{"ً":{"ٌ":17862,"ٍ":"شرح كلمة الإخلاص لابن رجب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/barrak_202311/shklmkhlas.pdf|#2"]},"ّ":"الكتاب: شرح «رسالة كلمة الإخلاص، لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٣٦ - ٧٩٥ هـ)»\nالمؤلف: عبد الرحمن بن ناصر البراك\nاعتنى به: ياسر بن سعد بن بدر العسكر\nالناشر: مؤسسة وقف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك - السعودية\nالطبعة: الثانية، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الصفحات: ١٩٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":175,"ٕ":1,"ٖ":1770154076,"ٗ":27},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المعتني","level":1,"page":1},{"title":"عملي في الكتاب","level":2,"page":2},{"title":"وصف النسخ الخطية المعتمدة في تحقيق الرسالة","level":2,"page":2},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":5},{"title":"اسمه ونسبه وكنيته","level":3,"page":5},{"title":"مولده ونشأته","level":3,"page":5},{"title":"أبرز شيوخه","level":3,"page":6},{"title":"أبرز تلاميذه","level":3,"page":7},{"title":"عقيدته","level":3,"page":8},{"title":"مذهبه الفقهي","level":3,"page":9},{"title":"منزلته في الوعظ","level":3,"page":10},{"title":"ثناء العلماء عليه","level":3,"page":10},{"title":"مؤلفاته","level":3,"page":11},{"title":"في التفسير","level":4,"page":11},{"title":"في الحديث وعلومه","level":4,"page":12},{"title":"الفقه وقواعده","level":4,"page":12},{"title":"في التاريخ","level":4,"page":12},{"title":"وفاته","level":4,"page":13},{"title":"التعريف بالرسالة","level":2,"page":14},{"title":"اسم الرسالة","level":3,"page":14},{"title":"أصل الرسالة","level":3,"page":15},{"title":"موضوع الرسالة","level":3,"page":16},{"title":"ترجمة الشارح: الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله","level":2,"page":20},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":20},{"title":"ميلاده ونشأته","level":3,"page":20},{"title":"طلبه للعلم ومشايخه","level":3,"page":20},{"title":"الأعمال التي تولاها","level":3,"page":23},{"title":"جهوده في نشر العلم","level":3,"page":24},{"title":"طلابه","level":3,"page":24},{"title":"احتسابه","level":3,"page":25},{"title":"اهتمامه بأمور المسلمين","level":3,"page":25},{"title":"إنتاجه العلمي","level":3,"page":25},{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":27},{"title":"خطر مذهب الإرجاء وما يؤول إليه","level":1,"page":27},{"title":"مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين مذهب المكفرين بالذنوب ومذهب المستخفين بالذنوب","level":2,"page":32},{"title":"الأحاديث الواردة في فضل التوحيد وما يوجبه من دخول الجنة والنجاة من النار","level":1,"page":33},{"title":"الأحاديث التي أوردها المؤلف على أنواع","level":2,"page":36},{"title":"شروط «لا إله إلا الله»","level":2,"page":37},{"title":"الفهم المغلوط للمرجئة تجاه هذه الأحاديث، والأدلة على بطلان فهمهم","level":2,"page":39},{"title":"مسلك أهل الزيغ في النصوص المتشابهة","level":2,"page":41},{"title":"الأحاديث الواردة في فضل التوحيد","level":1,"page":44},{"title":"النوع الأول: الأحاديث الواردة في أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة","level":2,"page":44},{"title":"ما ورد من أن الزنا والسرقة مع التوحيد لا يمنعان من دخول الجنة","level":3,"page":44},{"title":"النوع الثاني: الأحاديث الواردة في أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار، ومذاهب أهل السنة في الجواب عن ذلك","level":2,"page":44},{"title":"المذهب الأول: أن هذه الأحاديث محمولة على الخلود في النار، أو على نار يخلد فيها أهلها، وتعليق الشارح عليه","level":1,"page":44},{"title":"نصوص الوعد ضل بها المرجئة وجهلة العصاة من أهل السنة","level":2,"page":45},{"title":"أحاديث الوعد بمغفرة الذنوب المرتب على الأعمال الصالحة هي محمولة عند أهل العلم على مغفرة الصغائر دون الكبائر","level":2,"page":47},{"title":"المذهب الثاني: أن هذه الأحاديث محمولة على أن شهادة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار، وتعليق الشارح عليه","level":1,"page":50},{"title":"السبب لا يتحقق مقتضاه إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه","level":2,"page":51},{"title":"ترجيح المؤلف والشارح للمذهب الثاني، ودليل رجحانه","level":2,"page":52},{"title":"قصة الحسن البصري مع الفرزدق الشاعر، وتعليق الشارح عليها","level":2,"page":52},{"title":"«لا إله إلا الله» مفتاح الجنة، ولكن لا بد للمفتاح من أسنان","level":2,"page":53},{"title":"قاعدة مهمة نافعة في أمور كثيرة","level":3,"page":54},{"title":"إذا تحققت شروط «لا إله إلا الله» في قلب العبد على الوجه الأكمل فإنها تمنعه من ترك الواجبات أو الإصرار على المحرمات","level":2,"page":55},{"title":"دخول الجنة مرتب على الإيمان والعمل الصالح","level":2,"page":56},{"title":"حديث بشير بن الخصاصية ﵁ وتعليق الشارح عليه","level":2,"page":59},{"title":"من دخل في الإسلام ولم يقبل بعض شرائعه فإنه لا يكون مسلما","level":2,"page":61},{"title":"اعتبار الأعمال في ثبوت حكم الإسلام","level":2,"page":62},{"title":"إذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل قد يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة","level":2,"page":63},{"title":"حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا» وتعليق الشارح عليه","level":2,"page":63},{"title":"قصة أبي بكر الصديق ﵁ في قتاله لمانعي الزكاة وما يستفاد منها","level":2,"page":64},{"title":"بطلان مذهب المرجئة في أنه لا يضر مع الإيمان ذنب","level":2,"page":65},{"title":"وسطية أهل السنة والجماعة بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة","level":2,"page":66},{"title":"المذهب الثالث: أن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض والحدود، واستبعاد المؤلف والشارح له","level":1,"page":67},{"title":"«النسخ» في عرف كثير من السلف يراد به البيان والإيضاح ٧١ و","level":2,"page":70},{"title":"المذهب الرابع: أن هذه الأحاديث المطلقة جاءت مقيدة في أحاديث أخر، فوجب حمل المطلق منها على المقيد","level":1,"page":73},{"title":"المذهب الخامس: أن هذه الأحاديث محمولة على من قال كلمة التوحيد نادما تائبا","level":1,"page":77},{"title":"ما ورد من إطلاق اسم «الكفر» أو «الشرك» على كثير من المعاصي، وأمثلة ذلك","level":2,"page":79},{"title":"اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، وأمثلة ذلك","level":2,"page":79},{"title":"ما ورد من إطلاق اسم «الإله» على الهوى المتبع، ودليل ذلك","level":2,"page":80},{"title":"بيان معنى «الإله»","level":2,"page":81},{"title":"«العبادة» تتضمن شيئين","level":2,"page":82},{"title":"الذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد ومنها ما يناقض كماله الواجب","level":2,"page":83},{"title":"اتباع الهوى مصدر للذنوب كلها","level":2,"page":85},{"title":"من لم يحقق عبودية الرحمن وقع في عبودية الشيطان","level":1,"page":87},{"title":"لا ينجو من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده","level":2,"page":88},{"title":"تفاضل العباد في إيمانهم وطاعتهم","level":2,"page":88},{"title":"اتباع الهوى أصل الشرك بنوعيه","level":2,"page":90},{"title":"طاعة الشيطان في معصية الله نوع عبادة له","level":2,"page":90},{"title":"أصل المشركين صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، وبيان أصل شركهم (ح)","level":2,"page":90},{"title":"اسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية، وبيان معناه عند الصوفية","level":2,"page":93},{"title":"مصطلح «المريد»، و«الفناء»، و«الاصطلام»، و«الجمعية» عند الصوفية، وبيان معانيها","level":2,"page":94},{"title":"قول أحد العارفين: «لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردا بفرد» وتعليق الشارح عليه","level":2,"page":95},{"title":"تعريف الجنيد ل «التوحيد»، وتعليق ابن القيم عليه","level":2,"page":95},{"title":"إطلاق «الفرد» على الله ﷿","level":2,"page":96},{"title":"تعليق الشارح على مسألة «الغشي والصعق» التي تحدث لبعض العباد","level":2,"page":97},{"title":"من تمام محبة الله: محبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه","level":2,"page":99},{"title":"محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته","level":2,"page":101},{"title":"كمال التوحيد يقتضي محبة ما يحبه الله، وبغض ما يبغضه الله؛ من الأعمال والأقوال والأشخاص","level":2,"page":102},{"title":"قرن الله بين محبته ومحبة رسوله كما قرن بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة","level":2,"page":103},{"title":"«آية المحنة» وسبب تسميتها بذلك","level":2,"page":104},{"title":"شيوخ الصوفية المتقدمون الغالب عليهم الخير","level":2,"page":104},{"title":"وجوب العدل في الحكم على الطوائف والجماعات والأفراد","level":2,"page":104},{"title":"من أغلاط الصوفية: مبالغتهم في تعظيم مقام المحبة، واستنقاصهم لمقام الرجاء والخوف","level":2,"page":105},{"title":"إذا تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب سبحانه","level":2,"page":106},{"title":"حال خواص المحبين الصادقين","level":2,"page":107},{"title":"من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادات النفس والهوى","level":2,"page":108},{"title":"قولهم: «القلب بيت الرب»، وبيان معناه","level":2,"page":109},{"title":"الأنبياء والصالحون وسائر المؤمنين متفاضلون فيما بينهم في المرتبة والمحبة","level":2,"page":111},{"title":"تعليق الشارح على قول المؤلف: «وصارت النفس حينئذ مطمئنة، ففنيت بإرادة مولاها عن مرادها وهواها» وانتقاده له","level":2,"page":112},{"title":"لا ينجو من عذاب الله يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم","level":2,"page":114},{"title":"القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات","level":2,"page":114},{"title":"«القلب السليم» ذكر في القرآن في موضعين","level":2,"page":115},{"title":"حقيقة «القلب السليم» هو: القلب السالم من المخالفات","level":2,"page":115},{"title":"أقسام القلوب","level":2,"page":116},{"title":"من أمراض القلوب التي تبعث عليها الشهوات: الرياء","level":2,"page":117},{"title":"الرياء أخوف ما يخاف منه على الصالحين","level":2,"page":117},{"title":"أحوال القلوب تشبه أحوال الأبدان","level":2,"page":118},{"title":"أول من تسعر بهم النار: العباد المراءون بأعمالهم","level":2,"page":119},{"title":"قول المؤلف: «ما نظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق» وتعليق الشارح عليه","level":2,"page":119},{"title":"مثالان ضربهما المؤلف لبيان حال المرائي","level":2,"page":120},{"title":"نار جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين","level":2,"page":121},{"title":"أصحاب القلوب السليمة يصيرون إلى الجنة من أول وهلة","level":2,"page":122},{"title":"معنى «الورود» في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ وذكر خلاف أهل التفسير فيه","level":2,"page":122},{"title":"قول المؤلف: «نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم» وتعليق الشارح عليه واستنكاره له","level":2,"page":125},{"title":"لا يليق التعبير عن قوة محبة العبد لربه ب «النار»","level":2,"page":126},{"title":"قول المؤلف: «ما للعارفين شغل بغير مولاهم، ولا هم في غيره»، وسياقه أقوال جهلة العباد في ذلك، وانتقاد الشارح لذلك","level":2,"page":129},{"title":"من دخل النار من أهل «لا إله إلا الله» فلقلة صدقه في قولها","level":2,"page":132},{"title":"من صدق في توحيده خلا قلبه من العبودية لغير الله","level":2,"page":132},{"title":"لا يخلو القلب من غير الله مطلقا، وتوضيح ذلك","level":2,"page":132},{"title":"العبادة قائمة على أركان ثلاثة","level":2,"page":134},{"title":"قول بعض الصوفية: «نحن لا نعبد الله خوفا من عذابه ولا طمعا في ثوابه» وبيان نكارته، وسياق فتوى للشارح في ذلك","level":2,"page":134},{"title":"قول الشعبي: «إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنبه» وبيان المؤلف لمعناه","level":2,"page":137},{"title":"ليس من شرط تحقيق التوحيد العصمة من الذنوب","level":2,"page":139},{"title":"الذنوب تجوز على الكمل من أولياء الله، لكن لا يجوز عليهم الإصرار عليها","level":2,"page":139},{"title":"التوبة من أعلى مقامات الدين","level":2,"page":139},{"title":"قول زيد بن أسلم: «إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول: اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك» وتعليق الشارح عليه","level":2,"page":140},{"title":"أعظم أسباب المغفرة: التوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب","level":2,"page":141},{"title":"نصيحة من المؤلف على العزم على فطام النفوس عن رضاع الهوى","level":2,"page":142},{"title":"الإسلام يقتضي الاستسلام لله والانقياد لطاعته","level":2,"page":142},{"title":"كثيرا ما يذكر الله عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و«البصير»، و«العليم» والسر في ذلك","level":2,"page":143},{"title":"الإيمان الصادق يبعث على مراقبة الله","level":2,"page":144},{"title":"مقام المراقبة والخوف من الله يبعث على الكف عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم","level":2,"page":145},{"title":"بم يستعان على غض البصر؟","level":2,"page":146},{"title":"كلما قويت المعرفة بالله قوي الحياء منه","level":2,"page":146},{"title":"الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة في تقرير الأمر الثابت","level":2,"page":148},{"title":"الأحكام والعقائد لا تثبت إلا بالأدلة الصحيحة","level":2,"page":148},{"title":"فصل في فضائل كلمة التوحيد","level":2,"page":149},{"title":"كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» جاءت في القرآن بعدة أساليب تعبر عنها","level":1,"page":150},{"title":"أسماء كلمة التوحيد","level":2,"page":152},{"title":"كلمة التقوى","level":3,"page":152},{"title":"كلمة الإخلاص","level":3,"page":152},{"title":"شهادة الحق","level":3,"page":152},{"title":"دعوة الحق","level":3,"page":153},{"title":"العروة الوثقى","level":3,"page":153},{"title":"فضائل كلمة التوحيد","level":1,"page":153},{"title":"من فضائل كلمة التوحيد: أنها براءة من الشرك","level":2,"page":153},{"title":"ومن فضائلها: أن بها النجاة في الدنيا والآخرة","level":3,"page":154},{"title":"ومن فضائلها: أن الله خلق الخلق لأجلها","level":3,"page":155},{"title":"ومن فضائلها: أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها","level":3,"page":155},{"title":"ومن فضائلها: أن الله أعد دار الثواب ودار العقاب من أجلها","level":3,"page":155},{"title":"ومن فضائلها: أن الله أمر الرسل بالجهاد من أجلها","level":3,"page":155},{"title":"ومن فضائلها: أنها مفتاح دعوة الرسل","level":3,"page":158},{"title":"ومن فضائلها: أن الله كلم بها موسى كفاحا","level":3,"page":158},{"title":"ومن فضائلها: أنها مفتاح الجنة","level":3,"page":160},{"title":"ومن فضائلها: أنها ثمن الجنة","level":3,"page":160},{"title":"ومن فضائلها: أن من كانت آخر كلامه دخل الجنة","level":3,"page":160},{"title":"ومن فضائلها: أنها نجاة من النار","level":3,"page":162},{"title":"ومن فضائلها: أنها توجب المغفرة","level":3,"page":162},{"title":"ومن فضائلها: أنها أحسن الحسنات","level":3,"page":162},{"title":"ومن فضائلها: أنها تمحو الذنوب والخطايا","level":3,"page":163},{"title":"ومن فضائلها: أنها تجدد ما درس من الإيمان في القلب","level":3,"page":163},{"title":"ومن فضائلها: أنه لا يعدلها شيء في الوزن","level":3,"page":166},{"title":"ومن فضائلها: أنها تخرق الحجب كلها حتى تصل إلى الله ﷿","level":3,"page":168},{"title":"ومن فضائلها: أن الله ينظر إلى قائلها ويجيب دعاءه","level":3,"page":169},{"title":"ومن فضائلها: أنها الله يصدق قائلها","level":3,"page":169},{"title":"ومن فضائلها: أنها أفضل الذكر وأفضل ما قاله النبيون","level":3,"page":173},{"title":"ومن فضائلها: أنها أفضل الأعمال، وأكثرها تضعيفا","level":3,"page":174},{"title":"ومن فضائلها: أنها تعدل عتق الرقاب، وتكون حرزا من الشيطان","level":3,"page":174},{"title":"ومن فضائلها: أنها أمان من وحشة القبر وهول الحشر","level":3,"page":177},{"title":"ومن فضائلها: أنها شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم","level":3,"page":178},{"title":"ومن فضائلها: أنه تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء","level":3,"page":178},{"title":"ومن فضائلها: أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لا بد أن يخرجوا منها","level":3,"page":179},{"title":"العارفون بالله يخافون من الحجاب أكثر مما يخافون من العذاب","level":4,"page":181},{"title":"خاتمة الرسالة وفيها حث المؤلف على الاجتهاد في تحقيق التوحيد","level":1,"page":181},{"title":"أنواع الظلم","level":2,"page":184},{"title":"خاتمة الشرح","level":1,"page":186}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186},"ٜ":{"1":[5,190]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2,3],"5":[4,5,6],"6":[7],"7":[8],"8":[9],"9":[10],"10":[11,12],"11":[13,14],"12":[15,16,17],"13":[18],"14":[19,20],"15":[21],"16":[22],"20":[23,24,25,26],"23":[27],"24":[28,29],"25":[30,31,32],"27":[33,34],"32":[35],"33":[36],"36":[37],"37":[38],"39":[39],"41":[40],"44":[41,42,43,44,45],"45":[46],"47":[47],"50":[48],"51":[49],"52":[50,51],"53":[52],"54":[53],"55":[54],"56":[55],"59":[56],"61":[57],"62":[58],"63":[59,60],"64":[61],"65":[62],"66":[63],"67":[64],"70":[65],"73":[66],"77":[67],"79":[68,69],"80":[70],"81":[71],"82":[72],"83":[73],"85":[74],"87":[75],"88":[76,77],"90":[78,79,80],"93":[81],"94":[82],"95":[83,84],"96":[85],"97":[86],"99":[87],"101":[88],"102":[89],"103":[90],"104":[91,92,93],"105":[94],"106":[95],"107":[96],"108":[97],"109":[98],"111":[99],"112":[100],"114":[101,102],"115":[103,104],"116":[105],"117":[106,107],"118":[108],"119":[109,110],"120":[111],"121":[112],"122":[113,114],"125":[115],"126":[116],"129":[117],"132":[118,119,120],"134":[121,122],"137":[123],"139":[124,125,126],"140":[127],"141":[128],"142":[129,130],"143":[131],"144":[132],"145":[133],"146":[134,135],"148":[136,137],"149":[138],"150":[139],"152":[140,141,142,143],"153":[144,145,146,147],"154":[148],"155":[149,150,151,152],"158":[153,154],"160":[155,156,157],"162":[158,159,160],"163":[161,162],"166":[163],"168":[164],"169":[165,166],"173":[167],"174":[168,169],"177":[170],"178":[171,172],"179":[173],"181":[174,175],"184":[176],"186":[177]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمةُ المعتني</span>\nالحمد للَّه وكفى، وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه المعبودُ المرتَجَى، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه المصطفى، صلى اللَّه وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلِه وصحبِه نجوم الهدى، وكلِّ مَنْ سار على نهجهم واقتفى.\nأما بعدُ:\nفهذا أثرٌ علميٌّ جديدٌ من آثارِ أهلِ السُّنَّة والجَمَاعَة، يتضوَّع مِسْكًا أَذْفَرَ، أضعه بين يديك -أيها القارئ الكريم- جامعًا بين دِفَّتَيه نَفَسَ عالِمَين جليلين:\nأحدهما: العلَّامةُ المحقِّقُ الحافظُ صاحبُ التصانيف المفيدة زينُ الدِّين عبدُ الرحمن بنُ أحمدَ بنِ رجبٍ البغداديُّ الحنبليُّ (ت ٧٩٥ هـ)، في رسالته الموسومة ب «كلمة الإخلاص وتحقيق معناها».\nوأما الثاني: فهو شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك -حفظه اللَّه ونفع به-، حيث قام بشرحِ هذه الرِّسالة (^١) شرحًا متوسطًا، يُوضِّحُ مقاصدَها، ويُبَيِّن مسائلَها، ويُنَبِّه على ما وقع في كلماتِ بعض أرباب السلوك والتصوف من أخطاء ومخالفات.\nوقد اجتهدتُ في إخراجه ونشره رجاء النفع به.\n_________\n(^١) وكان ذلك ضمن دروس الدورة العلمية الثامنة التي أقيمت بجامع شيخ الإسلام ابن تيمية بالرياض عام ١٤٢٢ هـ.","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>عملي في الكتاب:</span>\nاجتهدتُ في خدمة الشرح والعناية به وبأصله المشروح على النحو التالي:\nأما الشرح فقد عارضتُه -بعد تفريغه- بأصله المسموع، فصوَّبتُ ما وقع في النسخة المفرَّغة من سَقطٍ أو تصحيفٍ.\nثم اجتهدتُ في تهذيبه وتنسيقه وترتيبه بما يتلاءم مع الكتاب المطبوع.\nثم بعد ذلك قرأتُه على شيخنا حفظه اللهُ كاملًا، قراءةَ ضبطٍ وتصحيحٍ، فكان يصوِّب ويُعدِّل، ويحذفُ ويُضيف، حتى استقام على سوقُه بما ترى.\nوالغاية من هذا كلِّه أن يخرج الشرحُ على أكملِ صورةٍ وأصحِّ وجهٍ، معتمَدًا من قِبَلِ شارِحِه، صحيحَ النسبة إليه (^١).\nوأما الأصلُ المشروح وهو رسالة «كلمة الإخلاص» لابن رجب ﵀ فقد عُنيتُ بها عنايةً خاصَّةً، فضبطتُ نصَّها وخرَّجتُ أحاديثَها، وعزوتُ نقولَها.\nثم قابلتُ نَصَّها على نسختين خطيتين تامَّتين:\n_________\n(^١) وأُنبِّه هنا إلى أنَّه قد طُبِع الشرحُ باعتناء الشيخ صبري سلامة شاهين وفقه اللهُ وسَمَّاه: «الفريد في شرح كتاب التوحيد»، ونشرته دار القاسم بالرياض عام ١٤٣٠ هـ، ولكون هذا الشرحَ لم يُقرأ على شيخنا حفظه اللهُ ولم يصوَّب من قِبَلِه فقد وقع فيه بعض الأوهام والنقص في مواضع متعدِّدة، لا من حيث الخدمة، ولا من حيث الطباعة، ولذا لم يتم اعتماد الشرح من قِبل شيخنا ولم يَرضَ عنه، وقد أصدر بيانًا بذلك ونُشِرَ في موقعه الإلكتروني.","vol":"1","page":6},{"text":"أما الأولى: فهي نسخةٌ نفيسةٌ مكتوبةٌ في حياة الحافظ ابن رجب ﵀، وناسخها أحدُ تلامِذَتِه، وهو: الشيخُ الفقيهُ محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الدائم الباهيُّ الحنبليُّ (ت ٨٠٢ هـ) (^١)، وفرغ من نسخها يوم الجمعة سادس جمادى الأولى سنة (٧٨٧ هـ)، وتقع في (١٢) ورقة، وهي من مصورات المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ضمن مجموع رقم (٤٧٦١).\nولِقِدَمِ هذه النسخة ونفاستِها ومكانةِ ناسخها فقد اتخذتُها أصلًا.\nوأما الثانية: فهي نسخةٌ جيدةٌ ولكنها متأخِّرةٌ، وناسخها هو: عبد اللَّه بن إبراهيم بن محمد بن ربيعة الرَّبِيْعي، وفرغ من نسخها -فيما يبدو- في أوائل سنة (١٣٣٣ هـ)، وتقع في (١٩) ورقة، وهي من محفوظات مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، ضمن مجموع رقم (١٦٣٧).\nوهذه النسخة رغم تأخرها إلا أنها نسخةٌ جيِّدةٌ، وخطها واضحٌ ومقروءٌ، وهي نسخةٌ مقابلةٌ ومصحَّحةٌ، وفيها زوائد يسيرة في بعض المواضع، وقد رمزت لها بحرف (ب).\n_________\n(^١) قال عنه ابن حجر: «اشتغل كثيرًا وسمع من شيوخِنا ونحوهِم، وعُنيَ بالتحصيل، ودَرَّس وأفتى، وكان عاقلًا رصينًا كثير التأدب»، وقال ابن حجي: «كان أفضل الحنابلة بالديار المصرية وأحقهم بولاية القضاء»، ووصفه شيخه البُلقينيُّ ب (الشيخ العالِم المحقِّق مفتي المسلمين جمال المدَرِّسين).\nتنظر ترجمته في: «إنباء الغُمر» لابن حجر (٢/ ١٨٢)، و«الضوء اللامع» للسخاوي (٩/ ٢٢٤)، و«السُّحُب الوابِلة» لابن حميد المكي (٣/ ١٠٧٥).","vol":"1","page":7},{"text":"فاعتمدتُ نسخة ابن عبد الدايم أصلًا وأضفتُ لها ما في نسخة الربيعي من زيادات غير مؤثرة في سياق الكلام واتِّسَاقه، وجعلتها بين معكوفتين []، فإن كان إثبات الزيادة مؤثرًا في سياق الكلام أو كان ثَمَّة اختلاف في الألفاظ -وهو قليل- فإني أُثبِتُ ما في الأصل وأُنَبِّه في الحاشية على ما في نسخة (ب).\nكما عُنيتُ بتخريج أحاديث الرِّسالة تخريجًا مختصرًا، مع الحكم عليها صحةً وضعفًا، معتنيًا بنقل أحكام أئمة الحديث ونُقَّادِه على تلك الأحاديث إن وُجِدَ.\nهذا، وأسأل اللَّه ﷿ أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بأصله، وأن يجزي شيخنا خير الجزاء على جهوده العلمية، وأن يبارك له في عمره وعلمه وعمله.\nوالحمد للَّه أولًا وآخرًا، وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمَّد.\n\nكتبه\nيَاسَرُ بْنُ سَعْد بْن بَدْر العَسْكَر\nعصر يوم الأربعاء - ١٤/ ٨/ ١٤٣٣ هـ\nالرياض","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>ترجمةُ المؤلفِ </span>(^١)\n<span data-type='title' id=toc-5>اسمه ونسبه وكنيته:</span>\nهو: الإمامُ الحافظُ العلامةُ زينُ الدِّين عبدُ الرَّحمن بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ الحَسَن بنِ محمَّدٍ السَّلاميُّ البغداديُّ ثم الدِّمشقيُّ الحنبليُّ، أبو الفرج، المعروف ب «ابنِ رجب»، وهو لقبُ جَدِّه عبد الرحمن، وقد طغت هذه النسبة على اسمه حتى لا يكاد يُعرف إلا بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>مولده ونشأته:</span>\nولد ﵀ ببغداد، سنة (٧٣٦ هـ).\nونشأ في أسرةٍ علميةٍ عريقةٍ في العلم والفضل والصلاح، فأبوه وجَدُّه من العلماء، وكان لأبيه الأثر الأكبر في توجيهه نحو العلم النافع، فكان يصطحبه معه إلى مجالس العلم والتحديث وهو صغير جدًّا، فحضر مجالس جدِّه غير مرَّة ببغداد وهو في السنة الثالثة والرابعة والخامسة من عمره.\n_________\n(^١) ينظر في ترجمته: «الرد الوافر» لابن ناصر الدين (ص ١٧٦)، و«الدرر الكامنة» لابن حجر (٢/ ٤٢٨)، و«إنباء الغُمر» لابن حجر (١/ ٤٦٠)، و«المقصد الأرشد» لابن مفلح (٢/ ٨١)، و«المنهج الأحمد» للعليمي (٥/ ١٦٨)، و«طبقات الحفاظ» للسيوطي (ص ٣٦٧)، و«شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٣٣٩)، و«البدر الطالع» للشوكاني (١/ ٣٢٨)، و«ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف» للدكتور عبد اللَّه بن سليمان الغفيلي.","vol":"1","page":9},{"text":"واشتغل بسماع الحديث -باعتناء والده- منذ نعومة أظفاره، فسمع من كبار المحدِّثين في دمشق ومصر والحجاز، وأجازه جماعةٌ منهم.\nولم يزل ﵀ سالكًا هذا المهَيع المبارك، ف (أكثر من المسموع وأكثر من الاشتغال حتى مَهَرَ) (^١)، وكان (يرافق الحافظ زين الدِّين العراقي في السماع كثيرًا) (^٢).\nفأتيح له من السماع والمشافهة والتلقي عن الشيوخ -وخصوصًا أهل الحديث- ما لم يُتَح لكثيرٍ من أقرانِه، ووافق ذلك منه ألمعيةً ونبوغًا، الأمر الذي جعل الحافظ ابن حجر يقول عنه: «ومَهَرَ في فنونِ الحديثِ أسماءً ورجالًا وعللًا وطرقًا واطِّلاعًا على معانيه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-7>أبرز شيوخه:</span>\n١ - والده شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد السَّلامي البغدادي (ت ٧٧٤ هـ).\n٢ - أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد اللَّه، الشهير ب «ابن قاضي الجبل» (ت ٧٧١ هـ)، شيخ الحنابلة في زمانه، وقد خَلَفَه ابنُ رجب في التدريس بحلقة الثلاثاء.\n٣ - نجم الدِّين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقي العبادي، المعروف ب «ابن الخباز» (ت ٧٥٦ هـ)، مُسنِد الآفاق في زمانه.\n_________\n(^١) «الدرر الكامنة» (٢/ ٤٣٨).\n(^٢) «إنباء الغُمر» (١/ ٤٦٠).\n(^٣) «إنباء الغُمر» (١/ ٤٦١).","vol":"1","page":10},{"text":"٤ - شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن أيوب الزَّرَعِي، الشهير ب «ابنِ قَيِّم الجوزية» (ت ٧٥١ هـ) الإمامُ العَلَمُ المعروفُ.\n٥ - أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كَيْكَلَدِي بن عبد اللَّه العلائي الشافعي (ت ٧٦١ هـ)، الإمام الحافظ، صاحب التصانيف المفيدة.\nوغيرهم كثير.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>أبرز تلاميذه:</span>\n١ - أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي الحموي الحلبي، المعروف ب «ابن الرسام» (ت ٨٤٤ هـ).\n٢ - أبو الفضل أحمد بن نصر اللَّه بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي، المعروف ب «ابن نصر اللَّه» (ت ٨٤٤ هـ).\n٣ - علاء الدين علي بن محمد بن عباس البعلي ثم الدمشقي الحنبلي، المعروف ب «ابن اللحَّام» (ت ٨٠٣ هـ).\n٤ - سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، المعروف ب «ابن الملقِّن» (ت ٨٠٤ هـ).\n٥ - شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي (ت ٨٥٥ هـ)، قاضي مكة.\nوغيرهم كثير.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>عقيدته:</span>\nكان ﵀ سلفيَّ العقيدةِ أَثَرِيَّ المنهجِ، سائرًا على طريقة أهل الحديث في ذلك، فقد عصمه اللَّه من الانزلاق في المناهج الكلامية والفلسفية على اختلاف مشاربها، فكان حريصًا كل الحرص على اقتفاء منهج السلف الصالح -من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين- في جميع أبواب الاعتقاد.\nونظرة فاحِصَة في مؤلفاته المختلفة تنبئك عن ذلك المنهج السلفي المبارك، فتجده إذا عَرَضَ لمسألةٍ عقديةٍ يقرر فيها منهج السلف الصالح بأوضحِ تقريرٍ وأَبيَنِ عبارةٍ، بعيدًا عن زيغ العقائد البدعية، وزيف المناهج الكلامية.\nإلا أن المنْصِف لا يمكن أن يُنكِر ما يجده في بعض مؤلفاتِه من مَسحَةٍ صوفيةٍ تظهر في نقله لكثيرٍ من أقوال أئمة الصوفية كالجُنَيد، وذي النون المصري، وأبي سليمان الدَّاراني، وأبي يعقوب النَّهرَجُورِي وغيرِهم، لكنه كان يختار من أقوالهم ما كان موافقًا للكتاب والسُّنَّة، وربما غَفل في بعض الأحيان أو خفي عليه ما اشتملت عليه بعض أقوالهم من الخطأِ والمخالفة.\nوبالجملة فابنُ رجبٍ سلفيُّ المنهجِ والمعتقد، لكن لعل نشأته في بعض الأربطة والأوقاف التي كان يغشاها الصوفية وتَلْمَذَتَه لبعض الشيوخ المتأثِّرين بالمنهج الصوفي كان لها أثرٌ في اقتباسه لبعض عباراتهم، ونقله عن بعض أئمتهم، وخصوصًا في باب السلوك وتهذيب","vol":"1","page":12},{"text":"النفوس، متحاشيًا ما انطوت عليه عقائدهم من شطحات وخرافات وانحرافات.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>مذهبه الفقهي:</span>\nابن رجب ﵀ معدودٌ من كبار علماء الحنابلة في زمانه، بل (هو الذي نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل ببيت المقدس ثم بدمشق) (^١)، ووصفه غير واحد ب «شيخ الحنابلة» وقال ابن حجي: «تخرَّج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق».\nفعنايته ﵀ بمذهب الإمام أحمد أمرٌ ظاهرٌ، وقد صنَّف في قواعد المذهب كتابه العجيب «تقرير القواعد وتحرير الفوائد»، وهو من أجلِّ مصنفاته الفقهية و(يدل على معرفة تامَّة بالمذهب) كما قال برهان الدِّين ابن مفلح (^٢).\nوصنَّف في تراجم الحنابلة كتابًا ذيَّل به على «طبقات ابن أبي يعلى»، وجاء فيه بفوائد علمية متنوعة.\nفحنبليَّةُ ابنُ رجبٍ أشهرُ من أن تُذكَر أو أن يُدلَّل عليها، لكنَّه -مع هذا- لم يكن من المقلِّدة المتعصِّبَة، بل كان يدور في فَلَكِ الدَّليل حيث دَارَ، مرجِّحًا ما دلَّ عليه النصُّ الشرعي ولو خالف المذهب.\n_________\n(^١) قاله ابن ناصر الدين في «الرد الوافر» (ص ١٧٠).\n(^٢) «المقصد الأرشد» (٢/ ٨٢).","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>منزلته في الوعظ:</span>\nكان ﵀ إلى جانب رسوخ قدمه في فنون العلم واعظًا بليغًا مؤثِّرًا، فكانت مجالس وعظه مشهودة، وكان لوعظه وقعٌ في النفوس وتأثيرٌ في القلوب.\nوكان يسبك مواعظه في قالب أثريٍّ، فتجده كثير الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية مع ذكر جملةٍ وافرةٍ من أقوال السلف، وقد يورد بعض الأقوال عن طائفة من أعلام الصوفية المتقدِّمين، ويسبك ذلك كله سبكًا مؤثِّرًا مطعَّمًا ببعض الأبيات الشعرية والمحسِّنات اللفظية، ومؤلفاته في الوعظ خير شاهد على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>ثناء العلماء عليه:</span>\nحظي ابن رجب ﵀ بثناءٍ عاطرٍ، يدل على مدى توسعه وتبحره وتفننه في العلوم، ويدل أيضًا على ما له من المكانة العالية في قلوب الناس، وإليك شيئًا من أقوالهم فيه:\n١ - قال تلميذه ابن اللحَّام (ت ٨٠٣ هـ): «سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ، شيخ الإسلام مجلي المشكلات وموضح المبهمات»، وقال أيضًا: «الإمام العالم الحافظ، بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام».\n٢ - وقال شهاب الدين ابن حجي (ت ٨١٦ هـ): (أتقن الفن -أي: فن الحديث- وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق، وتخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق).","vol":"1","page":14},{"text":"٣ - وقال ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ): «كان أحد الأئمة الحفاظ الكبار والعلماء الزهاد الأخيار»، وقال أيضًا: «الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة، واعظ المسلمين، مفيد المحدثين، … أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد».\n٤ - وقال ابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ): «الشيخ الإمام العلامة الحافظ الزاهد الورع، شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدثين».\n٥ - قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «هو الإمام الحافظ المحدِّث الفقيه الواعظ، … أكثر الاشتغال حتى مَهَر».\n٦ - قال ابن العماد الحنبلي: «الشيخ الإمام العالم العلامة، الزاهد القدوة البركة، الحافظ العمدة الثقة الحجة، … اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه».\n\n<span data-type='title' id=toc-13>مؤلفاته:</span>\nجَمَعَ ابنُ رجب ﵀ نفسَه على التدريسِ والتصنيف فكان نتيجةَ ذلك أنْ أثرى المكتبة الإسلامية بجملةٍ وافرةٍ من المؤلفات السَّديدة والمصنَّفات المفيدة، وهي في ذلك ما بين كتابٍ في عدَّة مجلَّدات أو رسالةٍ في بضع ورقات.\n\nفله<span data-type='title' id=toc-14> في التفسير:</span> «تفسير سورة الفاتحة» خ، و«تفسير سورة الإخلاص» ط، و«تفسير سورة النصر» ط.","vol":"1","page":15},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-15>في الحديث وعلومه:</span> «فتح الباري في شرح البخاري» ط، وصل فيه إلى كتاب الجنائز، و«شرح جامع الترمذي»، مفقود، وتوجد منه قطعة يسيرة جدًّا في المكتبة الظاهرية، و«جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكَلِم» ط مرارًا، و«شرح علل الترمذي» ط.\nوفي<span data-type='title' id=toc-16> الفقه وقواعده:</span> «تحرير القواعد وتقرير الفوائد» ط، و«الاستخراج في أحكام الخراج» ط، و«أحكام الخواتيم وما يتعلق بها» ط، و«القول الصواب في تزويج أمهات أولاد الغياب» ط، و«تعليق الطلاق بالولادة» خ.\nو<span data-type='title' id=toc-17>في التاريخ:</span> «الذيل على طبقات الحنابلة» ط، و«مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز» مطبوع قديمًا، و«سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز» ط.\nوفي الوعظ والفضائل والرقائق: «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف» ط، و«التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار» ط، و«أهوال القبور» ط، و«استنشاق نسيم الأنس بنفحات رياض القدس» ط، و«الفرق بين النصيحة والتعيير» ط، و«فضل علم السَّلف على علم الخلف» ط، «وفضائل الشام» ط، و«كلمة الإخلاص وتحقيق معناها» وهي رسالتنا هذه.\nهذا، وقد اعتنى بعض المعاصرين بجمع رسائل ابن رجب في مجموعٍ واحدٍ، طبع منه حتى الآن خمس مجلدات، اشتمل على تسعٍ وثلاثين رسالة، وعُنِيَ بجمعها الشيخ طلعت بن فؤاد الحلواني وفقه اللهُ، وطبعته دار الفاروق الحديثة بالقاهرة.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>وفاته:</span>\nبعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي -تأليفًا وتدريسًا ووعظًا وتذكيرًا وعبادةً- وافاه الأجل بدمشق في شهر رمضان سنة (٧٩٥ هـ)، ودفن بمقبرة الباب الصغير.\nومن عجيب ما وقع له قبل وفاته ما ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي بقوله: «حدَّثني من حَفَرَ لحد ابنِ رجب أنَّ الشيخَ زين الدِّين ابنِ رجب جاءَه قبل أن يموت بأيامٍ فقال له: احفِر لي ها هنا لَحْدًا، وأشار إلى البقعة التي دُفِنَ فيها، قال: فحفرتُ له، فلمَّا فَرَغَ نزل في القبرِ واضطَجَع فيه فأعجبَه، قال: هذا جيِّدٌ، ثم خرج، وقال: فو اللَّه ما شعرتُ بعد أيامٍ إلا وقد أُتِيَ به ميِّتًا محمولًا في نعشِه، فوضعتُه في ذلك اللَّحد».\nفرحم اللَّه ابن رجب رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم.\n* * *","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-19>التعريفُ بالرسالة</span>\n<span data-type='title' id=toc-20>اسم الرِّسالة:</span>\nهذه الرسالة لم يسمها ابن رجب كعادته في تسميته لكتبه ورسائله، وهذا بَيِّنٌ ظاهرٌ من نسخ الرسالة الخطية، حيث وُجِدَت غُفْلًا من أي اسمٍ أو عنوان.\nلكن وجد في نسخة ابن عبد الدائم الباهي -وهي أقدم نسخة خطية للرسالة- ورقة أُلحِقَت بالمخطوطِ في أوَّله كُتِبَ عليها بخطٍّ مغايرٍ للمخطوطِ ما نَصُّه: «كتاب التوحيد من كلام الشيخ الإمام … ابن رجب البغدادي الحنبلي تغمده اللَّه بالرحمة والرضوان وأسكنه غرف الجنان» وأشير -بخط مغاير للعنوان- إلى أن هذا (خط ابن السمين الحلبي المشهور ﵀ سبحانه) وهذا وهمٌ فاحشٌ؛ لأن ابن السمين الحلبي المفسِّر المشهور توفي سنة (٧٥٦ هـ)، وابن رجب توفي سنة (٧٩٥ هـ) فكيف يترحَّم المتقدِّم وفاةً على المتأخِر عنه؟!.