنصوص، ولو غَيَّر عالم لزم جهله، وكذا تكرير رُبَّ\n_________\n(١) الترمذي (٢٦٥٧) ولم أقف عليه عند أبي داود من حديث ابن مسعود إنما من حديث زيد بن ثابت (٣٦٦٢).","vol":"1","page":140},{"text":"وإناطة كلٍ بمعنًى يخصها فإن السامع أحد رجلين إما أن لا يكون فقيهًا فيجب عليه أن لا يغيره، لأنه غير عارف بالألفاظ المتشاكلة فيخطئ فيه أو يكون عارفًا بها لكنه غير بليغ فربما يضع أحد المترادفين موضع الآخر ولا يقف على رعاية المناسبات بين لفظ ولفظ، فإن المناسبة لها خواص ومعان لا يقف عليها إلا ذو دُربةٍ بأساليب النَّظْم كما قررناه في شرح التبيان في قسم الفصاحة.\nقال ابن الصلاح (١): وقد روينا أن بعض أصحاب الحديث رأي في المنام كأنه قد مر من شفته أو لسانه شيء فقيل له في ذلك فقال لفظةٌ من حديث رسول الله - ﷺ - غيَّرتُها برأيي فَفُعِل بي هذا.\nفرع\nإذا جوَّزنا الرواية بالمعنى فينبغي للمحدث أن يفرق بين \"مثله\" و\"نحوه\" فلا يحل له أن يقول مثله إلا بعد علمه أن الحديثين اتفقا لفظًا، ويحل له أن يقول نحوه إذا كان بمعناه، قاله أبو حاتم (٢).\nالخامس: ينبغي لمن روى حديثًا بالمعنى إذا اشتبه عليه اللفظ أن يُتبعه بلفظة \"أو كما قال\"، \"أو نحو هذا\" أو ما أشبه ذلك من الألفاظ، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس - ﵃ -.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤٠١).\n(٢) ذكره ابن الصلاح في المقدمة (ص ٤١٤) وعزاه للحاكم، ولم أجد من عزاه لأبي حاتم.","vol":"1","page":141},{"text":"قال الخطيب (١): والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوّفًا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر.\nقال ابن الصلاح (٢): وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرأه لفظة، فقرأها على وجه شك فيه، ثم قال \"أو كما قال\" فهذا حسن، وهو الصواب في مثله لأن \"أو كما قال\" يتضمن إجازة من الراوي وإذنًا للطالب في رِوَايَةِ صَوَابِهَا عنه إذا بَان.\nالسادس: اختلف في جواز اختصار الحديث الواحد ورواية بعضه، فمنهم من منعه مطلقًا بناءًا على منع الرواية بالمعنى، ومنهم من منعه مع تجويز الرواية بالمعنى إذا لم يكن قد رواه هو أو غيره على التَّمام، ومنهم من جوَّزه مطلقًا.\nقال مجاهد: انقُص من الحديث ما شئت ولا تزد فيه.\nوالصحيح التفصيل وأنه يجوز ذلك من العالم العارف إذا كان ما تركه غير مُتعلِّق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه فيجوز هذا، وإن لم يجز الرواية بالمعنى لأن المرويُّ والمتروك كخبرين منفصلين (٣) ولا فرق بين أن يكون قد رواه قبلُ على التَّمام، أو لم يروه. هذا\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٣٤).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) قوله كخبرين منفصلين في المطبوعة لخبرين متصلين! وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"1","page":142},{"text":"إذا كان رفيع المنزلة بحيث لا يُتَّهم [فأما من روى حديثا على التَّمام فخاف إن رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتَّهم] (١)، بزيادة أولًا أو نسيان ثانيًا لقلة ضبطه وغفلته، فلا يجوز له النقص، والله أعلم.\nوأما تقطيع المصنف الحديث في الأبواب للاحتجاج، فهو إلى الجواز أقرب ... وقد فعله مالك والبخاري، ومن لا يُحصَى من الأئمة.\nقال ابن الصلاح (٢): ولا يخلو من كراهة.\nقال الشيخ محي الدين (٣): وما أظنه يُوافَقُ عليه.\nأقول: أي لا يوافِقُهُ أحد في هذه الكراهة، لأنه قد استمر في جميع الاحتجاجات في العلوم، إيراد بعض الحديث احتجاجًا واستشهادًا، سواء كان مستقلًا أو لا، كاستشهاد النحويين وغيرهم.\nالسابع: لا يُروَي بقراءة لحَّان أو مُصحِّف، وطريق السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق، فإن وقع في الرواية لحن أو تحريف ... قال ابن سيرين وغيره (٤): يرويه كما سمعه.\nوالصواب تقريره في الأصل على حاله مع التضبيب (٥) عليه وبيان\n_________\n(١) ما بين معقوفين سقط من المطبوعة وأثبتناه من (ز).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (٣٩٩).\n(٣) التقريب مع التدريب (٢/ ٦٣).\n(٤) نقله عنه وعن غيره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٣٥١).\n(٥) التضبيب: هو أن يرسم صادًا ممدودة هكذا \"صـ\" فوق الكلمة الخطأ إشارة منه أنها هكذا رُويَت، قال السيوطي في ألفيته وهو يُعرِّف التَّضْبِيب:\nأَوْصَحَّ نَقْلًا وَهْوَ فِي الْمَعْنَى فَسَدْ ... ضَبِّبْ وَمَرِّضْ فَوْقَهُ صَادٌ تُمَدْ","vol":"1","page":143},{"text":"صوابه في الحاشية إذا كان التحريف في الكتاب.\nوأما في السماع فالأَولى أن يقرأه على الصواب ثم يقول: وفي روايتنا أو عند شيخنا أو في طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في الأصل ثم يذكر الصواب، وأحسن الإصلاح إصلاحه بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر، وإذا كان الإصلاح بزيادة شيء قد سقط، فإن لم يغاير معنى الأصل فعلى ما سبق، وإن كان الإصلاح بزيادة تشتمل على معنى مغاير لِما وقع في الأصل، تأكد فيه الحكم بأن يَذكرَ ما في الأصل مقرونًا بالتَّنبيه على ما سقط، ليسْلَم من مَعرَّة الخطأ، ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل.\nوإن علم أن بعض الرواة أسقطه وإنَّ مَن فوقه أتى به، ألحق الساقط في نفس الكتاب مع كلمة \"يعني\".\nمثاله: عن عروة، عن عمرة أنها قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُدني إلىَّ رأسه فأُرَجِّله». أسقط الراوي \"عن عائشة\" ولا بُدَّ من ذكرها لما علِمنا أن المحاملي كذلك رواه فإذا ألحقنا الساقط قلنا: عن عمرة يعني عن عائشة أنها قالت (١).\nهذا إن علم أن شيخه رواه على الخطأ فإن رآه في كتابه وغلب على ظنه أنه من كتابه لا من شيخه اتجه إصلاحه في كتابه وروايته أيضًا، كما لو اندرس من كتابه بعض الإسناد أو المتن، فإنه يجوز إصلاحه من كتاب غيره إذا عرف صحته ووثق به.