{"ً":{"ٌ":182,"ٍ":"أشراط الساعة - الوابل","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/ashrat_wabel/ashrat_wabel.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أشراط الساعة\nالمؤلف: يوسف بن عبد الله بن يوسف الوابل\nأصل الكتاب: رسالة علمية، مُنح المؤلف بها درجة (الماجستير) بتقدير ممتاز، في شهر محرَّم لعام ١٤٠٤ هـ من جامعة أم القرى، كلية الشريعة، فرع العقيدة.\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الثالثة، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م\nعدد الصفحات: ٤٨٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3084,"ٕ":1,"ٖ":1780758486,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":6},{"title":"أهمية هذا البحث","level":2,"page":9},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":12},{"title":"التمهيد","level":1,"page":24},{"title":"المبحث الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوك الإنسان","level":2,"page":25},{"title":"أ - النشأة الأولى","level":3,"page":31},{"title":"ب - المشاهد الكونية المحسوسة الدالة على إمكان البعث","level":3,"page":31},{"title":"ج - قدرة الله الباهرة المتجلية في خلق الأعظم","level":3,"page":31},{"title":"د - حكمته تعالى الظاهرة للعيان والمتجلية في هذه الكائنات لكل من أنعم النظر وجرد الفكر من التعصب والهوى","level":3,"page":32},{"title":"المبحث الثاني: أسماء يوم القيامة","level":2,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: حجية خبر الآحاد في العقائد","level":2,"page":37},{"title":"الأدلة على قبول خبر الواحد","level":3,"page":43},{"title":"المبحث الرابع: إخبار النبي عن الغيوب المستقبلة","level":2,"page":49},{"title":"المبحث الخامس: علم الساعة","level":2,"page":52},{"title":"المبحث السادس: قرب قيام الساعة","level":2,"page":61},{"title":"الباب الأول: أشراط الساعة","level":1,"page":64},{"title":"الفصل الأول: تعريف أشراط الساعة","level":2,"page":65},{"title":"معنى الشرط","level":3,"page":65},{"title":"معنى الساعة في اللغة","level":3,"page":65},{"title":"معنى الساعة في الاصلاح الشرعي","level":3,"page":65},{"title":"الفصل الثاني: أقسام أشراط الساعة","level":2,"page":69},{"title":"١ - أشراط صغرى","level":3,"page":69},{"title":"٢ - أشراط كبرى","level":3,"page":69},{"title":"الفصل الثالث: أشراط الساعة الصغرى","level":2,"page":71},{"title":"١ - بعثة النبي - ﷺ -","level":3,"page":72},{"title":"٢ - موت النبي - ﷺ -","level":3,"page":74},{"title":"٣ - فتح بيت المقدس","level":3,"page":77},{"title":"٤ - طاعون عمواس","level":3,"page":78},{"title":"٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة","level":3,"page":79},{"title":"٦ - ظهور الفتن","level":3,"page":82},{"title":"أ - ظهور الفتن من المشرق","level":4,"page":84},{"title":"ب - مقتل عثمان بن عفان ﵁","level":4,"page":88},{"title":"ج - موقعة الجمل","level":4,"page":90},{"title":"د- موقعة صفين","level":4,"page":94},{"title":"هـ - ظهور الخوارج","level":4,"page":97},{"title":"و- موقعة الحرة","level":4,"page":100},{"title":"ز- فتنة القول بخلق القرآن","level":4,"page":101},{"title":"ح - اتباع سنن الأمم الماضية","level":4,"page":103},{"title":"٧ - ظهور مدعي النبوة","level":3,"page":105},{"title":"٨ - انتشار الأمن","level":3,"page":108},{"title":"٩ - ظهور نار الحجاز","level":3,"page":109},{"title":"١٠ - قتال الترك","level":3,"page":110},{"title":"١١ - قتال العجم","level":3,"page":118},{"title":"١٢ - ضياع الأمانة","level":3,"page":120},{"title":"١٣ - قبض العلم وظهور الجهل","level":3,"page":123},{"title":"١٤ - كثرة الشرط وأعوان الظلمة","level":3,"page":128},{"title":"١٥ - انتشار الزنا","level":3,"page":130},{"title":"١٦ - انتشار الربا","level":3,"page":132},{"title":"١٧ - ظهو ر المعازف واستحلالها","level":3,"page":133},{"title":"١٨ - كثرة شرب الخمر واستحلالها","level":3,"page":136},{"title":"١٩ - زخرفة المساجد والتباهي بها","level":3,"page":138},{"title":"٢٠ - التطاول في البنيان","level":3,"page":140},{"title":"٢١ - ولادة الأمة لربتها","level":3,"page":142},{"title":"٢٢ - كثرة القتل","level":3,"page":144},{"title":"٢٣ - تقارب الزمان","level":3,"page":147},{"title":"٢٤ - تقارب الأسواق","level":3,"page":151},{"title":"٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة","level":3,"page":152},{"title":"٢٦ - ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار","level":3,"page":156},{"title":"٢٧ - تشبب المشيخة","level":3,"page":158},{"title":"٢٨ - كثرة الشح","level":3,"page":161},{"title":"٢٩ - كثرة التجارة","level":3,"page":162},{"title":"٣٠ - كثرة الزلازل","level":3,"page":164},{"title":"٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف","level":3,"page":165},{"title":"٣٢ - ذهاب الصالحين","level":3,"page":169},{"title":"٣٣ - ارتفاع الأسافل","level":3,"page":170},{"title":"٣٤ - أن تكون التحية للمعرفة","level":3,"page":174},{"title":"٣٥ - التماس العلم عند الأصاغر","level":3,"page":175},{"title":"٣٦ - ظهور الكاسيات العاريات","level":3,"page":176},{"title":"٣٧ - صدق رؤيا المؤمن","level":3,"page":180},{"title":"٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها","level":3,"page":182},{"title":"٣٩ - التهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام","level":3,"page":183},{"title":"٤٠ - انتفاخ الأهلة","level":3,"page":185},{"title":"٤١ - كثرة الكذب وعلإم التثبت في نقل الأخبار","level":3,"page":186},{"title":"٤٢ - كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق","level":3,"page":188},{"title":"٤٣ - كثرة النساء وقلة الرجال","level":3,"page":189},{"title":"٤٤ - كثرة موت الفجأة","level":3,"page":190},{"title":"٤٥ - وقوع التناكر بين الناس","level":3,"page":192},{"title":"٤٦ - عود أرض العرب مروجا وأنهارا","level":3,"page":193},{"title":"٤٧ - كثرة المطر وقلة النبات","level":3,"page":195},{"title":"٤٨ - حسر الفرات عن جبل من ذهب","level":3,"page":196},{"title":"٤٩ - كلام السباع والجمادات للإنس","level":3,"page":198},{"title":"٥٠ - تمني الموت من شدة البلاء","level":3,"page":199},{"title":"٥١ - كثرة الروم وقتالهم للمسلمين","level":3,"page":201},{"title":"٥٢ - فتح القسطنطينية","level":3,"page":206},{"title":"٥٣ - خروج القحطاني","level":3,"page":210},{"title":"٥٤ - قتال اليهود","level":3,"page":213},{"title":"٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان","level":3,"page":217},{"title":"٥٦ - بعث الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين","level":3,"page":221},{"title":"٥٧ - استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة","level":3,"page":223},{"title":"الباب الثاني: أشراط الساعة الكبرى","level":1,"page":228},{"title":"تمهيد","level":2,"page":229},{"title":"أولا: ترتيب أشراط الساعة الكبرى","level":3,"page":229},{"title":"ثانيا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى","level":3,"page":235},{"title":"الفصل الأول: المهدي","level":2,"page":238},{"title":"اسمه وصفته","level":3,"page":238},{"title":"مكان خروجه","level":3,"page":239},{"title":"الأدلة من السنة على ظهوره","level":3,"page":241},{"title":"بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلق بالمهدي","level":3,"page":246},{"title":"تواتر أحاديث المهدي","level":3,"page":248},{"title":"العلماء الذين صنفوا كتبا في المهدي","level":3,"page":251},{"title":"المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم","level":3,"page":254},{"title":"حديث \"لا مهدي إلا عيسى بن مريم\" والجواب عنه","level":3,"page":260},{"title":"الفصل الثاني المسيح الدجال","level":2,"page":263},{"title":"معنى المسيح","level":3,"page":263},{"title":"معنى الدجال","level":3,"page":264},{"title":"صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك","level":3,"page":265},{"title":"هل الدجال حي؟ وهل كان موجودا في زمن النبي - ﷺ -؟","level":3,"page":271},{"title":"أحواله","level":3,"page":273},{"title":"امتحان النبي - ﷺ - له","level":3,"page":274},{"title":"وفاته","level":3,"page":277},{"title":"هل ابن صياد هو الدجال الأكبر؟","level":3,"page":277},{"title":"أقوال العلماء في ابن صياد","level":3,"page":286},{"title":"ابن صياد حقيقة لا خرافة","level":3,"page":292},{"title":"مكان خروج الدجال","level":3,"page":296},{"title":"الدجال لا يدخل مكة والمدينة","level":3,"page":297},{"title":"أتباع الدجال","level":3,"page":299},{"title":"فتنة الدجال","level":3,"page":301},{"title":"الرد على منكري ظهور الدجال","level":3,"page":303},{"title":"خوارق الدجال أمور حقيقة","level":3,"page":306},{"title":"والرد على هؤلاء يتلخص في الآتي","level":3,"page":308},{"title":"الوقاية من فتنة الدجال","level":3,"page":313},{"title":"ذكر الدجال في القرآن","level":3,"page":318},{"title":"هلاك الدجال","level":3,"page":321},{"title":"الفصل الثالث: نزول عيسى -﵇-","level":2,"page":324},{"title":"صفة عيسى -﵇-.","level":3,"page":324},{"title":"صفة نزوله -﵇-","level":3,"page":327},{"title":"أدلة نزوله -﵇-","level":3,"page":329},{"title":"أ - أدلة نزوله من القرآن الكريم","level":4,"page":329},{"title":"ب - أدلة نزوله من السنة المطهرة","level":4,"page":334},{"title":"الأحاديث في نزول عيسى -﵇- متواترة","level":3,"page":335},{"title":"الحكمة في نزول عيسى -﵇- دون غيره","level":3,"page":342},{"title":"بماذا يحكم عيسى -﵇-؟","level":3,"page":345},{"title":"انتشار الأمن وظهور البركات في عهده -﵇-","level":3,"page":348},{"title":"مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته","level":3,"page":350},{"title":"الفصل الرابع: يأجوج ومأجوج","level":2,"page":352},{"title":"أصلهم","level":3,"page":352},{"title":"صفتهم","level":3,"page":355},{"title":"أدلة خروج يأجوج ومأجوج","level":3,"page":356},{"title":"أ - الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":357},{"title":"ب - الأدلة من السنة المطهرة","level":4,"page":358},{"title":"سد يأجوج ومأجوج","level":3,"page":362},{"title":"الفصل الخامس: الخسوفات الثلاثة","level":2,"page":367},{"title":"معنى الخسف","level":3,"page":367},{"title":"الأدلة من السنة المطهرة على ظهور الخسوفات","level":3,"page":367},{"title":"هل وقعت هذه الخسوفات؟","level":3,"page":368},{"title":"الفصل السادس: الدخان","level":2,"page":369},{"title":"أ- الأدلة من القرآن الكريم","level":3,"page":369},{"title":"ب - الأدلة من السنة المطهرة","level":3,"page":374},{"title":"الفصل السابع: طلوع الشمس من مغربها","level":2,"page":376},{"title":"الأدلة على وقوع ذلك","level":3,"page":376},{"title":"أ- الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":376},{"title":"ب - الأدلة من السنة المطهرة","level":4,"page":377},{"title":"مناقشة رشيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشمس","level":3,"page":379},{"title":"عدم قبول الإيمان والتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها","level":3,"page":382},{"title":"الفصل الثامن: الدابة","level":2,"page":388},{"title":"أدلة ظهورها","level":3,"page":388},{"title":"أ- الأدلة من القرآن الكريم","level":4,"page":388},{"title":"ب - الأدلة من السنة المطهرة","level":4,"page":389},{"title":"من أي الدواب دابة الأرض","level":3,"page":392},{"title":"مكان خروج الدابة","level":3,"page":398},{"title":"عمل الدابة","level":3,"page":400},{"title":"الفصل التاسع: النار التي تحشر الناس","level":2,"page":402},{"title":"مكان خروجها","level":3,"page":402},{"title":"كيفية حشرها للناس","level":3,"page":405},{"title":"أرض المحشر","level":3,"page":407},{"title":"هذا الحشر في الدنيا","level":3,"page":411},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":416},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":418}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,71":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,237":228,"1,239":229,"1,240":230,"1,241":231,"1,242":232,"1,243":233,"1,244":234,"1,245":235,"1,246":236,"1,247":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,275":263,"1,276":264,"1,277":265,"1,278":266,"1,279":267,"1,280":268,"1,281":269,"1,282":270,"1,283":271,"1,284":272,"1,285":273,"1,286":274,"1,287":275,"1,288":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,294":282,"1,295":283,"1,296":284,"1,297":285,"1,298":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,306":294,"1,307":295,"1,308":296,"1,309":297,"1,310":298,"1,311":299,"1,312":300,"1,313":301,"1,314":302,"1,315":303,"1,316":304,"1,317":305,"1,318":306,"1,319":307,"1,320":308,"1,321":309,"1,322":310,"1,323":311,"1,324":312,"1,325":313,"1,326":314,"1,327":315,"1,328":316,"1,329":317,"1,330":318,"1,331":319,"1,332":320,"1,333":321,"1,334":322,"1,335":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,342":329,"1,343":330,"1,344":331,"1,345":332,"1,346":333,"1,347":334,"1,348":335,"1,349":336,"1,350":337,"1,351":338,"1,352":339,"1,353":340,"1,354":341,"1,355":342,"1,356":343,"1,357":344,"1,358":345,"1,359":346,"1,360":347,"1,361":348,"1,362":349,"1,363":350,"1,364":351,"1,365":352,"1,366":353,"1,367":354,"1,368":355,"1,369":356,"1,370":357,"1,371":358,"1,372":359,"1,373":360,"1,374":361,"1,375":362,"1,376":363,"1,377":364,"1,378":365,"1,379":366,"1,381":367,"1,382":368,"1,383":369,"1,384":370,"1,385":371,"1,386":372,"1,387":373,"1,388":374,"1,389":375,"1,391":376,"1,392":377,"1,393":378,"1,394":379,"1,395":380,"1,396":381,"1,397":382,"1,398":383,"1,399":384,"1,400":385,"1,401":386,"1,402":387,"1,403":388,"1,404":389,"1,405":390,"1,406":391,"1,407":392,"1,408":393,"1,409":394,"1,410":395,"1,411":396,"1,412":397,"1,413":398,"1,414":399,"1,415":400,"1,416":401,"1,417":402,"1,418":403,"1,419":404,"1,420":405,"1,421":406,"1,422":407,"1,423":408,"1,424":409,"1,425":410,"1,426":411,"1,427":412,"1,428":413,"1,429":414,"1,430":415,"1,431":416,"1,432":417,"1,461":418,"1,462":419,"1,463":420,"1,464":421,"1,465":422,"1,466":423,"1,467":424,"1,468":425,"1,469":426,"1,470":427,"1,471":428,"1,472":429,"1,473":430,"1,474":431,"1,475":432},"ٜ":{"1":[1,475]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,37","1,38","1,39","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,68","1,69","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,237","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475"],"ٞ":{"6":[1],"9":[2],"12":[3],"24":[4],"25":[5],"31":[6,7,8],"32":[9],"34":[10],"37":[11],"43":[12],"49":[13],"52":[14],"61":[15],"64":[16],"65":[17,18,19,20],"69":[21,22,23],"71":[24],"72":[25],"74":[26],"77":[27],"78":[28],"79":[29],"82":[30],"84":[31],"88":[32],"90":[33],"94":[34],"97":[35],"100":[36],"101":[37],"103":[38],"105":[39],"108":[40],"109":[41],"110":[42],"118":[43],"120":[44],"123":[45],"128":[46],"130":[47],"132":[48],"133":[49],"136":[50],"138":[51],"140":[52],"142":[53],"144":[54],"147":[55],"151":[56],"152":[57],"156":[58],"158":[59],"161":[60],"162":[61],"164":[62],"165":[63],"169":[64],"170":[65],"174":[66],"175":[67],"176":[68],"180":[69],"182":[70],"183":[71],"185":[72],"186":[73],"188":[74],"189":[75],"190":[76],"192":[77],"193":[78],"195":[79],"196":[80],"198":[81],"199":[82],"201":[83],"206":[84],"210":[85],"213":[86],"217":[87],"221":[88],"223":[89],"228":[90],"229":[91,92],"235":[93],"238":[94,95],"239":[96],"241":[97],"246":[98],"248":[99],"251":[100],"254":[101],"260":[102],"263":[103,104],"264":[105],"265":[106],"271":[107],"273":[108],"274":[109],"277":[110,111],"286":[112],"292":[113],"296":[114],"297":[115],"299":[116],"301":[117],"303":[118],"306":[119],"308":[120],"313":[121],"318":[122],"321":[123],"324":[124,125],"327":[126],"329":[127,128],"334":[129],"335":[130],"342":[131],"345":[132],"348":[133],"350":[134],"352":[135,136],"355":[137],"356":[138],"357":[139],"358":[140],"362":[141],"367":[142,143,144],"368":[145],"369":[146,147],"374":[148],"376":[149,150,151],"377":[152],"379":[153],"382":[154],"388":[155,156,157],"389":[158],"392":[159],"398":[160],"400":[161],"402":[162,163],"405":[164],"407":[165],"411":[166],"416":[167],"418":[168]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسائِل جَامعيَّة (١)\n\nأشرَاطُ السَّاعَةِ\n\nتَأليف\nيُوسف بن عَبْد اللّه بن يُوسف الوَابل\n\nدار ابن الجوزي","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَحْمَنِ الرَحيمِ\nقال الله تعالى:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].\n\nوقالَ تَعالى:\n﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨].","vol":"1","page":2},{"text":"أَشرَاطُ السَّاعَةِ","vol":"1","page":3},{"text":"جَميع الحقُوق مَحفوظَة\n\nالطبعة الأولى: ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م\nالطبعة الثانية: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م\nالطبعة الثالثة: ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م","vol":"1","page":4},{"text":"هذا الكتاب\n\nرسالة علمية تقدَّم بها المؤلف لنيل درجة التخصُّص الأولى (الماجستير) من جامعة أم القرى، كلية الشريعة، فرع العقيدة.\nوقد مُنح المؤلف عليها درجة (الماجستير) بتقدير ممتاز، وذلك في شهر محرَّم سنة (١٤٠٤ هـ).","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد الله؛ نحمده، ونستعينُه، ونستغفره، ونعوذ بالله مِن شُرور أنفسنا، ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يهدِه الله؛ فلا مضلَّ له، ومَن يُضْلِل؛ فلا هاديَ له.\nوأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^١)\n_________\n(^١) هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﷺ - يعلمها أصحابه. =","vol":"1","page":7},{"text":"[الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nأمّا بعد:\nفإن الله تعالى أرسل محمَّدًا - ﷺ - بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي السّاعة، فلم يترك خيرًا؛ إِلَّا دلَّ أمَّتَه عليه، ولا شرًّا؛ إِلَّا حذَّرها منه.\nولمَّا كانت هذه الأمة هي آخر الأمم، ومحمَّدٌ - ﷺ - هو خاتَم الأنبياء؛ خَصَّ الله تعالى أمَّته بظهور أشراط السّاعة فيها، وبيَّنَها لهم على لسان نبيِّه - ﷺ - أكمل بيان وأتمَّه، وأخبر أن علامات السّاعة ستخرج فيهم لا محالة، فليس بعد محمَّدٍ - ﷺ - نبيٌّ آخر يبيِّنُ للناس هذه العلّامات، وما سيكون في آخر الزّمان من أُمور عظامٍ مؤذِنَةٍ بخراب هذا العالم، وبداية حياة جديدة؛ يُجازى فيها كلٌّ بحسب ما قدَّمت يداه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ.\n_________\n= انظر: \"خطبة الحاجة\" للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع المكتب الإسلامي.\nوهي في \"سنن ابن ماجه\"، كتاب النِّكاح، باب خطبة النِّكاح، من رواية عبدالله بن مسعود ﵁، (١/ ٦٠٩ - ٦١٠)، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي،، ط. دار إحياء التراث العربي، عام (١٣٩٥ هـ).\nورواه الإمام أحمد (٥/ ٢٧٢) (ح ٣٧٢١)، تحقيق أحمد شاكر وقال: \"إسناده من طريق أبي عبيدة ضعيف لانقطاعه، ومن طريق أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة صحيح لاتصاله\". \"المسند\"، طبع دار المعارف بمصر، (١٣٦٧ هـ).\nوقال الألباني على الطريق الثّاني: \"صحيح على شرط مسلم\". \"خطبة الحاجة\" (ص ١٤).\nوقد ورد ذكر طرف من هذه الخطبة في \"صحيح مسلم\"، كتاب الجمعة، باب خطبته - ﷺ - في الجمعة، (٦/ ١٥٧ - مع شرح النووي)، طبعة دار الفكر، ط. ثالثة، (١٣٨٩ هـ).","vol":"1","page":8},{"text":"وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].\nولمَّا كان من العقائد الّتي يجب الإِيمان بها: الإِيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، ولما كان نظر الإِنسان قد لا يعدو هذه الحياة وما فيها من مَتاعٍ، فينسى اليوم الآخر، ولا يعمل له؛ جَعَلَ اللهُ بين يدي السّاعة أماراتٍ تدلُّ على تحقُّقها، وأنّها ستقع حتمًا، حتّى لا يخامر النَّاس أدنى شك فيها، ولا يفتنهم شيءٌ عنها.\nفمن المعلوم أن الصادق المصدوق - ﷺ - إذا ذكر من أشراطها شيئًا، ورأى النَّاس وقوعَ ذلك الشيء؛ علموا يقينًا أن السّاعة آتيةٌ لا ريب فيها، فيعملوا لها، ويستعدُّوا لذلك اليوم، ويتزوَّدوا بالصَّالحات قبل فوات الأوان وانقضاء الأجل المحدود: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٨].\nوكان النّبيّ - ﷺ - يقول في خطبته: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\".\nوكان إذا ذَكَر السّاعة؛ احمرَّتْ وجنتاهُ، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبه؛ كأنّه نذير جيش يقول: صبَّحكم مسَّاكم (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الجمعة، باب خطبته - ﷺ - في الجمعة، (٦/ ١٥٣ - مع شرح النووي)، و\"سنن النسائي\" - واللفظ له-، كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، (٣/ ١٨٨ - ١٨٩ - مع شرح السيوطيّ وحاشية السندي)، تصحيح حسن المسعودي، طبع دار إحاء التراث العربي، الشركة العامة، بيروت، و\"سنن ابن ماجه\"، المقدِّمة، باب اجتناب البدع والجدل، (١/ ١٧)، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي.","vol":"1","page":9},{"text":"وفد أشفق الصّحابة ﵃ من قيام السّاعة عليهم، وظهر ذلك جليًّا عندما وصف لهم النّبيّ - ﷺ - الدَّجًالَ، كما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁، قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدَّجَّال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتّى ظنَّناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه؛ عرف ذلك فينا، فقال: \"ما شأنُكُم؟ \". قلنا: يا رسول الله! ذكرتَ الدَّجَّالَ غداة، فخفضتَ فيه ورفعتَ حتّى ظننَّاه في طائفة النخل. فقال: \"غيرَ الدَّجال أخوفني عليكُم، إن يخرجْ وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونَكم، وإن يخرجْ ولستُ فيكم؛ فامرؤ حَجيجُ نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم\" (^١).\nوقد ظهر كثيرٌ من أشراط السّاعة، وتحقَّق ما أخبر به المصطفى - ﷺ -، فكل يوم يزداد فيه المؤمنون إيمانًا به، وتصديقًا له، إذ يظهر مِن دلائل نبوَّته وآيات صدقِه ما يوجب على المسلمين التمسُّك بهذا الدين الحنيف.\nوكيف لا يزدادون إيمانًا وهم يرونَ هذه المغيَّبات الّتي أخبر بها رسول الله - ﷺ - تقع كما أخبر؟! فإن كلّ واحدة من هذه الأشراط الّتي تحدث لَمعجزة بيَّنةٌ لنبي هذه الأمة - ﷺ -. فالويل ثمّ الويل لأولئك الجاحدين لرسالته، الصادِّين عنها، أو المتشكَّكين فيها.\n\nوتأتي<span data-type=\"title\" id=toc-2> أهمِّيَّةُ هذا البحث </span>في هذا الوقت الّذي أخذ فيه بعض الكتاب المُعاصِرينَ يشكِّك في ظهور ما أخبر ب - ﷺ - من المغيَّبات الّتي يجب الإِيمان بها، ومنها أشراط السّاعة، فمنهم مَنْ أنكر بعضها، ومنهم من أوَّلها بتأويلات باطلة!\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٣ - ٦٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":10},{"text":"لهذا وذاك أحببتُ أن أجمع بحثًا مشتملًا على أشراط السّاعة الصغرى والكبرى، بأدلَّتها الثابتة من القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، ولم يكن البحث في هذا الموضوع سهلًا؛ فإنّه يحتاج إلى بحث عن صحة الأحاديث، والجمع بين الروايات المختلفة.\nوقد ألَّف بعض العلماء مؤلَّفات في أشراط السّاعة، ولكنَّهم لم يلتزموا فيها الاقتصار على ما ثبتَ من الأحاديث، بل تجدهم يسردون كثيرًا من الروايات؛ دون تعرًّض لدرجة الحديث من حيث الصِّحَّة والضعف؛ إِلَّا في النادر، وهذا يجعل المطالع لها يختلط عليه الأمر، فلا يميِّز بين الصّحيح من غيره، وكذلك لم يتعرَّضوا لشرح ما جاء في هذه الأحاديث ممّا يحتاج إلى بيان، ولكنهم - ﵏ - جمعوا لنا كثيرًا من الأحاديث، ووفَّروا علينا كثيرًا من الجهد.\nومن هذه الكتب:\n١ - \"الفتن\": للحافظ نُعيم بن حمَّادَ الخُزاعي، المتوفى سنة (٢٢٨ هـ) ﵀.\n٢ - \"النهاية\" أو \"الفتن والملاحم\": للحافظ ابن كثير، المتوفَّى سنة (٧٧٤ هـ) ﵀.\n٣ - \"الإِشاعة لأشراط السّاعة\": للشريف محمّد بن رسول الحسيني البرزنجي، المتوفى سنة (١١٠٣هـ) ﵀.\n٤ - \"الإِذاعة لما كان وما يكون بين يدي السّاعة\": للشيخ محمّد صديق حسن القنوجي، المتوفى سنة (١٣٠٧ هـ) ﵀.","vol":"1","page":11},{"text":"٥ - \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السّاعة\": للشيخ حمود بن عبدالله التويجري النَّجدي، ولا يزال الشّيخ موجودًا حفظه الله.\n... إلى غير ذلك من المؤلِّفات الّتي تناولت الحديث عن أشراط السّاعة\nوقد استفدتُ ممَّن سبقني، ورأيت أن أسلك في هذا البحث مسلكًا ألزمتُ به نفسي، وهو أنني لا أذكر فيه شرطًا، إِلَّا ما نصَّ عليه النّبيّ - ﷺ - أنّه من أشراط السّاعة- صريحًا أو دِلالةً-، والتزمتُ كذلك أن لا أذكر فيه إِلَّا ما كان صحيحًا أو حسنًا من الأحاديث، مسترشدًا في ذلك بأقوال علماء الحديث في تصحيح الحديث أو تضعيفه.\nوإيثارًا للاختصار؛ فإنني لم أذكر جميع الأحاديث الصحيحة في كلّ شرط، بل اكتفيتُ ببعض الأحاديث الّتي تثبِتُ أن هذه العلّامة من أشراط السّاعة.\nوذكرتُ أيضًا ما يحتاجُ إليه كلّ شرطٍ، مِن بيان لمعنى لفظ غريب، أو بيان للأماكن الّتي ورد ذكرها في الأحاديث، وكذلك أعقبتُ كلّ علاْمة بشرح موجز مقتبس من كلام العلماء، أو ممَّا جاء من الأحاديث الّتي لها علاقة بالعلّامة المشروحة، وتعرَّضتُ للرَّدِّ على بعض من أنكر شيئًا من أشراط السّاعة، أو تأوَّلها بغير ما تدلُّ عليه أحاديثُها، وبيَّنتُ أن أشراط السّاعة من الأمور الغيبيَّةِ الّتي يجب الإِيمان بها كما جاءت، ولا يجوزُ ردُّها أو جعلها رموزًا للخير أو للشر أو ظهور الخرافات.\nولما كان كثيرٌ مِن أشراط السّاعة ورد في أخبار آحاد، عقدتُ في أول","vol":"1","page":12},{"text":"البحث فصلًا في بيان حجِّيَّةِ خبر الآحاد، وذلك للرَّدِّ على مَنْ أنكر حجِّيَّةَ الآحاد، وزعم أنّها لا تقوم عليها عقيدة.\nوكذلك؛ فإن هذا البحثَ دعوةٌ للإِيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وتصديقٌ لما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاوحيٌ يُوحى، صلّى الله عليه واله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nوهو أيضًا دعوةٌ للتأهُّب لما بعد الموت؛ فإن السّاعة قد قَرُبَت، وظهر كثيرٌ من أشراطها، وإذا ظهرتِ الأشراط الكبرى، تتابعت كتتابعِ الخَرَزِ في النِّظام إذا انفرط عقده، وإذا طلعتِ الشّمسُ من مغربها؛ قُفِل باب التوبة، وخُتِمَ على الأعمال، فلا ينفع بعدذلك إيمانٌ ولا توبةٌ؛ إِلَّا مَنْ كان قبل ذلك مؤمنًا أو تائبًا: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨].\n﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٥ - ٤١].\nنسأل الله العظيم، ربَّ العرش العظيم، أن يجعلنا من الآمنين يوم الفزع الأكبر، وممَّن يُظلِّهُمُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلاظلُّه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-3> خطة البحث:</span>\nيشتمل هذا البحث على مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة:\n- أمّا المقدِّمة؛ فتشتمل على أهمية هذا الموضوع، وخطته.","vol":"1","page":13},{"text":"وأمّا التمهيد، فيشتمل على عدة مباحث:\nالمبحث الأوّل: تحدثتُ فيه عن أهمية الإِيمان باليوم الآخر، وأثر ذلك على سلوك الفرد والمجتمع.\nالمبحث الثّاني: ذكرتُ فيه أن من مظاهر الاهتمام باليوم الآخر - إلى جانب ذكر أشراطه - كثرة ذكره في القرآن بأسماء مننوعة، وذكرتُ طرفًا من هذه الأسماء، مع ذكر الأدلَّة من القرآن الكريم على ذلك.\nالمبحث الثّالث: تحدثتُ فيه عن حجِّيَّة خبر الواحد في أمور العقيدة وغيرها، وبيَّنْتُ فيه أن الحديث إذا صحَّ، وجب اعتقاد ما جاء فيه.\nوتأتي أهمية هذا المبحث أنّه ردٌّ على الذين لا يأخذون بخبر الواحد في أمور العقيدة، وبيَّنتُ أن قولهم كذا يستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة، وأنّه قولٌ مُبْتَدَعٌ في الدين، ليس عليه دليلٌ ولا برهانٌ.\nالمبحث الرّابع: بينتُ فيه أن النّبيّ - ﷺ - أخبر أمته عما كان وما يكون إلى قيام السّاعة، ومن ذلك أشراط السّاعة الّتي نالت من ذلك النصيب الأوفر، ولذلك جاءت أحاديث أشراط السّاعة كثيرة جدًّا، ورُوِيَت بألفاظ مختلفة.\nالمبحث الخامس: تحدَّثتُ فيه عن علم قيام السّاعة، وبيَّنْتُ فيه أن علمها ممَّا استأثر الله تعالى به، وذكرتُ الأدلَّة في ذلك، ثمّ رددتُ على مَنْ قال بأن النّبيّ - ﷺ - يعلم وقتها، وكذلك على مَنْ قال بتحديد عمر الدنيا، وبيَّنْتُ أنَّ هذا القول مصادمٌ للقرآن والسُّنَّة، وذكرتُ طائفة من أقوال العلماء في الرَّدَّ على مثل هذه الأقوال.","vol":"1","page":14},{"text":"المبحث السّادس: تحدَّثتُ فيه عن قرب السّاعة، وأنّه لم يبقَ مِن الدنيا إِلَّا القليل بالنسبة إلى ما مضى من عمرها.\n- وأمّا الباب الأوّل، فيشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأوّل: تحدثتُ فيه عن تعريف معنى الشرط في اللُّغة والاصطلاح، وكذلك معنى السّاعة في اللُّغة والاصطلاح الشرعي، وبينتُ فيه أن السّاعة جاءت على ثلاث معان:\n١ - السّاعة الصغرى.\n٢ - السّاعة الوسطى.\n٣ - السّاعة الكبرى.\nالفصل الثّاني: تحدَّثتُ فيه عن أقسام أشراط السّاعة، وأنّها تنقسم إلى قسمين:\n١ - أشراط صغرى.\n٢ - وأشراط كبرى.\nوعرَّفتُ كلّ قسمٍ، وذكرتُ أن بعض العلماء قسَّمها من حيث ظهورُها إلى ثلاثة أقسام:\n١ - قسم ظهر وانتهى.\n٢ - قسم ظهر ولا زال يكثر ويتتابع.\n٣ - قسم لم يظهر إلى الآن.\nالفصل الثّالث: تحدَّثتُ فيه عن أشراط السّاعة الصغرى، وهي:\n١ - بعثة النّبيّ - ﷺ -.","vol":"1","page":15},{"text":"٢ - موته - ﷺ -\n٣ - فتح بيت المقدس.\n٤ - طاعون عمواس.\n٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصَّدقة.\n٦ - ظهور الفتن.\n٧ - ظهور مدَّعي النبوَّة.\n٨ - انتشار الأمن.\n٩ - ظهور نار الحجاز.\n١٠ - قتال الترك.\n١١ - قتال العجم.\n١٢ - ضياع الأمانة.\n١٣ - قبض العلم وظهور الجهل.\n١٤ - كثرة الشرط وأعوان الظلمة.\n١٥ - انتشار الزِّنا.\n١٦ - انتشار الرِّبَا.\n١٧ - ظهور المعازف واستحلالها.\n١٨ - كثرة شرب الخّمْرِ واستحلالها.\n١٩ - زخرفة المساجد والتباهي بها.\n٢٠ - التطاول في البنيان.\n٢١ - ولادة الأُمَّة لربتها.\n٢٢ - كثرة القتل.","vol":"1","page":16},{"text":"٢٣ - تقارب الزّمان.\n٢٤ - تقارب الأسواق.\n٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة.\n٢٦ - ظهور الفُحش وقطيعة الرّحم وسوء الجوار.\n٢٧ - تشَبُّب المشيخة.\n٢٨ - كثرة الشُّح.\n٢٩ - كثرة التجارة.\n٣٠ - كثرة الزلازل.\n٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف.\n٣٢ - ذهاب الصالحين.\n٣٣ - ارتفاع الأسافل.\n٣٤ - أن تكون التحيَّة للمعرفة.\n٣٥ - التماس العلم عند الأصاغر.\n٣٦ - ظهور الكاسيات العاريات.\n٣٧ - صدق رؤيا المؤمّن.\n٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها.\n٣٩ - التهاون بالسنن الّتي رغَّب فيها الإسلام.\n٤٠ - انتفاخ الأهلَّة.\n٤١ - كثرة الكذب وعدم التثبُّت في نقل الأخبار.\n٤٢ - كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق.\n٤٣ - كثرة النِّساء وقلة الرجال.","vol":"1","page":17},{"text":"٤٤ - كثرة موت الفجأة.\n٤٥ - وقوع التناكر بين النَّاس.\n٤٦ - عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا.\n٤٧ - كثرة المطر وقلة النبات.\n٤٨ - حَسْر الفرات عن جبل من ذهب.\n٤٩ - كلام السِّباع والجمادات للإِنس.\n٥٥ - تمنِّي الموت من شدة البلاء.\n٥١ - كثرة الروم وقتالهم للمسلمين.\n٥٢ - فتح القسطنطينية.\n٥٣ - خروج القحطاني.\n٥٤ - قتال اليهود.\n٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثمّ خرابها.\n٥٦ - ظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين.\n٥٧ - استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة.\n- أمّا الباب الثّاني؛ فالحديث فيه عن أشراط السّاعة الكبرى، ويشتمل على تمهيد وتسعة فصول:\nوالتمهيد: يشتمل على مبحثين:\nالأوّل: ترتيب أشراط السّاعة الكبرى.\nوالثّاني: تتابع أشراط السّاعة الكبرى.\nوأمّا الفصول؛ فهي:","vol":"1","page":18},{"text":"الفصل الأوّل: تحدثت فيه عن ظهور المهدي.\nويشتمل الكلام فيه على اسمه، وصفته، ومكان خروجه، ثمّ ذكرتُ الأدلَّة من السنة على ظهوره، سواء ما كان فيه النصُّ عليه أو ذكر صفته، وذكرتُ أيضًا ما ورد في الصحيحين من الأحاديث الّتي تشتمل على صفة المهدي، وإن لم يردّ ذكر اسمه.\nثمّ ذكرتُ كلام العلماء على تواتر أحاديث المهدي، وأعقبتُ ذلك بذكر الكتب الّتي صُنِّفتْ فيه، مع ذكر مؤلِّفيها من العلماء.\nثمّ تعرضتُ لذكر مَنْ أنكر ظهور المهدي، والرد عليه.\nثمّ تكلمتُ على حديث: \"لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم\"، وبيَّنتُ أنّه لا يصلح حجة لمن أنكر ظهور المهدي.\nوأمّا الفصل الثّاني؛ فتحدَّثتُ فيه عن المسيح الدجَّال.\nوكان الكلام فيه على معنى لفظي المسيح والدجَّال.\nثمّ ذكرتُ صفة الدجَّإل، والأحاديث الواردة في ذلك.\nثمّ الكلام على حياة الدجَّال؛ هل هو حىٌّ أم لا؟\nواستلزم ذلك الحديث عن ابن صيَّاد، فذكرتُ نبذة عن حياته، واسمه، وأحواله، وامتحان النّبيّ - ﷺ -، والاشتباه في أمره، ثمّ وفاته، ثمّ تكلمتُ عن اختلاف العلماء فيه؛ هل هو الدجَّال الأكبر أم لا؟ فذكرتُ كلام الصّحابة أوَّلًا، وما ورد من الأحاديث في ذلك، ثمّ ذكرتُ أقوال العلماء في ابن صيَّاد، ورددتُ على مَنْ قال: إن ابن صيَّاد خرافة جازت","vol":"1","page":19},{"text":"على بعض العقول! وبيَّنْتُ أنّه حقيقة بالأدلَّة الصحيحة من السنة.\nثمّ تحدَّثتُ عن مكان خروج الدجَّال، وأن الدَّجَّال يدخل جميع البلدان ما عدا مكّة والمدينة.\nثمّ ذكرتُ أتباع الدَّجَّال، وفتنته.\nثمّ رددتُ على مَنْ أنكر ظهور الدجَّال، وبيَّنتُ أن ما يُعطاه من الخوارق أمور حقيقية.\nوتحدثتُ كذلك عن كيفية الوقاية من فتنة الدجَّال، وما يجب على المسلم أن يتسلَّح به حتّى ينجو من هذه الفتنة العظيمة.\nثمّ الكلام على الحكمة في عدم ذكر الدجَّال في القرآن صراحةً.\nثمّ ختمتُ الحديث عن الدجَّال بذكر كيفية هلاكه والقضاء على فتنته.\nوأمّا الفصل الثّالث، فكان الحديث فيه عن نزول عيسى -﵇- آخر الزّمان؛ إمامًا مقسطًا، وحكمًا عادلًا.\nوقبل الكلام على نزوله تحدَّثتُ عن صفته الّتي جاءت بها الروايات الصحيحة، مع ذكر هذه الروايات.\nثمّ تحدَّثتُ عن صفة نزوله -﵇-، وموضع نزوله.\nثمّ ذكرتُ أقوالَ العلّماءِ الَّذينَ نَصُّوا على تواتُرِ الأحاديثِ الواردةِ في نُزولِ عيسى ﵇، وأنَّ نزولَه آخر الزَّمان ذَكَرَهُ طائفةٌ مِن العلماء في عقيدة أهل السنَّة والجماعة.","vol":"1","page":20},{"text":"ثمّ ذكرتُ أدلةَ نزوله من الكتاب والسُّنَّة؛ علامةً على قرب السّاعة، فبدأت بأدلَّة نزوله من القرآن الكريم، مع ذكر كلام المفسِّرين في ذلك، ثمّ ذكرتُ الأحاديث الدَّالة على نزوله، وأنّها متواترة لا يجوز ردُّها، بل يجب الإِيمان بها.\nثمّ ذكرتُ الحكمة في نزوله -﵇- دون غيره من الأنبياء ﵈، وبينتُ أنّه ينزل حاكمًا بشريعة الإسلام لا ناسخًا لها، مع ذكر الأدلَّة على ذلك.\nوتحدَّثتُ كذلك عن عهد عيسى -﵇-، وأنّه عصرُ أمن وسلام، تنزل السَّماء فيه بركاتها، وتُخْرِج الأرض خيراتها.\nثمّ ختمتُ الكلام فيه ببيان مدة. بقائه بعد نزوله، ثمّ وفاته ﵇. وأمّا الفصل الرّابع؛ فهو عن ظُهور يأجوج ومأجوج، وقد بدأتُ بالحديث عن اشتقاق لفظتي (يأْأجوج) و(مأجوج)، ثمّ تكلَّمتُ عن أصلهم، وبيَّنتُ أنّهم مِن ذُرَّيَّةِ آدم ﵇، ثمّ ذكرتُ صفتَهم، وكيفية خروجهم، مع ذكر الأدلَّة من الكتاب والسنَة على ثبوت ظهورِهم في آخر الزّمان، ثمّ تحدَّثْتُ عن سدِّ يأجوج ومأجوج، وأن هذا السدَّ غير معروف مكانه، وبيَّنتُ أن الأدلَّةَ تدلُّ على أنَّه لم يندكَّ إلى الأن، ورددتُ على مَنْ قال؛ إنّه قد اندكَّ، وإن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وإنهم التَّتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري.\nوأمّا الفصل الخامس؛ فكان عن الخسوفات الثّلاثة، وهي خسفٌ","vol":"1","page":21},{"text":"بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب.\nتحدَّثت أوَّلًا عن معنى الخسف، ثمّ بيَّنتُ أن هذه الخسوفات الثّلاثة من أشراط السّاعة الكبرى، وأنّها لم تقع إلى الآن، وأمّا ما وقع من بعض الخسوفات، فإنّما هي خسوفات جزئية، ذكرتها في أشراط السّاعة الصغرى.\nوأمّا الفصل السّادس؛ فكان الحديث فيه عن الدُّخان.\nذكرتُ أوَّلًا الأدلَّة من القرآن الكريم على ثبوت ظهوره، وذكرتُ كذلك أقوال العلماء في هذا الدُّخان: هل وقع أم لا؟ مع بيان الراجح، ثمّ ذكرتُ الأدلَّة من السنة المطهرة.\nوأمّا الفصل السابع؛ فتحدثت فيه عن طلوع الشّمس من مغربها.\nذكرتُ أوَّلًا الأدلة من القرآن الكريم، مع ذكر بعض أقوال المفسرين، ثمّ الأدلَّة من السنة، ثمّ مناقشة الشّيخ محمّد رشيد رضا في ردَّه لحديث أبي ذرًّ ﵁ في سجود الشّمس.\nثمّ بيَّنتُ أنّه بعد طلوع الشّمس من مغربها لا يقبل الإِيمان، ولا التوبة، بل يختم على الأعمال، ورددتُ على مَنْ قال بخلاف ذلك بالأدلَّة الصحيحة.\nوأمّا الفصل الثّامن؛ فتكلَّمتُ فيه عن خروج دابَّة الأرض.\nوذكرتُ أوَّلًا الأدلة من القرآن الكريم، ثمّ الأدلَّة من السنة الشريفة.\nثمّ تحدَّثتُ عن مكان خروج هذه الدَّابَّة.","vol":"1","page":22},{"text":"ثمّ ذكرتُ الأقوال في نوع هذه الدابَّة، مع ذكر الراجح.\nثمّ ذكرتُ عمل هذه الدَّابَّة إذا ظهرت.\nوأمّا الفصل التّاسع؛ فهو عن ظهور النّار الّتي تَحْشُرُ النَّاس.\nتحدثت عن مكان خروجها، والأدلَّة على ذلك، ثمّ كيفيَّة حشرها للناس، مع ذكر الأدلَّة أيضًا.\nثمّ تكلَّمت عن الأرض الّتي يحشر النَّاس إليها، ثمّ ذكرتُ فضل أرض الشّام، والأحاديث الدالة على الترغيب في سكناه، والرد على من أنكر أن تكون أرض الشّام هي أرض المحشر.\nثمّ بيَّنتُ أن هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، وذكرتُ خلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح من الأقوال.\n- الخاتمة: ذكرتُ فيها أهم النتائج الّتي توصلتُ إليها.\nوبعد:\nفإني أحمد الله وأشكره أوَّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على تيسِيره وتسهيله، وأسأله المزيد من عونه وتوفيقه.\nولا أدَّعي أنني استكملتُ جميع جوانب البحث؛ فإن الكمال لله -﷿-، والنقص من طبيعة البشر، ولكنني بذلتُ وسعي، فما كان فيه من صواب؛ فمن توفيق الله -﷿-، وما كان غير ذلك؛ فاستغفر الله منه، وهو حسبي ونعم الوكيل.\nوسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين،","vol":"1","page":23},{"text":"والحمد لله رب العالمين ..\nوصلّى الله وسلَّم على عبده ورسوله محمّد إمام المتَّقين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.\n* * * * *","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>التمهيد</span>\nويشتمل على المباحث التالية:\n- الأول: أهمية الِإيمان باليوم الآخر وأثر ذلك على سلوك الإنسان.\n- الثاني: أسماء يوم القيامة.\n- الثالث: حجِّية خبر الآحاد في العقائد.\n- الرابع: إخبار النبي - ﷺ - عن الغيوب المستقبلة.\n- الخامس: علم الساعة.\n- السادس: قرب قيام الساعة.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الأوّل: أهميَّة الإِيمان باليوم الآخر وأثره على سلوك الإِنسان</span>\nالإِيمان باليوم الآخر ركنٌ من أركان الإِيمان، وعقيدةٌ من عقائد الإسلام الأساسية، فإن قضية البعث في الدَّار الآخرة هي الّتي يقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.\nوالإِيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإِيمان بالغيب الّذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إِلَّا بالنص عن طريق الوحي.\nولأهمِّية هذا اليوم العظيم؛ نجد أن الله تعالى كثيرًا ما يربط الإِيمان به بالإِيمان باليوم الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (٢)﴾ [الطّلاق: ٢] ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.\nوقلَّ أن تمرَّ على صفحة من القرآن؛ إِلَّا وتجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.\nوالحياة في التصوُّر الإِسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإِنسان القصير المحدود.","vol":"1","page":27},{"text":"إن الحياة في التصوُّر الإِسلامي تمتدُّ طولًا في الزّمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنَّة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتَّسع لكثير من الأجيال الّتي عمَّرت وجه الأرض أحقابًا من السنين (^١):\nقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ رُسُلِهِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].\nإن الإِيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجِّه الحقيقي لسلوكِ الإِنسانِ سبيلَ الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإِنسان سويًّا مستقيمًا كما يصنعه الإِيمان باليوم الآخر.\nولهذا؛ فإن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، وكما قال الصحابي الجليل عُمير بن الحمام (^٢):\n_________\n(^١) انظر: \"اليوم الآخر في ظلال القرآن\" (ص ٣ - ٤)، جمع وإعداد أحمد فائز، مطبعة خالد حسن الطرابيشي، الطبعة الأولى، (١٣٩٥هـ).\n(^٢) عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد الأنصاري ﵁: استشهد يوم بدر، وهو الّذي رمى التّمرات عندما قال النّبيّ - ﷺ -: \"قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض،، وقال: بخ بخ. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما يحملك على قول: بخ بخ؟ \". قال: لا والله يا رسول الله إِلَّا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: \"فإنك من أهلها\". فقال: لئن أنا =","vol":"1","page":28},{"text":"رَكْضًا إلى اللهِ بِغَيْرِ زَادِ ... إِلَّا التُّقَى وَعَمَلِ المَعَادِ\nوالصَّبْرِ في اللهِ عَلى الجِهادِ ... وكُلُّ زَادٍ عُرْضَةُ النَّفادِ\nغَيْرَ التُّقَى والبِرِّ والرَّشَادِ (^١)\nهناك فرقٌ بين سلوك مَنْ هذا حاله، وبين سلوك آخر لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، \"فالمصدِّق بيوم الدين يعمل وهو ناظرٌ لميزان السَّماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا\" (^٢)، له سلوك فريدٌ في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإِيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب؛ ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.\nروى الإمام مسلم عن صهيب ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عجبًا لأمر المؤمّن! إن أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إِلَّا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء؛ شكَرَ؛ فكان خيرًا له، وان أصابتهُ ضرَّاء؛ صَبَرَ؛ فكان خيرًا له\" (^٣).\n_________\n= حييت حتّى آكل تمراتي هذه؛ إنها لحياة طويلة. ثمّ رمى بها وقاتل حتّى قُتِل.\nانظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب الأمارة، باب ثبوت الجنَّة للشهيد، (١٣/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي)، و\"تجريد أسماء الصّحابة\" (١/ ٤٢٢) للإِمام الذهبي، ط. دار المعرفة- بيروت، و\"فقه السيرة\" (ص ٢٤٣ - ٢٤٤)، للشيخ محمّد الغزالي، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، مطبعة حسان، الناشر دار الكتب الحديثة، الطبعة السابعة، (١٩٧٦ م).\n(^١) \"فقه السيرة\" (ص ٢٤٤) للغزالي.\n(^٢) \"اليوم الآخر في ظلال القرآن\" (ص ٢٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة، (١٨/ ١٢٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":29},{"text":"والمسلم لا يقتصر نفعه على البشرية، بل يمتدُّ إلى الحيوان؛ كما في القول المشهور عن عمر بن الخطَّاب ﵁: \"لو عَثَرت بغلةٌ في العراق؛ لظننتُ أن الله سيسألني عنها: لِمَ لَمْ تُسَوِّ لها الطريق يا عمر\" (^١).\nهذا الشعور هو من آثار الإِيمان بالله واليوم الآخر، والإِحساس بثقل التَّبعة، وعظم الأمانة، الّتي تحملها الإِنسان وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كلّ كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسَب بها، ومجازى عليها، إن خيرًا؛ فخير، وان شرًّا؛ فشر:\n﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (٣٠)﴾ [آل عمران:٣٠].\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].\nوأمّا الّذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء؛ فهو يحاول جاهدًا أن يحقِّق مآربه في الحياة الدُّنيا؛ لاهثًا وراء مُتَعها، متكالبًا على جمعها، منَّاعًا للخير أن يصل النَّاس عن طريقه، قد جعل الدُّنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه؛ إِلَّا في حدود ما يحقِّق النفع له في هذه\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم بلفظ: \"لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة؛ لظننت أن الله سائلي عنها يوم القيامة\". \"حلية الأولياء وطبقات الأصفياء\" (١/ ٥٣)، طبع دار الكتاب العربي.","vol":"1","page":30},{"text":"الحياة القصيرة المحدودة، يتحرَّك وحدوده هي حدود الأرض وحدود لهذا العمر، ومن ثَمَّ يتغير حسابه، وتختلف موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة (^١)؛ لأنّه مستبعدٌ للبعث، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٥ - ٦].\nهذا التصوُّر الجاهلي المحدود الضيِّق جعل أهل الجاهلية يسفكون الدماء، وينهبون الأموال، ويقطعون الطريق؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء؛ كما صوَّر الله حالهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام: ٢٩]، وكما قال قائلهم: \"إنّما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع\".\nوتَمُرًّ القرون، ويأتي العجب، فيحدث من الإِنكار أكبر من لهذا، فنرى إنكارًا كليًّا لما وراء المادة المحسوسة؛ كما في الشيوعية الماركسية الملحدة، الّتي لا تؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر، وتصف الحياة بأنّها (مادة) فقط! وليس وراء المادة المحسوسة شيء آخر؛ فإن زعيمهم (ماركس) الملحد يرى أنّه لا إلهٌ! والحياة مادَّة! ولذلك فهم كالحيوانات؛ لا يدركون معنى الحياة وما خُلِقوا له، بل هم ضائعون تائهون، إن تحقَّق لهم اجتماعٌ؛ ففي ظل الخوف من سطوة القانون.\nوتجد هذا الصنف من النَّاس من أشد النَّاس حرصًا على الحياة؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت؛ كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ\n_________\n(^١) انظر: \"اليوم الآخر في ظلال القرآن\" (ص ٢٠).","vol":"1","page":31},{"text":"أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة: ٩٦].\nفالمشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحبُّ طول الحياة، واليهوديُّ قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (^١)، فهذا الجنس وما شاكله هم شرُّ النَّاس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم؛ حرصًا منهم على التمتُّع بلذَّات الحياة الدُّنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخُلُقي، والسلوك البهيمي.\nوهم إذا رأوا الحياة الدُّنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة؛ لم يكن لديهم أي مانع من الإِقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلُّص من هذه الحياة.\nمن أجل هذا اهتمَّ الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإِيمان باليوم الآخر، واثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنّه حقٌ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]، وذكر من أحوال يوم القيامة، وما أعدَّه لعباده المتَّقين من ثواب، وما أعدَّه للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيَّتِه؛ استئصالًا للشَّكِّ مِن النفوس، وحتى يضع النَّاس نُصْبَ أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوالٍ\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٨٤)، تحقيق عبد العزيز غنيم ورميديه، مطبعة الشعب، القاهرة.","vol":"1","page":32},{"text":"تقشعرُّ لها الأبدان؛ ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة؛ باتباع الدين الحقال في جاءهم به رسولهم - ﷺ -، وإليك بعض هذه الأدلَّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أ - النشأة الأولى:</span>\nقالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (٥)﴾ [الحجِّ: ٥].\nفمَن قدر على خلق الإِنسان في أطوار متعددة لا يعجز عن إعادته مرّة أخرى، بل إن الإِعادة أهون من البدء في حكم العقل، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ب - المشاهد الكونية المحسوسة الدالة على إمكان البعث:</span>\nقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحجِّ: ٥ - ٧].\nفإحياء الأرض الميِّتة بالمطر وظهور النبات فيها دليلٌ على قدرة الخالق جلَّ وعلا على إحيأء الموتى وقيام السّاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ج - قدرة الله الباهرة المتجلِّية في خلق الأعظم:</span>\nقالَ تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ","vol":"1","page":33},{"text":"كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨١ - ٨٢].\nفخالق السماوات والأرض على عظمهما قادرٌ على إعادة خلق الإِنسان الصغير؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>د - حكمته تعالى الظاهرة للعيان والمتجلية في هذه الكائنات لكل مَنْ أنعم النظر وجرَّد الفكر من التعصُّب والهوى:</span>\nوالحكيم لا يترك النَّاس سدى، ولا يخلقهم عبثًا؛ لا يؤمَرون، ولا يُنْهَوْن، ولا يُجْزَوْن على أعمالهم:\nقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩].\nفمن البيَّن أن مَنْ أدار نظره في عجائب هذه المخلوقات، وتدبَّر ما فيها من نظام وإحكام، فكل شيء خُلِق بمقدار، وكلُّ شيء خُلِق لغاية وأمدٍ في تحقيق هذه الغاية بما يكفل وجودها وقيامها إن هو سار على النهج الّذي أراده الله له.\nإن النظر في هذا الكون الرحب ليرينا - إلى جانب شمول علمه تعالى وعظم قدرته - بالغَ حكمته، فلا يترك النَّاس يعتدي قويُّهم على ضعيفهم دون أن يكون له رادعٌ، ولا يترك لهؤلاء الذين ينحرفون عن الجادَّة دون أن يكون لهم من العقاب فيما وراء هذه الحياة ما هم جَديرون به، ولا","vol":"1","page":34},{"text":"يترك هؤلاء الّذي كرَّسوا جهدهم ولم يدَّخروا وسعًا في العمل على مرضاة ربهم دون أن يجدوا من فضل الله وإنعامه عليهم في اليوم الآخر ما يعلمون معه أن ما ضحَّوْا به مِن متاع، وما تحمَّلوا مِن مشاقَّ في حياتِهم الدنيا، إنْ هو إِلَّا نزرٌ يسيرٌ بجانب ما يجدون من ثواب ونعيم في جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nإن النَّاس لو تأمَّلوا سنن الله الكونيَّة وجليل حكمته تعالى، وعظيم عنايته بالإِنسان وتكريمه له؛ لدفعهم ذلك إلى الإِيمان باليوم الآخر، فحينئذ لا تطلُّ الأنانية بوجهها البغيض، ولا يكون تكالبٌ على الحياة الدُّنيا، بل التعاون على البرِّ والتَّقوى.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الثّاني: أسماء يوم القيامة</span>\nومن مظاهر الاهتمام باليوم الآخر - إلى جانب ذكر أشراطه - كثرةُ ذكره في القرآن بأسماء متنوعة (^١)، لكل منها دِلالته الخاصة، ومن هذه الأسماء:\n١ - السّاعة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا (٥٩)﴾ [غافر:٥٩].\n٢ - يوم البعث: قال تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ (٥٦)﴾ [الروم: ٥٦].\n٣ - يوم الدين: قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤].\n٤ - يوم الحسرة: قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩].\n٥ - الدَّار الآخرة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ\n_________\n(^١) ذكر أبن كثير ليوم القيامة أكثر من ثمانين أسمًا.\nانظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":37},{"text":"كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].\n٦ - يوم التَّناد: قال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾ [غافر: ٣٢].\n٧ - دار القرار: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ [غافر: ٣٩].\n٨ - يوم الفَصْل: قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾ [الصافات: ٢١].\n٩ - يوم الجَمْعِ: قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ (٧)﴾ [الشورى:٧].\n١٠ - يوم الحِساب: قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾ [ص: ٥٣].\n١١ - يوم الوعيد: قالَ تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ [ق: ٢٠].\n١٢ - يوم الخُلود: قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٤].\n١٣ - يوم الخُروج: قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ [ق: ٤٢].\n١٤ - الواقعة: قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ [الواقعة: ١].\n١٥ - الحاقَّة: قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا","vol":"1","page":38},{"text":"الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٣].\n١٦ - الطَّامَّة الكبرى: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤].\n١٧ - الصَّاخَّة: قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣)﴾ [عبس: ٣٣].\n١٨ - الآزفة: قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾ [النجم: ٥٧].\n١٩ - القارعة: قال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (^١) [القارعة: ١ - ٣].\n* * * * *\n_________\n(^١) انظر: \"العقائد الإِسلامية\" (٢٦١ - ٢٦٤) لسيد سابق.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثّالث: حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد</span>\nلهذا المبحث صلة وثيقة بموضوع أشراط السّاعة، ذلك أن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد (^١)، وقد ذهب بعض أهل الكلام (^٢)\n_________\n(^١) ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد.\nأ - فالمتواتر: هوما رواه جمع عن جمع يستحيل في العادة توطؤهم على الكذب من أول السند إلى آخره.\nب - الآحاد: هو ما سوى المتواتر.\nانظر: \"تقريب النووي\" (٢/ ١٧٦ - مع تدريب الراوي)، و\"قواعد التحديث\" (ص ١٤٦) للقاسمي، و\"تيسير مصطلح الحديث\" (ص ١٨ - ٢١) للدكتور محمود الطحان.\n(^٢) كالمعتزلة ومَن تابعهم من المتأخرين؛ كالشيخ محمّد عبده، ومحمود شلتوت، وأحمد شلبي، وعبدالكريم عثمان، وغيرهم.\nانظر: \"الفرق بين الفرق\" (ص ١٨٠) تحقيق محيي الدين عبدالحميد، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٣)، وكتاب \"قاضي القضاة عبدالجبار الهمذاني\" (ص ٨٨ - ٩٠) للدكتور عبدالكريم عثمان، و\"رسالة التّوحيد\" (ص ٢٠٢) للشيخ محمّد عبده، تصحيح محمّد رشيد رضا. وانظر: \"موقف المعتزلة من السنة النبوية\" (ص ٩٢ - ٩٣) لأبي لبابة حسين، وكتاب \"المسيحية: مقارنة الأديان\" (ص ٤٤) للدكتور أحمد شلبي. وانظر: \"الفتاوى\" للشيخ محمود شلتوت- قال في (ص ٦٢): \"وقد أجمع العلماء على أن أحاديث =","vol":"1","page":41},{"text":"والأصوليين (^١) إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة، وإنّما تثبت بالدَّليل القطعي؛ آية أو حديثًا عن رسول الله - ﷺ -.\nوهذا القولُ مردودٌ؛ فإن الحديث إذا ثبتت صحَّته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح؛ فإنّه يجب الإِيمان به، وتصديقه، سواء كان خبرًا متواترًا، أو آحادًا، وإنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح؛ انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]:\nقال ابن حجر ﵀: \"قَدْ شاعَ فاشِيًا عملُ الصَّحابة والتَّابعين بخبر الواحد؛ مِن غير نكيرٍ، فاقتضى الاتَّفاق منهم على القَبول\" (^٢).\nوقالَ ابن أبي العز: \"خبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول، عملًا به، وتصديقًا له؛ يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمَّة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع\" (^٣).\n_________\n= الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيَّبات\"!! -. وأنظر كتابه \"الإسلام عقيدة وشريعة\" (ص ٥٣). وانظر كتاب \"المسيح في: القرآن، التوراة، والإِنجيل\" (ص ٥٣٩) لعبد الكريم الخطيب.\n(^١) انظر: \"شرح الكوكب المنير في أصول الفقه\" (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٢) للعلّامة محمّد بن أحمد بن عبد العزيز الحنبلي، تحقيق د. محمّد الزميلي، ود. نزيه حمَّاد.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٤).\n(^٣) \"شرح العقيدة الطحاوية\"، لعلّي بن علي بن أبي العز الحنفي، (ص ٣٩٩ - ٤٠٠)، حققها جماعة من العلماء، وخرَج أحاديثها الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع =","vol":"1","page":42},{"text":"وسأل رجلٌ الإمام الشّافعيّ عن مسألة؟ فقال: \"قضى فيها رسول الله - ﷺ - كذا وكذا\". فقال رجلٌ للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: \"سبحان الله! أتراني في بيعة؟! تراني على وسطي زنَّار؟! أقول لك: قضى رسول الله - ﷺ -، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! \" (^١).\nوقال الشّافعيُّ أيضًا: \"متى رويتُ عن رسول الله - ﷺ - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به؛ فأُشْهِدُكُم أن عقلي قد ذهب\" (^٢).\nفلم يفرَّق بين خبر الواحد والخبر المتواتر، ولم يفرِّق بين ما كان إخبارًا بعقيدة وما كان إخبارًا بأمر عمليٍّ، وإنّما المدار كله على صحة الحديث.\nوقال الإمام أحمد: \"كلّ ما جاء عن النّبيّ - ﷺ - بإسناد جيِّد؛ أقررنا به، وإذا لم نقرَّ بما جاء به الرسول، ودفعناه، ورددناهُ؛ رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (٧)﴾ [الحشر: ٧] (^٣).\n_________\n= المكتب الإِسلامي، ط. الرّابعة، (١٣٩١ هـ)، بيروت.\n(^١) \"مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطِّلة\" (٢/ ٣٥٠)، لابن القيم، اختصره الشّيخ محمّد بن الموصلّي، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء بالرياض.\nوانظر: \"الرسالة\" للإِمام الشّافعيّ (ص ٤٠١)، تحقيق: أحمد شاكر، مطابع المختار الإِسلامية، المطبعة الثّانية، (١٣٩٩ هـ)، وأنظر: \"شرح الطحاوية\" (ص ٣٩٩) لابن أبي العز.\n(^٢) \"مختصر الصواعق\" (٢/ ٣٥٠).\n(^٣) \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤).","vol":"1","page":43},{"text":"فلم يشترط الإمام أحمد إِلَّا صحَّة الخبر.\nوقال ابن تيمية: \"السنة إذا ثبتت؛ فإن المسلمين كلهم متَّفقون على وجوب اتِّباعها\" (^١).\nوقال ابن القيم في ردَّه على من ينكر حجِّية خبر الواحد: \"ومن هذا إخبار الصّحابة بعضهم بعضًا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدِّث به أحدُهم عن رسول الله - ﷺ -، ولم يقل أحدٌ منهم لمَن حدَّثه عن رسول الله - ﷺ -: خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العلم حتّى يتواتر ...\nوكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله - ﷺ - في الصفات؛ تلقَّاه بالقبول، واعتقد تلك الصِّفَة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الّذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وضحكه، وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له؛ مَنْ سمع هذه الأحاديث ممَّن حدَّث بها عن رسول الله - ﷺ -، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرَّد سماعها من العدل الصادق، ولم يَرْتَب فيها.\nحتّى إنهم ربَّما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام ... ولم يطلب احد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات ألبتة، بل كانوا أعظم مبادرةً إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها؛ مِن المخبر لهم بها عن رسول الله - ﷺ -، ومَن له أدنى إلمامٌ بالسُّنَّة والتفات إليها؛ يعلم\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٩/ ٨٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبدالرّحمن بن قاسم العاصمي النجدي، تصوير المطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، مطابع الدَّار العربيّة، بيروت.","vol":"1","page":44},{"text":"ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك؛ لذكرنا أكثر من مئة موضع.\nفهذا الذيَ اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - ﷺ - خرقوا به إجماع الصّحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء.\nوإلا؛ فلا يُعْرَف لهم سلفٌ من الأئمة بذلك، بل صرَّح الأئمَّة بخلاف قولهم؛ ممَّن نصّ على أن خبر الواحد يفيد العلم- مالك، والشّافعيّ، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه؛ كأبي محمّد بن حزم\" (^١).\nوأمّا ما عَرَض للمنكرين لحجَيَّة خبر الواحد من شبهة (^٢)، وهي أن خبر الآحاد يفيد الظن، ويعنون به الظنَّ الراجح لجواز خطإ الواحد، أو غفلته، أو نسيانه، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتِّفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية.\nويستدلُّون على ذلك ببعض الآيات الّتي تنهى عن اتِّباع الظنِّ؛ كَقوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨].\nفالجواب عن هذه الشبهة أن احتجاجهم بهذه الآية وأمثالها مردودٌ؛\n_________\n(^١) \"مختصر الصواعق\" (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).\n(^٢) انظر: رسالة \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين\" (ص ٦ - ٧) للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، طبع دار العلم، بنها، مصر.","vol":"1","page":45},{"text":"لأنّ الظنَّ هنا ليس هو الظن الغالب الّذي عنوه، وإنّما هو الشك والكذب والخرص والتخمين؛ فقد جاء في \"النهاية\" و\"اللسان\" وغيرهما من كتب اللُّغة: \"الظنُّ: الشكُّ يعرض لك في شيء، فتحقَّقهُ، وتحكم به\" (^١).\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]؛ أي: ليس لهم علمٌ صحيح يصدِّق ما قالوه، بل هو كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ وكفرٌ شنيعٌ، ﴿لْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم:٢٨]؛ أي: لا يُجدي شيئًا، وَلا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصّحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (^٢) \" (^٣).\nفالشك والكذب هو الظنُّ الّذي ذمَّه الله تعالى، ونعاه على المشركين، ويؤيَّد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، فوصفهم بالظنَ والخرص الّذي هو مجرَّد الحزر والتَّخمين، وإذا كان الخرص والتَّخمين هو الظن؛ فإنّه لا يجوز الأخذ به في الأحكام (^٤)؛ لأنّ الأحكام لا تُبنى على الشك والتخمين.\nوأمّا ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه؛ فهو مدفوعٌ بما يُشترط في خبر الواحد؛ من كون كلّ من الرواة ثقةً ضابطًا، فمع صحة الحديث\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ١٦٢ - ١٦٣).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس، (١٦/ ١١٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٤٣٤).\n(^٤) أنظر: \"العقيدة في الله\" (ص ٤٨ - ٤٩) لعمر سليمان الأشقر، طبع دار النفائس بيروت، نشر مكتبة الفلاح الكويت، الطبعة الثّانية، ١٩٧٩ م.","vol":"1","page":46},{"text":"لا مجال لتوهُّم خطإ الراوي، ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لردِّ خبره لمجرَّد احتمال عقليٍّ تنفيه العادة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-12> الأدلَّة على قبول خبر الواحد:</span>\nوإذ تبيَّنَ زيف ما بُنِيَ عليه عدم الأخذ بخبر الواحد في العقائد؛ فالأدلَّة الّتي توجِب الأخذ به كثيرةٌ، جاءت في الكتاب والسُّنَّة، ومنها:\nأمّا الأدلَّة من الكتاب، فهي كثيرة، أذكر منها:\n١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].\nفهذه الآية تحثُّ المؤمنين على التفقه في الدين، والطائفة تُطلق على الواحد فما فوق.\nقال الإمام البخاريّ: \"ويسمَّى الرَّجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية\" (^١).\nفإذا كان الرَّجل يُؤخذ بما يخبر به من أمور دينية؛ كان هذا دليلًا على أن خبره حجةٌ، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفَقُّه في العقيدة أهم من التفقُّه في الأحكام (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣١ - مع الفتح).\n(^٢) انظر: \"العقيدة في الله\" (ص ٥١).","vol":"1","page":47},{"text":"٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وفي قراءة: (فتثبَّتُوا)؛ من التثبُّت (^١).\nولهذا يدلُّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة، وأنّه لا يحتاج إلى التثبُّت، لعدم دخوله في الفاسق، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبُّت مطلقًا حتّى يحصل العلم (^٢).\n٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النِّساء: ٥٩].\nقال ابن القيم: \"وأجمع المسلمون أن الردَّ إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتَّفقوا على أن فرضَ هذا الردِّ لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينًا؛ لم يكن للردِّ إليه وجهٌ\" (^٣).\nوأمّا الأدلَّة من السنة؛ فهي كثيرة جدًّا، أقتصر على بعضٍ منها:\n١ - كان النبيُّ - ﷺ - يبعث رسله إلى الملوك واحدًا بعد واحدٍ، وكذلك أمراءه على البلدان، فيرجع النَّاس إليهم في جميع الأحكام العمليَّة والاعتقاديَّة، فبعث أبا عُبيدة عامر بن الجرَّاح ﵁ إلى أهل\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الشوكاني\" (٥/ ٦٠).\n(^٢) \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة\" (ص ٧) لمحدث الشّام محمّد ناصر الدين الألبانى.\n(^٣) \"مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطَّلة\" (٢/ ٣٥٢)، للإِمام ابن القيم.","vol":"1","page":48},{"text":"نجران (^١)، وبعث معاذ بن جبل ﵁ إلى أهل اليمن (^٢)، وبعث دِحْيَة الكلبي ﵁ بكتاب إلى عظيم بُصرى (^٣) ... وغيرهم من الصّحابة ﵃.\n٢ - وروى البخاريُّ عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: \"بيَّنَّا النَّاس بقُباء في صلاة الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنْزِلَ عليه اللَّيلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة؛ فاستَقْبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة\" (^٤).\nولا يُقال: إن هذا في حكم عمليٍّ؛ لأنّ العمل بهذا الحكم مبنيٌّ على اعتقاد صحة الخبر.\n٣ - وعن عمر ﵁؛ قال: \"وكان رجلٌ من الأنصار إذا غاب عن رسول الله - ﷺ - وشهِدْتُهُ؛ أتيتُه بما يكون من رسول الله - ﷺ -، وإذا غِبْتُ عن رسول الله - ﷺ - وشهد؛ أتاني بما يكون من رسول الله - ﷺ - \" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).\n(^٢) انظر: \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الزَّكاة، باب وجوب الزَّكاة، (٣/ ٢٦١ - مع\nالفتح).\n(^٣) انظر: \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما كان يبعث النّبيّ - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، (١٣/ ٢٤١ - مع الفتح)، رواه البخاريّ معلَّقًا.\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).\n(^٥) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).","vol":"1","page":49},{"text":"فهذا واقع الصّحابة ﵃ يرينا أن الواحد منهم كان يكتفي بخبر الواحد في أُمور دينه؛ سواء ما كان منها اعتقاديًّا، أو عمليًّا.\n٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ منَّا حديثًا، فحفظهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع\" (^١).\nوهذا أيضًا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عامٌّ متناولٌ لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإِيمان بما يثبت عنه - ﷺ - من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا؛ لما كان لهذا الأمر من النّبيّ - ﷺ - بتبليغ حديثه مطلقًا معنى، بل لبيَّنَ الرسول - ﷺ - أن ذلك مقصورٌ على أحاديث الأعمال دون غيرها.\nهذا؛ والقول بأن أحاديث اللآحاد لا تثبت بها عقيدة قولٌ مبتَدَعٌ محدَثٌ لا أصلَ له في الدين، ولم يقلْ به واحدٌ من السَّلف الصالح رضوان الله تعالى عليهِم، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم، بل ولا خطَرَ لهُم على بالٍ، ولو وُجِدَ دليلٌ قطعيٌّ يدلُّ على أن أحاديث اللآحاد لا تثبُتُ بها عقيدةٌ؛ لعلّمه الصّحابة، وصرَّحوا به، وكذلك مَنْ بعدَهم من السَّلَف الصالح.\nثمّ إن هذا القول المبتَدَعَ يتضمَّن عقيدةً تستلزمُ ردَّ مئات الأحاديث\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٩٦) (ح ٤١٥٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر.\nوقد رواه الإمام أحمد بإسنادين صحيحين.\nوانظر: كتاب \"دراسة حديث (نضَر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية\" (ص ٣٣ - وما بعدها) للشيخ عبدالمحسن بن محمّد العباد، طبع مطابع الرشيد بالمدينة المنوَّرة، الطبعة الأولى، (١٤٠١ هـ).","vol":"1","page":50},{"text":"الصَّحيحة الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - (^١).\nفالذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقيدة يلزمهم أن يردُّوا كثيرًا من العقائد الّتي ثبتت بأحاديث اللآحاد، ومنها:\n١ - أفضلية نبيِّنا محمَّدٍ على جميع الأنبياء والمرسلين.\n٢ - شفاعتُه العظمى في المحشر.\n٣ - شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمَّته.\n٤ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.\n٥ - كيفيَّة بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنَّة والنار؛ ممّا لم يذكر في القرآن الكريم.\n٦ - سؤال منكَر ونكير في القبر.\n٧ - ضغطة القبر للميِّت.\n٨ - الصراط، والحوض، والميزان ذو الكفتين.\n٩ - الإِيمان بأن الله تعالى كتب على كلّ إنسان سعادته أو شقاوته، ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.\n١٠ - خصوصياته - ﷺ - الّتي جمعها السيوطيّ في كتاب \"الخصائص الكبرى\"، مثل دخوله في حياته الجنَّة، ورؤيته لأهلها، وما أُعِدَّ للمتَّقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة\" (ص ٥ - ٦)، وكتاب \"العقيدة في الله\" (ص ٥٣) لعمر الأشقر.","vol":"1","page":51},{"text":"١١ - القطع بأن العشرة المبشَّرين بالجنة من أهل الجنَّة.\n١٢ - عدم تخليد أهل الكبائر في النّار.\n١٣ - الإِيمان بكل ما صحَّ في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر ممَّا لم يردّ في القرآن الكريم.\n١٤ - الإِيمان بمجموع أشراط السّاعة؛ كخروج المهدي، ونزول عيسى -﵇-، وخروج الدجَّال، وخروج النّار، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وغير ذلك.\nثمّ إنّه ليست أدلَّة جميع هذه العقائد الّتي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلَّتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجَّيَّة خبر الآحاد؛ جعلهم يردُّون كلّ هذه العقائد، وغيرها من العقائد، الّتي جاءت بها الأحاديث الصحيحة (^١).\n* * * * *\n_________\n(^١) انظر: رسالة \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة\" (ص ٣٦ - ٣٩)، وكتاب \"العقيدة في الله\" (ص ٥٤ - ٥٥) لعمر الأشقر.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الرّابع: إخبار النّبيّ عن الغُيوب المستقبلة</span>\nلقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بما يكون إلى قيام السّاعة، وذلك ممّا أطلعه الله عليه من الغُيوب المستقْبَلَة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، حتّى بلغت حد التواتر المعنوي (^١).\nفمنها ما رواه حذيفة ﵁؛ قال: \"لقد خطبنا النّبيّ - ﷺ - خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام السّاعة إِلَّا ذكره؛ علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله، إن كنتُ لأرى الشيءَ قد نسيتُه، فأعرفُهُ كما يعرِفُ الرَّجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فرآه فعرفه\" (^٢).\nوقال ﵁: \"أخبرني رسول الله - ﷺ - بما هو كائن إلى أن\n_________\n(^١) \"الشفا بتعريف أحوال المصطفى\" (١/ ٦٥٠) للقاضي عياض، تحقيق محمّد أمين قره علي وزملائه، طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة الفارابي، دمشق.\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، (١١/ ٤٩٤ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":53},{"text":"تقوم السّاعة، فما منه شيءٌ إِلَّا قد سألته، إِلَّا أنّه لم أسأله: ما يُخْرِج أهلَ المدينة من المدينة؟ \" (^١).\nولم يكن ذلك خاصًّا بحذيفة ﵁، بل لقد خطب النّبيّ - ﷺ - يومًا كاملًا؛ ليبَّين للصحابة ﵃ ما كان وما سيكون إلى قيام السّاعة\nفقد روى أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: \"صلّى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر، وصعد المنبر، فخطَبَنا حتّى حضرتِ الظهر، فنزل، فصلّى، ثمّ صعد المنبر، فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل، فصلّى، ثمّ صعد، فخطبنا حتّى غربت الشّمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا\".\nرواه مسلم (^٢).\nوقال حذيفة بن اليمان ﵁: \"واللهِ إنني لأعلم النَّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السّاعة، وما بي إِلَّا أن يكون رسول - ﷺ - أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدِّثْهُ غيري، ولكن رسول الله - ﷺ - قال وهو يحدَّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ - وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنهاكبارٌ) \".\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":54},{"text":"قال حذيفة: \"فذهب أولئك الرهط كلهم غيري\" (^١).\nفهذه أدلَّة صحيحة على أن النبيَّ - ﷺ - قد أخبر أمَّته بكل ما هو كائنٌ إلى قيام السّاعة ممَّا يخصُّهم.\nولا شك أن أشراط السّاعة قد نالت من الإِخبار بالغيب النصيب الأوفر، ولهذا جاءت أحاديث أشراط السّاعة كثيرةً جدًّا، ورُوِيَت بألفاظ مختلفة؛ لكثرة مَنْ نقلها من الصّحابة ﵃.\n* * * * *\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الخامس: علم السّاعة</span>\nعلم السّاعة غيبٌ لا يعلَمُه إِلَّا الله تعالى؛ كما دلَّت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة؛ فإنَّ علم السّاعة ممّا استأثر الله به، فلم يُطْلع عليه مَلكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا (^١)، فلا يعلم أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ إِلَّا الله تعالى.\nوكان النّبيّ - ﷺ - يكثِر من ذكر السّاعة وأهوالها، فكان النَّاس يسألونه عن وقت قيام السّاعة، فكان يخبرهم أن ذلك غيبٌ لا يعلمه إِلَّا الله، وكانت الآيات القرآنية تتنزَّل مبيَّنةً أن علم السّاعة ممّا اختصّ الله تعالى به نفسه.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ\n_________\n(^١) ذهب البرزنجي في الإِشاعة إلى أن النّبيّ - ﷺ - علم وقت السّاعة، ونهى عن الإِخبار بها، وهذا غلطٌ فاحشٌ منه.\nانظر: \"الإِشاعة لأشراط السّاعة\" (ص ٣).","vol":"1","page":57},{"text":"النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧].\nفالله تعالى يأمر نبيه محمدًا - ﷺ - أن يخبر النَّاس أن علم السّاعة عند الله وحده، فهو الّذي يعلم جَلِيَّةَ أمرها، ومتى يكون قيامها؛ لا يعلم ذلك أحدٌ من أهل السماوات والأرض:\nكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].\nوكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].\nفمنتهى علم السّاعة إلى الله وحده.\nولهذا لما سأل جبريل -﵇- رسول الله - ﷺ - عن وقت السّاعة - كما في حديث جبريل الطويل-؛ قال النّبيّ - ﷺ -: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" (^١).\nفجبريل لا يعلم متى تقوم السّاعة، وكذلك محمَّدٌ - ﷺ -\nوأيضًا؛ فإن عيسى -﵇- لا يعلم متى تقوم السّاعة، مع أنّه ينزل قرب قيامها، وهو من علامات السّاعة الكبرى؛ كما سيأتي.\nروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم؛ عن عبدالله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"لقيتُ ليلة أُسْري بي إبراهيم وموسى وعيسى\".\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - ﷺ - عن الايمان والإسلام والإحسان وعلم السّاعة وبيان النّبيّ - ﷺ - له، (١/ ١١٤ - مع الفتح).","vol":"1","page":58},{"text":"قال: \"فتذاكروا أمر السّاعة، فردُّوا أمرَهم إلى إبراهيم، فقال: لا علمَ لي بها. فردُّوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردُّوا الأمر إلى عيسى، فقال: أمّا وَجْبَتُها؛ فلا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله ذلك، وفيما عَهِدَ إليَّ ربي أن الدَّجَّال خارجٌ. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله\" (^١).\nفهؤلاء أولو العزم من الرسل لا يعلمون متى تقوم السّاعة.\nوروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقول قبلَ أن يموتَ بشهر: \"تسألوني عن السّاعة؟ وإنّما علمها عند الله، وأقسِمُ بالله ما على الأرض من نفسٍ منفوسةٍ تأتي عليها مئة سنة\" (^٢).\nفهذا الحديث ينفي احتمال أن يكون عَلِمَها النّبيّ - ﷺ - بعد سؤال جبريل عنها.\nقال ابن كثير: \"فهذا النبيُّ الأميُّ، سيِّد الرّسل، وخاتمهم، صلوات\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٨٩) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nو\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٦٥)، تحقيق محمّد فؤاد عبدالباقي، وقال البوصيري في \"الزوائد\": \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\".\nو\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرِّجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوضعفه الألباني في كتابه \"ضعيف الجامع الصغير\" (٥/ ٢٠ - ٢١) (ح ٤٧١٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب فضائل الصّحابة ﵃، باب بيان معنى قوله - ﷺ -: \"على رأس مئة سنة لا يبقى نفس منفوسة\"، (١٦/ ٩٠ - ٩١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":59},{"text":"الله عليه وسلامه، نبي الرّحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمقفِّي، والحاشر، الّذي تحشر النَّاس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في \"الصّحيح\" من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\" (^١)، وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يَرُدَّ علم وقت السّاعة إليه إذا سُئِلَ عنها، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧] \" (^٢).\nومن زعم أن النّبيّ - ﷺ - يعلم متى تقوم السّاعة، فهو جاهلٌ، لأنّ الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّه السابقة ترد عليه.\nقال ابن القيم: \"وقد جاهر بالكذب بعض مَنْ يدَّعي في زماننا العلم، وهو يتشبَّع بما لم يعطَ، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلم متى تقوم السّاعة. قيل له: فقد قال في حديث جبريل: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\"! فحرفه عن موضعه، وقال: معناه: أنا وأنت نعلمها.\nوهذا من أعظم الجهل، وأقبح التحريف، والنبيُّ - ﷺ - أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنُّه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم السّاعة؛ إِلَّا أن يقول هذا الجاهل: إنّه كان يعرف أنّه جبريل، ورسول الله - ﷺ - هو الصادق في قوله: \"والذي نفسي بيده؛ ما جاءني في سورة إِلَّا عرفته؛ غير هذه الصورة\" (^٣)،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"بُعِثت أنا والساعة كهاتين\"، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٥٢٦).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (١/ ٣١٤ - ٣١٥) (ح ٣٧٤)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\"، ولفظ أحمد: \"ما أتاني في صورة إِلَّا عرفته؛ غير هذه الصورة\".","vol":"1","page":60},{"text":"وفي اللّفظ الآخر: \"ما شُبِّه عليَّ غير هذه المرة\"، وفي اللّفظ الآخر: \"ردُّوا عليَّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا، فلم يجدوا شيئًا\".\nوإنّما علم النّبيّ - ﷺ - أنّه جبريل بعد مدة؛ كما قال عمر: فلبثتُ مليًّا، ثمّ قال النّبيّ - ﷺ -: \"يا عمر! أتدري مَنْ السائل؟ \" (^١)، والمحرِّف يقول: علم وقت السؤال أنّه جبريل، ولم يخبر الصّحابة بذلك إِلَّا بعد مدَّة!\nثمّ قوله في الحديث: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\" يعمُّ كلَّ سائل ومسؤولٍ، فكلُّ سائلٍ ومسؤولٍ عن هذه السّاعة شأنُهُما كذلك\" (^٢).\nوأيضًا؛ لا معنى لذكر أشراطها وإخبار السائل بها ما دام يعلمها، ولا سيما أنّه لم يسأل عن أشراطها.\nوأعجب من هذا ما جاء في كلام السيوطيّ في \"الحاوي\" بعد أن ذكر الجواب عن السؤال عن الحديث المشتهر على ألسنة النَّاس: أن النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، إمارات السّاعة، (١/ ١٥٩ - مع شرح النووي).\nقال ابن حجر: \"وأمّا ما وقع في رواية النسائي من طريق أبي فروة في آخر الحديث: \"وإنه لجبريل، نزل في سورة دِحْيَة الكلبي\"، فإن قوله: \"نزل في سورة دِحية الكلبي\" وَهَم؛ لأنّ دِحية معروف عندهم، وقد قال عمر: \"ما يعرفه منا أحد\"، وقد أخرجه محمّد بن نصر المروزي في كتاب \"الإِيمان\" له من الوجه الّذي أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: \"فإنّه جبريل، جاء يعلِّمكم دينكم، فحسب؛ فهذه الرِّواية هي المحفوظة؛ لموافقتها باقي الروايات في. \"فتح الباري\" (١/ ١٢٥).\n(^٢) \"المنار المنيف\" (ص ٨١ - ٨٢)، تحقيق الشّيخ عبدالفتاح أبو غدة، وانظر تعليق الشّيخ على كلام ابن القيم، وانظر: \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٤/ ٣٤١ - ٣٤٢).","vol":"1","page":61},{"text":"لا يمكث في قبره ألف سنة؟\nقال: \"وأنا أُجيب بأنّه باطل، لا أصل له\".