\nفورقة العنوان ليست بخط السمين الحلبي جزمًا، ويؤكد هذا أن طبيعة الخط توحي بأنه من خطوط القرن الحادي عشر فما بعده، وليس من خطوط القرن الثامن.","vol":"1","page":18},{"text":"فالخلاصة أن هذا العنوان ليس من وضع ابن رجب، ولا من وضعِ تلميذه ابن عبد الدائم -ناسخِ المخطوط-، بل هو اجتهاد من بعضهم ممن وقف على المخطوط، استوحاه من مضمون الرِّسالة.\nهذا، وقد طبعت الرسالة أولَّ طبعةٍ لها (^١) باسم: «تحقيق كلمة الإخلاص»، ثم أعاد المكتب الإسلامي طباعتها عدة مرات (^٢) باسم: «كلمة الإخلاص وتحقيق معناها»، ثم توالت الطبعات والتحقيقات حاملةً هذا الاسم، سوى الطبعة التي بتحقيق الشيخ صبري سلامة شاهين، فقد عَنْوَنَ لها ب: «كتاب التوحيد».\nوفي ظني أن تسمية الرسالة ب: «كلمة الإخلاص وتحقيق معناها» أقرب لمضمون الرسالة من غيره، وأيضًا هو الاسم الذي طبعت عليه الرسالة واشتهرت به، فلا أرى موجبًا لتغييره من غير برهان ساطع.\n\n<span data-type='title' id=toc-21>أصل الرسالة:</span>\nمن الملاحظ أن ابن رجب ﵀ لم يقدِّم بين يدي رسالته بمقدِّمة تبيِّن موضوعها، بل شرع في المقصود دون مقدِّمات، وهذا ما جعل الشارح حفظه اللهُ يميل أن هذه الرسالة أصلها دَرسٌ أو مجلسٌ وعظيٌّ، فاستُملِيَ عنه، ولم يكتبه ابنُ رجب على سبيل التأليف والتصنيف.\n_________\n(^١) وكان ذلك عام ١٩٥٠ م، بتعليق الشيخين محمود خليفة وأحمد الشرباصي، وطبع بمطبعة مصر بالقاهرة، في (٨٠) صفحة.\n(^٢) وكانت الطبعة الأولى لها سنة ١٣٨٠ هـ.","vol":"1","page":19},{"text":"قلت: ولعل مما يؤيد هذا عدم تسمية هذه الرسالة باسمٍ خاصٍّ بها كما هي عادة ابن رجب ﵀ في كثيرٍ من كتبِه ورسائِله التي كتبها على سبيل التصنيف والتأليف.\n\n<span data-type='title' id=toc-22>موضوع الرِّسالة:</span>\nهذه الرِّسالة المختصرة يدورُ قُطبُ رَحَاهَا حول كلمةٍ عظيمةٍ جليلةٍ شريفةٍ هي كلمة التوحيد: «لا إلهَ إلا اللَّه، محمَّدٌ رسولُ اللَّه».\nوتنبُع أهميةُ هذه الرِّسالة من أهمية هذه الكلمة العظيمة التي هي رأسُ الإسلامِ ومفتاحُ دارِ السَّلام، وعليها أُسست المِلَّة ونُصِبت القِبلة، وعنها يُسألُ الأوَّلونَ والآخِرون، وهي منشأ الخلق والأمر، والثواب والعقاب، وبها انقسم الناس إلى مؤمن وكافر، وبرٍّ وفاجر.\nوقد افتتح المؤلِّف ﵀ رسالته بذكر جملة من الأحاديث الواردة في فضل التوحيد وخَصَّ منها الأحاديث الدالة على أن من شهد شهادة التوحيد فإنه يدخل الجنة أو يحرم على النار.\nثم بعد هذا انتقل للكلام على هذه الأحاديث، فقَسَّمَها إلى نوعين:\nأحدهما: الأحاديث التي فيها أنَّ مَنْ أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، ثم ذكر أن هذا النوع من الأحاديث ظاهرٌ لا إشكال فيه؛ لأنه ليس فيها نفي أنَّه يُعذَّب على قدر ذنوبه، إنما فيها الإخبار بدخول الجنة فحسب، والمؤمن الموحِّدُ -وإن عُذِّبَ- فمآله إلى الجنَّة؛ لأنَّ النَّار لا يُخلَّدُ فيها أحدٌ من أهلِ التوحيدِ الخالِصِ.","vol":"1","page":20},{"text":"والثاني: الأحاديث التي فيها أنَّ مَنْ أتى بالشهادتين فإنه يُحرَّم على النَّار، وهذا النوع من الأحاديث هو موطن الإشكال؛ لأنه قد دلت النصوص الأخرى على دخول بعضِ عُصَاة الموحِّدِين النَّارَ، ثم أفاض ﵀ في ذكر أجوبة أهل العلم على هذا، فذكر منها أربعة، ورجَّح قولَ مَنْ قال: بأنَّ المرادَ من هذه الأحاديث أنَّ «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لدخول الجنَّة والنَّجَاةِ من النَّارِ ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضي لا يعمَل عمَلَه إلا باستجماعِ شروطِه وانتفاءِ موانِعِه، فقد يتخلَّف عنه مقتضَاه لفواتِ شرطٍ من شروطِه أو لوجودِ مانعٍ، ثم قال: «وهذا هو الأظهر».\nوهناك جوابٌ آخر أورده ابن رجب وظاهر صنيعه أنه يختاره ويرتضيه أيضًا، وهو قول طائفة من أهل العلم أنَّ تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيَّدة في أحاديث أخر، والتي تفيد بأن ذلك الثواب إنما هو لمن يقولها بصدق وإخلاص ومحبة ويقين ونحو ذلك.\nثم استطرد ﵀ بكلامٍ طويلٍ نفيسٍ في التدليل والتعليل على صحة هذين الجوابين، وكان مما قال: «وتحقيقُ هذا المعنى وإيضَاحُه أنَّ قولَ العبدِ: «لا إله إلا اللَّه»، يقتضي أن لا إله له غير اللَّه، و«الإله» هو الذي يُطَاعُ فلا يُعصَى؛ هيبةً له وإِجلالًا، ومحبةً، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كلُّه إلا للَّه ﷿.\nفمن أشرَكَ مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّة، كَانَ ذَلكَ قَدْحًا في إِخلَاصِه في قَولِ: لا إله إلا اللَّه، ونَقصًا في","vol":"1","page":21},{"text":"توحِيدِهِ، وكانَ فيه من عُبُودِيَّةِ ذلك المخلُوقِ بحسْبِ ما فِيهِ مِنْ ذَلكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّرْكِ».\nثم تكلم عن محبَّة اللَّه ﷿، وذكر أنَّ المحبَّة متى تَمَكَّنَت من القَلبِ لم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ ﷿.\nثم تكلَّم عن الصِّدق في قول: «لا إله إلا اللَّه»، وذكر أنَّ «مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهلِ هَذِه الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَت طَهَّرَت القَلبَ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللَّهِ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدقِ فِي قَولِهَا.\nمَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَم يُحِبَّ سِوَاهُ، لَم يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَم يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، لَم يَتَوَكَّل إِلَّا عَلَى اللَّهِ، لَم يُبقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ آثَارِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ».\nثم ختم المؤلِّف رسالته بفصلٍ ذكر فيه جملةً وافرةً من فضائل كلمة التوحيد، ثم ختم هذا الفصل بالحثِّ على تحقيق التوحيد والتمسك بأصل الدين؛ لأنه -كما يقول- «لا يوصل إلى اللَّه سواه، ولا ينجي من عذاب اللَّه إلا إياه».\nهذا تفصيلٌ مجمَلٌ لما اشتملت عليه هذه الرِّسالة المباركة من موضوعات.\nوهذه الرسالة على صغر جحمها وقلة عدد أوراقها إلا أنَّ المؤلِّف حشد فيها من الآيات والأحاديث والأقوال والنقول شيئًا كثيرًا.","vol":"1","page":22},{"text":"وأكثر فيها من النقل عن أعلام الصوفية المتقدِّمين، أمثال الجنيد وأبي سليمان الداراني وذي النون المصري ويحيى بن معاذ ورُوَيْم وغيرهم، وساق جملة من أقوالهم في المحبة وغيرها.\n* * *","vol":"1","page":23},{"text":"ترجمةُ الشارح\n\n<span data-type='title' id=toc-24>اسمُهُ ونَسَبُه:</span>\nعبد الرحمن بن ناصر بن براك بن إبراهيم البراك، ينحدر نسبه من بطن العُرَيْنات من قبيلة سُبيع.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>مِيلادُه ونَشْأتُه:</span>\nولد الشيخ في بلدة «البكيرية» من منطقة «القصيم» في شهر ذي القعدة سنة ١٣٥٢ هـ.\nوتوفي والده وعمره سنة، فنشأ في طفولته في بيت أخواله مع أمه، فتربى خير تربية.\nولما بلغ الخامسة من عمره سافر مع أمه إلى «مكة»، وكان في كفالة زوج أمه محمد بن حمود البراك.\nوفي «مكة» التحق الشيخ بالمدرسة «الرحمانية»، وهو في السنة الثانية الابتدائية قدَّر اللَّه أن يصاب بمرض في عينيه تسبب في ذهاب بصره، وهو في العاشرة من عمره.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>طَلَبُه لِلعِلمِ وَمَشَايخُه:</span>\nعاد من «مكة» إلى «البكيرية» مع أسرته، فشرع في حفظ القرآن على عمه عبد اللَّه بن منصور البراك، ثم على الشيخ عبد الرحمن بن سالم الكريديس ﵏، فحفظ القرآن وعمره عشر سنين تقريبًا.","vol":"1","page":24},{"text":"وفي حدود عام ١٣٦٤ - ١٣٦٥ هـ بدأ في حضور الدروس والقراءة على العلماء، فقرأ على الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه السبيل ﵀ جملة من كتاب «التوحيد»، و«الآجرومية»، وقرأ على الشيخ محمد بن مقبل ﵀ «الأصول الثلاثة».\nثم سافر إلى «مكة» مرة أخرى في عام ١٣٦٦ هـ تقريبًا، ومكث بها ثلاث سنين، فقرأ في «مكة» على إمام المسجد الحرام الشيخ عبد اللَّه بن محمد الخليفي ﵀ في «الآجرومية».\nوهناك التقى بعالم فاضل من كبار تلاميذ العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، وهو الشيخ صالح بن حسين العلي العراقي ﵀، وكان من أصدقاء العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀، فجالسه واستفاد منه، ولما عُيِّن الشيخ صالح مديرًا للمدرسة «العزيزية» في بلدة «الدلم» أحب الشيخ صالح أن يرافقه الشيخ عبد الرحمن حفاوة به، فصحبه لطلب العلم على الشيخ ابن باز حين كان قاضيًا في بلدة «الدلم»، فرحل معه في ربيع الأول من عام ١٣٦٩ هـ، والتحق بالمدرسة «العزيزية» بالصف الرابع، وكان من أهم ما استفاده في تلك السنة الإلمام بقواعد «التجويد» الأساسية.\nوفي نفس السنة سافر مع جمع من الطلاب مع الشيخ ابن باز إلى الحج، وبعد عودته ترك الدراسة في المدرسة «العزيزية»، وآثر حفظ المتون مع طلاب الشيخ ابن باز، ولازم دروسه المتنوعة، فقد كان يُقرأ عليه ﵀ في «الأصول الثلاثة»، و«كتاب التوحيد»، و«عمدة","vol":"1","page":25},{"text":"الأحكام»، و«بلوغ المرام»، و«مسند أحمد»، و«تفسير ابن كثير»، و«الرحبية»، و«الآجرومية».\nومكث في «الدلم» في رعاية الشيخ صالح العراقي، فقد كان مقيمًا معه في بيته، ودَرَس عليه علم «العَروض».\nوحفظ في «الدلم»: «الأصول الثلاثة»، و«كتاب التوحيد»، و«الآجرومية»، و«قطر الندى»، و«الرحبية»، وقدرًا من «ألفية ابن مالك» في النحو، و«ألفية العراقي» في علوم الحديث.\nوبقي في «الدلم» إلى أواخر عام ١٣٧٠ هـ، وكانت إقامته هناك لها أثر كبير في حياته العلمية.\nولما فتح «المعهد العلمي» في الرياض في محرم ١٣٧١ هـ التحق الشيخ به في القسم الثانوي، وكانت مدة الدراسة الثانوية أربع سنوات، فتخرج فيه عام ١٣٧٤ هـ، ثم التحق ب «كلية الشريعة» بالرياض، وتخرج فيها سنة ١٣٧٨ هـ.\nودرس في المعهد، والكلية على مشايخ كثيرين من أبرزهم:\nالعلامة عبد العزيز ابن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي، ودرسهم في «المعهد»: «التفسير»، و«أصول الفقه»، والعلامة عبد الرزاق عفيفي، ودرسهم «التوحيد»، و«النحو»، و«أصول الفقه»، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد، والشيخ عبد الرحمن الأفريقي، والشيخ عبد اللطيف سرحان في النحو، وغيرهم، ﵏ جميعًا.","vol":"1","page":26},{"text":"وكان في تلك المدة يحضر بعض دروس العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ في المسجد.\nوأكبر مشايخه عنده، وأعظمهم أثرًا في نفسه العلامة عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد أفاد منه أكثر من خمسين عامًا بدءًا من عام ١٣٦٩ هـ إلى وفاته في عام ١٤٢٠ هـ، ثم الشيخ صالح العراقي الذي استفاد منه حب الدليل، ونبذ التقليد، والتدقيق في علوم «اللغة» من «نحو»، و«صرف»، و«عَروض».\n\n<span data-type='title' id=toc-27>الأعمالُ التي تَوَلَّاها:</span>\nعُيِّن الشيخ مدرسًا في «المعهد العلمي» في مدينة الرياض سنة ١٣٧٩ هـ وبقي فيه ثلاثة أعوام، ثم نُقل إلى «كلية الشريعة» بالرياض، وتولى تدريس العلوم الشرعية، ولما افتتحت «كلية أصول الدين» عام ١٣٩٦ هـ نقل إليها في قسم «العقيدة والمذاهب المعاصرة»، وتولى تدريس العقيدة في الكُليتين إلى أن تقاعد عام ١٤٢٠ هـ، وأشرف خلالها على عدد كبير من الرسائل العلمية.\nوبعد التقاعد رغبت «الكلية» التعاقد معه؛ فعمل مدة ثم تركه، كما طلب منه الشيخ ابن باز ﵀ أن يتولى العمل في الإفتاء مرارًا؛ فتمنَّع، ورضي منه شيخه أن ينيبه في «رئاسة الإفتاء» في الرياض في فصل الصيف حين ينتقل المفتون إلى مدينة «الطائف»، فأجاب الشيخ حياءً؛ إذ تولى العمل مرتين، ثم تركه.","vol":"1","page":27},{"text":"وبعد وفاة العلامة ابن باز ﵀ طلب منه المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يكون عضو إفتاء، وألح عليه في ذلك؛ فامتنع، وآثر التفرغ للدعوة والتعليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>جُهُودُه في نَشرِ العِلمِ:</span>\nجلس الشيخ للتعليم في «مسجد الخليفي» بحي الفاروق مع توليه لإمامته، ومعظم دروسه فيه، وقرئ عليه عشرات الكتب في شتى الفنون؛ كالفقه، وأصوله، والتفسير وأصوله، والحديث والمصطلح، والنحو، والعقيدة، وغيرها، كما أن له دروسًا في بيته مع بعض خاصة طلابه، وله دروس في مساجد أخرى في «مدينة الرياض».\nوله كذلك مشاركات متعددة في الدورات العلمية المكثفة التي تقام في الصيف، كما ألقى عدة دروس عبر الهاتف لطلاب العلم في «اليمن»، و«بريطانيا»، و«أوكرانيا»، وغيرها، إضافة لإلقائه كثيرًا من المحاضرات في موضوعات متنوعة، وكذا الكلمات الدعوية في مختلف المناسبات، كما تُعرَض على الشيخ بعض الأسئلة من عدد من المواقع الإسلامية في الشبكة العالمية، ويجيب عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>طُلَّابُه:</span>\nبدأ الشيخ في تعليم العلم قبل نصف قرن تقريبًا، ودرس عليه أمم من طلاب العلم يتعذر على العاد حصرهم، ومنهم أكثر أساتذة جامعاتنا الشرعية، وقضاة المحاكم، والدعاة المعروفين، وبعد أن يسَّر اللَّه جملة من الوسائل الحديثة؛ ك «الشبكة العالمية»، تمكن كثير من طلاب العلم","vol":"1","page":28},{"text":"في خارج بلادنا من متابعة دروس الشيخ مباشرة عن طريق الشبكة العنكبوتية.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>احْتِسابُه:</span>\nللشيخ جهود كبيرة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومناصحة المسؤولين والكتابة لهم، والإصلاح بين الناس، وتحذير الناس من البدع وسائر الانحرافات والمخالفات، وله في ذلك فتاوى ومقالات كثيرة، وله مشاركة مع بعض المشايخ في عدد من البيانات والنصائح الموجهة لعموم المسلمين.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>اهْتِمامُهُ بأُمُورِ المُسْلِمين:</span>\nللشيخ حفظه اللهُ اهتمام بالغ بأمور المسلمين في جميع أنحاء العالم، فيتابع أخبارهم ويحزن ويتألم لما يحدث لهم من نكبات، وفي أوقات الأزمات يبادر بالدعاء لهم، والدعاء على أعدائهم، ويبذل النصح والتوجيه لهم، وللمسلمين فيما يجب نحوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>إنتَاجُه العِلمِيُّ:</span>\nانصرف الشيخ عن التأليف مع توفر آلته، وبذل معظم وقته في تعليم العلم، والإجابة عن الأسئلة، وقد قرئت عليه عشرات الكتب في مختلف الفنون، وقد سُجل بعضها وما لم يسجل أكثر، ودروسه قائمة اليوم كما كانت سابقًا.\nوقد صدر للشيخ من المطبوعات: «شرح الرسالة التدمرية»، و«جواب في الإيمان ونواقضه»، و«موقف المسلم من الخلاف»، و«التعليقات","vol":"1","page":29},{"text":"على المخالفات العقدية في فتح الباري لابن حجر»، و«توضيح مقاصد العقيدة الواسطية»، و«شرح العقيدة الطحاوية»، و«توضيح المقصود بنظم ابن أبي داود»، و«الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية»، «والتعليق على القواعد المثلى»، و«شرح القصيدة الدالية»، و«شرح القواعد الأربع، والأصول الثلاثة، ونواقض الإسلام، وكشف الشبهات»، و«إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد»، و«التوضيحات الجلية في شرح الفتوى الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و«التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي»، و«التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين: الفاتحة والبقرة»، و«العدة في فوائد أحاديث العمدة»، و«الجامع لفوائد بلوغ المرام»، و«توضيح مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية»، و«التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية لابن أبي زيد القيرواني»، و«شرح كلمة الإخلاص» وهو كتابنا هذا، و«أحكام وفوائد جزء عمَّ»، و«أحكام وفوائد جزء تبارك»، و«أحكام وفوائد جزء قد سمع»، و«أحكام وفوائد جزء الذريات»، و«أحكام وفوائد جزء الأحقاف»، وهناك كتب أخرى في طريقها إلى الطبع إن شاء اللَّه.\nوفي حياة الشيخ جوانب كثيرة مشرقة أعلم أنه يكره ذكرها، أسأل اللَّه أن يبارك في عمره، ويمد فيه على طاعته، وينفع بعلمه المسلمين، إنه سميع قريب.\n* * *","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>مقدمة الشارح</span>\n﷽\nالحمد للَّه، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمَّد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه،\nأما بعدُ:\nفإنَّ هذه الرسالة المباركة الموسومة بـ «كلمة الإخلاص وتحقيق معناها»، للإمام العَلَم العلامة: أبي الفرج عبدِ الرَّحمن ابنِ رجبٍ الدِّمشقيِّ الحنبليِّ (ت ٧٩٥ هـ)، الإمامِ الشهير، من كبار أئمة الحنابلة في زمانه، وله مؤلفات متنوعة في الفقه، والأصول، والحديث، وفي العقيدة، وغيرها.\nوهذه الرسالة التي بين أيدينا مدارها على موضوعٍ عظيمٍ؛ هو: كلمة التوحيد وما تقتضيه، وما ورد فيها من الأحاديث التي اشتبه معناها على كثير من النَّاس.\nكما تضمنت أيضًا التنبيه إلى أمر عظيم، وهو خطر مذهب الإرجاء.\nومعروفٌ أنَّ الإرجاء مضمونه أنَّ «الإيمان» هو مجرَّد التصديق، أو أنه مجرَّد المعرفة، أو أنه مجرَّد القول باللسان، كما هي أقوالٌ لطوائف المرجئة.","vol":"1","page":31},{"text":"ولا شك أنَّ قَصْرَ «الإيمان» على مجرَّد ذلك مخالفٌ لما دلَّت عليه نصوص الكتاب والسُّنَّة من أنَّ «الإيمان» قولٌ وعملٌ، أو اعتقادٌ وعملٌ؛ اعتقاد بالقلب، وعمل القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح.\nفهذا الدين الذي بعث اللَّه به محمدًا ﷺ، جاء بشريعةٍ عظيمةٍ، مشتملةٍ على اعتقاداتٍ مفصَّلة، وأعمالٍ قلبِيَّةٍ مفصَّلَة، وأعمالٍ للجوارحِ مفصَّلَة، فهو مشتملٌ على أفعالٍ وتروكٍ، وحلالٍ وحرامٍ، وواجباتٍ وفرائضَ.\nفليس دين الإسلام أن يقول الإنسان: «لا إله إلا اللَّه» فقط، بل هذه الكلمة العظيمة لها مدلولها العظيم، فكيف يكون مجرد النطق بها كافيًا في جعل الإنسان مسلمًا مهما فعل من المنكرات؟، بل من الشرك والكفريات؟!\nفمذهبُ الإرجاء مذهبٌ فاسدٌ، وقد استشرى في هذه الأمة، وأدَّى إلى ألَّا يبقى مع كثيرٍ من المسلمين من الإسلام إلا مجرَّد الاسم.\nفالمشركون الذين يعبدون القبور بأنواع العبادات لا يُنْكَر عليهم ذلك؛ لأنهم يقولون: «لا إله إلا اللَّه»، وهذا -لا شك- من تغرير الشيطان بالإنسان.\nكذلك كثيرٌ من المسلمين يجترئ على المعاصي، ويُقْدِمُ عليها بجرأةٍ واستخفافٍ، معتذرًا بأنَّه يقول: «لا إله إلا اللَّه»، متَّكِلًا في ذلك على أحاديث الوعد، وسيذكر المؤلِّف جملة منها في ثنايا رسالته.","vol":"1","page":32},{"text":"فالمقصود أنَّ مذهب المرجئة يؤدي إلى الاستخفاف بشعائر الدين، كما يؤدي إلى الجرأة على المحرمات من كبائر الذنوب، بل إلى ما هو أكبر منها من الشرك باللَّه؛ كالطواف بالقبور، والذبح للأموات، ودعائهم والاستغاثة بهم، وكذلك أنواع من الكفر الذي تجري على أَلْسُنِ بعض الناس، فالخطر عظيم.\nفهذا المذهبُ البدعيُّ جَرَّ إلى هذا الواقع الأليم، ولهذا يذكر أهلُ العلم أن مذهب غلاة المرجئة مبنيٌّ على مقولةٍ باطلةٍ وهي: «لا يضر مع الإيمان -الإيمان الذي هو مجرد التصديق أو مجرد المعرفة كما يقولون- ذنبٌ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة».\nولا شك أن من اعتقد ما دلت عليه هذه المقولة الباطلة فهو كافر؛ لأن النصوص الشرعية قد دلت على أن الذنوب تضر بالإيمان وتؤثر فيه، بل ثمة ذنوب توجب الكفر والخلود في النار لمن مات عليها.\nوعلى النقيض من مذهب المرجئة مذهبُ الذين يُكفِّرُون بالذنوب، فالمرجئةُ وهؤلاء على طَرَفي نقيض، والمذهب الحق هو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، فهم على صراط مستقيم بين هؤلاء وهؤلاء.\nفأهل السُّنَّة والجماعة وسطٌ في باب أسماء الدِّين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، فالوعيدية من الخوارج والمعتزلة يُقَنِّطُون أصحابَ الذنوب، والمرجئة يُؤمِّنُونَهم من عذاب اللَّه، وأما أهل السُّنَّة والجماعة فيقولون في أهل الكبائر التي هي دون الكفر والشرك ما قاله اللَّه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وأما الشرك","vol":"1","page":33},{"text":"والكفر بأنواعه فهو موجبٌ للخروج من الإسلام، فإن للإسلام نواقض يخرج بها الإنسان عنه وإن كان يقول: «لا إله إلا اللَّه».\nف «لا إله إلا اللَّه» إنما تعصم دم الإنسان وماله في الدنيا إذا لم يأت بما يناقضها، وكذلك تعصمه في الآخرة من الخلود في النار، وتعصمه أيضًا من دخول النار إذا لم يأتِ بما يوجب ذلك.\nفشهادة أن «لا إله إلا اللَّه» معناها: لا معبود بحق إلا اللَّه، فهذه الشهادة العظيمة لا تقتضي مجرد اعتقاد فحسب، بل تقتضي اعتقادًا وعملًا:\n- فتقتضي اعتقاد أن اللَّه هو الإله المستحق للعبادة، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة.\n- وتقتضي عبادةَ اللَّه، وإفرادَه بالعبادة، وتركَ عبادة ما سواه، والكفرَ بما يُعبَد من دونه.\nفالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nوالثاني: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nفالذي يقول بلسانه: «لا إله إلا اللَّه»، وهو لا يَبْرَأ من المشركين وشركِهم، ولا يعتقد بطلانَ ما هم عليه وضلالَه، فهذا لا حظ له مما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة من الاعتقاد، ولا مما تقتضيه من العمل.","vol":"1","page":34},{"text":"ومن قال: «لا إله إلا اللَّه» معتقدًا أنه لا يستحق العبادة إلا اللَّه، وأن كل ما سواه لا يستحق العبادة، وتبرَّأ من المشركين وشركِهم، لكنه -مع هذا الاعتقاد- أعرض عن عبادة اللَّه، فلم يؤد فريضة، ولم يجتنب كبيرة، فأي معنى لهذا الاعتقاد حينئذٍ؟ بل إن إعراضه عن عبادة اللَّه يكذِّبُ دَعوَاه، ومن كانت هذه حاله لم يُحَقِّق قولَ: «لا إله إلا اللَّه».\nفالناس في هذا المقام على تفاوت عظيم، منهم من ينتهي به الإرجاءُ إلى الكفر، ومنهم من ينتهي به إلى الجرأة على المحرمات، وشتان بين من يأتِ المعصية وهو خائفٌ وَجِلٌ، ويَلومُ نفسَه ويعاتِبُها ويُفَكِّر بالتوبة والخَلاص، وبين من يأتِ المعصية بهذه الشبهة -شبهة الإرجاء-.\nفشبهة الإرجاء هذه تحمل الإنسان على الإقدام على الشهوات المحرَّمة، فيجتمع له الشهوة والشبهة.\nفالشيطانُ يأتي الإنسانَ قَبلَ فِعْلِ المعصية يُجَرِّؤه عليها؛ بتهوينها في نفسه، وتذكيره بمغفرة اللَّه وسعة رحمته، وبأنه مسلمٌ وأنه يقول: «لا إله إلا اللَّه»، ويُذَكِّرُه بأحاديث الوعد الواردة في هذا المعنى، ثم بعد الإقدام على المعصية يُقَنِّطُه من رحمة اللَّه، حتى ييأس من رحمة اللَّه فلا يَهمُّ ولا يُفكِّر بالتوبة، وهذا من مداخل الشيطان على الإنسان، فالمقامُ عظيمٌ وخطيرٌ.\nوهذا الانقسام موجودٌ من الصدر الأول وسارٍ في الأُمَّة من وقت ظهور الخوارج وعلى إثْرِهم المرجئة إلى يومنا هذا، والمذهبان","vol":"1","page":35},{"text":"موجودان، لكن مذهب الإرجاء الآن له دعاة، وله اتباع كثيرون، ويهونون الذنوب على الناس، فالواجب على المسلمين أن يحذروا من السبيلين:\n- سبيل أهل التكفير؛ المكفِّرِين بالذنوب.\n- وسبيل المرجئة، المستخِفِّين بالذنوب، والمهَوِّنين لخطرها.\nفعلى المسلمين أن يسلكوا الصراط المستقيم بين هذين الفريقين، واللَّه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.\n* * *","vol":"1","page":36},{"text":"﷽\nقال الشيخُ الإمامُ العالِمُ العامِلُ العلَّامةُ القدوةُ الحافِظُ زينُ الدِّين عبدُ الرَّحمن ابنُ الشيخِ الصالِحِ العلَّامةِ أحمدَ بنِ رَجَبٍ الحنبليُّ البغداديُّ أدام اللَّه النَّفعَ به، آمين:\nفي «الصَّحِيحَينِ» (^١) عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ [راكبًا] وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيكَ [يا] رَسُولَ اللَّهِ وَسَعدَيكَ. قَالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا أُخبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَستَبشِرُوا؟ قَالَ: «لا، إِذًا يَتَّكِلُوا»، فَأَخبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوتِهِ تَأَثُّمًا (^٢).\nوَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عِتبَانَ بنِ مَالِكٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّه قد حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، يَبتَغِي بَهَا وَجهَ اللَّهِ» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري رقم (١٢٨)، ومسلم رقم (٣٢).\nوأخرجه البخاري أيضًا رقم (٥٦٢٢ و٥٩١٢ و٦١٣٥)، ومسلم رقم (٣٠) من رواية أنسٍ عن معاذٍ.\n(^٢) قوله: «فأخْبَرَ بها معاذٌ عند مَوْته تأثُّمًا»؛ أي: تَجَنُّبًا للإثْم، وإنما خشي معاذٌ من الإثم المرَتَّب على كتمان العلم.\nينظر: «النهاية في غريب الأثر» (١/ ٣٤)، و«فتح الباري» (١/ ٢٢٨).\n(^٣) البخاري رقم (٤١٥)، ومسلم (٣٣).","vol":"1","page":37},{"text":"وَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَوْ أَبِي سَعِيدٍ - بِالشَّكِ (^١) - أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزَاةِ تَبُوكَ فَأَصَابَتهُم مَجَاعَةٌ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِنِطعٍ (^٢) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضلِ أَزوَادِهِم، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَجَعَلَ الآخَرُ [يَجِيءُ] (^٣) بِكَفِّ تَمرٍ، وَجَعَلَ الآخَرُ يَجِيءُ بِكِسرَةٍ، حَتَّى اجتَمَعَ عَلَى النِّطعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِ بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا في أَوعِيَتِكُم»، فَأَخَذُوا في أَوعِيَتِهِم حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي العَسكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَت فَضلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشهَدُ (^٤) أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لا يَلقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحجَبَ عَنْ الجَنَّةِ» (^٥).\n_________\n(^١) الشكُّ من (الأعمش) من رواية أبي معاوية عنه، كما في «صحيح مسلم» وغيرِه، ومن رواية وكيعٍ عنه كما في «شرح السُّنَّة» للبغوي رقم (٥٢) وغيرِه.\nورواه «قتادة بن الفضيل» و«سهيل بن أبي صالح» عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة من غير شكٍّ.\nوروي أيضًا عن أبي صالح - من غير طريق الأعمش - من غير شكٍّ، فرواه «طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ» و«سهيل بن أبي صالح» كلاهما عن أبي صَالحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ من غير شكٍّ.\nينظر: «صحيح مسلم» رقم (٢٧)، و«مسند أحمد» رقم (٩٤٦٦)، و«سنن النسائي الكبرى» رقم (٨٧٤٣ و٨٧٤٥).\nوعلى هذا فالظاهر أنَّ الحديثَ من مسند أبي هريرة لا من مسند أبي سعيد، واللَّه أعلم.  z\n(^٢)  النِّطْع: هو بِسَاطٌ من الجِلْدِ، وفيه أربعُ لُغَاتٍ: فتحُ النُّونِ وكسرُها ومع كلِّ وَاحدٍ فَتحُ الطَّاءِ وسُكونُها (نَطْع، ونَطَع، ونِطْع، ونِطَع).\nينظر: «القاموس المحيط» (ص ٩٩١)، و«المصباح المنير» (ص ٦١١).\n(^٣) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من الأصل، والسياق يقتضيه.\n(^٤) في نسخة (ب): «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّه وَشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّه …».\n(^٥) أخرجه مسلم رقم (٢٧).","vol":"1","page":38},{"text":"وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الجنَّةَ»، قُلتُ: وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ»، قَالَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ في الرَّابِعَةِ: «عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ» (^١)، فَخَرَجَ أَبُو ذَرِّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ (^٢).\nوَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]؛ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوتِهِ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ النَّارَ» (^٣).\nوفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ العَمَلِ» (^٤).\n_________\n(^١) قوله: «وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذرٍّ» قال في «النهاية»: «أي: وإنْ ذَلَّ، وقيل: وإن كَرِه».\nوالرَّغَامُ -بالفتح-: التُّرَابُ، وقولهم: «رَغِمَ أَنْفُه»؛ أَيْ: لَصِقَ بالتُّرَابِ، وهو كناية عن الذُّلِّ والهَوَانِ، وَهُوَ دُعَاءُ سُوءٍ في ظاهره، لكنه من جنس الأدعية التي تُقَالُ ولا يُرَادُ وقوعها، وإنما تقال على عادة العرب في ذلك، كقولهم: «تَرِبَت يَدَاكَ» و«ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ» و«عَقْرَى حَلْقَى» ونحو ذلك من أدعيتهم الجارية على ألسنتهم.\nينظر: «النهاية في غريب الأثر» (٢/ ٥٨٧).  z\n(^٢)  أخرجه البخاري رقم (٥٤٨٩)، ومسلم رقم (١٥٤).\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (٢٩).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٣٢٥٢)، ومسلم رقم (٢٨) وعنده: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ»، و«أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».\nقال النووي في «شرح مسلم» (١/ ٢٢٧) مبينًا مكانة هذا الحديث: «هذا حديثٌ عظيمُ الموقِع، وهو أجمعُ أو من أجمعِ الأحاديثِ المشتملةِ على العقائدِ، فإنَّه ﷺ جمع فيه ما يُخرِج عن جميع مِلَلِ الكُفْرِ على اختلافِ عقائدِهم وتباعُدِهم، فاختصر ﷺ في هذه الأحرفِ على ما يُبَايَنُ به جميعُهم».","vol":"1","page":39},{"text":"وَفِي هَذَا المَعنَى أَحَادِيثُ كَثِيرةٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكرُهَا.\n<hr><s0>\n\nاستهَلَّ المؤلِّف ﵀ رسالتَه هذه بذكر جملة من الأحاديث الواردة في فضل التوحيد، وما يوجبه من دخول الجنة والنجاة من النار.\nوهذه الأحاديث ظاهرةُ الدِّلالة على فضل التوحيد وعِظَمِ ثوابه، وقد عقد الشيخ المجدِّد محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب «التوحيد» بابًا بهذا المعنى، فقال: (باب فضل التوحيد وما يُكَفِّرُ من الذنوب)، وذكر تحته حديث عبادة بن الصامت، وحديث عِتْبَان السابق ذكرهما.\nوهذه الأحاديث التي أوردها المؤلِّف ﵀ على أنواع:\n- فمنها ما اقتُصِرَ فيه على ذكر شهادة «أن لا إله إلا اللَّه» فحسب، كما في حديث عِتبان وأبي ذر.\n- ومنها ما فيه ذكر الشهادتين معًا -شهادة «أن لا إله إلا اللَّه» و«أنَّ محمَّدًا رسول اللَّه» - كما في حديث معاذٍ، وحديث عُبَادَة الذي عند مسلم.\n- ومنها ما ذُكِرَ فيه أكثر من ذلك، كما في حديث عبادة ﵁ الذي في «الصحيحين»: «من شهد أنه لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأن الجنة حق، وأنَّ النَّار حق ..» الحديث.","vol":"1","page":40},{"text":"ومن جانبٍ آخر:\n- منها ما فيه إطلاق القول بالشهادة من غير تقييدٍ، كما في حديث معاذ بن جبل ﵁: «ما من عبد يشهد: أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه اللَّه على النار»، وحديث أبي ذر ﵁: «ما من عبد قال: لا إله إلا اللَّه، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة»، وحديث عبادة ﵁: «من شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه حَرَّمَ اللَّه عليه النَّار».\n- ومنها ما فيه ذكر قولها مقَيَّدًا، كما في حديث عتبان ﵁: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه»، وحديث أبي سعيد أو أبي هريرة رضي اللهُعنهُما في قصة ما وقع لهم في غزوة تبوك، لما أصابتهم المجاعة وأمرهم النبي ﷺ بجمع ما في أزوادهم، وفيه فقال النبي ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لا يلقى اللَّه بهما عبدٌ غيرَ شَاكٍّ فيُحجَبُ عن الجنَّة».\nوالمتأمِّل في هذه الأحاديث يجد فيها: ذِكر الشَّهادة، وذِكر الإخلاص، وذِكر العلم، وعدم الشَّكِّ، مما يدُلُّ على أنَّه لا يكفي مجرَّد التلفُّظ بها.\n\nومن هنا أخذ العلماء من هذه الأحاديث<span data-type='title' id=toc-38> شروط «لا إله إلا اللَّه»،</span> وهي ثمانية شروط: العلم، واليقين، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والقبول، والكفر بما يعبد من دون اللَّه (^١).\n_________\n(^١) وهذه الشروط الثمانية جمعها بعضهم في بيتين فقال:\nعِلْمٌ يَقِينٌ وإِخلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ\nمَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لَهَا\nوَزِيْدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا\nسِوَى الإِلَهِ مِنْ الأَشْيَاءِ قَدْ أُلِهَا","vol":"1","page":41},{"text":"فهذه الشروط مستمدة من هذه الأحاديث وغيرها من نصوص الشرع.\nوأول هذه الأحاديث التي أوردها المؤلِّف ﵀ هو حديث معاذ ﵁، وفيه أنه كان رديفَ النبيِّ ﷺ على حمار؛ يعني: راكبًا خَلفَه، فقال: «يا معاذ»، فقال: لبيك وسعديك، ويُكَرِّرُ عليه رسولُ اللَّه ﷺ هذا الخطاب وهذا النداء مرات؛ ليستجمع معاذٌ ذهنَه، ولِيَتِمَّ إقبالُه، فالأمرُ عظيمٌ، ثم قال له: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمَّدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمه اللَّه على النار»، وفي اللفظ الآخر المشهور: «حَقُّ اللَّه على العِبَادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكُوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبَادِ على اللَّه ﷿ ألَّا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشرِكُ به شَيئًا».\nوهذا الحديث -بلفظيه- يوافق حديث عِتبانَ وغيرِه، وبيانُ ذلك أنَّ قولَه في هذه الرواية: «إلا حَرَّمَه اللَّه على النَّارِ»، هو معنى قوله في الرواية الأخرى: «وحق العباد على اللَّه ألَّا يُعَذِّب من لم يشرك به شيئًا»، فالحديثُ واحِدٌ، والروايتان متفقتان في المعنى، فكأنَّ اختلاف اللفظ راجعٌ إلى الرواية بالمعنى.\nفشهادة: «أن لا إله إلا اللَّه» هي معنى «حقُّ اللَّهِ على العِبَادِ أن يَعبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شَيئًا»، وهذا هو مضمون شهادة: «أن لا إله إلا اللَّه».\nوشهادة «أنَّ محمدًا رسول اللَّه» تتضمن الإيمان به وبما جاء به، وأعظم ما جاء به هو «التوحيد».\nولفظ «الشهادة» في قوله ﷺ: «مَا مِنْ عَبدٍ يَشهَدُ …» يقتضي العلم والصدق واليقين، فلا بد في الشهادة من العلم؛ لأن الشهادة بلا علمٍ","vol":"1","page":42},{"text":"كَذِبٌ، ولا بد فيها أيضًا من الصدقِ، ولذا المنافقون لما قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أكذبهم اللَّه تعالى، كما في قوله جلَّ شأنه: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون (١)﴾ [المنافقون].\nفكل هذه الأحاديث ليس فيها إطلاق الوعد بدخول الجنة أو النجاة من النار على مجرد القول، وإن ورد شيءٌ مضافٌ إلى مطلق القول فإنه مقيَّدٌ بالنصوص المتضمنة لتلك الشروط، من العلم، والإخلاص، والصدق، واليقين المنافي للشك، وغيرها من الشروط.\nفهذه الأحاديث فهم منها أهل العلم الدلالة على فضل التوحيد، وعظيم ثوابه وأثره، وهؤلاء هم أهل الفهم الصحيح، وسيأتي كلام المؤلِّف على هذه الأحاديث وذكر مذاهب الناس فيها (^١).\nأما المرجئة فاتخذوا من هذه الأحاديث شبهة لهم، وفهموا منها أنهم يكفيهم من دين اللَّه ﷿ أن يقولوا: «لا إله إلا اللَّه» بألسنتهم فقط، ولم ينظروا إلى ما قُيِّدَت به من الإخلاص والصدق واليقين والانقياد الذي يقتضيه لفظ الشهادة؛ كقوله ﷺ: «أُمِرتُ أن أقاتل النَّاسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه» (^٢)، وقوله في حديث معاذٍ ﵁: «ما من عبد يشهد: أن لا إله إلا اللَّه وأن محمَّدًا عبده ورسوله …»، وقوله\n_________\n(^١) ص ٤٨.\n(^٢) متفقٌ عليه من حديث ابن عمر ﵄، البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٢).","vol":"1","page":43},{"text":"في حديث عُبَادةَ ﵁: «مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمَّدًا رسول اللَّه ....» فعبَّر في هذه الأحاديث بلفظ «الشهادة».\nولذا فالذي يقول بلسانه: «لا إله إلا اللَّه» من غير علمٍ بمعناها، ولا يقينٍ بمقتضاها هو في الحقيقة لم يتحقَّق بحقيقة هذه الشهادة، إنما هو يقول هذه الكلمة بلسانه فقط، وليس هذا هو المطلوب من العبد في هذا الأصل العظيم، وليس هذا أيضًا هو الذي رُتِّبَ عليه الوعد من دخول الجنة، والنجاة من النار، فهذا الوعد العظيم ليس مرتبًا على مجرد النطق بها مع الإتيان بكلِّ أو ببعضِ ما يَنْقُضُها.\nوالأدلة على بطلان هذا الفهم السيئ كثيرة:\n- فالصحابة ﵃ قاتلوا المرتدين أتباع مسيلمة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه.\n- وقاتلوا مانعي الزكاة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه.\n- وقَتَلَ عليٌّ ﵁ السَّبَئِيَّة الغلاة، وهم يقولون: لا إله إلا اللَّه، وهكذا.\nوقد أوضح هذا المعنى وجَلَّاه واستشهد له ببعضِ هذه الشواهد وغيرِها الشيخُ المجدِّدُ محمَّدُ بنُ عبد الوهاب ﵀ في آخر رسالته المعروفة ب «كشف الشبهات»، فقد أبطل هذه الشبهة، شبهة غلاة المرجئة الذين يقولون: إنه يكفي في التحقق من الإسلام وعصمة الدم والمال قول: لا إله إلا اللَّه، وقد أتى الشيخ ﵀ بشواهد وأدلة قيمة مفحمة لأصحاب هذا التوجه الباطل.","vol":"1","page":44},{"text":"وسيورد المؤلِّف ﵀ مذاهب أهل السُّنَّة في هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث يمكن أن يَصدُق عليها أنَّها من النصوص المتشابهة، فإنَّ القرآن والحديث فيهما مُحكَمٌ ومتشابِهٌ، فيهما الواضحُ البَيِّنُ، وفيهما المتشابه المشْكِلُ معناه، وهذا كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].\nوهذا مسلك لأهل الزيغ يسلكونه في الآيات المتشابهات، وفي الأحاديث المتشابهات أيضًا، والتي منها نصوص الوعد هذه، بل وكذلك نصوص الوعيد فيها ما هو من المتشابه الذي يُشْكِلُ معناه، ولهذا وقع من الانقسام والافتراق في فهم هذه النصوص ما وقع، فهدى اللَّه أهل السُّنَّة والجماعة -المتَّبِعين للسَّلَفِ الصالح بإحسان- إلى الحق والصواب، فرَدُّوا النصوص بعضها إلى بعض، وجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد، وفهموا عن اللَّه ورسوله فهمًا حسنًا.\nوأما أهل البدع والضلال من الخوارج والمعتزلة والمرجئة وغيرهم فقد ساء فهمهم لكلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ.\nولِمَا في هذا الحديث -حديثِ معاذٍ- وأمثالِه من الاشتباه نهى النبي ﷺ معاذًا من أن يُحَدِّثَ به النَّاسَ، لئلا يتكلوا على هذا الوعد ويتركوا العمل؛ اعتِمَادًا عَلَى مَا يَتَبَادَر مِنْ ظَاهِر الحديث.\nولا ريب أن المراد ب «النَّاسِ» هنا: الناس الذين لا يحسنون فهم هذا الحديث، وفي هذا فضيلة لمعاذٍ ﵁، وشهادةٌ له بأنَّه ممن يحسن الفهم عن اللَّه ورسوله؛ ولهذا خَصَّه النبي ﷺ بالتحديث بهذا الأمر،","vol":"1","page":45},{"text":"ونهاه عن أن يُحَدِّثَ به عمومَ النَّاسِ، ولا شك أنَّ في أصحاب رسول اللَّه ﷺ قومٌ كثيرٌ ممن هو في منزلة معاذٍ وفوقها.