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في الكفاية (ص ٢٥٢) من طريق المحاملي به.","vol":"1","page":144},{"text":"كذا قاله أهل التحقيق، ومنعه بعضهم وهذا الحكم في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتابِ غيرهِ أو حفظه، وإذا وجد كلمة من غريب العربية أو غيرها وهي غير مضبوطة وأشكلت عليه، جاز أن يسأل عنها أهل العلم بها ويرويها على ما يخبرونه، رُوي ذلك عن أحمد وإسحاق (١).\nفائدة:\nعن الأصمعي يقول: إنَّ أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النَّحو أن يَدْخل في قول النبي - ﷺ -: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار»؛ لأنه - ﷺ - لم يكن يَلحن فمهما رَوَيت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.\nالثامن: إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر، وبين روايتهما تفاوت في اللفظ، والمعنى واحد فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدِهما ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان.\nأو هذا لفظ فلان قال، أو قالا: أخبرنا فلان وما أشبه هذا من العبارات.\nولمسلم في صحيحه عبارة أخرى حسنة كقوله: حدثنا أبو بكر وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش وساق الحديث (٢)، فإعادته ذِكر أحدهما إشعار بأن اللفظ له، وأما إذا لم يخص بل خلط اللفظين فقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ قالا:\n_________\n(١) أخرجه الخطيب عنهما في الكفاية (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).\n(٢) صحيح مسلم (٦٧٣).","vol":"1","page":145},{"text":"أخبرنا فلان، فهو جائز على تجويز الرواية بالمعنى.\nوأما قول أبي داود في السنن (١): حدثنا مُسدَّد وأبو توبة - المعنى - قالا: حدثنا أبو الأحوص، مع أشباه له في كتابه فيحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فيكون اللفظ لهما جميعًا بالمعنى.\nوأما إذا جمع بين رواةٍ اتفقوا في المعنى، وليس ما أورده لفظ واحد منهم وسكت عن بيان ذلك، فقد عِيب بهذا البخاري وغيره، ولا بأس به على تجويز الرواية بالمعنى والله أعلم.\nالتاسع: جرت العادة بحذف \"قال\" ونحوه فيما بين رجال الإسناد خطًّا، ولا بُدّ من اللفظ به حال القراءة، وإذا كان في أثناء الإسناد قُرئ على فلان أخبرك فلان، أو فيه قُرئ على فلان حدثنا فلان، فينبغي للقارئ في الأول أن يقول قيل له أخبرك فلان، وفي الثاني قُرئ على فلان قال حدثنا فلان.\nوإذ تكررت كلمة \"قال\" كقوله في كتاب البخاري: حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي فإنهم يحذفون أحدهما في الخط وعلى القارئ أن يلفظ بهما.\nوسئل الشيخ في فتاواه (٢)، عن ترك القارئ \"قال\"؟ فقال: هذا خطأ من\n_________\n(١) السنن (٣٧٥).\n(٢) فتاوى ابن الصلاح (٤٥ - ٤٦).","vol":"1","page":146},{"text":"فاعله والأظهر أنه لا يبطل السماع به؛ لأن حذف القول جائز اختصارًا وقد جاء به القرآن العظيم، والله أعلم.\nالعاشر:\nقال ابن الصلاح: أنه لا يجوز تغيير قال\" النبي\" إلى قال \"رسول الله\" ولا عكسه، وإن جوَّزنا الرواية بالمعنى لاختلاف معناهما.\nوقال غيره: الصواب أنه يجوز؛ لأن معناهما هنا واحد وهو مذهب أحمد وحماد بن سلمة والخطيب (١).\nقال القاضي ابن جماعة (٢): ولو قيل يجوز تغيير النبي إلى الرسول، ولا يجوز عكسه، لَمَا بَعُد لأن في الرسول معنى زائدًا على النبي وهو الرسالة، فإنَّ كلَّ رسول نبي، وليس كلُّ نبي رسول.\nأقول: وفيه بحث، لما روى البخاري (٣) عن البرَاء بن عازِب أنه حين دعا \"ورسولك الذي أرسلت\" قال رسول الله - ﷺ -: لا، \"ونبيك الذي أرسلت\" لأنه أراد الجمع بين الوصفين النباوة والرسالة، كذا عن ابن الأثير.\nالحادي عشر: إذا كان في سماعه بعض الوهن فعليه بيانه حالة الرواية، ومنه ما إذا حدثه من حفظه في المذاكرة فيقول حدثنا مذاكرة.\nومنع جماعة التَّحمل عنهم حال المذاكرة.\n_________\n(١) الكفاية (٢٤٤).\n(٢) المنهل الروي (ص ١٠٤).\n(٣) البخاري (١/ ٧١).","vol":"1","page":147},{"text":"وإذا كان الحديث عن ثقة ومجروح، أو ثقتين فالأَوْلى أن يذكرهما لاحتمال انفراد أحدهما بشيء، فإن اقتصر على ثقة واحد في الصورتين، جاز لأن الظاهر اتفاقهما.\nالثاني عشر: إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فخلطه ورواه جملةً عنهما، وبيَّن أن بعضه من أحدهما وبعضه من الآخر جاز، كما فعله الزهري في حديث الإفك؛ فإنه رواه عن ابن المسيب وعروة وعبيد الله ... وعلقمة وقال: وكلٌ حدثني طائفةً من حديثها، قالوا: قالت عائشة وساق الحديث إلى آخره.\nثم ما من شيء من ذلك الحديث إلا وهو في الحكم كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإبهام، حتى لو كان أحدهما مجروحًا، لم يجز الاحتجاج بشيء منه، ما لم يبيِّن أنه من الثقة.\nولا يجوز أن يُسقط أحدَ الراويين، بل يجب ذكرهما مبيِّنًا أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، والله أعلم.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الباب الرابع\nفي أَسْمَاءِ الرِّجال وطَبَقَاتِ العُلَمَاءِ ومَا يَتَّصِلُ بِذَلِك</span>\nهذا فن مهم عظيم الفائدة يُعرف به المرسل والمتَّصل وفيه فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الأول\nفي معرفة الصحابة - ﵃ </span>-:\nوأجود ما صُنِّف فيها الاستيعاب لابن عبد البر (١)، لولا أنه ذكر فيما شجر بين الصحابة وما حكي عنهم على طريق الأخباريين، وقد جمع فيها ابن الأثير كتابًا حسنًا جامعًا وضبط وأجاد فيه (٢).\nوفي هذا النوع فروع:\nالأول: الصَّحابي عند المحدثين هو كل مسلم رأى رسول الله - ﷺ -.\nوعند بعض الأصوليين، من طالت مجالسته على طريق التَّتَبع والأخذ عنه وعند سعيد بن المسيَّب، هو من صَحِب النبي - ﷺ - سَنَةً أو غزا غزوةً، وهو ضعيف لما يقتضي أن لا يكون جريرٌ وأضرابه صحابيًا.\nوتعرف الصُّحبة بالتواتر والاستفاضة أو قول صحابي أو قوله إذا كان\n_________\n(١) مطبوع في أربع مجلدات بتحقيق الشيخ علي البجاوي ﵀.