\nوذكر أنّه ألَّف في ذلك مؤلَّفًا سمَّاه \"الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف\"؛ قال فيه:\nأوَّلًا: الّذي دلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد عن ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة؛ لأنّه ورد من طرق أن مدَّة الدُّنيا سبعة آلاف سنة، وأن النّبيّ - ﷺ - بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة (^١).\nثمّ ذكر حساباتٍ خَلَص منها إلى أنّه لا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة أصلًا، ثمّ ذكر الأحاديث والآثار الّتي اعتمد عليها في ذلك:\nومنها ما رواه الطبراني في \"الكبير\" عن الضَّحَّاك بن زمل الجهني؛ قال: رأيتُ رؤيا، فقصصتُها على رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة. فقال - ﷺ -: \"أمّا المنبر الّذي رأيتَ فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة. فالدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا\" (^٢).\nوذكر أنّه أخرجه البيهقي في \"الدلائل\"، وأن السُّهيلي ذكر أن الحديث ضعيف (^٣) الإِسناد، ولكنه رُوِيَ موقوفًا على ابن عبّاس رضي الله\n_________\n(^١) \" الحاوي للفتاوي\" (٢/ ٨٦)، للسيوطي، ط. الثّانية (١٣٩٥ هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(^٢) \"الحاوي للفتاوي\" (٢/ ٨٨).\n(^٣) حديث: \"الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا\"؛ قال الألباني: \"موضوع\". أنظر: \"ضعيف الجامع الصغير\" (٣/ ١٦٠) (ح ٣٠١٣).","vol":"1","page":62},{"text":"عنهما من طرق صحاح، وأن الطّبريّ (^١) صحَّح هذا الأصل، وعضده بآثار.\nثمّ بيَّن السيوطيّ أن معنى قوله ﷺ: \"وأنا في آخرها ألفًا\"؛ أي: معظم الملة في الألف السابعة؛ ليطابق ما سيأتي أنّه بُعِثَ في أواخر الألف السّادسة، ولو كان بُعِثَ في أول الألف السابعة؛ كانت الأشراط الكبرى كالدجَّال ونزول عيسى -﵇- وطلوع الشّمس من مغربها؛ وجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنة، لتقوم السّاعة عند تمام الألف، ولم يوجد شيء من ذلك، فدلَّ على أن الباقي من الألف السابعة أكثر من ثلاث مئة سنة (^٢).\nهذا هو ملخص كلام السيوطيّ ﵀، وهو مصادمٌ لصريح القرآن، وللأحاديث الصحيحة؛ من أن مدَّة الدُّنيا لا يعلمها أحدٌ إِلَّا الله تعالى، فإنَّنا لو عرفنا مدَّة الدُّنيا، لَعَلِمنا متى تقوم السّاعة، وقد علمتَ فيما سبق من الآيات القرآنية والأحاديث النبويَّة أن السّاعة لا يعلم وقت قيامها إِلَّا الله تعالى.\nوأيضًا؛ فإن الواقع يردُّ ذلك؛ فإننا في بداية القرن الخامس عشر الهجري، ولم يخرج الدجَّال، ولم ينزل عيسى -﵇-، فإن السيوطيّ ذكر أنّه ورد أن الدَّجَّال يخرج على رأس مئة، وينزل عيسى -﵇-، فيقتله، ثمّ يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن النَّاس يمكثون بعد طلوع الشّمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه\n_________\n(^١) انظر: \"تاريخ الأمم والملوك\" لأبي جعفر الطّبريّ، (١/ ٥ - ١٠)، ط. دار الفكر، بيروت.\n(^٢) \"الحاوي\" (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":63},{"text":"مئتا سنة لا بد منها (^١)، فعلى كلامه لو خرج الدَّجَّال الآن؛ لا بد من مئتي سنة، فيكون قيام السّاعة بعد ألف وست مئة سنة.\nوبهذا يتبين بطلان كلّ حديث ورد في تحديد مدَّة الدُّنيا.\nوقد ذكر ابن القيم في كتابه \"المنار المنيف\" أمورًا كلِّيَّة يُعْرَف بها كون الحديث موضوعًا، فقال: \"منها مخالفة الحديث صريح القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنّها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنّه لوكان صحيحًا؛ لكان كلّ أحدٍ عالمًا أنّه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة\" (^٢).\nفإن ابن القيم عاش في القرن الثّامن الهجري، فقال هذا الكلام، وقد مرَّ على كلامه هذا أكثر من ست مئة واثنين وخمسين سنة، ولم تنقض الدنيا.\nوقال ابن كثير: \"والذي في كتب الإِسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئتين من السنين، قد نصَّ غير واحد من العلماء على تخطئتِهم فيه، وتغليطهم، وهم جَديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: \"الدنيا جمعة من جمع الآخرة\"، ولا يصح إسناده أيضًا، وكذا كلّ حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الحاوي\" (٢/ ٨٧).\n(^٢) \"المنار المنيف\" (ص ٨٠)، تحقيق الشّيخ عبدالفتاح أبو غدة، وانظر: \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٤٢)، لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":64},{"text":"وكما أنّه لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تقوم السّاعة؛ فكذلك لا يعلم أحدٌ متى تظهر أشراط السّاعة، وما ورد أنّه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا؛ فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النّبيّ - ﷺ -، وإنّما وضعه عمر بن الخطّاب ﵁؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النّبيّ - ﷺ - إلى المدينة.\nقال القرطبي: \"إن ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعبين الزّمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنّما ذلك كوقت قيام السّاعة، فلا يعلم أحدٌ أي سنة هي، ولا أي شهر، أمّا أنّها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي السّاعة الّتي خلق الله فيها آدم -﵇-، ولكن أي جمعة؛ لا يعلم تعبين ذلك اليوم إِلَّا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزّمان لها لا يُعْلَم، والله أعلم\" (^١).\n* * * * *\n_________\n(^١) \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\" (ص ٦٢٨)، لشمس الدين أبي عبدالله محمّد بن أحمد القرطبي، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث السّادس: قُرْب قِيام السَّاعة</span>\nتدلُّ الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الصحيحة على قرب السّاعة ودنوِّها؛ فإن ظهور أكثر أشراط السّاعة دليلٌ على قُربها وعلى أننا في آخر أيّام الدُّنيا:\nقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧].\nوقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].\n... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على قرب نهاية هذا العالم الدنيوي، والانتقال إلى دار أخرى، ينالُ فيها كلّ عاملٍ عملَه، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًّا؛ فشرّ.\nقال - ﷺ -: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\"، ويشير بأصبعيه،","vol":"1","page":67},{"text":"فيمدهما\" (^١).\nوقال - ﷺ -: \"بُعِثْتُ في نسم السّاعة\" (^٢).\nوقال ﵊: \"إنّما أجلكم - في أجل مَنْ خلا من الأمم - ما بين صلاة العصر ومغرب الشّمس\" (^٣).\nوعن ابن عمر ﵄؛ قال: كنا جُلوسًا عند النّبيّ - ﷺ -، والشمس على قعيقعان (^٤) بعد العصر، فقال: \"ما أعماركم في أعمار مَنْ\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، عن سهل ﵁، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).\n(^٢) قال الألباني: \"رواه الدولابي في \"الكنى\" (١/ ٢٣)، وابن منده في \"المعرفة\" (٢/ ٢٣٤/ ٢)؛ عن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعًا. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وفي صحبة أبي جبيرة خلاف، ورجَّح الحافظ في \"التقريب، أن له صحبة\". \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٢/ ٤٦٧) (ح ٨٠٨).\nوانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٢ - ٥٣/ الكنى)، مطبعة مجلس دائرة المعارف في الهند، الطبعة الأولى، (١٣٢٧ هـ)، و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٤٠٥)، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، طبع دار المعرفة، الطبعة الثّانية، (١٣٩٥ هـ).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، (٦/ ٤٩٥ - مع الفتح).\n(^٤) (قعيقعان)؛ بضم القاف الأولى، وكسر الثّانية، بلفظ التصغير: جبل بمكة في جنوبها بنحو اثني عشر ميلًا، وسمي قعيقعان؛ لأنّ جُرهمًا لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك. ويظهر أن كلام النّبيّ - ﷺ - هذا كان في حجة الوداع أو في غزوة فتح مكّة، وكان ابن عمر شهدهما مع الصّحابة.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٤/ ٨٨)، و\"شرح مسند أحمد\" (٨/ ١٧٦) لأحمد شاكر.","vol":"1","page":68},{"text":"مضى إِلَّا كما بقي من النهار وفيما مضى منه\" (^١).\nوهذا يدلُّ على أن \"ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيءٌ يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى إِلَّا الله تعالى، ولم يجىء فيه تحديدٌ يصحُّ سنده عن المعصوم حتّى يصارَ إليه، ويُعْلَم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليلٌ جدَّا بالنسبة إلى الماضي\" (^٢).\nوليس هناك أبلغ من قوله - ﷺ - في تقريب السّاعة: \"بُعِثْتُ أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني\" (^٣).\nفهذا إشارة إلى شدَّة قُربها من بعثته - ﷺ -، حتّى خشي سبقها له لعظم القرب.\n* * * * *\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٨/ ١٧٦) (ح ٥٩٦٦)، شرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوقال ابن كثير: \"هذا إسناد حسن لا بأس به\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٩٤).\nوقال ابن حجر: \"حسن\". \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٠).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٩٥)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٨ - بهامشه منتخب الكنز) و\"تاريخ الأمم والملوك\" (١/ ٨) للطبراني.\nقال ابن حجر: \"أخرجه أحمد، والطّبريّ، وسنده حسن\". \"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٨).","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الباب الأوّل: أَشْراط السَّاعَة</span>\n- الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة.\n- الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة.\n- الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الأوّل: تعريف أشراط السّاعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>معنى الشرط:</span>\nالشَّرَط - بالتحريك -: هو العلّامة، جمعه أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الّذي يشترطه النَّاس بعضهم على بعض، فالشرط علامةٌ على المشروط (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>معنى السّاعة في اللُّغة:</span>\nهي جزءٌ من أجزاء اللّيل والنهار، جمعها: ساعات وساع، واللّيل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>معنى السّاعة في الاصلاح الشرعي:</span>\nوالمراد بالساعة في الاصطلاح الشرعي: الوقت الّذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنّها تفجأ النَّاس في\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٢/ ٤٦٠)، و\"لسان العرب\" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠) لأبي الفضل ابن منظور، ط. دار الفكر ودار صادر، بيروت.","vol":"1","page":73},{"text":"ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة (^١).\nفأشراط السّاعة: هي علامات القيامة الّتي تسبقها وتدل على قربها. وقيل: هي ما تُنْكِرُه النَّاس من صغار أمورها قبل أن تقوم السّاعة. وقيل: هي أسبابها الّتي هي دون معظمها وقيامها (^٢).\nوالساعة تُطْلَق على ثلاثة معان:\nأ - السّاعة الصغرى: وهي موت الإِنسان، فمَن مات، فقد قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة.\nب - والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، ويؤيِّد ذلك ما روته عائشة ﵂؛ قالت: كان الإعراب إذا قدموا على رسول الله - ﷺ -؛ سألوه عن السّاعة: متى السّاعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: \"إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم\" (^٣)؛ أي: موتهم، وأن المراد ساعة المخاطبين (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٢٢)، و\"لسان العرب\" (٨/ ١٦٩)، و\"ترتيب القاموس المحيط\" (٢/ ٦٤٧) للأستاذ الطّاهر أحمد الزواوي، دار الكتب العلمية، (١٣٩٩ ه ـ).\n(^٢) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٦٠)، و\"لسان العرب\" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٣) \"صحيح البحاري\"، كتاب الرقاق، باب سكرات الموت، (١١/ ٣٦١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (١٨/ ٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٦٣).","vol":"1","page":74},{"text":"ج - والساعة الكبرى: وهي بعث النَّاس من قبورهم للحساب والجزاء.\nوإذا أطلقت السّاعة في القرآن؛ فالمراد بها القيامة الكبرى:\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]؛ أي: عن القيامة.\nوقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: اقتربت القيامة.\nوقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة:\nفإنّه ذكر في أولها القيامة الكبرى: فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: ١ - ٧].\nثمّ في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥].\nوذكر القيامتين أيضًا في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهذه القيامة الكبرى.\nثمّ ذكر الموت، فقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وهو القيامة الصغرى.","vol":"1","page":75},{"text":"وغير ذلك كثير في سور القرآن الكريم، ممَّا يضيق المقام عن ذكره. والقيامة الكبرى هي الّتي نحن بصدد بيان أشراطها الّتي جاءت في الكتاب والسُّنَّة (^١).\n* * * * *\n_________\n(^١) انظر: \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و\"فتح الباري\" (١١/ ٣٦٤)، و\"تاج العروس من جواهر القاموس\" (٥/ ٣٩٠).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الفصل الثّاني: أقسام أشراط السّاعة</span>\nتنقسم أشراط السّاعة إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>١ - أشراط صغرى:</span>\nوهي الّتي تتقدَّم السّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخّمْرِ، والتطاول في البنيان ... ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، أو بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٢ - أشراط كبرى:</span>\nوهي الأمور العظام الّتي تظهر قرب قيام السّاعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجَّال، ونزول عيسى -﵇-، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"التذكرة\" للقرطبي، (ص ٦٢٤)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٤٨٥)، وكتاب \"إكمال المعلم شرح صحيح مسلم\" (١١/ ٧٠) لأبي عبدالله محمّد بن خليفة الأبي المالكي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، وانظر مقدمة كتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" (ص ٩) للمحدث الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، ترتيب تلميذه =","vol":"1","page":77},{"text":"وقسم بعض العلماء أشراط السّاعة من حيث ظهورها إلى ثلاث أقسام (^١):\n١ - قسم ظهر وانقضى.\n٢ - قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.\n٣ - قسم لم يظهر إلى الآن.\nفأمّا القسمان الأولان؛ فهما من أشراط السّاعة الصغرى، وأمّا القسم الثّالث؛ فيشترك فيه الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.\n* * * * *\n_________\n= الشّيخ محمّد شفيع، وتحقيق وتعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتبة المطبوعات الإِسلامية، جمعية التعليم الشرعي، (١٣٨٥ هـ).\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٣ - ٨٤)، و\"الإِشاعة لأشراط السّاعة\" (ص ٣) للبرزنجي، و\"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية\" (٢/ ٦٦) للعلّامة محمّد بن أحمد السفاريني الحنبلي، تعليق الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان من علماء نجد، من منشورات مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، الطبعة الثّانية، (١٤٠٢ هـ).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفصل الثّالث: أشراط السّاعة الصغرى</span>\nأشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه.\nوقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى -﵇-؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى ﵇ يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا ... وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة","vol":"1","page":79},{"text":"على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين.\nومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة ﵃، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة (^١).\nوممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر - ﷺ - بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم (^٢).\nوالآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>١ - بعثة النّبيّ - ﷺ </span>-:\nأخبر - ﷺ - أن بعثتَهُ دليلٌ على قرب قيام السّاعة، وأنّه نبيُّ السّاعة:\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\nوسيأتي بيان ذلك مفصلًا في الكلام على قبض العلم وظهور الجهل.\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":80},{"text":"ففي الحديث عن سهل ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\"، ويشير بإصبعيه فيمدّهُما (^١).\nوعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\". قال: وضمَّ السبابة والوسطى (^٢).\nوعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة مرفوعًا: \"بُعِثْتُ في نسم (^٣) السّاعة\" (^٤)\nفأول أشراط السّاعة بعثة المصطفى - ﷺ -، فهو النبيُّ الأخير، فلا يليه نبىٌّ آخر، وإنّما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليسس بينهما إصبع\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\"، (١١/ ٣٤٧ - مع الفتح).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قرب السّاعة، (١٨/ ٨٩ - ٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) (نسم السّاعة): قال ابن الأثير: \"هو من النسيم، أول هبوب الريح الضعيفة؛ أي: بُعِثْتُ في أول أشراط السّاعة، وضعف مجيئها. وقيل: هو جمع نسمة؛ أي: بعثت في ذوي أرواح خلقهم الله تعالى قبل اقتراب السّاعة؛ كأنّه قال: في آخر النشء في آدم\". \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٤) رواه الدولابي في \"الكنى\" (١/ ٢٣)، وابن منده في \"المعرفة\" (٢/ ٢٣٤/ ٢).\nقال الألباني: \"صحيح\".\nوالحديث رواه الحاكم في \"الكنى\" - كما في \"الفتح الكبير\"-، ولم يعزه لغيره.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ٨) (ح ٢٨٢٩)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٢/ ٤٦٨) (ح ٨٠٨).","vol":"1","page":81},{"text":"أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (^١)، ويدلُّ على ذلك رواية التّرمذيّ: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين - وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى - فما فضل إحداهما على الأخرى\" (^٢)، وفي رواية مسلم: \"قال شعبةُ: وسمعتُ قتادة يقول في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى. فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة\" (^٣).\nقال القرطبي: \"أولها النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّه نبي آخر الزّمان، وقد بُعِثَ وليس بينه وبين القيامة نبىٌّ\" (^٤).\nقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>٢ - موت النّبيّ - ﷺ </span>-:\nمن أشراط السّاعة موتُ النّبيّ - ﷺ -، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي ... \" (^٥) الحديث.\n_________\n(^١) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٢٥ - ٦٢٦)، و\"فتح الباري\" (١١/ ٣٤٩)، و\"تحفة الأحوذي شرح التّرمذيّ\" (٦/ ٤٦٠).\n(^٢) \"جامع التّرمذيّ\"، باب ما جاء في قول النّبيّ - ﷺ -: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\"،\n(٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: قرب السّاعة، (١٨/ ٨٩ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\" (ص ٦٢٦).\n(^٥) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجزية والموادعة، باب ما يُحذر من الغدر، (٦/ ٢٧٧ - مع الفتح).","vol":"1","page":82},{"text":"فقد كان موت النّبيّ - ﷺ - من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة ﵃ عندما مات ﵊.\nقال أنس بن مالك ﵁: \"لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله - ﷺ - الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا\" (^١).\nقال ابن حجر: \"يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب\" (^٢).\nفبموته - ﷺ - انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النّبيّ - ﷺ -، فلم\"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: \"ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله - ﷺ -، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان\n_________\n(^١) \"جامع التّرمذيّ\"، أبواب المناقب، (١٠/ ٨٧ - ٨٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال التّرمذيّ: \"هذا حديث صحيح غريب\".\nوقال شعيب الأرناؤوط: \"إسناده صحيح\". انظر: \"شرح السنة\" للبغوي، (١٤/ ٥٠)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.\nقال ابن حجر: \"قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: ما نفضنا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا\". \"الفتح\" (٨/ ١٤٩).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ١٤٩).","vol":"1","page":83},{"text":"معها\" (^١).\nفقد مات ﵊ كما يموت النَّاس؛ لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق،. بل هي دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].\nإلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيِّن أن الموت حقٌ، وأن كلّ نفس ذائقة الموت، حتّى ولو كان سيد الخلق وامام المتَّقين محمَّد - ﷺ -.\nوكان موته كما قال القرطبي: \"أول أمرٍ دَهَمَ الإِسلامَ ... ثمَّ بعده موتُ عمر، فبموت النّبيّ - ﷺ - انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه. قال أبو بكر الصديق ﵁:\nفَلَتَحْدُثَنَّ حَوَادِثٌ مِنْ بَعْدِهِ ... تُعْنَى بِهِنَّ جَوانِحٌ وصُدُورُ\nوقالت صفيَّة بنت عبد المطَّلب ﵂:\nلَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِىَّ لِفَقْدِهِ ... ولكِنَ مَا أَخْشَى مِنَ الهَرْجِ (^٢) آتِيا\" (^٣)\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب فضائل الصّحابة ﵃، باب فضائل أم أيمن ﵂، (١٦/ ٩ - ١٠ - مع شرح النووي).\n(^٢) (الهَرْج): هو القتل؛ كما سيأتي.\n(^٣) \"التذكرة\" للقرطبي، (ص ٦٢٩ - ٦٣٠) بتصرُّف بسيط، وانظر: \"الإذاعة\" لصديق حسن، (ص ٦٧ - ٦٩).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>٣ - فتح بيت المقدس:</span>\nومن أشراط السّاعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: \"اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: ... (فذكر منها:) فتح بيت المقدس\" (^١).\nففي عهد عمر بن الخطّاب ﵁ تَمَّ فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة؛ كما ذهب إلى ذلك أئمَّة السِّيَر، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهَّرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (^٢).\nوروى الإمام أحمدُ من طريق عُبيد بن آدم؛ قال: \"سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول لكعب الأحبار (^٣): أين ترى أن أصلّي؟ فقال: إن أخذتَ عني؛ صلّيتَ خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهوديَّة، لا، ولكن أصلّي حيث صلّى رسول الله - ﷺ -، فتقدَّم إلى القبلة، فصلَّى، ثمّ جاء، فبسطَ رداءَه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس النَّاس\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاريّ، وتقدم تخربجه قريبًا.\n(^٢) انظر: \"البداية والنهاية\" (٧/ ٥٥ - ٥٧).\n(^٣) هو كعب بن ماتع الحميري، من أوعية العلم، ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر الصديق، وقدم المدينة زمن عمر، ثمّ سكن الشّام، ومات في خلافة عثمان ﵁ وقد جاوز المئة، وكان كثير الرِّواية للإِسرائيليات، وقسمٌ كبيرٌ منها لا يصحُّ السند به إليه، وليس له في البخاريّ رواية، وفي مسلم رواية لأبي هريرة عنه.\nانظر: \"تقريب التهذيب\" (٢/ ١٣٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٣٨ - ٤٤٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٥٢).\n(^٤) \"مسند الإمام أحمد\" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩) (ح ٢٦١)، تحقيق أحمد شاكر =","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>٤ - طاعون عمواس </span>(^١):\nجاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله - ﷺ -: \"اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: ... (فذكر منها:) ثمّ مَوَتان (^٢) يأخذ فيكم كقُعاصِ (^٣) الغنم\" (^٤).\nقال ابن حجر: \"يُقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس\" (^٥).\nففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الّذي عليه الجمهور (^٦) وقع طاعون في كورة عمواس، ثمّ انتشر في أرض الشّام، فمات فيه خلق كثير من الصّحابة ﵃ ومن غيرهم؛ قيل: بلغ عدد مَنْ مات فيه خمسةٌ وعشرونَ ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين: أبو عُبيدة عامر بن الجرَّاح، أمين هذه الأمة، ﵁ (^٧).\n_________\n= وقال: \"إسناده حسن\".\n(^١) (عمواس): بلدة في فلسطين، على ستة أميال من الرملة، على طريق بيت المقدس.\nانظر: \"معجم البلدان \" (٤/ ١٥٧).\n(^٢) (مُوتان)؛ بضم الميم وسكون الواو: هو الموت الكثير الوقوع.\nانظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٨).\n(^٣) (قعاص)؛ بالضم، ويقال فيه: عقاس؛ بضم العين المهملة، وتخفيف القاف، وآخره مهملة: داء يأخذ الدواب، فيسيل من أنوفها شيء، فتموت فجأة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٨٨)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٨).\n(^٤) رواه البخاريّ، وتقدم تخريجه قريبًا.\n(^٥) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٨).\n(^٦) انظر: \"البداية والنهاية\" (٧/ ٩٠).\n(^٧) انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ١٥٧ - ١٥٨)، و\"البداية والنهاية\" (٧/ ٩٤).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>٥ - استفاضة المال والاستغناء عن الصَّدقة:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقومُ السّاعة حتّى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يقبله منه صدقة، ويُدعى إليه الرَّجل، فيقول: لا أرب لي فيه\" (^١).\nوعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"ليأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يطوف الرَّجلُ فيه بالصدقة من الذهب، ثمّ لا يجد أحدًا يأخذها منه\" (^٢).\nوأخبر - ﷺ - أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله زوى (^٣) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزينِ الأحمر والأبيض\" (^٤).\nوقال - ﷺ -: \"وإني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) (زوي): يقال: زويته أزويه زيًّا؛ أي: جمعته، والمعنى أن الله جمع له - ﷺ - الأرض، وقرَّبها حتّى رأى مشارقها ومغاربها.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":87},{"text":"الأرض\" (^١).\nوعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: بينما أنا عند النّبيّ - ﷺ -، إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثمّ أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: \"يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ \". قلتُ: لم أرها، وقد أُنبئتُ عنها. قال: \"فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتىَ تطوفَ بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلَّا الله\". قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار (^٢) طيىء الذين قد سعروا البلاد؟! \"ولئن طالت بك حياةٌ لَتُفْتَحَنَ كنوزُ كسرى\". قلتُ: كسرى بن هرمز؟! قال: \"كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرَّجل يُخْرِجُ ملءَ كفَّه من ذهب أوفضة؛ يطلب مَنْ يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه ... \".\nقال عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف إِلَّا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النّبيّ أبو القاسم - ﷺ -، يخرج ملء كفه (^٣).\nفقد تحقَّق كثيرٌ ممَّا أخبرنا به الصادق - ﷺ -، فكثُر المال في عهد الصّحابة ﵃ بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفضائل، باب حوض نبيّنا - ﷺ - وصفته، (١٥/ ٥٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) (دعار): مفرده داعر: وهو الخبيث المفسد، والمراد بهم هنا قطاع الطريق.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١١٩).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦١٠ - ٦١١ - مع الفتح)، و\"شرح السنة\"، كتاب الفتن، باب ما يكون من كثرة المال والفتوح، (١٥/ ٣١ - ٣٣)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.","vol":"1","page":88},{"text":"والروم، ثمّ فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀، فكان الرَّجل يَعْرِض المال للصدقة، فلا يجد مَنْ يقبله.\nوسيكثر المال في آخر الزّمان، حتّى يعرض الرَّجل ماله، فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب لي به.\nوهذا - والله أعلم - إشارةٌ إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵇ (^١)؛ من كثرة الأموال، وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.\nففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة\". قال: \"فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعتُ يدي. ثمّ يَدَعونه فلا يأخذون منه شيئًا\" (^٢).\nوذكر ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون استغناء النَّاس عن المال وتركهم له وقت خروج النّار واشتغال النَّاس بأمر الحشر، فلا يلتفتُ أحدٌ حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفَّف ما استطاع.\nوما ذكره ابن حجر من استغناء النَّاس عن المال لاشتغالهم بأمر الحشر لا يُنافي أن يكون لاستغنائهم سببٌ آخر، وهو كثرة المال؛ كما يحصل في زمن المهدي وعيسى -﵇-، وبذلك يكون الاستغناء يقع في زمنين - وإن تباعدا - بسببين مختلفين، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٧ - ٨٨).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (١٥/ ٩٨ - مع شرح النووي)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٨).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>٦ - ظُهور الفتن:</span>\nالفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثمّ كثُرَ استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ أُطلِقت على كلّ مكروهٍ أو آيِلٍ إليه؛ كالإِثم، والكفر، والقتل، والتَّحريق، وغير ذلك من الأمور المكروهة (^١).\nوقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أن من أشراط السّاعة ظهور الفتن العظيمة الّتي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإِيمان، حتّى يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنةٌ؛ قال المؤمّن: هذه مُهْلِكَتي. ثمّ تنكشف، ويظهر غيرها، فيقول: هذه، هذه. ولا تزال الفتن تظهرُ في النَّاس إلى أن تقوم السّاعة.\nففي الحديث عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن بين يدي السّاعة فتنًا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرَّجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساير، فكسِّروا قسِّيكُم، وقطِّعوا أوتارَكُم، واضْرِبوا بسيوفِكُمُ الحِجارَةَ؛ فإن دُخِل على أحدِكُم؛ فليَكُنْ كخيرِ ابني آدم\".\nرواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في \"المستدرك\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"لسان العرب\" (١٣/ ٣١٧ - ٣٢١)، و\"النهاية\" (٣/ ٤١٠ - ٤١١)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٣).\n(^٢) \"مسند الإمام أحمد\" (٤/ ٤٠٨ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و\"سنن أبي =","vol":"1","page":90},{"text":"وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع اللّيل المظلم؛ يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمْسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يبيع دينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنيا\" (^١).\nوعن أم سلمة زوجِ النبيِّ - ﷺ - ﵂، قالت: استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلةً فَزِعًا؛ يقول: \"سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل الله من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلّين؟ ربَّ كاسية في الدُّنيا عارية في الآخرة\".\nرواه البخاريّ (^٢).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: نادى منادي رسول الله - ﷺ -: الصّلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إِلَّا كان حقًّا عليه أن يدلُّ أمَّتَهُ على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإن أمَّتَكُم هذه جُعِل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأُمورٌ تُنْكِرونها، وتجيء الفتنة، فيرقَّق بعضها\n_________\n= داود\" (١١/ ٣٣٧ - مع عون المعبود)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣١٠)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٤٠)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، وسكت عنه الذهبي.\nوالحديث صححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ١٩٣) (ح٢٠٤٥).\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، (٢/ ١٣٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إِلَّا الّذي بعده شر منه، (١٣/ ٢٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":91},{"text":"بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمّن: هذه، هذه ... فمَن أحبَّ أن يُزَحْزح عن النّار ويدخل الجنَّة؛ فلتأته منيَّتُه، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر\".\nرواه مسلم (^١).\nوأحاديث الفتن كثيرة جدًّا، فقد حذَّر النّبيّ - ﷺ - أمَّته من الفتن، وأمر بالتعوُّذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاءٌ وفِتَنٌ عظيمة، وليس هنالك عاصمٌ منها، إِلَّا الإِيمان بالله واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة - وإن قلُّوا -، والابتعاد عن الفتن، والتعوُّذ منها، فقد قال ﵊: \"تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن\".\nرواه مسلم (^٢) عن زيد بن ثابت ﵁.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>أ - ظهور الفتن من المشرق:</span>\nأكثر الفتن الّتي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان، وهذا مطابِقٌ لما أخبر به نبيُّ الرّحمة - ﷺ -.\nفقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنّه سمع رسول الله - ﷺ - وهو مستقبل المشرق يقول: \"ألَّا إن الفتنةَ هاهُنا، ألَّا إن الفتنة ها هُنا، من جيث يطلُعُ قرنُ الشيطان\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأوّل فالأول، (١٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميِّت عليه واثبات عذاب القبر والتعوذ منه، (١٧/ ٢٠٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) (قرن الشيطان): قوة الشيطان وأتباعه، أو أن للشمس قرن على الحقيقة. =","vol":"1","page":92},{"text":"رواه الشيخان (^١).\nوفي رواية لمسلم أنّه قال: \"رأس الكفر من هاهُنا، من حيث يطلُعُ قرنُ الشيطان\"؛ يعني: المشرق (^٢).\nوعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: دعا النبيُّ - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ بارِك لنا في صاعِنا ومُدِّنا، وبارك لنا في شامِنا ويمنِنا\". فقال رجلٌ من القوم: يا نبي الله! وفي عراقنا. قال: \"إن بها قَرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق\" (^٣).\nقال ابن حجر: \"وأول الفتن كان منبعها من قِبَلِ المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك ممّا يحبُّه الشيطان ويفرحُ به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة\" (^٤).\nفمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية،\n_________\n= وقيل: إن الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له.\nانظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٦).\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"الفتنة من قبل المشرق\"، (١٣/ ٤٥ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣١ - مع شرح نووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، (١٨/ ٣١ - ٣٢ - مع شرح النووي).\n(^٣) رواه الطبراني، ورواته ثقات.\n\"مختصر الترغيب والترهيب\" (ص ٨٧) للحافظ ابن حجر، تحقيق عبد الله بن السَّيِّد أحمد بن حجاج، مطبعة التقدم، الناشر مكتبة السّلام، القاهرة، الطبعة الرّابعة، (١٤٠٢هـ).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤٧).","vol":"1","page":93},{"text":"والقَدَرية، والجهميَّة، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق؛ من جهة الفرس المجوس؛ كالزردشتية (^١)، والمانويّة (^٢)، والمزدكية (^٣)، والهندوسية (^٤)، والبوذيَّة (^٥)، وأخيرًا وليس آخرًا: القاديانية (^٦)،\n_________\n(^١) (الزردشتية): هم أصحاب زردشت بنيورشب، وأبوه من أذربيجان، ومن عقيدتهم أن النور والظلمة أصلان متضادان، وهما مبدأ موجودات العالم، وزردشت يقول: إن الباري تعالى هو خالق النور والظلمة ومبدعهما، والزردشتية جماعة منظمة، ولها درجات ومراتب، وموطنهم فارس.\nأنظر: \"الملل والنحل\" (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) للشهرستاني، وكتاب \"وجاء دور المجوس\" (ص ٢٤) للدكتور عبد الله الغريب.\n(^٢) (المانوية): هم أصحاب ماني بن فاتك المجوسي، وعقيدتهم أن العالم مخلوق من أصلّين قديمين هما النور والظلمة. انظر: \"الملل والنحل\" (١/ ٢٤٤).\n(^٣) (المزدكية): أصحاب مزدك بن بافداد، الّذي دعا إلى الإباحية واشتراك النَّاس في النِّساء والأموال، وليست الشيوعية الحديثة إِلَّا امتدادًا للمزدكية.\nانظر: \"الملل والنحل\" (١/ ٢٤٩)، وكتاب \"وجاء دوو المجوس\" (ص ٢٧ - ٢٩).\n(^٤) (الهندوسية): ديانة الجمهرة العظمى في الهند الآن، وقد جاء بها الأريون عندما فتحوا الهند، وليس لها مؤسس معيَّن، وهي مجموعة عقائد، ولهم آلهة كثيرة، ويقسمون النَّاس إلى أربع طبقات، أعلاها البراهمة، وأدناها المنبوذون، ولهم كتاب مقدس اسمه \"الويدا\"، وهو عبارة عن تاريخ للآربين، وهم طبقة البراهمة، وفيه مجموعة تعاليم.\nانظر: \"مقارنة الأديان/ أديان الهند الكبرى\" (٤/ ٤٩ - ٤٦) لأحمد شلبي.\n(^٥) (البوذية): مؤسس هذه النحلة اسمه (سيد هارتا)، ثمّ تسمى بـ (بوذا)، ودعوته تقوم على التقشف، والزهد، والرياضات، ويقول بالتناسخ - والتناسخ أساس أديان الهند -، وبوذا لا يؤمن بوجود إله.\nوقد امتزجت البوذية بالهندوسية، وذابت فيها، وأصبح بوذا من آلهة الهندوس.\nانظر: \"مقارنة الأديان/ أديان الهند الكبرى\" (٤/ ١٣٧ - ١٧٠).\n(^٦) (القاديانية): نسبة إلى مؤسسها الميرزا غلام أحمد القادياني، وكان ظهور هذه =","vol":"1","page":94},{"text":"والبهائية (^١) ... إلى غير ذلك من المذاهب الهدَّامة.\nوأيضًا؛ فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدَّمار والقتل والشرِّ العظيم ما هو مدوَّنٌ في كتب التاريخ.\nوإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن والشرور والبدع والخرافات والإِلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية، وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجَّال ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.\nولا بدَّ لي هنا من أن أنبَّه على أن بعض الفتن هو من أشراط السّاعة\n_________\n= النحلة في أواخر القرن التّاسع عشر الميلادي في الهند، في إقليم (بنجاب) بباكستان، وادَّعى النبوة، وأنّه المسيح الموعود، وساعده الإِنكليز في نشر دعوته، ومن أباطيله نسخ الجهاد، وفرض طاعة الحكومة البريطانية، وأن نزول عيسى من نسج النصارى، ومَن قال: إن عيسى ما مات؛ فقد أشرك، وكان هلاكه سنة (١٩٠٨ م).\nانظر: \"القادياني ومعتقداته\" للشيخ منظور أحمد الباكستاني، و\"القاديانية ثورة على النبوة والإسلام\"، و\"القادياني والقاديانية دراسة وتحليل\"؛ كلاهما لأبي الحسن الندوي.\n(^١) (البهائية): مؤسس هذه النحلة رجل من فارس، اسمه الميرزا علي محمّد الشيرازي، الّذي لقَّب نفسه بـ (الباب)، وقد سجنته حكومة فارس، ثمّ قتلته، وخلفه أحد أتباعه، وهو بهاء الله ميرزا حسين علي، ومن عقائده نسخ القرآن، وهدم الكعبة، وإبطال الحجِّ، وادَّعى النبوة، وله كتاب سماه \"الكتاب الأقدس\".\nوقد تطوَّر مذهب البهائبين حتّى ادَّعوا أن البهاء إله، فقد كان نقش (إكليشة) نشراتهم: \"بهاء يا إلهي\".\nانظر: كتاب \"دراسات عن البهائية والبابية\"، مجموعة رسائل لجماعة من الكتاب المسلمين، طبع المكتب الإِسلامي، ط. الثّانية، (١٣٩٧ هـ)، دمشق.","vol":"1","page":95},{"text":"الّتي نصَّ عليها رسول الله - ﷺ -؛ كموقعة صفين، وظهور الخوارج، وسأتكلم بإيجاز عن بعض الفتن العظيمة الّتي كانت سببًا في تفريق المسلمين، وظهور الشرَّ العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>ب - مقتل عثمان بن عفان ﵁:</span>\nلقد كان ظهور الفتن في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁؛ فإنّه كان بابًا مغلقًا دون الفتن، فلما قُتِلَ ﵁، ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دُعاتُها ممَّن لم يتمكَّن الإِيمان من قلبه، وممَّن كان من المنافقين الذين يُظْهِرون للناس الخير، ويُبْطِنون الشر والكيد لهذا الدين.\nففي \"الصحيحين\" عن حُذيفة ﵁ أن عمر بن الخطّاب ﵁؛ قال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هاتِ؛ إنك لجريء. قال رسول الله - ﷺ -: \"فتنةُ الرَّجل في أهله وماله وجاره تكفِّرها الصّلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\". قال: ليست هذه، ولكن الّتي تموجُ كموجِ البحر. قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يُفتح الباب أو يُكْسر؟ قال: لا، بل يُكْسَر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: عُلِمَ الباب؟ قال: نعم؛ كما أن دون غَدٍ اللَّيلة، إنِّي حدثتُه حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا، فسأله، فقال: مَنْ الباب؟ قال: عمر (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤ =","vol":"1","page":96},{"text":"وكان ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -، فقد قُتِلَ عمر، وكُسِرَ الباب، وظهرتِ الفتن، ووقع البلاء، فكان أول فتنة ظهرت هي قتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفَّان على يد طائفة من دُعاة الشر، الذين تألَّبوا عليه من العراق ومصر، ودخَلُوا المدينة، وقتلوه وهو في داره ﵁ (^١).\nوقد ذكر النّبيّ - ﷺ - لعثمان ﵁ أنّه سيصيبه بلاءٌ، ولهذا صبر ونهى الصّحابة عن قتال الخارجين عليه؛ كي لا يُراقَ دَمٌ مِن أجله ﵁ (^٢).\nففي الحديت عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرج النّبيّ - ﷺ - إلى حائطٍ مِن حوائطِ المدينة ... (فذكر الحديث إلى أن قال: (فجاء عثمان، فقلت: كما أنت، حتّى أستأذن لك. فقال النّبيّ - ﷺ -: \"ائذن له، وبشِّره بالجنة معها بلاءٌ يُصيبُهُ\" (^٣).\n\"وخصَّ النبيُّ - ﷺ - عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضًا؛ لكون عمر لم يمْتَحَنْ بمثلِ ما امْتُحِنَ به عثمان؛ من تسلُّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإِمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم؛ بعد إقناعه\n_________\n= مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - ١٧ - مع شرح النووي).\n(^١) انظر تفصيل ذلك في \"البداية والنهاية\" (٧/ ١٧٠ - ١٩١).\n(^٢) انظر: \"العواصم من القواصم\" (ص ١٣٢ - ١٣٧)، تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب.\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب الفتنة الّتي تموج كموج البحر، (١٣/ ٤٨ - مع الفتح).","vol":"1","page":97},{"text":"لهم، وردِّه عليهم\" (^١).\nوبمقتل عثمان ﵁ انقسم المسلمون، ووقع القتال بين الصّحابة، وانتشرت الفتن والأهواء، وكَثُر الاختلاف، وتشعَّبت الآراء، ودارت المعارك الطاحنة في عهد الصّحابة ﵃، وكان النّبيّ - ﷺ - يعلم ما سيقع من الفتن في زمنهم؛ فإنّه أشرف على أطم (^٢) من آطام المدينة، فقال: \"هل ترونَ ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكُم كوقع القطر\" (^٣).\nقال النووي: \"والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم؛ أي: أنّها كثير، تعمُّ النَّاس، لا تختصُّ بها طائفةٌ، وهذا إشارةٌ إلى الحروب الجارية بينهم؛ كوقعة الجمل، وصفِّين، والحرَّة، ومقتل عثمان والحسين ﵄ ... وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له - ﷺ - \" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>ج - موقعة الجمل:</span>\nومن الفتن الّتي وقعت بعد قتل عثمان ﵁ ما وقع في معركة الجمل المشهورة بين علي ﵁ وعائشة وطلحة والزُّبير ﵃؛ فإنّه لما قُتِل عثمان؛ أتى النَّاس عليًّا وهو في المدينة، فقالوا له:\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٥١).\n(^٢) (أُطم)؛ بالضم: بناء مرتفع، وجمعه: آطام، وهي الأبنية المرتفعة؛ كالحصون.\nانظر: \"النهاية\" (١/ ٥٤) لابن الأثير.\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٧ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٨).","vol":"1","page":98},{"text":"ابْسُطْ يَدَكَ نُبايِعْكَ. فقالَ: حتّى يتشاوَرَ النَّاس. فقال بعضهم: لئن رجع النَّاس إلى أمصارِهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائمٌ؛ لم يؤمَن الاختلاف وفساد الأمة. فألحُّوا على عليٍّ ﵁ في قبول البيعة، فبايعوه، وكان ممَّن بايعه طلحة والزُّبير ﵄، ثمّ ذهبا إلى مكَّة للعمرة، فلقيتهم عائشة ﵂، وبعد حديثٍ جرى بينهم في مقتل عثمان توجَّهوا إلى البصرة، وطلبوا من عليٍّ أن يسلِّم لهم قتلة عثمان (^١)، فلم يجبهم؛ لأنّه كان ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحدٍ بعينِه أنَّه ممَّن قتل عثمان؛ اقتصَّ منه، فاختلفوا بسبب ذلك، وخشي مَنْ نُسِب إليهم القتل - وهم الخارجون على عثمان - أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بين الطائفتين (^٢).\nوقد أخبر النبيُّ - ﷺ - أنّه سيكونُ بينه وبين عائشة أمرٌ، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله - ﷺ - قال لعلّيِّ بن أبي طالب: \"إنّه سيكون بينَكَ وبينَ عائشة أمرٌ\". قال: أنا يا رسول الله! قال: \"نعم\". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: \"لا؛ ولكِن إذا كان ذلك؛ فاردُدْها إلى مأمَنِها\" (^٣).\n_________\n(^١) يرى أبو بكر بن العربي في كتابه \"العواصم من القواصم\" أن خروجهم إلى البصرة إنّما كان للصلح بين المسلمين، وقال:، هذا هو الصّحيح، لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار\".\nانظر: \"العواصم\" (ص ١٥١).\n(^٢) انظر تفصيل ذلك في \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٤ - ٥٩).\n(^٣) \"مسند الإمام أحمد\" (٦/ ٣٩٣ - بهامشه منتخب كنز العمال).\nوالحديث حسن. انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٥). =","vol":"1","page":99},{"text":"ومما يدلُّ على أن عائشة وطلحة والزبير لم يخرجوا للقتال، وإنّما للصُّلح بين المسلمين ما رواه الحاكم من طريق قيس بن أبي حازم؛ قال: لما بلغت عائشة ﵂ بعض ديار بني عامر؛ نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب (^١). قالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة. فقال لها الزبير: لا بعدُ، تقدَّمي، فيراك النَّاس، فيصلح الله ذات بينِهم. فقالت: ما أظنُّني إِلَّا راجعة؛ سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"كيفَ بإحداكُنَّ إذا نبحَتْها كلاب الحوأب\" (^٢).\nوفي رواية للبزار عن ابن عبّاس أن رسول الله - ﷺ - قال لنسائه: \"أيتكنَّ صاحبة الجمل الأدبب (^٣)، تخرجُ حتّى تنبحها كلاب الحوأب،\n_________\n= قال الهيثمي: \"رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٣٤).\n(^١) (الحوأب): موضع قريب من البصرة، وهو من مياه العرب في الجاهلية، ويقع على طريق القادم من مكّة إلى البصرة، وسمي ب (الحوأب) نسبة لأبي بكر بن كلاب الحوأب، أو نسبة للحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٣١٤)، وحاشية محب الدين الخطيب على \"العواصم من القواصم\" (ص ١٤٨).\n(^٢) \"مستدرك الحاكم\" (٣/ ١٢٠).\nقال ابن حجر: \"سنده على شرط الصّحيح\". انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٥).\nوقال الهيثمي: \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٣٤).\nوالحديث في \"مسند الإمام أحمد\" (٦/ ٥٢ - بهامشه منتخب كنز العمال).\n(^٣) (الأدبب)؛ أي: الأدب، وهو كثير وبر الوجه.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٢/ ٩٦).","vol":"1","page":100},{"text":"يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتَنْجو من بعد ما كادت\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنّما خرجت بقصد الإِصلاح بين المسلمين، وظنَّت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثمّ تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرتْ خُروجها؛ تبكي حتّى تَبُلَّ خِمارَها، وهكذا عامَّة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليٌّ ﵃ أجمعين.\nولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصدٌ في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم؛ فإنّه لما تراسل عليٌّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنّهم إذا تمكَّنوا؛ طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علىٌّ غير راضٍ بقتل عثمان، ولا معينًا عليه؛ كما كان يحلف، فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله. وهو الصادق البار في يمينه، فخشي\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٥).\nوقال ابن حجر: \"رجاله ثقات\".\nوقد أنكر الإمام أبو بكر بن العربي حديث (الحوأب) في كتابه \"العواصم من القواصم\" (ص ١٦١)، وتابعه في ذلك الشّيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على \"العواصم\"، وذكر أن هذا الحديث ليس له موضع في دواوين الإسلام المعتبرة. ولكن الحديث صحيح؛ صححه الهيثمي، وابن حجر؛ كما سبق، فقد قال الحافظ في \"فتح الباري\" (١٣/ ٥٥) في كلامه على حديث الحوأب: \"وأخرج هذا أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وسنده على شرط الصّحيح\".\nوصححه الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\"، ورد على مَنْ طعن في صحة هذا الحديث، وبيَّن من أخرجه من الأئمَّة.\nانظر: \"السلسلة\" (م ١/ جـ ٤ - جـ ٥/ ٢٢٣ - ٢٣٣) (حديث رقم ٤٧٥).","vol":"1","page":101},{"text":"القتلة أن يتَّفِقَ عليٌّ معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحةُ والزُّبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ عليٌّ أنّهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة راكبةٌ؛ لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال، وهكذا ذكره غير واحدٍ من أهل المعرفة بالأخبار\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>د- موقعة صفِّين:</span>\nومن الفتن الّتي وقعت بين الصّحابة ﵃ غير حرب الجمل ما أشار إليه النّبيّ - ﷺ - بقوله: \"لا تقوم السّاعة حتّى تقتتلَ فئتانِ عظيمتان، يكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ، دعواهما واحدة\".\nرواه البخاريّ ومسلم (^٢).\nفالفئتان هما طائفة عليٍّ ومَن معه، وطائفة معاوية ومَن معه، على ما ذكر الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (^٣).\nأخرج البزَّار بسند جيِّد عن زيد بن وَهْب؛ قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة الّتي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها؛ فإنها على الحق (^٤).\n_________\n(^١) \"منهاج السنة\" (٢/ ١٨٥).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب (بدون)، (١٣/ ٨ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ١٨/ ١٢ - ١٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) (١٣/ ٨٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٥).","vol":"1","page":102},{"text":"وقد وقعت الحرب بين الطائفتين في الموقعة المشهور بـ (صفِّين) (^١) في ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، وكان بين الفريقين أكثر من سبعين زحفًا، قُتِل فيها نحو سبعين ألفًا من الفريقين (^٢).\nوما حصل من قتال بين عليٍّ ومُعاوية لم يكن يريده واحدٌ منهما، بل كان في الجيشين من أهل الأهواء متغلَّبون يحرِّضون على القتال، الأمر الّذي أدَّى إلى نُشوب تلك المعارك الطاحنة، وخروج الأمر من يد عليٍّ ومُعاوية ﵄.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا مُعاوية، وكان علىٌّ ومُعاوية ﵄ أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها.\nوكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي (^٣)، وهاشم بن عتبة\n_________\n(^١) (صفين): موضع على شاطىء الفرات من الجانب الغربي، بقرب الرقة، آخر تخوم العراق وأول أرض الشّام.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٤١٤)، وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب على \"العواصم\" (ص ١٦٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٦)، و\"معجم البلدان\" (٣/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(^٣) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة النخعي الكوفي المعروف بالأشتر، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر وعلي، وكان من أصحاب علي ﵁، شهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وقيل: إنّه شهد اليرموك، وكان رئيس قومه، وكان ممَّن يسعى في الفتنة والتأليب على عثمان، ولَاّه على مصر، وتوفي وهو في طريقه إليها سنة (٣٧ هـ).=","vol":"1","page":103},{"text":"المرقال (^١) وعبد الرّحمن بن خالد بن الوليد (^٢) وأبي الأعور السلمي (^٣) ونحوهم من المحرِّضين على القتال، قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلّيٍّ، وقوم ينفرون عنه، ثمّ قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى.\nوقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية، لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم؛ كما قال الزّهريُّ: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، فأجمعوا أن كلّ دمٍ أو مال أو فرج أُصيب بتأويل القرآن؛ فإنّه هدرٌ، أنزلوهم\n_________\n= انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١١ - ١٢)، و\"الأعلام\" (٥/ ٢٥٩).\n(^١) هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص الزّهريُّ: يُعرف بـ (المرقال)، كان من أمراء علي يوم صفين، ولد في حياة النّبيّ - ﷺ -، قيل: إنّه من الصّحابة، وقُتِل يوم صفين، وكان موصوفًا بالشجاعة\nانظر ترجمته في: \"سير أعلام النُّبَلاء\" (٣/ ٤٨٦)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٤٦)، و\"الأعلام\" (٨/ ٦٦).\n(^٢) عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، كان أحد الأجواد، وكان حامل لواء معاوية يوم صفين، توفي سنة (٤٦ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (١/ ٥٥).\n(^٣) هو عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد الذكواني السلمي، مشهور بكنيته.\nنقل ابن حجر عن عبّاس الدوري أن يحيى بن معين قال: \"أبو الأعور السلمي، رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، وكان مع معاوية\".\nوقال ابن أبي حاتم عن أبيه: \"إن أبا الأعور أدرك الجاهلية ولا صحبة له، وقد غزا قبرص سنة ست وعشرين، وكانت له مواقف بصفين مع معاوية\".\nانظر: \"الإِصابة\" (٢/ ٥٤٠ - ٥٤١)، وحاشية \"المنتقى من منهاج الاعتدال\" (ص ٢٦٤) للإِمام الذهبي تحقيق وتعليق الشّيخ محب الدين الخطيب.","vol":"1","page":104},{"text":"منزلة الجاهلية\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>هـ - ظهور الخوارج:</span>\nومن الفتن الّتي وقعت ظهور الخوارج على عليٍّ ﵁، وكان بداية ظهورهم بعد انتهاء معركة (صفين)، واتفاق أهل العراق والشام على التحكيم بين الطائفتين، وفي أثناء رجوع عليٍّ ﵁ إلى الكوفة فارقه الخوارج - وقد كانوا في جيشه -، ونزلوا مكانًا يُقال له (حَروراء) (^٢)، ويبلغ عددهم ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، فأرسل عليٌّ إليهم ابن عبّاس ﵁، فناظرهم، ورجع معه بعضهم، ودخلوا في طاعة عليٍّ.\nوأشاع الخوارج أن عليًّا تاب من الحكومة، ولذلك رجع بعضهم إلى طاعته، فخطبهم عليٌّ ﵁ في مسجد الكوفة، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إِلَّا لله. وقالوا: أشركتَ وحكَّمتَ الرجال ولم تحكِّم كتاب الله.\nفقال لهم عليٌّ: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنَعَكُم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا.\nثمّ إنهم تجمَّعوا وقتلوا مَنْ اجتاز بهم من المسلمين ومرَّ بهم عبد الله\n_________\n(^١) \"منهاج السنة\" لابن تيمية (٢/ ٢٢٤).\n(^٢) (حروراء): قرية على ميلين من الكوفة، وإليها نُسبت الخوارج، فيقال: حرورية.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٤٥).","vol":"1","page":105},{"text":"بن خبَّاب بن الأرت (^١) ومعه زوجته، فقتلوه، وبقروا بطن زوجته عن ولدها، فلما علم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسألهم مَنْ قتله؟ فقالوا: كلُّنا قتله. فتجهَّز علىٌّ للقتال، والتقى بهم في الموقعة المشهورة بـ (النهروان) (^٢)، فهزمهم شرَّ هزيمة، ولم ينجُ منهم إِلَّا القليل.\nوقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بخروج هذه الطائفة في هذه الأمة، فقد تواترت الأحاديث بذلك، ذكر منها الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد (^٣):\nمنها ما رواه أبو سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق\".\nرواه مسلم (^٤).\n_________\n(^١) عبد الله بن خباب بن الأرت التميمي، صحابي جليل، ولد في زمن النّبيّ - ﷺ -، فسماه عبد الله، وكان هو وعبد الله بن الزبير أول مَنْ ولد في الإسلام، قتله الخوارج سنة (٣٧ هـ).\nانظر: \"الإصابة في تمييز الصّحابة\" (٢/ ٣٠٢)، و\"البداية والنهاية\" (٧/ ٢٨٨)، و\"تجريد أسماء الصّحابة\" (١/ ٣٠٧).\n(^٢) (النهروان): هي ثلاثة نهروانات، وهي بلاد واسعة قريبة من بغداد بالعراق، وأصلها وادي جرار، بدايته من أذربيجان، ويسقي قرى كثيرة ثمّ يصب باقيه في دجلة أسفل المدائن، ويقال له بالفارسية: جوروان، فعرب الإسلام، فقيل: نهروان؛ بفتح النون.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).\n(^٣) انظر: \"البداية والنهاية\" (٧/ ٢٩٠ - ٣٠٧).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب إعطاء المؤلَّفة ومَن يخاف على إيمانه، (٧/ ١٦٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":106},{"text":"وعنه ﵁ أنّه لما سُئل عن الحرورية؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: \"يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرُقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّةِ\" (^١).\nرواه البخاريّ.\nوقد أمر النّبيّ - ﷺ - بقتال الخوارج، وبيَّن أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، ولهذا دليلٌ على فساد هذه الطائفة، وبعدها عن الإسلام، وضررها العظيم على الأمة؛ بما تُثيره من فتن وقلاقل.\nففي \"الصحيحين\" عن عليٍّ ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيخرجُ قومٌ في آخر الزَّمان، أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرَّيَّة، لا يجاوز إيمانُهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمَن قتلهم يوم القيامة\" (^٢).\nقال الإمام البخاريّ: \"كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\" (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، (٧/ ١٦٩ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج، (١٢/ ٢٨٢ - مع الفتح). وقال ابن حجرت \"سنده صحيح\". \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":107},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: \"عظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإِبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضِها، وكفَّروا مَنْ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا؛ فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفُّوا عن أموال أهل الذمَّةِ وعن التعرُّض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن يُنْسَب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب\" (^١).\nولا يزال الخوارج يَظْهرون حتّى يدرك آخرهم الدجَّال، ففي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -؛ قال: \"ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهُم، كلما خرج قرنٌ؛ قُطِعَ\". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"كلما خرج قرنٌ قُطع (أكثر من عشرين مرّة) حتّى يخرج في عراضهم الدجَّال\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>و- موقعة الحرَّة </span>(^٣):\nثمّ تتابع وقوع الفتن بعد ذلك، ومن هذه الفتن موقعة الحرَّة المشهورة في عهد يزيد بن معاوية، والتي استُبيحَت فيها مدينة رسول الله ﷺ، وقُتِل\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٨٥).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\"، المقدِّمة، باب ذكر الخوارج، (١/ ٦١) (ح ١٧٤)، والحديث حسن.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٣٦٢) (ح ٨٠٢٧) للألباني.\n(^٣) (الحرَّة): هي الحرة الشرقية، إحدى حرَّتي المدينة، وفيها كانت المعركة بين أهل المدينة وجيش يزيد بن معاوية سنة (٦٣ هـ)، وسببها أن أهل المدينة خلعوا يزيد،=","vol":"1","page":108},{"text":"فيها كثيرٌ من الصّحابة ﵃.\nقال سعيد بن المسيَّب: \"ثارت الفتنة الأولى، فلم يبق ممَّن شهد بدرًا أحدٌ، ثمّ كانت الثّانية، فلم يبق ممَّن شهد الحديبية أحدٌ\".\nقال: \"وأظن لو كانت الثّالثة؛ لم ترتفع وفي النَّاس طباخ\" (^١).\nقال البغوي: \"أراد بالفتنة الأولى مقتل عثمان، وبالثّانية: الحرة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ز- فتنة القول بخلق القرآن:</span>\nثمّ ظهر بعد ذلك في عهد العباسيِّين فتنة القول بخلق القرآن، وقد تزعم هذه المقالة الخليفة العباسي المأمون، وناصَرَها، وتَبِعَ في ذلك الجهميَّة والمعتزلة الذين روَّجوها عنده، حتّى امتُحِنَ بسببها علماء الإسلام، ووقع على المسلمين بذلك بلاءٌ عظيمٌ، فقد شغلتهم ردحًا طويلًا من الزَّمن، وأدخل بسببها في عقيدة المسلمين ما ليس منها.\nهذا؛ والفتن الّتي وقعت كثيرة لا حصر لها، ولا تزال الفتن تظهر وتتابع وتزداد.\nوبسبب هذه الفتن وغيرها من الفتن افترق المسلمون إلى فرقٍ\n_________\n= فأرسل إليهم جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة المري، فاستباح المدينة، وقتل نحو سبع مئة من الصّحابة والمهاجرين والأنصار ومن غيرهم عشرة آلاف، فسماه السلف: مسرف. وقد أخذه الله وهو في طريقه إلى مكّة متوجهًا من المدينة.\nانظر: \"البداية والنهاية\" (٨/ ٢١٧ - ٢٢٤)، و\"معجم البلدان\" (٢/ ٢٤٩).\n(^١) (طباخ)؛ أي: خير ونفع؛ يقال: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له.\nانظر: \"شرح السنة\" للبغوي (١٤/ ٣٩٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n(^٢) \"شرح السنة\" (١٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":109},{"text":"كثيرةٍ، كلّ فرقةٍ تدعو إلى نفسها، وتدَّعي أنّها على الحق، وأن غيرَها على الباطل.\nوقد أخبر الهادي البشيرُ ﵊ بافتراق هذه الأمة كما افترقت الأمم قبلها.\nففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"افترقتِ اليهود على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة\":\nرواه أصحاب \"السنن\"؛ إِلَّا النسائي (^١).\nوعن أبي عامر عبد الله بن لحي؛ قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكَّة؛ قام حين صلَّى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن أهل الكتابين افترقوا في دينِهم على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّةً - يعني: الأهواء -؛ كلها في النّار إِلَّا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تَجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دخله\". والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيُّكم - ﷺ -؛ لَغَيْرُكُم\n_________\n(^١) \"التّرمذيّ\" (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: \"حديث حسن صحيح\"، و\"سنن أبي داود\" (١٢/ ٣٤٠ - مع عون المعبود)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٢١) تحقيق محمّد فؤاد عبد الياقي.\nوالحديث صحيح.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (١/ ٣٥٨) (ح ١٠٩٤)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحه\" (م ١/ ج٣/ ١٢) (ح ٢٠٣).","vol":"1","page":110},{"text":"من النَّاس أحرى أن لا يقوم به (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ح - اتِّباع سنن الأمم الماضية:</span>\nومن الفتن العظيمة اتِّباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلَّد بعض المسلمين الكفَّار، وتشبَّهوا بهم، وتخلَّقوا بأخلاقهم، وأُعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبيُّ - ﷺ -، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى تأخذ أمَّتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ\". فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: \"ومَن النَّاس إِلَّا أولئك\".\nرواه البخاريّ (^٢).\nوفي رواية عن أبي سعيد: قُلْنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: \"فمَن؟! \".\nرواه البخاريّ ومسلمٌ (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٠٢ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و\"سنن أبي داود\" (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢ - مع عون المعبود)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ١٠٢)، وقال الحاكم بعد سياقه لهذا الحديث وحديث أبى هريرة: \"هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث\".\nوالحديث صحَّحه الألباني، وذكر طرقه في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\"، وردَّ على من طعن فيه. انظر: \"السلسلة\" (م ٢/ جـ ٣/ ١٤ - ٢٣) (ح ٢٠٤).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب: قول النّبيّ - ﷺ -: \"لتتبعنَ سنن مَنْ كان قبلكم\" (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب الألد الخصم، (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠ - مع شرح النوَوي).","vol":"1","page":111},{"text":"قال ابن بطَّال (^١): \"أعْلَمَ - ﷺ - أن أمَّته ستَتَّبِع المُحدثات من الأمور والبدع والأهواء؛ كما وقع للأمم قبلَهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرٌّ، والساعة لا تقوم إِلَّا على شرار النَّاس، وأن الدين إنّما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ مِن النَّاس\" (^٢).\nوقال ابن حجر: \"وقد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ -، وسيقع بقيَّة ذلك\" (^٣).\nوفي هذا الزمن كثر في المسلمين مَنْ يتشبَّه بالكفارة من شرقبين وغرببين، فتشبَّه رجالنا برجالهم، ونساؤنا بنسائهم، وافتتنوا بهم، حتّى أدى الأمر ببعض النَّاس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنّه لا يتمُّ لهم تقدُّم وحضارة إِلَّا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، ومَن عرف الإسلام الصّحيح؛ عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، من بُعْدٍ عن تعاليم الإسلام، وانحرافٍ عن عقيدته، فلم يبقَ عندَ بعضهم من الإسلام إِلَّا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ ممّا وصف به النّبيّ - ﷺ - المسلمين في اتِّباعهم ومحاكاتهم للكفار، فقال: \"شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتّى لو دَخَلوا جًحْرَ ضبٍّ\n_________\n(^١) هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطَّال القرطبي، روى عن أبي المطرِّف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وله شرح على \"صحيح البخاريّ\"، توفي في صفر سنة (٤٤٩ هـ)، ﵀.\nانظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٣/ ٢٨٣)، و\"الأعلام\" (٤/ ٢٨٥) للزركلي.\n(^٢) و(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٠١ - مع الفتح).","vol":"1","page":112},{"text":"تَبعْتُموهُم\" (^١).\nقال النووي: \"والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -\" (^٢).\nهذا؛ والفتن ليس لها حصرٌ، ففتنة النِّساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان والسيادة والزعامة؛ كلها فتنٌ ربما تهلك الإِنسان، وتعصف به إلى مهاوي الرَّدى، نسأل الله العافية والسلامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٧ - ظهور مدَّعي النبوَّة:</span>\nومن العلّامات الّتي ظهرت: خروج الكذَّابين الذين يدَّعون النيوَّة، وهم قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا، وقد خرج بعضُهم في الزمن النبويَّ وفي عهد الصّحابة، ولا يزالون يظهرون.\nوليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كلّ من ادَّعى النبوَّة مطلقًا؛ فإنهم كثيرٌ لا يُحْصَوْنَ، وإنّما المراد مَنْ قامت له شوكة، وكَثُر أتباعه، واشتُهِرَ بين النَّاس (^٣).\nففي \"الصحيحين\" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يبعث دجَّالون كذَّابون قريبٌ من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنّه رسول الله\" (^٤).\n_________\n(^١) مر تخريجه في الصفحة الّتي قبل هذه.\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٧).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦١٦ - مع =","vol":"1","page":113},{"text":"وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمَّتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابون، كلهم يزعم أنّه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي\" (^١).\nوالأحاديث في ظهور هؤلاء الدَّجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنّهم ثلاثون بالجزم؛ كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنّهم قريبٌ من الثلاثين؛ كما في حديث \"الصحيحين\"، ولعلّ رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (^٢).\nوممَّن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذَّاب، فادَّعى النبوَّة في آخر زمن النّبيّ - ﷺ -، وكاتَبَهُ رسول الله - ﷺ -، وسماه مسيلمة الكذاب، وقد كثر أتباعه، وعَظُم شرُه على المسلمين، حتّى قضى عليه الصّحابة في عهد أبي بكر الصدِّيق ﵁، في معركة اليمامة المشهورة.\nوظهر كذلك الأسود العَنَسي في اليمن، وادَّعى النبوَّة، فقتله الصّحابة قبل موت النّبيّ - ﷺ -.\n_________\n= الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي).\n(^١) \"سنن أبي دواد\" (١١/ ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و\"التّرمذيّ\" (٦/ ٤٦٦ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: \"هذا حديث صحيح\".\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٧).","vol":"1","page":114},{"text":"وظهرت سَجاح، وادَّعت النبوة، وتزوَّجها مسيلمة، ثمّ لما قُتِل؛ رجعت إلى الإسلام.\nوتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثمّ تاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه.\nثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي، وأظهر محبَّة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكَثُر أتباعه، فتغلَّب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثمّ أغواه الشيطان، فادَّعى النبوَّة ونزول جبريل عليه (^١).\nوالذي يقَّوي أنّه من الدَّجالين ما رواه أبو داود بعد سياقه لحديث أبي هريرة الّذي في \"الصحيحين\" في ذكر الكذابين: \"عن إبراهيم النخعي أنّه قال لعُبيدة السلماني (^٢): أترى هذا منهم- يعني: المختار-؟ قال: فقال عُبيدة: أمّا إنّه من الرؤوس\" (^٣).\nومنهم الحارث الكذَّاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقُتِل. وخرج في خلافة بني العباس جماعةٌ (^٤).\nوظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند، وادَّعى\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٧).\n(^٢) عبيدة السلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي، أسلم في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولقي عليًّا وابن مسعود. قال فيه الشّعبيّ: \"كان يوازي شريحًا في القضاء\".\nانظر: ترجمته في \"شذرات الذهب\" (١/ ٧٨ - ٧٩).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٤٨٦ - مع عون المعبود).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٧).","vol":"1","page":115},{"text":"النبوة، وأنّه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء ... إلى غير ذلك من الادعاءات الباطلة، وصار له أتباعٌ وأنصارٌ، وانبرى له كثيرٌ من العلماء، فردُّوا عليه، وبيَّنوا أنّه أحد الدَّجالين.\nولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر، حتي يظهرآخرهم الأعور الدجَّال، فقد روى الإمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم كسفت الشّمس على عهده: \"وإنه - والله- لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب\" (^١).\nومن هؤلاء الكذَّابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله - ﷺ - قال: \"في أمتي كذابون ودجَّالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٨ - انتشار الأمن:</span>\nعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تَقومُ الساعةُ حتّى يسيرَ الراكِبُ بينَ العراقِ ومكَّةَ، لا يخافُ إِلَّا ضَلالَ الطَّريق\" (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٦ - بهامشه منتخب كنز العمال).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٩٦)، وهو صحيح.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٤/ ٩٧) (ح ٤١٣٤).\nوقال الهيثمي: \"رواه أحمد، والطبراني في \" الكبير\" و\"الأوسط\"، والبزار، ورجال البزار رجال الصّحيح،. \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣٢).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ٣٧٠ - ٣٧١ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح\" \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣١).","vol":"1","page":116},{"text":"وهذا قد وقع في زمن الصّحابة ﵃، وذلك حينما عمَّ الإِسلامُ والعدلُ البلادَ الّتي فتحها المسلمون.\nويؤِّيدُهُ ما تقدَّم في حديث عديٍّ ﵁ حين قال له النبيُّ - ﷺ -: \"يا عَدِيُّ! هل رأيت الحيرة؟ \". قلتُ: لم أرها، وقد أُنْبِئْتُ عنها. قال: \"فإن طالتْ بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة؛ لا تخاف إِلَّا الله ... \" (^١).\nوسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى -﵇- حينما يعمُّ العدلُ مكان الجور والظلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٩ - ظُهورُ نارِ الحجازِ:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقومُ الساعةُ حتّى تخرجَ نارٌ من أرض الحجازة تُضيءُ أعناقَ الإِبلِ ببصرى (^٢) \" (^٣).\nوقد ظهرت هذه النّار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة، أفاض العلماء ممَّن عاصر ظهورها ومَن بعدَهم في وصفها.\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) (بصرى)؛ بضم الباء، آخرها ألف مقصورة: مدينة معروفة بالشام، ويقال لها: حوران، وبينها وبين دمشق ثلاث مراحل.\nانظر: \"معجم البلدان\" (١/ ٤٤١)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٣٠)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٨٠).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتق، باب خروج النّار، (١٣/ ٧٨ - مع الفتح)،\nو\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":117},{"text":"قال النووي: \"خرجتْ في زماننا نارٌ بالمدينة سنة أربع وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًّا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتَرَ العلم بها عند جميع الشّام وسائر البلدان، وأخبرني مَنْ حضرها من أهل المدينة\" (^١).\nونقل ابن كثير أن غير واحدٍ من الإعراب ممَّن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناقَ الإِبل في ضوء هذه النّار الّتي ظهرت من أرض الحجاز (^٢).\nوذكر القرطبي ظهورَ هذه النّار، وأفاض في وصفها في كتابه \"التذكرة\" (^٣)، فذكر أنّها رُئِيت من مكّة ومن جبال بصرى.\nوقال ابن حجر: \"والذي ظهر لي أن النّار المذكورة ... هي الّتي ظهرتْ بنواحي المدينة؛ كما فهمه القرطبي وغيرُه\" (^٤).\nوهذه النّار ليست هي النّار الّتي تخرُجُ في آخر الزّمان، تحشُرُ النَّاس إلى محشَرِهم (^٥)؛ كما سيأتي في الكلام عليها في الأشراط الكبرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١٠ - قِتالُ التُّركِ </span>(^٦):\nروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا\n_________\n(^١) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٨).\n(^٢) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤) تحقيق د. طه زيني، وانظر: \"البداية والنهاية\" (١٣/ ١٨٧ - ١٩٣).\n(^٣) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٩).\n(^٥) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٨)، و\"الإِذاعة\" (ص ٨٥).\n(^٦) الترك: للعلّماء عدة أقوال في أصلهم، منها:","vol":"1","page":118},{"text":"تقومُ الساعةُ حتّى يُقاتِلَ المسلمونَ التُركَ، قومًا وجوهُهُم كالمَجانِّ (^١) المُطْرَقَة (^٢)، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر\" (^٣).\nوللبخاري عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى\n_________\n= أ - أنّهم من نسل يافث بن نوح، الّذي من نسله يأجوج ومأجوج، فهم بنو عمهم.\nب - أنّهم من بني قنطوراء، اسم جارية كانت لإِبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولادًا جاء من نسلهم الترك والصين.\nج - وقيل: إنهم من نسل تبع.\nد - وقيل: من نسل أفريدون بن سام بن نوح.\nوبلادهم يقال لها: تركستان، وهي ما بين مشارق خراسان إلى مغارب الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ١١٣)، و\"ترتيب القاموس المحيط\" (٣/ ٧٠٠)، و\"معالم السنن\" (٦/ ٦٨)، و\"معجم البلدان\" (٢/ ٢٣)، و\"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٣) تحقيق د. طه زيني، و\"فتح الباري\" (٦/ ١٠٤ و٦٠٨)، و\"الإِشاعة\" (ص ٣٥)، و\" الإِذاعة\" (ص ٨٢).\n(^١) (المَجان): جمع مِجَن، وهو الترس، والميم زائدة؛ لأنّه من الجُنَّة، وهي السترة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٠١).\n(^٢) (المَجان المُطْرقة): هي الّتي عُلِيَت بطارق، وهي الجلد الّذي يغشاه، ومنه طارق النعل: إذا صيَّرها طاقًا فوق طاق، وركَّب بعضها فوق بعض، فشبَّه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس قد أُلبست الأطرقة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ١٢٢)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٣٦ - ٣٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":119},{"text":"تقاتِلوا قومًا نعالِهُم الشعر، وحتى تقاتِلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه. ذُلْفَ الأنوف (^١)، كأن وجوههم المَجانَّ المطْرَقَة\" (^٢).\nوعن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"مِن أشراط السّاعة أن تقاتِلوا قومًا عِراض الوجوه، كأن وجوهَهُم المَجانُّ المطْرَقة\" (^٣).\nوقد قاتل المسلمون الترك من عصر الصّحابة ﵃، وذلك في أول خلافة بني أمية، في عهد معاوية ﵁.\nروى أبو يعلى عن معاوية بن خُديج؛ قال: كنتُ عند معاوية بن أبي سفيان حين جاءه كتابٌ من عامله يخبره أنّه وقع بالتُّرك وهزمهم، وكثرة من قتل منهم، وكثرة من غنم، فغضب معاوية من ذلك، ثمّ أمر أن يكتب إليه: قد فهمتُ ممّا قلتَ ما قتلتَ وغنمتَ، فلا أعلمنَّ ماعدتَ لشيءٍ من ذلك ولا قاتلتَهُم حتّى يأتيك أمري. قلتُ: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"لتظهَرَنَّ التُّركُ على العربِ حتّى تُلْحِقَها بمَنابِتِ الشِّيحِ (^٤)\n_________\n(^١) (ذلف الأنوف): الذلف بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته. و(الذلف): بسكون اللام، جمع أذلف؛ كأحمر وحمر.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١٦٥).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٧٠ - بهامشه منتخب الكنز) واللفظ له، و\"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجهاد، باب قتال الترك، (٦/ ١٠٤ - مع الفتح).\n(^٤) (الشيح): بالكسر، ثمّ السكون، وحاء مهملة: نبتٌ له رائحة عطرة، وهي الّتي =","vol":"1","page":120},{"text":"والقَيْصومِ\" (^١)، فأنا أكرهُ قتالَهم لذلك (^٢).\nوعن عبد الله بن بُريدة عن أبيه ﵁؛ قال: كنتُ جالسًا عند النّبيّ - ﷺ -، فسمعنا النّبيّ - ﷺ - يقول: \"إن أمَّتي يسوقُها قومٌ عِراض الأوجه، صِغارُ الأعيُن، كأن وجوههم الحجف (^٣) (ثلاث مرات)، حتّى يُلْحِقوهم بجزيرة العرب، أمّا السابقة الأولى؛ فينجو مَنْ هَرَبَ منهم، وأمّا الثّانية؛ فيهلك بعضٌ وينجو بعضٌ، وأمّا الثّالثة؛ فيَصْطَلِمون (^٤) كلُّهم مَنْ بقي منهم\". قالوا: يا نبي الله! مَنْ هُم؟ قال: \"هم التُّرك\". قال: \"أمّا والذي نفسي بيده؛ لَيَرْبِطُنَّ خيولَهُم إلى سواري مساجد المسلمين\".\nقال: وكان بُريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السَّفر والأسقية بعد ذلك للهرب؛ ممّا سمع من النّبيّ - ﷺ - من البلاء من أمراء الترك (^٥).\n_________\n= تدعى الطرقية الوخشيرك. وإذات الشيح): بالحزن، من ديار بني يربوع. و(ذو الشيح): موضع باليمامة، وموضع بالخزيرة. انظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٣٧٩).\n(^١) (القيصوم): نبات طيب الريح يكون بالبادية، واحدته قيصومة، وهي ماء تناوح الشيحة بينهما عقبة شرقي فيد (بليدة في نصف الطريق بين مكّة والكوفة، عبر بها الحاج، وهي قريبة من أجا وسلمى جبلي طيىء).\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٨٢ و٤٢٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٠٩).\nقال الهيثمي: \"رواه أبو يعلى، وفيه مَنْ لم أعرفهم\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١٢).\n(^٣) (الحجف): قال ابن الأثير: \"الحجفة: الترس\". \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٣٤٥).\n(^٤) (يصطلمون): الاصطلام: افتعال من الصلم، وهو القطع؛ أي: يحصدون.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\"، (٣/ ٤٩)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٤١٣).