\nولهذا أبو هريرة ﵁ لما أَخبَر عن الرسول ﷺ بهذا المعنى أنكر عليه عمر ﵁ أن يُحَدِّثَ به، واستثبتَ منه الحديثَ، حتى رجع أبو هريرة إلى النبي ﷺ يشتكي عمر، فذكر له عمرُ أنَّه يخاف على الناس أن يتَّكِلُوا، فقال رسول اللَّه ﷺ: «خَلِّهِم يَعمَلُون» (^١).\n_________\n(^١) والقصة أخرجها الإمام مسلم رقم (٣١)، ولفظه: عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ في نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَينِ أَظهُرِنَا فَأَبطَأَ عَلَينَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعنَا فَقُمنَا، فَكُنتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجتُ أَبتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَيتُ حَائِطًا لِلأَنصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَم أَجِد، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدخُلُ في جَوفِ حَائِطٍ مِنْ بِئرٍ خَارِجَةٍ -وَالرَّبِيعُ الجَدوَلُ- فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ، فَدَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبُو هُرَيرَةَ؟!». فَقُلتُ: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَا شَأنُكَ؟». قُلتُ: كُنْتَ بَينَ أَظهُرِنَا فَقُمتَ فَأَبطَأتَ عَلَينَا فَخَشِينَا أَنْ تُقتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعنَا فَكُنتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَأَتَيتُ هَذَا الحَائِطَ فَاحتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعلَبُ وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيرَةَ» -وَأَعطَانِي نَعلَيهِ- قَالَ: «اذهَب بِنَعلَيَّ هَاتَينِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ» فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعلَانِ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ فَقُلتُ: هَاتَانِ نَعلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ بَشَّرتُهُ بِالجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَينَ ثَديَيَّ فَخَرَرتُ لاستِي، فَقَالَ: ارجِع يَا أَبَا هُرَيرَةَ، فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجهَشتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟». قُلتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخبَرتُهُ بِالَّذِي بَعَثتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَينَ ثَديَيَّ ضَربَةً خَرَرتُ لاستِي، قَالَ: ارجِع، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَبَعَثتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعلَيكَ مَنْ لَقِيَ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلبُهُ بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَم». قَالَ: فَلَا تَفعَل فَإِنِّي أَخشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيهَا فَخَلِّهِم يَعمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَخَلِّهِم».","vol":"1","page":46},{"text":"فكثير من الناس إذا سمعوا هذا الوعد حملهم ذلك على التقصير في العمل اعتمادًا عليه، بخلاف أهل العلم والإيمان والبصيرة، فإنه لا تحملهم نصوص الوعد والفضل والفضائل إلا على مضاعفة الجهد والاجتهاد في العبادة.\nفالعشرة المبشرون بالجنة ﵃ لم تزدهم هذه البشارة إلا جِدًّا واجتهادًا، وهكذا أمثالهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لا يأخذون من هذه البشائر ما يحملهم على البطالة والإخلاد إلى الدَّعَة، والتقصيرِ في الواجبات، بل لا يحملهم ذلك على التقصير حتى في الفضائل والنوافل والمستحبات، بل هم يعلمون أن ما بُشِّرُوا به من دخول الجنة إنما كان ذلك بالأعمال التي جعلها اللَّه سببًا لبلوغ هذه المنازل.\n* * *","vol":"1","page":47},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَأَحَادِيثُ هَذَا البَابِ نَوعَانِ:\nأَحَدُهُمَا: مَا فِيهِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ، أَوْ لَم يُحجَب عَنهَا؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّ النَّارَ لا يُخَلَّدُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهلِ التَّوحِيدِ الخَالِصِ، وَقَدْ يَدخُلُ الجَنَّةَ وَلا يُحجَبُ عَنهَا إِذَا طُهِّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ بِالنَّارِ.\nوَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَعنَاهُ: أَنَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةَ لا يَمنَعَانِ دُخُولَ الجَنَّةِ مَعَ التَّوحِيدِ، وَهَذَا حَقٌّ لا مِريَةَ فِيهِ، لَيسَ فِيهِ أَنَّهُ لا يُعَذَّبُ يَومًا عَلَيهِمَا مَعَ التَّوحِيدِ.\nوفِي مُسنَدِ البَزَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرفُوعًا: «مَنْ قَالَ: لا إله إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتهُ يَومًا مِنْ دَهرِهِ، يُصِيبُهُ قَبلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ» (^١).\nوَالثَّانِي: مَا فِيهِ أَنَّهُ يَحرُمُ عَلَى النَّارِ، وَهَذَا قَدْ حَمَلَهُ بَعضُهُم عَلَى الخُلُودِ فِيهَا، أَوْ عَلَى نَارٍ يُخَلَّدُ فِيهَا أَهلُهَا، وَهِيَ مَا عَدَا الدَّرْكِ الأَعلَى، فَإِنَّ الدَّرْكَ الأَعلَى يَدخُلُهُ خَلقٌ كَثِيرٌ مِنْ عُصَاةِ المُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِم، ثُمَّ يَخرُجُونَ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، وَبِرَحمَةِ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ.\nوَفي «الصَّحِيحَينِ» أَنَّ اللَّهَ -تَعَالى- يَقُولُ: «وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُخْرِجَنَّ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار في «مسنده» (١٥/ ٦٦) رقم (٨٢٩٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٧/ ٢٧٢) رقم (٣٠٠٤)، والطبراني في «الأوسط» (٦/ ٢٧٣) رقم (٦٣٩٦)، وإسناده صحيحٌ.\n(^٢) متفقٌ عليه من حديث أنسٍ ﵁؛ البخاري رقم (٧٥١٠)، ومسلم رقم (٥٠٠)، وهو جزءٌ من حديث الشفاعة الطويل.","vol":"1","page":48},{"text":"<hr><s0>\n\nساق المؤلِّف ﵀ جملةً من الأحاديث -كما تقدَّم- مما يدل على فضل التوحيد، وجزاء أهله، وذلك بتحريمهم على النار، ودخولهم الجنة، وأنهم لا يُحجَبُون عنها.\nوقد ذكرتُ سابقًا أنَّ لهذه النصوص نظائرَ كثيرة، وهي -مع نصوص الوعيد- تعتبر من نوع المتشابه الذي يشتبه معناه ويخفى على بعض الناس، ولهذا وقع بسببها ما وقع من الافتراق والانقسام في فهمها على وجهها.\nفَضَلَّ بهذه الأحاديث أهل الإرجاء، سواء كان هذا الإرجاء مُؤصَّلًا على اعتقاد في مفهوم الإيمان وحقيقته، أو كان من الشُّبَه التي يُلقيها الشيطانُ في نفوسِ بعضِ العصاة، وإن لم يكونوا ممن يعتقد مذهب المرجئة.\nفكثيرٌ من عصاة أهل السُّنَّة -ممن لا يقولون أو يعتقدون أو حتى يعرفون مذهب المرجئة في الإيمان- إذا سمعوا مثل هذه الأحاديث ألقى الشيطان في نفوسهم التهاون بالمعاصي، وفهموا من ذلك أن معاصيهم لا تضرهم، وأن توحيدهم يمنعهم من العذاب، ويوجب لهم دخول الجنة، وهذا ولا شك جهلٌ واغترارٌ؛ جهلٌ بالمراد من هذه النصوص، واغترارٌ برحمة اللَّه ومغفرته.\nوهذا المعنى أيضًا ينسحب على الأحاديث الأخرى التي فيها أنَّ مَنْ فَعَلَ كذا دخل الجنة، أو مَنْ فعل كذا وقاه اللَّه النَّار، من مثل حديث:","vol":"1","page":49},{"text":"«مَنْ صلَّى البَردَينِ دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١)، وحديث: «إن للَّه تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» (^٢)، وحديث: «مَا مِنْكُنَّ امرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» (^٣)، وحديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ» (^٤) ونحوها من الأحاديث.\nفقد يظن بعضُ النَّاس أنَّه بمجرَّد قيامِه بعملٍ من هذه الأعمال أنه يدخل الجنة، أو تكون له حجابًا من النار، ولو اقترف من الذنوب والمعاصي ما اقترف، ولا شك أن هذا فهمٌ خاطئٌ لهذه النصوص.\nفنصوص الوعد ضَلَّ بها المرجئة، وضَلَّ بها أيضًا جهلة العصاة من أهل السُّنَّة، فأخطؤوا في الفهم، ولَبَّس عليهم الشيطان، وزَيَّنَ لهم أن ما يقومون به من أعمال صالحة أنها تَعصِمُهم من الوعيد المرَّتب على معاصيهم.\nفمن سوء الفهم مثلًا ظَنُّ بعض الناس أنَّه إذا صَلَّى الجمعة، فإنَّ صلاته تكفِّرُ عنه ما بينها وبين الجمعة الأخرى وفَضلِ ثَلاثة أيام، كما\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ البخاري رقم (٥٧٤)، ومسلم رقم (١٤٧٠).\n(^٢) متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁؛ البخاري رقم (٢٧٣٦)، ومسلم رقم (٦٩٨٦).\n(^٣) متفقٌ عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ البخاري رقم (١٠١)، ومسلم رقم (٦٨٦٨).\n(^٤) متفقٌ عليه من حديث عدي بن حاتم ﵁؛ البخاري رقم (٦٠٢٣)، ومسلم رقم (٢٣٩٦).","vol":"1","page":50},{"text":"جاء في الحديث الصحيح (^١)، وهذا حقٌّ ولكن ليس كما يظن هذا الجاهل أن صلاته الجمعة تكفيه عن أداء بقية الصلوات، وتوجب له مغفرة ما يقترفه من كبائر الذنوب.\n\nف<span data-type='title' id=toc-47>أحاديث الوعد بمغفرة الذنوب المرتَّبِ على الأعمال الصالحة هي محمولةٌ عند أهل العلم على مغفرة الصغائر دون الكبائر،</span> كما جاء النص بذلك في قوله ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الخَمسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَينَهُنَّ مَا اجتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» (^٢)، وفي الحديث الآخر: «مَا مِنِ امرِئٍ مُسلِمٍ تَحضُرُهُ صَلَاةٌ مَكتُوبَةٌ، فَيُحسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرَكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَم يُؤت كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهرَ كُلَّهُ» (^٣).\nفالذي يظن أنَّ محافظتَه على الصلوات، أو إتيانَه بالعمرة يُكَفِّر عنه ما يقترفه من كبائر الذنوب؛ من الزِّنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، وما أشبه ذلك = لا شك أنَّه مغرورٌ مَخدوعٌ، وهذا من الجهل والاغترار بمغفرة اللَّه، ومن سوء الفهم لكلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ.\nثم بعد هذا انتقل المؤلِّف ﵀ للكلام على هذه الأحاديث، فقَسَّمَها إلى نوعين:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٨٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ولفظه: «مَنْ اغتَسَلَ ثُمَّ أتى الجُمُعَةَ فَصَلَّى مَا قُدِّرَ له ثم أَنصَتَ حتَّى يَفْرغَ من خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَه مَا بَينَهُ وبَينَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».\n(^٢) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٥٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٥٦٥) من حديث عثمان بن عفَّان ﵁.","vol":"1","page":51},{"text":"النوع الأول: ما فيه الوعد بدخول الجنة، وأنَّ مَنْ أتى بشهادة التوحيد بصدقٍ وإخلاصٍ ويقينٍ دَخَلَ الجنَّة أو لم يُحجَب عن الجنَّة، وهذا النوع من الأحاديث لا إشكال فيه؛ لأنه ليس فيه نفي أنه يعذب على قدر ذنوبه، أو أنه يُعَذَّبُ ما شاء اللَّه له أن يُعَذَّب ثم يُخرَجُ من النار، إنما فيها الإخبار بدخول الجنة فحسب.\nوالموحِّدُون وإن عُذِّبُوا فمصيرهم ومآلهم ونهايتهم إلى الجنَّة، فهذه الأحاديث لا إشكال فيها، ولا متمسك فيها للمرجئة.\nلكن الأحاديث التي فيها الإشكال، والشبهة فيها أظهر، هي أحاديث النوع الثاني وهي الأحاديث التي فيها التصريح بنفي العذاب؛ كحديث: «وَحَقُّ العِبَادِ على اللَّهِ ألَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا»، أو فيها ذكر التحريم على النار؛ كحديث: «إنَّ اللَّه حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بها وجه اللَّه».\nثم أورد المؤلِّف ﵀ مذاهب أهل السُّنَّة -القائلين بأنَّ أهلَ الكبائر مستحقون للوعيد- في الجواب عن هذه الأحاديث، فذكر أنَّ منهم:\n- مَنْ حمل هذه الأحاديث المتضمنة لنفي العذاب أو التحريم على النار على أن المراد بذلك نفي الخلود فيها، فقالوا في قوله ﷺ: «إنَّ اللَّه حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بها وجه اللَّه»؛ يعني: حَرَّمَ عليه الخلود فيها.\n- ومنهم مَنْ قال بأن النار المحرَّم دخولها في هذه الأحاديث هي نار الكافرين لا نار العصاة من الموحِّدِين.","vol":"1","page":52},{"text":"فالنَّارُ مراتب ودركات، والنار المعدَّة للكافرين هي نار الخلود، وهي التي حرَّمها اللَّه على أهل التوحيد، وحرَّمهم عليها، وأما النار المعدَّة لعصاة الموحِّدين فهي للتطهير لا للخلود فيها، قالوا: وهذه النار ليست مرادة في هذه الأحاديث.\nوهذا الجواب ليس بالبَيِّن؛ لأنَّ اسم النار شاملٌ لكل دركاتها، كيف وفي بعض نصوص الوعيد ذكر الخلود؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء].\n* * *","vol":"1","page":53},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\nوقَالَت طَائِفَةٌ من العُلَمَاءِ: المَرَادُ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَنَّ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَمُقتَضٍ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُقتَضِي لا يَعمَلُ عَمَلَهُ إِلَّا بِاستِجمَاعِ شُرُوطِهِ وَانتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَقَد يَتَخَلَّفُ عَنهُ مُقتَضَاهُ لِفَوَاتِ شَرطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، أَوْ لِوُجُود مَانِعٍ؛ وَهَذَا قَولُ الحَسَنِ وَوَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وَهُوَ الأَظهَرُ.\nوَقَالَ الحَسَنُ لِلفَرَزدَقِ -وَهُوَ يَدفِنُ امرَأَتَهُ-: مَا أَعدَدتَ لِهَذَا اليَومِ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُنذُ سَبعِينَ (^١) سَنَةً. قَالَ الحَسَنُ: نَعَم (^٢)، إِنَّ لِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» شُرُوطًا فَإِيَّاكَ وَقَذفَ المُحصَنَةِ (^٣).\n[وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لِلفَرَزدَقِ: هَذَا العَمُودُ، فَأَينَ الطُّنُبُ؟ (^٤) (^٥).\nوَقِيلَ لِلحَسَنِ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرْضَهَا دَخَلَ الجَنَّةَ (^٦).\n_________\n(^١) في جميع مصادر القصة: «ثمانين».\n(^٢) في نسخة (ب): [نِعْمَ العُدَّة، لَكِن إنَّ ل «لا إله إلا اللَّه» …].\n(^٣) رواها البلاذري في «أنساب الأشراف» (١٢/ ٧٧)، والشريف المرتضى في «أماليه» (١/ ٦٥).\n(^٤) «أمالي المرتضى» الموضع السابق.\n(^٥) ما بين المعقوفتين ساقطٌ في نسخة (ب).\n(^٦) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في «الحُجَّة في بيان المحجَّة» (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":54},{"text":"وَقَالَ وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: أَلَيسَ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مِفتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِن مَا مِنْ مِفتَاحٍ إِلَّا وَلَهُ أَسنَانٌ، فَإِنْ جِئتَ بِمِفتَاحٍ لَهُ أَسنَانٌ فَتَحَ لَكَ، وَإِلَّا لَم يَفتَح لَكَ (^١).\nوَهَذَا الحَدِيثُ: «إِنَّ مِفتَاحَ الجَنَّةِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ (^٢) بِإِسنَادٍ مُنقَطِعٍ عن مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا سَأَلَكَ أَهلُ اليَمَنِ عَنْ مِفتَاحِ الجَنَّةِ؟ فَقُلْ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).\n<hr><s0>\n\nفي هذا المقطع ذكر المؤلِّفُ ﵀ القولَ الثاني في الجواب عن أحاديث تحريم من قال: «لا إله إلا اللَّه» على النار، أو تحريم النار عليه، أو نفي العذاب عنه = وهو أنَّ المراد من هذه الأحاديث أنَّ التوحيد سَبَبٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة والنَّجاة من النَّار، وكلُّ سببٍ شرعيٍّ أو كونيٍّ فإنَّه يَتَوقَّف تأثيرُه وحصولُ مقتضاه على وجود الشروط وانتفاء الموانع، فمتى فُقِدَ الشَّرطُ أو وُجِدَ المانِعُ لم يعمل السببُ عَمَلَه، ولم يتحقق مقتضاه.\n_________\n(^١) علَّقه البخاري في «صحيحه» [كتاب الجنائز -باب مَنْ كان آخر كلامه «لا إله إلا اللَّه»]، ووصله إسحاق بن راهويه في «مسنده» - كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٩٣) -، وإسناده حسنٌ كما قال ابن حجر.\n(^٢) «المسند» رقم (٢٢١٠٢)، وأخرجه أيضًا البزار في «مسنده» رقم (٢٦٦٠)، وضَعَّفه ابنُ حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٤٥٤).\n(^٣) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» رقم (١٩٢) وإسناده ضعيفٌ.","vol":"1","page":55},{"text":"ثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ هذا القول هو الأظهر، ونَسَبَه للحسن البصري، ووهب بن منبه رحمهما اللهُ، ونِسْبَتُه هذا القولَ إليهما لا لاختصاصهما بهذا المعنى، لكن لوجود تلك الآثار عنهما.\nفالحسن ﵀ يُبَيِّنُ أنَّه لا يكفي مجرد النطق ب «لا إله إلا اللَّه»، بل لا بد -مع ذلك- من معرفة معناها، والتحقُّق بمقتضاها، ولذا لَمَّا قال للفرزدق: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ أجابه الفرزدق بقوله: شهادةَ «أن لا إله إلا اللَّه» منذ سبعين سنة، فقال له الحسن: نَعَم، -وفي بعضِ النُّسَخ: نِعْمَ العُدَّة-، وهذا صحيحٌ، فإن شهادة أن «لا إله إلا اللَّه» هي الأصل، وهي نِعمَ العُدَّة، ولكن لا بد -مع ذلك- من الحذر من معاصي اللَّه، ولذا قال له الحسن محذِّرًا: «إياكَ وقَذْفَ المحصَنَة» (^١)، وذلك ليبَيِّن له أن هذا لا يُسَوِّغُ له الجرأة على المعاصي وانتهاك الحُرُمات.\nوكذلك قوله ﵀ له: «هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ؟»، وهذا من باب التمثيل، ومثله أيضًا قول وهب بن مُنَبِّه في شأن المفتاح كما سيأتي.\nفالفُسطاطُ أو الخيمةُ لا تقوم إلا بالعمود مع الطُّنُبُ، فإذا سقط العمود لم تُفِد الطُّنُبُ شيئًا، وإن وُجِدَ العمود ولم توجد الطُّنُبُ لم ينفع العمودُ، فالخيمة يتوقف الانتفاع بها على العمودِ وعلى الطُّنُبِ معًا، فباجتماعهما يحصل الانتفاع والاستظلال.\n_________\n(^١) إنما خصَّه بالنهي عن قذف المحصنة لِمَا عَرَفَ عنه من الإقذاع في هجاء خصومه، وربما جَرَّه ذلك إلى الوقيعة في نسائهم، وقذفهنَّ بما ليس فيهنَّ.","vol":"1","page":56},{"text":"وهكذا الأثر الذي نقله المؤلِّف ﵀ عن وهب بن مُنَبِّه، وهو كلامٌ جَيِّد أيضًا، فإنه لما قيل له: أليس «لا إله إلا اللَّه» مفتاح الجنة؟، قال: بلى، ولكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنانٌ، فإن جئتَ بمفتاحٍ له أسنان فُتِحَ لك، وإلا لم يُفتَح لك (^١).\nفالشيء الذي هو سَبَبٌ، لا يتحقق مقتضاه إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، وهذا الجواب من وهب بن مُنَبِّه جوابٌ محكمٌ، ينتفع به الباحث في أمورٍ كثيرةٍ، واستقرئ هذا في الأمور الكونية، كما في مسألة مفتاح الباب، واستقرائه أيضًا في الأمور الشرعية، حتى في نصوص الوعيد اعتَبِر هذا، فمثلًا جاء الوعيد في شأن القاتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء]، وجاء في شأن الفارِّ من الزحف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير (١٦)﴾ [الأنفال].\nونظائرُ هذا كثيرةٌ في نصوصِ الوعدِ والوعيدِ.\n_________\n(^١) قال الشارح حفظه اللهُ: هذا النوع من المفاتيح معروفٌ وقد أدركناه قديمًا، فالأبواب الخشبية القديمة يكون لها سَكَر من الخشب يسمَّى مجرى، والمفتاحُ نفسُه عبارةٌ عن خَشَبةٍ فيها أعوادٌ تسمَّى أسنان، إذا فُقِدَ واحدٌ منها لم يَفتَح؛ لأنَّ هذه الأسنانَ ترفَعُ الأعوادَ التي تَمنَع الخشبةَ المعتَرِضَة التي تَحبِسُ البابَ وتمنَعُه من الحركةِ، فترفع أسنانُ المفتاحِ هذه الأعوادَ فتتحرك الخشبة المعترضة فينفتح الباب.","vol":"1","page":57},{"text":"فالأمورُ التي رُتِّبَ عليها الوَعدُ للأعمالِ الصالحةِ أو الوعيدِ على المعاصي كلُّها تقتضي أنَّ هذا الفعلَ سَبَبٌ مقتَضٍ لما رُتِّبَ عليه من ثوابٍ أو ما رُتِّبَ عليه من عقابٍ، والسَّبَبُ لا يتحقَّقُ مقتضَاه إلا بوجود الشُّرَوط وانتفاء الموانع.\n\nفهذه<span data-type='title' id=toc-53> قاعدةٌ مهمةٌ نافعةٌ في أمورٍ كثيرةٍ،</span> وترفع كثيرًا من الإشكالات، ففي المثال الذي ذكرتُه آنفًا من الوعيد في حقِّ القاتل المتعمِّد، فإنَّ قَتلَ المؤمنِ عَمدًا سَبَبٌ مقتضٍ لدخول النَّار والخلودِ فيها، ولكن دلت نصوصٌ أخرى على أنَّ هناك ما يمنع من ذلك، فالتوبة مانعٌ من هذا الوعيد باتفاق المسلمين، والتوحيدُ أيضًا مانعٌ من الخلود في النَّار باتفاق أهل السُّنَّة.\nفهذا الذنبُ العظيمُ سَبَبٌ مقتضٍ للعذاب، وهو مع ذلك مقيَّدٌ بمشيئة اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ١١٦].\nفعلمنا حينئذٍ أنَّ هذا الوعيد معلَّقٌ على المشيئة، فجائزٌ أن يغفرَ اللَّه لهذا القاتِلِ بما شاء من الأسباب، ولا يُدخِلَهُ النَّار، فيغفر له ويتجاوز عنه ويُرضِي عنه المقتولَ، وقد يكون لهذا القاتل من الأعمال الصالحة ما يقتضي مغفرةَ اللَّه له ونجاتَه من العذاب.\nفشهادةُ التوحيدِ -كما قال المؤلِّف: - ما هي إلا سَبَبٌ مقتضٍ لدُخولِ الجنَّةِ والنَّجاةِ من النَّارِ، ولكنَّ المُقتَضِي لا يعمَلُ عَمَلَهُ إلَّا باستِجمَاعِ شرُوطِهِ وانتِفاءِ موانِعِهِ.","vol":"1","page":58},{"text":"فشروط «لا إله إلا اللَّه» التي استنبطها أهل العلم -وهي: العلم، والقبول، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والانقياد، واليقين، والكفر بما يعبد من دون اللَّه- هي في الحقيقة تقتضي أنه لا يكفي مجرَّد النطق بها، بل لا يتحقق مقتضى هذه الكلمة العظيمة إلا باستيفاء هذه الشروط كلِّها، وكلُّ واحدٍ من هذه الشروط له ضِدٌّ لا بد من انتفائه.\nوهذه الشروط إذا تحقَّقت في قلبِ العبدِ على الوجهِ الأكملِ فإنَّها تمنَعُه من الإصرارِ على كبيرةٍ، أو على تَركِ واجبٍ؛ لأنَّ هذه المعاني إذا تحقَّقت في القلبِ على الوجهِ الأكملِ أثمرَت ثمراتها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون (٣)﴾ [الأنفال].\nفمن حَصَلَ له العلمُ التامُّ واليقينُ والصدقُ والإخلاصُ للَّه والمحبةُ لما دَلَّت عليه هذه الكلمةُ العظيمةُ، هل تراه يُصِرُّ على شيءٍ من المعاصي؟!\nلا شك أنَّ تحقُّق هذه الشروط على الوجهِ الأكملِ يوجبُ الامتناعَ عن الإقدامِ على المعصية، وإن حَصَلت الهفوة فإنها تمنع من الإصرار عليها، لكن قد تضعف هذه المعاني فيحصل النقص والخلل، ويقع التقصير في العمل.\n* * *","vol":"1","page":59},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا القَولِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَ دُخُولَ الجَنَّةِ عَلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ في كَثِيرٍ مِنْ النُّصُوصِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخبِرنِي بِعَمَلٍ يُدخِلُنِي الجَنَّةَ. فَقَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ» (^١).\nوَفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ إِذَا عَمِلتُهُ دَخَلتُ الجَنَّةَ. قَالَ: «تَعبُدُ اللَّهَ لا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيئًا، وَلا أُنقِصُ مِنهُ. فَقَالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ فَليَنظُر إِلى هَذَا» (^٢).\n<hr><s0>\n\nهذه الأحاديث موافقة لما في القرآن العظيم، فاللَّه تعالى في آيات كثيرة إنما رَتَّبَ دخولَ الجنَّة على الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١٣٣٢)، ومسلم رقم (١٣).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٤).","vol":"1","page":60},{"text":"فِيهَا خَالِدُون (٨٢)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب (٢٩)﴾ [الرعد]، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه].\nوالآيات في هذا المعنى كثيرة، فدخولُ الجنَّة مرَتَّبٌ على الإيمان والعمل الصالح.\nوهذه الأحاديث التي سُئِلَ فيها الرسول ﷺ عمَّا يُدْخِلُ الجنَّة ويُبَاعِدُ عن النَّار لم يقتصر في الجواب عن ذلك على قوله للسائل مثلًا: «قل: لا إله إلا اللَّه» فقط، بل قال له: «تعبدُ اللَّه ولا تشركُ به شيئًا»؛ أي: تخلص في العبادة للَّه، وهذا الجواب هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، ثم قال له أيضًا: «وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرَّحِم»، فجمع في جوابه هذا بين التوحيد والعمل الصالح.\nومن هذا الجنس أيضًا حديث معاذ المشهور الذي أخرجه الترمذي وغيره، - وهو من أحاديث «الأربعين النووية» (^١) -، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سَأَلتَ عن عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ، تَعبُدُ اللَّه وَلا تُشْرِكُ بِهِ\n_________\n(^١) وهو الحديث التاسع والعشرون.","vol":"1","page":61},{"text":"شَيئًا، وتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيتَ» (^١)، فذكر له أصول الإسلام ومبانيه العظام، وجعل ذلك هو السبب في دخول الجنة والنجاة من النار، فلم يقصر جوابه على قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» مع أن قوله: «تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا» يقتضي العمل، ويقتضي إخلاص العبادة للَّه وحده.\nفهذه الأحاديث موافقة لما جاء في القرآن تمام الموافقة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦١٦)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٩٧٣)، والإمام أحمد في «المسند» رقم (٢٢٠١٦)، وغيرهم.\nوالحديث بمجموع طرقه ثابتٌ محفوظٌ، قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه العلامة ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٥٩) وغيره.","vol":"1","page":62},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوفي «المُسنَدِ» عَنْ بَشِيرِ بنِ الخَصَاصِيَةِ ﵁ قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ لأُبَايِعَهُ فَاشتَرَطَ عَليَّ: شَهَادَةَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ أُقِيمَ الصَّلاةَ، وَأَنْ أُوتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَنْ أَحُجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ، وَأَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ، وَأَنْ أُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا اثنَتَينِ فَوَاللَّهِ ما أُطِيقُهُمَا: الجِهَادُ والصَّدَقَةُ (^١)، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ ثُمَّ حَرَّكَهَا، وَقَالَ: «فلا جِهَادَ وَلا صَدَقَةَ!، فَبِمَ تَدخُلُ الجَنَّةَ إِذًا؟!»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أُبَايِعُكَ، فَبَايَعتُهُ عَلَيهِنَّ كُلِّهِنَّ (^٢).\nفَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ شَرطٌ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ مَعَ حُصُولِ التَّوحِيدِ وَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ.\n_________\n(^١) ورد في مصادر التخريج بيانُ سببِ عدمِ إطاقته ﵁ للجهاد والصدقة فقال ﵁: «فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَنْ وَلَّى الدُّبُرَ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَخَافُ إِنْ حَضَرْتُ تِلْكَ جَشِعَتْ نَفْسِي، وَكَرِهَتِ الْمَوْتَ، وَالصَّدَقَةُ -فَوَاللَّهِ- مَا لي إِلَّا غُنَيْمَةٌ وَعَشْرُ ذَوْدٍ، هُنَّ رَسَلُ أَهْلِي وَحَمُولَتُهُمْ» وهذا لفظ أحمد.\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٢١٩٥٢)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٤٥٠)، والطبراني في «الكبير» (٢/ ٤٤)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٧٩) وقال: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ ولَم يُخرِّجاهُ».","vol":"1","page":63},{"text":"<hr><s0>\n\nهذا الحديث من جنس ما قبله في اعتبار الأعمال، ولا سيما أركان الإسلام العظام؛ الصلوات الخمس، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد.\nففي هذا الحديث جاء بشير بن الخصاصية ﵁ لمبايعة النبي ﷺ، فاشترط عليه في المبايعةِ الالتزامَ بالشهادتين وسائرَ أركان الإسلام، وأضاف إليها الجهاد، فأبدى ﵁ استعدادَه للمبايعةِ على كلِّ ما ذُكِرَ إلا الجهاد والصدقة -والمراد بها هنا: الزكاة-، فما كان من النبيِّ ﷺ إلا أن قَبَضَ يدَه، وامتنعَ من مبايعته، وقال له: «لا جهاد ولا صدقة، فبِمَ تَدخُلُ الجنَّة إذًا؟!».\nفتبين بهذا أن المقصود من هذه المبايعة أن يلتزم المسلم بهذه الأمور المذكورة، فمن امتنع أن يلتزم بالزكاة أو بالجهاد فمعنى هذا عدم قبوله لهاتين الشعيرتين، والفريضتين العظيمتين، و«الزكاة» وإن كانت فرض عين على من تحقَّقَت فيه الشروط، وكذلك «الجهاد» الأصل فيه أنه فرض كفاية، لكن لا بد مع هذا من الالتزام بشرائع الإسلام كلها.\nولذا لَمَّا رأى بشيرٌ ﵁ أنه لا بد من المبايعة والالتزام بجميع ما ذُكِرَ من الشرائع، وأن «الصدقة» و«الجهاد» من الأهمية في الدِّين بمكان، راجَعَ نفسَه واستجاب لما عَرَضَ عَليه النبيُّ ﷺ، وبايع على الالتزام بكل هذه المذكورات.","vol":"1","page":64},{"text":"وعلى هذا؛ فمن دخل في الإسلام وعُرِضَت عليه شرائعه، وقال: أنا لا أقبل من الإسلام إلا كذا وكذا، فإنه لا يكون مسلمًا حينئذٍ، بل لا بد أن يلتزم بشرائع الإسلام كلها، وذلك بالإيمان بها، وعَقْدِ العَزْم على القيام بها؛ لأن كثيرًا من هذه الشرائع والواجبات لم يتهيأ القيام بها عند المبايعة، فالحج له وقت، والصيام له وقت، والجهاد يتوقف على وجود أسبابه، والصدقة أيضًا تتوقف على وجود المقتضي لها، وهو مِلكُ المال ومِلكُ النِّصَاب، ولكنَّ الأمرَ المتَحَتِّم في هذا المقام هو الالتزام بها، وذلك بالإقرار بوجوبها، وعَقْدِ العزم على القيام بها.\nفعدم الالتزام ببعض شرائع الإسلام معناه عدم الإقرار بها، وعدم التفكير في عملها، ومثل هذا لا يكون مسلمًا، لا بد لمن أراد أن يدخل الإسلام أن يشهد الشهادتين ويلتزم ببقية الشرائع.\n* * *","vol":"1","page":65},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\nوَنَظِيرُ هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» فَفَهِمَ عُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ امتَنَعَ مِنْ عُقُوبَةِ الدُّنيَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، فَتَوَقَّفُوا في قِتالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَفَهِمَ الصِّدِّيقُ أَنَّهُ لا يَمتَنِعُ قِتَالُهُ إِلا بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، لِقَولِهِ ﷺ «فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ مَنَعُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلا بِحَقِّهَا [وحِسَابُهُم على اللَّه]» وَقَالَ: الزَّكَاةُ حَقُّ المَالِ (^١).\nوَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ قَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ [صريحًا] جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، مِنهُم: ابنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَغَيرُهُمَا (^٢)، وَأَنَّهُ قَالَ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ».\nوَقد دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nكَمَا دَلَّ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] عَلَى أَنَّ الأُخُوَّةَ في الدِّينِ لا\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁، البخاري رقم (١٣٣٥)، ومسلم رقم (٢٠).\n(^٢) حديث ابن عمر ﵁ متفقٌ عليه؛ أخرجه البخاري رقم (٢٥)، ومسلم رقم (٢٢).\nوأما حديث أنس ﵁: فأخرجه البخاري رقم (٣٨٥).","vol":"1","page":66},{"text":"تَثبُتُ إِلا بِأَدَاءِ الفَرَائِضِ مَعَ التَّوحِيدِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنْ الشِّركِ لا تَحصُلُ إِلا بِالتَّوحِيدِ.\nوَلَمَّا قَرَّرَ أَبُو بَكرٍ ﵁ هَذَا لِلصَّحَابَةِ رَجَعُوا إِلى قَولِهِ، وَرَأَوهُ صَوَابًا.\n\nفَ<span data-type='title' id=toc-59>إِذَا عُلِمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الدُّنيَا لا تَرتَفِعُ عَمَّن أَدَّى الشَّهَادَتَينِ مُطلَقًا، بَلْ قَدْ يُعَاقَبُ بِإِخلالِهِ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الإِسلامِ، فَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الآخِرَةِ.</span>\n<hr><s0>\n\nوهذه الأحاديث أيضًا تؤيد ما سبق من اعتبار الأعمال في ثبوت حكم الإسلام، وفي النجاة من العقاب في الدنيا بالقتال أو القتل، وكذلك في النجاة من العذاب في الآخرة.\nوقد ثبت في «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا» (^١)، وفي حديث ابن عمر: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّ الإِسلَامِ وَحِسَابُهُم عَلَى اللَّهِ» (^٢).\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":67},{"text":"ففي هذا الحديث ذكر النبيُّ ﷺ الأصولَ الثلاثة؛ وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة، وجعل عصمة الدَّم والمال موقوفٌ على تحقيق هذه الأصول الثلاثة.\nفهذا الحديث وما في معناه مطابقٌ تمام المطابقة للآيتين الكريمتين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، و﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].\nفأفادت الآيات والأحاديث أنه لا يُكَفُّ عن قتال المشركين إلا بالتوبة من الشرك، ولا يكون ذلك إلا بالإتيان بالشهادتين، مع الالتزام بهاتين الشعيرتين العظيمتين (الصلاة والزكاة)، وبَقِيَّةُ الشعائر مثلُهما في وجوب الالتزام، ولكن جرى الاقتصار عليهما في هذه النصوص؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام، ومَن التزم بهما فما بعدهما تَابِعٌ لهما.\nويُوَضِّحُ هذا المقام: ما جرى لأبي بكر الصديق ﵁ مع عمر ﵁ ومَن وَافَقَه في شأن مانعي الزكاة، حيث عزم أبو بكر على قتالهم واعترض عليه عمر، وقال له: كيف تقاتل مَنْ قال: «لا إله إلا اللَّه»، وقد قال رسول اللَّه ﷺ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا»؟، فقال له أبو بكر ﵁ قولتَه المشهورة: «وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا -أو عَنَاقًا- كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهِ»، قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيتُ اللَّهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدرَ","vol":"1","page":68},{"text":"أَبِي بَكرٍ لِلقِتَالِ فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ»، فاتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعي الزكاة.\nوالمؤلِّف ﵀ استنبط من هذا: أن التوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، بل يباح معه قِتَالُ وقَتلُ من امتنع عن أداء فريضةٍ من فرائض الإسلام.\nومثل ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ» (^١)، فأحَلَّ النبيُّ ﷺ قَتلَ هؤلاءِ بإقامة ما أوجب اللَّه عليهم من العقوبة، مع أنهم يشهدون شهادة التوحيد (لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه).\nومثل ذلك أيضًا: قوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس …» إلى قوله: «إلا بحق الإسلام»، وفي اللفظ الآخر: «إلا بحقها»، فقاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة محتَجًّا ب (أنَّ الزكاةَ حَقُّ المَالِ)، وكذلك بقية شرائع الإسلام، هي من حقوق شهادة التوحيد (لا إله إلا اللَّه، محمدٌ رسول اللَّه)، فإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، كل ذلك من حَقِّها.\nفعُلِمَ من هذا كُلِّه بطلانُ مذهبِ المرجئة، الذين يقولون: إنَّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، وأنَّ قول: «لا إله إلا اللَّه» يوجب النجاة من النار.\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁؛ البخاري رقم (٦٤٨٤)، ومسلم رقم (١٦٧٦).","vol":"1","page":69},{"text":"فلا بد من إعمالِ النُّصوص كلِّها، والذي يأخذ بعض النصوص، ويترك بعضًا، هو متبعٌ لهواه، بل لا بد من ردِّ النصوص بعضِها إلى بعض، والجمعِ بينها، وهذا هو المنهج الحق الذي سار عليه أهل السُّنَّة، فجمعوا بين نصوص الوعد والوعيد، وفسَّروا بعضَها ببعض، فلم يُكَفِّرُوا بالذنوب كما فعلت الخوارج، ولم يُخرِجُوا من أصل الإيمان كما فعلت المعتزلة، احتجاجًا بقوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ..».\nوفي المقابل لم يفعلوا فعل المرجئة، ويقولوا بقولهم من أنَّ التصديقَ بالقلب، ومعرفةَ الخالق، والنطقَ بكلمة التوحيد، أنه يكفي ويعصم من العذاب.\nفالتوحيد وحده لا يعصم من العقوبة في الدنيا، فالصحابة ﵃ قاتلوا مانعي الزكاة، والرسول ﷺ يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فعُلِمَ أنه لا يُخَلَّى سبيلُهم بمجرد النطق بكلمة التوحيد من غير التزام بالشرائع.\n* * *","vol":"1","page":70},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوقد ذهبَ طائفةٌ إلى أنَّ هذه الأحاديث المذكورة أوَّلًا وما في مَعنَاها كانت قَبلَ نُزُولِ الفَرَائضِ والحدودِ، منهم: الزُّهريُّ (^١) والثَّوريُّ (^٢) وغيرُهما (^٣)، وهذا بَعيدٌ جدًّا؛ فإنَّ كثيرًا منها كانَ بالمدِينةِ بَعدَ نُزُولِ الفرائِضِ والحُدودِ، وفي بَعضِها أنَّه كَانَ في غَزوَةِ تَبوكٍ، وهي في آخِرِ حَياةِ النبيِّ ﷺ.\nوهؤلاءِ منهُم مَنْ يقولُ في هذهِ الأَحادِيثِ: إنَّها مَنسُوخةٌ، ومنهم مَنْ يقولُ: هي مُحكَمَةٌ، ولكنْ ضُمَّ إِليها شَرَائِطُ، ويَلتَفِتُ هذا إلى أنَّ الزِّيَادةَ على النَّصِّ هل هي نَسخٌ أم لا؟ والخلافُ في ذلك بين الأُصُوليِّين مشهورٌ (^٤).\nوقد صَرَّح الثوريُّ (^٥) وغيرُه بأنها منسوخةٌ، وأنَّه نَسَخَهَا الفَرَائِضُ والحُدُودُ، وقد يكونُ مرادُهم ب «النَّسْخِ» البيانَ والإيضاحَ؛ فإنَّ السلَفَ\n_________\n(^١) ينظر: «جامع الترمذي» (٥/ ٢٣ - ٢٤)، و«الإبانة الكبرى» لابن بطة - قسم الإيمان (٢/ ٨٩٦) رقم (١٢٤٨).\n(^٢) ينظر: «الترغيب والترهيب» للمنذري (٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤).\n(^٣) منهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، والضحاك بن مزاحم.\nينظر: «الإبانة» لابن بطة - قسم الإيمان (٢/ ٨٩٦) رقم (١٢٤٩)، و«شرح ابن بطال على البخاري» (١/ ٢٠٨)، و«إكمال المعلم بفوائد مسلم» (١/ ٢٥٤)، وهو اختيار الآجري في «الشريعة» (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).