\n(٢) يقصد كتاب أسد الغابة وهو مطبوع أيضا في دار الشعب.","vol":"1","page":149},{"text":"عدلًا.\nالثاني: الصحابة كلهم عُدول سواء لابَسوا الفتن أم لا، بإجماع من يُعتد بهم.\nقال أبو زُرعة الرازي: قبض رسول الله - ﷺ - عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن سمع منه وروى عنه من أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع (١).\nواختلف في عدد طبقاتهم.\nوالنظر في ذلك إلى السبق بالإسلام والهجرة وشهود المشاهد الفاضلة مع النبي - ﷺ -.\nوجعلهم الحاكم اثني عشرة طبقة (٢)، وأفضلهم عند أهل السُّنة الخلفاء الأربع على الترتيب ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم أهل بيعة الرِّضوان وممن له مزية أهل العقبتين.\nالثالث: أولهم إسلامًا من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال - ﵃ -.\nالرابع: أكثرهم حديثًا أبو هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس وجابر، وأنس.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب بسنده إلى أبي زرعة في الجامع (٢/ ٢٩٣).\n(٢) كما في معرفة علو م الحديث له.","vol":"1","page":150},{"text":"وقال مسروق (١): انتهى علم الصحابة إلى عُمر، وعلي، وأُبَيّ، وزيد ... وأبي الدَّردَاء، وابن مسعود.\nوأكثرهم فُتيا: ابن عباس، ومنهم العبادلة: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير وابن عمرو بن العاص، وليس ابن مسعود منهم.\nقال البيهقي: لأنه مقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم وكذا سائر من يسمى عبد الله وهم نحو مائتين وعشرين (٢).\n_________\n(١) ينظر علل ابن المديني (ص ٤١).\n(٢) لم أقف عليه في كتب البيهقي وينظر المنهل الروي (ص ١١٣)، وتدريب الراوي (٢/ ٢٤٠).","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفصل الثاني\nفي معرفة التابعي:</span>\nوهو كل مسلم صَحِب صحابيًا، وقيل من لقيه وهو الأظهر.\nقال الحاكم (١): هم خمس عشرة طبقة.\nالأولى: من أدرك العشرة: قيس ابن أبي حازم وابن المسيب وغيرهما ... وغُلِّط في ابن المسيب فإنه ولد في خلافة عمر - ﵁ -، ولم يسمع من أكثر العشرة، وقيل لم يصح سماعه من غير سعد.\nوأما قيسٌ فسمعهم، وروى عنهم، ولم يشاركه في هذا رجل، وقيل لم يسمع عبد الرحمن.\nويليهم: الذين وُلدوا في حياة النبي - ﷺ - من أولاد الصحابة ومن التابعين المخضرمون، واحده مُخضرَم بفتح الراء، وهو الذي أدرك الجاهلية وزمن النبي - ﷺ -، ولم يره.\nوعدَّهم مسلم (٢) عشرين نفسًا وهم أكثر، وممن لم يذكره، أبو مسلم الخولاني والأحنف، ومن أكابر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيَّب والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٤٢).\n(٢) الطبقات للإمام مسلم (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).","vol":"1","page":152},{"text":"وأنشدنا الشيخ فخر الدين المالكي التِّلمساني:\nأَلاَ كُلُّ من لا يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ ... فَقِسْمَتُهُ ضِيْزَىَ عنِ الدِّينِ خَارِجَة\nفَخُذْهُمْ عُبَيدُ اللهِ عُروَةُ قَاسِمٌ ... سَعيِدٌ أبُو بَكرٍ سُلَيْمانُ خَارِجَة\nوجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بدل أبي سلمة.\nوجعل أبو الزناد بدلهما: أبا بكر بن عبد الرحمن.\nوعن أحمد بن حنبل قال (١): أفضل التابعين ابن المسيَّب، قيل: فعلقمة والأسود؟ فقال: هو وهما.\nوعنه: لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النَّهدي، وقيس.\nوعنه: أفضلهم قيس، وأبو عثمان، وعلقمة، ومسروق.\nوقال أبو عبد الله بن خفيف (٢): أهل المدينة يقولون أفضل التابعين ابن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أُوَيس، وأهل البصرة: الحسن.\nوقال ابن أبي داود (٣): سيدتا التابعيات حفصة بنت سيرين وعَمرة بنت عبد الرحمن وتليهما أم الدرداء.\nوقد عدَّ قوم طبقة في التابعين ولم يلقوا الصحابة، وطبقة هم الصحابة فليتفطن لذلك (٤).\n_________\n(١) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥١٦)، وتهذيب الكمال (١١/ ٧٣).\n(٢) أبو عبد الله محمد بن خفيف بن اسفكشار الضبي الفارسي الشيرازي، شيخ الصوفية المتوفى سنة ٣٧١ هـ ينظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٤٢).\n(٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥١٧).\n(٤) ينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥١٥ - ٥١٩).","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الفصل الثالث\nفي الأسماء والكُنَى والألقاب</span>\nوفيه أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>النوع الأول في الأسماء:</span>\nوهو أقسام:\nالأول: معرفة من ذُكر بأسماء مختلفة أو نُعوت متعدِّدة وهو فن عويصٌ تمسُّ الحاجة إليه لمعرفة التدليس مثاله:\n\"محمد بن السائب الكلبي\" هو: \"أبو النضر\" المروي عنه حديث تميم الداريِّ وعَديِّ بن بدَّاء، وهو \"حماد بن السائب\" المروي عنه ذكاة كل مَسْك دباغه، وهو \"أبو سعيد\" الذي يروي عنه عطية العَوْفي التفسير ويدلس به مُوهمًا أنه أبو سعيد الخدري.\nالثاني: معرفة الأسماء المفردة، وهو فن حسن.\nفمن الصحابي:\nأجمد: بالجيم.\nجُبَيْب: بالجيم على التصغير.\nشَكَل: بفتحتين والشين المعجمة.\nسَنْدر: فتح السين.","vol":"1","page":154},{"text":"شمعون: بالشين المعجمة والعين المهملة ويقال بالغين المعجمة.\nصُدَى: بضم الصاد المهملة مصغر.\nصُنابح: بضم الصاد والنون والباء الموحدة.\nقال ابن الصلاح (١): ومن قال فيه صنابحي فقد أخطأ.\nكَلَدة: بفتحهما.\nوابِصَة: بفتح الصاد المهملة.\nنُبَيشَة الخير: بالنون والشين المعجمة مصغرًا.\nهُبَيب: مصغرًا بالباء الموحدة.\nلُبَيُّ: باللام على وزن أُبَيّ.\nومن غير الصحابة:\nأوسط.\nوتَدُوم: بفتح المُثنَّاة من فوق وقيل من تحت وضم الدال.\nجِيلان: بكسر الجيم، أبو الجَلَد (٢): بفتحهما.