\n(^٥) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩ - بهامشه منتخب الكنز). =","vol":"1","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو الخطّاب عمر بن دحية: \"هذا سند صحيح\". \"التذكرة\" للقرطبي، (ص ٥٩٣).\nقال الهيثمي: \"رواه أبو داود باختصار، رواه أحمد والبزار باختصار، ورجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١١).\nولكن رواية أبي داود تختلف عن رواية الإمام أحمدة فإن ظاهر رواية أبي داود تدل على أن المسلمين هم الذين يسوقون الترك ثلاث مرات حتّى يلحقوهم بجزيرة العرب، ففيها: \"يقاتلكم قوم صغار الأعين\"؛ يعني: الترك؛ قال: \"تسوقونهم ثلاث مرات حتّى تُلْحِقوهم بجزيرة العرب ... الحديث\".\n\"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب قتال الترك، (١١/ ٤١٢ - ٤١٣ - مع عون المعبود).\nقال صاحب \"عون المعبود\": \"وعندي أن الصواب هي رواية أحمد، أمّا رواية أبي داود؛ فالظاهر أنّه قد وقع الوهم فيه من بعض الرواة.\nويؤيَّده ما في رواية أحمد من أنّه كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السَّفر والأسقية بعد ذلك؛ للهرب ممّا سمع من النّبيّ - ﷺ - من البلاء من أمراء الترك.\nويؤيِّده أيضًا أنّه وقع الشك لبعض رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث: \"أو كما قال\".\nويؤَيده أيضًا أنّه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد،. \"عون المعبود\" (١١/ ٤١٤).\nثمّ نقل عن القرطبي ما ذكره في خروج الترك، وأنّهآخرجوا ثلاث مرات على المسلمين، وكان خروجهم الأخير: تدميرهم بغداد، وقتلهم للخليفة والعلّماء والأمراء والفضلاء والعباد، وأنّهم أوغلوا في البلاد حتّى ملكوا الشّام مدة يسيرة، ودخل رعبهم الديار المصرية، إلى أن تصدَّى لهم الملك المظفَّر الملقب بـ (قطز) في معركة (عين جالوت)، فكان له النصر والظفر عليهم كما كان النصر لطالوت، وتفرَّقت جموعهم، وكفى الله المسلمين شرورهم. =","vol":"1","page":122},{"text":"وكان مشهورًا في زمن الصّحابة ﵃ حديث: \"اتركوا الترك ما تركوكم\" (^١).\n_________\n= انظر: \"التذكرة للقرطبي\" (ص ٥٩٢ - ٥٩٥)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(^١) \"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب في النّهي عن تهييج الترك والحبشة، (١١/ ٤٠٩ - مع عون المعبود).\nوقال ابن حجر: \"رواه الطبراني من حديث معاوية\". \"فتح الباري\" (٦/ ٦٠٩).\nوقال العجلوني: \"قال الزرقاني: حسن. وقال في الأصل: رواه أبو داود عن رجل من الصّحابة عن النّبيّ - ﷺ - ... رواه النسائي ... وكذا الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" عن ابن مسعود رفعه بلفظ: \"اتركوا الترك ما تركوكم\". قال: \"أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء\". ورواه الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا بطرق يشهد بعضها لبعض\". انظر: \"كشف الخفا ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النَّاس\"\n(١/ ٣٨) للعجلوني، تعليق أحمد القلاش، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.\nوقال الألباني في هذا الحديث: إنّه \"موضوع\". انظر: \"ضعيف الجامع الصغير\" (١/ ٨١) (ح ١٠٥).\nوقال السخاوي بعد ذكر مَنْ رواه: \"ولا يسوغ معها الحكم عليه بالوضع، وقد جمع الحافظ ضياء الدين المقدسي جزءًا في خروج الترك سمعناه\". \"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة\" (ص ١٦ - ١٧)، صحَّحه وعلَّق حواشيه عبد الله محمّد الصديق، وقدم له عبد الوهاب عبد اللطيف، طبع دار الأدب العربي للطباعة، نشر مكتبة الخانجي بمصر، عام (١٣٧٥ هـ).\nوقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، وفيه عثمان بن يحيى القرقساني، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١٢).\nفهذا الحديث أقل ما يقال فيه: إنّه حسن. لا سيما أن الحافظ ابن حجر ذكر أنّه كان مشهورًا في زمن الصّحابة ﵃، ولم يذكر فيه قدحًا، فدل على أنّه ثابتٌ عنده.","vol":"1","page":123},{"text":"قال ابن حجر: \"كان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فُتح ذلك شيئًا بعد شيءٍ، وكَثُرَ السبي منهم، وتنافس الملوك فيهم؛ لما يتَّصفون به من الشدة والبأس، حتّى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثمّ غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنَه المتوكل، ثمّ أولاده واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثمّ كان الملوك السَّامانية من التُّرك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثمّ غلب على تلك الممالك آل سبكتكين، ثمّ آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثمّ كان بقايا أتباعهم بالشام - وهم آل زنكي -، وأتباع هؤلاء - وهم بيت أيوب -، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية.\nوخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغزُّ، فخربو\"لبلاد، وفتكوا في العباد.\nثمّ جاءت الطامة الكبرى بالططر (التتار)، فكان خروج جنكز خان بعد الست مئة، فأُسعِرَت بهم الدُّنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتّى لم يبق بلدٌ منه حتّى دخله شرُّهُم، ثمّ كان خرابُ بغداد وقتل الخليفة\n_________\n= وقد وجدتُ أن الألباني قد استشهد بحديث: \"دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم\"، وقال في سنده: \"هذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات. غير أبي سكينة هذا؛ قال الحافظ في \"التقريب\": \"قيل: اسمه علم، مختلف في صحبته\".\nقلت (أي: الألباني): إذا لم تثبت صحبته؛ فهو تابعيٌّ مستور، روى عنه ثلاثة، فالحديث شاهد حسن\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٢/ ٤١٦/ ح٧٧٢).\nولعلّ الألباني يريد بقوله: \"موضوع\"؛ أي: الزيادة الّتي في نهاية الحديث، وهي قوله: \"أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء\"، وسيأتي أن الحافظ ابن حجر استشهد بها، فهي ثابتة عنده، والله أعلم.","vol":"1","page":124},{"text":"المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ستٍّ وخمسين وست مئة، ثمّ لم تزل بقاياهم يُخْرِبون إلى أن كان آخرهم (اللنك)، ومعناه: الأعرج، واسمه (تَمُر)؛ بفتح المثناة، وضم الميم، وربما أُشْبِعت، فطرق الديار الشامية، وعاش فيها، وحرق دمشق حتّى صارت على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدَّته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه في البلاد.\nوظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله - ﷺ -: \"إن بني قنطوراء أول من سلب أمَّتي ملكهم\" ... وكأنّه يريد بقوله: \"أمَّتي\" أمة النسب، لا أمة الدّعوة؛ يعني: العرب، والله أعلم\" (^١).\nوعلى هذا يكون التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري هم من الترك؛ فإن الصفات الّتي جاءت في وصف الترك تنطبق على التَّتار (المغول)، وقد كان ظهورهم في زمن الإمام النووي ﵀ (^٢)، فقال فيهم: \"قد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم الّتي ذكرها - ﷺ -: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذُلُفُ الأنف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقَة، ينتعلون الشعر، فوُجِدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرَّات، وقتالهم الآن\" (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٠٩ - ٦١٠).\n(^٢) كانت ولادة الإمام النووي سنة (٦٣١ هـ)، ووفاته سنة (٦٧٦ هـ)، وهي الفترة الّتي ظهر فيها التَّتار، وقضوا على الخلافة العباسية. انظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٧١ - ١٤٧٣).\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٣٧ - ٣٨).","vol":"1","page":125},{"text":"وقد دخل كثيرٌ من التُّرك في الإسلام، ووقع على أيديهم خيرٌ كثيرٌ للإِسلام والمسلمين، وكوَّنوا دولة إسلامية قويَّة، عزَّ بها الإِسلام، وحصل في عهدهم كثيرٌ من الفتوحات العظيمة، ومنها: فتح القسطنطينية عاصمة الروم، وهو تهيئة للفتح العظيم آخر الزّمان قبل ظهور الدجَّال؛ كما سيأتي، ودخل الإسلام إلى أوروبا وكثيرٍ مِن البلدان في الشرق والغرب.\nولهذا مِصداق لما قاله المصطفى - ﷺ - كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ بعد ذكره - ﷺ - لقتال التُّرك؛ قال: \"وتَجِدونَ مِن خيرِ النَّاس أشدَّهم كراهيةً لهذا الأمر، حتّى يقع فيه، والناس معادِنُ، خيارُهُم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-43>١).\n\n١١ - قِتال العَجَم </span>(^٢):\nعن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"لا تقومُ السّاعة حتّى تُقاتِلوا خُوزًا (^٣) وكِرمان (^٤) مِن الأعاجم؛ حُمْرُ الوجوه، فُطْسُ الأنوف، صغار\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).\n(^٢) (العجم): خلاف العرب، مفرده عجميٌّ؛ كعربي جمعه عرب.\nانظر: \"لسان العرب\" (١٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٣) (خوز): بضم أوله، وتسكين ثانيه، وآخره زاي. بلاد خوزستان؛ يقال لها: الخوز، وهي من بلاد الأهواز من عراق العجم، وقيل: الخوز، صنف من الأعاجم.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٠٤)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٦٠٧).\n(^٤) (كرمان): بالفتح، ثمّ السكون، وآخره نون، وربما كُسرت الكاف، والفتح أشهر، وهي بلاد واسعة مشهورة ذات قرى ومدن، يحدها من الغرب بلاد فارس، ومن الشمال خراسان، وجنوبها بحر فارس.","vol":"1","page":126},{"text":"الأعين؛ كأن وجوهَهُم المِجانُّ المُطْرَقة، نعالِهُم الشَّعر\" (^١).\nمضى في الكلام على قتال الترك ذكر صفاتهم الّتي جاء ذكرها في أحاديث قتالهم، وذكر هنا في هذا الحديث قتال خوز وكرمان، وهما ليسا من بلاد الترك، بل من بلاد العجم، ومع هذا جاء وصفهم كوصف الترك.\nقال ابن حجر: \"يُمْكِن أن يُجاب بأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك، ويجتمع منهما الإِنذار بخروج الطائفتين\" (^٢).\nقلت: ويؤِّيد هذا ما رواه سمرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يوشك أن يملأ الله ﷿ أيديكم من العجم، ثمّ يكونون أسدًا لا يفرُّون، فيقتلون مقاتلتَكُم، ويأكلون فيئكم\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يوشِكُ أن يكثُرَ فيكم من العجم أسدّ لا يفُّرون، فيقتلون مقاتِلَتَكُم، ويأكلون فيئكم\" (^٤).\n_________\n= قال ياقوت: \"وأهلها أهل سنة وجماعة، وخير وصلاح، وذلك بعد فتح المسلمين لها\".\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٥٤).\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٤ - مع الفتح).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٠٧).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ١١ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١٠).\n(^٤) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح. \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١١).","vol":"1","page":127},{"text":"وعلى هذا فقتالُ العجم من أشراط السّاعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>١٢ - ضِياعُ الأمانَة </span>(^١):\nعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا ضُيِّعَتِ الأمانة؛ فانتظر السّاعة\". قال: كيف إضاعَتُها يا رسول الله؟ قال: \"إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة\" (^٢).\nوبيَّن النّبيّ ﷺ كيف تُرْفَعُ الأمانة من القلوب، وأنّه لا يبقى منها في القلب إِلَّا أثرها.\nروى حُذيفة ﵁؛ قال: حدَّثنا رسول الله _صلّى الله عليه وسلم- حديثين، رأيتُ إحداهما، وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جذر (^٣) قُلوب\n_________\n(^١) (الأمانة): ضد الخيانة، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب:٧٢].\nوللعلّماء عدة أقوال في معناها، وهي ترجع إلى قسمين:\nأ - التّوحيد: فإنّه أمانة عند العبد وخفي في القلب.\nب - العمل: ويدخل في جميع أنواع الشّريعة، وكلها أمانة عند العبد.\nفالأمانة هي التكليف، وقبول الأوامر، وأجتناب النواهي.\nانظر: \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ١٥٨٨ - ١٥٨٩) تحقيق علي محمّد البجاوي، و\"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٦٨)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٤٧٧)، و\"فتح الباري\" (١١/ ٣٣٣).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).\n(^٣) (جذر): الجذر: الأصل من كلّ شيء.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":128},{"text":"الرجال، ثمّ علموا من القرآن، ثمّ علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: \"ينام الرَّجل النومة، فتُقْبَضُ الأمانة من قلبه، فيظلُّ أثرها مثل أثر الوكتِ (^١)، ثمّ ينام النومة فتُقْبَضُ، فيبقى أثرها مثل المجل (^٢)؛ كجمرٍ دحرجته على رجلك، فنفط (^٣)، فتراه منتبرًا (^٤)، وليس فيه شيءٌ، فيصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحدُهُم يؤدِّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقَلَهُ! وما أظرفَهُ! وما أجلَدَه! وما في قلبه مثقالُ حبَّة خردلٍ من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا؛ ردَّه الإسلام، وإن كان نصرانيًّا؛ ردَّه عليَّ ساعيه، فأمّا اليوم؛ فما كنتُ أُبايِعُ إِلَّا فلانًا وفلانًا\" (^٥).\n_________\n(^١) (الوكت): جمع وكتة، وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، ومنه قيل للبسر إذا وقعت فيه نقطة من الأرطاب: قد وكت.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢١٨).\n(^٢) (المجل): هو ما يكون في الكف من أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة، كهيئة البثر.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٠٠)، و\"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).\n(^٣) (نفط): بفتح النون وكسر الفاء؛ يقال: نفطت يده؛ أي: قرحت من العمل، والنفطة: بثرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء.\nانظر: \"لسان العرب\" (٧/ ٤١٦ - ٤١٧).\n(^٤) (منتبرًا): المنتبر كلّ مرتفع، ومنه اشتق المنبر، يقال: انتبر الجرح إذا ورم وامتلأ ماء. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٧ - ٨)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٣٩).\n(^٥) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح)، وكتاب الفتن، باب إذا بقي في حثالة من النَّاس، (١٣/ ٣٨ - مع الفتح).","vol":"1","page":129},{"text":"ففي هذا الحديث بيانُ أن الأمانة ستَرفع من القلوب، حتّى يصير الرَّجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنّما يقعُ لمَن ذهبتْ خشيتُه لله، وضعُفَ إيمانُه، وخالَطَ أهلَ الخيانَةِ، فيصيرُ خائنًا؛ لأنّ القرين يقتدي بقرينه.\nومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور النَّاس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها؛ لأنّ في ذلك تضييعًا لحقوق النَّاس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم (^١).\nفإذا ضَيَّع مَنْ يتولَّى أمر النَّاس الأمانة - والناس تَبَعٌ لمَن يتولَّى أمرَهُم -؛ كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حالَ الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم.\nثمّ إن إسناد الأمر إلى غير أهله دليلٌ واضحٌ على عدم اكتراث النَّاس بدينهم، حتّى إنهم لَيولون أمرهم مَنْ لا يهتمُّ بدينه، وهذا إنّما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاريّ ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم؛ إشارة إلى هذا.\nقال ابن حجر: \"ومناسبةُ هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنّما يكون عند غَلَبَةِ الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"قبسات من هدي الرسول الأعظم - ﷺ - / في العقائد\" (ص ٦٦) لعلّي الشربجي، الطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، ط. دار القلم، دمشق.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":130},{"text":"وقد أخبر - ﷺ - أنّه ستكون هناك سنين خدَّاعة؛ تنعكس فيها الأمور؛ يُكَذَّب فيها الصادق، ويُصَدَّق فيها الكاذب، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن؛ كما سيأتي الحديث عنه في أن من أشراط السّاعة ارتفاع الأسافل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>١٣ - قبض العلم وظهور الجهل:</span>\nومن أشراطها قبض العلم وفشوُّ الجهل، ففي \"الصحيحين\" عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أشراط السّاعة أن يُرْفَعَ العلم، ويَثْبُتَ الجهلُ\" (^١).\nوروى البخاريّ عن شقيق؛ قال: كنتُ مع عبد اللهِ وأبي موسى، فقالا: قال النّبيّ - ﷺ -: \"إن بين يدي السّاعة لأيَّامًا يُنزَلُ فيها الجهلُ، ويُرْفَعُ العلم\" (^٢).\nوفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يتقارَبُ الزَّمانُ، ويُقْبَضُ العلم، وتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويُلقى الشُّحُّ، ويَكْثر الهَرْجِ\" (^٣).\nقال ابن بطَّال: \"وجميع ما تضمَّنَهُ هذا الحديث من الأشراط قد\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢٢ - مع شرح نووي).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٣ - مع الفتح).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم، (١٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - مع شرح نووي).","vol":"1","page":131},{"text":"رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلْقِي الشحُّ في القلوب، وعمَّت الفتن، وكَثُرَ القتل\" (^١).\nوعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: \"الّذي يظهر أن الّذي شاهده كان منه الكثير، مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتّى لا يبقى ممّا يقابله إِلَّا النادر، وإليه الإِشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجودُ طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك\" (^٢).\nوقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن اللهَ لا يقبِضُ العلّمَ انتزاعًا ينتزِعُه من العباد، ولكنْ يقبضُ العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبقَ عالمًا؛ اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلُّوا\" (^٣).\nقال النوويُّ: \"هذا الحديث يُبَيِّنُ أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلَقة ليس هو محوُه من صُدور حفَّاظه، ولكن معناه: أن يموتَ حملتُه، ويتَّخِذَ النَّاس جُهَّالًا يحكُمونَ بجهالاتهم، فيضلُّون\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، (١/ ١٩٤ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":132},{"text":"ويُضِلُّون\" (^١).\nوالمراد بالعلّم هنا علم الكتاب والسُّنَّة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈؛ فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعمُّ الجهل.\nوأمّا علم الدُّنيا؛ فإنّه في زيادة، وليس هو المُرادُ في الأحاديث؛ بدليل قوله - ﷺ -: \"فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا\"، والضلال إنّما يكون عند الجهل بالدين، والعلّماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجِّهون الأمة، ويدلُّونها على طريق الحق والهدى؛ فإن العلم بدون عملٍ لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في روايةٍ للبُخاري: \"وينقص العمل\" (^٢).\nقال الإمام مؤرِّخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: \"وما أوتوا من العلم إِلَّا قليلًا، وأمّا اليوم؛ فما بقي من العلوم القليلة إِلَّا القليل، في أناس قليل، ما أقل مَنْ يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل\" (^٣).\nوإذا كان هذا في عصر الذهبيِّ؛ فما بالُكَ بزماننا هذا؟ فإنّه كلما بَعُدَ الزَّمان من عهد النبوَّةِ؛ قلَّ العلم، وكَثُر الجهل؛ فإن الصّحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة، ثمّ التابعين، ثمّ تابعيهم، وهم خير\n_________\n(^١) \"شرح النووي لمسلم\" (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، (١٠/ ٤٥٦ - مع الفتح).\n(^٣) \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١٠٣١).","vol":"1","page":133},{"text":"القرون، كما قال - ﷺ -: \"خير النَّاس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم\" (^١).\nولا يزال العلم ينقص، والجهل يكثر، حتّى لا يعرف النَّاس فرائض الإسلام، فقد روى حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يَدْرُس الإسلام كما يدرُسُ وَشْيُ الثّوب، حتّى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةِّ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ ويُسرى علىَ كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائفُ مِن النَّاس: الشّيخ الكبير، والعجوزُ؛ يقولون: أدرَكْنا آباءَنا على هذه الكلمةِ؛ يقولون: (لا إله إِلَّا الله)، فنحن نقولُها\". فقال له صلةُ (^٢): ما تُغْني عنهم (لا إله إِلَّا الله) وهم لا يَدْرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ فأعرض عنه حُذيفة، ثمّ ردَّدها عليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه حُذيفة، ثمّ أقبل عليه في الثّالثة، فقال: يا صلة! تُنْجيهم مِن النّار ثلاثًا (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب فضائل الصّحابة، باب فضل الصّحابة ﵃ ثمّ الذين يلونهم، (١٦/ ٨٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) هو أبو العلّا، أو أبو بكر؛ صلة بن زفر العبسي الكوفي، تابعي كبير، ثقة جليل، روى عن عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وعلي وابن عبّاس، توفي في حدود السبعين ﵀.\nانظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٣٧)، و\"تقريب التهذيب\" (١/ ٣٧٠).\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\"، كتاب الفتن، باب ذهاب القران والعلّم، (٢/ ١٣٤٤ - ١٣٤٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٧٣)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. =","vol":"1","page":134},{"text":"وقال عبدُ الله بن مسعود ﵁: \"لَيُنْزَعَنَّ القُرآن من بين أظهُرِكُم؛ يُسرى عليه ليلًا، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيءٌ\" (^١).\nقال ابن تيمية: \"يُسرى به في آخر الزَّمان من المصاحف والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرفٌ\" (^٢).\nوأعظم من هذا أن لا يُذْكَرَ أسمُ الله تعالى في الأرض؛ كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تَقوم السّاعة حتّى لا يُقال في الأرض: الله، الله\" (^٣).\nقال ابن كثير: \"في معنى هذا الحديث قولان:\nأحدهما: أن معناه أن أحدًا لا يُنكر منكَرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبَّر عن ذلك بقوله؛ \"حتّى لا يقال: الله، الله\"؛ كما تقدَّم في حديث عبد الله بن عمر: \"فيبقى فيها عجاجةٌ؛ لا يعرفون معروفًا، ولا\n_________\n= وقال ابن حجر: \"أخرجه ابن ماجه بسند قوي\". \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٣٣٩) (ح ٧٩٣٣).\n(^١) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح، غير شدَّاد بن معقل، وهو ثقة. \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\nوقال ابن حجر: \"سنده صحيح، ولكنه موقوف\". \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\nقلت: مثله لا يقال بالرأي، فحكمه حكم المرفوع.\n(^٢) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب ذهاب الإِيمان آخر الزّمان، (٢/ ١٧٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":135},{"text":"يُنْكِرون منكرًا\" (^١).\nوالقول الثّاني: حتّى لا يُذْكَرَ الله في الأرض، ولا يُعْرَفَ اسمُه فيها، وذلك عند فساد الزَّمان، ودَمار نوع الإِنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١٤ - كثرة الشُّرَط وأعوانُ الظَّلَمة:</span>\nروى الإمام أحمد عن أبي أُمامة ﵁ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"يكونُ في هذه الأمَّة في آخر الزّمان رجالٌ - أو قال: يخرج رجالٌ من هذه الأمة في آخر الزّمان- معهُم سِياطٌ؛ كأنّها أذنابُ البقر، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه\" (^٣).\nوفي رواية للطبراني في \"الكبير\": \"سيكون في آخر الزّمان شرطةٌ يغدون في غضب الله، ويروحون في سَخَطِ الله، فإياك أن تكونَ مِن بطانَتِهم\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١١/ ١٨١ - ١٨٢ - شرح أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده صحيح\".\nو\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٣٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو\"، ووافقه الذهبي.\n(^٢) \" النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٨٦) تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ٢٥٠ - بهامشه منتخب الكنز)، وهو صحيح؛ كما في الحديث الّذي بعده.\n(^٤) \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨)\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع\" (٣/ ٣١٧) (ح ٣٥٦٠). =","vol":"1","page":136},{"text":"وقد جاء الوعيدُ بالنار لهذا الصنف من النَّاس الذين يتسلَّطون على المسلمين، ويعذَّبونهم بغير حق.\nروى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صِنفانِ مِن أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهُم سياطٌ كأذنابِ البقر يضربون بها النَّاس ... \" (^١).\nقال النووي ﵀: \"وهذالحديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -، فأمّا أصحاب السياط؛ فهم غِلمان والي الشرطة\" (^٢).\nوقال - ﷺ - لأبي هريرة ﵁: \"إن طالَتْ بك مدَّةٌ، أوشكتَ أن ترى قومًا يغدون في سَخَطِ الله، ويَروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر\" (^٣).\nوعن ابن عبّاس ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يكون عليكُم أُمراء هم شرٌّ مِن المجوس\" (^٤).\n_________\n= وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" ... ورجال أحمد ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٣٤).\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩٠).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"رواه الطبراني في \" الصغير\"، و\"الأوسط\"، ورجاله رجال الصّحيح، خلا مؤمل بن إهاب، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٣٥).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>١٥ - انتشار الزِّنا:</span>\nومن العلّامات الّتي ظهَرَتْ فُشُوُّ الزِّنا وكثرته بين النَّاس، فقد أخبر النَّبىُّ - ﷺ - بأن ذلك من أشراط السّاعة.\nثبت في \"الصحيحين\" عن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أشراط السّاعة ... (فذكر منها:) ويظهر الزِّنا\" (^١).\nوعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيأتي على النَّاس سنواتٌ خذَاعاتٌ ... (فذكر الحديث، وفيه:) وتشيع فيها الفاحشة\" (^٢).\nوأعظم من ذلك استحلال الزِّنا، فقد ثبت في \"الصّحيح\" عن أبي مالك الأشعري أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: \"ليكونَنَّ في أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحَرير\" (^٣).\nوفي آخر الزّمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون (^٤)\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٥١٢)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرَّجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع\" (٣/ ٢١٢) (ح ٣٥٤٤)، ولم يذكر فيه: \"وتشيع فيها الفاحشة\".\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخّمْرِ ويسميه بغير اسمه، (١٠/ ٥١ - مع الفتح).\n(^٤) (يتهارجون): أصل الهَرْج: الكثرة في الشيء والاتساع، والمراد به هنا: =","vol":"1","page":138},{"text":"تهارُجَ الحُمُرِ؛ كما جاء في حديث النواس ﵁: \"ويبقى شرارُ النَّاس، يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم السّاعة\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺقال: \"والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة حتّى يقومَ الرَّجل إلي المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارُهم يومئذٍ مَنْ يقول: لو واريتَها وراء هذا الحائط! \" (^٢).\nقال القرطبي (^٣) في كتابه \"المُفْهِم\" على حديث أنس السابق: \"في هذا الحديث عَلَمٌ مِن أعلام النبوَّة، إذ أخبر عن أمور ستقع، فوقعت، خصوصًا في هذه الأزمان\" (^٤).\nوإذا كان هذا في زمان القرطبي، فهو في زماننا هذا أكثر ظهورًا؛\n_________\n= الجماع وكثرة النِّكاح. والمعنى: أن يجامع الرجال النِّساء بحضرة النَّاس كما يفعل الحمير. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢٥٧)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٧٠).\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).\n(^٢) رواه أبو يعلى.\nقال الهيثمي: \"ورجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣١).\n(^٣) هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، من فقهاء المالكية، ومن رجال الحديث، وهو شيخ القرطبي المفسر أبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري، صاحب كتاب \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\"، وأبو العباس هذا يُعرف بابن المزين، ومن كتبه \"المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم\"، و\"مختصر صحيح البخاريّ\"، توفي بالإِسكندرية سنة (٦٥٦ هـ)، ﵀.\nانظر: \"البداية والنهاية\" (١٣/ ٢١٣)، و\"الأعلام\" (١/ ١٨٦) للزركلي.\n(^٤) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":139},{"text":"لعظم غلبة الجهل، وانتشار الفساد بين النَّاس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>١٦ - انتشار الرِّبَا:</span>\nومنها ظُهور الرِّبَا، وانتشاره بين النَّاس، وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"بين يدي السّاعة يظهر الرِّبا\" (^١).\nوفي \"الصّحيح\" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليأتِيَنَّ على النَّاس زمانٌ لا يُبالي المرء بما أخذ المال، أمِن حلالٍ أم من حرامٍ\" (^٢).\nوهذه الأحاديث تنطبق على كثيرٍ من المسلمين في هذا الزمن، فتجدهم لا يتحرَّوْنَ الحلال في المكاسب، بل يجمعون المال من الحلال والحرام، وأغلب ذلك بدخول الرِّبا في معاملات النَّاس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالرِّبَا، ووقع كثير من النَّاس في هذا البلاء العظيم.\nومن فقه الإمام البخاريّ ﵀ أنّه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ ليُبَيَّن أن أكل الأضعاف المضاعفة من الرِّبَا يكون بالتوسُّع فيه عند عدم مبالاة النَّاس بطرق جمع المال، وعدم التمييز\n_________\n(^١) رواه الطبراني كما في \"الترغيب والترهيب\" للمنذري (٣/ ٩)، وقال: \"رواته رواة الصّحيح\".\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب البيوع، باب قول الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠] (٤/ ٣١٣ - مع الفتح)، و\"سنن النسائي\" (٧/ ٢٤٣)، في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات في الكسب.","vol":"1","page":140},{"text":"بين الحلال والحرام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>١٧ - ظُهو ر المعازف (^١) واستحلالها:</span>\nعن سهل بن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"سيكون في آخر الزّمان خسفٌ، وقذفٌ، ومسخٌ\". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؛ قال: \"إذا ظهرَتِ المعازف والقَيْناتُ\" (^٢).\nوهذه العلّامة قد وقع شيءٌ كبيرٌ منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظُهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزّمان، وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكَثُر المغنون والمغنيات، وهُم المشار إليهم في هذا الحديث بـ (القينات).\nوأعظم من ذلك استحلالُ كثير من النَّاس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ والقذف والخسف؛ كما في الحديث السابق، ولما ثبت في \"صحيح البخاريّ\" ﵀؛ قال: قال هشام بن عمار: حدّثنا\n_________\n(^١) (المعازف): هي آلات الملاهي؛ كالعود، والطنبور، والدف، وكل لعب عزف.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) روى ابن ماجه في \"سننه، طرفًا من أوله (٢/ ١٣٥٠)، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي.\nوقال الهيثمي: \"رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن أبي الزِّناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصّحيح،. \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٠).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ٢١٦) (ح ٣٥٥٩).","vol":"1","page":141},{"text":"صدقة بن خالد (ثمّ ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول): \"ليكوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، ولينزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم- يعني: الفقير- لحاجةٍ، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيُبَيِّتُهُم الله، ويضع العَلَم، ويمسخُ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة\" (^١).\nوقد زعم ابن حزم (^٢) أن هذا الحديث منقطعٌ لم يتَّصل ما بين البُخاري وصدقة بن خالد (^٣)، ورد عليه العلّاَّمة ابن القيم، وبيَّن أن ما قاله ابن حزم باطلٌ من ستَّة وجوه (^٤):\n١ - أن البخاريّ قد لقي هشام بن عمَّار، وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا؛ حُمِلَ على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: \"قال هشامٌ\"؛ لم يكن فرقٌ بينَه وبين قوله: \"عن هشامٍ\" أصلًا.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخّمْرِ ويسميه بغير اسمه، (١٠/ ٥١ - مع الفتح).\n(^٢) هو العلّامة الحافظ أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، من أئمة الظاهرية، وكان من أشد النَّاس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديثها، وله مصنفات كثيرة في المذاهب والملل والنحل والفقه وأصوله وفي السير والأخبار، توفي سنة (٤٥٦ هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في: \"البداية والنهاية\" (١٢/ ٩١ - ٩٢) لابن كثير، و\"شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب\" (٣/ ٢٢٩ - ٣٠٠).\n(^٣) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٩/ ٥٩) بتحقيق أحمد شاكر، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.\n(^٤) انظر: \"تهذيب السنن\" (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢).","vol":"1","page":142},{"text":"٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشامٍ موصولًا؛ قال الإِسماعيلي في \"صحيحه\": \"أخبرني الحسن: حدّثنا هشامُ بن عمَّار\"؛ بإسناده ومتنه.\n٣ - أنّه قد صحَّ من غير حديث هشام، فرواه الإِسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.\n٤ - أن البخاريّ لو لم يلقَ هشامًا ولم يسمع منه؛ فإدخاله هذا الحديث في \"صحيحه\"، وجزمه به؛ يدلُّ على أنّه ثابتٌ عنده عن هشام، ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام، إمّا لشهرتهم، وإما لكثرتهم، فهو معروفٌ مشهورٌ عن هشام.\n٥ - أن البخاريّ إذا قال في \"صحيحه\": \"قال فلانٌ\"؛ فالمرادُ أن الحديث صحيحٌ عنده.\n٦ - أن البخاريّ ذكر هذا الحديث محتجًّا به، مُدخِلًا له في \"صحيحه\" أصلًا لا استشهادًا.\nفالحديث صحيحٌ بلا ريب.\nوقال ابن الصَّلاح (^١): \"ولا التفات إلى أبي محمّد بن حزم الظاهري الحافظ في ردَّه ما أخرجه البخاريّ من حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ: (فذكره) \".\n_________\n(^١) هو الإمام المحدث الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرّحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، كان دينًا زاهدًا، ورعًا ناسكًا، على طريق السلف الصالح، وله مصنفات كثيرة في علوم الحديث والفقه، وتولى التدريس في دار الحديث بدمشق، توفي ﵀ سنة (٦٤٣ هـ).\nانظر: \"البداية والنهاية\" (١٣/ ١٦٨)، و\"شذرات الذهب\" (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).","vol":"1","page":143},{"text":"ثمّ قال: \"والحديث صحيحٌ، معروف الاتصال؛ بشرط الصّحيح، والبخاري ﵀ قد يفعلُ مثل ذلك؛ لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الّذي علَّقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضعٍ آخر من كتابه مُسْنَدًا متَّصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب الّتي لا يصحبها خللُ الانقطاع، والله أعلم\" (^١).\nوإنّما أطلتُ الكلام على هذا الحديث؛ لأنّ بعض النَّاس يتشبَّثُ برأي ابن حزم، ويحتجُّ س به على إباحة المعازف، وقد تبيَّن أن الأحاديث الواردة في النّهي عنها صحيحة، وأن الأمة مهدَّدة بالعقوبات إذا ظهرت الملاهي، وارتُكِبَت المعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>١٨ - كثرة شرب الخّمْرِ واستحلالها:</span>\nظهر في هذه الأمة شرب الخّمْرِ، وتسميتها بغير اسمها، والأدهى من ذلك استحلال بعض النَّاس لها، وهذا من أمارات السّاعة، فقد روى الإمام مسلمٌ عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أشراط السّاعة: ... (وذكر منها) ويُشْرَبُ الخّمْرِ\" (^٢).\nومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف، وفيها أنّه سيكونُ من هذه الأمة من يستحلُّ شُربَ الخّمْرِ.\nومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عبادة بن الصامت؛ قال:\n_________\n(^١) \"مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث\" (ص ٣٢)، طبع دار الكتب العلمية، عام (١٣٩٨ هـ)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":144},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"لتَسْتَحِلَّنَّ طائفةٌ مِن أُمَّتي الخمرَ باسمٍ يسمُّونها إياه\" (^١).\nفقد أُطلق على الخّمْرِ أسماء كثيرة، حتّى سميت بـ (المشروبات الروحية)!! ونحو ذلك.\nوالأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخّمْرِ، وأن فيهم من يستحلُّها ويغيِّر اسمها كثيرة.\nوفسَّر ابن العربي استحلال الخّمْرِ بتفسيرين:\nالأوّل: اعتقاد حِلِّ شُرْبها.\nالثّاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شُربها؛ كالاسترسال في الحلال.\nوذكر أنّه سمع ورأى مَنْ يفعل ذلك (^٢)، وهو في زمننا هذا أكثر، فقد فُتِنَ بعض النَّاس بشربها.\nوأعظم من ذلك بيعها جهارًا، وشربها علانيةً في بعض البلدان الإِسلامية، وانتشار المخدرات انتشارًا عظيمًا لم يسبق له مثيلٌ؛ ممّا يُنْذِرُ\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣١٨ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١١٢٣).\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٥١): \"سنده جيد\".\nوالحديث صححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ١٣ - ١٤) (ح ٤٩٤٥).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥١).","vol":"1","page":145},{"text":"بخطرٍ عظيمٍ، وفساد كبير، والأمر لله من قبلُ ومن بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>١٩ - زخرفة المساجد والتَّباهي بها:</span>\nومنها زخرفة المساجد، ونقشها، والتفاخر بها، فقد روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يَتباهى النَّاس في المساجد\" (^١).\nوفي رواية للنسائي وابن خُزيمة عنه ﵁ أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"من أشراط السّاعة أن يتباهى النَّاس في المساجد\" (^٢).\nقال البخاريّ: \"قال أنسٌ: يتباهَوْن بها، ثمّ لا يعمرونها إِلَّا قليلًا، فالتباهي بها: العناية بزخرفتها. قال ابن عبّاس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى\" (^٣).\nوقد نهى عمر بن الخطّاب ﵁ عن زخرفة المساجد؛ لأنّ ذلك يَشْغَلُ النَّاس عن صلاتِهم، وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي: \"أكِنَّ النَّاسَ مِن المطر، وإيَّاك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفَّرَ. فتفْتِنَ النَّاس\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٣/ ١٣٤ - بهامشه منتخب كنز العمال).\nقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع\" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٨).\n(^٢) \"سنن النسائي\" (٢/ ٣٢ - بشرح السيوطيّ).\nقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع\" (٥/ ٢١٣) (ح ٥٧٧١).\nو\"صحيح ابن خزيمة\" (٢/ ٢٨٢) (ح ١٣٢٢ - ١٣٢٣)، تحقيق د. محمّد مصطفى الأعظمي، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الصّلاة، باب بنيان المسجد، (١/ ٥٣٩ - مع الفتح).\n(^٤) انظر: \"صحيح البخاريّ\" (١/ ٥٣٩ - مع الفتح).","vol":"1","page":146},{"text":"ورحم الله عمر؛ فإن النَّاس لم يأخذوا بوصيَّته، ولم يقتصروا على التحمير والتصفير، بل تعدَّوا ذلك إلى نقش المساجد كما يُنْقَشُ الثّوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد، وتزويقها، حتّى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمةٌ حتّى الآن؛ كما في الشّام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها، وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهَوْن في زخرفة المساجد.\nولا شكَّ أن زخرفة المساجد علامة على التَّرف والتبذير، وعمارتها إنّما تكون بالطاعة والذكر فيها، ويكفي النَّاس ما يُكِنُّهُم مِن الحرِّ والقرِّ والمطر.\nوقد جاء الوعيد بالدَّمار إذا زُخْرِفَتِ المساجد، وحُلِّيتِ المصاحف، فقد روى الحكيم التّرمذيّ عن أبي الدرداء ﵁ قال: \"إذا زَوَّقْتُم مساجدكم، وحلَّيتُم مصاحفَكُم؛ فالدَّمار عليكم\" (^١).\n_________\n(^١) \"صحيح الجامع الصغير\" (١/ ٢٢٠) (ح ٥٩٩)، وقال الألباني: \"إسناده حسن\".\nوذكر في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٣/ ٣٣٧) (ح ١٣٥١) أنّه رواه الحكيم التّرمذيّ في كتاب \"الأكياس والمغترين\" (ص ٧٨ - مخطوطة الظاهرية) عن أبي الدرداء مرفوعًا.\nوالحديث رواه ابن المبارك بتقديم وتأخير في كتاب \"الزهد\" (ص ٢٧٥) (ح ٧٩٧) بتحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.\nوذكر الألباني إسناد ابن المبارك في \"السلسلة\"، وقال: \"هذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم، ولكن لا أدري إذا كان بكر بن سوادة (رواية عن أبي الدرداء) سمع من أبي الدرداء أم لا؟ \".=","vol":"1","page":147},{"text":"قال المُناوي (^١): \"فزخرفة المساجد وتحلية المصاحف منهيٌّ عنها؛ لأنّ ذلك يشغَلُ القلب، ويلهي عن الخشوع والتدبُّر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشّافعيَّة أن تزويق المسجد - ولو الكعبة - بذهب أو فضَّة: حرامٌ مطلقًا، وبغيرهما مكروهٌ\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢).\n\n٢٠ - التَّطاول في البُنيان:</span>\nهذا من العلّامات الّتي ظهرت قريبًا من عصر النبوَّة، وانتشرت بعد ذلك، حتّى تباهى النَّاس في العمران، وزخرفة البيوت، وذلك أن الدنيا بُسِطَت على المسلمين، وكَثُرَت الأموال في أيديهم بعد الفتوحات، وامتدَّ بهم الزّمان حتّى رَكَن كثيرٌ منهم إلى الدُّنيا، ودبَّ إليهم داءُ الأمم قبلهم، وهو التَّنافس في جمع الأموال وصرفها في غير ما ينبغي أن تُصْرَف فيه شرعًا، حتّى إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفقر بُسِطَت لهم الدُّنيا، كغيرهم من النَّاس، وأخذوا في بناء الأبنية ذوات الطَّوابق المتعدِّدة، وتنافسوا في ذلك.\nوكل هذا قد وقع كما أخبر الصادق المصدوق - ﷺ -، ففي\n_________\n= وذكره البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٥٠)، ونسبه لأبي الدرداء.\nوقد عزاه السيوطيّ في \"الجامع الصغير\" (ص ٢٧) إلى الحكيم عن أبي الدرداء، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي ضعَّفه في \"فيض القدير\" (١/ ٣٦٧) (ح ٦٥٨).\n(^١) هو زين الدين محمّد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي، له ثمانون مصنَّفًا، غالبها في الحديث والتراجم والسير، توفي بالقاهرة سنة (١٠٣١ هـ) ﵀.\nانظر: \"الأعلام\" (٦/ ٢٠٤).\n(^٢) \"فيض القدير\" (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":148},{"text":"\"الصحيحين\" عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لجبريل عندما سأله عن وقت قيام السّاعة: \"ولكن سأحدِّثُكَ عن أشراطها ... (فذكر منها:) وإذا تطاول رِعاءُ البهائم (^١) في البُنيان؛ فذاك من أشراطها\" (^٢).\nوفي رواية لمسلم: \"وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان\" (^٣).\nوجاء في رواية للإِمام أحمد عن ابن عبّاس؛ قال: يا رسول الله! ومَن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: \"العرب\" (^٤).\nوروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) (البَهْم)؛ بفتح الباء وإسكان الهاء: جمع بهمة، وهي صغار الضأن والمعز، الذكر والأنثى، وقيل: أولاد الضأن خاصّة.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ١٦٨)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١/ ١٦٣).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - ﷺ - عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان وعلم السّاعة، (١/ ١١٤ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦١ - ١٦٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان الايمان والإسلام والإحسان، (١/ ١٥٨ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٤) (ح ٢٩٢٦)، شرح أحمد شاكر، وقال:\n\"إسناده صحيح\".\nوقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار بنحوه ... وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب\". \"مجمع الزوائد\" (١/ ٣٨ - ٣٩).\nوقال الألباني: \"هذا إسناد لا بأس به في الشواهد\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٣/ ٣٣٢) (ح ١٣٤٥).","vol":"1","page":149},{"text":"\"لا تقوم السّاعة ... حتّى يتطاول النَّاس في البنيان\" (^١).\nقال الحاففط ابن حجر: \"ومعنى التطاول في البنيان أن كلًا مِمَّن كان يبني بيتًا يُريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازدياد\" (^٢).\nوقد ظهر هذا جليًّا في هذا العصر، فتطاول النَّاس في البنيان، وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها، بل وصل بهم الأمر إلى أن بَنَوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في (أمريكا) وغيرها من بلدان العالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢١ - ولادة الأمةِ لربَّتِها </span>(^٣):\nجاء في حديث جبريل الطويل قوله للنبي - ﷺ -: \"وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدتِ الأمة ربَّتَها\" (^٤).\nمتَّفق عليه.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب (بدون)، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٨).\n(^٣) \"ربتها\"، وفي رواية: \"ربها\". قال ابن الأثير: \"الرب يطلق في اللُّغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إِلَّا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره، أضيف، فيقال: رب كذا\". \"النهاية\" (٢/ ١٧٩).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل، (١/ ١١٤ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٥٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":150},{"text":"وفي رواية لمسلم: \"إذا ولدتِ الأمة ربَّها\" (^١).\nوقد اختلف العلماء في معنى هذه العلّامة على عدة أقوال، ذكر الحافظ ابن حجر منها أربعه أقوال:\n١ - قال الخطَّابي: \"معناه اتِّساع الإِسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، وأستولدها؛ كان الولد منها بمنزلة ربَّها؛ لأنّه ولد سيدها\" (^٢).\nوذكر النووي أن لهذا القول قول الأكثرين من العلماء (^٣).\nقال ابن حجر: \"لكن في كونه المراد نظر (^٤)؛ لأنّ استيلاد الإِماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتِّخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإِسلام، وسياق الكلام يقتضي الإِشارة إلى وقوع ما لم يقع ممّا سيقع قرب قيام السّاعة\" (^٥).\n٢ - أن تبيع السادة أمَّهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولَدَة حتّى يشتريها أولادُها ولا يشعر بذلك.\n٣ - أن تلد الأمة حرًّا من غير سيِّدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، الكتاب والباب السابقان، (١/ ١٦٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"معالم السنن على مختصر سنن أبي داود\" (٧/ ٦٧)، وهذا النص في \"فتح الباري\" (١/ ١٢٢).\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (١/ ١٥٨).\n(^٤) واستبعد هذا القول أيضًا الحافظ ابن كثير.\nانظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":151},{"text":"زنا، ثمّ تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتّى يشتريها ابنها أو ابنتها، ولهذا من نمط القول الّذي قبله.\n٤ - أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السَّيِّد أمَّته؛ من الإِهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا، أو المراد بالرب: المرِّبي حقيقة.\nثمّ قال ابن حجر: \"وهذا أوجه الأوجه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدلُّ على أن المراد حالة تكون- مع كونها تدلُّ على فساد الأحوال - مستغرَبة، ومحصَّلهُ الإِشارة إلى أن السّاعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلّامة الأخرى: أن تفسير الحفاة ملوك الأرض\" (^١).\n٥ - وهناك قولٌ خامسٌ للحافظ ابن كثير ﵀، وهو: \"أن الإِماء تكون في آخر الزّمان هنَّ المشار إليهنَّ بالحشمة، فتكون الأمة تحت الرَّجل الكبير دون غيرها من الحرائر، ولهذا قرن ذلك بقوله: \"وأن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-54>٢).\n\n٢٢ - كَثرةُ القَتْل:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يكثر الهَرْجُ\". قالوا: وما الهَرْجُ يا رسول الله؟ قال: \"القتلُ، القتلُ\".\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٢ - ١٢٣) باختصار.\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٧٧)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":152},{"text":"رواه مسلمٌ (^١).\nوفي رواية للبخاري عن عبد الله بن مسعود: \"بين يدي السّاعة أيَّامُ الهَرْجِ؛ يَزول فيها العلم، ويظهر فيها الجَهْل\". قال أبو موسى: والهرج: القتل؛ بلسان الحبشة (^٢).\nوعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ كما قال: \"إن بين يدي السّاعة الهَرْجُ\". قالوا: وما الهرج؟ قال: \"القتل\". قالوا: أكثر ممّا نقتل؛ إنا نقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفًا. قال: \"إنّه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا\". قالوا: ومعنا عقولُنا يومئذ. قال: إنّه لَيُنْزَع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان، ويخلف له هباء من النَّاس؛ يحسب أكثرهم أنّه على شيء، وليسوا على شيء\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، لا تذهبُ الدُّنيا حتّى يأتي على النَّاس يومٌ لا يَدْري القاتلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المقتولُ فيم قُتِلَ؟ \". فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: \"الهَرْجُ،\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووىِ).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٤ - مع الفتح).\n(^٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ٤١٤ - بهامشه منتخب كنزل العمال)، و\"سنن ابن ماجه\"، كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة، (٢/ ١٣٠٩) (ح ٣٩٥٩)، و\"شرح السنة\"، باب أشراط السّاعة، (١٥/ ٢٨ - ٢٩) (ح ٤٢٣٤).\nوالحديث صحيح.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ١٩٣) (ح ٢٠٤٣).","vol":"1","page":153},{"text":"القاتل والمقتول في النّار\" (^١).\nوما أخبر به - ﷺ - في هذه الأحاديث قد وقع بعضٌ منه، فحدث القتال بين المسلمين في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل عثمان ﵁، ثمّ صارت الحروب تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، ودون أن تعرف أسباب أكثر تلك الحروب.\nوإنَّ ما حصل في القرون الأخيرة من الحروب المدمِّرة بين الأمم، والتي ذهب ضحيَّتها الألوف، وانتشرت الفتن بين النَّاس بسبب ذلك، حتّى صار الواحد يقتل الآخر، ولا يعرف الباعث له على ذلك.\nوكذلك، فإن انتشار الأسلحة الفتَّاكة الّتي تدمِّر الشعوب والأمم له دورٌ كبيرٌ في كثرة القتل، حتّى صار الإِنسان لا قيمة له؛ يُذْبَحُ كما تُذْبَحُ الشاة، وذلك بسبب الانحلال، وطيش العقول، فعند وقوع الفتن يقتل القاتل، ولا يدري لماذا قُتِل، وفيم قُتِل، بل إننا نرى بعض النَّاس يقتل غيره لأسباب تافهة، وذلك عند اضطراب النَّاس، ويصدق على ذلك قوله - ﷺ -: \"إنّه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان\"، نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن؛ ماظهرمنها وما بطن.\nوقد جاء أن لهذه الأمة أمة مرحومةٌ، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، وأن الله تعالى جعل عذابها في الدُّنيا الفتن والزلازل والقتل، ففي الحديث عن صدقة بن المثنَّى: حدّثنا رباح بن الحارث عن أبي بُردة؛ قال: بيَّنَّا أنا\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":154},{"text":"واقفٌ في السوق في إمارة زياد إذ ضربتُ بإحدى يدي على الأخرى تعجُّبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله - ﷺ -: ممّا تعجبُ يا أبا بُردة؟ قلتُ: أعجب من قومٍ دينُهم واحدٌ، ونبيُهم واحدٌ، ودعوتُهم واحدٌ؛، وحجُّهم واحدٌ، وغزوهم واحدٌ؛ يستحلُّ بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب! فإني سمعتُ والدي أخبرني أنّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذابٌ، إنّما عذابها في القتل والزلازل والفتن\" (^١).\nوفي رواية عن أبي موسى: \"إن أُمَّتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذابٌ، إنّما عذابُها في الدُّنيا: القتل، والبلابل، والزلازل\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢).\n\n٢٣ - تقارُب الزَّمان:</span>\nعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقومُ السّاعة حتّى ... يتقارب الزّمان\" (^٣).\nوعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقومُ السّاعة حتّى يتقاربَ الزّمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون\n_________\n(^١) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، وقال: \"صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوالحديث صحيح. انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٦).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ٤١٠ - بهامشه منتخب الكنز\".\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ١٠٤) (ح ١٧٣٤)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٢/ ٦٨٤) (ح ٩٥٩).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).","vol":"1","page":155},{"text":"الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون السّاعة كاحتراق السَّعَفة\" (^١).\nوللعلّماء أقوالٌ في المراد بتقارب الزّمان؛ منها:\n١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزّمان (^٢).\nقال ابن حجر: \"قد وُجِدَ في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مرِّ الأيَّام ما لم نكن نجده في العصر الّذي قبل عصرِنا هذا\" (^٣).\n٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇؛ من استلذاذ النَّاس للعيش، وتوفُّر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناسَ يستقصرون أيّام الرخاء وان طالت، وتطول عليهم مدَّة الشدَّة وإن قَصُرَت (^٤).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨ - بهامشه منتخب الكنز\"، ورواه التّرمذيّ عن أنس. انظر: \"جامع التّرمذيّ\"، أبواب الزهد، باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الأمل، (٦/ ٦٢٤ - ٦٢٥ - مع تحفة الأحوذي).\nقال ابن كثير: \"إسناده على شرط مسلم\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٨١)، تحقيق د. طه زيني.\nقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٣١).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ١٧٥) (ح ٧٢٩٩).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (٦/ ١٤١ - ١٤٢ - بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري)، و\"جامع الأصول\" لابن الأثير (١٠/ ٤٠٩)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).\n(^٤) انظر\"فتح الباري\" (١٣/ ١٦).","vol":"1","page":156},{"text":"٣ - أن المراد تقارُب أحوال أهله في قلة الدين، حتّى لا يكون منهم مَنْ يأمر بمعروفٍ، وينهى عن منكرٍ؛ لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصّة، والرضى بالجهل، وذلك لأنّ النَّاس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت؛ كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) [يوسف: ٧٦]، وإنّما يتساوون إذا كانوا جُهّالًا.\n٤ - أن المراد تقارب أهل الزّمان بسبب توفُّر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة الّتي قَرّبَتِ البعيد (^٢).\n٥ - أن المراد بلل لك هو قصر الزّمان، وسرعتُه سرعة حقيقية، وذلك في آخر الزّمان.\nولهذا لم يقع إلى الآن، ويؤيد ذلك ما جاء أن أيّام الدجال تطول حتّى يكون اليوم كالسنة، وكالشهر، وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيَّام تطول؛ فإنها تَقْصر (^٣)، وذلك لاختلال نظام العالم، وقُرب زوال الدُّنيا.\nقال ابن أبي جمرة (^٤): \"يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزّمان:\n_________\n(^١) أنظر: \"مختصر سنن أبي داود\" للمحذري (٦/ ١٤٢).\n(^٢) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٩٧)، و\"العقائد الإِسلامية\" (ص ٢٤٧) لسيد سابق.\n(^٣) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٦/ ١٤٢)، و\"جامع الأصول\" (١٠/ ٤٠٩)، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.\n(^٤) هو العلّامة أبو محمّد عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المالكي، كان عالمًا بالحديث، وله عدة مصنَّفات؛ منها: \"جمع النهاية\" اختصر به \"صحيح البخاريّ\"، وله \"المرائي الحسان\" في الحديث والرؤيا. =","vol":"1","page":157},{"text":"قصره؛ على ما وقع في حديث: \"لا تقوم السّاعة حتّى تكون السنة كالشهر\"، وعلى لهذاة فالقصر يحتمل أن يكون حسيًّا ويحتمل أن يكون معنويًّا:\nأمّا الحسي؛ فلم يظهر بعدُ، ولعلّه من الأمور الّتي تكون قُرب قيام السّاعة\nوأمّا المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر؛ يعرف ذلك أهل العلم الديني ومَن له فطنة من أهل السبب الدُّنيوي؛ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلَّة فيه، ولعلّ ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإِيمان؛ لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشدّ ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المحض ومن الشُّبه ما لا يخفى، حتّى إن كثيرًا من النَّاس لا يتوقَّف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء؛ هجم عليه ولا يبالي.\nوالواقع أن البركة في الزّمان وفي الرزق وفي النبت إنّما تكون من طريق قوة الإِيمان، واتِّباع الأمر، واجتناب النّهي، والشّاهد لدل لك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] (^١).\n_________\n= قال فيه ابن كثير: \"الإِمام، العالم، الناسك ... كان قوالًا بالحق، أمارًا بالمعروف، ونهاء عن المنكر\" اهـ.\nتوفي بمصر سنة (٦٩٥ هـ) ﵀.\nأنظر ترجمته في: \"البداية والنهاية\" (١٣/ ٣٤٦)، و\"الأعلام\" (٤/ ٨٩).\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٧).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٢٤ - تقارُب الأسواق:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى تظهَرَ الفتنُ، ويكثُرَ الكذب، وتتقارب الأسواق\" (^١).\nقال الشّيخ حمود التويجري (^٢): \"وأمّا تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنّه كسادُها، وقفَة أرباحها، والظاهر- والله أعلم- أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارُب أهل الأرض؛ بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية الّتي تنقل الأصوات؛ كالإِذاعات والتلفونات الهوائية الّتي صارت أسواق الأرض متقارِبة بسببها، فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار إِلَّا ويعلم به التجَّار - أو غالبهم - في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد، وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة أيّام، فيقضي حاجته منها، ثمّ يرجِع في يوم أو بعض يوم، ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدائن الّتي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر، فيقضي حاجته منها، ويرجع في يوم أو بعض يوم.\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٥١٩ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير سعيد بن سمعان، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٧).\n(^٢) هو العلّامة الشّيخ حمود بن عبد الله التويجري النجدي، من العلماء المعاصرين، ومقامه الان في مدينة الرياض، وله عدة مصنفات؛ منها: \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السّاعة\"، يقع في مجلَّدين، وله رسائل صغيرة وردود؛ مثل: \"الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور\"، و\"التنبيهات على رسالة الألباني في الصّلاة\"، و\"فصل الخطّاب في الرَّدِّ على أبي تراب\"، وغيرها.","vol":"1","page":159},{"text":"فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:\nالأوّل: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.\nالثّاني: سرعة السير من سوق إلى سوق، ولو كانت مسافة الطريق بعيدة جدًّا.\nالثالث: مقارَبة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان، والله أعلم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٢٥ - ظهور الشرك في هذه الأمة:</span>\nهذا من العلّامات الّتي ظهرت، وهي في ازدياد، فقد وقع الشرك في هذه الأمة، ولحقت قبائل منها بالمشركين، وعبدوا الأوثان، وبنوا المشاهد على القبور، وعبدوها من دون الله، وقصدوها للتبرُّك والتَقبيل والتعظيم، وقدَّموا لها النُّذور، وأقاموا لها الأعياد، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزَّى ومناة أو أعظم شركًا.\nروى أبو داود والترمذي عيب ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا وُضِعَ السيف في أُمَتي، لم يُرْفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثان\" (^٢).\n_________\n(^١) \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٢) \"سنن أبي دأود\" (١١/ ٣٢٢ - ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و\"جامع التّرمذيّ\" (٦/ ٤٦٦). وقال الترمذفى: \"هذا حديث صحيح\".\nوصححه الألباني في \"صحيح الجاء الصغير\" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).","vol":"1","page":160},{"text":"وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقومُ السّاعة حتّى تضطرِبَ ألياتُ (^١) نساء دَوْس حول ذي الخَلَصة\" (^٢).\n_________\n(^١) (أليات): جمع الألية، والمراد بها هي هنا أعجازهن؛ أي أن أعجازهن تضطرب في أطرافهن كما كن يفعلن في الجاهلية.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٦٤).\n(^٢) (الخَلَصة)، بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وهذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة نبات له حب أحمر؛ كخرز العقيق.\nو(ذو الخلصة): أسم للبيت الّذي كان فيه الصنم. وقيل: أسم البيت: الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة.\nو(ذو الخلصة): اسم لصنمين كلّ منهما يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثّاني لخثعم وغيرهم من العرب.\nفأمّا صنم دوس؛ فهو المراد في هذا الحديث، ولا يزال مكان لهذا الصنم معروفًا إلى الان في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الرأء والميم، ووإن ذو الخلصة يقع فوق تل صخري مرتفع يحده من الشرق شعب ذى الخلصة ومن الغرب تهامة، ولا يزال على هذا التل بعض الصخور الكبيرة المستعملة في البناء، وهي تدل على أنّه كان يوجد في ذلك المكان بناء قوي.\nأنظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٧١)، و\"كتاب في سراة غامد وزهران\" (٣٣٦ - ٣٤٠) لحمد الجاسر.\nوأمّا صنم خثعم، فيسمى أيضًا ذا الخلصة، وهو بيت بنته قبيلتان من العرب هما: خثعم وبجيلة يضاهئون به الكعبة، وقد أرسل النّبيّ - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي في مئة وخمسين فارسًا، فهدمو، وأحرقوه.\nوقصة هدمه رواها الإِمام البخاريّ في \"صحيحه\" (٨/ ٧٠ - ٧١ - مع الفتح)، في =","vol":"1","page":161},{"text":"و(ذو الخلصة): طاغية دَوْس الّتي كانوا يعبدون في الجاهليَّة (^١).\nوقد وقع ما أخبر به النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، فإن قبيلة دوسٍ وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخَلَصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتّى قام الشّيخ محمّد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التّوحيد، وجدَّد ما اندرس من الدين، وعاد الإِسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإِمام عبد العزيز بن محمّد بن سعود ﵀، وبعث جماعة من الدُّعاة إلى ذي الخَلَصة، فخربوها، وهدَّموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرّة أخرى، ثمّ لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل سعود ﵀ على الحجاز؛ أمر عامله عليها، فأرسل جماعةً من جيشه، فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة (^٢).\nولا يزال هناك صورٌ من الشرك في بعض البلدان، وصدق الرسول - ﷺ -\n_________\n= كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة.\nوصنم خثعم يقع في تبالة بين مكّة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكّة، وقد بنى في مكانه مسجد جامع لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٨٠)، و\"كتاب في سراة غامد وزهران\" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤)، منشورات دار اليمامة، الرياض، عام (١٣٩١ هـ).\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تعبد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح) (ح ٧١١٦)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٢ - ٣٣ - بشرح النووي).\n(^٢) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٥٢٢ - ٥٣٣)، و\"سراة غامد وزهران\" (ص ٣٤٧ - ٣٤٩).","vol":"1","page":162},{"text":"إذ يقول: \"لا يذهَبُ اللّيلُ والنهار حتّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى\". فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١) أن ذلك تامًّا، قال: \"إنّه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثمّ يبعث الله ريحًا طيِّبة، فتُوفي كلَّ مَنْ في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمانٍ، فيبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم\" (^٢).\nومظاهر الشركِ كثيرةٌ، فليست محصورةً في عبادة الأحجار والأشجار والقبور، بل تتعدَّى ذلك إلى اتِّخاذ الطواغيت أندادًا مع الله تعالى، يَشْرَعون للناس من عند أنفسهم، ويلزمون النَّاس بالتحاكم إلى شريعتهم، وترك شريعة الله، فينصبون أنفسهم آلهة مع الله تعالى وتقدَّسَ؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: جعلوا علماءهم وعبادهم آلهة يشرعون لهم؛ فإنهم اتَّبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا (^٣).\nوإذا كان لهذا في التَّحليل والتَّحريم؛ فكيف بمن نبذوا الإِسلام وراءهم ظِهْريًّا، واعتنقوا المذاهب الإِلحادية؛ من علمانية، وشيوعية، واشتراكية، وقوميَّة، ثمّ يزعمون أنّهم مسلمون.\n* * * * *\n_________\n(^١) الصف:٩.\n(^٢) \"صحيح مسلم بشرح النووي\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٧٧).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢٦ - ظهور الفحش (^١) وقطيعة الرّحم وسوء الجوار:</span>\nروى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقومُ السّاعة حتّى يظهَرَ الفحشُ، والتفاحُشُ، وقطيعةُ الرّحم، وسوء المجاوَرَة\" (^٢).\nوروى الطبرانيُّ في \"الأوسط\" عن أنس؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أشراط السّاعة الفحشُ والتفحُّش وقطيعة الرّحم\" (^٣).\nوللإِمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"إن بين يدي السّاعة ... قطع الأرحام\" (^٤).\nوقد وقع ما أخبر به النّبيّ - ﷺ -، فانتشر الفحش بين كثير من النَّاس؛ غير مبالين بالتحدُّث بما يرتكبون من معاصي، وما يترتَّب عليه من عقاب\n_________\n(^١) (الفحش): قال ابن الأثير: \"هو كلّ ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد الفاحشة بمعنى الزِّنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة في الأقوال والأفعال\". \"النهاية\" (٣/ ٤١٥).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٠/ ٢٦ - ٣١ - شرح أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده صحيح\"، وذكر رواية الحاكم، وأطال الكلام عليها.\nوانظر: \"مستدرك الحاكم\" (١/ ٧٥ - ٧٦)، وقد رواه بثلاثة أسانيد، وقال: \"هذا حديث صحيح، فقد اتفق الشيخان على الاحتجاج بجميع رواته؛ غير أبي سبرة الهذلي، وهو تابعي كبير مبين، ذكره في المسانيد والتواريخ غير مطعون فيه\"، وذكر له شاهدًا، ووافقه الذهبي على تصحيحه.\n(^٣) \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٤)، وقال الهيثمي: \"رجاله ثقات\"، وفي بعضهم خلف، والأحاديث المذكورة تشهد له.\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٣٣ - شرح أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":164},{"text":"شديد، وقطعت الأرحام، فالقريب لا يصل قريبه، بل حصل بينهم التقاطع والتَّدابر، فتمر الشهور والسنون وهم في بلد واحد، فلا يتزاورون، ولا يتواصلون، وهذا لا شكَّ أنّه من ضعف الإِيمان، فإن الرسول - ﷺ - حثَّ على صلة الرّحم، وحذَّر من قطيعتها.\nوقال: \"إن الله خَلَقَ الخلق، حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم؛ أمّا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك\".\nثمّ قال رسول الله - ﷺ -: \"اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١) [محمّد: ٢٢ - ٢٤]\nوقال ﵊: \"لا يدخلُ الجنَّة قاطع رحم\" (^٢).\nوأمّا سوء الجوارة فحدِّث عنه ولا حرج، فكم من جارٍ لا يعرف نجاره، ولا يتفقَّد أحواله؛ ليمدَّ يد العون إليه إن احتاج! بل ولا يَكُفُّ شرَّه عنه.\nوقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن أذى الجار، فقال: \"مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جارَه\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب صلة الرّحم وتحريم قطيعتها، (١٦/ ١١٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٦/ ١١٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، (٢/ ٢٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":165},{"text":"وأمر بالإِحسان إلى الجار، فقال: \"مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليُحْسِن إلى جاره\" (^١).\nوقال ﵊: \"ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتّى ظننتُ أنّه سيورِّثه\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢)\n\n٢٧ - تشبُّب المشيخة:</span>\nعن ابن عبّاس رضي الله عنهماة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يكون قومٌ يخضِبون في آخر الزّمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنَّة\" (^٣).\n_________\n(^١) الحاشية السابقة نفسها.\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب: الوصيَّة بالجار والإِحسان إليه، (١٦/ ١٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ١٥٦) (ح ٢٤٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: \"صحيح\".\nو\"سنن أبي داود\"، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، (١١/ ٢٦٦ - مع عون المعبود).\nقال ابن حجر: \"إسناده قوي، إِلَّا أنّه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه؛ فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه الرفع\". \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٩).\nوقال الألباني: \"أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والضياء في \"المختارة\"، وغيرهم ممّا لا مجال لذكرهم ... بإسناد صحيح على شرط الشيخين\".\nانظر: \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\"، (ص ٨٤)، ط. المكتب الإِسلامي، ط. الأولى، (١٤٠٠ هـ).\nوهذا الحديث أورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ٥٥)، وذكر أن المتَّهم =","vol":"1","page":166},{"text":"ما جاء في لمذا الحديث واقعٌ في هذا الزمن؛ فإنّه انتشر بين الرجال صبغُ لحاهم ورؤوسهم بالسواد.\nوالذي يظهر لي- والله أعلم- أن قوله - ﷺ -: \"كحواصل الحمام\" تشبيهٌ لحال بعض المسلمين في هذا العصر، فتجدهم يصنعون بلحاهم كهيئة حواصل الحمام، يحلقون عوارضهم، ويدعون ما على أذقانهم من الشعر، ثمّ يصبغونه بالسواد، فيغدو كحواصل الحمام.\nقال ابن الجوزي (^١): \"يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنَّة؛ لفعلٍ يصدُرُ منهم، أو اعتقاد، لا لعلَّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهُم؛ كما قال في الخوارج سيماهم التحليق، وإن كان\n_________\n= فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك.\nورد عليه أبن حجر، فقال: \"أخطأ في ذلك؛ فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرَّج له في (الصّحيح) \".\nثمّ ذكر من أخرج الحديث. انظر: \"القول المسدَّد\" (ص ٤٨ - ٤٩١) لابن حجر.\nوقد تبع ابن الجوزي في ذلك العلّامةُ الشوكاني، فقال في كتاب \"الفوائد المجموعة\": \"قال القزويني: موضوع\"- \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" (ص ٥١٠) (ح ١٤٢٠) بتحقيق عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي، الطبعة الثّانية، ١٣٩٢ هـ، بيروت.\n(^١) هو العلّامة أبو الفرج عبد الرّحمن بن علي الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي، صاحب المصنفات الكبار، الّتي تبلغ نحو ثلاث مئة مصنف في الحديث والوعظ والتفسير والتاريخ وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٩٧ هـ).\nانظر: \"البداية والنهاية\" (١٣/ ٢٨ - ٣٠)، ومقدمة كتابه \"الموضوعات\" (١/ ٢١ - ٢٦) لعبد الرّحمن محمّد عثمان، الناشر محمّد عبد المحسن، ط. الأولى، (١٣٨٦ هـ).","vol":"1","page":167},{"text":"تَحليق الشعر ليس بحرام\" (^١).\nقلتُ: قد نهى النّبيّ - ﷺ - عن صبغ شعر الرّأس واللحية بالسواد، ففي \"الصّحيح\" عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: أُتَيَ بأبىِ قُحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثغامة (^٢) بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"غيِّروا هذا بشيءٍ، واجتنبوا السواد\" (^٣).\n_________\n(^١) \" الموضوعات\" (٣/ ٥٥) لابن الجوزي.\nقال ابن الجوزي: \"اعلم أنّه قد خضب جماعة من الصحالة والتابعين؛ منهم: الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وخلق كثير من التابعين، وإنّما كرهه قومٌ لما فيه من التدليس، فأمّا أن يرقى إلى درجة التّحريم إذا لم يدلِّس، فيجب فيه هذا الوعيد؛ فلم يقل به أحد\". \"الموضوعات\" (٣/ ٥٥).\nوقال النووي: \"يحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهية تنزيه، والمختار التّحريم؛ لقوله - ﷺ -: واجتنبوا السواد\". \"شرح مسلم\" (١٤/ ٨٠).\nوأمّا ما أخرجه ابن أبي عاصم في \"كتاب الخضاب\" عن الزهريّ؛ قال: \"كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان؛ تركناه\" \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٥).\nقال الألباني: \"الظّاهر أن الزهريّ لم يكن عنده حديث بالتحريم أصلًا، فكان يأخذ الأمر بذوقه، وعلى كلّ حال؛ فلا حجة في فعل أحد أو قوله بعد رسول الله - ﷺ -، والحديث المتقدم حجة على الزهريّ وغيره\". \"غاية المرام\" (ص ٨٤).\n(^٢) (الثغامة)؛ بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة، نبات شديد البياض، زهره وثمره، وقيل: هي شجرة تبيض كأنّها الثلج.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٢١٤)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٣٥٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الثيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، (١٤/ ٧٩ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢٨ - كثرة الشُّحِّ </span>(^١):\nعن أبي هريرة ﵁؛ قال: \"من أشراط السّاعة أن يظهر الشحُّ\" (^٢).\nوعنه ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"يتقارب الزّمان، وينقص العمل، ويلقى الشحُّ\" (^٣).\nوعن معاوية - ﵁ -؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا يزداد النَّاس إِلَّا شحًّا\" (^٤).\nوالشحُّ خُلُقٌ مذمومٌ، نهى عنه الإسلام، وبيَّن أنَّ مَنْ وُقِيَ شحَّ نفسه؛ فقد فاز وأفلح؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩ والتغابن:١٦].\nوعن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اتَّقوا الظُّلم، فإن الظُّلم ظُلُماتٌ يوم القيامة، واتَّقوا الشُّحَّ؛ فإن الشحَّ أهلك مَنْ\n_________\n(^١) (الشح): أشد البخل، وهو أبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٨٨).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\". انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٥).\nقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصّحيح، غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٧).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٣ - مع الفتح).\n(^٤) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح. \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٤).","vol":"1","page":169},{"text":"كان قبلَكُم؛ حملهم على أن سفكوا دماءَهُم، واستحلُّوا محارِمَهُم\" (^١).\nقال القإضي عياضٌ: \"يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الّذي أخبر عنهم به في الدُّنيا؛ بأنّهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنّه هلاك الآخرة، وهذا الثّاني أظهر، ويحتمل أنّه أهلكهم في الدُّنيا والآخرة\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-61>٢).\n\n٢٩ - كثرة التجارة:</span>\nومنها كثرةُ التجارة، وفشوُّها بين النَّاس، حتّى تشارك النِّساء فيها الرجال.\nروى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"بين يدي السّاعة تسليمُ الخاصَّة، وفشوُّ التجارة، حتّى تشارِك المرأة زوجها في التجارة\" (^٣).\nوروى النسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أشراط السّاعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التجارة\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، (١٦/ ١٣٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١٦/ ١٣٤).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٣٣ - بشرح أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده صحيح\"، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٤) \"سنن النسائي\" (٧/ ٢٤٤ - بشرح السيوطيّ).\nوالحديث من رواية الحسن عن عمرو بن تغلب، والحسن مدلَّس، وقد عنعن هنا، ولكنه صرَّح بالتحديث عن عمرو بن تغلب في رواية الإِمام أحمد.\nانظر: \"المسند\" (٥/ ٦٩ - بهامشه منتخب الكنز)، وانظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" للألباني (م ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢).","vol":"1","page":170},{"text":"وقد وقع لهذا، فكثُرَتِ التجارة، وشاركت فيها النِّساء، وافتتن النَّاس بجمع المال، وتنافسوا فيه.\nوقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أنّه لا يخشى على لهذه الأمة الفقر، وإنّما يخشى عليها أن تُبْسَطَ عليهم الدُّنيا، فيقع بينهم التَّنافس، ففي الحديث أنّه قال ﵊: \"والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى عليكم أن تُبْسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلَكُم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكُكُم كما أهلكَتْهُم\" (^١).\nمتفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: \"وتلهيكم كما ألهتهم\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"إذا فُتِحَت عليكم فارس والروم؛ أيُّ قومٍ أنتم؟ \". قال عبد الرّحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله - ﷺ -: \"أو غير ذلك: تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون\" أو نحو ذلك (^٣).\nفالمنافسة على الدُّنيا تجرُّ إلى ضعف الدين، وهلاك الأمة، وتفرُّق كلمتها؛ كما وقع فيما مضى، وكما هو واقعٌ الآن.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذِّمَّة وانحرب، (٦/ ٢٥٧ - ٢٥٨ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٥ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزهد، (١٨/ ٩٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٣٠ - كثرةُ الزَّلازل:</span>\nعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقومُ السّاعة حتّى تكثرَ الزلازل\" (^١).\nوعن سلمة بن نفيل السكوني؛ قال: كنا جُلوسًا عند رسول الله - ﷺ - ... (فذكر الحديث، وفيه): \"وبين يدي السّاعة مَوتانٌ شديد، وبعده سنوات الزَّلازل\" (^٢).\nقال ابن حجر: \"قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثيرٌ من الزلازل، ولكنَّ الّذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها\" (^٣).\nويؤيد ذلك ما روي عن عبد الله بن حوالة ﵁؛ قال: وضع رسول الله - ﷺ - يدي على رأسي - أو على هامتي -، فقال: \"يا ابن حوالة! إذا رأيتَ الخلافة قد نزلت الأرض المقدَّسة، فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى النَّاس من يدي هذه من رأسك\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ١٠٤ - بهامشه منتخب كنز العمال).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني والبزار وأبو يعلى، ورجاله ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٠٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٧).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٨٨ - بهامشه منتخب الكنز)، و\"سنن أبي داود\"، كتاب الجهاد، باب في الرَّجل يغزو يلتمس الأجر والغنيمة (٧/ ٢٠٩ - ٢١٠ - مع عون المعبود)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤٥/ ٤٢٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرَّجاه\"، =","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>٣١ - ظهور الخسف والمسخ والقذف:</span>\nعن عائشة ﵂: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ\". قالت: قلتُ: يا رسول الله! أنّهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم؛ إذا ظَهَرَ الخَبَثُ\" (^١).\nوعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"بين يدي السّاعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ\" (^٢).\nوقد جاء الخبر أن الزِّنادقة والاقدرِيَّةَ يقع عليهم المسخ والقذف.\nروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنّه سيكون في أُمَّتي مسخٌ وقذفٌ، وهو في الزندقية والقدرية\" (^٣).