\n(^٤) ينظر: «كشف الأسرار» (٣/ ١٩١)، و«روضة الناظر» (١/ ٣٠٥ - ٣١٠)، و«البحر المحيط» للزركشي (٤/ ١٤٣ - ١٤٨)، و«إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٣ وما بعدها).\n(^٥) تصحَّف في الأصل إلى «النَّوَويّ»، وهو خطأ بيِّنٌ، يأباه السياق.","vol":"1","page":71},{"text":"كانوا يُطلِقُون «النَّسْخَ» على مثلِ ذَلِكَ كَثِيرًا (^١)، ويكون مَقُصُودُهم أنَّ آياتِ الفَرَائضِ والحدودِ تَبَيَّنَ بها تَوقُّفُ دخول الجنَّةِ والنَّجَاةِ من النَّار على فعلِ الفرائض، واجتناب المحارم، فصارت تلك النصوصُ منسوخةً؛ أي: مبَيَّنَةً مفَسَّرَةً، ونصوصُ الفرائضِ والحدودِ ناسخةً؛ أي: مفَسِّرَةٌ لمعنى تلك، مُوضِّحَة لها.\n<hr><s0>\n\nذكر المؤلِّف -فيما سبق- جوابين لبعض علماء أهل السُّنَّة في هذه النصوص الدالة على أن التوحيد موجب لدخول الجنة، وأن من شهد شهادة التوحيد ومات عليها دخل الجنة، أو أنه لا يعذب، أو أنه محرَّم على النار، أو أن النار محرَّمة عليه.\nوتقدَّم أيضًا قول المؤلِّف ﵀ بأن الأحاديث التي فيها الوعد بدخول الجنة محتَمِلَة أن يكون هذا الدخول في أول الأمر ابتداءً، أو يكون بعد التطهير، وهذا النوع من الأحاديث لا إشكال فيه، ولكن الذي فيه الإشكال، هي الأحاديث التي فيها نفي العذاب؛ أو فيها ذكر التحريم على النار.\nوالمؤلِّف ﵀ ذكر الجواب الأول وهو: قول من يتأوَّل هذا النفي على نفي الخلود في النار، لا نفي العذاب والدخول، وعلى هذا التأويل\n_________\n(^١) ينظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/ ٢٩)، و«الموافقات» للشاطبي (٣/ ٣٤٤ وما بعدها)، و«إعلام الموقعين» (١/ ٣٥).","vol":"1","page":72},{"text":"يكون المراد بهذه الأحاديث هو تحريم الخلود في النار، أو أنَّ النَّارَ المحرَّم دخولُها في هذه الأحاديث هي النار التي يُخَلَّد فيها من دَخَلَها، وهي نار الكافرين لا نار العصاة من الموحِّدين.\nثم ذكر الجواب الثاني -وهو أحكم وأرجح- وهو: أن المراد من هذه الأحاديث هو أن التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنة والنجاة من النار، بل هو السبب الأعظم، ولكنَّ أيّ سببٍ يتوقف حصول مُسَبَّبِه على وجود الشروط وانتفاء الموانع.\nوعلى هذا فالتوحيد لا يتحقق مقتضاه بالنجاة من النار مطلقًا ودخول الجنة من أوَّل وَهْلَة إلا بوجود شروط وانتفاء موانع.\nوذلك أن هذا مشروط بفعل الفرائض واجتناب المعاصي، جمعًا بين الأدلة؛ لأنَّ نصوص الوعيد مستفيضة في الكتاب والسُّنَّة؛ فقد ورد في القرآن الوعيد على كثير من الذنوب؛ كالربا، وقتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فكل هذه الذنوب قد ورد الوعيد عليها في القرآن، فلا يجوز إهدار هذه النصوص وإبطال دلالتها تَمَسُّكًا بهذه الأحاديث المحتَملة المطلقة، فلا بد إذًا من رد النصوص بعضها إلى بعض والجمع بينها، إما بحمل المطلق على المقيَّد، أو العامِّ على الخاصِّ، كما هو معروفٌ ومقرَّرٌ في علم الأصول.\nثم ذكر المؤلِّف ﵀ -في هذا المقطع- جوابًا ثالثًا عن هذه الأحاديث، وهو: قول طائفة من العلماء، وهو أن هذه الأحاديث إنما","vol":"1","page":73},{"text":"وردت قبل نزول الفرائض والحدود، ونسبَ المؤلِّفُ هذا القول إلى الزهري، وسفيان الثوري، ونُسِبَ أيضًا إلى سعيد بن المسيب وغيرِه ﵏.\nوهذا الجواب ضعيفٌ لا يصح، بل هو (بعيدٌ جدًّا) كما قال المؤلِّف؛ لأنَّ هذا القول معناه أن هذه النصوص قالها الرسول ﷺ بمكة قبل الهجرة، وهذا لا يستقيم أبدًا؛ فإن الصحابة الكرام الذين رووا هذه الأحاديث وسمعوها ونقلوها كان ذلك منهم في المدينة، ومنهم من لم يُسْلِم إلا متأخِّرًا كأبي هريرة ﵁، وفي بعض ما رواه ما يفيد بأنه قد سمعه مباشرة من النبي ﷺ، ومن هذه الأحاديث -كما أشار المؤلِّف- ما وقع في غزوة تبوك، وهي متأخرةٌ، في آخر حياة النبي ﷺ.\nفهذا القول إذًا غير مستقيم، ولا يصلح جوابًا عن هذه الأحاديث (^١).\nثم ذكر المؤلِّف ﵀ بأن أصحاب هذا القول منهم من يطلق لفظ «النسخ» ويقول بأن هذه الأحاديث منسوخة؛ يعني: أنه نسختها نصوص الفرائض والحدود، والوعيد على الذنوب.\nوهذا القول يُرَدُّ عليه بأن هذه الأحاديث أخبار، والأخبار لا يَرِدُ عليها النسخ.\nولكن الأئمة المتقدِّمين -كالثوري مثلًا-، وهو ممن روي عنه أنه أطلق القول بالنسخ، وينبغي أن يوجَّه كلامُه إلى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ من أنَّ «النَّسْخ» في عُرْفِ كثيرٍ من السلف يُطلَق ويُراد به البيان والإيضاح،\n_________\n(^١) ينظر في نقد هذا القول: «شرح النووي على مسلم» (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":74},{"text":"فيطلقون «النَّسْخ» على تقييد المطلق وتخصيص العام، فيقولون: هذا ناسخٌ؛ يعني: مخَصِّصٌ، أو هذا ناسخٌ؛ يعني: مُقَيِّدٌ، ويقولون: هذا منسوخٌ، ويريدون به العام المخصوص أو المطلق الذي ورد ما يُقَيِّدُه.\nفليس مرادُ السَّلَفِ ب «النَّسخ» إذًا أنه (رفع حكم الدليل المتقدِّم بدليلٍ متأخِّرٍ عنه)، كما هو اصطلاح الأصوليين المتأخِّرين (^١).\nوقد يجري هذا على مذهب من يقول من الأصوليين: إن الزيادة على النَّصِّ نَسخٌ، وهذا مذهبٌ معروفٌ ومشهورٌ عن الحنفية (^٢).\nوحَمْلُ كلام الأئمة من السَّلَف على التوجيه الأول أولى؛ لأن الذين يقولون: إن الزيادة على النصِّ نَسْخٌ، هم يريدون به حقيقة «النَّسْخِ» المراد عند الأصوليين، من أنَّه (رَفعُ حكمِ الدَّليل المتقدِّم بالدَّليل المتأخِّر).\nولهذا قال مَنْ قال من الفقهاء - وهو كما ذكرتُ مشهورٌ عن الحنفية (^٣) -: إن زيادة حكم «التغريب» على «الجلد» في حدِّ الزاني البِكْر نَسْخٌ؛ لأنَّ حكم «التغريب» الوارد في السُّنَّة هو حكمٌ زائدٌ على ما ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].\nقالوا: ف «التغريب» زيادةٌ على النصِّ، والزيادة على النصِّ نَسْخٌ، ونَسْخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ لا يجوز، فلم يأخذوا بحكم «التغريب» من أجل ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: «المستصفى» للغزالي (١/ ٢٠٧)، و«روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٨٣).\n(^٢) ينظر: «كشف الأسرار» للبزدوي (٣/ ١٩١)، و«أصول السرخسي» (٢/ ٨٢).\n(^٣) ينظر: «المبسوط» للسرخسي (٩/ ٧٣)، و«بدائع الصنائع» للكاساني (٧/ ٤٠).","vol":"1","page":75},{"text":"والمقصود أن حمل كلام الثوريِّ وغيرِه من أنَّ هذه النصوص منسوخة بالفرائض على أنَّها بَيَّنَتها وفسَّرتْها ووَضَّحَتْها وقَيَّدَتْها = هو اللائق والمناسب، وهو ما رَجَّحَه المؤلِّف ﵀.\nفإذا قيل: إن هذه النصوص ليست على إطلاقها، وإنما هي مبيَّنة بالنصوص الأخرى؛ نصوص الفرائض ونصوص الوعيد على المعاصي، وأنه يجب أن ترد هذه النصوص إلى تلك النصوص = اتضح بذلك الأمر واستقام المذهب، وحصل بهذا رد شبهة المرجئة، وبَطَلَ تعلقهم بهذه الأحاديث الواردة في فضل التوحيد.\nوهذا الجواب متفقٌ في المآل مع الجواب الثاني، وهو قول من يقول: إن هذه الأحاديث إنما تدل على أنَّ التوحيد سببٌ للنَّجَاة من النَّار، والسَّبَب لا بدَّ فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع.\n* * *","vol":"1","page":76},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوقالت طائفةٌ: تلك النُّصُوصُ المطلَقَةُ قد جاءت مقيَّدَةً في أحاديثَ أُخَر؛ ففي بعضِها: «مَنْ قَالَ: لا إله إلا اللَّه مُخْلِصًا» (^١)، وفي بعضِها: «مُسْتَيْقِنًا» (^٢)، وفي بعضِها: «يُصَدِّقُ قلبُه لِسَانَه (^٣)» (^٤)، وفي بعضِها: «يَقُولُهَا حَقًّا من قَلبِهِ» (^٥)، وفي بعضِها: «قَدْ ذَلَّ بها لِسَانُه واطمَأَنَّ بها قَلبُه» (^٦)، وهذا كُلُّه إشارةٌ إلى عَمَلِ القَلبِ وتَحَقُّقِهِ بمعنى الشَّهَادَتَينِ.\nفتَحَقُّقُهُ بقولِ (^٧) «لا إله إلا اللَّه»: أن لا يَأْلَه القَلْبُ غيرَ اللَّه؛ حُبًّا ورجَاءً وخَوفًا وتَوكُّلًا واستعانةً وخُضُوعًا وإِنَابَةً وطَلَبًا.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «صحيحه» رقم (٩١) من حديث أبي هُريرَةَ ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلمٌ في «صحيحه» رقم (١٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد تقدَّم ذكره ص ٤٦ - ٤٦.\n(^٣) وقع في نسخة (ب): «مُصَدِّقًا بِهَا قَلبُه ولِسَانُه»، والظاهر أن واو العطف زائدة؛ فوجودها مخِلٌّ بالمعنى، ويؤيِّد هذا أنَّه قد وَرَدَ في «سنن النسائي الكبرى» رقم (٩٧٧٢): «مُصَدِّقًا بِهَا قَلبُه لِسَانَه» بدون واو العطف.\n(^٤) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٨٠٧٠ و١٠٧١٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٤٤١ و٤٦١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٩) وصححه.\n(^٥) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» رقم (٤٤٧)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٥٠٠)، وصحَّحه ابنُ حبان «صحيحه» رقم (٢٠٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٧٢ و٣٥١) وصحَّحه، وجوَّد إسناده ابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ٣٢٧).\n(^٦) أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٥٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٩)، وغيرُهما، وإسناده ضعيف جدًّا.\n(^٧) في نسخة (ب): [فتَحَقُّقُه بمعنى شَهَادَة: أنْ لا إِلَه إلا اللَّه].","vol":"1","page":77},{"text":"وتَحَقُّقُهُ بِأنَّ «محمَّدًا رسولُ اللَّه»: أن لا يُعبَدَ اللَّه بغيرِ مَا شَرَعَهُ اللَّه على لِسَانِ محمَّدٍ ﷺ.\nوقد جَاءَ هذا المعنى مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ صريحًا أنَّه قَالَ: «مَنْ قَالَ: لا إله إلا اللَّه مُخْلِصًا دَخَلَ الجنَّة»، قيل: مَا إِخلاصُها يَا رَسُولَ اللَّه؟، قَالَ: «أن تَحْجِزَكَ عن كُلِّ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيكَ»، وهذا يُروى من حديثِ أَنَسِ بنِ مَالكٍ (^١)، وزَيدِ بنِ أَرقَمٍ (^٢)، ولكنَّ إِسنَادَهما لا يَصِحُّ، وجَاءَ أيضًا من مَرَاسِيلِ الحَسَنِ نحوُه (^٣).\n<hr><s0>\n\nذكر المؤلِّف ﵀ -في هذا المقطع- جوابًا رابعًا عن هذه الأحاديث -وهو: قول طائفةٍ من العلماء- أن هذه الأحاديث المطلقة قد ورد ما يُقيِّدُها في أحاديث أخر، وقد أشار المؤلِّف إلى بعضِها.\nفكلُّ حديثٍ يَرِدُ فيه ذكر الوَعْدِ على مجرَّد قول: «لا إله إلا اللَّه» لا بد أن يُقيَّدَ بمثل هذه الأحاديث التي فيها ذكر «اليقين»، أو ذكر «الإخلاص»، أو ذكر «الصدق» ونحوها، مع أنَّنا إذا نظرنا في هذه الأحاديث التي هي محور البحث ومناط الكلام نجد أن هذه القيود موجودة فيها أو في بعضها؛ كقوله ﷺ: «إنَّ اللَّه حَرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه».\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١٢/ ٦٣)، وإسناده واهٍ بمرَّة.\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» رقم (٥٠٧٤)، وإسناده واهٍ كسابقه، بل حكم عليه العلَّامة الألباني في «الضعيفة» رقم (٥١٤٨) بأنه حديث موضوع.\n(^٣) لم أقف عليه.","vol":"1","page":78},{"text":"فقوله: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه»، هذا هو معنى الإخلاص، فالقيدُ إذًا موجودٌ في نفس السِّياق، وكذلك هذه القيود التي أشار إليها المؤلِّف هي موجودةٌ في هذه الأحاديث، بعضُها صريحٌ، وبعضُها مفهومٌ من السياق.\nففي قوله ﷺ مثلًا: «مَنْ شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه …» الحديث؛ فلفظ «الشهادة» يتضمن: العلم، واليقين، والصدق.\nفمن قال: «لا إله إلا اللَّه» بلسانه دون قلبه، لم يشهد حقيقةً، ومَن عَلِمَ معناها وقالها بلسانه لكنَّه غيرُ صادقٍ في قوله لها، بل قالها نفاقًا ومداهنةً، لم يكن قوله لها عن قبولٍ وانقيادٍ، ولم يكن أيضًا بهذا مخلصًا، وفي الحديث: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّه»، فما قالها على هذه الحال إلا وهو موقنٌ غير شاكٍّ، ومَن كان هذا حاله فمن شأنه أن يَذِلَّ بها لسانُه، ويَلهَجَ بها حُبًّا لها، وطمأنينةً قلبِيَّةً لما دَلَّت عليه هذه الكلمة العظيمة.\nفمن قالها على هذا الوجه -على وجه العلم واليقين بشروطها التي سبق ذكرها- فإن التوحيد يمنعه من الإصرار على الذنوب، مِنْ ترك واجبٍ، أو فعل محرَّمٍ، فمن قال: «لا إله إلا اللَّه» على وجه اليقين التامِّ والصدق، والإخلاص التام والطمأنينة، لا بد أن يؤدِّي الفرائض ويجتنب المحارم، ومتى قَصَّر في شيءٍ من ذلك، فإنما أُتِيَ من نقص عِلْمِهِ، ونقص يقينه، ونقص إخلاصه، ونقص محبَّته؛ فإنَّ هذه المعاني من شُعَبِ الإيمان، وهي تتفاضل بالقوة والضعف.\nفمن قال: «لا إله إلا اللَّه» صادقًا غير منافق، عالمًا غير جاهلٍ، وقامت به هذه الشروط، له حالات:","vol":"1","page":79},{"text":"- إما أن تكون هذه المعاني قامت بقلبه على وجه الكمال، فلا بد أن يظهر أثر ذلك على الجوارح بفعل الفرائض واجتناب المحرمات.\n- وإما أن تقوم بقلبه على ضَعْفٍ، فيكون أثر ذلك على جوارحه بحسب ذلك، ومنه يحصل الخلل.\nواعتَبِر هذا في حديث الشفاعة: «أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه وفي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ -أو بُرَّةٍ أو خَرْدَلَةٍ- من إِيمانٍ» (^١)، فهذا الذي يَخرج من النَّار لا شك أنه لم يقل هذه الكلمة كَذِبًا، ولم يقلها غير عالِمٍ بمعناها مطلقًا، ولم يقلها نِفَاقًا، بل كان فيها مخلِصًا، لكنَّ الذي معه من العلم بمعناها، والإخلاص في قولها، والمحبة لها، لم يبلغ به المرتبة التي بلغها أهلُ الإيمان الكامل الذين نجاهم اللَّه بكمال إيمانهم وتوحيدهم من النار، فلم يتعرضوا للعذاب.\nفلا بد من ملاحظة هذا المعنى، وأنَّ هذه المعاني التي يَعُدُّها العلماءُ شروطًا هي متحقِّقة لكلِّ أهلِ التوحيد الذين ينفعهم توحيدهم في الخروج من النَّارِ، إلا أنهم متفاوتون في تحقيق هذه المعاني، فالكُمَّل منهم يكون توحيدهم مانعًا لهم من دخول النار مطلقًا.\nإذًا فقوله ﷺ: «إن اللَّه حَرَّمَ على النَّار من قال: لا إله إلا اللَّه، يبتغي بذلك وجه اللَّه» معناه: مَنْ قالها على الوجه الأكمل، وقد تحققت فيه شروط التوحيد المأخوذة من سائر النصوص، وقد عقد الشيخ محمد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في مواضع منها: رقم (٤٤)، ومسلم رقم (١٩٠) من حديث أنسٍ ﵁ بنحوه.","vol":"1","page":80},{"text":"بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه «التوحيد» بابًا بهذا المعنى فقال: (باب مَنْ حَقَّقَ التوحيدَ دَخَلَ الجنَّة بغيرِ حِسَابٍ) ولا عَذَاب.\nفمن كَمُلَت له هذه المعاني في قلبه لا بد وأن يظهر أثرُها على جوارحه فِعْلًا وأداءً للفرائض واجتنابًا للمحرمات، فالتوحيد الكامل يمنع صاحبه من الإصرار على شيء من الذنوب، فالموحِّد قد يقع في الذنب لكونه غير معصوم، لكنه لا يُصِرُّ عليه؛ لأنَّ كمال إيمانه وتوحيده يمنعه من الإصرار عليه؛ لأن في قلبه من خوف اللَّه ورجاء ثوابه ما يوجب له الفزع إليه، والرجوع إليه ﷾.\nفهذه جملةُ أجوبةِ أهلِ العلم عن هذه الأحاديث، وهي متفقةٌ في المآل، فأهل السُّنَّة والجماعة متَّفقون على أن هذه الأحاديث ليست على ظاهرها الذي يدَّعيه ويتعلَّق به المرجئة، أو يفهمه المغرورون من جهلة أهل السُّنَّة مثلًا، كما سبقت الإشارة إليه.\nوهناك جوابٌ خامسٌ، ذَهَبَ إليه الإمامُ البخاريُّ (^١)، وهو حمل هذه الأحاديث على مَنْ قال كلمة التوحيد نادِمًا تائِبًا (^٢).\n_________\n(^١) قال البخاري في «صحيحه» (٥/ ٢١٩٣) [كتاب اللباس - باب الثياب البيض]، عقب سياقه لحديث أبي ذرٍ ﵁ رقم (٥٤٨٩): «مَا من عبدٍ قالَ: لا إله إِلَّا اللَّه ثُمَّ مَاتَ على ذلكَ إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ …» الحديث: «هذا عندَ الموتِ أو قبلَهُ إذا تَابَ ونَدِمَ وقالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللَّه» غُفِرَ لَهُ».\n(^٢) قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٥٢٧): «ويشهدُ لهذا المعنى حديثُ معاذٍ، عن النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا اللَّه، دَخَلَ الجنَّة»، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلَّا بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعَزْمٍ على أن لا يعودَ إلى مثله، ورَجَّحَ هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفردٍ في التوحيد، وهو حَسَن».","vol":"1","page":81},{"text":"وهذا المعنى قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض المواضع من كتبه (^١) في توجيه بعض هذه الأحاديث، ومنها حديث صاحب البطاقة؛ بأن المراد مَنْ قالها على غايةٍ من الصدق والإخلاص على وجه الكمال والتحقيق للتوحيد، ثم لم يرتكب بعد ذلك ذنبًا.\nفما جاء عن البخاري فيه تقييد هذا بالتوبة، ومعلومٌ أنَّ مَنْ قال ذلك تائبًا نادمًا على ما سَلَفَ من ذنوبه، ثم بقي على هذه الحال حتى مات، فالأمر فيه واضحٌ، هذا محرَّمٌ على النار، والنار محرَّمةٌ عليه.\nومضمون ومنحى كلام شيخ الإسلام ﵀ -ونَقَلَه بعضُ شُرَّاح كتاب «التوحيد» (^٢) - أنَّ المعنى: من قال هذه الكلمة مخلِصًا كلَّ الإخلاص، وصادِقًا كلَّ الصِّدق، ثم ماتَ على ذلك؛ لأن هذه الحال توجب ألَّا يُصِرَّ على ذنبٍ من الذنوب، فمن مات على هذه الحال من كمال تحقيق التوحيد، كان هذا التوحيد عاصِمًا له من دخول النار، واللَّه أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٢٧٠ - ٢٧١) و(١٠/ ٧٣٤ - ٧٣٥) و(١١/ ٦٦٠) و(٣٥/ ٢٠١ - ٢٠٣)، و«منهاج السُّنَّة» (٦/ ١٣٥)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٢٥١ - ٢٥٤) و(ص ٢٥٨ - ٢٦٢).\n(^٢) ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٦٦ - ٦٩)، و«فتح المجيد» (١/ ١٣٧ - ١٤٣).","vol":"1","page":82},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوتحقيقُ هذا المعنى وإيضَاحُه أنَّ قولَ العبدِ: «لا إله إلا اللَّه»، يقتضي أن لا إله له غير اللَّه، و«الإله» هو الذي يُطَاعُ فلا يُعصَى؛ هيبةً له وإِجلالًا، ومحبةً، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يَصْلُحُ ذلك كلُّه إلا للَّه ﷿.\nفمن أشرَكَ مخلوقًا في شيءٍ من هذه الأمور التي هي من خَصَائِصِ الإِلَهِيَّة، كَانَ ذَلكَ قَدْحًا في إِخلَاصِه في قَولِ: لا إله إلا اللَّه، ونَقصًا في توحِيدِهِ، وكانَ فيه من عُبُودِيَّةِ ذلك المخلُوقِ بحسْبِ ما فِيهِ مِنْ ذَلكَ، وهذا كُلُّه من فُرُوعِ الشِّرْكِ.\nولهذا وَرَدَ إطلاقُ الكفرِ والشِّركِ على كثيرٍ من المعاصي التي مَنشَؤهَا من طَاعةِ غيرِ اللَّه، أو خَوفِهِ أو رَجَائِهِ، أو التوَكُّلِ عليه أو العَمَلِ لأجْلِهِ، كَمَا وَرَدَ إطلاق «الشِّركِ» على الرِّيَاء، وعلى الحَلِفِ بغيرِ اللَّه، وعلى التوَكُّلِ على غيرِ اللَّه والاعتِمَادِ عَلَيهِ، وعلى من سوَّى بين اللَّه وبين المخلُوقِ في المشِيئَةِ، مثل أن يقول: ما شَاءَ اللَّه وشَاءَ فُلانٌ، وكذا قولُه: ما لي إلا اللَّه وأنْتَ.\nوكذلك ما يَقْدَحُ في التوَكُّلِ، وتَفَرُّدِ اللَّه بالنَّفْعِ والضُّرِّ؛ كالطِّيَرَة، والرُّقَى المكرُوهَةِ، وإتيانِ الكُهَّانِ وتَصْدِيقِهم بما يَقُولُون.\nوَكَذَلكَ اتِّبَاعُ هَوَى النَّفْسِ فِيمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ قادحٌ في تَمَامِ التَّوحِيدِ وَكَمَالِهِ، ولهذا أطلقَ الشَّرْعُ على كثيرٍ من الذُّنُوبِ التي","vol":"1","page":83},{"text":"مَنشَؤهَا مِنْ اتِّبَاعِ هَوَى النَّفْسِ، أنَّها كُفْرٌ وشِرْكٌ؛ كقِتَالِ المسْلِمِ، ومَن أَتَى حَائِضًا أو امرَأَةً في دُبُرِهَا، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في المرَّةِ الرَّابِعَةِ، وإنْ كَانَ ذَلك لا يُخرِجُ عن المِلَّةِ بالكُلِّيَّةِ، ولهذا قَالَ السَّلَفُ: كُفرٌ دُونَ كُفرٍ، وشِركٌ دُونَ شِركٍ.\nوقد وَرَدَ إطلاقُ «الإِلَه» على الهوَى المُتَّبَع؛ قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، قَالَ الحسنُ: هو الَّذِي لا يَهْوَى شيئًا إلا رَكِبَهُ (^١).\nوقَالَ قَتَادَةُ: هو الَّّذِي كُلَّمَا هَوَى شَيئًا رَكِبَهُ، وكُلَّمَا اشْتَهَى شَيئًا أَتَاهُ، لا يَحْجِزُهُ عن ذلك وَرَعٌ ولا تَقوَى (^٢).\nورُوِيَ من حديثِ أبي أُمَامَةَ مرفوعًا بإسنادٍ ضَعِيفٍ: «مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ إِلَهٌ يُعبَدُ أَعظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَع» (^٣).\nوفي حَدِيثٍ آخَرَ: «لا تَزَالُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَدفَعُ عَنْ أَصحَابِهَا، حَتَّى يُؤثِرُوا دُنيَاهُم علَى دِينِهِم، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ رُدَّت عَلَيهِم، وَقِيلَ لهم: كَذَبْتُم» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٧٠٠)، والفريابي في «صفة النفاق» (ص ٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي عاصم في «السُّنَّة» رقم (٣)، وأبو يعلى في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٩٩٠) -، والطبراني في «الكبير» رقم (٧٥٠٢)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، بل حَكَمَ بوضعِه ابنُ الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ١٣٩)، والألبانيُّ في «الضعيفة» رقم (٦٥٣٨).\n(^٤) هذا الحديث قد روي مرفوعًا من طُرُقٍ عديدةٍ، عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عمر، وأم المؤمنين عائشة ﵃،\nوغيرُهم، ولا يصح من هذه الطرق شيء، بل كلُّها شديدةُ الضَّعْف، وضَعْفُها بَيِّنٌ ظاهرٌ.","vol":"1","page":84},{"text":"ويَشهَدُ لذَلِكَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عن النبِيِّ ﷺ: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبدُ القَطِيفَةِ، تَعِسَ عَبدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انتَقَشَ» (^١).\nفَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ شَيئًا وَأَطَاعَهُ، وَكَانَ غَايَةَ قَصدِهِ وَمَطلُوبِهِ، وَوَالَى لأَجلِهِ، وَعَادَى لأَجلِهِ، فَهُوَ عَبدُهُ، وَذَلِكَ الشَّيءُ مَعبُودُهُ وَإِلَهُهُ.\n<hr><s0>\n\nمما يوضح ما تقدَّم من أنَّ مطلق التوحيد، أو مطلق التكَلُّمِ ب «لا إله إلا اللَّه» لا يكفي في النجاة من النار، وأن قائلي هذه الكلمة العظيمة متفاوتون؛ هو أنَّ هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - مركبةٌ من نفيٍ وإثباتٍ، كما هو معروف، نَفْيُ إلهيَّةِ ما سوى اللَّه، وإثباتُ الإلهيَّةِ له سبحانه، فمضمونها الإيمان بأنَّ اللَّه تعالى هو الإله الحقُّ الذي لا يستحق العبادة سواه.\nو«الإله» بمعنى المَألُوه؛ يعني: المعبود، فاللَّه تعالى هو المعبودُ بحقٍّ (^٢)، وهو المستحق للعبادة وحده دون مَنْ سواه، فمعنى هذه الكلمة - «لا إله إلا اللَّه» - أنَّ قَائِلَها لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ يعني: لا يَعْبُدُ إلا اللَّه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة ﵁ رقم (٢٧٣٠).\n(^٢) قال العلامة المعلمي في كتابه «رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله» (ص ١٨٧): «اعلم أنني تتبعتُ عبارات أهل العلم في تفسير لفظ «إله» فوجدتُهم كالمجمِعِين\nعلى أنَّ معناه: معبودٌ بحقٍّ، وقال بعضُهم: معبودٌ». وانظر أيضًا: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٥ - ٥٦).","vol":"1","page":85},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-72>«العبادةُ» تتَضَمَّنُ شيئين:</span> المحبة، والذُّل والإجلال، وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ في «نونيته» (^١):\nوَعِبَادَةُ الرَّحمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَع ذُلِّ عَابِدِهِ هُما قُطْبَانِ\nوَعَلَيهِمَا فَلَكُ العِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَت القُطْبَانِ\nفلا بد إذًا من اجتماع الأمرين: المحبَّة والذُّل مع الإجلال.\nإذًا، فحقيقة التوحيد الذي دَلَّت عليه هذه الكلمة العظيمة: أنَّ العبدَ لا يَأْلَهُ إلا اللَّه؛ حُبًّا، وخوفًا، ورَجَاءً، وتَوَكُّلًا، ورَغْبَةً، ورَهْبَةً، فلا بد من التحَقُّق بهذه المعاني.\nوهذه المعاني -كما تَقَدَّم- تُوجِبُ أفعالًا وتُرُوكًا، فتقتضي المبادرة إلى فعل المأمورات، واجتناب المحرمات، ولا يكون الإنسان محَقِّقًا لهذه الكلمة إلا إذا تحَقَّقَ بهذه المعاني، فحَقَّقَ تَأَلُّهَهُ وعُبُودِيَّتَهُ للَّه.\nإذًا، هذا التَّأَلُّه والتَّعَبُّدُ ليسَ على مرتبةٍ واحدةٍ، فلا بد لتحقيق التوحيد من اجتناب المعاصي، بل لا بد من اجتناب الشركِ كُلِّه، الأكبرِ والأصغرِ.\nأما «الشرك الأكبر» وهو عبادةُ غيرِ اللَّه مع اللَّه، ودعاءِ غيرِه واتخاذِّ النِّدِّ له، فهذا مناقضٌ لأصل التوحيد ولهذه الكلمة العظيمة.\n_________\n(^١) (١/ ١٧٩ - ١٨٠).","vol":"1","page":86},{"text":"وأما ما دونه من أنواع «الشرك الأصغر» فإنه يناقض كمال التوحيد الواجب، كما في الأمثلة التي ذكرها المؤلِّف.\nفهناك أنواعٌ من الذنوب جاء النصُّ بأنها من «الشرك»؛ كالرياء، والحلف بغير اللَّه، وتسوية المخلوق باللَّه في المشيئة؛ كقول القائل: ما شاء اللَّه وما شئتَ، أو: هذا من اللَّه ومنكَ، أو: لولا اللَّه وأنتَ، وكالإفراط في حُبِّ المحبوبات الطبيعية، مثل: المال، والولد، وسائر أعراض الدنيا، فهذه المحبوبات الطبيعية إذا أفرط الإنسان في حبها، فصار يرضى لوجودها ويسخط لعدمها، إذا أُعْطِيَ منها رَضِيَ وإذا لم يُعْطَ منها سَخِطَ = صار قلبُه مُعَبَّدًا لها.\nثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّه قد دلَّت الأدلَّة على أن كُلَّ الذنوبِ التي مصدرها من اتباع الهوى قد ورد فيها إطلاق اسم «الكفر» واسم «الشرك»، وإن كانت هذه الذنوب لا تُخرِج من الملَّة، ولا تُوجِب الردَّة، لكنها -ولا شك- تدل على نقص التوحيد وضعف الإيمان.\nفلا بد إذًا لتحقيق مقتضى هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» لتكون عاصمةً من دخول النار وموجبةً لدخول الجنة = من اجتناب كل ما ينافي تحقيق التوحيد، وينافي كماله، من أنواع الشرك والكفر.\nوالمقصود ب «الشرك» هنا: الشرك الأصغر، أما الشرك الأكبر فإنه مناقضٌ لأصل التوحيد، ومَن قال هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» ثم أتى بما يناقضها فهو كافرٌ مُرتَدٌّ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلام، لا ينفعه قوله لها بلسانه؛ لأنه قد انتقض في حقه شرطٌ من الشروط، فإن الشهادتين تقتضيان:","vol":"1","page":87},{"text":"تحقيق التوحيد، وتحقيق المتابعة للرسول ﷺ؛ فشهادة «أن محمدًا رسول اللَّه» تقتضي تصديق الرسول بكل ما أخبر به، وطاعته بكل ما أمر به أو نهى عنه، وألا يُعْبَدَ اللَّه إلا بما شَرَعَ.\nفلا بدَّ لتحقيق هاتين الشهادتين من القيام بما تقتضيه من أداء الفرائض، واجتناب المحرَّمات.\nإذًا؛ فالذنوب منها ما يناقض أصل التوحيد، ومنها ما يناقض كماله، كما تقدم.\nثم ذكر المؤلِّف ﵀ جملةً من الذنوب مما ورد إطلاق اسم «الكفر» عليه؛ كقتال المسلم، أو إتيان الكاهن، أو إتيان المرأة في دبرها، أو إتيان الحائض.\nومن هذا الجنس إطلاق اسم «الكفر» على: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، كما في قوله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١).\nوكلُّ هذه ذنوبٌ تنافي تحقيق التوحيد والإيمان، وهذه الذنوب منها ما أُطلق عليه اسم «الشرك»، ومنها ما أُطلق عليه اسم «الكفر».\nفعُلِمَ بهذا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» لها مدلولٌ عظيمٌ، وأهلُها في تحقيقه متفاوتون، فأكملُ النَّاسِ توحيدًا هم الرُّسُلُ، وأكمَلُهم أولو العَزْمِ، ثم النَّاسُ بعد ذلك على مراتب؛ فمنهم الصدِّيقُون والشهداءُ والصالحون،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «صحيحه» رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":88},{"text":"ومنهم مَنْ هم دون ذلك، وهم الظالمون لأنفسهم، ومنهم مَنْ يُخرَجُون من النار بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين.\nوهؤلاء كُّلهم يَصدُقُ عليهم أنَّهم موَحِّدُون، وكلُّهم يقولون: «لا إله إلا اللَّه»، لكن مع التباين العظيم في العلمِ بمعناها والصدقِ والإخلاصِ في أدائها والعملِ بمقتضاها، وهو تباينٌ وتفاوتٌ لا يعلم مداه إلا اللَّه ﷾.\nف «اتباع الهوى» مصدرٌ لكثيرٍ من الذنوب، حتى الشرك إنما يصدر عن اتباع الهوى، كما قال اللَّه تعالى في المشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣].\nف «اتباع الهوى» مصدرٌ للذنوب؛ كبيرِها وصغيرِها، ولهذا جاء في القرآن إطلاق اسم «الإله» على الهوى، وأنَّ من الناس مَنْ اتخذ إِلهه هَوَاهُ، فجَعَلَ معبودَه هو الهوى، فمن بلغ به الأمر إلى أن يستَحِلَّ ما يهواه، ويترك ما لا يهواه بإطلاق، فإنَّه يخرج عن الإسلام بهذا، وأما المخَلِّط من المسلمين فتَجِدُه يَتَّبِع هواه في أشياء ويخالف هواه في أشياء، أما من هو متبع لهواه بإطلاق فهذا معناه أنه لا يُحِلُّ حَلالًا، ولا يُحَرِّمُ حَرَامًا، ولا يؤدِّي فريضة، بل ولا يؤمن باللَّه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، هذه صفة الكافرين الذين قال اللَّه فيهم:","vol":"1","page":89},{"text":"﴿طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون (١٠٨)﴾ [النحل]، وقال ﷾: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيم (٧)﴾ [البقرة].\nفكيف -مع هذه النصوص المستفيضة- يُقال بأنَّه يكفي العبد في دخول الجنة والنجاة من النار أن يقول: «لا إله إلا اللَّه»، ولا يفعل شيئًا من أداءِ واجبٍ أو اجتنابِ محرَّمٍ، ولا يقوم بقلبِه شيءٌ من محبَّة اللَّه ﷿ ومحبَّةِ رسوله ﷺ، هذا من أبطل الباطل، ومن اتباع الهوى، ومن الجهل العظيم، إذ كيف يؤخذ بظاهر هذه النصوص وتُهْدَر دلالة سائر النصوص! نصوص الوعيد، ونصوص النهي عن كثير من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإنَّ الذنوبَ منها ذنوبٌ قلبِيَّةٌ، وذنوبٌ عَمَلِيَّةٌ، وذنوبٌ قَولِيَّةٌ.\nفأعمالُ القلوب وأعمالُ الجوارح وأقوالُ اللِّسان كلُّها تجري فيها الأحكام من حلالٍ وحرامٍ.\n* * *","vol":"1","page":90},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضًا أَنَّ اللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ الشَّيطَانِ في مَعصِيَتهِ عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)]﴾ [يس: ٦٠]، وَقَالَ حَاكِيًا عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم].\nفَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ وَطَاعَتَهُ فَإِنَّهُ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ بِطَاعَتِهِ [لَهُ]، وَلَمْ يَخْلُصْ مِنْ عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا مَنْ أَخْلَصَ عُبُودِيَّةَ الرَّحْمَنِ، وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَهُمْ الَّذِينَ حَقَّقُوا قَوْلَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» وَأَخْلَصُوا فِي قَوْلِهَا، وَصَدَّقُوا قَولَهُمْ بِفِعْلِهِم، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، مَحَبَّةً وَرَجَاءً وَخَشْيَةً وَطَاعَةً وَتَوَكُّلًا، وَهُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا في قَوْلِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»، وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ حَقًّا.\nفَأَمَّا مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه بِلِسَانِهِ، ثُمَّ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ وَهَوَاهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه وَمُخَالَفَتِهِ فَقَدْ كَذَّبَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ، وَنَقَصَ مِنْ كَمَالِ تَوْحِيدِهِ بِقَدْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَالْهَوَى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].","vol":"1","page":91},{"text":"فَيَا هَذَا كُنْ عَبْدَ اللَّهِ لا عَبْدَ الهَوَى، فَإِنَّ الهَوَى يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ، ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (٣٩)﴾ [يوسف]، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ.\nوَاللَّه مَا يَنْجُو غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا مَنْ حَقَّقَ عُبُودِيَّةَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ مَعَهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الأَغْيَارِ.\nمِنْ عَلِمَ أَنَّ إِلَهَهُ وَمَعبُودَهُ فَردٌ، فَلْيُفرِدهُ بِالعُبُودِيَّةِ، ولا يُشرِك بِعِبَادَةِ ربِّهِ أَحَدًا.\n<hr><s0>\n\nتقدم تقرير أن كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» مدلولها: أنَّ الإلهَ الحق هو اللَّه ﷾، وأنَّه وحدَه المستحقُّ للعبادة، فهو سبحانه الذي يستحق أن يُؤلَه -يعني: يُعْبَد- وحده لا شريك له، فيُعْبَدُ خوفًا ورجاءً وتوكُّلًا ورغبةً ورهبةً واستعانَةً، وكلُّ أنواع العبادة الظاهرة والباطنة هو المستحق لها سبحانه دون من سواه.\nوهذه الأعمال يتفاضل فيها الناس؛ فإنَّ الإيمان يزيد وينقص، فأعمال القلوب وأعمال الجوارح تزيدُ وتنقصُ تَبَعًا لذلك، ولذلك كان الناس أصنافًا؛ فمنهم السابقون بالخيرات، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].","vol":"1","page":92},{"text":"إذًا؛ فالعِبَادُ متفاضلون في إيمانهم وفي طاعتهم وفي سائر أنواع العبادة تفاضلًا لا يعلم مداه إلا اللَّه الذي يعلم ما في القلوب، ويعلم ما يُسِرُّه العِبَادُ وما يُعلِنُون.\nوأيضًا فهناك الذنوبُ التي تُنْقِصُ التوحيدَ والإيمانَ، ولهذا جاء في بعض النصوص -كما تقدَّم- تسميةُ بعض الذنوب «كُفْرًا»، وفي بعضها «شِرْكًا»، فكما أنَّ شُعبَ الإيمانِ إيمانٌ فإنَّ شُعَبَ الكُفْرِ كُفْرٌ، بمعنى أنها من الكفر، كما قال ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (^١)، و«سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (^٢).\nومعنى ذلك: أنَّ الذي يَنْقُصُ تحقيقُه لمدلول هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» يكون قد شَابَهُ من الشِّرْكِ بقدر ما معه من المخالفة، ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: «تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ …» (^٣)، فإذا أفرط الإنسان في المحبَّة الطبيعية خرج إلى نوع من الشرك.\nوقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذه\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه ص ٨٨.\n(^٢) متفقٌ عليه من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ مَسعُودٍ ﵁، البخاري رقم (٤٨)، ومسلم رقم (٦٤).\n(^٣) تقدَّم تخريجه ص ٨٥.","vol":"1","page":93},{"text":"آية المحبوبات الثمانية، وإيثار هذه المحبوبات قد يصل إلى الكفر، وقد يكون دون ذلك، فكثيرٌ من الكفار تركوا الإيمان باللَّه ورسوله إيثارًا للوطن والعشيرة والأهل، وموافقةً لهم، ومنهم من يؤثر هذه المحبوبات في المعصية، فيؤثر طاعتهم في معصية اللَّه، ويقدِّم ما أحَبُّوا على ما أوجب اللَّه ﷾، وهكذا.\nوقد تقدَّم أنَّ اتباع الهوى هو أصل الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].\nبعد هذا كله يقول المؤلِّف ﵀: (وَيَدُلُّ عَلَيهِ أَيضًا أَنَّ اَللَّه تَعَالى سَمَّى طَاعَةَ اَلشَّيطَانِ في مَعصِيَته عِبَادَةً لِلشَّيْطَانِ)، فسمى اللَّه طاعة الشيطان عبادة، وكل معصية للَّه هي طاعة للشيطان، ولكن هناك من الخَلْق مَنْ عَبَدَ الشيطانَ عبادةً صار بها كافرًا مشركًا؛ كعُبَّاد الأوثان، فإنهم -في الحقيقة- عابِدُون للشيطان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أصل الشرك كُلِّه من عبادة الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأحبار والرُّهبَان وغير ذلك = هو عِبَادةُ الشَّيطَان (^١)، قال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون (٥٩)\n_________\n(^١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» وهي ضمن «مجموع الفتاوى» (١/ ١٥٧): «والمشركون الذين وَصَفَهم اللَّه ورسولُه ب «الشرك» أصلُهم صنفان: قومُ نوحٍ، وقومُ إبراهيمَ.\nفقومُ نوحٍ كان أصلُ شركِهِم العكوفُ على قبورِ الصَّالِحِينَ، ثم صَوَّرُوا تماثِيلَهم، ثم عَبَدُوهم.\nوقومُ إبراهيمَ كان أصلُ شركِهِم عبادةُ الكواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَر.\nوكلٌّ مِنْ هؤلاء وهؤلاء يعبدونَ الجِنَّ، فإنَّ الشَّيَاطِين قد تُخَاطِبُهُم وتُعِيْنُهم على أشياء، وقد يَعتَقِدُونَ أنَّهم يعبدونَ الملائكةَ وإن كانوا في الحقيقة إنَّما يعبدونَ الجِنَّ؛ فإنَّ الجِنَّ هم الذين يُعِينُونَهم ويَرضَون بِشِرْكِهم. قال تعالى:\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُون (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُّؤْمِنُون (٤١)﴾ [سبأ]». وينظر أيضًا: «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠).","vol":"1","page":94},{"text":"أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)﴾ [يس]، فهؤلاء المجرمون إنما عبدوا الشيطان بطاعته، فإنَّ أكثرَ الأُمَمِ في الواقع لا تقصد عبادة الشيطان، وإنما عَبَدَت الشيطانَ بطاعته.\nوقال إبراهيم ﵇: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم].\nفعلم بهذا أنَّ طاعةَ الشيطانِ هي نوعُ عبادةٍ له، وهي تختلف كما ذكرتُ.\nإذًا؛ فالتألُّه للَّه والتعبُّد له يقتضي طاعتَه ومحبتَه وخوفَه ورجاءَه وإفرادَه بذلك.\nوعلى هذا؛ فعبدُ اللَّه على الحقيقة هو الذي يُفرِدُ ربَّه بالطاعة، ولا يطيع إلا مَنْ أمره اللَّه بطاعته من الرُّسُلِ، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ويقول نوح ﵇ لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون (٣)﴾ [نوح]، وكلُّ مَنْ أمر اللَّهُ بطاعتِه، فطاعتُه هي طاعةٌ للَّه، في حدودِ ما أمر اللَّه به من طَاعته.\nفالعبوديةُ تقتضي كمالَ الطاعةِ، وكمالَ الحبِّ والذُّلِّ والإجلالِ، وما يتبع ذلك من الخوف والرجاء والتوكل، فيجب إفراد اللَّه ﷾ بكل أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، ولا يحقق هذا المقام إلا الذين استثناهم اللَّه بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال ﷾ عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢) إِلاَّ عِبَادَكَ","vol":"1","page":95},{"text":"مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين (٨٣)﴾ [ص]، وفي قراءةٍ سَبعِيَّةٍ (^١): ﴿الْمُخْلِصِين﴾ بكسر اللام، فهم مخلِصون للَّه في أعمالهم، وهم أيضًا عبادُ اللَّه المخلَصون، فليس فيهم عبودية لغيره سبحانه، وهذا يَصْدُقُ على الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين، فهم مخلِصُون للَّه في أعمالهم وأقوالهم الظاهرة، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (٢)﴾ [الزمر]، و﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥].\nأما من يتبع هواه فيما يخالف هدى اللَّه فليس بمخْلِصٍ ولا مُخْلَصٍ، ولو كان عنده شيءٌ من أصل العبودية للَّه.\nفالعبودية للَّه المتضمنة لمحبته وتعظيمِه وطاعتِه الناسُ فيها على مراتب، فأكمل الخلق عبودية للَّه هو الرسول ﷺ، وهو مقامٌ شريفٌ شرَّفه اللَّه به، ونوَّه بوصفه بالعبودية في مواضع، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقال: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: ٩].\nفالعبودية هنا هي عبوديةٌ خاصَّةٌ، فالرُّسُلُ والأنبياءُ والصدِّيقُون على اختلاف مراتِبِهم هم الذين حقَّقُوا العبودية للَّه، فحَقَّقُوا التوحيد، وأخلصوا الدين للَّه، فلم تُزَاحم محبةَ اللَّه في قلوبهم محبةُ غيرِه، وسيأتي مزيد كلام في المحبة فيما يأتي.\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري وابن عامر الشامي.","vol":"1","page":96},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nكَانَ بَعْضُ العَارِفِينَ (^١) يَتَكَلَّمُ عَلَى أَصْحَابِه، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَقَالَ فِي كَلامِهِ: لا يَنَالُ أَحَدٌ مُرَادَهُ حَتَّى يَنْفَرِدَ فَرْدًا بِفَرْدٍ، فَانْزَعَجَ وَاضْطَرَبَ، حَتَّى رَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّ الصُّخُورَ قَدْ تَدَكْدَكَتْ، وَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ سَاعَاتٍ، فَلَمَّا أَفَاقَ فَكَأَنَّه (^٢) نُشِرَ مِنْ قَبْرٍ (^٣).\n<hr><s0>\n\nهذا الأثر مما يُنقَل عن بعض الصوفية، فهم الذين يتلَقَّبُون بهذه الألفاظ: «العارف».\nواسم «العارف» ليس من الأسماء الشرعية التي مِنْ مثل: «المؤمن»، «التقي»، «الصالح»، «الصدِّيق».\nنعم، المعرفة مطلوبة وهي العلم، واللَّه قد أمر بالعلم والتزَوُّدِ منه فقال آمِرًا نبيَّه ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه]، لكنَّ اسمَ «العارف»\n_________\n(^١) هو: أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل المغربي، أحد أعيان الصوفية الزهَّاد، (ت ٢٧٦ هـ).\nانظر ترجمته في: «طبقات الصوفية» (ص ١٩٤)، و«حلية الأولياء» (١٠/ ٣٣٥).\n(^٢) في نسخة (ب): «فكأَنَّمَا».\n(^٣) أخرج القصة: ابن الجوزي في «القُصَّاص والمذَكِّرين» (ص ٢٨٢)، وفي تاريخه «المنتَظَم» (٦/ ١١٣).","vol":"1","page":97},{"text":"أصبح مصطلحًا عند الصوفية يَعنُونَ به: المحقِّق لمقامات السَّيرِ إلى اللَّه وجَمْعِ القلبِ إليه (^١).\nوللصوفية مصطلحات كثيرة، فتلميذ الشيخ الذي يتلقَّى منه التربية في السلوك والعبادة والأعمال يسمونه «المريد»، ولهم أيضًا مصطلحات بدعية فيما يُشْرَع -بزعمهم- للسَّالِكِ؛ كمصطلح «الفَنَاء» (^٢)، و«الاصْطِلَام» (^٣)، و«الجَمْعِيَّة» (^٤) إلى غير ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: «الرسالة القشيرية» [باب المعرفة باللَّه] (ص ٥١٠ - ٥١٦).\nوعند الصوفية أن المعرفة فوق العلم، ولذا فرَّقوا بين العالِم والعارف، فجعلوا العارف في منزلة فوق العالِم، ومن أقوالهم في ذلك: «العالِم ينظر بنور اللَّه، والعارِف ينظر باللَّه ﷿، وقلب العالِم يطمئن بالذكر، ولا يطمئن العارف بسوى اللَّه ﷿، والعارِف يقول: حدَّثني قلبي عن ربي، والعالِم يقول: حدَّثني فلانٌ عن فلان»، ومن هذا يظهر لك أن تفريقهم بين المعرفة والعلم مبنيٌّ على أصولٍ فاسدةٍ عندهم.\n(^٢) «الفناء» من المقامات العالية عند الصوفية، من بلغها صار -عندهم- من الأولياء المقرَّبين.\nوقد اختلفت عباراتهم في تعريفه، كل بحسب مسلَكِه ومعتَقَدِه، وقد بَيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» في مواضع، منها: (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) و(١٠/ ٣٣٧ - ٣٤٣)، وانظر أيضًا: «العقيدة التدمرية وشرحها» للشارح حفظه اللهُ (ص ٥٩٠ - ٥٩٤).\n(^٣) «الاصطلام» -عندهم-: هو وَلَهٌ يَرِدُ على القلب فيَسكُنُ تحتَ سُلطَانِه.\nينظر: «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» (ص ١٨٥)، و«اصطلاحات الصوفية» (ص ٥٥) كلاهما للقاشاني، و«معجم مصطلحات الصوفية» للحفني (ص ١٧).\n(^٤) «الجمعية» -عندهم-: هي اجتماع الهَمِّ في التوَجُّه إلى اللَّه تعالى، والاشتغال به عمَّا سِوَاه.\nينظر: «اصطلاحات الصوفية» للقاشاني (ص ٦٧)، و«معجم مصطلحات الصوفية» للحفني (ص ٦٧).\nوانظر أيضًا كلامًا للعلامة ابن القيم حول هذا المصطلح في: «مدارج السالكين» (١/ ٨٦).","vol":"1","page":98},{"text":"وهذه القصة التي أوردها المؤلِّف ﵀ في هذا المقام إنما أوردها للاستشهاد بها، ولا بأس من الاستشهاد في بعض الأمور التي يُقصَدُ منها تقريرُ أمرٍ صَحِيحٍ.\nوقول هذا العارف: (لا ينال أحدٌ مرادَه حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ) هذا من عباراتهم، وقد نقل ابن القيم في «مدارج السالكين» عن بعض شيوخ الصوفية -وهو الجُنَيْد ﵀ أنه قال في تعريف «التوحيد»: (هو إِفْرَادُ القَدِيمِ عن المحدَث) (^١).\n_________\n(^١) قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٦) معلِّقًا على كلمة ابن الجنيد هذه:\n«وهذا الإفراد الذي أشار إليه الجنيد نوعان:\nأحدهما: إفرادٌ في الاعتقاد والخبر، وذلك نوعان أيضًا:\nأحدهما: إثباتُ مباينة الرب تعالى للمخلوقات، وعُلوِّه فوق عرشه من فوق سبع سموات.\nوالثاني: إفرادُه سبحانه بصفات كماله، وإثباتُها له على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسلُه منزَّهةً عن التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل. وفي هذا النوع يكون إفراده سبحانه بعموم قضائه وقدره لجميع المخلوقات -أعيانها وصفاتها وأفعالها- وأنها كلها واقعةٌ بمشيئته وقدرته وعلمه وحكمته.\nفيباين صاحبُ هذا الإفراد سائرَ فرق أهل الباطل من الاتحادية، والحلولية، والجهمية الفرعونية الذين يقولون: ليس فوق السموات ربٌّ يُعبد، ولا على العرش إلهٌ يُصلى له ويُسجد، والقدرية الذين يقولون: إن اللَّه لا يَقْدِر على أفعال العباد من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ، ولا على أفعال سائر الحيوانات، بل يقع في ملكه ما لا يريد، ويريد ما لا يكون.\nوالنوع الثاني من الإفراد: إفراد القديم عن المحدَث بالعبادة من التألُّه والحبِّ والخوف والرَّجاء والتعظيم والإنابة والتوكُلِّ والاستعانة وابتغاء الوسيلة إليه.\nفهذا الإفراد وذلك الإفراد بهما بُعِثَت الرُّسُلُ، وأُنزِلَت الكتبُ، وشُرِعت الشَّرائع، ولأجل ذلك خُلقت السموات والأرض، والجنَّة والنَّار، وقام سوق الثواب والعقاب، فيُفرَد القديمُ سبحانه عن المحدَث في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، وفي إرادتِه وحدَه ومحبتِه وخوفِه ورجائِه، والتوكُّل عليه، والاستعانة والحلف به، والنذر له، والتوبة إليه، والسجود له، والتعظيم والإجلال وتوابع ذلك، ولذلك كانت عبارةُ الجنيد عن التوحيد عبارةً سادَّةً مُسَدَّدةً».\nوانظر أيضًا: «الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":99},{"text":"فقوله: (لا ينالُ أحدٌ)؛ يعني: لا ينال أحدٌ من العُبَّاد والسالكين والسائرين إلى اللَّه ﷿ (مرادَه)؛ أي: مرادَه من اللَّه تعالى من المحبة والمنزلة عنده.\nوقوله: (حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ)؛ أي: حتى ينفرد العبدُ حال كونه فردًا بعزمه وصدق إرادته (بفردٍ) وهو اللَّه ﷿.\n\nو<span data-type='title' id=toc-85>إطلاق «الفَرْدِ» على اللَّه ﷿ </span>معناه صحيحٌ، فاللَّه تعالى فَرْدٌ، لكن الذي ورد في أسمائه «الأحد» و«الواحد»، وأما «الفَرْد» فلا أعرف أنَّه قد ورد في شيءٍ من النُّصوص (^١)، لكن معناه صحيح، وكثيرًا ما يجري على لسان بعض أهل العلم أنه ﷾ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ؛ يعني: أَحَدٌ وَاحِدٌ؛ لأنَّ «الفَرْدَ» بمعنى الواحد.\nفقوله: (حتى ينفرد فَرْدًا بِفَرْدٍ)؛ يعني: حتى ينفرد العبدُ بالواحدِ الأحدِ بحيث لا يكون له تعلُّقٌ إلا به سبحانه.\n_________\n(^١) نعم لم يرد ذكره في نصٍّ صحيحٍ، وقد ورد في حديثٍ ضعيفٍ جدًّا، أخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» رقم (١٥٥) -ومن طريقه: البيهقي في «الأسماء والصفات» رقم (١٦٠) -.","vol":"1","page":100},{"text":"وفي هذا المعنى يقول ابن القيم ﵀ في «النونية» (^١):\nفَلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِدًا في وَاحِدٍ … أَعْنِي سَبِيلَ الحَقِّ وَالإِيْمَانِ\nفقوله: (فلِوَاحِدٍ كُنْ وَاحِدًا)؛ يعني: كن عبدًا للَّهِ الواحدِ، لا تكن عبدًا لغيره.\nوقوله: (في وَاحِدٍ)؛ يعني: في الطريق، فإنَّ طريقَ الحقِّ وَاحِدٌ.\nوكأنَّ قوله: (حتى ينفرد فردًا بفردٍ) يشير به إلى مقام «الفناء» عند الصوفية، وهو أن يغيب بمشهودِه عن شهودِه، وبمعروفِه عن معرفَتِه، وبمذكورِه عن ذِكرِه، وليس هذا المقام من مقامات الدِّين التي جاء بها الرسولُ ﷺ، فضلًا عن أن يكون أعلى مقامات الدين أو يكون من لوازم طريق اللَّه، كما حقَّق ذلك وحرَّره شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^٢).\nثم ذكر المؤلِّف في آخر القصة أنَّ هذا العارف لما قال هذه المقالة غُشِيَ عليه وصُعِقَ، وهذا يحدث لبعض الصوفية.\nومسألة «الغَشْي والصَّعْقُ» فيها كلامٌ معروفٌ لشيخ الإسلام ابنِ تيمية وغيرِه (^٣)، وهو أنَّ الغَشْيَ ليس بمشروعٍ، لكن الإنسان إذا غَلَبَه الصَّعْقُ والغَشْي فإنَّه يكونُ حينئذٍ معذورًا، ولم يُعرَف الصَّعْقُ والغَشْي\n_________\n(^١) (٢/ ٧٥٠، بيت رقم ٣٤٨٢).\n(^٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٣)، و«طريق الهجرتين» لتلميذه ابن القيم (ص ٢٦١).\n(^٣) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٧ - ١٤) و(١٠/ ٣٤٨ - ٣٥٣) و(٢٢/ ٥٢٢)، و«جامع المسائل» (٥/ ٢٣٣).","vol":"1","page":101},{"text":"من حال الرُّسل والأنبياء والكُمَّل من عباد اللَّه، إنما عُرِفَ عن بعض العُبَّاد السُّلَّاك.\nفغاية الأمر أن يكونوا معذورين في ذلك، لا أنَّ الصَّعْقَ والغَشْي أمرٌ ممدوحٌ لذاته؛ بحيث يكون مَنْ يحصل له ذلك أفضل ممن لا يحصل له، هذا لا يصح.\nوكأن المؤلِّف ﵀ كان عنده نزعةُ تصَوُّفٍ، ولهذا تراه يستشهد ببعض أقوال الصوفية وأشعارهم، كما سيأتي.\n* * *","vol":"1","page":102},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nقَولُهُ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» تَقتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ الَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوفًا وَرَجَاءً.\nوَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيئًا مِمَّا يَكرَهُ اللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ لَم يَكمُل تَوحِيدُهُ وَلا صِدْقُهُ في قَولِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَكَانَ فِيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ بِحَسبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكرَهُهُ، قَالَ تَعَالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم (٢٨)﴾ [محمد].\nقَالَ اللَّيثُ عَنْ مُجَاهِدٍ في قَولِهِ تَعَالى: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، قَالَ: لا يُحِبُّونَ (^١) غَيرِي (^٢).\nوفي «صَحِيحِ الحَاكِمِ» عن عائِشةَ ﵂، عن النَّبِيِّ ﷺ: أنَّه قال: «الشِّركُ (^٣) أَخفَى مِنْ دَبِيبِ الذَّرِّ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ،\n_________\n(^١) وقع في نسخة الأصل: «لا يُحِبُّوا» بحذف النون على الجزم، والمثبت من نسخة (ب) وبقية مصادر التخريج، وهو الصواب لغة، فإن «لا» نافية وليست ناهية.\n(^٢) قول مجاهدٍ هذا لم أقف عليه في شيءٍ من كتب التفاسير المسنَدَة، ووجدتُه عند أبي نعيم في «حلية الأولياء» (٣/ ٢٩٦)، بينما أخرج ابنُ جريرٍ (١٩/ ٢١٠) وغيرُه من طريق الليث عن مجاهدٍ أنَّه قال في تفسيرها: «لا يخافون غيري»، فإن كان هذا الاختلافُ عن مجاهدٍ محفوظًا فيكون له في تفسير الآية قولان، وتفسيرها بنفي الخوف قد ورد عن ابنِ عبَّاس أيضًا، وانظر -في توجيه تفسيرها بذلك- «روحَ المعاني» لأبي الثناء الألوسي (٩/ ٣٩٤).\n(^٣) وقع في نسخة (ب) هنا زيادة: [في هَذِهِ الأُمَّة]، ولم أجد هذه الزيادة في المطبوع من «مستدرك الحاكم».","vol":"1","page":103},{"text":"وأَدنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيءٍ مِنَ الجَورِ، أَوْ تُبغِضَ عَلَى شَيءٍ مِنْ العَدلِ، وَهَل الدِّينُ إِلا الحُبُّ وَالبُغضُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» (^١).\nوَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ مَا يَكرَهُهُ اللَّهُ وَبُغضَ مَا يُحِبُّهُ مُتَابَعَةً لِلهَوَى، وَالمُوَلاةَ عَلَى ذَلِكَ وَالمُعَادَاةَ عَلَيهِ مِنْ الشِّركِ الخَفِيِّ.\nوقَالَ الحَسَنُ: اعلَم أَنَّكَ لَنْ تُحِبَّ اللَّهَ حَتَّى تُحِبَّ طَاعَتَهُ (^٢).\nوَسُئِلَ ذُو النُّونِ [المِصْرِيُّ]: مَتَى أُحِبُّ رَبِّي؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مَا يُبغِضُهُ عِنْدَكَ أَمَرَّ مِنْ الصَّبِر (^٣).\nوَقَالَ بِشرُ بنُ السَّرِيِّ: لَيسَ مِنْ أَعلامِ الحُبِّ أَنْ تُحِبَّ مَا يُبغِضُهُ حَبِيبُكَ (^٤).\nوَقَالَ أَبُو يَعقُوبَ النَّهرَجُورِي: كُلُّ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَم يُوَافِق اللَّهَ في أَمرِهِ فَدَعوَاهُ بَاطِلٌ (^٥).\nوَقَالَ يَحيَى بنُ مُعَاذٍ: لَيسَ بِصَادِقٍ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ، وَلَم يَحفَظ حُدُودَهُ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البزار في «مسنده» -كما في «كشف الأستار» رقم (٣٥٦٦) -، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٦٣٢)، والعقيلي في «الضعفاء» رقم (٣٥٣٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٢٩١) وغيرُهم، وهو «حديثٌ منكرٌ» كما قاله أبو زرعة والعُقَيلي، وقال الدارقطني: «ليس بثابت».\n(^٢) لم أجده، وقد ذكره المولِّف في كتابه الآخر «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٢).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٣٦٣ و٣٩٢).\nو«الصَّبِرُ» -ك «كَتِف» -: عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ. [«القاموس المحيط» (مادة: صَبَرَ)].\n(^٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٣٠٠)، وأخرجه أيضًا في (٨/ ٢٤) من قول إبراهيمَ بنِ أدهم ﵀.\n(^٥) لم أجده، وقد ذكره المولِّف في «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٣) و(٢/ ٣٩٧).\n(^٦) ذكره القُشَيري في «الرسالة القُشَيرِيَّة» (ص ٥٢٣).","vol":"1","page":104},{"text":"وَقَالَ رُوَيمٌ: المَحَبَّةُ المُوَافَقَةُ في جَمِيعِ الأَحوَالِ، وَأَنشَدَ:\nولو قلتَ لي: مُتْ، مُتُّ سمعًا وَطَاعَةً\nوقُلتُ لداعي الموتِ: أهلًا ومَرْحَبًا (^١)\nوَيَشهَدُ لِهَذَا المَعنَى أَيضًا قَولُهُ تَعَالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قَالَ الحَسَنُ: قَالَ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا حُبًّا شَدِيدًا؛ فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يَجعَلَ لِحُبِّهِ عَلَمًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (^٢).\n\nوَمِنْ هُنَا يُعلَمُ أَنَّهُ لا تَتِمُّ شَهَادَةُ «ألَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» إِلَّا بِشَهَادَةِ «أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه»، فَإِنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لا تَتِمُّ مَحَبَّةُ اللَّهِ إِلَّا بِمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ وَكَرَاهَةِ مَا يَكرَهُهُ، فَلا طَرِيقَ إِلَى مَعرِفَةِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ المُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ (^٣)، فَصَارَت<span data-type='title' id=toc-88> مَحَبَّةُ اللَّهِ مُسْتَلْزِمَةً لِمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَتَصدِيقِهِ وَمُتَابَعَتِهِ.</span>\nوَلِهَذَا قَرَنَ اللَّهُ بَيْنَ مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، كَمَا قَرَنَ بَينَ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو عبد الرحمن السُّلَمي في «طبقات الصوفية» (ص ١٥٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٠١).\n(^٢) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٣٢٢)، وابن المنذر في «تفسيره» (١/ ١٦٩).\n(^٣) قوله: [إلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ المُبَلِّغِ عَنْ اللَّه مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكرَهُهُ] لم ترد في نسخة (ب)، وورد مكانها: [إلَّا بِاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ].","vol":"1","page":105},{"text":"<hr><s0>\n\nذكر المؤلِّف ﵀ في هذه الجملة أنَّ قول: «لا إله إلا اللَّه» يتضمن محبة اللَّه، وهذا حقٌّ؛ فإنَّ معنى «لا إله إلا اللَّه»؛ أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللَّه، فهو وحده سبحانه المستحقُّ للعبادة، وحقيقة «العبادة» كمالُ الحبِّ مع كمالِ الذُّل.\nإذًا فقول: «لا إله إلا اللَّه» يقتضي أن يكون قائلُها محِبًّا للَّه، ومحِبًّا لما يُحِبُّه اللَّه، وهذا أمرٌ بَدَهِيٌّ، وهو مما فَطَرَ اللَّه عليه عِبَادَهُ، فإنَّ محبَّةَ الحَبِيبِ تقتضي محبَّةَ ما يُحِبُّه، بل وبُغْضَ ما يُبغِضُهُ.\nبل إنَّ قولَ: «لا إله إلا اللَّه» كما أنَّه يقتضي محبَّة اللَّه فإنَّه يقتضي أيضًا خوفَه ورجاءَه، فلا بد إذًا من تصديق هذه الكلمة، وتصديقُها إنما هو بمحبة ما يُحِبُّه اللَّه وبُغْضِ ما يُبغِضُه، فبحسب ما يكون بالقلب من محبَّة اللَّه وصِدْقِ العبودية له تكون حال الإنسان في تعامله مع الأشياء، فيُحِبُّ ما يُحِبُّه اللَّه ويُبغِضُ ما يُبْغِضُهُ اللَّه.\nوأما من عَكَسَ؛ فَأَحَبَّ ما يُبغِضُه اللَّه، أو أَبغَضَ ما يُحِبُّه اللَّه، كان ذلك مكذِّبًا لدَعْوَاهُ المحبَّة، أو دَالاًّ على نقصٍ فيما يدَّعِيه من المحبَّة.\n\nومعنى هذا أنَّ<span data-type='title' id=toc-89> كمال التوحيد يقتضي محبَّة ما يحبُّه اللَّه، وبُغْضَ ما يُبغِضُه اللَّه؛ من الأعمال والأقوال والأشخاص.</span>\nفيقتضي محبة ما أمر اللَّه به ورسوله، وبغض ما نهى اللَّه عنه ورسوله، ويقتضي أيضًا محبة أولياء اللَّه، وبغض أعدائه.","vol":"1","page":106},{"text":"إذًا؛ فمن لم يتحقق بهذا فلا بد وأن يكون عنده نوعٌ من الشرك في المحبة، فمن أحبَّ شيئًا مما يبغضُه اللَّه أو كَرِهَ شيئًا مما يحبُّه لم يكن محقِّقًا لمحبَّة اللَّه؛ فإنَّ محبَّة اللَّه المطلقة التامَّة تقتضي محبَّة كل ما يحبه اللَّه وكل من يحبه اللَّه، وبغض كل ما يبغضه اللَّه وكل من يبغضه اللَّه.\nومن ذلك محبةُ الرسول ﷺ؛ فإنَّ محبةَ الرسول ﷺ هي من محبةِ اللَّه، ومحبةُ المؤمنين هي من محبةِ اللَّه، فهي فرعٌ وتَبَعٌ.\nوقد قَرَنَ اللَّه محبةَ الرَّسول ﷺ بمحبتِه في كتابِه الكريم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفي الحديث أيضًا: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمان: أن يَكُونَ اللَّه ورَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا» (^١).\nوكما قَرَنَ اللَّه بينَه وبينَ الرَّسُول ﷺ في المحبَّة قَرَنَ بينَه وبينَه في الطاعة أيضًا؛ فإن محبَّة الرسول ﷺ تقتضي طاعته طاعةً مطلقةً كطاعة اللَّه؛ لأن طاعة الرسول هي طاعةٌ للَّه؛ فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة اللَّه ولا ينهى إلا عن معصيته، أما غيره من الخلق فإنه قد يأمر بمعصية اللَّه، فلهذا قُيِّدَت طاعةُ المخلوقِ -غير الرسولِ ﷺ ب «المعروف» أو «بغير المعصية» كما في الحديث: «لا طاعة في المعصية، إنما الطاعة في المعروف» (^٢).\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أنسٍ ﵁؛ البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (٤٣).\n(^٢) متفقٌ عليه من حديث عليٍّ ﵁؛ البخاري رقم (٦٨٣٠)، ومسلم رقم (١٨٤٠).","vol":"1","page":107},{"text":"وتحقيق محبة الرسول ﷺ إنما هي بمتابعته، بل وتحقيق محبة اللَّه إنما هي بمتابعة الرسول ﷺ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، فاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ هو البرهان، وقد جاء في تفسير هذه الآية -كما ذكر المؤلِّف- أن قومًا ادَّعَوا محبَّة اللَّه فامتحنهم بهذه الآية، ولذا سُمِّيَت هذه الآية ب «آية المِحْنَة».\nثم أورد المؤلِّف جملةً من أقوال بعض شيوخ الصوفية؛ كأبي يعقوب النَّهْرَجُورِي، وذي النُّون المِصْرِي، ورُوَيْم وغيرِهم، وهؤلاء من أعلام الصوفية، ولهم أقوالٌ جَيِّدَةٌ حَسَنَةٌ، وكثيرًا ما يستشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.\n\nو<span data-type='title' id=toc-92>شيوخ الصوفية المتقدِّمون الغالب عليهم الخير،</span> وإن كان لهم أخطاء كغيرهم من الناس، فكل طائفة من أهل الدين من أرباب السلوك أو أرباب الفقه وغيرهم، كل من هؤلاء فيهم المعتدل والمستقيم، وفيهم من يكون عنده بعض الأخطاء في قوله أو في فعله، والواجب العدل في الحكم على الطوائف والجماعات وعلى الأفراد.\nوالمقصود: أنَّ المؤلِّف ﵀ يستشهد في هذه الرسالة وفي غيرها بأقوال أولئك الصوفية؛ لأنَّ عباراتهم الواردة في هذا صحيحةٌ، وأنَّ العنوانَ على صدقِ المحبة هو الطاعةُ والوقوفُ عند الحدود، ومحبةُ ما يُحِبُّه اللَّه، إلا أنَّ الأمر لا يقف عند حد المحبة، فالعبودية تتضمن المحبة والخوف والرجاء معًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فلا بد أن تقوم العبادة على هذه الأصول.","vol":"1","page":108},{"text":"والصوفية -بعضُهم أو كثيرٌ منهم- يبالغون في تعظيم مقام المحبة، ولا يعظِّمون مقام الرَّجاء والخوف، بل ربما استنقصوا مقام الرَّجاء والخوف، وهذا من أغلاطهم، كما يروى عن بعضهم قوله: «أنا لا أعبد اللَّه حُبًّا ورَغبَةً في جنَّتِه ولا خَوفًا من نَارِه»؛ بمعنى: أنَّه لا يعبده إلا بدافع الحبِّ فقط، وهذا غلطٌ (^١)؛ فاللَّه تعالى أمر بخوفه ورجائه وأثنى على أوليائه بالخوف والرجاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].\nولعل هذه المقدمة تنفع في ملاحظة ما سيأتي من استشهادات المؤلِّف ﵀ بعبارات بعض أعلام الصوفية، كما ذكره هنا، لكن جملةُ ما ذَكَرَه هنا أنَّ محبةَ اللَّه الصادقة تقتضي محبَّة ما يُحِبه وبُغضَ ما يُبغِضه، وأنَّ خلاف ذلك قادحٌ في المحبَّة بقدرِ ما يقع من تلك المخالفة، وهذا كلامٌ صحيحٌ، وحقٌ لا نزاع فيه.\n* * *\n_________\n(^١) سيأتي قريبًا في كلام الشارح مزيدُ بسطٍ في نقد هذا المسلَك.","vol":"1","page":109},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَقَالَ ﷺ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكرَهَ أَنْ يَرجِعَ إلى الكُفرِ بَعدَ إِذْ أَنقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلقَى في النَّارِ» (^١).\nهَذِهِ حَالُ السَّحَرَةِ لَمَّا سَكَنَت المَحَبَّةُ قُلُوبَهُم، سَمَحُوا بِبَذلِ نُفُوسِهِم، [ف] قَالُوا لِفِرعَونَ: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ.\nوَمَتَى تَمَكَّنَت المَحَبَّةُ فِي (^٢) القَلبِ لَم تَنبَعِث الجَوَارِحُ إِلَّا إِلى طَاعَةِ الرَّبِّ، وهَذَا هو مَعنَى الحدِيثِ الإِلَهِيِّ الَّذِي خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ في «صَحِيحِه»، وَفِيهِ: «وَلا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» (^٣)، وَفِي بَعضِ الرِّوَايَات: «فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» (^٤)؛ وَالمعنَى: أنَّ مَحَبَّةَ اللَّه إِذَا استَغْرَقَ بِها القَلْبُ واسْتَولَت عَلَيهِ، لَمْ تَنْبَعِث الجَوَارِحُ\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أنسٍ ﵁؛ البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (٤٣).\n(^٢) في نسخة (ب): «من».\n(^٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رقم (٦١٣٧).\n(^٤) لم أقف على هذه الرواية مسندةً رغم البحث، وقد ذكرها -من غير عزوٍ- شيخُ الإسلام ابن تيمية في مواضعَ كثيرةٍ من كتبِه، وكذلك تلميذُه ابنُ القيِّم، ولما خَرَّج العلامةُ الألبانيُّ أصلَ الحديث في «الصحيحة» (٤/ ١٩١) قال عن هذه الزيادة: «ولم أَرَ هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرِّجين»، وقد سبقه إلى هذا الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٥١/ ٣٦٣) فإنه لما أورد\nكلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية وفيه ذِكْرُ هذه الرواية، عقَّبَ عليها بقوله: «قلت: لم أجد هذه اللفظة «فبي يسمع وبي يبصر» … إلخ».\nثم وجدتُ الحكيمَ الترمذيَّ قد ذَكَرَ هذه الرِّوَاية في «نوادر الأصول» (١/ ٢٦٥ و٤/ ٣٥)، وفي «الأمثال» (ص ١٣٣) ولكنه لم يَسُق إسنادَها أيضًا، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":110},{"text":"إِلَّا إِلى مَرَاضِي الرَّبِّ، وَصَارَت النَّفْسُ حِينَئِذٍ مُطْمَئِنَّةً، فَفَنِيَتْ بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا.\nيا هَذَا! اعْبُد اللَّهَ لِمُرَادِهِ مِنْكَ لا لِمُرَادِكَ مِنهُ، فَمَنْ عَبَدَهُ لِمُرَادِهِ مِنهُ فَهو مِمَّنْ يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، إِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وإِن أَصَابَتهُ فتنةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدُّنيَا والآخِرَةَ.\nوَمَتَى قَوِيتِ المعرِفَةُ والمحَبَّةُ لَمْ يُرِد صَاحِبُهَا إلَّا مَا يُرِيدُهُ مَولاهُ، وَفي بَعضِ الكُتُبِ السَّالِفَةِ: «مَنْ أَحَبَّ اللَّه لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ رِضَاهُ، وَمَنْ أَحَبَّ الَّدُنيَا لَمْ يَكُنْ شَيءٌ عِندَهُ آثَرُ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ» (^١).\nوَرَوَى ابنُ أبي الدُّنيَا بِإِسنَادِهِ عن الحَسَنِ، قَالَ: مَا نَظَرْتُ بِبَصَرِي، وَلَا نَطَقْتُ بِلِسَانِي، وَلَا بَطَشْتُ بِيَدِي، وَلَا نَهَضْتُ عَلَى قَدَمِي، حَتَّى أَنْظُرَ عَلَى طَاعَةٍ أو مَعصِيَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً تَقَدَّمْتُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً تَأَخَّرْتُ (^٢).\n\nهَذَا<span data-type='title' id=toc-96> حَالُ خَوَاصِّ المحِبِّينَ [الصَّادِقِينَ]،</span> فَافْهَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه هَذَا؛ فَإنَّه مِنْ دَقَائِقِ أَسْرَارِ التَّوحِيدِ الغَامِضَة.\n_________\n(^١) لم أجده، وقد ذكره المؤلِّف في كتابه «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٣) و(٢/ ٣٩٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الورع» رقم (١٩٥).","vol":"1","page":111},{"text":"وَإِلى هَذَا المقَامِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ في خُطْبَتِهِ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَيثُ قَالَ: «أَحِبُّوا اللَّه مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ» وَقَدْ ذَكَرَهَا ابنُ إِسحَاقَ وغَيرُه (^١).\n\nفَإِنَّ<span data-type='title' id=toc-97> مَنْ امْتَلأَ قَلبُه مِنْ مَحَبَّةِ اللَّه لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرَاغٌ لِشَيءٍ من إِرَادَاتِ النَّفْسِ وَالهَوَى،</span> وَإِلى ذَلِكَ أَشَارَ القَائِلُ بِقَولِهِ (^٢):\nأَرُوحُ وَقَدْ خَتَمتَ عَلَى فُؤادِي … بِحُبِّكَ أن يَحُلَّ بِهِ سِوَاكَ\nفَلَو أَني استَطَعتُ غَضَضْتُ طَرْفِي … فَلَم أَنْظُرْ بِهِ حَتَّى أَرَاكَا\nأُحِبُّكَ لا بِبَعْضِي بَلْ بِكُلِّي … وَإِنْ لَمْ يُبْقِ حُبُّكَ لي حِرَاكَا\nوَفي الأَحْبَابِ مَخْصُوصٌ بِوَجْدٍ … وَآخَر يَدَّعِي مَعَهُ اشْتِرَاكَا\nإِذَا اشْتَبَكَتْ (^٣) دُمُوعٌ في خُدُودٍ … تَبَيَّنَ مَنْ بَكَا مِمَّنْ تَبَاكَى\n_________\n(^١) أخرجها هنَّادٌ في «الزهد» رقم (٤٩٢)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق بإسناده مرسلًا.\n(^٢) هذه الأبيات من قصيدة للمتنبي يمدح بها أبا شجاعِ عَضُد الدَّولة، مطلعها:\nفِدًى لكَ مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ مَدَاكَا … فَلَا مَلِكٌ إِذَنْ إِلَّا فِدَاكَا\nولم أر البيتين -الثالث والسادس- من ضمن أبيات القصيدة، فلعلهما في رواية أخرى لها.\nينظر: «ديوان المتنبي بشرح أبي البقاء» (٢/ ٣٨٥ وما بعدها)، و«شرح ديوان المتنبي» للبرقوقي (٣/ ١٢٣ وما بعدها).\n(^٣) وقع في نسخة (ب): «اسْتَكَبَت».","vol":"1","page":112},{"text":"فَأَمَّا مَنْ بَكَى فَيَذُوبُ وَجْدًا … وَيَنْطِقُ بِالهَوَى مَنْ قَدْ تَشَاكَا\nمَتَى بَقِيَ لِلمُحِبِّ مِنْ نَفْسِهِ حَظٌّ فَمَا بِيَدِهِ من المَحَبَّةِ إِلَّا الدَّعْوَى، إِنَّمَا المُحِبُّ مَنْ يَفْنَى عَنْ [هوى] نَفْسِهِ كُلِّهِ، وَيَبْقَى بِحَبِيبِهِ، فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ.\nالقَلبُ بَيتُ الرَّبِّ، وفي الإِسرَائِيلِيَّات يَقُولُ اللَّه: «مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي، وَلَكِن وَسِعَنِي قَلْبُ عَبدِي المُؤمِن» (^١).\nفَمَتَى كَانَ القَلبُ فِيهِ غَير اللَّه، فَاللَّه أَغنَى الأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ، وَهو لَا يَرْضَى بِمُزَاحَمَةِ أَصْنَامِ الهَوَى، الحقُّ تَعَالَى غَيُورٌ، يَغَارُ عَلَى عَبدِهِ المُؤمِن أَنْ يَسْكُنَ في قَلْبِهِ سِوَاهُ، وأَن يَكُونَ فِيهِ شَيءٌ لا يَرْضَاهُ.\nأَرَدْنَاكُمُ صِرْفًا فَلَمَّا مَزَجْتُمُ … بَعُدْتُمْ بِمِقْدَارِ التِفَاتِكُمْ عَنَّا\nوَقُلْنَا لَكُمْ لا تُسْكِنُوا القَلبَ غَيرَنَا … فَأَسْكَنْتُمُ الأَغْيَارَ مَا أَنْتمُ مِنَّا (^٢)\n_________\n(^١) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الأثر -كما في «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٣٧٠) - فقال: «هذا ما ذَكَرُوهُ في الإسرائيليات ليسَ لَهُ إسنَادٌ مَعرُوفٌ عن النَّبِيِّ ﷺ، ومعنَاهُ: وَسِعَ قَلبُهُ مَحَبَّتِي ومَعرِفَتِي، وما يُروَى: «القَلبُ بَيتُ الرَّبِّ» هذا مِنْ جِنسِ الأَوَّلِ، فإِنَّ القَلبَ بَيتُ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى ومَعرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ ....».\nوقال عنه العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (٣/ ١٥): «لم أَرَ لَهُ أصلًا».\n(^٢) هذان البيتان ذكرهما ابن الجوزي في «المدهش» (ص ٣٢٦)، ولم ينسبهما لأحد.\nوقد ذكر بهاء الدين العاملي في «الكشكول» (١/ ١٢٣): أن أبا بكر الشِّبْلِي -أحدُ أعيانِ الصوفية- سمع رجلًا ينشد:\nأَرَدْنَاكُمُ صِرْفًا فَإِذْ قَدْ مَزَجْتُمُ\nفَبُعْدًا وَسُحْقًا لا نُقِيْمُ لَكُمْ وَزْنًا\nولم يذكر سوى هذا البيت، وهو مطابقٌ في معناه لما أورده ابنُ رجب.","vol":"1","page":113},{"text":"<hr><s0>\n\nاستشهد المؤلِّف ﵀ في هذا المقام بأنَّ كمالَ المحبَّة يقتضي كمال الطاعة، وقد استشهد على ذلك بالحديث القدسي الذي أخرجه البخاري في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها».\nوفي روايةٍ في غير «الصحيح»: «فبي يَسْمَعُ، وبي يُبْصِرُ، وبي يَبْطِشُ، وبي يَمْشِي»، وهذا اللفظ يُفِيدُه اللفظ الأول: «كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها».\nفالمؤمنُ المُحِبُّ الصَّادِقُ تكون جميع تصرُّفاتِه للَّه وفي اللَّه، كما في الحديث: «مَنْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للَّه وأعطى للَّه ومَنَعَ للَّه فقد استكمَلَ الإيمان» (^١).\nوالمعنى: أنه لا يُحِبُّ أحدًا إلا للَّه، ولا يُبغضه إلا للَّه، وإن أعطى أعطى للَّه، وكل بَذْلٍ لا يبذله إلا للَّه، حتى ما يُنفِقُه على زوجتِه، كما\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في «سننه» رقم (٤٦٨١)، والطبراني في «الكبير» رقم (٧٦١٣ و٧٧٣٧ و٧٧٣٨)، وابن بطة في «الإبانة» رقم (٨٤٦)، جميعهم من طريق يحيى بن يحيى الذِّماري، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة مرفوعًا.\nقال الذهبي في «معجم الشيوخ» (٢/ ٣٤٧): «هذا حديثٌ صحيحٌ».","vol":"1","page":114},{"text":"في حديث سعدٍ ﵁: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ» (^١).\nفأهلُ الإيمانِ الكامِلِ كلُّ تصرفاتهم -حتى الأمور الطبيعية العادية- تكون للَّه ﷿، فإذا أنفق الواحدُ منهم على أولادِه فإنَّه يُنْفِقُ عليهم محتَسِبًا، يراعي ما أوجبَ اللَّه عليه من الإحسان إليهم، وما يترتب على إنفاقه عليهم من إغنائهم كفايتهم، وإعانتهم على ما ينفعهم، وهكذا تكون أعماله كلها للَّه.\nوقول اللَّه ﷿ -في الحديث-: «ولا يزال عبدي يتقرب إلَيَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُه»؛ يعني: المحبةَ الكاملة، وإلا فإنَّ اللَّه يُحِبُّ كلَّ مؤمن، لكن محبته لأوليائه والصالحين من عباده ليست على مرتبةٍ واحدةٍ أو على حدٍّ سواء؛ بل فيها تفاوت وتفاضل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، فالأنبياء والصالحون والمؤمنون متفاضلون فيما بينهم في المرتبة والمحبة.\nثم قال تعالى: «فإذا أحبَبْتُه كنتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها» فأفكارُه تكون أيضًا دائرة على الحق، فإذا كانت هذه حال الجوارح، فحركة الجوارح تابعة لما في القلب، وإنما تكون الجوارح متَقَيِّدَة بهذه الحال بكمال عبودية القلب للَّه، حبًّا وخوفًا ورجاءً، وهذا يعني: أن المحقِّق لهذه\n_________\n(^١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه» منها: رقم (٥٦)، ومسلم رقم (١٦٢٨).","vol":"1","page":115},{"text":"العبودية والمحبة والإيمان لا يريد إلا ما يريده اللَّه، وهذه هي الإرادة الشرعية.\nوقول المؤلِّف: (وصارت النَّفْسُ حينئذٍ مطمَئِنَّةً، فَفَنِيَت بِإِرَادَةِ مَولَاهَا عَنْ مُرَادِهَا وَهَوَاهَا) بحيث إنه لا تكون لها إرادة إلا ما يكون بتحقيق مراد اللَّه منها، فالمحب الصادق هو الذي يعبد اللَّه -كما قال المؤلِّف- على مراد اللَّه منه، لا على مراده هو من اللَّه.\nوهذه العبارة فيها ما فيها؛ لأنَّ العبدَ -كما ذكرتُ- يعبدُ ربَّه على وِفْقِ ما أراد اللَّه منه، وهذا لا يمنع من أن يكون العبدُ يريد من ربِّه أمورًا كثيرة؛ من مغفرة الذنوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار، إلى غير ذلك.\nواللَّه تعالى قد أثنى على أنبيائه ورسله مع أنهم يريدون منه الرحمة، ويريدون منه الجنة والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].\nولكن المذموم أن يعبد العبدُ ربَّه لما يريده منه من أمر الدنيا، وهذا هو الذي يسقط عليه ما استشهد به المؤلِّف من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، فهو يعبد اللَّه على طَرَفٍ من","vol":"1","page":116},{"text":"الدِّين، غير متمَكِّنٍ منه، فهو يعبد اللَّه ما استقامت دنياه، فإن أصابتهُ فتنةٌ أو مصيبةٌ أو فقرٌ أو حاجةٌ انقلب على وجهه.\nفمن يعبد اللَّه ليعطيه سعادة الدنيا ولا يريد الآخرة، فهذا هو الذي ذَمَّه اللَّه بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ فهو يريد المال والولد والجاه والشرف وأنواع المتاع، ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق (٢٠٠) وِمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار (٢٠١)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤].\nفلم يَذُمَّ اللَّه الذين يريدون الآخرة إنما ذَمَّ الَّذِين يريدون الدنيا ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧].\nوقال ﷾: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء]، فإرادة ثواب الآخرة وإرادة الجنة هذه لا إثم فيها، ولا نقص فيها، ولا عيب على من يعبد اللَّه محبةً له وخوفًا منه ورجاءً في ثوابه هذا، وإلا فلماذا ذكر اللَّه تعالى لعباده الجنة والنار، وسائر أمر الآخرة؟ ما ذكر ذلك سبحانه إلا ترغيبًا وترهيبًا، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُون (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٦، ١٧].\n* * *","vol":"1","page":117},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nلا يَنجُو غَدًا إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلبٍ سَلِيمٍ، لَيسَ فِيهِ سِوَاهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء].\n\n<span data-type='title' id=toc-102>القَلبُ السَّلِيمُ: هُو الطَّاهِرُ مِنْ أَدنَاسِ المُخَالفَات،</span> فَأَمَّا المُتَلَطِّخُ بِشَيءٍ مِنَ المَكرُوهَاتِ فَلا يَصلُحُ لِمُجَاوَرَةِ حَضرَةِ القُدُسِ (^١) إِلا بَعدَ أَنْ يُطَهَّرَ في كِيرِ العَذَابِ، فَإِذَا زَالَ مِنهُ (^٢) الخَبَثُ صَلَحَ حِينَئِذٍ لِلمُجَاوَرَةِ «إِنَّ اللَّه طِيبٌ لا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (^٣).\nفَأَمَّا القُلُوبُ الطَّيِّبَةُ فَتَصلُحُ لِلمُجَاوَرَةِ مِنْ أَوَّلِ الأَمرِ: [﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار (٢٤)﴾ [الرعد]]، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين (٧٣)﴾ [الزمر]، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].\nمَنْ لَم يُحرِق اليَومَ قَلبَهُ بِنَارِ الأَسَفِ عَلَى مَا سَلَفَ، أَوْ بِنَارِ الشَّوقِ إِلَى لِقَاءِ الحَبِيبِ، فَنَارُ جَهَنَّمَ لَهُ أَشَدُّ حَرًّا.\nمَا يَحتَاجُ إِلى التَّطهِيرِ بِنَارِ جَهَنَّمَ إِلَّا مَنْ لَم يُكمِل تَحقِيق التَّوحِيدِ وَالقِيَام بِحُقُوقِهِ.\n_________\n(^١) كذا في النسختين، ووقع في هامش نسخة (ب): «لعله: القدوس»، والصواب ما في «النسختين»، وهو ما صوَّبه الشارح حفظه اللهُ، فقال: هذه العبارة «حَضْرَة القُدُس» من العبارات الدارجة على لسان مَنْ يتكلَّم بهذا الكلام.\n(^٢) في نسخة (ب): «عنه».\n(^٣) أخرجه مسلمٌ رقم (١٠١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":118},{"text":"<hr><s0>\n\nذكر المؤلف ﵀ هنا: أنه لا ينجو من عذاب اللَّه يوم القيامة إلا صاحب القلب السليم، واستدل بقول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾، وهذا جاء في ثنايا قصةِ إبراهيمَ ﵇، ودعائِه: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيم (٨٥) وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّين (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُون (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٩)﴾ [الشعراء].