\nالدُجَين: بالجيم مصغر.\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٦٤).\n(٢) في (ز) الخلدة والمثبت من مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٦٤)، تدريب الراوي (٢/ ٣٣١) وينظر الأسامي والكنى للإمام أحمد (ص ٧٧). وصنيع محقق المطبوعة في الترتيب يقتضي أنهما اثنان، وكذلك محقق تدريب الراوي، فلينتبه.","vol":"1","page":155},{"text":"زِر (١): بكسر الزاي.\nشُعَير: بالشين مصغرًا.\nوفِردان: بالفاء المكسورة.\nومُستمر.\nوعَزوان: بفتح العين المهملة وإسكان الزاي.\nنوفٌ البِكالي: بكسر الباء وتخفيف الكاف، وغلب على ألسنتهم الفتح والتشديد.\nضُرَيب وشُمَير: مصغران.\nهَمَذان: بَرِيدُ عمر بن الخطاب - ﵁ - بالذال المعجمة وفتح الميم، كالبلدة وقيل بالدال المهملة، وإسكان الميم كالقبيلة.\n\nالثالث: المؤتلف والمختلف\nوهو ما يتفق في الخط دون اللفظ، يجب للمحدث معرفته وإلا فيكثر خطأه وأكمل ما صُنِّف فيه الإكمال لابن ماكولا (٢)، وفيه إعواز.\nوما ضُبط قسمان:\nأحدهما: على العموم كسَلاَّم، كله مشدد إلا خمسة:\n_________\n(١) في المطبوعة (زِبَّ) والمثبت من (ز)، (د)، وهو زر بن حبيش التابعي الكبير، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٦٤).\n(٢) مطبوع في سبع مجلدات بتحقيق العلامة المعلمي اليماني ﵀.","vol":"1","page":156},{"text":"والد عبد الله بن سَلاَم الصحابي.\nمحمد بن سَلاَم شيخ البخاري.\nوسَلاَم بن محمد بن ناهض المقدسي.\nوسلاَم جد محمد بن عبد الوهَّاب بن سلاَم المُتكلِّم الجُبَّائي أبي علي المعتزلي.\nوسلاَم ابن أبي الحُقَيق.\nوعُمارة ليس فيهم بكسر العين، إلا أُبي بن عِمارة الصحابي، ومنهم من ضَمَّهُ، ومن عداه جمهورهم بالضم، وفيهم جماعة بالفتح وتشديد الميم.\nوالقسم الثاني: ما في الصحيحين، أو الموطأ على الخصوص:\n(يسار) كلهم بالمثناة ثم المهملة، إلا محمد بن بشار، فبالموحدة والمعجمة وفيهما يسار بن سلامة، وابن أبي سيَّار بتقديم السين، وغير ذلك.\n\nالرابع: المتفق والمفترق\nوهو متفق خطًا ولفظًا، وللخطيب فيه كتاب نفيس (١).\nوهو أقسام:\nالأول: اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم؛ كالخليل بن أحمد، ستة.\nالثاني: اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم؛ كأحمد بن جعفر بن\n_________\n(١) وهو مطبوع في ثلاث مجلدات.","vol":"1","page":157},{"text":"حمدان.\nالثالث: اتفقت الكنية والنسبة معًا؛ كأبي عمران الجوني (١).\nالخامس: المتشابهون في الاسم والنسب، المتمايزون بالتقديم والتأخير؛\nكيزيد بن الأسود الخزاعي الصحابي القرشي المخضرم، المشتهر بالصلاح وهو الذي استسقى به معاوية، والأسود بن يزيد النخعي التابعي الفاضل.\n\nالسادس: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم، هم أقسام:\nالأول: من نُسِب إلى أمه؛ كمُعاذ ومعوِّذ وعوذٍ بنو عفراء، هي أمهم وأبوهم حارث بن رفاعة الأنصاري.\nوبلال بن حَمَامة، وأبوه رَبَاح.\nالثاني: إلى جَدته؛ كيعلَى بن مُنية، وأبوه أُمية.\nالثالث: إلى جده؛ كأبي عبيدة بن الجراح - ﵁ -، هو عامر بن عبد الله بن الجراح.\nالرابع: إلى أجنبي لسبب؛ كالمقداد بن عمرو الكندي، يقال له ابن الأسود لأنه كان في حِجْرِ الأسود بن عبد يغوث فتبنَّاه.\n\nالسابع: النِّسَب التي على خلاف ظاهِرِها:\n_________\n(١) زاد هنا في المطبوعة \" الرابع: عكسه كصالح بن أبي صالح\" وهذا القسم ليس في (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٦١٧).","vol":"1","page":158},{"text":"أبو مسعود البدري، لم يشهدها (١) في قول الأكثر بل نزلها.\nوسليمان التيمي، نزل فيهم وليس منهم.\nالثامن: المُبهمات.\nصنف فيها عبد الغني، ثم الخطيب، ثم غيرهما.\nوهو أقسام:\nالأول أبهَمُها: رجل أو امرأة كحديث ابن عباس: أن رجلًا قال: يا رسول الله الحج كل عام؟ وهو الأقرع بن حابس، وحديث السائلة عن غسل الحيض، فقال - ﷺ -: خُذي فرصة، هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن.\nالثاني: الابن والبنت؛ كحديث أم عطية في غسل بنت النبي - ﷺ - بماء وسدر، وهي زينب ﵂.\nالثالث: العم والعمة؛ كرافع بن خَدِيج عن عمه، وهو ظهير بن رافع ... وزياد بن عِلاقَة عن عمه، وهو قطبة بن مالك.\nوعمة جابر التي بكت أباه يوم أحد، وهي فاطمة بنت عمرو، وقيل هند.\nالرابع: الزوج والزوجة: زوج سُبَيعة؛ سعد بن خَوَلَة، وزوج بَروع بفتح الباء، وعند المحدثين بالكسر؛ هلال بن مرة.\n_________\n(١) يعني لم يشهد غزوة بدر.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>النوع الثاني في الكُنَى</span>\nوهو أقسام:\nالأول: من سُمي بالكنية، ولا اسم له غيرها، وهم ضربان:\nأحدهما: من له كنية غير اسمه؛ كأبي بكر بن عبد الرحمن، أحد الفقهاء السبعة، اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن.\nوالثاني: لا كنية له غير الكنية التي هي اسمه؛ كأبي بلال، عن شريك ... وأبي حَصِين بفتح الحاء، عن أبي حاتم الرازي.\nالثاني: من عُرف بكنيته، ولم يُعرف، ألَهُ اسمٌ غيرها، أم لا؟ (١)\nكأبي أناس بالنون صحابي، وأبي مُوَيْهبة مولى رسول الله - ﷺ -.\nالثالث: من لُقِّب بكنية، وله اسم وكنية غيرها؛ كأبي تراب؛ علي بن أبي طالب وأبي الحسن - ﵁ -.\nالرابع: من له كنيتان أو أكثر؛ كابن جُرَيج: أبي الوليد وأبي خالد.\nومنصور الفَراوي: أبي بكر وأبي الفتح وأبي القاسم.\n_________\n(١) في المطبوعة (من عرف بكنية ولم يعرف له اسم أم)!، والمثبت من (ز)، (د)، وينظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٧٢).","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>النوع الثالث في الألقاب</span>\nهي كثيرة، ومن لا يعرفها، قد يظنها أسامي، فيجعل من ذُكر باسمه في موضع، ولَقَبٍ في موضع آخر، شخصين.\nوألَّفَ فيه جماعة، وما كَرِهَهُ المُلقَّب فلا يجوز، وما لا، فيجوز.\nكمعاوية الضَّال (١)، ضَلَّ في طريق مكة فلُقِّب ضَالًا.\nوعبد الله بن محمد بن الضَّعيف، كان ضعيفًا في جسمه.