\nوفي رواية المترمذي: \"في هذه الأمة - أو في أمَّتي - خسفٌ أو مسخٌ\n_________\n= ووافقه الذهبي.\nوصححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٢٦٣) (ح ٧٧١٥).\n(^١) \"سنن التّرمذيّ\"، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، (٦/ ٤١٨).\nقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٣٥٨) (ح ٨٠١٢).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\"، كتاب الفتن، باب الخسوف، (٢/ ١٣٤٩).\nوالحديث صحيح.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ١٣) (ح ٢٨٥٣).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٩/ ٧٣ - ٧٤) (ح ٦٢٠٨)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":173},{"text":"أو قذف في أهل القدر\" (١).\nوعن عبد الرّحمن بن صحار العبدي عن أبيه؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقومُ السّاعة حتّى يُخْسَفَ بقبائل، فيقال: مَنْ بقي من بني فلان؟ \". قال: فعرفتُ حين قال: \"قبائل\" أنّها العرب؛ لأنّ المعجم تُنْسَب إلى قُراها (^٢).\nوعن محمّد بن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سمعتُ بقيره امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - على المنبر وهو يقول: \"إذا سمعتُم بجيشي قدخُسِفَ به قريبًا؛ فقد أظلَّتِ السّاعة\" (^٣).\nوالخسف قد وُجِد في مواضع في الشرق والغرب (^٤) قبل عصرنا هذا، ووقع فى هذا الزمن كثيرٌ من الخُسوفات في أماكن متفرِّقة من الأرض، وهي نذيرٌ بين يدي عذابٍ شديد، وتخويفٌ من الله لعباده، وعقوبةٌ لأهل البدع والمعاصي؛ كي يعتبر النَّاس، ويرجِعوا إلى ربِّهم، ويعلموا أن السّاعة قد\n_________\nو(١) التّرمذيّ، أبواب القدر، (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\nالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١٥٠).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٨٣ - بهامشه منتخمب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار، ورجاله ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩ - بهامشه منتخب الكنز).\nوالحديث حسن الإِسناده انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (١/ ٢٢٨) (ح ٦٣١)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٣/ ٣٤٠) (ح ١٣٥٥).\n(^٤) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٥٤)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٨٤)، و\"الإِشاعة\" (ص ٤٩ - ٥٢)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":174},{"text":"أزفت، وأنّه لا ملجأ من الله إِلَّا إليه.\nوقد جاء الوعيد للعُصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف.\nروى التّرمذيّ عن عمران بن حُصَيْن ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ\". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: \"إذا ظهَرَتِ القِيانُ والمعازف، وشرِبت الخمور\" (^١).\nوروى ابن ماجه عن أبي مالكٍ الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليشربنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخّمْرِ يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزَفُ على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير\" (^٢).\nوالمسخ يكون حقيقيًّا، ويكون معنويًّا:\nفقد فسَّر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بأنّه مسخٌ حقيقيٌّ، وليس مسخًا معنويًّا فقط، ولهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عبّاس وغيره من أئمة التفسير.\n_________\n(^١) \"جامع التّرمذيّ\"، أبواب الفتن، (٦/ ٤٥٨) (ح ٤٥٨).\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١١٩).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\"، كتاب الفتن، باب العقوبات، (٢/ ١٣٣٣) (ح ٤٠٢٠).\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ١٠٥) (ح ٥٣٣٠).","vol":"1","page":175},{"text":"وذهب مجاهدٌ وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًّا، وأنّه كان لقلوبهم، ولم يُمْسَخوا قردةً (^١).\nونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين، ورجَّح الأوّل (^٢).\nورجَّح رشيد رضا في \"تفسيره\" (^٣) القولَ الثّاني، وهو أنّه كان مسخًا في أخلاقهم.\nواستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد، وقال: \"إنّه قولٌ غريبٌ، خلف الظّاهر من السياق فأنّهذا المقام وغيره\" (^٤).\nثمّ قال - بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء -: \"الغرض من لهذا السياق عن لهؤلاء الأئمة بيان خلف ما ذهب إليه مجاهد﵀- من أنَّ مسخَهُم إنّما كان معنويًّا لا صوريًّا، بل الصّحيح أنّه معنويٌّ صوريٌّ، والله أعلم\" (^٥).\nوإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًّا؛ فإن كثيرًا من المستحلِّين للمعاصي قد مُسِخَتْ قلوبُهم، فأصبحوا لا يفرِّقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر: مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير، نسأل الله العافية والسلامة، وسيقع ما أخبر به - ﷺ - من المسخ، سواء أكان معنويًّا أو صوريًّا.\n_________\n(^١) أنظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٥٠ - ١٥٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٦).\n(^٣) أنظر: \"تفسير المنار\" (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).\n(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٥١).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣٢ - ذهاب الصالحين:</span>\nومن أشراطها: ذهاب الصالحين، وقلة الأخيار، وكثرة الأشرار، حتّى لا يبقى إِلَّا شرار النَّاس، وهم الذين تقوم عليهم السّاعة.\nففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -:\"لا تقوم السّاعة حتّى يأخذ الله شريطتَه (^١) من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة (^٢)؛ لا يعرفون معروفًا، ولا يُنْكِرون منكرًا\" (^٣).\nأي: يأخذ الله أهل الخير والدين، ويبقى غوغاء النَّاس وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا عند قبض العلم واتِّخاذ النَّاس رؤوسًا جُهّالًا يُفتون بغير علم.\nوروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"يأتي على النَّاس زمانٌ يُغَرْبَلون فيه غربلةً، يبقى منهم حُثالة (^٤) قد مَرِجت (^٥)\n_________\n(^١) (شريطته)؛ أي: أهل الخير والدين، والأشراط من الأضداد، يقع على الأشراف والأراذل. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٦٠).\n(^٢) (عجاجة): العجاج: الغوغاء، والأراذل، ومَن لا خير فيه.\n\"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ١٨٤).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (١١/ ١٨١ - ١٨٢) شرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nو\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٣٥)؛ قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو\"، ووافقه الذهبي.\n(^٤) (الحثالة): الرديء من كلّ شيء، ومنه حثالة الشعير والأرز والتّمر وكل ذي قشر. \"النهاية\" (١/ ٣٣٩).\n(^٥) (مرجت)؛ أي: اختلطت. \"النهاية\" (٤/ ٣١٤).","vol":"1","page":177},{"text":"عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه) \" (^١).\nوذهاب الصالحين يكون عند كثرة المعاصي، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرة فإن الصالحين إذا رأوا المنكر ولم يغيِّروه وكَثُر الفساد؛ عَمَّهُم العذاب مع غيرهم إذا نزل؛ كما جاء في الحديث لما قيل للنبي - ﷺ -: أنّهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ\".\nرواه البخاريّ (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٣٣ - ارتفاع الأسافل:</span>\nومن أشراطها ارتقاع أسافل النَّاس عن خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر النَّاس بيد سفهائهم وأراذلهم ومَن لا خير فيهم، وهذا من انعكاس الحقائق، وتغيُّر الأحوال، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فترى أن كثيرًا من رؤوس النَّاس وأهل العقد والحل هم أقلُّ النَّاس صلاحًا وعلمًا، مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدَّمون على غيرهم في تولِّي أمور النَّاس؛ لأنّ أفضل النَّاس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].\nولذلك لم يكن النّبيّ - ﷺ - يولي الولايات وأمور النَّاس إِلَّا مَنْ هم\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٢/ ١٢ - شرح أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده صحيح\". و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٣٥)، وقال: \"لهذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"ويل للعرب من شر قد اقترب\" (١٣/ ١١ - مع الفتح).","vol":"1","page":178},{"text":"أصلح النَّاس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ؛ منها ما رواه البخاريّ عن حُذيفة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لأهل نجران: \"لأبعَثَنَّ إليكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين\"، فاستشرف لها أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فبعث أبا عبيدة\" (^١).\nوهذه بعض الأحاديث الدالَّة على ارتفاع أسافل النَّاس، وأن ذلك من أمارات السّاعة:\nفمنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله - ﷺ -: \"إنها ستأتي على النَّاس سنون خدَّاعة؛ يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويؤتَمَنُ فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَة\". قيل: وما الرُّوَيْبِضَة (^٢)؟ قال: \"السفيه يتكلَّم في أمر العامَّة\" (^٣).\nوفي حديث جبريل الطويل قوله: \"ولكنْ سأحَدِّثُكَ عن أشراطها ...\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصادق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).\n(^٢) (الرويبضة): جاء تفسيره في متن الحديث، وأنّه السفيه، والرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الّذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، والتافه الخسيس الحقير.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١٨٥).\n(^٣) \"سنن الإمام أحمد\" (١٥/ ٣٧ - ٣٨ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: \"إسناده حسن، ومتنه صحيح\".\nوقال ابن كثير: \"لهذا إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه\".\n\"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٨١) تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":179},{"text":"وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس النَّاس؛ فذاك من أشراطها\" (^١).\nوعن عمر بن الخطَّاب ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مِن أشراط السّاعة: أن يغلب على الدنيا لُكع ابن لكع، فخيرُ النَّاس يومئذ مؤمن بين كريمين\" (^٢).\nوفي \"الصّحيح\": \"إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"من أشراط السّاعة: ... أن يعلو التُّحوتُ الوعول\"، أكذل لك يا عبد الله بن مسعود سمعتَه من حِبي؟ قال: نعم؛ ورب الكعبة. قلنا: وما التُّحوت؟ قال: فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يُرْفَعون فوق صالحيهم. والوعول: أهل البيوت الصالحة (^٤).\nوروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات\". \"مجمع الزوائد\"، (٧/ ٣٢٥).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٢ - مع الفتح).\n(^٤) \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٧). قال الهيثمي: \"حديث أبي هريرة وحده في\nالصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة\". وذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٥) من رواية الطبراني في \"الأوسط\" عن أبي هريرة.","vol":"1","page":180},{"text":"\"لا تذهبُ الدُّنيا حتّى تفسير للكع (^١) ابن لكع\" (^٢).\nأي: حتّى يصير نعيمُها وملاذُها والوجاهة فيها له (^٣).\nوفي رواية للإِمام أحمد عن حُذيفة بن اليمان ﵁ أن النّبيّ\n- ﷺ - قال: \"لأ تقوم السّاعة حتّى يكون أسعدُ النَّاس بالدنيا لكع ابن لكع\" (^٤).\nوفي \"الصحيحين\" عن حذيفة ﵁ فيما رواه عن النّبيّ - ﷺ - في قبض الأمانة: \"حتّى يُقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما\n_________\n(^١) (لكع): اللكع عند العرب: العبد، ثمّ استعمل في الحمق والذم، وهو اللئيم، وقد يطلق على الصغير، فإن أطلق على الكبيرة أُريد به صغير العلم والعقل.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٢٦٨).\n(^٢) \"مسند الإمام أحمد\" (١٦/ ٢٨٤ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: \"أخرجه السيوطيّ في \"الجامع الصغير\"، ورمز له بأنّه حديث حسن\". \"الجامع الصغير\" (٢/ ٢٠٠ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي).\nوقال الهيثمي: \"رجال أحمد رجال الصّحيح؛ غير كامل بن العلّاء، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٢٠).\nوقال ابن كثير: \"إسناده جيد قوي\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٨١)، تحقيق د. طه زيني.\nوصححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ١٤٢) (ح ٧١٤٩).\n(^٣) انظر: \"فيض القدير شرح الجامع الصغير\" (٥/ ٣٩٤) لعبد الرؤوف المناوي.\n(^٤) \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ٣٨٩ - بهامشه منتخب كنز العمال)، ورمز له السيوطيّ في نا الجامع الصغير\" بالصحة (٢/ ٢٠٢ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ١٧٧) (ح ٧٣٠٨).","vol":"1","page":181},{"text":"في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان\" (^١).\nوهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر؛ يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق النَّاس، وأقلِّهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًّا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٣٤ - أن تكون التحيَّة للمعرفة:</span>\nومن أشراطها أن الرَّجل لا يلقي السّلام إِلَّا على مَنْ يعرفه، ففي الحديث عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن من أشراط السّاعة أن يسلَّم الرَّجل على الرَّجل، لا يسلَّم عليه إِلَّا للمعرفة\".\nرواه أحمد (^٢).\nوفي رواية له: \"إن بين يدي السّاعة تسليمَ الخاصة\" (^٣).\nولهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فكثيرٌ من النَّاس لا يسلِّمون إِلَّا على مَنْ يعرِفون، وهذا خلف السنة؛ فإن النّبيّ - ﷺ - حثَّ على إفشاء\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب رفع الأمانة والإِيمان من بعض القلوب، (٢/ ١٦٧ - ١٧٠ - مع شرط النووي).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٢٦)، قال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٣٣)، قال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\".\nوقال الألباني: \"هذا إسناد صحيح على شرط مسلم\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (٢/ ٢٥١) (ح ٦٤٧).","vol":"1","page":182},{"text":"السّلام على مَنْ عرفتَ ومَن لم تعرف، وأن ذلك سبب في انتشار المحبَّة بين المسلمين الّتي هي سبب للإِيمان الّذي به يكون دخول الجنَّة؛ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تَدْخُلوا الجَنَّة حَتَّى تؤمِنُوا، ولا تُؤمنوا حتّى تحابُّوا، أولا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتموهُ تحاببتُم؟ أفشوا السّلام بينَكم\".\nرواه مسلم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٣٥ - التماسُ العلم عند الأصاغر:</span>\nروى الإمام عبد الله بن المبارك بسنده عن أبي أُميَّة الجُمَحِي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال؛ \"إن من أشراط السّاعة ثلاثًا: إحداهُنَّ: أن يُلْتَمَسَ العلم عند الأصاغر ... \" (^٢).\nوسُئِل الإمام عبد الله بن المبارك عن الأصاغر؟ فقال: \"الذين يقولون برأيهم، فأمّا صغيرٌ يروي عنه كبيرٌ، فليس بصغير\".\nوقال في ذلك أيضًا: \"أتاهم العلم من قبل أصاغرهم؛ يعني: أهل\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان أنّه لا يدخل الجنَّة إِلَّا المؤمنون، (٢/ ٣٥ - مع شرط النووي).\n(^٢) كتاب \"الزهد\" لابن المبارك (ص ٢٠ - ٢١) (ح ٦١)، تحقيق: حبيب الرّحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية.\nقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ٢٤٣) (ح ٢٢٠٣).\nواستشهد به الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ١٤٣).","vol":"1","page":183},{"text":"البدع\" (^١).\nوعن ابن مسعود ﵁؛ قال: \"لا يزالُ النَّاس بخيرٍ ما أتاهم العلم من أصحاب محمَّدٍ - ﷺ - ومن أكابرهم، فإذا أتاهُم العلم من قِبَل أصاغرهم، وتفرَّقت أهواؤهُم؛ هلكوا\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣٦ - ظُهور الكاسيات العاريات:</span>\nومنها خروجُ النِّساء عن الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثِّياب الّتي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون في آخر أمَّتي رجالٌ يركبون على سروج (^٣) كأشباه الرحال (^٤)؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهُم كاسياتٌ\n_________\n(^١) حاشية كتاب \"الزهد\" (ص ٣١)، تحقيق وتعليق الشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي.\n(^٢) كتاب \"الزهد\" لابن المبارك، (ص ٢٨١) (ح ٨١٥).\nقال التويجري: \"رواه الطبراني في\" الكبير\" و\"الأوسط\"، وعبد الرزّاق في \"مصنفه\" بنحوه وإسناده صحيح على شرط مسلم\".\n\"إتحاف الجماعة\" (١/ ٢٤٢)، وانظر: \"المصنِّف\" (١١/ ٣٤٦) (ح ٢٠٤٤٦)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.\n(^٣) (سروج): جمع سرج، وهو رحل الدَّابَّة. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٢٩٧).\n(^٤) (الرحال): جمع رحل، وهو مركب للبعير والناقة، والرحالة أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، وتكون للخيل والنجائب من الإِبل، ويقال لمنزل الإِنسان ومسكنه: رحل.\nوجاء في \"مسند الإمام أحمد\" (١٢/ ٣٦ - بتحقيق شاكر) بلفظ: \"كأشباه الرجال\" بالجيم المعجمة.","vol":"1","page":184},{"text":"عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف (^١)، العنوهُنَّ؛ فإنَّهُنَّ ملعونات، لو كانت وراءكم أمَّة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم\" (^٢).\nرواه الإمام أحمد.\nوفي رواية للحاكم (^٣): \"سيكون في آخر هذه الأمة رجالٌ يركبون على\n_________\n= ويظهر لي- والله أعلم- أن فيه تحريفًا غاب عن المحقق، ولذلك فإنّه عندما أراد شرح معنى هذا اللّفظ؛ قال: \"مشكل المعنى قليلًا، فتشبيه الرجال بالرجال فيه بعد، وهو توجيه متكلَّف\" اهـ.\nوإذا كانت اللفظة (كأشباه الرحال)؛ بالحاء المهملة، فإنّه يزول الإِشكال، ويكون المراد تشبيه السروج بالرحال، وهي هاهنا الدور والمنازل، ولعلّ هذا إشارة إلى المراكب الوثيرة الموجودة في السيارات فأنّهذا العصر؛ فإنها قد صارت في هذه الأزمان مراكب لعموم النَّاس من رجال ونساء، يركبونها إلى المساجد وغيرها. والله اعلم.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٢٠٩)، و\"لسان العرب\" (١١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و\"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٥١ - ٤٥٢)\n(^١) (البُخْت): لفظة معرَّبة، والمراد بها الإِبل الخراسانية، تمتاز بطول الأعناق.\nانظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٩ - ١٠)، و\"النهاية\" لابن الأثير (١/ ١٠١).\nو(العجاف): جمع عجفاء، وهي الهزيلة من الإِبل وغيرها.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٣/ ١٨٦).\n(^٢) \"مسند الإمام أحمد\" (١٢/ ٣٦) (ح ٧٠٨٣)، تحقيق: أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٣٦)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\".\nوقال الذهبي: \"عبد الله (يعني: القتباني)، كان كان قد احتجّ به مسلم فقد ضعفه أبو داود والنسائي\". =","vol":"1","page":185},{"text":"المياثر (^١)، حتّى يأتوا أبوإب مساجدهم، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ\".\nوعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"صنفان من أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر؛ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ (^٢) رؤوسهُنَّ كأسنمة البخت المائلة (^٣)، لا يدخُلْنَ الجنَّة، ولا يَجِدْنَ ريحها، وإن ريحها ليوجد\n_________\n= وقال أبو حاتم: \"هو قريبٌ من ابن لهيعة\".\nقلت: الأحاديث الأخرى تشهد له وتقويه.\n(^١) (المياثر): جمع ميثرة - بكسر الميم -: وهي الثّوب الّذي تجلَّل به الثِّياب، فيعلم، مأخوذ من: وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيء بين. وتطلق المياثر على مراكب المعجم الّتي تُعمل من حرير أو ديباج، والمراد بها السروج العظام.\nأنظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ١٥٠ - ١٥١)، و\"لسان العرب\" (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و\"ترتيب القاموس\" (٤/ ٥٧٢).\n(^٢) (مميلات مائلات) في معناها أربعة أوجه:\nأ - مائلات: زائغات عن طاعة الله تعالى وما يلزمهن من حفظ الفروج وغيرها. ومميلات: يعلِّمن غيرهن مثل فعلهن.\nب - مائلات؛ أي: متبخترات في مشيتهن، مميلات أكتافهن.\nج - مائلات: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، معروفة لهن. ومميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة.\nد - مائلات إلى الرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن وغيرها.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩١).\n(^٣) (رؤوسهن كأسنمة البخت)، أي: يعظمن رؤوسهن، وذلك بجمع شعرهن، ولفه فؤق رؤوسهن، حتّى يميل إلى ناحية من جوانب الرّأس كما تمايل أسنمة الإِبل.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩١).","vol":"1","page":186},{"text":"من مسيرة كذا وكذا\" (^١).\nوعن أبي هرءة ﵁؛ قال: \"من أشراط السّاعة: ... أن تظهر ثيابٌ تلبسها نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ\" (^٢).\nوهذه الأحاديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع (^٣) ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - قبل عصرنا لهذا، وهو في زمننا لهذا أكثر ظهورًا.\nوقد سمَّى النبيُّ - ﷺ - لهذا الصنف من النِّساء ب (الكاسيات العاريات)؛ لأنّهن يلبسين الثِّياب، ومع هذا فهُنَّ (عاريات)، لأنّ ثيابهُنَّ لا تؤدَّي وظيفة الستر؛ لرقَّتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النِّساء في هذا العصر (^٤).\nوقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)، أي: كاسية جسدها، ولكنها تشدُّ خمارها، وتضيِّق ثيابها، حتّى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة (^٥).\nوقد جمع النّبيّ - ﷺ - في وصف لهؤلاء النسوة بأنّهن: \"كاسيات\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - بشرح النووي).\n(^٢) قال الهيثمي: \"في الصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح، غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٧).\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩٠).\n(^٤) \"الحلال والحرام في الإسلام\" (ص ٨٣)، د. يوسف القرضاوي، ط. الثّانية عشرة (١٣٩٨ هـ)، طبع المكتب الإِسلامي، بيروت ودمشق.\n(^٥) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩٠).","vol":"1","page":187},{"text":"عاريات \" وأيضًا: \"مائلات مميلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة\"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد فأنّهذا العصرة كأنّه - ﷺ - ينظر إلى عصرنا لهذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا لهذا أماكن لتصفيف شعور النِّساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلَاّت تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجالٌ يتقاضَوْنَ أغلى الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثيرٌ من النِّساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعيٍّ، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٣٧ - صدق رؤيا المؤمّن:</span>\nومنها صدق رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي \"الصحيحين\" (^٢) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا اقتربَ الزَّمانُ؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوة\".\nهذا لفظ مسلم.\nولفظ البخاريّ: \"لم تأكد رؤيا المؤمّن تكذب ... وما كان من النبوَّة فإنّه لا يكذب\".\n_________\n(^١) انظر: \"الحلال والحرام في الإسلام\" (ص ٨٤).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب التعبير، باب القيد في المنام، (١٢/ ٤٠٤ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الرؤيا، (١٥/ ٢٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":188},{"text":"قال ابن أبي جمرة: \"معنى كون رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان لا تكاد تكذب: أنّها تقع غالبًا على الوجه الّذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل؛ فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار\".\nقال: \"والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزّمان أن المؤمّن في ذلك الوقت يكون غريبًا؛ كما في الحديث: \"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا\" (^١)، أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمّن ومعينُه في ذلك الوقت، فيُكْرَمُ بالرؤيا الصالحة\" (^٢).\nوقد اختلف العلماء في تحديد الزمن الّذي يقع فيه صدق رؤيا المؤمّن على أقوال (^٣):\nالأوّل: أن ذلك يقع إذا اقتربت السّاعة، وقُبِض أكثر العلم، ودرست معالم الشّريعة؛ بسبب الفتن وكثرة القتال، وأصبح النَّاس على مثل الفترة، فهم محتاجون إلى مجدِّد ومذكِّر لما دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تذكِّر بالأنبجاء، لكن لما كان نبينا - ﷺ - آخر الأنبجاء، وتعذَّرت النبوة في هذه الأمة؛ فإنهم يعوَّضون بالمرائي الصادقة، الّتي هي جزءٌ من النبوة الآتية بالتبشير والإِنذار، ويؤيِّد لهذا القول حديث أبي هريرة: \"يتقارب الزّمان، ويُقْبَض\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، (٢/ ١٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٦).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).","vol":"1","page":189},{"text":"العلم\" (^١).\nورجَّح ابن حجر هذا القول.\nالثّاني: أن ذلك يقع عند قلَّة عدد المؤمنين، وغَلَبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين، فيؤنَس المؤمّن، ويُعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له وتسلية.\nوهذا القول قريبٌ من قول ابن أبي جمرة السابق، وعلى هذين القودين لا يختصُّ صدق رؤيا المؤمّن بزمان معيَّن، بل كدما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال؛ تكون رؤيا المؤمّن الصادق صادقة.\nالثّالث: أن ذلك خاصٌّ بزمان عيسى بن مريم -﵇-، لأنّ أهل زمنه أحسن لهذه الأمة حالًا بعد الصدر الأوّل، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تُكَذَّب. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣٨ - كثرة الكتابة وانتشارها:</span>\nجاء في حديث ابن مسعودرضي الله عنه عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"إن بين يدي السّاعة ... ظهور القلم\" (^٢).\nوالمراد بظهور القلم - والله أعلم - ظهور الكتابة (^٣) وانتشارها.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم، (١٦/ ٢٢٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤) (ح ٣٨٧٠)، شيرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) انظر: \"شرح مسند أحمد\" (٥/ ٣٣٤) لأحمد شاكر.","vol":"1","page":190},{"text":"ووقع في رواية الطيالسي والنسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن من أشراط السّاعة ... أن يكثر التجار، ويظهر العلم\" (^١).\nومعناه - والله أعلم - ظهور وسائل العلم، وهي كتبه.\nوقد ظهرت في هذا الزمن ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، بسبب توفر آلات الطابعة والتصوير الّتي سهَّلت انتشارها، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهلُ في النَّاس، وقلَّ فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسُّنَّة، والعمل بهما، ولم تُغْنِ عنهم كثرة الكتب شيئًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٣٩ - التهاون بالسنن الّتي رغَّب فيها الإسلام:</span>\nومنها التهاون بشعائر الله تعالى؛ كما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - وهو يقول: \"إن من أشراط السّاعة أن يمرَّ الرَّجل بالمسجد، لا يصلّي فيه ركعتين\" (^٣).\n_________\n(^١) \"منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي\" (٢/ ١١٢) (ح ٢٧٦٣)، ترتيب الساعاتي، و\"سنن النسائي\"، كتاب البيوع، باب التجارة، (٧/ ٢٤٤).\nقال التويجري على رواية النسائي: \"إسناد صحيح على شرط الشيخين\". \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٢٨)\n(^٢) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٢٨).\n(^٣) \"صحيح ابن خزيمة\"، باب كراهية المرور في المساجد من غير أن تصلّي فيها، والبيان أنّه من أشراط السّاعة، (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، تحقيق د. محمّد مصطفى الأعظمي، طبع المكتب الإِسلامي، ط. الأولى (١٣٩١ هـ).\nوعلَّق عليه الألباني، فقال: \"إسناده ضعيف، ولكن له أو لغالبه طرق أخرى\". =","vol":"1","page":191},{"text":"وفي رواية: \"أن يجتاز الرَّجل بالمسجد، فلا يصلّي فيه\" (^١).\nوعن ابن مسعود أيضًا، قال: \"إن من أشراط السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا\" (^٢).\nوعن أنس ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"إن من أمارات السّاعة أن تُتَّخَذَ المساجد طرقًا\" (٢).\nوهذا أمرٌ لا يجوز؛ فإن تعظيم المساجد من تعظيم شعائر الله (^٣) تعالى، وإن ذلك علامة الإِيمان والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحجِّ: ٣٢].\nوقال - ﷺ -: \"إذا دخل أحدُكم المسجد؛ فلا يجلس حتّى يركع ركعتين\" (^٤).\n_________\n= وذكر في \"السلسلة الصحيحة\" أن له طريقًا أخرى عن ابن مسعود يتقوى بها. انظر (م ٢/ ٢٥٣) (ح ٦٤٩).\n(^١) رواه البزار، وصحَّح الهيثمي هذه الرِّواية في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٩).\n(^٢) \"منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي\"، باب ما جاء في الفتن الّتي تكون بين يدقي السّاعة (٢/ ٢١٢)، ترتيب الساعاتي، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٤٦)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد\"، وقال الذهبي: \"موقوف\".\n(^٣) (شعائر الله): واحدها شعيرة، وهي كلّ شيء جُعِلَ علمًا من أعلام طاعته تعالى. انظر: \"تفسير غريب القرآن\" (ص٣٢) لابن قتيبة، بتحقيق السَّيِّد أحمد صقر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، (١٣٩٨ هـ).\n(^٤) \"صحيح مسلم \"، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أستحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما، وأنّها مشروعة في جميع الأوقات، (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":192},{"text":"ومن أعظم البلايا أن صارت المساجد أماكن للسياحة والفرجة للكفار بعدما كانت محلًّا للذكر والعبادة، وقد حدث لهذا في هذا العصر؛ كما في بعض البلاد الإِسلامية، والبلاد الّتي تحت أيدي الكفار، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٤٠ - انتفاخُ الأهلَّة:</span>\nعن عبد الله بن مسعودرضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اقتراب السّاعة انتفاخُ الأهلَّة\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من اقتراب السّاعة انتفاخ الأهلَّة، وأن يُرى الهلال (^٢) لليلةٍ، فيقال:\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الكبير\".\nقال الهيثمي: \"فيه عبد الرّحمن بن يوسف، ذكر له في الميزان هذا الحديث، وقال: إنّه مجهول\". \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٤٦).\nوانظر: \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٦٠٠) للذهبي.\nوقال الألباني: \"صحيح\".\nتم ذكر من أخرجه من الأئمة، وهم: العقيلي في \"الضعفاء\"، وابن عدي في \"الكامل\"، والطبراني في \"الأوسط\" و\"الصغير\".\nورواه عن أبي هريرة: الطبراني في \"الأوسط\"، والضياء المقدسي.\nورواه عن أنس: البخاريّ في \"التاريخ\".\nورواه عن طلحة بن أبي حدرد وأبي عمرو الداني الشعبيُّ والحسن مرسلًا.\nانظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٢١٣ - ٢١٤) (ح ٥٧٧٤).\n(^٢) في \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٢١٤): \"أن يرى الهلال قبلًا لليلة\"؛ أي: يرى ساعة يطلع، وقبلًا؛ أي معاينة. انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٤٨) للقرطبي.","vol":"1","page":193},{"text":"لليلتين\" (^١).\nوعن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"إن من أمارات السّاعة أن يُرى الهلال لليلة، فيقال: لليلتين\" (^٢).\nفقد جاء في هاتين الروايتين تفسيرُ انتفاخ الأهلَّة بأن ذلك عبارةٌ عن كبر الهلال حين طلوعه عما هو معتادٌ في أول الشهر، فيرى وهو ابن ليلة؛ كأنّه ابن ليلتين. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٤١ - كثرة الكذب وعلإم التثبُّت في نقل الأخبار:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: \"سيكون في آخر أمَّتي أناس يحدِّثونَكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم\" (^٣).\nوفي رواية: \"يكون في آخر الزّمان دجَّالون كذَّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكُم، فإياكم وإياهم، لا يضلُّونكم ولا\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الصغير\".\nقال الهيثمي: \"وفيه عبد الرّحمن بن الأزرق الأنطالي، ولم أجد من ترجمه\". \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٤٦).\n(^٢) قال الهيثمّي: \"رواه الطبراني في \"الصغير\"، و\"الأوسط\" عن شيخه الهيثم بن خالد المصيصي، وهو ضعيف\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٥).\nوقال الألباني: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\"، والضياء المقدسي، وهو حسن\". انظر: \"صحيح الجامع\" (٥/ ٢١٤) (ح ٥٧٧٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، المقدِّمة، باب النّهي عن الرِّواية عن الضعفاء، (١/ ٧٨ - مع شرط النووي).","vol":"1","page":194},{"text":"يفتنونكم\" (^١).\nوروى مسلمٌ عن عامر بن عبدة؛ قال: قال عبد الله (^٢): \"إن الشيطان ليتمثَّلُ في سورة الرَّجل، فيأتي القوم، فيحدِّثُهم بالحديث من الكذب، فيتفرَّقون، فقول الرَّجل منهم: سمعتُ رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدِّثُ\" (^٣).\nوعند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: \"إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرُجَ، فتقرأ على النَّاس قرآنًا\" (^٤).\nقال النووي: \"معناه: تقرأ شيئًا ليس بقرآن، وتقول إنّه قران؛ لتغرَّ به عوامَّ النَّاس، فلا يغترُّون\" (^٥).\nوما أكثر الأحاديث الغريبة في هذا الزّمان، فقد أصبح بعض النَّاس لا يتورع عن كثرة الكذب ونقل الأقوال بدون تثبُّت من صحَّتها، وفي هذا إضلالٌ للناس، وفتنةٌ لهُم، ولهذا حذَّر النّبيّ - ﷺ - من تصديقهم، وقد جعل\n_________\n(^١) \"المرجع السابق\" (١/ ٧٨ - ٧٩ - نووي).\n(^٢) هو عبد الله بن مسعود ﵁، والراوي عنه عامر بن عبده البجلي الكوفي، أبو إياس، تابعي، ثقة، وقد أشار ابن حجر إلى هذه الرِّواية في كتابه \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٧٨ - ٧٩)، وذكر أنّها من رواية عامر بن عبدة عن عبد الله بن مسعود.\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، المقدِّمة، (١/ ٧٩ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، المقدِّمة، باب النّهي عن الرِّواية عن الضعفاء، (١/ ٧٩ - ٨٠ - مع شرط النووي).\n(^٥) \"شرح النووي لمسلم\" (١/ ٨٠).","vol":"1","page":195},{"text":"علماء الحديث هذه الأحاديث أصلًا في وجوب التثبُّت من نقل الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، وتصحيص الرواة؛ لمعرفة الثقة من غيره.\nوبسبب كثرة كذب النَّاس في هذا الزّمان؛ صار الإِنسان لا يميِّز بين الأخبار، فلا يعرف صحيحها من سقيمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٤٢ - كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق:</span>\nجاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله - ﷺ -: \"إن بين يدي السّاعة: ... شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق\" (^١).\nوشهادة الزُّور هي الكذب متعمِّدًا في الشَّهادة، فكما أن شهادة الزُّور سببٌ لإِبطال الحق، فكالك كتمان الشّهادة سببٌ لإِبطال الحق.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nوعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله - ﷺ -، فقالِ: \"ألَّا أنبِّئُكُم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟ الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور - أو قول الزور -، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكرِّرها حتّى قلنا: ليته سكت\" (^٢).\n_________\n(^١) \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ٣٣٣)، شرح أحمد شاكر، وقد تقدّم تخريجه، وأنّه صحيح.\nانظر: \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٤٠)، و\"فتح الباري\" (٥/ ٢٦٢).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، (٥/ ٢٦١ - مع الفتح)، و\"صحجح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الكبائر وأكبرها، (٢/ ٨١ - ٨٢ - مع شرط النووي).","vol":"1","page":196},{"text":"وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن!\nولعظم خطرها قرنها النّبيّ - ﷺ - بالشرك وعقوق الوالدين؛ فإن شهادة الزُور سبب للظُّلم والجور وضياع حقوق النَّاس في الأموال والأعراض، وظهورها دليلٌ على ضعف الإِيمان، وعدم الخوف من الرّحمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>٤٣ - كثرةُ النِّساء وقلَّة الرجال:</span>\nعن أنس ﵁ قال: لأحدِّثَنَّكُمْ حديثًا لا يحدِّثُكُمْ أحدٌ بعدي، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"مِن أشراط السّاعة أن يقلَّ العلم، ويظهر الجهلى، ويظهر الزِّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ، ويقلَّ الرجال، حتّى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحدُ\" (^١).\nقيل: إن سبب ذلك كثرةُ الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء (^٢).\nوقيل: إن سبب ذلك كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرَّجل عدة موطوءات.\nقال الحافظ ابن حجر: \"فيه نظرٌ؛ لأنّه صرَّح بالقلَّة في حديث أبي\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرط النووي)، و\"جامع التّرمذيّ\"، باب ما جاء في أشراط السّاعة، (٦/ ٤٤٨) (ح ٢٣٠١).\n(^٢) انظر \"التذكرة\" (ص ٦٣٩)، و\"شرح النووي لمسلم\" (٧/ ٩٦ - ٩٧)، و\"فتح الباري\" (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":197},{"text":"موسى ... فقال: \"من قلَّة الرجال وكثرة النِّساء\" (^١)، والظاهر أنّها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يقدَّر الله في آخر الزّمان أن يقلَّ مَنْ يولَدُ مِن الذُّكور، ويَكْثُرَ مَنْ يولد من الإِناث، وكون كثرة النِّساء من العلّامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم\" (^٢).\nقلت: ولا يمنعُ أن يكون ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر، وبغيره من الأسباب الّتي ينشأ عنها قلَّة الرجال وكثرة النِّساء؛ كوقوع الفتن الّتي تكون سببًا في القتال، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ما يدلُّ على أن كثرة النِّساء وقلَّة الرجال يكون بسبب ذهاب الرجال وبقاء النِّساء، والذي يُذْهِب الرجال غالبًا يكون كثرة القتال، ولفظ مسلم هو قوله - ﷺ -: \"ويذهب الرجال، وتبقى النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة قيِّمٌ واحدٌ\" (^٣).\nوليس المراد هنا حقيقة العدد (خمسين)، فقد جاء في حديث أبي موسى ﵁: \"ويُرى الرَّجل يتبعه أربعون امرأة يَلُذْن به\" (^٤)، فيكون ذلك مجازًا عن الكثرة (^٥)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٤٤ - كثرة موت الفجأة:</span>\n_________\n(^١) \" صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٧٩).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، (١٦/ ٢٢١ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).\n(^٥) أنظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٧٩).","vol":"1","page":198},{"text":"عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"إن من أمارات السّاعة ... أن يظهر موتُ الفجأة\" (^١).\nوهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، حيت أكثر في النَّاس موتُ الفجأة، فترى الرَّجل صحيحًا معانى، ثمّ يموت فجأة، وهذا ما يسميه النَّاس في الوقت الحاضرب (السكتة القلبيَّة)، فعلى العاقل أن يتنبَّهَ لنفسه، ويرجِعَ ويتوبَ إلى الله تعالى قبل مفاجأة الموت.\nوكان الإمام البخاريّ ﵀ يقول:\n\"اغْتَنِمْ فِي الفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ ... فَعَسى أن يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ\nكَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتُ مِنْ غَيْر سُقْمٍ ... ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ\"\nقال ابن حجر: \"وكان من العجائب أنّه هو وقع له - أي: البخاريّ - ذلك أو قريبًا منه\" (^٢).\n_________\n(^١) قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الصغير\"، و\"الأوسط\"، عن شيخه الهيثم بن خالد المصيصي، وهو ضعيف\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢٥).\nوقال الألباني: \"حسن\"، وذكر من أخرجه، وهم: الطبراني في \"الأوسط\"، والضياء المقدسي. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٢١٤) (ح ٥٧٧٥).\n(^٢) \"هدي الساري مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٨١) للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، قام بإخراجه وتصحيحه محب الدين الخطيب، أشرف على طبعه قصي محب الدين الخطيب، نشر وتوزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء، الرياض.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>٤٥ - وقوع التناكر بين النَّاس:</span>\nعن حُذيفة ﵁، قال: سُئل رسول الله - ﷺ - عن السّاعة؟ فقال: \"علمها عند ربي، لا يجلِّيها لوقتِها إِلًّا هُو، ولكن أخبرُكُم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهَرْجًا\". قالوا: يا رسول الله! الفتنةُ قد عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: \"بلسان الحبشة: القتل. ويُلْقَى بين النَّاس التَّناكر، فلا يكاد أحدٌ أن يعرف أحدًا\" (^١).\nفوقوع التناكر عند كثرة الفتن والمحن وكثرة القتال بين النَّاس، وحينما تستولي المادة على النَّاس، ويعمل كلّ منهم لحظوظ نفسه؛ غير مكترث بمصالح الآخرين، ولا بحقوقهم، فتنتشر الأنانية البغيضة، ويحيى الإِنسان في نطاق أهوائه وشهواته، فلا تكون هناك قيمٌ أخلاقيَّة يعرِف بعض النَّاس بها بعضًا، ولا يكون هناك من الأخوَّة الإِيمانية ما يجعلهم يلتقون على الحبِّ في الله، والتعاون على البرّ والتقوى.\nروى الطبراني عن محمّد بن سوقة؛ قال: \"أتيتُ نُعيم بن أبي هند، فأخرج إليَّ صحيفة، فإذا فيها: من أبي عُبيدة بن الجرّاح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطّاب: سلام عليك ... (فذكر الكتاب، وفيه:) وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمأنّها سيرجِعُ إلى أن يكونوا إخوان العلّانيّة أعداء السرية ... (ثمّ ذكر جواب عمر ﵁ لهما، وفيه:) وكتبتما تحذِّراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا\n_________\n(^١) \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ٣٨٩ - بهامشه منتخب كنز العمال).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٠٩)","vol":"1","page":200},{"text":"إخوان العلانيّة، أعداء السَّريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذلك، وذلك زمانٌ تظهَرُ فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض النَّاس إلى بعض لصلاح دنياهم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٤٦ - عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا:</span>\nومنها أن تعود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى تعود أرض العرب مروجًا (^٢) وأنّهارًا\" (^٣).\nوفي هذا الحديث دِلالة على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنّهارًا، وأنّها ستعود كما كانت مروجًا وأنّهارًا.\n_________\n(^١) قال التويجري: \"رواه الطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلى هذه الصحيفة\". \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٥٠٤)\nوبحثتُ عنه في \"مجمع الزوائد\" في مظانه فلم أعثر على هذا النص، ووجدت حديثًا عن معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يكون في آخر الزّمان أقوامٌ إخوانُ العلانيّة أعداء السريرة\". قال: يا رسول الله! كيف يكون ذلك؟ قال: \"برغبة بعضهم إلى بعض، وبرهبة بعضهم من بعض\".\nقال الهيثمي: \"رواه البزار، والطبراني في \"الأوسط\"، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٦).\n(^٢) (المروج): جمع مرج، وهو الفضاء الواسع، ويقال للأرض ذات الكلأ: مرج. ومنه قولهم: مرج الدَّابة يمرجها: إذا أرسلها ترعى في المرج.\nانظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":201},{"text":"قال النووي في معنى عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا: \"معناه - والله أعلم - أنّهم يتركونها ويُعْرِضون عنها، فتبقى مهملة، لا تُزْرَعُ، ولا تُسْقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به\" (^١).\nوالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه النووي - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث فيه نظر؛ فإن أرض العرب أرضٌ قاحلةٌ شحيحة المياه، قليلة النبات،. غالب مياهها من الآبار والأمطار، فإذا تُرِكَت واشتغل عنها أهلها؛ مات زرعها، ولم تَعُد مروجًا وأنّهارًا\".\nوظاهر الحديث يدلُّ على أن بلاد العرب ستكثر فيها المياه، حتّى تكون أنّهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات.\nوالذي يؤيِّد لهذا أنّه ظهر في لهذا العصر عيونٌ كثيرةٌ تفجَّرت كالأنّهار، وقامت عليها زراعاتٌ كثيرةٌ، وسيكون ما أخبر به الصادق - ﷺ - فقد روى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في غزوة تبوك: \"إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يُضْحي النهار، فمَن جاءها منكم؛ فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتّى آتي\". فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك (^٢) تبضُّ (^٣) بشيء من ماء؛ قال: فسألهما رسول\n_________\n(^١) \"شرح النووي لمسلم\" (٧/ ٩٧).\n(^٢) (الشرأك): بكسر الشين، هو سير النعل.\nانظر: \"لسان العرب\" (١٠/ ٤٥١).\n(^٣) (تبض)؛ بفتح التاء وكسر الموحدة بعدها ضاد معجمة مشدَّدة؛ أي: تسيل بماء قليل. أنظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٥/ ٤١)، و\"لسان العرب\" (٧/ ١١٧).","vol":"1","page":202},{"text":"الله - ﷺ -: \"هل مسستما من مائها شيئًا؟ \". قالا: نعم. فسبَّهما رسول الله - ﷺ -، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثمّ غَرَفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتّى اجتمع في شيءٍ. قال: ثمّ غسل رسول الله - ﷺ - فيه يديه ووجهه، ثمّ أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير ... حتّى استقى النَّاس، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: \"يوشِكُ يا معاذ إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهُنا قد مُلِئ جِنانًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>٤٧ - كثرة المطر وقلَّة النبات:</span>\nعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقوم السّاعة حتّى تُمْطِرَ السَّماء مطرًا لا تُكِنُّ منها بيوت المدر (^٢) ولا تُكِنُّ منها إِلَّا بيوت الشعر\" (^٣).\nوعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقوم السّاعة حتّى يُمْطَرَ النَّاس مطرًا عامًّا، ولا تُنْبِتُ الأرض شيئًا\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفضائل، باب معجزات النّبيّ - ﷺ -، (١٥/ ٤٠ - ٤١ - مع شرح النووي).\n(^٢) (المَدَر): هو الطين المتماسك اليابس. وأهل المدر: أهل القرى والأمصار.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٤/ ٣٠٩).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (١٣/ ٢٩١) (ح ٧٥٥٤)، شرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوهو في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣١)؛ قال الهيثمي: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح\".\nوانظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٧٤)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٣/ ١٤٠ - بهامشه منتخب الكنز).","vol":"1","page":203},{"text":"فإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض؛ فإن لله تعالى أن يوجِدَ ما يمنَعُ لهذا السبب من ترتُّب المسبَّب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبَّباتها، لا يعجزه شيء.\nوفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليست السَّنةُ بأن لا تُمْطَروا، ولكنَّ السَّنةَ أن تُمْطَروا وتُمْطَروا ولا تُنْبتُ الأرض شيئًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>٤٨ - حسر الفرات (^٢) عن جبلٍ من ذهبٍ:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقومُ السّاعة حتّى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل النَّاس عليه، فيقتل من كلّ مئة تسعة وتسعون، ويقول كلّ رجلٍ منهم: لعلّي أكون أنا الّذي أنجو\" (^٣).\n_________\n= ذكره الهيثمي، وقال: \"رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى ... ورجال الجميع ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣٠).\nوقال ابن كثير: \"إسناده جيد، ولم يخرجو من لهذا الوجه\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٨٠)، تحقيق د. طه زيني.\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٠ - مع شرح النووي).\n(^٢) (الفرات): بضم الفاء، بعده راء مهملة مخففة، وآخره تاء مثناة من فوق، ويقال: إنّه معرَّب. والفرات في كلام العرب: الماء العذب. والفرات: نهر عظيم مخرجه فيما زعموا من أرض أرمينية، ثمّ يدخل بلاد الروم إلى ملطية، ويصب فيها أنّهار صغار، ثمّ يمر بالرقة، ثمّ يصير أنّهارًا تسقي زروع السواد بالعراق، ويلتقي بدجلة قرب واسط، ثمّ يصبان في خليج العرب (بحر الهند سابقًا).\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب خروج النّار، (١٣/ ٧٨ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":204},{"text":"وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط/ البترول الأسود)؛ كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على \"النهاية/ الفتن والملاحم\" لابن كثير (^١)، وذلك من وجوه:\n١ - أن النص جاء فيه: \"جبل من ذهب\"، والبترول ليس بذهب على الحقيقة؛ فإن الذهب هو المعدن المعروف.\n٢ - أن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب، فيراه النَّاس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.\n٣ - أن النّبيّ - ﷺ - خصَّ الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنّهار، والنفط نراه يُستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن كثيرة متعدِّدة.\n٤ - أن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن النَّاس سيقتتلون عند هذا الكنز، ولم يحصل أنّهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن النّبيّ - ﷺ - نهى مَنْ حضر لهذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا؛ كما في الرِّواية الأخرى عن أُبي بن كعب ﵁؛ قال: لا يزال النَّاس مختلفةٌ أعناقُهُم في طلب الدنيا ... إنِّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يوشِك الفراتُ أن يُحْسَرَ عَن جبلٍ مِن ذهبٍ، فمَن حَضَرَهُ؛ فلا يأخُذْ منهُ شيئًا\" (^٢)، ومَن حمله على\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٠٨)، تحقيق محمّد فهيم أبو عبية.\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٩ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":205},{"text":"النفط؛ فإنّه يلزمه على قوله هذا النّهي عن الأخذ من النفط، ولم يقل به أحدٌ (^١).\nوقد رجَّح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٤٩ - كلام السِّباع والجمادات للإِنس:</span>\nومن أشراط السّاعة كلام السِّباع للإِنس، وكلام الجمادات للإِنسان، وإخبارها بما حدث في غيابه، وتكلُّم بعض أجزاء الإِنسان؛ كالفخذ يخبر الرَّجل بما أحدث أهله بعده.\nفقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: جاء ذئبٌ إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتّى انتزعها منه. قال: فصعد الذئبُ على تلٍّ، فأقعى (^٣) واستذفر (^٤)، فقال: عمدتَ إلى رزق رزقنيهِ الله ﷿ انتزعته مني. فقال الرَّجل: تالله إن رأيتُ كاليوم ذئبًا يتكلَّم! قال الذئب: أعجبُ من هذا رجلٌ في النَّخلات بين الحَرَّتين\n_________\n(^١) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٨١).\n(^٣) (أقعى)؛ الإِقعاء: تقول أقعى الكلب إذا جلس على استه. انظر: \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٦٦٣).\n(^٤) (استذفر): أصلها استثفر، فقلبت الثاء المثلثة ذالًا معجمة. تقول: استثفر الكلب: إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتّى يلزق ببطنه.\nانظر: \"ترتيب القاموس\" (١/ ٤١٠)، و\"شرح مسند أحمد\" (١٥/ ٢٠٣) لأحمد شاكر.","vol":"1","page":206},{"text":"يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم - وكان الرَّجل يهوديًّا -، فجاء الرَّجل إلى النّبيّ - ﷺ -، وأخبره، فصدَّقه النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قال النّبيّ - ﷺ -: \"إنها أمارةٌ من أمارات بين يدي السّاعة، قد أوشك الرَّجل أن يخرج فلا يرجع حتّى تُحَدِّثَه نعلاه وسوطُه ما أحدث أهله بعدَه\". رواه الإِمام أحمد (^١).\nوفي رواية له عن أبي سعيد الخدري (فذكر القصة إلى أن قال: قال رسول الله - ﷺ -): \"صدق والذي نفسي بيده، لا تقوم السّاعة حتّى يكلِّمَ السباعُ الإِنس، ويكلِّمُ إلرجُلَ عَذَبَةُ سوطه، وشِراكُ نعله، ويخبره فخِذُهُ بما أحدث أهلُه بعده\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٥٠ - تمنِّي الموتِ من شدَّة البلاء:</span>\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل، فيقول: يا ليتني مكانه\" (^٣).\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣) (ح ٨٠٤٩)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٨٣ - ٨٤ - بهامشه منتخب كنز العمال).\nوقال الألباني: \"هذا سنذ صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير القاسم لهذا (أحد رواة الحديث)، وهو ثقة اتفاقًا، وأخرج له مسلم في المقدِّمة\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ١/ ٣١) (ح ١٢٢).\nورواه التّرمذيّ في أبواب الفتن، باب ما جاء في كلام السِّباع، (٦/ ٤٠٩)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إِلَّا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحايث، وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرّحمن بن مهدي\".\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٤ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":207},{"text":"وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده؛ لا تذهبُ الدنيا حتّى يمرَّ الرَّجل على القبر، فيتمرَّغَ عليه، ويقولَ: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدَّين، إِلَّا البلاء\" (^١).\nوتمنَي الموت يكون عند كثرة الفتن، وتغيُّر الأحوال، وتبديل رسوم الشّريعة، وهذا إن لم يكن وقع؛ فهو واقعٌ لا محالة.\nقال ابن مسعود ﵁: \"سيأتي عليكم زمانٌ لو وَجَدَ أحدُكُم الموت يُباع لاشتراه، وكما قيل:\nوهذا العَيْشُ مَا لَا خَيْرَ فيهِ ... أَلا مَوْتٌ يُباعُ فأَشْتَريهِ\" (^٢)\nقال الحافظ العراقي (^٣): \"ولا يلزم كونه في كلّ بلد، ولا كلّ زمن، ولا في جميع النَّاس، بل يصدق اتِّفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنِّيه بالمرور إشعار بشدَّة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنَّى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"فيض القدير\" (٦/ ٤١٨).\n(^٣) هو زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرّحمن العراقي الكردي الشّافعيّ، ولد في سنة خمس وعشرين وسبع مئة، وكان من الحفاظ، رحل إلى دمشق وحلب والحجاز والإِسكندرية، وأخذ عن العلماء الكبار، وله مصنَّفات كثيرة في الحديث، منها: \"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإِحياء من الأخبار\"، و\"تقريب الأسانيد\"، وشرحه \"طرح التثريب\"، توفي زين الدين سنة ست وثمان مئة للهجرة ﵀.\nانظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٥٥ - ٥٦)، ومقدمة كتاب \"طرح التثريب\" (١/ ٢ - ٩) للشيخ محمود حسن ربيع.","vol":"1","page":208},{"text":"شاهد الموتى، ورأى القبور؛ نشز بطبعه، ونفر بسجيَّتِهِ من تمنِّيه، فلقوّة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النّهي عن تمني الموت؛ لأنّ مقتضى هذا الحديث الإِخبار عما يكون، وليس فيه تعرُّض لحكم شرعيٍّ\" (^١).\nوأخبر النّبيّ - ﷺ - أنّه سيأتي على النَّاس شدَّةٌ وعناءٌ، حتّى يتمَنَّوْنَ الدَّجَّال، ففي الحديث عن حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يأتي على النَّاس زمانٌ يتمَنوْنَ فيه الدَّجَّال\". قلت: يا رسول الله! بأبي وأُمي مم ذاك؟ قال: \"ممَّا يلقون من العناء والعناء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٥١ - كثرة الروم (^٣) وقتالهم للمسلمين:</span>\nقال المستورد القرشي عند عمرو بن بن العاص ﵄: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس\". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله - ﷺ - (^٤).\nوجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ ث قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة ... (فذكر منها:) ثمّ هدنة\n_________\n(^١) \"فيض القدير\" (٦/ ٤١٨)، وانظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٥ - ٧٦).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\"، والبزار بنحو، ورجالهما ثقات. انظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٣) (الروم): من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉. انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (ص ٥٨)، تحقيق د. طه ريني.\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":209},{"text":"تكون بينكم وبين بني الأصفر (^١)، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية (^٢)، تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفًا\" (^٣).\nوعن جابر بن سمرة عن نافع بن عُتبة؛ قال: كنا مع رسوك الله - ﷺ - ... فحفظتُ منه أربع كلمات أعدُّهن في يدي؛ قال: \"تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثمّ فارس فيفتحها الله، ثمّ تغزون الروم فيفتحها الله، ثمّ تغزون الدَّجَّال فيفتحه الله\".\nقال: فقال نافع: \"يا جابر! لا نرى الدَّجَّال يخرج حتّى تفتح الروم\" (^٤).\nوقد جاء وصفٌ للقتال الّذي يقع بين المسلمين والروم، ففي الحديث عن يسير بن جابرة قال: هاجت ريحّ حمراء بالكوفة، فجاء رجلٌ ليس له هجيري (^٥) إِلَّا: يا عبد الله بن مسعود! جاءت السّاعة. قال: فقعد - وكان متَّكئًا -، فقال: إن السّاعة لا تقوم حتّى لا يُقْسَم ميراث، ولا يُفْرَحَ\n_________\n(^١) بنو الأصفر: هم الروم. انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٦٧٨).\n(^٢) إلخاية)، أي: راية. وسميت بذلك لأنّها غاية المتبع إذا وقفت وقف.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٤٠٤)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٦٧٨).\n(^٣) رواه البخاريّ، وقد سبق تخريجه (ص ٦٠).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٦ - مع شرح النووى).\n(^٥) (هجيرى)؛ بكسر الهاء والجيم المشدودة مقصورة الألف؛ أي: دأبه وشأنّه وعادته وديدنه ذلك.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢٤٦)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٤).","vol":"1","page":210},{"text":"بغنيمة. ثمّ قال بيده لهكذا، ونحاها نحو الشّام، فقال: عدوٌّ يجمعون لأهل الإِسلام، ويجمع لهم أهل الإِسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردَّة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة (^١) للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون، حتّى يحجز بينهم اللّيل، فيفيء هؤلاء ولهؤلاء كلّ غير غالب، ثمّ تفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت لاترجع إِلَّا غالبة، فيقتتلون حتّى يمسوا، فيفيء لهؤلاء وهؤلاء كلٌّ غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرّابع؛ نَهَدَ (^٢) إليهم بقيَّة أهل الإِسلام، فيجعل الله الدبرة (^٣) عليهم، فيقتتلون مقتلة؛ إمّا قال: لا يُرى مثلها، وإما قال: لم يُر مثلها، حتّى إن الطائر ليس بجنباتهم، فما يخلفهم حتّى يخر ميتًا، فيتعادُّ بنو الأب كانوا مئة، فلا يجدونه بقي منهم إِلَّا الرَّجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدَّجَّال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويُقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة.\n_________\n(^١) (الشرطة)، بضم الشين، وهي أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٦٠)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٤).\n(^٢) (نهد)؛ بفتح النون والهاء، أي: نهض وتقدم.\n\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٤).\n(^٣) (الدبرة): بفتح الدال والباء؛ أي: جعل الله الهزيمة عليهم.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٩٨) لابن الأثير.","vol":"1","page":211},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"إنِّي لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ\" (^١).\nوهذا القتال يقع في الشّام في آخر الزّمان، قبل ظهور الدجال، كما دلَّت على ذلك الأحاديث، ويكون انتصار المسلمين على الروم تهيئة لفتح القسطنطينية، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى ينزل الروم بالأعماق (^٢) أو بدابق (^٣)، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافُّوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الّذي سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، وبفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشّام؛ خرج، فبينما هم يعدون\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٤ - ٢٥ - مع شرح النووي).\n(^٢) (الأعماق): قال ياقوت الحموي: \"هي كورة قرب دابق، بين حلب وأنطاكية، وهما في الشّام\".\n\"معجم البلدان\" (١/ ٢٢٢).\n(^٣) (دابق): بكسر الباء وروي بفتحها وآخره قاف: قرية قرب حلب، من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ.\n\"معجم البلدان\" (٢/ ٤١٦).","vol":"1","page":212},{"text":"للقتال، يسوُّون الصفوف، إذ أُقيمت الصّلاة، فينزل عيسى بن مريم - ﷺ - (^١).\nوعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن فسطاط (^٢) المسلمين يوم الملحمة في أرضٍ بالغوطة (^٣)، في مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشّام\" (^٤).\nقال ابن المنير (^٥): \"أمّا قصة الروم؛ فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنّهم غزوا في البرّ في لهذا العدد، فهي من الأمور الّتي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنّه دلَّ على أن العاقبة للمؤمنين، مع كثرة ذلك\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢١ - ٢٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) (الفسطاط): بضم الفاء وكسرها: المدينة الّتي فيها مجتمع النَّاس، وكل مدينة فسطاط.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٤٤٥).\n(^٣) (الغوطة)؛ بضم الغين ثمّ واو ساكنة وطاء مهملة: من الغائط، وهو المطمئن من الأرض، وهي موضع بالشام تحيط بها جبال عالية وبها أنّهار وأشجار متصلة، وفيها تقع مدينة دمشق.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٢١٩).\n(^٤) \"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب في المعقل من الملاحم، (١١/ ٤٠٦ - مع عون المعبود\".\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ٢١٨) (ح ٢١١٢).\n(^٥) هو الحافظ زين الدين عبد اللطيف بن تقي الدين محمّد بن منير الحلبي ثمّ المصري، توفي سنة (٨٠٤ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٤٤).","vol":"1","page":213},{"text":"الجيش، وفيه بشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٥٢ - فتح القسطنطينية </span>(^٢):\nومنها فتح مدينة القسطنطينية - قبل خروج الدجَّال - على يدي المسلمين، والذي تدلُّ عليه الأحاديث أن لهذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجَّهون إلى مدينة القسطنطينية، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.\nففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"سمعتُم بمدينة جانبٌ منها في البرّ وجانبٌ منها في البحر؟ \". قالوا: نعم يا رسول الله. قال:. \"لا تقوم السّاعة حتّى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها- قال ثور (^٣) (أحد رواة\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (٦/ ٢٧٨).\n(^٢) مدينة الروم، ويقال لها قسطنطينية، وهي معروفة الآن بـ (اسطنبول) أو (استنبول)، من مدن تركيا، وكانت تعرف قديمًا باسم (بيزنطة)، ثمّ لما ملك قسطنطين الأكبر ملك الروم بنى عليها سورًا، وسماها قسطنطينية، وجعلها عاصمة ملكه، ولها خليج من جهة البحر يطيف بها من وجهين ممّا يلي الشرق والشمال، وجانباها الغربي والجنوبي في البرّ.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨) لياقوت الحموي.\n(^٣) هو ثور بن زيد الديلي مولاهم المدني، الثقة، توفي سنة (١٣٥ هـ) ﵀.\nانظر: \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٤٣ - نووي)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣١ - ٣٢).","vol":"1","page":214},{"text":"الحديث): لا أعلمه إِلَّا قال:- الّذي في البحر، ثمّ يقولوا الثّانية: لا إله إِلَّا الله والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثمّ يقولوا: لا إله إِلَّا الله والله أكبرة فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدَّجَّال قد خرج، فيتركون كلّ شيء ويرجعون\" (^١).\nوقد أشكل قوله في هذا الحديث: \"يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق\"، والروم من بني إسحاق؛ لأنّهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉ (^٢)، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟!\nقال القاضي عياض: \"كذا هو في جميع أصول\"صحيح مسلم\": من بني إسحاق\".\nثمّ قال: \"قال بعضهم: المعروف المحفوظ: \"من بني إسماعيل\"، وهو الّذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنّه إنّما أراد العرب\" (^٣).\nوذهب الحافظ ابن كثير إلى أن هذا الحديث \"يدلُّ على أن الروم يسلِمون في آخر الزّمان، ولعلَّ فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم؛ كما نطق به الحديث المتقدَّم؛ أنّه يغزوها سبعون ألفًا من بني\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٣ - ٤٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) انظز: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٥٨)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٤٣ - ٤٤).","vol":"1","page":215},{"text":"إسحاق\".\nواستشهد على ذلك بأنّهم مدحوا في حديث المستورد القرشي، فقد قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"تقوم السّاعة والروم أكثر النَّاس\". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله - ﷺ -. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربع: إنهم لأحلم النَّاس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأَوشَكَهُم كرَّة بعد فرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك (^١).\nقلتُ: ويدلُّ أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزّمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين: \"خلُّوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا\" (^٢)، فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سُبي منهم؛ لأنّهم أسلموا، فيرفض المسلمون ذلك، ويبيِّنون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا، لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممَّن سبي من الكفار ليس بمستغرب.\nقال النووي: \"وهذا موجودٌ في زماننا، بل معظم عساكر الإِسلام في بلاِد الشّام ومصر سُبوا ثمّ هم اليوم بحمد الله يَسبُون الكفار، وقد سَبَوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا، ولله الحمد\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٢١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":216},{"text":"على إظهار الإِسلام وإعزازه\" (^١).\nويؤِّيد كون هذا الجيش الّذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم، ويسلم بعضهم، ويكون مَنْ أسلم مع جيش المسلمين الّذي يفتح القسطنطينية، والله أعلم.\nوفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن، وقد روى التّرمذيّ عن أنس بن مالك أنّه قال: \"فتح القسطنطينية مع قيام السّاعة\".\nثمّ قال التّرمذيّ: \"قال محمود - أي: ابن غيلان شيخ التّرمذيّ -: لهذا حديثٌ غريبٌ، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تُفتَح عند خروج الدَّجَّال، والقسطنطينية قد فُتِحت في زمان بعض أصحاب النّبيّ - ﷺ -\" (^٢).\nوالصّحيح أن القسطنطينية لم تفْتَح في عصر الصّحابة؛ فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتمَّ لهم فتحُها، ثمّ حاصرها مسلمةُ بن عبد الملك، ولم تُفْتَح أيضًا، ولكنَّه صالح أهلها على بناء مسجد بها (^٣).\nوفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ثمّ هي الآن تحت أيدي الكفار، وستفتح فتحًا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق - ﷺ -.\nقال أحمد شاكر: \"فتح القسطنطينية المبشَّر به في الحديث سيكون\n_________\n(^١) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢١).\n(^٢) \"جامع التّرمذيّ\"، باب ما جاء في علامات خروج الدجال، (٦/ ٤٩٨).\n(^٣) انظر: \"النهاية في الفتن والملاحم\" (١/ ٦٢)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":217},{"text":"في مستقبل قريبٍ أو بعيدٍ يعلمه الله -﷿-، وهو الفتح الصّحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الّذي أعرضوا عنه، وأمّا فتح الترك الّذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنّه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثمّ هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنّها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإِسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإِسلامي لها إن شاء الله كما بشَّر به رسول الله - ﷺ -\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٥٣ - خروج القحطاني:</span>\nفي آخر الزّمان يخرج رجلٌ من قحطان، تدين له النَّاس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغيُّر الزّمان، ولهذا ذكره الإِمام البخاريّ في باب تغير الزّمان.\nروى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه\" (^٢).\nقال القرطبي. \"قوله: \"يسوق النَّاس بعصاه\" كنايةٌ عن استقامة\n_________\n(^١) حاشية \"عمدة التفسير عن ابن كثير\" (٢/ ٢٥٦)، اختصار وتحقيق الشّيخ أحمد شاكر.\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٨/ ١٠٣) (ح ٩٣٩٥)، شرح احمد شاكر، أتمه وأكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم. و\"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تُعْبَد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\" كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":218},{"text":"النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم\" (^١).\nقلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد (^٢) أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال: \"ورجلٌ من قحطان\".\nوأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: \"ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح\" (^٣).\n_________\n(^١) \"التذكرة\" (ص ٦٣٥).\n(^٢) نعيم بن حماد الخزاعي، من الحفاظ الكبار، روى عنه البخاريّ مقرونًا، وروى له مسلم في المقدِّمة، وأصحاب السنن إِلَّا النسائي، وثقه الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: \"صدوق\"، وضعفه النسائي، وقال الذهبي: \"أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه\"، وقال ابن حجر: \"صدوق يخطىء كثيرا\"، ونقل الذهبي عن نعيم أنّه قال: \"كنت جهميًّا، فلذلك عرفت كلامهم فلما طلبت الحديث علمتُ أن مآلهم إلى التعطيل\"، توفي سنة (٢٢٨ هـ) ﵀.\nانظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤١٨ - ٤٢٠)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٥٨ - ٤٦٣)، و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٣٠٥)، و\"هدي الساري مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٤٧)، و\"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (ص ٤٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٣٥).","vol":"1","page":219},{"text":"ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية ﵁، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله - ﷺ -، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين\". رواه البخاريّ (^١).\nوإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية ﵁ لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: \"ما أقاموا الدين\"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (^٢).\nولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (^٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (^٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١١٥).\n(^٣) خلافًا للقرطبي، فإنّه قال في \"التذكرة\" (ص ٦٣٦): \"ولعلّ هذا الرَّجل القحطاني هو الرَّجل الّذي يقال له الجهجاه\".\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٥٤٥ و١٣/ ٧٨).","vol":"1","page":220},{"text":"ويؤِّيد ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يذهب اللّيل والنهار حتّى يملك رجلٌ من الموالي؛ يقال له: جهجاه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٥٤ - قتال اليهود:</span>\nومنها قتال المسلمين لليهود في آخر الزّمان، وذلك أن اليهود يكونون من جند الدَّجَّال، فيقاتلهم المسلمون الذين هم جند عيسى -﵇-، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديّ ورائي، تعال فاقتله.\nوقد قاتَل المسلمون اليهودَ من زمن النّبيّ - ﷺ -، وانتصروا عليهم، وأجلوهُم من جزيرة العرب؛ أمتثالًا لقول النّبيّ - ﷺ -:\"الأخْرِجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتّى لا أدع إِلَّا مسلمًا\" (^٢).\nولكن لهذا القتال ليس هو القتال الّذي هو من أشرأط السّاعة، وجاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فإن النّبيّ - ﷺ - أخبر أن المسلمين سيقاتلونهم إذا خرج الدَّجَّال، ونزل عيسى -﵇-.\nروى الإِمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ حديثًا طويلًا في خطبة النّبيّ - ﷺ - يوم كسفت الشّمس ... (وفيه أنّه ذكر الدَّجَّال، قال):\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٦/ ١٥٦) (ح ٨٣٤٦)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح، والحديث في صحيح مسلم\" (١٨/ ٣٦) بدون لفظة: \"من الموالي\".\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الجهاد والسير، باب إجلاء اليهود من الحجاز، (١٢/ ٩٢ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":221},{"text":"\"وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثمّ يهلكه الله ﵎ وجنوده حتّى أن جذم الحائط - أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب (^١): وأصل الشجرة - لينادي - أو قال: يقول - يا مؤمن! - أو قال: يا مسلم- لهذا يهوديٌّ - أو قال: هذا كافرٌ - تعال فاقتله\".\nقال: \"ولن يكون ذلك كذلك حتّى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ \" (^٢).\nوروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ -؛ قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتّى يختبىء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌّ خلفي، فتعال، فاقتله؛ إِلَّا الغرقد (^٣)؛ فإنّه من شجر اليهود\" (^٤).\nوهذا لفظ مسلم.\n_________\n(^١) هو أبو علي الحسن بن موسى الأشيب البغدادي الثقة، قاضي طبرستان والموصل وحمص، روى عنه الإِمام أحمد، وتوفي سنة ثمان أو تسع أو عشر ومئتين ﵀. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٢٣).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ١٦ - بهامشه منتخب كنزل العمال).\nقال ابن حجر: \"إسناده حسن\". \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٠).\n(^٣) (الغرقد)؛ قال النووي: \"نوع من شجر الشوك، معروف ببلاد المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود\". \"شرح مسلم\" (١٨/ ٤٥).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجهاد، باب قتال اليهود، (٦/ ١٠٣ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة (١٨/ ٤٤ - ٤٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":222},{"text":"والذي يظهر من سياق الأحاديث أن كلام الحجر والشجر ونحوه حقيقة، وذلك لأنّ حدوث تكلُّم الجمادات ثابتٌ في غير أحاديث قتال اليهود، وقد سبق أن أفردتُ لهذا مبحثًا خاصًّا به؛ لأنّه من علامات السّاعة.\nوإذا كانت الجمادات تتكلَّم في ذلك الوقت؛ فلا داعي لحمل كلام الشجر والحجر على المجاز؛ كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء (^١)؛ فإنّه ليس هناك دليلِّ يوجِبُ حمل اللّفظ على خلاف حقيقته، ونطق الجماد قد ورد في آياتٍ من القرآن:\nمنها قوله تعالى: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١].\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراءِ: ٤٤].\nوجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -، فكان أكثر خطبته عن الدجَّال، وحذَّرَناه، فذكر خروجه، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، وفيه: \"قال عيسى -﵇-: افتحوا الباب، فيُفْتَحُ، ووراءه الدجَّال، معه سبعون ألف يهوديٍّ؛ كلهم ذو سيف محلًّى وساجٍ (^٢)، فإذا نظر إليه الدجَّال، ذاب كما يذوب الملح في الماء،\n_________\n(^١) انظر: \"هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاريّ\" (١/ ٣١٧)، و\"العقائد الإِسلامية\" لسيد سابق، (ص ٥٤)، واختار ابن حجر أن نطق الجمادات من شجر وحجر حقيقة.\nانظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٠).\n(^٢) (الساج). حر الطيلسات الضخم الغليظ، وقيل: الطيلسان المقور، وقيل: =","vol":"1","page":223},{"text":"وينطلق هاربًا، ويقول عيسى -﵇-: إن لي فيك ضربةً لن تسبِقَني بها، فيذكره عند باب اللدِّ الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيءٌ ممَّا خَلَق الله يتوارى به يهوديٌّ إِلَّا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابَّة؛ إِلَّا الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق\" (^١).\nفالحديث فيه التصريح بنطق الجمادات.\nوأيضًا؛ فإن استثناء شجر الغرقد من الجمادات بكونها لا تخبر عن اليهود؛ لأنّها من شجرهم، يدلُّ على أنّه نطقٌ حقيقيٌّ، ولو كان المراد بنطق الجمادات المجاز؛ لما كان لهذا الاستثناء معنى.\nولو حملنا كلام الجمادات على المجاز؛ لم يكن ذلك بالأمر الخارق في قتال اليهود في آخر الزّمان، وكانت هزيمتهم أمام المسلمين كهزيمة غيرهم من الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، ولم يردّ في قتالهم مثل ما ورد في قتال اليهود من الدلالة على المختبىء (^٢) بنطق الجمادات، فإذا لاحظنا أن الحديث في أمر مستغرب يكون آخر الزّمان هو من علامات السّاعة؛ دلَّ ذلك على أن النُّطق في قتال اليهود حقيقيٌّ، وليس\n_________\n= الطيلسان الأخضر.\nانظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣) (ح٤٠٧٧).\nقال ابن حجر: \"أخرجه ابن ماجه مطولًا، وأصله عند أبي داود، ونحوه في حديث سمرة عند أحمد بإسناد حسن، وأخرجه أبن منده في كتاب الإِيمان من حديث حذيفة بإسناد صحيح\". \"فتح الباري\" (٦/ ٦١٠).\n(^٢) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (١/ ٣٣٧ - ٣٣٨)","vol":"1","page":224},{"text":"مجازًا عن انكشافهم أمام المسلمين، وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم؛ كما قيل، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٥٥ - نفي المدينة لشرارها ثمّ خرابها آخر الزّمان:</span>\nحثَّ النّبيّ - ﷺ - على سكنى المدينة، ورغَّب في ذلك، وأخبر أنّه لا يخرج أحدٌ منها رغبةً عنها إِلَّا أخلف الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه.\nوأخبر أن من علامات السّاعة نفي المدينة لخبثها، وهم شرار النَّاس؛ كما ينفي الكير خبث الحديد.\nروى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمه وقريبه هلمَّ إلى الرخاء، هلمَّ إلى الرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانو يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها؛ إِلَّا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألَّا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم السّاعة حتّى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد\" (^١).\nوقد حمل القاضي عياضٌ نفي المدينة لخبثها على زمن النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام في المدينة إِلَّا مَنْ كان ثابت الإِيمان، وأمّا المنافقون وجهَلَة الإعراب؛ فلا يصبرون على شدَّة المدينة ولأوائها، ولا يحتسبون من الأجر في ذلك.\nوحمله النووي على زمن الدَّجَّال، واستبعد ما اختاره القاضي\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي خبثها وتسمى طابة وطيبة، (٩/ ١٥٣ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":225},{"text":"عياض، وذكر أنّه يحتمل أن يكون ذلك في أزمان متفرِّقة (^١).\nوذكر الحافظ ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين:\nزمن النّبيّ - ﷺ -؛ بدليل قصة الأعرابي؛ كما في البخاريّ عن جابر ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ - ﷺ -، فبايعه على الإِسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقِلْني. فأبى؛ ثلاث مرار. فقال: \"المدينة كالكير، تنفي خَبَثَها، وينصح طيبُها\" (^٢).