\nومن بديع المناسبات هنا: أنَّ اللَّه وصف إبراهيم ﵇ ب «سلامة القلب» فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيم (٨٣) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات].\nف «القلب السليم» جاء في القرآن في هذين الموضعين:\nالأول: في كلام إبراهيم ﵇.\nوالثاني: في وصف اللَّه ﷿ لإبراهيم ﵇.\nو«السليم» صيغة تدل على السلامة، فهو ضد العليل والمريض.\nوعلى هذا ف «القلب السليم» هو: القلبُ السالم من المخالفات؛ مخالفات الأوامر والنواهي، وذلك بترك المأمور أو فعل المحظور.\nفلا ينجو من عذاب اللَّه نجاةً مطلقةً، بحيث لا يناله عذاب، إلا صاحب القلب السليم، وهذا هو الذي ينجو ولا يتعرض لشيءٍ من العذاب؛ لسلامة قلبه، ومَن هذا حاله فإنه يدخل الجنة من أوَّل وَهْلَة.","vol":"1","page":119},{"text":"فأشار المؤلِّف إلى نوعٍ من سلامة القلب، وهو السلامة من فتن الشهوات وفتن الشبهات، وقد يقال: إنَّ كلامَه شاملٌ، لكن لعل مما يوضح المقام ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في مواضع من كتبه، ولا سيما في كتابه «إغاثة اللَّهفان»، فإنه عُنِيَ بالكلام على<span data-type='title' id=toc-105> أقسام القلوب،</span> فينبغي أن يراجع وتراجع تلك الأبواب.\nومما جاء في كلام المؤلف ﵀: أنَّ القلب السليم هو السالم من فتن الشهوات وفتن الشبهات؛ فتن الشهوات التي تعارض أمر اللَّه ونهيه، وفتن الشبهات التي تعارض خبر اللَّه.\nففتن الشهوات تحمل على المعصية والمخالفة؛ بترك المأمور وفعل المحظور.\nوفتن الشبهات تُضْعِفُ اليقين، أو تورث الشك فيما أخبر اللَّه به ورسوله.\nف «القلب السليم» لا بد أن يسلم اعتقاده من عوارض الشبهات، وتسلم إرادته من عوارض الشهوات.\nفالقلوب أقسام، فمنها:\n- القلب السليم، وهو قلب المؤمن كامل الإيمان.\n- والقلب الميِّت الذي لا حِسَّ فيه ولا إرادة، وهو قلب الكافر.\n- والقلب المريض، وهو قلب المُخَلِّط الذي فيه مادَّتَان؛ مادَّةُ حياةٍ ومادَّة موتٍ، وهو لما غلب عليه منهما.","vol":"1","page":120},{"text":"وفي الحديث الصحيح: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السموات وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (^١).\nومن أمراض القلوب التي تبعث عليها الشهوات -وهي كثيرة-: الرياء، وهو أن يعمل الإنسان العمل مما يحبه اللَّه ليراه الناس، وليقولوا فيه كذا وكذا؛ يعني: أنه يَعمَلُ العَمَلَ للمَحْمَدَة، نعوذ باللَّه من ذلك، وهذا مرضٌ خطيرٌ، نسأل اللَّه أن يقينا منه، ولهذا جاء في الحديث قوله ﷺ: «أخوف ما أخاف عليكم الشركُ الأصغرُ» فسُئل عنه؟، فقال: «الرِّيَاء» (^٢).\n\nوفي المسائل التي ذكرها الشيخ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهاب ﵀ في كتاب «التوحيد»، استنباطًا من نصوص (باب الخوف من الشرك): أنَّ<span data-type='title' id=toc-107> الرِّياءَ أخوفُ ما يُخَاف منه على الصالحين </span>(^٣).\nفعلى الإنسان أن يجتنب الرياء وأن يأخذ بالأسباب الواقية منه، وأن يسأل ربه أن يعصِمَه من الشركِ كُلِّهِ، صغيرِه وكبيرِه، ظاهرِه وخَفِيِّه، فالرياءُ هو شركٌ أصغرٌ وخفيٌّ.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٤٤) من حديث حذيفة ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٢٣٦٣٠ و٢٣٦٣١ و٢٣٦٣٦)، وإسناده حسن، كما قال الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» رقم (١٤٩٨)، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣٤): «إسناده جيِّد».\n(^٣) المسألة الرابعة من مسائل الباب المذكور.","vol":"1","page":121},{"text":"ف «القلب السليم» هو الذي سَلِمَ من هذه الآفات؛ من الرِّياءِ وغيرِه من أمراض القلوب؛ كالكِبْر، والحَسَدِ، وسوءِ الظنِّ باللَّه، والظنونِ الكاذبةِ، والغِشِّ وغيرِها، وهذه أمراضٌ قلبيَّةٌ معنويَّةٌ، وكلُّها تنافي سلامة القلب، لكن قد تصل إلى أن يموت بها القلبُ فيصيرُ ميِّتًا، وقد يصيرُ مريضًا ثم يَصِحُّ، وقد يبقى على مرضه.\n\nف<span data-type='title' id=toc-108>أحوال القلوب تشبه أحوال الأبدان</span>؛ فكما أنَّ الأبدانَ منها الميِّتُ، ومنها الصحيحُ، ومنها المريضُ، فكذلك القلوب، وأيضًا فإنَّ أمراض الأبدان تختلف، فمنها مرضٌ معضِلٌ ربما يفضي بصاحبه إلى الموت، وكذلك أمراض القلوب، نسأل اللَّه السلامة والعافية.\n* * *","vol":"1","page":122},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nأَوَّلُ مَا (^١) تُسَعَّرُ بِهِ النَّارُ مِنَ المُوَحِّدِينَ العُبَّادُ المُرَاؤونَ بِأَعمَالِهِم؛ وَأَوَّلُهُم العَالِمُ، وَالمُجَاهِدُ، وَالمُتَصَدِّقُ لِلرِّيَاءِ؛ لأَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِركٌ.\nمَا نَظَرَ المُرَائِي إِلَى الخَلقِ فِي عَمَلِهِ إِلَّا لِجَهلِهِ بِعَظَمَةِ الخَالِقِ.\nالمُرَائِي يُزَوِّرُ التَّوَاقِيعَ عَلَى اسمِ المَلِكِ؛ لِيَأخُذَ البَرَاطِيلَ (^٢) لِنَفسِهِ، وَيُوهِمَ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ المَلِكِ، وَهُوَ مَا يَعرِفُ المَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ.\nنَقَشَ المُرَائِي عَلَى الدِّرهَمِ الزَّائِفِ اِسمَ المَلِكِ لِيَرُوجَ (^٣)، وَالبَهرَجُ (^٤) مَا يَجُوزُ (^٥) إِلَّا عَلَى غَيرِ النَّاقِدِ.\n<hr><s0>\n\nتكلَّم المؤلِّفُ ﵀ في هذه الجملة عن «المُرائي» وذكر عنه:\n_________\n(^١) كذا في النسختين، وله وجه، ووقع في هامش نسخة (ب): «مَنْ»، وهو أولى.\n(^٢) البراطيل: جمع بِرْطِيل -بكسر الباء الموحَّدة- وهو الرِّشْوَة، وفي المثل: «البَرَاطِيل تَنْصُرُ الأَبَاطِيل».\nينظر: «أساس البلاغة» (مادة: ب ر ط ل)، و«المصباح المنير» (مادة: ب ر ط ل)، و«تاج العروس» (٢٨/ ٧٥).\n(^٣) رَاجَ الشَّيْءُ يَرُوجُ رَوَاجًا: إذا نَفَقَ، ورَاجَت الدَّرَاهمُ: تَعَامَلَ النَّاسُ بها.\nينظر: «تاج العروس» (٥/ ٦٠٠).\n(^٤) «البَهْرَجُ» -بالفَتْح-: الباطِلُ، والرَّدِيءُ مِنْ كلِّ شيْءٍ، قال ابن الأَعرابيّ: الدِّرْهَمُ البَهْرَجُ: هو الذي لا يُباع به.\nينظر: «تاج العروس» (٥/ ٤٣٢).\n(^٥) وفي بعض النسخ المطبوعة: «لا يروج».","vol":"1","page":123},{"text":"أولًا: أنَّه إنما أُتي من جهله بربه، فإنَّ من عَرفَ ربَّه وأنَّه المستحقُ لأنْ يُؤلَه ويُعبَد ويُتَقَرَّب إليه بأنواعِ القُرُبَات فإنَّه لا يُبالي بالخلق ولا يعبأ بهم، فعَمَلُه في الغيب والشهادة واحدٌ، لا يبالي بالنَّاس، إنما يعمل لربِّه ويتقرَّبُ إليه، فالمرائي إنِّما أُتي من جهلِه بعظمةِ الخالِق.\nوثانيًا: أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ وهو بخلاف ذلك، وهذا هو الذي ضَرَبَ له المؤلِّف مَثَلَيْنِ:\nالأول: أنَّه يُزَوِّرُ التواقيعَ، ويُظْهِرُ أنَّه من خَوَاصِّ المَلِك، ليأخذ البراطيلَ لنفسِه.\nوالثاني: أنَّه يَنقشُ اسمَ المَلِك على الدِّرهَمِ الزَّائِفِ ليَرُوجَ.\nوهذان المثَلان ضربهما المؤلِّفُ لبيان حال المرائي، وذلك من جهة أنَّه يُظهِرُ الصلاحَ والقُرْبَ من اللَّه وهو بخلاف ذلك، فعمل المرائي في حقيقته تزويرٌ، إذ ليس باطنه كظاهره.\n* * *","vol":"1","page":124},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَبَعدَ أَهلِ الرِّيَاءِ يَدخُلُ النَّارَ أَصحَابُ الشَّهَوَاتِ، وَعَبِيدُ الهَوَى، الَّذِينَ أَطَاعُوا هَوَاهُم، وَعَصَوا مَولاهُم، فَأَمَّا عَبِيدُ اللَّهِ حَقًّا فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر].\n\n<span data-type='title' id=toc-112>نَارُ جَهَنَّمَ تَنطَفِئُ بِنُورِ إِيمَانِ المُوَحِّدِينَ،</span> في الحَدِيثِ: «تَقُولُ النَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُزْ، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي» (^١).\nوَفِي «المُسنَدِ» عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَبقَى مُؤمِنٌ وَلا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤمِنِينَ بَردًا وَسَلامًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَردِهِم» (^٢).\n_________\n(^١) هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وهو ضعيفٌ جدًّا، فقد أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٣٩٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٣٦٩).\nقال ابنُ رجب في «التخويف من النار» (ص ٢٠٢): «هذا حديثٌ غريبٌ، وفيه نكارة»، وقال ابنُ كثير في «النهاية» (٢/ ٩٣): «هذا حديثٌ غريبٌ جدًّا».\n(^٢) جزءٌ من حديث الوُرود، أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٤٥٢٠)، وعبد بن حميد كما في «المنتخب من مسنده» رقم (١١٠٦)، والحارث بن أسامة في «مسنده» رقم (١١٢٧ بغية الباحث)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٣٦٤)، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يصح مرفوعًا عن النبي ﷺ، وقد أخرج مسلم في «صحيحه» رقم (١٩١) عن جابرٍ موقوفًا عليه أنه سئل عن «الوُرود» فأجاب بكلامٍ طويلٍ، فيه ذكر الرؤية والشفاعة، وفيه: «قال: فينْطَلِقُ بهِم [يعني: الربُّ ﷾] ويَتَّبعونَهُ ويُعطَى كُلُّ إنسَانٍ منهُم -منافقٍ أو مؤمنٍ- نُورًا، ثُمَّ يَتَّبعونهُ وعَلَى جِسرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وَحَسَكٌ تأخُذُ من شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَطْفَأُ نورُ المنافقينَ ثُمَّ ينجُو المؤمنُونَ ....»،\nقلتُ: فلو كان عند جابرٍ ﵁ شيءٌ محفوظٌ عن رسول اللَّه ﷺ في شأن «الورود»، لذكره في جوابه، ولم يعدِل عنه إلى قولِ نفسِه، إضافة إلى ما بين السياقين -المرفوع والموقوف- من الفرق الظاهر في المعنى، فتأمَّل.","vol":"1","page":125},{"text":"هَذَا مِيرَاثٌ وَرِثَهُ المُحِبُّونَ مِنْ حَالِ الخَلِيلِ ﵇.\n<hr><s0>\n\nفي هذه الجملة تنبيهٌ إلى أنَّ أصحابَ القلوب السليمة -وهم عبادُ اللَّه المخلَصون- يصيرون إلى الجنَّة من أول وَهْلَة، ولا ينالهم شيءٌ من العذاب، ولا تمسهم النَّارُ بحرِّها وإن ورَدُوها، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم].\nوهذا «الوُرود» قد اختلف العلماء في معناه:\nفقيل: إنه العبور على الصراط، فهو -على هذا القول- ورودٌ فقط من غير دخول.\nوقال بعض المفسِّرين -ويشهد له حديث جابر الذي ذكره المؤلِّف-: إنه ما من مؤمنٍ ولا فاجرٍ إلا دخل النَّار، لكن المؤمنون لا ينالهم حرُّها، ولا يضرهم عذابُها، بل تكون عليهم بردًا وسلامًا، فيجوزون، كما في الحديث: «تَقُولُ اَلنَّارُ لِلمُؤمِنِ: جُز، فَقَد أَطفَأَ نُورُكَ لَهَبِي».\nفالمقصود: أنَّ «الوُرودَ» قيل: إنَّه دخول النار ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، وقد رجَّح هذا المعنى شيخُنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في","vol":"1","page":126},{"text":"«أضواء البيان» (^١)، واستشهد له بأن «الورود» في سائر مواضعه يراد به: الدخول، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُون (٩٨)﴾ [الأنبياء]؛ يعني: داخلون، فسمَّى الدخولَ وُرُودًا، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ﴾؛ يعني: أدخلهم، ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُود (٩٨)﴾ [هود].\nوعلى أي حال؛ فأهل التوحيد الخالص وعبادُ اللَّه المخلَصون لا يعذَّبون، ولا يمسهم شيء من العذاب، بل هم يَنجُون كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم].\nثم ذكر المؤلف ﵀ قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾ وكأن سياق كلامه يقتضي أنَّ هذا يقال يوم القيامة، ولا مانع أن يقال للنفس عند الاحتضار: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة (٢٨)﴾؛ فهي ترجع إلى ربها بالموت، وترجع إلى ربها كذلك يوم القيامة (^٢)، وتدخل في عباد اللَّه وفي كرامة اللَّه، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾، ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٣٢)﴾ [النحل].\nفالنفس المطمئنة ونفوس عباد اللَّه الطيبين تؤول إلى الجنة وتدخلها بعد الموت، ولكن الدخول المستقِرّ على وجه التمام والكمال إنما يكون يوم القيامة، عندما تُرَدُّ الأرواحُ إلى الأبدان، ويُبعَثُ النَّاسُ من قبورهم،\n_________\n(^١) (٤/ ٤٣٥ وما بعدها).\n(^٢) وبالقولين قال أهل التفسير.\nينظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٣٩٠ وما بعدها)، و«تفسير ابن كثير» (٨/ ٤٠٠).","vol":"1","page":127},{"text":"فهنالك يصير كلٌّ إلى ما يناسبه من الجزاء، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُون (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُون (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُون (١٦)﴾ [الروم]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣].\n* * *","vol":"1","page":128},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nنَارُ المَحَبَّةِ فِي قُلُوبِ المُحِبِّينَ تَخَافُ مِنهَا نَارُ جَهَنَّمَ.\nقَالَ الجُنَيدُ [﵁]: قَالَتْ النَّارُ: يَا رَبِّ لَو لَم أُطِعكَ هَلْ كُنْتَ تُعَذِّبنِي بِشَيءٍ؟، قَالَ: نَعَم كُنْتُ أُسَلِّطُ عَلَيكِ نَارِي الكُبرَى، قَالَتْ: وَهَل نَارٌ أَعظَمُ مِنِّي وَأَشَدُّ؟ قَالَ: [نعم]، نَارُ مَحَبَّتِي أَسكَنتُهَا قُلُوبَ أَولِيَائِي المُؤمِنِينَ (^١).\nقِفَا قَلِيلًا بِهَا عَلَيَّ فَلا … أَقَلَّ مِنْ نَظرَةٍ أُزَوَّدُهَا (^٢)\nفَفِي فُؤَادِ المُحِبِّ نَارُ هَوَى (^٣) … أَحَرُّ نَارِ الجَحِيمِ أَبرَدُهَا (^٤)\n[ف] لَولا دُمُوعُ المُحِبِّينَ تُطفِئُ بَعضَ حَرَارَةِ الوَجدِ لاحتَرَقُوا كَمَدًا.\n_________\n(^١) قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في تعليقه على «جامع الرسائل والمسائل النجدية» (٤/ ٨٦٦): «إنْ صَحَّ هذا عن الجُنَيد فمراده منه أنَّ نارَ الحُبِّ أشدُّ حَرًّا من جهنم بطريقة التمثيل لا الرِّواية، وهو أشبَهُ بكلامِ جَهَلَةِ الصوفِيَّة منه بكلام الإمام الجُنَيد».\n(^٢) في نسخة (ب): «أُرَدِّدُهَا».\n(^٣) في نسخة (ب): «نَارُ جَوَى». قال في «القاموس»: «الْجَوَى: هَوَى بَاطِنٌ».\n(^٤) البيتان من قصيدةٍ للمتنبِّي يمدح بها محمَّد بنَ عبيدِ اللَّه العلوي، مطلعها:\nأَهلًا بِدَارٍ سَبَاكَ أَغْيَدُهَا\nأَبْعَدَ مَا بَانَ عَنْكَ خُرَّدُهَا\nينظر: «ديوان المتنبي بشرح أبي البقاء العكبري» (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":129},{"text":"دَعُوهُ يُطفِي بِالدُّمُوعِ حَرَارَةً … عَلَى كَبِدٍ حَرَّى دَعُوهُ دَعُوهُ!\nسَلُوا عَاذِلِيهِ يَعذُرُوهُ هُنَيهَةً … فَبِالعَذَلِ دُونَ الشَّوقِ قَدْ قَتَلُوهُ (^١)\nكَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (^٢) يَقُولُ: أَلَيسَ عَجَبًا أَنْ أَكُونَ حَيًّا بَينَ أَظهُرِكُمٍ، وَفي قَلبِي مِنْ الاشتِيَاقِ إِلَى رَبِّي مِثلَ شُعَلِ النَّارِ الَّتِي لا تَنطَفِئُ؟!\nوَلَم أَرَ مِثلَ نَارِ الحُبِّ نَارًا … تَزِيدُ بِبُعدِ مُوقِدِهَا اِتِّقَادًا (^٣)\n<hr><s0>\n\nهذه الأقوال أقوالٌ منكرةٌ، واستشهاد المؤلف بها غير لائقٍ، وقد ذكرتُ سابقًا أنَّ بعضَ أهل العلم يكون عنده نزعة تَصَوُّفٍ فيتساهل بالاستشهاد بأقوال بعض شيوخ الصوفية.\nوقوله ﵀: (نَارُ المحَبَّةِ …) التعبير عن قوة المحبة وصدقها ب «النَّار» هذا مما لا يليق في محبة اللَّه ولا يصلح أبدًا، وإنما يكون هذا\n_________\n(^١) هذان البيتان نسبهما ابن الجوزي في «المدهش» (ص ٤٠٧) لابن المعتز، ولم أقف عليهما في المطبوع من ديوانه.\n(^٢) ذكره ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) ونسبه إلى إحدى عابدات مكة ولم يُسَمِّها.\n(^٣) لم أقف على قائله.","vol":"1","page":130},{"text":"في محبة العُشَّاق الذين يُعَانُون من عشقِهم، ومحبتُهم تلك هي -في الحقيقة- عذابٌ لهم يعذبون بها ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥].\nفالمفْتُونُ بأمرٍ من المحبوبات حين لا يناله يبقى معذَّبًا به بسبب تَوَقَانِه وتَعَلُّقِ قلبِه به، أما محبَّة اللَّه فحاشا وكَلَّا أن تكون نارًا أو عَذَابًا؛ فأنبياء اللَّه ورُسُلِه وأتباعهم من المؤمنين في قلوبهم من محبة اللَّه ما ليس في قلوب هؤلاء الصوفية، وهذه المحبة هي حلاوةٌ يجدونها في قلوبهم، فليست نارًا أو عذابًا، «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإيمان: أن يكون اللَّه ورسولُه أَحَبَّ إليه مما سِوَاهُمَا …» الحديث (^١).\nفمحبةُ اللَّه ليست نارًا، بل هي حلاوةٌ ونعيمٌ لقلوب المؤمنين، فالمؤمنون يُحبُّون ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم يَنعَمُون بمحبَّته، ويَنعَمون بخوفِه ورجائِه؛ لأنهم يخافون منه ويَفِرُّون إليه، وفي الحديث: «لا مَلجَأ ولا مَنجَى منك إلا إليك» (^٢).\nثم ذكر المؤلِّف ﵀ أنَّ محبة اللَّه نارٌ تخافها نار جهنم، ثم أردف هذا القول المنْكَر بهذا الحوار المفتَرَى، وهو أنَّ نارَ جهنَّم تقول لربها ﷿: لو لم أُطِعكَ فبِأيِّ شيءٍ تعذِّبُني؟ قال: أُعَذِّبُكِ بنارِي الكُبرَى؛ نارِ مَحَبَّتِي.\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، أخرجه البخاري رقم (١٦)، ومسلم رقم (١٧٤).\n(^٢) جزءٌ من حديث البراء بن عازب ﵁ المتفق عليه في ما يقال عند النوم وأَخْذِ المضجع، أخرجه البخاري رقم (٢٤٧)، ومسلم رقم (٧٠٥٧).","vol":"1","page":131},{"text":"وهذا كلامٌ منكرٌ، لا أظنُّه يَصِحُّ عن الجُنَيدِ ﵀، فالجنيد قد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وابن القيم (^٢)؛ فمستبعدٌ أن يَثْبُتَ عنه ذلك.\nفنار اللَّه الكبرى هي التي يعذِّب بها الكفار، كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ [الأعلى].\nفهذه الألفاظ إنما يطلقها العُشَّاق، فإنَّ الواحد منهم يتكلَّم فيقول: في قلبي نارٌ من حُبِّ فلانٍ أو فلانةٍ، نعم يجدون نارًا ويجدون أَلَمًا ويتعذَّبُون ويشقون شقاءً، أما أهل الإيمان وأهل العلم باللَّه والحب للَّه فليسوا كذلك، بل هم في نعيمٍ من تلكم المحبة كما دلت عليها النصوص.\n* * *\n_________\n(^١) قال في كتابه «الاستغاثة» (ص ٦٥٢): «وكان الجنيدُ ﵀ أفقهَ القومِ -يعني: المتَصوِّفَة الأُلَى- وأعلمَهم بالدِّين»، وقال في «مجموع الفتاوى» (١١/ ٣٩٣): «.... بخلافِ الجُنيد فإنَّ الاستقامةَ والمتابعةَ غالبةٌ عليهِ»، وذكره في (٢/ ٤٧٤) من جملة «مشايخِ الإسلامِ وأئمَّةِ الهُدى الَّذين جعل اللَّه تعالى لهم لسانَ صِدقٍ في الأُمَّةِ»، ووَصَفَه في (٥/ ١٢٦) بأنَّه «من شيوخِ أهلِ المعرِفَةِ المتَّبعينَ للكتَابِ والسُّنَّةِ».\n(^٢) قال في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ١٢٢): «رحمة اللَّه على أبي القاسم الجنيد ﵁ ما أتبعه لسُنَّة الرسول وما أقفاه لطريقة أصحابه».","vol":"1","page":132},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nمَا لِلعَارِفِينَ شُغلٌ بِغَيرِ مَولاهُم، وَلا هَمٌّ في غَيرِهِ.\nفي الحَدِيثِ: «مَنْ أَصبَحَ وَهَمُّهُ غَيرُ اللَّهِ فَلَيسَ مِنْ اللَّهِ» (^١).\nقَالَ بَعضُهُم: مَنْ أَخبَرَكَ أَنَّ وَلِيَّهُ لَهُ هَمٌّ في غَيرِهِ فَلا تُصَدِّقهُ.\nوَكَانَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ يَقُولُ في اللَّيلِ: هَمُّكَ عَطَّلَ عَلَيَّ الهُمُومَ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ السُّهَادِ، وَشَوقِي إِلَى النَّظَرِ إِلَيكَ أَوبَقَ مِنِّي اللَّذَّاتِ، وَحَالَ بَينِي وَبَينَ الشَّهَوَاتِ، فَأَنَا في سِجنِكَ أَيُّهَا الكَرِيمُ مَطلُوبٌ (^٢).\nمَا لِي شُغلٌ سِوَاهُ مَا لي شُغلُ\nمَا يَصرِفُ عَنْ هَوَاهُ قَلبِي عَذَلُ\nمَا أَصنَعُ إِنْ جَفَا وَخَابَ الأَمَلُ\nمِنِّي بَدَلٌ وَمِنهُ مَا لي بَدَلُ\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٣٢٠) وسكت عنه، وابن بشران في «الأمالي» رقم (١٠٣٤)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وإسناده واهٍ.\nوللحديث شواهد من حديث أنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وأبي ذر ﵃، وكلُّها ضعيفة لا تصح.\nفالمقصود: أن الحديث لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ من وجهٍ صحيحٍ، وقد رواه الإمام أحمد في «الزهد» رقم (١٧٦) بإسنادٍ جيِّدٍ عن أُبي بن كعب موقوفًا عليه، واللَّه أعلم.  z\n(^٢)  أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧).","vol":"1","page":133},{"text":"<hr><s0>\n\nوكذلك هذا الكلام -إن صحَّ- فهو كلام أحدُ الصوفية الجهَّال، الذين عندهم محبةٌ وشوقٌ، ولكن على غير علمٍ وبصيرةٍ.\nفحبُّ الأنبياء والمرسلين لربهم ﷿ لم يُعَطِّل عليهم كلَّ شيءٍ، أليسوا يتزوَّجون، ولهم ذرية وأموال؟ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، أليسوا يأكلون ويشربون، ويمشون في الأسواق، ويقضون حوائجهم؟ ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠].\nومع هذا فحبُّهم للَّه وإقبالُهم عليه لم يُعطِّل عليهم لذَّاتهم الطبيعية، حتى يتركَ الواحدُ منهم أهلَه وولَدَه ولَذَّاتِه، وهي أمورٌ بشريةٌ طبيعيَّةٌ.\nفهو سبحانه شرع للإنسان أن يأكل ويشرب، و«كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُحِبُّ الحَلوَى وَالعَسَلَ» (^١)، وقال ﷺ: «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيبُ، وجُعِلَت قُرَّةُ عَينِي في الصَّلَاةِ» (^٢).\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂، أخرجه البخاري رقم (٥١١٥)، ومسلم رقم (١٤٧٤).\n(^٢) أخرجه النسائي في «المجتبى» رقم (٣٩٣٩)، وأحمد في «المسند» رقم (١٢٢٩٣)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (٣٤٨٢)، والبزَّار في «مسنده» رقم (٦٨٧٩)، وغيرهم من طريق سلام أبي المنذر القارئ، ثنا ثابت البناني عن أنسٍ به مرفوعًا.\nقال ابن حجر في «الفتح» (١١/ ٣٤٥): «أخرجه النسائي وغيره بسندٍ صحيحٍ»، وصحَّحه أيضًا ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٥٠١)، وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء»: «إسناده جيِّد»، وقال الذهبي في «الميزان» (٢/ ١٧٧): «إسناده قويٌّ».\nلكن يُعَكِّر على أحكام هؤلاء الحفَّاظ أن الإمامَ الدارقطني قد أعلَّ هذه الرواية المسندة، وذكر أن بعض الثقات من أصحاب ثابت -ومنهم حماد بن زيد- رووه عن ثابتٍ مرسلًا، ثم قال: «والمرسل أشبه بالصواب». [ينظر: «علل الدارقطني» رقم (٢٣٨٥)].","vol":"1","page":134},{"text":"ولا شك أن هذه الأقوال التي ساقها المؤلِّف هي في الحقيقة من اجتهاد العُبَّاد الذي تجاوزوا فيه الحدود، وهو من جهلهم، فيُرجَى أن يغفر اللَّه خطأهم ما دام أنَّه صدر منهم عن حسنِ نِيَّةٍ واجتهادٍ، لكن ما خالف الشرع من هذه الأقوال يجبُ رَدُّه على قائِلِه كائنًا مَنْ كان.\nفمثل هذه الأقوال يجب ألَّا تُذكَر وألَّا يُستَشهَد بها؛ لأنها مخالفةٌ لما جاءت به النصوصُ الشرعيَّة.\n* * *","vol":"1","page":135},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nإِخوَانِي: إِذَا فَهِمتُم هَذَا المَعنَى فَهِمتُم مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ صِدقًا مِنْ قَلبِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».\nفَأَمَّا مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَهلِ [هذه] الكَلِمَةِ فَلِقِلَّةِ صِدقِهِ فِي قَولِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إِذَا صَدَقَت طَهَّرَت القَلبَ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَمَتَى بَقِيَ فِي القَلبِ أَثَرٌ لِسِوَى اللَّهِ فَمِنْ قِلَّةِ الصِّدقِ فِي قَولِهَا.\nمَنْ صَدَقَ فِي قَولِهِ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» لَم يُحِبَّ سِوَاهُ، لَم يَرْجُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَم يَخْشَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ، لَم يَتَوَكَّل إِلَّا عَلَى اللَّهِ، لَم يُبقِ لَهُ بَقِيَّةً مِنْ آثَارِ نَفسِهِ وَهَوَاهُ.\n<hr><s0>\n\n\nهذا كلامٌ فيه حقٌّ؛ وهو أنَّ<span data-type='title' id=toc-119> مَنْ صَدَقَ في توحيدِه خَلا قلبُه من العبودِيَّة لغير اللَّه،</span> لكن لا نقول: إنَّه يخلو قلبُه من غير اللَّه مطلقًا، فالقلبُ فيه تَعَلُّقَاتٌ طبيعِيَّةٌ، ومحبةٌ طبيعِيَّةٌ، وخوفٌ طبيعيٌّ، وهكذا، فالإنسان لا يخرج من طبيعته الإنسانية، لكن من شهد أن «لا إله إلا اللَّه» صِدْقًا من قلبه، أو مُستَيقِنًا بها، فإنَّ قلبَه حينئذٍ يخلو من العبودية لغير اللَّه.\nفليس صحيحًا أنَّ القلبَ يخلو من غير اللَّه مطلقًا، بمعنى أنَّه لا يكون فيه تَعَلُّقٌ أو التِفَاتَةٌ أو محَبَّةٌ أو خوفٌ، فهذا أمرٌ لا يمكن أن يَتَجَرَّدَ منه الإنسانُ؛ فالرُّسُلُ وأتباعُهم كانت تَعرِض لهم العوارضُ الطبيعيَّةُ، وهم أكملُ الخلقِ حُبًّا للَّه، وتعظيمًا للَّه، وعبوديةً للَّه.","vol":"1","page":136},{"text":"فهذا إبراهيمُ ﵇ لما دَخَلَ عليه ضَيفُه خَافَ منهم، فقال: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُون (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيم (٥٣)﴾ [الحجر]، ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم (٢٨)﴾ [الذاريات].\nوهذا موسى ﵇ لما ألقى السَّحَرَةُ عِصِيَّهم وحِبَالَهُم وخُيِّلَ إليه -من سِحْرِهم- أنَّها تسعى خَاف، كما قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه]، وشواهد هذا كثيرة.\nوهكذا المحبةُ للأشياءِ الطبيعية، فكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ «يُحِبُّ الحَلْوَى وَالعَسَلَ» (^١)، وكان «يُحِبُّ الدُّبَّاء» - كما جاء في حديث أنس ﵁ (^٢) -، وكان يقول: «حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ والطِّيْبُ» (^٣).\nفكلُّ هذا لا ينافي محبَّة اللَّه، وإنما الذي ينافي محبَّة اللَّه هي المحبَّة التي فيها عبوديةٌ، بحيث إنَّه يُؤثِر هذه المحبوبات على أمرِ اللَّه، وعلى شرعِ اللَّه، وعلى ما يُحِبُّه اللَّه، فيُقَدِّم هَوَاهُ وما يُحِبُّه من هذه المحبوبات على ما يُحِبُّه اللَّه ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٢٤]، وفي الحديث: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد في «المسند» رقم (١٢٨١١)، والنسائي في «الكبرى» رقم (٦٦٣٠) وغيرهما.\nوالحديث في «الصحيحين» بلفظ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصَّحْفَةِ»، قَالَ أنسٌ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ. أخرجه البخاري رقم (١٩٨٦)، ومسلم رقم (٢٠٤١). و«الدُّبَّاء»: هو القَرَع.\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٤) تقدَّم تخريجه ص ٨٥.","vol":"1","page":137},{"text":"فلا بد أن يُلاحَظ هذا المعنى، وأن لا يُغتَرّ بهذه الأقاويل المجمَلة، ثم إنَّ هذه الأقوالَ كلَّها فيها دَندَنَةٌ على ذكر «المحبَّة»، وفيها إهمالٌ لجانب «الخوف» و«الرَّجاء»، وقد تقدَّم أنَّ العبادةَ قائمةٌ على هذه الأركان الثلاثة: المحبَّةُ والخَوفُ والرَّجَاءُ، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلمِ مَقُولَةً مَشهُورَةً، وهي: «مَنْ عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ، ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرجِئٌ، ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحدَه فَهو حَرُورِيٌّ، ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ» (^١).\nفقوله: (من عَبَدَ اللَّه بِالحُبِّ وَحدَه فَهو زِندِيقٌ) وهذا كحال بعض الصوفية، الذين يقولون: نحن لا نعبد اللَّه خوفًا من عذابه ولا طمعًا في ثوابه (^٢)، وهذا كلامٌ منكرٌ (^٣)، (ومَن عَبَدَه بِالخَوفِ وَحْدَه فَهو حَرُورِيٌّ)؛\n_________\n(^١) نَسَبَه أبو طالب المكي في «قوت القلوب» (ص ٤٠٢ - ٤٠٣)، والغزالي في «إحياء علوم الدين» (٤/ ٢٥٧) إلى التابعي الجليل مكحول الشامي ﵀.\nوهذا القول مشهورٌ ومستفيضٌ نَقْلُه بين الأئمة، فقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٨١ و٢٠٧) و(١١/ ٣٩٠) و(١٥/ ٢١)، وذكره أيضًا ابن القيم في «بدائع الفوائد» (٣/ ٨٥١ ط: المجمع)، وابن رجب في «التخويف من النار» (ص ٢٩) وغيرهم.\n(^٢) أُثِرَ هذا القولُ عن جماعةٍ من أعلام الصوفية المتقدِّمين؛ كأبي سليمان الدَّارَاني، ومعروف الكَرْخي، وذي النُّون المصري، وأبي عبد اللَّه السَّاجِي، ورابعة العَدَوِيَّة، وأبي الحسن علي بن موَّفق وغيرِهم.\n(^٣) للشارح حفظه اللهُ جوابٌ مفصَّلٌ في بيان نكارة هذا القول، وما يتضمنه من محاذير، فقد سئل حفظه اللهُ السؤال التالي:\nالسؤال: قالت رَابِعَةُ العَدَوِيَّةُ فيما معناه: «يا ربِّ إذا كنتُ أسلمتُ طَمَعًا في جَنَّتِكَ فَاحْرِمني منها، وإذا كنتُ أسلمتُ خوفًا من نارك فأدخلني فيها، وإذا أسلمتُ طَمَعًا في رؤية وجهك الكريم فلا تحرمني منه»، أريد دليلًا من الكتاب على صحة قولها هذا.\nالجواب: الحمد للَّه، رَابِعَةُ العَدَوِيَّة عَابِدَةٌ مَشهُورةٌ، وهي من أعلام الصوفية المتقَدِّمين الذين لديهم اجتهادٌ في العبادة، مع جهلٍ بحقيقة ما تُوجِبه الشريعة في باب السلوكِ والسَّيْرِ إلى اللَّه من أحوال القلوب وأعمال الجوارح، وقد أفضى بهم الجهلُ إلى الغلو والتَّنَطُّع في العبادة مما انحرفوا به عن الصراط المستقيم.\nومن ذلك غُلُوُّهم في «المحبَّة»، حتى زعموا أنهم لا يعبدون اللَّه خوفًا ولا رجاءً، وإنما يعبدونه بالمحبَّة، وهذا مخالفٌ لطريق الأنبياء والرُّسل عليهم الصلاة والسلام الذين يَدْعُونَ ربهم رَغَبًا ورَهَبًا مع حُبِّهم له سبحانه، وابتِغَائِهِم إليه الوَسِيلَة، وتَقَرُّبهم إليه بِمَحَابِّه ومسارعتِهم في ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء].\nوهذه المقولةُ المنسوبةُ لرَابِعَة مقالةٌ منكَرَةٌ تتضمن الزُّهدَ في الجنَّة والاستخفافَ بعذابِ النَّار، وأمَّا رؤيةُ اللَّه فإنَّها أعلى نعيم الجنَّة، فمن دَخَلَ الجنَّة فَازَ بالنَّظَر إلى وجه اللَّه الكريم، وسَمَاعِ كَلَامِهِ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ف «الحسنى»: الجنَّة، و«الزيادة»: النَّظَر إلى وجه اللَّه.\nويروى معنى هذه المقولة عن رابعة أو غيرِها بلفظ: «إنِّي لا أعبده خوفًا من نَارِه، ولا طَمَعًا في جنَّتِه، بل أعبده حُبًّا له».\nولهذا قال بعض أهل العلم: «من عبدَ اللَّه بالخوفِ وحدَه فهو حَرُورِيٌّ، -أي: من الخوارج-، ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء فهو مُرجِئٌ، ومن عَبَدَه بالحُبِّ فهو زنديقٌ، ومن عَبَدَه بالحُبِّ والخوفِ والرَّجاءِ فهو مؤمنٌ موَحِّدٌ».\nوأسماءُ اللَّه وصفاتُه تقتضي محبَّتَه وخوفَه ورجاءَه، فاللَّه -تعالى- ذو الجمال والجلال والإكرام، وغافرُ الذَّنبِ، وقابلُ التَّوبِ، شديدُ العِقَاب، وكلُّ اسمٍ من أسمائِه الحسنى، وصفةٍ من صفاتِه، تقتضي عبوديةً خاصةً، فمَن كان بأسمائِه وصفاته أعلم كان له أعبد، وعلى صراطه أقوم، واللَّه أعلم.\nتتميم:\nذكر شيخ الإسلام في كتاب «النبوات» (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) «أنَّ الواحدَ من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيامًا، أو أُلقي في بعض عذابها، طارَ عقْلُه، وخرج من قلبِه كلُّ محبَّةٍ».\nثم ذكر ﵀ نماذج من هذا، فذكر عن سمنون القائل:\n(وليس لي في سواك حظٌّ\nفكيفما شئتَ فامْتحِنِّي)\nأنه لما ابتُلِيَ بعسر البول صار يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمِّكم الكذَّاب.\nوذكر عن أبي سليمان الدَّارَاني أنه كان يقول: «قد أُعطيتُ من الرِّضا نصيبًا لو ألقاني في النّار لكنتُ راضيًا»، وأنه ذُكِرَ عنه أنّه لما ابتُليَ بمرضٍ قال: إن لم يُعافني وإلا كفرتُ، أو نحو هذا.\nوذكر عن الفضيل بن عياض أنه لما ابتُلي بعُسْر البول، قال: بحبّي لك إلا فرّجتَ عنّي. قال شيخ الإسلام معلِّقًا: «فَبَذَلَ حُبَّه في عسر البول» ثم قال: «فلا طاقة لمخلوق بعذاب اللَّه، ولا غنى به عن رحمته» انتهى.\nوينظر أيضًا في الرد على الصوفية في هذا: «الاستقامة» (٢/ ١٠٤ - ١٢٠)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٨٠ - ٨١).z","vol":"1","page":138},{"text":"..............","vol":"1","page":139},{"text":"يعني: صار من جنس الخوارج، (ومَن عَبَدَه بالرَّجَاء وَحدَه فهو مُرْجِئٌ)، (ومَن عَبَدَه بِالحُبِّ وَالخَوفِ والرَّجَاءِ فهو مُؤمِنٌ مُوَحِّدٌ) وهو الذي على الصراط المستقيم.\n* * *","vol":"1","page":140},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَمَعَ هَذَا فَلا تَظُنُّوا أَنَّ المَرَادَ أَنَّ المُحِبَّ مُطَالَبٌ بِالعِصمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطَالَبٌ كُلَّمَا زَلَّ أَنْ يَتَلافَى تِلكَ الوَصمَةَ (^١).\nقَالَ زَيدُ بنُ أَسلَمَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُحِبُّ العَبدَ حَتَّى يَبلُغَ مِنْ حُبِّهِ لَهُ أَنْ يَقُولَ: اذهَب فَاعمَل مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ (^٢).\nوَقَالَ الشَّعبِيُّ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبدًا لَم يَضُرَّهُ ذَنبُهُ (^٣).\nوَتَفسِيرُ هَذَا الكَلامِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ لَهُ عِنَايَةٌ بِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَكُلَّمَا زَلَقَ ذَلِكَ العَبدُ فِي هُوَّةِ الهَوَى أَخَذَ بِيَدِهِ إلى نَجوَةِ النَّجَاةِ، يُيَسِّرُ له أَسبَابَ التَّوبَةِ، يُنَبِّهُهُ عَلَى قُبحِ الزَّلَّةِ، فَيَفزَعُ إِلَى الاعتِذَارِ، وَيَبتَلِيهُ بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ لِمَا جَنَى (^٤).\nفي بَعضِ الآثَارِ: يَقُولُ اللَّهُ تعالى: «أَهلُ ذِكرِي أَهلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهلُ طَاعَتِي أَهلُ كَرَامَتِي، وَأَهلُ مَعصِيَتِي لا أُيَئِّسُهُم مِنْ رَحمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُم، وَإِنْ لَم يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُم، أَبتَلِيهِم بِالمَصَائِبِ\n_________\n(^١) في نسخة (ب): «الزلَّة».\n(^٢) لم أقف عليه.\n(^٣) أخرجه موقوفًا على الشعبيِّ: الحكيمُ الترمذيُّ في «نوادر الأصول» (٢/ ٣٥٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣١٨).\nوروي مرفوعًا من وجهٍ ضعيفٍ جدًّا، أخرجه القشيري في «الرسالة القشيرية» (ص ١٧٨)، وابن النجار في «ذيل تاريخ بغداد» (١٨/ ٧٨).\n(^٤) قال ابن رجب في «شرح حديث لبيك اللَّهُمَّ لبيك» (ص ١١٣ - ١١٤): «قال بعضُهم: إذا أحبَّ اللَّه عبدًا لم يضره ذنبه، ومراده أنه يمحوه عنه، وربما يجعل الذنب في حَقِّه سَبَبًا لشدة خوفِه من ربه وذُلِّهِ وانكِسَارِه له، فيكون سببًا لرفع درجة ذلك العبد عنده، وإذا خَذَلَ عبدًا وقضى عليه بذنب لم يُوَفِّقْهُ لشيءٍ من ذلك فَلَقِيَ اللَّه بذنبِه من غيرِ سَبَبٍ يمحوه عنه في الدنيا ثم يؤاخذه به في الآخرة فلا يغفر له».","vol":"1","page":141},{"text":"لأُطَهِّرَهُم مِنَ المَعَائِبِ» (^١).\nفي «صَحِيحِ مُسلِمٍ» عَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الحُمَّى تُذهِبُ الخَطَايَا كَمَا يُذهِبُ الكِيرُ الخَبَثَ» (^٢).\nوَفي «المُسنَدِ» وَ«صَحِيحِ اِبنِ حِبَّانَ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ امرَأَةً كَانَتْ بَغِيًّا في الجَاهِلِيَّةِ، فَجَعَلَ يُلاعِبُهَا حَتَّى بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا، فَقَالَت: مَه فَإِنَّ اللَّهَ قد أَذْهَبَ بالشِّركِ (^٣) وَجَاءَ بِالإِسلامِ، فَتَرَكَهَا وَوَلَّى، فَجَعَلَ يَلتَفِتُ خَلفَهُ وَيَنظُرُ إِلَيهَا، حَتَّى أَصَابَ وَجهُهُ حَائِطًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَالدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجهِهِ، فَأَخبَرَهُ بِالأَمرِ، فَقَالَ ﷺ: «أَنْتَ عَبدٌ أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيرًا»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ خَيرًا عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبدٍ شَرًّا أَمسَكَ ذَنبَهُ (^٤) حَتَّى يُوَافِيَ يَومَ القِيَامَةِ» (^٥).\n_________\n(^١) لم أقف على هذا الأثر مسندًا، والظاهر أنه من الأخبار الإسرائيلية، فقد نقل ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: «يقول اللَّه تعالى في بعض الكتب ....» فذكره، فكأنه يريد كتب أهل الكتاب، واللَّه أعلم.\nوانظر غير مأمور: كلام العلامة الألباني في «السلسلة الضعيفة» رقم (٤٣٩٢).\n(^٢) أخرجه مسلمٌ رقم (٢٥٧٥)، وفي أوله قصة، وهي أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ -أو: أُمِّ الْمُسَيَّبِ-، فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ -أو: يا أُمَّ الْمُسَيَّبِ- تُزَفْزِفِينَ؟ [يعني: تَرْتَعِدِين]» قَالَتْ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللَّه فيها، فقال: «لا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا …».\n(^٣) في نسخة (ب) بدون الباء: «أذْهَبَ الشِّرْكَ»، ومثلها ما سيأتي قريبًا.\n(^٤) كذا في نسخة الأصل: «أمسكَ ذَنْبَه»، ووقع في نسخة (ب): «أمسَكَ عَنه بِذنْبِهِ»، وفي «صحيح ابن حبان»: «أمسَكَ عَلَيهِ ذَنبَه»، وفي «المسند»: «أمسكَ عَلَيهِ بِذنبِه».\n(^٥) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٦٨٠٦)، وابن حبان في «صحيحه» رقم (٢٩١١)، والحاكم في «المستدرك» رقم (١٢٩١ و٨١٣٣) وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرِّجَاه.\nوصحَّحه أيضًا العراقيُّ في «المغني عن حمل الأسفار» رقم (٣٧٧٣)، وابنُ حجر في «الفتح» (٨/ ١٢٤).","vol":"1","page":142},{"text":"<hr><s0>\n\nهذا الكلام فيه أنه ليس المراد من الكلام في تحقيق التوحيد أو صدق المحبة أن يكون الإنسان معصومًا لا يقترف ذنبًا، بل المقصود ألَّا يُصِرَّ على الذنب، وإلا فليس أحدٌ من أولياء اللَّه -بعد رسول اللَّه ﷺ معصومًا، فتجوز على الكُمَّل من أولياء اللَّه الذنوب، لكنَّ أهلَ الإيمان الصادق لا يُصِرُّون على الذنوب، بل كما قال ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُون (٢٠١)﴾ [الأعراف].\nفهم يذنبون فيتوبون، والتوبة بابٌ واسعٌ مفتوحٌ للعباد، فكل من أذنب ذنبًا فإنَّه لا يضيق به هذا الباب، فله أن يتوب إلى اللَّه ويبادر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]، وقال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٣١)﴾ [النور].\n\nو<span data-type='title' id=toc-126>التوبة من أعلى مقامات الدين،</span> وقد أثنى اللَّه بها على الرُّسل، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١١٧)﴾ [التوبة].