\nغُنْدَر: لَقَبُ جماعة كل منهم محمد بن جعفر، أولهم محمد بن جعفر (٢) صحاب شعبة.\n_________\n(١) معاوية بن عبد الكريم الضال ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٨/ ١٩٩).\n(٢) هو الإمام محمد بن جعفر الهذلي البصري ربيب شعبة ينظر ترجمته في تهذيب الكمال (٢٥/ ٥).","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الرابع\nفي أنواع شتَّى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>النوع الأول:\nفي معرفة الموالي:</span>\nأهم ذلك معرفة الموالي المنسوبين إلى القبائل مطلقًا.\nكفلان القرشي ويكون مولى لهم.\nثم منهم من يقال مولى فلان، ويراد مولى عَتاقة وهو الغالب.\nومنهم مولى الإسلام؛ كالبخاري الإمام مولى الجعفيين، لأن جَدَّه كان مجوسيًا فأسلم على يد اليمان الجُعفي.\nومنهم مولى الحلف؛ كمالك بن أنس الإمام ونفره، هم أَصبَحيون وحِميَرِيُّون صَليِبَةً، موالي لتيم قريش بالحِلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>النوع الثاني:\nفي معرفة مواطن الرواة:</span>\nوقد كانت العرب إنما تُنسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سُكنى القرى، انتسبوا إلى القُرى كالعجم، ثم من كان ناقلة من بلد إلى بلد وأراد الانتساب إليها، فليُبدأ بالأول، فنقول في الناقلة من مِصر إلى دِمَشق: المصري ثم الدِّمَشقي.","vol":"1","page":162},{"text":"ومن كان من أهل قرية بلدة، فيجوز أن ينسب إلى القرية وإلى البلدة وإلى الناحية وإلى الإقليم، فيقال في من هو من داريَّا: الدَّاراني والدِّمَشْقي والشامي.\nقال عبد الله بن المبارك وغيره: من أقام في بَلدة أربع سنين نُسِب إليها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>النوع الثالث: في التواريخ والوفيات:</span>\nوهو فن مهم به يُعرف اتصال الحديث وانقطاعه، وقد ادَّعى قوم الرواية عن قوم، فنُظِر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين.\n\nفروع:\nالأول: الصحيح في سِن سيِّد البشر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، ثلاث وستون سنة.\nقُبِض رسول الله - ﷺ - ضُحى الاثنين لاثني عشر خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته - ﷺ - إلى المدينة، ومنها التاريخ.\nوأبو بكر - ﵁ - في جمادى الأول سنة ثلاث عشرة.\nوعمر - ﵁ - في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.\nوعثمان - ﵁ - في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ابن اثنين وثمانين سنة وقيل ابن تسعين سنة وقيل غيره.\nوعلي - ﵁ - في شهر رمضان سنة أربعين، ابن ثلاث وستين، وقيل أربع\n_________\n(١) ينظر التقريب مع التدريب (٢/ ٥٢٤).","vol":"1","page":163},{"text":"وقيل خمس.\nوطلحة والزبير في جمادى الأول سنة ست وثلاثين.\nقال الحاكم (١): كانا ابني أربع وستين، وقيل غيره.\nوسعد بن أبي وَقَّاص سنة خمس وخمسين على الأصح، ابن ثلاث وسبعين.\nوسعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين، ابن ثلاث أو أربع وسبعين.\nوعبد الرحمن بن عوف سنة اثنين وثلاثين، ابن خمس وسبعين.\nوأبو عبيدة عامر سنة ثماني عشرة ابن ثمان وخمسين، وفي بعض هذا خلاف.\nالثاني: صحابيان عاشا ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وماتا بالمدينة سنة أربع وخمسين: حكيم بن حزام وحسَّان بن ثابت بن المنذر بن حزام.\nقال ابن إسحاق (٢): عاش حسان وآباؤه الثلاثة كل واحد منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف لغيرهم من العرب مثله، وقيل مات حسان سنة خمسين.\nالثالث: أصحاب المذاهب المتبوعة.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص ٢٠٣).\n(٢) لم أقف عليه في سيرة ابن إسحاق ولا في من نقل عنه، وينظر التقريب مع التدريب (٢/ ٤٧٩).","vol":"1","page":164},{"text":"سفيان الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة مولده سنة سبع وتسعين.\nمالك بن أنس، مات بالمدينة سنة تسع وسبعين ومائة، قيل ولد سنة ثلاث وتسعين، وقيل إحدى، وقيل أربع، وقيل سبع.\nأبو حنيفة النُّعمان بن ثابت، مات ببغداد سنة خمسين ومائة، وكان ابن سبعين.\nأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، مات بمصر، آخر رجب سنة أربع ومائتين، وولد سنة خمسين ومائة.\nأبو عبد الله أحمد بن حنبل، مات ببغداد في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وولد سنة أربع وستين ومائة.\nالرابع: أصحاب كتب الحديث المعتمدة.\nأبو عبد الله البخاري: ولد يوم الجمعة لثلاث عشر خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات بسمرقند ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين.\nومسلم: مات بنَيْسابور لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين ابن خمس وخمسين.\nوأبو داود السجستاني: مات بالبصرة في شوال سنة سبع وسبعين ومائتين.\nوأبو عيسى التِّرمذي مات بتِرْمِذ لثلاث عشرة مضت من رجب سنة","vol":"1","page":165},{"text":"تسع وسبعين ومائتين.\nوأبو عبد الرحمن النَّسائي: مات سنة ثلاث وثلاثمائة بمكة وقيل بالرملة.\nثم سبعة من الحفاظ بعدهم أحسنوا التصنيف وعظم النفع بتصانيفهم:\nأبو الحسن الدارقطني: مات ببغداد في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وولد فيها سنة ست وثلاثمائة.\nثم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، مات بها في صفر سنة خمس وأربعمائة وولد بها في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.\nثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد، حافظ مصر، ولد في ذي القعدة سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة، ومات بمصر في صفر سنة تسع وأربعمائة.\nثم أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني: ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ومات في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة بأصفهان.