\nوالزمن الثّاني زمن الدجَّال؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه ذكر الدَّجَّال، ثمّ قال: \"ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فيُخْرِجُ الله إليه كلّ كافر ومنافق\".\nرواه البخاريّ (^٣).\nوأمّا ما بين ذلك من الأزمان؛ فلا؛ فإن كثيرًا من فضلاء الصّحابة قد خرجوا بعد النّبيّ - ﷺ - من المدينة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثمّ خرج عليٌّ، وطلحة، والزُّبير، وعمار، وغيرهم، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى\n_________\n(^١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ١٥٤).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث، (٤/ ٩٦ - مع الفتح).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، (٤/ ٩٥ - مع الفتح).","vol":"1","page":226},{"text":"النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شك (^١).\nوأمّا خروج النَّاس بالكلية من المدينة؛ فذلك في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"تتركُونَ المدينة على خيرِ ما كانت، لا يغشاها إِلَّا العوافي - يريد عوافي السِّباع والطير - وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مُزينة، يُريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتّى إذا بلغا ثنيَّة الوداع؛ خرَّا على وجوههما\" (^٢).\nرواه البخاريّ.\nوروى الإِمام مالكٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لتترُكُنَّ المدينة على أحسن ما كانت، حتّى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذى (^٣) على بعض سواري المسجد، أو على المنبر\". فقالوا: يا رسول الله! فلِمَن تكون الثمار ذلك الزّمان؟ قال: \"للعوافي: الطير والسباع\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٨٨).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب فضائل المدينة، باب مَنْ رغب عن المدينة، (٥/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).\n(^٣) (يغذى)؛ أي: يبول عليها. يقال: غذي ببوله إذا ألقاه دفعة دفعة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٣٤٧).\n(^٤) \"الموطَّأ\" (٢/ ٨٨٨) للإِمام مالك، تصحيح وتخريج محمّد فؤاد عبد الباقي، ط. عيسى البابي الحلبي، دار إحياء الكتب العربيّة.\nوالحديث استشهد به الحافظ ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/ ٩٠)، وقال: \"رواه جماعة من الثقات خارج الموطَّأ\".","vol":"1","page":227},{"text":"قال ابن كثير: \"والمقصود أن المدينة تكون باقيةً عامرةً أيّام الدجَّال، ثمّ تكون كذلك في زمان عيسى بن مريم رسول الله ﵊، حتّى تكون وفاته بها، ودفنه بها، ثمّ تخرب بعد ذلك\" (^١).\nثمّ ذكر حديث جابر ﵁؛ قال: أخبرني عمر بن الخطّاب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليسيرنَّ الراكِبُ بجَنَبات المدينة، ثمّ ليقولنَّ: لقد كان في هذا حاضرٌ من المسلمين كثيرٌ\".\nرواه الإِمام أحمد (^٢).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"روى عمر بن شبَّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك؛ قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، ثمّ نظر إلينا، فقال: (أمّا واللهِ لَيَدَعَنَّها أهلُها مذلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع) \".\nثمّ قال ابن حجر: \"ولهذا لم يقطع قطعًا\" (^٣).\nفدلَّ هذا على أن خروج النَّاس من المدينة بالكلِّيَّة يكون في آخر الزّمان، بعد خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى بن مريم -﵇-، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج النّار الّتي تَحْشرُ النَّاس، وهي آخر أشراط السّاعة، وأول العلّامات الدالَّة على قيام السّاعة، فليس بعدها إِلَّا السّاعة.\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٨)، تحقيق د. طه الزيني.\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (١/ ١٢٤) (ح ١٢٤) شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٣) \"فتح البارىِ\" (٤/ ٩٠).","vol":"1","page":228},{"text":"ويؤِّيد ذلك كون آخر مَنْ يُحْشَر يكون منها؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: \"وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، يَنْعِقان بغنمهما، فيجدأنّها وحشا\" (^١)؛ أي: خالية من النَّاس، أو أن الوحوش قد سكنتها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٥٦ - بعث الريح الطِّيبة لقبض أرواح المؤمنين:</span>\nومنها هبوب الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على ظهر الأرض مَنْ يقول: الله، الله. ويبقى شرار النَّاس، وعليهم تقوم السّاعة.\nوقل! جاء في صفة هم هذه الريح أنّها أبين من الحرير، ولعلّ ذلك من إكرام الله لعباده المؤمنين في ذلك الزّمان المليء بالفتن والشرور.\nجاء في حديث النوَّاس بن سمعان الطويل في قصة الدَّجَّال ونزول عيسى -﵇- وخروج يأجوج ومأجوج: \"إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كلّ مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة\" (^٢).\nوروى مسلمٌ عن عبيد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج الدَّجَّال ... (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيُهْلِكُهُ، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردة مِن قِبَل الشّام،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، (٤/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، بال ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":229},{"text":"فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خير أو إيمان إِلَّا قبضته، حتّى لو أن أحدَكُم دخل في كبدِ جبل لدَخَلَتْهُ عليه حتّى تقبضه\" (^١).\nفقد دلَّت الأحاديث أن ظهور هذه الريح يكون بعد نزول عيسى ﵇، وقتله الدَّجَّال، وهلاك يأجوج ومأجوج.\nوأيضًا، فإن ظهورها يكون بعد طلوع الشّمس من مغربها، وبعد ظهور الدَّابَّة، وسائر الآيات العظام (^٢).\nوعلى هذا؛ فظهورها قريبٌ جدًّا من قيام السّاعة.\nولا يتعارض أحاديث ظهور لهذه الريح مع حديث: \"لا تزال طائفة من أمَّتي؛ يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة\" (^٣)، وفي رواية: \"ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (^٤)؛فإن المعنى أنّهم لا يزالون على الحق حتّى تقبضهم هذه الريح اللَّيِّنَة قرب القيامة، ويكون المراد بـ (أمر الله) هو هبوب تلك الريح (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) انظر: \"فيض القدير\" (٦/ ٤١٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِمارة، باب قوله - ﷺ -: \"لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين\"، (١٣/ ٦٥ - مع شرح النووي).\n(^٥) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٣٢)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٩ و٨٥).","vol":"1","page":230},{"text":"وجاء في حديث عبد ألله بن عمرو أن ظهور هذه الريح يكون من الشّام كما سبق.\nوجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله يبعث ريحًا من اليمن، أبين من الحرير، فلا تدعُ أحدًا في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ؛ إِلَّا قبضته\" (^١).\nويُجاب عن هذا بوجهين:\n١ - يحتمل أنّهما ريحان: شامية، ويمانية.\n٢ - ويحتمل أن مبدأها من أحد الإِقليمين، ثمّ تصل الآخر، وتنتشر عنده.\nوالله أعلم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٥٧ - استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة:</span>\nلا يستحلُّ البيتَ الحرام إِلَّا أهلُه، وأهلُه هم المسلمون (^٣)، فإذا استحلُّوه؛ فإنّه يصيبهم الهلاك، ثمّ يخرج رجلٌ من أهل الحبشة؛ يقال له: ذو السويقتين، فيُخْرِبُ الكعبة، وينقضُها حجرًا حجرًا، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، وذلك في آخر الزّمان، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب في الريح الّتي تكون قرب القيامة، (٢/ ١٣٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٣٢)، وانظر \"أشراط السّاعة وأسرارها\" (ص ٨٨ - ٨٩) للشيخ محمّد سلامة جبر، طبع مطبعة التقدم، عام (١٤٠١ ه)، القاهرة.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٤٦٢).","vol":"1","page":231},{"text":"يقول: الله، الله، ولذلك لا يُعَمَّرُ البيتُ بعد هدمه أبدًا؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.\nروى الإِمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعتُ أبا هريرة يخبر أبا قَتادة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يبايَع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحلَّ البيتَ إِلَّا أهله، فإذا استحلُّوه؛ فلا يُسأل عن هلكة العرب، ثمّ تأتي الحبشة، فيخربونه خرابًا لا يعمَّرُ بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه\" (^١).\nوعن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يُخْرِبُ الكعبَةَ ذو السويقتين (^٢) من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجرِّدها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه: أُصيلع (^٣)، أُفيدع (^٤)، يضرب عليها بمسحاته\n_________\n(^١) \"مسند الإِمام أحمد\" (١٥/ ٣٥)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوقال ابن كثير: \"لهذا إسناد جيد قوي\". انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٦)، تحقيق د. طه زيني.\nوقال الألباني: \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجل الصحيحين؛ غير سعيد بن سمعان، وهو ثقة\". انظر: \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٢/ ١٢٠) (ح ٥٧٩).\n(^٢) (السويقتين): السويقة: تصغير الساق، وهي مؤنثة، فلذلك ظهرت التاء في تصغيرها، وإنّما صغر الساق؛ لأنّ الغالب على سوق الحبشة الدقة والحموشة.\n\"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٢/ ٤٢٣).\n(^٣) (أصيلع): تصغير أصلع، وهو الّذي انحسر الشعر عن رأسه.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٣/ ٤٧).\n(^٤) (أفيدع): تصغير أفدع، والفدع بالتحريك زيغ بين القدم وبين عظم الساق، =","vol":"1","page":232},{"text":"ومعوله\".\nرواه أحمد (^١).\nوروى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يُخْربُ الكعبة ذو السويقتين من الحبشة\" (^٢).\nوروى الإِمام أحمدَ والبخاري أيضًا عن ابن عبّاس ﵄ عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"كأني أنظر إليه: أسود، أفحج (^٣)، ينقضمها حجرًا حجرًا (يعني: الكعبة) \" (^٤).\nوروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول\n_________\n= وكذلك يكون في اليد، وهو أن تزول المفاصل عن أماكنها.\nانظر: \"النهاية\" لابن الأثير (٣/ ٤٢٠).\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٢/ ١٤ - ١٥) (ح ٧٠٥٣)، شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١٨/ ١٠٣) (ح ٩٣٩٤)، شرح وتعليق أحمد شاكر، أكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم، و\"صحيح البخاريّ\"، كتاب الحجِّ، باب هدم الكعبة، (٣/ ٤٦٠ - مع شرح الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٥ - مع شرح النووي).\n(^٣) (أفحج): في \"القاموس\": \"فحج في مشيته؛ أي: تدانى صدور قدميه، وتباعد عقباه\".\nوقال ابن الأثير: \"الفحج: تباعد ما بين الفخذين\".\nانظر: \"ترتيب القاموس\" (٣/ ٤٥١)، و\"النهاية\" (٣/ ٤١٥).\n(^٤) \"مسند الإِمام أحمد\" (٣/ ٣١٥ - ٣١٦) (ح ٢٠١٠) شرح أحمد شاكر، و\"صحيح البخاريّ\"، كتاب الحجِّ، باب هدم الكعبة، (٣/ ٤٦٠ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":233},{"text":"الله - ﷺ -: \"في آخر الزّمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة - قال: حسبتُ أنّه قال:- فيهدمها\" (^١).\nفإن قيل: إن هذه الأحاديث تُخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، والله تعالى قد حبس عن مكّة الفيل، ولم يمكِّن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلِّط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟!\nقيل جوابًا عن ذلك: \"إن خراب الكعبة يقع في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، حين لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول: الله، الله، ولهذا جاء في رواية الإِمام أحمد السابقة عن سعيد بن سمعان قوله - ﷺ -: \"لا يعمر بعده أبدًا\"، فهو حرمٌ آمنٌ؛ ما لم يستحلَّه أهله.\nوليس في الآية ما يدلُّ على استمرار الأمن المذكور فيها.\nوقد حدث القتال في مكّة مراتٍ عديدة، وأعظم ذلك ما وقع من القرامطة (^٢) في القرن الرّابع الهجري، حيث قتلوا المسلمين في المطاف،\n_________\n(^١) \"مسند الإِمام أحمد\" (١٥/ ٢٢٧) (٨٠٨٠)، شرح أحمد شاكر، قال: \"إسناده صحيح\".\n(^٢) (القرامطة): طائفة من الباطنية تنتسب لرجل اسمه حمدان قرمط، من أهل الكوفة، ولهذه الطائفة الخبيثة في تاريخها الطويل المخزي أعمال شنيعة، ومن أعظمها ما وقع منهم سنة (٣١٧ هـ)، حيث هاجموا الحجاج يوم التروية، واستباحوا أموالهم ودماءهم، فقتلوا في رحاب مكّة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقًا كثيرًا، وهدموا قبة زمزم، وقلعوا باب الكعبة، ونزعوا كسوتها، وقلعوا الحجر الأسود، ونقلوه إلى بلادهم، ومكث عندهم اثنتان وعشرون سنة. =","vol":"1","page":234},{"text":"وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى بلادهم، ثمّ أعادوه بعد مدة طويلة، ومع ذلك لم يكن ما حدث معارِضًا للآية الكريمة؛ لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين والمنتسبين إليهم، فهو مطابقٌ لما جاء في رواية الإِمام أحمد من أنّه لا يستحلُّ البيت الحرام إِلَّا أهله، فوقع ذلك كما أخبر النّبيّ - ﷺ -، وسيقع ذلك آخر الزّمان؛ لا يُعَمَّرُ مرّة أخرى، حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم\" (^١).\n* * * * *\n_________\n= انظر: \"فضائح الباطنية\" للغزالي (ص ١٢ - ١٣) تحقيق عبد الرّحمن بدوي، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ١٦٠ - ١٦١)، ورسالة \"القرامطة وآراؤهم الاعتقادية\" (ص ٢٢٢ - ٢٢٣) لسليمان السلومي، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بإشراف الشجخ محمّد الغزالي، عام (١٤٠٠ هـ).\n(^١) انظر: \"فتح الباري) (٣/ ٤٦١ - ٤٦٢).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الباب الثّاني: أَشراطُ السَّاعَةِ الكُبْرى</span>\n- تمهيد.\n- الفصل الأوّل: المهدي.\n- الفصل الثّاني: المسيح الدَّجَّال.\n- الفصل الثّالث: نزول عيسى -﵇-.\n- الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج.\n- الفصل الخامس: الخسوفات الثّلاثة.\n- الفصل السّادس: الدُّخان.\n- الفصل السابع: طلوع الشّمس من مغربها.\n- الفصل الثّامن: الدَّابَّة.\n- الفصل التّاسع: النّار الّتي تحشر النَّاس.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>أوَّلًا: ترتيب أشراط السّاعة الكبرى:</span>\nلم أجد نصًّا صريحًا يُبَيِّنُ ترتيب أشراط السّاعة الكبرى حسب وقوعها، وإنّما جاء ذكرها في الأحاديث مجتمعة بدون ترتيب، إذ كان ترتيبها في الذكر لا يقتضي ترتيبها في الوقوع، فقد جاء العطف فيها بالواو، وذلك لا يقتضي التّرتيب.\nومن النصوص ما خالف ترتيبها فيه ترتيبها في نصّ آخر.\nولكي يتبيَّن هذا، فسأذكر نماذج من ذلك بذكر بعض الأحاديث الّتي تعرَّضت لذكر الأشراط الكبرى جملة أو ذكر بعضها:\n١ - روى الإِمام مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁؛ قال: اطَّلع النبيُّ - ﷺ - علينا ونحن نتذاكر، فقال: \"ما تذاكرون\"؟ قالوا: نذكر السّاعة. قال: \"إنها لن تقومَ حتّى ترونَ قبلها عشر آيات\"، فذكر: الدُّخان، والدَّجَّال، والدَّابَّة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم - ﷺ -، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسفٌ","vol":"1","page":239},{"text":"بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد\nالنَّاس إلى محشرهم\" (^١).\nوروى مسلمٌ هذا الحديث عن حُذيفة بن أسيد بلفظ آخر، وهو: \"إن السّاعة لا تكون حتّى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، والدُّخان، والدَّجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشّمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل النَّاس\".\nوفي رواية: \"والعاشرة: نزول عيسى بن مريم\" (^٢).\nفهذا حديث واحدٌ عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب الأشراط.\n٢ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بادِرُوا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها، أو الدُّخان، أو الدَّجال، أو الدَّابَّة، أو خاصّة أحدكم، أو أمر العامَّة\" (^٣).\nوروى مسلمٌ هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ آخر: \"بادروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان، ودابَّة الأرض، وطلوع الشّمس من مغربها، وأمر العامة، وخويضَّةُ أحدكم\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، (١٨/ ٢٨ - ٢٩ - مع شرح النووي).\n(^٣) و(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":240},{"text":"وهذا أيضًا حديث واحد عن صحابيٍّ واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب بعض الأشراط وفي أداة العطف، حيث جاء مرّة بـ (أو) والأخرى بـ (الواو)، وهما لا يدلُّاَّن على التّرتيب.\nوالذي يمكن معرفته هو ترتيب بعض الأشراط من خلال حدوث بعضها إثر بعض؛ كما ورد في بعض الروايات؛ مثل ما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁؛ كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فقد ذكر فيه بعض الآيات مرتبةً؛ حسب وقوعها؛ فإنّه ذكر أوَّلًا خروج الدَّجَّال على النَّاس، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، ثمّ خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى -﵇-، وذكر دعاءه عليهم بالهلاك.\nوكذلك جاء في بعض الروايات أن أول الآيات كذا، وفي بعضها آخر الآيات كذا، ومع هذا؛ فإن هناك اختلافًا في هذه الأوَّليَّة بين العلماء، ولهذا الاختلاف موجود من عصر الصّحابة ﵃، فقد روى الإِمام أحمد ومسلم عن أبي زرعة (^١)؛ قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدِّث عن الآيات أن أوَّلها خروجًا الدَّجَّال، فقال عبد الله بن عمر: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعدُ، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس\n_________\n(^١) قيل: اسمه هرم. وقيل: عبد الله. وقيل: عبد الرّحمن بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي من علماء التابعين، رأى عليًّا، وروى عن أبي هريرة ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٩٩).","vol":"1","page":241},{"text":"ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا\".\nهذا لفظ مسلم.\nوزاد الإِمام أحمد في روايته: \"قال عبد الله - وكان يقرأُ الكتب -: وأظنُّ أولاها خروجًا طلوع الشّمس من مغربها\" (^١).\nنعم؛ جمع الحافظ ابن حجر بين أوَّليَّة الدَّجال وأوَّلية طلوع الشّمس من مغربها، فقال: \"الّذي يترجَّحُ من مجموع الأخبار أن خروج الدَّجَّال أول الآيات العظام المؤذِنَة بتغير الأحوال العامَّة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى -﵇-، وأن طلوع الشّمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذِنة بتغيُّر أحوال العالم العلّوي، وينتهي ذلك بقيام السّاعة، ولعلّ خروج الدَّابَّة يقع في ذلك اليوم الّذي تطلع فيه الشّمس من المغرب\".\nثمّ قال: \"والحكمة في ذلك أنّه عند طلوع الشّمس من المغرب يُغْلَق باب التوبة، فتخرج الدَّابَّة؛ تُمَيِّزُ المؤمّن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذِنَة بقيام السّاعة النّار الّتي تحشُرَ النَّاس\" (^٢).\nويرى الحافظ ابن كثير أن خروج الدَّابَّة هو أول الآيات الأرضية الّتي\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (١١/ ١١٠ - ١١١) (ح٦٨٨١)، تحقيق احمد شاكر، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: ذكر الدَّجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"فتح الباريَ\" (١١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":242},{"text":"ليست بمألوفة؛ فإن الدَّابَّة الّتي تكلِّم النَّاس وتعيِّن المؤمّن من الكافر أمرٌ مخالفٌ للعادة المستقرَّة.\nوأمّا طلوع الشّمس من مغربها، فهو أمرٌ باهرٌ جدًّا، وذلك أول الآيات السماوية.\nأمّا ظهور الدَّجَّال ونزول عيسى بن مريم -﵇- من السَّماء، وخروج يأجوج ومأجوج؛ فإنهم وإن كان ظهورهم قبل طلوع الشّمس من مغربها، وقبل ظهور الدَّابَّة؛ إِلَّا أنّهم بشرٌ، مشاهدتُهم وأمثالهم من الأمور المألوفة؛ بخلاف ظهور الدَّابة وطلوع الشّمس من مغربها، فهو ليس من الأمور المألوفة (^١).\nوالذي يظهر أن المعوَّل عليه ما ذهب إليه ابن حجر؛ فإن خروج الدَّجَّال من حيث كونه بشرًا ليس هو الآية، وإنّما الآية خروجه في حالته الّتي هو عليها من حيث كونه بشرًا، ومع ذلك يأمر السَّماء أن تُمْطِرَ، فتمطر، الأرض أن تُنْبتَ، فتنبت، ويكون معه كذا وكذا ممّا ليس مألوفًا؛ كما سيأتي في الكلام عَلى الدَّجَّال.\nفالدَّجَّال في الحقيقة هو أول الآيات الأرضية الّتي ليست بمألوفة.\nوقال الطيبي (^٢):\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٦٤ - ١٦٨)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٢) هو شرف الدين الحسن بن محمّد بن عبد الله الطيبي، من علماء الحديث والتفسير والبيان، وله عدة مصنفات؛ منها: \"شرح مشكاة المصابيح\"، و\"شرح الكشاف\"، و\"الخلاصة في أصول الحديث\"، وغيرها. =","vol":"1","page":243},{"text":"\"الآيات أماراتٌ للساعة، إمّا على قربها، وإما على حصولها، فمن الأوّل: الدَّجَّال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف. ومن الثّاني: الدُّخان، وطلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة، والنار الّتي تحشر النَّاس\" (^١).\nوهذا ترتيبٌ بين جملة من الآيات وجملة أخرى منها؛ دون تعرُّض لترتيب ما اندرج تحت هاتين الجملتين، مع أنّه يظهر لي أن الطيبي يرى ترتيب الآيات حسب ما ذكره في كلّ قسم؛ فإن هذا التقسيم - الّذي ذهب إليه - تقسيمٌ حسنٌ ودقيقٌ؛ فإنّه إذا خرج القسم الأوّل الدَّالُّ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ كان فيه إيقاظٌ للناس، ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ولم يكن هنالك تمييزٌ بين المؤمّن والكافر، وهذه العلّامات الّتي ذكرها في القسم الأوّل سبق أن ذكرتُ أنّه جاء ترتيبها حسب وقوعها، وأضاف إليها الخسوفات، وذلك مناسب لها.\nوأمّا إذا ظهر القسم الثّاني - الدَّالُّ على حصول السّاعة - فإن النَّاس يتميَّزون إلى مؤمن وكافر؛ كما سيأتي أنّه عند ظهور الدُّخان يصيب المؤمّن كهيئة الزُّكام، والكافر ينتفخ من ذلك الدُّخان، ثمّ تطلع الشّمس من\n_________\n= قال فيه الحافظ ابن حجر: \"كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن، مقبلًا على نشر العلم، حسن المعتقد\" اهـ.\nتوفي ﵀ سنة (٧٤٣ هـ).\nانظر ترجمته في \"شذرات الذهب\" (٦/ ١٣٧ - ١٣٨)، و\"كشف الظنون\" (١/ ٧٢٠)، و\"الأعلام\" (٢/ ٢٥٦) للزركلي.\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).","vol":"1","page":244},{"text":"مغربها، فيقفل باب التوبة، فلا ينفع الكافر إيمانه، ولا التائب توبته، ثمّ تظهر بعد ذلك الدَّابَّة، فتميِّز بين النَّاس، فيُعْرَف الكافر من المؤمّن؛ لأنّها تسم المؤمّن وتخطم الكافر؛ كما سيأتي ذكر ذلك، ثمّ يكون آخر ذلك ظهور النّار الّتي تحشر النَّاس.\nوقد جريتُ في ذكرى لأشراط السّاعة الكبرى على لهذا التّرتيب الّذي ذكره الطيبي؛ لأنّه - في نظري - أقرب إلى الصواب، والله أعلم.\nوقبل ذكري لهذه العلّامات العشر الكبرى تحدثتُ عن المهدي؛ لأنّ ظهوره يكون سابقًا لهذه العلّامات، فهو الّذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدَّجَّال، ثمّ ينزل عيسى -﵇-، ويصلّي خلفه؛ كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-93> ثانيًا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:</span>\nإذا ظهر أول علامات السّاعة الكبرى، تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام، يتبع بعضها بعضًا.\nروى الطبراني في \"الأوسط\" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعْنَ كما تتابع الخرز في النظام (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) (النظام): العقد من الجوهر والخرز ونحوهما. و(سلكه): خيطه.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٧٩)، و\"جامع الأصول\" (١٠/ ٤١١).\n(^٢) قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\"، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٣١). =","vol":"1","page":245},{"text":"وروى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يُقْطَعِ السلك؛ يتبعْ بعضها بعضًا\" (^١).\nوالذي يظهر لي - والله أعلم - أن المراد بهذه الآيات هي علامات الساعةِ الكبرى؛ فإن ظاهر لهذه الأحاديث يدلُّ على تقارب ظهورها تقاربًا شديدًا.\nويؤيِّد ذلك ما سبق ذكره في الكلام على ترتيب أشراط السّاعة الكبرى؛ من أن بعض الأحاديث ذكرت أن بعض لهذه العلّامات تظهر في زمن متقارب؛ فإن أول العلّامات الكبرى بعد المهدي ظهور الدَّجَّال، ثمّ نزول عيسى -﵇- لقتله، ثمّ ظهور يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى -﵇- عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ قال عيسى -﵇-: \"ففيما عهد إليَّ ربي -﷿- أن ذلك إذا كان كذلك؛ فإن السّاعة كالحامل المُتِمِّ الّتي لا يدري أهلُها متى تفجؤهُم بولادها ليلًا أو نهارًا\" (^٢).\nوهذا دليلٌ على قرب السّاعة قربًا شديدًا؛ فإن بين موت عيسى عليه\n_________\n= وقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ١١٠) (ح ٣٢٢٢).\n(^١) \"مسند أحمد\" (١٢/ ٦ - ٧) (ح ٧٠٤٠)، شرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوقال الهيثمي: \"رواه أحمد، وفيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٢١).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" من حديث ابن مسعود ﵁ (٥/ ١٨٩ - ١٩٠) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":246},{"text":"السّلام وقيام السّاعة شيء من العلّامات الكبرى؛ كطلوع الشّمس من مغربها، وظهور الدَّابَّة، والدُّخان، وخروج النّار الّتي تحشر النَّاس، فهذه العلّامات تقع في وقت قصير جدًّا قبل قيام السّاعة؛ مثلها كمثل العقد الّذي انفرط نظامه، والله أعلم.\nوقد وجدتُ ما يؤَيدُ ما ذكرتُه، فقد قال الحافظ ابن حجر: \"وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع؛ تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد\" (^١).\n* * * * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٧٧).","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الفصل الأوّل: المَهْدِي</span>\nفي آخر الزّمان يخرج رجلٌ من أهل البيت يؤيَد الله به الدين، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلًا كما مُلِئت جورًا وظلمًا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعَمْها قطُ؛ تُخْرِجُ الأرض نباتها، وتُمْطِرُ السَّماء قطرها، ويُعْطى المال بغير عدد.\nقال ابن كثير ﵀: \"في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزُّروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدِّين قائم، والعدوُّ راغم، والخير في أيامه دائم\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-95> اسمه وصفته:</span>\nوهذا الرَّجل اسمه كاسم رسول الله - ﷺ -، واسم أبيه كاسم أبي النّبيّ - ﷺ -، فيكون اسمه محمّد - أو أحمد - بن عبد الله، وهو من ذُرِّيَّة فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، ثمّ من ولد الحسن بن علي ﵃.\nقال ابن كثير ﵀ في المهدي: \"وهو محمَّد بن عبد الله\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٣١)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":249},{"text":"العلّوي الفاطمي الحسني ﵁\" (^١).\nوصفته الواردة: أنّه أجلى الجبهة (^٢)، أقنى الأنف (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-96> مكانُ خروجِه:</span>\nيكون ظهور المَهْدي مِن قِبَل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يقتَتِلُ عند كنزكم ثلاثة؛ كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قِبَل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قومٌ ... (ثمّ ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال:) فإذا رأيتُمو؛ فبايِعوه، ولو حبوًا على الثَّلج؛ فإنّه خليفة الله المهدي\" (^٤).\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٩).\n(^٢) (أجلى الجبهة): الأجلى: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث \" (١/ ٢٩٠).\n(^٣) (أقنى الأنف): القنا في الأنف: طول ورقة أرنبته، مع حدب في وسطه.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ١١٦).\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\"، كتات الفتن، باب خروج المهدي، (٢/ ١٣٦٧)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي.\nوقال ابن كثير: \"هذا إسناد قوي صحيح\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني.\nوقال الألباني: \"الحديث صحيح المعنى دون قولهّ: \"فإن فيها خليفة الله المهدي\"؛ فقد أخرجه ابن ماجه من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعًا نحو رواية عثمان الثّانية، وإسناده حسن، وليس فيه: \"خليفة الله\"، وهذه الزيادة: \"خليفة الله\" ليس لها طريق ثابت، =","vol":"1","page":250},{"text":"قال ابن كثير ﵀: \"والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتّى يكون آخر الزّمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامرا؛ كما يزعمه جَهَلة الرافضة من أنّه موجودٌ فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزّمان، فإن هذا نوعٌ من الهَذَيان، وقسط كبيرٌ من الخذلان، شديدٌ من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان؛ لا من كتاب، ولا سنة، ولا معقول صحيح، ولا استحسان\".\nوقال أيضًا: \"ويؤيَّد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سودّ أيضًا، وهو زيّ عليه الوَقار؛ لأنّ راية رسول الله - ﷺ - كانت سوداء يقال لها: العقاب\".\nإلى أن قال: \"والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزّمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايَع له عند البيت؛ كما دلّ على ذلك بعض الأحاديث\" (^١).\n_________\n= ولا ما يصلح أن يكون شاهدا لها، فهي منكرة ... ومن نكارتها أنّه لا يجوز في الشّرع أن يقال: خليفة الله. لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز\".\nثمّ نقل عن \"الفتاوى\" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلامًا يردُّ فيه على من قال: إن الخليفة هو الخليفة عن الله؛ لأنّ الله تعالى لا يجوز له خليفة، فهو الحي الشهيد المهيمن القيوم الرقيب الحفيظ الغني عن العالمين، وإن الخليفة إنّما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة، والله منَّزه عن ذلك.\nانظر: \"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة\"، المجلد الأوّل، (ص ١١٩ - ١٢١) (ح ٨٥).\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":251},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-97> الأدلَّة من السنَّة على ظهوره:</span>\nجاءت الأحاديث الصحيحة الدَّالَّة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النَّصُّ على المهدي، ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط (^١)، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديت، وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة.\n١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يخرج في آخر أمَّتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتُخْرِج الأرض نباتها، ويُعطى المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا\n_________\n(^١) استقصى الشّيخ عبد العلّيم عبد العظيم في رسالته \"الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان \"الجرح والتعديل\" لنيل درجة الماجستير الكلام على أحاديث المهدي، وذكر مَنْ أخرجها من الأئمة، وذكر أقوال العلماء في إسناد كلّ حديث، والحكم عليه، ثمَّ النتيجة الّتي توصل إليها، فمن أراد التوسع فعليه بهذه الرسالة، فإنها أوسع مرجع في الكلام على أحاديث المهدي؛ كما قال ذلك الشّيخ عبد المحسن العباد في \"مجلة الجامعة الإِسلامية\" (العدد ٤٥/ ص ٣٢٣).\nوجملة ما ذكره في هذه الرسالة من الأحاديث المرفوعة وآثار الصّحابة وغيرهم ست وثلاثون وثلاث مئة رواية، منها اثنان وثلاثون حديثًا، واحد عشر أثرًا، ما بين صحيح وحسن، الصريح منها في ذكر المهدي تسعة أحاديث وستة آثار، والباقي فيها أوصاف وقرائن تدل على أنّها في المهدي.\nوقد صحَّح كثير من الحفاظ أحاديث المهدي، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية\" (٤/ ٢١١)، والعلّامة ابن القيم في كتابه \"المنار المنيف في الصّحيح والضعيف\" (ص ١٤٢ - وما بعدها)، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، وصححها أيضًا الحافظ ابن كثير في كتابه \"النهاية/ الفتن والملاحم\". (١/ ٢٤ - ٣٢)، تحقيق د. طه زيني، وغيرهم من العلماء؛ كما سيأتي ذكر ذلك.","vol":"1","page":252},{"text":"(يعني: حججًا) \" (^١).\n٢ - وعنه ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أُبَشَرُكُم بالمهدي؛ يُبْعَثُ على اختلاف من النَّاس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئَت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السَّماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا\". فقال له رجلًا: ما صحاحًا؟ قال: \"بالسوية بين النَّاس\".\nقال: \"ويملأ الله قلوب أمة محمَّدٍ - ﷺ - غنى، ويسعهم عدلُه، حتّى يأمر مناديًا، فينادي، فيقول: مَنْ له في مال حاجة؟ فما يقوم من النَّاس إِلَّا رجلٌ، فيقول: ائتِ السَّدّان -يعني: الخازن-، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا. فيقول له: احثُ، حتّى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمَّد نفسًا، أوَ عجز عني ما وسعهم؟! \". قال: \"فيردُّه، فلا يُقبَلُ منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كلّ لك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثمَّ لا خير في العيش بعده\"، أوقال: \"ثمَّ لا خير في الحياة بعده\" (^٢).\n_________\n(^١) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني: \"هذا سند صحيح، رجاله ثقات\". \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ٢/ ص ٣٣٦) (ح ٧١١).\nوانظر: رسالة عبد العلّيم \"أحاديث المهدي في ميزان الجرح والتعديل\" (ص ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٣/ ٣٧ - مع منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه التّرمذيّ وغيره باختصار كثير، ورواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى =","vol":"1","page":253},{"text":"وفي هذا دليل على أنّه بعد موت المهدي يظهر الشرّ والفتن العظيمة.\n٣ - وعن عليٍّ ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة\" (^١).\nقال ابن كثير: \"أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده، بعد أن لم يكن كذلك\" (^٢).\n٤ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المهدي منِّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلِئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين\" (^٣).\n_________\n= باختصار كثير، ورجالهما ثقات\". \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣١٣ - ٣١٤).\nوانظر: \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" (ص ١٧٧) للشيخ عبد المحسن العباد.\n(^١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٥٨) (ح ٦٤٥)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\"، و\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٦٧).\nوالحديث صححه أيضًا الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١١).\n(^٢) \"النهاية في الفتن والملاحم\" (١/ ٢٩)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) \"سنن أبي داود\"، كتاب المهدي، (١١/ ٣٧٥) (ح ٤٢٦٥)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٥٥٧) وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\".\nوقال الذهبي: \"عمران (أحد رواة الحديث) ضعيف، لم يخرج له مسلم\".\nوقال المنذري على سند أبي داود: \"في إسناده عمران القطان وهو أبو العوام عمران ابن داور القطان البصري. استشهد به البخاريّ، ووثقه عفان بن مسلم، وأحسن عليه الثّناء =","vol":"1","page":254},{"text":"٥ - وعن أم سلمة ﵂؛ قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"المهدي من عترتي، من ولد فاطمة\" (^١).\n٦ - وعن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله لهذه الأمة\" (^٢).\n٧ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"منا الّذي يصلِّي عيسى بن مريم خلفه\" (^٣).\n_________\n= يحيى بن سعيد القطان، وضعفه يحيى بن معين والنسائيُّ\". \"عون المعبود\" (١١/ ٣٧٥).\nوقال الذهبي في \"الميزان\": \"قال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وقال أبو داود: ضعيف\". \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢٣٦).\nوقال ابن حجر فيه: \"صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج\". \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٨٣).\nوقال ابن القيم على سند أبي داود: \"جيد\". \"المنار المنيف\" (ص ١٤٤)، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة.\nوقال الألباني: \"إسناده حسن\". \"صحيح الجامع\" (٦/ ٢٢ - ٢٣) (ح ٦٦١٢).\n(^١) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٣٧٣)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٦٨).\nقال الألباني في \"صحيح الجامع\": \"صحيح\" (٦/ ٢٢) (ح ٦٦١٠).\nوانظر: رسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ١٦٠).\n(^٢) رواه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\"؛ كما في \"المنار المنيف\" لابن القيم (ص ١٤٧ - ١٤٨)، و\"الحاوي في الفتاوي\" للسيوطي (٢/ ٦٤).\nقال ابن القيم: \"هذا إسناد جيد\".\nوصححه عبد العلّيم في رسالته في المهدي (ص ١٤٤).\n(^٣) رواه أبو نعيم في \"أخبار المهدي\"؛ كما قال السيوطيّ في \"الحاوي\" (٢/ =","vol":"1","page":255},{"text":"٨ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تذهبُ أوَّلًا تنقضي الدنيا حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، يواطىء اسمُه اسمي\" (^١)، وفي رواية: \"يواطىءُ اسمُه اسمي واسم أبيه اسم\nأبي\" (^٢).\n_________\n= ٦٤)، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي في \"فيض القدير\" (٦/ ١٧).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٢١٩) (ح ٥٧٩٦).\nوقال عبد العلّيم في رسالته: \"إسناده حسن لشواهده\" (ص ٢٤١).\n(^١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٩٩) (ح ٣٥٧٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوالترمذي (٦/ ٤٨٥)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nو\"سنن أبي داود\" (١١/ ٣٧١).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٣٧٠).\nقال الألباني: \"صحيح\". \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٧٠ - ٧١) (ح ٥١٨٠).\nوانظر رسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ٢٠٢).\nوهاتان الرويتان مدارهما على عاصم بن أبي النجود، وهو ثقة حسن الحديث: قال فيه أحمد بن حنبل: \"كان رجلًا صالحًا، وأنا أختار قرائنه\". وقال أبو حاتم فيه: \"محله عندي محلّ الصدق، صالح الحديث، ولم يكن بذلك الحافظ\". وقال العقيلي: \"لم\nيكن فيه إِلَّا سوء الحفظ\". وقال الدارقطني: \"في حفظه شيء\". وقال الذهبي: \"ثبت في القراءة، وهو في الحديث دون الثبت، صدوق يهم، وهو حسن الحديث\". وقال: \"قال أحمد وأبو زرعة: ثقة\". وقال أيضًا: \"خرج له الشيخان، لكن مقرونًا بغيره، لا أصلًا وانفرادًا\". وقال ابن حجر: \"صدوق، له أوهام، حجة في القراءة\".\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٣٥٧)، و\"تقريب التهذيب\" (١/ ٣٨٣)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":256},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-98> بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلّق بالمهدي:</span>\n١ - عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كيف أنتُم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟! \" (^١).\n٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تزال طائفةٌ من أُمَّتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة\". قال: \"فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرُهم: تعالَ صلّ لنا. فيقول: لا، إن بعضَكُم على بعض إمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة\" (^٢).\n٣ - وعن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعدُّه عدد\".\nقال الجريري (^٣) - أحد رواة الحديث-: \"قلتُ لأبي نضرة (^٤) وأبي\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉، (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) هو أبو مسعود سعيد بن إياس الجريري البصري، كان محدِّث أهل البصرة، ثقة، اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، توفي سنة (١٤٤ هـ) ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٥ - ٧).\n(^٤) هو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، ثقة، روى عن عدد من الصّحابة، وتوفي سنة (١٠٨ هـ) ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":257},{"text":"العلّاء (^١): أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا\" (^٢).\nفهذه الأحاديث الّتي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:\nأحدهما: أنّه عند نزول عيسى بن مريم ﵊ من السَّماء يكون المتولِّي لإِمرة المسلمين رجلا منهم.\nوالثّاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى -﵇- عند نزوله أن يتقدَّم ليصلّي لهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهُدى، وهي وإن لم يكن فيها التَّصريح بلفظ: (المهدي)؛ إِلَّا أنّها تدلُّ على صفات رجل صالح، يؤمُّ المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسِّرةً لهذه الأحاديث الّتي في الصحيحين، ودالةً على أن ذلك الرَّجل الصالح يسمَّى: محمَّدَ بنَ عبد اللهِ، ويُقالُ له: المهدي، والسُّنَّة يفسِّر بعضها بعضًا.\nومن الأحاديث الدّالَّة على ذلك الحديث الّذي رواه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرُهم المهدي ... \" (^٣).\n_________\n(^١) هو يزيد بن عبد الله بن الشخير العامري، تابعي، ثقة، روى عن جماعة من الصّحابة، وتوفي سنة (١٠٨ هـ)، ﵀. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٤١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط والساعة، (١٨/ ٣٨ - ٣٩ - مع شرح النووي)، ورواه البغوي في \"شرح السنة\" تحت باب المهدي، (١٥/ ٨٦ - ٨٧)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.\nقال البغوي: \"هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم\".\n(^٣) سبق بذكره وتخريجه.","vol":"1","page":258},{"text":"فهو دالٌّ على أن ذلك الأمير المذكور في \"صحيح مسلم\" الّذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدَّم للصلاة؛ يقال له: المهدي.\nوقد أورد الشّيخ صديق حسن في كتابه \"الإِذاعة\" جملةً كبيرةً من أحاديث المهدي، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثمَّ قال عقبه: \"وليس فيه ذكر المهدي، ولكن لا مَحْمَلَ له ولأمثاله من الأحاديث إِلَّا المهدي المنتظر؛ كما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدِّمة والآثار الكثيرة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-99> تواتُر أحاديث المهدي:</span>\nما سبق أن ذكرتُه من الأحاديث وغيرها ممَّا لم أنقلْهُ هنا - خشية الإِطالة- يدلُّ على تواتر الأحاديث في المهدي تواترًا معنويًا، وقد نصَّ على ذلك بعض الأئمة والعلّماء، وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:\n١ - قال الحافظ أبو الحسن الآبري (^٢): \"قد تواترتِ الأخبارُ واستفاضت عن رسول الله - ﷺ - بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه\n_________\n(^١) \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" (ص ١٧٥ - ١٧٦) للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، عام (١٤٠٢ هـ)، مطابع الرشيد، المدينة، وانظر: \"الإذاعة\" (ص ١٤٤).\n(^٢) هو الإمام الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين السجستاني، كان مجوَّدًا ثبتًا مصنفًا، روى عن ابن خزيمة وطبقته، وله كتاب \"مناقب الشّافعيّ\"، توفي سنة (٣٦٣ هـ) ﵀.\nانظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٥٤ - ٩٥٥)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":259},{"text":"يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى -﵇- يخرج، فيساعده على قتل الدَّجّال، وأنّه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلّي عيسى خلفه\" (^١).\n٢ - وقال محمَّدٌ البَرَزَنجي (^٢) في كتابه \"الإِشاعة لأشراط السّاعة\": \"الباب الثّالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة الّتي تعقبها السّاعة، وهي كثيرةٌ، فمنها المهدي، وهو أوَّلها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"قد علمتَ أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزّمان وأنّه من عِترة رسول الله - ﷺ - من ولد فاطمة ﵍ بلغت حدَّ التَّواتر المعنوي، فلا معنى لإِنكارها\" (^٤).\n٣ - وقال العلّامة محمَّد السَّفاريني (^٥): \"وقد كَثُرَت بخروجه - أي:\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال في أسماء الرجال\" (٣/ ١١٩٤) لأبي الحجاج يوسف المزي، نسخة مصورة عن النسخة الخطية بدار الكتاب المصرية، و\"المنار المنيف\" (ص ١٤٢)، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، و\"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣ - ٤٩٤)، و\"الحاوي للفتاوي\" في جزء \"العرف الوردي في أخبار المهدي\" (٢/ ٨٥ - ٨٦)، وانظر: \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" (ص ١٧١ - ١٧٢) للشيخ عبد المحسن العباد.\n(^٢) هو الشّيخ محمَّد بن عبد الرسول بن عبد السَّيِّد الحسني البرزنجي من فقهاء الشّافعيّة، له علم بالتفسير والأدب، رحل إلى بغداد ودمشق ومصر، واستقر في المدينة، ودرس بها، وفيها توفي سنة (١١٠٣ هـ)، وله عدة مؤلفات ﵀.\nانظر: \"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٣) \"الإشاعة\" (ص ٨٧).\n(^٤) \"الإشاعة\" (ص ١١٢)\nوتعبيد الأسماء لغير الله تعالى لا يجوز.\n(^٥) هو العلّامة محمَّد سالم السفاريني، عالم بالحديث والأصول والأدب، محقق =","vol":"1","page":260},{"text":"المهدي - الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتّى عُدَّ مِن معتقداتهم\".\nثمَّ ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصّحابة ممَّن رواها، ثمَّ قال: \"وقد رُوِيَ عمَّن دكِرَ من الصّحابة وغير مَنْ ذُكِر منهم ﵃ بروايات متعدِّدة، وعن التَّابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعُه العلم القطعي، فالإِيمان بخروج المهدي واجبٌ كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوَّنٌ في عقائد أهل السنة والجماعة\" (^١).\n٤ - وقال الشوكاني: \"الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر الّتي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصّحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأصول، وأمّا الآثار عن الصّحابة المصرِّحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك\" (^٢).\n_________\n= ولد في (سفارين)، من قرى نابلس، له عدة مؤلفات، وله منظومة في العقيدة وشرحها، سماها \"لوامع أو لوائح الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية المضيئة لشرح الدرة المضيئة في عقد الفرقة المرضية\"، وله \"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب\"، وله \"نفثات صدر المكمد وقرة عين المسعد شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد وغيرها\"، توفي ﵀ سنة (١١٨٨ هـ) في نابلس.\nانظر ترجمته في: \"الأعلام\" للزركلي (٦/ ١٤).\n(^١) \"لوامع الأنوار البهية\" (٢/ ٨٤)، وانظر: \"عقيدة أهل السنة والأثر\" (ص ١٧٣).\n(^٢) من رسالة للشوكاني اسمها: \"التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر =","vol":"1","page":261},{"text":"٥ - وقال صديق حسن (^١): \"الأحاديث الواردة فيه - أي: المهدي - على اختلاف رواياتها كثيرة جدًّا، تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد\" (^٢).\n٦ - وقال الشّيخ محمَّد بن جعفر الكتاني (^٣): \"والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتَظَر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم ﵉\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-100> العلماء الذين صنَفوا كتبًا في المهدي:</span>\nإضافة إلى كتب الحديث المشهورة؛ كالسنن الأربعة، والمسانيد؛\n_________\n= والدجال والمسيح\"، ذكر ذلك صديق حسن في كتابه \"الإِذاعة\" (ص ١١٣ - ١١٤)، ونقل ذلك أيضًا عن الشوكاني الكتاني في كتابه \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" (ص ١٤٥ - ١٤٦).\nوانظر أيضًا \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" (ص ١٧٣ - ١٧٤).\n(^١) هو العلّامة محمَّد صديق خان بن حسن الحسيني البخاريّ القنوجي، صاحب المصنفات في التفسير والحديث والفقه والأصول، نزل بهوبال، وتزوج بملكتها، وتوفي سنة (١٣٠٧ هـ).\nانظر: \"الأعلام\" (٦/ ١٦٧ - ١٦٨) للزركلي.\n(^٢) \"الإِذاعة\" كان وما يكون بين يدي السّاعة\" (ص ١١٢).\n(^٣) هو أبو عبد الله محمَّد بن جعفر بن إدريس الكتاني الحسني الفاسي، مؤرخ ومحدث ولد في فاس، ورحل إلى الحجاز ودمشق، ثمَّ عاد إلى المغرب، وتوفي في فاس ﵀ سنة (١٣٤٥ هـ)، وله عدة مصنفات.\nانظر: \"الأعلام\" (٦/ ٧٢ - ٧٣).\n(^٤) \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" (ص ١٤٧) للشيخ محمَّد بن جعفر الكتاني.","vol":"1","page":262},{"text":"كـ \"مسند أحمد\"، و\"مسند البزار\"، و\"مسند أبي يعلى\"، و\"مسند الحارث بن أبي أسامة\"، و\"مستدرك الحاكم\"، و\"مصنَّف ابن أبي شيبة\"، و\"صحيح ابن خزيمة\"، وغيرها من المصنفات (^١) الّتي ذكر فيها أحاديث المهدي؛ فإن طائفة من العلماء أفردوا في المهدي المنتظر مؤلَّفات ذكروا فيها جمعًا كبيرًا من الأحاديث الواردة فيه، ومن هذه المؤلَّفات:\n١ - جمع الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة (^٢) الأحاديث الواردة في المهدي، كما ذكر ذلك ابن خلدون في \"مقدمته\"؛ نقلًا عن السهيلي (^٣).\n٢ - ألَف السيوطيّ جزءًا سمّاه \"العرف الوردي في أخبار المهدي\" مطبوع ضمن \"الحلوي للفتاوي\" (^٤).\n٣ - ذكر الحافظ ابن كثير في كتابه \"النهاية\"/ الفتن والملاحم\" أنّه أفرد في ذكر المهدي جزءًا على حدة (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\" (ص ١٦٦ - ١٦٨) للشيخ عبد المحسن العباد، فقد ذكر ستة وثلاثين كتابًا، وذكر جملة ممَّن ألَف في المهدي.\n(^٢) هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة، والده زهير بن حرب، حافظ من شيوخ مسلم، أخذ أبو بكر العلم عن أحمد بن حنبل وابن معين، وكان راوية للأدب، وله كتاب \"التاريخ الكبير\"، قال فيه الذهبي: \"لا أعرف أغزر فوائد منه\". توفي سنة (٢٧٩ هـ) ﵀.\nانظر: \"سير أعلام النُّبَلاء\" (١١/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٩٦)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٤٤).\n(^٣) انظر: \"تاريخ ابن خلدون\"، المقدِّمة، (ص ٥٥٦).\n(^٤) \"الحاوي للفتاوي\" (٢/ ٥٧).\n(^٥) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٣٠)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":263},{"text":"٤ - ولعلّيٍّ المُتَّقي الهندي (^١): رسالة في شأن المهدي (^٢).\n٥ - ولابن حجر المكِّي (^٣) مؤلَّفًا أسماه: \"القول المختصر في علامات المهدي المنتظر\" (^٤).\n٦ - وللملا علي القاري (^٥) كتابًا اسمه: \"المشرب الوردي في مذهب المهدي\" (^٦).\n٧ - ولمرعي بن يوسف الحنبلي (^٧): \"فوائد الفكر في ظهور\n_________\n(^١) هو علي بن حسام الدين الهندي، كان من المشتغلين بالحديث، وجاور بمكة، وبها توفي سنة (٩٧٥ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٣٧٩)، و\"الأعلام\" (٤/ ٢٧١).\n(^٢) انظر: \"الإشاعة لأشراط السّاعة\" (ص ١٢١).\n(^٣) هو شهاب الدين أحمد بن محمَّد بن علي بن حجر الهيثمي، الفقيه الشّافعيّ، صاحب المصنفات، توفي بمكة سنة (٩٧٣ هـ)، وقيل: (٩٨٤ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٣٧٠)، و\"الأعلام\" (١/ ٢٣٤).\n(^٤) انظر: \"الإِشاعة\" (١٠٥)، و\"لوامع الأنوار\" (٢/ ٧٢)، ورسالة عبد العلّيم في المهدي (ص ٤٣).\n(^٥) هو علي بن سلطان محمَّد نور الدين الهروي، فقيه حنفي، سكن بمكة، وبها توفي سنة (١٠١٤ هـ) ﵀، وله عدة مصنفات.\nانظر: \"الأعلام\" (٥/ ١٢).\n(^٦) \" الإِشاعة\" (ص ١١٣).\n(^٧) هو مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي، مؤرخ وأديب من كبار الفقهاء، له نحو من سبعين كتابًا، توفي بالقاهرة لسنة (١٠٣٣ هـ) ﵀.\nانظر: \"الأعلام\" (٧/ ٢٠٣).","vol":"1","page":264},{"text":"المنتظر\" (^١).\n٨ - وللشوكاني: \"التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدَّجّال والمسيح\" (^٢).\n٩ - وقال صديق حسن: \"وقد جمع السَّيِّد العلًّامة بدر الملة المنير محمَّد بن إسماعيل الأمير اليماني (^٣) الأحاديث القاضية بخروج المهدي من آل محمَّدٍ - ﷺ -، وأنّه يظهر في آخر الزّمان\" (^٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-101> المنكِرون لأحاديث المهدي والرد عليهم:</span>\nذكرت فيما سبق طائفة من الأحاديث الصحيحة الّتي تدلُّ دِلالة قاطعة على ثبوت ظهور المهدي في آخر الزّمان حَكَمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، ونقلتُ طائفة من كلام العلماء الذين نصُّوا على تواتر أحاديث المهدي، وكذلك بعض المصنَّفات الّتي ألَّفها العلماء في شأنّه.\nومما يؤسف له أن طائفة من الكتاب (^٥) ظهرت في لهذا الزمن تنكر\n_________\n(^١) \"لوامع الأنوار\" (٢/ ٧٦)، و\"الإذاعة\" (ص ١٤٧ - ١٤٨).\n(^٢) انظر: \"الإذاعة\" (ص ١١٣).\n(^٣) هو محمَّد بن إسماعيل بن صلاح بن محمَّد الحسني الكحلاني ثمَّ الصنعاني، صاحب كتاب \"سبل السّلام شرح بلوغ المرام\"، وله عدة مصنفات، توفي بصنعاء سنة (١١٨٢ هـ).\nانظر: \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).\n(^٤) \"الإذاعة\" (ص ١١٤).\n(^٥) من أبرزهم: الشّيخ محمَّد رشيد رضا في \"تفسيره المنار\" (٩/ ٤٩٩ - ٥٠٤)، ومحمد فريد وجدي في \"دائرة معارف القرن العشرين\" (١٠/ ٤٨٠)، وأحمد أمين في كتابه =","vol":"1","page":265},{"text":"ظهور المهدي، وتصف أحاديثه بالتناقض والبطلان، وأن المهدي ليس إِلَّا أسطورة اخترعها الشيعة، ثمَّ دخلت في كتب أهل السنة.\nوقد تأثَّر بعض هؤلاء الكتاب بما اشتُهِرَ عن ابن خلدون المؤرِّخ (^١) من تضعيفٍ لأحاديث المهدي، مع أن ابن خلدون ليس من فرسان هذا الميدان حتّى يُقْبَل قوله في التصحيح والتضعيف، ومع هذا؛ فقد قال -بعد أن استعرض كثيرًا من أحاديث المهدي، وطعن في كثير من أسانيدها-: \"فهذه جملة الأحاديث الّتي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزّمان، وهي -كما رأيتَ- لم يخلص منها من النقد إِلَّا القليل أو الأقل\n_________\n= \"ضحى الإسلام\" (٣/ ٢٣٧ - ٢٤١)، وعبد الرّحمن محمَّد عثمان في تعليقه على \"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٤٧٤)، ومحمد عبد الله عنان في كتابه \"مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام\" (ص ٣٥٩ - ٣٦٤)، ومحمد فهيم أبو عبية في تعليقه على \"النهاية/ الفتن والملاحم\" لابن كثير (١/ ٣٧)، وعبد الكريم الخطيب في كتابه \"المسيح في القرآن والتوراة والإِنجيل\" (ص ٥٣٩)، وأخيرًا الشّيخ عبد الله بن زيد آل محمود في كتابه \"لا مهدي ينتظر بعد الرسول - ﷺ - خير البشر\".\nوقد تولى الرد على جميع هؤلاء فضيلة الشّيخ عبد المحسن بن محمَّد العباد في كتابه القيم \"الرَّدِّ على مَنْ كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي\"، وخص منها رسالة الشّيخ ابن محمود، حيث بيَّن أن ما فيها مجانب للحق والصواب، فجزاه الله عن الإِسلام والمسلمين خير الجزاء.\n(^١) هو عبد الرّحمن بن محمَّد بن محمَّد بن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإِشبيلي، أشتهر بكتابه \"العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر\"، طبع في سبعة مجلدات، أولها \"المقدِّمة\"، وله عدة مصنفات وشعر، وقد نشأ في تونس، ورحل منها إلى مصر، وتولى قضاء المالكية فيها، وتوفي بالقاهرة سنة (٨٠٨ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٧٦ - ٧٧)، و\"الأعلام\" (٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":266},{"text":"منه\" (^١).\nفعبارته تدلُّ على أنّه قد سلم من نقده القليل من الأحاديث.\nونقول: لو صحَّ حديثٌ واحد؛ لكفى به حجَّة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة؟!\nقال الشّيخ أحمد شاكر ردًّا على ابن خلدون: \"إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين \"الجرح مقدَّم على التَّعديل\"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها؛ ما قال شيئًا ممّا قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره\" (^٢).\nثمَّ بيَّن أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الفصل عن المهدي مملوءٌ بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل، واعتذر عنه بأن ذلك قد يكون من الناسخين، وإهمال المصحِّحين، والله أعلم.\nوإيثارًا للاختصار فسأذكر هنا ما قاله الشّيخ محمَّد رشيد رضا في المهدي، وهو نموذجٌ لغيره ممَّن أنكر أحاديث المهدي:\nقال ﵀: \"أمّا التَّعارض في أحاديث المهدي؛ فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتدَّ الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما، وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية\" (^٣).\n_________\n(^١) \"مقدمة تاريخ ابن خلدون\"، المجلد الأوّل، (ص ٥٧٤).\n(^٢) من تعليق الشّيخ أحمد شاكر على \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ١٩٧ - ١٩٨).\n(^٣) \"تفسير المنار\" (٩/ ٤٩٩).","vol":"1","page":267},{"text":"ثمَّ ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها -كما يزعم- ومن ذلك قوله: \"إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنّه محمَّد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإِمامية متَّفقون على أنّه محمَّد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثّاني عشر من أئمَّتهم المعصومين، ويلقَّبون بالحجة، والقائم، والمنتظر ... وزعمت الكيسانية (^١) أن المهدي هو محمَّد بن الحنفية، وأنّه حيٌّ مقيمٌ بجبل رضوى ... \" (^٢).\nوقال: \"المشهور في نسبه أنّه علويٌ فاطميٌّ من ولد الحسن، وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهنالك عدة أحاديث مصرِّحة بأنّه من ولد العباس\" (^٣).\nثمَّ ذكر أن كثيرًا من الإِسرائيليات دخلت في كتب الحديث، \"وكذلك فإن للعصبيات العلّوية والعباسية والفارسية دورًا كبيرًا في وضع كثير من الأحاديث في المهدي، وكل طائفة تدَّعي أنّه منها، وإن اليهود والفرس روَّجوا لهذه الروايات؛ بقصد تخدير المسلمين، حتّى يتَّكلوا على ظهور\n_________\n(^١) (الكيسانية): إحدى فرق الرافضة، وهم أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب، وينسبون إلى كيسان مولى علي ﵁، وقيل: إن كيسان لقب لمحمد بن الحنفية.\nانظر: \"الفرق بين الفرق\" (ص ٣٨)، تحقيق الشّيخ محمَّد محيي الدين عبد الحميد.\n(^٢) \"تفسير المنار\" (٩/ ٥٠١).\n(^٣) \"تفسير المنار\" (٩/ ٥٠٢).","vol":"1","page":268},{"text":"المهدي، الّذي يؤيِّد الله به الدين، وينشر العدل في العالمين\" (^١).\nويجاب عما قاله الشّيخ رشيد رضا بأن الروايات في خروج المهدي صحيحة ومتواترة تواترًا معنويًا؛ كما سبق أن ذكرت طائفة من هذه الأحاديث، ومَن نصَّ من العلماء على صحَّتها وتواترها.\nوأمّا دعوى أن الشيخين لم يعتدّا بشيء من الأحاديث في المهدي؛ فنقول: إن السنة كلها لم تدوَّن في الصحيحين فقط، بل ورد في غيرهما أحاديث كثيرة صحيحة في السنن والمسانيد والمعاجم وغيرها من دواوين الحديث.\nقال ابن كثير ﵀: \"إن البخاريّ ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يُحْكَم بصحَّته من الأحاديث، فإنهما قد صحَّحا أحاديث ليست في كتابيهما؛ كما ينقل التّرمذيّ وغيره عن البخاريّ تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها\" (^٢).\nوأمّا كون الأحاديث قد دخلها كثيرٌ من الإسرائيليات، وأن بعضها من وضع الشيعة وغيرهم من أهل العصبيات؛ فهذا صحيح، ولكن أئمة الحديث قد بيَّنوا الصّحيح من غيره، وصنَّفوا الكَتب في الموضوعات، وبيان الروايات الضعيفة، ووضعوا قواعد دقيقة في الحكم على الرجال، حتّى لم يبق صاحب بدعة أو كذب إِلَّا وأظهروا أمره، فحفظ الله السنة من\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير المنار\" (٩/ ٥٠١ - ٥٠٤).\n(^٢) \"الباعث الحثيث/ شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير\" (ص ٢٥)، تأليف: أحمد شاكر، طبع دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":269},{"text":"عبث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وهذا من حفظ الله لهذا الدين.\nوإذا كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصّبًا؛ فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صحَّ من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه، فإذا عيّن إنسانٌ شخصًا، وزعم أنّه هو المهدي، دون أن يساعده على ذلك ما جاء من الأحاديث الصحيحة؛ فإن ذلك لا يؤدِّي إلى إنكار المهدي على ما جاء في الحديث.\nثمَّ إن المهدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يدعو له أحدٌ، بل يظهره الله للناس إذا شاء، ويعرفونه بعلامات تدلُّ عليه، وأمّا دعوى التعارض؛ فقد نشأت عن الروايات الّتي لم تصحّ، وأمّا الأحاديث الصحيحة؛ فلا تعارُض فيها ولله الحمد.\nوأيضًا؛ فإن خلاف الشيعة مع أهل السنة لا يُعْتَدُّ به، والحكم العدل هو الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وأمّا خرافات الشيعة وأباطيلهم؛ فلا يجوز أن تكون عمدة يُرَدُّ بها ما ثبت من حديث رسول الله - ﷺ -. قال العلَّامة ابن القيم في كلامه على المهدي: \"وأمّا الرافضة الإِمامية؛ فلهم قولٌ رابعٌ، وهو أن المهدي هو محمَّد بن الحسن العسكري (^١) المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن،\n_________\n(^١) ولد سنة (٢٥٦ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ) على القول بوجوده، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنّه لم يوجد.\nانظر: \"منهاج السنة (٢/ ١٣١)، و\"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٨٠).","vol":"1","page":270},{"text":"الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الّذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عينٌ، ولم يُحَسَّ فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلّ يوم!! ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! أخرج يا مولانا! ثمَّ يرجِعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:\nمَا آنَ للسِّرْداب أَنْ يَلِدَ الَّذي ... كَّلَّمْتمُوهُ بجَهْلِكمْ مَا آنَا؟\nفَعَلى عُقولِكُمُ العَفاءُ فإِنَّكمْ ... ثَلَّثْتُمُ العَنْقاءَ والغِيْلانَا\nولقد أصبح لهؤلاء عارًا علي بني آدم، وضحكة يسخر منهم كلّ عاقل\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-102> حديث \"لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم\" والجواب عنه:</span>\nاحتجَّ بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الّذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يزداد الأمر إِلَّا شدَّة، ولا الدُّنيا إِلَّا إدبارًا، ولا النَّاس إِلَّا شحًّا، ولا تقومُ السّاعة إِلَّا على شرار النَّاس، ولا المهدي إِلَّا عيسى بن مريم\" (^٢).\n_________\n(^١) \"المنار المنيف\" (ص ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" (٢/ ١٣٤٠ - ١٣٤١)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٤١ - ٤٤٢)، قال الحاكم: \"فذكرت ما انتهى إلى من علة لهذا الحديث تعجُبًا لا محتجًّا به في =","vol":"1","page":271},{"text":"ويُجاب عليهم بأن لهذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ مداره على محمَّد بن خالد الجندي:\nقال الذهبي فيه: \"قال الأزدي: منكر الحديث. وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول. قلت -القائل الذهبي-: حديثه \"لا مهدي إِلَّا عيسى بن مريم\"، وهو خبرٌ منكرٌ، أخرجه ابن ماجه\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمَّد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممّا يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشّافعيّ، والشّافعيُّ رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمَّد بن خالد الجندي، وهو ممَن لا يحتَجُّ به، وليس لهذا في مسند الشّافعيّ، وقد قيل: إن الشّافعيّ لم يسمعه من الجندي، وإن يونس لم يسمعه من الشّافعيّ\" (^٢).\nوقال فيه الحافظ ابن حجر: \"مجهول\" (^٣).\nوقد خالف في ذلك الحافظ ابن كثير، فقال فيه: \"إنّه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن، شيخ الشّافعيّ، وروى عنه\n_________\n= \"المستدرك على الشيخين\" ﵄؛ فإن أولى من هذا الحديث ذكره في هذا الموضع حديث سفيان ... عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: لا تذهب الأيَّام والليالي حتّى يملك (فذكر الحديث إلى آخره، وقد سبق ذكره) \" (ص ٢٣٤).\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٣٥).\n(^٢) \"منهاج السنة النبوية\" (٤/ ٢١١).\n(^٣) \"تقريب التهذيب\" (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":272},{"text":"غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول؛ كما زعمه الحاكم، بل قد رُوِي عن ابن مَعين أنَّه وثَّقه، ولكن من الرواة مَنْ حدَّث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكرسولك شيخنا في \"التهذيب\" (^١) عن بعضهم أنّه رأى الشّافعيّ في المنام، وهو يقول: كذب علي يونس بن عبد الأعلى الصدفي ليس لهذا من حديثي. قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يُطْعَن فيه بمجرَّد منام، ولهذا الحديث فيما يظهر بادئ الرأي مخالف للأحاديث الّتي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم، إمّا قبل نزوله -كما هو الأظهر، والله أعلم-، وإما بعده، وعند التأمل لا يتنافيان، بل يكون المراد من ذلك أن المهدي حق المهدي هو عيسى بن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًّا أيضًا، والله أعلم\" (^٢).\nوقال أبو عبد الله القرطبي: \"يحتمل أن قوله ﵊: \"ولا مهدي إِلَّا عيسى\"؛ أي: لا مهدي كاملًا معصومًا إِلَّا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض\" (^٣).\nقلت: وعلى فرض احتمال ثبوته؛ فإنّه لا يقوم أمام الأحاديث الكثيرة الثابتة في شأن المهدي، وهي أصحُّ إسنادًا من هذا الحديث الّذي اختلفت أقوال العلماء في ثبوته من عدمه. والله أعلم.\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال في أسماء الرجال\" (٣/ ١١٩٣ - ١١٩٤) لأبي الحجاج المزي.\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٣٢) تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\" (ص ٦١٧).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الفصل الثّاني المسيح الدَّجّال</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-104> معنى المسيح:</span>\nذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثةً وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللّفظ (^١)، وأوصلها صاحب \"القاموس\" إلى خمسين قولًا (^٢).\nوهذه اللفظة تطلق على الصدِّيق، وعلى الضَلِّيل الكذاب.\nفالمسيح عيسى بن مريم -﵇-: الصِّدِّيق، والمسيح الدَّجّال: الضِّلِّيل الكذاب.\nفخلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر:\nفعيسى -﵇- مسيحُ الهدى؛ يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله.\nوالدَّجّال -لعنه الله- مسيح الضلالة، يفتن النَّاس بما يُعطاه من\n_________\n(^١) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٧٩).\n(^٢) انظر: \"ترتيب القاموس\" (٤/ ٢٣٩)، وذكر صاحب \"القاموس\" أنّه أورد هذه الأقوال في كتابه \"شرح مشارق الأنوار\" وغيره.","vol":"1","page":275},{"text":"الآيات، كإنزال المحطر، وإحياء الأرض بالنبات، وغيرهما من الخوارق.\nوسُمِّي الدَّجّال مسيحًا؛ لأنَّ إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنّه يمسح الأرض في أربعين يومًا (^١).\nوالقول الأوَّل هو الراجح؛ لما جاء في الحديث: \"إن الدَّجّال ممسوح العين\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-105> معنى الدَّجَّال:</span>\nأمّا لفظ (الدَّجّال)؛ فهو مأخوذٌ من قولهم: دَجَلَ البعير؛ إذا طلاه بالقطران، وغطّاه به (^٣).\nوأصل الدَّجَل: معناه الخلط؛ يقال: دَجَل إذا لبس وموَّهَ.\nوالدَّجّال: المموِّهُ الكذّاب المُمَخْرِق، وهو من أبنية المبالغة، على وزن فعّال؛ أي: يكثر منه الكذب والتلبيس (^٤)، وجمعه: دجّالون، وجمعه الإِمام مالك على دجاجلة، وهو جمع تكسير (^٥).\nوذكر القرطبي أن الدَّجّال في اللُّغة يطلق على عشره وجوه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و\"لسان العرب\" (٢/ ٥٩٤ - ٥٩٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: \"لسان العرب\" (١١/ ٢٣٦)، و\"ترتيب القاموس\" (٢/ ١٥٢).\n(^٤) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١٠٢).\n(^٥) \"لسان العرب\" (١١/ ٢٣٦).\n(^٦) \"التذكرة\" (ص ٦٥٨).","vol":"1","page":276},{"text":"ولفظة (الدَّجّال): أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذَّاب، فإذا قيل: الدَّجّال؛ فلا يتبادر إلى الذهن غيره.\nوسمي الدَّجَّال دجالًا: لأنّه يغطي الحق بالباطل، أو لأنّه يغطي على النَّاس كفرَه بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم، وقيل: لأنّه يغطي الأمر بكثرة جموعه (^١). والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-106> صفة الدَّجّال والأحاديث الواردة في ذلك:</span>\nالدَّجّال رجلٌ من بني آدم، له صفاتٌ كثيرةٌ جاءت بها الأحاديث؛ لتعريف النَّاس به، وتحذيرهم من شره، حتّى إذا خرج؛ عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته الّتي أخبر بها الصادق - ﷺ -، وهذه الصفات تميِّزه عن غيره من النَّاس، فلا يغترَّ به إِلَّا الجاهل الّذي سبقت عليه الشِّقوة، نسأل الله العافية.\nومن هذه الصفات أنّه رجلٌ، شابٌّ، أحمر، قصيرٌ، أفحجُ، جعد الرّأس، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئة (^٢)، ولا جحراء (^٣)؛ كأنّها عنبة طافئة، وعينه اليسرى عليها\n_________\n(^١) \"لسان العرب\" (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و\"ترتيب القاموس\" (٢/ ١٥٢).\n(^٢) (ناتئة): مأخوذة من النتوء، وهو الارتفاع والانتفاخ؛ أي: أن عينه ليست بارزة.\nانظر: \"ترتيب القاموس\" (٤/ ٣١٨)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٤٤٤).\n(^٣) (جحراء): بفتح الجيم وسكون الحاء؛ أي: ليست غائرة منجحرة في نقرتها. وقال الأزهري: \"هي بالخاء المعجمة\"، وأنكر الحاء.\nانظر: \"لسان العرب\" (٤/ ١١٨)، و\"عون المعبود\" (١١/ ٤٤٤).","vol":"1","page":277},{"text":"ظفرة (^١) غليظة، ومكتوبٌ بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقَطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، ومن صفاته أنَّه عقيمٌ لا يولد له.\nوهذه بعض الأحاديث الصحيحة الّتي جاء فيها ذكر صفاته السابقة، وهي من الأدلَّة على ظهور الدَّجّال:\n١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بيَّنَّا أنا نائمٌ أطوف بالبيت ... (فذكر أنّه رأى عيسى بن مريم -﵇-، ثمَّ رأى الدَّجَّال، فوصفه، فقال:) فإذا رجلٌ جسيمٌ، أحمر، جعدُ الرّأس، أعور العين، كأن عينه عنبةٌ طافئة؛ قالوا: هذا الدَّجّال أقرب النَّاس به شبهًا ابن قطن (^٢) \"، رجل من خُزاعة (^٣).\n_________\n(^١) (ظفرة): بفتح الظاء المعجمة والفاء، لحمة تنبت عند المآقي، وقد تمتد إلى السواد فتغشاه. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ١٥٨).\nو(المآقي): هو مقدمة العين. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٢٨٩).\n(^٢) ابن قطن: اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو الخزاعي، وقيل: من بني المصطلق من خزاعة، وأمه هالة بنت خويلد، وليس له صحبة، فقد هلك في الجاهلية. وما ورد أنّه قال للنبيﷺ -: \"أيضرني شبهه؟ قال: لا، أنت مسلم وهو كافر\"، فهي زيادة ضعيفة من رواية المسعودي عند أحمد، وقد اختلط عليه بحديث آخر.\nانظر: \"تعليق أحمد شاكر على مسند أحمد\" (١٥/ ٣٠ - ٣١)، وانظر: \"الإصابة في تمييز الصّحابة\" (٤/ ٢٣٩)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٤٨٨ و١٣/ ١٠١).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع الفتح)،\nو\"صحيح مسلم \"، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇- والمسيح الدجال، (٢/ ٢٣٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":278},{"text":"٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - ذكر الدَّجَّال بين ظهراني النَّاس، فقال: \"إن الله تعالى ليس بأعور، ألَّا وإن المسيح الدَّجّال أعور العين اليمنى؛ كأن عينه عنبة طافية\" (^١).\n٣ - وفي حديث النوَّاس بن سمعان ﵁: قال - ﷺ - في وصف الدَّجَّال: \"إنّه شابٌ، قَطَطٌ (^٢)، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن\" (^٣).\n٤ - وفي حديث عُبادة بن الصامت ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن مسيح الدَّجَّال رجلٌ، قصيرٌ، أفجع، جعدٌ، أعور، مطموسُ العين، ليس بناتئة ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكَم ليس بأعور\" (^٤).\n٥ - وفي حديث أبي هريرة ﵁: قال رسول الله - ﷺ -: \"وأمّا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩٠ - مع شرح الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي)،\n(^٢) (قطط)؛ أي: شديد جعودة الشعر.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٨١)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٥).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٤٤٣ - عون المعبود).\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ٣١٧ - ٣١٨) (ح ٢٤٥٥).","vol":"1","page":279},{"text":"مسيح الضَّلالة؛ فإنَّه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النَّحر، فيه دفأ (^١) \" (^٢).\n٦ - وفي حديث حُذيفة ﵁؛ قال - ﷺ -: \"الدّجَّال أعور العين اليسرى، جفال الشعر (^٣) \" (^٤).\n٧ - وفي حديث أنس ﵁؛ قال - ﷺ -: \"وإن بين عينيه مكتوبٌ كافر\" (^٥).\nوفي رواية: \"ثمَّ تهجَّاها (ك ف ر)؛ يقرؤه كلّ مسلم\" (^٦).\n_________\n(^١) (دفأ): الدفا مقصور: الانحناء. ورجل أدفى -بغير همز- فيه انحناء.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ١٢٦)، و\"لسان العرب\" (١/ ٧٧ و١٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (١٥/ ٢٨ - ٣٠)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\"، وحسنه ابن كثير.\nانظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٣٠)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) (جفال الشعر)؛ أي: كثيره.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٢٨٠).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٥) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٩١ - مع الفتح)،\nو\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).\n(^٦) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٥٩ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":280},{"text":"وفي رواية عن حذيفة: \"يقرؤه كلّ مؤمن كاتب وغير كاتب\" (^١).\nوهذه الكتابة حقيقية على ظاهرها (^٢)، ولا يُشكل رؤية بعض النَّاس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها، \"وذلك أن الإِدراك في البصر يخلُقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمّن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة؛ كما يرى المؤمّن الأدلَّة بعين بصيرته، ولا يراه الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإِدراك دون تعلُّم؛ لأنَّ ذلك الزمن تنخرق فيه العادات\" (^٣).\nقال النوويّ: \"الصّحيح الّذي عليه المحقِّقون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلّامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، يظهرها الله تعالى لكل مسلم، كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمَّن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك\" (^٤).\n٨ - ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ في قصة الجساسة، وفيه قال تميم ﵁: \"فانطلقنا سراعًا، حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط، وأشدُّه وثاقًا\" (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٢) خلافًا لمن قال: إنها مجاز عن سمة الحدوث؛ فإنَّه مذهب ضعيف.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٠ - ٦١)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٠).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٠).\n(^٤) \"شرح النووي لصحيح مسلم\" (١٨/ ٦٠).\n(^٥) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":281},{"text":"٩ - وفي حديث عمران بن حُصين ﵁؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام السّاعة خلقٌ أكبر من الدَّجّال\" (^١).\n١٠ - وأمّا أن الدَّجّال لا يولد له؛ فلما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: \"ألستَ سمعتَ رسول الله - ﷺ - يقول: إنّه لا يولد له؟ قال: قلتُ: بلى\" (^٢).\nوالملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصفُ عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وهذا فيه إشكال.\nفذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف عينه اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم الّتي جاء فيها وصف عينه اليسرى بالعور؛ لأنَّ المتَّفق على صحَّته أقوى من غيره (^٣).\nوذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدَّجّال كلتيهما معيبة؛ لأنَّ الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة- بالهمز-؛ أي: الّتي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى؛ كما في\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٦ - ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٩٧).","vol":"1","page":282},{"text":"حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى الّتي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية -بلا همز- معيبة أيضًا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء؛ أي: معيبة؛ فإن الأعور من كلّ شيء: المَعيب، لا سيما ما يختصُّ بالعين، فكلا عيني الدَّجَّال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.\nقال النوويّ في هذا الجمع: \"هو في نهاية من الحسن\" (^١).\nورجَّحه أبو عبد الله القرطبي (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-107> هل الدَّجّال حيٌّ؟ وهل كان موجودًا في زمن النّبيّ - ﷺ </span>-؟\nوقبل الجواب عن هذين السؤالين لا بد من معرفة حال ابن صياد؛ هل هو الدَّجّال أو غيره؟\nوإذا كان الدَّجّال غير ابن صياد؛ فهل هو موجود قبل أن يظهر بفتنته أو لا؟\nوقبل الإِجابة عن لهذه الأسئلة نعرِّف بابن صيّاد:\nابن صيَّاد:\nاسمه هو صافي -وقيل: عبد الله- بن صيَّاد أو صائد (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"شرح النوويّ لمسلم\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) \"التذكرة\" (ص ٦٦٣).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠ و٦/ ١٦٤)، و\"عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ\" (٨/ ١٧٠ و١٤/ ٢٧٨ - ٣٠٣) لبدر الدين العيني طبعة دار الفكر، و\"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٨)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٤٦)، و\"عون المعبود\" (١١ =","vol":"1","page":283},{"text":"كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النّبيّ - ﷺ - إلى المدينة.\nوذكر ابن كثير أنّه أسلم، وكان ابنه عُمارة من سادات التابعين، روى عنه الإِمام مالك وغيره (^١).\nوترجم له الذهبي في كتابه \"تجريد أسماء الصّحابة\"، فقال: \"عبد الله بن صيَّاد، أورده ابن شاهين (^٢)، وقال: هو ابن صائد، كان أبوه يهوديًّا، فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الّذي قيل: إنّه الدَّجّال، ثمَّ أسلم، فهو تابعيٌّ، له رؤية\" (^٣).\nوترجم له الحافظ ابن حجر في \"الإِصابة\"، فذكر ما قاله الذهبي، ثمَّ قال: \"ومِن ولده عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد، وكان من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيِّب، روى عنه مالكٌ وغيره\".\n_________\n= / ٤٧٨)، و\"إتحاف الجماعة\" (٢/ ٦٣ - ٦٤)، و\"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" (ص ١٨٣ - ١٨٥) من تعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n(^١) انظر: \"النهاية / الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٨)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٢) هو الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين البغدادي الواعظ المفسر، كان من حفاظ الحديث، ومن أوعية العلم، له عدة مصنفات، أكثرها في التفسير والتاريخ، توفي سنة (٣٨٥ هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٣/ ١١٧)، و\"الأعلام\" (٥/ ٤٠) للزركلي.\n(^٣) \"تجريد أسماء الصّحابة\" (١/ ٣١٩) (رقم ٣٣٦٦)، للحافظ الذهبي، طبع دار المعرفة ببيروت.","vol":"1","page":284},{"text":"ثمَّ ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صيّاد؛ كما سيأتي ذكرها فيما بعد.\nثمَّ قال: \"وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصّحابة؛ لأنّه إن كان الدَّجّالَ؛ فليس بصحابيٍّ قطعًا؛ لأنّه يموت كافرًا، وإن كان غيره؛ فهو حالَ لُقِيِّهُ النبيَّ - ﷺ - لم يكن مسلمًا\" (^١).\nلكن إن أسلم بعد ذلك؛ فهو تابعيٌّ له رؤية؛ كما قال الذهبي.\nوترجم ابن حجر في كتابه \"تهذيب التهذيب\" لعُمارة بن صيَّاد، فقال: \"عُمارة بن عبد الله بن صيَّاد الأنصاري، أبو أيوب المدني. روى عن: جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن يسار. وعنه: الضَّحاك بن عثمان الخُزامي، ومالك بن أنس، وغيرهما. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وكان مالك بن أنس لا يقدِّم عليه في الفضل أحدًا، وكانوا يقولون: نحن بنو أشيهب بن النَّجّار، فدفعهم بنو النَّجَّار، فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النَّجَّار، ولا يُدْرى ممَّن هُم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>أحواله:</span>\nكان ابن صيّاد دجّالًا، وكان يتكهَّنُ أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر\n_________\n(^١) \"الإِصابة في تمييز الصّحابة\"، القسم الرّابع، ممّن اسمه (عبد الله)، (٣/ ١٣٣) رقم ٦٦٠٩) للحافظ ابن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، مصر، ط. الأولى، (١٣٢٨ هـ).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤١٨) (رقم ٦٨١).","vol":"1","page":285},{"text":"خبره بين النَّاس، وشاع أنّه الدَّجّال؛ كما سيأتي في ذكر امتحان النّبيّ - ﷺ -\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>امتحان النّبيّ - ﷺ - له:</span>\nلما شاع بين النَّاس أمر ابن صيَّاد، وأنّه هو الدَّجَّال؛ أراد النّبيّ - ﷺ - أن يطَّلعَ على أمره، ويتبيَّنَ حالَه، فكان يذهب إليه مختفيًا حتّى لا يشعر به ابن صياد؛ رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجِّه إليه بعض الأسئلة الّتي تكشف عن حقيقته.\nففي الحديث عن ابن عمر ﵄: أن عمر انطلق مع النّبيّ - ﷺ - في رهط قِبَل ابن صياد، حتّى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم (^١) بن مَغالة (^٢)، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتّى ضرب النّبيّ - ﷺ - بيده، ثمَّ قال لابن صيَّاد: \"أتشهد أني رسول الله؟ \". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صيَّاد للنبيﷺ -: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، وقال: \"آمنت بالله وبرسله\". فقال له: \"ما ترى؟ \". قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النّبيّ - ﷺ -: \"خلط عليك الأمر\". ثمَّ قال له النّبيّ - ﷺ -: \"إنِّي خبأت لك خبيئًا؟ \". فقال ابن صياد: هو الدُّخ (^٣). فقال: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\". فقال عمر رضي الله\n_________\n(^١) (أطم)؛ بضمتين: بناء مرتفع كالحصن، وجمعه آطام.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٥٤)، و\"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠).\n(^٢) (مغالة): بفتح الميم والمعجمة الخفيفة: بطن من الأنصار.\n\"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠).\n(^٣) يريد الدخان لكنه قطمها على طريقة الكهان، كما سيأتي بيان ذلك.","vol":"1","page":286},{"text":"عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النّبيّ - ﷺ -: \"إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله\" (^١).\nوفي رواية أن النّبيّ - ﷺ - قال له: \"ما ترى؟ \". قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟ \". قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لُبِّسَ عليه، دعوه\" (^٢).\nوقال ابن عمر ﵄: انطلق بعد ذلك رسول الله - ﷺ - وأبي بن كعب إلى النخل الّتي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النّبيّ - ﷺ - وهو مضطجعٌ -يعني: في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة (^٣) -، فرأت أم ابن صياد رسول الله - ﷺ - وهو يتَّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف -وهو اسم ابن صياد-! هذا محمَّد - ﷺ -. فثار ابن صياد، فقال النّبيّ - ﷺ -: \"لو تركته بيَّن\" (^٤).\nوقال أبو ذرِّ ﵁: كان رسول الله - ﷺ - بعثني إلى أمه؛ قال:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ (٣/ ٣١٨ - مع الفتح).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٤٩ - ٥٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) (رمزة أو زمرة) على الشك في تقديم الراء على الزاي أو تأخيرها. ومعنى (رمزة): فعلة من الرمز، وهو الإشارة. وأمّا (زمرة): من الزمر، والمراد حكاية صوته.\nانظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلّى عليه؟، (٣/ ٣١٨ - مع الفتح).","vol":"1","page":287},{"text":"\"سلها كم حملت به؟ \". فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملتُ به اثني عشر شهرًا. قال: ثمَّ أرسلني إليها، فقال: \"سلها عن صيحته حين وقع؟ \". قال: فرجعتُ إليها، فسألتُها، فقالت: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثمَّ قال له رسول الله - ﷺ -: \"إنِّي قد خبأت لك خبئًا\". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء (^١) والدُّخان. قال: فأراد أن يقول الدُّخان، فلم يستطع، فقال: الدُّخ، الدُّخ (^٢).\nفامتحان النّبيّ - ﷺ - له بـ (الدخان)؛ ليتعرف على حقيقة أمره.\nوالمراد بالدُّخان هنا قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإِمام أحمد: \"إنِّي قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ \" (^٣).\nقال ابن كثير: \"إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهَّان، بلسان الجان، وهم يقرطون -أي: يقطعون- العبارة، ولهذا قال: هو الدُّخ؛\n_________\n(^١) (خطم شاة): أصل الخطم في السِّباع مقاديم أنوفها وأفواهها. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٥٠).\nو(العفراء): هي الّتي لونها غير ناصع كلون عفر الأرض؛ أي: وجهها. انظر: النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٦١).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٤٨ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر في سنده: \"صحيح\" \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٥).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الأوسط\"، ورجال أحمد رجال الصّحيح، غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢ - ٣).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٩/ ١٣٩) (ح ٦٣٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":288},{"text":"يعني: الدُّخان، فعندها عرف رسول الله - ﷺ - مادته، وأنّها شيطانية، فقال له: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك) \" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>وفاته:</span>\nعن جابر ﵁ قال: \"فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرَّة\" (^٢).\nوقد صحَّح ابن حجر لهذه الرِّواية، وضعَّف قول مَنْ ذهب إلى أنّه مات في المدينة، وأنّهم كشفوا عن وجهه، وصلَّوا عليه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>هل ابن صيَّاد هو الدَّجَّال الأكبر</span>؟\nمضى في الكلام على أحوال ابن صيَّاد وامتحان النّبيّ - ﷺ - له ما يدلُّ على أن النّبيّ - ﷺ - كان متوقِّفًا في أمر ابن صيَّاد؛ لأنّه لم يوحَ إليه أنّه الدَّجّال ولا غيره.\nوكان عمر ﵁ يحلف عند النّبيّ - ﷺ - أن ابن صياد هو الدَّجّال، ولم يُنْكِر عليه ذلك رسولُ الله - ﷺ -.\nوكان بعض الصّحابة ﵃ يرى رأي عمر، ويحلف أن ابن صيّاد هو الدَّجال، كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر.\nففي الحديث عن محمَّد بن المنكدر (^٤)؛ قال: \"رأيتُ جابر بن\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٤).\n(^٢) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٤٧٦ - مع عون المعبود).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨).\n(^٤) هو أبو عبد الله محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى التيمي، تابعي، وأحد الأئمة الأعلام، روى عن بعض الصّحابة، وتوفي سنة (١٣١ هـ) ﵀. =","vol":"1","page":289},{"text":"عبد الله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدَّجّال. قلتُ: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعتُ عمر يحلف على ذلك عند النّبيّ - ﷺ -، فلم ينكره النّبيّ - ﷺ -\" (^١).\nوعن نافعٍ (^٢)؛ قال: \"كان ابن عمر يقول: والله ما أشكُّ أن المسيح الدَّجّال ابن صياد\" (^٣).\nوعن زيد بن وهب (^٤)؛ قال: \"قال أبو ذر ﵁: لأنَّ أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدَّجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف مرّة واحدة أنّه ليس به\" (^٥).\nوعن نافع؛ قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة،\n_________\n= انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٧٣ - ٤٧٥).\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب من رأى ترك النكير من النّبيّ - ﷺ - حجة لا من غير الرسول، (١٣/ ٢٢٣ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٢ - ٥٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) هو أبو عبد الله الفقيه المدني مولى ابن عمر، أصابه في بعض مغازيه، روى عن كثير من الصّحابة، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (١١٩ هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤١٢ - ٤١٤).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" (١١/ ٤٨٣).\nقال ابن حجر: \"سنده صحيح\": \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٥).\n(^٤) هو أبو سليمان زيد بن وهب الجهني الكوفي، رحل إلى النّبيّ - ﷺ -، فقبض وهو في الطريق، روى عن كثير من الصّحابة؛ كعمر، وعثمان، وعلي، وأبي ذر، وغيرهم ﵃، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (٩٦ هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٢٧).\n(^٥) رواه الإِمام أحمد، وسبق تخريجه (ص ٢٦٨).","vol":"1","page":290},{"text":"فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردتَ من ابن صائد؟! أمّا علمتَ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنّما يخرُجُ من غضبةٍ يغضبها\" (^١)؟!\nوفي رواية عن نافع؛ قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين؛ قال: فلقيته، فقلت لبعضهم: هل تَحَدَّثون أنَّه هو؟ قال: لا والله. قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنّه لن يموت حتّى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم. قال: فتحدَّثنا، ثمَّ فارقته. قال: فلقيتُه مرَّة أخرى وقد نفرت عينيه. قال: فقلتُ: متى فعلت عينُك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلتُ: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه. قال: فنخر كأشد نخير حمار سمعت. قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتّى تكسَّرت، وأمّا أنا فوالله ما شعرتُ. قال: وجاء حتّى دخل على أم المؤمنين، فحدَّئَها، فقالت: ما تُريد إليه؟! ألم تعلم أنّه قد قال: \"إن أول ما يبعثه على النَّاس غضبٌ يغضبه\" (^٢).\nوكان ابن صيَّاد يسمع ما يقوله النَّاس فيه، فيتأذَّى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنّه ليس الدَّجَّال، ويحتجُّ على ذلك بأن ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - من صفات الدَّجَّال لا تنطبق عليه.\nففي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ قال: \"خرجنا حجَّاجًا أو عُمّارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرَّق النَّاس، وبقيتُ\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٥٧ - ٥٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":291},{"text":"أنا وهو، فاستوحشتُ منه وحشة شديدة ممّا يُقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي. فقلتُ: إن الحرَّ شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرُفِعت لنا غنمٌ، فانطلق، فجاء بعس (^١)، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلتُ: إن الحرير شديد، واللبن حارٌّ. ما بي إِلَّا أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذ عن يده. فقال: أبا سعيد! لقد هممتُ أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثمّ أختنق ممّا يقول لي النَّاس. يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله - ﷺ -؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار. ألستَ من أعلم النَّاس بحديث رسول الله - ﷺ -؟ أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: هو كافرٌ. وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله - ﷺ -: هو عقيمٌ لا يولَدُ له. وقد تركتُ ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله - ﷺ - لا يدخل المدينة ولا مكّة. وقد أقبلتُ من المدينة، وأنا أُريد مكّة؟ قال أبو سعيد الخُدري: حتّى كدتُ أن أعذره. ثمَّ قال: أمّا والله إنِّي لأعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن. قال: قلتُ له: تبًّا لك سائر اليوم\" (^٢).\nوقال ابن صيَّاد في رواية: \"أمّا والله إنِّي لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرُّك أنك ذاك الرَّجل؟ فقال: لو عُرِضَ\n_________\n(^١) (عُسي)؛ بضم العين: وهو القدح الكبير، وجمعه عساس؛ بكسر العين، وأعساس.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٣٦)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٥١).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٥١ - ٥٢ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":292},{"text":"عليَّ ما كرهت\" (^١).\nوهناك بعض الروايات الّتي جاءت في شأن ابن صيَّاد، تركتُ ذكرها هنا خشية الإِطالة، ولأن بعض المحقِّقين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردُّوها لضعف أسانيدها (^٢).\nوقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صيَّاد، وأشكل عليهم أمره: فمن قائل: إنّه الدَّجَّال. ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصّحابة ﵃ على أنّه الدَّجَّال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد ﵃.\nوذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجَّال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الدّاري ﵁، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله:\nروى الإِمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشّعبيّ (^٣) - شعب\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٥١ - مع شرح النووي).\n(^٢) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٧)، تحقيق د. طه زيني، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٦).\n(^٣) هو الإِمام الحافظ عامر بن شراحيل، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل الشّعبيّ الحميري، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، وروى عن كثير من الصّحابة، وكان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء ولا حدثني رجل بحديث إِلَّا حفظته، توفي بعد المئة وله من العمر تسعون سنة، ﵀.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" للمزي (٢/ ٦٤٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٦٥ - ٦٩)","vol":"1","page":293},{"text":"همدان - أنّه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضَحّاك بن قيس - وكانت من المهاجرات الأوّل - فقال: حدثيني حديثًا سمعتيهِ من رسول الله - ﷺ - تسنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلنَ. فقال لها: أجل؛ حدَّثيني. فذكرت قصة تأيُمِها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثمّ قالت: فلمَّا انقضت عدَّتي؛ سمعتُ نداء المنادي منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: الصّلاة جامعة، فخرجتُ إلى المسجد، فصلّيتُ مع رسول الله - ﷺ -، فكنتُ في صف النِّساء الّتي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: \"ليلزم كلّ إنسان مصلَّاه\"، ثمَّ قال: \"أتدرونَ لم جمعتُكُم؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"إنِّي والله ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتُكُم لأنَّ تميمًا الدَّاريَّ (^١) كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدَّثني حديثًا وافق الّذي كنتُ أحدثكم عن مسيح الدَّجَّال، حدَّثني أنّه ركب في سفينة بحريَّة مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثمّ أرفؤوا (^٢) إلى جزيرةٍ في البحر، حتّى مغرب الشّمس، فجلسوا في\n_________\n(^١) هو أبو رقية، تميم بن أوس بن خارجة الداري، من بني لخم ﵁، كان من علماء أهل الكتاب، وقدم المدينة، وأسلم سنة تسع من الهجرة، وروى عن النّبيّ - ﷺ -، وروى عنه جماعة من الصّحابة؛ كابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وأبي هريرة ﵃، انتقل إلى الشّام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وتوفي سنة (٤٠ هـ).\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٥١١ - ٥١٢).\n(^٢) (أرفؤوا): أرفأت السفينة إذا قربتها من الشط، والموضع الّذي تشد فيه: المرفأ.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":294},{"text":"أقرُب (^١) السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابَّه أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرَّجل في الدَّير (^٢)؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلًا؛ فرِقْنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدَّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خَلْقًا، وأشدُّه وثاقًا، مجموعةٌ يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحريًة، فصادَفْنا البحر حين اغتلم (^٣)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمَّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقرُبها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يُدرى ما قُبُلُه من دُبُرِه من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: عمدوا إلى لهذا الرَّجل\n_________\n(^١) (أقرب)، بضم الراء: سفن صغار تكون مع السفن الكبار كالجنائب لها يتصرف فيها الركاب لقضاء حوائجهم، واحدها: قارب، وجمعه قوارب، وإما أقرب: فهو صحيح، ولكنه خلاف القياس. وقيل: أقرب السفينة: أدانيها وما قارب الأرض منها.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٣٥)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٨١).\n(^٢) (الدير): بيت يتعبد فيه الرهبان، ويقال له دير إذا كان في الصحاري ورؤوس الجبال، وأمّا إذا كان في الأمصار؛ فيقال له بيعة أو كنيسة.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٤٩٥).\n(^٣) (اغتلم): أي: هاج واضطرمت أمواجه.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٣٨٢).","vol":"1","page":295},{"text":"في الدَّير؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان (^١)؟ قلنا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يُثْمِر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبريَّة؟ قلنا* عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر (^٢)؟ قالوا: عن أي شأنّها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأمبين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على مَنْ يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أمّا إن ذاك خيرٌ لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إنِّي أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذَنَ\n_________\n(^١) (بيسان)، بالفتح ثمّ السكون وسين مهملة ونون، مدينة بالأردن بالغور الشامي، ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حوران وفلسطين، وبها عين الفلوس، وهي عين فيها ملوحة يسيرة، وتوصف بكثرة النخل.\nقال ياقوت: \"وقد رأيتها مرارًا فلم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج الدجَّال\". انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ٥٢٧).\n(^٢) (زغر): على وزن زفر وصرد، وآخره راء مهملة.\nقال ياقوت: \"حدثني الثقة أن زغر هذه في طرف البحيرة المنتنة في واد هناك بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيّام، وهي من ناحية الحجاز، ولهم هناك زروع\".\nانظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":296},{"text":"لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة، فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردتُ أن أدخل واحدة -أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملكٌ بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نَقْب (^١) منها ملائكة يحرسونها\".\nقالت: قال رسول الله - ﷺوطعن بمخصرته (^٢) في المنبر-: \"هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -يعني: المدينة-. ألَّا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟ \". فقال النَّاس: نعم. \"فإنّه أعجبني حديث تميم أنّه وافقال في كنتُ أحدِّثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) \".\nقالت: فحفظتُ لهذا من رسول الله - ﷺ - (^٣).\nقال ابن حجر: \"وقد توهَّم بعضُهم أنّه -أي: حديث فاطمة بنت قيس- غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر\" (^٤)؛ ﵃.\n_________\n(^١) (نقب): هو الطريق بين الجبلين.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ١٠٢).\n(^٢) (المخصرة): هي ما يختصره الإنسان بيده، فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكىء عليه.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣٦).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٧٨ - ٨٣ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨). =","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>أقوال العلماء في ابن صيَّاد:</span>\nقال أبو عبد الله القُرطبيُّ: \"الصّحيح أن ابن صيَّاد هو الدَّجَّال؛ بدلالة ما تقدَّم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصّحابة في وقت آخر\" (^١).\nوقال النووي: \"قال العلماء: وقصَّته مشكلة، وأمره مشتبه في أنّه هل هو المسيح الدَّجّال المشهور أم غيره، ولا شك في أنّه دجَّال من الدَّجاجلة.\nقال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النّبيّ - ﷺ - لم يوحَ إليه بأنّه المسيح الدَّجَّال ولا غيره، وإنّما أُوحِيَ إليه بصفات الدَّجَّال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النّبيّ - ﷺ - لا يقطع بأنّه الدَّجَّال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: \"إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله\".\nوأمّا احتجاجه هو بأنّه مسلم والدَّجَّال كافر، وبأنّه لا يولد للدَّجّال وقد ولد له هو، وأنّه لا يدخل مكّة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجِّه إلى مكّة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأنَّ النّبيّ - ﷺ - إنّما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.\n_________\n= قلت: وممَّن رد هذا الحديث العظيم الشّيخ أبو عبية، فقد قال: \"هذا الحديث عليه طابع الخيال، وسمة الوضع\".\nونسأل أبا عبية: بأي دليل يردّ حديثًا صحيحًا تلقَّته الأمة بالقبول؟! اللَّهُمَّ إِلَّا الشذوذ والسعي وراء العقل القاصر، غفر الله لنا وله.\nانظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٩٦)، بتعليق الشّيخ محمّد فهيم أبو عبية.\n(^١) \"التذكرة\" (ص ٧٠٢).","vol":"1","page":298},{"text":"ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبيﷺ -: أتشهد أني رسول الله؟! ودعواه أنّه يأتيه صادق وكاذب، وأنّه يرى عرشًا فوق الماء، وأنّه لا يكره أن يكون هو الدَّجَّال، وأنّه يعرف موضعه، وقوله: إنِّي لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتّى ملأ السكة.\nوأمّا إظهاره الإسلام، وحجُّه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنّه غير الدَّجّال\" (^١).\nوكلام النووي هذا يُفْهَم منه أنَّه يرجِّح كون ابن صياد هو الدَّجّال.\nوقال الشوكاني: \"اختلف النَّاس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره، حتّى قيل فيه كلّ قول، وظاهر الحديث المذكور أن النّبيّ - ﷺ - كان متردِّدًا في كونه الدَّجّال أم لا؟ ...\nوقد أُحبيب عن التردُّد منه - ﷺ - بجوابين:\nالأوّل: أنّه تردَّد - ﷺ - قبل أن يُعْلِمَهُ الله بأنّه هو الدَّجّال، فلما أعلمه؛ لم ينكر على عمر حَلِفَه.\nالثّاني: أن العرب قد تُخْرِج الكلام مخرج الشك، وان لم يكن في الخبر شكٌّ.\nومما يدلُّ على أنَّه هو الدَّجَّال ما أخرجه عبد الرزَّاق (^٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر؛ قال: \"لقيت ابن صياد يومًا -ومعه رجلٌ من اليهود- فإذا عينُه قد طفت وهي خارجةٌ مثل عين الحمار، فلما رأيتُها؛ قلتُ: أنشدك الله يا\n_________\n(^١) \"شرح النوويّ لمسلم\" (١٨/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) \"المصنِّف\" (١١/ ٣٩٦)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.","vol":"1","page":299},{"text":"ابن صياد! متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرّحمن. قلت: كذبت وهي في رأسك. قال: فمسحها ونخر ثلاثًا\" (^١).\nوقد سبق ذكر نحو هذه القصة من رواية الإِمام مسلم (^٢).\nوالذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنّه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدَّجَّال الأكبر.\nوقال البيهقي (^٣) في سياق كلامه على حديث تميم: \"فيه أن الدَّجَّال الأكبر الّذي يخرج في آخر الزّمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدَّجالين الكذابين الذين أخبر - ﷺ - بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.\nوكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدَّجَّال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا، فالجمع بينهما بعيد جدًّا، إذ كيف يلتئم أن يكون مَنْ كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النّبيّ - ﷺ - ويسأله؛ أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النّبيّ - ﷺ - هل خرج أو لا؟!\nفالأولى أن يُحْمَلَ على عدم الاطلاع.\n_________\n(^١) \"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار\" (٧/ ٢٣٠ - ٢٣١) للشوكاني، طبعة مصطفى الحلبي، مصر.\n(^٢) (ص ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٣) هو الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الشّافعيّ، صاحب المصنفات؛ كـ \"السنن الكبرى\"، و\"الصغرى\"، و\"دلائل النبوة\"، و\"المبسوط\"، وغيرها، توفي في نيسابور سنة (٤٥٨ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، و\"الأعلام\" (١/ ١١٦).","vol":"1","page":300},{"text":"أمّا عمر؛ فيُحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثمَّ لما سمعها؛ لم يعد إلى الحلف المذكور.\nوأمّا جابر؛ فشهد حلفه عند النّبيّ - ﷺ -، فاستصحب ما كان اطَّلع عليه من عمر بحضرة النّبيّ - ﷺ -\" (^١)\nقلت: لكن جابر ﵁ كان من رواة حديث تميم؛ كما جاء في رواية أبي داود، حيث ذكر قصة الجساسة والدَّجال بنحو قصة تميم، ثمَّ قال ابن أبي سلمة (^٢): \"إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظتُه؛ قال (^٣): شهد جابر أنّه هو ابن صائد. قلت: فإنّه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنَّه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنَّه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة\" (^٤).\nفجابر ﵁ مصرٌّ على أن ابن صياد هو الدَّجّال، وان قيل:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(^٢) هو عمر بن أبي مسلمة بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريُّ قاضي المدينة، صدوق يخطئ، قتل بالشام سنة (١٣٢ هـ).\nانظر: \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٥٦).\n(^٣) القائل هو أبو سلمة بن عبد الرّحمن والد عمر.\nانظر: \"عون المعبود\" (١١/ ٤٧٧).\n(^٤) \"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب في خبر الجساسة، (١١/ ٤٧٦ - مع عون المعبود).\nقال ابن حجر على هذا الحديث: \"ابن أبي سلمة عمر فيه مقال، ولكنه حديث حسن، ويتعقب به على مَنْ زعم أن جابر لم يطلع على قصة تميم\".\n\"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٧).","vol":"1","page":301},{"text":"إنّه أسلم، ودخل المدينة، ومات.\nوقد تقدَّم أنّه صحَّ عن جابر ﵁ أنّه قال: \"فقدنا ابن صياد يوم الحرة\" (^١).\nوقال ابن حجر: \"أخرج أبو نُعيم الأصبهاني (^٢) في \"تاريخ أصبهان\" (^٣) ما يؤيِّد كون ابن صياد هو الدّجَّال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرّحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم؟ فقال: ملكنا الّذي نستفتح به على العرب يدخل، فبتُّ عنده على سطحٍ، فصلّيتُ الغداة، فلما طلعت الشّمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرتُ، فإذا رجلٌ عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرتُ، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتّى السّاعة\" (^٤).\nقال ابن حجر: \"ولا يلتئم خبر جابر هذا (أي: فقدهم لابن صياد يوم\n_________\n(^١) تقدّم تخريجه.\n(^٢) هو الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني، صاحب المصنفات الكبار؛ كـ \"حلية الأولياء\" وغيرها، كان من الثقات، ولد ومات في أصبهان سنة (٤٣٠ هـ) ﵀.\nانظر: \"شذرات الذهب\" (٣/ ٢٤٥)، و\"الأعلام\" (١/ ١٥٧).\n(^٣) ذكر أخبار أصبهان\" (ص ٢٨٧ - ٢٨٨) لأبي نُعيم، طبع في مدينة ليدن بمطبعة بريل، (١٩٣٤ م).\n(^٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، قال ابن حجر: \"عبد الرّحمن بن حسان ما عرفته والباقون ثقات\".","vol":"1","page":302},{"text":"الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرّحمن؛ لأنَّ فتح أصبهان كان في خلافة عمر؛ كما أخرجه أبو نعيم في \"تاريخها\"، وبين قتل عمر ووقعة الحرَّة نحو أربعين سنة.\nويمكن الحمل على أن القصة إنّما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: \"لما افتتحنا أصبهان\" محذوفًا تقديره: صرتُ أتعاهدها، وأتردَّد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتَّحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صياد\" (^١).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن \"أمر ابن صياد قد أشكل على بعض الصّحابة، فظنُّوه الدَّجّال، وتوقَّف فيه النّبيّ - ﷺ - حتّى تبيَّن له فيما بعد أنّه ليس هو الدَّجّال، وإنّما هو من جنس الكهَّان أصحاب الأحوال الشيطانية، ولذلك كان يذهب ليختبره\" (^٢).\nوقال ابن كثير: \"والمقصود أن ابن صياد ليس بالدَّجّال الّذي يخرج في آخر الزّمان قطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام\" (^٣).\nهذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صيَّاد، وهي -كما ترى- متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كلّ دليلُه.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨).\n(^٢) انظر: \"الفرقان بين أولياء الرّحمن وأولياء الشيطان\" (ص ٧٧)، الطبعة الثّانية، عام ١٣٧٥ هـ في مطابع الرياض.\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٧٠)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":303},{"text":"ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: \"أقرب ما يُجمع به بين ما تضمَّنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدَّجّال أن الدَّجّال بعينه هو الّذي شاهده تميم موثقًا، وأن ابن صياد شيطانٌ تبدَّى في سورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجّه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة الّتي قدَّر الله تعالى خروجه فيها، ولشدَّة التباس الأمر في ذلك؛ سلك البخاريّ مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صيّاد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ابن صيَّاد حقيقة لا خرافة:</span>\nزعم أبو عبية أن \"شخصية ابن صياد خرافة جازت على بعض العقول، فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول، والرسول عليه صلوات الله لا يصدر عنه من القول والفعل إِلَّا ما هو لُباب الحق ومُصاصه، ولقد آن الأوان لنأخذ بعين الاعتبار والجد روح الحديث ومعناه، ودلالته ومرماه؛ كما نأخذ سنده وطريقه؛ لتنجو مداركنا الإِسلامية من الشطط والغلط\" (^٢).\nهذا ما قاله الشّيخ أبو عبية في تعليقه على الأحاديث الواردة في ابن صيَّاد!!\nويُرَدُّ عليه بأن الأحاديث الواردة في ابن صياد صحيحة، جاءت بها\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٠٤)، تحقيق محمَّد أبو عبية.","vol":"1","page":304},{"text":"كتب السنة؛ كـ \"الصحيحين\"، وغيرهما، وليس في أحاديث ابن صيَّاد مخالفة لروح الحديث ولباب الحق، فابن صيَّاد -كما سبق- اشتبه أمره على المسلمين، وكان دجَّالًا من الدَّجاجلة، أظهر الله كذبه وباطله للرسول - ﷺ - والمسلمين.\nوأبو عبيَّة متناقض في كلامه، فنجده في بعض تعليقاته على أحاديث ابن صياد يقول: \"والحق أن ابن صياد قال كلمة بتراء لا معنى لها، على عادة الكهَّان، وأنّه لم يكن يعني شيئًا بكلمته، فهو مشعوذٌ أفّاك\" (^١).\nفكلامه هنا فيه اعترافٌ بأن ابن صياد مشعوذٌ أفّاك! فكيف يكون في وقت خرافة وفي وقت آخر رجلٌ مشعوذ؟!\nلا شك أن أبا عبية متناقض في كلامه.\nوالمتتبِّع لتعليقات الشّيخ أبي عبيَّة على كتاب \"النهاية/ الفتن والملاحم\" للحافظ ابن كثير يرى العجب، فقد أطلق أبو عبيَّة لعقله العنان فيما أورده ابن كثير من الأحاديث، فما رآه هو وقَبِلَه؛ فهو الحق، وما سوى. ذلك؛ أوَّله بتأويلات مخالفة لظاهر الأحاديث، أو حكم على الأحاديث الصحيحة بالوضع؛ بدون دليل ولا برهان على صحيح.\nيقول أبو عبيَّة على أحاديث ابن صيّاد: \"هل الطفل مكلَّف؟ وهل يبلغ اهتمام الرسول بهذا المزعوم أن يقف إليه ويسأله هذا السؤال؟ وهل من المعقول أن ينتظر حتّى يتلقى جوابه؟ وهل من المقبول أن يسمح له بهذا الجواب الكافر المدَّعي للنبُوَّة والرسالة؟ وهل يبعث الله أطفالًا؟ أسئلة\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٨٨).","vol":"1","page":305},{"text":"نسوقها إلى أولئك الذين يشلُّون عقولهم عن التفكير السديد الرشيد\" (^١).\nويُجاب عن كلام أبي عبية هذا بأنّه لم يقل أحدٌ: إن الطفل مكلَّف، ولا إن الله يبعث أطفالًا، وإنّما أراد النّبيّ - ﷺ - أن يطَّلع على أمر ابن صياد؛ أهو الدَّجّال حقيقة أم لا؟ لأنّه شاع في المدينة أنّه الدَّجّال الّذي حذَّر منه النّبيّ - ﷺ -، وكان لم يوحَ إليه في أمر ابن صياد شيئًا، فرأى رسول الله - ﷺ - أن ما يكشف دجله -وهو مميِّزٌ يعقل الخطّاب- أن يقول له: \"أتشهد أني رسول الله؟ \" ... إلى أن قال له: \"إنِّي قد خبأت لك خبيئًا؟ \" إلى غير ذلك من الأسئلة الّتي وجَّهها إليه رسول الله - ﷺ -.\nفليس المقصود بهذا الكلام تكليف ابن صيّاد بالإِسلام، وإنّما القصد إظهار حقيقة أمره، وإذا كان القصد ما ذكرنا؛ فلا غرابة أن يقف الرسول - ﷺ - ليرى جوابه، وقد ظهر من جوابه أنّه دجّال من الدَّجاجلة.\nوأيضًا؛ فإنّه ليس هناك أي مانع في أن يَعرض النبيُّ - ﷺ - الإسلام على الصغير؛ فإن البخاريّ ﵀ أورد قصة ابن صياد وترجم لها بقوله: \"باب كيف يُعْرَضُ الإسلام على الصبي\" (^٢).\nوأمّا كون النّبيّ - ﷺ - لم يعاقب ابن صياد مع ادِّعائه النبوَّة؛ فشبهة أثارها عدم اطلاع أبي عبية على أقوال العلماء في ذلك، وقد أجابوا عمَّا ذكره بأجوبة؛ منها:\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٠٤).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي، (٦/ ١٧١ - مع الفتح).","vol":"1","page":306},{"text":"١ - أن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة أوحلفائهم، وكان بينهم وبين النّبيّ - ﷺ - في تلك المدة عهدٌ ومهادنة، وذلك أن النّبيّ - ﷺ - عندما قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود، وصالحهم على أن لا يُهاجَوْا وأن يُتْرَكوا على دينهم.\nويؤيِّد هذا ما رواه الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ في ذكر قصة ذهاب النّبيّ - ﷺ - إلى ابن صياد ومقالته، وقول عمر ﵁: ائذن لي فأقتله يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن يكن هو؛ فلست صاحبه؛ إنّما صاحبه عيسى بن مريم ﵊، وإلا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد\" (^١).\nوإلى هذا الجواب ذهب الخطابي (^٢) والبغويِ (^٣).\n- وقال ابن حجر: \"هو المتعيِّن\" (^٤).\n٢ - أن ابن صيَّاد كان في ذلك الوقت صغيرًا، لم يبلغ الحلم.\nويؤِّيد هذا الجواب ما رواه البخاريّ عن ابن عمر ﵄ في قصة ذهاب النّبيّ - ﷺ - إلى ابن صياد، وفيها قوله: \"حتّى وجده يلعب مع الغلمان عند أُطُم بني مَغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم\" (^٥).\n_________\n(^١) \"الفتح الرِّبَاني\" (٢٤/ ٦٤ - ٦٥).\nقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣ - ٤).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٦/ ١٨٢).\n(^٣) \"شرح السنة\" (١٥/ ٨٠) تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n(^٤) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٤).\n(^٥) \"صحيح البخاريّ\"، (٦/ ١٧٢ - مع الفتح).","vol":"1","page":307},{"text":"واختار القاضي عياض لهذا الجواب (^١).\n٣ - وهناك جواب ثالث ذكره الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن صياد لم يصرِّح بدعوى النبوة، وإنّما أوهم أنّه يدَّعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوَّة؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣] (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-114> مكان خروج الدَّجّال:</span>\nيخرج الدجّال من جهة المشرق؛ من خراسان (^٣)، من يهودية أصبهان (^٤)، ثمَّ يسير في الأرض، فلا يترك بلدًا إِلَّا دخله؛ إِلَّا مكّة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما؛ لأنَّ الملائكة تحرسهما.\nففي حديث فاطمة بنت قيس السابق أن النّبيّ - ﷺ - قال في الدَّجّال: \"ألَّا إنّه في بحر الشّام، أو بحر اليمن، لا بل من قِبَل المشرق ما هو، من\n_________\n(^١) \"شرح النوويّ لمسلم\" (١٨/ ٤٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦/ ١٧٤).\n(^٣) (خراسان): بلاد واسعة في جهة المشرق، وتشتمل على عدة بلدان؛ منها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ، وما يتخلل ذلك من المدن دون نهر جيحون.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٢/ ٣٥٠).\n(^٤) (أصبهان): قال ياقوت: \"مدينة أصبهان بالموضع المعروف بـ (جي)، وهو الآن يعرف بـ (شهرستان)، وبـ (المدينة)، فلما سار بختنصر وأخذ بيت المقدس وسبى أهلها؛ حمل معه يهودها، وأنزلها أصبهان، فبنوا لهم في طرف مدينة جي محلة، ونزلوها، وسميت اليهودية ... فمدينة أصبهان اليوم هي اليهودية\".\n\"معجم البلدان\" (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":308},{"text":"قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق) \" (^١).\nوعن أبي بكر الصدِّيقِ ﵁؛ قال: حدّثنا رسول الله - ﷺ -؛ قال: \"الدَّجَّالُ يخرج من أرض بالمشرق؛ يُقالُ لها: خراسان\" (^٢).\nوعن أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج الدَّجَّال من يهودية أصبهان، معه سبعونٍ ألفًا من اليهود\" (^٣).\nقال ابن حجر: \"وأمّا من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا\" (^٤).\nوقال ابن كثير: \"فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية\" (^٥).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-115> الدَّجَّال لا يدخل مكّة والمدينة:</span>\nحرم على الدجَّال دخول مكّة والمدينة حين يخرج في آخر الزّمان؛ لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وأمّا ما سوى ذلك من البلدان؛ فإن الدّجَّال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.\nجاء في حديث فاطمة بنت قيس ﵂ أن الدَّجَّال قال:\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٨٣ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"جامع التّرمذيّ\"، باب ما جاء من أين يخرج الدجال؟ (٦/ ٤٩٥ - مع تحفة الأحوذي).\nقال الألباني: \"صحيح\". \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ١٥٠) (ح ٣٣٩٨).\n(^٣) \"الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد\" (٢٤/ ٧٣).\nقال ابن حجر: \"صحيح\". \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٢٨).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩١).\n(^٥) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٨)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":309},{"text":"\"فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إِلَّا هبطتُها في أربعين ليلة؛ غير مكّة وطيبة (^١)، فهما محرَّمتان على كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة - أو واحدًا- منهما؛ استقبلني مَلَك بيده السيف صلتًا يصدُّني عنها، وإن على كلّ نقبٍ منها ملائكة يحرسونها\" (^٢).\nوثبت أيضًا أن الدَّجَّال لا يدخل أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، والمسجد الأقصى.\nروى الإِمام أحمد عن جُنادة بن أبي أُميَّة الأزدي؛ قال: ذهبتُ أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فقلنا: حدّثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يذكر في الدجال ... (فذكر الحديث، وقال:) \"وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ فيها كلّ منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى\" (^٣).\nوأمّا ما ورد في الصحيحين (^٤) أن النّبيّ - ﷺ - رأى رجلًا، جعدًا،\n_________\n(^١) (طيبة): هي المدينة المنورة.\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصة الجساسة، (١٨/ ٨٣ - مع شرح النوويّ).\n(^٣) \"الفتح الرباني\" (٢٤/ ٧٦ - ترتيب الساعاتي).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٧/\n٣٤٣). وقال ابن حجر: \"رجاله ثقات\". \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٥).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب ذكر\nالمسيح ابن مريم -﵇- والمسيح الدجال، (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":310},{"text":"قططًا، أعور عين اليمنى، واضعًا يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فسأل عنه؟ فقالوا: إنّه المسيح الدَّجَّال. فيجاب عنه بأن منع الدّجَّال من دخول مكّة والمدينة إنّما يكون عند خروجه في آخر الزّمان. والله أعلم (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> أتباع الدَّجَّال:</span>\nأكثر أتباع الدَّجَّال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من النَّاس، غالبهم الإعراب والنساء.\nروى مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يتبع الدَّجَّال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطَّيالسة\" (^٢).\nوفي رواية للإِمام أحمد: \"سبعون ألفًا عليهم التَيجان\" (^٣).\nوجاء في حديث أبي بكر السابق: \"يتبعه أقوامٌ كأنَّ وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة\" (^٤).\nقاد ابن كثير: \"والظاهر -والله أعلم- أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدَّجّال\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ٢٣٤)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٤٨٨ - ٤٨٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في بقية من أحاديث الدَّجَّال، (١٨/ ٨٥ - ٨٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"الفتح الرِّبَا ني ترتيب المسند\" (٢٤/ ٧٣).\nوالحديث صحيح. انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٢٣٨).\n(^٤) رواه التّرمذيّ، ومر تخريجه (ص ٢٩١).\n(^٥) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١١٧) تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":311},{"text":"قلت: وكذلك بعض الأعاجم؛ كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة: \"لا تقوم السّاعة حتّى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجو، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، نعالهم الشعر\" (^١).\nوأمّا كون أكثر أتباعه من الإعراب؛ فلأن الجهل غالبٌ عليهم، ولما جاء في حديث أبي أُمامة الطويل قوله - ﷺ -: \"وإن من فتنته -أي: الدجَّال- أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثتُ لك أباك وأمَّك؛ أتشهد أنى ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثَلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بني! اتْبَعْهُ؛ فإنَّه ربُّك\" (^٢).\nوأمّا النِّساء؛ فحالهنَّ أشدُّ من حال الإعراب؛ لسرعة تأثُّرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"ينزل الدَّجَّال في هذه السبخة بمرقناة (^٣)، فيكون أكثر من يخرج إليه النِّساء، حتّى إن الرَّجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمَّته فيوثقها رباطًا؛ مخافة أن تخرج إليه\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٤ - فتح).\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\"، كتاب الفتن، باب فتنة الدَّجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣)، والحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٧) (ح ٧٧٥٢).\n(^٣) (مرقناة): واد بالمدينة يأتي من الطائف، ويمر بطرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد. انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٠١).\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٧/ ١٩٠) (ح ٥٣٥٣)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":312},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-117> فتنة الدَّجَّال:</span>\nفتنة الدَّجَّال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام السّاعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة الّتي تبهر العقول، وتحيِّر الألباب.\nفقد ورد أن معه جنَّةً ونارًا، وجنَّتُه نارٌ، ونارُه جنَةٌ، وأن معه أنّهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تُنْبِت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة؛ كسرعة الغيث استدبرته الريح ... إلى غير ذلك من الخوارق.\nوكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة:\nفمنها ما رواه الإِمام مسلم عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الدَّجَّالُ أعورُ العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنَّةٌ ونارٌ، فناره جنَّة، وجنَّتُه نارٌ\" (^١).\nولمسلم أيضًا عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لأنا أعلم بما مع الدَّجَّال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماءٌ أبيض، والآخر رأي العين نارٌ تأجَّج، فإمَّا أدركن أحدٌ؛ فليأت النهر الّذي يراه نارًا، وليغمض، ثمَّ ليطأطئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنَّه ماءٌ باردٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦٠ - ٦١ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦١ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":313},{"text":"وجاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ في ذكر الدَّجَّال أن الصّحابة قالوا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\". قالوا: وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السَّماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم (^١) أطول ما كانت ذَرًّا (^٢)، وأسبغه (^٣) ضروعًا، وأمده خواصر، ثمَّ يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحِلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^٤)، ثمَّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رميةَ الغرض، ثمَّ يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك\" (^٥).\n_________\n(^١) (سارحتهم): السارحة هي الماشية.\n(^٢) (ذرا): بضم الذال المعجمة وهي الأعالي والأسنمة.\n(^٣) (أسبغة): بالسين المهملة والغين المعجمة؛ أي: أطوله لكثرة اللبن، وكذا أمده خواصر لكثرة امتلائها من الشبع.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٦).\n(^٤) (يعاسيب النحل): هي ذكور النحل.\nوقال القاضي عياض: \"أي: جماعاتها، وأصل اليعسوب أمير النحل، ويسمى كلّ سيد يعسوبًا، وإذا طار أمير النحل؛ اتبعته جماعاتها\".\n\"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٠٥) للقاضي عياض، طبع دار التراث، القاهرة، وانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٧).\n(^٥) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٥ - ٦٦ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":314},{"text":"وجاء في رواية البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ أن هذا الرَّجل الّذي يقتله الدجَّال من خيار النَّاس، أو خير النَّاس؛ يخرج إلى الدجال من مدينة رسول الله - ﷺ -، فيقول للدَّجَّال: \"أشهد أنك الدَّجَّال الّذي حدَّثنا رسول الله - ﷺ - حديثه. فيقول الدَّجَّال: أرأيتُم إن قتلتُ هذا ثمّ أحييتُه؛ هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله، ثمَّ يحييه، فيقول (أي: الرَّجل): والله ما كنتُ فيك أشدُّ بصيرة مني اليوم، فيريد الدَّجَّال أن يقتله، فلا يسلَّط عليه\" (^١).\nوسبق ذكر رواية ابن ماجه عن أبي أُمامة الباهلي ﵁ ... (وفيها قول النّبيّ - ﷺ - في الدَّجَّال: \"إن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إن بعثتُ لك أباك وأمَّكَ؛ أتشهد أني ربُّك؟ فيقول: نعم. فيتمَثَّلُ له شيطانان في سورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بن! اتبعه؛ فإنَّه ربُّك\" (^٢).\nنسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-118> الرَّدِّ على منكري ظهور الدَّجَّال:</span>\nما تقدَّم من الأحاديث يدلُّ على تواتر خروج الدَّجَّال في آخر الزّمان، وأنّه شخصٌ حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.\nوقد ذهب الشّيخ محمَّد عبده إلى أن الدَّجَّال رمز للخرافات والدَّجَل والقبائح (^٣)، وتبعه الشّيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدَّجَّال رمز لاستشراء\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (١٣/ ١٠١ - مع الفتح).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) انظر: \"تفسير المنار\" (٣/ ٣١٧).","vol":"1","page":315},{"text":"الباطل، وليس رجلًا من بني آدم، ولهذا التّأويل صرفٌ للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينةٍ!!\nوإليك ما قاله الشّيخ أبو عبيَّة في تعليقه على أحاديث الدَّجَّال؛ قال: \"اختلاف ما رُوِي من الأحاديث في مكان ظهور الدَّجَّال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صيّاد أم غيره؟ يشير إلى أن المقصود بالدَّجَّال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولة جبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسَّر له من وسائل التمكُّن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفىء جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراءِ: ٨١] \" (^١).\nويقول أيضًا: \"أليس الأولى أن يُفْهَم من الدَّجَّال أنّه رمز الشر والبهتان والإِفك ... \" إلخ (^٢).\nونرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدَّجَّال رجل بعينه، وليس هناك ما يدلُّ على أنَّه رمز للخرافات والدَّجَل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، فبيَّنت أن أول ما يخرج الدَّجّال من أصبهان من جهة خراسان -وكلها في جهة المشرق-، وبيَّنتُ ما قيل عن ابن صياد هل هو الدَّجَّال أم غيره؟ وذكرتُ أقوال العلماء في ذلك.\nوإذا تبيَّنَ لهذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب؛ لا من حيث مكان\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١١٨ - ١١٩)، تحقيق الشّيخ محمَّد فهيم أبو عبية.\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":316},{"text":"خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته الّتي نبَّهَت عليها الأحاديث، والتي تدلُّ دون ارتكاب تجوُّز لا داعي له على أنّه شخصٌ حقيقة.\nوأيضًا؛ فأبو عبية متناقضٌ في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدَّجّال في كتاب \"الفتن والملاحم\" لابن كثير؛ فإنَّه يعلَّق على قول النّبيّ - ﷺ -: \"إنّه مكتوبٌ بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه مَنْ كره عمله، أو يقرؤه كلّ مؤمن\". وقوله: \"تعلَّموا أنّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتّى يموت\".\nيقول أبو عبية: \"وهذا يقرِّر كذب الدَّجّال في دعواه الرُّبوبية قبَّحَهُ الله، وأتمَّ عليه غضبه ولعنه\" (^١).\nفهو هنا يرى أن الدَّجَّال إنسان حقيقة، يَدَّعي الرُّبوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجّال على الحقيقة، وإنّما هو رمزٌ للشَّرِّ والفتنة!!\nولا شك أن هذا تناقضٌ واضحٌ منه.\nوأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدَّجّال قوله - ﷺ -: \"إنّه سيكون من بعدكم قومٌ يكذِّبون بالرجم، وبالدَّجّال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النّار بعد ما امتحشوا\" (^٢).\nوسيأتي في الكلام على خوارق الدَّجَّال، والأمر بالتعوُّذ من فتنته،\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٨٩).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٢٣) (ح ١٥٧)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":317},{"text":"والإِخبار عن هلاكه، ما يدلُّ دِلالة قاطعة على أنّه شخصٌ بعينه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-119> خوارق الدَّجّال أمورٌ حقيقة:</span>\nمضى ذكر بعض الخوارق الّتي تكون مع الدَّجّال في الكلام على فتنته، ولهذه الخوارق حقيقية، وليست بخيالات وتمويهات؛ كما ادَّعى ذلك بعض العلماء:\nفقد نقل ابن كثير عن ابن حزم والطحاوي أنّهما يقولان بأن ما مع الدجَّال ليس له حقيقة.\nوكذلك نقل عن أبي عليٍّ الجبائي (^١) شيخ المعتزلة قوله: \"لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يُشبَّه خارق الساحر بخارق النّبيّ\" (^٢).\nثمَّ جاء من بعدهم الشّيخ رشيد رضا، فأنكر أن يكون مع الدَّجّال خوارق، وزعم أن ذلك مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، فقال في الكلام على أحاديث الدَّجَّال: \"ما ذُكِرَ فيها من الخوارق تضاهي أكبر الآيات الّتي أيَّد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعدُّ شبهة عليها؛ كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم، ومن المعلوم أن الله ما آتاهُم هذه الآيات إِلَّا لهداية خلقه الّتي هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدَّجّال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟! فإن من تلك الروايات أنّه يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا\n_________\n(^١) هو محمَّد بن عبد الوهّاب بن سلام البصري، توفي سنة (٣٠٣ هـ).\nانظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٤١)، و\"الأعلام\" (٦/ ٢٥٦).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٠)، تحقيق د - طه الزيني.","vol":"1","page":318},{"text":"إِلَّا مكّة والمدينة\" ...\nإلى أن قال: \"إن ما عُزِيَ إليه من الخوارق مخالفٌ لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصموص القرآن القطعية أنّه لا تبديل لسنَّته تعالى ولا تحويل، ولهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها\" (^١).\nواستشهد على تعارُض أحاديث الدَّجّال بأنّه ورد في بعض الروايات -كما سبق- أن معه جبال الخبز وأنّهار الماء والعسل، وأن معه جنة ونارًا ... إلى غير ذلك، ولهذا يتعارض مع الحديث الّذي في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة؛ قال: ما سأل أحدٌ النبيَّ - ﷺ - عن الدَّجّال ما سألتُه، وإنه قال لي: \"ما يضرُّك منه؟ قلتُ: لأنّهم يقولون إن معه جبلُ خبزٍ، ونهرُ ماء. قال: بل هو أهون على الله من ذلك\" (^٢).\nوممَّن أنكر خوارق الدجِّال أبو عبية، فقد قال في تعليقه على الأحاديث الواردة في ذلك: \"هل يقف أمام هذه الفتنة العظيمة الكثرة الكاثرة من النَّاس؟! يميت ثمَّ يحيي على ملأ ومسمع من البشر، ثمَّ يكب الله العباد في جهنَّم لأنّهم افتتنوا به!! إن الله ﷿ ألطف بعباده وأرحم لهم من أن يسلِّط عليهم مثل هذا البلاء، الّذي لا يستطيع الوقوف له إِلَّا مَنْ رُزِقَ حظًّا غير محدود من ثبات الإِيمان وقوَّة العقيدة، وإن الدَّجَّال -أي\n_________\n(^١) \"تفسير المناوي\" (٩/ ٤٩٠).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٣/ ٨٩ - مع شرح الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٧٤ - مع شرح النوويّ).","vol":"1","page":319},{"text":"دجال - أهون على الله من أن يسلِّطه على خلقه، ويمدَّه بهذه الأسلحة الخطيرة الفتاكة المزلزِلة للعقيدة وللدين في قلوب أكثر العالمين\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>والرد على هؤلاء يتلخَّص في الآتي:</span>\n١ - أن الأحاديث الواردة في ذكر خوارق الدَّجَّال ثابتة وصحيحة، لا يجوز ردُّها أو تأويلها؛ لما ذُكر من شبه، وليس فيها اضطراب، ولا بينها تعارُض.\nوما استشهد به رشيد رضا من أن حديث المغيرة الّذي في الصحيحين يعارض أحاديث الدَّجَّال، فيجاب عنه بأن معنى قول النّبيّ - ﷺ -: \"هو أهون على الله من ذلك\"؛ أي: أهون من أن يجعل ما يخلقه على يدي الدَّجّال من الخوارق مضلًّا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوب المؤمنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الّذي في قلوبهم مرضٌ، فهو مثل قول الّذي يقتله الدَّجَّال: \"ما كنتُ أشدَّ بصيرةً مني فيك اليوم\"، وليس المراد من قوله: \"هو أهون على الله من ذلك\" أنّه ليس شيءٌ من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعلَ شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة تدلُّ على كذبه وكفره، يقرؤها كلّ مسلم كاتب وغير كاتب، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه (^٢)؛ كما مر في الكلام على صفته.\n٢ - لو سلمنا أن الحديث على ظاهره؛ فيكون قول النّبيّ - ﷺ - له ذلك\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١١٨)، تحقيق محمَّد أبو عبية.\n(^٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٨/ ٧٤)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ٩٣).","vol":"1","page":320},{"text":"قبل أن ينزل على النّبيّ - ﷺ - بيان ما معه من الخوارق؛ بدليل قول المغيرة للنبيﷺ -: \"يقولون: إن معه ... \"، ولم يقل للنبيﷺ -: إنك قلت فيه كذا وكذا. ثمَّ جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدَّجَّال من الخوارق والآيات، فلا منافاة بين حديث المغيرة وأحاديث الدَّجَّال.\n٣ - إن خوارق الدَّجّال حقيقية، وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور الّتي أقدره الله عليها فتنةً وابتلاءً للعباد، والدَّجَّال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء؛ لأنّه لم يثبت أنّه يدعي النبوَّة حال ظهور الخوارق على يديه، بل يكون ظهور الخوارق عند ادِّعائه الرُّبوبية (^١).\n٤ - إن استبعاد رشيد رضا لما رُوي من أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا؛ إِلَّا مكّة والمدينة: ليس عليه دليل، بل جاء الدّليل بخلافه؛ فإنَّه ورد في رواية مسلم أن بعض أيّام الدَّجَّال يكون قدر سنة، وبعضها قدر شهر، وبعضها قدر أسبوع ... كما سبق ذكر ذلك (^٢).\n٥ - أن ما يُعْطاهُ الدَّجَّال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا لو أجرينا كلام رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء؛ لأنّها مخالفة لسنن الله الكونية، وما يُقال في خوارق الأنبياء وأنّها ليست مخالفة لسنن الله تعالى يقال في الخوارق الّتي يُعطاها الدَّجَّال على سبيل الفتنة والامتحان والابتلاء.\n٦ - لو سلَّمنا أن خوارق الدَّجَّال مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٥).\n(^٢) انظر (ص ٢٩٨).","vol":"1","page":321},{"text":"نقول: إن زمن الدَّجَّال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذِنة بخراب العالم وزوال الدُّنيا وقرب السّاعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله؛ فلا يُقال: إن الله ألطف بعباده أن يفتنهم بخوارقه، فهو اللطيف الخبير، ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي العباد به، وقد أنذرهم وحذَّرهم منه.\nوبعد هذا؛ فأرى من المناسب هنا أن أنقل طائفة من كلام العلماء الأعلام في إثبات خوارق الدَّجَّال، وأنّها حقيقة جعلها الله فتنة وامتحانًا للعباد:\nقال القاضي عياض ﵀: \" هذه الأحاديث الّتي ذكرها مسلمٌ وغيرُه في قصَّة الدَّجّال حجَّة لمذهب أهل الحق في صحَّة وجوده، وأنّه شخصٌ بعينه، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميِّت الّذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السَّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنتب، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثمَّ يُعجِزُه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرَّجل ولا غيره، ويُبْطِل أمره، ويقتله عيسى - ﷺ -، ويثبِّت الله الذين آمنوا.\nهذا مذهب أهل السنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنُظار؛ خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهميَّة وبعض المعتزلة ... وغيرهم في أنّه صحيح الوجود، ولكن الّذي يدَّعى مخاوف وخيالات لا حقائق لها، وزعمو أنّه لو كان حقًّا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.","vol":"1","page":322},{"text":"وهذا غلطٌ من جميعهم؛ لأنّه لم يدَّع النبوَّة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنّما يدَّعي الإِلهيَّة، وهو في نفس دعواه مكذِّبٌ لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الّذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه.\nولهذه الدَّلائل وغيرها لا يغترُّ به إِلَّا رعاع من النَّاس؛ لسد الحاجة والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقيَّة، أو خوفًا من أذاه؛ لأنّه فتنة عظيمة؛ تدهش العقول، وتحيِّر الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأمَّل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدِّقه من صدَّقه في هذه الحالة.\nولهذا حذَّرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنتّه، ونبَّهوا على نقصه ودلائل إبطاله.\nوأمّا أهل التوفيق؛ فلا يغترُّون به، ولا يُخْدَعون لما معه؛ لما ذكرناه من الدَّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الّذي يقتله ثمَّ يحييه: ما ازددت فيك إِلَّا بصيرة\" (^١).\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"إن الدّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهَدَة في زمانه كما تقدّم أن من استجاب له يأمر السَّماء فتمطرهم، والأرض فتنبت لهم زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع إليهم مواشيهم سمانًا لبنًا، ومن لا يستجيب له، ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السَّنَة والجَدْب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال\n_________\n(^١) \"شرح النوويّ لمسلم\" (١٨/ ٥٨ - ٥٩)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":323},{"text":"والأنفس والثمرات، وأنّه يتبعه كنوز كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثمَّ يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزّمان، فيضلُّ به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا\" (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"وفي الدَّجَّال مع ذلك دلالة بيِّنة لمن عقل على كذبه؛ لأنّه ذو أجزاء مؤلَّفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عَور عينيه، فإذا دعا النَّاس إلى أنّه ربهم: فأسوأ حال من يراه من ذوي العقول أن يعلم أنّه لم يكن لِيُسَوِّي خلق غيره ويَعْدِله ويُحْسِنه ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنّه خالق السَّماء والأرض! صوِّر نفسك وعدِّلْها وأزل عنها العاهة، فإن زعمتَ أن الرَّبَّ لا يُحدث في نفسه شيئًا؛ فأزل ما هو مكتوب بين عينيك\" (^٢).\nوقال ابن العربي (^٣): \"الّذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات؛ من إنزال المطر والخصب على مَنْ يصدقه، والجدب على مَنْ يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنَّة ونار ومياه تجري؛ كلّ ذلك محنة من الله، واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقَن، وذلك كله أمر مخوفٌ، ولهذا\n_________\n(^١) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢١)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٣).\n(^٣) هو أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد المعافري الإشبيلي المالكي، صاحب المصنفات؛ كـ\"أحكام القرآن\"، وغيرها، توفي بالقرب من فاس بالمغرب، ودُفن بها سنة (٥٤٣ هـ) ﵀. انظر: \"الأعلام\" (٦/ ٢٣٠).","vol":"1","page":324},{"text":"قال - ﷺ -: لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-121> الوقاية من فتنة الدَّجَّال:</span>\nأرشد النّبيّ - ﷺ - أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمَّته على المحجَّة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إِلَّا هالك، فلم يدع - ﷺ - خيرًا إِلَّا دلَّ أمَّته عليه، ولا شرًّا إِلَّا حذَّرها منه، ومن جملة ما حذَّر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنّها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السّاعة، وكان كلّ نبيٍّ ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمَّدٌ - ﷺ - بزيادة التَّحذير والإِنذار، وقد بيَّن الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنَّه خارجُ في هذه الأمة لا محالة؛ لأنّها آخر الأمم، ومحمَّدٌ - ﷺ - خاتم النبيِّين.\nوهذه بعض الإِرشادات النبويَّة الّتي أرشد إليها المصطفى - ﷺ - وأمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة الّتي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:\n١ - التمسُّك بالإِسلام، والتسلّح بسلاح الإِيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته الحسنى الّتي لا يشاركه فيها أحدٌ، فيعلم أنَّ الدَّجَّال بشرٌ يأكل ويشرب، وأن الله تعالى منزَّه عن ذلك، وأن الدَّجَّال أعور، والله ليس بأعور، وأنّه لا أحد يرى ربه حتّى يموت، والدَّجَّال يراه النَّاس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.\n٢ - التعوُّذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصّلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة:\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٣).","vol":"1","page":325},{"text":"فمنها ما رواه الشيحان والنسائيُّ عن عائشة زوج النّبيّ - ﷺ -: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو في الصّلاة: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال ... الحديث\" (^١).\nوروى البخاريّ عن مُصْعَب (^٢)؛ قال: كان سعدٌ يأمر بخمس ويذكرهنَّ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان يأمر بهن ... (منها:) \"وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال) \" (^٣).\n\"وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم الفتن الواقعة في الدُّنيا\" (^٤).\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا تشهَّد أحدُكُم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ فتنة المسيح الدَّجَّال\" (^٥).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأذان، باب الدُّعاء قبل السّلام، (٢/ ٣١٧ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) هو مُصْعَب بن سعد بن أبي وقّاص. انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٥).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الدعوات، باب التعوذ من عذاب القبر، (١١/ ١٧٤ - مع الفتح).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١١/ ١٧٩).\n(^٥) \"صحيح مسلم\"، كتاب المساجد ومواضع الصّلاة، باب التعوُّذ من عذاب القبر وعذاب جهنم، (٥/ ٨٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":326},{"text":"وكان الإِمام طاوس (^١) يأمر ابنه بإعادة الصّلاة إذا لم يقرأ بهذا الدُّعاء في صلاته (^٢).\nوهذا دليلٌ على حرص السلف على تعليم أبنائهم لهذا الدُّعاء العظيم.\nقال السفاريني: \"ممّا ينبغي لكل عالم أن يبثَّ أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرجال ... وقد ورد أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر (^٣) \".\nإلى أن قال: \"ولا سيما في زماننا هذا الّذي اشرأبَّت فيه الفتن، وكَثُرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرعٌ يُتَّبع، ولا حول ولا قوَّة إِلَّا بالله العلّي العظيم\" (^٤).\n_________\n(^١) هو الإِمام طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرّحمن، من كبار التابعين، أدرك خمسين من الصّحابة، وحج أربعين حجة، وكان مستجاب الدّعوة، قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاوس في زمانه، والثوري في زمانه. توفي سنة ست ومئة ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٨ - ١٠).\n(^٢) انظر: \"صحيح مسلم\"، كتاب المساجد، باب التعوذ من عذاب القبر، (٥/ ٨٩ - مع شرح النووي).\n(^٣) ورد في ذلك حديث صححه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" عن الصعب بن جثامة؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يخرج الدجال حتّى يذهل النَّاس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر\".\nانظر: \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائدة (٧/ ٣٣٥).\n(^٤) \"لوامع الأنوار البهية\" (٢/ ١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":327},{"text":"٣ - حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النّبيّ - ﷺ - بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.\nومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النوَّاس بن سمعان الطويل ... (وفيه قوله - ﷺ -:) \"من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف\" (^١).\nوروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عُصِمَ من الدَّجال\"؛ أي: من فتنته.\nقال مسلم: \"قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف\" (^٢).\nقال النوويّ: \"سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمَن تدبَّرَها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] \" (^٣).\nوهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجَّال، (١٨/ ٦٥ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، (٦/ ٩٢ - ٩٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"شرح النووي لمسلم\" (٦/ ٩٣).","vol":"1","page":328},{"text":"روى الحاكم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين\" (^١).\nولا شكَّ أن سورة الكهف لها شأنٌ عظيمٌ، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسدِّ العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصُّور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنّهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.\nفينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في خير يوم طلعت عليه الشّمس، وهو يوم الجمعة.\n٤ - الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكّة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة الّتي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنّه يأتيه الرَّجل وهو يظن في نفسه الإِيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.\n_________\n(^١) \"مستدرك الحاكم\" (٢/ ٣٦٨)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه\".\nوقال الذهبي: \"نعيم (أي: ابن حماد) ذو مناكير\".\nوقال الألباني: \"صحيح\". \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٣٤٠) (ح ٦٣٤٦).","vol":"1","page":329},{"text":"روى الإِمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدَّهماء (^١)؛ قال: سمعتُ عمران بن حُصين يحدِّث، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأَ عنه، فوالله إن الرَّجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن، فيتبعه ممّا يبعث به من الشُّبهات، أو لما يبعث به من الشبهات\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-122> ذكر الدَّجَّال في القرآن:</span>\nتساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصّلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة، منها:\n١ - أنّه مذكورٌ ضمن الآيات الّتي ذُكِرَت في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nوهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.\n_________\n(^١) هو قرفة بن بهيس العدوي البصري، تابعي، ثقة، روى عن بعض الصّحابة؛ كعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وغيرهما.\nانظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٦٩).\n(^٢) \"الفتح الرِّبَاني\" (٢٤/ ٧٤)، و\"سنن أبي داود\" (١١/ ٢٤٢ - مع عون المعبود)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٥٣١).\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإِسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه\"، وسكت عنه الذهبي.\nوالحديث صححه الألباني. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٣٠٣) (ح ٦١٧٧).","vol":"1","page":330},{"text":"فقد روى مسلمٌ والترمذي عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكنْ آمنت من قبلُ أوكسبت في إيمانِها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض\" (^١).\n٢ - أن القرآن ذكر نزول عيسى -﵇-، وعيسى هو الّذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح الهُدى عن ذكر مسيح الضَّلالة، وعادة العرب أنّها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.\n٣ - أنّه مذكورٌ في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.\nقال أبو العالية (^٢): \"أيَ أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود\" (^٣).\nقال ابن حجر: \"وهذا -إن ثبت- أحسن الأجوبة، فيكون من جملة ما تكفَّل النّبيّ - ﷺ - ببيانه، والعلّم عند الله\" (^٤).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - مع الفتح)، و\"جامع التّرمذيّ في تحفة الأحوذي\" (٨/ ٤٤٩).\n(^٢) هو رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري من كبار التابعين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النّبيّ - ﷺ -، وروى عن كثير من الصّحابة ﵃، وتوفي سنة (٩٠ هـ).\nانظر ترجمته في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣٢٥).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩٢).","vol":"1","page":331},{"text":"٤ - أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنّه؛ لأنّه يدَّعي الرُّبوبية وهو بشرٌ ينافي حاله جلال الرَّبَّ وعظمته وكماله وكبرياءه وتنزُّهه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يُذْكَرَ، ومع هذا حذَّرت الأنبياء منه، وبيَّنت خطره وفتنته، كما سبق أن كلّ نبيٍّ أنذر أمته منه، وحذَّرها من فتنته.\nفإن اعتُرِض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادَّعى الرُّبوبية والألوهيَّة، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذُكِر عبرة للناس وعظمة، وأمّا أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزّمان، فتُرِك ذكره امتحانًا به، مع أن ادِّعاءه الرُّبوبية أظهر من أن يُنَبَّهَ على بطلانه؛ لأنَّ الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذَّم، أحقر وأصغر من المقام الّذي يدَّعيه، فترك الله ذكره؛ لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إِلَّا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الّذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: \"والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم\" (^١).\nوقد يُترَك ذكرُ الشيء لوضوحه؛ كما ترك النّبيّ - ﷺ - في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصدِّيق ﵁ لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصّحابة ﵃، ولذلك قال النّبيّ - ﷺ -: \"يأبى الله والمؤمنون إِلَّا أبا بكر\" (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة، (١٣/ ١٠١ - مع الفتح).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفضائل، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، (١٥/ ١٥٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":332},{"text":"وذكر ابن حجر -﵀- أن السؤال عن عدم ذكر الدَّجَّال في القرآن لا يزال واردًا؛ لأنَّ الله تعالى ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن، وفتنتهم قريبة من فتنة الدَّجَّال (^١).\nهذا؛ ولعلّ الجواب الأوّل هو الأقرب، والله أعلم، فيكون الدَّجَّال قد ذُكِرَ ضمن بعض الآيات، ويكون النّبيّ - ﷺ - تكفَّل ببيان ذلك المجمل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-123> هلاك الدَّجَّال:</span>\nيكون هلاك الدَّجَّال على يدي المسيح عيسى بن مريم ﵇؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أنَّ الدَّجَّال يظهر على الأرض كلِّها إِلَّا مكّة والمدينة، ويكثر أتباعه، وتعمُّ فتنتّه، ولا ينجو منها إِلَّا قلَّة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم -﵇- على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حولَه عبادُ الله المؤمنون، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدَّجَّال، ويكون الدَّجَّال عند نزول عيسى متوجِّهًا نحو بيت المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لد) (^٢)، فإذا رآه الدَّجَّال؛ ذاب كما يذوب الملح، فيقول له عيسى -﵇-: \"إن لي فيك ضربة لن تفوتني\"، فيتدراكه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتّى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهوديٌ خلفي، تعال فاقتله؛ إِلَّا الغرقد؛ فإنّه من شجر اليهود (^٣).\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩١ - ٩٢ - مع الفتح).\n(^٢) (لد): بلدة في فلسطين قرب بيت المقدس.\nانظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ١٥).\n(^٣) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":333},{"text":"وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدَّجَّال وأتباعه:\nروى مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج الدَّجَّال في أمَّتي ... (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه\" (^١).\nوروى الإِمام أحمد والترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري ﵁؛ يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يقتل ابنُ مريم الدَّجَّالَ بباب لد\" (^٢).\nوروى مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ حديثًا طويلًا عن الدَّجَّال ... (وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدَّجَّال، وفيه قوله - ﷺ -:) \"فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتّى يدركه بباب لد، فيقتله\" (^٣).\nوروى الإِمام أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يخرج الدَّجَّال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ... (فذكر الحديث، وفيه:) ثمَّ ينزل عيسى بن مريم، فينادي من السَّحَر، فيقول: أيها النَّاس! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذَّاب الخبيث.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدَّجَّال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ مع شرح النووي).\n(^٢) \"الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد\" (٢٤/ ٨٣)، والترمذي (٦/ ٥١٣ - ٥١٤ - مع تحفة الأحوذي).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":334},{"text":"فيقولون: لهذا رجلٌ جنيٌّ. فينطلقون، فإذا هم بعيسى بن مريم - ﷺ -، فتقام الصّلاة، فيُقال له: تقدَّم يا روح الله! فيقول: ليتقدَّم إمامُكُم، فليصلِّ بكم، فإذا صلَّى صلاة الصُّبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب ينماث (^١) كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتّى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهوديٌّ، فلا يَتْرُك ممّن كان يتبعه أحدًا إِلَّا قتله\" (^٢).\nوبقتله -لعنه الله- تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شرِّه وشرِّ أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم -﵇- وأتباعه المؤمنين، ولله الحمد والمنة.\n* * * * *\n_________\n(^١) (ماث الشيء ميثًا)؛ أي: مرسه. وماث الملح في الماء؛ أي: أذابه. انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ١٩٢).\n(^٢) \" الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد\" (٢٤/ ٨٥ - ٨٦).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصّحيح\". انظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٤٤).","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الفصل الثّالث: نزول عيسى -﵇</span>-\nقبل أن نتحدَّث عن نزول عيسى بن مريم -﵇- يحْسن بنا أن نتعرَّف على صفته الّتي وردت بها النّصوص الشرعية ...\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-125> صفة عيسى -﵇</span>-.\nصفته الّتي جاءت بها الروايات أنَّه رجلٌ، مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعدٌ، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس -أي: حمَّام- له لمة (^١) قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه.\nالأحاديث الواردة في ذلك:\nمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليلة أسري بي لقيتُ موسى ... (فنعتَهُ إلى أن قال:) ولقيتُ عيسى ... (فنعته فقال:) ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس (يعني:\n_________\n(^١) (اللمة)؛ بكسر اللام: شعر الرّأس. يقال له إذا جاوز شحمة الأُذُنَين: لمة. وإذا زاد عن ذلك فهو: جمة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ٢٧٣).","vol":"1","page":337},{"text":"الحمام) \" (^١).\nوروى البخاريّ عن ابن عبّاس ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم، فأمّا عيسى؛ فأحمر جعدٌ عريضُ الصَّدر\" (^٢).\nوروى مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لقد رأيتَني في الحجر وقريشٌ تسألني ... (فذكر الحديث، وفيه:) وإذا عيسى بن مريم -﵇- قائمٌ يصلّي، أقرب النَّاس به شبهًا عروة ابن مسعود الثقفي (^٣) \".\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦]، (٦/ ٧٦ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، باب الإِسراء برسول الله - ﷺوفرض الصلوات، (٢/ ٢٣٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب آحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح).\n(^٣) هو الصحابي الجليل أبو مسعود عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي ﵁، أسلم بعد انصراف النّبيّ - ﷺ - من الطائف، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية، وكان رجلًا محببًا مطاعًا في قومه أهل الطائف، فلما دعاهم إلى الإسلام؛ قتلوه، ولما أصابه سهم منهم؛ قيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إِلَّا ما في الشهداء الذين قُتِلوا رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، فقال فيه النّبيّ - ﷺ -: \"مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله، فقتلوه\".\nوقيل: إنّه المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].