\nفالمقصود: أن على العبدِ أن يتوَجَّه إلى ربِّه ويصدق في مراقبته، فإذا عصاه بادر إلى التوبة، وأن يستحضر أنَّ اللَّه مطلعٌ عليه، وأنَّه على كلِّ شيءٍ شهيدٌ، فعليه أن يحذر أن يراه حيث نهاه وأن يفقده حيث أمره.","vol":"1","page":143},{"text":"وأعلى مقامات الدِّين «الإحسان»، وهو أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.\nفالمقصود: أنَّ هذا الكلام الذي نَبَّه عليه المؤلف كلامٌ طَيِّبٌ؛ فليس من شرط الولاية العصمة، فأولياء اللَّه تَعْرِضُ لهم الذنوب، لكن يتوبون ويُنيبون ويُبادرون بالتوبة إلى اللَّه، خوفًا من اللَّه ومحبة له ورجاء لثوابه.\nوأما قول زيد بن أسلم: (إنَّ اللَّه ليُحِبُّ العبدَ حتى يبلُغَ من حُبِّه له أن يقول: اذهبْ فاعمَلْ مَا شئتَ فقد غَفَرتُ لكَ) -إن صحَّ عنه- فمعناه: أن حكمة اللَّه تعالى تقتضي أن يقول لِوَلِيِّه: (اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لكَ)، وهذا نظير ما قاله ﷾ لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» (^١)، لكن لا يُجزم بنسبة هذا القول إلى اللَّه تعالى في أحدٍ إلا بنقلٍ صحيحٍ عن النبيِّ ﷺ، لكنَّه ممكِنٌ.\nولهذا نجزم أنَّ اللَّه تعالى قال لأهل بدرٍ: «اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم» لثبوت خبره ﷺ بذلك.\nومعلوم أن هذا ليس إذنًا باقتراف الذنوب، ولكنه وعدٌ بالمغفرة إن بُلِيَ العبدُ بشيءٍ من الذنوب.\nوهكذا قول الشعبي: (إِذا أحبَّ اللَّه عبدًا لم يَضُرَّه ذنبُه) يجب حمله على أنه لا بد أن يوفق للتوبة أو غيرها من أسباب المغفرة كما بَيَّن ذلك ابنُ رجبٍ في سياق كلامه التالي.\n_________\n(^١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في مواضع، منها: رقم (٢٨٤٥)، ومسلمٌ رقم (٢٤٩٤).","vol":"1","page":144},{"text":"هذا، وللمغفرة أسبابٌ (^١)، أعظمها التوبةُ والاستغفارُ والأعمالُ الصالحة والمصائبُ، فمن كان من أولياء اللَّه وابتلي بشيءٍ من الذنوب فلا بُدَّ أن يُعَرِّضَه اللَّه لهذه المكفرات.\nومن شواهد التكفير بالمصائب قولُه ﷺ: «الحمَّى تُذهِبُ الخطايا كما يُذهِبُ الكِيرُ الخبَثَ»، ومن شواهدها أيضًا قصةُ ذلك الرَّجل الذي راودَ المرأةَ وجَرَى عليه بسببِ ذلك أن أُصِيبَ بِشَجَّةٍ في وجهِه فكان في ذلك إيقاظٌ له حتى يرجعَ إلى ربِّه وينيبَ ويُقلِعَ عن ذنبِه.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٧/ ٤٨٧)، و«جامع العلوم والحكم» (حديث رقم ٤٢).","vol":"1","page":145},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nيَا قَومُ قُلُوبُكُمْ عَلَى أَصلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا أَصَابَهَا رَشَاشٌ مِنْ نَجَاسَةِ الذُّنُوبِ، فَرُشُّوا عَلَيهَا قَلِيلًا مِنْ دَمعِ العُيُونِ وَقَدْ طَهُرَت.\nاِعزِمُوا عَلَى فِطَامِ النُّفُوسِ عَنْ رَضَاعِ الهَوَى، فَ «الحِميَةُ رَأسُ الدَّوَاءِ» (^١).\nمَتَى طَالَبَتكُم بِمَألُوفَاتِهَا، فَقُولُوا لَهَا كَمَا قَالَتْ تِلكَ المَرأَةُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي دَمِيَ وَجهُهُ: قَدْ أَذهَبُ اللَّهُ بِالشِّركِ وَجَاءَ بِالإِسلامِ (^٢).\nوَالإِسلامُ يَقتَضِي الاستِسلامَ وَالانقِيَادَ لِلطَّاعَةِ.\nذَكِّرُوهَا مِدْحَة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لَعَلَّهَا تَحِنُّ إِلى الاستِقَامَةِ، عَرِّفُوهَا اطِّلاعَ مَنْ هُوَ أَقرَبُ مِنْ حَبلِ الوَرِيدِ لَعَلَّهَا تَستَحِي مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق]، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد (١٤)﴾ [الفجر].\nرَاوَدَ رَجُلٌ اِمرَأَةً فِي فَلاةٍ لَيلًا فَأَبَت، فَقَالَ لَهَا: مَا يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ، قَالَتْ: فَأَينَ مُكَوكِبُهَا؟ (^٣).\n_________\n(^١) هذه الجملة يرويها بعضُهم حديثًا عن النبي ﷺ، ولا أصل لها من كلامِه ﵊، قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/ ٩٤): «وأما الحديثُ الدائرُ على ألسنةِ كثيرٍ من الناس: «الحِميةُ رأسُ الدواءِ، والمَعِدَةُ بيتُ الداءِ، وعوِّدُوا كلَّ جِسْمٍ مَا اعتَادَ» فهذا الحديث إنما هو من كلامِ الحارثِ ابنِ كَلَدَةَ؛ طبيبِ العَرَب، ولا يصحُّ رفعُه إلى النبيِّ ﷺ، قاله غيرُ واحد من أئمة الحديث».\n(^٢) تَقَدَّم تخريجُه قريبًا.\n(^٣) أوردها الخرائطي في «اعتلال القلوب» رقم (٨٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» رقم (٨٥٢).","vol":"1","page":146},{"text":"أَكرَهَ رَجُلٌ امرَأَةً عَلَى نَفسِهَا، وَأَمَرَهَا بِغَلقِ الأَبوَابِ، فَفَعَلَت، فَقَالَ لَهَا: هَلْ بَقِيَ بَابٌ لَم تُغلِقِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَم، البَابُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَ اللَّهِ، [فتركها] ولَم يَتَعَرَّض لَهَا.\nرَأَى بَعضُ العَارِفِينَ (^١) رَجُلًا يُكَلِّمُ امرَأَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّه يَرَاكُمَا، سَتَرنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمَا!.\n<hr><s0>\n\nهذه العبارات والقَصص التي ذكرها المؤلِّف هنا كلُّها تؤكِّدُ ما سبق من أنَّ العبدَ معرَّضٌ للذنوبِ وإن كان عبدًا صالحًا، فهو معرَّضٌ للغفلة، ومعرَّضٌ للوقوع في الزلَّة والهفوة، لكن عليه أن يراقب ربَّه وأن يستحضر اطلاع اللَّه عليه، فيتذكر أنَّ اللَّه يسمَعُه ويراه ويعلم سِرَّه وعلانيَتَه.\nولهذا كثيرًا ما يُذَكِّرُ اللَّه عباده بهذه الأسماء الثلاثة: «السميع»، و«البصير»، و«العليم»، حتى يستحضر العباد ما تقتضيه هذه الأسماء من المعاني العظيمة، فإنَّ الإيمانَ بها شيءٌ والتأثُّر بها شيءٌ آخَر، فتجد بعض الناس يؤمن باسمه سبحانه «السميع» وأن اللَّه يسمع جميع الأصوات ومع ذلك تجده يطلق لسانَه في اللَّغْو وفي الإثم وفي الحرام وفي قول الزور ولا يتورَّع عن ذلك، وقل مثل ذلك في اسمه «البصير» واسمه «العليم».\n_________\n(^١) هو: محمَّدُ بنُ المنْكَدِر ﵀، أسنده عنه ابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» رقم (٤٣).","vol":"1","page":147},{"text":"فاسمه «السميع» يقتضي أنه سامع لجميع الأصوات، سامع لأقوالنا وكلماتنا، السر منها والعلانية.\nواسمه «البصير» يقتضي أنَّه يرانا ويرى أفعالنا ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، فاللَّه يرى أعمال العباد، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩)﴾ [الشعراء]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وقد قيل في معنى هذا: يعني على مرأى منَّا، فهو سبحانه يسمع ويرى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه].\nوكذلك اسمه «العليم»، فهو سبحانه يعلم كل شيء، وعلمه شامل لكل شيء، فيعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١١٩)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور (١٩)﴾ [غافر].\nففي هذه القصص التي ذكرها المؤلِّف مُعتَبَر، فالإنسان قد يغفل كما جاء في قصة ذلك الرَّجل الذي خلا مع تلك المرأة وأمرها أن تغلق الأبواب وقال لها: هل بقي باب؟ قالت: نعم، بقي الباب الذي بيننا وبين اللَّه، فتأثَّر بذلك وخاف من ربِّه فقام وتركها.\nوهكذا يكون الإيمانُ الصادقُ، فإنَّ الإيمانَ يبعث على مراقبة اللَّه ولو كان المرءُ غائبًا عن الناس، فتجده لا يراه أحدٌ من الناس ومع ذلك يَكُفُّ عن الحرام وعن الكَسْبِ الحرام، فقد يظفر بمالٍ يقدر على أن","vol":"1","page":148},{"text":"يختلسه من غير أن يَطَّلِع عليه أحدٌ، ويأمن -مع ذلك- على نفسه، ولكن يمنعه من اختلاسه خوفه من اللَّه تعالى.\nومن ذلك ما جاء في حديث السَّبعة الَّذين يُظِلُّهم اللَّه في ظِلِّه يومَ القيامة، ومنهم: «رجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منْصِبٍ وجمالٍ، فقال: إني أخاف اللَّه» (^١).\nوأعظم مَثَلٍ لهذا نبيُّ اللَّه يوسف ﵇، فقد اجتمعت عليه كل أسباب الوقوع في الفاحشة، فهو مملوكٌ رقيقٌ غريبٌ شابٌّ عَزَبٌ، وسيدته هي التي تدعوه لمطلوبها، ومع ذلك يَفِرُّ منها، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين (٢٤)﴾ [يوسف]، فلم تكن له حيلةٌ إلا أن يَفِرَّ إلى الباب ليَخرُج ليَسْلَم من الوقوع في الفاحشة وسوءِ العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أيهما أسبق، فهو يريد الباب ليهرب ويخرج، وهي تريد الباب لتغلقه ولِتَحُولَ بينه وبين الخروج.\nفالشاهد من هذا أن مقام المراقبة ومقام الخوف من اللَّه يبعث على الكَفِّ عن المحارم، وعلى التوبة من الجرائم.\n* * *\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة ﵁؛ البخاري رقم (٦٢٩)، ومسلم رقم (١٠٣١).","vol":"1","page":149},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nسُئِلَ الجُنَيدُ ﵀:<span data-type='title' id=toc-134> بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟،</span> قَالَ: بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنظُرُه.\nوَقَالَ المُحَاسَبِيُّ: المُرَاقَبَةُ عِلمُ القَلبِ بِقُربِ الرَّبِّ (^١).\nكُلَّمَا قَوِيت المَعرِفَةُ بِاللَّهِ قَوِيَ الحَيَاءُ [مِنْ قُربِهِ وَنَظَرِهِ].\nوَصَّى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَستَحِي مِنْ اللَّهِ كَمَا يَستَحِي مِنْ رَجُلٍ من صَالِحِ عَشِيرَتِهِ لا يُفَارِقُهُ (^٢) (^٣).\nقَالَ بَعضُهُم (^٤): اِستَحِ مِنْ اللَّهِ عَلَى قَدرِ قُربِهِ مِنكَ، وَخَفِ اللَّهَ عَلَى قَدرِ قُدرَتِهِ عَلَيكَ.\nكَانَ بَعضُهُم (^٥) يَقُولُ: مُنذُ أَربَعِينَ سَنَةً مَا خَطَوتُ خُطوَةً لِغَيرِ اللَّهِ، وَلا نَظَرتُ إِلَى شَيءٍ أَستَحسِنُهُ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ ﷿.\n_________\n(^١) «القصد والرجوع إلى اللَّه» (ص ٣١٣).\n(^٢) في نسخة (ب): [كَمَا يَستَحِي من رَجُلَين صَالِحَين من عَشِيرَتِهِ لا يُفَارِقَانِه].\n(^٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» رقم (٥٥٣٩) وإسناده جيِّدٌ.\n(^٤) هو: وُهَيبُ بنُ الوَرْد ﵀، أسنده عنه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» رقم (٨٤١ و٨٤٢)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ١٤٠)، وصَرَّحَ المصنِّفُ باسمه في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٠٨).\n(^٥) هو: محمد بن الفضل البَلْخي ﵀، عزاه إليه ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (٤/ ١٦٥)، وزاد في آخره: «ومَا أَمْلَيتُ على مَلَكَيَّ ثلاثين سنة شيئًا، ولو فعلتُ ذلك لاستَحْيَيتُ منهما»، وصَرَّح المصنِّفُ باسمه في كتابه الآخر «جامع العلوم والحكم» (١/ ٢١٤) وقال معلِّقًا: «هؤلاء القوم لما صَلحَت قلوبُهم فَلَم يَبْقَ فيها إرادةٌ لغير اللَّه ﷿ صَلحَت جوارحُهم فلم تتحرَّك إلا للَّه ﷿ وبما فيه رضاه».","vol":"1","page":150},{"text":"كَأَنَّ رَقِيبًا مِنْكَ يَرعَى خَوَاطِرِي … وَآخَرُ يَرعَى نَاظِرِي وَلِسَانِي\nفَمَا أَبصَرَت عَينَايَ بَعدَكَ مَنظَرًا … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ رَمَقَانِي\nوَلا بَدَرَت مِنْ فِيّ بَعدَكَ لَفظَةٌ … لِغَيرِكَ إِلَّا قُلتُ قَدْ سَمِعَانِي\nوَلا خَطَرَت مِنْ ذِكرِ غَيرِكَ خَطرَةٌ … عَلَى القَلبِ إِلَّا عَرَّجَا بِعَنَاني (^١)\n<hr><s0>\n\nهذه الجمل المتقدِّمة فيها تأكيدٌ لما سبق؛ من أنَّ مما يُعِينُ على الكفِّ عن الحُرُمات؛ ويُعِينُ على غضِّ البصر، وحفظِ الفرج، وحفظِ الجوارح عن معاصي اللَّه = هو استحضار اطلاع اللَّه على عبده وسماعه وبصره وعلمه، فاستحضار العبد لمعاني هذه الأسماء هو أعظم سببٍ يَكُفُّه عن المحرَّمات، ويجعله يحجم ويمتنع، ويتذكر أن اللَّه يراه، وأنه يسمعه، وأنه يعلم سره وعلانيته، فيستحيي من ربه.\n_________\n(^١) عزاه المصنِّف في آخر رسالته «كشف الكربة في وصف أهل الغربة» إلى البُحْتُري، فقال: «ولأبي عُبَادة البُحْتُري في هذا المعنى أبياتٌ حسنةٌ أساء بقولها في مخلوقٍ، وقد أصلحتُ منها أبياتًا حتى استقامت على الطريقة»، ثم ذكر الأبيات المذكورة هنا وزاد عليها.\nوقد أسندها عن البحتريِّ: القاضي التنوخيُّ في «نشوار المحاضرة» (٦/ ١٤٥).","vol":"1","page":151},{"text":"فبقدر عِلْمِ العبدِ بذلك ويقينِه وشعورِه تكون حاله مع أوامر اللَّه ونواهيه، من الوقوف عند حدوده والقيام بطاعته ﷾.\nوقد ذكر المصنِّفُ ﵀ جملة من الشواهد على هذا المعنى من أقوال بعض العُبَّاد، وبعض المأثورات.\nوبعض هذه الأحاديث التي استشهد بها المؤلِّف وإن كانت ضعيفةً إلا أنَّ أهل العلم لا يرون مانعًا من الاستشهاد بالأحاديث وإن كانت ضعيفة في تقرير وتأكيد الأمر الثابت، مثل ما يكون في أحاديث الترغيب والترهيب مثلًا.\nوأما الأحكام والعقائد فلا تُثبَت إلا بالأدلة الصحيحة، لكن هناك من الأدلة ما يُذكَر للاعتضاد والاستشهاد لا للاعتماد، فالقضية العَقَدِيَّة -عِلْمِيَّة كانت أو عَمَلِيَّة- الثابتة بالدليل الصحيح من كتابٍ وسُنَّة = لا بأس أن تُساقَ الشواهد والروايات والآثار والأخبار التي تؤيِّدُها وتؤكِّدُها وتعمِّقُها في النَّفْس؛ لأنَّ معناها حقٌّ، فلا مانع من ذكر ما يؤيِّد أمرًا معلومًا وثابتًا بالدليل، وعلى هذا دَرَجَ كثيرٌ من أهل العلم من الأوَّلين والآخِرين، فلا يُتَّخذ من ذكرِهم لبعضِ الروايات أو الأحاديث والآثار التي يمكن أن يقال: إنها ضعيفة مطعنًا عليهم، وإذا عُرِف مقصودهم اندَفَعَ طَعنُ الطَّاعِنين من الجاهِلين أو المغرِضين.\n* * *","vol":"1","page":152},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nفَصلٌ\nوَكَلِمَةُ التَّوحِيدِ لَهَا فَضَائِلُ عَظِيمَةٌ لَا يُمْكِنُ هَهُنَا استِقصَاؤهَا (^١)، فَلنَذْكُر بَعضَ مَا وَرَدَ فِيهَا:\n- فَهِي كَلِمَةُ التَّقْوَى، كَمَا قَالَهُ عُمَرُ وَغَيرُه من الصَّحَابَةِ (^٢).\n- وَهِي كَلِمَةُ الإِخلاصِ، وَشَهَادَةُ الحَقِّ، وَدَعوَةُ الحَقِّ (^٣)، وَبَرَاءَةٌ من الشِّرْكِ (^٤)، وَنَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢/ ٢٥٦): «فضائلُ هذهِ الكلمةِ وحقائِقُهَا وموقِعُها من الدِّينِ فوقَ مَا يصفُهُ الواصِفُونَ ويعرِفُهُ العارفُونَ؛ وهِيَ حَقِيقَةُ الأَمرِ كُلِّهِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]».\n(^٢) قول عمر: أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٤٤٧) وإسناده قوي.\nوجاء تفسيرها عن غيره من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر. ينظر: «تفسير ابن جرير الطبري» (٢١/ ٣١٠ - ٣١٣)، و«الدر المنثور» (١٣/ ٥٠٧ - ٥١٠) عند قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦].\n(^٣) تُنظر أقوال السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤] في: «تفسير الطبري» (١٣/ ٤٨٥ - ٤٨٦)، و«الدر المنثور» (٨/ ٤١٢ - ٤١٣).\n(^٤) جاء في بعض الأحاديث: أنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ رَاعِيَ غَنَمٍ يُؤذِّنُ للصلاة، فلمَّا قال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، قال ﷺ: «كَلِمَةُ الإِخْلاصِ»، وفي رواية: «شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ»، وفي رواية: «بَرِئَ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ»، وفي رواية: «خَرَجَ مِنَ النَّارِ».\nينظر مثلًا: «صحيح مسلم» رقم (٨٧٣)، و«الدعاء» للطبراني [باب ثواب مَنْ قال كما يقول المؤذِّن] (ص ١٦٠ - ١٦٤)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم رقم (٦٠٥٤ - ترجمة مسلم بن رِيَاح).","vol":"1","page":153},{"text":"<hr><s0>\n\nبهذا الموضوع ختم المؤلف ﵀ رسالته هذه، فذكر جملة من فضائل هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه»، أو إن شئت قل: فضائل التوحيد، والمعنى واحد؛ فإنَّ التوحيدَ هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، و«لا إله إلا اللَّه» معناها التوحيد، ولهذا في رواية الأحاديث تارة يُعَبَّر عن هذه الكلمة ب «التوحيد»، وتارة تُذكر بلفظها «لا إله إلا اللَّه».\nولا ريب أنَّ كلمةَ التوحيدِ هذه كلمةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّها مشتملةٌ على أمرٍ عظيمٍ؛ فهي الشهادةُ التي شهد اللَّه بها لنفسِه، وشَهِدَت له بها ملائكتُه وأولو العلم، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران].\nوهي الكلمة التي قال اللَّه فيها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ف «الكلمة» هنا هي: كلمة التوحيد، وقد بيَّنَها اللَّه بعد ذلك بقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ [آل عمران]، وكذلك في قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]، وهي كلمة التوحيد.\nوكلمة التوحيد هذه «لا إله إلا اللَّه» قد جاءت في القرآن بعدة أساليب تعبِّر عنها:","vol":"1","page":154},{"text":"- فتارة تُذكَرُ بلفظها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، و﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم (١٩)﴾ [محمد]، و﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣)﴾ [الحشر]، و﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، و﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال لموسى ﵇: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه]، ففي هذه الآيات الكريمات وردت كلمة التوحيد تارة بالاسم الظاهر، وتارة بالضمير؛ وتَنَوَّع ذكر الضمير أيضًا، فوردت تارة بضميرِ المتكلِّم «لا إله إلا أنا»، وتارة أخرى بضمير المخاطَب «لا إله إلا أنت»، وثالثة بضمير الغائب «لا إله إلا هو».\n- وتارة تذكر بمعناها، فنجد معناها مبثوثًا في آيات القرآن مما لا يحصى؛ ففي قول الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهذا هو معنى «لا إله إلا اللَّه»، وكذا قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\nف «لا إله إلا اللَّه» جاءت في القرآن بعدة أساليب تعبِّر عنها، فجاءت بهذا التركيب -تركيب النفي والاستثناء-، وهو أسلوبُ حَصْرٍ.","vol":"1","page":155},{"text":"وجاءت أيضًا بأساليب أخرى من أساليب الحصر؛ كتقديم المعمول على العامل كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ معناه: لا نعبد غيرك، ولا نعبد إلا إِيَّاك، فهو بمعنى «لا إله إلا اللَّه»، ف ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تساوي «لا إله إلا أنت».\nولهذه الكلمة العظيمة أسماء عديدة:\n١ - فهي: كلمةُ التوحيد.\n\n٢ - وهي أيضًا:<span data-type='title' id=toc-141> كلمةُ التقوى</span>؛ التي جاء ذكرها في سورة الفتح في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦] ف «كلمة التقوى» -كما ذكر المؤلِّف ونَقَلَ في تفسيرها عن عمَرَ ﵁ وغيره- هي: «لا إله إلا اللَّه»؛ لأنَّ مَنْ قالها صِدْقًا من قلبِه أوجبَ له ذلك تقوى اللَّه؛ لأنها تتضمن الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت، والإيمان به ربًّا وإلهًا، فمن آمن بهذه الكلمة إيمانًا صادقًا فإنها توجب له تقوى اللَّه ﷿، توجب له أن يعبد ربَّه، أن يطيع ربَّه، وأن يمتثل أوامره.\n٣ - وهي أيضًا:<span data-type='title' id=toc-142> كلمة الإخلاص</span>؛ لأنَّ من أقرَّ بها ظاهرًا وباطنًا أخْلَصَ للَّه عمَلَه، فهي تُثْمِرُ الإخلاصَ؛ إخلاص الدِّين للَّه، وإخلاص العبادة للَّه.\n٤ - وهي أيضًا:<span data-type='title' id=toc-143> شهادة الحق</span>؛ لأنها الشهادة التي شَهِدَ اللَّه بها لنفسه وشهدت بها ملائكته وأولو العلم، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران].","vol":"1","page":156},{"text":"٥ - وهي أيضًا:<span data-type='title' id=toc-144> دعوة الحق،</span> كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وسُمِّيت «دعوة الحق» لأنها الكلمة التي دَعَت إليها الرُّسلُ أُمَمَهُم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء].\nوالدعوة إلى ما تضمنته هذه الكلمة من التوحيد للَّه تعالى هي في الأصل دعوةٌ إلى اللَّه ﷿، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين (٨٧)﴾ [القصص].\n\n٦ - وهي أيضًا:<span data-type='title' id=toc-145> العروة الوثقى،</span> ف «لا إله إلا اللَّه»؛ معناها: الإيمان باللَّه والكفر بالطاغوت، وذلك هو العروة الوثقى، كما قال ﷾: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾ [البقرة].\nوسميت كلمة التوحيد ب «العُروَة الوُثْقَى» لأنَّ من تمسَّك بها نَجَا من الهَلَكَة في الدُّنيا والآخِرَة، وَوَصَفَها اللَّه تعالى بأنَّها وُثقَى لأنَّها مَتِينَة، فهي أوثقُ من كلِّ مَا سِوَاهَا مِمَّا يُتَمَسَّكُ به طَلَبًا للنَّجَاة، وفَسَّرَ ﷾ ذلك بقوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٥٦)﴾.\n٧ - وهي أيضًا: براءةٌ من الشرك، وبيان ذلك أنها تضمنت في ركنها الأول - (لا إله) - نفي ألوهية كل من سوى اللَّه، فمن أقرَّ بها ظاهرًا وباطنًا بَرِئَ من الشِّركِ كلِّه، وهذه البراءَةُ هي الكفرُ بالطَّاغُوت كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].","vol":"1","page":157},{"text":"٨ - وهي أيضًا: نجاةُ هذا الأمر، وقد جاء عند الإمام أحمد في «المسند» (^١): أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ ما نجاةُ هذا الأمرِ؟ فقال: «مَنْ قَبِلَ مِنِّي الكلمةَ التي عَرَضتُ على عَمِّي فردَّها عليَّ فهي له نَجَاةٌ»، والمعنى أنَّ كلمةَ التوحيد «لا إله إلا اللَّه» هي التي بها أصل النجاة في الدنيا والآخرة.\nوالمراد ب «هذا الأَمر» الدِّينُ الذي بَعَثَ اللَّه به رَسُولَه ﷺ؛ كقوله ﵊: «مَنْ أَحدَثَ في أَمرِنَا هذا … فهو رَدٌّ» (^٢)، فَدِينُ الإسلامِ الذي أصلُه «لا إله إلا اللَّه» هو الأمرُ العظيمُ الذي بَعَثَ اللَّه به رُسُلَه، وأعظمُ ذلك ما جاء به خاتَمُهم وسيِّدُهم محمَّدٌ ﷺ.\n_________\n(^١) رقم (٢٠) من حديثِ أبي بكرٍ الصدِّيق ﵁.\n(^٢) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂؛ البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨).","vol":"1","page":158},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\n- وَلأَجْلِهَا خُلِقَ الخَلْقُ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات].\n- وَلأَجْلِهَا أُرْسِلَت الرُّسُلُ وأُنْزِلَت الكُتُبُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُون (٢)﴾ [النحل]، وَهَذِه الآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ [اللَّه] عَلَى عِبَادِهِ من النِّعَمِ في سُورَةِ النِّعَمِ الَّتِي تُسَمَّى «سُورَةُ النَّحْلِ»، وَلِهَذَا قَالَ ابنُ عُيَينَةَ: «مَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى العِبَادِ نِعْمَةً أَعظَم مِنْ أَنْ عَرَّفَهَم لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَإنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه لأَهْلِ الجَنَّةِ كَالمَاءِ البَارِدِ لأَهلِ الدُّنْيَا» (^١).\n- وَلأَجْلِهَا أُعِدَّت دَارُ الثَّوَابِ وَدَارُ العِقَابِ في الآخِرَةِ، فَمَنْ قَبِلَهَا وَمَاتَ عَلَيهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ الثَّوَابِ، ومَن رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهلِ دَارِ العِقَابِ.\n- وَمِنْ أَجلِهَا أُمِرَت الرُّسُلُ بِالجِهَادِ؛ فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَمَنْ أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الشكر» رقم (٩٦).","vol":"1","page":159},{"text":"<hr><s0>\n\nمن فضائل كلمة التوحيد:\n١ - أنها الموجبة لدخول الجنة والنجاة من النار، أو النجاة من الخلود في النار؛ كما تقدم بيانه.\n٢ - ومن فضائلها أيضًا: أن اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ كلَّهم من أجلِها:\n- فخلق الثَّقَلَين -الجنَّ والإنسَ- من أجلها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (٥٦)﴾ [الذاريات].\n- ومن أجلها أيضًا خَلَق اللَّه السموات والأرض، وخلق الدنيا والآخرة، وخلق الموت والحياة، كما قال ﷾: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\nفاللَّه ﷿ خلق العبادَ ليبتليهم، وخلق السموات والأرض لابتلاء العباد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف]، وابتلاؤهم إنما هو بأمرهم ونهيهم؛ أَمْرُهم بعبادة اللَّه، ونَهْيُهم عن عبادة ما سواه، أَمْرُهم بطاعته وطاعة رسله ﵈.\n- ومن أجلها أيضًا خَلَقَ اللَّه الجنَّةَ والنَّار، فخلق الجنَّة للموحِّدين، وخلق النَّار للكافرين المشركين.","vol":"1","page":160},{"text":"وهذا معنى أنَّ اللَّه خَلَقَ الخَلْقَ لهذه الكلمة، فمن أجلها خلق اللَّه الخلق، وخلق السموات والأرض، وخلق الجنة والنار.\n٣ - ومن أجلها أيضًا أرسل اللَّه الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وكل نبيٍّ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\n٤ - ومن أَجْلِهَا أيضًا أُمِرَت الرُّسُلُ بالجِهادِ، ويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: أنَّه قال: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم إِلَّا بِحَقِّهَا» (^١).\nفعُلِمَ بذلك أنَّ الدخول في الإسلام عاصمٌ للدَّمِ والمالِ، وكذلك أداءُ الجِزية يَعصِمُ الدمَ والمالَ، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون (٢٩)﴾ [التوبة].\nفقول المصنِّف ﵀: (ومَن أَبَاهَا فَمَالُهُ وَدَمُهُ هَدَرٌ) ليس على إطلاقه؛ للآية الكريمة.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٦٦.","vol":"1","page":161},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\n- وَهِي مِفتَاحُ دَعوَةِ الرُّسُلِ.\n- وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحًا.\nوَفي «مُسنَدِ البَزَّارِ» وَغَيرِهِ عَنْ عِيَاضٍ الأَنصَارِيِّ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ حَقٍّ عَلَى اللَّهِ كَرِيمَةٌ، وَلَهَا مِنْ اللَّهِ مَكَانٌ، وَهِيَ كَلِمَةٌ جُمِعَت وَشُرِكَت، فَمَنْ قَالَهَا صَادِقًا أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا كَاذِبًا أَحرَزَت مَالَهُ، وَحَقَنَت دَمَهُ، وَلَقِيَ اللَّهَ فَحَاسَبَهُ» (^١).\n<hr><s0>\n\nقوله: (وَهِي مِفتَاحُ دَعوةِ الرُّسُلِ) هذا ظاهرٌ بَيِّنٌ مما ذكره اللَّه تعالى في قصص الأنبياء، عن نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ ﵈، فكان كل واحدٍ منهم يفتتح دعوته لقومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فالتوحيد هو أصل دين الرسل كلهم، واسمه «الإسلام»، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ولما بعثَ النبيُّ ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «إِنَّكَ تَقْدَمُ على قومٍ من أَهلِ الكِتَابِ فَليَكُن أَوَّلَ مَا تَدعُوهُم إلى أن يُوَحِّدُوا اللَّهَ تعالى» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار في «مسنده» -كما في «كشف الأستار» رقم (٤) -، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» رقم (٥٤٤٢) وفي إسناده مَنْ لم أعرفه.\n(^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري رقم (١٣٨٩)، ومسلم رقم (١٩).","vol":"1","page":162},{"text":"وقوله: (وَبِهَا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كِفَاحًا)، إن أراد بقوله: «كِفَاحًا»؛ أي: بلا واسطة منه إليه، ولكن من وراء حجاب، فهذا حقٌّ، وهذه خصوصية لموسى ﵇ أنَّ اللَّه كلَّمَه بلا واسطة، ولكن لفظة «كفاح» تشعر بالرؤية، وهذا المعنى من قَصَدَه فهو غَالِطٌ ومخطئٌ، والمؤلِّف -قَطعًا- لا يريد ذلك، فإنه لا يمكن أن يريد بقوله: (كفاحًا) أنَّ اللَّه كَلَّم موسى من غير حجاب، بل كَلَّمَه مَنْ وراء حجاب.\nوقد جاء في شأن عبد اللَّه بن حرام ﵁ -والد جابر ﵁ الذي استُشهِدَ في وقعة أُحد، أن النبي ﷺ قال لابنه جابر: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، فقال: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا» (^١)، فقوله هنا: «كَلَّمَه كِفَاحًا»؛ يعني: أنَّه كَلَّمَه من غَيرِ حِجَابٍ، وهذا في عالم الآخرة، وليس في عالم الدنيا.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٠١٠)، وابن ماجه في «سننه» رقم (١٩٠ و٢٨٠٠)، وأحمد في «المسند» رقم (١٤٨٨١)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٥٩٩) وغيرهم، وهو حَسَنٌ بمجموع طرقه، وقد صحَّحه ابن حبان والحاكم.","vol":"1","page":163},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَهِيَ مِفتَاحُ الجَنَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (^١).\nوَهِيَ ثَمَنُ الجَنَّةِ، قَالَهُ الحَسَنُ (^٢)، وَجَاءَ مَرفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةً (^٣).\nومَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ.\n<hr><s0>\n\nقوله: (وهِيَ ثَمَنُ الجنَّة) وذلك لأَنَّ «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لدخولِ الجنَّة، كما أنَّ ثَمَنَ السِّلعة سببٌ لتحصيلها، وفي هذا نوعٌ من التشبيه، وإلا فشهادةُ أن «لا إله إلا اللَّه» وسائرُ الأعمالِ الصَّالِحةِ لا تكون عِوَضًا عن الجنَّة كما يكون الثمنُ عِوَضًا عن السِّلعَة.\nولهذا جاءَ في الحديثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» (^٤)؛ ومعناه: أنَّ عَمَلَ العبدِ لا يكون عِوَضًا عن الجنَّة، بل ما هو\n_________\n(^١) ص ٥٥.\n(^٢) أخرجه موقوفًا على الحسن: ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» رقم (٣٦٤٦١)، وإسحاقُ بن راهويه في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٩٢) -، قال ابن حجر في «المطالب»: «هذا مَوقُوفٌ صَحِيحٌ».\n(^٣) ينظر: «الكامل» لابن عدي (٦/ ٣٤٨)، و«صفة الجنة» لأبي نعيم رقم (٤٨)، و«المغني عن حمل الأسفار» للعراقي (عند تخريجه للحديث رقم ٩٤٤)، و«سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني رقم (٣٤٥٧).\n(^٤) متفقٌ عليه من حديث عائشة ﵂؛ البخاري رقم (٦٠٩٩)، ومسلم رقم (٢٨١٨).","vol":"1","page":164},{"text":"إلا سَبَبٌ، وبهذا جُمِعَ بين هذا الحديث، وقولِه سبحانه: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (٤٣)﴾ [الأعراف]، فقيل: الباءُ في الحديث باءُ العِوَض، وفي الآية باءُ السَّبَب (^١).\nوأمَّا قوله: (ومَن كانت آخِرَ كَلامِهِ دخلَ الجنَّةَ) فيشير إلى حديث: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: «حادي الأرواح» لابن القيم (ص ١٧٦ - ١٧٨)، و«فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢٩٥ - ٢٩٧)، و«المحجَّة في سير الدُّلْجَة» لابن رجب.\n(^٢) أخرجه مسلمٌ رقم (١٣٨) من حديث أبي ذَرٍّ ﵁، بنحوه.\nفائدة: وقع لأبي زرعة الرازي عند موته قصةٌ مع هذا الحديث، انظر خَبَرَه -غير مأمور- عند: الحاكم في «معرفة علوم الحديث» (ص ٧٦)، والخليلي في «الإرشاد» (٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨).","vol":"1","page":165},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ، وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: «خَرَجَ مِنْ النَّارِ» خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (^١).\nوَهِيَ تُوجِبُ المَغفِرَةَ، وفي «المُسنَدِ» عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوسٍ وَعُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ يَومًا: «اِرفَعُوا أَيدِيَكُم، وَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ»، فَرَفَعنَا أَيدِيَنَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الحَمدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ بَعَثتَنِي بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرتَنِي بِهَا، وَوَعَدتَنِي الجَنَّةَ عَلَيهَا، وَإِنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعَادَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَبشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ» (^٢).\nوَهِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: «إِذَا عَمِلتَ سَيِّئَةً فَاعمَل حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشرُ أَمثَالِهَا»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الحَسَنَاتِ؟ قَالَ: «هِيَ أَحسَنُ الحَسَنَاتِ» (^٣).\n_________\n(^١) رقم (٣٨٢).\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (١٧١٢١)، والبزار في «مسنده» (٢٧١٧ و٣٤٨٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٠١)، وإسناده جَيِّدٌ.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» رقم (٢١٤٨٧)، وابن أبي شيبة في «مسنده» -كما في «إتحاف الخيرة» رقم (٦١٠٧) -، وغيرهما، وإسناده ضعيفٌ؛ لجهالةِ بعض رواته.","vol":"1","page":166},{"text":"وَهِيَ تَمحُو الذُّنُوبَ وَالخَطَايَا (^١)، وَفي «سُنَنِ ابنِ مَاجَه» (^٢) عَنْ أَمْ هَانِئ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا تَترُكُ ذَنبًا، وَلا يَسبِقُهَا عَمَلٌ».\nرُئِيَ بَعضُ السَّلَفِ بَعدَ مَوتِهِ فِي المَنَامِ، فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَ: مَا أَبقَت لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَيئًا.\nوَهِيَ تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ مِنَ الإِيمَانِ فِي القَلبِ، وَفي «المُسنَدِ»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَصحَابِهِ: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُم»، قَالُوا: كَيفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟، قَالَ: «قُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).\n<hr><s0>\n\nقوله: (وَهِيَ نَجَاةٌ مِنْ النَّارِ) وهذا حقٌّ، فإنَّ كلمة التوحيد هي التي بها النَّجاة من النار، وشواهد هذا في السُّنَّة كثيرة، ومنها ما استدل به\n_________\n(^١) قال المؤلِّف في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤١٧): «مَنْ تحقَّق بكلمة التوحيد قَلبُه، أَخْرَجَتْ منه كلَّ ما سوى اللَّه محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً وخشيةً ورجاءً وتوكُّلًا، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبُه وخطاياه كلُّها، ولو كانت مِثلَ زَبَدِ البَحر، وربَّمَا قَلَبَتْهَا حسناتٍ، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ، فلو وضع ذرَّة منه على جبالِ الذنوب والخطايا لقلبها حسناتٍ، كما في «المسند» وغيره عن أم هانئ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لا تَتْرُكُ ذَنْبًا، وَلا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ»».\n(^٢) رقم (٣٧٩٧)، وضعَّفه البوصيريُّ في «مصباح الزجاجة»، وهو كما قال.\n(^٣) أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٨٧١٠)، والبزار في «مسنده» رقم (٩٥٦٩)، وصحَّحه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٢٥٦)، وتعقَّبه الذهبيُّ في «تلخيص المستدرك» فضعَّفَه.","vol":"1","page":167},{"text":"المؤلِّف من الحديث الذي أخرجه مسلمٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ سَمِعَ مُؤذِّنًا يقولُ: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، فقال: «خَرَجَ من النَّارِ»، ومنها أيضًا أحاديث الشفاعة، وفيها: «أَخرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه وفي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ -أو بُرَّةٍ أو خَردَلَةٍ- من إِيمانٍ» (^١)، فهذا بيِّنٌ في أنَّ كلمة التوحيد «لا إله إلا اللَّه» بها أصل النَّجاة من النَّار.\nوقوله: (وَهِي تُوجِبُ المَغفِرَةَ) استدلَّ عليه بحديث شداد بن أوس وعبادة بن الصامت ﵄، ولا ريب أنَّ التوحيدَ الذي هو مضمون «لا إله إلا اللَّه» سببٌ لمغفرةِ الشِّرك، فإنَّ مَنْ قال هذه الكلمة العظيمة بصدقٍ وإخلاصٍ فقد تاب من الشرك، فإنَّ التوبةَ سببٌ لمغفرة جميع الذنوب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم (٥٣)﴾ [الزمر]، وهذه الآية في التائبين، كما أن مغفرة الذنوب التي دون الشرك قد تغفر للموحِّد من غير توبة بمشيئة اللَّه، والسبب الأول لذلك هو التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و١١٦].\nوقوله: (وَهِي أَحسَنُ الحَسَنَات) استدل له بحديث أبي ذرٍ المذكور، ويدل عليه أيضًا حديث أبي هريرة ﵁ في شعب الإيمان: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢)، ويؤيِّد هذا أيضًا ما تقدَّم من أسماء هذه الكلمة العظيمة وفضائلها مما ذكره المؤلِّف ﵀.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه ص ٨٠.\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٣٥).","vol":"1","page":168},{"text":"وكذلك قوله ﷺ: «وَأَفْضَلُ مَا قُلتُ أنَا والنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ»» (^١).\nوقوله: (وَهِي تمحو الذنوب والخطايا) فالمحو هو الإزالة، ولا شك أنَّ التوحيدَ الخالص يزيل أثر الذنوب، وهذا المعنى داخلٌ في قولِه المتقدِّم: (وهي توجب المغفرة)، لكنَّ المغفرةَ تتضَمَّن -مع المحو- السَّتْرَ.\nوقوله: (وَهِي تُجَدِّدُ مَا دَرَسَ من الإِيمان) لا ريب أن قول العبد: «لا إله إلا اللَّه» مستحضرًا لمعناها موقنًا به فيه تجديدٌ لما دَرَسَ -أي: قَدُمَ وضَعُفَ- من الإيمان.\nوهذا يرجع إلى أن الإيمان يزيد بالطاعة، ومن أفضل الطاعات ذكر اللَّه بقول: «لا إله إلا اللَّه» وأخواتها «سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر»، وسماع القرآن لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].\n* * *\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه ص ١٧٧.","vol":"1","page":169},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَهِيَ الَّتِي لا يَعدِلُهَا شَيءٌ في الوَزنِ، فَلَو وُزِنَت بالسموات وَالأَرضِ [ل] رَجَحَت بِهِنَّ، كَمَا في «المُسنَدِ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ نُوحًا ﵇ قَالَ لابنِهِ عِنْدَ مَوتِهِ: آمُرُكَ بِ «لا إِلَهِ إِلَّا اللَّه»، فَإِنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ [لَو وُضِعْنَ في كِفَّةٍ وَوُضِعَت «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه» في كِفَّةٍ لَرَجَحَت بِهِنَّ، وَلَو أنَّ السموات السَّبعَ وَالأَرَضِينَ السَّبعَ] (^١) كُنَّ حَلقَةً مُبهَمَةً فَصَمَتهُنَّ (^٢) «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه»» (^٣).