\nوبعدهم: أبو عمر بن عبد البر، حافظ المغرب، ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وتوفي بشاطبة في سنة ثلاث وستين وأربعمائة.\nثم أبو بكر البيهقي، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ومات بنيسابور في جمادى الأول سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.\nثم أبو بكر الخطيب البغدادي، ولد في جمادى الآخر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، ومات ببغداد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>خاتمة\nفي آداب الشيخ والطالب والكاتب</span>\nاعلم: أن علم الحديث علم شريف يُناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم ويُنافي مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة، لا من علوم الدنيا، فمن أراد التَّصدي لإسماع الحديث أو لاستماعه أو لإفادة شيء من علومه، أو لاستفادته فليقدم تصحيح النية وإخلاصها وليُطَهِّر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرياسة ورُعُوناتها وطلب مال، وغير ذلك مما لا يراد به وجه الله تعالى، وفيها فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل الأول:\nفي أدب الشيخ:</span>\nيستحب للمُتَصدي لإسماع الحديث أن يَبْلغ أربعين لأنها انتهاء الكهولة وفيه مجتمع الأشُد.\nنُبِّئ رسولُ اللهِ - ﷺ - وهو ابن أربعين.\nوقال ابن الصلاح (١): هذا محمول على من تصدى للتحديث بنفسه من غير براعة في العلم، والحق أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لنشره في أي سن كان، كمالك فإنه تصدى له، وله نيف وعشرون سنة،\n_________\n(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٤١٩).","vol":"1","page":167},{"text":"وقيل سبع عشرة.\nوالشافعي أُخِذَ عنه العلم وهو في سن الحداثة.\nوعمر بن عبد العزيز لم يبلغ الأربعين.\nوغيرهم ممن نشروا عُلومًا لا تحصى، ولم يبلغوا ذلك.\nومتى خُشي عليه الهرم والخرف والتخليط أمسك عن التحديث، ويختلف ذلك باختلاف الناس.\nفقد حَدَّث خلق بعد مجاوزة الثمانين لَمَّا ساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة كأنس ابن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفىَ من الصحابة.\nوكمالك، وابن عيينة، والليث، وابن الجعد.\nوحدَّث قوم بعد المائة كالحسن بن عرفة وأبي القاسم البغوي وغيرهما.\nوينبغي أن لا يُحَدِّث بحضرة من هو أولى منه، لِسنِّه أو علمه أو غير ذلك وقيل لا يحدث في بلد فيه من هو أولى منه، وإذا طُلِب منه ما يعلمه عند من هو أولى منه أرشد إليه لأن الدِّينَ النصيحة، ولا يمتنع من تحديث أحد لعدم صحة نيته، فإنه يُرجى له تصحيحها وليحرص على نشره وليبتغ جزيل أجره وإذا أراد حضور مجلس التحديث فليقتدِ بالإمام مالك - ﵁ -، فإنه إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرَّح لحيته وتَطيَّب وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدَّث وقال: أُحِبُّ أن أُعظِّم حديثَ رسول","vol":"1","page":168},{"text":"الله - ﷺ - وكان يكره أن يُحدِّث في الطريق أو هو قائم أو مستعجل، فإن رَفَع أحدٌ صوته في مجلسه زَجَره، ويستحب له أن يُقبِل على الحاضرين كلهم ولا يسرد الحديث سَرْدًا، يمنع السامع من إدراك بعضه وليفتح مجلسه بقراءة قارئ حسن الصوت، فإذا فرغ استنصت المستملي أهلَ المجلس ثم الشيخ يُبَسمِل ويدعو ويقول: الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال، والصلاة والسلام الأَتمَّان على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكُلَّما غفل عنه الغافلون، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسائر النبيين، وآل كلٍّ وسائرِ الصالحين، نهايةَ ما ينبغي أن يسأله السائلون.\nويستحب له الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد من السلف.\nولا بأس أن يذكره بما يُعرَفُ به من لقبٍ أو نسبةٍ، ولو إلى أُمٍّ أو صنعة أو وصفٍ في بدنه.\nوحَسَنٌ أن يجمع في إملائه جمعًا من شيوخه، مُقدِّمًا أفضلهم ويُملي عن كل شيخ حديثًا، ويختار ما علا سنده وقَصُر متنه، ويُنبِّه على ما فيه من علوٍ وفائدةٍ وضبط مشكل.\nويتجنب ما لا يحتمله عقول الحاضرين، أو يخاف عليهم الوهم في فَهمه ويستحب أن يتخذ مُستمليًا مُحصِّلًا مُتيقظًا، يُبلِّغ عنه إذا كثر الجمع ويستملي مُرتفعًا على مكانٍ، كالكرسي ونحوه، وإلا قائمًا.\nوعليه تبليغ لفظه على وجهه، ثم يختم إملاءه بشيء من الحكايات","vol":"1","page":169},{"text":"والنوادر والإنشادات في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق.\nوإذا قصر المحدث عن التخريج، أو اشتغل عنه، استعان ببعض الحفاظ في التخريج له، فإذا فرغ من الإملاء قابل ما أملاه.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الفصل الثاني\nفي أدب الطالب:</span>\nينبغي في طلبه أن يبتهل إلى الله تعالى في التوفيق والتيسير، ويأخذ نفسه بالآداب السَّنِيَّة والأخلاق المرضية، وقد تقدم الكلام في السِّن الذي يبتدئ فيه بسماع الحديث، وليغتنم مدة إمكانه، ويفرغ جهده في تحصيله، وليبدأ بسماع أرجح شيوخ بلده إسنادًا وعلمًا ودينًا وشهرة، فإذا فرغ من مهمات بلده، رحل في الطلب، فإن الرحلة من عادة الحفاظ المبرَّزين، ولا يحمله الشره في الطلب على التساهل في السماع والتحمل، فيخل بشيء من شروطه، وليعمل بما يمكنه العمل به مما يسمعه من الحديث في أنواع العبادات والآداب؛ فذلك زكاة الحديث كما قال بشر الحافي: يا أصحاب الحديث! أدُّوا زكاة هذا الحديث؛ اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث، وهو سبب حفظه.\nوليُعَظِّم شيخه وكل من يسمع منه؛ فإن ذلك من إجلال العلم، وليَتَحرَّ رضاه ولا يُطيل عليه، بحيث يضجره، فربما كان ذلك سبب حرمانه.\nوعن الزهري قال (١): إذا طال المجلس، كان للشيطان فيه نصيب.\nوليستشر شيخه في أموره، وكيفية ما يعتمده من أشغاله، وما يشتغل فيه وإذا فاز بفائدة؛ أرشد غيره من الطلبة إليها، فإنَّ كتمان ذلك لومٌ يُخاف\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في الجامع (٢/ ١٢٨)، بسنده إلى الزهري.","vol":"1","page":171},{"text":"على فاعله عدم النفع، فإن بركة الحديث أفادته، وبنشره ينمو.