\nانفر: \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\" (٣/ ١٠٦٦ - ١٠٦٧) تحقيق علي البجاوي لابن عبد البرّ، و\"الإصابة في تمييز الصّحابة\" (٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨) لابن حجر، =","vol":"1","page":338},{"text":"وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم (^١) كأحسن ما أنت راءٍ من أدم الرجال، له لِمَّةٌ كأحسن ما أنت راء من اللِّمم، قد رجَّلها، فهي تقطر ماء، متَّكئًا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: مَنْ هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم\" (^٢).\nوفي رواية للبخاري عن ابن عمر؛ قال: \"لا والله؛ ما قال النّبيّ - ﷺ - لعيسى أحمر، ولكن قال: (فذكر تمام الحديث بنحو الرِّواية السابقة) \" (^٣).\nوفي رواية لمسلم عنه ﵁؛ قال - ﷺ-: \"فإذا رجُلٌ آدَمُ ... (إلى أن قال:) رَجِلُ الشَّعر\" (^٤).\nوالجمع بين هذه الروايات من كونه في بعضها أحمر، وبعضها آدم، وما جاء أنّه سبط الشعر، وفي بعضها بأنّه جعد:\n_________\n= و\"تجريد أسماء الصّحابة\" (١/ ٣٨٠) للذهبي.\nوالحديث في \"صحيح مسلم\"، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇-، (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ - مع شرح النووي).\n(^١) (آدم): الآدم هو الأسمر الشديد السمرة، وقيل: هو من أئمة الأرض؛ أي: لونها، وبه سمي آدم -﵇-.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٣٢).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، (٦/ ٤٧٧ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، باب ذكر المسيح ابن مريم -﵇-، (٢/ ٢٣٣ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\" (٦/ ٤٧٧).\n(^٤) \"صحيح مسلم\" (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":339},{"text":"إنّه لا منافاة بين الحُمرة والأدْمَة؛ لجواز أن تكون أُدمته صافية (^١).\nوأمّا ما جاء من إنكار ابن عمر لرواية أن عيسى أحمر؛ فهو مخالفٌ لما حفظه غيره، فقد روى أبو هريرة وابن عبّاس ﵄ أنّه ﵇ أحمر اللون.\nوأمّا كونه في رواية سبط الشعر، وفي أخرى أنّه جعدٌ، والجعد ضد السبط، فيمكن أن يجمع بينهما بأنّه سبط الشعر، وأمّا وصفه بأنّه جعدٌ؛ فالمراد بذلك جعودةٌ في جسمه لا شعره، وهو اجتماع اللّحم واكتنازه (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-126> صفة نزوله -﵇</span>-:\nبعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشّام، وعليه مهرودتان (^٣)، واضعًا كفَّيْهِ على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّر منه جمانٌ كاللؤلؤ، ولا يَحِلُّ لكافرٍ يجِدُ ريح نَفَسه إِلَّا مات، ونَفَسَهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه.\nويكون نزوله على الطائفة المنصورة، الّتي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصّلاة، يصلّي خلف أمير\n_________\n(^١) \"الإشاعة\" (ص ١٤٣).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨٦).\n(^٣) (مهرودتان): روي بالدال المهملة والذال المعجمة، والمهملة أكثر، والمعنى: لابس مهرودتين؛ أي ثوبين مصبوغين بورس ثمَّ زعفران.\nانظر: \"شرح النوويّ لمسلم\" (١٨/ ٦٧)، و\"لسان العرب\" (٣/ ٤٣٥)، و\"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٢٥٨).","vol":"1","page":340},{"text":"تلك الطائفة.\nقال ابن كثير: \"هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنّه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيت في بعض الكتب أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعلّ هذا هو المحفوظ ... وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى الّتي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقيه، وهذا هو الإنسب والأبيق؛ لأنّه ينزل وقد أُقيمت الصّلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله! تقدَّم. فيقول: تقدَّم أنت؛ فإنّه أُقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة (^١) \" (^٢).\nوذكر ابن كثير أنّه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الّذي حرقوا المنارة الّتي كانت مكأنّها، ولعلَّ هذا يكون من دلائل النبوَّة الظاهرة، حيث قيَّض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصلّيب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قُتِل، وكذلك غيرهم من الكفار (^٣).\nففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثمَّ نزول عيسى -﵇- قال - ﷺ -: \"إذا بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبيّنا محمّد - ﷺ -، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٤ - ١٤٥)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٣) انظر \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":341},{"text":"ملكين، إذا طأطا رأسه قطر، وإذا رفعه تحدَّرَ منه جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحلُّ لكافرٍ يجد ريح نفسه إِلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه -أي: يطلب الدّجَّال- حتّى يدركه بباب لد، فيقتله، ثمَّ يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-127> أدلة نزوله -﵇</span>-:\nنزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان ثابتٌ في الكتاب والسُّنَّة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السّاعة الكبرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أ - أدلة نزوله من القرآن الكريم:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٦١].\nفهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى -﵇-، وجاء في آخرها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ أي: نزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة علامةٌ على قرب السّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ بفتح العين واللام؛ \"أي: علامة وأمارة على قيام السّاعة، ولهذه القراءة مرويَّة عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما من أئمَّة التفسير\" (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٧ - ٦٨ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٠٥)، وانظر: \"تفسير الطّبريّ\" (٢٥/ ٩٠ - ٩١).","vol":"1","page":342},{"text":"وروى الإِمام أحمد بسنده إلى ابن عبّاس ﵄ في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ قال: \"هو خروج عيسى بن مريم ﵇ قبل يوم القيامة\" (^١).\nوقال الحافظ ابن كثير: \"الصّحيح أنّه -أي: الضمير- عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره\" (^٢).\nواستبعد أن يكون معنى الآية: ما بُعِثَ به عيسى -﵇- من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.\nوأبعدُ من ذلك ما رُوِيَ عن بعض العلماء أن الضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على القرآن الكريم (^٣).\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النِّساء: ١٥٧ - ١٥٩].\nفهذه الآيات؛ كما أنّها تدلًّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى ﵇، ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السَّماء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٢٩) (ح ٢٩٢١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٢).\n(^٣) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٣).","vol":"1","page":343},{"text":"فإنها تدلُّ على أنَّ من أهل الكتاب مَنْ سيؤمن بعيسى -﵇- آخر الزّمان، وذلك عند نزوله (^١) وقبل موته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وُجِّهَ إليه عن وفاة عيسى ورفعه: \"الحمد لله، عيسى -﵇- حىٌّ، وقد ثبت في الصَّحيح عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: \"ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية\" (^٢)، وثبت في الصّحيح عنه أنّه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنّه يقتل الدَّجَّال، ومَن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السَّماء، وإذا أُحيي؛ فإنّه يقوم من قبره.\nوأمّا قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فهذا دليلٌ على أنّه لم يعنِ بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السَّماء، فعُلِم أن ليس في ذلك خاصِّيَّة، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.\nوقد قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ\n_________\n(^١) نزولًا حقيقيًا، وليس المراد بنزوله وحكمه في الأرض في آخر الزّمان كناية عن غلبة روحه وسر رسالته على النَّاس بما غلب عليها من الأمر بالرّحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشّريعة دون الوقوف عند ظواهرها؛ فإن ذلك مخالفٌ للأحاديث المتواترة في أنّه ينزل بروحه وجسده كما رفع بروحه وجسده -﵇-.\n(^٢) انظر كلام الشّيخ محمَّد عبده في \"تفسير المنار\" (٣/ ٣١٧).","vol":"1","page":344},{"text":"﴿لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فقوله هنا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يُبَيِّنُ أنّه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصّحيح أنّه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أُريد موته؛ لقال: وما قتلوه وما صلبوه، بل مات ...\nولهذا قال مَنْ قال من العلماء: إنِّي متوفِّيك؛ أي: قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.\nولفظ (التَّوَفِّي) لا يقتضي نفسه توفي الرُّوح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إِلَّا بقرينة منفصلة.\nوقد يُراد به توفِّي النوم؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] (^١).\nوليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى -﵇-، وإنّما جاء ذكر ذلك لبيان أنّه رُفَع ببدنه وروحه، وأنّه حيٌّ الآن في السَّماء، وسينزل في آخر الزّمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.\nقال ابن جرير: \"حدّثنا ابن بشار؛ قال: حدّثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣).","vol":"1","page":345},{"text":"قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم\" (^١).\nقال ابن كثير: \"وهذا إسنادٌ صحيحٌ\" (^٢).\nثمَّ قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: \"وأولى الأقوال بالصحة قول مَنْ قال: تأويل ذلك: وان من أهل الكتاب إِلَّا ليؤمِنَنَّ بعيسى قبل موت عيسى\" (^٣).\nوروى بسنده عن الحسن البصري أنّه قال: \"قبل موت عيسى، والله إنّه الآن حيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون\" (^٤).\nوقال ابن كثير: \"ولا شك أن هذا الّذي قاله ابن جرير هو الصّحيح؛ لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادَّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم مَنْ سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنّما شُبَّهَ لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثمَّ إنّه رُفع إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة\" (^٥).\nوذَكَرَ أنّه روي عن ابن عبّاس وغيره أنّه أعاد الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أهل الكتاب، وقال: \"إن ذلك لو صح لما كان منافيًا لهذا،\n_________\n(^١) \"تفسير الطّبريّ\" (٦/ ١٨).\n(^٢) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٣١).\nوأثر ابن عبّاس صححه أيضًا ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٤٩٢).\n(^٣) \"تفسير الطّبريّ\" (٦/ ٢١).\n(^٤) \"تفسير الطّبريّ\" (١/ ١٨).\n(^٥) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤١٥).","vol":"1","page":346},{"text":"ولكن الصّحيح في المعنى والإِسناد ما ذكرناه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>ب - أدلة نزوله من السنَّة المطهَّرة:</span>\nالأدلَّة من السنة على نزول عيسى -﵇- كثيرةٌ ومتواترةٌ، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإِطالة:\n١ - فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده؛ ليوشكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحدٌ، حتّى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها\".\nثمَّ يقول أبو هريرة: \"واقرؤوا إن شئتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ \" (^٢).\nولهذا تفسيرٌ من أبي هريرة ﵁ لهذه الآية بأن المراد بها أن مِن أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى -﵇- قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزّمان؛ كما سبق بيانه.\n٢ - وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كيفَ أنتُم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟! \" (^٣).\n_________\n(^١) \" النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٣٧).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم ﵉، (٦/ ٤٩٠ - ٤٩١ - مع الفتح) و\"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ -، حاكما (٢/ ١٨٩ - ١٩١ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهم =","vol":"1","page":347},{"text":"٣ - وروى مسلم عن جابر ﵁؛ قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: \"لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرُهم: صلِّ لنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله لهذه الأمة\" (^١).\n٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، وفيه: \"ونزول عيسى بن مريم - ﷺ - \" (^٢)\n٥ - وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"الأنبياء إخوة لعَلَاّت، أمهاتهم شتَى ودينهم واحد، وإني أولى النَّاس بعيسى بن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌ؛ لأنّه نازلٌ، فإذا رأيتُموه؛ فاعرفوه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-130> الأحاديث في نزول عيسى -﵇- متواترة:</span>\nذكرتُ فيما سبق بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه\n_________\n= السّلام، (٦/ ٤٩١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى بن مريم - ﷺ - حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز).\nوالحديث صحيح. انظر: هامش \"عمدة التفسير\" (٤/ ٣٦)، تحقيق الشّيخ أحمد شاكر. وصدر هذا الحديث رواه: البخاريّ (٦/ ٤٧٨ - مع الفتح)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٩٥)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":348},{"text":"السّلام، ولم أذكر جميع الأحاديث الوارده في نزوله؛ خشية أن يطول البحث، وقد جاءت هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد وغيره من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزّمان، ولا حجَّة لمَن ردَّها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين الّتي يجب عليهم أن يؤمنوا بها (^١)؛ لأنّه إذا ثبت الحديث، وجب الإِيمان به، وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -، ولا يجوز لنا ردًّ قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأنَّ هذه حجة واهية، سبق أن عقدتُ فصلًا في أول هذا البحث بيَّنْتُ فيه أن حديث الآحاد إذا صحَّ؛ وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نردُّ كثيرًا من أحاديث رسول الله - ﷺ -، ويكون ما قاله ﵊ عبثًا لا معنى له، كيف والعلّماء قد نصُّوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى -﵇-؟!\nوسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:\n_________\n(^١) انظر كتاب \"الفتاوى\" (ص ٥٩ - ٨٢) للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، ط. ٨، عام ١٣٩٥ هـ، بيروت؛ فإنّه ﵀ أنكر فيه على مَنْ قال برفع عيسى -﵇- ببدنه، وأيضًا أنكر نزوله في آخر الزّمان، ورد الأحاديث الواردة في ذلك، وقال: إنّه لا حجة فيها؛ لأنّها أحاديث آحاد!!\nومسألة رفع عيسى وهل هو ببدنه أو بروحه مسألة خلافية بين العلماء، ولكن الحق أنّه رفع ببدنه وروحه؛ كما ذهب إلى ذلك جمهور المفسرين؛ كالطّبريّ، والقرطبي، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم من العلماء.\nانظر: \"تفسير الطّبريّ\" (٣/ ٢٩١)، و\"تفسير القرطبي\" (٤/ ١٠٠)، و\"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"1","page":349},{"text":"قال ابن جرير الطّبريّ -بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى -: \"وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قولُ مَنْ قال: \"معنى ذلك: إنِّي قابضك من الأرض، ورافعك إلى\"؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال\" (^١).\nثمَّ ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.\nوقال ابن كثير: \"تواترات الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - أنّه أخبر بنزول عيسى -﵇- قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا\" (^٢).\nثمَّ ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله.\nوقال صديق حسن: \"والأحاديث في نزوله -﵇- كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكورٌ في أحاديث الدَّجَّال ... ومنها ما هو مذكورٌ في أحاديث المنتظر، وتنضمّ إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن الصّحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال لاجتهاد في ذلك\".\nثمَّ ساقها وقال: \"جميع ما سقناه بالغ حدَّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطِّلاع\" (^٣).\nوقال الغُماري (^٤): \"وقد ثبت القول بنزول عيسى -﵇- عن غير\n_________\n(^١) \"تفسيير الطّبريّ\" (٣/ ٢٩١).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٢٣).\n(^٣) \"الإذاعة\" (ص ١٦٠).\n(^٤) هو أبو الفضل عبد الله محمَّد الصديق الغماري، من علماء هذا العصر.","vol":"1","page":350},{"text":"واحد من الصّحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلّماء من سائر المذاهب على ممر الزّمان إلى وقتنا هذا\" (^١).\nوقال: \"تواتر هذا تواترًا لا شكَّ فيه، بحيث لا يصحُّ أن ينكره إِلَّا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومَن نحا نحوهم؛ لأنّه نُقِل بطريق جمع عن جمع، حتّى استقرَّ في كتب السنة الّتي وصلت إلينا تواترًا بتلقِّي جيل عن جيل\" (^٢).\nوقد ذكر من رواه من الصّحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًّا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًّا، ثمّ رواه تابعو التَّابعين بأكثر من هذا العدد ... وهكذا حتّى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ \"مسند\" الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاريّ، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وأبو عوانة، والإِسماعيلي، والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنَّفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.\nوممَّن جمع الأحاديث في نزول عيسى -﵇- الشّيخ محمّد أنور شاه الكشميري (^٣) في كتابه \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\"،\n_________\n(^١) \"عقيدة أهل الإسلإم فىِ نزول عيسى -﵇-\" (ص ١٢).\n(^٢) \"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى -﵇-\" (ص ٥).\n(^٣) هو الشّيخ المحدث محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مصنفات، منها: \"فيض الباري على صحيح البخاريّ\" في أربعة مجلدات، و\"العرف الشذي على =","vol":"1","page":351},{"text":"فذكر أكثر من سبعين حديثًا.\nوقال صاحب \"عون المعبود شرح سنن أبي داود\": \"تواترت الأخبار عن النّبيّ - ﷺ - في نزول عيسى بن مريم - ﷺ - من السَّماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السّاعة، ولهذا هو مذهب أهل السنة\" (^١).\nوقال الشّيخ أحمد شاكر: \"نزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان ممّا لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النّبيّ - ﷺ - بذلك، وهذا معلومٌ من الدين بالضَّرورة، لا يؤمن من أنكره\" (^٢).\nوقال في تعليقه على \"مسند الإِمام أحمد\": \"وقد لعب المجدِّدون أو المجرِّدون في عصرنا الّذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم -﵇- في آخر الزّمان، قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإِنكار تارة، وبالإِنكار الصريح أخرى! ذلك أنّهم -في حقيقة أمرهم- لا يؤمنون بالغيب، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يُعْلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإِنكار ولا التّأويل\" (^٣).\nوقال الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني: \"اعلم أن أحاديث الدَّجَّال\n_________\n= جامع التّرمذيّ\"، وغيرهما، توفي (١٣٥٢ هـ) ﵀ في مدينة ديونيد.\nانظر ترجمته في مقدمة كتاب \"التصريح\" للشيخ عبد الفتاح أبو غدة.\n(^١) \"عون المعبود\" (١١/ ٤٥٧) لأبي الطيب محمّد شمس الحق العظيم آبادي.\n(^٢) من حاشية \"تفسير الطّبريّ\" (٦/ ٤٦٠)، تخريج الشّيخ أحمد شاكر، وتحقيق محمود شاكر، مطبعة دار المعارف، مصر.\n(^٣) \"حاشية مسند الإِمام أحمد\" (١٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":352},{"text":"ونزول عيسى -﵇- متواترة، يجب الإِيمان بها، ولا تغترً بمن يدَّعي فيها أنّها أحاديث آحاد؛ فإنهم جُهَّال بهذا العلم، وليس فيهم مَنْ تتبَّعَ طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر.\nومن المؤسف حقًا أن يتجرَّأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دينٌ وعقيدة\" (^١).\nونزول عيسى -﵇- ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنّه ينزل لقتل الدَّجَّال قبَّحه الله.\nقال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: \"أصول السنة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ -، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة\".\nثمّ ذكر جملةً من عقيدة أهل السنة، ثمّ قال: \"والإِيمان أن المسيح الدَّجَّال خارجٌ مكتوبٌ بين عينيه (كافر)، والأحاديث الّتي جاءت فيه، والإِيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد\" (^٢).\nوقال أبو الحسن الأشعري (^٣) ﵀ في سرده لعقيدة أهل\n_________\n(^١) \"حاشية شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٥٦٥) بتخريج الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني محدث الشّام.\n(^٢) \"طبقات الحنابلة\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٣) للقاضي الحسن بن محمّد بن أبي يعلى، طبع دار المعرفة للنشر، بيروت.\n(^٣) هو الإِمام العلّامة أبو الحسن علي بن إسماعيل من ذرية أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل، نشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وقد =","vol":"1","page":353},{"text":"الحديث والسُّنَّة: \"الإِقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا يردُّون من ذلك شيئًا ... ويصدِّقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله\".\nثمَّ قال في آخر كلامه:\n\"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب\" (^١).\nوقال الطحاوي (^٢): \"ونؤمن بأشراط السّاعة؛ من خروج الدَّجَّال،\n_________\n= تتلمذ عليه، واعتنق مذهبه ما يقارب من أربعين سنة، ثمّ هداه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فأعلمت أنّه على مذهب أحمد بن حنبل، وله مصنفات كثيرة بلغت خمسة وخمسين مصنفًا، وقد ذكرت الدكتورة فوقية حسين محمود في مقدمة تحقيقها لكتاب الإِبانة نحو مئة مصنف، ومن أشهرها: \"مقالات الإِسلامبين\"، و\"كتاب اللمع\"، و\"الوجيز\"، وغيرها، وكان آخر ما ألف كتاب \"الإِبانة عن أصول الديانة\"، توفي ﵀ سنة (٣٢٤ هـ).\nانظر ترجمته في: كتاب \"تبيين كذب المفتري\" لابن عساكر (ص ٣٤ - وما بعدها)، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ١٨٦)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥)، ومقدمة كتاب \"الإِبانة\" (ص ٧ - ١٦) لأبي الحسن الندوي تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ط. الأولى، نشر دار البيان، دمشق، (١٤٠١ هـ)، ومقدمة \"الإِبانة\" تحقيق د. فوقية حسين محمود، ط. الأولى، ١٣٩٧ هـ، دار الأنصار، القاهرة.\n(^١) \"مقالات الإِسلامبين واختلاف المصلّين\" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٨)، تحقيق الشّيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثّانية، (١٣٨٩ هـ)، طغ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.\n(^٢) هو الحافظ الفقيه المحدث أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطحاوي الأزدي المصري، شيخ الحنفية في عصره في مصر، ونسبته إلى (طحا)؛ قرية بصعيد مصر، له مصنفات كثيرة، منه: \"العقيدة الطحاوية\"، وكتاب \"معاني الآثار\"، وكتاب \"مشكل =","vol":"1","page":354},{"text":"ونزول عيسى بن مريم -﵇- من السَّماء\" (^١).\nوقال القاضي عياض: \"نزول عيسى وقتله الدَّجَّالَ حقُّ وصحيحٌ عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله فوجب إثباته\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمسيح - ﷺ - وعلى سائر النبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض ... كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السَّماء الثّانية، مع أنّه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنّه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة، بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأنّ نسم بنيه تُعْرَض عليه\" (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-131> الحكمة في نزول عيسى -﵇- دون غيره:</span>\nتلمَّس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى -﵇- في آخر الزّمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدَّة أقوال:\n١ - الردُّ على اليهود في زعمهم أنّهم قتلوا عيسى -﵇- فبيَّن الله تعالى كذبهم، وأنّه الّذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدَّجَّال، كما سبق بيان\n_________\n= الآثار\"، توفي سنة (٣٢١ هـ) بمصر ﵀.\nانظر ترجمته في: \"البداية والنهاية\" (١١/ ١٧٤)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٨٨)، ومقدمة \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٩ - ١١) بتحقيق وتخريج الألباني.\n(^١) \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٥٦٤)، تحقيق الألباني.\n(^٢) \"شرح صحيح مسلم\" (١٨/ ٧٥).\n(^٣) \"مجموع الفتاوى\" (٤/ ٣٢٩) لابن تيمية.","vol":"1","page":355},{"text":"دلك في الكلام على قتال اليهود (^١).\nورجَّحَ الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره (^٢).\n٢ - إن عيسى -﵇- وجد في الإِنجيل فضل أمة محمّد كما في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى﴾ [الفتح: ٢٩]، فدعا اللهَ أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتّى ينزل آخر الزّمان مجدِّدًا لأمر الإسلام.\nقال الإِمام مالك ﵀: \"بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصّحابة الذين فتحوا الشّام يقولون: والله لهؤلاء خيرٌ من الحواريِّين فيما بلغنا\" (^٣).\nوقال ابن كثير: \"وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدِّمة والأخبار المتداوَلَة\" (^٤).\nوقد ترجم الإِمام الذهبي لعيسى -﵇- في كتابه \"تجريد أسماء الصّحابة\"، فقال: \"عيسى بن مريم -﵇-: صحابي، ونبيٌّ؛ فإنّه رأى النبيَّ - ﷺ - ليلة الإِسراء، وسلَّم عليه، فهو آخر الصّحابة موتًا\" (^٥).\n٣ - إن نزول عيسى -﵇- من السَّماء؛ لِدُنُوِّ أجله، ليُدْفَنَ في الأرض، إذ ليس لمخلوقٍ من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله\n_________\n(^١) (ص ٣٠٣).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٦// ٤٩٣).\n(^٣) و(^٤) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٣٤٣).\n(^٥) \"تجريد أسماء الصّحابة\" (١/ ٤٣٢).","vol":"1","page":356},{"text":"خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى -﵇-.\n٤ - إنّه ينزل مكذِّبًا للنصارى، فيُظْهِر زيفهم في دعواهم الأباطيل، ويُهْلِك الله المللَ كلها في زمنه إِلَّا الإسلام؛ فإنّه يكسر الصلّيب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.\n٥ - إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النّبيّ - ﷺ -: \"أنا أولى النَّاس بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبيٌّ\" (^١).\nفرسول الله - ﷺ - أخص النَّاس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشَّر بأن رسول الله - ﷺ - يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإِيمان به (^٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي الحديث: \"قالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك؟ قال: نعم؛ أنا دعوة أبي إبراهيم بشرى أخي عيسى\" (^٣).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\" (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٨ - مع الفتح)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦]، و\"صحيح مسلم\" (١٥/ ١١٩ - مع شرح النووي)، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى -﵇-.\n(^٢) انظر: \"المنهاج في شعب الإِيمان\" (١/ ٤٢٤ - ٤٢٥) للحليمي، و\"التذكرة\" للقرطبي (ص ٦٧٩)، و\"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣)، وكتاب \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\" (ص ٩٤) تعليق الشّيخ عبد الفتاح أبي غدة.\n(^٣) رواه ابن إسحاق في \"السيرة\". انظر: \"تهذيب سيرة ابن هشام\" (ص ٤٥) لعبد السّلام هارون، طبعة \"المجمع العلّمي العربي الإِسلامي، منشورات محمّد الداية، بيروت. قال ابن كثير في إسناده: \"هذا إسناد جيد\"، وروى له شواهد من وجوه أخر، رواها الإِمام أحمد في \"المسند\". \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ١٣٦)، و\"مسند الإِمام أحمد\" (٤/ ١٢٧ و٥/ ٢٦٢ - بهامشه منتخب الكنز).","vol":"1","page":357},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-132> بماذا يحكم عيسى -﵇</span>-؟\nيحكم عيسى -﵇- بالشريعة المحمَّدِيَّة، ويكون من أتباع محمَّد - ﷺ -، فإنّه لا ينزل بشرع جديد؛ لأنَّ دينَ الإسلام خاتمُ الأديان، وباقٍ إلى قيام السّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى -﵇- حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجدَّدًا لأمر الإسلام، إذ لا نبى بعد محمَّدٍ - ﷺ -.\nروى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامُكُم منكم؟! \".\nفقلتُ (القائل الوليد بن مسلم) (^١) لابن أبي ذئب (^٢): إن الأوزاعي حدّثنا عن الزّهريُّ عن نافع عن أبي هريرة: \"وإمامكم منكم\". قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمَّكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيِّكم - ﷺ - (^٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتِلون على الحق، ظاهرين إلى يوم\n_________\n(^١) هو الوليد بن مسلم القرشي، مولى بني أمية، عالم الشّام، توفي سنة (١٩٥ هـ) ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٥١ - ١٥٢).\n(^٢) هو محمَّد بن عبد الرّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، الإِمام، الثقة، توفي سنة (١٥٩ هـ)، ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٠٣ - ٣٠٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب بيان نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":358},{"text":"القيامة\". قال: \"فينزل عيسى بن مريم - ﷺ -، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة\" (^١).\nقال القرطبي: \"ذهب قومٌ إلى أنَّه بنزول عيسى -﵇- يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولًا إلى أهل ذلك الزّمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمّد) أمرٌ مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﵊: \"لا نبىَّ بعدي\" (^٢)، وقوله: \"وأنا العاقب\" (^٣)؛ يريد آخر الأنبياء وخاتمهم.\nوإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يُتوهَّم أن عيسى ينزل نبيًّا بشريعة متجدِّدة غير شريعة محمَّد نبيِّنا - ﷺ -، بل إذا نزل؛ فإنّه يكون يومئذٍ من أتباع محمَّد - ﷺ -؛ كما أخبر - ﷺ -، حيث قال لعمر: \"لو كان موسى حيًّا؛ ما وسعه إِلَّا اتباعي\" (^٤)، فينزل وقد عُلِّم بأمر الله تعالى له في السَّماء قبل أن ينزل ما\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، (٢/ ١٩٣ - ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفضائل، باب في أسمائه - ﷺ -، (١٥/ ١٠٤ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب التفسير، باب ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، (٨/ ٦٤٠ - ٤١ - مع الفتح).\n(^٤) \"مسند الإِمام أحمد\" (٣/ ٣٨٧ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"رجاله موثقون؛ إِلَّا أن في مجالد (أحد رواة الحديث) ضعفًا\". \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٣٤).\nوقد رواه عبد الرزّاق في \"المصنِّف\" (١٠/ ٣١٣ - ٣١٤)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.\nومجالد هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، روى له مسلم مقرونًا بغيره، =","vol":"1","page":359},{"text":"يحتاج إليه من علم لهذه الشّريعة للحكم به بين النَّاس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكِّمونه على أنفسهم ... ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدنيا إنّما يكون بمقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله\" (^١).\nوالذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى -﵇- صلاته مع المسلمين، وحجُّه، وجهاده للكفار.\nفأمّا صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك.\nوكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال.\nوأمّا حجه؛ ففي \"صحيح مسلم\" عن حنظلة الأسلمي؛ قال: سمعتُ أبا هريرة ﵁ يحدِّث عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"والذي نفسي بيده، ليُهِلَّنَّ ابنُ مريم بفجِّ الرَّوحاء (^٢) حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنِّيَنَّهما\" (^٣)؛ أي: يجمع بين الحجِّ والعمرة.\nوأمّا وضع عيسى للجزية عن الكفار- مع أنّها مشروعة في الإسلام\n_________\n= قال فيه ابن حجر: \"صدوق\".\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٩ - ٤١).\n(^١) \"التذكرة \" (ص ٦٧٧ - ٦٧٨).\n(^٢) (فج الروحاء): موضع بين مكّة والمدينة، سلكه النّبيّ - ﷺ - إلى بدر وإلى مكّة عام الفتح وفي الحجِّ.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٤١٢)، و\"معجم البلدان، (٤/ ٢٣٦).\n(^٣) \"صحيح مسلم بشرح النووي\"، كتاب الحجِّ، باب جواز التمتع في الحجِّ والقرآن، (٨/ ٢٣٤ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":360},{"text":"قبل نزوله -﵇-؛ فليس هذا نسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيَّد بنزول عيسى -﵇- بإخبار نبيّنا محمَّد - ﷺ -، فهو المبيِّن للنَّسخ (^١) بقوله لنا: \"واللهِ لينزلَنَّ ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فليكسرَنَّ الصَّليب، وليقتلنَّ الخنزير، وليضَعَنَّ الجزية\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-133> انتشار الأمن وظهور البركات في عهده -﵇</span>-:\nوزمن عيسى -﵇- زمن امن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد.\nفقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى -﵇- ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله - ﷺ -: \"ثمَّ يرسل الله مطرًا لا يُكِنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتّى يتركها كالزلفة (^٣)، ثمّ يقال للأرض أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٢).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى -﵇- حاكمًا، (٢/ ٢٩٢ - مع شرح لنووي).\n(^٣) (الزلفة): روي بفتح الزاي واللام والقاف وروي بالفاء، وكلها صحيحة، ومعناه كالمرآة شبه الأرض بها لصفائها ونظافتها.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٩).","vol":"1","page":361},{"text":"بقحفها، ويبارَك في الرِّسل (^١)، حتّى إن اللقحة من الإِبل لتكفي الفئام من النَّاس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من النَّاس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من النَّاس\" (^٢).\nوروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال: \"والأنبياء إخو لعَلَّات (^٣)؛ أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، وأنا أولى النَّاس بعيسى ابن مريم؛ لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازل ... فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتّى ترتع الأسود مع الإِبل، والنِّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم\" (^٤).\nوروى الإِمام مسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والله لينزلَنَّ عيسى بن مريم حكمًا عادلًا ... وليضعَنَّ الجزية، ولتُتْرَكنَّ القِلاص (^٥) فلا يُسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض\n_________\n(^١) (الرِّسل): بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٦٩).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٣ - ٧٠ - مع شرح النووي).\n(^٣) (إخؤ لعلّات): علات: بفتح العين المهملة، وتشديد اللام. وأولاد العلّات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم واحد؛ أي: أن إيمان الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٩١)، و\"تفسير الطّبريّ\" (٦/ ٤٦٠)، تعليق محمود شاكر، وتخريج أحمد شاكر.\n(^٤) \"مسند أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"سنده صحيح\". \"فتح الباري\" (٦/ ٤٩٣).\n(^٥) (القلاص): بكسر القاف، جمع قلوص بفتح القاف، وهي الناقة الشابة.=","vol":"1","page":362},{"text":"والتحاسد، وليدعونَّ إلى المال؛ فلا يقبله أحد\" (^١).\nقال النوويّ: \"ومعناه أن يزهد النَّاس فيها -أي: الإِبل- ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلَّة الآمال، وعدم الحاجة، والعلّم بقرب القيامة.\nوإنّما ذُكِرَت القلاص؛ لكونها أشرف الإِبل، الّتي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيهٌ بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ [التكوير: ٤]، ومعنى: \"لا يُسْعَى عليها\": لا يُعْتَنى بها\" (^٢).\nوذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تُطْلَب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.\nوأنكر لهذا القول النووي (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-134> مدة بقائه بعد نزوله ثمّ وفاته:</span>\nوأمّا مدَّة بقاء عيسى -﵇- في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أن يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.\nففي رواية الإِمام مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄: \"فيبعث الله عيسى بن مريم ... ثمَّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين\n_________\n= انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٤/ ١٠٠)، و\"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٩٢).\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب نزول عيسى -﵇-، (٢/ ١٩٢ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٩٢).\n(^٣) انظر \"شرح النووي لمسلم\" (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":363},{"text":"اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردةً من قِبَلِ الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خيرٍ أو إيمانٍ إِلَّا قبضته\" (^١).\nوفي رواية الإِمام أحمد وأبي داود: \"فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثمّ يُتَوَفَى، ويصلّي عليه المسلمون\" (^٢).\nوكلا هاتين الروايتين صحيحة، ولهذا مشكلٌ؛ إِلَّا أن تُحْمَلَ رواية السير سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكْثِه في الأرض قبل رفعه إلى السَّماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور (^٣).\nوالله أعلم.\n* * * * *\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٢/ ٤٠٦ - بهامشه منتخب الكنز.\nقال ابن حجر: \"صحيح\" (٦/ ٤٩٣).\nو\"سنن أبي داود\"، كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، (١١/ ٤٥٦ - مع عون المعبود).\n(^٣) انظر: \"النهاية / الفتن والملاحم\" (١/ ١٤٦)، تحقيق د. طه زيني.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>الفصل الرّابع: يأجوج ومأجوج</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-136> أصلهم:</span>\nقبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرَّف على أصلهم، وماذا يعني لفظ (يأجوج) و(مأجوج)؟\nيأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان.\nوعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النّار أجيجًا: إذا التهبت. أو من الأُجاج: وهو الماء الشديد الملوحة، المحرق من ملوحته. وقيل عن الأجّ: وهو سرعة العدو. وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب. وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج)، أو على وزن فاعول فيهما.\nهذا إذا كان الاسمان عرببين، أمّا إذا كانا أعجميَّين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأنّ الأعجميَّة لا تُشْتَقُّ من العربيّة.\nوقرأ الجمهور ﴿يَأْجُوجَ﴾ و﴿مَأْجُوجَ﴾؛ بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و(مجج)، وأمّا قراءة عاصم؛ فهي الهمزة","vol":"1","page":365},{"text":"الساكنة فيهما.\nوكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وذلك عند خروجهم من السد (^١).\nوأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء ﵉.\nوقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء (^٢)، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج.\nوهذا ممّا لا دليل عليه، ولم يردّ عمَّن يجب قبول قوله (^٣).\nقال ابن حجر: \"ولم نر لهذا عند أحدٍ من السلف؛ إِلَّا عن كعب الأحبار، ويردّه الحديث المرفوع: أنّهم من ذريَّة نوح، ونوحٌ من ذُرِّيَّة حواء قطعًا\" (^٤).\nويأجوج ومأجوج من ذريَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح ﵇ (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"لسان العرب\" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، و\"ترتيب القاموس المحيط\" (١/ ١٥٥ - ١١٦)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٦)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٣).\n(^٢) انظر: \"فتاوى الإِمام النووي\" المسمى \"المسائل المنثورة \" (ص ١١٦ - ١١٧ - ترتيب تلميذه علاء الدين العطار)، ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٠٧)، ونسبه للنووي، فقال: \"ووقع في فتاوى محيي الدين\".\n(^٣) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٢ - ١٥٣)، تحقيق د. طه زيني.\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٧).\n(^٥) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":366},{"text":"والذي يدلُّ على أنّهم من ذرِّيَّة آدم -﵇- ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد الخُدري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: \"يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبَّيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النّار. قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ألف تسع مئه وتسعة وتسعين. فعنده يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى النَّاس سُكارى وما هُم بسكارى، ولكنَّ عذاب الله شديد\". قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: \"أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف\" (^١).\nوعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله - ﷺ -: \"أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنّهم لو أُرْسِلوا إلى النَّاس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحدٌ؛ إِلَّا ترك من ذرِّيَّتِه ألفًا فصاعدًا\" (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨٢ - مع شرح الفتح).\n(^٢) \"منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي\"، كتاب الفتن وعلامات السّاعة، باب ذكر يأجوج ومأجوج، (٢/ ٢١٩ - ترتيب الشّيخ أحمد عبد الرّحمن البنا)، ط. الثّانية، عام (١٤٠٠ هـ)، المكتبة الإِسلامية، بيروت.\nوروى الحاكم طرفًا منه في \"المستدرك\" (٤/ ٤٩٠)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي\".\nوقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الكبير\"، و\"الأوسط\"، ورجاله ثقات\".\n\"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦).\nوقال ابن حجر: \"أخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله\".\n\"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٧).\nوذكر ابن كثير رواية الطبراني لهذا الحديث، ثمَّ قال: \"وهذا حديث غريب، وقد =","vol":"1","page":367},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-137> صفتُهُم:</span>\n\nأمّا صفتهم الّتي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنّهم يُشْبِهون أبناء جنسهم من التُرك الغتم (^١) المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة، على أشكال الترك وألوانهم (^٢).\nروى الإِمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله - ﷺ - وهو عاصبٌ أصبعه من لدغة عقرب، فقال: \"إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا حتّى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شُهب الشعاف (^٣)، من كلّ حَدَب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطْرَقة\" (^٤).\nوقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة،\n_________\n= يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين\".\n\"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٤)، تحقيق د. طه زيني.\n(^١) (الغتم): الغتمة: عجمة في المنطق. ورجل أغتم وغتمى: لا يفصح شيئًا.\n\"لسان العرب\" (١٢/ ٤٣٣).\n(^٢) نظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٣)، تحقيق د. طه زينى.\n(^٣) (الشعاف): جمع شعفة وهي أعلى شعر الرّأس، والمراد: شهب الشعور.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٨١ - ٤٨٢)، و\"لسان العرب\" (٩/ ١٧٧).\n(^٤) \"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ٢٧١ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصّحيح\". \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦).","vol":"1","page":368},{"text":"ومما جاء في لهذه الآثار أنّهم ثلاثة أصناف:\n١ - صنف أجسادهم كالأرْز، وهو شجر كبار جدًّا.\n٢ - وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع.\n٣ - وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى.\nوجاء أيضًا أن طولهم شبر وشبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار (^١).\nوالذي تدل عليه الروايات الصحيحة أنّهم رجالٌ أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ويبعد أن يكون طول أحدهم شبر وشبرين.\nففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى ﵇ بخروج يأجوج ومأجوج، وأنّه لا يُدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم، فيقول لهم: \"حرز عبادي إلى الطور\".\nكما سيأتي ذكر ذلك في الكلام على خروجهم بإذن الله تعالى ...\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-138> أدلَّة خروج يأجوج ومأجوج:</span>\nخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان علامة من علامات السّاعة\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٧).\nوقد أنكر ابن كثير لهذه الصفات، وقال: إن من زعم أن هذه صفاتهم؛ \"فقد تكلف ما لا علم له به\"، وقال: \"ما لا دليل عليه\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٥٣).\nوذكر الهيثمي حديثًا رواه حذيفة عن النّبيّ - ﷺ - في وصف يأجوج ومأجوج ببعض هذه الصفات، وأنّه من رواية الطبراني في \"الأوسط\"، وفي إسناده يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف، وقال فيه ابن حجر: \"ضعيف جدًا\".\nانظر: \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦)، و\"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٦).","vol":"1","page":369},{"text":"الكبرى، وقد دلَّ على ظهورهم الكتاب والسُّنَّة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>أ - الأدلة من القرآن الكريم:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].\n٢ - وقال تعالى في سياقه لقصة ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا. قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٢ - ٩٩].\nفهذه الآيات تدلُّ على أن الله تعالى سخَّر ذا القرنين (^١) الملك\n_________\n(^١) (ذو القرنين): اختلف في اسمه، فروي عن ابن عبّاس أن اسمه: عبد الله بن الضحاك بن معد. وقيل: مُصْعَب بن عبد الله بن قنان من الأزد، ثمّ من قحطان، وقيل غير ذلك.\nوسمي بذي القرنين لأنّه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشيطان ويغرب، وقيل: غير ذلك، وكان عبدًا مؤمنًا صالحًا، وهو غير ذي القرنين الإِسكندر المقدوني المصري؛ فإن هذا كان كافرًا، وهو متأخر عن المذكور في القرآن وبينهما أكثر من ألفي سنة.=","vol":"1","page":370},{"text":"الصالح لبناء السدِّ العظيم؛ ليحجز بين يأجوج ومأجوج القوم المفسدين في الأرض وبين النَّاس، فإذا جاء الوقت المعلوم، واقتربت السّاعة؛ اندكَّ هذا السدُّ، وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة، وجمعٍ كبير، لا يقف أمامه أحدٌ من البشر، فماجوا في النَّاس، وعاثوا في الأرض فسادًا.\nوهذا علامةٌ على قرب النفخ في الصور، وخراب الدنيا، وقيام السّاعة (^١)؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>ب - الأدلَّة من السنَّة المطهَّرة:</span>\nالأحاديث الدَّالَّة على ظهور يأجوج ومأجوجِ كثيرة، تبلغ حدَّ التواتر المعنوي، سبق ذكر بعض منها، وسأذكر هنا طرفًا من هذه الأحاديث:\n١ - فمنها ما ثبت في \"الصحيحين\" عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها يومًا فَزِعًا يقول: \"لا إله إِلَّا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه (وحلَّق بأصبعيه الإِبهام والتي تليها) \". قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أفنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ\" (^٢).\n_________\nانظر: \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٠٢ - ١٠٦)، و\"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^١) انظر: \"الطّبريّ\" (١٦/ ١٥ - ٢٨ و١٧/ ٨٧ - ٩٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٩١ - ١٩٦ و٥/ ٣٦٦ - ٣٧٢)، و\"تفسير القرطبي\" (١١/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨١ - مع الفتح)، وكتاب الفتن، (١٣/ ١٠٦ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن =","vol":"1","page":371},{"text":"٢ - ومنها ما جاء في حديث النوَّاس بن سمعان ﵁، وفيه: \"إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادًا لي لا يُدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَب ينسلون (^١)، فيمرُّ أولئك على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماء، ويُحْصَرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتّى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابُه، فْيرسلُ الله عليهم النَّغَف (^٢) في رقابهم، فيصبحون فرسى (^٣) كموت نفسٍ واحدةٍ، ثمّ يُهْبَط بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إِلَّا ملأه زهمُهم ونَتَنُهم، فيرغب نبىُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخت (^٤)، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله\" (^٥).\n_________\n= وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢ - ٤ - مع شرح النووي).\n(^١) (الحدب): هو كلّ موضع غليظ مرتفع، والجمع أحداب وحداب، والمعنى يظهرون من غليظ الأرض ومرتفعها.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٣٤٩)، و\"لسان العرب\" (١/ ٣٠١).\n(^٢) (النغف)؛ بالتحريك: دود يكون في أنوف الإِبل والغنم، واحدتها نغفة.\n\"النهاية في غريب الحديث\" (٥/ ٨٧).\n(^٣) (فرسى)؛ بفتح الفاء؛ أي: قتلى. الواحد: فريس، من فَرْس الذئب الشاة وافترسها إذا قتلها. \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٢٢٨).\n(^٤) (البخت): هي جمال طوال الأعناق، وهي لفظة معرَّبة، واحدتها بختية للأنثي، وبختي للذكر، وقد سبق شرحها (ص ١٦٥).\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ١٠١).\n(^٥) \"صحيح مسلم\"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٦٨ - ٦٩ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":372},{"text":"رواه مسلم، وزاد في رواية -بعد قوله: \"لقد كان بهذه مرّة ماء\"-: \"تم يسيرون حتّى ينتهوا إلى جبل الخّمْرِ (^١)، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض، هلمَّ فلنقتل مَنْ في السَّماء، فيرمون بنشابهم (^٢) إلى السَّماء، فيردُّ الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا\" (^٣).\n٣ - وجاء في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ في ذكر أشراط السّاعة، فذكر منها: \"يأجوج ومأجوج\" (^٤).\n٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله - ﷺ -؛ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا السّاعة ... إلى ان قال: \"فردُّوا الحديث إلى عيسى (فذكر قتل الدَّجَّال، ثمّ قال:) ثمّ يرجع النَّاس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حَدَبِ يَنْسِلون، لا يمرون بماء إِلَّا شربوه، ولا بشيء إِلَّا أفسدوه، يجأرودن إليًّ فأدعو الله، فيميتهم، فتَجْوى الأرض من ريحهم، فيجأرودن إليَّ، فأدعو الله، فيرسل السَّماء بالماء، فيحملهم،\n_________\n(^١) (جبل الخّمْرِ): الخّمْرِ بخاء معجمة وميم مفتوحة، والخمر: الشجر الملتف الّذي يستر من فيه، وقد جاء تفسيره في الحديث بأنّه جبل ببت المقدس.\nانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٧١).\n(^٢) (النشاب): بطلق على النبل والسهام، واحدته: نشابه.\nانظر: \"لسان العرب\" (١/ ٧٥٧).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - ٧١ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":373},{"text":"فيقذف بأجسامهم في البحر\" (^١).\n٥ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - (فذكر الحديث، وفيه): \"ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم، فيرمون سهامهم في السَّماء، فترجع مخضبةً بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا مَنْ في السَّماء قوَّةً وعلوًّا\". قال: \"فيبعث الله ﷿ عليهم نَغَفًا في أقفائهم\". قال: \"فيهلكهم، والذي نفس محمّد بيده؛ إن دوابَّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتشكر شكرًا (^٢)، وتسكر سكرًا (^٣) من لحومهم\" (^٤).\n_________\n(^١) \"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، قال الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي في \"تلخيصه\".\nورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٨٩ - ١٩٠) (ح ٣٥٥٦)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوقال الألباني: \"ضعيف\". انظر: \"ضعيف الجامع الصغير\" (٥/ ٢٠ - ٢١) (ح ٤٧١٢).\nقلت: الشواهد من الأحاديث ترجح أنّه صحيح. والله أعلم.\n(^٢) (تشكر شكرًا)؛ يقال: شكِرت الشاة -بالكسر- تشْكَر شَكَرًا- بالتحريك-: إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنًا، والمعنى أن دواب الأرض تسمن وتمتلىء شحمًا.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٤٩٤).\n(^٣) (تسكر سكرًا): السَّكَر -بفتح السين والكاف- الخّمْرِ، ويطلق السَّكَر على الغضب والامتلاء.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٣٨٣)، و\"لسان العرب\"، (٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٤) \"سنن التّرمذيّ\"، أبواب التفسير، سورة الكهف، (٨/ ٥٩٧ - ٥٩٩)، قال =","vol":"1","page":374},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-141> سدُّ يأجوج ومأجوج:</span>\nبني ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم.\nكما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥].\nلهذا ما جاء في الكلام علي بناء السد، أمّا مكانه؛ ففي جهة المشرق (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠].\nولا يُعْرَف مكان هذا السد بالتحديد، وقد حاول بعض الملوك\n_________\n= التّرمذيّ: \"هذا حديث حسن غريب\". وسنن ابن ماجه، كتاب الفتن، (٢/ ١٣٦٤ - ١٣٦٥) (ح ٤٠٨٠)، تحقيق الشّيخ محمّد فؤاد عبد الباقي.\nورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٨٨)، وقال فيه: \"حديث صحيح على شرط الصحيحين، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ١٠٩): \"رجاله رجال الصّحيح؛ إِلَّا أن قتادة مدلس\".\nولكن جاء في رواية ابن ماجه أن قتادة صرح بالسماع من شيخه أبي رافع.\nوصححه أيضًا الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٥) (ح ٢٢٧٢).\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٩١).","vol":"1","page":375},{"text":"والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك \"أن الخليفة الواثق (^١) بعث بعض أمرائه يتَّجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنّهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك، وأن عنده حراسًا من الملوك المتاخمة له، وأنّه منيفٌ شاهقٌ، لا يُستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثمّ رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب\" (^٢).\nوهذه القصة ذكرها ابن كثير ﵀ في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك.\nوالذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، والسدان: هما جبلان متقابلان. ثمّ قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾؛ أي: حاذى به رؤوس الجبلين (^٣)، وذلك بزبر الحديد، ثمّ أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدًّا محكمًا.\nقال الإِمام البخاريّ: \"قال رجلٌ للنبيﷺ -: رأيتُ السَّدَّ من البرد\n_________\n(^١) هو الخليفة العباسي هارون بن محمّد المعتصم بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة سنة ست وعشرين، وتوفي سنة (٢٣٢ هـ) بطريق مكّة وهو ابن ست وثلاثين سنة.\nانظر: \"البداية والنهاية\" (١٠/ ٣٠٨).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٩٣).\n(^٣) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ١٩١ - ١٩٢).","vol":"1","page":376},{"text":"المحبر. قال: قد رأيته\" (^١).\nوقال سيد قطب: \"كُشِف سدٌّ بمقربة من مدينة (ترمذ) (^٢)، عُرف - (باب الحديد)، قد مرَّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجَّله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الأسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (١٤٠٣ م)، وقال: سد مدينة باب الحديد على الطريق سمرقند والهند ... وقد يكون هو السد الّذي بناه ذو القرنين\" (^٣).\nقلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الّذي ذكره ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\"، وليس هو سد ذي القرنين.\nوأيضًا؛ فإنّه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السّاعة؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩]\n_________\n(^١) رواه البخاريّ معلقًا في \"صحيحه\"، في باب قصة يأجوج ومأجوج، (٦/ ٣٨١ - مع الفتح).\n(^٢) (ترمذ): قال ياقوت \"مدينة مشهورة من أمهات المدن، راكبة على نهر جيحون، من جانبه الشرقي، يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإِمام أبو عيسى التّرمذيّ صاحب \"الجامع الصّحيح\" و\"العلل\". \"معجم البلدان\" (٢/ ٢٦ - ٢٧).\n(^٣) \"تفسير الظلال\" (٤/ ٢٢٩٣)، وانظر: كتاب \"أشراط السّاعة وأسرارها\" (ص ٧٥) لمحمد سلامة جبر، طبع شركة الشعاع، الكويت، ط. الأولى، (١٤٠١ هـ).","vol":"1","page":377},{"text":"والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - في السد؛ قال: \"يحفرونه كلّ يوم حتّى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الّذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه غدًا. قال: فيعيده الله ﷿ كأشدَّ ما كان، حتّى إذا بلغوا مدَّتَهم، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على النَّاس؛ قال الّذي عليهم: ارْجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى. قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على النَّاس، فيستقون المياه، ويفرُّ النَّاس منهم\" (^١).\nوالذي جاء في حديث \"الصحيحين\" -كما سبق- أنّه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ - ﷺ -.\nويرى الأستاذ سيد قطب ﵀ من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَّدَّ قد وقع، وأنّه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإِسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا (^٢).\nوفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: \"وقد خرج منهم - أي: الترك - في هذا الوقت أممٌ لا يحصيهم إِلَّا الله تعالى، ولا يردُّهم عن المسلمين إِلَّا الله تعالى، حتّى كأنّهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم\" (^٣).\nوكان ظهور هؤلاء التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من\n_________\n(^١) رواه التّرمذيّ واين ماجه والحاكم، ومر تخريجه قريبًا، وهو صحيح، انظر (ص ٣٥٩).\n(^٢) انظر: \"في ظلال القرآن\" (٤/ ٢٢٩٣ - ٢٢٩٤).\n(^٣) \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٥٨).","vol":"1","page":378},{"text":"الفساد والقتل، فظنَّهُم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمَتَهُم.\nوالكن الّذي هو من أشراط السّاعة الكبرى - وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزّمان - لم يقع بعد؛ لأنّ الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى -﵇-، وأنّه هو الّذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثمّ يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الفصل الخامس: الخُسوفات الثّلاثة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-143> معنى الخسف:</span>\nيقال: خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (^١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].\nوالخسوفات الثّلاثة الّتي هي من أشراط السّاعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلّامات الكبرى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات:</span>\n١ - عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن السّاعة لن تقوم حتّى تروا عشر آيات ... (فذكر منها:) وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب\" (^٢).\n٢ - وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيكون\n_________\n(^١) انظر: \"ترتيب القاموس المحيط\" (٢/ ٥٥)، و\"لسان العرب\" (٩/ ٦٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":381},{"text":"بعدي خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب\". قلت: يا رسول الله! أَيُخْسَفُ بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله - ﷺ -: \"إذا أكثر أهلها الخبث\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-145> هل وقعت هذه الخسوفات</span>؟\nوهذه الخسوفات الثّلاثة لم تقع بعدُ؛ كغيرها من الأشراط الكبرى الّتي لم يظهر شيءٌ منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنّها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي (^٢)، ولكنَّ الصّحيح انه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنّما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرِّقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط السّاعة الصغرى.\nأمّا هذه الخسوفات الثّلاثة، فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب.\nقال ابن حجر: \"وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثّلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا\" (^٣).\nويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنّها إنّما تقع إذا كَثُر الخبث في النَّاس، وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم.\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الأوسط\"؛ كما قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١١)، وقال: \"في الصّحيح بعضه، وفيه حكيم بن نافع، وثَّقه ابن معين، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٢) انظر: \"الإِشاعة\" (٤٩).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٤).","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الفصل السّادس: الدُّخان</span>\nظهور الدُّخان في آخر الزّمان من علامات السّاعة الكبرى الّتي دلَّ عليها الكتاب والسُّنَّة.\n\n* أدلة ظهوره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:</span>\nقال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١].\nوالمعنى: انتظر يا محمّد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السَّماء بدخان مبينٍ واضحٍ يغشى النَّاس ويعمُّهم، وعند ذلك يُقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك (^١).\nوفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلّماء:\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٣٠)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"1","page":383},{"text":"الأوّل: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النّبيّ - ﷺ - حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السَّماء كهيئة الدُّخان.\nوإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁، وتبعه جماعة من السلف (^١).\nقال ﵁: \"خمسٌ قد مضين: اللزام (^٢)، والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان\" (^٣).\nولما حدث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنّه يجيء دخانٌ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود ﵁، وقال: \"مَنْ علم فليقل، ومَن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطّبريّ\" (١٥/ ١١١ - ١١٣)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٣١)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٣).\n(^٢) (اللزام): هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]؛ أي: يكون عذابًا لازمًا يهلكهم نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر.\nانظر: \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ١٤٣ و٣٠٥)، و\"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٤٣).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب التفسير، باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٨/ ٥٧١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (١٧/ ١٤٣ - جمع شرح النووي).","vol":"1","page":384},{"text":"الإسلام، فدعا عليهم النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"اللَّهُمَّ أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف\"، فأخذتهم سنةٌ جتى هلكوا فيها، وأكلوا الميِّتة والعظام، ويرى الرَّجل ما بين السَّماء والأرض كهيئة الدُّخان (^١).\nوهذا القول رجَّحه ابن جرير الطّبريّ، ثمّ قال: \"لأنَّ الله جلَّ ثناؤه توعَّد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمَّد - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٨ - ٩]، ثمّ أتبع ذلك قوله لنبيه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أمرًا منه له بالصبر ... إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخَّره عنهم لغيرهم\" (^٢).\nالثّاني: أن لهذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، الّتي لم تجىء بعد، وسيقع قرب قيام السّاعة.\nوإلى هذا القول ذهب ابن عبّاس وبعض الصّحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطّبريّ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مُليكة (^٣)؛ قال:\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب التفسير، سورة الروم، (٨/ ٥١١ - مع الفتح)، وباب ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٨/ ٥٧١ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان، (١٧/ ١٤٠ - ١٤١ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"تفسير الطّبريّ\" (٢٥/ ١١٤).\n(^٣) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي =","vol":"1","page":385},{"text":"\"غدوتُ على ابن عبّاس ﵄ ذات يوم، فقال: ما نمت اللَّيلة حتّى أصبحت. قلتُ: لم؟ قال: قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتّى أصبحت\" (^١).\nقال ابن كثير: \"وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبّاس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول مَنْ وافقه من الصّحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها .. بما فيه مقنع ودِلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنّه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح يراه كلّ أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنّما هو خيالٌ رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.\nوهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصُّ أهل مكّة المشركين؛ لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ \" (^٢).\nوثبت في الصحيحين أن رسول الله - ﷺ - قال لابن صيَّاد: \"إنِّي خبَّأتُ لك خبئًا\". قال: هو الدُّخ. فقال له: \"اخسأ؛ فلن تعدو قدرك\". وخبأ له رسول الله - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٣).\n_________\n= المكي، كان قاضيًا ومؤذِّنًا لابن الزبير، وروى عن العبادلة الأربعة، وكان ثقة كثير الحديث، توفي سنة (١١٧ هـ) ﵀.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^١) \"تفسير الطّبريّ\" (٢٥/ ١١٣)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٥).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٥).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي، (٣/ ٢١٨ - مع =","vol":"1","page":386},{"text":"وفي هذا دليلٌ على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صياد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إِلَّا بعد الهجرة النبويَّة إلى المدينة المنوَّرة.\nوأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السّاعة الكبرى كما سيأتي.\nوأمّا ما فسَّر به ابن مسعود ﵁؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدَّم على كلّ موقوف (^١).\nولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلّامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، فيكشف عنهم، ثمَّ يعودون، وهذا قرب القيامة.\nعلى أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار (^٢) بأنّهما دخانان ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي الّتي ستقع في آخر الزّمان، فأمّا الّتي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان\n_________\n= الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، باب ذكر ابن صياد، (١٨/ ٤٧ - ٤٩ - مع النووي)،\nوالترمذي، باب ما جاء في ذكر ابن صياد، (٦/ ٥١٨ - ٥٢٠)، و\"مسند أحمد\" (٩/ ١٣٦ - ١٣٩) ح ٦٣٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوذكرت تصحيح أحمد شاكر لهذا الحديث، مع أنّه في الصحيحين؛ لأنَّ قوله: \"وخبأ له رسول الله - ﷺ -: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ الآية ... لم تذكر في الصحيحين، بل في رواية الإِمام أحمد والترمذي عن ابن عمر، وهي موضع الشّاهد هنا، فنبهت على أنّها صحيحة.\n(^١) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٧٢) تحقيق د. طه زيني.\n(^٢) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٥٥)، و\"شرح النوويّ لمسلم\" (١٨/ ٢٧).","vol":"1","page":387},{"text":"غير الدُّخان الحقيقي، الّذي يكون عند ظهور الآيات الّتي هي من أشراط السّاعة\nقال القرطبي: \"قال مجاهدٌ (^١): كان ابن مسعود يقول: هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السَّماء والأرض، ولا يجد المؤمّن منه إِلَّا كالزكمة، وأمّا الكافر؛ فتثقب مسامعه\" (^٢).\nوقال ابن جرير: \"وبعد؛ فإنّه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدَهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - عندنا كذلك؛ لأنّ الأخبار عن رسول الله - ﷺ - قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنّه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُوِيا عن رسول الله - ﷺ - صحيح\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:</span>\n_________\n(^١) هو الإِمام الحافظ مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج، لازم ابن عبّاس كثيرًا، وأخذ عنه التفسير، وأجمعت الأمة على إمامته والاحتجاج به.\nومن أقواله: \"الفقيه من يخاف الله وإن قل علمه، والجاهل من عصى الله وإن كثر علمه\".\nتوفي سنة اثنين أو ثلاث ومئة من الهجرة ﵀.\nانظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٩٢ - ٩٣)، و\"البداية والنهاية\" (٩/ ٢٢٤ - ٢٢٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٢ - ٤٤).\n(^٢) \"التذكرة\" (ص ٦٥٥).\n(^٣) \"تفسير الطّبريّ\" (٢٥/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":388},{"text":"مضى ذكر بعض الأحاديث الدَّالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزّمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك:\n١ - روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بادِروا بالأعمال ستًّا: الدَّجَّال، والدُّخان\" (^١).\n٢ - وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السّاعة الكبرى: \"الدُّخان\" (^٢).\n٣ - وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن ربَّكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمنَ كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتّى يخرج من كلّ مسمع منه\" (^٣).\n* * * * *\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب في بقية من أحاديث الدجال (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"تفسير الطّبريّ\" (٢٠/ ١١٤)، و\"تفسير ابن كثير\" (٧/ ٢٣٥)، قال ابن كثير: \"إسناده جيد\".\nوذكر ابن حجر رواية الطّبريّ عن أبي مالك وابن عمر، ثمّ قال: \"وإسنادهما ضعيف جدًا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدلُّ على أن ذلك أصلًا\". \"فتح الباري\" (٨/ ٥٧٣).","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>الفصل السابع: طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها</span>\nطلوع الشّمس من مغربها من علامات السّاعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسُّنَّة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-150> الأدلَّة على وقوع ذلك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:</span>\nقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nفقد دلَّت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشّمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين (^١).\nقال الطّبريّ - بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية -: \"وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنّه قال:\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطّبريّ\" (٨/ ٩٦ - ١٠٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٦٦ - ٣٧١)، و\"تفسير القرطبي\" (٧/ ١٤٥)، و\"إتحاف الجماعة\" (٢/ ٣١٥ - ٣١٦).","vol":"1","page":391},{"text":"ذلك حين تطلع الشّمس من مغربها\" (^١).\nوقال الشوكاني: \"فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه؛ فهو واجب التقديم، محتَّم الأخذ به\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:</span>\nالأحاديث الدالَّة على طلوع الشّمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها:\n١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها النَّاس؛ آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\" (^٣).\n٢ - وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تقوم السّاعة حتّى تقتتل فئتان ... (فذكر الحديث، وفيه:) وحتى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت، آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا\" (^٤).\n_________\n(^١) \"تفسير الطّبريّ\" (٨/ ١٠٣).\n(^٢) \"تفسير الشوكاني\" (٢/ ١٨٢).\n(^٣) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، (١١/ ٣٥٢ - مع الفتح)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٤ - مع شرح النووي).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح).","vol":"1","page":392},{"text":"٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بادِروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشّمس من مغربها\" (^١).\n٤ - وتقدَّم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها: \"طلوع الشّمس من مغربها\" (^٢).\n٥ - وروى الإِمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: \"حفظتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشّمس من مغربها\" (^٣).\n٦ - وعن أبي ذر ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال يومًا: \"أتدرون أين تذهب هذه الشّمس؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"إن هذه تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، فلا تزال كذلك، حتّى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري حتّى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتّى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثمّ تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا، حتّى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم \"، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٨٧ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"مسند أحمد\" (١١/ ١١٠ - ١١١) (ح ٦٨٨١)، تحقيق أحمد شاكر، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":393},{"text":"من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها\". فقال رسول الله - ﷺ -: \"أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانِها خيرًا\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-153> مناقشة رشيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشّمس:</span>\nأورد رشيد رضا حديث أبي ذر السابق، وعلَّق عليه بأن متنه من أعظم المتون إشكالًا، وقال في سنده: \"هذا الحديث رواه الشيخان من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر، وهو - على توثيق الجماعة له مدلِّس -؛ قال الإِمام أحمد: \"لم يلق أبا ذر\". كما قال الدارقطني: \"لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما\". وكما قال ابن المديني: \"لم يسمع من علي، ولا ابن عبّاس\". ذكر ذلك في \"تهذيب التهذيب\".\nوقد رُوِي غير هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون مَنْ حدَّثه عنهم غير ثقة.\nفإذا كان في بعض روايات الصحيحين والسنن مثل هذه العلل، وراء احتمال دخول الإِسرائيليات، وخطأ النقل بالمعنى، فما القول فيما تركه الشيخان وما تركه أصحاب السنن؟! \" (^٢).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب بيان الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - ١٩٦ - مع شرح النووي)، ورواه البخاريّ مختصرًا في \"صحيحه\"، كتاب التفسير، باب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، (٨/ ٥٤١ - مع الفتح)، وكتاب التّوحيد، باب \"وكان عرشه على الماء، وهورب العرش العظيم\"، (١٣/ ٤٠٤ - مع الفتح).\n(^٢) \"تفسير المنار\" (٨/ ٢١١ - ٢١٢)، تأليف محمّد رشيد رضا، الطبعة الثّانية بالأوفست، طبع دار المعرفة، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":394},{"text":"هذا ما قاله الشّيخ محمّد رشيد رضا ﵀!!\nوكلامه هذا كلامٌ خطير جدًّا، وطعنٌ في الأحاديث الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، وتشكيك في صحَّتها، لا سيما ما كان في \"الصحيحين\" اللذين أجمعت الأمة على تلقِّيهما بالقبول.\nويا ليت انه أنعم النظر في سند هذا الحديث، وسلم متنه من الإِشكال الّذي ادَّعاه، وتبع ما قاله هنا سلفه من العلماء الأعلام الذين آمنوا بما ثبت عن رسول الله - ﷺ -، ولم يتكلَّفوا ما لا علم لهم به، بل أجروا كلامه - ﷺ - على المعنى الصّحيح المتبادر من الحديث.\nقال أبو سليمان الخطابي في قوله - ﷺ -: \"مستقرُّها تحت العرش\": \"لا ننكر أن يكون لها استقرار تحت العرش؛ من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنّما أُخبرنا عن غيب، فلا نكذب به، ولا نكيِّفه؛ لانَ علمنا لا يحيط به\".\nثمّ قال عن سجودها تحت العرش: \"وفي هذا إخبار عن سجود الشّمس تحت العرش، فلا يُنْكَر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، والتصرف لما سُخِّرت له، وأمّا قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٥]؛ فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنّما هو بعد الغروب\" (^١).\nوقال النووي: \"وأمّا سجود الشّمس؛ فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها\" (^٢).\n_________\n(^١) \"شرح السنة\" للبغوي (١٥/ ٩٥ - ٩٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.\n(^٢) \"شرح النووي لصحيح مسلم\" (٢/ ١٩٧).","vol":"1","page":395},{"text":"وقال ابن كثير: \"يسجد لعظمته كلّ شيءٍ طوعًا وكرهًا، وسجود كلّ شيءٍ ممّا يختصُّ به\" (^١).\nوقال ابن حجر: \"وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كلّ يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم، المعبَّر عنه بالجري، والله أعلم\" (^٢).\nوعلى كلّ حال؛ فالكلام هنا ليس على استقرار الشّمس، ولا على سجودها، وإنّما أردتُ أن أبيَنَ أن حديث أبي ذرٍّ ﵁ ليس في متنه إشكال كما زعم رشيد رضا ﵀، وأن العلماء قد تلقَوْه بالقبول، وبيَّنوا معناه.\nوأمّا قدحه في سند هذا الحديث؛ فوهمٌ منه؛ فإن الحديث متَّصل الإِسناد برواية الثقات، وما ذكره من تدليس إبراهيم بن يزيد التيمي وانه لم يلق أبا ذر ولا حفصة وعائشة وانه لم يدرك زمانهما، فيجاب عنه:\n١ - أن الحديث ليس في سنده رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبي ذر، وإنّما سنده -كما في البخاريّ ومسلم- من رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر.\nوأبو إبراهيم هو: يزيد بن شريك التيمي، روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم من الصّحابة ﵃، وروى عنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وغيرهما، وثَّقه ابن معين وابن حبّان وابن سعد\n_________\n(^١) \"تفسير ابن كثير\" (٥/ ٣٩٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" (٨/ ٥٤٢).","vol":"1","page":396},{"text":"وابن حجر، وروى عنه الجماعة، وقال أبو موسى المديني: \"يقال: إنّه أدرك الجاهلية\" (^١).\n٢ - إن إبراهيم بن يزيد قد صرَّح بالسَّماع من أبيه يزيد؛ كما في رواية مسلم؛ فإنّه قال: \" ... حدّثنا يونس عن إبراهيم بن يزيد التيمي سمعه فيما أعلم عن أبيه عن أبي ذر\" (^٢).