\nوَفِيهِ أَيضًا عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو (^٤)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ عَلِّمنِي شَيئًا أَذكُرُكَ بِهِ وَأَدعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى،\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من نسخة الأصل، واستدركته من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث، والظاهر أن سقوطه من نسخة الأصل بسبب انتقال النظر من موضعٍ إلى موضعٍ.\n(^٢) كذا في النسختين: «فَصَمَتْهُنَّ» بالفاء، والذي في «المسند»: «قَصَمَتْهُنَّ» بالقاف، وهو أوجه وأبلغ في المعنى، فإنَّ «الفَصْم» هو كَسْرُ الشيء من غير بينونة، وأما «القَصْمُ» فهو كسره ببينونة.\nينظر: «لسان العرب» (مادة: فصم، وقصم).\n(^٣) جزءٌ من حديثٍ طويلٍ أخرجه أحمد في «المسند» رقم (٦٥٨٣ و٧١٠١)، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (٥٤٨)، وصحَّحه الحاكم في (١/ ٤٨ - ٤٩)، ووافقه الذهبيُّ في «تلخيص المستدرك»، وصححَّه أيضًا ابنُ كثير في «البداية والنهاية» (١/ ١١٩).\nقلت: الحديث في إسناده اختلاف، فروي موصولًا ومرسلًا، ومن أرسله أوثق ممن ووصله، ولذا رجَّح أبو حاتم في «العلل» رقم (٢١٨٣) إرساله.\n(^٤) هذا وهَمٌ من المؤلِّف ﵀، فلا الحديث من رواية عبد اللَّه بن عمرو ﵄، ولا هو في «مسند الإمام أحمد»، بل الحديث في جميع مصادره من\nرواية أبي سعيد الخدري، كما سيأتي في تخريجه، ولم أقف على قصة موسى هذه من رواية عبد اللَّه بن عمرٍو في شيءٍ من الكتب.\nوهذا الوهم قد تكرَّر من المؤلِّف في كتابه الآخر «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٠)، فليتنبه له.","vol":"1","page":170},{"text":"قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ [موسى]: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى، لَو أَنَّ السموات السَّبعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيرِي وَالأَرَضِينَ السَّبعَ في كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَت بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).\nوَلِذَلِكَ تَرجحُ بِصَحَائِفِ الذُّنُوبِ، كَمَا فِي حَدِيثِ السِّجِلَّاتِ والبِطَاقَةِ (^٢)، وَقَدْ خَرَّجَهُ أَحمَدُ وَالنِّسَائِيُّ (^٣) والتِّرمِذِيُّ أَيضًا مِنْ حَدِيثِ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٦٠٢ و١٠٩١٣)، وأبو يعلى في «مسنده» رقم (١٣٩٣)، وصحَّحه ابن حبان رقم (٦٢١٨)، والحاكم (١/ ٥٢٨)، وصحَّحه أيضًا الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١١/ ٢٠٨).\n(^٢) ولفظه: «إنَّ اللَّه سَيُخَلِّصُ رجُلًا من أُمَّتِي على رؤوس الخلائقِ يومَ القيامةِ، فيَنشُرُ عليه تسعةً وتسعِينَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلٍّ مثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ؟، فيقول: لا يا رَبِّ، فيقول: أَفَلَكَ عُذرٌ؟، فيقول: لا يا رَبِّ، فيقول: بَلَى إنَّ لك عندَنَا حَسَنَةً، فإنَّه لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليومَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا «أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلا اللَّه، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ»، فيقول: أَحْضِرْ وَزنَكَ، فيقول: يا رَبِّ ما هذه البِطَاقَةُ مع هذه السِّجِلَّاتِ؟ فيقال: إِنَّكَ لا تُظلَمُ، قال: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ في كِفَّة، والبِطَاقَةُ في كِفَّة، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَت البِطَاقَةُ، فلا يَثقُلُ مع اسْمِ اللَّه شَيءٌ».\n(^٣) لم أر هذا الحديث في «سنن النسائي»؛ لا الصغرى ولا الكبرى، ولما أورد المزي هذا الحديث في كتابه «تحفة الأشراف» رقم (٨٨٥٥) لم يَعْزُه للنسائي، وإنما عزاه للترمذي وابن ماجه فحسب، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":171},{"text":"عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ (^١).\nوَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلى اللَّهِ ﷿، وَفي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حِجَابٌ، حَتَّى تَصِلَ إِلَيهِ» (^٢).\nوَفِيهِ أَيضًا عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا قَالَ عَبدٌ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» مُخلِصًا إِلَّا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ السموات حَتَّى تُفضِيَ إِلى العَرشِ مَا اجتُنِبَت الكَبَائِرُ» (^٣).\nوقَد رُوِيَ عَنْ اِبنِ عَبَّاسٍ مَرفُوعًا: «مَا مِنْ شَيءٍ إِلَّا وبَينَهُ وَبَينَ اللَّهِ حِجَابٌ، إِلَّا قَولَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا أَنَّ شَفَتَيكَ لا تَحجُبُهَا كَذَلِكَ لا يَحجُبهَا شَيءٌ حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى اللَّهِ ﷿» (^٤).\nوَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ ﵁: «مَا مِنْ عَبدٍ يُهَلِّلُ تَهلِيلَةً فَيُنَهنِهُهَا شَيءٌ دُونَ العَرشِ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٢٦٣٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٤٣٠٠)، والإمام أحمد في «المسند» رقم (٦٩٩٤)، وصححه ابن حبان رقم (٢٢٥)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦ و٥٢٩).\n(^٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٥١٨) وقال: «هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجهِ، وليسَ إسنادُهُ بالقويِّ».\n(^٣) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٥٩٠)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٦٠١).\nقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه».\n(^٤) أخرجه أبو القاسم الْخُتَّلِي في «الديباج» رقم (١٣٣)، وزاد في آخره: «فيقولُ اللَّه تعالى: اسْكُنِي، فتقولُ: يا رَبِّ، كَيفَ أَسْكُنُ ولَم تَغفِرْ لِقَائِلِي؟، قال: يقولُ اللَّه تعالى: وعِزَّتِي وجَلالِي، ما أَجْرَيْتُكِ على لسَانِ عَبْدِي وأنَا أُرِيدُ أن أُعَذِّبَهُ». والحديث إسناده ضعيفٌ جدًّا؛ مسلسلٌ بالضعفاء والمجاهيل.\n(^٥) أورده الذهبيُّ في «العلو» رقم (١٣٨)، وساق طرفًا من إسناده، وفيه: عبد اللَّه بن بُسر السَّكسكي الحمصي، وهو متفقٌ على ضعفه.\nوقوله: «فيُنَهْنِهُهَا»؛ يعني: يمنعها عن الوصول إليه.\nينظر: «لسان العرب» (١٣/ ٥٥٠ مادة: نَهْنَهَ).","vol":"1","page":172},{"text":"وَهِيَ الَّتِي يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى قَائِلِهَا، وَيُجِيبُ دُعَاءَهُ، خَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ «عمل اليَومَ وَاللَّيلَةِ» مِنْ حَدِيثِ رَجُلَينِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، مُخلِصًا بِهَا رُوحُهَ، مُصَدِّقًا بِهَا قَلبُهَ لِسَانَهُ، إِلَّا فَتَقَ اللَّهُ لَهُ السَّمَاءَ، حَتَّى يَنظُرَ إِلَى قَائِلِهَا مِنْ أَهلِ الأَرضِ، وَحُقَّ لِعَبدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيهِ أَنْ يُعطِيَهُ سُؤلَهُ» (^١).\nوَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي يُصَدِّقُ اللَّهُ قَائِلَهَا، كَمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ العَبدُ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ، وَقَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَأَنَا أَكبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، يَقُولُ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحدِي لا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي المُلكُ وَلِي الحَمدُ، وَإِذَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِي»، وَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَم تَطعَمهُ النَّارُ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (٩٧٧٢)، وابن خزيمة في «التوحيد» رقم (٦١٨)، وإسناده ضعيفٌ.\n(^٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٤٣٠)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (٩٧٧٤)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٧٩٤)، وصحَّحه ابن حبان رقم (٨٥١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥).","vol":"1","page":173},{"text":"<hr><s0>\n\nقوله: (وَهِي التي لا يَعْدِلُها شيءٌ في الوَزْنِ) يريد أنها أثقلُ الحَسَنات في الميزان، فتَرجُح بكلِّ السيِّئات كما في حديثِ صَاحِبِ البِطَاقة التي كان مكتوبًا فيها «لا إله إلا اللَّه» فَرَجَحَت بتسعةٍ وتسعينَ سِجِلًا، ومعلومٌ أنَّه ليس المراد مجرَّدُ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص.\nوقد استشهد المؤلِّف لفضلها بثقلها في الميزان بحديثَي عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في خبر نوحٍ ﵇ مع ابنِه، وفي خبرِ موسى ﵇ مع ربِّه، أما الأول فمختلَفٌ في تصحيحِه ولا ذِكْرَ للوزن فيه، وأما الثاني فالمعروف أنه من رواية أبي سعيد الخدري ﵁، ولا يُعرَفُ من رواية عبد اللَّه بن عمرو فليُنَتَبَّه لذلك، وحديث أبي سعيد في خبر موسى ﵇ أورده الشيخُ محمَّدُ بنُ عبد الوهاب في كتابه «التوحيد» (باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب).\nوأما حديث عبد اللَّه بن عمرو في قصة صاحب البطاقة فهو أنسَبُها للاستشهاد به في فضل «لا إله إلا اللَّه» وأنَّه لا يعدلها شيءٌ في الوَزن.\nومعلومٌ أنَّ هذا الفضل ليس لمجرَّدِ التلَفُّظ بها، بل إنَّما يكون لها هذا الثِّقَل بحَسَب ما في قَلبِ قَائِلِها من كمالِ الصِّدقِ والإِخلاص.\nفالكلام في هذا من جهتين:\nالأولى: من جهة معناها ومدلولها، فإن هذه الكلمة «لا إله إلا اللَّه» تدل على أعظم المعاني وأجَلِّها، فهي تدلُّ على أنَّ اللَّه العظيم الموصوف بكل كمال، المنَزَّه عن كل نقص، أنَّه هو الإله الحق الذي","vol":"1","page":174},{"text":"لا يستحق العبادة سواه، وأنه سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، فهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، وهو الكبيرُ المتَعَالِ، وهو الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، فبهذا الاعتبار وهذا المعنى ترجُح هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا اللَّه» بكلِّ شيءٍ، فهذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة يرجُح بالسموات والأرض، فإنَّ السموات والأرض ومَن فيهِنَّ ليست بشيءٍ في جنبِ هذا المعنى العظيم الذي تدل عليه هذه الكلمة.\nوالثانية: من حيث إنها عملٌ وقولٌ يقولُه العباد، فإنَّ وَزْنَهَا بهذا الاعتبار يَختَلِف، فيقولُها المنافقُ ولا يكون لها وزنٌ، ويقولها سائرُ الموحِّدين الصادقين فيكون لها وزنٌ، لكن مع التفاوت العظيم في ذلك؛ فهي من الأنبياء والمرسلين والكُمَّل من المؤمنين غير وزنها وثِقَلِها ممن دونهم.\nوبالجملة؛ فإن هذه الكلمة العظيمة -كلمة التوحيد- من حيث إنها عملٌ من أعمال العباد وأقوالهم تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في الثقل والوزن، فالذين يدخلون النار ممن يقولها لا ريب أن وزنها لم يرجح بسيئاتهم، ولو كان وزنها رجح بسيئاتهم ما دخلوها، لكن صاحب البطاقة له حالٌ آخر، فصاحب البطاقة الذي يُنشَرُ له تسعةٌ وتسعون سجلًا من السيئات، فيقال له: ألك عذرٌ أو حسنة؟ فيُبْهَتُ، فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنةٌ واحدةٌ؛ فإنك لا تظلم، فتُخرَج له بطاقة فيها «لا إله إلا اللَّه»، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فتوضع البطاقة في كِفَّة، والسجلات في كِفَّة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة،","vol":"1","page":175},{"text":"هذه لها حال أخرى ولها ثقل يختلف عن حال الآخرين، فلا بد من ملاحظة هذا المعنى.\nوهذا المعنى يستفاد من النظر إلى مجموع النصوص، فلا يقف المرء عند دليلٍ واحدٍ وينسى باقي النصوص والأدلة، فإنه حتمًا سيكون فهمه لها فهمًا قاصرًا، بل الواجب النظر في جميع الأدلة مضمومًا بعضها إلى بعض حتى يخرج بالنتيجة الصحيحة حينئذٍ.\nوقوله: (وَهِيَ الَّتِي تَخرِقُ الحُجُبَ كُلَّهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى اللَّهِ ﷿ وذلك أنَّ كلمة التوحيد هي من جملة الكَلِم الطيِّب، بل هي من أطيب الطَّيِّب، لكن يختلف أيضًا حكمها بحسب قائلها، وما صدرت عنه من أحوال القلوب، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\nإذًا، هذه الكلمة العظيمة تصعد إلى اللَّه ﷿، وهل صعودها خاصٌّ بها؟ لا، بل كُلُّ الكَلِم الطيب يصعد إلى اللَّه ﷿، من التسبيح والتهليل والتكبير وتلاوة القرآن وغير ذلك، فكلُّ كلامٍ يقولُه الإنسانُ مما يُحِبُّه اللَّه ويَأمُرُ به، فإنَّه داخلٌ في عموم قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ومتى صعد إليه فإنه لا يُحجَب، بل يقبله اللَّه سبحانه من عبده المؤمن المخلص الذي ذكر اللَّه صادقًا من قلبه معظِّمًا لربه مُثْنِيًا عليه.\n* * *","vol":"1","page":176},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\nوَهِيَ أَفضَلُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّونَ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي دُعَاءِ يَومِ عَرَفَةَ (^١).\nوَهِيَ أَفضَلُ الذِّكرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ المَرفُوعِ: «أَفضَلُ الذِّكرِ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢)، وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَحَبُّ كَلِمَةٍ إِلَى اللَّهِ [لا إله إلا اللَّه]، لا يُقبَلُ عَمَلٌ (^٣) إِلا بِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) ولفظه: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» أخرجه مالك في «الموطأ» رقم (٥٠٠ و٩٤٥) عن زياد بن أبي زياد مولى عبد اللَّه بن عيَّاش بن أبي ربيعة، عن طلحة بن عُبَيدِ اللَّه بنِ كَرِيْزٍ، عن النبيِّ ﷺ، مرسلًا.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٣٩): «لا خلاف عن مالكٍ في إرسال هذا الحديث، كما رأيتَ، ولا أحفظُه بهذا الإسناد مسندًا من وجهٍ يُحتَجُّ بمثلِه». وقال البيهقي في «فضائل الأوقات» رقم (١٩١): «هذا مرسلٌ حَسَنٌ، وقد رُوِيَ من حديثِ مالكٍ موصولًا بإسنادٍ آخر، ووَصْلُهُ ضَعيفٌ».\nقلت: وقد روي الحديث مسنَدًا من طريق جماعةٍ من الصحابة، ولكنها لا تخلو من مقال، ولذا قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٤١): «ومرسل مالكٍ أثبتُ من تلك المسانيد».  z\n(^٢)  أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٣٨٣)، والنسائي في «الكبرى - عمل اليوم والليلة» رقم (١٠٥٩٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٣٨٠٠)، وصححه ابن حبان رقم (٨٤٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٩٨ و٥٠٣).\nوقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، وحسَّنه أيضًا الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٥٨).\n(^٣) في نسخة (ب): «لا يَقبَلُ اللَّهُ عَمَلًا».\n(^٤) كلام ابن عباس هذا هو عبارة عن جوابٍ لمسألةٍ من جملةِ مسائل كَتَبَ بها قيصرُ إلى معاويةَ ﵁ يسأله عنها، فأرسل بها معاويةُ إلى ابنِ عبَّاس فأجابه عنها.\nتُنظر المسائل وجواب ابن عباس عنها عند: يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٣٠)، وابن قتيبة في «عيون الأخبار» (١/ ١٩٩)، والدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (٣/ ١٩٤ - ١٩٥).","vol":"1","page":177},{"text":"وَهي أَفضَلُ الأَعمَالِ، وأَكَثَرُهَا تَضعِيفًا، وَتَعدِلُ عِتقَ الرِّقَابِ، وَتَكُونُ حِرزًا مِنْ الشَّيطَانِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، [فِي يَومٍ] (^١) مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدلُ عَشرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَت لَهُ حِرزًا مِنْ الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمسِيَ، وَلَم يَأتِ أحدٌ بِأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلا أَحَدٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ» (^٢).\nوَفِيهِمَا أَيضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ [الأنصاري ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَهَا عَشرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعتَقَ أَربَعَةَ أَنفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ» (^٣).\nوَفِي «التِّرمِذِيِّ» عَنْ ابنِ عُمَرَ (^٤) مَرفُوعًا: «مَنْ قَالَهَا إِذَا دَخَلَ السُّوقَ، وَزَادَ فِيهَا: «يُحيَي وَيُمِيتُ [وَهو حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهو عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدَيرٌ] (^٥)» كُتِبَت لَهُ أَلفُ أَلفِ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنهُ\n_________\n(^١) ما بين المعقوفتين ساقط من نسخة الأصل، واستدركته من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث.\n(^٢) متفقٌ عليه؛ البخاري رقم (٣١١٩)، ومسلم رقم (٢٦٩١).\n(^٣) متفقٌ عليه؛ البخاري رقم (٦٠٤١)، ومسلم رقم (٢٦٩٣).\n(^٤) هذا وهمٌ من الحافظ ابن رجب، بل الذي في الترمذي وغيره: أنه عن ابن عمر عن أبيه عمر مرفوعًا، فالحديث من مسند «عمر» لا من مسند «ابنه عبد اللَّه».\n(^٥) ما بين المعقوفتين ساقطٌ من نسخة الأصل، واستدركتُه من نسخة (ب)، ومن مصدر الحديث.","vol":"1","page":178},{"text":"أَلفُ أَلفِ سَيِّئَةٍ، وَرُفِعَ لَهُ أَلفُ أَلفِ دَرَجَةٍ»، وَفي رِوَايَةٍ: «وَبُنِيَ لَهُ بَيتٌ فِي الجَنَّةِ» (^١).\n<hr><s0>\n\nورد في فضل كلمة التوحيد وفضل اللَّهَجِ بها من الأحاديث الصحيحة الشيءُ الكثيرُ، فهي إحدى الكلمات الأربع التي قال فيها الرسول ﷺ: «لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (^٢)، ولا ريب أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي أفضل هذه الكلمات الأربع.\nوورد استحباب ذكر اللَّه بها في مواضع؛ كالذكر بعد الصلاة، فقد كان رسول اللَّه ﷺ يقول في دبرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: «لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (^٣)، زاد مسلم: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه، ولا نعبد إلا إيَّاه، له\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في «جامعه» رقم (٣٤٢٨ و٣٤٢٩)، وابن ماجه في «سننه» رقم (٢٢٣٥)، وأحمد في «المسند» رقم (٣٢٧).\nقال علي بن المديني: «كان أصحابنا يُنكرون هذا الحديث أشد الإنكار لجودة إسناده» [نقله ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣)]، وقال أبو حاتم في «العلل» رقم (٢٠٠٦): «حديثٌ منكرٌ جِدًّا»، وقال أبو داود كما في «سؤالات الآجري» رقم (١٠٨٢ و١٠٨٣): «هذا الحديث ليس بشيء».\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٦٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) متفقٌ عليه من حديث المغيرة بن شعبة ﵁؛ أخرجه البخاري في مواضع، منها: رقم (٨٠٨)، ومسلم رقم (٥٩٣).","vol":"1","page":179},{"text":"النعمةُ وله الفضلُ وله الثناءُ الحَسَنُ، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكافرون» (^١).\nوبالجملة فذكر اللَّه بها مطلقًا ومقيَّدًا كثيرٌ، ومن ذلك ما ورد أنَّ: «مَنْ قَالَ: لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» (^٢).\nوقد تقدَّم أنَّ «لا إله إلا اللَّه» هي كلمة التقوى، بل لا تقوم التقوى إلا عليها، فبها يُتَّقَى الشرك باللَّه، وتُتَّقَى جميع المعاصي، فَمَنْ قالها وتحقَّق بها فقد حَقَّقَ التقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب المناهي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٥٩٤) من حديث الزبير بن العوام ﵁.\n(^٢) تقدَّم تخريجه قريبًا.","vol":"1","page":180},{"text":"* قال ابنُ رجبٍ ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-170>وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا أَمَانٌ مِنْ وَحشَةِ القَبرِ وَهَولِ الحَشرِ،</span> كَمَا في «المُسنَدِ» (^١) وَغَيرِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيسَ عَلَى أَهلِ «لا إِلَهَ إلا اللَّهُ» وَحشَةٌ فِي قُبُورِهِم وَلا نَشُورِهِم، وَكَأَنِّي بِأَهلِ «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» قَدْ قَامُوا يَنفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رؤوسهم، وَيَقُولُونَ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذهَبُ عَنَّا الحَزَنَ» (^٢).\nوَفِي حَدِيثٍ مُرسَلٍ: «مَنْ قَالَ: «لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ» كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ أَمَانًا مِنَ الفَقرِ، وَأُنْسًا مِنْ وَحشَةً القَبرِ، وَاستَجْلَبَ بِهِ الغِنَى، وَاستَقْرَعَ بِهِ بَابَ الجَنَّةِ» (^٣).\n_________\n(^١) هذا وهمٌ من الحافظ ابن رجب، فليس الحديث في «مسند أحمد»، ولم يذكره ابن حجر في «أطراف المسند» ولا في «إتحاف المهرة بأطراف العشرة»، وذكره البوصيري في «إتحاف الخِيَرَة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» رقم (٦١١٨) ولم يعزه ل «مسند أحمد»، وهذا مما يؤكد عدم وجوده فيه.\n(^٢) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» -كما في «المطالب العالية» رقم (٢٨٦٥) -، وابن أبي الدنيا في «الأهوال» رقم (٢١٤)، وفي «القبور» رقم (٦٩)، والطبراني في «الأوسط» رقم (٩٤٧٨)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا.\n(^٣) أخرجه ابن المقرئ في «غرائب مالك» -كما في «منتخبه» رقم (١٧) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٢٨٠)، وغيرهم من طريق مالكٍ، عن جعفر بن محمد [هو: المعروف ب «الصادق»]، عن أبيه [هو: محمَّد بنُ علي]، عن جدِّه [هو: علي بن الحسين]، عن النبيِّ ﷺ مرسلًا.\nقلت: وقد رُوي عن مالكٍ من وجهٍ آخر موصولٍ، ولا يصح، قال ابن حجر في «رفع الإصر» (ص ٣٠٥): «قد رُوِيَ عن مالكٍ من وجوهٍ عِدَّة لا يثبت شيءٌ منها»، وقال الدارقطني في «غرائب مالك»: «هذا الحديث لا يصح، وكلُّ مَنْ رواه عن\nمالكٍ ضعيفٌ»، وقال ابن عبد البر: «هذا حديثٌ غريبٌ من حديث مالكٍ لا يصح عنه، …، ولا يرويه عن مالكٍ مَنْ يوثق به، ولا هو معروفٌ من حديثه».","vol":"1","page":181},{"text":"وَهِيَ شِعَارُ المُؤمِنِينَ إِذَا قَامُوا مِنَ القُبُورِ، وقَالَ النَّضرُ بنُ عَرَبِيٍّ: «بَلَغَنِي أَنَّ النَّاسَ إِذَا قَامُوا مِنْ قُبُورِهِم فَإِنَّ شِعَارَهُم: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^١).\nوَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثًا مَرفُوعًا: «إِنَّ شِعَارَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الصِّرَاطِ: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (^٢).\nوَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا تَفتَحُ لِقَائِلِهَا أَبوَابَ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ (^٣)، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن أَتَى بِالشَّهَادَتَينِ بَعدَ الوُضُوءِ، خَرَّجَهُ مُسلِمٌ (^٤).\nوَفِي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ عُبَادَةَ [بن الصامت ﵁]، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبدُ اللَّهِ [ورسوله] وَكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ وَرُوحٌ مِنهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه موقوفًا عليه: ابن أبي الدنيا في «القبور» رقم (٧١)، وفي «الأهوال» رقم (١٠٣).\n(^٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» رقم (١٦٠)، وفي «الدعاء» رقم (١٤٨٧)، وإسناده واهٍ.\n(^٣) في نسخة (ب): «ابن عمر»، وهو خطأ.\n(^٤) برقم (٢٣٤)، ولفظه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبِغُ- الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ».\n(^٥) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري رقم (٣٢٥٢)، ومسلم رقم (٢٨).\nتنبيهان:\nأولهما: قوله: «وأنَّ اللَّهَ يَبعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ» ليست في «الصحيحين»، ومثلها أيضًا ما وقع في نسخة (ب) من قوله قبلها: «وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فِيهَا»، بل\nلم أر هاتين الجملتين من رواية عُبَادة ﵁ في شيءٍ من مصادر الحديث، فاللَّه أعلم.\nثانيهما: قوله: «فُتِحَت لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَدخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ»، هذا قريبٌ من لفظ مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»، وأما لفظ البخاري فهو: «أَدخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ».","vol":"1","page":182},{"text":"وَفِي حَدِيثِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةِ مَنَامِهِ الطَّوِيلِ، وَفِيهِ قَالَ: «وَرَأَيتُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي اِنتَهَى إِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ، فَأُغلِقَت الأَبوَابُ دُونَهُ، فَجَاءَتهُ شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَفَتَحَت لَهُ الأَبوَابَ، وَأَدخَلَتهُ الجَنَّةَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-173>وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ أَهلَهَا وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ بِتَقصِيرِهِم فِي حُقُوقِهَا فَإِنَّهُم لا بُدَّ أَنْ يَخرُجُوا مِنهَا،</span> وَفي «الصَّحِيحَينِ» عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ﷿: وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لأُخرِجَنَّ مِنهَا مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢).\nوَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَدخُلُونَ النَّارَ بِذُنُوبِهِم، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهلُ اللاتِ وَالعُزَّى: مَا أَغنَى عَنْكُمْ قَولُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَغضَبُ اللَّهُ لَهُمْ فَيُخرِجُهُم مِنْ النَّارِ، فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في «الكبير» -كما في «جامع المسانيد» (٨/ ٣٣١ - ٣٣٣) - وفي «الدعاء» رقم (٣٨٥)، وابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» رقم (٥٢٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٦٩٧) وغيرهم.\nقال ابن الجوزي: «هذا حديثٌ لا يصح»، قلت: وهو كما قال، فإنَّ عامَّة أسانيده ضعيفة لا تثبت، ولا يخلو إسناد منها من مجهول أو ضعيف.\n(^٢) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري رقم (٧٠٧٢)، ومسلم رقم (١٩٣)، وهو جزءٌ من حديث الشفاعة الطويل.\n(^٣) أخرجه أبو بكر بن أبي داود في «البعث والنشور» رقم (٥١)، والطبراني في «الأوسط» رقم (٧٢٩٣)، وإسناده ضعيفٌ جدًّا، وفيه من لا يُعرَف.","vol":"1","page":183},{"text":"وَمَنْ كَانَ فِي سُخطِهِ مُحسِنًا … فَكَيفَ يَكُونُ إِذَا مَا رَضِيَ؟\nلا يُسَوِّي بَين مَنْ وَحَّدَهُ -وَإِنْ قَصَّرَ فِي حُقُوقِ تَوحِيدِهِ- وَبَينَ مَنْ أَشرَكَ بِهِ.\nقَالَ بَعضُ السَّلَفِ: كَانَ إِبرَاهِيمُ ﵇ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُشرِكُ مَنْ كَانَ يُشرِكُ بِكَ بِمَنْ كَانَ لا يُشرِكُ بِكَ.\nكَانَ بَعضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلتَ عَنْ أَهلِ النَّارِ: إِنَّهُمْ أَقسَمُوا بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِهِم لا يَبعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ (^١)، وَنَحنُ نُقسِمُ بِاللَّهِ جَهدَ أَيمَانِنَا: لَيَبعَثَنَّ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ، اللَّهُمَّ لا تَجمَع بَينَ أَهلِ القَسَمَينِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.\nكَانَ أَبُو سُلَيمَانَ يَقُولُ: إِنْ طَالَبَنِي بِبُخلِي طَالَبتُهُ بِجُودِهِ، وَإِنْ طَالَبَنِي بِذُنُوبِي طَالَبتُهُ بِعَفوِهِ، وَإِنْ أَدخَلَنِي النَّارَ أَخبَرتُ أَهلَ النَّارِ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّهُ.\nمَا أَطيَبَ وَصلَهُ وَمَا أَعذَبَهُ … وَمَا أَثقَلَ هَجْرَهُ وَمَا أَصعَبَهُ\nفي السُّخطِ وَفي الرِّضَى ما أَهيَبَهُ (^٢) … القَلبُ يُحِبُّهِ وَإِنْ عَذَّبَهُ!\nوَكَانَ بَعضُ العَارِفِينَ (^٣) يَبكِي طُولَ لَيلِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ تُعَذِّبنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ، وَإِنْ تَرحَمنِي فَإِنِّي لَكَ مُحِبٌّ.\n_________\n(^١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٣٨)﴾ [النحل].\n(^٢) في نسخة (ب): «في السُّخْطِ والرِّضَى فَمَا أَهْيَبَهُ».\n(^٣) هو: عتبة بن أبان الغلام، أسنده عنه: أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢٢٦).","vol":"1","page":184},{"text":"العَارِفُونَ يَخَافُونَ مِنَ الحِجَابِ أَكثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنَ العَذَابِ (^١)، قَالَ ذُو النُّونِ: خَوفُ النَّارِ عِنْدَ خَوفِ الفِرَاقِ كَقَطرَةٍ فِي بَحرٍ لُجِّيٍّ (^٢).\nكَانَ بَعضُهُم يَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَولاي، لَو عَذَّبتَنِي بِعَذَابِكَ كُلِّهِ، كَانَ مَا فَاتَنِي مِنْ قُربِكَ أَعظَمَ عِنْدِي مِنَ العَذَابِ.\nقِيلَ لِبَعضِهِم: لَو طَرَدَكَ مَا كُنْتَ تَفعَلُ؟، فَقَالَ:\nأَنَا إِنْ لَم أَجِد مِنْ الحُبِّ وَصلًا … رُمتُ فِي النَّارِ مَنزِلًا وَمَقِيلا\nثُمَّ أَزعَجتُ أَهلَهَا بِنِدَائِي … بُكرَةً فِي عَرَصَاتِهَا (^٣) وَأَصِيلا\nمَعشَرَ المُشرِكِينَ نُوحُوا عَلَى مَنْ … يَدِّعِي أَنَّهُ يُحِبُّ الجَلِيلَا\nلَم يَكُنْ فِي الَّذِي اِدَّعَاهُ مُحِقًّا … فَجَزَاهُ بِهِ العَذَابَ الطَّوِيلا!\nإِخوَاني اِجتَهَدُوا اليَومَ فِي تَحقِيقِ التَّوحِيدِ، فَإِنَّهُ لا يُوصِلُ إِلَى اللَّهِ سِوَاهُ، وَاحرِصُوا عَلَى القِيَامِ بِحُقُوقِهِ، فَإِنَّهُ لا يُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلا إِيَّاهُ.\n_________\n(^١) قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٧): «عذابُ الحِجَابِ أعظمُ أنواعِ العذابِ، ولَذَّةُ النَّظَرِ إلى وجهِهِ أعلَى اللَّذَّاتِ».\n(^٢) عزاه إليه أبو طالب المكي في «قوت القلوب» (١/ ٣٧٧)، والغزالي في «إحياء علوم الدين» (٤/ ١٦٨).\n(^٣) في نسخة (ب): «عِرَاصِهَا». قال في «القاموس»: «العَرْصَةُ: كلُّ بُقْعَةٍ بينَ الدُّورِ واسِعَةٍ ليس فيها بِناءٌ، جمعها: عِراصٌ وعَرَصاتٌ وأعْراصٌ».","vol":"1","page":185},{"text":"مَا نَطَقَ النَّاطِقُونَ إِذْ نَطَقُوا … أَحسَنَ مِنْ لا إِلَهَ إِلَّا هو\nتَبَارَكَ اللَّه ذُو الجَلَالِ وَمَنْ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو\nمَنْ لِذُنُوبِي وَمَنْ يُمَحِّصُهُا … غيرك يا من لَا إِلَهَ إِلَّا هُو\nجِنَانُ خُلدٍ (^١) لِمَنْ يُوَحِّدُهُ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو\nنِيرَانُهُ لَا تُحرِقُ مَنْ … حَقَّقَ (^٢) أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو\nأَقُولُهَا مُخلِصًا بِلَا بُخلٍ … أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو\nآخِرُهُ وَالحَمدُ للَّه وَحدَهُ\nوصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله [وصحبه] وسلم تسليمًا كثيرًا\n<hr><s0>\n\nمما ورد هنا أنَّ «لا إله إلا اللَّه» أمانٌ لقائلها من وحشة القبر ويوم البعث، وهذا حقٌّ، ويمكن أن نستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد أورد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في (باب فضل التوحيد) هذه الآية مستدلاًّ بها على فضل التوحيد.\n_________\n(^١) في نسخة (ب): «جِنَانُ خُلْدِهِ».\n(^٢) في نسخة (ب): «يَشْهَدُ»، مكان: «حَقَّق».","vol":"1","page":186},{"text":"وهذا حقٌّ؛ فإنَّ التوحيد هو سبب الأمن والهدى، ومن ثبت له أصل التوحيد فإنه يأمن من الخلود في النار، ولا بد له من دخول الجنة، فمن حقَّقَ التوحيدَ وقال هذه الكلمة العظيمة: «لا إله إلا اللَّه» محقِّقًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها = فاز بالأمن التام والهدى التام.\nفجزاء اللَّه للعباد قائمٌ على العدل، فلا يُسوِّي بين المشركين وبين الموحِّدين، ولا بين العصاة المسرفين على أنفسهم وبين المتقين، تعالى اللَّه عن ذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار (٢٨)﴾ [ص]، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين (٣٥)﴾ [القلم]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون (٢١)﴾ [الجاثية].\nفاللَّه ﷿ يَتَعَالى ويتقدَّس أن يُسوِّي بين أوليائه وأعدائه، أو بين القائمين بحقه والمفرِّطين فيه، ولهذا بحكمته وعدله سبحانه جعل الجنة درجات، حتى إن من أهل الجنة من يَتَرَاءَون الغُرَف كما يَتَرَاءَى الناسُ الكوكَبَ الغَارِبَ في الأُفُق (^١) -يعني: في علوٍّ بعيدٍ-، فالجنة منازلُ ودرجاتٌ متفاضلةٌ، و«الوسيلةُ» هي أعلى درجةٍ في الجنَّة، وهي لنبينا ﷺ (^٢).\nفدرجات أهل الجنة ونعيمهم يتفاضل، كما في حديث عبادة ﵁: «أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل» (^٣)، قد قيل في معناه: يعني من حيث الدرجات، فيُسكِنُه اللَّه الدَّرجةَ التي يستحِقُّها بعمَلِه.\n_________\n(^١) متفقٌ عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، البخاري رقم (٦١٨٨)، ومسلم رقم (٢٨٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٣٨٤)، والترمذي رقم (٣٦١٢).\n(^٣) تقدم تخريجه ص ٣٩.","vol":"1","page":187},{"text":"فمن فضل التوحيد أنَّه يحصل به الأمان، فمَن قال كلمة التوحيد وكان محقِّقًا لها فله الأمنُ من عذاب القبر ووحشته، ومن الفزع يوم الفزع الأكبر، كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل]، ف «الحسنة» هنا هي: لا إله إلا اللَّه (^١).\nلكن ليس المقصود هو مجرَّد التلفُّظ بها، فالعصاة المسرفون على أنفسهم يحصل لهم من الفزع والخوف يوم القيامة بحسب حالهم وذنوبهم، وينالهم من العذاب ما شاء اللَّه بحسب ذلك، لكن الذي يفوز بالأمن ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ هو من جاء بالتوحيد وجاء بالإيمان ولم يَخْلِطْه بظلمٍ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام]، وقد فَصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على هذه الآية ما يُفهم به المراد (^٢).\nفإنَّ الظلمَ أنواع:\nالنوع الأول: الظلم في حق اللَّه، ولا يقال: ظلم اللَّه، فإنَّ العباد لا يظلمون اللَّه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧، الأعراف: ١٦٠]، لكن الظلم يكون في حق اللَّه، ويكون ذلك بالشرك الأكبر، وهذا النوع من الظلم ينافي الأمن والهدى مطلقًا، فلا أمن ولا هدى لمن لَبَسَ إيمانَه بالشرك، كما قال النبي ﷺ لأصحابه ﵃ لما نزلت هذه الآية وشق ذلك عليهم وقالوا: أيما لم يظلم نفسه؟، قال لهم النبي ﷺ: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٨/ ١٣٩ - ١٤٢)، و«الدر المنثور» (١١/ ٤١٦ - ٤١٩).\n(^٢) ينظر: «تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء» (١/ ٣٣٥ وما بعدها).\n(^٣) متفقٌ عليه من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، البخاري في مواضع منها: رقم (٣١٨١)، ومسلم رقم (١٢٤).","vol":"1","page":188},{"text":"والنوع الثاني: ظلمُ الإنسانِ نفسَه بالمعاصي، وهذا يفوتُ به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَه العبدُ من معاصي.\nوالنوع الثالث: ظلمُ العبادِ في دمائِهم وفي أنفسِهم وأموالِهم وأعراضِهم، وهذا أيضًا يفوت به من الأمن والهدى بحسب ما اقتَرَفَ من ذلك.\nفالنوعان الثاني والثالث لا يمنعان -مع التوحيد- من الأمن والهدى مطلقًا، وإنما الذي ينافي الأمن والهدى مطلقًا هو الشرك والكفر بأنواعه.\nفلا بد من معرفة هذه الحقيقة؛ لأننا علمنا من النصوص أن الذي يقترف الذنوب على اختلاف أنواعها هو معرَّضٌ للعذاب، فليس من أهل الأمن التام، فلا يَرِدُ القيامةَ آمِنًا كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]، فالذي يأتي آمِنًا يوم القيامة هو المؤمنُ الموحِّدُ الصَّادِقُ الذي قَدِمَ على ربِّهِ غير مُصِرٍّ على شيءٍ من الذنوب، ومن كان هذا حاله كان جزاؤه الأمن في ذلك اليوم ﴿مَنْ جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون (٨٩)﴾ [النمل] آمِنٌ من الفزع، آمِنٌ من العذاب، آمِنٌ من النَّار.\nوهذا المعنى ذكره اللَّه تعالى في مواضع من كتابه الكريم، ومن ذلك قوله في حقِّ أوليائه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٣٨)﴾ (^١)، فهم يخافون في الدنيا لكن يوم القيامة يزول عنهم الخوف، وإن حصل في بعض المواقف خوفٌ عامٌّ، كما في حديث الشفاعة، وأنَّ الرُّسُلَ في ذلك اليوم يَتَرَادُّون الشفاعة ويمتنعون ويعتذرون، كلُّ واحدٍ منهم يقول: «إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب\n_________\n(^١) كما في سورة البقرة (٣٨ و٦٩)، والأنعام (٤٨)، والأعراف (٣٥)، والأحقاف (١٣)، وغيرها من الآيات.","vol":"1","page":189},{"text":"بعده مثله، نفسي نفسي نفسي» (^١)، هذا خوفٌ عامٌّ يحدث لسائر الخلق، حتى الأنبياء والرسل، لكن لهم الأمن الذي تزول معه تلك المخاوف.\nفهذا تعليقٌ موجزٌ على هذه الجملة التي ساقها المؤلف ﵀ في التنويه بفضل «لا إله إلا اللَّه»، وخَتَمَها ببعض المقولات والآثار عن مسألة محبة اللَّه، وأن عذاب الحجاب أعظم من عذاب النار، وعذاب الحجاب هو مما يتضمنه عذاب النار، نعوذ باللَّه من النار ونعوذ باللَّه من الحجاب، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (١٧)﴾ [المطففين].\nفكما أنَّ أعلى نعيم أهل الجنة وأفضلَه هو النظر إلى وجه اللَّه تعالى، ونعيم النظر داخلٌ في نعيم الجنة، خلافًا للصوفية الذين يفصلون بينهما، فيجعلون الجنة اسمًا خاصًّا بما فيها من المآكل والمشارب والمطاعم والمناكح، واللَّه تعالى إذا وعد عبادَه بالجنة فمن نعيمها نَظَرُ أوليائه إليه في جنات النعيم وسماعُهم لكلامه.\nنسأله ﷾ أن يَمُنَّ علينا بأسبابِ النَّجَاة، وأن يجعلنا جميعًا من الفائزين برضاه وعفوه وكرامته، وأن يجعلنا ممن يَنْعَمُ بالنَّظَر إلى وجهِه الكريم.\nاللَّهُمَّ إنَّا نستغفرُك ونتوبُ إليكَ، وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله محمَّد.\n* * *\n_________\n(^١) جزءٌ من حديث الشفاعة الطويل، أخرجه البخاري رقم (٣١٦٢)، ومسلم رقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":190}]}