\nولا يمنعه الحياء والكِبر من السَّعي في التحصيل، وأَخْذِ العلم ممن دونه في سنٍّ أو نَسبٍ أو منزلةٍ، وليصبر على جفاء شيخه، وليتعنّ بالمهم، ولا يضيع زمانه في الإكثار من الشيوخ بمجرد الكثرة.\nوليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكماله، ولا ينتخب منه لغير ضرورة، فإن احتاج إليه تولاَّه بنفسه، فإن قصر عنه، استعان بحافظ.\nولا يقتصر على مجرد سماعه وكَتْبه دون معرفته وفَهمه، بل يتعرف صحته وضعفه ومعانيه وفقهه وإعرابه ولغته وأسماء رجاله، ويحقق كل ذلك ... ويعتني بإتقان مشكله حفظًا وكتابة.\nويقدم في ذلك كله الصحيحين، ثم بقية كتب الأئمة، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ثم كتاب السنن الكبير للبيهقي؛ فإنَّا لا نعلم مثله في بابه، ثم من المسانيد؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، وغيره ثم من كتب العِلَل؛ كتابه (١)، وكتاب الدارقطني.\nومن التواريخ؛ تاريخ البخاري، وابن أبي خيثمة.\nومن كتب الجرح والتعديل؛ كتاب ابن أبي حاتم.\nومن مشكل الأسماء؛ كتاب ابن ماكولا.\nويعتني بكتب غريب الحديث وشروحه، كلما مر به مشكل بحث عنه\n_________\n(١) يعني كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد.","vol":"1","page":172},{"text":"وأتقنه ثم حفظه وكتبه.\nويتحفظ الحديث قليلًا قليلًا، ويشتغل بالتَّخريج والتصنيف، إذا تأهل له مُعتنيًا بشرحه وبيان مشكله وإتقانه، فقلَّ ما تَمَهَّر في علم الحديث من لم يفعله.\nولعلماء الحديث في تصنيفه طريقان:\nأجودهما: على الأبواب؛ كما فعله البخاري ومسلم، فيذكر في كل باب ما عنده فيه.\nالثاني: على المسانيد؛ فيجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه صحيحه وضعيفه، وعلى هذه الطريقة يرتب على الحروف أو على القبائل فيقدم بنو هاشم، ثم الأقرب، فالأقرب، وقد يرتب بالسابقة، فيقدم العشرة ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم من هاجر بينها وبين الفتح، ثم أصاغر الصحابة ثم النساء، يبدأ بأمهات المؤمنين.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل الثالث\nفي أدب الكاتب:</span>\nاختلف السلف في كتابة الحديث، فكرهها طائفة وأباحها أخرى.\nثم أجمع أتباع التابعين على جوازه، فقيل أول من صنَّف فيها ابن جُرَيج وقيل مالك، وقيل الربيع بن صُبيح، ثم انتشر تدوينه وجمعه، وظهرت فوائد ذلك ونفعه.\nوعلى كَاتِبهِ صرف الهمة إلى ضبطه، وتحقيقه شَكلًا ونَقطًا، بحيث يُؤمَن اللبس معه، ولا يشتغل بتقييد الواضح، ثم قيل يشكل الجميع لأجل المبتدئ وغير المتبحر، ويكون اعتناؤه بضبط الملتبس من أسماء الرجال أكثر، لأنه نَقْلي مَحض، ويُستحب ضبط المُشكِل في المتن وبيانه في الحاشية، لأنه أبلغ ويحقق حروف الخطِّ ولا يعلقه تعليقًا، ولا يُدققه لتخفيف حمله في السفر فإن الخط علامة، فأحسنه أبينه.\nقال بعضهم: أكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه، أي وقت الكبر وضعف البصر.\nولا يصطلح مع نفسه برمز لا يعرفه الناس، إلا أن يبين مراده في أول الكتاب ليعرفه من يقف عليه، ويعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها فيجعل كتابه على رواية، ثم ما كان في غيرها من زيادة ألحقها في الحاشية أو نقص أَعلَم عليه، أو خلاف نبَّه عليه، ويُسمي روايةً مبينًا.","vol":"1","page":174},{"text":"فروع:\nالأول: يجعل بين كل حديثين دارةً، واستحب الخطيبُ (١) أن يكون غَفْلًا أي بلا علامة فإذا قابل، نَقَطَ وسطها.\nولا يكتب المضاف في آخِر سطر والمضاف إليه في أول الآَخر، وإذا كتب اسم الله تعالى، اتبعه بالتعظيم، كعز وجل ونحوه، ويحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله - ﷺ - كلَّما كتبه، ولا يسأم من تكراره ... وإن لم يكن في الأصل، ومن أغفل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا، ويصلي بلسانه على النبي - ﷺ - كلما كتبه أيضًا، وكذلك التَّرضِّي والترحم على الصحابة والعلماء ويكره الاقتصار على الصلاة دون التسليم وبالعكس.\nروى ابن الصلاح عن حمزة الكِناني (٢): قال كنت أكتب الحديث وأكتفي بالصلاة على رسول الله - ﷺ -، فرأيت النبي - ﷺ - في المنام، فقال لي مالك لا تُتِم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك الصلاة إلا مع التسليم.\nويكره الرمز بالصلاة، والترضي في الكتابة، بل يكتب ذلك بكماله.\nوعليه مقابلة كتابه بأصل شيخه، وإن كان إجازة، ويكفي مقابلة ثقة ... ولو بفرع قُوبِل بأصل الشيخ، فإن لم يُقابَل به وكان الناقل صحيح النقل قليل السقط ونقل من الأصل، فقد جوَّز الرواية منه الأستاذ أبو إسحاق والخطيب (٣)، وغيرهما.\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٧٣).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(٣) الكفاية (ص ٢٣٩).","vol":"1","page":175},{"text":"وإذا خرج الساقط وهو اللَّحَق بفتح اللام والحاء، فَلْيَخُط من موضع سقوطه في السطر خطًّا صاعدًا قليلًا معطوفًا بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة اللحق، ثم يكتب اللحق قبالة العطفةِ في الحاشية، وجهة اليمين إن اتَّسعت أَولَى، إلا أن يسقط في آخر السطر، وليكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقة، ثم إن زاد اللحق على سطر، ابتدأ سطوره من جهة طرف الورقة إن كان في عين الورقة، بحيث ينتهي سطوره إلى أسطر الكتاب، وإن كان في الشِّمال ابتدأ بالأسطر من جهة أسطر الكتاب، ثم يكتب في انتهاء اللحق \"صح\" ولا بأس بكتابة الفوائد المهمة على حواشي كتاب يملكه، لا بين الأسطر.\nالثاني: التصحيح والتمريض والتضبيب، من شأن المتقنين، فالتصحيح كتابة \"صح\" فيما عرضة الشك أو الخلاف، ليدل على صحته روايةً ومعنًى.\nوالتَّضْبِيبُ، وقد يسمى التمريض: أن يمُد خطًّا أوَّله كرأس الضاد، على ثابتٍ نقلًا فاسد لفظًا أو معنى، أو على ضعيف أو ناقص.