\nوالثقة إذا صرَّح بالسماع؛ قُبِلت روايته؛ كما هو مقرَّر في علم مصطلح الحديث (^٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-154> عدم قبول الإِيمان والتوبة بعد طلوع الشّمس من مغربها:</span>\nإذا طلعت الشّمس من مغربها؛ فإنّه لا يقبل الإِيمان ممَّن لم يكن قبل ذلك مؤمنًا؛ كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لان طلوع الشّمس من مغربها آية عظيمة، يراها كلّ مَنْ كان في ذلك الزّمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإِقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٣٣٧).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن، باب بيان الزمن الّذي لا يقبل فيه الإيمان\" (٢/ ١٩٥ - مع شرح النووي).\n(^٣) انظر: \"تيسير مصطلح الحديث\" (ص ٨٣).","vol":"1","page":397},{"text":"قال القرطبي: \"قال العلماء: وإنّما لا ينفع نفسًا إيمانُها عند طلوع الشّمس من مغربها لانه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتفتر كلّ قوة من قوى البدن، فيصير النَّاس كلهم - لإِيقانهم بدُنوِّ القيامة- في حالِ مَنْ حضره الموت؛ في انقطاع الدواعي إلى أنوع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم، فمَن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة مَنْ حضره الموت\" (^١).\nوقال ابن كثير: \"إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأمّا مَنْ كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة؛ حينئذ لم تقبل منه توبة\" (^٢).\nوهذا هو الّذي جاء به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nوقال - ﷺ -: \"لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتّى تطلع الشّمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طُبِعَ على كلّ قلب بما فيه، وكفي النَّاس العمل\" (^٣).\n_________\n(^١) \"التذكرة\" (ص ٧٠٦)، و\"تفسير القرطبي\" (٧/ ١٤٦).\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٧١).\n(^٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٣/ ١٣٣ - ١٣٤) (ح ١٦٧١)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nوقال ابن كثير: \"وهذا إسناد جيد- قوي\". \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٧٠).\nوقال الهيثمي: \"رجال أحمد ثقات\". \"مجمع الزؤائد\" (٥/ ٢٥١).","vol":"1","page":398},{"text":"وقال ﵊: \"إن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتّى تطلع الشّمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ ...﴾ الآية (^١).\nويرى بعض العلماء (^٢) أن الذين لا يُقبل إيمانُهم هم الكِفار الذين عاينوا طلوع الشّمس من مغربها، أمّا إذا امتدَّ الزّمان، ونسي النَّاس ذلك؛ فإنّه يُقْبل إيمان الكفار وتوبة العصاة.\nقال القرطبي: \"قال - ﷺ -: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\" (^٣)؛ أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الّذي يرى فيه مقعده من الجنَّة ومقعده من النّار، فالمشاهد لطلوع الشّمس من مغربها مثله، وعلى\n_________\n(^١) رواه التّرمذيّ في باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار، (٩/ ٥١٧ - ٥١٨ - مع تحفة الأحوذي).\nقال التّرمذيّ: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوقال ابن كثير: \"صححه النسائي\". \"تفسير ابن كثير\" (٣/ ٣٦٩).\n(^٢) انظر: \"التذكرة\" للقرطبي، (ص ٧٠٦)، و\"تفسير الألوسي\" (٨/ ٦٣).\n(^٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٩/ ١٧ - ١٨) (ح ٦١٦٠)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".\nومعنى (يغرغر)؛ بغينين معجمتين، الأولى مفتوحة، والثّانية مكسورة، وبراء مكررة، ومعناه: لم تبلغ روحه حلقومه.\n(الغرغرة): أن يجعل المشروب في. الفم، ويردِّده إلى أصل الحلق، ولا يبلع.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ٣٦٠)، و\"شرح مسند أحمد\" (٩/ ١٨) لأحمد شاكر.","vol":"1","page":399},{"text":"هذا ينبغي أن تكون توبة كلّ مَنْ شاهد ذلك أو كان كالشّاهد له مردودةً ما عاش؛ لأنّ علمه بالله تعالى وبنبيِّه - ﷺ - وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدَّت أيّام الدنيا إلى أن يَنْسى النَّاس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدَّثون عنه إِلَّا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًّا، وينقطع التواتر عنه، فمَن أسلم في ذلك الوقت أو تاب؛ قُبِل منه، والله أعلم\" (^١).\nوأيَّد ذلك بما رُوي: \"إن الشّمس والقمر يُكْسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على النَّاس ويغربان\".\nوبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ -: \"يبقى النَّاس بعد طلوع الشّمس من مغربها عشرين ومئة سنة\".\nوروي عن عمران بن حصين أنّه قال: \"إنّما لم تُقْبَل وقت الطلوع حتّى تكون صيحة، فيهلك فيها كثيرٌ من النَّاس، فمَن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثمّ هلك؛ لم تقبل توبتُه، ومَن تاب بعد ذلك؛ قُبِلَت توبته\" (^٢).\nوالجواب عن هذا كله: \"أن النصوص دلَّت على أن التوبة لا تُقبل بعد طلوع الشّمس من مغربها، وأن الكافر لا يُقبل منه الإسلام، ولم تفرِّق النصوص بين مَنْ شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهِدها\".\nوالذي يؤيِّد هذا ما رواه الطّبريّ عن عائشة ﵂؛ قالت: \"إذا خرج أول الآيات؛ طُرِحَت الأقلام، وحُبِسَت الحفظة، وشهِدت الأجسام على الأعمال\" (^٣).\n_________\n(^١) \"تفسير القرطبي\" (٧/ ١٤٦ - ١٤٧)، \"التذكرة\" (ص ٧٠٦).\n(^٢) \"التذكرة\" (ص ٧٠٥ - ٧٠٦).\n(^٣) \"تفسير الطّبريّ\" (٨/ ١٠٣). =","vol":"1","page":400},{"text":"والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها من الآيات؛ فإن الأحاديث تدلُّ على قَبول التوبة والِإيمان في ذلك الوقت.\nوروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: \"التوبة مبسوطةٌ ما لم تطلع الشمس من مغربها\" (^١).\nوروى الإِمام مسلم عن أبي موسى ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها\" (^٢).\nفجعل - ﷺ - غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها.\nوقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثارًا كثيرة تدلُّ على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة، ثم قال: \"فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متَّفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب؛ أُغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختصُّ بيوم الطلوع، بل يمتدُّ إلى يوم القيامة\" (^٣).\nوأما ما استدلَّ به القرطبي؛ فالجواب عنه:\n_________\n= قال ابن حجر: \"سنده صحيح، وهو وإن كان موقوفًا فحكمه حكم الرفع\". \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٥).\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٠١).\nقال ابن حجر: \"سنده جيد\". \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، (١٧/ ٧٦ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).","vol":"1","page":401},{"text":"أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: \"رَفْع هذا لا يثبت\".\nوحديث عمران بن حصين: \"لا أصل له\" (^١).\nوأما حديث: \"إن الشمس والقمر يُكْسَيان الضوء والنور ... \" إلخ؛ فلم يذكر له القرطبي سندًا، وعلى فرض ثبوته؛ فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليلٌ على أن باب التوبة قد فُتح مرة أخرى.\nوذكر الحافظ أنه وقف على نصِّ فاصل في هذا النزاع، وهو حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه: \"فمن يومئذ إلى يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ... الآية\" (^٢).\n* * * * *\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٥٤).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٨)، وذكر الحافظ أنه رواه الطبراني والحاكم، وبحثت عنه في \"المستدرك\" للحاكم في مظانه، فلم أعثر عليه.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفصل الثّامن: الدَّابَّة</span>\nظهور دابَّة الأرض في آخر الزّمان علامة على قرب السّاعة ثابت بالكتاب والسُّنَّة:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-156> أدلَّة ظهورها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>أ- الأدلة من القرآن الكريم:</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].\nفهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد النَّاس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخْرِج الله لهم دابَّة من الأرض، فتكلِّم النَّاس على ذلك (^١).\nقال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيَ: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبُّرها، والنزول على حكمها،\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٢٠).","vol":"1","page":403},{"text":"وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظةٌ، ولا يصرفهم عن غِيِّهِم تذكرةٌ، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلِّمهم، أي: دابة تعقل وتنطق، والدَّوابُّ في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم النَّاس أن ذلك آية من عند الله تعالى (^١).\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: \"وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن\".\nثمّ قال: \"أكثِروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع\". قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: \"يُسْرى عليه ليلًا، فيُصْبِحونَ منه قَفْرًا، وينسون (لا إلهَ إِلّا الله)، ويقعون في قول الجاهليَّةِ وأشعارهم، وذلك حين يقعُ القولُ عليهم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>ب - الأدلَّة من السنة المطهَّرة:</span>\n١ - روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاثٌ إذا خرجْنَ لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشّمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابَّة الأرض\" (^٣).\n٢ - وله عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: حفظتُ من\n_________\n(^١) \"التذكرة\" (ص ٦٩٧) بتصرُّف يسير.\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٤).\n(^٣) \"صحيح مسلم\"، كتاب الإِيمان، باب الزمن الّذي لا يقبل فيه الإِيمان، (٢/ ١٩٥ - مع شرح النووي).","vol":"1","page":404},{"text":"رسول الله - ﷺ - حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أوَّل الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا\" (^١).\n٣ - ومضى حديث حذيفه بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى، فذكر منها الدَّابة، وفي رواية: \"دابة الأرض\" (^٢).\n٤ - وروى الإِمام أحمد عن أبي أُمامة ﵁ يرفعه إلى النّبيّ - ﷺ - قال: \"تخرج الدَّابَّة، فتسم النَّاس على خراطيمهم (^٣)، ثمّ يغمرون (^٤) فيكم حتّى يشتري الرَّجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطبين\" (^٥).\n٥ - وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٧ - ٧٨ - مع شرح النووي).\n(^٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٨ - مع شرح النووي).\n(^٣) (الخرطوم): الأنف. وقيل: مقدم الأنف. انظر: \"لسان العرب\" (١٢/ ١٧٣).\n(^٤) (يغمرون)؛ أي: يكثرون. و(الغمرة): الزحمة من النَّاس والماء.\n(^٥) \"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ٢٦٨ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال الهيثمي: \"رجاله رجال الصّحيح؛ غير عمر بن عبد الرّحمن بن عطية، وهو ثقة\". \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦).\nوقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ٣٧) (ح ٢٩٢٤)، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (م ١/ ٣/ ٣١) (ح ٣٢٢).","vol":"1","page":405},{"text":"قال: \"بادِروا بالأعمال ستًّا ... (وذكر منها:) دابَّة الأرض\" (^١).\n٦ - وروى الإِمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - قال: \"تخرج الدَّابة ومعها عصا موسى -﵇-، وخاتم سليمان -﵇-، فتخطم (^٢) الكافر- قال عفان (^٣) (أحد رواة الحديث): أنف الكافر- بالخاتم، وتجلو وجه (^٤) المؤمّن بالعصا، حتّى إن أهل الخوان (^٥) ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن! ويقول هذا: يا كافر\" (^٦).\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\"، باب في بقية من أحاديث الدجال، (١٨/ ٧٨١ - مع شرح النووي).\n(^٢) (تخطم الكافر): أي تسمه، من: خطمتُ البعير إذا كويته خطمًا من الأنف إلى أحد خديه، وتسمى تلك السمة الخطام، ومعناه: أن تؤثر في أنفه سمة يعرف بها.\nانظر: \"لسان العرب\" (١٢/ ١٨٨)، و\"ترتيب القاموس\" (٢/ ٧٩ - ٨٠)، و\"النهاية\" في غريب الحديث\" (٢/ ٥٠).\n(^٣) هو أبو عثمان، عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار البصري، كان ثقة، ثبتًا، حجة، كثير الحديث، توفي سنة (٢٢٠ هـ) ﵀. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٣٠ - ٢٣٤).\n(^٤) (تجلو وجه المؤمّن): الجلى- مقصورة-: انحسار مقدم الشعر، والمعنى تصقله وتبيضه.\nانظر: \"ترتيب القاموس\" (١/ ٥٢٣)، و\"تحفة الأحوذي\" (٩/ ٤٤).\n(^٥) (الخوان): هو ما يوضع عليه الطّعام عند الأكل.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٦) \"مسند الإِمام أحمد\" (١٥/ ٧٩ - ٨٢) (ح ٧٩٢٤)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: \"إسناده صحيح\".=","vol":"1","page":406},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-159> من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:</span>\nاختلفت الأقوال في تعيين دابَّة الأرض، وإليك بعض ما قاله العلماء في ذلك:\nالأوّل: قال القرطبي: \"أول الأقوال أنها فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم\" (^١).\nواستشهد لهذا القول بما رواه أبو داود الطيالسي عن حذيفة بن أسيد الغفاري؛ قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدَّابَّة ... (فذكر الحديث، وفيه:) \"لم يرعهم إِلَّا وهي ترغو بين الركن والمقام\" (^٢).\n_________\n= وسنن التّرمذيّ، أبواب التفسير، سورة النمل، (٩/ ٤٤)، وقال: \"حديث حسن\". و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\nوقال الألباني: \"ضعيف\" في \"ضعيف الجامع الصغير\" (٣/ ٢٦) (ح ٣٤١٢). وسبب تضعيفه لهذا الحديث أن في سنده علي بن زيد بن جدعان، وهو عنده ضعيف.\nأمّا الشّيخ أحمد شاكر؛ فيرى انه ثقة، حيث قال في تعليقه على \"المسند\" (٢/ ١٢٢) (ح ٧٨٣): \"علي بن زيد: هو ابن جدعان، وقد سبق أننا وثقناه، وهو مختلف فيه، والراجح عندنا توثيقه، وقد صحح له التّرمذيّ أحاديث\".\n(^١) \"تفسيرالقرطبي\" (١٣/ ٢٣٥).\n(^٢) \"منحة المعبود ترتيب مسند الطيالسي\"، باب خروج الدابة\" (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١) للساعاتي، ولفظه: \"ترنو\"، وليس فيه: \"ترغو\".\nورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٨٤)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإِسناد، وهو أبين حديث في ذكر دابة الأرض، ولم يخرجاه\".\nقلت: الحديث ضعيف؛ لان في إسناده عند الطيالسي والحاكم طلحة بن عمرو =","vol":"1","page":407},{"text":"وموضع الشّاهد قوله: \"ترغو\"، والرغاء إنّما هو للإِبل، وذلك \"أن الفصيل لما قُتِلَتِ الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثمّ انطبق عليه، فهو فيه حتّى يخرج بإذن الله ﷿\".\nثمَّ قال: \"لقد أحسن من قال:\nواذْكُرْ خُروجَ فَصِيْلَ ناقَةِ صالحٍ ... يَسِمُ الوَرَى بالكُفْرِ والإِيْمانِ\" (^١)\nوترجيح القرطبي لهذا القول فيه نظر؛ فإن الحديث الّذي استند إليه في سنده رجلٌ متروك.\nوأيضًا؛ فإنّه جاء في بعض كتب الحديث لفظ: (تدنو) و(تربو)؛ بدل: (ترغو)؛ كما في \"المستدرك\" للحاكم.\nالثّاني: أنها الجسَّاسة المذكورة في حديث تميم الداري ﵁ في قصة الدَّجَّال.\nوهذا القول منسوبٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (^٢).\n_________\n= الحضرمي: قال ابن معين: \"ليس بشيء ضعيف\"، وقال الذهبي في \"ذيل المستدرك\": \"تركه أحمد\"، وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو، وهو متروك\".\n\"مجمع الزوائد\" (٨/ ٧)، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٣ - ٢٤).\nوهذا الحديث أخرجه الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، وعزاه للطيالسي، ولفظه: \"تزعق\"، بدل: \"ترغو\".\n(^١) \"التذكرة\" (ص ٧٠٢).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١٨/ ٢٨). =","vol":"1","page":408},{"text":"وليس في حديث تميم ما يدلُّ على أن الجساسة هي الدَّابة الّتي تخرج آخر الزّمان، وإنّما الّذي جاء فيه انه لقي دابَّة أهلب كثيرة الشعر، فسألها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.\nوسُمِّيت بالجساسة لأنها تجسُّ الأخبار للدَّجَّال (^١).\nوأيضًا؛ فما جاء في شأن الدَّابَّة الّتي نتحدث عنها من تعنيف النَّاس وتوبيخهم على كفرهم بآيات الله تعالى يُبيِّن أنها غير الجساسة الّتي تنقل الأخبار للدَّجَّال، والله أعلم.\nالثّالث: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة الّتي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة.\nولهذا القول نسبه القرطبي (^٢) إلى ابن عبّاس ﵄؛ منقولًا من كتاب النقاش، ولم يذكر له مستندًا في ذلك، وذكره الشوكاني في \"تفسيره\" (^٣).\nالرّابع: أن الدَّابَّة إنسانٌ متكلِّم يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛\n_________\n= وممَّن قال بأنها الجساسة: البيضاوي في \"تفسيره\" (٤/ ١٢١)، طبعة مؤسسة شعبان، بيروت.\nوانظر: \"الإِذاعة\" (ص ١٧٣)، وكتاب \"العقيدة الركن الأوّل في الإسلام\" (ص ٣٢٠) للشيخ محمّد الفاضل الشريف التقلاوي، دار العلوم للطباعة، القاهرة.\n(^١) \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٢٧٢)، و\"شرح السنة\" للبغوي، (١٥/ ٦٨).\n(^٢) \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٦).\n(^٣) \"تفسير الشوكاني/ فتح القدير\" (٤/ ١٥١).","vol":"1","page":409},{"text":"لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بينة.\nوهذا القول ذكره القرطبي، وردَّه بأن الدَّابَّة لو كانت إنسانًا يناظر المبتدعة، لم تكن الدَّابَّة آية خارقة وعلامة من علامات السّاعة العشر.\nوأيضًا فيه العدول عن تسمية هذا الإِنسان المناظر الفاضل العالم الّذي على أهل الأرض أن يسمُّوه باسم الإِنسان أو العالم أو الإِمام إلى أن يسمَى بالدَّابَّة، وهذا خروجٌ عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء (^١).\nالخامس: أن الدَّابَّة اسم جنس (^٢) لكلِّ ما يدبُّ، وليست حيوانًا مشخَّصًا معيَّنًا يحوي العجائب والغرائب، ولعلّ المراد بها تلك الجراثيم الخطيرة الّتي تفتك بالإِنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قلوبٌ تعقل، فترجع بهم إلى الله، وإلى دينه، وتلزمهم الحجة، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فإن من معاني التكليم التجريح.\nوهذا القول هو ما ذهب إليه أبو عبيَّة في تعليقه على \"النهاية/ الفتن والملاحم\" لابن كثير (^٣)، وهو رأي بعيد عن الصواب، وذلك لأمور:\nأ - أن الجراثيم موجودة من قديم الزّمان، وكذلك الأمراض الّتي\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧).\n(^٢) في كون الدابة اسم جنس لدواب كثيرة ذكر هذا القول البرزنجي في \"الإِشاعة\" (ص ١٧٧)، ونسبه لتفسير ابن علان \"ضياء السبيل\"، وهذا القول لم يذكر له دليلًا صحيحًا يعتمد عليه.\n(^٣) (١/ ١٩٠، ١٩٩)، تحقيق محمّد فهيم أبو عبية.","vol":"1","page":410},{"text":"تفتك بالناس في أجسامهم وزروعهم ودوابِّهم (^١)، والدَّابَّة الّتي هي من أشراط السّاعة لم تظهر بعد.\nب - أن الجرائم غالبًا لا ترى بالعين المجرَّدة، وأمّا الدَّابَّة؛ فلم يقل أحدٌ: إنها لا تُرى، بل إن النّبيّ - ﷺ - ذكر من أحوالها ما يدلُّ على رؤية النَّاس لها، فذكر أن معها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉ ... إلى غير ذلك ممّا سبق ذكره.\nج - أن هذه الدَّابَّة تَسِم النَّاس على وجوههم بالكفر والإِيمان، فتجلو وجه المؤمّن، وتخطم أنف الكافر، وأمّا الجراثيم؛ فلا تفعل شيئًا من ذلك.\nد - الّذي يظهر أن الّذي دفعه لهذا القول هو ما ذُكِرَ في صفة الدَّابَّة من الأقوال الكثيرة المختلفة (^٢)، ولكن قدرة الله أعظم، وما صحَّ عن رسول الله - ﷺ - يجب التسليم به.\nوكذلك؛ فأي مانع من حمل اللّفظ على المعنى المتبادر، ولا نلجأ\n_________\n(^١) انظر: \"إتحاف الجماعة\" (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٢) ذكر بعض المفسرين آثارًا كثيرة في صفة هذه الدابة، وذُكرت هذه الآثار أيضًا في بعض كتب أشراط السّاعة، ولم أطلع بعد البحث على تصحيح أحد من العلماء لهذه الآثار، فالله أعلم بحالها.\nوهذه بعض الكتب الّتي تعرضت لذلك: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، و\"التذكرة\" (ص ٦٩٩)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢٣)، و\"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ١٦٢ - ٢٦٣)، و\"تفسير الشوكاني\" (٤/ ١٥١ - ١٥٣)، و\"لوامع الأنوار\" (٢/ ١٤٦ - ١٤٧)، و\"الإشاعة\" (ص ١٧٤ - ١٧٥)، و\"تحفة الأحوذي\" (٦/ ٤١٣ - ٤١٤).","vol":"1","page":411},{"text":"إلى التجوُّز إِلَّا إذا تعذَّرتِ الحقيقة، لا سيما أن قوله هذا مخالفٌ لأقوال المفسرين؛ فإنهم ذكروا أن هذه الدَّابَّة مخالفة لما يعتاده البشر، فهي من خوارق العادات، كما أن طلوع الشّمس من مغربها أمرٌ خارقٌ للعادة.\nوقد جاء في الحديث انهما يخرجان في وقت متقارب؛ قال - ﷺ -: \"أول الآيات خروجًا طلوع الشّمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة على النَّاس ضحىً، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا\" (^١).\nوالذي يجب الإِيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزّمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالَّة على انهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدَّابَّة؛ فهم النَّاس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.\nوالذي يؤيِّد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب النَّاس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو انه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان -﵇-، فجاء ذكر الدَّابَّة وتكليمها النَّاس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام (^٢).\nقال أحمد شاكر ﵀: \"والآية صريحةٌ بالقول العربي أنّها (دابَّة)، ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل ... ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة)\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨/ ٧٧ - ٧٨).\n(^٢) انظر: \"في ظلال القرآن\" (٥/ ٢٦٦٧).","vol":"1","page":412},{"text":"الآية، وأنها تخرج آخر الزّمان، ووردت آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله - ﷺ - المبلِّغ عن ربه، والمبين آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإِسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إِلَّا أن يقفوا عند حدود المادة الّتي رسمها لهم معلِّموهم وقدوتُهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإِباحيون، المتحلِّلون من كلّ خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون (^١)، ويحاورون، ويداورون، ثمّ يتأوَّلون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصّحيح للألفاظ في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز؛ لما وقر في أنفسهم من الإِنكار الّذي يبطنون\" (^٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-160> مكان خروج الدَّابَّة:</span>\nاختلفت الأقوال في تعبين مكان خروج الدَّابَّة، فمنها:\n١ - أنها تخرج من مكّة المكرَّمة من أعظم المساجد.\nويؤيد هذا القول ما رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن حذيفة بن أسيد - أراه رفعه -؛ قال: \"تخرج الدَّابَّة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبَّت الأرض، فبينا هم كذلك إذ تصدَّعت\" (^٣).\n_________\n(^١) (الجمجمة): هو أن لا يبين كلامه. انظر: \"ترتيب القاموس المحيط\" (١/ ٥٣٣).\n(^٢) شرح أحمد شاكر لـ \"مسند أحمد\" (١٥/ ٨٢).\n(^٣) \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٧ - ٨).","vol":"1","page":413},{"text":"قال ابن عيينة (^١): \"تخرج حين يسري الإِمام جمع، وإنّما جعل سابقًا ليخبر النَّاس أن الدَّابَّة لم تخرج\" (^٢).\n٢ - أن لها ثلاث خَرَجات، فمرة تخرج في بعض البوادي ثمّ تختفي، ثمّ تخرج في بعض القرى، ثمّ تظهر في المسجد الحرام (^٣).\n_________\n(^١) ابن عيينة: هو الإِمام الحجة الحافظ أبو محمّد سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، محدث الحرم، ولد سنة (١٠٧ هـ)، وأخذ عن الزّهريُّ وطبقته، وروى عن الشّافعيّ وأحمد بن حنبل وابن معين وطبقتهم، واتفقت الأئمة على الاحتجاج به؛ لحفظه وأمانته، وقد حج سبعين سنة.\nقال الشّافعيّ: \"لولا مالك وسفيان؛ لذهب علم الحجاز\".\nويقول: \"ما رأيت أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان، وما رأيت أحدًا أكف عن الفتيا منه\".\nتوفي سنة (١٩٨ هـ) ﵀.\nانظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١١٧ - ١٢٢)، و\"الخلاصة\" (ص ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٢) \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٧ - ٨).\nقال الهيثمي: \"رجاله ثقات\".\n(^٣) جاء في حديث حذيفة بن أسيد عند الحاكم: إن لها \"ثلاث خرجات\"، وذكر الحديث بطوله، ثمّ قال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\". ووأفقه الذهبي في \"تلخيصه المستدرك\" (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥).\nوروى الطبراني والحاكم عن حذيفة أيضًا، وفيه: \"أنها تخرج ثلاث خرجات؛ تخرج من أقصى اليمن، ثمّ تخرج قريبًا من مكّة، ثمّ تخرج من المسجد الحرام بين الركن الأسود وبين باب بني مخزوم\".\nولكن هذه الرِّواية في سندها طلحة بن عمرو الحضرمي، وهو ضعيف، وقد مضى تخريج هذا الحديث.","vol":"1","page":414},{"text":"وهناك أقوالٌ أخرى غير ما ذكرته، غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكِّي (^١)، فالله أعلم بذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-161> عمل الدَّابَّة:</span>\nإذا خرجت هذه الدَّابَّة العظيمة؛ فإنها تسم المؤمّن والكافر.\nفأمّا المؤمّن؛ فإنها تجلو وجهه حتّى يشرق، ويكون ذلك علامة على إيمانه.\nوأمّا الكافر؛ فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره والعياذ بالله.\nوجاء في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢].\nوفي معنى هذا التكليم اختلفت أقوال المفسرين:\n١ - أن المراد: تكلمهم كلامًا؛ أي: تخاطبهم مخاطبة، ويدلُّ على هذا قراءة أبي بن كعب ﵁: (تنبئهم).\n٢ - تجرحهم، ويؤيد ذلك قراءة (تَكْلمهم)؛ بفتح التاء وسكون الكاف، من الكَلْم، وهو الجَرْح، وهذه القراءة مرويَّة عن ابن عبّاس ﵁؛ أي: تسمهم وسمًا (^٢).\nوهذا القول يشهد له حديث أبي أُمامة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ -\n_________\n(^١) انظر: \"التذكرة\" (ص ٦٩٧ - ٦٩٨)، و\"الإِشاعة\" (ص ١٧٦ - ١٧٧)، و\"لوامع الأنوار\" (٢/ ١٤٤ - ١٤٦).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١/ ٢٣٧)، و\"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٢٠)، و\"تفسير الشوكاني\" (٤/ ١٥٢).","vol":"1","page":415},{"text":"قال: \"تخرج الدَّابَّة، فتسم النَّاس على خراطيمهم\" (^١).\nوروي عن ابن عبّاس انه قال: \"كلًّا تفعل\"؛ أي: المخاطبة والوسم.\nقال ابن كثير: \"وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم\" (^٢).\nوأمّا الكلام الّذي تخاطبهم به؛ فهو قولها: \"إن النَّاس كانوا بآياتنا لا يوقنون\".\nوهذا على قراءة مَنْ قرأها بفتح همزة (إن)؛ أي: تخبرهم أن النَّاس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهذه قراءة عامة قراء الكوفة وبعض أهل البصرة.\nوأمّا قراءة عامَّة قراء الحجاز والبصرة والشام؛ فبكسر همزة (إن) على الاستئناف، ويكون المعنى: تكلِّمُهم بما يسوؤهم، أو ببطلان الأديان سوى دين الإسلام (^٣).\nقال ابن جرير: \"والصواب من القول في ذلك أنها قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضتان في قراءة الأمصار\" (^٤).\n* * * * *\n_________\n(^١) رواه الإِمام أحمد وسبق تخريجه.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٦/ ٢٢٠).\n(^٣) انظر: \"تفسير الطّبريّ\" (٢٠/ ١٦)، و\"تفسير القرطبي،\" (١٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، و\"تفسير الشوكاني\" (٤/ ١٥٢).\n(^٤) \"تفسير الطّبريّ\" (٢٠/ ١٦).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل التّاسع: النّار الّتي تحشر النَّاس</span>\nومنها خروج النّار العظيمة، وهي آخر أشراط السّاعة الكبرى، وأول الآيات المؤذِنة بقيام السّاعة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-163> مكان خروجها:</span>\nجاءت الروايات بأن خروج هذه النّار يكون من اليمن، من قعرة عدن (^١)، وتخرج من بحر حضرموت؛ كما جاء في روايات أخرى.\nوإليك طائفة ممّن الأحاديث الّتي تبيِّن مكان خروج هذه النّار، وهي من الأدلَّة على ظهورها.\n١ - جاء في حديثَ حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السّاعة الكبرى قوله - ﷺ -: \"وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد النَّاس إلى محشرهم\".\n_________\n(^١) (عدن): هي المدينة المعروفة في اليمن جنوب الجزيرة العربيّة، وهي واقعة على بحر حضرموت، ويسمى اليوم: البحر العربي.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٣/ ١٩٢).","vol":"1","page":417},{"text":"رواه مسلم (١).\n٢ - وفي رواية له عن حذيفة أيضًا: \"ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل النَّاس\" (٢).\n٣ - وروى الإِمام أحمد والترمذي عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ستخرج نارٌ من حضرموت أو من بحر حضرموت، قبل يوم القيامة، تحشر النَّاس\" (^٣).\n٤ - وروى الإِمام البخاريّ عن أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام لما أسلم سأل النّبيّ - ﷺ - عن مسائل، ومنها: ما أول أشراط السّاعة؟ فقال النّبيّ - ﷺ -: \"أمّا أول أشراط السّاعة؛ فنار تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب\" (^٤).\nوالجمع بين ما جاء أن هذه النّار هي آخر أشراط السّاعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراط السّاعة: أن آخريتها باعتبار ما ذُكِر معها من الآيات\n_________\n(١ و٢) \"صحيح مسلم\"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٢٧ - ٢٩ - مع شرح النووي).\n(^٣) \"مسند الإِمام أحمد\" (٧/ ١٣٣) (ح ٥١٤٦)، قال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\". والترمذي (٦/ ٤٦٣ - ٤٦٤ - مع تحفة الأحوذي).\nقال الألباني: \"صحيح\". انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ٢٠٣) (ح ٣٦٠٣).\n(^٤) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب أحاديث، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، (٦/ ٣٦٢ - مع الفتح) (ح ٣٣٢٩).","vol":"1","page":418},{"text":"الواردة في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أوَّل الآيات الّتي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور؛ بخلاف ما ذُكِرَ معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة؛ فإنّه يبقى بعد كلّ آية منها أشياء من أمور الدُّنيا (^١).\nوأمّا ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب؛ فيجاب عن ذلك بأجوبة:\n١ - أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النّار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها النَّاس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله: \"تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب\"؛ إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب (^٢).\n٢ - أن النّار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أوَّلًا، ويؤيِّد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأمّا جعل الغاية إلى المغرب؛ فلأن الشّام بالنسبة إلى المشرق مغرب.\n٣ - يحتمل أن تكون النّار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة الّتي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النّار، وكان ابتداؤها من قِبَل المشرق، حتّى خرب معظمه، وانحشر النَّاس من جهة المشرق\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٨٢).","vol":"1","page":419},{"text":"إلى الشّام ومصر، وهما من جهة المغرب؛ كما شوهد ذلك مرارًا من عهد جنكزخان ومَن بعده.\nوأمّا النّار الّتي في حديثي حذيفة بن أسيد وابن عمر؛ فهي نارٌ حقيقية (^١)، والله أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-164> كيفية حشرها للناس:</span>\nعند ظهور هذه النّار العظيمة من اليمن؛ تنتشر في الأرض، وتسوق النَّاس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:\nالأوّل: فوجٌ راغبون طاعِمون كاسون راكبون.\nوالثّاني: وفوجٌ يمشون تارة ويركبون أخرى، يعتقبون على البعير الواحد؛ كما سيأتي في الحديث: \"اثنان على بعير، وثلاثة على بعير ... إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه\"، وذلك من قلة الظهر يومئذ.\nوالفوج الثّالث: تحشرهم النّار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كلّ جانب إلى أرض المحشر، ومن تخلَّف أكلته النّار (^٢).\nومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النّار للناس:\n١ - روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: \"يحشر النَّاس على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحْشُر بقيتَهم النارُ؛\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٧٨ - ٣٧٩) بتصرُّف بسيط.\n(^٢) انظر: \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":420},{"text":"تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا\" (^١).\n٢ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تبعث نارٌ على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم، وتخلف وتسوقهم سوق الجمل الكسير\" (^٢).\n٣ - وعن حذيفة بن أسيد ﵁؛ قال: قام أبو ذرٍّ ﵁، فقال: يا بني غِفار! قولوا ولا تختلفوا؛ فإن الصادق المصدوق - ﷺ - حدثني \"أن النَّاس يُحْشَرون ثلاثة أفواج: فوجٌ راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النّار\". فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: \"يلقي الله الآفة على الظَّهر حتّى لا يبقى ظَهرٌ، حتّى إن الرَّجل لَيكون له الحديقة المعجبة، فيعطيها بالشارف (^٣) ذات القتب (^٤)؛ فلا\n_________\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب الحشر، (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح) (ح ٦٥٢٢)، و\"صحيح مسلم\"، كتاب الجنَّة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥ - مع شرح النووي).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، ورجاله ثقات. \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٢)\nورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٤٨)، وقال: \"هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي على تصحيحه.\n(^٣) (الشارف): هي الناقة المسن أو الهرمة. \"لسان العرب\" (٩/ ٧٣).\n(^٤) (القتب): بكسر القاف وسكون التاء، هو الرحل الّذي يوضع على قدر سنام =","vol":"1","page":421},{"text":"يقدر عليها\" (^١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-165> أرض المحشر:</span>\nيحشر النَّاس إلى الشّام في آخر الزّمان، وهي أرض المحشر؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:\n١ - منها ما روي عن ابن عمر ﵄ في ذكر خروج النّار، وفيه: قال: قلنا: يا رسول الله! فماذا تأمرنا؟ قال: \"عليكم بالشام\" (^٢).\n٢ - وروى الإِمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه ... (فذكر الحديث، وفيه قوله - ﷺ -:) \"ها هُنا تُحْشَرون، ها هُنا تُحْشَرون، ها هُنا تُحْشرون (ثلاثًا)؛ ركبانًا، ومشاة، وعلى وجوهكم\".\n_________\n= البعير، والمعنى: الناقة العاملة.\nانظر: \"لسان العرب\" (١/ ٦٦٠ - ٦٦١).\n(^١) \"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ١٦٤ - ١٦٥ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و\"سنن النسائي\"، كتاب الجنائز، باب البعث، (٤/ ١١٦ - ١١٧)، و\"مستدرك الحاكم\" (٤/ ٥٦٤)، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإِسناد إلى الوليد بن جميع، ولم يخرجاه\".\nوقال الذهبي في \"تلخيصه للمستدرك\": \"الوليد قد روى له مسلم متابعة، واحتج به النسائي\".\nقلت: سند النسائي رجاله ثقات، وفيه الوليد بن جميع: وثقه ابن معين والعجلي، وقال الإِمام أحمد وأبو داود: \"ليس به بأس، وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث\". وقال ابن حجر: \"صدوق يهم\".\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٣٣٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٣٨ - ١٣٩)، و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) رواه الإمام أحمد والترمذي، وقد سبق تخريجه (ص ٤٠٠).","vol":"1","page":422},{"text":"قال ابن أبي بكير (^١): فأشار بيده إلى الشّام، فقال: \"إلى ها هُنا تُحْشَرون\" (^٢).\n٣ - وفي رواية التّرمذيّ عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ قال: قلت: يا رسول الله! أين تأمرني؟ قال: \"ها هنا (ونحا بيده نحو الشّام) \" (^٣).\n٤ - وروى الإِمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز النَّاس إلى مُهاجَرِ إبراهيم، لا يبقى في الأرض إِلَّا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النّار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلَّف\" (^٤).\n_________\n(^١) هو أبو زكريا يحيى بن أبي بكير، واسمه نسر الأسدي الكرماني الكوفي الثقة، توفي سنة ثمان أو تسع ومئتين ﵀.\nانظر: \"تهذيب الكمال\" (٣/ ١٤٩١)، و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ١٩٠).\n(^٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧ - بهامشه منتخب كنز العمال).\n(^٣) التّرمذيّ (٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح ... \".\nوفي الروايتين قال ابن حجر: \"أخرجه التّرمذيّ والنسائي وسنده قوي\". انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٠).\n(^٤) \"مسند الإِمام أحمد\" (١١/ ٩٩) (ح ٦٨٧١)، قال أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\".\nو\"سنن أبي داود\" (٧/ ١٥٨ - مع عون المعبود) (٢٤٦٥).\nوقال الحافظ ابن حجر: \"أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به\". \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":423},{"text":"قال ابن حجر: \"وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عبّاس: من شكَّ أن المحشر هاهنا -يعني: الشّام-؛ فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله - ﷺ - يومئذٍ: اخرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر\" (^١).\nوالسبب في كون أرض الشّام هي أرض المحشر أن الأمن والإِيمان حين تقع الفتن في آخر الزّمان يكون بالشام.\nوقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة:\nمنها ما أخرجه الإِمام أحمد عن أبي الدَّرداء؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"بيَّنَّا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فظننتُ انه مذهوبٌ به، فأتبعْتُهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشّام، ألَّا وإن الإِيمان حين تقع الفتن بالشام\" (^٢).\nوأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"رأيتُ ليلة أُسري بي عمودًا أبيض كانه لواءٌ تحمله الملائكة، فقلتُ: ما تحمِلون؟ قالوا: عمود الكتاب؛ أُمِرنا أن نضعه بالشام\" (^٣).\nوروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجنَدة: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق\". قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٠)، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" (٨/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٥/ ١٩٨ - ١٩٩ - بهامشه منتخب الكنز).\nقال ابن حجر: \"أخرجه أحمد، ويعقوب بن سفيان، والطبراني .... وسنده صحيح\". انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ٤٠٣)، قال الحافظ: \"سنده حسن\".","vol":"1","page":424},{"text":"إن أدركتُ ذلك. فقال: \"عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأمّا إذا أبيتم؛ فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكَّل لي بالشام وأهله\" (^١).\nوقد دعا رسول الله - ﷺ - للشام بالبركة؛ كما ثبت في \"الصّحيح\" عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال النّبيّ - ﷺ -: \"اللَّهُمَّ بارك لنا في شامنا، اللَّهُمَّ بارك لنا في يمننا\" (^٢).\nوقد تقدَّم أن نزول عيسى -﵇- في آخر الزَّمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجَّال.\nوقد أنكر أبو عبيَّة أن تكون أرض الشّام هي أرض المحشر، فقال: \"الكلام الّذي يحدِّد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل في القرآن الكريم ما ينقضه؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، فأين أرض الشّام إذن؟! \" (^٣).\nويجاب عنه بأن الأدلة متضافرة على أن أرض المحشر هي الشّام؛ كما سبق ذكرها.\nوالحامل له على هذا هو اعتقاده أن هذا الحشر في الآخرة، وليس\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" (٧/ ١٦٠ - ١٦١ - مع عون المعبود) (ح ٢٤٦٦).\nوالحديث صحيح. انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) (ح ٣٥٥٣).\n(^٢) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: \"الفتنة من قبل المشرق\" (١٣/ ٤٥ - مع الفتح).\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٢٥٧)، تعليق محمّد فهيم أبو عبية.","vol":"1","page":425},{"text":"في الدنيا، وسأبين في البحث الآتي أن<span data-type=\"title\" id=toc-166> هذا الحشر في الدُّنيا</span>؛ كما تدل عليه النصوص الصحيحة.\n\n* هذا الحشر في الدُّنيا:\nهذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا، وليس المراد به حشر النَّاس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة:\nأمّا حشرا الدُّنيا:\nفالأول: إجلاء بني النضير إلى الشّام.\nوالثّاني: حشر النَّاس قبل القيامة إلى الشّام، وهي النّار المذكورة هنا في الأحاديث\" (^١).\nوكون هذا الحشر في الدُّنيا هو الّذي أجمع عليه جمهور العلماء؛ كما ذكر ذلك القرطبي، وابن كثير، وابن حجر، وهو الّذي تدلُّ عليه النصوص كما تقدَّم بسطها.\nوذهب بعض العلماء، كالغزالي (^٢)، والحليمي (^٣) إلى أن هذا الحشر\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٢ - ٣)، و\"التذكرة\" (ص ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٧٩)، و\"التذكرة\" (ص ١٩٩).\n(^٣) هو الحافظ أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمّد بن حليم الجرجاني، فقيه شافعي، تولى القضاء في بخارى، وكان كثير الترحال في بلاد خراسان، ومن مصنفاته: \"المنهاج في شعب الإيمان\"، وقد نقل عنه الحافظ البيهقي كثيرًا في كتابه \"شعب الإِيمان\"، كانت وفاة الحليمي سنة (٤٠٣ هـ)، وله من العمر خمس وستون سنة، ﵀. =","vol":"1","page":426},{"text":"ليس في الدُّنيا (^١)، وإنّما هو في الآخرة.\nوذكر ابن حجر أن بعض شُرَّاح المصابيح حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:\n١ - أن الحشر إذا أُطلق في عرف الشّرع؛ إنّما يُراد به الحشر من القبور؛ ما لم يخصه دليلٌ.\n٢ - أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشّام؛ لان المهاجر لا بد أن يكون راغبًا أو راهبًا أو جامعًا بين الصفتين.\n٣ - أن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النّار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتّى لا تفارقهم: قولٌ لم يردّ به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النّار في الدُّنيا على أهل الشِّقوة من غير توقيف.\n٤ - أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: \"ثلاثًا على الدَّواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم\"، وهذا التقسيم الّذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ (^٢) [الواقعة: ٧].\n_________\n= انظر كتابه \"المنهاج في شعب الإِيمان\" (١/ ١٣ - ١٩) لحلمي محمّد فودة، وانظر: \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١٠٣٠)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(^١) انظر: \"المنهاج في شعب الإِيمان\" (١/ ٤٤٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٠).","vol":"1","page":427},{"text":"والإِجابة عمَّا احتجوا به يتلخَّص فيما يأتي:\n١ - أن الدَّليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.\n٢ - أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث؛ فإن الّذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر ويسرة من الزّاد راغبًا فيما يستقبله راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأوّل في الحديث، ومَن توانى حتّى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف الثّاني، والصنف الثّالث هم الذين تحشرهم النّار وتسحبهم الملائكة.\n٣ - انَه تبيَّن من شواهد الأحاديث انه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنّما هي نارٌ تخرج في الدُّنيا، أنذر النّبيّ - ﷺ - بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.\n٤ - أن الحديث الّذي احتجُّوا به من رواية علي بن زيد - وهو مختلف في توثيقه - لا يخالف الأحاديث الّتي بيَّنت أن هذا الحشر في الدُّنيا، وقد وقع في حديث علي بن زيد المذكور عند الإِمام أحمد (^١) انهم \"يتَّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج\n_________\n(^١) \"مسند الإِمام أحمد\" (١٦/ ٣٦٥) (ح ٨٦٣٢)، تحقيق أحمد شاكر، أكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم، وذكر أن إسناده حسن، ولكن الحافظ ابن حجر ضعَّف راويه علي بن زيد بن جدعان.\nانظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨١).","vol":"1","page":428},{"text":"فيها ولا أكمة ولا حدب ولا شوك\" (^١).\nقال النوويّ: \"قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدُّنيا قبيل القيامة، وقبيل النفخ في الصور؛ بدليل قوله - ﷺ-: تحشر بقيتهم النّار؛ تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي\" (^٢).\nوقال الحافظ ابن كثير - بعد ذكره للأحاديث الواردة في خروج النّار مبينًا أن هذا الحشر في الدنيا -: \"فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي الأرض الشّام ... وهذا كله ممّا يدلُّ على أن هذا في آخر الزّمان حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النّار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق موتٌ، ولا ظهرٌ يُشترى، ولا أكل، ولا شرب، ولا لبس في العرصات\" (^٣).\nوأمّا حشر الآخرة؛ فإنّه قد جاء في الأحاديث أن النَّاس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلًا (^٤) بهمًا (^٥)، ففي الصّحيح عن ابن\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٢) \"شرح النووي لمسلم\" (١٧/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(^٣) \"النهاية/ الفتن والملاحم\" (١/ ٣٢٠ - ٣٢١)، تحقيق د. طه زيني، والعَرَصات هي الساحات الواسعة.\n(^٤) (غُرلًا): جمع أغرل، وهو الأقلف، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة الّتي يقطعها الخاتن من الذكر.\nانظر: \"النهاية في غربب الحديث\" (٣/ ٣٦٢)، و\"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٤).\n(^٥) (بهمًا): جمع بهيم، وهو في الأصل الّذي لا يخالطه لون سواه، والمعنى: =","vol":"1","page":429},{"text":"عبّاس؛ قال: قام فينا النّبيّ - ﷺ -، فقال: \"إنكم محشورون حفاة عراة غُرلًا؛ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وإن أول الخلق يُكْسى يوم القيامة إبراهيم الخليل\" (^١).\nقال ابن حجر: \"ومن أين للذين يُبْعَثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتّى يدفعوها في الشوارف\" (^٢).\nفدل هذا على أن هذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، ومَن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق، والله تعالى أعلم.\n* * * * *\n_________\n= ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض الّتي تكون في الدنيا.\nانظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ١٦٧).\n(^١) \"صحيح البخاريّ\"، كتاب الرقاق، باب الحشر، (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٢).","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>الخاتمة</span>\nوتشتمل على أهم نتائج البحث، وهي:\n١ - أن الإِيمان بأشراط السّاعة من الإِيمان بالغيب الّذي لا يتم إيمان المسلم إِلَّا بالإِيمان به.\n٢ - أن الإِيمان بأشراط السّاعة داخلٌ في الإِيمان باليوم الآخر.\n٣ - أن ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من الأخبار- سواء كانت متواترة أو آحادًا- يجب الإِيمان بها وقبولها، ولا يجوز ردُّها، فالعقائد تثبت بالخبر الصّحيح، ولو كان آحادًا.\n٤ - أن الرسول - ﷺ - قدْ أخبر أمته بما كان وما يكون إلى أن تقوم السّاعة، وقد نالت أشراط السّاعة من أخباره النصيب الأوفر.\n٥ - أن علم السّاعة ممّا استأثر الله تعالى به، فلم يُطْلع عليه مَلَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.\n٦ - لم يثبت حديثٌ صحيح في تحديد عمر الدُّنيا.\n٧ - أن أشراط السّاعة الصغرى ظهر كثيرٌ منها ولم يبق إِلَّا القليل.","vol":"1","page":431},{"text":"٨ - أن المراد بظهور أشراط السّاعة الصغرى ظهورًا كليًّا هو استحكام ظهور كلّ العلّامة حتّى لا يبقى ما يقابلها إِلَّا في النادر.\n٩ - ليس معنى كون الشيء من أشراط السّاعة أن يكون ممنوعًا، بل أشراط السّاعة تشتمل على المحرَّم والواجب والمباح والخير والشر.\n١٠ - لم يظهر إلى الآن شيء من أشراط السّاعة الكبرى.\n١١ - إذا ظهر أول أشراط السّاعة الكبرى؛ تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام؛ يتبع بعضها بعضًا.\n١٢ - أن ما ظهر من أشراط السّاعة هي معجزات للنبيﷺ -، وعَلَم من أعلام نبوته، حيث أخبر عن أشياء بأنها ستقع، فوقعت كما أخبر.\n١٣ - أن ظهور كثير من أشراط السّاعة دليلٌ على خراب هذا العالم، وانه قد قَرُبت نهايته، فهي كعلامات الموت الّتي تظهر على المحتضر.\n١٤ - أن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت؛ قفل إلى يوم القيامة.\n١٥ - أن طلوع الشّمس من مغربها ليس هو قيام السّاعة، بل يكون بعدها شيءٌ من أمور الدُّنيا؛ كالبيع، والشراء، ونحوهما.\n١٦ - أن آخر أشراط السّاعة الكبرى هو خروج النّار الّتي تحشر النَّاس إلى الشّام، وهذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة.\n١٧ - أن السّاعة لا تقوم إِلَّا على شرار النَّاس.\nنسأل الله العافية، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبيّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>فهرس المصادر والمراجع </span>مرتبة على الحروف الهجائية\n- القرآن الكريم\".\n- \"الإِبانة عن أصول الديانة\"، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، نشر دار البيان، دمشق، سنة ١٤٠١ هـ. والإِبانة أيضًا، بتحقيق د. فوقية حسين محمود، طبعة دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n- \"إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السّاعة\"، للشيخ محمود بن عبد الله التويجري، طبع مطابع الرياض، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.\n- \"الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل\"، للشيخ عبد العلّيم عبد العظيم، رسالة ماجستير بإشراف د. محمّد أبو شهبة، فرع الكتاب والسُّنَّة، كلية الشّريعة، جامعة أم القرى، سنة ١٣٩٧ - ١٣٩٨ هـ.\n- \"أديان الهند الكبرى/ مقارنة الأديان\"، للدكتور أحمد شلبي، الناشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة السّادسة، سنة ١٩٧٨ م.\n- \"الإِذاعة لما كان وما يكون بين يدي السّاعة\"، للسيد محمّد صديق حسن القنوجي البخاريّ، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٣٩٩ هـ.\n- \"الاستيعاب في معرفة الأصحاب\"، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ، تحقيق علي محمّد البجاوي، مطبعة نهضة مصر، القاهرة.\n- \"الإسلام عقيدة وشريعة\"، للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، بيروت.\n- \"الإِشاعة لأشراط السّاعة\"، للشريف محمّد بن رسول الحسيني البرزنجي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.\n- \"أشراط السّاعة وأسرارها\"، للشيخ محمّد سلامة جبر، طبع شركة الشعاع، الكويت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠١ هـ.\n- \"الإِصابة في تمييز الصّحابة\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، مصر، الناشر دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٣٢٨ هـ.\n- \"أعلام السنة المنشورة\"، المسمى: \"٢٠٠ سؤال وجواب في العقيدة الإِسلامية\"،","vol":"1","page":461},{"text":"للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، طبع دار النصر للطباعة الإِسلامية، مصر، الناشر: دار الاعتصام ودار الإِصلاح.\n- \"الأعلام/ قاموس تراجم\"، لخير الدين الزركلي، طبع دار العلم للملابين، بيروت، الطبعة الرّابعة، ١٩٧٩ م.\n- \"إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم\"، لأبي عبد الله محمّد بن خليفة الأبي المالكي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.\n- \"أنوار التنزيل وأسرار التّأويل/ تفسير البيضاوي\"، لأبي سعيد ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي، طبع مؤسسة شعبان، بيروت.\n- \"الإِيمان/ أركانه، حقيقته، نواقضه\"، د. محمّد نعيم ياسين، طبع جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n- \"الإِيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر\"، لأحمد عز الدين البيانوني، طبع مكتبة الهدى، حلب، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ.\n- \"الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير\"، للشيخ أحمد محمّد شاكر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.\n- \"البداية والنهاية\"، للحافظ إسماعيل بن كثير، طبع مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة الثّانية، سنة ١٩٧٤ م.\n- \"تاريخ الأمم والملوك\"، للإِمام أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ، طبعة دار الفكر، بيروت، بالتصوير عن المطبعة الحسينية المصرية، سنة ١٣٩٩ هـ.\n- \"تاريخ الجهمية والمعتزلة\"، للشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- \"تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري\"، لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله العسكري، دار الكتاب العربي، بيروت، سنة ١٣٩٩ هـ.\n- \"تجريد أسماء الصّحابة\"، للإِمام شمس الدين أبي عبد الله محمّد بن أحمد الذهبي، دار المعرفة، بيروت.\n- \"تحفة الأحوذي/ شرح جامع التّرمذيّ\"، لأبي العلّا محمّد عبد الرّحمن المباركفوري، تصحيح عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار الفكر، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":462},{"text":"- \"تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي\"، لجلال الدين عبد الرّحمن السيوطيّ، تحقيق: عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار الفكر ومطبعة السعادة، مصر.\n- \"تذكرة الحفاظ\"، للإِمام شمس الدين، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تصحيح عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي، دار إحياء التراث العربي.\n- \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة\"، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمّد بن أحمد القرطبي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n- \"تذكرة الموضوعات/ في ذيلها قانون الموضوعات والضعفاء\"، لمحمد طاهر بن علي الهندي الفتني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"ترتيب القاموس المحيط للفيروزآبادي\"، رتبه الأستاذ الطّاهر أحمد الزاوي، دار الكتب العلمية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"الترغيب والترهيب\"، للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تصحيح: مصطفى محمّد عمارة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثّالثة، ١٣٨٨ هـ.\n- \"التصريح بما تواتر في نزول المسيح\"، للشيخ محمّد أنور شاه الكشميري الهندي، ترتيب تلميذه الشّيخ محمّد شفيع، تحقيق وتعليق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتب المطبوعات الإِسلامية، ١٣٨٥ هـ.\n- \"تفسير غريب القرآن\"، لأبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق السَّيِّد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n- \"تفسير القرآن الحكيم/ تفسير المنار\"، للشيخ محمّد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثّانية، بالأوفست.\n- \"تفسير القرآن العظيم/ تفسير ابن كثير\"، للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق د. محمّد إبراهيم البنا وعبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور، دار الشعب، القاهرة.\n- \"تقريب التهذيب\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٥ هـ.\n- \"تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة النَّاس من الحديث\"، للشيخ عبد الرّحمن بن علي الشيباني، دار الكتاب العربي، بيروت.\n- \"تنزيه الشّريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة\"، للشيخ أبي الحسن علي بن","vol":"1","page":463},{"text":"محمّد بن عراق الكناني، تحقيق عبد الوهّاب عبد اللطيف وعبد الله محمّد الصديق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٩ هـ.\n- \"تهذيب التهذيب\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، حيدر آباد، الدكن، الطبعة الأولى ١٣٢٥ هـ.\n- \"تهذيب سنن أبي داود\"، للحافظ ابن القيم محمّد بن أبي بكر الدمشقي، طبع مع \"مختصر سنن أبي داود، للمنذري، تحقيق أحمد محمّد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n- \"تهذيب سيرة ابن هشام\"، لعبد السّلام هارون، طبع المجمع العلّمي العربي الإِسلامي، منشورات محمّد البداية، بيروت.\n- \"تهذيب الكمال في أسماء الرجال\"، للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تقديم عبد العزيز رباح وأحمد يوسف دقاق، نسخة مصورة عن النسخة الخطية بدار الكتب المصرية، الناشر دار المأمون للتراث، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ.\n- \"تيسير مصطلح الحديث\"، د. محمود الطحان، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩هـ.\n- \"جامع الأصول في أحاديث الرسول\"، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد بن الأثير، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، مطبعة الملاح ومكتبة البيان.\n- \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن/ تفسير الطّبريّ\"، للإِمام أبي جعفر محمّد بن جرير الطّبريّ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثّالثة، ١٣٨٨ هـ.\n- \"جامع البيان عن تأويل القرآن\"، تحقيق محمود محمّد شاكر وتخريج أحمد شاكر، دار المعارف، مصر.\n- \"جامع التّرمذيّ/ مع شرحه تحفة الأحوذي\"، للإِمام أبي عيسى التّرمذيّ، تصحيح عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار الفكر، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٩ هـ.\n- \"الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير/ بهامشه كنوز الحقائق للمناوي\"، للحافظ جلال الدين عبد الرّحمن السيوطيّ، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- \"الجامع لأحكام القرآن/ تفسير القرطبي\"، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.","vol":"1","page":464},{"text":"- \"الحاوي للفتاوي\"، للحافظ جلال الدين عبد الرّحمن السيوطيّ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٥ هـ.\n- \"خطبة الحاجة\"، للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٧ هـ.\n- \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال\"، للعلّامة صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي، تقديم الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإِسلامية، حلب، الطبعة الثّانية، ١٣٩١ هـ.\n- \"الحلال والحرام في الإسلام\"، د. يوسف القرضاوي، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية عشرة، ١٣٩٨ هـ.\n- \"دائرة معارف القرن العشرين\"، لمحمد فريد وجدي، مطابع دائرة معارف القرن العشرين-، الطبعة الثّانية، ١٣٤٣ هـ.\n- \"دراسات عن البهائية والبابية\"، مجموعة رسائل للأساتذة محب الدين الخطيب وعلي علي منصور ومحمد كرد علي ومحمد الفاضل، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٧ هـ.\n- \"دراسة حديث (نضر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية\"، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ.\n- \"دليل المستفيد عن كلّ مستحدث جديد\"، للشيخ عبد العزيز بن خلف بن عبد الله آل خلف، المطبعة العصرية، دمشق، ١٣٨٣ هـ.\n- \"ذكر أخبار أصبهان/ تاريخ أصبهان\"، للحافظ أبي نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، مطبعة بريل، ليدن، ١٩٣٤ م.\n- \"الرَّدِّ على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي\"، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n- \"الرسالة\"، للإِمام المطلبي محمّد بن إدريس الشّافعيّ، تحقيق وشرح أحمد محمّد شاكر، مطابع المختار الإِسلامي، دار السّلام، الناشر مكتبة التراث، القاهرة، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"رسالة التّوحيد\"، للشيخ محمّد عبده، تصحيح وتعليق محمّد رشيد رضا، طبع دار المنار، مصر، الطبعة الحادية عشرة، سنة ١٣٦٥ هـ.","vol":"1","page":465},{"text":"- \"الزهد\"، للإِمام عبد الله بن المبارك، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\"، للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، دمشق - بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة\"، للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ للمجلد الأوّل، والطبعة الرّابعة ١٣٩٨ هـ للمجلد الثّاني.\n- \"سنن ابن ماجه\"، للإِمام أبي عبد الله محمّد بن يزيد القزويني، حققه محمّد فؤاد عبد الباقي، دار التراث العربي.\n- \"سنن أبي داود/ مع شرحه عون المعبود\"، للإِمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق عبد الرّحمن محمّد عثمان، دار الفكر، الناشر المكتبة السلفية، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٩ هـ.\n- \"سنن النسائي/ مع شرح الحافظ السيوطيّ\"، للإِمام أبي عبد الرّحمن أحمد بن شعيب النسائي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، ١٣٤٨ هـ.\n- \"السنة ومكانتها في التشريع الإِسلامي\"، د. مصطفى السباعي، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٦ هـ.\n- \"سير أعلام النُّبَلاء\"، للإِمام شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٤٠٢ هـ.\n- \"شذرات الذهب في أخبار من ذهب\"، للعلّامة أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n- \"شرح السنة\"، للإِمام أبي محمّد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ.\n- \"شرح العقيدة الطحاوية\"، للعلّامة علي بن علي بن أبي العز الحنفي، حققها جماعة من العلماء وخرج أحاديثها الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الرّابعة، ١٣٩١هـ.\n- \"شرح الكوكب المنير/ المسمى مختصر التحرير\"، للعلّامة محمّد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي، تحقيق: د. محمّد الزميلي ود. نزيه حماد، دار الفكر،","vol":"1","page":466},{"text":"دمشق، ١٤٠٠ هـ، من منشورات مركز البحث العلّمي بجامعة أم القرى.\n- \"شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر\"، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، راجعه د. محمّد عوض وعلق عليه الشّيخ محمّد غياث الصباغ، منشورات مكتبة الغزالي، دمشق.\n- \"شرح النووي لصحيع مسلم\"، للإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي، طبع دار الفكر، بيروت.\n- \"الشفا بتعريف أحوال المصطفى\"، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، تحقيق أمين قرة علي وزملائه، طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم القرآن ومكتبة دمشق.\n- \"الشّيخ محمّد عبده وآراؤه في العقيدة\"، د. حافظ محمّد الجعبري، رسالة دكتوراه بإشراف د. سليمان دنيا، مقدمة من فرع العقيدة، كلية الشّريعة والدراسات الإِسلامية، جامعة أم القرى، سنة ١٤٠٢ هـ.\n- \"صحيح ابن خزيمة\"، للإمام أبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق د. محمّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإِسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٩١ هـ.\n- \"صحيح البخاريّ/ مع شرحه فتح الباري\"، للإِمام محمّد بن إسماعيل البخاريّ، تحقيق الشّيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي وإخراج محب الدين الخطيب، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية بالرياض.\n- \"صحيح الجامع الصغير وزيادته\"، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، الطبعة الأولى، ١٣٨٨ هـ.\n- \"صحيح مسلم/ بشرح النووي\"، للإِمام مسلم بن الحجاج القشيري، دار الفكر. بيروت، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٨ هـ.\n- \"صراع مع الملاحدة حتّى العظم\"، للشيخ عبد الرّحمن حبنكة الميداني\". دار القلم، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٤ هـ.\n- \"ضحى الإسلام\"، للأستاذ أحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة العاشرة.\n- \"ضعيف الجامع الصغير وزيادته / الفتح الكبير\"، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":467},{"text":"- \"طبقات الحنابلة\"، للقاضي أبي الحسين محمّد بن أبي يعلى، دار المعرفة، بيروت.\n- \"طريق الإِيمان\"، للشيخ عبد المجيد الزنداني، المكتب الإِسلامي، دمشق، الطبعة الثّانية، ١٣٩٨هـ.\n- \"العبر وديوان المبتدأ والخبر/ مقدمة تاريخ ابن خلدون\"، للمؤرخ عبد الرّحمن بن خلدون المغربي، دار الكتاب اللباني، بيروت، ١٩٦٧ م.\n- \"العقائد الإِسلامية\"، للشيخ سيد سابق، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n- \"عقد الدرر في أخبار المنتظر\"، للشيخ يوسف بن يحيى بن علي المقدسي السلمي، تحقيق د. عبد الفتاح محمّد الحلو، طبع مكتبة عالم الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- \"العقيدة الإِسلامية سفينة النجاة\"، د. كمال محمّد عيسى، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n- \"العقيدة الإِسلامية وأسسها\"، للشيخ عبد الرّحمن حبنكة الميداني، دار القلم، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى -﵇-\"، للشيخ أبي الفضل عبد الله محمّد الصديق الغماري، مطبعة المختار، الناشر مكتبة القاهرة.\n- \"عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر\"، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n- \"العقيدة الركن الأوّل في الإسلام\"، للشيخ محمّد الفاضل الشريف التقاوي، دار العلوم للطباعة، القاهرة.\n- \"العقيدة في الله\"، د. عمر سليمان الأشقر، نشر دار النفائس بيروت ومكتبة الفلاح الكويت، الطبعة الثّانية، ١٩٧٩ م.\n- \"عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين\"، للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، المطابع الأهلية للأوفست، الرياض، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠١ هـ.\n- \"عقيدة المؤمّن\"، للشيخ أبي بكر جابر الجزائري، مطبعة النهضة الجديدة، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n- \"العلل المتناهية في الأحاديث الواهية\"، للإمام أبي الفرج عبد الرّحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق الأستاذ رشاد الحق الأثري، الناشر إدارة ترجمان السنة، لاهور.","vol":"1","page":468},{"text":"- \"عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير\"، اختيار وتحقيق الشّيخ أحمد محمّد شاكر، دار المعارف، مصر، سنة ١٣٧٦ - ١٣٧٧ هـ\n- \"عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ\"، للعلّامة بدر الدين أبي محمّد محمود بن أحمد العيني، دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n- \"العواصم من القواصم\"، للعلّامة أبي بكر بن العربي المالكي، تحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة، الطبعة الثّالثة، ١٣٨٧ هـ.\n- \"عون المعبود شرح سنن أبي داود\"، للعلّامة أبي الطيب محمّد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق عبد الرّحمن محمّد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٩ هـ.\n- \"علامات يوم القيامة/ مختصر النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير\"، للشيخ عبد اللطيف عاشور، طبع مكتبة القرآن، الطبعة الأولى.\n- \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\"، للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n- \"الفتاوى\"، للشيخ محمود شلتوت، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثامنة، ١٣٩٥ هـ.\n- \"فتاوى الإِمام النووي\"، المسمى: \"المسائل المنثورة \"، ترتيب تلميذه الشّيخ علاء الدين بن العطار، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢ هـ.\n- \"فتح الباري/ شرح صحيح البخاريّ\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق الشّيخ عبد العزيز بن باز، نشر إدارات البحوث العلمية والإِفتاء، الرياض.\n- \"الفتح الرباني لترتيب مسند الإِمام أحمد بن حنبل الشيباني\"، للشيخ أحمد عبد الرّحمن البنا الساعاتي، دار الحديث، القاهرة.\n- \"فتح القدير/ تفسير الشوكاني\"، للعلّامة محمّد بن علي الشوكاني، دار الفكر، الناشر محفوظ علي، بيروت، الطبعة الثّالثة، ١٣٩٣ هـ.\n- \"الفرقان بين أولياء الرّحمن وأولياء الشيطان\"، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مطابع الرياض، الطبعة الثّانية، ١٣٧٥ هـ.\n- \"الفرق بين الفرق\"، للعلّامة عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.","vol":"1","page":469},{"text":"- \"فضائح الباطنية\"، للعلّامة أبي حامد محمّد الغزالي، تحقيق عبد الرّحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.\n- \"فقه السيرة\"، للشيخ محمّد الغزالي، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، مطبعة حسان، الطبعة السابعة، ١٩٧٦ م.\n- \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\"، للعلّامة محمّد بن علي الشوكاني، تحقيق عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٢ هـ.\n- \"في سراة عامد وزهران\"، للشيخ حمد الجاسر، منشورات دار اليمامة، الرياض، ١٣٩١ هـ.\n- \"فيض القدير شرح الجامع الصغير\"، للعلّامة محمّد عبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩١هـ.\n- \"في ظلال القرآن\"، للأستاذ سيد قطب، دار الشروق، بيروت، الطبعة الشرعية الخامسة، ١٣٩٧ هـ.\n- \"في العقيدة الإِسلامية بين السلفية والمعتزلة\"، د. محمود أحمد خفاجي، مطبعة الأمانة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- \"القادياني والقاديانية\"، للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، الدَّار السعودية للنشر، جدة، الطبعة الرّابعة، ١٣٩١هـ.\n- \"القادياني ومعتقداته\"، للشيخ منظور أحمد الباكستاني، الإِدارة المركزية، الدّعوة والإرشاد، جنيوت، باكستان.\n- \"قاضي القضاة عبد الجبار أحمد الهمداني\"، د. عبد الكريم عثمان، الدَّار العربيّة للطباعة والنشر، بيروت.\n- \"قبسات من هدي الرسول الأعظم - ﷺ -\"، للشيخ علي الشربجي، دار القلم، دمشق،\nالطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n- \"القرامطة وآراؤهم الاعتقادية\"، للشيخ سليمان بن عبد الله السلومي، رسالة ماجستير بإشراف الشّيخ محمّد الغزالي، مقدمة من فرع العقيدة، كلية الشّريعة والدراسات الإِسلامية بجامعة أم القرى، ١٤٠٠ هـ.\n- \"قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث\"، للعلّامة محمّد جمال الدين القاسمي،","vol":"1","page":470},{"text":"دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- \"القول المسدَّد في الذب عن المسند للإِمام أحمد\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الدكن، الهند، الطبعة الثّالثة، ١٤٠٠ هـ.\n- \"كشف الخفا ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة النَّاس\"، للعلّامة إسماعيل بن محمّد العجلوني، تصحيح أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n- \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\"، للشيخ مصطفى بن عبد الله الرومي، المعروف بحاجي خليفة، دار الفكر، ١٤٠٢ هـ.\n- \"كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال\"، للعلّامة علاء الدين علي المتقي الهندي، نشر مكتبة التراث الإِسلامي حلب ومؤسسة الرسالة بيروت.\n- \"اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة\"، للحافظ جلال الدين عبد الرّحمن. السيوطيّ، دار المعرفة، بيروت.\n- \"لسان العرب\"، للعلّامة أبي الفضل محمَّد بن مكرم بن منظور، دار الفكر، نشر دار صادر، بيروت.\n- \"لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرر المضية في عقد الفرقة المرضية\"، للعلّامة محمّد بن أحمد السفاريني، تعليق الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان، منشورات مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثّانية، ١٤٠٢ هـ.\n- \"مجلة الجامعة الإِسلامية\"، العدد الخامس والأربعون والسّادس والأربعون، سنة ١٤٠٠ هـ.\n- \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد\"، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٩٦٧ م.\n- \"مجموع الفتاوى\"، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع الشّيخ عبد الرّحمن بن قاسم، مطابع الدَّار العربيّة، بيروت، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n- \"المحلى\"، للحافظ أبي محمّد علي بن أحمد بن حزم، تحقيق أحمد محمّد شاكر، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.\n- \"مختصر الأخبار المشاعة في الفتن وأشراط السّاعة\"، للشيخ عبد الله بن سليمان","vol":"1","page":471},{"text":"المشعل، مطابع الرياض، الطبعة الأولى.\n- \"مختصر الترغيب والترهيب\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق الشّيخ عبد الله حجاج، مطبعة المتقدم، القاهرة، الطبعة الرّابعة، ١٤٠٢ هـ.\n- \"مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"، للحافظ محمّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، اختصره الشّيخ محمّد بن الموصلّي، الناشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n- \"مختصر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية\"، للشيخ محمَ بن علي بن سلوم، تحقيق محمّد زهري النجار، الطبعة الأولى، ١٣٨٦ هـ.\n- \"المستدرك على الصحيحين/ مع ذيله التلخيص للإِمام الذهبي\"، للإِمام أبي عبد الله محمّد بن عبد الله النيسابوري الحاكم، دار الكتاب العربي، بيروت.\n- \"مسند الإِمام أحمد بن حنبل/ بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال\"، طبع المكتب الإِسلامي ودار الفكر بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٨ هـ.\n- \"المسند\"، للإِمام أحمد بن محمّد بن حنبل، شرح وتحقيق الشّيخ أحمد محمّد شاكر، أتمه د. الحسيني عبد المجيد هاشم، دار المعارف بمصر، سنة ١٣٦٥ - ١٣٧٥ هـ.\n- \"المسيحية/ مقارنة الأديان\"، د. أحمد شلبي، الناشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة السّادسة، ١٩٧٨ م.\n- \"مشارق الأنوار على صحاح الآثار\"، للقاضي أبي الفضيل عياض بن موسى اليحصبي، دار التراث، القاهرة.\n- \"مشكاة المصابيح\"، للعلّامة محمّد بن عبد الله التبريزي، تحقيق الشّيخ محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"المصنِّف\"، للحافظ أبي بكر عبد الرزّاق بن همام الصنعاني، تحقيق الشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي، المكتب الإِسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٢ هـ.\n- \"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع/ الموضوعات الصغرى\"، للعلّامة علي القاري الهروي، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٨ هـ.\n- \"المطالب العالية بزوائد المسانيد المْانية\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر","vol":"1","page":472},{"text":"العسقلاني، تحقيق الشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي.\n- \"معارج القبول شرح مسلم الوصول إلى علم الأصول في التّوحيد\"، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، المطبعة السلفية ومكتبتها.\n- \"معالم السنن/ على مختصر سنن أبي داود للمنذري\"، للحافظ أبي سليمان حمد بن محمّد الخطابي، تحقيق أحمد محمّد شاكر ومحمد حامد الفقي، الناشر دار المعرفة، بيروت ١٤٠٠ هـ.\n- \"معجم البلدان\"، للعلّامة شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ١٣٩٧ هـ.\n- \"المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي\"، رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين، ونشره ده أ. ي فنسنك، طبع مكتبة بريل، في مدينة ليدن، سنة ١٩٣٦ م.\n- \"المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم\"، وضعه الشّيخ محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- \"مع رسل الله وكتبه واليوم الآخر\"، للشيخ حسن أيوب، دار القلم، بيروت.\n- \"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة\"، للعلّامة أبي الخير محمّد بن عبد الرّحمن السخاوي، تصحيح عبد الله محمّد الصديق، وتقديم عبد الوهّاب عبد اللطيف، دار الأدب العربي للطباعة، نشر مكتبة الخانجي، مصر، ١٣٨٥ هـ.\n- \"مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلّين\"، للإِمام أبي الحسن الأشعري، تحقيق الشّيخ محمّد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثّانية، ١٣٨٩ هـ.\n- \"مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث\"، للحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرّحمن المعروف بابن الصلاح، دار الكتب العلمية بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n- \"الملل والنحل\"، للعلّامة أبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمّد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٣٩٥ هـ.\n- \"المنار المنيف في الصّحيح والضعيف\"، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمّد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق الشّيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مكتب المطبوعات الإِسلامية، جمعية التعليم الشرعي، حلب، ١٣٩٠ هـ.","vol":"1","page":473},{"text":"- \"المنتقى من منهاج الاعتدال\"، للحافظ أبي عبد الله محمّد بن عثمان الذهبي، تحقيق محب الدين الخطيب.\n- \"منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود\"، للشيخ أحمد عبد الرّحمن البنا الساعاتي، الناشر المكتبة الإِسلامية، بيروت، الطبعة الثّانية، ١٤٠٠ هـ.\n- \"منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية\"، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، الناشر مكتبة الرياض الحديثة.\n- \"المنهاج في شعب الإِيمان\"، للحافظ أبي عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي، تحقيق حلمي محمّد فوده، دار الفكر، الطبعة الأولى.\n- \"المهدي وأشراط السّاعة\"، للشيخ محمّد علي الصابوني، منشورات مكتبة الغزالي دمشق ومؤسسة مناهل العرفان بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n- \"مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام\"، للأستاذ محمّد عبد الله عنان، مطبعة لجنة التأليف والنشر، مؤسسة الخانجي، القاهرة، الطبعة الرّابعة، ١٣٨٢ هـ.\n- \"الموضوعات\"، للعلّامة أبي الفرج عبد الرّحمن بن محمّد بن الجوزي، تحقيق عبد الرّحمن محمّد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٣٨٦ هـ.\n- \"الموطَّأ\"، للإمام مالك بن أنس، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية، طبعة عيسى البابي الحلبي.\n- \"موقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم\"، لأبي لبابة حسين، دار اللواء، الرياض، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n- \"ميزان الاعتدال في نقد الرجال\"، للحافظ أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق علي محمّد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٨٢ هـ.\n- \"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\"، للشيخ جعفر الحسني الإِدريسي الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n- \"نهاية البداية والنهاية في الفتن والملاحم\"، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق محمّد فهيم أبو عبية، الناشر مكتبة النصر الحديثة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٩٦٨ م.\n- \"النهاية/ الفتن والملاحم\"، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق د. طه زيني، دار","vol":"1","page":474},{"text":"النصر للطباعة، الناشر دار الكتب الحديثة، مصر، الطبعة الأولى.\n- \"النهاية في غريب الحديث والأثر\"، للعلّامة مسجد الدين المبارك بن الأثير الجزري، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي، دار الفكر، الطبعة الثّانية، ١٣٩٩ هـ.\n- \"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار\"، للعلّامة محمّد بن علي الشوكاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الأخيرة.\n- \"هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاريّ\"، للسيد عبد الرحيم عنبر الطهطاوي، دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٧٩ م.\n- \"هدي الساري، مقدمة فتح الباري\"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تصحيح الشّيخ محب الدين الخطيب، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء، الرياض.\n- \"وجاء دور المجوس\"، د. عبد الله محمّد الغريب، دار الجيل، مصر، ١٩٨١ م.\n- \"وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة\"، للشيخ محمّد ناصر الدين الألباني، دار العلم، بنها، مصر.\n- \"الورقات\"، لإِمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، تقديم وإعداد د. عبد اللطيف محمّد العبد، دار التراث للطبع والنشر، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ.\n- \"لا مهدي ينتظر بعد الرسول - ﷺ - خير البشر\"، للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، مطابع علي بن علي، الدوحة.\n- \"اليوم الآخر في ظلال القرآن\"، للشيخ أحمد فائز، مطبعة خالد حسن الطرابيشي، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":475}]}