\nومن الناقص موضع الإرسال أو الانقطاع، وربما اقتصر بعضهم على الصاد المجردة في علامة التصحيح فأشبهت الضبة، وإذا وقع في الكتاب خطأ وحققه، كتب عليه \"كذا\" صغيرة، وكتب في الحاشية صوابه كذا إن تحققه وإن وقع فيه ما ليس منه، نُفِي بالضرب أو الحكِّ.\nوإذا ضرب، يَخُطّ فوقه خطًّا بيِّنًا مُختَلِطًا به، ويتركه ممكن القراءة، فإن كان الضرب على مكرر، فقيل على الثاني، وقيل يُبقى أحسنهما","vol":"1","page":176},{"text":"وأبينهما صورة.\nوفصَّل القاضي عِياض ﵀ فقال (١): إن كان المتكرران في أول السطر ضرب على الثاني، وإن كان في آخره، ضرب على أولهما، صيانة لأوائل الأسطر وأواخرها، فإن كان أحدهما في أول سطر والآخَر آخِره، ضرب على ما في آخِره لأن أول السطر أولى بالمراعاة.\nوأما الحك والكشط، فكرهما أهل العلم للتهمة.\nوالثالث: غلب على كَتَبَةِ الحديث، الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون مِن حدثنا: (ثنا) أو (نا) أو (دنا).\nومن أخبرنا (أنا) أو (بنا) أو (رنا).\nوإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد مُسمى \"حاء\" مفردة مهملة صورة (ح) لأن حاء اسم ومُسمَّاه (ح) كما أن الصاد اسم ومسماه (ص).\nقال ابن الصلاح (٢): ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتَمَد، بيان لأمرها، غير أني وجدت بخط جماعة من الحفاظ في مكانها بدلًا عنها \"صح\" صريحه وهذا يشعر بكونها رمز إلى صح، وحَسُن إثباته لِئَلاَّ يُتَوَهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولِئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول فيُجعَلا إسنادًا واحدًا.\nوعن بعض الأصبهانيين، أنها من التَّحَول من إسناد إلى إسناد، وقيل\n_________\n(١) الإلماع (ص ١٧٢).\n(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٨٥).","vol":"1","page":177},{"text":"من حائل، أي تَحُولُ بين الإسنادين، وليست من الحديث، فلا يُتَلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة.\nوقال بعض المتأخرين: هي إشارة إلى قولنا \"الحديث\".\nوحُكِى عن جميع أهل المغرب أنهم يقولون إذا وصلوا إليها في القراءة \"الحديث\".\nوقال بعض البغداديين: من العلماء من يقول إذا انتهى إليه في القراءة (حا) مقصورة ويَمرّ، هذا هو المختار الأحوط الأعدل، والله أعلم.\nالرابع:\nقال الخطيب (١): ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه وكنيته ونسبه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، ويكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب، كذا فعله الشيوخ.\nولا بأس بكتبه آخر الكتاب، وحيث لا يخفى منه، وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به معروف الخط، ولا بأس عند ذلك في أن لا يكتب المستمع خطه بالتصحيح، ولا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فقد فعله الثقات، وعلى كاتب السماع التحرِّي في ذلك، وبيان السامع والمستمع والمسموع، بلفظ بيِّن واضح، وعليه تجنب التساهل فيمن ثَبت اسمه، والحذر من\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":178},{"text":"إسقاط بعض السامعين لغرض فاسد، وإذا لم يحضر مُثبِت السَّماع مجلسًا، فله أن يعتمد في حضورهم خبر الشيخ أو خبر ثقة حضره، ومن أثبت سماع غيره في كتابه قَبُح منه كتمانه أو منعه نسخه أو نقل سماعه، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به وإن منعه الكتاب، فإن كان سماع المستعير قد أُثبِت في كتابه بخطه، لزمه إعارته إياه وإلا فلا يلزمه، لأن خطه يدل على رضاه.\nروى الخطيب (١) عن قاضٍ تُحُوكِمَ إليه في ذلك، قال للمدَّعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك يلزمك أن تعيره، وإن كان بغير خطك فأنت أعلم.\nهكذا قال الأئمة الأجلة، حفص بن غياث القاضي الحنفي، وإسماعيل القاضي المالكي، وأبو عبد الله الزبيري الشافعي.\nولا ينبغي لأحد أن يكتب السماع في كتاب لم يصحح تصحيحًا مرضيًا كيلا يغير بصحته، إلا أن يبين كون النسخة غير مقابلة، وإذا قابل كتابه أَعْلَمَ على مواضع وقُوِفِه وإن كان في السَّماع كتب:\nبلغ في المجلس الأول والثاني إلى آخرها.\nولنَخْتِم الخَاتِمِة بِخِتَام خَاتَم الأنبيَاءِ وسَيدِ المُرسَليِن - ﷺ -، وهو قوله - ﷺ -:\" يَحْمِلُ هذَا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه يَنْفُوُنَ عنهُ تَحرِيفَ الغَالِين وانتِحَالَ المُبطِلِين وَتَأويِلَ الجَاهِلِين\" (٢).\n_________\n(١) الجامع (ص ٢٤١).\n(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٧٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير (١٠/ ٢٠٩).","vol":"1","page":179},{"text":"رواه محيي السنة في المصابيح (١).\n\n\"مِن\" في الحديث كما في التنزيل:\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر﴾ (٢)\nجرد من الخلف الصالح، العدول النُقَّاب الثقات (٣)، وهم هم، تفخيمًا لأمرهم وتعظيمًا لشأنهم، وينفون استئناف كأنه قيل: لم خُص هؤلاء بهذه المَنْقَبة العَليَّة؟\nفأجيب لأنهم يَحمُون مَشَارِع الشَّريعة، ومتون الروايات، من تحريف الغالين، والأسانيد من الانتحال والقلب، وتولي الكاذبين، والمتشابه من تأويل الزائغين، بنقل النصوص المحكمة، لرد المتشابه إليها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.\n\nذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيِه مَنْ يَشَاء وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيم.\nتَمَّ المُختَصَر في عِلمِ الحَدِيثِ والحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ\nوصلَّى اللهُ علَى سَيِّدِنَا محمَّدٍ\nوآلهِ وصَحبِه وسَلَّم\nوَحَسْبُنَا اللهُ\nوَنِعمَ\nالوَكِيلْ\n_________\n(١) ينظر مشكاة المصابيح (٢٤٨).\n(٢) سورة آل عمران (١٠٤).\n(٣) قوله \"النقاب الثقات\" في المطبوعة \"الثقات الثقات\" والمثبت من آيا صوفيا، و(د).","vol":"1","page":180}]}